يجدر الإشارة إلى أن بعض فهارس المخطوطات ذكرت أن ثَمَّ نسخة من نسخ الروض المربع هي بخط المؤلف ﵀، وأن هذه النسخة محفوظة في المكتبة العباسية بالبصرة ورقمها (٥٩٠)، وعدد أوراقها (٤٠٤) ورقة، وبسبب الظروف التي تمر بها العراق من فتن
[ ١ / ٢٢ ]
ومحن صَعُب على الباحثين الوصول إليها للتحقق من صحة ذلك وعدمه، وقد امتن الله علينا بالحصول على صورة كاملة من هذه النسخة عن طريق أحد الأخوة الفضلاء من سكان البصرة.
وبعد النظر في النسخة المنسوبة إلى خط المؤلف وعرضها على بعض خبراء المخطوطات، والمقارنة بين خطها وخط البهوتي كما في الإجازة التي كتبها بخطه لأحد تلاميذه، تبين لنا والله أعلم: أن هذه النسخة ليست بخط المؤلف، بل فيها من السقط والغلط والتصحيف ما يبعد أن تكون بخط مؤلفها، كما أنها نسخة مكتوبة بخط نجدي ملون تشير إلى أن نسخها متأخر، ولعله في القرن الثاني أو الثالث عشر الهجري.
ونذكر نوعين من الخطأ يدلان على استحالة كون هذه النسخة بخط المؤلف:
الأول: تكرار الجملة: وذلك أنه جاء في النسخة المنسوبة إلى خط المؤلف في باب صفة الصلاة ما نصه: (أو تعمد المصلي ترك ركن، أو واجب بطلت صلاته، ولو تركه لشك في وجوبه، وإن ترك ولو تركه لشك في وجوبه، وإن ترك الركن سهوا فيأتي به).
ومثل هذا النوع من التكرار لا يقع به المؤلفون، وإنما يكون من أخطاء النُّساخ عادة.
[ ١ / ٢٣ ]
الثاني: سقط سطر كامل: وذلك أن نُسَخ الروض المربع جاء فيها في باب صلاة العيدين ما نصه: (ثم يقرأ جهرًا؛ لقول ابن عمر: «كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء» رواه الدارقطني، في الأولى بعد الفاتحة بـ (سبح) وبـ (الغاشية في الثانية)؛ لقول سمرة: «إن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) [الأعلى: ١] و(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: ١]» رواه أحمد).
وفي النسخة المنسوبة إلى خط المؤلف سقط السطر المظلل، ومثل هذا إنما يقع عادة من النساخ حيث تنتقل عين الناسخ حال النسخ من سطر إلى سطر إذا كان ثَمَّ كلمة متشابهة في السطرين، وهذا هو الذي حصل في هذه النسخة والله أعلم، ولذا دخل حديث في حديث، ومثل ذلك لا يقع من المؤلف نفسه.
وقد يكون السبب الذي دعا بعض فهارس المخطوطات القول بأنها بخط المؤلف، ما كُتب عليها - وبخط حديث - في أول أوراق المخطوط في هامشها: (هذه نسخةٌ بخط المؤلف)، ويظهر أن كاتب هذه العبارة هو أحد المفهرسين في المكتبة العباسية، ولعل الذي حداه إلى ذلك أنه لم ير في آخرها اسم للناسخ وتاريخ النسخ، وإنما كُتب في آخرها ما يُكتب عادة في كثير من المخطوطات: (وكتبه جامعه فقير رحمة ربه العلي منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس البهوتي
[ ١ / ٢٤ ]
الحنبلي)، فظن والله أعلم أن هذه النسخة هي نسخة المؤلف نفسه.
وفي بداية شروعنا في التحقيق اعتمدنا هذه النسخة من ضمن النسخ المعتمدة في التحقيق، ثم تبين لنا أثناء المقابلة أن النسخة فيها من السقط والتصحيف والخطأ ما لا يصلح أن تكون من ضمن النسخ المتقنة المحررة، ولذا قمنا باستبعادها.
وعوضنا الله تعالى بنسخة، وهي نسخة محررة مقروءة على المؤلف وهو ماسك بأصله، وقد قُرئت عليه في آخر حياته، مما يعني أنها من أعلى النسخ جودة وإتقانًا وتحريرًا وتصحيحًا، فجعلناها هي الأصل في تحقيقنا.
وفي هذه النسخة سقط في أولها وآخرها وفي أثنائها - وليس هو بالكثير -، فمنَّ الله علينا مرة أخرى بأن وقعنا على نسخة لم يعتمدها أحد في التحقيقات السابقة أيضًا، وهي نسخة الشيخ إبراهيم بن راشد الحنبلي، حيث قام صاحبها وهو الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن سيف ﵀ بمقابلتها على النسخة السابقة كاملة، فتداركنا السقط الحاصل في الأصل من النسخة الأخرى، والتي تكاد تكون متطابقة تمامًا مع النسخة المقروءة على المؤلف، وكان المحشِّي يسمي النسخة المقروءة على المؤلف في الهوامش بـ (النسخة المحررة)، فصارت النسخة المقروءة على المؤلف كاملة ولله الحمد والمنة.
[ ١ / ٢٥ ]