فصل (ولا يصح البيع) ولا الشراء ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني) أي الذي عند
المنبر عقب جلوس الإمام على المنبر لأنه الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ - فاختص به الحكم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والنهي يقتضي الفساد، وكذا قبل النداء لمن منزله بعيد في وقت وجوب السعي عليه، وتحرم المساومة
[ ٣١٤ ]
والمناداة إذن لأنهما وسيلة للبيع المحرم، وكذا لو تضايق وقت مكتوبة.
(ويصح) بعد النداء المذكور البيع لحاجة كمضطر إلى طعام أو سترة ونحوهما إذا وجد ذلك يباع. ويصح أيضا (النكاح وسائر العقود) كالقرض والرهن والضمان والإجارة وإمضاء بيع خيار لأن ذلك يقل وقوعه فلا تكون إباحته ذريعة إلى فوات الجمعة أو بعضها بخلاف البيع.
(ولا يصح بيع عصير) ونحوه ممن يتخذه خمرا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، (ولا) بيع (سلاح في فتنة) بين المسلمين لأنه - ﷺ - نهى عنه قاله أحمد، قال: وقد يقتل به، وكذا بيعه لأهل حرب أو قطاع طريق لأنه إعانة على معصية، ولا بيع مأكول ومشموم لمن يشرب عليهما المسكر، ولا قدح لمن يشرب به، خمرا ولا جوز وبيض لقمار، ويحرم أكله ونحو ذلك. (ولا) بيع عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه) لأنه ممنوع من استدامة ملكه عليه لما فيه من الصغار فمنع من ابتدائه، فإن كان يعتق عليه بالشراء صح؛ لأنه وسيلة إلى حريته.
[ ٣١٥ ]
(وإن أسلم) قن في يده) أي يد كافر أو عند مشتريه منه ثم رده لنحو عيب (أجبر على إزالة ملكه) عنه بنحو بيع أو هبة أو عتق لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١]، (ولا تكفي مكاتبته) لأنها لا تزيل ملك سيده عنه ولا بيعه بخيار لعدم انقطاع علقه عنه، (وإن جمع) في عقد (بين بيع وكتابة) بأن باع عبده شيئا وكاتبه بعوض واحد صفقة واحدة (أو) جمع بين (بيع وصرف) أو إجارة أو خلع أو نكاح بعوض واحد (صح) البيع وما جمع إليه (في غير الكتابة) فيبطل البيع؛ لأنه باع ماله لماله، وتصح هي لأن البطلان وجد في البيع فاختص به، (ويقسط العوض عليهما) أي على المبيع وما جمع إليه بالقيم.
(ويحرم بيعه على بيع أخيه) المسلم (كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك
مثلها بتسعة) لقوله - ﷺ -: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» (و) يحرم أيضا (شراؤه على شرائه كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة) لأنه في معنى البيع عليه المنهي عنه، ومحل ذلك إذا وقع في زمن الخيارين (ليفسخ) المقول له العقد (ويعقد معه)، وكذا سومه على سومه بعد الرضا صريحا لا بعد رد.
(ويبطل العقد فيهما) أي في البيع على بيعه والشراء على شرائه، ويصح في السوم على سومه، والإجارة كالبيع في ذلك،
[ ٣١٦ ]
ويحرم بيع حاضر لباد ويبطل إن قدم ليبيع سلعته بسعر يومها جاهلا بسعرها، وقصده الحاضر وبالناس حاجة إليها.
(ومن باع ربويا بنسيئة) أي مؤجل وكذا حال لم يقبض (واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة) كثمن بر اعتاض عنه برا أو غيره من المكيلات لم يجز؛ لأنه ذريعة لبيع الربوي بالربوي نسيئة، وإن اشترى من المشتري طعاما بدراهم وسلمها إليه ثم أخذها منه وفاء أو لم يسلمها إليه لكن قاصه جاز، (أو اشترى شيئا) ولو غير ربوي (نقدا بدون ما باع به نسيئة) أو حالا لم يقبض، (لا بالعكس لم يجز) لأنه ذريعة إلى الربا ليبيع ألفا بخمسمائة وتسمى: مسألة العينة، وقوله: بالعكس، يعني: لا إن اشتراه بأكثر مما باعه به فإنه جائز كما لو اشتراه بمثله، وأما عكس مسألة العينة بأن باع سلعة بنقد ثم اشتراه بأكثر منه نسيئة فنقل أبو داود: يجوز بلا حيلة، ونقل حرب: أنها مثل مسألة العينة، وجزم به المصنف في " الإقناع " وصاحب " المنتهى " وقدمه في " المبدع " وغيره.
قال في (شرح المنتهى): وهو المذهب لأنه يتخذ وسيلة للربا كمسألة العينة، وكذا العقد الأول فيهما حيث كان وسيلة إلى الثاني فيحرم، ولا يصح. (وإن اشتراه) أي اشترى المبيع في مسألة العينة أو عكسها (بغير جنسه) بأن باعه بذهب ثم اشتراه بفضة أو بالعكس (أو) اشتراه (بعد قبض ثمنه أو بعد تغير صفته) بأن هزل العبد أو نسي صنعته أو تخرق الثوب، (أو) اشتراه (من غير مشتريه) بأن باعه مشتريه أو وهبه ونحوه ثم اشتراه بائعه ممن صار إليه جاز، (أو اشتراه أبوه) أي أبو بائعه (أو ابنه) أو مكاتبه أو زوجته (جاز) الشراء ما لم يكن حيلة على التوصل إلى فعل
[ ٣١٧ ]
مسألة العينة، ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس، وتسمى: مسألة
التورق، ويحرم التسعير والاحتكار في قوت آدمي ويجبر على بيعه كما يبيع الناس، ولا يكره إدخار قوت أهله ودوابه، ويسن الإشهاد على البيع.