بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال صاحب الزوائد:
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ووفقنا للتفقه فيما فرض علينا من بديع محكم الأحكام. أحمده ﷾ على جزيل الإنعام، وأشكره أن عَلَّم بالقلم، عَلَّمَ الإنسان ما لم يعلم، وشرع الشرائع وفصَّل حلالها وحرامها حكمًا حكمًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للأنام، والهادي إلى سوِاء الصراط وإيضاح الحلال والحرم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلامًا دائمين لا يعتريهما نقص ولا انثلام.
أما بعد: فإن أَجَلَّ العلوم قدرًا، وأعلاها فخرًا، علم الشرع الشريف، ومعرفة أحكامه، والاطلاع على سر حلاله وحرامه، وذلك بعد معرفة الله وما يجب له وما يقرب لديه، مع معرفة محمد - ﷺ -. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية. وعن أحمد: ليس قوم خيرًا من أهل الحديثِ. وعاب على كل محدِّث لا يتفقه وقال: يعجبني أن يكون فهمًا في الفقه اهـ. وبضاعة الفقه أربح البضائع وعمدة العلوم. ومن أنفع ما وضع في هذا الفن (زاد المستقنع) مختصرًا و(الإقناع) مطولًا: أما الزاد فمع اختصاره قد حوى غالب ما يحتاج إليه، وأما الإقناع فمع طوله فليس فيه فضلة ولا إطناب، كيف وقد كانت أصوله التي أخذ منها من أنفس كتب الفقه، ومؤلفوها وِحْدَان أزمانهم، والمرجع إليهم في مذهب أحمد، كالمقنع والفروع وحواشيها كالشرح الكبير، والمبدع، والإنصاف وغيرها. ولكن نظرت في نفسي وفي أهل زماني وإذا الاجتهاد قد قل، والحفظ في صدور الرجال قد خف، لسبق القضاء أن العلم يقل في آخر الزمان. وإذا بين الزاد والإقناع رتبة لا يتجاوزها إلا ذاك عن ذاك، فهممت أن أجمع بينهما درجة يجتاز عليها قاصر الباع، وربما استغنى بها قوى العزم وطويل الباع. فجعلت اعتمادي على (الإقناع) لأنه ميدان أهل الزمان، ولم أستغن عن غيره مما حضر عندي كالمقنع والشرح والكبير، حاشية شرح الزاد ومن المنتهى ما كان أوضح عبارة من الإقناع، ولم أدخل فيه شيئًا مما أثبت في الزاد لأن إنشاءه زوائد للزاد فلا حاجة إلا التَكرار إلى مالا تصلح العبارة إلا به. وحرصت على اختصاره جدًّا، وقد ذكرت فيه بعض الروايات والتخريجات والاحتمالات، وحشيته بحاشيه لطيفة تفصح عن بعض ما لم تتم فائدته من المتن حذفتها اختصارًا، وذكرت فيه من الأدلة والروايات وما تيسر عندي من مذاهب الأئمة والعلماء، ولم أصل إلى أن يكون لي اختيار ولا ترجيح،
[ ١ ]
ولكن ما قدمت من المؤخر على المقدم أو على المذهب فهو الراجح عندي.
والكلام لمن أنشأه لا لمن نقله، ولكن أرجو من الله أن يعمني برحمته، ويضمني معهم بالمغفرة والعفو، ويخلص قصدي ونيتي.
وإذا أطلقت "الشيخ" فهو تقي الدين، و"المصنف" الموفق موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة، و"الشارح" أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي صاحب الشرح الكبير.
وسميته (زوائد الزاد) زاد الله به نفعًا كما نفع بالزاد: ومن عَثَرَ على شيء مما طغى به القلم أو زلت به اليد فليحضر بقلبه أن الإنسان محل النسيان "وأن الصفح عن عثرات الضعاف من شيم الأشراف. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملًا بحديث "كل ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع" أخرجه ابن حبان من طريقين، قال ابن الصلاح: والحديث حسن. ولأبى داود "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع".
والباء ببسم الله متعلقة بمحذوف، واختار كثير من المتأخرين كونه فعلًا خاصًّا متأخرًا، أما كونه فعلًا: فلأن الأصل في العمل للأفعال، وأما كونه خاصًّا فلأن كل مبتدئ. بالبسملة في أمر يضمر ما جعل اسه البسلمة مبتدأ له. وأما كونه متأخرًا فلدلالته على الاختصاص، وأدخل في التعظيم، وأوفق للوجي، ولأن أهم ما يبدأ به ذكر الله.
ذكر ابن القيم لحذف العامل فوائد منها: أنه موطن لا ينبغى أن يتقدم فيه غير ذكر الله. ومنها: أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالبسملة في كل عمل وقول وحركة فكان الحذف أعم اهـ.
وباء البسملة للمصاحبة وقيل للاستعانة فيكون التقدير بسم الله أؤلف مستعينًا بذكر الله متبركًا به. وأما ظهوره في (اقرأ بسم ربك) وفي (بسم الله مجراها) فلأن المقام يقتضي ذلك وهو لا يخفى.
وقوله: (الله) قال الكسائى والفراء: أصله الإله، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام باللام فصارتا لامًا واحدة مشددة مفخمة. وأما تأويل الله فإنه على معنى ما روي لنا عن ابن عباس قال: هو الذي يألهه كل شئ ويعبده كل خلق. وعنه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
(الرحمن الرحيم) قال ابن جرير عن العزرمى يقول: الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين. وساق سنده عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن عيسى بن مريم قال الرحمن رحمن الآخرة والدنيا، والرحيم رحيم الآخيرة". قال ابن القيم: فاسمه الله دل على كونه مألوها معبودًا يألهه الخلائق محبة
[ ٢ ]
وتعظيمًا وخضوعًا ومفزعًا إليه بالحوائج والنوائب إلى آخر كلامه. وقال أيضًا: الرحمن دل على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دل على تعلقها بالمرحوم. قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، ولم يجئ قط رحمن بهم، وقال: إن أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت، فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافى فيها بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه ووصفه، ومن حيث هو صفة جرى تابعًا لاسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورد الاسم العلم كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ اهـ ملخصًا.
(الحمد لله). معناه الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على وجه التعظيم، فمورده اللسان والقلب. والشكر يكون باللسان والجنان وكان، فهو أعم من الحمد متعلقًا وأخص سببًا، لأنه يكون في مقابلة النعمة. والحمد أعم سببًا وأخص متعلقًا لأنه في مقابلة النعمة وغيرها، فبينهما عموم وخصوص، يجتمعان في مادة وينفرد كل واحد عن الآخر في مادة.
(وصلى الله على عبده) أصح ما قيل في معنى صلاة الله على عبده ما ذكره البخاري عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه عند الملائكة. وقرره ابن القيم ونصره.
(وعلى آله) أتباعه على دينه، نص عليه أحمد هنا وعليه أكثر الأصحاب، وعلى هذا يشمل الصحابة وغيرهم من المؤمنين اهـ.
[ ٣ ]