بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي (١)
الحمدُ لله الذي شَرَح صَدرَ مَنْ أراد هِدايَته للإسلامِ، وفقَّه في الدِّينِ مَنْ أرادَ به خيرًا، وفهمَّه فيما أحْكَمه مِن الأحْكامِ، أحْمَدُه أن جعلَنا مِن خَيرِ أمَّةٍ أُخْرِجت للناسِ، وخَلَع علينا خِلْعةَ الإسلامِ خيرَ لباسٍ، وشرَع لنا مِن الدِّينِ ما وصَّى به نوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى، وأوحاه إلى محمدٍ عليه وعليهم الصلاةُ والسلامُ، وأشْكُرُه وشُكْر المنعِمِ واجبٌ على الأَنامِ.
وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له ذو الجلالِ والإكرامِ، وأشهدُ أنَّ سيَّدَنا (٢) محمدًا عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وخليلُه، المبعوثُ لبيانِ الحَلالِ والحَرامِ، صَلَّى اللهُ وسلم عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصحبِه وتابعيهم الكرامِ.
أما بعدُ:
فهذا شرحٌ لطيفٌ على مختصرِ المقنِع للشيخِ الإمامِ العلَّامةِ، والعُمْدةِ القُدوةِ الفهَّامةِ، هو: شرفُ الدِّينِ أبو النِّجا موسى بنُ
_________________
(١) في (ق): نستعين.
(٢) في (أ) و(ق): سيدنا ونبينا.
[ ١ / ٥٩ ]
أحمدَ بنِ موسى بنِ سالمِ بنِ عيسى بنِ سالمِ المقدسيِّ الحَجَّاويِّ ثم الصالحيِّ الدِّمشقيِّ -تغمَّدَه اللهُ برحمتِه، وأباحَه بحبوحةَ جنَّتِه-، يُبَيِّنُ حقائقَه، ويوضِّحُ معانيَه ودقائقَه، مع ضمِّ قيودٍ يتعيَّنُ التنبيه عليها، وفوائدَ يُحتاجُ إليها، مع العَجزِ وعدمِ الأهليَّةِ لسُلُوكِ تلكَ المسالِكِ، لكن ضرورةَ كونِه لم يُشرَحْ اقْتَضت ذلك.
واللهُ المسئولُ بفضلِه أنْ يَنفعَ به كما نفَع بأصلِه، وأنْ يجعلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ، وزُلْفى لدَيْه في جنَّاتِ النَّعيمِ المقيمِ.
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أي: بكلِّ اسمٍ للذَّاتِ الأقْدَسِ، المسمَّى بهذا الاسمِ الأَنفسِ، الموصوفِ بكمالِ الإنعامِ وما دونَه، أو بإرادةِ ذلك، أؤلِّفُ مُستعينًا أو مُلابِسًا على وجهِ التَّبركِ.
وفي إيثارِ هذين الوصفين المفيدَين للمبالَغةِ في الرَّحمةِ إشارةٌ لسبقِها وغلبتِها (١) على أضدادِها وعدمِ انقطاعِها.
وقدَّم (الرَّحْمَنِ)؛ لأنه عَلَمٌ في قولٍ، أو كالعَلَمِ مِن حيثُ إنَّه لا يوصَفُ به غيرُه تعالى؛ لأن معناه المُنعِمُ الحقيقي، البالغُ في
_________________
(١) قوله: (وغلبتها) سقطت من (أ) و(ب)، وفيهما وفي (ق) زيادة: من حيث ملاصقتها لاسم الذات، وغلبتها من حيث تكرارها.
[ ١ / ٦٠ ]
الرحمةِ غايتَها، وذلك لا يَصْدُق على غيرِه.
وابتدأ بها تأسِّيًا بالكتابِ العزيزِ، وعملًا بحديثِ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (١)، أي: ناقصُ البركةِ، وفي روايةٍ: «بِالحَمْد لِله» (٢)؛
فلذلك جَمَع بينَهما فقال:
_________________
(١) رواه الخطيب البغدادي في الجامع لآداب الراوي (١٢١٠)، من طريق أحمد بن محمد بن عمران، أنا محمد بن صالح البصري، نا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، نا يعقوب بن كعب الأنطاكي، نا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (أقطع)، بدل (أبتر)، ولكن ابن عمران، المعروف بابن الجندي، قال فيه الخطيب: (وكان يُضَعَّف في روايته)، وقال ابن حجر عن رواية البسملة: (وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية)، وقال الألباني: (ضعيف جدًا آفته ابن عمران هذا). وأطال السبكي في تصحيحه، إلا أنه أجاب عن علل أخرى ذُكرت في الحديث، ولم يتطرق لضعف ابن عمران. ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٤٤، طبقات الشافعية ١/ ١٢، فتح الباري ٨/ ٢٢٠، الإرواء ١/ ٢٩.
(٢) رواه أبو داود (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١٨٩٤)، وابن حبان (١)، من طريق قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم)، ولفظ ابن ماجه: (لا يبدأ فيه بالحمد أقطع)، صححه ابن حبان وأبو عوانة، وحسنه ابن الصلاح والنووي وابن الملقن والسبكي والسيوطي. وقد روي مرسلًا، ورجحه النسائي والدارقطني والألباني، وأشار إليه أبو داود والبيهقي، قال أبو داود: (رواه يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلًا)، وقال الدارقطني: (تفرد به قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأرسله غيره عن الزهري، عن النبي ﷺ، وقرة ليس بقوي في الحديث، والمرسل هو الصواب)، وقال ابن حجر: (في إسناده مقال). ومن رجَّح الموصول قال: (هي زيادة من ثقة قبلت، وقرة من رجال مسلم وإن تكلم فيه)، وقد تابعه سعيد بن عبد العزيز عند النسائي في الكبرى (١٠٢٥٦)، وله شاهد من حديث كعب مرفوعًا عند الطبراني (١٤١)، وفيه صدقة بن عبد الله وهو ضعيف. ينظر: سنن الدارقطني ١/ ٤٢٧، السنن الكبرى ٣/ ٢٩٥، المجموع ١/ ٧٣، البدر المنير ٧/ ٥٢٨، فتح الباري ٨/ ٢٢٠، فيض القدير ٥/ ١٢، إرواء الغليل ١/ ٣٠.
[ ١ / ٦١ ]
(الحَمْدُ لِله)، أي: جنسُ الوَصفِ بالجميلِ، أو كلُّ فردٍ منه مملوكٌ أو مستحقٌّ للمعبودِ بالحقِّ، المتَّصفِ بكلِّ كمالٍ على الكمالِ.
والحمدُ: الثَّناءُ بالصفاتِ الجميلةِ والأفعالِ الحسنةِ، سواءٌ كان في مُقابلةِ نِعمةٍ أمْ لا.
وفي الاصطلاحِ: (١) فعلٌ يُنبئُ عن تعظيمِ المنعِمِ بسببِ كونِه مُنعِمًا على الحامدِ أو غيرِه.
والشُّكرُ لغةً: هو الحمدُ (٢).
واصطلاحًا: صَرْفُ العبدِ جميعَ ما أنعَمَ اللهُ به عليه لِمَا خُلِقَ لأجلِه، قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣].
وآثَرَ لفظةَ (٣) الجلالةِ دونَ باقي الأسماءِ؛ كالرحمنِ والخالقِ؛ إشارةً إلى أنَّه كما يُحمدُ لصفاتِه يُحمدُ لذاتِه (٤)، ولئلا يُتوهَّمَ اختصاصُ استحقاقِه الحمدَ بذلك الوصفِ دونَ غيرِه.
_________________
(١) من هنا يبدأ الأصل.
(٢) في (أ) و(ح): الحمد اصطلاحًا.
(٣) في (أ): لفظ.
(٤) مكررة في (ح).
[ ١ / ٦٢ ]
(حَمْدًا) مفعولٌ مطلقٌ مُبيِّن لنوعِ الحمدِ؛ لوصفِه بقولِه: (لا يَنْفَدُ)، بالدالِ المهملةِ وفتحِ الفاءِ، ماضيه (١): نَفِد بكسرِها، أي: لا يفرغُ.
(أفْضَلَ مَا يَنْبغِي)، أي: يُطلَبُ، (أَنْ يُحْمَدَ)، أي: يُثنى عليه ويوَصفُ، و(أفْضَلَ) منصوبٌ على أنه بدلٌ مِن (حَمْدًا)، أو صفتُه، أو حالٌ منه، و(مَا): موصولٌ اسمي، أو نكرةٌ موصوفةٌ، أي: أفضلُ الحَمدِ الذي يَنبغي، أو أفضلُ حَمْدٍ يَنبغي حمدُه به.
(وَصَلَّى اللهُ)، قال الأزهري: (معنى الصَّلاةِ مِن اللهِ: الرَّحمةُ، ومِن الملائكةِ: الاستغفارُ، ومِن الآدميين: التَّضرعُ والدُّعاءُ) (٢)، (وسَلَّمَ)، مِن السَّلامِ، بمعنى: التحيةِ، والسَّلامةِ (٣) مِن النقائصِ والرذائلِ، أو الأمانِ (٤).
والصَّلاةُ عليه ﷺ مستحبَّةٌ، تَتأكَّدُ (٥) يومَ الجمعةِ وليلتَها، وكذا كلَّما ذُكِر اسمه، وقيل بوجوبِها إذًا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: ٥٦]، وروي: «مَنْ صَلَّى
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ق): ماضي.
(٢) قال الأزهري: (فالصلاة من الملائكة دعاء واستغفار، ومن الله سبحانه رحمة). ينظر: تهذيب اللغة ١٢/ ١٦٦.
(٣) في (أ) و(ب) و(ح): أو السلام.
(٤) في (ق): والأمان.
(٥) في (أ) و(ب) و(ق): بتأكد.
[ ١ / ٦٣ ]
عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الملَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الكِتَابِ» (١).
وأتَى بالحمدِ بالجملةِ الاسميةِ الدَّالةِ على الثُّبوتِ والدَّوامِ؛ لثبوتِ مالِكيَّةِ الحمدِ، أو استحقاقِه له أزلًا وأبدًا، وبالصَّلاةِ بالفعليةِ الدَّالةِ على التَّجددِ، أي: الحدوثِ؛ لحدوثِ المسئولِ وهي (٢) الصَّلاةُ، أي: الرَّحمةُ (٣) مِن اللهِ.
(عَلَى أَفْضَلِ المُصْطَفَيْنَ مُحَمَّدٍ) بلا شكٍ؛ لقولِه ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» (٤)، وخُصَّ بِبِعْثَتِه (٥) إلى الناسِ كافَّةً، وبالشفاعةِ،
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط (١٨٣٥) من حديث أبي هريرة، وفيه: بشر بن عبيد، كذَّبه الأزدي. ورواه قوَّام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٦٩٧) من طريق آخر عن أبي هريرة. وفيه: عبدالسلام بن محمد المصري، قال فيه الدارقطني: (ضعيف جدًا، منكر الحديث)، لذا حكم ابن الجوزي والذهبي وابن حجر على الحديث بالوضع، وقال الألباني: (ضعيف جدًا)، قال ابن القيم: (وقد روي موقوفًا من كلام جعفر بن محمد وهو أشبه). ينظر: الموضوعات ١/ ٢٢٨، جلاء الأفهام ص ١١٦، ميزان الاعتدال ١/ ٣٢٠، لسان الميزان ٢/ ٢٦، السلسلة الضعيفة ٧/ ٣٢٠.
(٢) في (أ) و(ب) و(ق): وهو.
(٣) سقط من (ق) إلى قوله في صفحة : (أو على حسبنا).
(٤) رواه ابن ماجه (٤٣٠٨) بهذا اللفظ، ورواه أحمد (١٠٩٨٧)، والترمذي (٣١٤٨) بلفظ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)، كلهم من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه مسلم (٢٢٧٨) وغيره، من حديث أبي هريرة بلفظ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة).
(٥) في (أ) و(ب): ببعثه.
[ ١ / ٦٤ ]
والأنبياءُ تحتَ لوائِه.
والمُصطَفون: جمعُ مُصطَفى، وهو المختارُ، مِن الصَّفوةِ، وطاؤه مُنقلبةٌ عن تاءٍ.
ومحمدٌ مِن أسمائِه ﷺ، سُمِّيَ به؛ لكثرةِ خِصالِه الحميدةِ، سُمِّي به قبلَه سبعةَ عَشَرَ شَخْصًا - على ما قاله ابنُ الهائِمِ عن بعضِ الحفَّاظِ (١) - بخلافِ أحمدَ، فإنه لم يُسَمَّ به قبلَه.
(وَعَلى آلِهِ)، أي: أتباعِه على دينِه، نصَّ عليه أحمدُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، ذَكَره في شرحِ التحريرِ (٢)، وقدَّمهم للأمرِ بالصَّلاةِ عليهم، وإضافتُه إلى المُضمرِ جائزةٌ عندَ الأكثرِ، وعَمَلُ أكثرِ المصنِّفين عليه، ومَنَعَه جمعٌ، منهم: الكِسائيِّ والنَّحاسِ والزبيدي (٣).
(وَأَصْحابِهِ): جمعُ صاحبٍ (٤)، بمعنى: الصحابي، وهو مَن اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا ومات على ذلك، وعَطْفُهم على الآل مِن عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ، وفي الجمْعِ بين الصحبِ والآلِ مخالفةٌ
_________________
(١) التحبير شرح التحرير (١/ ٩٠).
(٢) التحبير شرح التحرير (١/ ٩٣) فقال: (وهذا هو الصحيح من المذاهب، نص عليه الإمام أحمد، وعليه أكثر الأصحاب).
(٣) المصباح المنير (١/ ٢٩).
(٤) في (أ): جمع صحب، جمع صاحب. وفي (ب): جمع صحب.
[ ١ / ٦٥ ]
للمبتدعةِ؛ لأنَّهم يُوَالون الآل دونَ الصَّحبِ.
(وَمَنْ تَعَبَّدَ)، أي: عَبَد الله تعالى، والعبادةُ: ما أُمر به شرعًا مِن غيرِ اطِّرادٍ عُرفي ولا اقتضاءٍ عقلي.
(أمَّا بَعْدُ)، أي: بعدَ ما ذُكِر مِن حَمْدِ اللهِ والصلاةِ والسلام على رسولِه، وهذه الكلمةُ يؤتَى بها للانتقالِ مِن أسلوبٍ إلى غيرِه، ويُستحبُ الإتيانُ بها في الخُطَبِ والمكاتباتِ؛ اقتداءً به ﷺ، فإنه ﷺ كان يأتي بها في خُطبِه وشَبَهِها، حتى رواه الحافظُ عبدُ القاهرِ (١) الرُّهاوي في الأربعين التي له عن أربعين صحابيًا، ذكره ابنُ قندسٍ في حواشي المحرَّرِ (٢)،
وقيل: إنها فَصْلُ الخطابِ
_________________
(١) في نسخة بهامش (أ) بالدال بدل الهاء، فتكون (عبد القادر) وهو الصواب، وقال المنذري: (جمع مجاميع مفيدة، منها: كتاب "الأربعين" الذي خرجه بأربعين إسنادًا، لا يتكرر فيه رجل واحد من أولها إلى أخرها، مما سمعه في أربعين مدينة). ينظر: ذيل الطبقات لابن رجب ٣/ ١٧٨.
(٢) أورد الرهاوي في رسالته ما جاء عن النبي ﷺ في الفصل بـ (أما بعد)، في الخطب والمراسلات، على سبيل من صنَّف في الأربعينات. وحاشية ابن قندس على المحرر غير مطبوعة. وقد جاء ذلك في عدد من الأحاديث، منها: ما رواه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣)، من حديث ابن عباس، في كتاب النبي ﷺ لهرقل، وفيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم» الحديث. ما رواه مسلم (٨٦٧)، من حديث جابر في خطبة الجمعة، وفيه: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».
[ ١ / ٦٦ ]
المشارِ إليه في الآيةِ (١)، والصحيحُ: أنَّه الفصلُ بينَ الحقِّ والباطلِ.
والمعروفُ بناءُ (بَعْدُ) على الضمِّ، وأجاز بعضُهم تنوينَها مرفوعةً ومنصوبةً، والفتحُ بلا تنوينٍ على تقديرِ المضافِ إليه.
(فَهَذَا)، إشارةٌ إلى ما تَصَوَّرَه في الذِّهنِ، وأقامَه مقامَ المكتوبِ المقروءِ والموجودِ (٢) بالعيانِ، (مُخْتَصَرٌ)، أي: موجزٌ، وهو ما قلَّ لفْظُه وكَثُرت معانيه، قال علي ﵁: (خَيرُ الكَلامِ مَا قَلَّ وَدَلَّ، وَلَمْ يُطَلْ فَيُمَلَّ) (٣)، (فِي الفِقْهِ)، وهو لغةً: الفَهمُ، واصطلاحًا: معرفةُ الأحكامِ الشرعيةِ الفرعيةِ بالاستدلالِ بالفعلِ أو بالقوةِ القريبةِ، (مِنْ مُقْنِع)، أي: مِن الكتابِ المسمى بالمقنِعِ، تأليفُ: (الإِمَام) المقتَدَى به، شيخِ المذهبِ: (المُوَفَّقِ أَبِي مُحَمَّدٍ) عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ قدامةَ المقدسيِّ، تغمَّده الله برحمتِه، وأعاد علينا مِن بركتِه، (عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ)، وكذلك صنعتُ في شرحِه، فلم أتَعرَّض للخلافِ؛ طلبًا للاختصارِ، (وَهُوَ)، أي: ذلك القولُ
_________________
(١) وهي قوله تعالى: (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) [ص: ٢٠]، كما جاء عن أبي موسى الأشعري والشعبي. ينظر: تفسير الطبري ٢٠/ ٥١، تفسير القرطبي ١٥/ ١٦٢.
(٢) الواو غير موجودة في جميع النسخ.
(٣) نسب الثعالبي هذا الكلام لأبي عبدالله وزير المهدي. ينظر: الإيجاز والإعجاز ص ٩٧.
[ ١ / ٦٧ ]
الواحدُ الذي يَذْكرُه ويَحْذفُ ما سِواه مِن الأقوالِ -إن كانت- هو القولُ (الرَّاجِحُ)، أي: المعتمدُ (فِي مَذْهَبِ) إمامِ الأئمةِ وناصرِ السنةِ، أبي عبدِ اللهِ (أَحْمَدَ) بنِ محمدِ بنِ حنبلٍ الشيبانيِّ، نِسبَةً لجدِّه شيبانَ بنِ ذُهْلِ بنِ ثعلبةَ.
والمَذْهبُ في الأصلِ: الذَّهابُ، أو زمانُه، أو مكانُه، ثم أُطْلقَ على ما قاله المجتهدُ بدليلٍ ومات قائلًا به، وكذلك (١) ما أُجْري مجرى قولِه، من فعلٍ أو إيماءٍ ونحوِه.
(وَرُبَّما حَذَفْتُ مِنْهُ مَسَائِلَ)، جمعُ مسألةٍ، من السؤالِ: وهي ما يُبَرْهَن (٢) عنه في العلمِ، (نَادِرَةَ)، أي: قليلةَ (الوُقُوعِ)؛ لعدمِ شدَّةِ الحاجةِ إليها، (وَزِدْتُ) على ما في المقنعِ مِن الفوائدِ، (مَا عَلَى مِثْلِهِ يُعتَمدُ)، أي: يُعَوَّلُ؛ لموافقتِه الصحيحَ، (إِذِ الهِمَمُ قَدْ قَصُرَتْ)، تعليلٌ لاختصارِه المقنعِ، والهِمَمُ: جمع همَّةٍ، بفتحِ الهاءِ وكسرِها، يقال: هممتُ بالشيءِ: إذا أردته، (وَالأَسْبَابُ): جمعُ سببٍ، وهو ما يُتوصلُ به إلى المقصودِ، (المُثَبِّطَةُ)، أي: الشَّاغلةُ (عَنْ نَيْلِ)، أي: إدراكِ (المُرادِ)، أي: المقصودِ، (قَدْ كَثُرَتْ)؛ لسبقِ القضاءِ بأنه: «لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَمَا بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» (٣).
_________________
(١) في (أ): وكذا.
(٢) من قوله: (يبرهن عنه)، إلى قوله: (الحمام رخصوا فيه) سقطت من الأصل.
(٣) رواه البخاري (٧٠٨٦) من حديث أنس بن مالك.
[ ١ / ٦٨ ]
(وَ) هذا المختصرُ (مَعَ صِغَرِ حَجْمِه حَوَى)، أي: جَمَع (مَا يُغْنِي عَنِ التَطْوِيلِ)؛ لاشتمالِه على جُلِّ المهماتِ التي يكثرُ وقوعُها، ولو بمفهومِه.
(وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)، أي: لا تحوُّلَ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، ولا قدرةَ على ذلك إلا بالله، وقيل: لا حولَ عن معصيةِ الله إلا بمَعونةِ اللهِ، ولا قوةَ على طاعةِ اللهِ إلا بتوفيقِ اللهِ، والمعنى الأوَّلُ أجمعُ وأشملُ، (وَهُوَ حَسْبُنا)، أي: كافينا، (وَنِعْمَ الوَكيلُ) ﷻ، أي: المُفَوَّضُ إليه تدبيرُ خَلقِه، والقائمُ بمصالحِهِم، أو الحافظُ، و(نِعْمَ الوَكيلُ): إما معطوفٌ على (١) (وَهُوَ حَسْبُنا)، والمخصوصُ محذوفٌ، أو على (حَسْبُنا)، والمخصوصُ هو الضميرُ المتقدِّمُ.