ويَجِبُ على الفوْرِ مع إمكانِه إلا لضرر، فإن مَنَعَها جَحْدًا لوُجوبِها كَفَرَ عارفٌ بالحُكْمِ
طالب: ظاهر الحديث.
الشيخ: أي حديث؟
طالب: ابن عمر (١).
الشيخ: نعم.
طالب: قبل بدأ خروج الناس () خروج الناس ..
الشيخ: قبل خروج الناس إلى الصلاة.
طالب: قبل الخروج.
الشيخ: والمراد بداية الصلاة، المهم أن تكون قبل الصلاة لحديث ابن عباس: مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ (٢).
طالب: ().
الشيخ: وكَّله بالإخراج عنه.
الطالب: ولا يملك ..
الشيخ: قبل الصلاة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب ما فيه بأس.
الطالب: تجب عليه.
الشيخ: على مَنْ؟
طالب: ().
الشيخ: على مَنْ له الدين.
طالب: لا، على من عليه الدين.
الشيخ: من عليه الدين ما يجب عليه؛ لأن عليه دينًا، اللي عليه دين ما يجب عليه.
طالب: شيخ، لو أخرجها في اليوم السابع والعشرين من رمضان على أن الشهر ناقص، وبعد ذلك تم الشهر فبذلك أخرجها قبل إتمام الشهر بثلاثة أيام، هل يجزئ؟
[ ١ / ٣١٤٢ ]
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هذا سؤال مهم، نقول: لو أخرجها يوم سبع وعشرين على أن الشهر سيكون تسعًا وعشرين فصار ثلاثين، فهذا أخرجها قبل العيد بثلاثة أيام؟
طالب: على قوله يجزئ ..
الشيخ: لا، ما يجزئ، مين اللي قال له: أخرجها؟ ! عنده يوم ثان ويوم ثالث، نقول: هذه صدقة، كما لو صلى صلاة الظهر قبل وقتها ظنًّا منه أن الوقت قد دخل فتبين أنه لم يدخل، نقول: تعيد الصلاة، والأول نفل.
طالب: نلاحظ بعض هيئات الإغاثة أن الحرم يستقبل الزكاة قبل العيد بأربع أيام أو خمسة، فهل ننكر عليهم؟
الشيخ: والله يا إخواني، مسألة الإغاثة وإخراج زكاة الفطر في بلاد غير بلادك خطأ عظيم، لا هي ولا الأضحية، الأضحية ما نرى أنها تُصرف لأي بلد من بلاد المسلمين، وكذلك الفطرة؛ لأن الأضحية شعيرة من الشعائر الإسلامية التي ينبغي أن تكون في كل بيت، فإذا أخرجت دراهم لتُذبح في مكان بعيد ويش الفائدة؟
ما ظهرت الشعيرة في بيتك، ثم مَنِ الذي يُؤمن على أنه يختار لك الأضحية الذي تريدها أنت، ثم قد تتأخر ما تذبح إلا بعد أيام العيد، وكذلك زكاة الفطر، وهذه اجتهاد من بعض الإخوة اللي عندهم عاطفة، لكن ليس عندهم تروٍّ في العلم الشرعي، صاروا يقولون: أخرجوها، هم أحق، طيب أعطوا دراهم من عندك وخلاص خلي الشعائر تبقى في مكانها. عرفت الآن؟
طالب: يعني ننكر عليهم يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، لكن ما يجوز تخرج قبل العيد بيومين.
طالب: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ» (٣). شيخ، يدل أن العبد ليس فيه صدقة لا هو لا الفرس، مقرونين العبد والفرس.
الشيخ: على كل حال الفرس أدى فطرته.
طالب: لأنهم مقرونان.
الشيخ: لا؛ لأنه قال: «إِلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» (٤). هذا لفظ الحديث، إذن العبد زكاة فطره على سيده، وغير العبد -كما شرحنا أولًا- لا تجب إلا على كل إنسان بحسبه.
***
[ ١ / ٣١٤٣ ]
هل تنصحون بنشر الفتوى التي أفتيتم بها بشأن تحريم تهنئة الكفار في أعيادهم ومناسباتهم لا سيما أنه قد اقترب عيد هؤلاء النصارى؟
فالجواب: نعم، ننصح بنشرها، ونرى أنها من باب التعاون على البر والتقوى إن شاء الله.
صيام أيام البيض؟
في الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وأما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فهو في كل الشهر أي وقت تصوم يحصل.
تحنيط الحيوان الطاهر بعد الموت؟
لا بأس به.
رجل عنده عبد كافر، هل يلزمه إخراج الفطرة عنه؟
طالب: إذا كان العبد كافرًا لا يجوز.
الشيخ: العبد كافر، والسيد مسلم، هل يجب إخراج الفطرة عنه؟
طالب: ما يجب إخراج الفطرة عنه.
الشيخ: الدليل؟
طالب: الدليل أن هذا كافر، ولا يقبل من كافر للحديث ..
الشيخ: لكن سيخرجها غيره.
الطالب: أيوه، لكنها زكاة.
الشيخ: سيده.
الطالب: لا يلزم سيده أن يخرجها؛ لأنه ورد حديث: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَة الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» (٥) ..
الشيخ: هذا إن لم يكن عليك فليس لك.
طالب: يقول: على المسلم ..
الشيخ: وين المسلم؟ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ»، هو الآن الرجل مسلم «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ».
طالب: ولكن هذا العبد كافر.
الشيخ: إي، أقول: لماذا لا يجب الإخراج عن الكافر؟
طالب: لأنه لم يسلم، لا تجب عليه الزكاة.
الشيخ: إذن التعليل: لماذا لا تجب عليه زكاة الفطر؟ لأنها لا تجب عليه زكاة الفطر.
طالب: نقول: لا يلزم السيد إخراج الفطرة عن الرقيق الكافر.
الشيخ: إي، لكن لماذا؟ الدليل؟
الطالب: لا تقبل من كافر.
الشيخ: الدليل؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٥٤].
الشيخ: هذا ما أنفق، أنفق عنه سيده المسلم.
طالب: لأن الزكاة طهارة، () للإسلام.
الشيخ: هذا التعليل، أنا أريد الدليل يا إخوان؟
[ ١ / ٣١٤٤ ]
طالب: قول النبي ﷺ: فرض زَكَاةَ الْفِطْرِ.
الشيخ: مين اللي فرضها؟ قول الرسول إنه فرض، مين اللي فرضها؟
الطالب: النبي ﷺ فرض.
الشيخ: مين قاله؟
الطالب: ابن عمر.
الشيخ: ابن عمر.
الطالب: فرض رسول الله ﷺ زكاةَ الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين (٦).
الشيخ: من المسلمين.
الطالب: وهذا ليس من المسلمين.
الشيخ: تمام. ما معنى قول المؤلف: (ومن لزمت غيرَهُ فطرتُه)، ما معنى العبارة هذه؟ (من لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت)؟
طالب: يعني كانت واجبة على مسلم فأخرج عنه غيره -شخص آخر- () أنها لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ! هو يقول: (أجزأت) كيف؟ يعني مثلًا لو أخرجت عنك زكاة الفطر بغير إذنك أجزأت عنك، هذا معنى العبارة؟ لا، ما هو هذا.
طالب: أقول: جريًا على ما يذهب إليه المؤلف بأن من يعول يخرج عن ()، ومن أخرج ممن يعول هؤلاء من أبنائه أخرج شخص منهم الزكاة بدون إذن الأب فإنها تجزئ هذه الزكاة بدون الرجوع إلى إذن الأب أو غيره ..
الشيخ: إي، يعني لو كان شخص تجب فطرته على شخص، فأخرج الشخص الأول عن نفسه بغير إذن الثاني أجزأت، التعليل؟
طالب: لأنه لزمه إخراجها عن غيره، وقد تقدم هذا السبب الوجوب.
الشيخ: لا، يعني مثلًا أنت لك ولد يلزمك إخراج زكاة فطرته، فأخرج ولدُك دون أن يستأذن منك عن نفسه؟
الطالب: يجزئ يا شيخ.
الشيخ: يجزئ، لماذا؟
الطالب: لو أخرج الأب عن ولده يا شيخ أجزأ؟
الشيخ: لا، إذا أخرج الأب عن ولده أجزأ، لكن الولد أخرج عن نفسه، ما هو عن أبيه.
الطالب: أجزأ.
الشيخ: لماذا؟
طالب: جاز إخراجه عن نفسه.
الشيخ: لكن على ما مشى عليه المؤلف؟
طالب: أصل الفرض يا شيخ عن نفسه.
الشيخ: إي؛ لأنه أصل الفرض عن نفسه، وأما ما وجب عليه فهو من باب التحمُّل عن الغير فهو فرع، صح.
[ ١ / ٣١٤٥ ]
لو أخرج شخص لا تلزمه فطرة آخر أخرج عن الآخر بغير إذنه؟
طالب: تُجزئ يا شيخ.
الشيخ: يعني أخرج عنك عبيد الله بدون إذنك.
طالب: نعم، تجزئ.
الشيخ: من أين أخذتها من كلام المؤلف؟
طالب: من كلام المؤلف.
الشيخ: إي نعم.
طالب: لأن قوله: (ومن لزمت غيرَهُ فطرتُه فأخرج عن نفسه).
الشيخ: (بغير إذن ذاك أجزأت)، من أين تأخذ إنه لو أخرج إنسان آخر لا تلزمه فطرته بغير إذنه أنها تجزئ؟
الطالب: من العبارة، ولَّا من الدليل يا شيخ.
الشيخ: من العبارة، وإلا الدليل عاد ما بعد ناقشناه إلى ها الحين، لا شك أنه من فرسان الميدان ما لم تعثر به فرسه.
طالب: شيخ، نقول هنا: إن الإنسان إذا أخرج عن نفسه أن المقصود هو إخراج الفطرة.
الشيخ: السؤال الآن: رجل أخرج الزكاة عن شخص -زكاة الفطر- بدون إذنه وهو لا يلزمه الإخراج عنه؟
طالب: شيخ، ورود الدليل.
الشيخ: أيش الدليل؟
الطالب: ورود الأثر عن الصحابة.
الشيخ: وين الأثر؟
الطالب: ابن عمر.
الشيخ: ويش ابن عمر؟ أيش قال؟
الطالب: كان يخرج عن نافع وعن أهله.
الشيخ: لا بأس؛ لأن دول تلزمه مؤنته.
طالب: شيخ، على قول ..
الشيخ: هل تجزئ أو لا تجزئ؟
الطالب: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ، منين نأخذه من كلام المؤلف؟
الطالب: يفهم من كلام المؤلف (من لزمت غيره فطرتُه)، وهذا ما لزمت فطرته عليه، وعلى قول المصنف لا يجوز.
الشيخ: تمام، توافقون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، يقول: لأن الغير إذا أخرجها بغير إذنه لا هو بأصيل، ولا فرع، فلا تجزئ، والزكاة عبادة تحتاج إلى نية.
فيه رأي آخر: الذين يقولون بجواز تصرف الفضولي يقول: لا بأس إذا أذن.
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح هذا، الإجزاء إذا أذن. رجل لا يجد إلا نصف صاع، فهل يلزمه إخراجه؟
طالب: نعم، يخرجه.
الشيخ: لكن الرسول ﷺ فرضها صاعًا.
طالب: نعم، وكذلك هناك دليل من القرآن.
الشيخ: اصبر، ما بعد وصلنا، أجب عن كلامي؟ فرضها صاعًا؟
[ ١ / ٣١٤٦ ]
الطالب: فرضها صاعًا على من كان عنده يوم العيد أو ليلته صاع وقال: صاع، ولم يقل: نصف صاع.
الشيخ: إذن ما يجزئ نصف الصاع.
الطالب: ولكن هذا لم يستطع، هذه طاقته، وهذه استطاعته.
الشيخ: إي، هل عندك دليل على أنه إذا عجز عن كامل العبادة لزمه ما يقدر عليه منها؟
طالب: عموم حديث النبي ﷺ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٧)
الشيخ: وهل في القرآن ما يدل على ذلك أيضًا؟
طالب: نعم، قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الشيخ: هل توافقونه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صح تمام. يقول المؤلف: (حوائجه الأصلية) ويش ضد (الأصلية)؟
طالب: ما يحتاجه ().
الشيخ: أقول: ما ضد (الأصلية)؟ هل ضد (الأصلية) التقليد؟ كما يقول الناس: هذا أصلي وهذا تقليد؟
الطالب: الزائد عن الحاجة.
الشيخ: لكن ويش معنى (الأصلية)؟
الطالب: اللي يحتاج أن تكون معه موجودة في البيت.
الشيخ: اللي يحتاجها، صح، نحن ذكرنا فيما سبق أن الحوائج ثلاثة أصناف؟
الطالب: ضروريات.
الشيخ: نعم.
الطالب: حاجيات.
الشيخ: أيش؟
طالب: ضرورة، حاجة، () زائدة، فضلة.
الشيخ: تمام، ثلاثة: ضرورية، وحاجية وهي الأصلية لقول المؤلف، والثالث؟ كمالية، فضل، هذه لا عبرة بها.
رجل له شِرْك في عبد، أو إن شئت قلنا: عبد بين ثلاثة رجال كيف نوزِّع فطرته، هل على كل واحد صاع، أم ماذا؟
طالب: ليس على كل واحد.
الشيخ: ليس على كل واحد صاع، إذن كيف نوزعها؟
الطالب: علي حسب ملكهم.
الشيخ: يعني؟
الطالب: كل واحد الثلث.
الشيخ: كل واحد عليه الثلث، بدون تفصيل.
طالب: () الثلث؛ لأنهم ثلاثة ..
الشيخ: لأنهم ثلاثة نعم، إذن بحسب الملك فعلى كل واحد.
الطالب: ثلث.
الشيخ: ثلث، بكل حال.
طالب: إي نعم.
الشيخ: بكل حال.
[ ١ / ٣١٤٧ ]
طالب: إلا إذا كان أحدهم () نصف العبد، والآخر () والثالث سدس، فكل واحد يجب عليه بقدر ما يملك، فالأول () نصف صاع ..
الشيخ: ما تقول في جواب الأخ، بحسب ملكهم وعلى كل واحد ثلث صاع؟ ما تقول في هذا الجواب؟
الطالب: () صحيح.
الشيخ: صحيح.
الطالب: آخره يناقض أوله.
الشيخ: نعم، فيه تناقض صحيح، آخره يناقض أوله؛ لأنه يقول: هو على قدر ملكهم، ثم يقول: أثلاثًا. هذا ما هو صحيح، على قدر ملكهم قد يكون أثلاثًا، قد يكون أرباعًا، قد يكون أسداسًا، فإما أن تقول: بينهم أثلاثًا، ولا تقول على حسب ملكه، وحينئذٍ يُنظر في الجواب، أو تقول: على حسب الملك فيُفرض على كل واحد بحسب ما يملك من هذا العبد. إذا قلنا: إن هؤلاء الثلاثة لأحدهم النصف، وللآخر الثلث، وللثالث السدس، كيف نوزع الصاع بينهم؟
طالب: السؤال؟
الشيخ: السؤال: أحد هؤلاء الثلاثة له نصف العبد، والثاني ثلث العبد، والثالث سدس العبد، والصاع قيمته ستة ريالات، كيف نوزع؟
طالب: حسب الملك.
الشيخ: حسب الملك، على الأول ثلاث ريالات؛ يعني نصف المبلغ أو لا؟ والثاني؟
طالب: الثاني ثلث.
الشيخ: ثلث المبلغ، والثالث؟ السدس، صحيح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تمام. امرأة حامل، هل يجب الإخراج عن جنينها؟
طالب: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، وعلى كلام مَنْ؟
طالب: ().
الشيخ: هذا هو.
الطالب: أنه لا يجب ..
الشيخ: لا يجب، وهل يستحب أو يكره أو يحرم؟
طالب: يستحب ().
الشيخ: وهل يُستحب قبل نفخ الروح فيه أو بعده؟
طالب: بعده.
الشيخ: نعم؛ لأنه قبل ذلك ليس بإنسان.
طالب: سيقول المؤلف ().
الشيخ: ظاهره هذا.
***
() وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ما تقولون في رجل أخرج زكاته يوم العيد بعد الصلاة؟
طالب: المذهب أنه يكره.
الشيخ: المذهب يكره، وتُجزئ.
الطالب: إي نعم، ولكن القول الصحيح أنها تحرم ولا تجزئ.
الشيخ: الصحيح أنها؟
الطالب: أنها تحرم ولا تُجزئ.
[ ١ / ٣١٤٨ ]
الشيخ: أنه يحرم تأخيرها إلى ما بعد الصلاة، ولا تجزئ، وتكون؟
الطالب: صدقة.
الشيخ: صدقة من الصدقات، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: من أخَّرها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
الشيخ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» (٨). ولكن لو لم يعلم بالعيد إلا بعد الصلاة، ما تقول؟
طالب: شيخ، يعذر في ذلك فيخرجها بعد.
الشيخ: يخرجها قضاءً؟
طالب: المؤلف على أنه يخرجها ..
الشيخ: لا، دعنا من المؤلف، انتهينا، نريد القول الصحيح.
طالب: القول الصحيح أنه يخرجها أداء يؤديها.
الشيخ: أداء، ولو بعد الصلاة؟
الطالب: ولو بعد الصلاة يؤديها.
الشيخ: إي نعم، بناءً على أيش؟
الطالب: بناءً على أنه معذور في ذلك.
الشيخ: إي، لكن ما دام قلنا: آخرها الصلاة، ويجزئ إخراجها بعد للمعذور، هل نجعل أداءً أو نجعلها قضاءً؟
الطالب: إذا أخرجها بعد؟
الشيخ: بعد الصلاة لعذر؟
الطالب: يؤديها كما لو كان أداها في الوقت.
الشيخ: إي نعم، هذا واضح؛ لكن هل تُوصف بأنها أداء أو تُوصف بأنها قضاء؟
طالب: توصف بأنها أداء.
الشيخ: أداء، هذا القول الراجح على أن من أخَّر عبادة عن وقتها لعذر، فأداها بعد زوال العذر مباشرة فهي أداء، وتسميتها أداء وقضاء، قد يكون خلافًا لفظيًّا، المهم أنها مجزئة، والصحيح أنها أداء.
ثم بين المؤلف ﵀ في الفصل التالي مقدار هذه الفطرة فقال: (ويجب صاع) (يجب) يعني إخراج صاع (يجب صاع) أي: إخراج صاع، والصاع: مكيال معروف، وهو صاع النبي ﵌، والأصواع تختلف باختلاف الأزمان والأماكن والناس، ولهذا اتفق العلماء -فيما أعلم- على أن المراد بالصاع في الفطرة وبالصاع في الغسل والْمُدّ في الوضوء ونصف الصاع في فدية الأداء أن المراد بذلك الصاع النبوي.
[ ١ / ٣١٤٩ ]
على أن شيخ الإسلام ﵀ كان يرى أن الدرهم والدينار عُرفي، وأن ما سمي درهمًا أو دينارًا في العرف فهو درهم ودينار قل ما فيه من الذهب والفضة أم كثر، وسبق، لكن في مسألة الصاع وافق الجماعة؛ يعني وافق المذهب وقال: إن المراد صاع النبي ﵌.
والصاع: مِكيال يُقدَّر به الحجم، والمثقال: معيار يقدر به الوزن، ولكن العلماء ﵏ نقلوا المكيال الذي يُقدَّر به الحجم إلى المثقال الذي يُقدَّر به الوزن نظرًا؛ لأن الأزمان اختلفت والمكاييل اختلفت، قال العلماء: فنُقلت إلى الوزن من أجل أن تُحفظ؛ لأن الوزن يحفظ، واعتبر العلماء ﵏ البر الرزين، وحرروا ذلك تحريرًا كاملًا، وقد حررته أنا فبلغ ألفي جرام؛ يعني كليوين وأربعين جرامًا بالبُرِّ الرزين.
ومن المعلوم أن الأشياء تختلف خفة وثقلًا، فإذا كان الشيء ثقيلًا فإننا نحتاط ونزيد الوزن، أليس كذلك؟ وإذا كان خفيفًا فإننا نقلل، ولا بأس أن نأخذ بالوزن؛ لأن الخفيف يكون جرمه كبيرًا، والثقيل يكون جرمه صغيرًا، وعلى هذا نقول: إذا أردت أن تعرف الصاع النبوي فزِنْ ألفين وأربعين جرامًا من البر الرزين -يعني الدجل الجيد- زنه، ثم بعد ذلك ضعه في إناء، ضع هذا الذي وزنت في إناء، فما بلغ في الإناء فهو الصاع النبوي، وعليه فيمكن الآن أن يتخذ الإنسان صاعًا نبويًّا يعرف أنه مقدار الصاع النبوي الذي في عهد الرسول ﵊.
[ ١ / ٣١٥٠ ]
وقد عثرنا على مُدّ نبوي عندنا وُجد في خربة هنا، واشتريناه بثمنٍ غالٍ وهو من النحاس، ومكتوب عليه: هذا المد قُدِّر على المد الفلاني الفلاني الفلاني الفلاني إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت إلى مد النبي ﷺ، وقسناه بالبر ووجدناه مقاربًا لذلك، لما قال العلماء ﵏ بأن المد النبوي زنته كذا وكذا، يعني نصف كيلو وعشر جرامات المد النبوي؛ لأن المد النبوي ربع الصاع، بينما المد عندنا في القصيم ثلث الصاع، يختلف، وقد اتخذنا مقياسًا على ذلك، اتخذنا مُدًّا وصاعًا من الحديد، ذهبنا إلى أحد الحدادين، وقسناه تمامًا، وعندنا الآن مُد وصاع.
المهم أنه يجب صاع، وهذه زنته، وقلنا: إنه يحتاط في ثقيل فيزيد الوزن؛ لأن الثقيل جرمه صغير فيحتاط في الوزن، يزيد حتى يغلب على ظنه أنه أدى الواجب.
قال: (صاع من بُر) البُر معروف، حَبٌّ معروف، وهو من أفضل أنواع الحبوب، ولم يكن في عهد النبي ﷺ شائعًا، بل كان قليلًا، لكن له وجود، والدليل أن له وجودًا حديث عبادة بن الصامت: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ» (٩)، فهذا يدل على أن له وجودًا، وأن الناس يتبايعون فيه، لكنه ليس منتشرًا وليس كثيرًا؛ ولهذا لم يُذكر في الفطرة في حديث أبي سعيد الخدري في البخاري (١٠) قال: وكان طعامنا يومئذٍ الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط. ولم يذكر البر؛ لأنه ليس شائعًا كثيرًا، لكنه لا شك في إجزائه.
قال: (من بر أو شعير) وهو حب معروف ومفيد، لكن فائدته أقل من فائدة البر، ولكن فيه فائدة ولا سيما إذا كانت فيه قشوره، فإني سمعت من بعض الأطباء أنه مفيد فائدة كبيرة.
[ ١ / ٣١٥١ ]
(أو دقيقهما) الدقيق يعني دقيق البر أو الشعير؛ يعني أنه لو دفع صاعًا من دقيق فإنه يجزئ، ولكن هل يُعتبر الدقيق بالكيل أو بالوزن؟ بالوزن، لماذا؟ لأن الحب إذا طُحن انتشرت أجزاؤه، فالصاع من الدقيق يكون صاعًا إلا سدسًا تقريبًا من الحب؛ لأن الحب بخلقة الله ﷿ () تمامًا، وإن كان يُوجد في الحب يعني فُرجات فيما بين الحبة والأخرى، لكن المؤكد أن الصاع من البر يكون صاعًا وزيادة من الدقيق، فلا بد أن يعتبر الدقيق بالوزن.
(أو سويقهما) سويق من؟ سويق البر والشعير، والسويق هو الحب المحموس اللي يحمس على النار، ويستعمل الناس ذلك فيحمسونه على النار، ويلتونه بالماء بعد الطحن، ويكون لذيذًا جدًّا، يستعمل عندنا، وفي بلاد أخرى، ومن الجاهلية؛ اللات قيل: إنه رجل كان يلت السويق للحاج.
(أو دقيقهما أو سويقهما) (أو تمر أو ذبيب أو أقِط) قال: (تمر) يعني لا رطب، فالرطب لا يصح أن يُدفع في الفطرة، بل لا بد أن يكون تمرًا أي جافًّا، والتمر يكال أو يوزن؟
طلبة: يكال.
الشيخ: التمر يكال، فهو من المكيل في عهد الرسول ﵊، لكن عندنا الآن يُوزن، ويجب عند اعتباره بالوزن أن يلاحظ الإنسان الخفة والثقل.
(أو زبيب) وهو يابس العنب، ولكن العنب ليس كله يصلح للزبيب، بل هو نوع معين من العنب يكون زبيبًا، المهم أن الزبيب هو اليابس من العنب، وهو غذاء وقوت كالتمر.
(أو أقط) وهو الذي يعمل من اللبن المخيض، وهو معروف تعمله البادية في الغالب، وربما يعمله الحاضرة إذا كثرت الألبان، فهذه خمسة أنواع: البر، والشعير، التمر، الزبيب، الأقط، وعموم كلام المؤلف ﵀ يشمل ما إذا كانت هذه الأنواع قوتًا لأهل البلد أم لم تكن؛ فالأقط عندنا في عهدنا ليس قوتًا، الزبيب أيضًا ليس بقوت، التمر؟
طلبة: قوت.
الشيخ: قوت لا شك، البر؟
طلبة: قوت.
الشيخ: الشعير؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٣١٥٢ ]
الشيخ: ليس بقوت، وكلام المؤلف يدل على أنه مجزئ مطلقًا، ولو كان الناس لا يأكلونه؛ لأنه جاء في الحديث منصوصًا عليه، فإذا جاء منصوصًا عليه فإنه يؤخذ به سواء كان قوتًا وطعامًا للناس أم لم يكن، والفقهاء ﵏ في هذه المسألة سلكوا مسلك الظاهرية، حيث أخذوا بظاهر النص دون معناه، دون معنى النص.
وقول المؤلف: صاع من كذا، من هذه الأنواع، ظاهره أنه لا فرق بين البُرِّ وما سواه، وأنه يجب إخراج صاع من البر، وهذا هو الصحيح، أنه يجب إخراج صاع من البُرِّ.
واختار شيخ الإسلام ﵀ أنه يُخرج من البُرِّ نصف صاع، وقال: إن هذا هو الذي جرى عليه الناس في عهد معاوية ﵁، فإن معاوية لما قدم المدينة قال: أرى أن مُدًّا من هذه -يعني الحنطة- يعدل مُدَّيْن؛ يعني من الشعير (١١). فعدل الناس عن الصاع من البر إلى نصف الصاع.
وقال شيخ الإسلام: وهو أيضًا قياس بقية الكفارات؛ لأن الكفارات عند الفقهاء يقولون: إن الواجب صاع من كذا، أو نصف صاع من البر، نصف الصاع من كذا، أو مد من البر، فيجعلون البر على النصف، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الواجب صاع من بُرّ أو غيره، لكن يبقى النظر إذا لم تكن هذه الأنواع أو بعضها قوتًا، فهل تُجزئ؟
[ ١ / ٣١٥٣ ]
الصحيح أنها لا تُجزئ إذا لم تكن قوتًا للآدميين فإنها لا تجزئ، وإنما نص عليها في الحديث؛ لأنها كانت طعامًا؛ فالعلة أنها طعام، فيكون ذكرها على سبيل التمثيل لا التعيين، لما ثبت في صحيح البخاري (١٢) قال: كنا نخرجها في عهد النبي ﵌ صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر، والشعير، والزبيب، والأقط. فقوله: من طعام، فيه إشارة إلى العلة؛ وهي أنها تُطْعَم وتُؤكل، ويرشح هذا ويقويه قول النبي ﵌: «أَغْنُوهُمْ عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (١٣). وإن كان هذا الحديث ضعيفًا، لكنه يقويه أيضًا حديث ابن عباس: فرضها -أي زكاة الفطر- طُهرةً للصائم من اللغو والرفث وطُعْمةً للمساكين (٢). فعلى هذا إذا لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت عليه في عهد الرسول ﵌ فإنها لا تجزئ.
ثم قال المؤلف ﵀: (فإن عدم الخمسة أجزأ كل حب وثمر يُقتات) (فإن عدم الخمسة) يعني في مكانه، ما هو في الدنيا كلها، فلا يلزمه أن يسافر إلى بلد ليأتي بها، إذا عدمها في مكانه، أو فيما قرب منه عرفًا مما لا يشق عليه تحمل الإتيان بهذه الخمسة أجزأ كل حب.
قوله: (إِنْ عَدِم) (أجزأ) يُعلم منه أنه لو أخرج من غير هذه الخمسة مع وجودها فإنه لا يجزئ، ولو كان ذلك قوتًا، ولو كان ذلك أفضل عند الناس من هذه الأنواع الخمسة، هذا ما ذهب إليه المؤلف وقال: (كل حب وثمر يقتات) (الحب)، مثل: الدُّخن، الذرة، الرز، وغيره مما يقتات، والثمر مثل: التين، التين يُقتات كالتمر، وهو فيما سبق لما كان كثيرًا في البلاد عندنا كانوا يجعلونه مع التمر تمامًا؛ يعني يُكنز مع التمر، تنكة من التمر يكون فيها تنكة من التمر، وبعضها من التمر، وبعضها من التين، الجصة، ولا أدري هل تعرفونها أم لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٣١٥٤ ]
الشيخ: الجصة بيت صغير من الحجر، يُكنز فيه التمر، يكب فيه التمر، ويوضع عليه حصى أحجار كبيرة من أجل أن تضمضه، تضمض التمر، فإذا جاء الشتاء بدأ الناس يأكلونه، ويأكلونه كألذ ما يكون من التمر؛ لأنه يكون مرصوصًا وفيه دُبس جيد، لكن الناس عدلوا عنه الآن إلى أشياء أخرى.
على كل حال أقول: إنه إذا عدمت هذه الأصناف الخمسة على كلام المؤلف: (أجزأ كل حب) بدل الشعير والبر. (وثمر) بدل تمر والزبيب. (يُقتات) إذا كان قوت الناس ليس حبًّا ولا ثمرًا بل لحمًا، فهل يجزئ؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجزئ، ولكن الصحيح -بلا شك- أنه يجزئ، يوجد -حسب ما سمعنا- في نواحي القطب الشمالي أناس لا يتغدون إلا على اللحم، ولا يعرفون غيره، وعلى هذا فنقول: إنه يُجزئ من اللحم، صاع من اللحم، كيف يُكال اللحم؟ إذا تعذر الكيل رجعنا إلى الوزن، مع أن اللحم إذا يُبِّس يمكن أن يكال.
(أجزأ كل حب وثمر يقتات لا معيب) قوله: (لا معيب) معطوف على (كل) يعني لا يجزئ معيب حتى من البر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى من البر، حتى من التمر، فالمعيب الذي تغيَّر طعمه أو صار فيه دود لا يُجزئ، أو صار فيه سوس، والسوس هو دود في الحقيقة، لكن أحيانًا لا يكون فيه دود، لكن يكون داخل التمر فاسدًا، ولا يظهر المعيب.
(ولا خبز) الخبز أيضًا لا يجزئ، لماذا؟ لأنه لا يُكال ولا يُقتات.
ظاهر كلام المؤلف: ولو يبس الخبز، مع أن الخبز إذا يبس يمكن أن يُكال، ويمكن أن يُقتات، لكن يقال: إن النار أثَّرت عليه، وهنا نسأل: هل تُجزئ المكرونة؟
طلبة: نعم.
طالب: إذا كانت طعامًا.
الشيخ: لا، هي طعام ما فيه إشكال طعام وأي طعام، فيها أنواع من المكرونة أحسن من طعام البر.
طالب: إذا عدمت الخمسة، ما تجزئ عنه.
الشيخ: ويش أصلها المكرونة؟
طلبة: أصلها طحين.
الشيخ: أصلها بر ولَّا لا؟ إذا كان أصلها بُرًّا، فهل هي خبز أو بمنزلة الخبز؟ بمعنى هل هي موقدة في النار؟
طالب: بمنزلته.
[ ١ / ٣١٥٥ ]
الشيخ: الظاهر أنها ما تُوقد بالنار، الظاهر أنها تُعجن ..
طالب: وتصنع صناعة.
الشيخ: إي نعم، وتصنع صناعة.
طالب: الشعرية يوقد عليها ..
الشيخ: لا، خلِّ الآن يوقد عليها، لكن عند صنعها؟
طالب: لا بد يا شيخ.
طالب آخر: تعجن يا شيخ.
الشيخ: على كل حال، إن كان كذلك فهي تشبه الخبز، فمن قال: إن الخبز يجزئ قال: بإجزاء هذه بلا شك، ومن قال: لا يجزئ فيُنظر أيضًا؛ لأن إلحاقها بالخبز من كل وجه فيه نظر، ولهذا نرى أنه يجوز أن يخرج من المكرونة ما دامت قوتًا للناس، لكن هل تعتبر بالكيل أو بالوزن؟
طلبة: بالوزن.
الشيخ: إن قلتم بالوزن قلنا: لا، وإن قلتم بالكيل قلنا: لا؛ هي تختلف بعضها يكون كالرز تمامًا، كالرز حبيبات صغار، هذا يجزئ بالكيل، وبعضها يكون كالأمعاء كالمصران المنفوخة، هذا أيش يجزئ؟
الطلبة: الوزن.
الشيخ: لا بد من الوزن؛ لأنك لو كلت يبقى فراغ واجد ما يستوعبه المكيال.
(ولا خبز) ثم قال: (ويجوز أن يُعطى الجماعةُ ما يلزم الواحد وعكسه).
طالب: الصحيح في الخبز يا شيخ؟
الشيخ: الصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتًا بأن يبس، وانتفع الناس به فلا بأس ().
نقول: الصحيح أن كل ما كان قوتًا من حب وثمر ولحم وغيرها فهو مجزئ؛ لحديث أبي سعيد: كنا نخرجها صاعًا من طعام (١٤).
يقول: (يجوز أن يعطى الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه) (يجوز أن يُعْطَى الجماعةُ) هكذا نقول، ويجوز أن نقول: (ويجوز أن يُعْطِي الجماعةَ) (الجماعة) ممن؟ ممن يستحقون زكاة الفطر، وزكاة الفطر هل مصرفها مصرف بقية الزكوات أو مصرفها للفقراء فقط؟ أي لمن يأخذ لحاجته؟
في هذا قولان لأهل العلم، والصحيح أنها تدفع لمن يأخذ لحاجته فقط؛ يعني للفقراء، فعلى كلام المؤلف يكون المراد بالجماعة مَنْ؟ من كان من أهل الزكاة حتى المؤلفة قلوبهم وحتى الغارمين، وعلى القول الثاني وهو الصحيح أنه لا يُعطى منها إلا من كان في حاجة يكون المراد بالجماعة ممن؟ من الفقراء.
[ ١ / ٣١٥٦ ]
(ما يلزم الواحد وعكسُهُ) يعني ويجوز عكسه، بأن يعطى الواحد ما يلزم الجماعة، فمثلًا إذا كان عند الإنسان عشر فِطَر، يجوز أن يعطيها فقيرًا واحدًا، وإذا كان عنده فطرة واحدة، ويعرف عشرة مساكين مثلًا، يجوز أن يوزع الفطرة صاعًا على عشرة مساكين، ولكن فيما إذا أعطى دون الصاع ينبغي أن ينبه الْمُعْطى على ذلك، فيقول: إن الذي أعطيتك دون الصاع، لماذا؟ لأنه يُخشى أن يدفعها الْمُعطى عن نفسه بناءً على أنها صاع وهي أقل، فيُنبَّه حتى لا يغتر.
وعلى هذا التقرير اللي ذكرنا الآن أنه في زكاة الفطر يجوز أن يُعطي الجماعة ما يلزمهم لفقير واحد، أو يعطي الإنسان ما يلزمه لعدة فقراء يتبين أن ما يجب بذله في مثل هذه الأمور ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما قُدِّر فيه المدفوع بقطع النظر عن الدافع، وعن المدفوع إليه مثل؟
طالب: زكاة الفطر.
الشيخ: زكاة الفطر، مُقدَّر صاع، سواء أعطيتها واحدًا أو أعطيتها جماعة، وسواء أعطاها جماعةٌ لواحد، أو واحد لواحد؛ لأن المقدر فيها هو ما يجب دفعه.
والثاني: ما قُدِّر فيه المدفوع والمدفوع إليه، وذلك فدية الأذى؛ يعني فدية حلق الرأس في الإحرام، فإن النبي ﵌ قال لكعب بن عجرة: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (١٥). وعلى هذا فلا بد أن نُخرج نصف صاع لكل واحد من الستة الفقراء.
[ ١ / ٣١٥٧ ]
والثالث: ما قُدِّر فيه الْمُعطَى دون المدفوع، مثل: فدية كفَّارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجِماع في نهار رمضان، هذه قُدِّر فيها مَنْ؟ المُعطى دون المدفوع ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وبناءً على هذا نقول في كفارة اليمين، وفي كفارة الظهار، والجماع في نهار رمضان: أطعم مسكينًا ما شئت حتى ولو كان دون مُدٍّ من البر، أطعمه، ولهذا يجوز في هذا القسم أن يُغدِّي المساكين أو يعشيهم؛ وذلك لأن الله ذكر الإطعام ولم يذكر مقداره، فمتى حصل الإطعام بأي صفة كانت أجزأ، هذه ثلاثة أقسام:
الأول: ما قدر فيه المدفوع دون الدافع والآخِذ.
والثاني: ما قدر فيه المدفوع والآخذ.
والثالث: ما قدر فيه الآخذ دون المدفوع. هذه أقسام ثلاثة.
ثم قال: (باب إخراج الزكاة).
طالب: شيخ، إذا أخرج واحد إلى الجماعة؛ يعني سعى واحد إلى جماعة والجماعة مثلًا كثيرة ()، ووصل لهم حبة حبة، فهذا كيف يجزئ؟ ما يستفيد الناس؟
الشيخ: سمعتم سؤاله؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول: إذا دفع صاعًا واحدًا إلى جماعة كهذا الجمع، معناه سيأتي كل واحد حبة حبة، فكيف يجزئ؟
على كل حال، هذا سؤال يعني وارد، ولهذا قال العلماء: يسن ألَّا ينقص الْمُعْطى عن مُدٍّ احترازًا مما أشرت إليه.
طالب: قلتم يا شيخ: إن المقصود بحديث أبي سعيد وابن عمر المقصود () المعنى يعني ألا يعني () يفهم من هذا أنه ممكن يخرج أموالًا؟
الشيخ: يخرج أيش؟
طالب: يخرج أموالًا.
الشيخ: لا.
الطالب: لأنه في بعض البلاد يا شيخ ما يريدون إلا مالًا مثل هؤلاء ().
الشيخ: يعني ما يأكلون إلا ورق المال؟ ! يعني يأكلون معشرهم خمس مئة؟ !
الطالب: لا، يقول: أنا ما أريد عيش، أنا مستغنٍ، عندي رز، وعندي تمر، وعندي كل شيء، تبغي تعطيهم مالًا () ولا ().
[ ١ / ٣١٥٨ ]
الشيخ: والله ربما إذا وجد كما قلت إننا نخرج القيمة للضرورة، إذا قال: ما نقبل طعامًا إطلاقًا، فهذه ربما نقول للضرورة، أما الجواز مطلقًا كما هو مذهب أبي حنيفة في جواز إخراج القيمة، فليس بظاهر.
طالب: وإذا أعطيت يا شيخ الزكاة جمعيات البر، ولا صرفت هذه الأطعمة إلا بعد الزوال.
الشيخ: إي، هذه مشكلة يا إخوان، دَفْع الزكاة لجمعيات البِرِّ، هل تقبضه الجمعيات على أنها وكيلة عن الفقراء، أو على أنها وكيلة عن الدافع؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: يترتب على ذلك أنها لو تلفت في صندوق الجمعية لزم الدافع ضمانها، بدلها، أما إذا قلنا: إنها نائبة عن الفقراء، فإن الشيء إذا وصلهم كأنما وصل إلى الفقراء، وينبني على ذلك أيضًا إذا قلنا: إنهم نواب عن الفقراء وأعطيتها إياهم أعطيتهم زكاتك في وقتها في رمضان مثلًا، ولم يصرفوها إلا في آخر السنة فإنك تكون آثمًا أنت؛ لأنك أخَّرت إخراجها عن وقتها، وإذا قلنا: إنهم نائبون عن الفقراء، وأديت إليهم في رمضان الذي هو وقت إخراج زكاتك فقد برئت ذمتك وسلمت.
فالذي يظهر لي أن من كان عنده إذن من الحكومة من هذه الجمعيات فهو نائب عن الحكومة، والحكومة نائبة عن الفقراء، وعلى هذا، فإذا وصلتهم الفطرة في وقتها أجزأت، وإن تأخرت لم تجزئ، وإن تقدمت أيضًا بأكثر من يومين لم تجزئ؛ لأنها موكلة عن مَنْ؟ عن الفقراء، وكذلك إذا أعطيتهم الزكاة وتلفت فلا ضمان عليك، وإذا أعطيتهم إياها في وقت حلولها، فلا إثم عليك، هذا هو اللي يظهر لي.
طالب: شيخ، كيف إذا كان يعلم يا شيخ أنهم سيرجئونها؟
الشيخ: إذا قلنا إنهم وكلاء عن الفقراء فهم لن يرجئوها إلا لمصلحة الفقراء، قد يكون تتزاحم عندهم الزكوات أو الصدقات فيرون من المصلحة أن تُؤخَّر إلى وقت الحاجة.
طالب: ما جرى العمل عليه الآن () صاع ليس الصاع النبوي.
[ ١ / ٣١٥٩ ]
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا سؤال وجيه، يقول: صاعنا الآن أكبر من الصاع النبوي، والناس جرت عادتهم أنهم يخرجون صاعًا، فما الحكم؟ هل نقول: إن هذا بدعة لكونه زائدًا عن المشروع؟ أو نقول: إن مقدار الصاع النبوي هو الواجب والباقي صدقة؟
الصحيح الثاني، لكن الإمام مالك ﵀ كره هذا، كره ما زاد على الصاع النبوي، وقال: إنه لا ينبغي؛ لأن هذه عبادة مُقدَّرة من الشارع، لكن الصحيح أنها عبادة مغلب فيه جانب التمول والإطعام، فإذا زاد فلا بأس، كما لو وجب عليه من الزكاة، مثلًا أربعون درهمًا وأخرج ستين درهمًا.
طالب: () زكاة الفطر () هل يجزئ؟
الشيخ: لا يجزئ، لا بد أن يملكهم الصاع.
طالب: شيخ، لو يعطي الفقير يا شيخ قبل الصلاة عشر فِطَر فاغتنى ففضل عن حاجته الأصليه، فهل يجب عليه إخراج الفطرة؟
الشيخ: إي نعم، ما تقولون في هذا السؤال؟ يقول: فقير أُعطي صباح العيد عشر فطر فصار عنده ما يزيد على قوت يومه، فهل تلزمه الفطرة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا؛ لأن وقت الوجوب متى؟
طلبة: غروب الشمس ..
الشيخ: غروب الشمس من ليلة العيد.
طالب: ولو كان قبل يا شيخ؟
الشيخ: لو أُعطي عشر في آخر نهار رمضان لزمته.
طالب: إذا كان مثلًا في بلد ليس فيها، بحث عن القوت، ولم يجد يخرج القيمة؟
الشيخ: عن أيش؟
طالب: ما وجد يعني.
الشيخ: ما وجد طعامًا يعني.
الطالب: طعام ..
الشيخ: يخرج للضرورة، هذا ضرورة.
الطالب: طيب القيمة والمقدار؟
الشيخ: يسأل: كم يساوي الصاع في هذا الوقت في هذا البلد؟ ويخرج.
الطالب: قد يختلف.
الشيخ: ().
الطالب: يعني مثلًا القوت الرئيسي البر مثلًا بثلاثين ريالًا، وفيه مثلًا الرز أو الأقط مثلًا أقل.
الشيخ: ما يخالف هو صاع يخرج من هذا أو هذا اللي ().
طالب: أقول: بالنسبة للمكرونيا ..
الشيخ: المكرونيا، لا، المكرونة!
الطالب: إذا كان فيه طعام ..
الشيخ: أوكرانيا هذه أظن في الاتحاد السوفيتي سابقًا! !
[ ١ / ٣١٦٠ ]
طالب: إذا كان في غيرها من الأطعمة أوْلى منها؛ لأنها ما هي قوت يعني ..
الشيخ: لا، أنا ما أقول: إنها هي أولى شيء، أنا أقول هل تجزئ أم لا؟ ولَّا أنا في ظني اليوم أن أحسن شيء للناس الرز.
طالب: شيخ، ما رأيك في اللي أخرج كيلوين وأربعين جرامًا من الرز العام الماضي، () الرز كيلوين وأربعين جرامًا.
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: وزع كيلوين وأربعين جرامًا من الرز.
الشيخ: من؟
طالب: واحد العام الماضي.
الشيخ: طيب هذا ما فيه مانع.
طالب: بيصير أقل من البر من الكيلوين وأربعين جرامًا من البر.
الشيخ: إي، يختلف إن كان من الرز أثقل؛ لأن الرز يختلف، إن كان الرز أثقل من البر، فلا بد أن يزيد، إن كان بالعكس فيكفي.
طالب: ().
***
الشيخ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (١٦) فإذا تحدثت عن شخص أمام مجموعة ولم تذكر اسمه، هل يدخل في الحديث؟
الجواب: إن كان يُعلم فهو داخل في الحديث، وإن كان لا يُعلم فإنه لا يدخل في الحديث، لو قلت مثلًا: بعض الناس يفعل كذا، وهو حرام، هذا لا يدخل في الغِيبة، أما إذا كان يُعرف، إذا قلت: بعض الناس يعني تكون قصته مشهورة معروفة، فهذا يدخل في الغيبة.
طالب: ().
الشيخ: يقول هذا: أفتيتم بأن من قتل مؤمنًا متعمدًا فإنه خالد في النار، فهل هذا صحيح؟
الجواب: نعم صحيح، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، هذه الآية.
يقول: ما رأيكم بما نُشر في جريدة الشر الأوسط؟
طلبة: الشرق الأوسط.
الشيخ: لا، مكتوب عندي الشر الأوسط.
طلبة: يسمونها كذا الناس.
الشيخ: الناس؟
طالب: إي، ليست الشر، إنما الشرق.
الشيخ: إي، أنا الشر ما خبرت فيه أوسط وأعلى وأدنى، كل الشر شر.
عن دعاية حلق اللحية بقولها: حلق اللحية مظهر حضاري.
طلبة: ().
[ ١ / ٣١٦١ ]
الشيخ: أعوذ بالله، لكن لو أن الأخ هذا ذكر الجريدة يعني في أي يوم () عدد.
طالب: ٢٤/ ٥/ ١٤٠٠.
الشيخ: ٢٤/ ٥؟
الطالب: جمادى الأول.
الشيخ: ١٤٠٠؟
طلبة: ().
الشيخ: يعني الشهر الثاني، الشهر اللي قبل هذا.
يقول: حلاقة الذقن سلوك حضاري لا يتطلب خبرة سابقة.
معلوم جيب موس، ويحلق، هذه ما هي بخطرة، أعوذ بالله، نسأل الله العافية.
طالب: أيش رأيكم؟
الشيخ: والله رأيي أن هذا، أقول: لا شك أنه إما جهل وإلا استكبار وعناد.
طالب: ().
الشيخ: كيف يكون؟
طالب: () في جهاز الرائي يأتي شخص ومعاه الموس ويحلق.
الشيخ: ويش؟
طالب: جهاز التلفزيون.
الشيخ: التلفزيون؟ تحلق اللحية بالتلفزيون؟
طالب: دعاية.
طالب آخر: على موس الحلاقة الدعاية.
الشيخ: إي.
طالب: ().
الشيخ: الله لا يبلانا، حسبنا الله ونعم الوكيل.
طالب: شيخ، دائمًا الجريدة هذه تقول () هذه محادة لله يا شيخ.
الشيخ: والله يا أخي ليتكم أنكم تجمعون منها الأشياء هذه لأجل أنها تُعرض على الجهات المسؤولة حتى تحد من شرها.
طالب: ().
الشيخ: إي، بودنا نطلع على شيء.
طالب: ().
الشيخ: صحيح، لكن ..
طالب: () وإلا وفيها البلاء والكذب.
[ ١ / ٣١٦٢ ]
الشيخ: الله يعافينا، نسأل الله العافية، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولكن أبشروا يا إخوان ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧] الباطل له صولة، لكنه سرعان ما يزول بحول الله، والواجب أن الإنسان يصبر ويحتسب، ولا شك أن هذا يؤذي الإنسان ويهمه ويغمه، لكن عليه أن يصبر ويحتسب، وينتظر الفرج، الأمور ما تدوم على ها الحال لا بد من تغيير بحول الله، تغيير إلى أحسن؛ لأن هجمة النصارى وهجمة الملحدين على الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر هي مُقدِّمات للنصر؛ لأن الرسول ﵊ يقول: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (١٧)، لكن لا بد للولادة من تعسُّر خروج الولد، نسأل الله أن يعيننا على أعدائنا، بل على أعدائه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] فبدأ بعداوته قبل عداوتنا حتى يكون بُعدنا عنهم لكونهم أعداء لله.
طالب: شيخ، انتُهكت محارم الله، هل نصبر لذلك؟
الشيخ: نصبر حتى نقدر، أما شيء لا نقدر عليه، فماذا نصنع؟ الرسول ﵊ في مكة، ماذا يصنعون به، يقومون ضد دعوته ويمتهنونه؛ لكنه صبر وظفر الحمد لله ().
***
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما معنى قول المؤلف: (وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر) ما معنى قوله؟
طالب: يجب إخراج الزكاة ..
الشيخ: إخراج الفطرة.
الطالب: يعني وقت وجوبها.
الشيخ: يعني أن وقت وجوبها؟
الطالب: يبتدئ من غروب الشمس.
الشيخ: يبتدئ، وينتهي؟
الطالب: إلى ..
الشيخ: تقول: يبتدئ وكل شيء يبتدئ فله منتهى!
الطالب: نعم، له منتهى.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: نهايته إلى وقت الصلاة.
الشيخ: كل هذا وقت الوجوب.
[ ١ / ٣١٦٣ ]
طالب: يعني تجب زكاة الفطر بغروب الشمس؛ يعني إذا كان قبله فوجب عليه، وإذا كان بعده لا يجب.
طالب آخر: أول زمن تجب فيه هو غروب الشمس.
الشيخ: هذا كلام عبد الله، لكن غير مُسلَّم.
طالب: شيخ، من كانت موجودة على غروب الشمس تجب عليه الزكاة ().
الشيخ: إي، وبعده؟
طالب: هذا هو، هذا اللي نعرفه.
الشيخ: وبعده.
طالب: بعده ما تجب، من بعد غروب الشمس ما تجب عليه لا مولود ولا كافر.
الشيخ: إي نعم، لو قلنا كما قال عبد الله معناه تجب عليه، المهم وقت الوجوب؛ يعني سبب الوجوب، سبب الوجوب غروب الشمس، كما قلنا: زوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر.
هذا معنى وقت الوجوب، وليس المراد وقت وجوب دفعها، لا، وقت وجوب يعني متى تكون واجبة على الشخص؟ ما هو التعليل والدليل على أن هذا وقت الوجوب؟
طالب: حديث: فرضَ رسول الله ﷺ صدقة الفطر ليلة الفطر من رمضان. وليلة الفطر بعد غروب ..
الشيخ: وفيه ليلة الفطر من رمضان؟
الطالب: فرض الرسول ﷺ صدقة الفطر من رمضان (١٨).
الشيخ: زين.
الطالب: ويسقط عليه أنه بعد غروب الشمس.
الشيخ: عند غروب الشمس، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح يا جماعة؛ لأن وقت الإفطار من رمضان نهائيًّا هو غروب الشمس ليلة العيد. ما أقسام أوقات إخراج الزكاة على رأي المؤلف؟
طالب: الجواز، وأفضلية، وكراهة، وتحريم، الجواز قبل يومين من العيد، وقت الأفضلية: يوم العيد قبل الصلاة، وقت الجواز مع الكراهة: بقية يوم العيد، والتحريم مع الإجزاء: بعد العيد.
الشيخ: بعد غروب الشمس يوم العيد، الراجح؟
طالب: الراجح أنه يكون بعد صلاة العيد حرام، لا تقبل، وتعتبر صدقة.
الشيخ: إذن عندنا وقتان: جواز وأفضل فقط، يعني ما فيه مكروه وحرام فيه كله حرام بعد صلاة العيد، الدليل على هذا؟
[ ١ / ٣١٦٤ ]
طالب: الدليل: حديث ابن عباس ﵁: قال ﷺ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» (٢).
الشيخ: تمام، وحديث ابن عمر: أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (١). مِنْ ولَّا إلى؟
طالب: إلى الصلاة.
الشيخ: إلى، وأنت قلت؟
الطالب: إلى.
الشيخ: إلى الصلاة، صح.
يجب صاع من بر، أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقِط، كم هذه؟
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة، ما هو الدليل على وجوبها من هذه الخمسة؟
طالب: الدليل قول الرسول ﷺ، لا قول .. لحديث ابن عمر، لا .. فرض ..
الشيخ: لا تقول: لا، اصبر، حديث ابن عمر: فرض.
الطالب: فرض الرسول ﷺ، لا، الشعير بالشعير.
الشيخ: صدقة الفطر.
الطالب: أذكر لك المعنى، لا أذكر الحديث.
الشيخ: أنت ممن يجوزون رواية الحديث بالمعنى؟ !
الطالب: لا يحضرني الحديث.
الشيخ: طيب، قل.
الطالب: الشعير بالشعير.
الشيخ: لا، الشعير بالشعير، نقلتنا لباب الربا.
طالب: قول النبي ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ (١٩) ().
الشيخ: معنا حد.
طالب: قول أبي سعيد الخدري ﵁: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من ..
الشيخ: صاعًا من طعام، وكان طعامنا التمر والشعير والزبيب والأقط (١٤).
وحديث ابن عمر أيضًا: فرضها صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (٦). الذي في حديث أبي سعيد أربعة؟ وفي حديث ابن عمر اثنان؛ البُر لم يُذكر؟
طالب: ().
الشيخ: أيهم؟
طالب: () الطعام.
طالب آخر: البر لم يذكر؛ لأنه قليل في عهد رسول الله ﷺ.
الشيخ: لأنه قليل في عهد الرسول ﷺ، فليس طعامًا لكل أحد، الطعام الشائع هي هذه الأربعة، هل يجوز إخراج الرز مع وجود هذه الأشياء؟
طالب: إذا كان طعامًا.
[ ١ / ٣١٦٥ ]
الشيخ: طعامًا.
طالب: الرز.
الشيخ: الرز طعام.
طالب: يجوز إخراجه.
الشيخ: مع وجود هذه الأشياء؟
طالب: نعم.
الشيخ: مطلقًا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: القول الراجح إذا كانت هذه البلدة قوتها، قوت الرز فإنه يخرج الرز.
الشيخ: ولو مع وجود الخمسة.
طالب: ولو مع وجود الخمسة، إذا كان قوتها من الرز.
الشيخ: وعلى رأي المؤلف؟
الطالب: أنها لا تصح.
الشيخ: أنه لا يجوز مع وجود الخمسة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والصحيح أنه جائز، لحديث أبي سعيد: صاعًا من طعام.
رجل عنده صاع من فطرة، هل يجوز أن يوزعه بين اثنين؟
طالب: نعم؛ لقول المؤلف ..
الشيخ: لا، ما هو لقول المؤلف، لا يجوز أن نستدل بقول المؤلف؛ لأن قول المؤلف يستدل له، ولا يُستدل به، إلا لو سألتك: ماذا قال المؤلف؟ فهمت الآن.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، الدليل؟
طالب: أن النبي ﷺ فرضها صاعًا، وهذا الصاع ما حدد النبي ﷺ يُعطى لاثنين أو واحد، فهنا حدد القَدْر الْمُخرج ولم يُحدد الْمُعْطى إليه.
الشيخ: أحسنت، صحيح.
ذكرنا في هذه المناسبة أن ما قدره الشرع من الكفارات ونحوها ينقسم إلى ثلاثة أقسام؟
طالب: ما قُدِّر المدفوع دون المدفوع إليه.
الشيخ: مثل؟
طالب: زكاة ().
الشيخ: هذا واحد، الثاني؟
طالب: ما قدر المدفوع والمدفوع إليه.
الشيخ: مثل؟
طالب: فدية الأذى.
الشيخ: يعني فدية حلق الرأس في الإحرام، الثالث؟
طالب: ما قدر فيه للناس المعطى دون الآخذ.
الشيخ: دون؟
طالب: دون الآخذ.
الشيخ: المعطى دون الآخذ؟ !
طالب: المعطى يا شيخ ..
الشيخ: ويش قصدك بالمعطى؟ هل هو الآخذ ولَّا المعطى المدفوع؟
طالب: لا، المدفوع يا شيخ.
الشيخ: ما قدر فيه المدفوع.
الطالب: إي نعم، المدفوع.
الشيخ: دون الآخذ، انتهى انتهينا منها زكاة الفطر.
الطالب: ما قدر فيه الآخذ يا شيخ () المعطي.
الشيخ: يعني دون المدفوع.
طالب: إي نعم.
الشيخ: مثل؟
طالب: الكفارات يا شيخ.
[ ١ / ٣١٦٦ ]
الشيخ: كفارة اليمين؛ إطعام عشرة مساكين ولم تُقدَّر، أحسنت.
طالب: شيخ، لو صام رمضان يا شيخ، ثم عند غروب الشمس ليلة العيد ما ملك يا شيخ قوت يومه، ثم لما جاء الصباح ملك القوت، وزاد، هل نقول يجب عليه يا شيخ الزكاة؟
الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟
يقول: رجل صام رمضان، وغابت عليه الشمس وهو فقير، وفي صباح يوم العيد أغناه الله قبل الصلاة؟
طلبة: لا يجب يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟ () لأنه وقت الوجوب ليس أهلًا للوجوب، لكن إن تطوع فهو حسن.
طالب: شيخ، () أفسدت في الوقت () في وقت من أوقات الصلاة أن الصحيح أنه يصلي ذلك الفرد، فكيف يعمل في الزكاة؟
الشيخ: إي؛ لأن سبب الوجوب محدد هنا؛ وهو غروب الشمس.
[باب إخراج الزكاة]
ثم قال: (باب إخراج الزكاة) (الزكاة) هنا (أل) للعهد الذهني، وإنما قلنا ذلك لئلا يدخل فيه زكاة الفطر، فإن زكاة الفطر قد عُلمت وبُيِّن وقت وجوبها ووقت إخراجها، وقدرها وكل شيء، لكن مراد (إخراج الزكاة) زكاة المال، وأنواع الأموال المزكَّاة: الذهب، والفضة، عروض التجارة، سائمة بهيمة الأنعام، الخارج من الأرض.
يقول: (يجب على الفور مع إمكانه) (يجب) يعني إخراج الزكاة (على الفور) (الفور) يعني مبادرًا (مع إمكانه) أي مع إمكان الإخراج.
قوله: (يجب على الفور) دليله أن الأصل في الأوامر الفورية، والدليل على أن الأصل الفورية: أن النبي ﵌ لما أمر أصحابه في حجة الوداع أن يحلوا من إحرامهم من لم يسُق الهدي، ولكنهم تأخروا بعض الشيء رجاء أن ينسخ الأمر غضب ﵊ غضبًا شديدًا (٢٠)، وكذلك لما تأخروا عن حلق رؤوسهم في غزوة الحديبية ليتحللوا بذلك غضب (٢١).
[ ١ / ٣١٦٧ ]
وهذا يدل على أن الأمر للفورية، وكذلك أيضًا أن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فهو إذا أخر يكون مخاطرًا، فقد يموت ويبقى الواجب بذمته، وإبراء الذمة واجب، فهذا دليل الوجوب على الفور، لكن المؤلف اشترط قال: (مع إمكانه) (إمكان) أيش؟ إمكان الإخراج، فإذا لم يمكن فإنه لا يلزمه كما لو كان ماله غائبًا فإنه لا يلزمه أن يُخرج، من أين يخرج؟ وكما لو كان له دين في ذمة موسر أو في ذمة معسر، وقلنا بوجوب الدين في ذمة المعسر، وهو الآن ليس بيده، فإنه لا يلزمه الإخراج لعدم إمكانه.
وهل من ذلك إذا وجب على المرأة زكاة الحلي، وليس عندها دراهم؟ هل يدخل في قوله: (مع إمكانه)؟ أو نقول: إن هذا ممكن؟
نقول: هذا ممكن، بماذا؟ بأن تبيع منه مقدار الزكاة، وتُخرج الزكاة ما لم يتبرع لها زوجها أو أحد من أقاربها بالزكاة فلا بأس، وإلا فيجب عليها أن تبيع منه، لكن النساء يقلن: إذا أوجبتم علينا أن نبيع من الحلي لإخراج زكاته انتهى حلينا لم يكن عندنا شيء، وهذا مما نحتاجه بنص القرآن: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨].
نقول: هذا غير وارد، هذا الإيراد غير وارد؛ لأنه ينقطع الوجوب إذا نقص الحلي عن النصاب، فمثلًا إذا كان عندها ثمانون جرامًا من الذهب فليس عليها زكاة، فكيف تقول: إنكم إذا ألزمتموني بإخراج الزكاة من الحلي نفد؟ نقول هنا: لا ينفد، تصبحين الآن فقيرة، والفقيرة يكفيها من حلي الذهب ثمانون جرامًا.
يقول: (يجب على الفور مع إمكانه) ذكرنا الدليل، وذكرنا التعليل، هناك أيضًا علة أخرى، وهي دعاء الحاجة إلى التقديم؛ لأن حاجة الفقير تحتاج إلى من يدفعها، فإذا أمهلنا في إخراج الزكاة بقي الفقراء في حاجة، فما دامت الزكاة من فوائدها دفع حاجة الفقير فإن المبادرة واجبة.
قال: (إلا لضرر).
طالب: (ضرورة).
[ ١ / ٣١٦٨ ]
الشيخ: (ضرورة) عندي (لضرر). لا نقول: (إلا لضرورة)؛ لأن (إلا لضرورة) ممكن تؤخذ من قوله: (مع إمكانه)، لكن هي (إلا لضرر).
طالب: (لضرر).
الشيخ: أقول: (إلا لضرر).
طالب: ().
الشيخ: إي، صحِّحوها، اللي عنده ضرورة يجعلها لضرر (إلا لضرر)، فهنا إذا كان هناك ضرر على الرجل في إخراج الزكاة فور وجوبها فلا حرج عليه أن يؤخرها حتى يزول الضرر.
مِنَ الضرر أن يخشى أن يرجع الساعي إليه مرة أخرى؛ يعني وجبت عليه زكاة الماشية في محرم، ويخشى أن يأتي الساعي في صفر، الساعي من الساعي؟
العمال الذين يأخذونها من أهلها، يأتي في شهر صفر يقول: يلا أخرج زكاتك، ولا يصدقه، وإلا فالواجب أن يُصدَّق صاحب الزكاة في دفع زكاته؛ لأنه مُؤتمن عليها وهي عبادة له، لكن على كل حال إذا خاف أن يأتي الساعي فيطالبه بالزكاة مرة ثانية، فله أن يؤخر حتى ييئس من قدومه هذا من الضرر.
من الضرر أيضًا: أن يخشى على نفسه أو على ماله إذا أخرج الزكاة بأن يكون بين قوم فقراء مُخرِّبين مفسدين، ولو أخرج الزكاة قالوا: هذا عنده مال، يلا، اسطوا على بيته وخذوا ماله، هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ ممكن، أو اقتلوه وخذوا ماله، هذا ضرر له أن يؤخِّر حتى يفرج الله له.
فإن قال قائل: هل يجوز أن أؤخرها لمصلحة ما هو لضرر؟ لمصلحة مثل في رمضان عندنا الآن يكثر إخراج الزكاة ويغتني الفقراء أو كثير منهم، لكن في أيام الشتاء التي لا توافق رمضان يكونون أشد حاجة، فهل يجوز أن أؤخرها لأشد الحاجة؟
[ ١ / ٣١٦٩ ]
هذه لمصلحة مَنْ إذا أخرتها؟ لمصلحة المستحِق لها، فإذا أخرتها لمصلحة المستحق لها فلا بأس لكن بشرط أن أُبرِزها عن مالي، أو أن أكتب وثيقة بأن زكاتي تحل في شهر رمضان؛ لكني أؤخرها للشتاء من أجل مصلحة الفقراء، هذا لا بأس؛ لأنه لمصلحة الفقراء، وكذلك لو أخَّرها من أجل أن يتحرى من يستحق كما في وقتنا الحاضر، وقتنا الحاضر لو شاء الإنسان لأخرج زكاته في أسبوع واحد لو كان يعطيها من هب ودب، لكنه يقول: الأمانة عندنا ضعفت، وحب المال اشتد فأنا أريد أن أؤخرها حتى أتحرى من يكون أهلًا لها، فهل يجوز هذا أو لا؟ يجوز أيضًا؛ لأن ذلك لمصلحة المستحق، لأني لو عجَّلت وبادرت فقد أعطيها من لا يستحق وأحرم من يستحق، وهنا لا بأس أن تُؤخر.
والله أعلم بالنيات، يعني قد يكون بعض الناس يتعلل بهذا وهو يريد أن ينتفع بماله، لكن إذا علم الله من نيته أنه إنما أخر لمصلحة المستحق فإن هذا لا بأس به.
ثم قال: (فإن منعها) (منعها) قبل أن نتجاوز إذن يجوز تأخير الزكاة إذا تعذر إخراجها من أين تؤخذ؟ من قوله: (مع إمكانه).
يجوز تأخير الزكاة إذا خاف الضرر من قوله: (إلا لضرر).
المسألة الثالثة اللي ذكرناها إذا كان لمصلحة المستحق، فهل يجوز أو لا؟ المؤلف لم يتكلم عليها، لكن تكلم عليها في الشرح وغير المؤلف أيضًا، قلنا: إن ذلك جائز أو غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأن هذا ليس لمصلحة المزكي، المزكي يحب إبراء ذمته بأسرع وقت، لكن لمصلحة الآخذ ادخرها، لكننا قلنا: يجب أن يفعل أيش؟
طالب: يبرزها عن ماله ..
[ ١ / ٣١٧٠ ]
الشيخ: إي، أن يفرزها من ماله، ويكتب عليها أنها زكاة، أو يكتب وثيقة بأن زكاتي وجبت في شهر رمضان، ولكني أخرتها إلى أشد حاجة، لئلا يموت وورثته لا يعلمون، وقد قال النبي ﵌: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٢٢)، والزكاة مما يُوصى فيه؛ لأنها حق واجب.
ثم قال: (فإن منعها) أي الزكاة (جحدًا لوجوبها كفر عارف بالحكم)
(إن منعها) أي ذو المال الزكوي، الفاعل يعود على صاحب المال الزكوي، وهاء المفعول به تعود على الزكاة.
وقول المؤلف: (جحدًا لوجوبها كفر عارف بالحكم)، وعلة ذلك ليس المنع، علة الحكم بكفره ليس المنع، وإنما علة الحكم بكفره جحد كونها فريضة، وعلى هذا فيكون قول المؤلف: (إن منعها جحدًا لوجوبها) تصويرًا لا تأصيلًا؛ يعني ليس من شرط القول بكفر جاحدها أن يمنعها، بل من جحد وجوبها وهو عارف بالحكم فإنه يكفر، لو أداها وهو جاحد وجوبها؟ كذلك يكفر؛ فالعلة إذن الجحد، وأما إذا منعها بخلًا وتهاونًا، فذكر المؤلف.
[ ١ / ٣١٧١ ]
هنا نقف عند نقطة مهمة جدًّا وهي قوله: (كفر عارف بالحكم) ولم يقل: كفر -أي المانع- جحدًا، ما قال: إن منعها جحدًا لوجوبها كفر، قال: (إن منعها جحدًا لوجوبها كفر عارفٌ بالحكم) وعلى هذا فإذا منعها جحدًا لوجوبها وهو يجهل الحكم فإنه لا يكفر؛ لأنه معذور بجهله؛ ولكن هل تقبل دعوى الجهل من كل واحد؟ لا، من عاش بين المسلمين وجحد الصلاة، أو جحد الزكاة، أو جحد الصوم، أو جحد الحج، وقال: أنا ما علمت فإننا لا نقبل قوله؛ لأن مثل هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، يعرفه العامي والعالم فلا يقبل، لكن لو كان حديث عهد بإسلام، أو كان ناشئًا في بادية بعيدة عن القرى والمدن، وأصحاب البوادي البعيدة قد يجهلون شيئًا معلومًا بالضرورة من الدين؛ لأنه ليس عندهم أحد ويمشون على ما عليه آباؤهم، فهذا يُقبل منه أنه جاهل، ولا يكفر ولكن نعلمه، يجب علينا أن نعلمه، ونقول: الزكاة واجبة فريضة، ونبين له الأدلة من القرآن والسنة، فإذا أصر بعد ذلك حكمنا بكفره.
وهذه المسألة -أعني مسألة العذر بالجهل- مسألة عظيمة شائكة من الناس من أطلق وقال: لا يُعذر جاهل في أصول الدين -يعني أصول الدين لا يعذر فيها بالجهل- كالتوحيد مثلًا، فلو وجدنا مشركًا يعبد القبر أو يعبد الولي، ولكنه يقول: إنه مسلم إنما وجد آباءه على هذا ومشى عليه، ولم يعلم بأن هذا شرك، وهذا قد يوجد في بعض القرى النائية أو البوادي النائية، فهل نحكم بكفره؟
[ ١ / ٣١٧٢ ]
لا، ما نحكم بكفره؛ لأن الرسل أول ما جاؤوا به هو التوحيد، ومع ذلك يقول الله ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] لا بد من أن يكون الإنسان ظالِمًا، وإلا فلا يستحق أن يهلك، والأدلة في هذا كثيرة على أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: من قَسَّم هذا؟ وقال: هذا التقسيم لم يحدث إلا بعد القرون المفضَّلة في آخر القرن الثالث. وقال: كيف نقول: إن الصلاة من الفروع؛ لأن الذين يقسمون الدين إلى أصول وفروع يجعلون الصلاة من الفروع.
كيف نقول: الصلاة من الفروع وهي الركن الثاني في الإسلام، أو الزكاة من الفروع، أو الحج من الفروع، أو الصوم من الفروع؟ !
ولذلك هذه المسألة من أصعب المسائل تحقيقًا وتصويرًا؛ لأن كثيرًا من الناس يُطلق الكفر، يقول: من أشرك فهو كافر مطلقًا ولو كان منتسبًا إلى الإسلام، ولو كان لا يعرف عن هذا شيئًا، ولكن ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا ().
***
طالب: والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب إخراج الزكاة: فإن منعها جحدًا لوجوبها كفر عارف بالحكم، وأخذت وقتل، أو بخلًا أخذت منه وعزر.
وتجب في مال صبي ومجنون، ويخرجها وليهما، ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرقها بنفسه ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد، والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده، ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١ / ٣١٧٣ ]
متى وقت إخراج الزكاة؟
فإن مَنَعَها جَحْدًا لوُجوبِها كَفَرَ عارفٌ بالحُكْمِ وأُخِذَتْ وقُتِلَ، أو بُخْلًا أُخِذَتْ منه وعُزِّرَ، وتَجِبُ في مالِ صَبِيٍّ ومجنونٍ فيُخرجُها وَلِيُّهما، ولا يَجوزُ إخراجُها إلا بِنِيَّةٍ، والأفضَلُ أن يُفَرِّقَها بنفسِه ويَقولُ عندَ دَفْعِها هو وآخِذُها ما وَرَدَ، والأفضَلُ إخراجُ زكاةِ كلِّ مالٍ في فُقراءِ بلَدِه، ولا يَجوزُ نقْلُها إلى ما تُقْصَرُ فيه الصلاةُ، فإن فَعَلً أَجزأَتْ، إلا أن يكونَ في بَلَدٍ لا فُقراءَ فيه فيُفَرِّقُها في أَقْرَبِ البلادِ إليه،
وتصويرًا؛ لأنَّ كثيرًا من الناس يُطْلِق الكفر يقول: مَنْ أشرك فهو كافر مطلقًا، ولو كان منتسبًا إلى الإسلام، ولو كان لا يعرف عن هذا شيئًا، ولكن ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا.
***
طالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب إخراج الزكاة: فإن مَنَعها جَحْدًا لوجوبها كَفَر عارِفٌ بالحكم وأخذت وقُتِل، أو بُخلًا أخذت منه وعُزِّر، وتجب في مال صبيٍّ ومجنون ويخرجها وليهما، ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرِّقَها بنفسه ويقول عند دفعها هو وآخذُها ما وَرَد، والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده، ولا يجوز نقلها إلى ما تَقْصُر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى وقت إخراج الزكاة؟
طالب: عند بلوغ نصاب الزكاة يجب على الفور إخراجها.
الشيخ: إي، لكن متى؟ عند ملك النصاب، أو عند تمام الحول؟
الطالب: عند تمام الحول.
الشيخ: عند تمام الحول، ما حكم المبادرة بإخراجها؟
طالب: تجب المبادرة إلَّا لضرورة أو حاجة أو مصلحة.
[ ١ / ٣١٧٤ ]
الشيخ: نعم، إلَّا لضرورة أو حاجة أو مصلحة، أو تَعَذُّر؛ لأنه قال: يجب مع إمكانه.
ما مثال التَّعَذُّر؟
الطالب: بأن يَضيع المال الزكوي.
الشيخ: نعم، يضيع المال الزكوي لسنة أو سنتين فهنا يتعذَّر الإخراج.
وهل فيه زكاة في مدة ضياعه؟
الطالب: نعم فيه زكاة إلَّا إذا كان لو أخرجه في أول السنة نقص عن ..
الشيخ: ما عنده شيء، ضاع له مليون ريال ولا عنده غيره، فهل يجب عليه الإخراج في هذه السنة التي ضاع فيها، أو السنتين أو الثلاث؟
طالب: يُخْرِج إذا وجده يا شيخ.
الشيخ: نعم هو وجده، هل يُخْرِج لما مضى أو لا؟
الطالب: نعم يا شيخ، لا يخرج إلَّا سنة واحدة التي كان عنده؛ يعني: إن كان ما عنده، أما ما مضى يا شيخ لا يخرجه.
الشيخ: نعم، المذهب يُخْرِج لكل ما مضى، والصحيح -كما قلت- أنه يُخْرِج لسنة واحدة كالدَّيْن على المُعْسِر.
***
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف ﵀: (فإن منعها جحدًا لوجوبها كَفَرَ عارِفٌ بالحكم).
(إن منعها) أي: الزكاة.
(جحدًا) مفعول من أجله؛ أي: من أجل الجحد، وهذا المفعول من أجله سابق على الفعل لأن المفعول من أجله قد يكون سابقًا على الفعل وقد يكون لاحقًا له وقد يكون مقارِنًا له، فهنا الجَحْد سابق أو مقارن؟
طالب: مقارن.
الشيخ: نعم، سابق أو مقارن؛ بمعنى إمَّا أن يكون سابقًا ويقول: ليس عليَّ زكاة، والزكاة غير مفروضة، أو يكون جَحْدُه حين المنع.
إذا منعها على هذا الوجه فيقول المؤلف: (كَفَر عارفٌ بالحكم) عارفٌ بالحكم؛ يعني: يعلم أن الزكاة واجبة فإنه يكفُر إذا جَحَدَها؛ وذلك لأن وجوب الزكاة مما يُعْلَم بالضرورة من دين الإسلام، كل مسلم يعلم أن الزكاة واجبة ضرورة فإذا جَحَد ذلك كفر.
[ ١ / ٣١٧٥ ]
وهنا قَيَّد المؤلف ﵀ الكفر بأن يكون عارفًا بالحكم، فعُلِمَ من كلامه أنه لو جَحَد وجوبَها جاهلًا بالحكم فإنه لا يَكْفُر؛ لأن الجهل عُذْرٌ بالكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين في الجملة يعني: لا بكل الصور لقول الله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] أي: رسولًا يُعَلِّمُ الناس ويُبَيِّن لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]، فدلَّ هذا على أنه لو لم يُرسَل رسلٌ إلى الخلق فلهم حجة على الله؛ لأنهم معذورون، وقال الله ﵎ في قريش أنهم قالوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١)، والنصوص في هذا كثيرة؛ أن الجهل عذر.
[ ١ / ٣١٧٦ ]
ولكن هنا مسألة: قد لا يُعْذَر الإنسان بالجهل؛ بمعنى أنه يمكنه أن يتعلم ولم يفعل مع قيام الشبهة عنده، كرجل قيل له: هذا محرم مثلًا وكان يعتقد الحِلَّ، فمن المعلوم أنه إذا قيل له: هذا محرم فسوف تقوم عنده شبهة على الأقل، فحينئذ يلزمه أن يتعلم، يلزمه أن يتعلم ليصل إلى الحكم بيقين، فهذا ربما لا نَعْذُره بجهله، لماذا؟
لأنه فَرَّط في التعلم، والتفريط يُسْقِط العذر، لكن مَنْ كان جاهلًا ولم يكن عنده أي شبهة ويمشي في هذا على أنه هو الحق، أو يقول هذا على أنه هو الحق فلا شك أن هذا لم يُرِد المخالفة ولم يُرِد المعصية ولم يُرِد الكفر، فلا يمكن أن نُكَفِّرَه، حتى لو كان في أصل من أصول الدين، الإيمان بفرْضِيَّة الزكاة أصل من أصول الدين، وأداؤها أصل من أصول الدين، ومع ذلك الجاهل، ماذا نقول للجاهل، نكفِّره ولَّا لا؟
طالب: لا يُكَفَّر.
الشيخ: لا يُكَفَّر، الجاهل لا يُكَفَّر، وبناءً على هذا يتبين حالُ كثير من عوام المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية الذين يستغيثون بالأموات وهم لا يعلمون أن هذا حرام، بل قد لُبِّس عليهم أنَّ هذا مِمَّا يُقَرِّب إلى الله وأن هذا وليُّ الله، وأنه هو الذي يشفع لك عند الله وما أشبه ذلك، وهم معتنقون للإسلام وعندهم غَيْرَة على الإسلام، ولكن يظنون أن هذا من الإسلام، ولم يأتِهم مَنْ ينبِّهُهم، فهؤلاء معذورون، لا يؤاخَذون مؤاخذة المعاند الذي قيل له: هذا شرك.
قال له العلماء: هذا شرك، قال: لا، أنا على ما عليه آبائي وأجدادي، فإن حكم هذا الثاني حكم مَنْ قال الله ﷿ عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢].
إذن لا بد من أن يكون الجاحد لوجوب الزكاة لا بد أن يكون عارفًا بالحكم، فإذا جَحَدها وهو عارف بالحكم صار كافرًا.
[ ١ / ٣١٧٧ ]
فإن كان جاهلًا وأخبرْناه وعلمنْاه وبيَّنا له النصوص وأصرَّ على ما هو عليه، فحينئذٍ يكون: كَفَرَ عالِمًا بالحُكْمِ.
وبناءً على ذلك يتبين لنا أنه لا يُشترط الإقرار بالحكم، إذا بلَغَهُ الحكم على وجه واضح بَيِّن فقد قامت عليه الحجة سواء أقرَّ أو أنكر، حتى لو أنكر قال: أنا ما أرى وجوب هذا الشيء فإنه لا ينفعه ولا يرفع عنه الحكم، وإلَّا لكان فرعون الذي أنكر رسالة موسى مع إقراره بها في باطن نفسه لكان مؤمنًا محِقًَّا، وليس كذلك، فالشرط هو البلوغ على وجه يتبيَّن به الأمر، فإذا بَلَغَتْ الإنسان الحجة على وجه يتبين به الأمر فإن إقراره بها ليس بشرط، يُحكَم بكفره ولو لم يُقِرَّ بها؛ قال: (كفر عارف بالحكم).
وإذا أخبرناه وأصرَّ على أنها ليست بواجبة لكنه يخرِجُها قال: أخرجها على أنها تطوع، يكْفُر أو لا يكفر؟
يكفر وعلى هذا فقول المؤلف: (ومن منعها جحدًا لوجوبها) ليس قيدًا في الحكم؛ لأن المدار على الجحود، فإذا جَحَد الوجوب وهو عارف بالحكم فإنه يكفر سواء أخرجها أم لم يخرجها.
وبهذه المناسبة أود أن أَذْكُر كلامًا للإمام أحمد ﵀ حين قيل له: إن فلانًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، فلما قيل له إن فلانًا يقول: هذا فيمن استحل قتل المؤمن تبسم وقال: إذا استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يَقْتُل، فتبقى الآية لا فائدة منها؛ لأن الآية عَلَّقت الحكم على وصف دون هذا الوصف الذي ذكره هذا القائل وهو الجحود؛ عَلَّقَتْ الحكم على وصف القتل، أما إذا استحل فهو كافر سواء قتل أم لم يقتل.
[ ١ / ٣١٧٨ ]
ومن ذلك الذين قالوا: إن نصوص كُفْر تارك الصلاة محمولة على مَنْ تركها جَحْدًا لوجوبها، نقول: سبحان الله! كيف هذه العقول؟ ! إذا جَحَد وجوب الصلاة، فلو صلى فإنه كافر، لو كان وراء الإمام، لا يختلف عن ظهر الإمام ولا يومًا واحدًا وهو يجحد وجوبها كافر، كيف تعتبرون وصفًا لم يكن في الدليل ولم يُشِر إليه الدليل ولا إشارة، وتُلغون وصفًا علَّق الدليل عليه الحكم، هذه جناية على النص، جناية من وجهين؛ إلغاء ما اعتبره الشرع وصفًا موجِبًا للحكم، واستحداثُ وصفٍ لم يكن في النص، ولا تَعَرَّض له النص.
وهذا البلاء -يا إخواني- يأتي كثيرًا من العلماء؛ لأنهم يعتقدون قبل أن يستدلوا، فإذا اعتقدوا قبل أن يستدلوا حاولوا لَيَّ أعناق النصوص إلى ما يعتقدون، هذه واحدة، أو يكون المستدِل -العالم- مستعظِمًا الأمر؛ كيف يكفر وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويؤمن بالله واليوم الآخر؟ فيستعظم أن يَكْفُر بترك الصلاة، فيحاول أن يُحَرِّفَ النصوص من أجل استعظامه أن يكفر.
على كل حال هذا جئنا به استطرادًا، وإلَّا الموضوع -موضوع مَنْ مَنع الزكاة جاحدًا لوجوبها- فهو كافر، ومَن جحد وجوبها وأدَّاها فهو أيضًا كافر للجَحْد لا للمنع.
يقول ﵀: (أو بُخْلًا)؛ يعني: أو منعها بخلًا.
(وأُخِذَت منه وقُتِلَ) (أُخِذَتْ منه) الزكاة (وقُتِلَ)، تُؤْخَذُ منه وتُعطَى أهلها ويُقتَل؛ يُقتَل لرِدَّتِه.
وهنا يقع إشكال: كيف تُؤْخَذُ منه وقد حكمنا بكفره؟ وهي لا تُقْبَل منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، فكيف نأخُذُها منه ما دام حكمنا بكفره ورِدَّتِه؟ ! وإذا قتلناه فسيكون ماله لمن؟ لبيت المال؛ لأن المرتد لا يَرِث ولا يورَث فكيف تُؤْخَذ؟
نقول: لأنه تَعَلَّق بها حقُّ الغير، وهم أهل الزكاة.
[ ١ / ٣١٧٩ ]
فإذا قال قائل: إذا دخلت بيت المال فالذي يُصرف إليه بيتُ المال أعَمُّ مما تُصرف فيه الزكاة، أفلا يدخل الأخص بالأعَمِّ؟ الجواب: لا؛ لأنها ربما تُصْرَف في الأعَمِّ، تُصْرَف مثلًا في إصلاح الطرق، في بناء المساجد وما أشبه ذلك، وهذا لا يَصِحُّ صَرْفُ الزكاة فيه.
إذن نقول: إذا منعها جحْدًا لوجوبها فإنها تؤخذ منه ويُقتل، وورد الإشكال الذي أوردنا، وهي كيف تؤخذ منه وهو كافر ولا تُقبل منه؟
قلنا: لتعلُّق حق الغير بها، وأوردنا سؤالًا آخر؛ قلنا: أَفَلَيْسَ مال المرتد لبيت المال وبيت المال أعمُّ من الزكاة؟
قلنا: بلى، لكن قد لا تُصْرَف في المصارف الخاصة وتُصرف في المصالح العامة، وهذا لا يجوز.
ثم قال: (وقُتِلَ)، قُتِل لردته؛ ودليل ذلك قول النبي ﵌: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢) وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُستتاب، ولكن هذا الظاهر قد يكون مُرادًا وقد يكون غيرَ مُراد، وأن المراد بيان الحكم بقطع النظر عن شروطه.
وسيأتينا إن شاء الله تعالى في أحكام المرتد أن المرتد لا يُقتل حتى يُستتاب ثلاثة أيام، والعلماء ﵏ مختلفون؛ هل كلُّ كُفْرٍ يُستتاب منه؟ وهل الاستتابة واجبة أو راجعة إلى رأي الإمام؟ والصواب أنها ليست واجبة، وأنها راجعة إلى رأي الإمام، إن رأى من المصلحة أن يُستتاب لكون المرتد زعيمًا في قومه وأنه لو عاد إلى الإسلام لنفع الله به، فهذا يجب أن يستتيبه الإمام، وإن رأى أن إعدامه خير من بقائه لنفسه ولغيره؛ لأن طول عمر الكافر زيادة في إثمه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، فهنا لا يحتاج إلى استتابة، يقتله.
[ ١ / ٣١٨٠ ]
ثم القول الراجح أن التوبة مقبولة من كل ذنب حتى مِنْ سَبِّ الله ورسوله، إذا تاب الإنسانُ من أعظم الذنوب تاب الله عليه، لكن مَنْ سَبَّ الرسول ﵌ فإنها تُقبل توبته ويُقتل، ومن سَبَّ الله فإنها تُقبل توبته ولا يُقتل.
طالب: ().
الشيخ: أو بالعكس.
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ نعم، لماذا؟ لأن حقَّ الله لله، وقد بَيَّن ﷾ لنا أنه يَغْفِر الذنوب جميعًا لا يؤاخِذ عليها، ونحن نقتله لله انتقامًا منه لحق الله، فإذا كان الله قد بَيَّنَ لنا أنه يغفر الذنوب جميعًا فليس من حقِّنا أن نقتله.
أما الرسول ﵊ فسَبُّه حق له، وقتله قتل السابِّ لحق الرسول، وهو حق آدمي، ولا يُعلَم أَعَفَى عنه أم لم يعفُ؟ فلهذا يجب قَتْلُ مَنْ سَبَّ الرسول ولو تاب، وإذا قتلناه بعد توبته ماذا نصنع؟
طلبة: ().
الشيخ: نغسِّله ونكفِّنه ونصلي عليه وندعو له بالمغفرة وندفنه مع المسلمين؛ لأنَّ قَتْله حصل به أداء الحق إلى أهله وقد تاب إلى الله.
يقول المؤلف: (أُخِذَت منه وقُتِلَ) (أو بُخْلًا) (بُخْلًا) هذه معطوفة على جَحْدًا، (أو بُخْلًا) وما هو البخل؟ البُخْلُ: مَنْع ما يجب، والشُّحُّ: الطمع فيما ليس عنده؛ فالبخيل مُمسِك، والشحيح مقتطِع يريد أن يكون أموال الناس كلها عنده، فإذا منعها بخلًا أو شُحَّا، نقول: بُخْلًا أو شُحًّا؟
طلبة: بخلًا.
الشيخ: بخلًا؛ لأنه مَنَع ما يجب (أو بخلًا أُخْذَت منه وعُزِّر) (أُخِذَت): الفعل مبنيٌّ للمجهول، فمَن الآخذ؟
[ ١ / ٣١٨١ ]
الآخذ: مَنْ له حق الأخذ وإلزام الناس بالشرع، وهو السلطان وسلطانُ كلِّ بلدٍ مَنْ جُعِل أميرًا عليها من قِبَل السلطان الأعلى، فتؤخذ، يأخذها الإمام قهرًا أو اختيارًا؟ قهرًا؛ لأنه مانع، ويُعَزَّر، التعزير يطلق على معانٍ منها: النصرة، ومنها: التأديب؛ النصرة كما في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، تعزِّروا رسوله أي: تنصرونه.
والتعزير بمعنى التأديب، مثل كلام المؤلف وهو كبقية كلام الفقهاء، وسُمِّيَ التأديب تعزيرًا، وأصل التعزير النصرة؛ لأن فيه نصرةَ نَفْسِ الإنسانِ عليه؛ لأننا إذا أدَّبناه استقام فنصرناه على نفسه، وقد قال النبي ﵌: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» (٣) قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم كيف ننصر الظالم؟ قال: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُهُ»، فهذا الذي أدَّبناه، نقول: عزَّرناه تعزيرَ نصرٍ في الواقع؛ لأننا نصرناه على نفسه، إذ إن هذا سيردعه عمَّا كان عليه.
وهنا سؤال؛ إذا أُخذِت منه فهل تبرأ بها ذمته؟
نقول: أما ظاهرًا فتبرأ منها ذمته؛ تبرأ ظاهرًا، بمعنى أننا لا نطالبه بها مرة ثانية، وأما باطنًا لا تجزئه؛ لأنه لم ينوِ بها التقرب إلى الله، ولم ينوِ بها إبراء ذمته من حق الله، فلا تبرأ بها ذمته فيكون معاقَبًا عليها عقوبة مَنْ لم تُؤْخَذ منه؛ لأنه بغير اختيار منه.
يقول: (وعُزِّر)، لم يُبَيِّن المؤلف ﵀ بماذا يعزَّر؛ بالضرب، بأخذ شيء من ماله زيادة على الزكاة، بالحبس، بالتوبيخ أمام الناس، بإركابه حمارًا؟
لم يذكُر، وإذا كان المقصود من التعزير التأديب، فإن ما يحصل به التأديب هو الواجب، ويختلف باختلاف الناس؛ مِنَ الناس مَنْ تعزيرُه بالمال، مَنْ هذا؟
[ ١ / ٣١٨٢ ]
البخيل، البخيل عَزِّره بالمال ولن يعود، ومن الناس مَنْ تعزيره بالضرب، المال لو تأخذ نصف ماله ما يهمه، فربما يفعل الرجلان ذنبًا واحدًا أحدهما نُعزِّره بالمال والثاني نُعزِّره بالضرب، وربما يكون جِلْدُه صخرًا، ما يبالي بالضرب، ولكن لو توبِّخُه بكلمة أمام الناس غاصت به الأرض، بماذا نعزِّرُه؟
بهذه، بالتوبيخ، وربما يُعزَّر بالفصل عن الوظيفة.
المهم إن التعزير لا يتقيَّد بنوع معين من العقوبة؛ لأن المقصود به أيش؟ الإصلاح والتأديب، وهذا يختلف باختلاف الناس؛ يقال: إن بخيلًا عَثَر عَثْرة جيدة، فلما عَثَر ورأى إصبعه وإذا هو قد أدمى، فقال: الحمد لله شوي، ولَّا في النِّعلة، أيهن أشد؟
طالب: النِّعلة.
الشيخ: عنده النِّعلة أشد، يمكن لو انقطع إصبعه ما يهمه، ولكن النِّعلة شديدة عليه، هذا من البخلاء، مثل هذا نعزِّرُه بأي شيء؟
بالمال، ولذلك المؤلف أَطْلَق، لكنه قد رَوَى أهل السنن من حديث بَهْزِ بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال فيمن مَنَعَها: «إنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا» (٤)، ولا شك أن الشرع إذا عَيَّن نوع العقوبة ولو بالتعزير فهي خير مما يفرضه السلطان، فنأخذها وشَطْر ماله، فما المراد بشطْر المال؟ شطر المال: نصفه، لكن هل هو المال عمومًا؟ أو ماله الذي منع زكاته؟
في هذا قولان للعلماء، وأظنكم أيضًا سيكون لكم فيها قولان؛ أن نأخذ نصف ماله الذي منع زكاته، فإذا كان عنده مثلًا مئة من الإبل ومنع زكاتها، وعنده مئة من الغنم أدَّى زكاتها، فعلى القول بأن المراد بشَطْر ماله أي الذي مَنع زكاته، كم نأخذ منه؟
زكاة الإبل وخمسين بعيرًا، وعلى القول الثاني نأخذ زكاة الإبل وخمسين بعيرًا وخمسين شاة؛ لأن المراد المال كله، والنص محتمل، فإذا كان محتمِلًا فهل نأخذ بأشدِّ الاحتمالين أو بأيسرهما؟
[ ١ / ٣١٨٣ ]
الظاهر أن نأخذ بأيسرهما؛ لأن ما زاد على الأيسر مشكوك فيه، والأصل احترام مال المسلم، فنأخذ بالأيسر، نعم لو أن الناس انهمكوا في هذا وتمردوا ومنعوا الزكاة ورأى ولي الأمر أن يأخذ بالاحتمال الآخر فيأخذ نصف المال كله لكان له مساغ، ودليل ذلك تضعيف عمر بن الخطاب ﵁ عقوبة شارب الخمر حيث زاد فيها إلى أخفِّ الحدود ثمانين (٥).
ثم قال المؤلف ﵀: (وتجب في مالِ صَبِيٍّ ومجنون).
(تَجِب) الضمير يعود على الزكاة.
(في مال صبي ومجنون) وقد سبقت الإشارة إليه، حيث ذكرنا في شروط وجوب الزكاة الإسلام، ولم نشترط البلوغ ولا العقل؛ وذلك لأنها واجبة في المال، فهي من جهة أنها تكليفِيَّة وعبادة يُرَجَّح فيها جانب السقوط، كما قال به بعض العلماء: أنها لا تجب في مال الصبي والمجنون؛ لأنهما غير مكلَفين، وقد قال النبي ﵌: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» منهم: «الصَبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ» (٦)، ولكن الصحيح أنها واجبة في المال، وأنها تجب في مال الصبي والمجنون، كما يجب عليهما ضمان متلَفِهما، يعني: أن المجنون أو الصبي لو أتلف شيئًا وجب عليهما ضمانه؛ لأنه حق آدمي، ولو أفسدا عبادة لم يجب عليهما شيئًا؛ لأنه حق عبادة، حق لله.
فهنا نقول: الزكاة فيها شائبة حق للآدمي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وفيها أيضًا شائبة أنها تجب في المال؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]، وقوله لمعاذ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ» (٧)، فالراجح أنها تَجِب في مال الصبي والمجنون، ولكن مَنْ يُخرجها؟
[ ١ / ٣١٨٤ ]
يقول المؤلف: (وَتَجِب في مالِ صَبِيٍّ ومجنون، فيخرجها ولَيُّهما)، (وليهما) يعني: من يتولَّى شأنهما في المال، في المال خاصة، ومَنْ الذي يتولى شأنهما في المال خاصة؟ هو الأب، أو وصيه، أو وكيله إن كان حيًّا، وأما الأخ والأم فإنه لا ولاية لهما في مال الصبي والمجنون على المشهور من المذهب، والصحيح أن وَلِيَّهُما مَنْ يتولَّى أمرَهما من أبٍ، أو أمٍّ، أو أخٍ، أو أختٍ، أو عمٍ، أو خالٍ، أو غيرِهم؛ لأن هذا هو مقتضى الولاية، قد يكون الأب ميتًا ولم يوصِ لأحد، لكن هم قالوا: إذا لم يوصِ لأحد فالأمر إلى الحاكم القاضي يُوَلِّي مَنْ شاء، والصحيح أن الأقربين هم الأولياء.
طالب: شيخ، كتب السيرة يا شيخ، السيرة مليئة بتسامح النبي ﷺ، وأنه لا ينتقم لنفسه، فهل الحدود تدل على أن قتل ساب الرسول أحسن الله إليك؟
الشيخ: نعم، يقول السائل: ثبت في الصحيح وغيره أن النبي ﷺ ما انتقم لنفسه قط، أفلا يكون ذلك مانعًا من قولنا بِتَحَتُّمِ قتل سابِّ الرسول؟
الجواب: لا؛ لأن سابَّ الرسول بعد وفاته لا ينال شخصه؛ إذ هو قد مات، وسابُّه في الحقيقة سابٌّ له لشخصه، لكن حقيقة الأمر تعود إلى دينه؛ ولهذا نقول: إن سبَّ الرسول إذا كان حيًّا فهو سَبٌّ شخصي، وإذا رضي وعفا فلا بأس، ولهذا لو سبَّ الرسول باعتبار أنه رسوله وأراد بذلك سَبَّ دينه فلا نظن أن الرسول يُسْقِط حقه.
طالب: () لم يفعل ().
الشيخ: نعم؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، بالدين، لكن الدين مَنْ يمثله؟ يمثله النبي ﵊ فهنا تعلق بشخص الرسول وبالدين، نعم؟
طالب: ذكرتم أن الذين يُشرِكون الآن أنهم معذورون، كيف نعذرهم وهم يعيشون في وسط المسلمين، ولم يُعْذَر أبو رسول الله ﷺ بشركه؟
[ ١ / ٣١٨٥ ]
الشيخ: نعم، هذا السؤال جيد، يقول: كيف نعذِّر المشركين الآن الذين يشركون في بعض البلاد الإسلامية وهم يعيشون في وسط المسلمين، ولم يُعْذَر أبو الرسول ﵊ حيث قال: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ» (٨)؟
أما أهل الفترة فليس لنا أن نتجاوز ما جاءت به النصوص، ولولا أن الرسول قال: إن أباه في النار لكان مقتضى القاعدة الشرعية أنه لا يُعَذَّب في النار، وأنه يكون أمره إلى الله كسائر أصحاب الفترة؛ لأن القول الراجح أن أصحاب الفترة يُمتَحَنُون يوم القيامة بما شاء الله من نوع الامتحان، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، حتى قيل: إنهم يُمتَحَنُون بأن تُمَثَّل لهم النار أو تكون أمامه، ويقال: ادخل النار، فمن دخلها كانت بَرْدًا وسلامًا عليه، ومن أبى عُذِّب بها.
فأهل الفترة لولا ما جاءت به النصوص لكانوا ممن يُتَوَقَّف في أمرهم ويُوكَل أمرهم إلى الله ﷿، أما هؤلاء فإنهم يقولون: إنهم مسلمون، يعتبرون أنفسهم مسلمين ولم يأتهم مَنْ يقول: إن عملكم هذا شرك، بل عندهم من العلماء الضالين المضلِّين مَن يقول: إن هذا هو الحق، وهذا هو الصحيح؛ ولهذا قلنا: لو قيل لهم: إن هذا شرك وحرام وأَبَوْا إلَّا أن يكونوا على ما هم عليه فإنهم لا يُعْذَرون، في عذرهم نظرٌ.
طالب: بس مع وسائل الإعلام لا يَخْفَى عليهم.
الشيخ: والله لا تقول، ربما تخفى، العامة أمرهم عجيب، على كل حال اللي ما تخفى عليه نحكم بكفره.
طالب: لو أعطى إنسانًا آخر أمانة.
الشيخ: نعم؟
الطالب: لو أعطى إنسانًا آخر أمانة () شيء تلفت ()، إذا قلنا: يا شيخ لا يضمن، شيخ، ما الفرق بينه وبين الصبي أو المجنون () يتلف شيئًا وليس له قصد، شيء ثان النائم لو مثلًا نام.
الشيخ: صاحب الأمانة لو أتلفها هو ضمنها على كل حال.
الطالب: يا شيخ، بدون تفريط؟
[ ١ / ٣١٨٦ ]
الشيخ: إي، ولو من دون تفريط إذا أتلفها هو، لكن لو تلفت؛ هي بنفسها تلفت باحتراق مثلًا أو جاء إنسان أخذها وسرقها، لكن لو هو يُتْلِفُها.
افرض أن هذا صاحب الأمانة أني جعلتُ عنده طبقَ تمرٍ.
قلت: هذا وديعة، فجاء هذا الرجل فظنه طبقه فأكله، يضمن أو لا؟ يضمن.
الطالب: حتى النائم يا شيخ؟
الشيخ: حتى النائم يضمن، لأيش؟
الطالب: ما رفع عنه القلم؟ !
الشيخ: إي، مرفوع عنه القلم بالنسبة للإثم، لكن بالنسبة لضمان حق الآدمي لا يُفَرَّق.
طالب: رجل ذبح شاة؛ بهيمة الأنعام، ولم يسمِّ، وهو جاهل في ذلك ونيته سليمة، يريدها لله ﷿، فهل يُعْذَر في ذلك؟
الشيخ: هل يُعْذَر؟ ! طيب؛ رجل ذبح شاة مع بطنها جاهلًا، بحسب المقصود ماتت بأي حال، فجاء بالسكين وقَدَّها مع بطنها حتى شقها نصفين، وهو ما يدري، ما تقول؟
الطالب: ميتة.
الشيخ: ميتة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نفس الشيء فيمن لم يسمِّ.
الطالب: نيته سليمة كيف نعرف؟
الشيخ: وإذا نيته سليمة، هذا ابن حلال قال: بطنه هو اللي فيه الطعام وإذا شقت بطنه، ما عاد تعود تأكل، خلِّ، أذبح مع البطن.
الطالب: يا شيخ، كيف نعذر إنسانًا يشرك بالله ﷿، ولا نعذر هذا وهو لا يعلم؟
الشيخ: إي، هذا فَعَل محرمًا، المشرك فعل محرمًا، وهذا تَرَك واجبًا، فرق بين ترك الواجب وعدمه؛ لأن الرسول ﵊ جعل إنهار الدم والتسمية في حكمٍ واحد، فقال: «مَا أنهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (٩) شرط، وقال في الصيد: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (١٠)؛ ولهذا من غرائب الأقوال أن من العلماء ﵏ مَنْ قال: إذا نسي التسمية على الذبيحة فهي حلال، وإذا نسي التسمية على الصيد فهو حرام، مع أنه كله واحد، كله شرط، مع أنه لو كان الأمر بالعكس كان أَوْلَى؛ لأن الصيد يأتي الإنسان بسرعة ويرتبك فيجيء على طول يرمي، والذبيحة بالطمأنينة، عرفت؟
[ ١ / ٣١٨٧ ]
طالب: عفوًا فيه هنا كلام بسيط، إذا كنت تعلِّق عليه، يقول: هناك، قال رحمه الله تعالى: وقوله: (فَقَطْ) أي: من غير زيادة وفاقًا لحديث الصديق: «مَنْ سَأَلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطَه» (١١) مع توفر الصحابة، ولم يُنقل عنهم أخذ الزيادة ولا قولهم به، ولأنه لا يُزاد على أخذ الحق من المظالم كسائر الحقوق، وقيل: «وَشَطْرَ مَالَهُ» إن علم تحريمه؛ لحديث: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالَهِ»، وهو من رواية بهز، قال الشافعي وغيره: حديث بهز لا يثبته أهل العلم، ولو ثبت لقلنا به.
الشيخ: طيب، جزاه الله خيرًا، هذا هو ثابت في الحديث، حديث صحيح.
الطالب: بالنسبة لحديث الصديق يا شيخ؟
الشيخ: هذا نعم، من سأل شيئًا من شخص باذلٍ، من سأل زيادة ما يُطاع، لكن رجل منعها بخلًا وأبى بس نأخذها منه ونقول: روح! نُعَزِّرُه، يجيء المرة الثانية ما يمنع ولَّا أجيء لغيره، ما يمنع.
طالب: شيخ لو إنسان منع الزكاة فأخذناها منه قَسْرًا، قهرًا، فالآن هو لا تجزئه الزكاة؛ يعني: لا تسقط.
الشيخ: عند الله؟
الطالب: إي نعم، فلو أراد أن يتوب، هل يُخْرِج ثانيًا؛ لأنها لا تجزئه؟
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟
طالب: ما فهمنا السؤال.
الشيخ: يقول: هذا الذي أخذناها منه قهرًا قلنا: إنها لا تجزئه عند الله، لكن لو تاب هل يَلْزَمْه إخراجها أو لا؟ الظاهر يلزمه إخراجها؛ لأنه ما بَرِئت ذمته.
طالب: نفس المسألة هذه ()
الشيخ: الفقه () سلعة وليس معه إلَّا مئة، أظن هذا معنى السؤال، فهل يجوز أن يعطيه المئة ويَرجِع عليه فيما بعد من باب المصارفة؟
إذا كان من باب المصارفة فإنه لا يجوز؛ لأنه لابد من الاستلام في مجلس العقد.
طالب: ما فهمنا يا شيخ.
الشيخ: يقول: إذا اشتريت من شخص بعشرة ريالات، وليس معي إلَّا مئة، فهل أعطيه المئة وأقول: أرجعُ عليك آخذ التسعين إذا لم يكن عنده تسعين ريال؟
أقول: من باب المصارفة لا يجوز؛ لأنه لا بد من القبض.
[ ١ / ٣١٨٨ ]
طالب: ويش باب المصارفة؟
الشيخ: يعني: قصده يصرف مئة بعشرة، مئة بعشرة أوراق من فئة عشرة، لكن ما قَبَض، هذا ما يجوز، أما إذا قال: خذ هذه المئة كَرَهْنٍ عنده، وأنا آتِ لك بالعشرة فيما بعد، هذا ما فيه بأس.
الطالب: أو تبقى عنده حتى يتوفر عنده صَرْف.
الشيخ: أو تبقى عنده، يقول: ما أنصرف حتى أنه يتوفر عندك، تبقى عندك وديعة حتى أحضُر بعد ما يتوفر عندك ويتفق على هذا.
على كل حال، يقول: أقترح أن تكون هناك أسئلة قبل درس الزاد؛ وذلك لأنه بقي الكثير منه، والأسئلة -ما أدري ويش الكلمة- الكثير من وقته، فحبَّذا أن لا تكون هناك أسئلة قبله؛ لأنه بإمكان السائل أن يسأل في وقت آخر ولله الحمد والمنَّة إلَّا إذا كانت هناك قضية مطروحة في الساحة فهذه حاجة لا بد من تبيينها لطلبة العلم، والله يحفظكم.
هو على كل حال اتفقنا أنه ما يُجاب إلَّا على ثلاثة أسئلة فقط، هذه تبقى حتى يأتيها الدور إن شاء الله، وإن جاء رمضان قبل أن يأتيها الدور فتسقط.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرِّقها بنفسه ويقول عند دفعها هو وآخذها ما وَرَد، والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلُها إلى ما تَقْصُر فيه الصلاة فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
رجل منع زكاته فبماذا تحكمون عليه؟
طالب: كان جاحدًا وجوبَها يا شيخ أو مانعها؟ جاحدًا يا شيخ أو غير جاحد؟
الشيخ: ما أدري، إن كان عندك تفصيل ففصِّلْ.
الطالب: تؤخذ منه قهرًا.
الشيخ: عندك تفصيل؟
الطالب: أولًا: إذا كان جاحدًا لوجوبها ولو أخرجها قُتِل رِدَّة.
الشيخ: إن كان جاحدًا لوجوبها كفر؟
الطالب: ولو أخرجها.
الشيخ: طيب وإن كان مُقِرًَّا بوجوبها، ولكن تهاون أو بخل بها؟
[ ١ / ٣١٨٩ ]
الطالب: يُطالَب بإخراجها وتؤخذ منه قهرًا، فإن لم يخرجها قُتِل حَدًَّا.
الشيخ: يُقْتل؟
ماذا تقولون في الجواب الثاني؟
طالب: ما يُقتل حدًّا يا شيخ، تؤخذ قهرًا منه.
الشيخ: تُؤْخَذ قهرًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ولا يُقتل؟
الطالب: ولا يُقتل.
الشيخ: لكن لو منعها قوم قوتلوا، لو منعها جماعة قوتلوا كما فعل الصديق ﵁.
يقول المؤلف: إذا منعها بُخْلًا أُخِذَت منه وعُزِّر، بماذا يكون التعزير؟
طالب: التعزير راجع للإمام، فيما يرى حسب الأصلح لكل شخصٍ بِحَسَبِه.
الشيخ: هل هناك قول ثانٍ في المسألة؟
طالب: فيه قول: راجع للإمام.
الشيخ: انتهينا منه، هذا أخبرنا به، هل فيه قول آخر في التعزير؟
الطالب: ما أخبر عليه، ما كتبته.
الشيخ: ما كتبته؟ هل هناك قول؟
الطالب: نعم، أنه تؤخذ وَشَطْرُ ماله؟
الشيخ: تؤخذ وشطرُ ماله؟ دليله؟
طالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ» (٤)، طيب، ما المراد بالمال؟
طالب آخر: فيه خلاف يا شيخ، منهم من قال: شطر ماله كله، ومنهم من قال: شطر ماله الذي منع الزكاة فيه.
الشيخ: اللي منع زكاته، وبناءً على هذا هل نأخذ بالأشد أو بالأخف؟
طالب: نأخذ بالأخف.
الشيخ: مطلقًا؟
الطالب: إلَّا أن يرى الإمام المصلحة ()، كأن يتداعى أكثر الناس عليها أو غالب الناس فيغلظ عليهم كما عمل عمر ﵁.
الشيخ: نعم؛ يعني: يأخذ بالأسهل؛ لأنه المتيَقَّن ما لم يكن في الأخذ بالأشد مصلحة فتتبع.
هل تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: نعم تجب.
الشيخ: تجب، مَنْ يُخرجها؟
الطالب: وليُّه القائم عليه.
الشيخ: طيب، مَن الوليُّ؟
الطالب: المذهب: الأب أو الوصي أو الوكيل.
الشيخ: نعم، والقول الثاني؟
الطالب: الثاني: الأقربين.
الشيخ: مَنْ يتولى أمره من أبٍ أو جدٍّ أو عمٍّ أو خالٍ أو أمٍّ، وهذا هو الصحيح.
[ ١ / ٣١٩٠ ]
الطالب: شيخ الإسلام يقول: إن الإنسان إذا طُلِبَ منه أن يقيم الصلاة ثم رفض أن يصليها حتى يقام عليه القتل فإنه يعتبر جاحدًا؛ لأنه لا يمكن أن يُسْتَنَد على هذا الشيء ونقول: إنه تركها تهاونًا، بل هو جاحد، هل نقول بالزكاة من هذا يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما نقول؛ لأن الصلاة قال كثير من العلماء بكفر تاركها بخلاف الزكاة.
الطالب: أقصد يا شيخ أن نقول: إنه أردنا نقيم عليه القتل وهو مُصِرٌّ على ذلك.
الشيخ: بس هذاك نهدده بالقتل، المصلي اللي ترك الصلاة، فإذا أبى، ولو قُتِل فهو () وأنه معاند، لكن هذا لا نهدده بالقتل لأنه لا يُقتل.
طالب: مانع الزكاة.
الشيخ: نعم، مانع الزكاة لا يُقتل.
الطالب: باقي الصحابة على كفران مانعها.
الشيخ: قتال؟
طالب: إي نعم، يُقتَل حَدًّا.
الشيخ: قتال مانعها، قتال جماعة، طائفة؛ ولهذا المؤلف يقول ﵀: (كفر عارفٌ بالحكم وأُخِذَت منه وقُتِلَ)؛ لتكذيبه الله ورسوله، أما الثانية قال: قوتل، المقاتلة غير القتل، المقاتلة من أجل أن يلتزم بالواجب، مثل منعها جماعة، طائفة نقاتلهم حتى يؤدُّوها، وقد ذكرنا لكم فيما سبق الفرق بين القتال والقتل، وأن المقاتلة أوسع من القتل.
قال المؤلف: (ولا يَجوز إخراجُها إلا بِنِيَّةٍ)، (لا يجوز) يعني: ولا يجزئ أيضًا إخراجها إلَّا بنية، بنيةٍ ممن تجب عليه؛ لأنه هو المخاطَب بها، ودليل ذلك أثريٌّ ونظري:
أما الأثر فقول النبي ﵌: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٢).
[ ١ / ٣١٩١ ]
وأما النظر؛ فلأن إخراج المال يكون للزكاة الواجبة وللصدقة المستحبة، ويكون هدية، ويكون ضمانًا لمُتْلَفٍ إلى غير ذلك، ولا يحدد نوع الإخراج إلَّا النية؛ فلهذا لا بد من نية في إخراج الزكاة، فينوي الزكاة عن ماله المعين؛ إن كان عروض تجارة فينويها عروض تجارة، إن كان من النقدين ينويها عن النقدين، من الماشية كذلك، المهم ينوي الزكاة عن هذا المال المعين، والدليل ما سمعتم من الأثر والنظر.
وبناءً على ذلك لو أن رجلًا أخرج الزكاة عن آخر بدون توكيل فإنها لا تُجزئ؛ لعدم وجود النية ممن تجب عليه.
وظاهر ما قلنا أنه وإن أجاز ذلك مَنْ تجب عليه فإنه لا يجزئ، وقيل: إذا أجازها من تجب عليه فلا بأس.
أما القول الأول فدليله: أن النية إنما تكون ممن خُوطِب بها، والدافع قبل أن يُوَكَّلَ ليس أصلًا ولا فرعًا، فلا تجزئ حتى وإن أجازها؛ لأن النية لا بد أن تقارِن الفعل.
وأما الثاني الذي يقول: إذا أجازها مَنْ تجب عليه أجزأت فيستدل بأن النبي صلى الله عليه آله وسلم أجاز دفع أبي هريرة المال للذي جاءه وادَّعى أنه فقير وذو عِيال (١٣)، مع أن أبا هريرة إنما هو وكيل في الحفظ فقط، وليس وكيلًا في التوزيع، فأجازه النبي ﵌؛ وهذا أقرب، ولكن الأول أحوط، أن لا تَدفع الزكاة عن شخص إلَّا بعد استئذانه؛ حتى تبرأ ذمته بيقين.
قال: (والأفضل أن يفرقها بنفسه) لا تجزئ إلَّا بنية، لو فرضنا أن الرجل امتنع من إخراج الزكاة بُخلًا كما سبق وأُخِذَت منه، فهل تجزئه فيما بينه وبين الله؟
ذكرنا فيما سبق أنها لا تجزئه، لكنها تجزئه ظاهرًا، بمعنى أنه لا يحِقُّ للإمام أن يطالبه بها مرة أخرى.
(والأفضل أن يُفَرِّقَها بنفسه) هذا هو الأفضل، (أن يفرقها بنفسه) بمعنى: أنه هو الذي يباشر، يقول: (الأفضل أن يفرقها بنفسه) وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أن ينال أجر التعب في تفريقها؛ لأن تفريقها عبادة فيُثاب عليه المرء.
[ ١ / ٣١٩٢ ]
والثاني: لأنه يبرئ ذمته بيقين، فإن الوكيل قد يتهاون بعض الشيء، قد يتهاون في إعطائها من لا يستحق، قد يتهاون في المبادرة بصرفها، وقد يتهاون فتتلف عنده، فإذا فرَّقها الإنسان بنفسه أبرأ ذمته بيقين.
وجه ثالث: أنه يدفع عن نفسه المَذَمَّة، لا سيما إذا كان غَنيًّا مشهورًا، ولم يُعْرَف وكيلٌ له، فإنه يقع في أفواه الناس؛ يقولون: فلان لا يُزَكِّي.
فهذه ثلاثة أوجه كلها تدل على أن الأفضل أن يفرقها بنفسه.
وعُلِمَ من قوله: (الأفضل) أنه يجوز أن يُوَكِّلَ مَنْ يدفعها عنه، سواء دفعها الوكيل من ماله، أو أعطاه مَنْ تجب عليه المال وقال: ادفعه زكاةً، فهو جائز.
أما الصورة الأولى: أن يدفعها الوكيل من ماله فأن يقول شخص لآخر: إن عليَّ مئة ريال زكاة فادفعها عني، فيدفعها الوكيل من ماله، فيجزئ، ويَرْجِع بها على مَنْ تجب عليه.
وأما الصورة الثانية فأن يعطيه الدراهم، ويقول: هذه زكاة فرِّقْها على نظرك لمستحقِّها.
وهل يجوز دفعها إلى الساعي وهو الوكيل من قِبَل الحكومة؟
الجواب: نعم يجوز، لكن بشرط أن نكون على ثقة بأنها تصرف في مصارفها، فإن كنا لسنا على ثقة فإنا لا ندفعها، إلَّا إذا طُلِبَت منا وخِفْنا أن يرجعوا علينا فيما لو لم ندفعها لهم، فحينئذ ندفعها وإن كان يغلب على ظننا أنهم لا يضعونها في مواضعها، وإذا دفعناها في هذه الحال صار الإثم -إن لم تصل إلى أهلها- على مَنْ؟
طالب: الساعي.
الشيخ: على الساعي، وهنا يقول: (الأفضل أن يُفَرِّقَها بنفسه)، ولم يذكر هل يفرقها سرًّا أو يفرقها علنًا؟ وهل يُعْلِم مَن سلَّمه إياها بأنها زكاة أو لا يُعْلِم؟
فهاتان مسألتان؛ الأُولى: هل الأفضل إسرارها أو إعلانها؟
والثاني: هل يُعْلِم من أعطاه بأنها زكاة أو لا يُعلمه؟
[ ١ / ٣١٩٣ ]
أما الأول: فالصحيح أنه يَنْظُر للمصلحة، إن كانت المصلحة في الإسرار أسَرَّ، وإن كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وإذا كانت المصلحة في الإعلان تتحقق بدفع بعض الزكاة دَفَع البعض إعلانًا وأسرَّ الباقي؛ لأن الأصل أن الإسرار أفضل، لكن إذا كان في الإعلان مصلحة مثل أن يقتدي به الناس في إخراج زكاة أموالهم، وما أشبه ذلك من المصالح التي تُعْرَف في حينها فإن الأفضل الإعلان، وإلَّا فالأصل أن الإسرار أفضل؛ لئلا يقع الإنسان في الرياء، وأن يكون بَذَلَها ليقال: فلانٌ كريم.
أما المسألة الثانية وهي: هل يخبِر المدفوع إليه بأنها زكاة، أو يعطيه ويسكت؟
قال العلماء ﵏: إذا عَلِم أنه أَهْلٌ للزكاة فلا يخبره بأنها زكاة، يعطيه ولا يحتاج أن يُعْلِمَه؛ لأن في إعلامه أنها زكاة نوعًا من الإذلال والتخجيل، فلا ينبغي أن يُعلمه.
أما إذا كان لا يَعْلَم فليُعْلِمْه وليقل: إنها من الزكاة من أجل أنه إن كان من أهلها قَبِلَهَا، وإن لم يكن من أهلها قال: لا أقبلها.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويقول عند دفعها هو وآخِذُها ما ورد)، يَحْتَمِل أن تكون العبارة (ويقول) عطفًا على (يفرق)، ويَحْتَمِل أن تكون بالرفع على سبيل الاستئناف، وعلى كلٍّ فينبغي أن يقول عند دفعها ما ورد، ويقول المدفوع إليه أيضًا ما ورد.
أما هو فينبغي أن يقول: اللهم تقبَّلْ مني إنك أنت السميع العليم، بعضهم يقول: تقول: اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا.
وأما الآخذ فقد قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه آله وسلم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [براءة: ١٠٣] فتقول: اللهم صلِّ عليك أو صلى الله عليك أو ما أشبه ذلك، أو تدعو بما ترى أنه مناسب.
قال: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) هذا هو الأفضل؛ أن يُخرَج زكاة كل مال في فقراء البلد، وذلك لوجوه:
[ ١ / ٣١٩٤ ]
الأول: أنه أَيْسَر للمكلف، أيسر من أن يحمِلَها من بلده إلى بلد آخر.
والثاني: أنه أقلُّ خوفًا؛ لأن في السفر بها عُرْضَة لتلفها.
والثالث: أن أهل البلد أقرب الناس إليك، والقريب له حقٌّ، الأقربون أَوْلَى بالمعروف.
والرابع: أن الفقراء في بلدك تتعلق أطماعهم بك؛ بما عندك من المال، والأبعدون ربما لا يعرفون عنك شيئًا، فصاروا هم أَوْلَى بالإِعْطاء.
والخامس: أنك إذا أعطيتَ أهل بلدك بذرْتَ بينك وبينهم بذرة المودة والمحبة، ومعروف أن ما يقع من المحبة بين أهل البلد الواحد له أثر كبير في التعاون فيما بينهم، بخلاف ما لو كان إلى بلد أجنبي.
وقوله: (الأفضلُ إخراجُ زكاة كل مال في فقراء بلده) يدلُّ على أنَّه لو أخرجها في غير فقراء البلد فهو جائز لكنه مفضول، وإذا كان جائزًا ولكنه مفضول فيجب أن نعلم أنه لو كان الفقراء الذين خارج بلده أحوج أو كانوا من أقاربه فهم أَوْلَى، لكن يجب أن نعلم أن هذا فيما إذا كان البلد قريبًا من بلدك، لا يُسَمَّى السَّيْرُ إليه سفرًا.
أما إذا كان بعيدًا فقد قال المؤلف: (ولا يجوز نقلُها إلى ما تَقْصُر فيه الصلاة)؛ يعني: لا يجوز نقلُها إلى بلد بينك وبينه مسافة قَصْر، وهي على المذهب -أعني مسافة القَصْر- محددة بثلاثة وثمانين كيلو تقريبًا، فالبلد الذي بينك وبينه ثلاثة وثمانين كيلو لا يجوز أن تنقل زكاة مالك إليه، ولو كان الفقراء الذين فيه أشد حاجة، ما دام بلدك فيه مَنْ يستحق الزكاة فإنه لا يجوز أن تنقلها إلى بلد آخر، وظاهر كلام المؤلف: لا يجوز ولو لمصلحة أو شدة ضرورة أو قرابة، أو ما أشبه ذلك.
فتبين بهذا أن هناك ثلاثة مواضع: بلدك، البلد القريب الذي دون المسافة، البلد البعيد الذي فوق مسافة القَصْر.
فالأول هو الأصل -أعني بلدك- وهو الأفضل أن تُفَرِّقَ زكاتك فيه.
والثاني جائز، لكنه مفضول ما لم يترجَّح لمصلحة أخرى.
والثالث: غير جائز، لا يجوز نقلها إلى ما تُقْصَر فيها الصلاة.
[ ١ / ٣١٩٥ ]
وليس هناك دليل واضح؛ لأنهم استدلوا بقول النبي ﵌ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «أَعْلِمْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (٧)، على فقرائهم، فالإضافة تقتضي التخصيص؛ أي: فقراء أهل اليمن، لا تجزئ لغيرهم.
وقال بعض العلماء: يجوز نقلها إلى المكان البعيد والقريب للحاجة أو المصلحة؛ للحاجة كما لو كان البلد البعيد أهله أشدُّ فقرًا، أو المصلحة كما لو كان له أقارب يساوون مَنْ عنده في البلد في الحاجة، لكن إذا دفعناها للأقارب حصل لنا صدقة ويش؟ وصِلَة، وهذه مصلحة، أو يكون في البلد الآخر طلاب علم حاجتهم مساوية لأهل البلد الذي أنت فيه، فهنا لا شك أن دَفْعَها إلى هؤلاء أصلح.
وهذا القول -أعني بأنه يجوز نقلها إلى مسافة القَصْر لمصلحة أو شدة حاجة- هو الصحيح، وهو الذي عليه العمل؛ لعموم الأدلة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهؤلاء فقراء مساكين.
وأما قوله ﵌ لمعاذ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرائِهِمْ» فالإضافة هنا يحتمل أن تكون للجنس، كما هي في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ويحتمل أن تكون للتعيين والتخصيص، لكن نظرًا إلى أنَّ نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة مثلًا فيه شيء من الصعوبة والمشقة فصار توزيعها هناك أو () هناك أرفق وأنفع، وعلى هذا القول الذي صححناه عليه العمل، فتجد الناس الآن يرسلون زكواتهم من الحجاز إلى القصيم، ومن الرياض إلى القصيم، ومن الرياض مثلًا إلى اليمن من غير نكير، فالعمل جارٍ على هذا.
[ ١ / ٣١٩٦ ]
يقول المؤلف ﵀: (فإن فعل أجزأت)، معنى (فعل) أي: نقلها إلى مسافة القَصْر فأكثر أجزأت، ولكنه يأثم.
فإن قال قائل: القاعدة عندنا أن المحرم لا يجزئ.
قلنا: التحريم هنا ليس عائدًا إلى الدفع، بل هو عائد إلى النقل، وإلَّا فقد دُفِعَتْ إلى أهلها فتجزئ، ويكون آثمًا بالنقل.
والنهي الذي يقتضي الفساد أو التحريم الذي يقتضي الفساد هو ما عاد إلى عَيْن الشيء وذات الشيء، مثل: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» (١٤) فلو صلى إنسان بعد العصر لم تَصِحَّ صلاته إلَّا ما استُثني، فهناك فَرْق بين أن يتعلق التحريم بنفس العبادة، أو بأمر خارج عنها.
(فإن فعل أجزأت إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيُفَرِّقُها في أقرب البلاد إليه)، هذا مستثنىً من قوله: (ولا يجوز نقلُها إلى ما تقصر فيه الصلاة).
استثنى قال: (إلا أن يكون) والضمير في (يكون) يعود إلى المال بدليل قوله: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) إلَّا إذا كان المال في بلد لا فقراء فيه، قال: (فيفرِّقُها) بالرفع؛ لأن الفاء هنا استئنافية وليست عاطفة.
(فيفرقها في أقرب البلاد إليه) ووجه ذلك أنه لمَّا عُدِمَ المستحِقُّ في الموضع الذي يجب فيه دَفْع الزكاة سقط الواجب، كما لو قُطِعَتْ اليد فإنه يسقط غسلها في الوضوء، وكما لو قُطِع الكف فإنه يسقط السجود عليه في حال الصلاة؛ لأن المحل الذي يجب فيه عليه السجود قد زال، مع أن المسألة الأخيرة تحْتَمِل أن نقول: ولو قُطِعَتْ كفه يجب عليه أن يضع طَرَف الذراع على الأرض؛ لأن المقصود هو الخضوع لله ﷿.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟
طالب: () يا شيخ، العلماء يقولون قاعدة: أن زكاة الفطر تُدْفَع ().
الشيخ: ستأتي في كلام المؤلف.
طالب: شيخ، قول المؤلف: (ولا يجوز إخراجُها إلَّا بِنِيَّةٍ) شيخ، قال بعضهم: إلَّا أن يأخذها منه السلطان قهرًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويش وجهه يا شيخ؟
[ ١ / ٣١٩٧ ]
الشيخ: يعني: فإنها تجزئ ظاهرًا، مرادهم إنها تجزئ ظاهرًا لو ما نوى.
الطالب: لو أخذها من السلطان قهرًا؟
الشيخ: إي نعم، لو أخذها قهرًا.
الطالب: بس ما تجزئه.
الشيخ: ما تجزئه فيما بينه وبين الله، نعم.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لدفع الزكاة إلى فقراء في غير البلد، أليس فيه دليل على ذلك؛ فعل الرسول ﷺ أنه أتاه صحابي فقال: «انْظُرْنَا حَتَّى تَأْتِي الصَّدَقَةُ» (١٥)؟ فيه دليل يا شيخ؟
الشيخ: ما فيه دليل.
الطالب: لأنه قال: «حَتَّى تَأْتِي الصَّدَقَةُ».
الشيخ: إي، الرسول يرسل عماله يجيبون الزكاة للمدينة، لكنها تُقْبَضُ في محلها، والإمام نائب عن الفقراء.
الطالب: قُبِضَت ووُزِّعَت في ..؟
الشيخ: إي نعم، قُبِضَت هناك ووُزِّعَت هنا، لكن هي حين قُبِضَت فقد وصلت إلى أهلها.
الطالب: في فَرْق إذن؟
الشيخ: إي، في فَرْق.
طالب: هل يجوز تأخير الزكاة إلى ()؟
الشيخ: مرت علينا هذه، مرت علينا، راجع الشريط.
طالب: شيخ، الأفضل في الزكاة في إعانة الخير ولَّا في دفع المُحَرَّم؟ الأفضل؟
الشيخ: ويش معنى: في إعانة الخير؟
الطالب: إعانة الخير مثلًا.
الشيخ: أو دفع المحرَّم.
الطالب: دفع المحرَّم مثلًا؛ واحد؛ رجل فقير ويأخذ الأموال للنفقة في الربا، وهذا في الزكاة في دفع المحرم، وفي إعانة الخير مثلًا يعطي العلماء والطلبة لأجل يدرسون ().
الشيخ: إي، هذا السؤال جيد، يقول: هل الأفضل أن نُعطيَ الزكاة مَنْ يَسْلَمُ بها مِنَ الْمُحَرَّم؟ أو مَن يستعين بها على الخير؟ يعني.
طالب: ذكرناها.
الشيخ: لا، ما ذكرناها.
الطالب: قلنا: () مقدم على ().
الشيخ: يعني: يقول: هذا الرجل لا يعيش إلَّا على الربا، لا يعيش إلَّا على الربا، فهل نعطيه مِنَ الزكاة ما يكفيه من أجل أن يَسْلَم من الربا؟ وهذا رجل آخر لا يطلب العلم إلَّا من الزكاة، لو لم يكن عنده زكاة لترك طلب العلم من أجل طلب المعيشة، فأيهما يُقَدَّم؟
[ ١ / ٣١٩٨ ]
طلبة: ().
الشيخ: من أين وجدت هذا؟ هذا جيد جدًّا.
طالب: الثاني يا شيخ لعموم الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]، أما هذا فيستطيع أن ..
الشيخ: أيهما الثاني؟ الذي يَدْفَع بها المُحَرَّم؟
الطالب: الذي يطلب العلم؛ هو أَوْلَى بها من الأول؛ لأن الأول يستطيع أن يستغني عن الربا.
الشيخ: لا، ما يستطيع.
الطالب: يستطيع الثاني؛ لأنها ليست ضرورة.
الشيخ: لو ترك الاتِّجار بالربا.
الطالب: ليس ضرورة أكله الربا، إن الشرع أوسع؛ لأن طالب العلم نفعُه يَعُمُّ، أما هذا فعله على نفسه فقط.
الشيخ: يعني: معناه نقدم طالب العلم؟
الطالب: إي نعم، وغيره، أما هذا فضرره والإثم عليه نفسه فقط.
طالب آخر: نقدم مَنْ سيقع في المحرم؛ لأن فيه إنقاذه من الحرام والوقوع فيه.
الشيخ: طيب، الظاهر أنكم ستختلفون، الآن حصل، بان الخلاف؟
طالب: () المصلحة يا شيخ، إن كانت المصلحة أكبر في إعطاء هذا فإنه يُعْطى.
الشيخ: إي معلوم، طالب علم، ولا يمكن يجمع بين طلب العلم والمعيشة.
الطالب: يعني: ما قد يكون المصلحة فيه أكبر يا شيخ؟
الشيخ: أيهن؟
الطالب: لدفع الربا، تكون فيه مَضَرَّة على الناس، يا شيخ.
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: () الربا ().
الشيخ: لا، ما يضر إلَّا نفسه.
طلبة: شيخ.
الشيخ: على كل حال نشوف، هذا الذي يأكل الربا إذا منعناه من الزكاة أَلَا يمكن أن يعيش بدون أكل الربا؟
طالب: نعم، بلى.
الشيخ: يمكن، عنده أعمال.
طالب: ()
الشيخ: بمعنى أنه الآن يأكل الربا ولكن لو نمنعه من هذا الاتِّجار يمكن أن يجد عملًا.
طالب: المسألة واضحة.
الشيخ: زين، إذا كان كذلك فالمسألة واضحة، لكن إذا كان لا يستطيع العمل؛ إذا كان مشلولًا لا يستطيع العمل.
طالب: طالب العلم.
طالب آخر: الآية يا شيخ ().
الشيخ: وهي؟
الطالب: أن ثمانية مستحقين للزكاة.
الشيخ: طيب، هذا مستحِقٌّ.
[ ١ / ٣١٩٩ ]
الطالب: هذا إذا كان دخل في الثمانية المستحقين للزكاة فهو أَوْلَى، أما إذا كان مرابيًا وعنده مال، ونقول: نعطيه؟
الشيخ: لا، إذا صار عنده، إذا صار عنده مال ما هو بواردة، ما يرد علينا هذا، عنده مال مستغنٍ، ما نعطيه.
الطالب: الذي يرابي عنده مال.
الشيخ: ما هو على كل حال.
الطالب: () يرابي؟
الشيخ: ما هو على كل حال، يمكن عنده مال ما يكفيه، يرابي بعشرة آلاف ريال بإحدى عشر ألف ريال ولا يكفيه.
()
طالب: رجل عنده مال ربا، كل ماله ربا، () وأمرناه يتخلص منه فأبى، فهل تؤخذ الزكاة من هذا المال؛ لأن الزكاة تكون مالًا () بذات المال فهل نأخذ زكاة المال ..؟
الشيخ: إي نعم، نأخذها منه.
الطالب: بس المال حرام.
الشيخ: إي، لكن حرام لكسبه، الحرام لكسبه نأخذ منه.
طالب: إذا كان سرقة؟
الشيخ: لا إذا كان سرقة ()، ما هي ملكه.
الطالب: الأصل بالنسبة للزكاة؛ دفعها إلى الساعي أو الإمام أو ..؟
الشيخ: لا، الأصل أن يُفَرِّقُها الإنسان بنفسه.
الطالب: حتى زكاة الأموال الظاهرة؟
الشيخ: إي نعم، هذا الأصل.
الطالب: يعني: مثل ..
الشيخ: مثل الثمار والإبل والبقر والغنم.
الطالب: الأصل أن تُدفع بنفسه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني: يُفَرِّقُها بنفسه.
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، قول الله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقلنا في الوكيل أو الرجل الذي دفع عن الآخر زكاة قلنا: إنها تجزئ، ولم يؤخذ من نفس المال، وهل تنطبق كذلك على عروض التجارة يا شيخ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؟
الشيخ: نعم، ويش تقولون في هذا؟
الطالب: ما سمعنا منه يا شيخ؟
الشيخ: يقول الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ والوكيل الذي دَفَع من ماله ليرجع به على صاحب الزكاة لم تؤخذ الزكاة من ماله، عرفتم؟ ما هو الجواب؟
طلبة: ().
[ ١ / ٣٢٠٠ ]
الشيخ: الجواب سهل، المقصود إخراج ما يجب، و﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هذه لبيان الجنس؛ يعني: أن الزكاة إنما تجب فيما يملكه الإنسان.
طالب: شيخ، أَلَيْسَ قلنا: درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح؟
الشيخ: بلى.
الطالب: فيه مصلحة؛ إذا كان () مثلًا دفع الزكاة ليتخلص منه، يتم أَوْلَى من جلب مصلحة.
الشيخ: إي، بارك الله فيكم، يجب أن نعلم أن درء المفاسد أَوْلَى مَنْ جلب المصالح مع التساوي والتقارب، أما إذا رَبَتْ المصلحة وزادت زيادة بيِّنة على المفسدة فهي مُقَدَّمة.
الطالب: () ما دام الأخ قال رأيًا خلِّه يدلي بحجته، وأنا أدلي بحجتي، نعرض الحُجَّتَيْن.
الشيخ: أنت أدليت بحجتك.
الطالب: لا ما أدليت.
الشيخ: ما تقول: نحميه ونحمي أهله من الربا؟
الطالب: هذه واحدة.
الشيخ: الثانية، ويش عندك؟
الطالب: عندي: طلب العلم فرض كفاية ولَّا فرض عين؟
الشيخ: فرض كفاية.
الطالب: والحرام إذا وقع على إنسان، أيش يكون؟
الشيخ: يجب تَجَنُّبُه على مَنْ باشره.
الطالب: ويش نُقَدِّم؟
الشيخ: معلوم، نشوف فرض الكفاية، قد تكون ..
الطالب: إذا كان طلب العلم يَتَأَتَّى منه ولَّا من غيره، وهذا وقع في الحرام، ولَّا له منفذ غير هذا.
الشيخ: وأنت شو رأيك؟
طالب: نحن نقول: قد يكون هؤلاء أو طلبة العلم هؤلاء لا يوجد غيرهم، فيكون فرض عين، فأنت إلى ماذا تميل يا شيخ؟
الشيخ: والله أنا أستخير الله، دعوني أتأمل.
الطالب: كأن كلامك يميل مع الثاني، كأنك تميل مع الثاني.
الشيخ: الآن أنا أرجح أن نعطيها طلبة العلم؛ لأن هذا يمكن نمنعه، ما نعطيك من الربا، عنده من الصدقات ولَّا من تبرعات أخرى من غير الزكاة.
الطالب: بس اللي وجهته، ما خرجت له وجهًا ثانيًا، إن عندنا زكاة فقط وعندنا اثنين، ما فيه مخرج.
الشيخ: إذا قَدَّمْنَا هذا لا بد أن نقيت هذا الرجل؛ لأنه إذا وصل إلى حد الضرورة صار دفع ضرورته واجبًا من غير زكاة.
[ ١ / ٣٢٠١ ]
الطالب: ما صارت مسألتنا، ما عاد صارت، مسألة ثانية؛ عشرة ريالات زكاة مثلًا () وشخصين، ما معنا إلَّا هذا من نعطيها هذا ولَّا هذا؟ هذه مسألتنا.
الشيخ: نعم هذه، أيهما يقدم؟
الطالب: أقول: الذي حدده الله ﷿ في الأدلة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: المولى ﷿ حدد؛ ما في الآية هو الذي نمشي عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
الشيخ: المشكلة كلهم فقراء، هذا إذا منعناه الفقير، أنت تظن أن الذي يتعامل بالربا أنه غني، نُقَدِّر أنه ما عنده إلَّا ما يكفيه ليوم واحد.
() إذا اشترى بمالِ الصدقة محلًّا تجاريًّا وأعطاه للفقير حتى يستغنيَ به عن السؤال عند الحاجة، أفتونا؟
هذا إن شاء الله يأتي في البحث في الفقير، وأنه لا يُعطَى إلَّا كفايته فقط، والمحل التجاري كبير القيمة، فإذا اشترى مثلًا بعشرة آلاف معناه أنه حَرَم عشرة فقراء أو أكثر من زكاة هذا العام فلا يجوز، لكن لو فُرِض أن الفقير قد اشترى شيئًا وصار عليه دَيْن فهذا يُقْضَى دَيْنُه من الزكاة.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ولا يجوز نقلُها إلى ما تُقْصَر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيُفَرِّقُها في أقرب البلاد إليه، فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده وفِطْرَتَه في بلد هو فيه، ويجوز تعجيلُ الزكاة لحولين فأقل ولا يُسْتَحَبُّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل يجوز التوكيل في إخراج الزكاة؟
طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل عدم الدليل.
الشيخ: ما يصير؛ لأنه قد يقول قائل: الزكاة عبادة، والعبادة مطلوبة من الإنسان بنفسه.
طالب: النبي ﷺ وَكَّلَ أبا هريرة في صرف الزكاة.
الشيخ: في زكاة الفطر، هذه واحدة.
[ ١ / ٣٢٠٢ ]
طالب: () الزكاة من الناس.
الشيخ: في أخْذِها، ويكونوا وكلاء في قبضها، فيه أيضًا في الهدي وهو عبادة وَكَّلَ النبي ﵌، مَنْ؟ علي بن أبي طالب ﵁.
طالب: الأصل الجواز؟
الشيخ: لا، هو الأصل الجواز في المعاملات، أما هذه عبادة فقد يقول قائل: الواجب أن يؤدِّيَها الإنسان بنفسه.
ما هو الأفضل في إخراج الزكاة من حيث المكان؟
طالب: يخرجها في بلده، في فقراء بلده.
الشيخ: في فقراء بلده، الدليل؟
الطالب: الدليل قول النبي ﷺ لمعاذ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ» (٧).
الشيخ: «صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ».
الطالب: «صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ».
الشيخ: «فِي فُقَرَائِهِمْ».
الطالب: () الإضافة تقتضي التخصيص.
الشيخ: نعم، ما الجمع بين قول المؤلف: (والأفضلُ إخراجُ زكاة كل مال في بلده) (ولا يجوز نقلها إلى ما تُقْصَر فيه الصلاة)؟
طالب: ما فيه تعارض يا شيخ، إن هذه الحال إنه يكون الفقراء في البلد، تؤخذ في حالة يجوز إخراجها في بلد ..
الشيخ: لا، يقول: (لا يجوز)، (لا يجوز نقلُها)، فإذا كان لا يجوز نقلها إلى بلد فهذا يقتضي أن يجب إخراجها في البلد.
الطالب: مقصود المؤلف أنه في البلد ممكن يخرجها في بلد ليست مسافة قصر.
الشيخ: نعم، دون المسافة، تمام، إذن الإخراج إما أن يكون في البلد نفسه أو في بلد دون المسافة، أو في بلدٍ مسافةَ قصرٍ فأكثر؛ الأول: هو الأفضل، والثاني: جائز؟
لا، مطلقًا.
والثالث: نقله إلى ما تُقصر فيه الصلاة لا يجوز على المشهور عند الأصحاب ﵏.
مثال ما إذا نقلها لبلد لا تُقْصَر فيه الصلاة؟
طالب: ().
الشيخ: إذا نقلها لبلد لا تُقْصَر فيه الصلاة؛ يعني: بلد قريب.
الطالب: أُمَثِّل البلد؟
[ ١ / ٣٢٠٣ ]
الشيخ: إي نعم، مثِّل، إي، عايزين مثالًا.
الطالب: () أن يكون الذي عليه زكاة في عنيزة ويخرجها في الرس.
الشيخ: زين، تمام، طيب.
الطالب: ثلاثة وثمانين كيلو على المذهب؛ يعني: مسافة القَصْر، ثلاثة وثمانين كيلو على المذهب.
الشيخ: إي، لا، هي دون مسافة القَصْر. لو أنه فعل فأخرجها في بلد تُقْصَر فيه الصلاة.
الطالب: أجزأت ولكن يأثم.
الشيخ: أجزأت ولكن يأثم، كيف تجزئ مع الإثم؟
الطالب: لأن التحريم ليس عائدًا على نفس الإخراج.
الشيخ: نعم.
الطالب: على نفس الدفع، ولكن عائد إلى مكان الإخراج.
الشيخ: النهي هنا لا يتعلق بذات العبادة.
الطالب: ولكن يعود إلى أمر خارج.
الشيخ: نعم، لأمر خارج، فلذلك أجزأت.
قال المؤلف: (إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فَيُفَرِّقُها في أقرب البلاد إليه).
يقول المؤلف: (إلا أن يكون) هذا مستثنى من قوله: (ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة إلا أن يكون) الفاعل أو اسم كان يعود على المال؟ أو على رب المال؟
طلبة: المال.
الشيخ: يعود على المال.
فإن كان في بَلَدٍ ومالُه في آخَرَ أَخْرَجَ زكاةَ المالِ في بَلَدِه، وفِطرتَه في بَلَدٍ هو فيه، ويَجوزُ تَعجيلُ الزكاةِ لِحَوْلَيْنِ فأَقَلَّ ولا يُستَحَبُّ.