فصل
أركانها: القيام، والتحريمة، والفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الكل، والتشهد الأخير، وجلسته، والصلاة على النبي ﷺ فيه، والترتيب والتسليم.
[ ١ / ١٤١٠ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وله التعوذ عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة)
(له) الضمير يعود على المصلي، (التعوذ عند آية وعيد)، (التعوذ) هو اللجوء إلى الله ﷿.
(عند آية وعيد) يعني: إذا مر بآية وعيد، فله أن يقول: أعوذ بالله من ذلك، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنه أطلق، أما الإمام والمنفرد فمُسَلَّم أن له أن يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، وأما المأموم فغير مُسَلَّم على الإطلاق، بل في ذلك تفصيل وهو أنه إن أدى ذلك إلى عدم الإنصات للإمام فإنه يُنهى عنه، وإن لم يؤدِّ إلى عدم الإنصات فإن له ذلك.
مثال الأول: لو كانت آية الوعيد في أثناء قراءة الإمام، فإن المأموم إذا تعوذ في هذه الحال والإمام لم يسكت انشغل بتعوُّذه عن الإنصات للإمام، وقد نهى النبي ﷺ أن نقرأ والإمام يقرأ إلا بأم القرآن. (٩)
ولهذا لو دخلت في صلاة جهرية والإمام يقرأ فلا تستفتح، كبِّر، واستعِذ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة، ولا تستفتح؛ لأن الاستفتاح منهيّ عنه في هذه الحال، فصار ظاهر كلام المؤلف من العموم فيه تفصيل بالنسبة لِمَنْ؟
طلبة: المأموم.
الشيخ: بالنسبة للمأموم، أنه لا يتعوذ إلا حين لا يكون في ذلك انشغال عن استماع قراءة الإمام والإنصات لها.
وقوله: (عند آية وعيد) يعني كل ما يدل على الوعيد، سواء كان بذكر النار، أو بذكر شيء من أنواع العذاب فيها، أو بذكر أحوال المجرمين، وما أشبه ذلك.
[ ١ / ١٤١١ ]
وقوله: (والسؤال عند آية رحمة) ويش يسأل؟ يسأل الرحمة التي مرت، مثلًا: مر ذكر الجنة يقول: اللهم إني أسألك الجنة، فيسأل الله، وله أن يسأل من فضله، مثل لو مر ثناء على الأنبياء أو الأولياء، أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: أسأل الله من فضله، أو أسأل الله أن يجعلنا منهم، أو ما أشبه ذلك.
وقول المؤلف: (ولو في فرض) هذا إشارة خلاف، هل له ذلك في الفرض، أو ليس له ذلك؟
والصحيح: ما قاله المؤلف أن له ذلك؛ لأن هذا لا يعدو أن يكون دعاءً، والصلاة دعاء، فله أن يقول ذلك؛ يعني يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، ولو كان في الفرض، إذا قيل: ما الدليل؟
الدليل حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صَلَّى مع النبي ﷺ ذات ليلة، فقرأ النبيُّ ﷺ بالبقرة، والنساء، وآل عمران، لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تعوَّذ (١٠) ﵊، وهذا فعل الرسول ﵊، والأصل أنه أسوة لنا، وأن ما فعله فنحن مأمورون باتباعه والاقتداء به، إلا ما دل عليه الدليل.
فإذا قال قائل: هذا في النفل، فما دليلكم على جوازه في الفرض؟
فالجواب على هذا أن نقول: دليلنا عليه أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، وهنا لا دليل على الفرق بين الفرض وبين النفل، ولكن الراجح في الحكم في هذه المسألة أن نقول:
أما في النفل -ولا سيما صلاة الليل- فإنه يُسنّ أن يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة؛ اقتداءً برسول الله ﷺ؛ ولأن ذلك أحضر للقلب وأبلغ في التدبر، إذا انتبه الإنسان لآيات الوعيد وتعوذ عندها، وآيات الرحمة وسأل عندها صار هذا أحضر إلى قلبه، وأقرب إلى التدبر، وصلاة الليل -كما تعلمون- يُسنُّ فيها التطويل، كثرة القراءة والركوع والسجود، وما أشبه ذلك.
أما في صلاة الفرض فإننا نقول: إن الراجح أنه ليس بسنة وإن كان جائزًا، لكن ليس بسنة.
[ ١ / ١٤١٢ ]
فإذا قال قائل: ما دليلك على هذا التفريق، وأنت تقول: إن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض؟
قلنا: الدليل على هذا أن الرسول ﷺ يصلي في كل يوم وليلة ثلاث صلوات، كلها فيها جهر بالقراءة، ويقرأ آيات فيها وعيد وآيات فيها رحمة، ولم ينقل الصحابة الذين نقلوا صفة صلاة الرسول ﷺ أنه كان يفعل ذلك في الفرض، ولو كان سنة لفعله ولو فعله لنُقِل، فلما لم ينقل علمنا أنه لم يفعله، ولما لم يفعله علمنا أنه ليس بسنة، والصحابة ﵃ حريصون على تتبع حركات النبي ﷺ وسكناته حتى إنهم كانوا يستدلون على قراءته في السرية باضطراب لحيته (١١)، إلى هذا الحد ﵃، ولما سكت بين التكبير والقراءة سأله أبو هريرة: ماذا يقول؟ (١٢)، ولو كان يسكت عند آية الوعيد من أجل أن يتعوذ، أو آية الرحمة من أجل أن يسأل لنقلوا ذلك بلا شك.
إذن هنا دليل على الفرق بين الفرض أيش؟
طلبة: والنفل.
الشيخ: والنفل، الدليل أن النفل ثبت فيه ذلك من فعله، وأما الفرض فلم يُنقل مع توافر الدواعي على نقله، الدواعي تتوافر على نقله؛ يعني تقتضي أن ينقل لو كان يفعل.
فإذا قال قائل: إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا تمنعونه كما منعه بعض أهل العلم في صلاة الفرض؛ لأن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٣)، فإذا لم يكن يقوله في الفريضة فلا تقولوه؟
الجواب على هذه أن نقول: ترك النبي ﷺ له لا يدل على تحريمه؛ لأنه أعطانا ﵊ قاعدة: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (١٤)، أو كما قال، والدعاء لا يبطل الصلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، لكننا لا نندب للإنسان أن يفعل ذلك في صلاة الفريضة.
[ ١ / ١٤١٣ ]
لو قرأ القارئ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، هذا ليس بدعاء، ليست آية وعيد ولا آية رحمة، فله أن يقول: بلى، أو: سبحانك فبلى؛ لأنه ورد فيه حديث عن النبي ﵊ (١٥)، ونص الإمام أحمد عليه، قال الإمام أحمد: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] في الصلاة وغير الصلاة، قال: سبحانك فبلى، في فرض ونفل، هذا نص الإمام أحمد ﵀.
إذا قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، يقول؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، سبحانك فبلى.
إذا قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]؟
طلبة: نفس الآية.
الشيخ: نفس الآية: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
طالب: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]؟
الشيخ: لو قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].
طلبة: الله.
الشيخ: لا، هذا ما يصلح؛ لأن هذا إنما يقال في هؤلاء الذين يهددون ويتوعدون؛ الله أمر الرسول ﷺ أن يقول لهؤلاء المكذبين: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، العامة نسمعهم يقولون: يأتي به الله، وهذا ما يصلح.
في آيات كثيرة في سورة النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠].
طلبة: لا إله إلا الله.
الشيخ: أيش تقولون؟ الناس تقول: لا؟
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، نعم نقول: لا، لا إله مع الله.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣].
***
ثم قال المؤلف: (فصل في أركان الصلاة)
[ ١ / ١٤١٤ ]
لما انتهى المؤلف -﵀- من صفات الصلاة على وجه كامل، حتى ما يكره في الصلاة ذكره، وحتى ما يسن لها خارجًا عنها ذكره -كالسترة، وما أشبهها- ذكر أركانها.
والمفروض أن طالب العلم يتصور الهيئة الآن -يتصور الهيئة هيئة الصلاة كاملة- حتى يُفصَّل له ما هو الركن، وما هو الواجب، وما هو السنة.
والأركان جمع (رُكْن)، والركن في اللغة جانب الشيء الأقوى، ولهذا نسمي الربع هذه ركنه؛ لأنها أقوى جانب في الجدار؛ ولَّا لا؟ أقوى جانب في الجدار الركن، لأنه يكون الركن معضودًا بالجدار الذي إلى جانبه.
أما في الاصطلاح، فأركان العبادة: ما تتركب منه العبادة؛ يعني ماهية العبادة التي تتركب منها، ولا تصح بدونها؛ لأن العبادات كلها -كما تعلمون- تتركب من أشياء قولية وفعلية، لكن من هذه الأشياء المركَّبة ما لا تصح بدونه بكل حال، ومنها ما لا تصح بدونه في بعض الأحوال، ومنها ما تصح بدونه في كل حال.
فإذا قال قائل: أولًا: نحن نطالبكم بهذا التفصيل، ما الدليل على شروط وأركان وواجبات وسنن، نقرأ القرآن ما نجد هذا، نقرأ الحديث ما نجد هذا؟
فالجواب على ذلك أن نقول: إن العلماء -﵏- تتبعوا النصوص واستخلصوا منها هذه الأحكام، ورأوا أن النصوص تدل عليها، فألفوها من أجل تقريب العلم على طالب العلم، ولا شك أن في هذا تقريبًا للعلم، بلا شك، الكل يعرف هذا، لو كانت هذه الأحكام منثورة ما فرق الطالب المبتدئ بين الذي تصح به العبادة والذي لا تصح.
فصار الجواب على ذلك أن نقول: إن العلماء -﵏- تتبعوا النصوص واستخلصوا منها ما لا تصح العبادة إلا به، وما تصح بدونه، ثم ألَّفوها هذا التأليف تقريبًا لأيش؟ لطالب العلم، وهم لا شك شكر الله سعيهم، هم مشكورون على هذا، ومأجورون عليه.
يقول: (أركانها: القيام)، القيام مع القدرة، عندكم مع القدرة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ١٤١٥ ]
الشيخ: (القيام)، الدليل قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، هذا من القرآن، ومن السنة قول النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١٦).
وبدأ المؤلف بالقيام؛ لأنه سابق على جميع الأركان، قال النبي ﵊: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (١٧).
والقائم إلى الصلاة سيقوم في الصلاة؛ ولأن الترتيب الطبيعي للصلاة هو هذا؛ أن تبدأ فتقوم، ثم تُكبِّر، ولو كبرت للإحرام وأنت غير قائم ما صحت صلاتك.
فإن قال قائل: كيف تجعلون القيام ركنًا، وقد قال النبي ﷺ: «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» (١٨)، وهذا يدل على أن في صلاة القائم أجرًا، ولو كان القيام ركنًا وترك القيام لم يكن في صلاته أجر؟
فالجواب: أن الصلاة منها فرض ومنها نفل، فيُحمل حديث تفضيل صلاة القائم على القاعد على أيش؟ يحمل على النفل، ويقال: إن القيام ليس فرضًا أو ليس ركنًا في النافلة، وإنما هو سنة، ويدل لهذا فعل النبي ﷺ، فقد كان يصلي النافلة على راحلته في السفر (١٩)، ولو كان القيام ركنًا ما صلى على الراحلة، لأناخها وصلى على الأرض؛ ولهذا لا يصلي عليها الفريضة؛ لأنه لو صلى الفريضة لفات الركن وهو القيام.
إذن نقول: القيام على الإطلاق ولَّا في الفريضة؟
طلبة: الفريضة.
الشيخ: القيام في الفريضة، ودليله ما سمعتم من القرآن والسنة.
الثاني: (التحريمة)، بقي عندنا كلمة، (القيام)، هل يشترط في القيام ألَّا يعتمد على شيء أو ولو معتمدًا؟ نقول: القيام ولو معتمدًا.
يعني لو قال قائل: أنا إن قمت معتمدًا على عصا أو على عمود، أو على جدار أمكنني، وإن لم أعتمد ما أستطيع، ما تقلني رجلاي؟
[ ١ / ١٤١٦ ]
نقول: يجب عليك القيام ولو معتمدًا؛ لعموم الأدلة.
إذا قال: ما حدُّه؟ يعني هل لازم أنتصب ولَّا يجوز وأنا حاني الظهر بعض الشيء؟
نقول: ينظر إن حنيت ظهرك إلى حد الركوع فلست بقائم فلا يصح، وإن حنيته قليلًا أجزأ.
فإذا قال قائل: كيف يحني ظهره؟ وما الفائدة؟ نقول: ربما إنه يخشى من شخص، يحب ألَّا يراه، فيحني ظهره قليلًا لأجل أن يستتر عنه إما بجدار أو بشجرة أو بسيارة أو ببعير أو ما أشبه ذلك، وإلا فالغالب أن الإنسان لا يحتاج إلى حني الظهر، فإذا قال الإنسان: لو قُدِّر أنه منحني الظهر؟
طلبة: ().
الشيخ: يسقط عنه؟
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، لكن هل يسقط عنه القيام ونقول: لك أن تجلس ولَّا قف ولو كراكع؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، قف ولو كراكع؛ لأن هذا هو قيامه؛ لأن القيام في الحقيقة يعتمد على انتصاب الظهر وانتصاب الرجلين، فإذا فات أحد الانتصابين وجب الآخر، يعني إذا عجز عن انتصاب الظهر وجب انتصاب القدم أو الرجل على الأصح، واضح يا جماعة؟
فإذا قال قائل: هل يجوز أن يعتمد، أنتم قلتم: القيام ولو معتمدًا، فهل يجوز أن يعتمد؟
فالجواب: إذا كان لا يتمكن من القيام إلا باعتماد جاز له أن يعتمد، وإن كان يتمكن بدون اعتماد لم يجز أن يعتمد؛ إلا إذا كان اعتمادًا خفيفًا فلا بأس به، فما هو الضابط للاعتماد الخفيف وغير الخفيف؟
قالوا: إن كان بحيث لو أزيل ما استند إليه سقط، فهذا غير خفيف ولَّا لا؟ وإن كان لو أُزيل لم يسقط فهو فهو خفيف.
فإن قال إنسان: هذا غير منضبط؛ لأن الواحد إذا انتبه لم يسقط، وإن لم ينتبه سقط ولو كان اعتماده خفيفًا، فما الجواب؟
نقول: العبرة بحمل هذا المعتمد عليه، إن كان حاملًا لك فأنت غير قائم، وإن لم يكن حاملًا لك فأنت قائم، هذا هو الميزان.
[ ١ / ١٤١٧ ]
على أن بعض العلماء، قال: إن عموم قوله تعالى: ﴿قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، و«صَلِّ قَائِمًا» (٢٠)، يشمل حتى المعتمد على شيء يسقط لو أزيل؛ بمعنى أنه يجوز أن تعتمد، لكن فقهاءنا -﵏- يقولون: لا يجوز الاعتماد على شيء اعتمادًا قويًّا بحيث يسقط لو أزيل.
وعلَّلوا ذلك بأنه يزيل مشقة القيام؛ لأن هذا كأنه ما قام، كأنه مُتسلق على هذا الجدار على ظهره.
يقول: (والتحريمة) ما المراد بالتحريمة؟
طلبة: تكبيرة الإحرام.
الشيخ: تكبيرة الإحرام، وسبق لنا في أول صفة الصلاة بيان شروطها.
(التحريمة) ركن من أركان الصلاة، وليس شيء من التكبيرات ركنًا سوى تكبيرة الإحرام؛ لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ» (١٧)، ولقوله ﷺ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (٢١)، فلا تنعقد الصلاة بدون التكبير، حتى لو قال: الله أجل، الله أعظم، الله أكبر؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؟ صحيح.
إذن: ركن من أركان الصلاة تكبيرة الإحرام فقط.
الثالث: (الفاتحة).
طالب: في الآيات القرآنية نقول: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿قُلْ آمَنَّا﴾ [آل عمران: ٨٤]. الأمر للجمع هنا ().
الشيخ: أما في صلاة الليل نعم، قل، ما فيه مانع.
طالب: ().
الشيخ: لكن لو قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] تقول في الصلاة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾؟ ما تقول.
طالب: يا شيخ -جزاك الله خيرًا- ذكرت التفصيل ().
الشيخ: نحن ما قلنا إن النفل ليس بركن، والقيام ليس بركن في النفل.
طالب: () لكن ما يستطيع.
الشيخ: ما يستطيع إلا معتمدًا؟ قلنا: يجب عليه.
طالب: يقول: لو كان معتمدًا.
الشيخ: إي نعم، ذكرناها.
طالب: () هذا الرجل ما يستطيع ().
الشيخ: يأخذ عصا يعتمد عليها وله أن يصلي وراء العمود.
[ ١ / ١٤١٨ ]
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أقول: إذا مر بذكر نبي من الأنبياء هل تشرع الصلاة عليه؟
الشيخ: أما نبينا فنعم.
طالب: في أي موضع؟
الشيخ: في أي موضع، يعني مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥].
الطالب: وغير النبي؟
الشيخ: والله في نفسي منه شيء -في غير النبي- لأن النبي مأمورون نحن بالصلاة عليه إذا ذكر.
طالب: شيخ، قلتم في الدرس الماضي إننا إذا رأينا كلبًا أسود نقتله؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: حتى لو كان فيه بياض غير عينيه؟
الشيخ: إي نعم، ما يضر، يُقْتل.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف -رحمه الله تعالى- في باب صفة الصلاة في حسن () مكروهات: ويكره في الصلاة التفاته، ورفع بصره إلى السماء، وتغميض عينيه، وإقعاؤه، وافتراشه ذراعيه ساجدًا، وعبثه، وتخصره، وتروحه، وفرقعة أصابعه وتشبيكها، وأن يكون حاقنًا أو بحضرة طعام يشتهيه.
طالب آخر: وتكرار الفاتحة لا جمع سور في فرض كنفل، وله رد المار بين يديه، وعد الآي، والفتح على إمامه، ولبس ثوب، ولف عمامة، وقتل حية وعقرب وقمل، فإن أطال الفعل عرفًا بغير ضرورة بلا تفريق بطلت ولو سهوًا.
طالب آخر: ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها، وإذا نابه شيء سبَّح رجل وصفَّقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى، ويبصق في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه.
طالب آخر: بسم الله الرحمن الرحيم: وتسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرحل، فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط، وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط، وله التعوذ عند آية وعيد والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض.
الشيخ: أحسنت.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف: (ويكره في الصلاة التفاته)، كيف الالتفات؟
[ ١ / ١٤١٩ ]
طالب: يعني التفاته دور العينين.
الشيخ: لا، دور العينين ما يلتفت.
الطالب: التفاته إلى الشيء.
الشيخ: يعني إدارة رأسه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: الالتفات مهلكة في الصلاة.
الشيخ: «إِيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ» (٢٢)، وسئل عن الالتفات فقال: هو؟
الطالب: هو مهلكة.
الشيخ: اختلاس.
الطالب: اختلاس ().
الشيخ: إي، كمِّل؟ «اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» (٢٣).
الطالب: هو () بسرعة إلى ().
الشيخ: لا، اختلاس يعني سرقة؛ يعني الشيطان يسرق من صلاة العبد فيلتفت.
طالب: ().
الشيخ: يقول المؤلف ﵀: (ورَفْع بصره إلى السماء)، ما الدليل؟
طالب: قول النبي ﷺ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (٢٤)، هنا النبي ﷺ قرن العقوبة بالتحذير، ومقارنة العقوبة ..
الشيخ: الآن استدللت أنت بهذا الدليل، هذا الدليل يقتضي -كما قال المؤلف- أن رفع البصر إلى السماء مكروه، أو أنه حرام؟
الطالب: حرام.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن النبى ﷺ ذكر في الدليل، حذرنا من رفع البصر وقرنه بعقوبة، فإن قرنت التحذير بعقوبة صار حرامًا.
الشيخ: صحيح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يكره أيضًا تغميض العينين، ما الدليل؟
طالب: عدم الدليل.
الشيخ: لا، إذن ما نقبل، العلم معرفة الهدى؟
طلبة: بدليله.
الشيخ: بدليله، قال ابن القيم:
الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الْهُدَى بِدَلِيلِهِ
مَا ذَاكَ وَالتَّقْلِيدُ يَسْتَوِيَانِ
طالب: فعل اليهود، منهيين عنه؛ لأنه ..
الشيخ: الدليل أنه فعل اليهود؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٢٥).
[ ١ / ١٤٢٠ ]
الطالب: ونحن مأمورون بمخالفتهم في الشرائع.
الشيخ: هل يستثنى من هذا شيء التغميض؟
طالب: يستثنى في حال واحدة إذا كان أمامه ما يشغله فإن له أن يغمض عيينه ليتم خشوعه.
الشيخ: إي نعم، الدليل؟
الطالب: الدليل أن الرسول ﷺ حثَّ على الخشوع، وهذا وسيلة إلى الخشوع، والوسيلة لشيء مشروعة.
الشيخ: إلى المشروع مشروعة؟ فيها أيضًا دليل آخر؟
طالب: أن النبي ﷺ كان يصلي فشغلته خميصة فأمر أن تزال ويؤتي بأنبجانية أبي جهم (٢٦).
الشيخ: لكن قد يقول قائل: التشبه موجود باليهود، التغميض؟
طالب: () النبي ﷺ كان يبعد كل ما يشغله في الصلاة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: قلنا: إن المكروه يزول بالحاجة، وإذا كان يكره تغميض العينين واحتاج الإنسان التغميض، فإن الكراهة تزول.
الشيخ: ما تكلمتم؟
الطالب: على أي شيء؟
الشيخ: قلنا: إنه نُهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها خوفًا من مشابهة الكفار، فإذا وُجِد سبب زال النهي، إحالة للفعل على سببه، ولهذا إذا دخل المسجد في هذا الوقت صلَّى تحية المسجد إحالة له على السبب، فهذا الذي غمَّض عيينه لأجل السبب هذا ما يقال فيه مشابهة، الإقعاء ما حكمه في الصلاة؟
طالب: مكروه.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: أن النبي ﵊ قال: ولا يقعي أحدكم كإقعاء الكلب (٢٧)، فيما معناه.
الشيخ: أنه نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب، وأدنى أحوال النهي؟
الطالب: التحريم.
الشيخ: أيش؟
الطالب: الكراهة.
الشيخ: الكراهة، افتراش ذراعيه؟
طالب: افتراش الذراعين في الصلاة مكروه.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: أن الرسول ﷺ نهى عن الافتراش في الصلاة.
الشيخ: ما يكفي هذا، جيب الحديث، كل واحد () هات الدليل؟
الطالب: أن النبي ﷺ نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب وافتراش كافتراش السبع.
[ ١ / ١٤٢١ ]
الشيخ: ما تستطيع تجيب لفظ الحديث؟ «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (٢٨).
طالب: فيه حديث آخر يا شيخ.
الشيخ: العبث، حكمه؟
طالب: مكروه في الصلاة.
الشيخ: مكروه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه مشغلة.
الشيخ: نعم.
الطالب: وينافي الخشوع.
الشيخ: مثل أيش الانشعال؟
طالب: مثل عبث الرجل في غترته وساعته وقلمه.
الشيخ: إي نعم، غترته وساعته وقلمه وزراره. التخصر؟
طالب: نهى عنه النبي ﷺ، مكروه.
الشيخ: لأن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل؟
الطالب: متخصرًا.
الشيخ: مثال؟
الطالب: التخصر؟
الشيخ: ما هو؟ أن يضع يديه على؟
طلبة: خصره.
الشيخ: خاصرته.
رجل قرأ في صلاة الفرض في الركعة الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، و(الفتح)، و(تبت)، وفي الثانية: (قل هو الله أحد)، و(الفلق)، و(الناس)، ما تقول؟
الطالب: بالنسبة لجمع السور؟
الشيخ: هذا، جاء واحد يسألك عن هذا الرجل اللي فعل هكذا؟
الطالب: نقول: لا بأس؛ لأنه ورد عن النبي ﷺ.
الشيخ: لا بأس؟
الطالب: نعم، جمع السور.
الشيخ: قرأ ثلاث سور في الأولى، وثلاث سور في الثانية، لا بأس؟
الطالب: نعم، ما فيه شيء.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: النبي ﷺ في حديث ابن عباس أنه صلَّى بالبقرة والنساء وآل عمران.
الشيخ: ابن عباس؟ !
الطالب: عبد الله بن مسعود.
الشيخ: ابن مسعود؟ ! سبحان الله!
طالب: حديث حذيفة.
الشيخ: حذيفة بن اليمان، كذا؟
الآن لو قال لنا قائل: إن من قال بالجواز لا يطالب بالدليل، الذي يُطالب بالدليل من قال بالمنع أو الكراهة؟
طالب: نقول: لا، هذا في المعاملة، أما في العبادات فالأصل فيها الحظر والمنع إلا بدليل يدل على جوازه.
الشيخ: ما يخالف، إذا كان هذا في العبادات والأصل فيها المنع، هذا يقول: ما عندي مانع، اقرؤوا ما تيسر من القرآن.
طالب: كيف يعني يا شيخ؟
[ ١ / ١٤٢٢ ]
الشيخ: إي، يقول: اقرؤوا ما تيسر من القرآن، القراءة في كتاب الله.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تيسر من القرآن، ما حدَّد.
الطالب: الآية تدل على أنه لا بأس به.
الشيخ: إذن الذي يطالب؟
الطالب: الذي يقول: لا دليل عليه، هو الذي ()، الذي يقول: ما يجوز هو الذي يطالب.
الشيخ: الذي يقول: يكره أو لا يجوز هو الذي يطالَب بالدليل، إذن ما حاجة أن نأتي بدليل موجب؛ يعني بدليل واقعي مثلًا، بدليل واقعي أن الرسول جمع، ما هو لازم، لكن لا بأس أن نأتي به من باب التقوية.
طالب: مشروعية.
الشيخ: أو ما فهمتم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مفهوم هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني لو قال قائل: لو لم يرد أن الرسول ﷺ جمع بين السور في النفل، فهل تقولون بالكراهة؟
طالب: لا.
الشيخ: نقول: لا نقول بالكراهة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال النبي ﵊: «اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (١٧).
طالب: يمكن يقال: الرسول ﷺ لم يفعل ()، فلو كان جائزًا لفعله هو ولو مرة ..
الشيخ: لا، ما نقول هكذا.
الطالب: ولو فعله لنُقل إلينا؟
الشيخ: ما نقول هكذا: نقول هو ليس بسنة، ما نقول: افعل، ولكن نقول: لو فعلت فلا بأس؛ لأنه عندنا دليل يدل على الجواز.
إذا قال قائل: هذا جاء في النفل؟
طالب: ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
الشيخ: إلا بدليل، وهنا لا دليل على كراهته في الفرض.
رجل نسي أنه في صلاة، وكان معه في () فصفص، وقام ينزل منها الفصفص بكثرة، كان معه نصف ()، وانتهى كله، ويش تقول؟ لكنه ناسٍ؛ يعني كان غافلًا عن كونه في صلاة؟
طالب: نقول: اختلف العلماء في فعل هذا الرجل؛ فبعضهم قال: إن صلاته تبطل، وبعضهم قال: إنه إذا فعلها ناسيًا فلا تبطل صلاته.
الشيخ: ما الذي عليه المؤلف؟
الطالب: الذي عليه المؤلف أنها تبطل ولو سهوًا.
[ ١ / ١٤٢٣ ]
الشيخ: ولو سهوًا، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، في شيء؟
طالب: حتى على الضابط الذي ذكرناه، أنه إذا شوهد وقيل: إنه هذا ليس في صلاة، فإنها تبطل صلاته؛ لأن من شاهد هذا الرجل يظن أنه ..
الشيخ: المهم أنه يقول: فيها خلاف، والذي عند المؤلف -اللي هو ما رجحنا شيئًا- أنها تبطل ولو سهوًا.
إذا قلنا ببطلانها سهوًا، فهل تنافي القاعدة: أن المحظورات إذا فعلها الإنسان سهوًا لم يثبت له حكم الفاعل؟
طالب: لو قلنا ببطلانها سهوًا؟
الشيخ: أما فهمت؟ يعني لو قلنا: تبطل الصلاة بالحركة الكثيرة سهوًا، فهل هذا ينافي القاعدة المعروفة: أن من فعل شيئًا من محظورات العبادة على وجه السهو فإنه لا تبطل العبادة؟
الطالب: لا ().
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن من يرى هذا الرجل يعني يضرب على () أنه ليس في صلاة، وهذا على خلاف الصلاة.
الشيخ: يعني منافٍ للصلاة، فكأنه ليس في صلاة.
هذا قول، لكن فيه قول آخر بأنه إذا كان سهوًا لا تبطل الصلاة، ولو أخرج الصلاة عن موضوعها ما دام كان ساهيًا.
طالب: القاعدة تقول: إنه لا يأثم إذا كان ساهيًا، لكن الصلاة تبطل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأنها أتي بما ينافيها.
الشيخ: إي نعم، لكنه في الحقيقة على القاعدة حتى وإن كان الشيء مبطلًا لا يبطل الصلاة، لو جامع الإنسان مثلًا في نهار رمضان ساهيًا ما بطل صومه.
هل تجوز قراءة أوساط السور؟
طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز تقرأ من وسط السورة؟
الطالب: إي.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾.
الشيخ: نعم، صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: نعم، هذا دليل عام، ما عندك دليل خاص؟
طالب: الدليل أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر (قل هو الله)، بقول الله ﷿: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] في الركعة الثانية.
الشيخ: نعم، والأولى؟
[ ١ / ١٤٢٤ ]
الطالب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦].
الشيخ: نعم، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾.
إذا قال قائل: هذا في النفل؟
طالب: نقول: إنه ما ثبت في النفل يثبت في الفرض إلا بدليل.
الشيخ: إلا بدليل، تمام، مع أن الدليل الذي قاله الأخ صحيح، لكن هذا دليل خاص.
قال المؤلف: (إذا نابه شيء)، أيش معنى نابه؟
طالب: عرض له شيء.
الشيخ: عرض له شيء، أي شيء يكون؟
الطالب: أي شيء.
الشيخ: لو أنه قُرع عليه الباب وهو يصلي يدخل في الكلام هذا؟
الطالب: ().
الشيخ: ماذا يصنع إذا نابه شيء؟
الطالب: سبَّح رجل وصفقت امرأة، يسبح يقول: سبحان الله!
الشيخ: مرة واحدة؟
الطالب: حتى ().
الشيخ: يكرر حتى يفهم الذي سأله. المرأة تُصفِّق سواء بحضرة الرجال أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: ما الذي يجري عليه كلام المؤلف؟
الطالب: تصفق على العموم.
الشيخ: على العموم، سواء عندها رجال أو لم يكن عندها رجال.
ذكرنا أن هناك قولًا في المسألة؟
طالب: قول آخر: نقول: إن كانت مع رجال فلها التصفيق، وإن كانت مع نساء فتسبح، واستدل بحديث النبي ﷺ: «إِذَا نَابَ أَحَدَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرَّجُلُ وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ» (٢٩)، فهذا يدل على أن النساء كن مع الرجال في التصفيق، فإن لم يكن معهن رجال يبقى التسبيح لهن؛ لأنه ذكر مشروع في الصلاة.
الشيخ: بخلاف؟
الطالب: بخلاف التصفيق.
الشيخ: كيف تصفق المرأة؟
طالب: بطن كفها على ظهر الأخرى.
الشيخ: كيف بطن الكف؟
الطالب: ببطن كفها هكذا.
الشيخ: هكذا، شفتوه يا جماعة؟ فيه صفة ثانية؟
طالب: فيه صفتان.
الشيخ: غير هذا؟
الطالب: إي، قيل: () تضع اليمنى على اليسرى، () أو قيل: اليسرى على اليمنى.
الشيخ: لا، ما قيل، هذا من كيسك!
الطالب: الصفة الثانية ().
الشيخ: الصفة الثانية في البطن على البطن كذا، هذه واحدة، والثالثة؟
الطالب: نسيت.
طالب آخر: بظهر كفها على بطن الأخرى.
[ ١ / ١٤٢٥ ]
الشيخ: بظهر كفها.
الطالب: على بطن الأخرى.
الشيخ: وريها للجماعة قائمًا.
الطالب: هكذا.
الشيخ: وذكرنا أن الأمر في هذا واسع، وأن المهم التنبيه.
المؤلف يقول: (له ردّ المار بين يديه)، ماذا نقول في هذا التعبير؟
طالب: يعني ظاهركلامه أنه يُباح له.
الشيخ: نعم.
الطالب: ونجيب عنه أنه عندما ..
الشيخ: اصبر بارك الله فيك. هذا ظاهر كلامه، فيه قول آخر غير الظاهر هذا؟
الطالب: إي، أنه يجب عليه أنه إذا كان مما يقطع الصلاة يجب عليه أن يرد المار.
الشيخ: ما هو على التفصيل.
الطالب: على القول الثاني أنه يسن له أن يرده.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه يباح؟
الطالب: نعم، القول الثاني أنه يسن له ذلك.
الشيخ: والثالث؟
الطالب: إذا كان مما يقطع الصلاة.
الشيخ: أنه يجب مطلقًا.
الطالب: أنه يجب مطلقًا.
الشيخ: والرابع؟
الطالب: إذا كان يقطع الصلاة فيجب عليه أن يرده.
الشيخ: إن كانت الصلاة؟
الطالب: إن كانت الصلاة فرضًا.
الشيخ: نعم، وإلا؟
الطالب: وإلا فيكون.
الشيخ: فلا يجب. بماذا نجيب عن كلام المؤلف؟
الطالب: نجيب عن كلام المؤلف المصلي عندما كان ممنوعًا من الحركة في الصلاة.
الشيخ: لما كان الأصل منع المصلي من الحركة، أتى باللام؟
الطالب: أتى باللام ليبين له أنه يباح له أن يرد المار.
الشيخ: لبيان رفع الحرج بقطع النظر عن كونه سنة أو واجبًا، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، صح، يعني هذا في مقابلة المنع، واضح؟
يقول المؤلف: إن الصلاة تبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط، وذكرنا في هذا أربعة احترازات؟
طالب: أول شيء، أول احتراز في مرور الكلب، أنه حتى تبطل الصلاة أن يمر الكلب بين يدي المار، أما إذا كان.
الشيخ: المرور.
الطالب: إي نعم، في المرور.
الشيخ: القيد الأول: المرور.
الطالب: كلب أسود.
الشيخ: الثاني: كلب.
الطالب: يعني كلب أسود بهيم.
الشيخ: والثالث؟
الطالب: أسود بهيم.
الشيخ: أسود.
الطالب: يعني بهيم.
الشيخ: والرابع؟
[ ١ / ١٤٢٦ ]
الطالب: والرابع فقط!
الشيخ: أيش الرابع؟
الطالب: كلب أسود بهيم وأن يمر بين يدي.
الشيخ: المرور.
الطالب: المرور بين يدي.
الشيخ: خلينا نمشي على كلام المؤلف، مرور.
الطالب: هذه مرور، كلب أسود.
الشيخ: كلب.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه اثنين، ثلاثة؟
الطالب: الثالث أسود بهيم.
الشيخ: والرابع؟
الطالب: بس خلاص.
الشيخ: لا، أربع متأكد.
الطالب: بهيم.
الشيخ: بهيم، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: صحيح؟
طالب: صحيح.
الشيخ: أربعة شروط؛ يعني أربعة قيود، لو أن الكلب كان رابضًا أمام المصلي، هل تبطل صلاته؟
طالب: لا تبطل صلاته.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه اختل شرط وهو المرور.
الشيخ: لو مر بين يديه أرنب؟
الطالب: لا تبطل صلاته.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الأرنب ليس كلبًا.
الشيخ: ليس كلبًا، صحيح. لو مر كلب أبيض؟
الطالب: لا تبطل صلاته؛ لأنه ليس بأسود.
الشيخ: نعم، لو مر كلب مُحجَّل، أسود لكن فيه بياض في رجليه ويديه؟
الطالب: لا تبطل صلاته؛ لأنه ليس ببهيم.
الشيخ: ليس ببهيم، تمام يا جماعة؟
طلبة: تمام.
الشيخ: ما دليلك على هذا؟
الطالب: دليل المؤلف قول الرسول ﷺ: «أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ» (٣٠).
الشيخ: المؤلف قال: (فقط)، ومحمد استدل بحديث ذكر فيه المرأة والحمار، فكيف قال المؤلف فقط مع ورود المرأة والحمار؟
طالب: نعم، في المسألة خلاف على قولين: أن المرأة والحمار لا يقطعان الصلاة، استدلوا بحديث عائشة ﵂ حين قالت: قد شبهتمونا بالكلاب والحمير، قالت: إني كنت مضطجعة أمام رسول الله ﷺ ما قطعت صلاته ﵊ (٣١).
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: وأيضًا استدلوا بحديث ابن عباس حينما كان على حمار أتان ومر بين يدي الصف (٣٢) ولم يعد.
الشيخ: فيه ثاني؟
[ ١ / ١٤٢٧ ]
الطالب: واستدلوا أيضًا بحديث الجارية حديث زينب بنت أبي سلمة حين مرت بين يدي الرسول ﵊ وقال: «هُنَّ أَغْلَبُ» (٣٣)، ولم يستأنف صلاته.
الشيخ: تمام، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما هو الجواب على الدليل الأول؟ حديث ابن عباس؟
طالب: حديث ابن عباس في الحمار.
الشيخ: إي.
الطالب: نقول: نحن نوافقكم بأن ابن عباس ﵁ حينما أرسل الأتان في أثناء الصف بأن ذلك لا يقطع الصلاة؛ لأن الحمار مر بين يدي الصف ولم يمر بين يدي النبي ﷺ، والحمار يقطع صلاة الإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يقطع صلاته.
الشيخ: يعني نوافق على ذلك؛ لأنه مر بين يدي بعض المأمومين، وسترة الإمام سترة للمأموم، هذا جواب عن مسألة الحمار. عن حديث عائشة؟
طالب: أن النبي ﷺ أراد بقطع المرأة للصلاة ()، وليس في البقاء، وعائشة لم تمر بين يدي الرسول ﷺ.
الشيخ: أنها لم تمر، وإنما كانت مضجعة، والذي يقطع الصلاة المرور، وعن حديث زينب؟
طالب: الجواب عليه يا شيخ بجوابين:
الجواب الأول: أن الحديث ضعيف.
والجواب الثاني: أن الذي يقطع الصلاة هو المرأة، وفي الحديث هنا زينب وهي طفلة صغيرة.
الشيخ: طفلة صغيرة ليست امرأة. إذن يكون قول المؤلف (فقط).
طالب: (فقط) الفاء للتحسين.
الشيخ: لا، من حيث الحكم؟
الطالب: الكلب فقط.
الشيخ: إي، لكن يكون قوله: (فقط) ضعيفًا أو غير ضعيف؟
الطالب: ضعيف.
الشيخ: ضعيف، إذا قصد أنه فقط أي دون الحمار والمرأة.
يحتمل أن التفقيط حسن، قوله: (فقط) يحتمل () المرأة والحمار.
طالب: () خاص بالكلب.
الشيخ: يعني (فقط) دون الأحمر ..
الطالب: خاصة بالكلب.
الشيخ: يعني دون الأحمر والأبيض.
***
طالب: () والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى:
فصل
[ ١ / ١٤٢٨ ]
أركانها: القيام، والتحريمة، والفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الكل، والتشهد الأخير، وجلسته، والصلاة على النبي ﷺ فيه والترتيب والتسليم.
وواجباتها: التكبير غير التحريمة، والتسميع، والتحميد، وتسبيحتا الركوع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا بيان ركنين من أركان الصلاة:
الركن الأول: القيام، ما دليله؟
طالب: ().
الشيخ: نريد من القرآن؟
الطالب: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]
الشيخ: ومن السنة؟
الطالب: ().
الشيخ: وغير؟
الطالب: فإن لم تستطع، عمران بن حصين.
الشيخ: حديث عمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا».
الطالب: ().
الشيخ: «فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (٢٠). هل يستثنى من هذا شيء؟
طالب: نعم، يستثنى.
الشيخ: ما الذي يُستثنى؟
الطالب: من القيام يستثنى القعود.
الشيخ: يستثنى القعود، كيف؟ !
الطالب: يستثنى الاتكاء.
الشيخ: كيف؟ !
الطالب: يعني أن يتكئ وهو قائم.
الشيخ: لا.
الطالب: يُستثنى العاجز.
الشيخ: العاجز، هذا واحد، ثاني؟
الطالب: صلاة النافلة.
الشيخ: صلاة النافلة، الثالث؟
طالب: إذا كان عاريًا يصلي جالسًا.
الشيخ: لا عاري هذا فيه نظر، نحن ذكرنا غيرها.
طالب: المنحني بهيئته.
الشيخ: لا.
طالب: الخائف.
الشيخ: الخائف، غير؟
طالب: المتكئ.
الشيخ: لا، المأموم إذا صلَّى إمامه جالسًا.
طالب: هذه جديدة، ما ذكرناها الدرس الماضي.
الشيخ: أو نسيتها.
طلبة: لا، ما ذكرناها.
الشيخ: والله على كل حال أنتم مُدَّعون، كلكم مُدَّعون!
هذا القيام، الثاني: تكبيرة الإحرام، الدليل؟
طالب: الدليل: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (٢١) قول الرسول ﷺ.
الشيخ: وغير؟
[ ١ / ١٤٢٩ ]
الطالب: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ».
الشيخ: حديث مَنْ؟ له اسم خاص معروف عند العلماء.
الطالب: المسيء صلاته.
الشيخ: المسيء في صلاته، نعم.
الطالب: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ كَبِّرْ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (١٧).
شروط التكبير ذكرناها في أول صفة الصلاة ولا حاجة لإعادته.
قال المؤلف ﵀: وقراءة (الفاتحة)، هذا الركن الثالث، قراءة الفاتحة في الفرض والنفل، والفاتحة هي السورة التي افتتح بها القرآن الكريم، ومعروفة وتكلمنا عليها في أول صفة الصلاة، قراءة الفاتحة ركن على مَنْ؟
على كل مُصلٍّ؛ في حق كل مُصَلٍّ لا يُستثنى منها شيء إلا المسبوق إذا وجد الإمام راكعًا، أو أدرك من قيام الإمام ما لم يتمكن معه من قراءة الفاتحة.
هذا هو الذي يستثنى، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣٤). و«لَا صَلَاةَ» نفي، والأصل في النفي أن يكون نفيًا للوجود، فإن لم يمكن فهو نفي للصحة، ونفي الصحة -في الحقيقة- نفي للوجود الشرعي، فإن لم يمكن فلنفي الكمال، فهذه مراتب النفي.
أولًا: أن يكون نفيًا للوجود؛ يعني لا يوجد، فإن لم يمكن يعني كان الواقع أنه موجود فهو نفي؟
طلبة: للصحة.
الشيخ: للصحة، ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي، فإن لم يمكن فهو نفي للكمال، فمثلًا: إذا قلت: لا واجب الوجود إلا الله، فهذا نفي للوجود، لا يوجد شيء واجب الوجود إلا رب العالمين ﷿، لا خالق إلا الله، كذلك.
وإذا قلت: لا صلاة بغير وضوء، هذا نفي؟
طلبة: للصحة.
الشيخ: للصحة.
وإذا قلت: لا صلاة بحضرة طعام، فهو نفي للكمال.
[ ١ / ١٤٣٠ ]
فقوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣٥) إذا نزلناه على هذه المراتب الثلاث وجدنا أنه قد يوجد من يُصلِّي ولا يقرأ الفاتحة، وعلى هذا فلا يكون نفيًا للوجود.
إذن إذا وجد ولم تُقرأ الفاتحة؟ فإن الصلاة لا تصح؛ لأن المرتبة الثانية هي نفي الصحة، وعلى هذا فلا تصح الصلاة، والحديث عام لم يُستثنَ منه شيء، والأصل في النصوص العامة أن تبقى على عمومها، فلا تُخصَّص إلا بدليل شرعي، إما نص، أو قياس صحيح، أو إجماع، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة بالنسبة للعموم الذي نحن بصدده وهو قوله: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
فإن قال قائل: يوجد دليل يُخصِّص هذا العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال الإمام أحمد: أجمعوا على أن هذا في الصلاة.
فالجواب أن يقال: إن هذه الآية عامة، تشمل الإنصات في كل من يُقرأ عنده القرآن، تُخصَّص بالفاتحة، فإنه لا يسكت إذا قرأ الإمام، ويدل لهذا ما رواه أهل السنن من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ انفتل من صلاة الصبح ذات يوم فقال: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟»، ثم قال: «لَا تَقْرؤُوا فِيمَا جَهَرْتُ فِيهِ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٣٦)، وهذا نص في محل النزاع؛ فيكون فاصلًا بين المتنازعين؛ لأنه جاء في صلاة جهرية ولَّا سرية؟
طلبة: جهرية.
الشيخ: جهرية، فيؤخذ به.
وأما قول الإمام أحمد ﵀: أجمعوا على أنها في الصلاة، فالظاهر لي -والله أعلم- أن مراده -﵀- أنه لو قرأ قارئ ليس إمامًا لي فإنه لا يجب عليَّ الاستماع له، بل لي أن أقوم مثلًا وأنصرف، أو أشتغل بما أنا مشتغل فيه.
[ ١ / ١٤٣١ ]
يعني مثلًا رجل يصلي جنبك في الصف، يقرأ القرآن، لا يلزمك أن تنصت له، لك أن تتشاغل بقراءة أخرى غير الاستماع لقراءته، أو أن تقوم وتنصرف، بخلاف الذي في الصلاة؛ فإنه مأموم تبع لإمامه.
هذا الذي ذكرناه هذا هو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية، أن قراءة الفاتحة ركن في حق كل مُصَلٍّ: الإمام، والمأموم، والمنفرد، ولا يُستثنى منها إلا مسألة واحدة، وهي المسبوق إذا أدرك إمامه راكعًا أو قائمًا ولم يتمكن من قراءة الفاتحة.
فإذا قال قائل: ما الدليل على استثناء هذه الصورة؟
قلنا: الدليل على ذلك حديث أبي بكرة الثابت في صحيح البخاري -﵀- حيث أدركَ النبيَّ ﷺ وهو راكع، فأسرعَ وركعَ قبل أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، ثم دخلَ في الصَّفِّ، فلما انصرفَ النبيُّ ﷺ مِن الصَّلاةِ سأل مَنِ الفاعل؟ فقال أبو بَكْرة: أنا، فقال: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» (٣٧)، ولم يأمره بقضاء الركعة التي أدرك ركوعها، ولو كان لم يدركها لكانت قد فاتته، ولأمره النبي ﷺ بقضائها، فلما لم يأمره بقضائها عُلِم أنه قد أدرك الركعة، وسقطت عنه قراءة الفاتحة.
والمعنى يقتضي ذلك أيضًا؛ يعني هذا دليل من نص، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن هذا المأموم لم يدرك القيام الذي هو محل القراءة، فإذا سقط القيام سقط الذِّكر الواجب فيه وهو القراءة، وقد انقسم العلماء -﵏- في قراءة الفاتحة إلى أقسام:
فمنهم من قال: إن قراءة الفاتحة ليست ركنًا في حق كل مُصلٍّ، واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]
[ ١ / ١٤٣٢ ]
وعموم قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (١٧)، ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنه في بيان الواجب، والحاجة داعية إلى بيان السورة المعينة، لو كانت الفاتحة واجبة؛ لأن هذا أعرابي لم يعرف شيئًا، فلو كانت الفاتحة هي الواجبة المتعينة لبيَّنها النبي ﷺ لهذا الرجل؛ لأنه بحاجة إلى بيانها، فلما لم يعينها في مقام الحاجة عُلِم أنها ليست بواجبة، وهذه حجة قوية، ولكن يمكن أن يجاب عنه: بأن هذا مجمل، «مَا تَيَسَّرَ»، وقد بينت النصوص أنه لا بد من قراءة الفاتحة، فيحمل هذا المجمل المطلق على المبيَّن المقيَّد، وهو قراءة الفاتحة، ثم إن الغالب أن أيسر ما يكون من القرآن قراءة الفاتحة؛ لأنها تُقرأ كثيرًا في الصلوات الجهرية فيسمعها كل أحد، وهي تُكرَّر في كل صلاة جهرية مرتين، بخلاف غيرها من القرآن.
وقال بعض أهل العلم: قراءة الفاتحة ركن في حق غير المأموم، أما في حق المأموم فإنها ليست بركن، لا في الصلاة السرية، ولا في الصلاة الجهرية، وعلى هذا فلو كبر المأموم ووقف صامتًا حتى ركع الإمام وركع معه فصلاته صحيحة.
واحتج هؤلاء بقول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (٣٨)، ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ؛ لأنه مرسل، والمرسل أحد أقسام الضعيف، فلا تقوم به الحجة.
القول الثالث: إن قراءة الفاتحة ركن في حق كل مُصلٍّ إلا في حق المأموم في الصلاة الجهرية.
[ ١ / ١٤٣٣ ]
واحتج هؤلاء بحديث عبادة بن الصامت، بل بحديث أبي هريرة أن النبيَّ ﷺ لما نهاهم عن القراءة مع الإمام قال: فانتهى الناس عما كان يجهرُ فيه النبيُّ ﷺ (٣٦)، قالوا: وهذا دليل على أنه منسوخ، على أن الأمر بالقراءة -قراءة الفاتحة- منسوخ، لأنه قال: فانتهى الناس عما كان يجهرُ فيه، فعلى هذا تكون قراءة الفاتحة ليست واجبة على المأموم إذا كان الإمام يجهر في صلاته.
واستدلوا أيضًا بأن الجهر بالقراءة إذا كان الإنسان يستمع لها فهى قراءة له حكمًا؛ بدليل أنه يُسنُّ للمستمع المنصت إذا سجد القارئ أن يسجد معه، وهذا دليل على أنه كالتالي حكمًا.
واستدلوا أيضًا بأن المنصت المتابع للقارئ له حكمه؛ لقوله تعالى لموسى ﵊: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩]، والداعي موسى وحده؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، الداعي موسى، وهارون كان يُؤَمِّن، وجعلهما الله -﷿- داعيين، إذن فالمنصت للقراءة قارئ حكمًا.
واستدلوا أيضًا بأنه لا فائدة من الجهر بالقراءة إذا لم تَسْقُط عن المأموم، وكيف يقرأ وإمامه قد قرأ؟ ثم كيف يقرأ وإمامه يجهر بالقراءة؟ هذا لغو أو عبث من الحكم؛ لأنه إذا قلنا للإمام: اقرأ بعد الفاتحة، ثم جاء المأموم ليقرأ الفاتحة صار جهر الإمام فيما يقرأ فيه لغوًا لا فائدة منه، وهذه أدلة لا شك أنها قوية؛ لولا النص الذي أشرنا إليه أولًا، وهو أن الرسول ﷺ انفتل مِن صلاة الفجر فقال: «لَا تَقْرَؤُوا خَلْفَ إِمَامِكُمْ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٩)، ولكن كيف نجيب عن هذه الأدلة؟
نجيب عن هذه الأدلة بأنها عامة، والأمر بقراءة الفاتحة أخص منها، وإذا كان أخص وجب تقديم الأخص.
[ ١ / ١٤٣٤ ]
وأما القول بأن قراءة الإمام إذا كان المأموم يستمع لها قراءة للمأموم؛ فنعم، نحن نقول بذلك، لكن فيما عدا الفاتحة؛ ولهذا يعتبر المأموم الذي يستمع إلى قراءة ما بعد الفاتحة يعتبر كأنه قارئ لها، لكن الفاتحة فيه نص.
وأما قولهم: إنه لا فائدة من جهر الإمام إذا ألزمنا المأموم بالقراءة، فنقول: هذا قياس في مقابلة النص، والقياس في مقابلة النص مطرح، لا يُعبأ به.
ثم إذا قلنا: بوجوب قراءة الفاتحة، هل تجب في كل ركعة، أو يكفي أن يقرأها في ركعة واحدة؟
في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إذا قرأها في ركعة واحدة أجزأ؛ لعموم قوله: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣٤)، ولم يقل: في كل ركعة، بل قال: «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ»، والإنسان إذا قرأها في ركعة فقد قرأها، فتُجزئ، ولكن الصحيح أنها في كل ركعة.
ودليل ذلك أن الرسول ﷺ قال للمسيء في صلاته: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (٣٩)، لما ذكر له صفة الركعة الأولى قال: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»، ودليل آخر أن الرسول ﷺ واظب على قراءتها في كل ركعة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٣).
وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة أن قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة، وعلى كل مُصَلٍّ، ولا يستثنى منها إلا ما ذكرنا فيما دل عليه حديث أبي بكرة ﵁ (٤٠).
هل هي واجبة في الفريضة والنافلة؟ هل هي ركن في الفريضة والنافلة؟
الجواب: نعم، هي ركن في الفريضة والنافلة؛ لعموم الحديث.
ثم قال المؤلف ﵀: (والركوع) الركوع أيضًا ركن؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فأمر الله بالركوع، ومن المعلوم أنه لا يُشرع لنا أن نركع ركوعًا مجردًا، وإذا لم يُشرع لنا أن نركع ركوعًا مجردًا وجب حمل الآية على الركوع الذي يكون؟
[ ١ / ١٤٣٥ ]
طلبة: في الصلاة.
الشيخ: في الصلاة؛ ولقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمِئَنَّ رَاكِعًا» (٣٩)، ولمواظبة النبي ﷺ عليه في كل صلاة، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٤١).
وقد أجمع العلماء على ذلك، أجمع العلماء على أن الركوع ركن لا بد منه، وقد سبق لنا في أول صفة الصلاة مقدار الواجب منه، ومقدار المستحب.
الواجب أن ينحني بحيث تمس يداه ركبتيه، إذا كان معتدل الخلقة، وقيل: إن الواجب منه أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام.
(والاعتدال عنه) لو قال: الرفع منه لكان أنسب؛ لكنه -﵀- عدل عن ذلك خوفًا من أن يُظنَّ أن المراد بذلك مجرد الرفع، فقال: (والاعتدال منه)، والاعتدال لا يكون إلا بعد القيام التام، ودليل ذلك حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته أن رسول الله ﷺ قال: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا» (١٧)، فأمر بالرفع إلى القيام مع الطمأنينة.
قال: (والركوع والاعتدال عنه) يُستثنى من هذا الركوع الثاني وما بعده في صلاة الكسوف، فإنه سُنَّة، ولهذا لو صلَّى صلاة الكسوف كالصلاة المعتادة فصلاته صحيحة، صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، الركوع الأول ركن، والركوع الثاني سُنَّة، لو تركه الإنسان فصلاته صحيحة، فهذا الذي يُستثنى من الركوع.
هل يستثنى من الاعتدال عنه العاجز؟
الجواب: نعم، يستثنى العاجز، لو كان في الإنسان مرض في صلبه ما يستطيع النهوض لم يلزمه النهوض، ولو كان الإنسان أحدب؛ يعني مقوس الظهر لا يستطيع الاعتدال لم يلزمه ذلك، وعلى هذا فيُستثنى منه العاجز، ماذا يعمل إذا أراد أن يخرج من الركوع؟ ويش يعمل؟
طالب: ينوي.
الشيخ: ينوي أنه رفع ويقول: سمع الله لمن حمده.
[ ١ / ١٤٣٦ ]
قال: (والسجود) السجود أيضًا ركن؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ولقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا» (١٧)، ولمواظبة النبي ﷺ عليه.
ولكن قال المؤلف: (على الأعضاء السبعة) يعني لا يكفي مجرد السجود، بل لا بد أن يكون على الأعضاء السبعة، وهي؟
طالب: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين.
الشيخ: خطأ.
طالب: شيخ، وأطراف القدمين.
الشيخ: وأطراف القدمين نعم.
والسجودُ على الأعضاءِ السبعةِ والاعتدالُ عنه، والجلوسُ بينَ السجدتينِ والطُّمأنينةُ في الكلِّ والتَّشَهُّدُ الأخيرُ وجَلستُه، والصلاةُ على النبيِّ ﷺ فيه، والترتيبُ والتسليمُ.
و(واجباتُها): التكبيرُ غيرُ التحريمةِ والتسميعُ والتحميدُ وتَسبيحَتَا الركوعِ والسجودِ، وسؤالُ الْمَغفِرَةِ مَرَّةً مَرَّةً، ويُسَنُّ ثَلاثًا، والتشَهُّدُ الأَوَّلُ وجَلْسَتُه، وما عَدَا الشرائطَ والأركانَ والواجباتِ المذكورةَ سُنَّةٌ،
قال: (والسجود).
(السجود): أيضًا ركن؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ولقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا» (١)، ولمواظبة النبي ﷺ عليه.
ولكن قال المؤلف: (على الأعضاء السبعة).
يعني لا يكفي مجرد السجود، بل لا بد أن يكون على الأعضاء السبعة؛ وهي؟
طالب: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين.
الشيخ: خطأ.
طالب: شيخ، وأطراف القدمين.
الشيخ: وأطراف القدمين، نعم، الجبهة مع الأنف، الأنف تبع لها، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين.
[ ١ / ١٤٣٧ ]
لا بد من السجود على هذه الأعضاء السبعة، وقد سبق دليل هذا، وهو حديث عبد الله بن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ؛ الْجَبْهَةِ -وأشار بيده إلى أنفه- وَالْكَفَّيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (٢).
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا () إنه الركعة الثانية في صلاة الكسوف، الدليل على هذا؟
الشيخ: الدليل على هذا أنه قد ورد في عموم قوله: «فَصَلُّوا»، ولم يقل: كما صليت، وإن كان هذا الاستدلال فيه نظر.
الثاني: أن بعض الصحابة ورد عنه أنه فعلها كذلك في صلاة النافلة.
طالب: قلنا: يا شيخ، الرسول ﷺ صلَّاها مرة واحدة؛ فالرسول ﷺ ..
الشيخ: إي، نقول: هذا الاستدلال؛ قوله: عموم «صَلُّوا»، قال: ولم يقل: صلوا كما صليت. والصلاة معروفة أنها ركعتان بركوع واحد، لكننا نقول: هذا مطلق، يُحمل على فعل الرسول ﵊.
طالب: إذن يا شيخ، هي سُنَّة ولَّا واجبة؟
الشيخ: لا، المذهب أنها سُنَّة.
الطلبة: والصحيح؟
الشيخ: ما أدري، ما أصبت شيئًا.
طالب: قلنا: إنه يجوز عن قول بعض أهل العلم أن آخر حديث عبادة بن الصامت من كلام عبادة بن الصامت، أن قوله إلا ()؛ يعني من فقه عبادة بن الصامت.
الشيخ: نعم، نقول: (إلا) أداة استثناء، والمستثنى مع المستثنى منه جملة واحدة، فإذا كان: لا تفعلوا إلا بأمور، أما لو كانت الجملة مستقلة كان فيه احتمال تكون مدرجة، لكنها كلمة (إلا) يأتي بها مدرجة مع أن المستثنى تابع للمستثنى منه في جملته، هذا بعيد
طالب: في جملته.
الشيخ: ثم الأصل عدم؟
الطلبة: الاستثناء.
الشيخ: الأصل عدم الإدراج، حتى يقوم دليل على ذلك ..
طالب: لو ثبت يا شيخ، من ناحية الصناعة الحديثية يكون القول الثاني قويًّا؟
[ ١ / ١٤٣٨ ]
الشيخ: معلوم لو ثبت أن هذا ليس من كلام الرسول ﷺ كان قويًّا، لكن ما يثبت.
طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان لا يعرف قراءة الفاتحة، هل يقرأ بعدد آياتها من القرآن؟
الشيخ: هو ما مر علينا في الصلاة؟ مر علينا.
طالب: شيخ، الصلاة قاعدًا خلف إمام قاعد حكمها على الوجوب؟
الشيخ: الظاهر الوجوب؛ لأن الرسول أشار إليهم في صلاته أن اجلسوا ثم قال: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا» (٣).
طالب: شيخ، إنما وضع الإمام ليؤتم به.
الشيخ: «إِنَّمَا جُعِلَ».
الطالب: أو «جُعِلَ الْإِمَامُ».
الشيخ: نعم، أيش هذا؟
الطالب: المؤتم به كما يفعل يفعل.
طالب آخر: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يعتبر () الأخيرتان، هل تكون الثالثة والرابعة أو تكون الثالثة؟
الشيخ: ما بعد الركوع الأول، كل ما بعد الركوع الأول.
طالب: لم فصل بين الركوعين بسجود؟
الشيخ: إي؛ لأنها صلاة عادية؛ يعني لو صلَّاها كالصلاة العادية، فلا حرج.
الطالب: وقد خالفت الصلاة العادية.
الشيخ: أي العادية؟
الطالب: يعني تصلي الركعة الأولى.
الشيخ: إذا ركع ركوعًا واحدًا، ثم سجد، صار كالراتبة.
طالب: شيخ، بالنسبة لحديث عمر؛ يعني مَن ركع يعني خارج الصف.
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني ركع ركوعًا خارج الصف، حديث أبي بكرة.
الشيخ: بكرة ولَّا بكر؟
الطالب: أبي بكرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ركع يعني يكون خارج الصف قال: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» (٤).
الشيخ: نعم.
طالب: يعني مثلًا نقول: الركوع خارج الصف، ولا قراءة () قراءة الفاتحة.
الشيخ: أيش هذا؟
الطالب: يعني كلمة الرسول ﷺ ..
الشيخ: «وَلَا تَعُدْ» يعني؟ إي، يعني على أي شيء نهاه عن العود؟
أبو بكرة فعل ثلاثة أشياء: الأول: أسرع، والثاني: دخل في الصلاة قبل أن يصل إلى الصف، والثالثة: دخل مع النبي ﷺ وهو راكع، ثلاثة أشياء.
[ ١ / ١٤٣٩ ]
نقول: أما دخوله مع النبي ﷺ وهو راكع فلا نهي فيه، ما فيه نهي، يدخل؛ لقوله ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تَسْعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» (٥). وهذا أدرك الركوع فليصلِّ.
حديث ابن عمر -وإن كان إسناده ضعيفًا-: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ» (٦).
إذن «لَا تَعُدْ»: لا يمكن أن تعود إلى الركوع، «لَا تَعُدْ»: لا تدخل في الصلاة قبل أن تصل إلى الصف، هذا صحيح؛ لأن الإنسان منهيّ أن يدخل في الصلاة حتى يدخل في الصف.
(لا تُسْرِع): صحيح، تكون «لَا تَعُدْ» يعني إلى الإسراع، أو الدخول في الصلاة قبل الوصول إلى الصف، لا إلى الدخول مع الإمام وهو راكع؛ لأن هذا لا نهي عنه، بل هذا هو الذي يُؤمر به الإنسان.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا قلنا: إنه يقرأ، يسبح، أو يقرأ آية في القرآن كعدد آيات الفاتحة، نقول: هل هذا ركن؛ لأن البدل له حكم المبدَل أو لا على العدد؟
الشيخ: إي نعم، لا بد.
الطالب: ركن؟
الشيخ: البدل له حكم المبدل.
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: (والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الكل، والتشهد الأخير، وجلسته، والصلاة على النبي ﷺ فيه، والترتيب، والتسليم).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن من أركان الصلاة قراءة الفاتحة، ما هو الدليل؟
طالب: الدليل قوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ» أو «فَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٧).
[ ١ / ١٤٤٠ ]
الشيخ: نعم، هذا دليل، لو قال قائل: إن النفي هنا للكمال؟
طالب: نقول أولًا: النفي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نحمله أولًا على نفي الوجود، ثم نفي الصحة، ونفي الكمال؛ أما نفي الوجود فإن الصلاة توجد بدون فاتحة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فلننتقل إلى نفي الصحة.
الشيخ: طيب، أقول: لو قال قائل: إنه هنا ينفي الكمال؟
الطالب: نقول: ليس صحيحًا هذا.
الشيخ: هذا غير صحيح.
طالب: لأنه، إنما هو نفي الصحة.
الشيخ: نعم، صح، ويدل على ذلك أيضًا قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ» (٨)، يعني فاسدة. الأخ، هل تجب قراءة الفاتحة على كل مُصلٍّ؟
طالب: نعم، تجب قراءة الفاتحة على كل مُصَلٍّ.
الشيخ: على كل مصلٍّ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
طالب: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٩).
الشيخ: إي، لكن لو قال قائل: هذا غير المأموم مثلًا؟ يعني: ما الدليل على أنها تعم؟
طالب: في هذا القول، في هذا ثلاثة أقوال.
الشيخ: لا، أنا أريد ما الدليل على أنها للعموم؟
طالب: العموم: قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
الشيخ: ويش الدلالة؟
طالب: أنها خاصة.
الشيخ: أنها خاصة؟ كيف تقول: للعموم وتقول: خاصة؟ !
طالب: أن الرسول -اللهم صلِّ عليه وسلم- جاء من صلاة الغداة، قال: «مَا لَكُمْ تُنَازِعُونِي الْقُرْآنَ فَلَا تَقْرَؤُوا إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ» (١٠). دل على أن المأموم يقرأ بالفاتحة أيضًا.
الشيخ: طيب، فيه أيضًا وجه دلالة من نفس الحديث الذي استدل به الإخوان؟
طالب: شيخ، أن الحديث عام، نفي للصلاة.
الشيخ: طيب، وين العموم يا أخ؟
الطالب: «لَا صَلَاةَ». هذه (لا) ..
الشيخ: هذا نفي لعموم الصلاة؟
الطالب: إي نعم.
[ ١ / ١٤٤١ ]
الشيخ: يعني يشمل الفرض والنفل، لكن ما يشمل كل واحد.
الطالب: يشمل الفرض والنفل، سواء كان المصلي كان مأمومًا أو غير مأموم.
الشيخ: إلى الآن ما أعطيت.
طالب: أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١١).
الشيخ: شوفوا أيش مطلوب يا إخواني، مطلوبي من هذا الحديث نفسه: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ».
طالب: (لمن)، هي التي تعم يا شيخ.
الشيخ: صح. «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ» (مَنْ) اسم موصول؛ يعني للذي لم يقرأ، ما قال: إلا المأموم، قال: «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ». أما العموم اللي قاله فهو عموم للصلاة، لا للمصلي، ولّا لا؟
الطلبة: نعم.
طالب آخر: ().
الشيخ: زين، إذا قال قائل: هل يستثنى من ذلك شيء؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: مَن؟
الطالب: المسبوق.
الشيخ: المسبوق، إذا جاء والإمام راكع. نحتاج إلى دليل على هذا التخصيص؟
طالب: الدليل: أن أبا بكرة ﵁ أتى إلى الصلاة، فالرسول ﷺ كان راكعًا، فدخل فركع، ثم دخل في الصف، فلما انتهى الرسول ﷺ من الصلاة قال: «مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟». فقالوا: أبو بكرة، فقال: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» (٤)، فإقراره على صحة صلاته يدل على أن قراءة الفاتحة له ليست بركن.
الشيخ: يعني لو قال قائل: إن الرسول ﵊ ما بَيَّن أنه أدرك الركعة أو ما أدركها؟
الطالب: الرسول ﷺ كان يرى مَن خلفه، هذا من خواص الرسول ﷺ، كان يرى من خلفه ..
الشيخ: هو ما يحتاج ليرى، علِم، قال: «مَنِ الَّذِي فَعَلَ؟»، ولا رأى من الفاعل، ولكن أُخْبر به.
الطالب: أُخبر به.
الشيخ: لكن لو قال قائل: إن الرسول ﷺ ما قال: إنك أدركتها؟
الطالب: نعم، قال: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟» علم عن فعله، ودخل وهو راكع، قبل أن ().
طالب آخر: النبي ﷺ لم يأمره بقضاء الركعة.
[ ١ / ١٤٤٢ ]
الشيخ: أحسنت. لم يأمره بقضاء الركعة، ولو لم يدركها؟
الطالب: لأمره.
الشيخ: لأمره، ولو أمره؟
الطالب: لنُقل إلينا.
الشيخ: لنقل إلينا، تمام، صح. هل يُستثنى شيء آخر؟
طالب: من لم يعرف ().
الشيخ: لا، هذا ().
طالب: يستثنى كذلك من أدرك الإمام، ولم يمكنه قراءة الفاتحة.
الشيخ: هذا داخل في المسبوق.
طالب: إذا أدرك الإمام قائمًا، ولم يتمكن من قراءتها.
الشيخ: قالها، وقلنا: إنها داخلة في المسبوق، على كل حال، ما استثنى شيئًا.
(الركوع)، دليله؟
طالب: الركوع دليله: قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
الشيخ: ومن السُّنة؟
الطالب: ومن السنة قول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» (١).
الشيخ: أحسنت، تمام، والإجماع مُنعقد على ذلك. الاعتدال من الركوع؛ يعني الرفع من الركوع، ما هو الدليل على ركنيته؟
طالب: هو قول الرسول ﷺ للمسيء: «ثُمَّ ارْفَعْ مِنْهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا» (١).
الشيخ: أحسنت، «ثُمَّ ارْفَعْ» فأمره بالرفع. السجود من أركان الصلاة؟
طالب: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]، ومن السنة حديث ابن عباس: «أُمِرْنا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» (٢).
الشيخ: أحسنت، وكذلك أيضًا قوله للمسيء في صلاته: «ثُمَّ اسْجُدْ».
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (والاعتدال عنه، والجلوس بين السجدتين).
يقول الشارح: إن قول الماتن: (الاعتدال عنه) يُغني عنه قوله: (والجلوس بين السجدتين)؛ لأنه لا يتصور جلوس بين السجدتين إلا باعتدال من السجود، وعلى هذا فنقول: إنه يغني عنه، كما قال الشارح.
[ ١ / ١٤٤٣ ]
لكن قد يقول قائل: إن الاعتدال ركن بنفسه، والجلوس ركن بنفسه؛ لأنه قد يعتدل لسماع صوت مزعج، يقوم يعني بغير اختياره، بغير نية، ثم يجلس، فهنا حصل اعتدال بدون نية، ثم بعده جلوس، مثلما لو سقط الإنسان من القيام على الأرض، لما سقط بدون نية قال: بأجعله السجود، ما يصح هذا، لأن هذه الحركة بين القيام إلى السجود لم تكن بنية، ومثله الرفع.
فالظاهر أن الأولى إبقاء كلام الماتِن على ما هو عليه؛ أي أن نقول: (الاعتدال) (والجلوس)، حتى يكون الإنسان ينوي الاعتدال بأنه قام من السجود من أجل الجلوس، الجلوس بين السجدتين ركن من أركان الصلاة؛ لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ -يعني من السجود- حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» (١)، فهذا دليل على أنه لا بد منه.
وقول المؤلف: (الجلوس) لم يُبيِّن كيفيته، وقد سبق لنا كيفيته في باب صفة الصلاة فأغنى عن إعادته.
قال المؤلف: (والطمأنينة في الكل) أيش (الكل) هنا؟
الطلبة: كل ما سبق.
الشيخ: في كل ما سبق من الأركان الفعلية، لا بد من الطمأننية، والاطمئنان معناه الاستقرار، ولهذا قالوا: إن الطمأنينة هي السكون وإن قل.
ودليل ركنية الطمأنينة في هذه الأركان: أن رسول الله ﷺ لما علم الرجل كان يقول له في كل ركن: «حَتَّى تَطْمَئِنَّ»، فلا بد من استقرار وطمأنينة، ولكن ما حد الاطمئنان الذي هو ركن؟
قال بعض أهل العلم: السكون وإن قل، حتى وإن لم يتمكن من الذكر الواجب.
وقال بعض أهل العلم - وهو الأصح-: الطمأنينة بقدر الذكر الواجب؛ فمثلًا في الركوع يطمئن بقدر ما يقول: (سبحان ربي العظيم) مرة ولَّا أكثر؟ مرة واحدة؛ في الاعتدال منه: بقدر ما يقول: (ربنا ولك الحمد)، في السجود: بقدر ما يقول: (سبحان ربي الأعلى)، في الجلوس: بقدر ما يقول: (ربِّ اغفر لي)، وهكذا.
[ ١ / ١٤٤٤ ]
فإذا قال الإنسان: هل يظهر فرق بين القولين؟ بين قولنا: السكون وإن قل وبين قولنا: السكون بقدر الذكر الواجب؟
قلنا: نعم؛ لأنه لو سكن سكونًا قليلًا لا بقدر الذكر الواجب، ونسي أن يقول الذكر الواجب، ثم استمر في صلاته:
فعلى القول بأن الطمأنينة هي السكون وإن قل تكون صلاته صحيحة، لكن يجب عليه سجود السهو لترك الواجب.
وعلى القول بأنه لا بد أن يكون بقدر الذكر الواجب، نقول: صلاته تكون غير صحيحة؛ لأنه لم يستقر بقدر الذكر الواجب؛ ولهذا فصَّل بعض الفقهاء فقال: بقدر الذكر الواجب لذاكِره، والسكون وإن قل لمن نسيه، ما أدري، معلوم هذا ولّا لا؟
الطلبة: معلوم.
الشيخ: لدينا رأيان في الطمأنينة التي هي ركن؛ منهم من قال: إنه يجب أن تكون هذه الطمأنينة بقدر الذكر الواجب سواء ذكره أو ما ذكره؛ يعني سواء قال الذكر أو ما قاله، لا بد أن تكون بقدر الذكر الواجب.
الواجب في الركوع: (سبحان ربي العظيم)، في الرفع منه: (ربنا ولك الحمد)؛ لأن (سمع الله لمن حمده) هذه في الانتقال، ما هي ببعد الرفع، في السجود: (سبحان ربي الأعلى)، في الجلوس بين السجدتين: (رب اغفر لي). لا بد أن يطمئن بقدر هذا الذكر، سواء كان ذاكرًا له أم ناسيًا.
القول الثاني: أنها السكون وإن قل؛ يعني: لو سكن بقدر لحظة، وإن كان لا يمكنه إلا أن يقول: (سبحان)، فقد أدى الركن.
إذن، جاءنا رجلان يسألان، أحدهما يقول: أنا اطمأننت بقدر قولي: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، فصلاته صحيحة، على القولين؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: على القولين. والثاني يقول: اطمأننت في الركوع بقدر أن أقول: (سبحان ربي) فقط، ثم رفعت؟ على القول بأنها السكون وإن قل؟
الطلبة: صحيحة.
الشيخ: يكون قد أدى الركن، وعلى القول الثاني؟
الطلبة: غير صحيحة.
الشيخ: لم يؤدِّ الركن.
[ ١ / ١٤٤٥ ]
فيه رأي آخر يقول: إذا كان ذاكِرًا للقول الواجب فالطمأنينة بقدره، وإن نسي فيكفي السكون وإن قل، يكفي أقل سكون، وعلّل ذلك بأنه إذا كان ناسيًا للذكر الواجب سقط عنه القول الواجب إذا نسيه، هو وجب عليه السجود السهو، وإن كان ذاكرًا لهذا القول: بطلت صلاته بتعمد تركه، فيكون بطلان الصلاة لتعمد الترك، ولكونه لم يطمئن الطمأنينة الواجبة.
والأصح: أن الطمأنينة لا بد أن تكون على أقل تقدير بقدر القول الواجب في الركن، هذا أقل تقدير، وهي مأخوذة من اطمأن إذا تمهل واستقر، فكيف نقول لشخص لما رفع من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده) (الله أكبر)، كيف نقول: هذا مطمئن؟ وين الطمأنينة؟
كيف نقول لواحد لما رفع من السجود قال: (الله أكبر) (الله أكبر)؟ يعني سكن وإن قل، لحظة سكن، لكن ما () الطمأنينة، لا بد من طمأنينة، استقرار. فالصحيح أن أقل ما نقول فيها: أنها بقدر الواجب.
الطمأنينة؛ الدليل: حديث المسيء في صلاته، والحكمة من ذلك أن الصلاة عبادة، يناجي الإنسان فيها ربه، فإذا لم يطمئن فيها صارت كأنها لعب.
ويذكر أن بعض أهل العلم اجتمع بأمير يرى مذهب من لا يوجب الطمأنينة، ولا يوجب قراءة الفاتحة، ولا يوجب التكبير بلفظه، فقال: يا أيها الأمير، إنك تقلد المذهب الفلاني. قال: نعم. قال: سأريك الصلاة في هذا المذهب، وبعد ذلك أنت حر. قال: طيب. ثم قال: الله أجلّ، الله أجلّ! بدل؟
الطلبة: (الله أكبر).
الشيخ: (الله أكبر).
ثم قال: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] هذه آية، وهي متيسرة، «وَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (١).
[ ١ / ١٤٤٦ ]
ثم ركع بدون تكبير، ثم رفع بدون تسبيح، وبدون (سمع الله لمن حمده)، وبدون طمأنينة، ثم سجد بدون تكبير، وبدون تسبيح، وبدون طمأنينة، ثم أخذ يتحرك هذه الحركة بسرعة. وفي النهاية، عندما أراد أن يسلم أحدث، قال: هذه الصلاة؛ لأنهم يرون أن السلام إطلاق من محظور، ما هو بـ (السلام عليكم)، هذا خطاب! فيقول: إذا أتى بأي مبطل للصلاة فقد خرج من الصلاة.
هذا اختار المبطل اللي يعني، فأحدث حدثًا له صوت، ثم انصرف! قال: هذه الصلاة! فالأمير اقتنع من أن هذا المذهب لا ينبغي أن يتمشى عليه.
فأقول: إذا وُجِدت صلاة ليس فيها طمأننية، كيف تكون صلاة؟ !
كيف يمكن أن يقال: هذا الرجل وقف بين يدي الله يُناجي الله ﷿، ثم يُسرع هذه السرعة العظيمة؟
هل نحن مُتعبّدون بأن نأتي بحركات مجردة؟ ! لا والله.
لو كانت الصلاة مجرد حركات وأقوال لخرجنا منها بدون فائدة تُذْكَر؛ يعني خرجنا منها بمجرد إبراء الذمة فقط، أما أن تُعطي القلب حياةً ونورًا، فهذا لا يمكن أن يأتي ذلك بصلاة ليس فيها طمأنينة، والنبي ﵊ قال: «الصَّلَاةُ نُورٌ» (١٢).
«نُورٌ» في أيش؟ في القلب، والوجه، والهداية، والقبر، «نُورٌ» على اسمه، هي كلها نور. فهل نحن إذا انصرفنا من صلاتنا نجد نورًا في قلوبنا؟ إذا لم نجد فالصلاة فيها نقص بلا شك، ولهذا يُذكر عن بعض السلف أنه قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ لم تزده من الله إلا بعدًا؛ لأنه ما صلَّى، لو صلَّى الصلاة الحقيقية، للزم أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، هذا خبر من الله مؤكد بـ (إن).
[ ١ / ١٤٤٧ ]
فإذا صليت صلاة لا تجد قلبك منتهيًا عن الفحشاء والمنكر، فاعلم أنك لم تُصلِّ إلا صلاة تبرأ بها الذمة؛ ولذلك -كما تشاهدون- الإنسان يدخل في صلاته ويخرج منها كما هو، ما يجد أثرًا، وإذا مَنَّ الله عليه يومًا من الأيام، وصار قلبه حاضرًا، واطمأن، وتمهل، وتدبر ما يقول ويفعل؛ خرج على خلاف ما دخل، وجد أثرًا، ووجد طعمًا يتطعمه ولو بعد حين، يتذكر تلك الصلاة التي كان فيها حاضر القلب مطمئنًا.
فالحاصل: الطمأنينة لا بد منها؛ هي روح الصلاة في الحقيقة، هي والخشوع.
طالب: لو اقتصرنا على الواجب ما نجد للصلاة ().
الشيخ: صحيح، ما نجد، لكن فيها -كما قلت- إبراء الذمة، لكن الكمال ما ندري.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قولك -يا شيخنا-: من الذكر الواجب هو حد الطمأنينة.
الشيخ: بأن الطمأنينة بمقدار الذكر الواجب، نعم.
طالب: لو قال: الذكر الواجب، ولكن ما استقر؟ () مثلًا قال: (رب اغفر لي) ما استقر.
الشيخ: لا، هو يستقر، لا بد أن يستقر.
طالب: بس ما يقيدها يا شيخ حتى يعود كل عظم إلى موضعه.
الشيخ: إحنا قلنا: الطمأنينة بقدر الذكر الواجب، ما فيه طمأنينة إلا باستقرار.
طالب: يقول: (رب اغفر لي)، في وقت ().
الشيخ: لا، ما يقال: جلس. ما جلس.
طالب: شيخ، الذكر إذا استدرك، ثم قال الذكر غير الذكر المحدد، كان دعا، ثم نسي على القول الأول أنه يسجد سجود السهو؛ لأنه لم يقل الذكر المعيَّن، قال ذكرًا آخر.
الشيخ: إي، لكن الذكر الآخر في غير موضعه لا يفيده.
طالب: إذا يا شيخ بعض العوام يغني عن أنه يسرع في صلاته جدًّا، يغنيه قال لنهيه؛ إنه إن يسجد يقول: (سبحان الله، سبحان ربي الأعلى) ()، هو كان مسرعًا مرة، هذا أيش لونه؟
الشيخ: على كلام أهل العلم يكون أدى الصلاة الواجبة.
الطالب: لكنها كالغراب ناقصة يعني؟
[ ١ / ١٤٤٨ ]
الشيخ: إي، ما فيه شك أنها ناقصة، ناقصة جدًّا، لكن حتى لو فكرت، أو لو تأملت، ما وجدته أتى بالذكر؛ لأن بعض الناس يُمِرّ الذكر على قلبه، ولَّا أنا أظن أنه لو أمرَّه على لسانه وقال: (سبحان ربي الأعلى)، هذا وقت، يحصل وقت، لكن بعض الناس يقول: (سبحان ربي الأعلى) بقلبه، ما يصل القول إلى حنجرته.
طالب: ذكرت الآن، تقول: إن الصلاة ناقصة.
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في إنه يعني ما اطمأن، تقول: إنه ما اطمأن يعني.
الشيخ: إذا لم يطمئن فصلاته باطلة.
الطالب: هو ذكر، الذكر الواجب، فكيف تكون ناقصة؟
الشيخ: إي نعم، ناقصة؛ لأنه إذا أسرع هذا الإسراع، فهي أنقص مما لو اطمأن، وتمهل أكثر.
الطالب: يعني ما هو ما عليه إثم إن شاء الله؟
الشيخ: لا، ما عليه إثم، إذا أتى بالواجب ما عليه إثم.
طالب: شيخ، متابعة الإمام في قراءة الفاتحة تكون خلف كل آية، ولَّا بعد الانتهاء؟
الشيخ: لا بعد انتهائها.
طالب: شيخ، إذا الإنسان أدرك الإمام وهو راكع، وعندما ركع الإمام بمقدار السكون قام الإمام، ولكنه () الذكر الواجب، هل تحسب؟
الشيخ: إي، ما يخالف، لا بأس.
***
طالب: () نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: (والتشهد الأخير، وجلسته، والصلاة على النبي ﷺ، والترتيب، والتسليم، وواجباتها، التكبير غير التحريمة، والتسميع والتحميد، وتسبيحات الركوع والسجود، وسؤال المغفرة مرة مرة، ويُسن ثلاثًا).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن من أركان الصلاة الركوع، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في الكل، وسبق لنا دليل هذه الأركان.
قال المؤلف: (والتشهد الأخير).
[ ١ / ١٤٤٩ ]
هذا من أركان الصلاة؛ ودليل ذلك: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبرائيل وميكائيل، السلام على فلان وفلان (١٣).
والشاهد من هذا الحديث قوله: قبل أن يُفرض علينا التشهد.
فإن قال قائل: يرد علينا التشهد الأول، فإنه من التشهد، ومع ذلك تركه النبي ﷺ، وجبَره بسجود السهو، وهذا حكم الواجبات، أفلا يكون التشهد الأخير مثله؟
فالجواب: لا؛ لأن الأصل أن التشهدين كلاهما فرض، خرج التشهد الأول بالسنة؛ حيث إن الرسول ﷺ جبره لما تركه بسجود السهو، فيبقى التشهد الأخير على فرضيته ركنًا.
(التشهد الأخير) التشهد الأخير يعني أنه يقرأ التشهد الأول، ثم يقول بعد ذلك: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد) إلى آخره.
وقال المؤلف: (وجلسته) يعني جلسة التشهد الأخير ركن، فلو فُرض أنه قام من السجود قائمًا وقرأ التشهد؛ فإنه لا يجزئه؛ لأنه ترك ركنًا؛ وهو الجلسة، لا بد أن يجلس، ولا بد أن يكون التشهد أيضًا في الجلسة.
لقوله: (وجلسته) فأضاف الجلسة إلى التشهد، ليُفهم منه أن التشهد لا بد أن يكون في نفس الجلسة.
قال: (والصلاة على النبي ﷺ فيه) يعني في التشهد الأخير، لا في التشهد الأول.
ودليل ذلك: أن الصحابة -﵃- سألوا النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله، عَلِمنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» (١٤).
[ ١ / ١٤٥٠ ]
والأمر يقتضي الوجوب، والأصل في الواجب أنه فرض إذا تُرك بطلت العبادة، هكذا قرر الفقهاء -﵏- حُكم هذه المسألة؛ أي: هكذا قرَّروا أن الصلاة على النبي ﷺ ركن بهذا الحديث، وهذا وجه استدلالهم به، ولكنك إذا تأملت هذا الحديث؛ لم يتبين لك أن الصلاة على النبي ﷺ ركن؛ لأن الصحابة إنما طلبوا الكيفية، كيف نصلي؟ فأرشدهم النبي ﷺ إليها.
ولهذا نقول: إن الأمر في قوله: «قُولُوا» ليس للوجوب، ولكنه للإرشاد والتعليم، فإن وُجِدَ دليل غير هذا يأمر بالصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فعليه الاعتماد، وإن لم يوجد إلا هذا، فهذا لا يدل على الوجوب، فضلًا عن أن يدل على أنه ركن؛ ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: إنها ركن، وهو المشهور من المذهب، ومنهم من قال: إنه واجب وليس بركن؛ قال: لأن قوله: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» (١٤) محتمل للإيجاب وللإرشاد، ولا يمكن أن نجعله ركنًا لا تصح الصلاة إلا به مع هذا الاحتمال.
والقول الثالث: أن الصلاة على النبي ﷺ سُنّة، وليست بواجب ولا ركن، وأن الإنسان لو تعمد تركها فصلاته صحيحة؛ لأن الأدلة التي استدل بها الموجِبون أو الذين جعلوه ركنًا، ليست بتلك القوة، والأصل براءة الذمة، فلا نشغلها بأمر فيه إشكال.
وهذا القول أرجح الأقوال، إذا لم يكن سوى هذا الدليل الذي استدل به الفقهاء -﵏- فإنه لا يمكن أن نُبطل العبادة ونفسدها بدليل محتمل أن يكون هو المراد به الإيجاب أو الإرشاد.
(والصلاة على النبي ﷺ فيه).
[ ١ / ١٤٥١ ]
وعلى آله؟ لا، ليست بركن؛ الصلاة على الآل ليست بركن، ولا بواجب، وإنما هي سنة، وهذا من الغرائب؛ لأن الرسول ﷺ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» إلى آخره، فكيف نُشطِّر الحديث ونجعل كلمة منه ركنًا وبقيته سنة؟ ! هذا غريب بالاستدلال، فإما أن يجعل كالجميع ركنًا أو واجبًا أو سنة، فإن قالوا: جعلنا الصلاة على النبي ﷺ ركنًا دون الآل؛ لأن العطف فيها يدل على التبعية: «عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ».
قلنا: وإذا دل على التبعية، فالتابع حكمه حكم المتبوع.
قال: (والصلاة على النبي ﷺ فيه والترتيب).
(الترتيب): بين أركان الصلاة؛ قيام، ثم ركوع، ثم رفع منه، ثم سجود، ثم قعود، ثم سجود، لا بد من الترتيب.
ودليل ذلك أن النبي ﷺ علَّم المسيء في صلاته الصلاةَ بقوله: «ثُمَّ»، و(ثم) تدل على الترتيب؛ ولأن النبي ﷺ واظب على هذا الترتيب إلى أن تُوفي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يُخِلَّ به يومًا من الأيام، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١١).
ولأن هذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فبدأ بالركوع، وقال النبي ﷺ حين أقبل على الصفا قال: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (١٥)، فتكون الآية دالة على أن الركوع مُقدَّم على السجود، فالأدلة إذن؟
طالب: ().
الشيخ: ثلاثة؟
طالب: أربعة.
الشيخ: ثلاثة، أربعة، خمسة، ثلاثة الأدلة:
أولًا: تعليم النبي ﷺ الصلاة المسيء في صلاته.
والثاني: ملازمته لذلك إلى أن توفي، ما أخل به يومًا من الدهر.
[ ١ / ١٤٥٢ ]
والثالث: ظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. وإنما عبرنا بـ (ظاهر)؛ لأن (الواو) لا تستلزم الترتيب؛ يعني ليس كل ما جاء معطوفًا بالواو فهو للترتيب، قد يكون لغير الترتيب، إذن الترتيب دليله واضح.
قال: (والتسليم). (التسليم): أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والمؤلف أطلق (التسليم)، فهل نقول: إن (أل) للجنس فيصدق بالتسليمة الواحدة، وبالاقتصار على قوله: السلام عليكم، أو نقول: إن (أل) للعهد، والمراد بالتسليم ما سبق في صفة الصلاة؛ أي: أن يقول عن يمينه: السلام عليكم، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، إلى آخره؟
يحتمل هذا وهذا؛ ولهذا اختلف الفقهاء -﵏- في التسليم؛ فالمشهور من المذهب أن كلتا التسليمتين ركن في الفرض وفي النفل، وقيل: هما سنة، وقيل: إن الثانية سنة، في النفل دون الفرض، وقيل: سنة في الفرض وفي النفل.
والقول الرابع: أن التسليم ليس بركن، وأنه إذا فعل ما ينافي الصلاة فقد انتهت الصلاة.
فالأقوال أيضًا الآن أربعة؛ أعلاها: أن التسليمتين ركن، وأدناها أنها ليست بركن ولا واجب، والقول الثالث؟
طالب: الثانية سنة.
الشيخ: أن الثانية سُنّة في الفرض والنفل، والرابع: أنها سنة في النفل دون الفرض.
وهذا الذي قال المؤلف، أو هذه العبارة التي عبر بها المؤلف هي التي عبرت بها عائشة ﵂: وكان يختم الصلاة بالتسليم (١٦).
فنقول في الحديث كما قلنا في كلام المؤلف: هل المراد بالتسليم التسليم المعهود؟ فيتضمن أيش؟ تسليمتين، أو مطلق التسليم؛ يعني الجنس، فيجزئ بواحدة؟ والأقرب أن التسليمتين كلتاهما ركن؛ لأن النبي ﷺ واظب عليهما، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١١).
[ ١ / ١٤٥٣ ]
ولأن من عادة النبي ﷺ العدل، فإذا سلم على اليمين سلّم على اليسار، وإذا سلم على اليمين مع إمكان إتيان اليسار صار فيه شيء من الظلم، ولذلك كان يسلم عن يمينه ويساره حتى يكون لليمين حظ من التسليم، ولليسار حظ من التسليم.
لكن الفقهاء استثنوا من هذا مسألة؛ وهي صلاة الجنازة، فقالوا: لا يُسن فيها إلا تسليمة واحدة فقط؛ يعني لم يقولوا بعد: أن الثانية سنة، قالوا: لا يسن إلا تسليمة واحدة؛ وعللوا ذلك بأن الذين وصفوا صلاة النبي ﷺ على الجنائز ما ذكروا هذا، التسليمتين، وبأن صلاة الجنازة ليس فيها ركوع ولا سجود ولا قعود ولا انتقال، بل هي مبنية على التخفيف، ومن ثم ليس فيها دعاء استفتاح، فخُففت بتسليمة واحدة، هذه أركان الصلاة، كم صارت؟
الطلبة: أربعة عشر.
الشيخ: نعدها؟
يقول: أولًا: (القيام، والتحريمة، والفاتحة، والركوع، والاعتدال عنه، والسجود على الأعضاء السبعة، والجلوس بين السجدتين).
الطلبة: ().
الشيخ: لا، الشارح يقول: يكفي واحدة.
(والطمأنينة، والتشهد الأخير، وجلسته، والصلاة على النبي ﷺ فيه، والترتيب، والتسليم).
الطلبة: ثلاثة عشر.
الشيخ: ثلاثة عشر، إي، لكن إذا عدينا (الاعتدال منه) صارت أربعة عشر.
طالب: () أربعة عشر.
الشيخ: أربعة عشر.
الطالب: أربعة عشر؛ التشهد الأخير وجلسته.
الشيخ: أربعة عشر، زين. ذكرنا الآن: (التسليم)، أنه يُستثنى من ذلك صلاة الجنازة، ويش عندك؟
طالب: ذكرنا الوجه الثاني -أحسن الله إليك- يعني هل يقال: السلام عليكم أو يقتصر عليه؟
الشيخ: إي نعم، الثاني: قوله: (التسليم)، هل يُكتفى بقوله: السلام عليكم؟ أو لا بد من التسليم الكامل؟
المشهور من المذهب أنه يُكتفى بقوله: السلام عليكم؛ يعني لو اقتصر عليها لأجزأ، (ورحمة الله وبركاته) سنة؛ لأن ما زاد على ذلك ليس إلا فضلة؛ إذ إن التسليم يَصدق بقول المسلِّم: السلام عليكم.
[ ١ / ١٤٥٤ ]
ثم قال المؤلف: (وواجباتها)، واجبات الصلاة، هل الأركان غير واجبة؟
الأركان واجبة لا شك، وأوكد من الواجبات، لكن تختلف عنها أن الأركان لا تسقط بالسهو، والواجبات تسقط بالسهو ويجبرها سجود السهو، بخلاف الأركان؛ ولهذا من نَسي ركنًا، لا تصح صلاته إلا به، ومن نسي واجبًا أجزأ عنه سجود السهو، لكن إذا تركه سهوًا، فإن تركه جهلًا فلا شيء عليه، تصح الصلاة؛ يعني لو أنه قام عن التشهد الأول لا يدري أنه واجب، فصلاته صحيحة، وليس عليه سجود السهو؛ وذلك لأنه لم يكن تركه إياه عن نسيان.
إذن الفرق بينهما؛ بين الواجبات والأركان؛ الواجبات: تسقط بالسهو، وتُجبر بسجود السهو، الأركان لا تسقط، في العمد تتساوى؛ يعني إذا تعمد ترْك واجب، أو ترك ركن بطلت الصلاة.
يقول: (التكبير غير التحريمة)؛ يعني قول: (الله أكبر) إلا التحريمة؛ لأن التحريمة سبق أنها ركن، فيدخل في ذلك التكبير للركوع، والتكبير للسجود، وللرفع منه، وللقيام من التشهد الأول، كل التكبيرات واجبة تسقط بالسهو.
واستثنى المؤلف: (التحريمة)؛ لأنها ركن، ويُستثنى أيضًا التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، والاستسقاء؛ فإنها سنة، ويُستثنى أيضًا تكبيرات الجنازة؛ فإنها أركان، ويُستثنى أيضًا تكبيرة الركوع لمن أدرك الإمام راكعًا فإنها سنة، فصار الذي يستثنى أربعة أشياء، لكن يختلف وجه الاستثناء فيها:
أولًا: تكبيرات الجنائز؛ الجنازة غير تكبيرة الإحرام، وجه الاستثناء فيها أنها ركن لا واجب.
ثانيًا: التكبيرات الزوائد في العيدين والاستسقاء؟
الطلبة: سنة.
الشيخ: سُنَّة. ثالثًا: تكبيرة المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا للركوع؟
طالب: سُنّة.
الشيخ: فهي سُنَّة، واضح، ثلاثة أشياء.
طالب: بقي التحريم.
الشيخ: كيف؟ يستثنى ثلاثة أشياء، لكن إن أردتم بالبسط خمسة أشياء: العيدان اثنان، والاستسقاء: زائد ثلاثة، إن (بغيتم) تريدون إخوة أشقاء، وإخوة لأب، وإخوة لأم: فتكون؟
طالب: الاستصحاء.
[ ١ / ١٤٥٥ ]
الشيخ: لا، (الاستحصاء) ما فيه تكبيرات. إذن يُستثنى من هذا ثلاثة أشياء: تكبيرات الجنازة؛ فهي ركن، الزوائد في العيدين والاستسقاء سنة، الركوع للمسبوق سنة. ما هو الدليل على أن التكبيرات من الواجبات؟
لأنا لا يمكن أن نوجب على عباد الله إلا ما أوجبه الله ورسوله، وليس الإيجاب مجرد أن هذا واجب يترتب عليه.
الدليل عليه: قوله ﷺ: «إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فَكَبِّرُوا» (١٧)، هذا واحد.
فقال: «كَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وهذا يدل على أنه لا بد من وجود هذا الذكر.
ثانيًا: مواظبة النبي ﷺ عليه إلى أن مات، ما ترك التكبير يومًا من الدهر، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١١).
ثالثًا: أنه شعار الانتقال من ركن إلى آخر؛ لأن الانتقال لا شك أنه انتقال من هيئة إلى هيئة، فلا بد من شعار يدل عليه، وهذا يحصل بماذا؟ بالتكبير؛ فصار التكبير واجبًا بهذه الأدلة الثلاثة، وأعلاها قوله ﷺ: «إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» والأمر للوجوب.
الثاني: (التسميع)؛ يعني قول الإمام: سمع الله لمن حمده، وقول المنفرد: سمع الله لمن حمده، والتحميد للإمام والمأموم والمنفرد، أما التسميع فللإمام وللمنفرد فقط؛ الدليل هو أن الرسول ﷺ واظب على ذلك، فلم يدع قول: (سمع الله لمن حمده) في أي حال من الأحوال، والثاني: أنه شِعار الانتقال من الركوع إلى القيام.
أما التحميد؛ ففيه زيادة على ذلك؛ وهو قوله: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٣). فعلى هذا يكون التسميع والتحميد دليلهما؛ دليل التحميد من ثلاثة أوجه، أو للتحميد ثلاثة أدلة، وللتسميع دليلان فقط.
[ ١ / ١٤٥٦ ]
التحميد، ولم يبين المؤلف محل التكبير والتسميع والتحميد، لم يبينه، لكن الفقهاء نصوا على أن محل ذلك ما بين الركنين في الانتقال، فإذا كان الركوع، فما بين القيام والركوع، وما كان للسجود ما بين القيام والسجود، أو ما بين الجلوس بين السجدتين والسجود الثاني.
القيام من السجود ما بين السجود والقيام؛ إما الجلوس أو القيام، يقول الفقهاء -﵏-: لو بدأ به قبله أو كمله بعده لم يجزئ، لماذا؟
طالب: لأنه أتى بذكر في غير محله.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه أتى بذِكْر في غير موضعه؛ الموضع: ما بين الركنين، فإن بدأ قبل أتى به في غير موضعه، وإن كمل بعد أتى به في غير موضعه، ولكن هل يُشترط استيعاب ما بين الركنين؟
الجواب: لا يشترط استيعابهما؛ استيعاب ما بين الركنين، المشترط أن يكون هذا الذكر بين الركنين، وبينهما فرق، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لأننا لو قلنا: إنه يشترط الاستيعاب لقلنا: من حين ما تشرع في الهوي إلى السجود ابدأ بالتكبير، ولا ينتهي إلا إذا وضعت جبهتك على الأرض، لو أنهيته قبل؛ ما صح، لو قلنا بأنه لا بد من الاستيعاب، لكننا لا نقول: إنه لا بد من الاستيعاب، بل نقول: إنه لا بد أن يكون بين الركنين.
لو بدأ به قبل أو كمّل بعد لم يجزئ؛ لأنه أخرجه عن محله، أو بدأ به قبل محله، ولكن تعلمون أن القول هذا فيه حرج ومشقة على الناس، ولَّا لا؟
ما فيه شك أنه فيه حرج، فكان القول الثاني في هذه المسألة أصح من هذا القول؛ على أنه يُعفَى عن السبق أو التأخير، بشرط أن يكون للموضع -موضع الانتقال- حظ من هذا الذكر، ما أدري الكلام مفهوم ولّا غير مفهوم؟
الطلبة: مفهوم.
الشيخ: مفهوم، يعني فلو بدأ قبل، وكمله في حال الهوي أجزأ، كذا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ١٤٥٧ ]
الشيخ: لو بدأ قبل، وكمل في حال الهوي أجزأ، ولو بدأ في أثناء الهوي، وكمل بعد الوصول للسجود أجزأ، وهذا القول هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به؛ لأن القول الأول فيه مشقة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولو أننا أخذنا بهذا القول لوجدنا أن كثيرًا من الناس اليوم لا تصح صلاتهم.
بعض الناس يجتهد، ولا يبدأ بالتكبير إلا إذا وصل إلى الركن الذي يليه، يقول: أنا ما أكبّر للركوع حتى أركع، لماذا؟
قال: لأنني لو شرعت في التكبير قبل أن أصل إلى الركوع لسابقني الناس، فأسد الباب عنهم، حتى لا يسبقوني. قوله: سمع الله لمن حمده، متى؟
طلبة: في الاعتدال.
الشيخ: إذا اعتدل، قال: سمع الله لمن حمده، لماذا؟ قال: لأني لو قلت: سمع الله لمن حمده من حين أن أنهض سبقوني بالركوع، لكن نقول: هذا قياس فاسد، ونظر خاطئ، لماذا؟
لأنه مخالف للسنة، لم يكن الرسول ﷺ يفعل هذا، وهو أدرى منك بمصالح الخلق ﷺ، وأحرص منك على مصالح الخلق، أنت عليك أن تفعل ما تُؤمر به، وعلى الآخرين أن يفعلوا ما يؤمرون به، كل له وظيفة، ولهذا نقول لمن جيء إليه بلحم: اسأل الجزار، قل: يا أخي، هل أنت سميت؟ فإذا قال: نعم. هل أنت تصلي؟
إذا قال: نعم. هل عليك جنابة حين ذبحته؟ لأن بعض العلماء يكره ذبح الذي عليه جنابة، ونبقى في سلسلة ما، لا نهاية لها.
فنقول: أنت أيها الإمام، عليك أيش؟
طالب: تفعل ما أُمرت به.
الشيخ: أن تفعل ما أمرت به، وما هو مشروع في حقك، وعلى المأموم أن يفعل ما أمر به وشرع في حقه.
إذن عرفنا محل هذه -محل التكبير، والتسميع، والتحميد- ما بين الركنين، فلا يبدأ قبل، ولا ينهى بعد.
قال: (وتسبيحات الركوع والسجود)، عندكم تسبيحات؟
الطلبة: تسبيحتا.
[ ١ / ١٤٥٨ ]
الشيخ: تسبيحتا، إي، هذا أقرب، (وتسبيحتا الركوع والسجود). (تسبيحتا الركوع)، كيف ننطق به؟
الطلبة: ().
الشيخ: (وواجباتها: التكبير غير التحريمة، والتسميع والتحميد)
طالب: وتسبيحتا.
الشيخ: وتسبيحتا الركوع، يجيء واحد يلج علينا يقول: كيف تعطف المنصوب على المرفوع؟ ماذا أقول؟
أقول: أنا لم أعطف منصوبًا على مرفوع، وإنما عطفت مرفوعًا على مرفوع؛ لأن المثنى يرفع؟
الطلبة: بالألف.
الشيخ: بالألف، (تسبيحتا) اثنتان، يرفع بالألف، إذا قال: وين الألف؟
نقول: الألف أسقطته الألف، أين الألف؟
الطلبة: (أل).
الشيخ: ألف (أل) ساكنة، وألف (تا) ساكنة، فتسقط الأولى.
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ
وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَق
هكذا يقول ابن مالك في الكافية يقول في الكافية، هذا لين ولّا غير لين؟
طالب: لين.
الشيخ: الألف لين، إذن يُحذف، فيقال: (تسبيحتا الركوع).
وإنما أتيت بهذا مع سهولته؛ لأنتقل إلى مسألة يخطئ فيها القراء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] هذا خطأ! ويش نقول؟
الطلبة: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. فإذا قال القائل: إذا قلت: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أوهم أن يكون القائل سليمان؛ لأنه أقرب مذكور.
نقول: إذا توهم هذا إنسان، فالخطأ ليس مني، الخطأ من وهمه، وأنا لست مسؤولًا عنه؛ أنا أقيم القراءة على حسب ما يتفق مع اللغة العربية، وأقول: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وعليه أن يبحث، أما أنا لا، فأنا أتيت بقوله: (تسبيحتا الركوع) من أجل هذا، ولَّا المسألة ما هي إلى ذاك بالأهمية. إذن أقرأ: (وتسبيحتا الركوع)، نعم، ولا أحد يرد عليّ؟
الطلبة: لا.
[ ١ / ١٤٥٩ ]
الشيخ: ما يقول: عطفت منصوبًا على مرفوع؟ ويش أقول له؟ بل عطفت مرفوعًا على مرفوع؛ لأن المثنى يرفع بالألف، وهذه الألف حذفت من أجل التقاء الساكنين.
طالب: تحذف كتابة، يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما تحذف كتابة، تبقى لازم.
طالب: رفع اليدين في الجنازة سُنّة؟
الشيخ: رفع اليدين في الجنازة السُّنة، وقد سبق لنا في أول صفة الصلاة.
الطالب: فيه بعض الناس يعني يقولون ..
الشيخ: سُنّة، اللي يقوله ما عنده علم.
الطالب: كل اليدين؟
الشيخ: كل اليدين.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا: إذا كان المصلي يجهل أن التشهد الأول واجب، فلا يلزمه شيء، إذا كان إمامًا ..
الشيخ: نعم، لا متعمدًا؟
الطالب: تركه بغير تعمد، يعتقد أنه ليس بواجب.
الشيخ: إي نعم، ما أعلم أنه يأثم به.
الطالب: وما حكم المصلي إذا كان له إمامًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني المصلي اللي خلفه، ما حكمه إذا هو ترك التشهد الأول؟
الشيخ: أنبِّهه.
طالب: ما جلس؟
الشيخ: ما جلس، خلاص، حتى لو ساهٍ ما هو بجالس.
الطالب: ماذا يلزمني إذن؟
الشيخ: ما يلزمك شيء.
الطالب: ما أسجد سهوًا يا شيخ؟
الشيخ: أبدًا، ما تسجد سهوًا؛ لأنك ما سهوت، تابعت إمامك.
طالب: () ذكرنا في أول صفة الصلاة أن الرسول ﷺ سلَّم في النفل تسليمة واحدة أمامه.
الشيخ: يُروى عنه هذا.
الطالب: طيب أنا يا شيخ، ما عدت أفرّق بين النفل والفرض بسبب الحديث هذا؟
الشيخ: هو إذا صح الحديث، فهذا فِعْل، يمكن أن يفرق بين الفرض والنفل، لكن الأحاديث الكثيرة ظاهرها العموم.
طالب: شيخ، اللي يبدو للسامع من دليل الصلاة على الرسول ﷺ أنه ما ()، ولا إلى الوجوب.
الشيخ: ولا إيه؟
الطالب: ولا إلى الوجوب، سُنّة.
الشيخ: نعم، ولهذا قلنا سُنّة.
طالب: الإمام قبل أن يسجد يكبر يخاف المأمومين يلحقون بالسجود، يكبر قبل السجود؟
الشيخ: يُكبِّر قبل يسجد؟
الطالب: إي.
[ ١ / ١٤٦٠ ]
الشيخ: إن كبر قبل أن يسجد سجدوا قبل أن يصل هو إلى الأرض، نقول: ما هو بصحيح هذا، نقول: يعني لا بأس أن الإمام يبدأ في أثناء هويه بحيث ينتهي عند وصوله إلى السجود، هذا الذي تريد؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليك، إذا لم يتمكن المأموم مثلًا من قراءة الفاتحة لسرعة إمامه، أو لأنه قرأ سورة قصيرة، فركع الإمام، هل نقول للمأموم: تابِع إمامك، وائتِ بركعة جديدة أو ..؟
الشيخ: لا، نقول: أكمِل وتابع، لكن إذا علمت أن إمامك على هذه الحال ففارقه.
طالب: الحق كيف أن يتابع الآن إذا استمر في قراءة الفاتحة سيفوته الركوع أيضًا؟
الشيخ: إي نعم، لكن هذا الركوع ما فاته حكمًا؛ لأنه مع إمامه.
الطالب: يعني في مسألة ..
الشيخ: مثل لو أن الإمام مثلًا وهو ساجد، قام من السجود، وسجد الثانية، وذاك ما سمع، ولما قام من السجدة الثانية سمع ذاك، سمع فقام، فجلس المأموم؛ لأنه يحسب أن هذه هي السجدة الأولى، نقول: الآن اسجد وتابع إمامك، كل من تخلف عن الإمام بالركن لغفلة أو نحوها؛ فإنه يفعله، ثم يلحق إمامه.
طالب: ولو فات المتابعة؟
الشيخ: إي، هذه معذور فيها، لكن الأمر -كما قلت لك- إذا علمنا أن هذا دأبه -الإمام يعني- فيجب أن يدعه.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والمأموم لازم () الارتباط بين الإمام والمأموم بأنه مع الإمام يُجزئ في قراءته عن المأموم؟
الشيخ: لا، المأموم يلزمه القراءة، كما مر.
***
طالب: () أجمعين قال رحمه الله تعالى: (والسجود، وسؤال المغفرة مرة مرة، ويُسن ثلاثًا، والتشهد الأول وجلسته، وما عدا الشرائطَ والأركان والواجبات المذكورةَ سُنَّة، فمن ترك شرطًا لغير عذر غير النية فإنها لا تصلح بحال، أو تعمَّد ترك ركنٍ أو واجبٍ بطلت صلاته، بخلاف الباقي، وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال، ولا يُشرع السجود بتركه، وإن سجد فلا بأس).
[ ١ / ١٤٦١ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد قال المؤلف -﵀- في جملة واجبات الصلاة: (التكبير إلا التحريمة).
طالب: أبتدئ؟
الشيخ: لا، أقول: (إلا التحريمة)، ما معنى هذا الاستثناء؟ هل معناه (إلا التحريمة) فليست واجبة؟
الطالب: إي نعم، (إلا التحريمة)، فإنها ركن.
الشيخ: فإنها ركن، تمام، لو قال قائل: هذا الاستثناء من المؤلف يُفهِم بأنها غير واجبة؛ لأن الاستثناء من الواجب ينفي الوجوب؟
طالب: نعم، هذا استثناء؛ يعني ليس من الاستثناء من الواجب الذي تصح الصلاة يعني بعدمه؛ يعني الاستثناء من الواجب الذي إذا عدم، فإن الصلاة تصح بعدمه إذا تركها سهوًا أو جهلًا وإجبار بالسجود، وليست الاستثناء من الواجب المطلق.
الشيخ: نعم.
طالب: الواجبات داخلة في الأركان؟
الشيخ: لا.
الطالب: يعني كل ركن واجب؟
الشيخ: نعم.
طالب: المؤلف -﵀- قدم ذكر التحريمة أولًا، قال: أركانها؛ القيام والتحريمة.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: فأغنى عن الإعادة.
الشيخ: إي نعم، فأغنى عن إعادته، ولهذا الاستثناء هذا لولا أنه سبق أن المؤلف عد التكبيرة من الأركان لكان هذا خللًا في التأليف.
هل يُستثنى من هذا شيء؟
طالب: بالنسبة لأيه يا شيخ؟
الشيخ: هم قالوا: (التكبيرات إلا التحريمة). التحريمة عرفنا أنها ركن، هل يستثنى شيء أيضًا؟
الطالب: الرفع من الركوع، قوله ..
الشيخ: خطأ.
طالب: () يستثنى التكبير في صلاة العيدين.
الشيخ: التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين، فإنها أركان.
طالب: ().
الشيخ: خطأ.
طالب: يستثنى من ذلك التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين؛ فإنها سُنَّة وكذلك ..
الشيخ: فإنها سُنَّة، اصبر.
الطالب: ثانيًا.
الشيخ: ثالثًا؛ لأن التحريمة استثنيناها، ثالثًا.
طالب: تكبير المسبوق، إذا وجد الإمام راكعًا.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ١٤٦٢ ]
الطالب: والتكبير فيه سُنَّة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام ولَّا الركوع؟
الطالب: لا، أول التكبير عليه.
الشيخ: أول تكبير؟
الطالب: لا، تكبير عليه سُنَّة .. يعني ..
الشيخ: أيهما؟
الطالب: يعني تكبيرة الإحرام.
الشيخ: يعني تكبيرة الركوع؟
الطالب: سُنَّة.
الشيخ: سنة، طيب هذه ثلاثة.
طالب: تكبيرات الجنازة؛ فإنها أركان.
الشيخ: تكبيرات الجنازة؛ فإنها أركان، تمام، في شيء غير هذا؟
طالب: شيخ، تكبيرات الاستسقاء سنة؟
الشيخ: إي، داخلة في تكبيرات العيد.
طالب: صلاة الكسوف، فإن الإنسان إذا رفع من الركوع.
الشيخ: لا؛ لأن هذا تابع للركوع. خلاص ما فيه إلا هذا.
طالب: المسبوق؟
الشيخ: ذكرها. يقول المؤلف (التسميع)، التسميع على مَن؟
طالب: التسميع على الإمام، وعلى المنفرد.
الشيخ: وعلى المنفرد. والمأموم؟
الطالب: المأموم ليس عليه تسميع.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: قول النبي ﷺ: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٣).
الشيخ: قول النبي ﷺ في الإمام: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
(سبحان ربي العظيم)، الأخ.
طالب: سبحان ربي العظيم واجبة للمأموم والإمام.
الشيخ: واجبة على الكل، ما الدليل؟
الطالب: قول الله ﷾: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤].
الشيخ: هذا عام.
طالب: قول النبي ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (١٨).
الشيخ: نعم، لكن هل يتعين (سبحان ربي العظيم)؟ يتعين؟
طالب: () النبي ﷺ، يتعين، نعم.
الشيخ: قد يقول الإنسان: الحمد لله العظيم، الكبير، المتعالي.
[ ١ / ١٤٦٣ ]
طالب: نعم، يتعين؛ لأنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» (١٩).
الشيخ: إذن هذا الدليل، أما الحديث الذي ذكره الأخ، فهو في الحقيقة ما يعين التسبيح.
طالب: يا شيخ هذا ما شرح.
الشيخ: كيف؟
الطالب: التسبيح في الركوع والسجود تكلمنا عليه من حيث النحو فقط؛ لأنها أصل (تسبيحتا).
الشيخ: عجيب!
الطالب: إي نعم، أما من حيث الحكم ما تكلمنا عليه.
الشيخ: على هذا () خير إن شاء الله.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وتسبيحتا الركوع والسجود).
وهذا مثنى، (تسبيحتا) مثنى معطوف على ما سبق، وهو مرفوع بالألف، وألف المثنى إذا تلاها همزة الوصل حذفت نطقًا لا كتابة.
قال: (الركوع والسجود) ولم يُبين المؤلف -﵀- هاتين التسبيحتين، لكنه بينها فيما سبق؛ حيث ذكر أنه يقول في الركوع: (سبحان ربي العظيم)، وفي السجود: (سبحان ربي الأعلى).
إذن فقول المصلي في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) واجب، وفي سجوده: (سبحان ربي الأعلى) واجب.
والدليل على هذا أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ» (٢٠). وهذا بيان من النبي ﷺ لموضع هذا الذكر أو هذا التسبيح.
ومن المعلوم أن بيان الرسول ﷺ للقرآن يجب علينا أن نرجع إليه؛ لأن أعلم الخلق بكلام الله رسولُ الله، ولهذا كان تفسير القرآن بالسنة هو المرتبة الثانية؛ فالقرآن يُفسَّر أولًا بالقرآن؛ مثل: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٣]؟
الطلبة: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾.
[ ١ / ١٤٦٤ ]
الشيخ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، ويفسر بعد ذلك بسُنَّة الرسول ﷺ؛ لأنها تبينه، مثل هذه الآية: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: «اجْعَلُوهَا فِي الرُّكُوعِ». وهذا بيان لموضع هذا التسبيح، وقد يُبين النبي ﷺ المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. ﴿الْحُسْنَى﴾: هي الجنة، والـ ﴿زِيَادَة﴾: النظر إلى وجه الله ﷿؛ هكذا فسرها النبي ﷺ.
وأما تسبيحة السجود فهي أيضًا مُفسَّرة بقول النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» (١٩)، حين نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
(وسؤال المغفرة مرة مرة، ويسن ثلاثًا).
(سؤال المغفرة) يعني سؤال المصلِّي المغفرة مرة مرة، ولم يُبيِّن المؤلف -﵀- متى يكون هذا السؤال، ولكن نعتذر عن المؤلف بأنه سبق أن ذكر في صفة الصلاة بأن (رب اغفر لي) يكون بين السجدتين.
وقول المؤلف: (سؤال المغفرة) تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وأنها مأخوذة من (الْمِغْفر) الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقِّي السهام، وفي هذا المغفر ستر ووقاية؛ فالمغفرة ليست مجرد الستر؛ ستر الذنب، ولا هي العفو عنه فقط، بل هي الستر مع العفو؛ ولهذا يقول الله سبحانه تعالى إذا خلا بعبده يوم القيامة، وقرره بذنوبه يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» (٢١). الحمد لله.
قال المؤلف: (سؤال المغفرة)، ولم يُبيِّن بأي صيغة، هل يقول: اللهم اغفر لي؟ أو يقول: أستغفر الله؟ أو يقول: رب اغفر لي؟
[ ١ / ١٤٦٥ ]
ونقول: إن المؤلف -﵀- سبق في صفة الصلاة أنه يقول: (رب اغفر لي)، وعليه فيُحمل كلامه هنا على كلامه هناك، ويكون المعنى: سؤال المغفرة بلفظ: (رب اغفر لي)، فلو قال: اللهم اغفر لي، فإنه لا يجزئه، وهذا بناءً على أننا أحلنا هذا الكلام على ما سبق.
لكن يمكن أن يقال: إنه لا يلزم أن نُحيل هذا الكلام على ما سبق، ويكون المراد بذلك سؤال المغفرة بأي صيغة، فلو قال: اللهم اغفر لي لأجزأ، وهذا هو الصحيح خلافًا للمذهب الذي يقول فيه الأصحاب: إنه لا بد أن يقول: (رب اغفر لي)، فلو قال: اللهم اغفر لي يا كريم؛ ما أجزأ، لا بد أن يقول: (رب اغفر لي).
وقول المؤلف: (مرة مرة)، يعني: مرة في كل جلسة؛ مرة في الجلسة الأولى، ومرة في الجلسة الثانية، وهكذا، لكن يقول: (ويسن ثلاثًا).
الدليل على أنه يسن ثلاثًا: حديث حذيفة بن اليمان ﵁ حين ذكر أنه صلَّى مع النبي ﷺ، فلما جلس بين السجدتين جعل يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي» (٢٢)، وكان دعاء النبي ﷺ غالبًا التكرار ثلاثًا.
قال: (ويسن ثلاثًا، والتشهد الأول) (وجِلسته) أو (جَلسته)؟
طالب: جَلسته.
الشيخ: بالفتح أو بالكسر؟
طالب: بالفتح.
الشيخ: بالفتح، يتعين.
(التشهد الأول) هو: (التحيات لله، والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله).
والدليل على وجوبه: حديث عبد الله بن مسعود: كنا نقول قبل أن يُفرض علينا التشهد (٢٣).
فإن قال قائل: لقد استدللتم بهذا الحديث على ركنية التشهد الأخير، فما بالكم هنا تستدلون به على أن التشهد الأول واجب لا ركن؟
فالجواب عنه أن نقول: إن الرسول ﷺ لما نسي التشهد الأول لم يَعُد إليه، وجبره بسجود السهو، ولو كان ركنًا لم ينجبر بسجود السهو.
[ ١ / ١٤٦٦ ]
والدليل على أن الأركان لا تنجبر بسجود السهو: أن النبي ﷺ لما سَلَّم من ركعتين من صلاة الظهر أو العصر أتمها، أتى بما ترك، وسجد للسهو (٢٤).
فدل هذا على أن الأركان لا تسقط بالسهو، لا بد من الإتيان بها، وعلى هذا فنقول: لما سقط التشهد الأول بالسهو، دل ذلك على أنه أيش؟ واجب، تصح الصلاة بدونه مع السهو، ولا تصح بدونه مع العمد.
وأما قول المؤلف (وجَلسته)، فهي بفتح الجيم، ولا يصح أن نقول: وجِلسته؛ لأنك لو قلت: (وجِلستهُ)، لزم أن تكون الهيئة واجبة؛ وهي الافتراش، والافتراش ليس بواجب، بل هو سُنة، الواجب هو الجلوس.
قال ابن مالك ﵀ في الألفية:
وَ(فَعْلَةٌ) لِمَرَّةٍ كَـ (جَلْسَهْ)
وَ(فِعْلَةٌ) لِهَيْئَةٍ كَـ (جِلْسَهْ)
إذا أريد الهيئة -يعني الصفة والكيفية- قيل: فِعْلَة، وإذا أُريد المرَّة قيل: فَعْلَة.
إذن هنا المراد المرة؛ يعني المراد الجلوس، ليس الهيئة، فلو جلس للتشهد الأول متربعًا أجزأ؟
طالب: نعم.
الشيخ: أجزأ، ولو قلنا: إن الجِلسة واجبة لم يجزئ.
(جَلسته)، كيف قال المؤلف: (جَلسته)؟ وهل يمكن التشهد بدون جلوس؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يمكن يتشهد وهو قائم، أو يتشهد هو ساجد، فلا بد أن يكون التشهد كله في حال الجلوس.
قال: (والتشهد الأول وجَلسته، وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سُنَّة).
كم عد المؤلف من الواجبات؟
الطلبة: ثمانية.
[ ١ / ١٤٦٧ ]
الشيخ: ثمانية؟ ثمانية، وعرفتم أدلتها، ولكن في بعضها خلاف؛ فالتشهد الأول قال بعض العلماء: إنه سنة، واستدل لذلك بسقوطه بالسهو، والتكبيرات والتسميع والتحميد، واستدل لذلك بأن النبي ﷺ لم يذكُرها للمسيء في صلاته، أما تكبيرة الإحرام فبالاتفاق أنها ركن، ولكن الأقرب أن التسميع والتحميد والتكبيرات واجبة؛ لقول الرسول ﵊: «إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٣)، وسبقت الأدلة.
أما التشهد الأول فنقول: إن عدم رجوع الرسول ﷺ إليه لا يمنع الوجوب، لكنه يمنع القول بأيش؟ بالركنية، بل قد يقال: إن سجوده للسهو لتركه يدل على الوجوب؛ لأن الأصل منع الزيادة في الصلاة، وسجود السهو قبل السلام زيادة في الصلاة، ولا يُنتهك هذا المنع إلا لفعل واجب، فإذا وجب سجود السهو لتركه، دل ذلك على وجوبه، وإلا لكان وجوده وعدمه سواءً.
ثم قال المؤلف: (وما عدا الشرائطَ) ولَّا الشروط؟
الطلبة: أحسن الله إليك، الشرائط.
الشيخ: (فَعائل) جمع (فَعِيلة)، كـ (صحائف) جمع (صَحِيفة)؛ فكأن المؤلف -﵀- عبر بـ (الشرائط) التي واحدها (شريطة)، و(الشرائط) -سبقت لنا- أنها ما يجب للصلاة قبلها، وتتوقف عليها صحتها، كاستقبال القبلة والطهارة، وستر العورة وما أشبه ذلك.
وقوله: (والأركان)، سبقت لنا أيضًا، والفرق بينها وبين الشرائط: أن الشرائط خارج الصلاة، والأركان؟
طالب: هي ماهية الصلاة.
الشيخ: هي نفس الصلاة، هي ماهية الصلاة.
(الواجباتِ المذكورةَ) ليش قلنا: (الواجباتِ) بالكسر، واللي قبلها قلنا: بالنصب؟
طالب: لأن جمع المؤنث السالم نصبه تابع للجر.
الشيخ: جمع المؤنث السالم يكون؟
الطالب: إي، نصبه بالجر.
الشيخ: نصبه بالكسر!
الطالب: بالكسرة.
[ ١ / ١٤٦٨ ]
الشيخ: بالكسرة، (المذكورةَ)، لماذا نصبناها؟ لأنها صفة لمنصوب. واعلم أن (عدا) إذا اقترنت بها (ما) وجب نصب ما بعدها، وإن لم تقترن بها (ما) جاز فيما بعدها وجهان؛ الجر على أنها حرف جر، والنصب على أنها فعل، لكن إذا وجدت (ما) يتعين أن تكون فعلًا وينصب ما بعدها.
(والواجبات المذكورة سُنة) السنة في اصطلاح الفقهاء هي ما أُمِر به لا على سبيل الإلزام بالفعل، فتجتمع هي والواجب في أن كلًّا منهما أيش؟
الطلبة: مأمورًا به.
الشيخ: مأمورًا به، وتنفصل عن الواجب؛ بأن الواجب على سبيل الإلزام، والسنة على غير الإلزام.
فإن قال قائل: أيما أفضل؛ الواجب أو السُّنَّة؟
قلنا: الأفضل الواجب؛ بدليل: السمع والعقل.
الدليل السمعي على أن الواجب أفضل من السنة: قوله ﷾ في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٢٥). وهذا صريح.
أما الدليل العقلي ..
وما عَدَا الشرائطَ والأركانَ والواجباتِ المذكورةَ سُنَّةٌ، فمَنْ تَرَكَ شَرْطًا لغيرِ عُذرٍ - غَيْرَ النِّيَّةِ، فإنها لا تَسْقُطُ بحالٍ - أو تَعَمَّدَ تَرْكَ رُكنٍ أو واجِبٍ بَطَلَتْ صَلاتُه، بخِلافِ الباقي وما عدا ذلك سُنَنُ أقوالٍ وأفعالٍ، ولا يُشْرَعُ السجودُ لتَرْكِه، وإن سجَدَ فلا بَأْسَ.