يجوز عقدها إذا اجتمعت الشروط ما لم يخف غائلة منهما. وصفة عقدها أقررتكم بجزية واستسلام، فالجزية مال يؤخذ منهم على وجه الصغار بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا. ولا يجوز عقد الذمة المؤبد إلا بشرطين: أحدهما التزام إعطاء الجزية كل حول، والإِجماع على قبول الجزية ممن بذلها من أهل الكتاب. والثاني التزام أحكام الإِسلام وهو قبول مايحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم (^٤) ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتابين ولمن وافقهما في التدين في التوارة والإِنجيل كالسامرة والإِفرنج (^٥) ولمن له شبهة كتاب
(^١) (لم يجز لنا شراؤهم) لأنهم في عهدهم، وذكر عن الشافعي ما يدل على هذا، ومذهب أبي حنيفة جوازه، فعلى هذا إن استولى المسلمون على الذين استرقوهم وأخذوا أموالهم لم يلزم رده.
(^٢) (بخلاف ذمة) فليس له نبذها إذا خيف خيانة أهلها، لأن الذمة مؤبدة وتجب الإِجابة إليها، وفيها نوع معاوضة، بخلاف الهدنة والأمان.
(^٣) (عقد الذمة) أي إقرار بعض الكفار على كفره بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة.
(^٤) (أو ترك محرم) فإن عقد على غير هذين الشرطين لم يصح، لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.
(^٥) (والإفرنج) وهم الروم يقال لهم بنو الأصفر، والأشبه أنها مولدة نسبة إلى فرنجة بفتح أوله وثانيه وسكون ثالثه، وهي جزيرة من جزائر البحر، والأصل في ذلك الآية، وقول المغيرة بن شعبة لعامل كسرى "أمرنا نبينا - ﷺ - أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" رواه أحمد والبخاري.
[ ٣٥٤ ]
كالمجوس والصابئين جنس من النصارى نص عليه، ومن عداهم فلا يقبل منهم إلا الإِسلام أو القتل (^١) ومن انتقل إلى أحد الأديان الثلاثة بعد بعثة نبينا - ﷺ - من غير أهلها فله حكم الدين الذي انتقل إليه من إقراره بالجزية وغيرها (^٢) والفرق بين المعاهد والمستأمن والذمي أن المعاهد من أخذ عليه العهد من الكفار. والمستأمن هو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي من استوطن دار الإِسلام
بتسليم الجزية. فالمعاهد والمستأمن لا يستوطنان دار الإِسلام، والذمي يستوطن بالجزية والله أعلم.
(فصل) ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب (^٣) ولو بذلوها، وليس للإِمام نقض عهدهم وتجديد الجزية عليهم لأن عقد الذمة مؤبد، وقد عقدها عمر ﵁ هكذا فلا يغيره إلى الجزية أحد: وإن سألوه، ويؤخذ عوض الجزية مثلى زكاة المسلمين (^٤) حتى ممن لا تلزمه جزية فيؤخذ من نسائهم وصغارهم ومجانينهم وزمناهم (^٥) ولا تؤخذ من فقير ولا ممن له مال دون نصاب أو غير زكوي ومصرف ما يؤخذ منهم
(^١) (أو القتل) لحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" خص منهم أهل الكتاب ومن ألحق بهم.
(^٢) (بالجزية وغيرها) كحل ذبيحته ومناكحته إذا تهود أو تنصر، وكان - ﷺ - يقبل منهم الجزية من غير سؤال.
(^٣) (تغلب) ابن وائل من العرب من ولد ربيعة بن نزار، فإنهم انتقلوا في الجاهلية إلي النصرانية فدعاهم عمر إلى بذل الجزية فأبوا وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة، إلى قوله: فضعف عليهم الزكاة.
(^٤) (مثلى زكاة المسلمين) لأن عمر أخذ من الإِبل في كل خمس شاتين وفي كل ثلاثين بقرة تبيعان وفي كل عشرين دينارًا دينارًا وفي كل مائتي درهم عشرة وفيما سقت السماء الخمس وفيما سقى بنضح العشر، ولم ينكر فكان كالإِجماع.
(^٥) (وزمناهم) لأن الاعتبار بالأنفس سقط وانتقل إلى الأموال فتؤخذ من كل مال زكوى.
[ ٣٥٥ ]
مصرف الجزية، ولا جزية على من لا يجوز قتله إذا أسر (^١) وعنه يرجع في الجزية إلى ما ضربه عمر فيجعل على الموسر ثمانية وأربعين درهمًا وعلى المتوسط أربعة وعشرين، وعلى الأدون اثنى عشر (^٢) ويجوز أن يؤخذ عن كل اثنى عشر درهما دينار، ولا يتعين أخذها من ذهب ولا فضة بل من كل الأمتعة بالقيمة (^٣) ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير عن الجزية والخراج إذا تولوا بيعها وقبضوه (^٤)، والغني فيهم من
عده الناس غنيًا عرفًا. ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية.
(فصل) ويجوز أن يشترط عليهم مع الجزية ضيافة من يمر بهم من المسلمين وعلف دوابهم (^٥) ولا تجب من غير شرط ولا أن يضيفونا بأرفع من طعامهم، لما روي عن عمر "أطعموهم مما تأكلون" وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع (^٦) وإذا عقد الإِمام الذمة كتب أسماءهم وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم، وجعل لكل طائفة عريفًا مسلمًا. ومن أخذت منه الجزية كتب له براءة لتكون له حجة إذا احتاج إليها.