الربا مقصور وهو لغة: الزيادة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي علت، وشرعا: زيادة في شيء مخصوص، والإجماع على تحريمه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾
[ ٣٣٩ ]
[البقرة: ٢٧٥] والصرف: بيع نقد بنقد، قيل سمي به لصريفهما وهو تصويتهما في الميزان، وقيل: لانصرافهما عن مقتضى البياعات من عدم جواز التفرق قبل القبض ونحوه.
والربا نوعان: ربا فضل، وربا نسيئة.
(فيحرم ربا الفضل في) كل (مكيل) بيع بجنسه مطعوما كان كالبر أو غيره كالأشنان (و) في كل (موزون بيع بجنسه) مطعوما كان كالسكر أو لا كالكتان لحديث عبادة بن الصامت مرفوعا «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالعشير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد» رواه أحمد ومسلم، ولا ربا في ماء ولا فيما لا يوزن عرفا لصناعة كفلوس غير ذهب وفضة، ولا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كبيض وجوز.
(ويجب فيه) أي يشترط في بيع مكيل أو موزون بجنسه مع التماثل الحلول والقبض) من الجانبين بالمجلس لقوله - ﷺ - فيما سبق: «يدا بيد» (ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا) فلا يباع بجنسه وزنا ولو تمرة بتمرة.
ولا) يباع موزون بجنسه إلا وزنا) فلا يصح كيلا لقوله - ﷺ -: «الذهب بالذهب وزنا بوزن: والفضة بالفضة وزنا بوزن والبر بالبر كيلا بكيل
والشعير بالشعير كيلا بكيل» رواه الأثرم من حديث عبادة بن الصامت، ولأن ما خولف معياره
[ ٣٤٠ ]
الشرعي لا يتحقق فيه التماثل، والجهل به كالعلم بالتفاضل، ولو كيل المكيل أو وزن الموزون فكانا سواء صح (ولا) يباع (بعضه) أي بعض المكيل والموزون (ببعض) من جنسه (جزافا) لما تقدم ما لم يعلما تساويهما في المعيار الشرعي، فلو باعه صبرة بأخرى وعلما كيلهما وتساويهما أو تبايعاهما مثلا بمثل وكيلتا فكانتا سواء صح، وكذا زبرة حديد بأخرى من جنسها، (فإن اختلف الجنس) كبر بشعير وحديد بنحاس (جازت الثلاثة) أي الكيل والوزن والجزاف لقوله - ﷺ -: «إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» رواه مسلم وأبو داود.
(والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا) فالجنس هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها، والنوع هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، وقد يكون النوع جنسا وبالعكس، والمراد هنا الجنس الأخص والنوع الأخص، وكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهو جنس وقد مثله بقوله: (كبر ونحوه) من شعير وتمر وملح (وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان) أجناس لأن الفرع يتبع الأصل، فلما كانت أصول هذه أجناسا وجب أن تكون هذه أجناسا، فدقيق الحنطة جنس، ودقيق الذرة جنس، وكذا البواقي،
[ ٣٤١ ]
(واللحم أجناس باختلاف أصوله) لأنه فرع أصول هي أجناس فكان أجناسا كالأخباز.
والضأن والمعز جنس واحد، ولحم البقر والجواميس جنس، ولحم الإبل جنس وهكذا، (وكذا اللبن) أجناس باختلاف أصوله لما تقدم، (والشحم والكبد) والقلب والألية والطحال والرئة والكارع (أجناس) لأنها مختلفة في الاسم والخلقة فيجوز بيع جنس منها بآخر متفاضلا.
(ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه) لما روى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب «أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان» (ويصح) بيع اللحم بحيوان من (غير جنسه) كلحم ضأن ببقرة؛ لأنه ليس أصله ولا جنسه فجاز، كما لو بيع بغير مأكول.
(ولا يجوز بيع حب) كبر بدقيقه ولا سويقه) لتعذر التساوي لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن والنار قد أخذت من السويق، وإن بيع الحب بدقيق أو سويق من غير جنسه صح لعدم اعتبار التساوي إذا، (و) لا بيع (نيئه بمطبوخه) كالحنطة بالهريسة أو الخبز بالنشاء لأن
النار تعقد أجزاء المطبوخ فلا يحصل التساوي، (و) لا بيع (أصله بعصيره) كزيتون بزيت وسمسم بشيرج وعنب بعصيره، (و) لا بيع (خالصه بمشوبه) كحنطة فيها شعير بخالصة ولبن مشوب بخالص؛ لانتفاء التساوي المشترط إلا أن يكون الخلط يسيرا، وكذا بيع اللبن بالكشك، ولا بيع الهريسة والحريرة والفالوذج والسنبوسك بعضه ببعض، ولا بيع نوع منها بنوع آخر، (و) ولا بيع (رطبه بيابسه) كبيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب لما روى مالك وأبو
[ ٣٤٢ ]
داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي - ﷺ -: «سئل عن بيع الرطب بالتمر، قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك» .
(ويجوز بيع دقيقه) أي دقيق الربوي بدقيقه إذا استويا في النعومة) لأنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان، (و) يجوز بيع مطبوخه بمطبوخه) كسمن بقري بسمن بقري مثلا بمثل، (و) يجوز بيع (خبزه بخبزه إذا استويا في النشاف) فإن كان أحدهما أكثر رطوبة من الآخر لم يحصل التساوي المشترط، ويعتبر التماثل في الخبز بالوزن كالنشاف، لأنه يقدر به عادة ولا يمكن كيله لكن إن يبس ودق وصار فتيتا بيع بمثله كيلا، (و) يباع (عصيره بعصيره) كماء عنب بماء عنب (ورطبه برطبه) كالرطب والعنب بمثله لتساويهما، ولا يصح بيع المحاقلة وهي بيع الحب المشتد في سنبله بجنسه، ويصح بغير جنسه، ولا بيع المزابنة، وهي بيع الرطب على النخل بالتمر إلا في العرايا بأن يبيعه خرصا بمثل ما يؤول إليه إذا جف كيلا فيما دون خمسة أوسق لمحتاج لرطب ولا ثمن معه بشرط الحلول والتقابض قبل التفرق، ففي نخل بتخلية وفي تمر بكيل، ولا يصح في بقية الثمار.
(ولا يباع ربوي بجنسه ومعه) أي مع أحد العوضين أو معهما من غير جنسه) كمد عجوة ودرهم بدرهمين أو بمدي عجوة أو بمد ودرهم، لما روى أبو داود عن فضالة بن عبيد قال: «أتي النبي - ﷺ - بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة
[ ٣٤٣ ]
دنانير، فقال النبي - ﷺ -: لا، حتى تميز بينهما، قال: فرده حتى ميز بينهما» فإن كان ما مع الربوي يسيرا لا يقصد كخبز فيه ملح بمثله فوجوده كعدمه.
(ولا) يباع (تمر بلا نوى بما) أي بتمر (فيه نوى) لاشتمال أحدهما على ما ليس من جنسه، وكذا لو نزع النوى ثم باع التمر والنوى بتمر ونوى. (ويباع النوى بتمر فيه نوى،) ويباع (لبن) ويباع (صوف بشاة ذات لبن وصوف) لأن النوى في التمر واللبن والصوف في الشاة غير مقصود كدار مموه سقفها بذهب صح، وكذا درهم فيه نحاس بمثله أو بنحاس ونخلة عليها تمر بمثلها أو بتمر، ويصح بيع نوعي جنس بنوعيه أو نوعه كحنطة حمراء وسوداء ببيضاء وتمر معقلي وبرني بإبراهيمي وصيحاني.
(ومرد) أي مرجع الكيل لعرف المدينة) على عهد رسول الله - ﷺ - (و) مرجع الوزن لعرف مكة زمن النبي - ﷺ -) لما روى عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - «المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة»، (وما لا عرف له هناك) أي بالمدينة ومكة (اعتبر عرفه في موضعه) لأن ما لا عرف له في الشرع يرجع فيه إلى العرف كالقبض والحرز، فإن اختلفت البلاد اعتبر الغالب، فإن لم يكن رد إلى أقرب ما يشبهه بالحجاز، وكل مائع مكيل، ويجوز التعامل بكيل لم يعهد.
[ ٣٤٤ ]