(أَهْلُ الزَّكَاة ثَمَانِيَةٌ)
الأَوَّلُ: الفُقراءُ، وهم مَن لا يَجِدُون شيئًا أو يَجدونَ بعضَ الكِفايةِ، والثاني: المساكينُ يَجِدُون أكْثَرَها أو نِصْفَها، والثالثُ: العاملون عليها وهم جُبَاتُها وحُفَّاظُها، الرابعُ: الْمُؤَلَّفُةُ قلوبُهم مِمَّنْ يُرْجَى إسلامُه أو كفُّ شَرِّه أو يُرْجَى بعَطِيَّتِه قُوَّةُ إيمانِه، الخامسُ: الرِّقابُ وهم الْمُكَاتَبُونَ، ويُفَكُّ منها الأسيرُ المسلِمُ، السادسُ: الغارمُ لإصلاحِ ذاتِ الْبَيْنِ ولو مع غِنًى،
طالب: ثلاثة وثمانين كيلو عن مسافة القَصْر.
الشيخ: لا، هي دون مسافة القَصْر.
لو أنه فعل فأخرجها في بلد تُقْصَر فيه الصلاة؟
[ ١ / ٣٢٠٤ ]
طالب: أجزأت ولكن يأثم.
الشيخ: أجزأت ولكن يأثم. كيف تجزئ مع الإثم؟
الطالب: لأن العلة التحريم ليس عائدًا على نفس الدم، ولكن عائد إلى مكان الإخراج.
الشيخ: النهي هنا لا يتعلق بذات العبادة.
الطالب: ولكن يعود إلى أمر خارج.
الشيخ: نعم، لأمر خارج؛ فلذلك أجزأت.
***
قال المؤلف: (إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرِّقُها في أقرب البِلاد إليه) (إلا أن يكون) هذا مستثنى من قوله: (ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة)، (إلا أن يكون) الفاعل أو اسم (كان) يعود على المال أو على رَبِّ المال؟
طلبة: المال.
الشيخ: يعود على المال؛ لأن السياق في المال.
(والأفضل إخراجُ زكاة كُلِّ مَالٍ في فقراء بلده) أي: بلد المال؛ يعني: إلَّا أن يكون المال في بلد لا فقراء فيه، فيفرقها في أقرب البلاد.
وقوله: (لا فقراء) هذا مبني على الأغلب، والعبارة العامة أن يقول: إلَّا أن يكون في بلد لا مستحِقَ للزكاة فيه؛ من أجل أن يشمل جميع الأصناف؛ لأنه قد لا يكون فيه فقراء، ولكن يكون فيه مستحقون بغير الفقر.
وقوله: (فيفرِّقُها في أقرب البلاد إليه) (يفرِّقُها) أي: مَنْ عليه الزكاة، (في أقرب البلاد إليه) لأن الأقربين أحق من الأباعد؛ فلهذا أوجبوا عليه أن يفرقها في أقرب البلاد.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تعذر في بلده يُفَرِّقها حيث شاء؛ لأنه سقط الأصل، فإذا سقط الأصل لم يتعين، قالوا: ونظير ذلك أن المرأة المحادَّة يلزمها البقاء في بيتها، فإذا جاز لها الخروج لضرورة فإنها تعتدُّ حيث شاءت، ولا يلزمها أن تعتدَّ في أقرب بيت إلى بيتها الأول، فهذا مثله، وسبق لنا أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز نقلها للحاجة أو المصلحة.
[ ١ / ٣٢٠٥ ]
ثم قال: (فيُفَرِّقُهَا في أقرب البلاد إليه) وعُلِمَ من قوله: (فيُفَرِّقُهَا) أن مؤونة النقل على مَنْ؟ على صاحب المال، لا من الزكاة، فإذا قُدِّر أن الزكاة لا تُحْمَل إلى هذا البلد الذي فيه الفقراء إلَّا بمؤونة، فهل يَخْصِم المؤونة من الزكاة؟ لا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب، وقد وجب عليه إخراج الزكاة، فيجب أن يوصِلها إلى مستحقها، والمؤونة عليه، حتى لو أن المؤونة صارت أضعافَ أضعافَ قيمةِ الزكاة فإنه يلزمه أن يؤديها إلى مستحقيها.
قال: (وإن كان في بلد وَمَالُهُ في آخَرَ أخْرَجَ زَكَاةَ المال في بلده، وَفِطْرَتَهَ في بلدٍ هو فيه) إذا كان صاحب المال في بلد وماله في بلد، ولا سيما إذا كان المال ظاهرًا كالمواشي والثمار، فإنه يُخْرِج زكاة المال في بلده، ويُخْرِج فطرة نفسه في البلد الذي هو فيه؛ لأن الفطرة زكاة تتعلق بالبدن، والمال زكاته تتعلق به، فإذا كان في بلد وهو في بلد آخر فعلى ما ذَكَر المؤلف.
مثال ذلك: رجل ساكن في مكة وأمواله التي يتَّجِر بها في المدينة، فنقول: أخرج زكاة المال في المدينة، وفطرتك في مكة؛ لأن زكاة المال تبعٌ للمال، والفطرة تبعٌ للبدن.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل) أقل من الحولين كم؟ حول واحد؛ يعني: يجوز أن يُعَجِّل الزكاة قبل وجوبها، لكن بشرط أن يكون عنده نصاب، فإن لم يكن عنده نصاب وقال: سأعجل زكاة مالي؛ لأنه سيأتيني مالٌ في المستقبل، فإنه لا يجزئه إخراجها، وهذه مبنية على قاعدة ذكرها ابن رجب ﵀ في القواعد الفقهية؛ وهي أن تقديم الشيء على سببه لاغٍ، وعلى شرطه جائز.
من هذه المسألة: لو قدَّم الزكاة قبل أن يملك النصاب، هذا على أساس سيملك نصابًا فإنه لا يجزئه، لماذا؟ لأنه قدَّم الزكاة على سبب الوجوب وهو ملك النصاب، فإن مَلَكَ نصابًا وقدَّمها قبل تمام الحول جاز؛ لأنه قدَّمها بعد السبب وقبل الشرط؛ لأن شرط الوجوب تمام الحول.
[ ١ / ٣٢٠٦ ]
نظير ذلك: لو أن شخصًا كَفَّر عن يمين يريد أن يحلفها فكفَّر قبل اليمين، ثم حَلَف وحَنِث، فالكفارة لا تجزئ؛ لأنها قبل السبب.
ولو حَلَف وكَفَّر قبل أن يحنِث؟
طلبة: تجزئ.
الشيخ: أجزأ؛ لأنه قدَّمها بعد السبب وقبل الشرط.
إذن يجوز تعجيل الزكاة، ما هو الدليل؟ الدليل أثري ونظري.
أما الأثر فما روى أبو عبيدٍ في الأموال (١) بإسناده: أن النبي ﷺ تعجَّل من العباس صدقة سنتين، قال الشارح: ويعضِدُه رواية مسلم: «فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا»، تعجَّل زكاة سنتين؛ يعني: قدَّم زكاة سنتين.
أما رواية مسلم التي أشار إليها فهي ما ثبت في الصحيحين (٢): أن النبي ﵌ بعث عمر على الصدقة، فرجع ومن معه وقالوا: مَنَع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب، أَبَوْا أن يُعطوا السعاةَ الزكاةَ، فقال النبي ﵌: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا؛ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا ابْنُ جَمِيلٍ فَمَا يَنْقِمُ إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ»، وهذا من باب تأكيد الذم بما يُشبه المدح، وهو أسلوب عربي معروف، ومنه قول الشاعر:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاع ِالْكَتائِبِ
«وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا»، هكذا قال النبي ﵌، العباس عمه، قال: «هِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا».
واختلف العلماء في قوله: «فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا» هل هو -كما أشار إليه المؤلف- أن العباس قد عجَّل الصدقة سنتين، أو أن المعنى أن العباس لمَّا كان ظاهرُ مَنْعِهِ احتماءَهُ بقرابته من النبي ﵌ أراد أن يضاعف الغُرْم عليه، ويكون هذا مثلَ قولِهِ فيمن مَنَع الزكاة: «إِنَّا آخِذُوهُا وَشَطْرَ مَالِهِ» (٣)؟
[ ١ / ٣٢٠٧ ]
والذي يظهر لي هو الثاني؛ لأن العباس لو كان قد عَجَّل الصدقة لقال للسُعاة: إنني قد أخرجتها، قد قدمتها، ولا يأتون يقولون: منع العباس، الظاهر لي هو هذا؛ أن هذا من باب التضعيف عليه؛ لكونه احتمى بقرابته من النبي ﵌، وكانت هذه السياسةُ سياسةَ عدلٍ؛ حيث إن عمر بن الخطاب ﵁ كان من سياسته إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله وقال لهم: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم -يعني: الطير إذا نظر لحمًا ينقض عليه- وإني لا أعلم أن أحدًا منكم فعل هذا إلَّا أضعفت عليه العقوبة (٤)، أعاقب الناس مرة وهو مرتين؛ لأن هؤلاء سوف يحتمون بقرابتهم منه، فيقول: أضعف عليكم العذاب ضعفين.
وكذلك أيضًا في القرآن ما يشير إلى هذا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
فالحاصل أن الذي يظهر لي أن قوله في العباس: «هِيَ عَلَيَّ ومثلُها» أن هذا من باب التضعيف عليه؛ لكونه احتمى بقرابته من النبي ﵌.
أما حديث أبي عبيد فإن صح فهو دليل مستقل، لا علاقة له في هذه القصة. هذا دليل أثري.
أما الدليل النظري؛ فلأن تعجيل الزكاة من مصلحة أهل الزكاة، وتأخيرها إلى أن يتم الوجوب هذا من باب الرفق بالمالك، وإلَّا لكان يجب عليه أن يُخْرِج زكاته من حين أن يملك النصاب، كما وجب عليه إخراج زكاة الزرع من حين حصاده، فإذا كان هذا من باب الرفق به ورضي لنفسه بالأشد، فلا مانع من ذلك، ولكن هل هذا مستحب؟
يقول المؤلف ﵀: (ولا يُسْتَحَب) لأن الزكاة إنما تجب عند تمام الحول، فإخراجها عند تمام الحول أرفق بالمالك؛ لأنه ربما يَنْقُص النصاب قبل تمام الحول، فلا تجب عليه الزكاة، وربما يَتْلَف ماله كله قبل تمام الحول، فلا تجب عليه الزكاة، فكان الأفضل ألَّا يعجِّلها.
[ ١ / ٣٢٠٨ ]
ولكن نَفْيُ الاستحباب لا يقتضي ثبوته لسبب شرعي، ثبوت أيش؟
طالب: التعجيل.
الشيخ: الاستحباب لسبب شرعي؛ مثل أن تدعو الحاجة إلى تقديم الزكاة لمعونة مجاهدين، أو لحاجة قريب، أو ما أشبه ذلك، فهنا نقول: استحباب تعجيلها لذاته أو لغيره؟
طلبة: لغيره.
الشيخ: لغيره، وهو السبب الطارئ الذي صارت المصلحة في تقديم الزكاة من أجله.
[باب أهل الزكاة]
ثم ذكر المؤلف أهل الزكاة؛ لأنه لما ذَكَر إخراجَها وكيفيتَها ووقتَها ذَكَر مستحِق الزكاة، فقال: (باب أهل الزكاة) الأهل بمعنى المستحِق، فمعنى أهل الزكاة؛ يعني المستحقين لها.
واعلم أن الله ﷾ لحكمته قد يُعَيِّن المستحِق وما يستحِق، وقد يُعَيِّن المستحِق دون ما يستحِق، وقد يُعَيِّن ما يُسْتَحَق دون من يَسْتَحِق.
مثال الأول؛ أن يُعَيِّن المستحِق دون ما يستحِق، أهل الزكاة عَيَّنَهُم الله، ولا قال: أعطوا هذا كذا، وهذا كذا، وهذا كذا، أو اقسموها بين الأصناف الثمانية، على القول الراجح.
تعيين المستحِق وما يستحِق؛ مثل الفرائض، عَيَّن الله المستحقين وما يستحقون، وكذلك كفارة الأذى، فِدْيَة الأذى ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
وتعيين المستحِق دون ما يستحِق، مثل؟
طالب: كفارة اليمين.
الشيخ: الكفارات؛ كفارة اليمين والظهار، وما أشبهها.
يقول: (وهم ثمانية أصناف) الدليل على هذا الحصر القرآنُ؛ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] محصورون.
[ ١ / ٣٢٠٩ ]
وقولهم: (ثمانية) يُستفاد منه أنه لا يجوز أن تُصرف في غيرهم؛ لأن الحصر يقتضي إثبات الحكم في المذكور ونَفْيُهُ عَمَّا سواه، فلا يجوز صرف الزكاة في بناء المساجد، ولا بناء المدارس، ولا إصلاح الطرق، ولا غير ذلك؛ لأن الله فرضها لهؤلاء الأصناف وقال: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
الأول يقول: (الفقراء وهم: الذين لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعض الكفاية، والمساكينُ: يجدون أكثرها أو نصفَها) فصار فقراء يجدون أقل من النصف، أو لا يجدون شيئًا، والمساكين يجدون النصف ودون الكفاية.
وكيف يمكن أن نعرف هذا؟ والإنسان قد يقدِّر أن نفقته في السنة عشرة آلاف، ثم تزداد الأسعار، فتكون النفقة عشرين ألفًا أو خمسة عشر، فكيف يمكن؟
نقول: هذا يقدِّر الإنسان بحسب ما يظهر له الآن، وإذا جدَّ حديث فلكل حادث حديث، هذه واحدة.
أو يكون الإنسان يعلم ذلك براتب شهري، مقداره خمسة آلاف في السنة كلها، وهو ينفق في السنة عشرة آلاف، الآن نعرف أنه فقير ولَّا مسكين؟
طلبة: مسكين.
الشيخ: مسكين، ليش؟ يجد النصف.
إذا كان راتبه أربعة ومصروفه عشرة؟
طلبة: فقير.
الشيخ: فهو فقير.
إذا لم يكن عنده شيء ولا وظيفة ولا عمل؟
طلبة: فقير.
الشيخ: فهو فقير، نعم؟
طالب: أفقر.
الشيخ: أفقر.
وسمي الفقير فقيرًا؛ لأنه خالي اليد، وأصلها من القَفْر؛ والقَفْر: الأرض الخالية من السكان، لكن الاشتقاق هنا اشتقاق لا يناسب المشتق منه في ترتيب الحروف، وإن كان يوافقه في الحروف لكن يخالفه في الترتيب.
يقول المؤلف: (وهم من لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعض الكفاية)، وهل المعتبَر كفاية الشخص، أو كفايته وكفاية من يمونه؟ الثاني هو المعتبر.
وهل المعتبر ما يكفيه للأكل والشرب والكِسوة والسُّكْنى، أو حتى للإعفاف؛ إعِفاف نفسه بالنكاح؟
[ ١ / ٣٢١٠ ]
الجواب: الثاني؛ يعني: لو فُرِض أن الإنسان محتاج إلى الزواج، وعنده ما يكفيه لأكله وشربه وكِسوته وسكنه، لكن ليس عنده ما يكفيه للمهر، فإننا نعطيه ما يتزوج به ولو كان كثيرًا.
إذا كان رجل عنده ما يكفيه لأكله وشربه وكِسوته وسكنه، لكنه طالب علم يحتاج إلى كتب تُشْتَرَى له، فهل نعطيه؟
نعم، نعطيه؛ يشتري الكتب، لكن لا نعطيه يؤسس مكتبة فيها ألف كتاب، نعطيه ما يحتاج إليه فقط من الكتب؛ وذلك لأنه إذا كان يُعْطَى لغذائه البدني فإنه يُعْطَى لغذائه الروحي والقلبي، فإذا كان هذا الرجل يحتاج إلى كتب علم فإنه لا بأس أن يُعْطَى من الزكاة ما يشتري به الكتب.
يحتاج إلى سيارة؛ هو عنده ما يكفيه للأكل والشرب والسكن والنكاح، لكنه يحتاج إلى سيارة؛ لأن عمله في مدرسته أو ما أشبه ذلك يحتاج إلى سيارة، هل نشتري له سيارة، أو ندفع له أجرة يكتري بها سيارة؟
الظاهر الثاني؛ لأننا إذا اشترينا له سيارة فهي بثمن باهظ، هذا الثمن ممكن أن نعطيه فقيرًا آخر، فنقول: الآن نؤمِّن لك سيارة لحاجتك، وإذا أغناك الله اشترِ من نفسك.
ذكر في الشرح مسألة مهمة: وهو رجل قادر على التكسب؛ يستطيع أن يتكسب، لكن ليس عنده مال، ويريد أن يتفرغ عن العمل لطلب العلم، فهل يُعْطَى من الزكاة أو لا؟
الجواب: نقول: إنه يُعْطَى، لماذا؟ لأن طلب العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، هكذا قرر الفقهاء هنا، وقالوا: إذا تفرغ قادر على التكسب للعلم فإنه يُعْطَى؛ لأن طلب العلم نوع من الجهاد في سبيل الله.
وهذا يؤيد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواز أخذ الرهان في العلم؛ يعني: تعايا رجلان في مسألة، فقال أحدهما: سنجعل جُعْلًا للمصيب، إن أصبتُ أنا أعطني مئة، وإن أصبتَ أنت أعطيتك مئة، هذا لا شك أنه رهان، هل يجوز أو لا؟ المشهور عند الفقهاء أنه لا يجوز، وأنه لا يجوز السَّبق إلَّا في ثلاث؛ وهي الإبل والخيل والسهام.
[ ١ / ٣٢١١ ]
ولكن شيخ الإسلام ﵀ قال: ويجوز أيضًا في طلب العلم؛ لأن العلم نوع من الجهاد، وقد جعله الله تعالى قسيمًا للجهاد في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ خرجوا في الجهاد، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ أي: الفرقة الباقية ﴿فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
رجل آخر طيبٌ وحبيب يقدر على العمل، لكنه رجل عابد يحب العبادة؛ يحب أن يصوم يومًا ويُفْطِر يومًا، أن يقوم ثلث الليل، أن يتعبَّد بالصلاة، لكن يقول: مشكل؛ إن بقيت أَتَعَبَّد هكذا احتجتُ إلى مؤونة، وإن اشتغلت انكففت عن العبادة، فهل نعطيه؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما نعطيه، لماذا؟ لأن العبادة نفعها قاصر على المتعبد، بخلاف العلم؛ ولهذا يقال: إن موت عالم أهون على الشيطان من موت ألف عابد، أو أشد؟
طلبة: أشد.
الشيخ: أشد على الشيطان من ألف عابد، طيب نشوف.
يقال: إن جنود الشيطان قالوا له: كيف تفرح بموت العالم هذا الفرح، ولا تفرح بموت العابد؟ قال: سأريكم، فأرسل إلى العابد وقال له: هل يقدر الله أن يجعل السماوات والأرضين في بيضة؟ فقال العابد: لا، ما يستطيع، ما يقدر، فأرسل إلى العالم وقال له: هل يقدر؟ قال: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، فقال: انظر ..
على كل حال إذا تفرغ قادر على التكسُّب للعلم فإننا نعطيه من الزكاة، وإن تفرغ للعبادة فإننا لا نعطيه، والفرق ظاهر؛ العلم جهاد ونفعه متعدٍّ، والعبادة نفعها قاصر على العابد فقط.
طالب: شيخ، ذَكَرَ يُسن تعجيل الزكاة لحولين، وما شرحنا حولين، () الحولين؟
الشيخ: يقول: هل يجوز أن يعجِّلها لأكثر من حولين؟ لا، لحولين فأقل، ولا يجوز أن تُعَجَّل لأكثر من حولين.
طالب: الدليل يا شيخ؟
[ ١ / ٣٢١٢ ]
الشيخ: لا يحضرني الآن الدليل، ولا يُسْتَبْعَد أن يكون في المسألة خلاف؛ لأنه إذا جاز للحولين فما الذي يمنع؟ على كل حال نراجعها إن شاء الله.
طالب: () قدم الزكاة للحولين ()، ثم أتته () وأتى عليه الحول، فهل يكفي ما قدَّم؛ يعني: قدم قبل؟
الشيخ: يعني: تلفت الغنم الأولى؟
الطالب: الأولى.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قبل أن يأتي الحول، ثم () أربعين، ثم حال عليه الحول، يكتفي بالسابق؟
الشيخ: لا، ما يكتفي.
الطالب: ولكن ما ()؟
الشيخ: إي؛ لأن السابق زكاة عن نصابٍ تَلِف، وهذا النصاب الجديد يحتاج إلى حول.
طالب: شيخ، تعيين المستحِق والمستحَق، ما يكون فيه قسم رابع هو عدم تعيين لا هذا ولا هذا؟
الشيخ: مثل؟
الطالب: مُطْلَق الصدقة.
الشيخ: ما هي بواجبة.
طالب: الأسئلة ويش؟
الشيخ: يقول: ما يمكن نقول: شيء لا يُعَيَّن فيه المستحِق ولا المستحَق، قلت: مثل؟ قال: الصدقة، قلت: الصدقة غير واجبة.
طالب: الآن -يا شيخ- إذا طُلِب مني مكوس هل يمكن أن أدفعها بنية الزكاة؟
الشيخ: إي نعم، هذه فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: يجوز أن تدفعها بنية الزكاة، مثل طُلِب مني مكس على هذا المال المعين فدفعته، وبعضهم يقول: لا يجوز؛ لأن هذا مما أمر الرسول ﵊ بالصبر عليه، وأنت إذا نويت به الزكاة دفعت الصبر، وهذا أقرب.
طالب: يا شيخ، إذا كان عندي مال أجهزه للزكاة وسُرِق ()، حول كامل، ومجهزه () خاص لمجاهدين ولَّا خاص لزكاة؟
الشيخ: يعني: قبل تمام الحول؟
الطالب: لا، تم الحول.
الشيخ: تم.
الطالب: الذي سُرِق () مقدار الزكاة.
الشيخ: إي، يعني: ما أخرجتها الآن؟
الطالب: ما أخرجتها () أزكي؟
الشيخ: إي.
الطالب: ().
الشيخ: إي، يعني: عزلتها عن مالك؟
الطالب: عزلتها عن مالي () أعطه المسكين.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وسُرِق.
الشيخ: تضمنها.
الطالب: بس -يا شيخ- السارق ().
الشيخ: دور، ولعلك تقطع يده.
[ ١ / ٣٢١٣ ]
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، هذه سُرِقَتْ.
الطالب: يعني: أدفع الزكاة؟
الشيخ: إي نعم، تدفع هذه، وهذه إن حصلت في الدنيا وإلَّا ففي الآخرة ..
طالب: () أن النصاب قد تم، ثم قبل تمام الحول فإذا النصاب قد نَقَص؟
الشيخ: نَقَص، ولَّا ناقص حين التعجيل؟
الطالب: لا، نَقَص بعدما عجَّل.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل؟
الشيخ: يكون تَطَوُّعًا.
الطالب: ما يرجئه إلى زكوات قادمة ()؟
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأنه نوى عن هذا العام.
طالب: () أخرج زكاة المال في بلده () في بلد هو فيها، هل هذا على الوجوب؟
الشيخ: على المذهب على الوجوب.
الطالب: والصحيح؟
الشيخ: نحن قلنا: الصحيح جواز نقلها للمصلحة والحاجة.
الطالب: طيب، والفطرة هنا؟
الشيخ: نفس الشيء.
الطالب: نفس حكم الزكاة؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لتعريف الفقير والمسكين هذا في كل إطلاق؟
الشيخ: لا، الفقير في باب النفقات غير الفقير في باب الزكاة.
الطالب: حتى في باب الزكاة؟
الشيخ: الفقير مثلًا في باب الحج غير؛ يعني: يختلف باختلاف المواضع.
طالب: عفا الله عنك، بالنسبة لفقير ومسكين ما ظهر لنا الفرق بينهم، إذا كان () في نفسي أنا أن الفقير اللي ما عنده مال، والمسكين الذي لا يحسن التصرف، مثلًا إنسان عنده ثلاث آلاف، وهذا عنده ثلاث آلاف، يمكن الثلاث اللي عند الفقير يتصرف فيها وقت طويل، والثلاث آلاف التي عند اللي ما يحسن التصرف () هذا اللي ().
الشيخ: لا، الفقير الذي عنده أقل من نصف الكفاية، عرفت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا كان يكفيه في السنة عشرة آلاف ريال عنده أربعة آلاف، هذا فقير، والمسكين اللي عنده أقل من الكفاية الكاملة، فاللي عنده مثلًا خمسة آلاف ونفقته عشرة نقول: هذا مسكين، عنده ستة: مسكين، سبعة: مسكين، ثمانية: مسكين، تسعة: مسكين، عشرة: غني.
[ ١ / ٣٢١٤ ]
طالب: القول الثاني حكي عن الحسن أنه لا يجوز () ومالك وداود، () روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَا تُؤَدِّ الزَّكَاةَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَوْلِ» (٥)، أخرجه ابن ماجه والبيهقي والدارقطني، الدليل النظري قال ..
الشيخ: هذا موقوف.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أقول: هذا الحديث موقوف، الصحيح أنه موقوف، الثاني؟
الطالب: الدليل النظري قالوا: لأن الحول أحد شروط الزكاة، فلم يجزئ تقديم الزكاة عليها كالنصاب، هذا الدليل النظري، دليل ().
الشيخ: إي، لا، النظري هذا نظَّرنا فيه، وقلنا: إنه تقديم الشيء بعد وجود السبب قبل الشرط ثابت، فالكفارة مثلًا إذا حلف وأراد أن يُخْرِج الكفارة قبل الحِنْث فلا بأس، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، لكن مع ذلك لا يُستحب؛ يعني: لا نقول: إن هذا من باب المسابقة في الخير، نقول: لا يُستحب أن يُخرج قبل ..
طالب: ما حكم ما زاد عن حولين؟
الشيخ: فيما زاد عن الحولين هذا محل نظر؛ لأنه قد تتغير الأحوال، إي نعم.
طالب: التخريج الذي طلبته مني -يا شيخ- تخريج البول في المستَحَم () ومواعدكم الليلة.
الشيخ: إي، هذا هو، نعم.
الطالب: أَقرأه؟
الشيخ: اقرأ، نعم.
الطالب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
[ ١ / ٣٢١٥ ]
الحديث رواه الخمسة، وذكر النووي في المجموع في المجلد الثاني صفحة مئة وسبعة الكلام على حديث عبد الله بن المغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» (٦)، قال: هذا الحديث حسن، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد حسن، وروى حُمَيْد بن عبد الرحمن الحِمْيَرِي، عن رجل صحب النبي ﷺ كما صحِبه أبو هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله (٧)، رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي، وإسناده صحيح.
وقال المنذري في الترغيب والترهيب المجلد الأول صفحة مئة وسبعة وثلاثين في الكلام على حديث عبد الله بن المغفل قال: رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي واللفظ له، وقال: حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلَّا من حديث أشعث بن عبد الله، ويقال له: أشعث الأعمى، ونقل كلام الحافظ فقال: إسناده صحيح متصل، وأشعث بن عبد الله ثقة صدوق، وكذلك بقية رواته.
وكذلك قال الحاكم في المستدرك المجلد الأول صفحة مئة وثمانية وستين: هذا –أي: حديث عبد الله بن المغفل- حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد عند أبي داود من حديث حُمَيْد بن عبد الرحمن الحِمْيَرِي، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله، ووافقه الذهبي على ذلك، وهذا، والله أعلم.
[ ١ / ٣٢١٦ ]
قال الألباني: هذا حديث غريب؛ أي: ضعيف، وعلته عندي أنه من رواية الحسن، عن عبد الله بن المغفل، والحسن مُدَلِّس وقد عنعنه، فلا يُغْتَرُّ بمن صححه من المعاصرين أو الغابرين، لكن في النهي عن البول حديث صحيح عند أبي داود وهو: نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله، انتهى كلامه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
الشيخ: بارك الله فيك، جزاك الله خيرًا.
طالب: الحديث في صحيح أبي داود، وعزوه أيضًا إلى مسلم الحديث ().
الشيخ: واللهِ ما أدري ما ..، طلبتَهُ في مسلم؟
الطالب: لا، ليس في مسلم.
الشيخ: ليس في مسلم، فيحسُن أنك تعلق عليه، ويكون فاتحة خير إن شاء الله.
طالب: لكن هل المسْتَحَم في السابق نفس المسْتَحَم الآن؟
الشيخ: لا، المسْتَحَم في السابق يكون أرضًا مستوية، ويُخشَى أنه إذا توضأ يصيبه رشاش البول، ويبدأ يكون معاه وسواس هل أصابه رشاش البول أو لم يصبه؟ أما الآن -الحمد لله- المستَحَمَّات محل البول خاص، وينظف من يوم يجيه الماء.
طالب: وقد يكون سؤال الأخ عن المستَحمَّات الحالية.
الشيخ: لا، ما أدري عنها، لا، مو هذه، المستَحمَّات العادية للاغتسال فقط.
() ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، هل يجوز التراخي في إخراج الزكاة؟
الطالب: التراخي، ما أفهم المعنى.
الشيخ: التراخي؛ يعني: أنه ما يخرجها بأول السنة.
الطالب: لا، ما يجوز، يجب عليه على الفور إلَّا لعذر.
الشيخ: أحسنت، ويش مثال العذر؟
طالب: يخاف أن يدور عليه من يأخذ الزكاة مرة بعد ..
الشيخ: يعني: يأتيه رجل الحكومة.
الطالب: إي نعم، بعدما دفع الزكاة فيطالبه بالزكاة.
الشيخ: نعم.
رجل منع الزكاة هل يُقتل أو لا؟ وهل يُقتل حدًّا أو كفرًا؟
طالب: نقول: المسألة فيها تفصيل.
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان مَنَعَها جحْدًا لوجوبها عارفٌ بالحكم أُخِذَت منه وقُتل.
الشيخ: تمام.
الطالب: وقُتل حدًّا؛ لردته.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٣٢١٧ ]
الطالب: الدليل قول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٨)، هذه الحال الأولى. الحال الثانية: أنه منعها جحْدًا لوجوبها.
الشيخ: جحْدًا؟
الطالب: جحْدًا.
الشيخ: ولَّا بخلًا؟
الطالب: لا، الثانية جحْدًا لوجوبها، لكنه جاهل بالحكم؛ كحديث عهد بإسلام أو أهل البادية هنا تؤخذ منه ولا يُقتل، ولا يَكْفُر بهذا.
الشيخ: ولا يُحْكَم برِدَّتِه.
الطالب: معذورٌ بالجهل.
الشيخ: لا يؤخذ برِدَّتِه لعذره؟
الطالب: بالجهل.
الشيخ: بالجهل.
الطالب: الحال الثالثة: أنه منعها بخلًا، وفي هذه الحال تؤخذ منه ويُعَزَّر، والتعزير أنواع، قيل: إنها ترجع إلى الإمام للمصلحة، وهو الذي يرى نوع التعزير؛ أي: التأديب، وقيل -وهو الراجح والصحيح- إنها حديث النبي ﷺ: «تُؤْخَذُ وَشَطْرَ مَالِهِ» (٣).
الشيخ: أحسنت.
رجل مجنون بالغٌ له عشرون سنة وعنده مال، فهل تجب الزكاة في ماله؟
طالب: نعم؛ لأنه ليس شرطًا في الزكاة إلَّا الإسلام.
الشيخ: طيب.
الطالب: وهو من أولاد المسلمين، وإن كان من أولاد الكافرين ..
الشيخ: اصبر، لا تطوِّل.
مَنْ الذي يُخْرِجُها وهو مجنون؟
الطالب: وليه.
الشيخ: وليه. مَنْ وليه؟
الطالب: وهو الذي يتصرف في أموره.
الشيخ: مَنْ؟ الأب، الأم؟
الطالب: يعني: كل مَنْ يتصرف.
الشيخ: مطلقًا؟
الطالب: مطلقًا، المذهب غير الأم والأخ؛ يعني: هو حَصَرَ ..
الشيخ: بمن؟
الطالب: بالأب وأقربائه غير الأم والأخ، والمذهب يقول: هذا لا يكون وليًّا له.
الشيخ: مَنْ الولي على المذهب؟
الطالب: وليه الأب.
الشيخ: الأب فقط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: ().
الشيخ: لا.
الطالب: لا، الأب.
الشيخ: الأب فقط، طيب.
طالب: الأب، ثم الوصي، ثم الوكيل.
الشيخ: ثم الوصي، ثم مَنْ؟
الطالب: الوكيل.
الشيخ: الحاكم، ثم الحاكم، طيب.
هل الأفضل أن يوزع الزكاة بنفسه، أو أن يوكل فيه مَنْ يوزعها؟
[ ١ / ٣٢١٨ ]
طالب: الأفضل أن يوزعها بنفسه؛ لأنها عبادة.
الشيخ: أن يفرقها بنفسه.
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا واحد، عبادة فينبغي أن يباشرها بنفسه.
الطالب: ودفع التهمة عن نفسه الناس من حوله.
الثالثة: أن يكون على يقين من إبراء ذمته.
الشيخ: نعم، من وصولها إلى مستحقها.
طالب: في تقسيمها مشقة يزيد من أجره.
الشيخ: زيادة الأجر بمشقة التقسيم.
رجل ماله في جدة، فأخرج زكاته في المدينة، ماذا تقول؟
طالب: أجزأت، ولكن الأفضل أن يُخْرِجُها في بلده.
الشيخ: بس، يعني: يجوز بلا إثم؟
الطالب: لا، يأثم، يجوز لكن مع الإثم.
الشيخ: يجوز مع الإثم؛ يعني: تجزئ أو يجوز مع الإثم؟
الطالب: تُجزئ مع الإثم.
الشيخ: ولا يجوز؟
الطالب: تجزئ، لكن مع الإثم.
الشيخ: مع الإثم، إذن لا يجوز، هل يأثم الإنسان على شيء يحِلُّ له؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن لا تجوز، وتجزئ.
طالب: المذهب؟
الشيخ: إي، نبغي المذهب ونشوف القول.
الطالب: على المذهب أنه لا يجوز، يأثم وتجزئ.
الشيخ: ويجوز ولَّا ما يجوز؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز.
الطالب: لأنه يأثم.
الشيخ: لأنه يأثم، ولا إثم إلَّا على محرَّم، طيب.
الطالب: أما القول الثاني يا شيخ ..
الشيخ: طيب، ما هو الدليل على عدم الجواز؟
طالب: استدلوا بحديث معاذ.
الشيخ: الدليل حديث معاذ، ما هو؟
الطالب: تؤخذ الزكاة للفقراء من الأغنياء.
الشيخ: «أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ».
الطالب: «عَلَى فُقَرَائِهِمْ».
الشيخ: «عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (٩)، تمام.
فيها قول ثانٍ؟
الطالب: نعم، إذا كان هناك حاجة أو مصلحة فتُنقل للبلد الآخر.
الشيخ: طيب، كيف نجيب عن حديث معاذ؟
الطالب: بالمشقة -يا شيخ- بين المدينة واليمن، ثم إنه يقال: يُراد التخصيص.
طالب آخر: الإضافة تحتمل أن تكون إضافة للجنس أو إضافة ().
[ ١ / ٣٢١٩ ]
الشيخ: يعني: إذن لا يتعين أن تكون فقراء البلد؛ لأن احتمال أن يكون المراد بها الجنس؛ يعني: في فقراء المسلمين؛ لأنهم لما أسلموا صاروا مسلمين، فـ (فقراؤهم) يعني: فقراء المسلمين، صحيح.
عندنا إشكال في كونها تَحْرُم وتجزئ؛ يحرم نقلها إلى بلد آخر، ولو فَعَلَ أجزأتْ؟
طالب: الحرمة ليست على ذات الزكاة.
الشيخ: نعم.
الطالب: بل على النقل، يعني ليست ..
الشيخ: يعني: لأمر خارج.
الطالب: نعم، خارج ().
الشيخ: عن العبادة طيب.
هل لها نظير؟
الطالب: إي.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل الصلاة في الثوب المتنجس.
الشيخ: المتنجس؟
الطالب: الثوب النجس.
الشيخ: إي، ما يصلح؛ يعني: الصلاة في الثوب النجس.
الطالب: للضرورة.
الشيخ: لا، دعنا من الضرورة.
الطالب: () تكون الحرمة ليست لذات العبادة.
الشيخ: لو صلى في ثوب نجس عالمًا بطلت صلاته.
الطالب: لو صلى ما عنده.
الشيخ: هذا ضرورة.
الطالب: ولكن ما ينطبق عليه ()؟
الشيخ: ما تنطبق؛ لأنه على المذهب يصلي ويعيد.
الطالب: ويعيد؟
الشيخ: إي، والصحيح أنه ما يعيد، لكن هذا لضرورة.
طالب: أن يصلي بثوب حرير.
الشيخ: لا.
طالب: أن يصلي -شيخ- وعليه عمامة من حرير.
الشيخ: إي، طيب.
طالب: أن يصلي على أرض مغصوبة.
الشيخ: كله يعود على شيء واحد.
طالب: يعني: يصلي في ثوب مغصوب.
الشيخ: () حديث تَلَقِّي الرُّكْبان (١٠)، تَلَقِّي الرُّكْبان حرام، ومعلوم أن المراد تَلَقِّيهم بالشراء منهم، ما هو تَلَقِّيهم بيسلم عليهم، ومع ذلك البيع صحيح.
طالب: لكن ما ذكرت القول الصحيح () لأمر خارج.
الشيخ: إي نعم، يعني: ذكر على اختيار الصحيح؟
الطالب: الاختيار الصحيح.
الشيخ: إي.
طالب: الآن ما ذَكَر.
الشيخ: من اللي ما ذَكَر؟
الطالب: جواب لهذه، يعني ما ذُكِر ..
الشيخ: أنا ما ذكرتُه؟
الطالب: إلَّا () العمامة.
الشيخ: لا، ذكرتُه، أنا ما ذكرتُه؟
طالب: لا، ذُكِر () ما ذُكِر.
[ ١ / ٣٢٢٠ ]
الشيخ: سبحان الله! الدليل على أن الشيء يحرم ويصِح لأنه عائد على غير.
طالب: لا ذكرته.
طالب: ().
الشيخ: خير إن شاء الله، على كل حال، إن لم أكن ذكرتُه، فالآن ذكرتُه.
طالب: ().
الشيخ: العمامة صحيحة، عائد على خارج عن العبادة.
طالب: ().
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ().
الشيخ: المراد ثوب الحرير الذي حَرُم لأنه حرير، لا لأنه غير ساتر، طيب، خير إن شاء الله، الآن عرفنا لها نظيرًا.
إذا كان في بلدٍ لا فقراءَ فيه فماذا يصنع؟
طالب: ().
الشيخ: طيب، يتعين الأقرب أو لنا أن نُبْعِد؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم، والقول الثاني؟
الطالب: القول الثاني أنه ().
الشيخ: أنه لا يتعين الأقرب.
الطالب: نعم.
الشيخ: هل لها نظير؟
الطالب: المرأة تَعْتَدَّ ().
الشيخ: نعم، المحادَّة.
الطالب: إذا تحولت () من بيت زوجها، فإن لها أن تعتدَّ في بيت أهلها وفي غيره.
الشيخ: أحسنت، تمام.
تعجيل الزكاة أفضل أم تأخيرها؟
طالب: على قول المؤلف يجوز تعجيل الزكاة لأقل من حولين.
الشيخ: لا، السؤال: هل هو أفضل أم التأخير؟
الطالب: () أفضل عند تمام الحول.
الشيخ: عند تمام الحول، أحسنت، إذن إذا قال: الأفضل التعجيل أو التأخير؟ نقول: ماذا تريد بالتأخير؟ إن أردت التأخير إلى ما بعد الحول فهو حرام؛ لأنه لا يجوز إلَّا لغرض، وإذا أردت التأخير إلى تمام الحول فالأفضل تأخيرها إلى تمام الحول.
ذكرنا أن أهل الزكاة ثمانية، فما هو الدليل على انحصارهم في هذا؟
طالب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] طيب، أحسنت.
ما الفرق بين الفقراء والمساكين في هذا الباب؟
طالب: الفقير هو الذي لا يجد شيئًا، أو يجد أقل () نصف.
[ ١ / ٣٢٢١ ]
الشيخ: الفقير هو الذي لا يجد شيئًا أو يجد دون النصف من كفايته.
الطالب: أو يجد أكثرها أو نصفها.
الشيخ: يجد أكثرها أو نصها، ومن يجد الكفاية كلها؟
الطالب: غني.
الشيخ: غني، ليس فقيرًا ولا مسكينًا، طيب.
إذا قال قائل: كيف نعرف أن عنده نصف الكفاية أو أقل، أو الكفاية أو أقل، بماذا نعرف هذا؟
طالب: مثل إذا كان عنده راتب نعرف بهذا، مثلًا راتب عنده خمسة آلاف.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هذا نعرف أنه مسكين.
الشيخ: عنده خمسة آلاف وكم نفقته؟
الطالب: نفقته في السنة حوالي ألفين.
الشيخ: هذا غني جيد.
الطالب: في السنة خمسة آلاف.
الشيخ: نعم؟ اعكس تُصِب.
الطالب: أعكس؟
الشيخ: إي.
الطالب: مثلًا إذا صار راتبه ألفين.
الشيخ: زين، ونفقته؟
الطالب: في السنة.
الشيخ: وراتبه بالسنة ألفين ولَّا بالشهر؟
الطالب: بالشهر ألفين.
الشيخ: إي، ونفقته بالسنة.
الطالب: بالسنة خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف، غني جدًّا.
الطالب: لا.
الشيخ: لأن عنده اثنا عشر بالسنة.
الطالب: بالسنة ينفق خمسة آلاف.
الشيخ: نعم، وراتبه بالشهر؟
الطالب: ثلاثة آلاف.
الشيخ: ثلاثة آلاف! شيء غريب، ثلاثة آلاف معناه ستة وثلاثين ألفًا عنده.
طالب: مثلًا رجل راتبه خمسة آلاف.
الشيخ: سنوي؟
الطالب: لا، في الشهر، وينفق خمسة عشر ألفًا.
الشيخ: في الشهر؟
الطالب: إي، هذا الفقير، أما المسكين مثل رجل راتبه خمسة آلاف ويصرف.
الشيخ: لكن فقير وينفق بالشهر خمسة عشر ألفًا؟ !
الطالب: ().
الشيخ: إي.
الطالب: مثلًا راتبه ألف وينفق ثلاثة آلاف.
الشيخ: زين، طيب، هذا أيش؟
الطالب: الفقير.
الشيخ: طيب، والمسكين؟
الطالب: مثلًا راتبه ألف وينفق ألف وخمس مئة.
[ ١ / ٣٢٢٢ ]
الشيخ: صحيح، طيب، وإنما ضربنا هذا المثل؛ لأنه أقرب؛ لأن مجرد الدراهم المجموعة مهما كانت تنفد، الدراهم اللي ما يدخل عليها شيء تنفد، لكن يكون عنده صنعة يأخذ منها بالشهر -مثلًا- نصف كفايته، راتب، أجرة عمل، وما أشبه ذلك، مغل أجرة؛ مثل بيت، عمارة، دكان، يأخذ منها أقل من كفايته نقول: هذا فقير.
فلو قال قائل: إذا كان عنده بيت يساوي مئة ألف يؤجره بعشرة آلاف سنويًّا، وينفق في السنة خمسة عشر ألفًا، فهل يلزمه أن يبيع البيت، أو نقول: يُبقي البيت ويأخذ من الزكاة؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، وقد نص عليه الإمام أحمد ﵀؛ على أن الذي عنده عَقار يتضرر لو باعه ويستغل منه أدنى من كفايته فإنه يُعْطَى كفايته، ولا يُلزم بأن يبيع البيت؛ لأنه يقول: أنا إذا بعت البيت نقصت كفايتي، والناس ليسوا دائمين لي، كل سنة يعطوني من الزكاة.
هل لنا أن نعرف أن الفقير أشد حاجة بالأسلوب القرآني؟
طالب: لقول الله جل وعلا: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ السفينة ..
الشيخ: لا، نريد من الأسلوب اللي في الآية.
الطالب: نعم، () قدَّم المساكين.
الشيخ: نعم.
الطالب: قدَّمَها.
الشيخ: ويُبدأ؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم، بالأهم فالأهم في نفس الموضوع، وهنا الحاجة، فالأشد حاجة.
هل عندنا دليل على أن المعطوف بالواو يُبدأ بالأسبق؛ يعني: بالمعطوف عليه؟ دليل من السُّنَّة على أن العطف بالواو يقتضي تقديم المعطوف عليه ولو كان بالواو؟
طالب: شيخ، عندما قدَّم () في الصفا.
الشيخ: لما دنا من الصفا قرأ؟
الطالب: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فقال: «نبدأ».
الشيخ: «أبدأُ».
الطالب: «بما بدأَ».
[ ١ / ٣٢٢٣ ]
الشيخ: «أبدأُ بما بدأ الله به» (١١)، وفي هذا دليل على أن الواو قد تقتضي الترتيب لا باعتبار ذاتها، لكن باعتبار التقديم؛ تقديم المعطوف يدل على أنه أَوْلَى بالتقديم.
***
قال المؤلف ﵀: (أَهْلُ الزَّكَاة ثَمَانِيَةٌ) والدليل على الحصر الآية وذكرتموها، الأول: (الفقراء) (وهم: من لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعض الكفاية) كلمة: (بعض) يريد به ما دون النصف، والثاني: (المساكين)، المساكين جمع (مسكين)، ووصفوا بهذا الوصف؛ لأن الفقر أسكنهم؛ أي: أذلَّهم، والغالب أن الغني يكون له عزَّة، وشَمَم وحركة، بخلاف المسكين الذي ليس غنيًّا فإنك تجده قد أسكنه الفقر، وأذلَّه، ولا يتكلم، ولا يرى لنفسه حظًّا.
يقول المؤلف: (المساكين يجدون أكثرها) قوله: (يجدون) يَحْسُن أن يكون إعرابها أن تكون خبرَ مبتدأٍ محذوف؛ يعني: هم يجدون، ويجوز أن نقول: (المساكين) مبتدأ و(يجدون) خبر، لكن يعارض هذا أن (المساكين) خبرٌ لقوله: (الثَّانِي الْمَسَاكِينُ).
(يَجِدُونَ أكْثَرَهَا) يعني: أكثر أيش؟
طلبة: الكفاية.
الشيخ: الكفاية، (أوْ نِصْفَهَا)، وعرفتم من يجد أكثرَها أو نصفَها. والذي يجد كلها هذا غني، ليس له حق من الزكاة.
الثالث (العاملون عليها) هنا قال: (عليها)، ولم يقل: (فيها) ولا (بها)، فالعامل هذا المشتق يتعدَّى بالباء، ويتعدَّى بـ (على)، ويتعدَّى بـ (في)، وقد قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ لم يقل: (بها) ولا (فيها).
ولنضرب مثلًا يبين لنا الفرق: هذه دراهم عند شخص، قيل له: اتجِّر بها ولك نصف الربح، ماذا نقول لهذا؛ عامل فيها أو بها؟
طلبة: فيها.
الشيخ: (بها)، هذا عامل بها؛ يعني: يعمل بها.
الثاني: شخص استؤجر لتنظيف البيت، فصار ينظف كل يوم، هذا عامل فيه ولَّا به؟
طلبة: فيه.
الشيخ: فيه، طيب.
الثالث: رجل وكَّلناه لتأجير هذا البيت، والنظر فيه، وفِعْل ما يُصْلِحه، هذا عامل عليه.
[ ١ / ٣٢٢٤ ]
إذن (العاملون عليها) يعني: الذين تولَّوْا عليها، فالعمل هنا عمل ولاية، ليس عمل مصلحة، كيف عمل ولاية؟ يعني: أن لهم ولاية عليها، ينصبهم ولي الأمر، وهم الفِرقة التي تُرسلهم الحكومة لجمع الزكاة من أهلها وصَرْفِها في مستحِقِّها؛ لأنهم عاملون عليها لهم نوع ولاية.
المؤلف ﵀ أطلق قال: (العاملون عليها) كما جاء في القرآن، فهل يُشترط أن يكونوا فقراء؟
الجواب: لا يُشترط أن يكونوا فقراء، بل يعطون ولو كانوا أغنياء؛ لأنهم يعملون لمصلحتها؛ لمصلحة الزكاة، فهم يعملون للحاجة إليهم، لا لحاجتهم، فإن انضم إلى ذلك أنهم فقراء، وأن نصيبهم من العَمالة لا يكفي لمؤُونتهم ومَؤُونة عيالهم فإنهم يأخذون بالسببين؛ أي: يعطون للعَمالة، ويعطون للفقر.
مثال العاملين عليها قال المؤلف ﵀: (وهم جُبَاتها وحُفَّاظها)، الجباة والحفَّاظ وكذلك الموَكَّلُون بقسمها كلهم من العاملين عليها.
الجباة جمع (جابي)، وهم الذين يأخذونها من أهلها. والحفَّاظ: الذين يقومون على حفظها. والثالث القاسمون لها: الذين يَقسمونها في أهلها.
فالزكاة الآن تحتاج إلى ثلاثة أشياء؛ جِباية، والثاني حفظ، والثالث تقسيم، فالذين يشتغلون في هذا هم العاملون عليها.
الرُّعاة هل هم من العاملين عليها، أو من العاملين فيها؟
طلبة: فيها.
الشيخ: فيها؛ ولذلك لا يعطون من الزكاة على أنهم من أهل الزكاة، ولكن يعطون من الزكاة كأُجَراء يؤجِّرُهم مَنْ له الولاية على الزكاة.
طالب: من الزكاة؟
الشيخ: من الزكاة، نعم.
الرابع (المؤلَّفَة قلوبهم) (المؤَلَّفَة) اسم مفعول، و(قلوب) نائب فاعل؛ يعني: الذين يعطون لتأليف قلوبهم، ومن هم الذين يُعْطَوْن لتأليف قلوبهم؟ هم السادات المطاعُون في عشائرهم.
طالب: () يكون غنيًّا، ما هي الحكمة في إعطائه؟
الشيخ: لأنه عَمِل لمصلحتها، وإحنا قلنا: أهل الزكاة منهم مَنْ يُعْطَى لحاجته، ومنهم مَن يُعْطَى للحاجة إليه.
[ ١ / ٣٢٢٥ ]
الطالب: ما المعنى -يا شيخ- أن يقال: إن إطلاق الله ﷿ الآية ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ يعني: بناءً على أن أغلب الذين يعملون في الزكاة أو على الزكاة فقراء؟
الشيخ: لو كان هكذا وأنه يُصْرَف إليه لفَقْرِه صار العطف هنا لا فائدة منه؛ لأن المساكين والفقراء ذُكِر استحقاقُهم من قبل، وقولك: إن هذا هو الغالب لعلك لم تطَّلِع على الدفاتر اللي يعملون عليها، () أغنياء، وبعضهم يرجع غني أكثر من عبد الله بن اللُّتْبِيَّة، بعض العاملين عليها -نسأل الله العافية- يقولون لي: يرجعون أغنياء.
طالب: فيه رواية عن الإمام أحمد أن الفقير هو الذي لا يسأل الناس، والمسكين هو الذي يسأل الناس، صحيح؟
الشيخ: ما هو صحيح، ما هي بصحيحة، ما أدري عن نقلها عن الإمام أحمد ما أدري عنها، لكن حكمًا ليس بصحيح.
طالب: على القول بجواز تقديم الزكاة هل يُرْجَع بالزيادة والنقصان بعد ()؟
الشيخ: لا، العبرة بوجوبها عند تمام الحول، لو فُرِض أنه أخَّرها وربِحت فإن الربح اللي حصل بعد وجوب الزكاة لا يعتبر من الزكاة.
الطالب: يعني مثلًا لو قدَّم زكاة السنة دي والسنة اللي بعدها، معنى هذا أنه لا يزكي السنة القادمة ()؟
الشيخ: لا، أنت تقول: تعجيل ولَّا تأخير؟
الطالب: لا، تأخير.
الشيخ: تأخير الزكاة؟
الطالب: نعم، تأخير الزكاة، هل يرجع عليها؟
الشيخ: المثال الذي ذكرتَه الأخير تعجيل.
الطالب: إي.
الشيخ: أنت تريد التعجيل ولَّا التأجيل؟
الطالب: أريد التأخير.
الشيخ: التأخير، إي، العبرة بمقدار ماله عند وجوب الزكاة؛ فلو قُدِّر أنها وجبت عليه في رمضان وماله عشرة آلاف، وأخَّرَها إلى ذي الحِجَّة فبلغ ماله في هذه المدة عشرين ألفًا، فإنه لا زكاة عليه إلَّا في عشرة.
الطالب: طيب والعكس؛ التعجيل؟
الشيخ: نعم، العكس تجب الزكاة فيما حصل من جديد.
الطالب: بالزيادة؟
الشيخ: نعم.
طالب: ().
الشيخ: مَنْ نَقَلها إلى بلد آخر.
[ ١ / ٣٢٢٦ ]
الطالب: () فإنها تُجزئ، ولكن مع الإثم.
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: إي لا فرق، المهم أن الشيء إذا عاد إلى غير ذات الشيء فإنه لا يؤثر فيه.
***
الطالب: يقول: وَيُفَكُّ مِنْهَا الأسِيرُ المسْلِمُ، السادس: الغَارِم لإِصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ وَلَوْ مَعَ غِنًى، أو لِنَفْسِهِ مع الفَقْرِ، السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُمُ الغُزَاةُ المتَطَوِّعَةُ الَّذِينَ لا دِيوَانَ لَهُمْ، الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ المسَافِرُ المنْقَطِعُ بِهِ، دونَ المنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أصناف الزكاة ثمانية؟
طالب: ذكرهم الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبَهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾
الشيخ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، طيب.
ما الفرق بين الفقراء والمساكين؟
طالب: الفقير -يا شيخ- هو الذي لا يجد كفاية يومه.
الشيخ: كفاية يومه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: الفقير هو الذي يجد أقل من نصف الكفاية، والمسكين هو الذي يجد نصف كفايته أو أكثر.
الشيخ: دون الكفاية.
الطالب: نعم.
الشيخ: أيهما أشد حاجة؟
طالب: الفقير.
الشيخ: الفقير؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
كم يُعْطَى الفقير والمسكين؟
طالب: الفقير ().
الشيخ: إلى كم مدة؟
الطالب: إلى سنة.
الشيخ: إلى سنة، وكذلك المسكين؟
الطالب: وكذلك المسكين.
الشيخ: نعم، لماذا خصُّوها بسنة؟
طالب: لأن الزكاة يُعْطَى منها كل سنة.
الشيخ: سنويًّا.
الطالب: يُعْطَى كفايته إلى مدة سنة، وإذا جاءت السنة الجديدة يُعْطَى من الزكاة.
الشيخ: الجديدة؟
[ ١ / ٣٢٢٧ ]
الطالب: الجديدة.
الشيخ: تمام، طيب.
هل العاملون فيها هم الذين لهم حظٌّ من الزكاة أو العاملون عليها؟
طالب: الأول.
الشيخ: العاملون فيها؟
الطالب: لا، العاملون عليها.
الشيخ: العاملون عليها. ما الفرق؟
طالب: العاملون فيها هم المسؤولون الذين يتولون أمر الزكاة، ثم يعطونها العاملين عليها () من الفقراء والمحتاجين.
طالب آخر: العاملون فيها هم مَنْ يعملون في نفس مال الزكاة () الصدقة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما العاملون عليها جامعوها ومُحْصُوها للناس؛ يعني: ساعوها، الساعون لجمعها.
الشيخ: طيب، هذا الفرق في المعنى، و(على) تدل على أيش؟
طالب: العاملون فيها قد يكونون غير مستحقين للزكاة ويأخذون منها أجرة، أما العاملون عليها قد يكونون أغنياء ويستحقون من الزكاة.
الشيخ: والعاملون فيها أيضًا قد يكونون أغنياء ويُعْطَوْن من الزكاة لعملهم.
الطالب: يعطون منها كأجرة، ما هو من الزكاة، لكن العاملون عليها يأخذونها بُناءً على ..، لحاجة.
الشيخ: (بُناءً) هذه أيش لون لغة؟
الطالب: نعم، بِناءً على الحاجة إليهم، وليس لحاجتهم إلينا.
الشيخ: نعم.
طالب: بالمثال يتضح الفرق بينهما.
الشيخ: هو يتضح الفرق بالمثال.
الطالب: أن هذا عمل ولاية.
الشيخ: إي نعم، أحسنت، العاملون عليها ذو ولاية عليها؛ ولهذا عُدِّيَت بـ (على)، بخلاف العاملين فيها كالراعي والحالب وما أشبه ذلك فهذا ليس من أهل الزكاة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الرابع المؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم) (الرابع) يعني: من أهل الزكاة، (المؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم) (قُلُوبُ) هنا بالرفع على أنها نائب فاعل؛ إذ إن (مُؤَلَّف) اسم مفعول، واسم المفعول بمنزلة الفعل المبني للمجهول، والمراد بـ (المؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم) ما ذكره المؤلف في قوله: (ممن يُرْجَى إِسْلامُهُ، أَوْ كَفُّ شَرِّهِ، أَو يُرجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ).
[ ١ / ٣٢٢٨ ]
(المؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم) هو الذي يُطْلَب تأليف قلبه على هذه الأمور المذكورة؛ أولًا: إسلامه؛ بحيث يكون كافرًا، لكنه يُرْجَى إسلامه إذا أعطيناه من الزكاة، فنعطيه من الزكاة تأليفًا له على الإسلام؛ لأن هذا فيه حياة قلبه، وحياته في الدنيا والآخرة، فإذا كان الفقير يُعْطَى منها لإحياء بدنه، فإعطاء الكافر الذي يُرْجَى إسلامه من باب أولى.
وعُلِم من قوله (يُرْجَى إِسْلامُهُ) أن من لا يُرْجَى إسلامه من الكفار فإنه لا يُعْطَى أملًا في أن يُسْلِم، لا، لا بد أن يكون هناك قرائن توجِب لنا رجاءَ إسلامه، مثل أن نعرف أنه يميل إلى المسلمين، أو أنه يطلب كتبًا يقرأ بها عن الإسلام، أو ما أشبه ذلك، المهم لا بد أن نعرف أنه يريد الإسلام، ونرجو إسلامه، والرجاء لا يكون إلَّا على أساس؛ لأن الراجي للشيء بلا أساس إنما هو خيال في نفسه، فلا عبرة به.
(أو يُرْجَى كَفُّ شَرِّه) بأن يكون شريرًا يعتدي على المسلمين وعلى أعراضهم وعلى أموالهم، فنعطيه لِكَفِّ شَرِّه.
(أو يُرْجَى بعطيته قوةُ إيمانه) بحيث يكون الرجل ضعيف الإيمان، عنده تهاون في الصلاة، في الصدقة، الزكاة، في الحج، في الصيام، المهم أن الرجل نعرف أنه ضعيف الإيمان، ونرجو قوة إيمانه إذا أعطيناه من الزكاة، فهنا نعطيه من الزكاة.
وأُعِلَّ ما سبق من أنه إذا كان يُعْطَى لحفظ البدن وحياة البدن فحفظ الدين وحياته من باب أَوْلَى.
[ ١ / ٣٢٢٩ ]
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُشترط أن يكون سيدًا مُطاعًا في عشيرته، والمذهب أنه لا بد أن يكون سيدًا مُطاعًا في عشيرته؛ وذلك لأن النبي ﵌ حينما أَعْطَى المؤلَفَة قلوبهم إنما أعطى الكُبَرَاء والوُجهاء في عشائرهم وقبائلهم، ولم يُعطِ عامة الناس، ولأن الواحد من عامَّة الناس لا يضر المسلمين عدم إيمانه أو ضعف إيمانه، ولا يضر المسلمين شره؛ لأنه من الممكن أن نحبسه أو نضربه أو نقيم عليه الحد في أمر يُحَدُّ فيه، أو ما أشبه ذلك، بخلاف الوجهاء والكُبَرَاء فإنه قد يتعذر مثل ذلك في حقهم، فيُعْطَون من الزكاة لتأليف القلب.
وهذا ظاهر في بعض المسائل التي عدَّها المؤلف؛ وهي كَفُّ الشر مثلًا، فإن كَفَّ الشر إذا كان الشر من واحد غير ذي أهمية وليس مُطاعًا وليس سيدًا فإننا لا نحتاج أن نعطيه من الزكاة، نعطيه بدل الدرهم ضربة في ظهره حتى يتوب ويكف شره عن المسلمين.
أما قوة الإيمان ورجاء الإسلام، فالقول بأنه يُعْطَى من لم يكن سيدًا مُطاعًا في عشيرته لذلك قول قوي، والعلة فيه ما أشرنا إليه من أن حفظ الدين وإحياء القلب أَوْلَى من حفظ الصحة وإحياء البدن، فلهذا ما ذكره المؤلف من المسائل منها ما يمكن دَفْعُه بدون إعطائه من الزكاة؛ كفرد واحد شرير، فهنا يمكن أن ندفع شره بتأديبه وعقوبته، بخلاف قوة الإيمان ورجاء الإسلام.
وقول المؤلف: (مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلامُهُ) إلى آخره، إذا قال قائل: ماذا نعطيه؟ هل نعطيه قليلًا أو كثيرًا؟
فيقال: الحكم المعلَّق بوصف يثبت ما دام الوصف باقيًا، فنعطيه من الزكاة ما يتحقق تأليفه به؛ فإذا مال إلى الإسلام -مثلًا- وعرفنا منه قوة الإيمان، أو كف شره إذا كان من السادة المطاعين في عشائرهم، فإننا لا نعطيه؛ لأن ما عُلِّقَ بوصف يثبت بثبوته، ويزول بزواله.
وهنا هل يُعْطَى هؤلاء لحاجتهم، أو للحاجة إليهم؟
طالب: الثاني.
[ ١ / ٣٢٣٠ ]
الشيخ: لا الثاني ولا الأول؛ منهم من يُعْطَى لحاجته، ومنهم من يُعْطَى لحاجة المسلمين إليه، فمن يُعْطَى لكفِّ الشر، هذا ليس لحاجته، بل لاحتياجنا إلى دَفْع شره، ومن يُعْطَى لقوة إيمانه أو رجاء إسلامه، يُعْطَى لحاجته، لكن ليست الحاجة حاجة النفقة والمال، بل حاجة أخرى.
(الخَامِسُ الرِّقَاب) لقول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، وما هي الرقاب؟ الرقاب جمع (رقبة)، والمراد بها: الأرِّقاء، فتُصرَف الزكاة في الأرِّقاء، ولكن كيف ذلك؟ هل معناه أننا نعطي الرقيق مالًا؟ لا، معناه ما ذكره المؤلف قال: (وَهُمْ المكَاتَبُونَ)، المكاتَبون: هم الذين اشتروا أنفسهم من ساداتهم، مكاتَب؛ أي: قد اشترى نفسَه من سيده، وهو مأخوذ من الكتابة؛ لأن هذا العقد تقع فيه الكتابة بين السيد وبين العبد، فكم يُعْطَى؟ يُعطى ما يحصُل به الوفاء.
مثال ذلك: اشترى عبدٌ نفسَه من سيده بعشرة آلاف؛ خمسة بعد ستة أشهر، وخمسة بعد ستة أشهر أخرى، فهنا نعطيه خمسة آلاف للأَجَل الأول، وخمسة آلاف للأَجَل الثاني.
و(المكَاتَبون) يجوز أن نعطيه بيده فيُوفِيَ سيده، ويجوز أن نعطي سيده قضاءً عنه؛ لأن الله تعالى قال في الآية: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، (فِي) للظرفية، ولم يقل: وللرقاب، بخلاف الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، فإن هؤلاء يُعْطَون تمليكًا بأيديهم؛ لأن استحقاقهم كان بـ (اللام)، واللام للتمليك.
أما الرقاب فجاء استحقاقهم بـ (في) الدالَّة على الظرفية، ولا يُشترط فيها التمليك، فيجوز أن نذهب إلى السيد ونقول: قد كاتبتَ عبدَك على عشرة آلاف، هذه عشرة آلاف، وإن لم يعلم العبد، وحينئذٍ يَصْدُق أننا أدَّينا الزكاة في المكاتَبين.
قال المؤلف: (ويجوز أن يُفَك منها الأسيرُ المسلِمُ) الأسير (فعيل) بمعنى (مفعول)، كـ (جريح) بمعنى (مجروح)، فـ (أسير) بمعنى (مأسور).
[ ١ / ٣٢٣١ ]
والأسر تارة يكون بقتال؛ كما لو قاتَلْنا الكفار، فأسَرُوا مِنَّا مَنْ أسَرُوا، وتارة يكون باغتصاب، وهو ما يسمى بالعرف (الاختطاف)، فالمختَطَف أسير يُفَكُّ من الزكاة، ولكن المؤلف اشترط أن يكون مسلمًا، فأما لو أُسِرَ مُعاهَد أو ذِمِّي فإنه لا يجوز أن نُعْطِيَ من الزكاة في فَكِّه؛ لأن حرمته أدنى من حرمة المسلم فلا يُعْطَى منها.
وقوله: (يُفَكُّ منها الأسيرُ المسلِمُ) إذا قال قائل: هذا خلاف ظاهر الآية؛ لأن الرقبة في اللغة العربية، بل في المعنى الشرعي اسم للعبد الرقيق؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فكيف يُفَكُّ منها الأسير؟
الذين قالوا بجواز ذلك قالوا:
أولًا: أن في ذلك دَفْعًا لحاجته، كدَفْع حاجة الفقير.
وثانيًا: أنه إذا جاز أن يفك العبد من الرِق؛ رِق العبودية، فهذا نفكه أيضًا من شيء قد يكون أعظم من رق العبودية؛ وهو أنه معرض للقتل، لا سيما إن هدَّد الآسِر بقتله إن لم يُدفع إليه مال.
وقوله: (يُفَكُّ منها الأسيرُ المسلِمُ) مَنْ نعطي المال عند فك الأسر؟ نعطيه الآسرين.
إذن عندنا نوعان من الرقاب، الأول المكاتَب، والثاني الأسير المسلم.
بقي نوعان؛ أن نشتري من الزكاة رقيقًا فنُعْتِقَه، فهل يجوز؟
نقول: نعم، يجوز؛ لأنه داخل في عموم -هذا موجود في الروض المربع عندكم- لأن قوله: ﴿فِي الرِّقَابِ﴾ يشمل هذه الصورة، ولا سيما إذا كان هذا الرقيق عند سيدٍ يؤذيه، أو عند سيدٍ لا يُؤْمَن عليه فإنه يُشترَى من الزكاة ويُعْتَق.
بقي نوع رابع: أن يكون عند الإنسان عبدٌ فيُعتِقَه من الزكاة، فهذا لا يجزئ؛ لأن هذا بمنزلة إسقاط الدَّيْن عن الزكاة؛ يعني: بمنزلة أن يكون للإنسان دَيْن عند شخص فقير، فيسقِطَه عنه ويحسِبُه من الزكاة، فهذا لا يجوز.
فصار عندنا أربعة أنواع؛ المكاتَب، الأسير المسلم، رقيق يُشترى فيُعْتَق، هذه الثلاثة جائزة، الرابع: رقيق يُعتقه سيده فيحسِبُه من الزكاة، فهذا لا يجزئ.
[ ١ / ٣٢٣٢ ]
(السادس: الغَارِمُ لإصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ولو مع غِنًى، أو لِنَفْسِهِ مع الفَقْرِ)، الغارم ينقسم إلى قسمين، والغارم: من لحقه الغُرْم؛ وهو الضمان والإِلزام بالمال، وما أشبه ذلك، وهو نوعان؛ الأول: لإصلاح ذات البَيْن، والثاني: مستدين لنفسه.
فالأول يُعْطَى من الزكاة إذا كان غارمًا، يُعْطَى بمقدار ما غَرِم ولو كان غنيًّا.
وقوله: (لإصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) البَيْن هو الوَصْل، وقيل: القطيعة، فيكون من باب الأضداد، واللغة العربية غنية أحيانًا، وفقيرة أحيانًا.
متى تكون غنية؟ في الأسماء المترادفة بحيث يكون للمعنى عِدة ألفاظ، وتكون فقيرة في الألفاظ المشترَكَة؛ إذا كان اللفظ الواحد له عدة معانٍ هذا معناه أنه فقر؛ حيث توالت المعاني المتعددة على لفظ واحد.
فـ (البَيْن) يجوز أن يكون من البينونة، وهي الانفصال، ويكون الوَصْل يعني: القطع.
ولو مع غِنًى، أو لنفسِه مع الفَقْرِ، السابعُ: في سبيلِ اللهِ وهم الغُزاةُ الْمُتَطَوِّعَةُ الذين لا دِيوانَ لهم، الثامنُ ابنُ السبيلِ المسافِرُ الْمُنقطَعُ به دونَ المنشئِ للسفَرِ من بَلَدِه فيُعْطَى ما يُوَصِّلُه إلى بَلَدِه، ومَن كان ذا عِيالٍ أَخَذَ ما يَكفيهم، ويَجوزُ صَرْفُها إلى صِنْفٍ واحدٍ، ويُسَنُّ إلى أقاربِه الذين لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُهُم:
(فصلٌ)
ولا تُدْفَعُ إلى هاشميٍّ ومُطَّلِبِيٍّ ومَوالِيهِما، ولا إلى فقيرةٍ تحتَ غَنِيٍّ مُنْفِقٍ، ولا إلى فَرْعِه وأَصْلِه،
الشيخ: بمقدار ما غَرِمَ ولو كان غنيًّا.
وقوله: (لإصلاح ذات البَيْن)، البَيْن يعني: الوصل، البَيْن هو الوصل، وقيل: القطيعة، فيكون من باب الأضداد، واللغة العربية غنية أحيانًا، وفقيرة أحيانًا، متى تكون غنية؟ في الأسماء المترادفة؛ بحيث يكون للمعنى عدة ألفاظ، وتكون فقيرة في الألفاظ المشتركة، إذا كان اللفظ الواحد له عدة معانٍ، هذا معناه أنه فقرٌ؛ حيث توالت المعاني المتعددة على لفظ واحد.
[ ١ / ٣٢٣٣ ]
فالبَيْن: يجوز أن يكون من البَيْنونة، وهي الانفصال، ويكون الوصل يعني القطع، أي: إصلاح القطع، ويجوز أن يكون الوصل يعني إصلاح ذات الوصل أي ما تحتاج إلى وصل.
وعلى كل حال فإصلاح ذات البَيْن أن يكون بين جماعة وجماعة أخرى عداوة وبغضاء ربما تصل إلى فتنة كبيرة، فيأتي رجل من أهل الخير ويصلح بين القبيلتين، لكن قد لا يتمكن من الإصلاح إلا ببذل مال، فيقول: أنا ألتزم لكل واحد منكم بعشرة آلاف ريال وأصلِحوا ذات بينكم. فيوافقون على هذا، فيعطَى هذا الرجل من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، والمثال الذي ذكرنا يعطَى فيه كم؟
طالب: عشرة.
طالب آخر: عشرين.
الشيخ: عشرين، يُعطَى فيه عشرين؛ عشرة لهؤلاء وعشرة لهؤلاء، فإنْ وفَّى من ماله فإنه لا يُعطَى؛ لأنه إذا وفَّى من ماله لا يكون غارمًا؛ إذ إنه الآن ليس عليه دين إن بذل من ماله، ولكن ينبغي أن نُفَصِّل فنقول: إن دفع من ماله بنية الرجوع على الزكاة فإنه يُعطَى.
أما إذا دفع من ماله بنية التقرب بذلك إلى الله، أو دفع من ماله وليس على باله أن يرجع على مال الزكاة فهذا لا يُعطَى، فيكون على هذا يُعطَى الغارم لإصلاح ذات البَيْن إذا لم يوفِ ما غَرِم، وإذا أوفاه بنية الرجوع على مال الزكاة، عرفتم؟
أما الأول فظاهر؛ لأن ذمته مشغولة، وأما الثاني فلِئَلَّا نَسُد باب الإصلاح؛ لأن الحال قد تقتضي الدفع فورًا في الإصلاح بين القبيلتين، فإذا كانت قد تقتضي الدفع فورًا فماذا يصنع؟ إنْ أخَّر الدفع عاد الأمر كما كان، وإن دفع وقلنا: يَغْرَمُه، لما دفعه من ماله لا يُعطَى شيئًا صار في هذا سدٌّ لهذا الباب العظيم، الذي قال الله عنه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
فعلى هذا نقول: الغارم لإصلاح ذات البَيْن يُعطَى من الزكاة في حالَيْنِ، ولا يُعطَى من الزكاة في حالين.
[ ١ / ٣٢٣٤ ]
الحالان اللَّتان يُعطَى فيهما من الزكاة: إذا لم يدفع؛ فذمته هنا مشغولة، لا بد أن يفكها، والحالة الثانية؟
طلبة: إذا تحمل بنية الرجوع.
الشيخ: إذا دفع بنية الرجوع على مال الزكاة.
والحالان اللَّتان لا يُعطَى فيهما: إذا دفع من ماله بنية التقرب إلى الله، فهنا لا يُعطَى؛ لأنه دفعها لله فلا يرجع فيها. والثانية: إذا دفع.
طلبة: ().
الشيخ: من ماله ولم يكن على باله الرجوع فهنا أيضًا لا يرجع، لا يرجع على مال الزكاة.
قال المؤلف: (أو لنفسه ولو مع غنًى)، (ولو مع غنًى) يعني: أن الغارم لإصلاح ذات البَيْن يُعطَى (ولو مع غنًى) يعني: ولو كان غنيًّا؛ لأننا نعطيه هنا للحاجة إليه أو لحاجتهم؟
طالب: للحاجة إليه.
الشيخ: للحاجة إليه، ومن أُعطِيَ للحاجة إليه فإنه لا يُشترَط أن يكون فقيرًا.
قال: (أو لنفسه مع الفقر)، كيف (أو لنفسه)؟ يعني: أو الغارم لنفسه؛ لشيءٍ يَخُصُّه، فهنا نعطيه مع الفقر، والفقر هنا ليس كالفقر في الصنف الأول، الفقر هنا: العجز عن الوفاء ولو كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله لمدة سنة أو أكثر، فالفقر في كل موضع بحسبه، فالمراد بالفقر هنا أيش؟
طلبة: العجز.
الشيخ: العجز، أيش؟
طلبة: عن الوفاء.
الشيخ: عن الوفاء، حتى لو كان له ما يكفيه مؤونة ولكنه لا يستطيع أن يوفِي فإنه يُعطَى، فإذا قدَّرْنَا أن شخصًا عليه عشرة آلاف ريال، وراتِبُه ألفَا ريالٍ في الشهر، ومؤونته كل شهر ألفَا ريالٍ، فهل نوفي عنه العشرة آلاف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يا جماعة.
طلبة: نعم نعم.
الشيخ: راتبه أربعة وعشرون ألفًا في السنة.
طلبة: مصروف.
الشيخ: نعم.
طلبة: مصروفة ().
الشيخ: نقول: هو الآن فقير، بالنسبة للدَّيْن فقير، لا نعطيه من الزكاة لفقره؛ لأنه مستغنٍ براتبه، لكن هو من ناحية الدَّيْنِ فقير، عرفتم؟ إذن نقول: نعطيه من الزكاة لوفاء دَيْنِه.
[ ١ / ٣٢٣٥ ]
وهل يجوز أن نذهب إلى طالِبِه ونوفي عنه بدون عِلْمه؟ نعم يجوز؛ لأن هذا داخل بـ ﴿فِي﴾، والغارمين عطفًا على ﴿الرِّقَابِ﴾، والمعطوف على ما جُرَّ بحرف يُقَدَّر له ذلك الحرفُ، فالتقدير: (وفي الغارمين)، و(في) تدل على التمليك أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، التي تدل على التمليك هي اللام، فيجوز أن أذهب إلى من يطلبه وأقول: يا فلان، أنت تطلب فلانًا كذا وكذا، فهذه طلبتك.
فإن قال قائل: هل الأَوْلَى أن أُسَلِّم الغارم ليدفع للغريم؟ أو الأَوْلَى أن أذهب إلى الغريم وأُوفِي؟
فالجواب أن فيه تفصيلًا: إذا كان الغارم ثقة حريصًا على وفاء دَيْنِه، فالأفضل -بلا شك- أن أعطيَه هو ليتولى الوفاء عن نفسه؛ لِئَلَّا يخجل أمام الناس، ولِئَلَّا تظهر مِنَّتِي عليه، وإذا كان يُخشى أن يُفسِد الدراهم التي نعطيه لوفاء دينه فإننا لا نعطيه، بل نذهب إلى الغريم الذي يطلبه ونسدد دينه ()
طالب: الدليل يا شيخ على تخصيص الإصلاح يكون بين القبيلتين يكون أفضل بين الناس.
الشيخ: نعم؛ لأن الضرر في فساد ذات البَيْن بين قبيلتين أعظم بكثير من الضرر بين شخصين، واضح؟
طالب: شيخ، قول الشيخ المؤلف: (ولو مع غنى) هذه في الغارِم يا شيخ أو إعطائه، شيخ ما يكون هذا يقصد الرجل هو الذي يُعطَى لذاته ما هو عشان إنه يصلح بين الناس، أو لم يمكن أنه يصلح بين اثنين، يعطى؟
الشيخ: لا، هذا غارم، الغارم لإصلاح ذات البَيْن يُعطَى هو بنفسه.
الطالب: له المال ولَّا للقبيلتين؟
الشيخ: لا، له.
الطالب: ملك؟
الشيخ: له ملك.
الطالب: ما هو من أجل ().
الشيخ: ثم يعطيه القبيلتين.
الطالب: ولا يتملكه؟
الشيخ: لا، ما تملكه؛ لأنه لازم يعطي لهؤلاء.
الطالب: قول المؤلف يا شيخ: (ولو مع غنى) ما يدل على أنه يقصد أن الرجل بذاته هو الذي يأخذ المال له.
الشيخ: نعم.
الطالب: مو من أجل أنه يصلح، من أجل أن يصلح بين قبيلتين لكن ما هو أن يعطيهم ().
[ ١ / ٣٢٣٦ ]
الشيخ: المهم أنه يدفع للقبيلتين ما اتفق معهما عليه.
الطالب: والمال له.
الشيخ: إي، المال له، سواء قلنا له أو يروح على طول يعطيه إياهم، ما هو بمشكلة.
طالب: عفا الله عنك مثلًا الإنسان دفع لإصلاح البَيْن مالًا وتضرر لله بفعل بنية ..
الشيخ: يعني ما نقول مثلًا: إذا أنت الآن التزمت لهم، روح عطهم أنت، أنت غني، يعني لو قال: نعم أنا التزمت عشرة آلاف أعطوني من الزكاة، قلنا له: لا، أنت الآن غني، ما نعطيك، ما نقول هكذا.
الطالب: أقصد يا شيخ نقول: ().
الشيخ: (ولو كان مع غنًى) يعني: رجل غَنِيٌّ أصلح بين طائفتين على عشرة آلاف ريال وجاء () قال: أعطوني من الزكاة، قلنا: أنت غَنِيٌّ ما نعطيك.
الطالب: ما هو مستحق.
الشيخ: نقول: أنت غني ما نعطيك، المؤلف يقول: (ولو كان مع غنًى)، نَقْضِي دينه الذي التزم به للقبيلتين ولو مع غِنَى.
طالب: عفا الله عنك، إذا تضرر الدافع هو دفع بنية التقرب إلى الله تضرر من بعده، نعطيه ولَّا ما نعطيه؟
الشيخ: لا، معلوم نعطيه لفقره.
الطالب: لا من جهة يعني ().
الشيخ: لا، أنت تقول: لَمَّا دفع العشرة وليس عنده شيءٌ سواها فنعطيه لفقره.
طالب: شيخ من ناحية دفْعِ الشر يعني هل نقول مثلًا: إنه لو كان أولياء الأمور القائمون على بيت المال أنهم يعني فيهم شرٌّ، وأنهم إذا أُعطُوا من بيت المال أو أَخَذُوا هم لأنفسهم من بيت المال أن هذا يكون مشروعًا لهم لدفع شر أنفسهم؟
الشيخ: لا، يخسؤون، هذا لا يجعلونهم هم يدفعون الشر، لكن لو فرضنا إلى جنبك دولة تخشى منها وأردت تعطيهم دفعًا لشرهم ما في بأس، أعطهم حتى من الزكاة.
الطالب: لكن أولياء الأمور أنفسهم ما.
الشيخ: لا، أولياء الأمور ما لهم إلا ما يستحقون من بيت المال، أما الزكاة ما تحل لهم.
طالب: أحسن الله إليكم، هل تُعطَى لترك معصية؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: لترغيب ترك معصية؟ كموظف في بنك، أو دخان؟ أو ترغيب في صلاة جماعة؟
[ ١ / ٣٢٣٧ ]
الشيخ: إي، لا ما يعطى هذا ()
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم.
الثامن: ابن السبيل المسافر المنقطع به دون الْمُنْشِئ للسفر من بلده، فيُعطَى ما يوصله إلى بلده.
ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم، ويجوز صرفُها إلى صنف واحد، ويُسَنُّ إلى أقاربه الذين لا تلزمُه مؤونتُهم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف موسى بن سالم الْحَجَّاوي في زاد المستقنع باختصار المقنع، قال في باب أهل الزكاة:
(السابع) أي: من أهل الزكاة الذين فرض الله لهم الزكاة في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].
(السابع: في سبيل الله) والسبيل: هي الطريق، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
والسبيل أُضِيفَ إلى الله وأُضِيفَ إلى المؤمنين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] إلى قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فكيف التوفيق بين الإضافتين؟
[ ١ / ٣٢٣٨ ]
الجواب على ذلك: أن التوفيق بين الإضافتين هو أن إضافته إلى الله لأنه مُوصِلٌ إلى الله، مَن سلك هذا السبيل وصل إلى الله؛ ولأن الله هو الذي وضعه لعباده، فهو منه ابتداءً وإليه انتهاءً، أما إضافته إلى المؤمنين؛ فلأنه طريقهم الذي يسلكونه، فبذلك يتبين أنه لا تنافي بين الإضافتين.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، مَن في سبيل الله؟ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (هم الغزاة) جمع غازٍ، هذا واحد، (المتطوعة) بخلاف غير المتطوعين.
الشرط الثالث: (الذين لا ديوان لهم)، يعني: ليس لهم نصيب من بيت المال على غزوهم، فهم متبرعون بالغزو، هؤلاء هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فجعل المؤلف هذه الظرفية جعلها للمقاتل، لا لنفس الطريق.
فكأن الآية معناها على كلام المؤلف: والغازين في سبيل الله. فخص المؤلف ﵀ (في سبيل الله) بالغزاة الذين ليس لهم ديوان، أي ليس لهم شيء من بيت المال يُعْطَوْن إياه على غزوهم، وهذا تخصيص من وجهين:
الوجه الأول: أنه جعل (في سبيل الله) الجهاد فقط.
والثاني: أنه جعله للمجاهدين فقط.
والثالث: أنهم المجاهدون المتطوعة الذين لا ديوان لهم.
ثلاثة شروط، فأما تخصيصه بالجهاد في سبيل الله فلا شك فيه، خلافًا لمن قال: إن المراد في سبيل الله كل عمل بِرٍّ وخير، فهو على هذا التفسير: كل ما أُرِيدَ به وجهُ الله، فيشمل: بناء المساجد، إصلاح الطرق، بناء المدارس، طبْع الكتب، وغير ذلك مما يقرب إلى الله ﷿؛ لأن ما يوصل إلى الله من أعمال البر لا حصر له، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا لو فسرنا الآية بهذا المعنى لم يكن للحصر فائدة إطلاقًا، ما هو الحصر؟ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ لكذا وكذا، معناه: لا فائدة للحصر، والصواب أنها خاصة في الجهاد في سبيل الله.
[ ١ / ٣٢٣٩ ]
وأما قول المؤلف: (إنهم الغزاة) وتخصيصه بالغزاة ففيه نظر، والصواب أنه يشمل الغزاة وأسلحة الغزاة وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله، حتى الْأَدِلَّاء الذين يُدِلُّوننا على مواقع الجهاد لهم نصيب من الزكاة، وبناءً على هذا يقع السؤال الآتي: هل يجوز أن يُشترَى من الزكاة أسلحةٌ للقتال في سبيل الله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: على رأي المؤلف؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا؛ لأنها إنما تُعطَى للمجاهد، وعلى القول الصحيح: يجوز أن يُشترَى منها أسلحةٌ يقاتَل بها في سبيل الله، لا سيما وأن العطف معطوف على مجرور بـ (في) الدالة على الظرفية دون التمليك، بل هي نفسها مجرورة بـ (في) ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وعلى هذا فيكون القول الراجح أن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعُمُّ الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح وغيره.
أما قول المؤلف: (المتطوعة الذين لا ديوان لهم) فظاهر كلامه أنَّ مَن لهم ديوان لا يُعطَوْن من الزكاة، وهذا حق إذا كان العطاء يكفيهم، وأما إذا كان لا يكفيهم فيُعطَوْن من الزكاة ما يكفيهم.
بل لو قال قائل: إنهم يُعطَوْن من الزكاة مطلقًا لكان له وجه، ولكن وجه ما قاله المؤلف ﵀ أنهم إذا كانوا يُعطَوْن من مال المسلمين على جهادهم فلا حاجة أن نعطيَهم من الزكاة؛ لأنهم مُستَغْنون بما يُعطَوْن من بيت المال عن الزكاة.
يقول المؤلف ﵀: (الثامن) الثامن من أهل الزكاة: (ابن السبيل)، ما هو السبيل؟
طلبة: ().
الشيخ: الطريق، وما معنى ابن السبيل؟
طالب: المسافر.
الشيخ: ابن السبيل يعني المسافر، وسُمِّيَ ابنَ سبيل لأنه مُلازِم للطريق، والملازم للشيء قد يضاف إلى الشيء بوصف البُنُوَّة، كما يقولون: ابنُ الماءِ، لِطَيْرِ الماء، فعلى هذا يكون المراد بابن السبيل: المسافر الملازم للسفر.
وابن السبيل هل يُعطَى لسفره، أو يُعطَى لحاجته؟
طالب: لسفره.
طالب آخر: لحاجته.
[ ١ / ٣٢٤٠ ]
الشيخ: إن قلت إنه يُعطَى لحاجته أورد عليك مُورِد بأنه إذا كان يُعطَى لحاجته فهو من الفقراء، فيقال: ويُعطَى لحاجته، لكنه ليس شرطًا ألَّا يكونَ عنده مال، أما الفقير فيشترط ألَّا يكون عنده مال؛ ولهذا نقول: إن ابن السبيل نعطيه ولو كان في بلده من أغنى الناس.
إذا انقطع به السفر نعطيه ما يُوصِلُه إلى سفره ولو كان غنيًّا؛ لأنه في هذه الحال محتاج، لا يقال: أنت غني، استقرِضْ، أي واحد تقول: أقرضني، يُقرِضك. لا يلزمه، لا يلزم أن نقول له هذا، يُعطَى ما يُوصِلُه إلى بلده، إذا كان الذي يوصله إلى بلده يختلف: درجة أولى، ودرجة سياحية، ماذا نعطيه؟
طلبة: سياحية.
الشيخ: طيب، أو يُنظَر إلى حاله، قد يكون من الناس الذين إذا أُعطُوا من الدرجة السياحية صار فيه نوع غضاضة عليه وإهانة له، فيقول: أنا مَن أنا تعطيني درجة سياحية مع العمال والفقراء! أعطني درجة أولى، أو أولى الأُولى أيضًا. هي أظن أفقية، في واحدة فوق الأولى.
طلبة: ممتازة.
الشيخ: طيب، المهم، هل نعطيه تذكرةَ مثلِهِ بصفته غنيًّا؟ أم نعطيه تذكرةَ المحتاجِ؟
طلبة: محتاج.
طلبة آخرون: ().
الشيخ: محل تردد الحقيقة، لكن يرجح أنه إذا كان هذا ينقُص من قَدْرِه -إذا أعطيناه درجة المحتاج- فإننا نعطيه ما لا ينقُص به قدْرُه.
لكن (المسافر المنقطع به) يعني: المنقطع به السفر، وهو الذي نفدت نفقتُه، ليس معه ما يوصله إلى بلده، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين كون السفر طويلًا أو قصيرًا؛ لأنه قال: (المسافر) وأَطْلَق، ولم يقل: سفر قصْرٍ.
وظاهر كلامه أيضًا أنه لا فرق بين المسافر سفرًا محرمًا، أو سفرًا غير محرم؛ لأنه أطْلَق.
أما الأول: فنعم، وهو أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير.
فإن قال قائل: السفر القصير يمكنه أن يمشي على قدميه، ويصل؟
قلنا: لكن قد يكون وَعِرًا، في جبالٍ وأودية، وقد يكون مَخُوفًا يحتاج إلى رُفقة، فهو محتاج إلى نفقة توصله إلى بلده.
[ ١ / ٣٢٤١ ]
وأما الثاني: -وهو أنه محرم أو غير محرم- فقد قال به بعض العلماء: إنه وإن كان سفره محرمًا يُعطَى، ولكن الصحيح أنه لا يُعطَى إلَّا إذا تاب، إذا تاب أعطيناه، وهو سهل؛ أن نقول له: تب إلى الله ونعطيك. فيستفيد بهذا فائدتين: الفائدة الأولى؟
طلبة: التوبة.
الشيخ: التوبة، والثانية: قضاء حاجته.
وقول المؤلف: (يُعطَى ما يوصله إلى بلده)، ظاهر كلامه أنه يُعطَى ما يوصله إلى غايةِ سفرِه، ثم رجوعِه، يعطى ما يوصله إلى غاية السفر ثم الرجوع، فإذا قدَّرْنا أنه رجل يريد أن يحج وهو من أهل القَصِيم عن طريق المدينة، وفي المدينة ضاعت نفقتُه، فهل نقول: الآن لا نعطيك من الزكاة إلَّا ما يردُّك إلى القصيم، أو نعطيه ما يوصله غاية مقصوده ثم يُرَجِّعُه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني هو المقصود؛ لأنه يَفُوت به غرَضُه إذا قلنا: ارجع.
فإن كان في رجوعه ()
إذن كلام المؤلف يشمل القصيرَ والطويلَ، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني على ظاهره: المحرم وغير المحرم، نقول: هكذا أيضًا قال بعض العلماء، وقالوا: إن السفر تثبُت به الرُّخَصُ ولو كان محرمًا، حتى إن له القصرَ والمسحَ ثلاثة أيام على الْخُفِّ، ولكن المذهب -وهو أصح خصوصًا في مسألة الزكاة- أن نقول له: تب ثم نعطيك. والأمر سهل، هذا خير له.
قال: (دون الْمُنْشِئ للسفر من بلده)؛ لأن المنشئ للسفر من بلده لا يَصْدُق عليه أنه ابنُ سبيل، لو قال: أنا محتاج أن أسافر إلى المدينة، وليس معه فلوس، فإننا لا نعطيه، لماذا؟ لا نعطيه بوصفه ابنَ سبيل؛ لأنه لا يصْدُق عليه أنه ابن سبيل، لكن إذا كان سفرُه إلى المدينة مُلِحًّا ضروريًّا وليس معه ما يسافر به فإنه يُعطَى من جهة أخرى، ما هي؟
طلبة: الفقر.
الشيخ: الفقر، يُعطَى لفقره.
[ ١ / ٣٢٤٢ ]
قال المؤلف: (فيُعطَى ما يوصله إلى بلده. ومن كان ذا عيالٍ أخذ ما يكفيهم)، إذا كان له عيالٌ فإنه يأخذ ما يكفيهم ولو دراهم كثيرة، فلو فرضنا أنه ذو عائلة كثيرة، وأن المعيشة غالية، وأنه يحتاج إلى مائة ألف في السنة فهل نعطيه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعطيه مائة ألف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، نعطيه مائة ألف؛ وذلك لأن عائلته لازِمَةٌ له، لو قلنا له: نحن نعطيك أنت والعائلة رزقُها على الله، يقول: لا، أنا عائلتي لا بد أُنفِق عليهم. فيُعطَى ما يكفيه ويكفي عياله.
قوله: (ذا عيال) مأخوذة من العَيْلَة؛ أي لأن العيال فقراء بالنسبة لمن يَعُولهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨].
(ويجوز صرفُها إلى صِنفٍ واحد)، يجوز صرفها إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وهذه المسألة مسألة خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء مَن يقول: يجب تعميمُ الأصنافِ في الزكاة، فمَنْ زكاتُه ثمانون درهمًا يجب أن يعطِي كل واحد.
طلبة: عشرة عشرة.
[ ١ / ٣٢٤٣ ]
الشيخ: عشرة عشرة، أو مثلًا ثمانية واثني عشر، أو ما أشبه ذلك، المهم لا بد أن تعم الأصناف؛ لأن هؤلاء الأصناف ذُكِرُوا بالواو الدالَّة على الاشتراك، وكما أن الغنيمة تُعطَى جميعَ الأصنافِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، يجب في الغنائم تعميمُ هؤلاء الأصناف، وقد ذكر أهل العلم أن الغنيمة تُقسم خمسةَ أسهمٍ: أربعة للغانمين، والسهم الخامس يُقسم على خمسة أسهم: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وهذا واحد، ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، قالوا: فكما يجب التعميمُ في آية الغنائم يجب التعميمُ في آية؟
طلبة: الزكاة.
الشيخ: الزكاة، وكما لو قلت: هذا المال لزيد وعمرو وبكر وخالد، أو: هذا المال لطلبة العلم والعُبَّاد والمجاهدين، يكون للجميع، فهذا أيضًا مثله، ولا شك أن هذا القول قوي، ولكن إذا وُجِد ما يُخرِجه عن هذا المدلول وجب الأخذُ بما يدل على إخراجه من هذا المدلول، وقد جاءت أدلة تدل على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، والصدقات هنا تشمل:
طالب: التطوع.
[ ١ / ٣٢٤٤ ]
الشيخ: الزكاة والتطوع، وقد ذكر الله الزكاة بلفظ الصدقات: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]، ولقول النبي -﵌- حين بعث معاذًا إلى اليمن: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» (١)، صنف واحد؛ ولأن الرسول -﵊- قال لقبيصة: «أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» (٢).
فهذه أدلة تدل على أن المراد بالآية بيان المستحقين، لا تعميم المستحقين، بيانهم، بيان مَن يستحق الزكاة، لا أن المراد بها التعميم، ومعلوم أن الشريعة يُبَيِّن بعضها بعضًا، وما بينته الشريعة أولى من القياس، لا شك.
قال: (يجوز إلى صنف واحد)، وإذا جاز إلى صنف واحد هل يجب أن يُعطَى من هذا الصنف ثلاثة فأكثر؛ لأن الآية بصيغة الجمع: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ هل يجب أن نعمم؟ أو نقول: إن هذا بيان للمستحقين، فيَصْدُق بالواحد؟ الجواب؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ بدليل حديث قبيصة: «فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا».
فصار الآن في المسألة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز الاقتصار على واحد من صنف واحد، وهذا أخص ما يكون من الأقوال.
الثاني: يجوز الاقتصار على صنف واحد بشرط أن يكون جماعة.
الثالث: يجب تعميم الأصناف، ولو على واحد.
والرابع: يجب تعميم الأصناف: كل صنف على جماعة، ثلاثة فأكثر.
[ ١ / ٣٢٤٥ ]
وبهذا التقرير وبغيره وبما مر علينا في الدرس البارحة يتبين كيف قسَّم اللهُ ﷿ الأفهام والعلوم بين عباده؛ لأن هذه الاختلافات ليست عن سوء قصد وعن هوى؛ إذ إن المخالفة فيها من جهابذة العلماء وأمناء العلماء، ولكنها إمَّا عن نقص في العلم أو قُصور في الفهم، والله يؤتي فضله من يشاء.
(ويجوز إلى صنف واحد)، وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد ولو كان غريمه، لو كان غريمًا له، مثل أن يكون لك غريم تطلبه دراهم وهو فقير فتعطيه، كذا؟ يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، رجل يطلب شخصًا دراهم، ألف ريال، وهذا الشخص فقير، فأعطاه الطالبُ من زكاته، أيجوز أم لا؟
طلبة: ().
الشيخ: هذا اللي قلته.
طالب: تفصيل.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: هل هذا الرجل يصْدُق عليه أنه فقير؟ طيب، إذن الحكم عُلِّقَ بهذا الوصف؛ بالفقر، أَعْطِه. هل يجوز أن يعطيه لقضاء الدين؟
طالب: لا يجوز.
طالب آخر: نعم يجوز.
الشيخ: لقضاء الدين؟
طلبة: ().
الشيخ: طيب أنا أقول لكم، خَلُّونا نبحث في الآية، الآية أمامنا: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، فهل هو غارم؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لنفسه هو غارم.
الشيخ: إي، غارم لنفسه، فقير ما يقدر يوفي، هل هو غارم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب ما الذي يُخرِجه من الوصف؟
طالب: لأن الدَّيْن له.
الشيخ: طيب، أنا أعطيته، ما قلت: خذ، هذه ألف ريال من الزكاة أوفني بها، لو قلت هكذا ما يجوز، قلت: هذه ألف ريال؛ لأنه مدين، قد يصرفها في ديني أو في دين غيري، ما هو على كل حال يصرفها في ديني، وقد يكون فقيرًا ولا يصرفها في الغرم؛ لأن أنا ما قلت: خذ هذه لغرمك، هو فقير مستحق بالفقر ومستحق بالغرم، فأعطيته الزكاة ولم أشترط عليه أن يردها لي، هذا جائز، فلو ردها عليَّ هل يجوز لي قبولها؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأنه مَلَكَها.
[ ١ / ٣٢٤٦ ]
مسألة ثانية قريبة من هذا: لو كان هذا الذي أطلبه لو كان فقيرًا وأنا عليَّ زكاة ألف ريال وأطلبه ألف ريال، فقلت له: أسقطت عنك ألف ريال من زكاتي؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز، فإبراء الغريم من الزكاة لا يجوز؛ لأن الزكاة أخْذٌ وإعطاء، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (١)؛ ولأن العين أغلى وأنفس من الدَّيْن، أليس كذلك؟ العين اللي بصندوقك في مُتَّجَرِك لا شك أنها أرفع من الدَّين الذي في ذمم الناس، قد يأتي وقد لا يأتي، فإذا أسقطت الدَّيْن عن العين فهذا من باب تيمم الخبيث لينفق منه، الخبيث يعني؟
طالب: رد الدَّيْن.
الشيخ: الرديء، فلا يجوز؛ ولهذا إبراء الغريم لا يجوز، وإعطاء الغريم يجوز.
قال: (ويُسَنُّ في أقاربه الذين لا تلزمه مَؤُونتُهم)، (يسن): أي صَرْفُ الزكاة (في أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم) مثل: أخيه، عمه، خاله، ابن أخيه، وما أشبه ذلك، يُسَنُّ أن يصرفها لهم، لكن متى؟ إذا كانوا من أهل الزكاة.
إذا كانوا من أهل الزكاة فإن السنة والأفضل أن تصرف زكاتك فيهم؛ لقول النبي ﵌: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (٣) تجمع بين أمرين، لكن اشترط المؤلف: (ألَّا تلزمه مؤونتهم)، أي: لا يلزمه الإنفاقُ عليهم، فإن لزمه الإنفاق عليهم فلا تُجْزِئ؛ لماذا؟ لأنه يدفع عن ماله ضررًا؛ لأنه إذا أعطاهم زكاته واغتنَوْا بها سقطت عنه؟
طلبة: نفقتهم.
الشيخ: نفقتهم، فصار ببذله الزكاة مُسْقِطًا لواجبٍ عليه، والقاعدة: أنه لا يجوز أن يُسْقِط الإنسان بزكاته واجبًا عليه، ولا بكفارته أيضًا، لا يجوز أن يُسْقِط الإنسان واجبًا عليه لا في زكاته ولا في كفارته.
[ ١ / ٣٢٤٧ ]
الزكاة عرفتموها، هؤلاء إخوتي فقراء وأنا غني، وتلزمني نفقتُهم حسب الشروط التي قرأناها في النفقات، وعندي زكاة إذا أعطيتهم إياها كَفَتْهُم لمدة سنة أو نصف سنة أو أقل أو أكثر، فهل يجوز أن أعطيهم إياها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنهم إذا اغتَنْوا بها؟
طالب: سقط.
الشيخ: سقط الواجب عني، فأسقطت بها واجبًا عليَّ.
ومثال الكفارة: عليَّ كفارة إطعام عشرة مساكين، يجوز أن أُغَدِّيَهم من الكفارة؟
طالب: لا.
طالب آخر: ما يجوز.
الشيخ: لا، الصحيح يجوز، يجوز أن أغديهم، يجوز أن أعشيهم، فهؤلاء الفقراء نزلوا ضيفًا عليَّ، والضيف يجب إكرامُه، يجب إكرامه بغدائه وعشائه يومه وليلته، فغَدَّيْتُ هؤلاء ونويتها كفارة، يجزئ ولَّا لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: كيف تقولون قبل قليل: يجزئ، والآن تقولون: ما يجزئ؟
طالب: ().
الشيخ: لأنني بهذا الإطعام أيش؟
طلبة: أسقَطْتُ واجبًا.
الشيخ: أسقطت واجبًا عليَّ؛ لأنه يجب عليَّ أن أضيفهم بغداء وعشاء، وبكل ما يلزم في ضيافتهم، فإذا غديتهم وعشيتهم ونويته عن كفارة عليَّ فقد أسقطت واجبًا عليَّ من كفارتي، أو أسقطت بكفارتي واجبًا عليَّ، وهذا لا يجوز.
وهذه قاعدة نافعة: أن الزكاة والكفارات لا تجزئ في إسقاط واجب على المزكِّي أو الْمُكَفِّر.
إذا كان أبُو الإنسانِ فقيرًا، وعنده زكاة عند الابن، هل يجوز أن يصرفها لأبيه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: أعوذ بالله، الأب ما هو من الأقارب؟
طلبة: بلى من الأقارب.
الشيخ: طيب، المؤلف يقول: (أقاربه).
طلبة: بس تلزمه نفقته ().
الشيخ: قيَّدها، بماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: (الذين لا تلزمه مؤونتهم)، أنا ما تلزمني مؤونة أبي؛ لأن الذي عندي لا يكفيني أنا وزوجتي، يالله -كما يقول أهل الحجاز وأظن أهل مصر- يالله يا دوب يكفيني أنا وزوجتي، نعم؟
طلبة: ما عليه زكاة.
الشيخ: هل يجب عليَّ الإنفاق على أبي في هذه الحال؟
طلبة: لا يجب.
[ ١ / ٣٢٤٨ ]
الشيخ: لا يجب، إذن يجوز أن أعطيه من زكاتي؛ لأني في هذه الحال لا أُسْقِط بها واجبًا عليَّ، وزكاتي الآن ستذهب: إمَّا إلى والدي وإمَّا إلى غيره، فهل من الأَوْلى عقلًا فضلًا عن الشرع أن أعطي ابن الناس يتمتع بزكاتي ويدفع حاجته وأترك أبي يتضور من الجوع؟ نعم؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، وأنا ما أستطيع أن أُنْفِق عليه، لا أستطيع أن أنفق على والدي، ففي هذه الحال يجزئ أن أعطي والدي من زكاتي، وربما يؤخذ من قول المؤلف: (الذين لا تلزمه مؤونتهم)؛ لأن مِن شرطِ وجوب النفقة -حتى عند المؤلف ومن قال بقوله من الأصحاب- غِنَى الْمُنْفِق، وهنا المنفق غير غني؛ لأنه لا يجد ما ينفق على هؤلاء به.
طالب: المال الزكوي يُخرِجه نفقة () لكن ما عنده شيء، كيف يتصور؟
الشيخ: كيف ما يتصور؟ إذا كان ما عنده إلا خمس مئة ريال مثلًا، حال عليها الحول لكنه يحتاجها لنفقته هو وزوجته، أو أنثى مثلًا عندها حُلِي، محتاجة لبقائه عليها، لا يمكن أن تبيعه، وفيه الزكاة، وليس عندها إلا مقدار زكاة الحلي، مسألة متصورة وقريبة، ما هي شيء من الفَرْضِيَّات، ليست من الأمور الفَرْضِيَّة، فالقاعدة الآن القاعدة التي ستنفعكم: ألَّا يُسْقِط بالزكاة؟
طلبة: واجبًا.
الشيخ: واجبًا عليه، هذه القاعدة هي النافعة، هذه طَبِّقْها حتى على الأخ وعلى العم إذا وجبَتْ نفقتُهما لا تعطيهما من الزكاة.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ﷺ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
فصل
[ ١ / ٣٢٤٩ ]
ولا تُدْفَع إلى هاشمي ومُطَّلِبِيٍّ ومواليهما، ولا إلى فقيرة تحت غَنِيٍّ مُنْفِق، ولا إلى فرْعِه وأصله، ولا إلى عَبْدٍ وزوجٍ، وإن أعطاها لِمَنْ ظنَّه غيرَ أهلٍ فبان أهلًا، أو بالعكس لم يُجْزِه إلا لِغَنِيٍّ ظنه فقيرًا، وصدقةُ التطوعِ مستحبةٌ، وفي رمضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ، وتُسَنُّ بالفاضل عن كفايته ومَن يَمُونُه، ويَأْثَمُ بما يَنْقُصُها).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل متطوع يجاهد في سبيل الله، هل له من الزكاة شيء؟
طالب: المذهب، يُشترط أنه يكون لا يأخذ من الديوان شيئًا.
الشيخ: إي نعم، أنا قلت: رجل غاز متطوع هل له من الزكاة شيء؟
طالب: المذهب ليس له زكاة، والصحيح أنَّ له.
الشيخ: كيف؟ غازٍ متطوع، يعني ما له من الديوان شيء!
الطالب: له يا شيخ.
الشيخ: له؟
الطالب: له.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: قول الله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠].
الشيخ: نعم، هل يُصرَف من الزكاة في شراء أسلحة للجهاد في سبيل الله؟
طالب: نعم، على القول الراجح.
الشيخ: نعم، على القول الراجح، والمذهب: لا، ما الذي جعل هذا القول راجحًا؟
الطالب: أن الجهاد في سبيل الله يتضمن ..
الشيخ: أن شراء الأسلحة.
الطالب: أن شراء الأسلحة () في الجهاد في سبيل الله.
الشيخ: نعم، تمام. مَن هو ابن السبيل؟
طالب: هو المسافر المنقطع به السبيل.
الشيخ: ولماذا سُمِّي ابنَ سبيل؟ لأن السبيل لم تلده؟
الطالب: إي نعم، العرب تُطْلِق () إذا كان ملازمًا له.
الشيخ: أحسنت، العرب تُطلق الابن على ما لَازَم غيره، كابن مثل؟
الطالب: ابن الماء.
الشيخ: ابن الماء لطير الماء.
رجل أراد أن يُنْشِئ سفرًا من بلده، هل يُعطَى من الزكاة؟
طالب: لا يُعطَى.
الشيخ: لا يعطى؟
الطالب: لأنه لا يُسمَّى مسافرًا.
[ ١ / ٣٢٥٠ ]
الشيخ: ولا فيه تفصيل؟ جاءك سؤال بهذا: رجل أراد أن يُنشِئ سفرًا من بلده، فهل يُعطَى من الزكاة؟
الطالب: قلتم يا شيخ: لا يُعطَى.
الشيخ: ما قلنا، قاله خالد.
طالب: حفظكم الله، أولًا: لا بد أن يكون فقيرًا، الثاني: أن لا بد تكون حاجته ضرورية فيُعطَى من باب الفقر.
الشيخ: إن أُعطِيَ للفقر فلا بأس، إن أعطي لكونه ابن سبيل؟
طلبة: فلا.
الشيخ: فلا، إذن.
الطالب: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، طيب، لكن خالدًا يريد أنه لا يُعطَى بصفته؟
طالب: مسافرًا.
الشيخ: ابن سبيل؛ بدليل تعليله، لكن إذا جاءنا سؤال من عامِّيٍّ يقول: هل نعطي شخصًا يريد أن ينشئ السفر من بلده إلى بلد آخر؟ لا بد أن نُفَصِّل.
رجل يكفيه ما يمونه في السنة عشرة آلاف، لكنه ذو عيال ولا يكفيه إلا عشرون ألفًا، فهل نعطيه عشرين ألفًا؟ أو عشرة فقط؟
طالب: نعطيه عشرة يا شيخ، تكملة النفقة.
الشيخ: ولا نعطيه عشرين ألف، فتبقى عائلته جائعة ميتة من الجوع!
الطالب: لا يا شيخ؛ لأن عنده بعض () عشرة آلاف.
الشيخ: لا، رجل أعطيناه عشرة آلاف، تكفيه، وله عائلة، لكن مع عائلته لا يكفيه إلا عشرون ألفًا، فهل نعطيه عشرين ألفًا؟
الطالب: نعم، يُعطَى عشرة.
الشيخ: يعني يُعطَى كفايته وكفاية عائلته؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، ما تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
يقول المؤلف: (إنه يُسَنُّ صرْفُ الزكاة إلى أقاربه)، فهل هذا على عمومه؟
طالب: لا، ليس على عمومه.
الشيخ: ها؟
الطالب: يُستثنَى مِن ذلك مَن يمون.
الشيخ: يُستثنَى مِن ذلك مَن يمون، فالذي يَمُونُهم لا يعطيهم من الزكاة، أو الذين تلزمه مؤونتُهم؟
الطالب: الذين تلزمه مؤونتُهم.
الشيخ: الذين تلزمه مؤونتُهم، طيب، لا الذين يَمُونُهم.
الطالب: ().
الشيخ: نعم؟ لماذا عَدَلْتَ عن الكلام الأول؟ قل.
طالب: أنا يا شيخ؟
الشيخ: إي.
الطالب: ما حضرت.
الشيخ: ما حضرت، نعم.
طالب: فيه شرطان، أن يكونوا من أهل الزكاة.
[ ١ / ٣٢٥١ ]
الشيخ: هم من أهل الزكاة، لكن هل نقول: هل العبارة: الذين لا تلزمه مؤونتُهم؟ أو: الذين يَمُونُهم؟
الطالب: أَعِدْ السؤال.
الشيخ: هل المراد أقاربه الذين لا يَمُونهم؟ أو الذين تلزمه مؤونتُهم؟
الطالب: تلزمه مؤونتُهم.
الشيخ: ما الفرق؟
الطالب: تلزمه مؤونتُهم واجب عليه أن ينفق عليهم.
الشيخ: يعني لا يجب أن ينفق عليهم؛ لأنه يقول: (الذين لا تلزمه).
الطالب: نعم.
الشيخ: اصبر، ها؟
طالب: الشرط ألَّا تلزمه مؤونتُهم.
الشيخ: أو ألَّا يَمُونهم؟ أيهما الشرط؟ ألَّا يَمُونهم؟ أو: ألَّا تلزمه مؤونتُهم؟
طالب: ألَّا تلزمه.
الشيخ: ما الفرق؟
الطالب: (ألَّا يمونهم)؛ يعني: قد يَمُونه وهو لا يجب عليه.
الشيخ: وفي حال كونه يمونُهم ولا تلزمه مؤونتُهم يجوز أن يعطيهم من الزكاة؟
الطالب: إن كان يمونهم استحبابًا أو ..
الشيخ: إي تطوعًا، ما دام ما تلزمه معناه تطوع.
الطالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، نعم، إي نعم.
طالب: بمعنى واحد.
الشيخ: بمعنى واحد؟
الطالب: هو () إذا طالب الذين.
الشيخ: هو ليس بمعنى واحد قطعًا، لكن بس ما الفرق؟ وهل ينبني على هذا الفرق حكمٌ أو لا؟
طالب: الذين لا تلزمه مؤونتُهم كالخال.
الشيخ: لا، ما نريد المثال، لكن لو فرضنا أنه يَمُون جماعة لا تلزمه مؤونتُهم، هل يعطيهم من الزكاة أو لا؟
الطالب: نعم يعطيهم.
الشيخ: يعطيهم؟
الطالب: إي.
الشيخ: جزمًا؟
الطالب: جزمًا يعطيهم.
الشيخ: إي، صحيح؟
طلبة: صحيح، نعم.
الشيخ: صحيح؛ لأنه لا تلزمه مؤونتُهم، يستطيع أن يطردهم، يقول: روحوا ما أُنفِق عليكم؛ ولأنه إذا أعطاهم من زكاته يدفع بذلك مِنَّتَه عليهم فيستغنُون عن؟
طالب: مؤونته.
الشيخ: عن مؤونته، إي نعم، وعبارة المؤلف واضحة، قال: (الذين لا تلزمه مؤونتُهم) ولم يقل: الذين لا يمونهم. وبينهما فرق، وأظن، ما أدري شرحنا هذا ولَّا لا؟
طالب: شرحناه.
الشيخ: طيب.
طالب: ().
[ ١ / ٣٢٥٢ ]
الشيخ: ثم قال المؤلف: (فصل) هذا الفصل يريد أن يبين فيه موانع الزكاة، أي موانع استحقاق مَن هو من أهل الزكاة لصرف الزكاة إليه، ما الذي يمنع الإنسانَ من إعطاء الزكاة وهو أهل لها؟ هذا هو المراد بهذا الفصل، يعني قد يكون الإنسان يتصف بوصف يستحق به الزكاة ولكنه لا يُعطَى لوجود المانع.
فهذا الفصل معقود لبيان موانع الزكاة، أي: الموانع التي تمنع الشخصَ من إعطائه الزكاة؛ وذلك لأن الأصل أن الأشياء لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها وانتفاء؟
طلبة: موانعها.
الشيخ: موانعها، فالقرابة مثلًا سبب من أسباب الإرث، وإذا وُجِدَ مانعٌ كاختلاف الدِّين امتنع الإرثُ، هكذا أيضًا الوصف الذي يستحق به الإنسان من الزكاة قد يوجد فيه مانع يمنع من إعطائه الزكاة، ذُكِر في هذا الفصل.
قال: (لا تُدفَع إلى هاشِمِيٍّ) أي ذرية هاشم؛ لأنهم من آلِ محمدٍ ﵊، وآلُ محمدٍ أشرفُ الناسِ نسبًا، ولِشرفهم لا يُعطَوْن من الزكاة لا احتقارًا لهم، بل إكرامًا لهم؛ لقول النبي ﵌ لعمه العباس حين سأله من الزكاة قال: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (٤)، فبَيَّنَ الرسولُ ﵊ الْحُكْمَ والعلة، الحكمُ: أنها؟
طالب: لا تحل.
الشيخ: لا تحل لهم. والعلة؟
طلبة: أوساخ الناس.
الشيخ: أنها أوساخ الناس، وهم أكملُ وأشرفُ من أن يتلقَّوْا أوساخ الناس. كيف؟ الدراهم أوساخ؟ الغنمُ -إذا كان زكاتُه زكاةَ غنم- أوساخٌ؟ الإبلُ أوساخٌ؟ التمرُ أوساخٌ؟ الْحَبُّ، البُرُّ أوساخ؟ لا، كيف كان هذا؟
نقول: لأن الزكاة تُطَهِّر، والطَّهُور يتسخ بما يُطَهِّرُه؛ ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، الآن إذا كان بين يديك إناء وسخ فغسلته بالماء صار الماء؟
طالب: وسخًا.
[ ١ / ٣٢٥٣ ]
الشيخ: يحمل هذه الأوساخ؛ فلهذا قال ﵊: «إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ»، فلا تَحِلُّ.
هاشم منزلتُه بالنسبة لرسول الله ﷺ الجدُّ أيش؟
طالب: الثاني.
الشيخ: ابن عبد الله، ابن عبد المطلب، ابن هاشم.
طالب: الرابع.
طالب آخر: الجد الثاني.
الشيخ: عبد الله هذا الأب، عبد المطلب هذا الجد، ابن هاشم.
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإن شئت قل: هو الأب الثالث لرسول الله ﵌، فلا تَحلُّ لآلِ هاشم أو لبني هاشم الزكاةُ، والدليلُ هذا الحديث.
واختلف العلماء ﵏: هل يصح أن تُدفعَ زكاةُ هاشِميٍّ لِهاشميٍّ؛ لقوله: «إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» أي: الناس الذين سواكم، أو لا؟
فمِن العلماء من يقول: إنه يصح أن تُدفعَ زكاة الهاشمي لهاشِميٍّ مثله؛ لأنهما في الشرف سواء، فإذا كانا سواءً فإنه لا يُعَدُّ مَثْلَبَة إذا أعطى زكاتَه نظيرُه، ولكن إذا نظرنا إلى عموم الأحاديث وجدنا أنه لا فرق بين أن تكون زكاة هاشمي أو غيره: «أَوْسَاخُ النَّاسِ»، والهاشميون:
طلبة: ناس.
الشيخ: من الناس، فلا تَحلُّ لهم، نعم لو فُرِض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين فزكاة الهاشميين أَوْلَى من زكاة غير الهاشميين لا شك.
وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يُعطَوْا من الزكاة إذا لم يكن خُمُسٌ؛ بأن لا يوجد خُمُسٌ أو وُجِد ومُنِعُوا منه.
ما الْخُمُس؟ الخمس: هو أن الغنائم تُقسَم خمسة أسهم، أربعةُ أسهم للغانِمين، وسهمٌ واحد يُقسَم خمسة أسهم أيضًا:
سهمٌ لله ورسوله يكون هذا في مصالِح المسلمين، وهو ما يُعرَف بالفَيْءِ أو بيت المال.
السهم الثاني: لذي القربى، مَنْ ذو القربى؟ هم قرابة الرسول ﵊، وهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ لأن بني المطلب يشاركون بني هاشم في الْخُمُس.
واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
[ ١ / ٣٢٥٤ ]
فإذا مُنِعُوا الْخُمُسَ أو لم يوجد خُمُس -كما هو الشأن في وقتنا هذا- فإنهم يُعطَوْن من الزكاة دفعًا أيش؟
طالب: ().
الشيخ: لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، ندَعُهم يموتون جوعا؟ ! أو نقول للناس: تصدقوا عليهم! فإذا قال الناس: لن نتصدق، فالحاصل أنَّهم إذا لم يكن خُمُسٌ فإنهم يُعطَوْن من الزكاة عند الضرورة، دفعًا للضرورة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح؛ أنه إذا لم يكن خُمُسٌ فلهم أن يأخذوا حاجتهم من الزكاة.
الصدقة -صدقة التطوع- هل تُدفع إلى بني هاشم؟ نعم، يأخذون من صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ ناس، فيُعطَوْن من صدقة التطوع، وبِهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين:
قِسْمٌ: لا تَحل لهم صدقةُ التطوعِ ولا الزكاةُ الواجبةُ، وهم شخصٌ واحدٌ، مَنْ؟ مُحَمَّدُ بنُ عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، هذا لا يأكل الصدقة الواجبة ولا التطوع، والبقية من بني هاشم يأكلون صدقة التطوع، ولا يأكلون الصدقة؟
طلبة: الواجبة.
الشيخ: الواجبة.
قال المؤلف ﵀: (ومُطَّلِبِيٍّ) الْمُطَّلِبِيُّون: المنتسبون إلى الْمُطَّلِب، والمطلب أخو هاشم، وأبوهما عبد مناف، وله أربعة أولاد -عبد مناف-: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس.
«بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (٥) كما قال النبي ﵌، هما في النُّصْرَة شيء واحد، حتى إن قريشًا لما حاصرت بني هاشم انضم إليهم بنو المطلب، وقصة المحاصرة في الشِّعْب مشهورة في التاريخ.
ولهذا قال النبي ﵊ لما احتج عليه رجالٌ من بني عبد شمس في إعطاء بني المطلب من الْخُمُسِ ولم يعطهم، قال: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، هكذا قال النبي ﵊، وبناءً على ذلك قال المؤلف: إنها لا تُدفع الزكاة إلى بني المطلب، لماذا؟
طالب: واحد.
طالب آخر: شيء واحد.
[ ١ / ٣٢٥٥ ]
الشيخ: ليس لأنهم من آل البيت، ولكن لأنهم مشاركون لآل البيت في الْخُمُس فيستغنون بما يأخذون من الخمس عن الزكاة، وهذا التعليل يدل على أنه إذا لم يكن خُمُسٌ فهم يستحقون الزكاة قطعًا ولا إشكال فيه، بخلاف بني هاشم.
إذن بنو المطلب حُكْمُهم في مَنْع الزكاة حُكْم بني هاشم، حُكْمُهم في استحقاق الْخُمُس كبني هاشم.
بنو عمهم: النَّوْفَلِيُّون والعَبْشَمِيُّون هل هم كَهُمْ؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس لهم حق من الْخُمُس، ولهم الأخذ من الزكاة.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد ﵀، والصحيح الرواية الأخرى -وهي المذهب- أنه يصح دفْعُ الزكاة إلى بني عبد المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد، ويُجاب عن تشريكهم في الْخُمس بأن مبناه على المناصرة والمؤازرة، بخلاف الزكاة، فهم لَمَّا آزروا بني هاشم وناصروهم أُعطُوا جزاءً لفعلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيء آخر، فالصحيح أن بني المطلب يصح دفْعُ الزكاة إليهم.
قال المؤلف: (ولا إلى مواليهما)؛ أي: عتقائهم، أي: العبيد الذين أعتقهم بنو هاشم، أو أعتقهم بنو المطلب لا تُدفع الزكاة إليهم؛ لقول النبي ﵌: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (٦).
فإذا قلنا بجواز دفع الزكاة إلى بني المطلب؟
طلبة: ().
الشيخ: جاز دفْعُ الزكاة؟
طلبة: إلى مواليهم.
الشيخ: إلى مواليهم.
إذا قال قائل: هل هؤلاء الآن موجودون؟ -أعني بني هاشم وبني المطلب- قلنا: نعم موجودون، وقد ذكروا أن من أثبت مَن يكون نسبًا من بني هاشم ملوكَ اليمن، الأئمة الذين انقضت ملكيتهم بثورة الجمهوريين عليهم قريبًا، فهم منذ أكثر من ألف سنة مُتَوَلُّون على اليمن، ونَسَبُهم مشهور معروف بأنهم من بني هاشم، ويوجد أناس كثيرون أيضًا ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم، قلنا: لا تحل لك الزكاةُ؛ لأنك من آل الرسول ﵌.
[ ١ / ٣٢٥٦ ]
ثم قال المؤلف: (ولا إلى فقيرةٍ تَحْت غنِيٍّ مُنْفِق)، (ولا إلى فقيرة) (فقيرة) هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير؟
طلبة: امرأة.
الشيخ: امرأة فقيرة، (تحت غني منفق)، اشترط المؤلف شرطين: أن تكون تحت غني، وأن يكون هذا الغني مُنْفِقًا، أي: باذلًا للنفقة، فلا تُدفع إليها؛ لأنها في الحقيقة غيرُ فقيرة؛ إذ إن زوجها الذي ينفق عليها قد استغنَتْ به، لكن لَمَّا كان نظرُنا إلى ذات المرأة يَجْعلنا نحكم بفقرها قلنا: هي فقيرة، ومع ذلك:
طالب: لا تحل لها الزكاة.
الشيخ: لا تحل لها الزكاةُ، والعلة في هذا ظاهرة؛ أنها مُستغنية بإنفاق زوجها عليها، فإن كانت تحت فقير، امرأة فقيرة وزوجها فقير هل تحل لها الزكاة؟
طلبة: نعم.
طالب: كليهما ().
الشيخ: أنا أسأل عنها هي؟
طلبة: نعم تحل.
الشيخ: تحل. وتحل لزوجها أيضًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وتحل لزوجها؛ لأن الوصف مُنْطَبِق عليه.
قال: وإذا كانت تحت غني مِلْيارِيٍّ، لكنه أبْخلُ مِن أشعب فهل تُعطَى؟
طلبة: نعم، تُعطَى.
الشيخ: نعم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تُعطَى من الزكاة؛ لأنها فقيرة، فإن قال قائل: لماذا لا تقولون لها: طالِبِي الزوج، ارفعيه إلى المحكمة؟
قلنا: لا نقول لها ذلك؛ لأن هذا يترتب عليه مشاكلُ، قد يُفضِي إلى أن يطلقها، وهذا ضرر عليها، ودفْعُ حاجتها لدفع هذا الضرر لا شك أنه مما تأتي به الشريعة.
يقول المؤلف: (ولا إلى فرعه وأصله)، (فرعه): مَن كان هو أصلًا له. (وأصله): من كان هو فرعًا لهم، هذا تعريف. فرْعُه مَن هو أصلهم، وأصْلُه مَن هو فرعهم، نعم؟
طالب: صحيح.
الشيخ: هذا لا يعطي تصورًا لهذا، الأصل هم الآباء والأمهات وإن عَلَوْا، والفرع.
طلبة: هم الأبناء.
الشيخ: هم الأبناء والبنات وإن نزلوا، سواء كانوا وارثين أو غير وارثين.
وعلى هذا فلا يَدفع زكاتَه إلى جدته، لا من قبل أبيه ولا من قبل أمه، ولا إلى بنته، ولا بنت ابنه، ولا بنت بنته؛ لأن كل هؤلاء؟
طلبة: أصول وفروع.
[ ١ / ٣٢٥٧ ]
الشيخ: أصول وفروع، والمؤلف ﵀ لم يقيد الأصل والفرع، يعني: لم يقل: ولا إلى فرعه الوارث، أو أصله الوارث، فيشمل الوارث وغير الوارث، وعلى هذا فبِنْتُ البنت لا يَدفع لها زكاتَها، وأمُّ الأم لا يَدفع لها زكاتَها؛ وأبو الأم لا يَدفع له زكاتَه، وهَلُمَّ جرًّا، لماذا؟
قال: لأن الأصل والفرع تَجِب النفقةُ عليهما بكل حال، إذا كانوا فقراء وهو غني فإن النفقة واجبة عليه لهما سواء كانوا وارثين أو غير وارثين، ولكن يقال: استحقاق الزكاة مقيد بأيش؟ بوصف، مُقَيَّد بوصف الفقر، المسكنة، العَمَالَة، وهكذا.
فكل مَن انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة، ومَنِ ادَّعى خروجَه فعليه الدليل، وليس في المسألة دليل، ولهذا نقول: القول الراجح الصحيح أنه يَجُوز أن يدفع الزكاة إلى أصله وفرعه ما لم يدفع بِها واجبًا عليه، انتبه.
الصحيح أنه يَجوز أن يدفع الزكاةَ إلى أصله وفرعه -أبيه وأمه، وجدِّه وجدته، وابنه وبنته- ما لم يُسقِط بها واجبًا عليه، يعني: ما لم تَجب نفقتُهم عليه، فإنْ وجبَتْ نفقتُهم عليه فلا يجوز أن يدفع الزكاةَ؛ لأن معنى ذلك أنه أسقط النفقة عن نفسه.
وعلى هذا فإذا كان له جَدٌّ وأبٌ كلاهما فقير، لكن الأب يتسع ماله للإنفاق عليه فهو ينفق عليه، فهنا لا يَجوز دفعُ الزكاة للأب، والجد؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لا يتسع مالُه للإنفاق عليه وهو فقير -الجد- يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، ويش المانع؟ لكن لو صاح الأب على ابنه قال: تُعْطِي يا القاطع يا العاق تُعْطِي جدَّك ولا تعطي أباك من زكاتك؟ ويش يقول؟ يقول: أنا أعطي أبي مما هو أطهر من الزكاة، من مالي الخاص، ولا أعطيه من أوساخي، أنا أعطي جدي الآن من الأوساخ، وأعطي أبي من الْمُنَظَّف الطاهر، واضح؟
طيب، عنده أمٌّ وجدة، ومالُه يتسع للإنفاق على الأم فهو ينفق عليها، ولكن لا يتسع للإنفاق على جدته، فهل يجوز أن يعطيها من الزكاة؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٣٢٥٨ ]
الشيخ: نعم، المذهب: لا يَجوز، المذهب لا يجوز، ويش نسوي؟ يرزقها اللهُ زكاةً من غيره، وهذا ضعيف جدًّا؛ قال النبِيُّ ﵊: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (٣).
وأنا الآن لا أدفع عن نفسي، أو: لا أُسقِط عن نفسي واجبًا حتى يقال: إني حابَيْتُ نفسي.
طيب، لو كان غنيًّا ينفق على أبيه، وأبوه مُسْتَغْنٍ: إما بنفسه أو بإنفاق ولده، لكن عليه دَيْن يستطيع الولدُ أن يؤديَ الدَّيْن، لكن يقول: لا أؤديه، أنا أريد أن أقضي دَيْن أبي من زكاتي، هل يجوز؟
طلبة: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأنه لا يَجب على الابن.
طالب: وفاء الدين.
الشيخ: وفاءُ دَيْن أبيه، اللهم إلَّا إذا كان هذا الدَّيْن بسبب النفقة، يعني أن الأب يَحتاج ويشتري في ذمته فلَحِقَه الدَّيْن لشراء مَؤُونَتِه، ففي هذه الحال نقول: لا يجوز أن تقضي دَيْن أبيك من زكاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يُضَيِّق الإنسان على أبيه حتى يضطر إلى أن يستدين للنفقة، ثم يقول: أبي عليه دين فأقضي دينه من زكاتي.
فلهذا نقول: يجوز أن يقضي الدين عن أبيه وأمه، أو ابنه وابنته، بشرط ألَّا يكون هذا الدين استدانه لنفقة واجبة على، على من؟ على الابن، فإن كان لنفقة واجبة فإنه لا يقضي دينه منه؛ لأن ذلك يؤدي إلى التَّحَيُّل على إِلْجاء الأب إلى الاستدانة، ثم بعد ذلك يقضيه من زكاته فيُسقِط بذلك واجبًا عليه. نعم.
طالب: مثال.
الشيخ: هذا المثال، رجل أبوه فقير لكنه الابن غني وعنده زكاة، والأب يحتاج ويشتري بذمته لنفقته، فجاء الأب إلى الابن وقال: اقْضِ دَيْنِي، فهنا لا يقضي دينه من زكاته؛ لأن هذا الدين إنما لحق الأب بأيش؟
طلبة: بالنفقة.
الشيخ: بالنفقة، والنفقة واجبة على الابن، أما لو أن الأب لَحقه دين بسبب جائحة اجتاحت ماله أو حادث عليه أو ما أشبه ذلك فهنا يجوز أن يقضي دين أبيه من زكاته؛ لأنه لا يلزمه وفاءُ الدين عن أبيه.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٣٢٥٩ ]
الطالب: إحنا رجحنا إن موالي بني هاشم ما يأخذون الزكاة، يا شيخ لو قال قائل: إن معنى مولى القوم من العون والمساعدة مثل قوله ﷺ: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» (٧).
الشيخ: نعم.
الطالب: ما هو معنى هذا ()؟
الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: مولى القوم منهم يعني أنه تابع لهم، كقوله ﷺ: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» فنُجيب عن ذلك بأن الحديث سببُه طلبُ الإعطاء من الزكاة فمَنَعَه من ذلك وقال: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (٦).
طالب: شيخ، رجل عنده قرابة لا يرثون لا من فرض ولا تعصيب، ولكن () الأفضلية في التقديم كالأفضلية في ذوي الأرحام أو ..
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: يعني رجل عنده قرابة لكن لا يرث من فرض ولا تعصيب، ولا ..
الشيخ: يعني يريد أن ينفق عليهم؟
الطالب: لا، يعطيهم من مال الزكاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الأفضلية؟
الشيخ: الأفضل الأقرب فالأقرب.
الطالب: ().
الشيخ: إذا كانوا في الحاجة سواءً.
الطالب: ().
الشيخ: وإلَّا فالأحوج، حسب ذوي الأرحام، نعم.
طالب: بالنسبة للأخ يا شيخ يجوز أن يُنْفِق عليه مطلقًا؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الأخ تجوز عليه النفقة مطلقًا؟
الشيخ: تَجب له النفقة ..
الطالب: لا، أقول هل يجوز صَرْف الزكاة له مطلقًا؟
الشيخ: إعطاء الزكاة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما لم تجب نفقته عليك.
الطالب: يعني ().
الشيخ: إي، ما وصلناه، بيذكره المؤلف ().
***
طالب: ولا إلى عبد وزوج، وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلًا، أو بالعكس لم يُجْزِه، إلَّا لغني ظنه فقيرًا، وصدقة التطوع مستحبة، وفي رمضان وأوقات الحاجات أفضل، وتُسَنُّ بالفاضل عن كفايته ومن يمونه، ويأثم بمن يُنْقِصها.
الشيخ: بما؟ ويأثم؟
الطالب: (ويأثم بما يُنْقِصها).
الشيخ: لا، (بما يَنْقُصها)، من: (نَقَصَ)، (أَنْقَصَ) ما في اللغة العربية أَنْقَصَ.
[ ١ / ٣٢٦٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكمُ دفعِ الزكاة إلى بني هاشم؟
طالب: لا يجوز يا شيخ.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل قولُ النبي ﷺ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (٤) وبنو هاشم من آلِ محمدٍ.
الشيخ: طيب، هل في المسألة خلاف؟
طالب: إعطاء بني هاشم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بالنسبة للفريضة ليس فيها خلاف.
الشيخ: الزكاة، الزكاة، كلامنا في الزكاة.
الطالب: ليس فيها خلاف.
طالب آخر: ذهب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنهم يُعطَوْن من الزكاة إذا لم يكن خُمسٌ؛ دفعًا لضررهم.
الشيخ: نعم، يعني استثنى بعض العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- ما إذا لم يكن هناك خُمسٌ فإنهم يُعطَوْن دفعًا للضرورة، واستثنى بعض العلماء أيضًا استثناءً آخر؟
طالب: محمد؟
الشيخ: إي.
طالب: استثنوا إن كان به حاجة، كان فقيرًا.
طالب آخر: استثنَوْا زكاة الهاشمي لهاشمي.
الشيخ: زكاة الهاشمي لهاشمي مثله فقالوا: إنه لا بأس.
بعض العلماء استثنى ما إذا كان غازيًا أو غارمًا لإصلاح ذات البَيْن أو من المؤلفة قلوبهم، يقول: لأن الغازي لا يُعطَى لحاجته ولكن للحاجة إليه، والغارم لإصلاح ذات البَيْن كذلك، هو لا ينتفع بما يُعطَى، بل يُعطَى لإصلاح ذات البَيْن، والْمُؤَلَّف؛ لأنه خيرٌ له من أن يكون بعيدًا عن الإسلام، ولكن ظاهر النصوص العموم، وأنهم لا يُعطَون من ذلك، من الزكاة.
هل تُدفع الزكاة إلى مطلبي؟
طالب: لا.
الشيخ: من المطلبي؟
طالب: هم بنو المطلب.
الشيخ: بنو المطلب، ما صِلَتُهم ببني هاشم؟
طالب: إخوة، بَنُو عَمٍّ.
الشيخ: بنو عم، طيب، هل تُدفع إلى المطلبي أو لا؟ الزكاة؟
طالب: فيها خلاف.
الشيخ: نعم، فيها خلاف، بعض العلماء يقول:
الطالب: بعض العلماء يقول: تُدفع لهم.
[ ١ / ٣٢٦١ ]
الشيخ: طيب، ما حجة القائلين بعدم الدفع إليهم؟ نعم.
طالب: حجة الذين قالوا بالدفع.
الشيخ: بعدم الدفع.
الطالب: أنه ليس من آل البيت.
الشيخ: أنه ليس من آلِه، حجة القائلين بعدم الدفع أنهم ليسوا:
الطالب: مِنْ آلِهِ.
الشيخ: من آله، ولذلك لم تُدفع إلى بني نوفل وعبد شمس.
حجة القائلين بأنها تُدفع إليهم؟
طالب: قال الرسول ﷺ: إنما بنو عبد مناف، وإنما بنو هاشم ..
الشيخ: لا، أنها لا تُدفع إليهم.
الطالب: أنها لا تدفع إليهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا التعليل يا شيخ.
الشيخ: إي ما يخالف، ماذا تقول؟
الطالب: أنهم ليسوا من آل محمد.
الشيخ: هذا إذا قلنا: تُدفع، إذا قلنا: تُدفع فالعلة لأنهم ليسوا من آل محمد.
الطالب: نعم، وإذا لم تكن تُدفع؟
الشيخ: نعم، فما الدليل؟
الطالب: قولُ الرسول ﷺ: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (٥).
الشيخ: «وَبَنُو الْمُطَّلِبِ» ما هو عبد المطلب.
طيب، هذا واحد، التعليل؟
الطالب: لأنهم الذين ناصروهم -ناصروا بني هاشم- عندما كانوا في الشِّعْب.
الشيخ: إي هذا تعليل لقوله: «إِنَّمَا هُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، نعم.
طالب: وكان الرسولُ ﷺ يعطيهم من الْخُمُسِ مثلَ ما يعطي بني هاشم.
الشيخ: إي، تمام، فإذا كان يعطيهم من الْخُمُس كما يعطي بني هاشم فهم يُحرَمون من الزكاة كما يُحرَم بنو هاشم، لكن الصحيح أنها تُدفع إليهم. ما وجْهُ كون هذا هو الصحيح؟
طالب: وجه كونه قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] أن –أيضًا- يدخل في هذا، يدخل عبد مناف ونوفل فلم يُعطَوْا، ولكن المراد بالآية إنما هو لمجرد النصرة مع القرابة.
الشيخ: نعم، الدليل على أنهم يُعطَوْن من الزكاة، لا أنهم يُعطَوْن من الْخُمُسِ.
الطالب: لمشاركتهم في الْخُمُسِ.
الشيخ: لعموم الأدلة.
الطالب: إي نعم.
[ ١ / ٣٢٦٢ ]
الشيخ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] لا يدخل فيها بنو المطلب.
هاشمي أعتق عبدًا فهل يجوز أن نعطي هذا العتيق من الزكاة؟
الطالب: لا ().
الشيخ: لا ().
ولا إلى عبدٍ وزَوجٍ، وإن أَعطاهَا لِمَنْ ظَنَّه غيرَ أهلٍ فَبَانَ أَهلًا أو بالعكْسِ لم يُجِزْهُ، إلا لغَنِيٍّ ظَنَّه فقيرًا. باب صدقة التطوع و(صَدقةُ التَّطَوُّعِ) مُستَحَبَّةٌ، وفي رمضانَ وأوقاتِ الحاجاتِ أَفضلُ، وتُسَنُّ بالفاضِلِ عن كِفايتِه ومَن يَمُونُه، ويَأْثَمُ بما يَنْقُصُها.
(كتابُ الصيامِ)
يَجِبُ صومُ رَمضانَ برؤيةِ هِلالِه، فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثينَ أَصْبَحوا مُفْطِرِينَ وإن حالَ دونَه غَيْمٌ أو قَتَرٌ فظاهِرُ المذْهَبِ يَجِبُ صومُه، وإن رُؤِيَ نَهَارًا فهو للَّيلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وإذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، ويُصامُ لرؤيةِ عَدْلٍ ولو أُنْثَى،
الشيخ: .. الْمُطَّلِبِيّ أو لا؟ الزكاة، فيها خلاف، بعض العلماء يقول ..؟
طالب: بعض العلماء يقول: تُدفع لهم.
الشيخ: طيب، ما حجة القائلين بعدم الدفع إليهم؟
طالب: حجة الذين قالوا بالدفع.
الشيخ: بعدم الدفع.
الطالب: أنهم ليسوا من آل البيت.
الشيخ: أنهم ليسوا من آله، حجة القائلين بعدم الدفع أنهم ليسوا ..؟
الطالب: من آله.
الشيخ: ولذلك لم تُدفَع إلى بني نوفل وعبدِ شمس، حجة القائلين بأنها تُدفع إليهم؟
طالب: قال الرسول ﷺ: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ..» (١).
الشيخ: لا، أنها لا تُدفع إليهم.
الطالب: أنها لا تُدفع إليهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا التعليل يا شيخ.
الشيخ: إي، ما يخالف، ماذا تقول؟
الطالب: أنهم ليسوا من آل محمد.
الشيخ: هذا إذا قلنا: تُدفَع، إذا قلنا: تُدفَع، فالعلة لأنهم ليسوا من آل محمد.
الطالب: نعم، وإذا لم تكن تُدْفَع؟
الشيخ: نعم، فما الدليل؟
[ ١ / ٣٢٦٣ ]
الطالب: قول الرسول ﷺ: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ..».
الشيخ: وبنو المُطَّلِب، ما هو عبد المُطَّلِب.
الطالب: «وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ».
الشيخ: طيب، هذا واحد، التعليل؟
الطالب: لأنهم الذين ناصروهم -ناصروا بني هاشم- عندما كانوا في الشِّعب.
الشيخ: إي، هذا تعليل لقوله: «إِنَّمَا هُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، نعم.
طالب: () الرسول ﷺ يعطيهم من الخُمُس مثل ما يعطي بني هاشم.
الشيخ: إي، تمام، فإذا كان يعطيهم من الخُمُس كما يعطي بني هاشم فهم يُحْرَمون من الزكاة كما يُحرَم بنو هاشم، لكن الصحيح أنها تُدفع إليهم. ما وجه كون هذا هو الصحيح؟
طالب: وجه كونه قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] أنه أيضًا يدخل في هذا، يدخل في عبد مناف ونوفل فلم يُعْطَ، ولكن المراد بالآية إنما هو لمجرد النصرة مع القرابة.
الشيخ: نعم، الدليل على أنهم يُعْطَون من الزكاة، لا أنهم يُعْطَون من الخُمُس.
الطالب: لمشاركتهم في الخُمُس.
الشيخ: لعموم الأدلة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، لا يدخل فيها بنو المُطَّلِب.
هاشميٌّ أعتق عبدًا، فهل يجوز أن نعطي هذا العتيق من الزكاة؟
الطالب: لا () وَمَوَالِيهما.
الشيخ: لا؛ لأنه من موالي بني هاشم.
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، هل يجوز دفع الزكاة إلى الأب؟
طالب: لا يجوز، إذا كان الابن يُنفق على أبيه ..
الشيخ: نريد أولًا كلام المؤلف.
الطالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز دفع الزكاة إلى الأب، بكل حال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟
طالب: القول الراجح يا شيخ أنه إذا كان الوالد فقيرًا فيلزم الولد النفقة على والده، فلا يعطيه الزكاة.
الشيخ: لا، نريد قاعدة عامة، إحنا ذكرنا حول هذا الموضوع قاعدة عامة.
الطالب: إن .. ما أذكرها يا شيخ.
[ ١ / ٣٢٦٤ ]
طالب آخر: أنه يجوز أن يُعطيه من الزكاة ما لم يُسْقِط بهذه الزكاة واجبًا عليه.
الشيخ: أحسنت، أنه إن أسقط بدفع الزكاة واجبًا عليه مُنِع، وإلَّا فلا، وبناءً على ذلك إذا قضى بها دَيْنًا على والده ليس سببه النفقة؟
طالب: إذا كان ليس سببه النفقة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه يجوز أن يقضي دَيْنَه.
الشيخ: يجوز؛ لأنه؟
الطالب: لأنه فقير.
الشيخ: لأنه فقير؟
الطالب: لا؛ لأنه لا يُسْقِط حقًّا واجبًا عليه.
الشيخ: لأنه لا يُسْقِط بذلك حقًّا واجبًا عليه؛ إذ إن قضاء الدَّيْن عن الوالد ليس بواجب.
إذا كان الابن غنيًّا، لكن غناته قليلة تكفي لزوجته وأولاده، ولا يستطيع أن يُنفق على أبيه، فهل يعطي أباه من الزكاة للنفقة؟
طالب: لا، ما يعطي.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه لا ينفق عليه.
الشيخ: لأن نفقته لا تجب عليه، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهكذا نقول في الفَرْع الذي قال فيه المؤلف: (وَلاَ إِلَى فَرْعِهِ)، فإن كلام المؤلف يدل على منع دفع الزكاة إليه مطلقًا، والصحيح التفصيل.
***
قال المؤلف ﵀: (وَلَا إِلَى زَوْجٍ).
طلبة: (عَبْدٍ).
الشيخ: (عَبْدٍ)، إي نعم، (وَلَا إِلَى عَبْدٍ)، يعني: لا تُدْفَع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد إذا أعطيناه الزكاة انتقل مُلْك الزكاة فورًا إلى سيده، فإنَّ مال العبد مُلْك لسيده، فلا يجوز أن نعطي العبد؛ لأنه لا يملك، ومُلْكه لسيده، لكن يُستثنى من هذا المكاتَب، فقد سبق أن المكاتَبين من إيش؟ مِنْ أهل الزكاة، داخلون في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فَيُعْطَى المكاتَب ما يقضِي به دَيْن الكتابة.
ولكن نسأل: هل المكاتَب عبد؟
[ ١ / ٣٢٦٥ ]
الجواب: نعم، هو عبد حتى يؤدي فيعتق، وأظن المكاتَب معلومًا لكم؛ هو أن يشتري العبدُ نفسَه من سيده بثمن مؤجَّل، فيُعْطَى هذا العبد الذي اشترى نفسه من سيده ما يُوفِي سيدَه ليعتق، فهو قبل أن يؤدي عبد، ولهذا جاء في الحديث: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ» (٢).
واستثنى بعض العلماء أيضًا ما إذا كان عاملًا على الزكاة؛ فإنه يُعْطَى لعمالته كما لو كان أجيرًا، ومعلوم أنه يصح أن يُستأجر العبد من سيده، فيصح أن يُجعَل عاملًا في الزكاة بإذن سيده، إذن يُسْتَثْنَى من ذلك مسألتان: المسألة الأولى؟
طلبة: المكاتَب.
الشيخ: المكاتَب، والثانية: العامل؛ لأنه كأجير، والعبد يجوز أن يُستأجَر بإذن سيده.
قال: (وَلاَ إِلَى زَوْجٍ)، مَن الذي يدفع الزكاة؟
طالب: الزوجة.
الشيخ: الزوجة، لا يصِح أن تدفع زكاتها إلى زوجها، لماذا؟ لقوة الصلة بينهما، فيُشبه الأصل مع الفرع، أعرفتم؟ ولكن هذا التعليل عليل، والصواب: أنه يجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها إذا كان من أهل الزكاة.
فلو فرضنا أن امرأة موظَّفة وعندها مال، وزوجها فقير محتاج، إما أنه مَدِين، أو أنه ينفق على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجة أن أيش؟
طلبة: أن تدفع الزكاة له.
الشيخ: أن تؤدي زكاتها إليه، وقولنا: أو لأنه ينفق على أولاده، المراد بأولاده من غيرها؛ لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيرًا يلزمها؟
طلبة: أن تنفق عليهم.
[ ١ / ٣٢٦٦ ]
الشيخ: أن تنفق عليهم؛ لأنهم أولادها، لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير فللزوجة أن تُعطي زكاتها لهذا الزوج، وربما يُستدَل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن النبي ﵌ حث على الصدقة، فقال ابن مسعود: أعطيني وأولادي، أنا أحق من تصدقتِ عليه. فقالت: لا، حتى أسأل النبي ﷺ، فسألت النبي ﷺ، فقال: «صَدَقَ عَبْدُ اللهِ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» (٣).
فيمكن أن يقال: إن قوله: «مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» يشمل؟
طلبة: الفريضة.
الشيخ: الفريضة والنافلة، وعلى كل حال، إن كان في الحديث دليل فهو خير، وإن قيل: إنه خاص بصدقة التطوع، فإننا نقول في تقريرِ جوازِ دفعِ الزكاةِ إلى الزوج: الزوجُ فقير، ففيه الوصف الذي يستحق به من الزكاة، فأين الدليل على المانع؟ لأنه إذا وُجِد السبب ثبت الحكم إلَّا بدليل، وليس هناك دليل -لا من القرآن ولا من السُّنَّة- على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها، أفهمتم؟
وهذه قاعدة أنا ذكرتها لكم من قبل: الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلَّا بدليل، ولا نعلم مانعًا من ذلك إلَّا مَنْ كان إذا أعطاها أسقط عن نفسه بذلك إيش؟
طلبة: واجبًا.
الشيخ: واجبًا، وهل يجوز أن يعطي الزوج زوجتَه من زكاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يا ناس، لا تتسرَّعوا، كلمة (زَوْج) في كلام المؤلف يُمكن أن تُحْمَل على الزوجة، وعلى؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج؛ لأن كلمة: (زَوْج) في اللغة العربية تُطْلَق على المرأة؛ وعن عائشةَ ..؟
طالب: زوج النبي.
الشيخ: إي، زوج النبي ﵌، فيمكن أن يقال: إنها تجزئ، أي: تجزئ الزكاة إذا دفعها إلى زوجته، على ما اخترناه، أما على المذهب فلا تجزئ، يعني على المذهب لا يجوز أن يدفع الزوج زكاته إلى زوجته؛ لقوة الصلة والرابطة.
[ ١ / ٣٢٦٧ ]
ولكن القول الراجح أنه يجوز أن يدفع الزكاة إلى زوجته بشرط، قولوه.
طلبة: ألَّا يُسْقِط واجبًا.
الشيخ: ألَّا يُسْقِط به؟
الطلبة: حقًّا.
الشيخ: حقًّا واجبًا عليه، وعليه فإذا أعطاها من زكاته للنفقة لتشتري ثوبًا، لتشتري طعامًا، فإن ذلك؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، وإن أعطاها لقضاء دَيْن عليها، فإن ذلك؟
طلبة: يُجْزِئ.
الشيخ: يُجْزِئ؛ لأن قضاء الدَّيْن عن زوجته لا يَلْزَمه.
ثم قال المؤلف: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا، أوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَهْلٌ فَبَانَ غَيْرَ أهْلٍ، (لَمْ يُجْزِهِ) أو: (لَمْ تُجْزِئْهُ).
(إِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا) فإنها لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها وُضِعَتْ في غير موضعها، ولأنه متلاعب، كيف يعطي زكاته لشخص يظنه غنيًّا ثم بعد ذلك يتبين أنه فقير؟ كيف نقول: تجزئه؟ لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها؟
طلبة: في غير محلها.
الشيخ: في غير محلها، ولأنه متلاعب، فلا تجزئه، وهذا واضح.
(بِالْعَكْسِ) أعطاها لمن ظنه أهلًا فبَانَ غير أهلٍ فلا تجزئه أيضًا؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، لا بِظَنِّه، مثاله: أعطى رجلًا يظنه غارمًا، فبان أنه غيرُ غارم، فإنها لا تجزئه، لماذا؟ لأن العبرة ..؟
طلبة: بما في نفس الأمر.
الشيخ: بما في نفس الأمر، يعني: بالواقع، والواقع أنه غير أهل، أعطاها لشخص يظنه ابنَ سبيل، فتبين أنه غيرُ ابنِ سبيل، مواطن، فإنها؟
طالب: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه، أعطاها لقريب يظن أنها تجزئه، ولكن تَبَيَّن أنه لا يجزئه إعطاءُ هذا القريب؛ لوجوب الإنفاق عليه، فإنها؟
طلبة: لا تجزئه.
[ ١ / ٣٢٦٨ ]
الشيخ: لا تجزئه، يُسْتَثْنَى من ذلك مسألة: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ)، مثل: رجل جاء يسأل وعليه علامة الفقر من الثياب الرديئة، فأعطيتُه من الزكاة، فلما انصرف عني جاءني شخص وقال: ما الذي أعطيتَه؟ قلتُ: زكاة، قال: هذا أغنى منك، هذا عنده ملايين، فما حكم الزكاة التي دفعتُها؟
طلبة: تجزئ.
الشيخ: تجزئ؛ لأنه ليس لنا إلَّا الظاهر، ومثل ذلك أولئك السُّؤَّال الذين يأتون إلى طلب مساعدة في مدرسة، أو مسجد، أو ما أشبه ذلك، ثم نعطيهم بناءً على الظاهر لنا، ويتبين أنهم على خلاف هذا، فإن ذلك؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، ما هو الدليل؟ الدليل قصة الرجل الذي تصدق ليلة من الليالي، خرج بصدقته فدفعها إلى شخص، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّق الليلةَ على غني، فقال: الحمد لله، على غني! ! يعني رأى أن هذا مصيبة، ثم خرج مرة أخرى فتصدق، فوقعت في يد بَغِيّ، البَغِيّ هي؟
طلبة: زانية.
الشيخ: الزانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على زانية، أو على بَغِيّ، فقال: الحمد لله، على غني وعلى زانية! ! ثم خرج مرة ثالثة، فتصدق فوقعت الصدقة في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على سارق، فقال: الحمد لله، غني وبغي وسارق! ! فقيل له: أما صدقتك فقد تُقُبِلَت؛ أمَّا الغني فلعله يتذكر ويتصدق ويتَّعِظ بما حصل منك، وأما السارق فلعله يكتفي بما أعطيته عن السرقة، وأما البَغِيّ فلعلها تتعفف بما أعطيتَها عن البَغْيِ، أو عن البِغَاء.
فانظر إلى هذا، هذا الرجل نيته طيبة، وقعت الصدقة في غير ما يريد، ولكن لحُسْن نيته صارت مفيدة، مقبولة عند الله، ونافعة لمن تصدق عليهم؛ لأنه قال: (لعله).
فيؤخذ من هذا الحديث أن الإنسان إذا تصدق على غني يظنه فقيرًا فإن الزكاة تجزئ.
[ ١ / ٣٢٦٩ ]
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا دفعها إلى مَن يظنه أهلًا بعد التحرِّي فَبَانَ غيرَ أهل فإنها تجزئه حتى في غير مسألة الغِنىَ عمومًا، قال: لأنه اتقى الله ما استطاع، ويصعُب أن نقول له: إن زكاتك لم تُقبَل، مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ أنه إذا دفعها لمن يظنه أهلًا مع الاجتهاد والتحري فتَبَيَّنَ غيرَ أهل فزكاته مُجْزِئَة؛ والعلة ما سمعتم.
إذا جاءك سائل يسأل، يقول: أعطني من الزكاة، ورأيتَه جَلْدًا قويًّا، فهل تعطيه أم ماذا؟ نقول: عِظْهُ أوَّلًا، انصحه، وقل: إن شئت أعطيتك، ولا حَظَّ فيها لغني ولا لقوي مُكْتَسِب، كما فعل النبي ﷺ في الرجلين اللذين أتيا إليه يسألانه من الصدقة، فرآهما جَلْدَين، فقال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (٤).
فإن قال قائل: أحوال الناس اليوم فسدت، حتى لو وعظته بهذا الكلام لم يَتَّعِظْ، فما الجواب؟
الجواب: أن لنا في رسول الله ﷺ أُسوة حسنة، فنعظه بما وعظه النبي ﵌، وإذا أَصرَّ ونحن لا نعلم خلاف ما يدَّعي فإننا نعطيه، أما إذا أَصرَّ على السؤال ونحن نعلم أنه على خلاف ما يدعيه فإننا لا نعطيه.
ومما يتفرع على هذا الموضوع هل نقول للشخص إذا أعطيناه: هذه زكاة، أو لا نقول؟
فيه تفصيل: إن كان الرجل نعلم أنه أهلٌ للزكاة، وأنه يقبل الزكاة أعطيناه بلا قول؛ لأن قولنا له: إنها زكاة فيه غضاضة عليه، أما إذا كنا لا ندري وفيه احتمال أنه ليس من أهل الزكاة فإننا نخبره؛ لِئَلَّا نقع في مشكلة، وكذلك إذا كان لا يقبل الزكاة؛ لأن بعض الناس عنده عِفَّة، لا يقبل الزكاة وإن كان محتاجًا، فهنا نقول له: هذه زكاة.
[ ١ / ٣٢٧٠ ]
يَستحسِن بعض العامَّة أننا إذا علمنا حاله وأنه فقير حقيقة، يأكل الغداء ولا يحصُل له العشاء، ويأكل العشاء ولا يحصُل له الغداء، ولكن لا يقبل الزكاة، يقول بعض العامَّة: أَعْطِه من الزكاة ولا تخبره، فما رأيكم؟
لا، رأينا لا نعطيه؛ لأنه إذا كان لا يقبل فإن الزكاة لا تدخل مُلْكه؛ لأن من شرط التملك إيش؟
طلبة: القبول.
الشيخ: القبول، وهذا لا يَقبل، ونقول لهذا الرجل الذي يريد أن ينفع هذا الفقير العفيف، نقول: أعطه صدقة تطوع ولا تَقُل: هذه صدقة، وأنت مأجور، أما أن تُقْحِمَ في مُلْكِه ما لا يريده فهذا لا يصح ولا يجوز.