[ ١ / ٣٦٥٦ ]
الإحرامُ نِيَّةُ النُّسُكِ، سُنِّ لِمُريدِه غُسْلٌ أو تَيَمُّمٌ لعَدَمٍ وتَنظيفٌ، وتَطَيُّبٌ، وتَجَرُّدٌ من مَخِيطٍ، في إزارٍ ورِداءٍ أَبْيَضَيْنِ، وإحرامٌ عَقِبَ رَكعتينِ ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُسْتَحَبُّ قولُ: " اللَّهُمَّ إني أُريدُ نُسُكَ كذا فيَسِّرْهُ لي، وإن حَبَسَنِي حابِسٌ فمَحَلِّي حيث حبَسْتَنِي،
(وعمرته من الحل): (من حج من أهل مكة فمنها)، أي: من مكة، أي: فيحرم من مكة؛ لقول النبي ﷺ حين وقت المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (١)، وهنا ينبغي أن نأخذ من الحديث أن من كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه. فمثلًا أهل الشرايع في طريق أهل نجد إذا أرادوا أن يُحرموا هل نقول: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، أو نقول: أحرموا من مكانكم؟
طلبة: من مكانكم.
الشيخ: من مكانكم، أهل جدة نقول: أحرموا من مكانكم، ولا حاجة أن تذهبوا إلى الجحفة ولا أن تذهبوا إلى ذي الحليفة، من كان دون هذه المواقيت أحرم من حيث أنشأ.
وانظر إلى هذا التعبير النبوي قال: «مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ»، ولم يقل: من بلده؛ لأنه قد يكون دون مواقيت بلده، ولكنه هو في مكان آخر غير بلده، فينشئ النية؛ نية العمرة أو الحج، فنقول: أحرم من حيث أيش؟ أنشأت.
طيب، أهل مكة في الحديث: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فيحرم أهل مكة من مكة.
وقول المؤلف: (من حج من أهل مكة فمنها) ليس له مفهوم، أعني قوله: (من أهل مكة)، فإنَّ من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامه من مكة، فلا مفهوم للعبارة، ولو كانت العبارة: (ومن حج من مكة فمنها) لشملت أيش؟ أهل مكة وغيرهم، لكن هو ﵀ تبع غيره في العبارة: (من حج من أهل مكة فمنها). إذن: من حج من مكة من أهلها ومن غيرهم فمنها.
[ ١ / ٣٦٥٧ ]
والدليل على هذا، الدليل على أن أهل مكة يحرمون من مكة قول الرسول ﵊: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، وفِعْل الصحابة ﵃ الذين حلوا من إحرامهم في التمتع مع الرسول ﵊؛ فإنهم أحرموا من مكة، من الأبطح.
طيب، وقوله: (وعمرته من الحل)، يعني: عمرة من كان من أهل مكة من الحل، أي: من موضع خارج الحرم، والحرم له حدود معروفة والحمد لله إلى الآن، وتختلف قربًا وبعدًا من الكعبة، فبعضها قريبٌ من الكعبة، وبعضها بعيدٌ من الكعبة، أقربها من الكعبة التنعيم؛ التنعيم هو أقربها من الكعبة، وأبعدها من جهة جدة ومن جهة عرفة أيضًا، بعضها تسعة أميال أو أحد عشر ميلًا.
على كل حال هذه الحدود توقيفية، حدود الحرم توقيفية؛ ليس للرأي فيها مجال، فلا يقال: لماذا بعدت حدود الحرم من هذه الجهة دون هذه الجهة، لماذا؟ لأنها توقيفية.
المؤلف يقول: (عمرته من الحل)، القريب والبعيد أو القريب؟
القريب والبعيد، فلو قال: أنا لا أريد أن أحرم من التنعيم، بل أريد أن أحرم من طريق جدة وهو بعيد -حوالي أحد عشر ميلًا - لأنه إلى الحديبية؛ فهل له أن يفعل؟ أجيبوا.
طلبة: نعم.
الشيخ: له أن يفعل. طيب، هل الأفضل أن يختار الأبعد، أو أن يختار الأقرب، أو أن يختار الأسهل؟
طلبة: الأسهل.
الشيخ: الأسهل، هذا هو الظاهر، وقال بعض العلماء: بل الأفضل أن يختار الأبعد؛ لأنه أكثرُ أجرًا، ولكن في النفس من هذا شيء.
وقال بعض العلماء أيضًا: الأفضل أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، فإذا كان من أهل نجد وأراد أن يحرم قلنا: الأفضل أن تحرم من قرن المنازل.
[ ١ / ٣٦٥٨ ]
فالأقوال إذن ثلاثة: الأبعد، الأفضل من الميقات، الأفضل، الأسهل، وهذا هو الأقرب. وعليه فإذا كنت في مزدلفة فأحرم من عرفة؛ لأنها أقرب الحل إليك، وإذا كنت من جهة الشرائع وأنت داخل الحرم فالجعرانة؛ لأن الرسول ﵊ أحرم منها حين جاء من الطائف من غزوة حنين (٢)، المهم اتبع الأسهل.
طيب، يقول: (وعمرته من الحل). هذا هو القول الذي عليه جمهور أهل العلم: أنَّ من كان في مكة وأراد العمرة فإنه يحرم من الحل.
ودليل هذا القول أن الرسول ﵊ لما طلبت منه عائشة أن تعتمر، أمر أخاها عبد الرحمن وقال: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ» (٣)، فأمره أن يخرج بها من الحرم لتهل بالعمرة من الحل، فدل ذلك على أن الحرم ليس ميقاتًا للعمرة، ولو كان ميقاتًا للعمرة لم يأمر النبي ﵌ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بأخته ويتجشم المصاعب في تلك الليلة ليحرما من الحل أو لتحرم من الحل؛ لأن من المعلوم أن الرسول ﵊ يتبع ما هو أسهل ما لم يمنع منه الشرع، فلو كان من الجائز أن يُحْرَم بالعمرة من الحرم لقال لها: أحرمي من مكانك.
طيب، فإذا قال قائل: ماذا تقولون في قول النبي ﵊: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (٤)، ثم ذكر المواقيت وقال: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، مع أنه في الحديث قال: «مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ» (٥)، فظاهر العموم أن العمرة لأهل مكة تكون من مكة.
قلنا: هذا الظاهر يعارضه حديث عائشة أن الرسول ﵊ أمر أخاها أن يخرج بها لتحرم من التنعيم.
فإن قال قائل: عائشة ليست من أهل مكة، فأمرت أن تخرج إلى الحل لتحرم منه؟
[ ١ / ٣٦٥٩ ]
قلنا: ليس المانع من الإحرام إحرام الآفاقي من مكة هو أنه ليس من أهل مكة، بدليل أن الآفاقي يحرم بالحج من أين؟ من مكة، فلو كانت مكةُ ميقاتًا للإحرام بالعمرة، لكانت ميقاتًا لأهل مكة وللآفاقيين الذين هم ليسوا من أهلها، وهذا واضح.
ثم إننا نقول: العمرة هي الزيارة، والزائر لا بد أن يفد إلى المزور؛ لأن من كان معك في البيت إذا وافقك في البيت لا يقال: إنه زارك، وهذا ترجيحٌ لغوي.
ونقول أيضًا: كل نسك فلا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم؛ النسك لا بد أن يُجمع فيه بين الحل والحرم بدليل أن الرسول ﵊ أمر عائشة أن تحرم من الحل لتجمع في نسكها بين الحل والحرم (٦).
فإن قال قائل: هذا يُنتقض عليكم بالإحرام بالحج من مكة؟
قلنا: لا ينتقض؛ لأن الذي يحرم بالحج لا يمكن أن يطوف بالبيت حتى يأتي إلى البيت من الحل، أين الحل في الحج؟
طلبة: عرفة.
الشيخ: عرفة؛ لأنه سيقف بعرفة، ولا يمكن أن يطوف للإفاضة إلا بعد الوقوف بعرفة، وبهذا تبين أن القول بأن أهل مكة يحرمون بالعمرة من مكة قولٌ ضعيف، لا من حيث الدليل، ولا من حيث اللغة، ولا من حيث المعنى.
طيب: (وعمرته من الحل)، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأشهر الحج).
بقينا في مسألة مهمة نبحثها قبل أن ندخل الميقات الزمني: إذا مر الإنسان بهذه المواقيت فهل يلزمه أن يحرم؟
[ ١ / ٣٦٦٠ ]
نقول: إن كان يريد الحج أو العمرة، أو كان الحج أو العمرة فرضه، يعني: لم يؤدِّ الفريضة من قبل، فإنه يلزمه أن يحرم. ودليل اللزوم لفظ حديث ابن عمر، قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»، أما حديث ابن عباس ﵄ فقال: وَقَّتَ النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة (١)، (وَقَّتَ)؛ لكن حديث ابن عمر: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»؛ «يُهِلُّ»، وكلمة «يُهِلُّ» خبرٌ بمعنى الأمر، فلا بد أن يحرموا من هذه المواقيت، إذا كان الإنسان يريد الحج أو العمرة، أو كان الحج أو العمرة فرضه.
إذا كان يريد الحج أو العمرة واضح؛ لأن لفظ الحديث: «مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ»، لكن إذا كان النسك فرضه، وهو لا يريد أن يحج أو لا يريد أن يعتمر، نقول: يلزمك؛ لأن الحج والعمرة واجبان على الفور، وأنت الآن وصلت، فلا يجوز أن تؤخر، لا بد أن تُحرم بالحج أو بالعمرة. أما إذا كنت قد أديت الفريضة ومررت بهذه المواقيت لا تريد حجًّا ولا عمرة، فليس عليك إحرام، سواءٌ طالت مدة غيبتك عن مكة أم قصرت، حتى لو بقيت عشر سنوات وأتيت إلى مكة لحاجة وقد أديت الفريضة، فإنه ليس عليك إحرام.
هذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه السُّنَّة؛ لأن النبي ﵌ سئل عن الحج: هل هو في كل عام؟ فقال: «الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (٧)، ولم يقل: إلا أن يمر بالميقات، ولو كان المرور بالميقات موجبًا للإحرام لبيَّنه الرسول ﵊ لدعاء الحاجة إلى بيانه، فلما قال: «الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ولم يستثنِ، عُلِمَ أن المرور بالميقات ليس سببًا للوجوب.
ولكن هل الأفضل أن يحرم ويؤدي العمرة أو يؤدي الحج إذا كان وقته؟
[ ١ / ٣٦٦١ ]
الجواب: نعم، هذا هو الأفضل؛ لأن «الْعُمْرَة إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجّ الْمَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (٨)، ويروى عن النبي ﵌ أنه قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» (٩). لكن الاستحباب شيء والوجوب شيء آخر، فالوجوب لا يجب إلا على من لم يؤدِّ النسك أو مرَّ بها يريد النسك.
طيب، ننتقل الآن إلى الميقات الزمني، قال المؤلف: (وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة).
أشهر الحج على كلام المؤلف شهران وبعض الثالث، شوال وهو شهرنا هذا، وذو القعدة، وذو الحجة، يقال: ذو القَعدة وذو القِعدة، ويقال: ذو الحَجة وذو الحِجة، والأفصح الفتحُ في الأول (ذو القَعدة)، والكسر في الثاني (ذو الحِجة)، فتقول: (ذو القَعدة) و(ذو الحِجة).
(شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة). ليش قال: (من ذي الحجة)، والأول يقول: (ذو القعدة) بالواو؟ ليش؟
طلبة: دخل عليه ().
الشيخ: (عشر من ذي الحجة)؛ لأنه مجرور، وذو بمعنى صاحب من الأسماء الخمسة، ترفع بالواو وتجر بالياء وتنصب بالألف.
[ ١ / ٣٦٦٢ ]
طيب، هذا المشهور عن الإمام أحمد ﵀، وبه أخذ أصحابه؛ أن أشهر الحج شهران وبعض الثالث، ولكن يَرِدُ على هذا القول أن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ولم يقل: في أشهر معلومات، لو قال: في أشهر، صارت الأشهر الثلاثة ظرفًا، والمظروف لا يلزم أن يملأ الظرف، لو قال: في أشهر؛ قلنا: نعم يجوز أن يكون المراد شهرين وبعض الثالث، لكن قال: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وأشهر جمع، والمشهور في اللغة العربية أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا فتكون أشهر الحج ثلاثة، وهذا مذهب الإمام مالك ﵀، وهو أقرب إلى الصحة مما ذهب إليه المؤلف، لموافقته لظاهر الآية: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
فإن قال قائل: إذن هل تجيزون أن يقف الناس في خمسة عشر ذي الحجة؟
قلنا: لا؛ لا نجيزه، كما أنكم لا تجيزون أن يقف الناس في عشرة من شوال، أليس كذلك؟ فهذه الأشهر لا يلزم أن يكون الحج يجوز في كل يوم من هذه الأشهر، لا يلزم.
طيب، ويَرِدُ على كلام المؤلف أيضًا مبينًا لضعفه أن من أيام الحج اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر، فإن هذه الأيام من أيام الحج، ما الذي يفعل فيها من الحج؟ أيش؟ الرمي والمبيت، فكيف نخرجها عن أشهر الحج وهي أوقات لأعمال الحج؟ ! لو أن الإنسان قال: أريد أن أرمي الجمار الثلاث، وجمرة العقبة في يوم العيد، هل يمكنه ذلك؟ لا يمكنه، فلا بد أن يكون رمي الجمرات في الأيام الثلاثة، ويوم العيد جمرة واحدة يوم العقبة، وهي خارج الحد الذي قال المؤلف؛ لأن المؤلف قال: (عشر من ذي الحجة).
[ ١ / ٣٦٦٣ ]
وبعض الناس يقول: تسعٌ من ذي الحجة، بعض العلماء يقول: تسعٌ من ذي الحجة؛ لأن «الْحَجّ عَرَفَة» (١٠)، وعرفة ينتهي متى؟ في التاسع. ولكن هذا القول ضعيف، أضعف مما ذهب إليه المؤلف؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣].
وعلى قول من يقول: إنها تسعة، يخرج هذا اليوم الذي سماه الله يوم الحج.
فالصواب ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ من أن أشهر الحج ثلاثة، كما هو ظاهر القرآن: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فإن قال قائل: هل يترتب على ذلك شيء، على هذا الخلاف؟
قلنا: نعم، يترتب عليه شيء؛ أولًا: يترتب عليه في مسائل الأيْمَان، لو قال قائل: والله لأصومنَّ ثلاثة أيام من أشهر الحج، وصام اليوم العشرين والحادي والعشرين والثالث والعشرين من ذي الحجة، هل يكون بارًّا بيمينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: على المذهب لا.
الشيخ: على المذهب لا.
طالب: لماذا؟
الشيخ: لأنها انتهت أيام الحج، وعلى قول مالك يكون بارًّا بيمينه؛ لأنه صامها في أشهر الحج، أشهر الحج ما تنتهي إلا في الثلاثين من ذي الحجة أو في ثبوت دخول شهر محرم.
وينبني على ذلك أيضًا أنه لا يجوز أن يؤخر شيءٌ من أعمال الحج عن الأشهر الثلاثة إلا لضرورة، وإلا فالواجب ألا يخرج ذو الحجة وعليك شيءٌ من أعمال الحج إلا طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع منفصل عن الحج لمن أراد الخروج.
الشيخ: وعلى هذا فهل يجوز للإنسان أن يؤخر حلق رأسه إلى أن يدخل المحرم؟
طالب: لا.
[ ١ / ٣٦٦٤ ]
الشيخ: لا، هل يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة إلى أن يدخل المحرم؟ لا، لكن إذا كان لعذر فلا بأس، عذر الحلق أو التقصير: أن يكون في رأسه جروح لا يتمكن معها من الحلق أو التقصير، فله أن يؤخر حتى يبرأ. عذر الطواف: أن تصاب المرأة بنفاس، يأتيها النفاس وهي واقفة بعرفة، والنفاس عادة يبقى أربعين يومًا، فهذه سوف يخرج ذو الحجة ولم تطف طواف الإفاضة. نقول: هذا لا بأس؛ لأن تأخيرها للطواف لعذر. نعم، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح إليه القلب؛ لموافقته لظاهر الآية، والأصل في الدلالات أن نأخذ بأيش؟ بالظاهر، إلا بدليلٍ شرعي يُخْرِجُ الكلام عن ظاهره، وإلا فإننا نأخذ بالظاهر.
بهذا يتقرر أن المواقيت نوعان: مواقيت مكانية وهي خمسة، وزمانية وهي ثلاثة.
الزمانية الثلاثة ما هي؟
طالب: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة على قول المؤلف.
الشيخ: والراجح؟
الطالب: جميع شهر ذي الحجة.
الشيخ: طيب، من فوائد التوقيت أن نسأل: هل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج قبل الميقات المكاني أو الزماني، أو بالعمرة قبل الميقات المكاني؟ نقول: أو الزماني ولَّا ما حاجة؟
طلبة: لا، ما حاجة.
الشيخ: ليش؟ لأن العمرة تجوز في كل وقت، الحج له أوقات الأشهر المعلومات؛ فهل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج قبل أشهره أو قبل الميقات المكاني، وكذلك العمرة؟
الجواب: قال بعض العلماء: لا يجوز أن يحرم قبل الميقات المكاني ولا الميقات الزماني، وأنه لو أحرم بالحج قبل دخول شهر شوال، صار الإحرام عمرة، لا حجًّا؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهذا أحرم قبل دخول أشهر الحج، فيكون إحرامه عمرة، أو نقول بأنه فاسد لا ينعقد، كما لو صلى الظهر قبل الزوال فإنها تصح نفلًا أو لا تصح.
ومن العلماء من قال: ينعقد الإحرام ولكن يُكره، ينعقد الإحرام لأنه لبى لله، لكن يكره لمخالفته لظاهر الآية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
[ ١ / ٣٦٦٥ ]
وكذلك في المواقيت المكانية، القول الثاني في المسألة أنه يُكره أن يُحرم قبل الميقات، ولكن لو أحرم انعقد إحرامه؛ صح إحرامه وانعقد، فمثلًا: لو أحرم الإنسان من أهل المدينة من المدينة نفسها؟ قلنا: هذا مكروه، لا تتعدى ما حدَّ الله ورسوله، أحرم من ذي الحليفة، ولكن هل ينعقد الإحرام؟ نعم عند الجمهور ينعقد؛ ينعقد ولكنه مكروه.
والمراد بالإحرام: النية دون الاغتسال ولُبس الثياب؛ ثياب الإحرام، وأكثر العامة يحملون معنى الإحرام على أيش؟ على لبس الإحرام، وليس كذلك، الإحرام سيأتينا -إن شاء الله- في الباب الذي يليه أنه نية الدخول في النسك.
وعلى هذا فمن كان في المدينة وتغسَّل ولبس ثياب الإحرام ولم يحرم إلا بذي الحليفة، فإنه لم يفعل مكروهًا، ليش؟ لأن الإحرام هو نية الدخول في النسك، ولم تحصل منه إلا في الميقات.
فإن قال قائل: ما تقولون في شخص لم يمر بشيء من المواقيت، أيحرم من بلده ولو كان بعيدًا؟ لأنه لن يمر بالميقات، فما الجواب؟
نقول: إن أهل الكوفة وأهل البصرة شكوا إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن النبي ﷺ وقّت لأهل نجد قرن المنازل، وإنها جور عن طريقنا -جورٌ يعني مائلة بعيدة عن طريقنا- فقال ﵁: انظروا إلى حذوها من طريقكم (١١).
فنقول لهذا الذي لا يمر بالميقات: أحرم إذا حاذيت الميقات، وهذا إذا كان يسيرُ على الأرض واضح، كما قال عمر ﵁، لكن إذا كان يسير في الجو فإذا حاذاها جوًّا أحرم، كالذي في الطائرة. وقد نص شيخ الإسلام ﵀ على أنه لا يجوز لمن كان في الطائرة أن يحرم أو أن يؤخر الإحرام حتى ينزل، قال: يجب أن يحرم في الطائرة إذا حاذى الميقات.
طالب: ما كان هناك طائرة.
الشيخ: نعم، ذكرها.
الطالب: نص هذا؟
[ ١ / ٣٦٦٦ ]
الشيخ: لا، هو تكلم عن السحرة؛ السحرة الذين يكذبون على الناس ويقولون: نحن تحملنا الملائكة إلى مكة بيوم واحد، نذهب إلى عرفة بيوم واحد، قال: هؤلاء يخطئون، حيث إن الشياطين تمر بهم من فوق الميقات ولا يحرمون منه، وهذه نظير الطائرة تمامًا، إي نعم.
طالب: التفصيل بين العمرة والحج؛ بأن العمرة يجوز مثلًا أن يُحْرم بها قبل الميقات مع الكراهة، أما الحج فإنه لا يجوز لأنه محدد.
الشيخ: الزماني يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أصل العمرة ما لها زمان.
الطالب: لا، أي قبل ميقاتها المكاني.
الشيخ: المكاني، لم يحدد الله للحج مكانًا.
الطالب: حدد زمانًا، لا أنا أراجع سؤالي.
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني لو أحرم بالعمرة قبل مكانها، وأحرم بالحج قبل زمانه، نقول يعني: إحرامه بالحج قبل زمانه هذا ما يجوز؛ لأن الله حدد زمان الحج، وأما الإحرام بالعمرة قبل مكانها فإنه يجوز مع الكراهة.
الشيخ: وبالحج قبل مكانه؟
الطالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ بيحج، يحج مفردًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: مثل العمرة يصير، تكون كالعمرة.
الطالب: يكون كالعمرة في مسألة المكان.
الشيخ: نعم.
الطالب: والزمان يعني الله ﷿ حدد الأشهر ().
الشيخ: هو على كل حال الزمان فيه الخلاف هل ينعقد أو لا ينعقد أو يكون عمرة، الخلاف في المكان هل يكره أو لا يكره؟
الطالب: لكن ما تبين لكم فيها شيء يا شيخ؟
الشيخ: تبين لنا أن الإحرام بالحج وبالعمرة قبل المكان، يجينا إن شاء الله تعالى، بس لأن يكون مع الطلبة كلهم.
طالب: بارك الله فيك، الذين بين ميقات الجحفة وميقات ذي الحليفة، القرى، إذا أردوا الحج والعمرة يحرمون من حيث ينشئون أم الأفضل النزول إلى الجحفة أو يرجعون إلى ذي الحليفة؟
الشيخ: هم دون المواقيت ولَّا فوقها؟
الطالب: لا، بينهم يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن بين الميقاتين، لكن هل هم أقرب إلى مكة من الميقاتين؟
الطالب: لا مش بين الميقاتين.
[ ١ / ٣٦٦٧ ]
الشيخ: إي أنا فاهم، لكن أيهم أقرب إلى مكة؟
الطالب: ميقات الجحفة.
الشيخ: أقرب إلى مكة؟
الطالب: إي، هم قبل الجحفة.
الشيخ: هم قبل الجحفة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: قبل الجحفة وبعد ذي الحليفة؟
الطالب: لا، منهم من هو أقرب إلى المدينة، ومنهم من هو أقرب إلى الجحفة.
الشيخ: على كل حال، اللي دون ذي الحليفة يحرِمون من مكانهم، ما دام أن الطريق واحد، يعني معناه اللي يجي من ذي الحليفة يمر بهؤلاء القرى، نقول: الآن أنتم على طريق الميقات، فأحرموا من مكانكم، أما اللي بعيدين عن الطريق؛ طريق ذي الحليفة، فلهم أن يؤخروا حتى يحرموا من الجحفة، نعم.
طالب: ().
الشيخ: لا؛ وين أنت الآن؟
الطالب: ().
الشيخ: في مجلسنا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب؛ نحن ما ذكرنا دليلًا واضحًا في هذا، الصحابة حينما أحلوا في العمرة وتمتعوا من أين أحرموا؟ خرجوا إلى الحل ولّا أحرموا من مكانهم؟
طالب: من الحل.
الشيخ: لا.
طلبة: من مكانهم.
الشيخ: لا، حين حلوا من العمرة؛ لما قال الرسول ﵊: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ» (١٢)، وحلوا وأرادوا الإحرام بالحج يوم التروية؛ من أين أحرموا؟
طالب: ().
الشيخ: طيب هذه.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المصنف رحمه الله تعالى:
بَابُ الإِحْرَامِ
الإِحْرَامُ: نِيَّةُ النُّسُكِ. سُنَّ لمُريدِه غسْلٌ أو تيممٌ لِعَدَمٍ، وتنظيفٌ وتَطَيُّبٌ وتَجَرُّدٌ من مَخِيط، ويُحْرِمُ في إزارٍ ورداءٍ أبيضين، وإحرامٌ عَقِبَ ركعتين، ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُستحبُّ قولُ: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي. وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المواقيت نوعان؟
طالب: نعم يا شيخ، زماني ومكاني.
[ ١ / ٣٦٦٨ ]
الشيخ: ما هي الزمانية؟
الطالب: الزمانية قال على كلام المؤلف أشهر: (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)، وعلى الصحيح أنها ثلاثة أشهر؛ يشمل كامل ذي الحجة.
الشيخ: طيب، المكانية؟
طالب: المكانية هي خمسة مواضع: (يَلَمْلَم، وقَرْن، وذو الحُلَيْفة، والجُحْفة، وذاتُ عِرْق).
الشيخ: نعم، ما حكم الحج قبل المواقيت الزمانية؛ إذا عقد الحج قبل المواقيت الزمانية، يعني: أحرم للحج في رمضان؟
طالب: اختلف العلماء.
الشيخ: نعم.
الطالب: قول: لا يصح، بل يكره؛ لأن () المواقيت.
الشيخ: قال بعض العلماء: ينعقد الإحرام بالحج ويكره، طيب والثاني؟
الطالب: الثاني أنه يصح.
الشيخ: هذا الذي قلنا ينعقد مع الكراهة.
طالب: والثالث لا يصح.
الشيخ: الثاني لا ينعقد بالحج ويكون عمرة. طيب، إذا أحرم قبل الميقات المكاني؟
طالب: نقول: لا بأس ().
الشيخ: يعني أحرم من المدينة مثلًا مارًّا بذي الحليفة، لا بأس، يعني يجوز؟
طالب: يكره يا شيخ.
الشيخ: يكره؛ لكن ينعقد الإحرام؟
الطالب: نعم ينعقد.
الشيخ: ينعقد الإحرام. طيب، إذا كان في الطائرة فهل الأوْلى أن يؤخر الإحرام حتى يصل إلى جدَّة أو أن يحرم إذا حاذى الميقات؟
طالب: الصحيح أنه يحرم إذا حاذى الميقات ولو كان في الجو.
الشيخ: يعني هذا الأوْلى.
الطالب: نعم.
الشيخ: أقول: هذا الأوْلى؟
الطالب: لا، هذا هو الصحيح.
الشيخ: إي، هذا الصحيح أنه الأوْلى.
الطالب: ().
الشيخ: طيب، لكن هل يحرم وجوبًا أو يحرم استحبابًا؟
الطالب: يحرم وجوبًا؛ لأنه إذا فات الميقات فإن عليه دمًا.
الشيخ: يحرم وجوبًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل على إحرامه وجوبًا إذا حاذى الميقات أو مرَّ به؟
طالب: توقيت النبي ﷺ للمواقيت فهو قال: «وَهِيَ مَوَاقيِتُ لِأَهْلِهَا أَوْ لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا»، فالشاهد: «لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا»، فلا بد أن يحرم منه.
[ ١ / ٣٦٦٩ ]
طالب: قوله ﷺ: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (١٣).
الشيخ: نعم.
طالب: ().
الشيخ: هذا الدليل على أنه يحرم إذا حاذى، لكن ما هو الدليل على وجوب الإحرام من الميقات أو من محاذاته؟
طالب: قوله ﷺ ().
الشيخ: لا، هذا ما ().
طالب: الرسول ﷺ يقول: «لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ».
الشيخ: نعم.
طالب: أمره ﷺ ().
الشيخ: حديث عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ»، وهذا خبر بمعنى الأمر. طيب، هل هناك شاهد لوقوع الخبر بمعنى الأمر؟
طالب: نعم يا شيخ، جاء في القرآن قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهو خبر بمعنى الأمر.
الشيخ: تمام، طيب، هل هناك دليل على أن من كان في الطائرة وحاذى الميقات فإنه يجب عليه أن يحرم منه؟
طالب: نعم يا شيخ، هناك عموم حديث: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» (١).
الشيخ: هذا ما أتى عليه، بينه وبينه تسعة عشر ألف قدم.
طالب: أثر عمر بأمره أهل البصرة والكوفة عندما سألوه عن ميقات () لهم أن يحرموا.
الشيخ: قال: «انْظُرُوا إِلَى حَذْوِهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ»، نعم، وكذلك قول شيخ الإسلام: إن الإنسان إذا مر بالميقات جوًّا فإنه يلزمه أن يحرم منه.
طالب: قال شيخ الإسلام: ما يصح الإحرام في الجو.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما يصح الإحرام في الجو!
الشيخ: قال: لا يصح الإحرام في الجو! لا، نحن نقول: قال: إنه يجب الإحرام في الجو؟
طالب: لما تكلم عن السحرة.
[ ١ / ٣٦٧٠ ]
الشيخ: إي نعم؛ أن الشياطين تطير بهم ولا يحرمون إلا في الحرم، قال: من جملة شطحاتهم أنهم يتجاوزون الميقات بلا إحرام. طيب، لو أنه تجاوز الميقات ولم يحرم وهو يجب عليه أن يحرم، ماذا يصنع؟
طالب: يجب عليه دم، ويحرم من مكانه؛ لأنه ترك واجبًا.
الشيخ: يجب عليه دم ويحرم من مكانه؛ أخطأت.
طالب: يجب عليه أن يرجع ويحرم من الميقات.
الشيخ: نعم، ويحرم من الميقات، فإن لم يمكن؟
الطالب: فعليه دم.
الشيخ: فعليه دم؛ يحرم من مكانه وعليه دم، هذا الصحيح، يجب أن يرجع ليحرم من الميقات، فإن لم يمكن أحرم من مكانه وعليه دم.
ثم قال المؤلف ﵀: (بَابُ الإِحْرَامِ).
طالب: الترجيح في مسألة الإحرام زمانًا ومكانًا.
الشيخ: كيف؟ أيش؟
الطالب: الترجيح في الإحرام قبل الميقات الزماني أجلناه إلى درس اليوم، والمكاني.
الشيخ: نعم، إحنا ذكرنا أن ظاهر القرآن: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أنه لا ينعقد الحج إلا في هذه الأشهر، كما في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وحينئذٍ يتحول إحرامه إن بقي على الإحرام إلى عمرة؛ فإن لم يبق عليه فهو لم ينعقد وليس بشيء.
وأما الميقات المكاني فإنه يُكره أو يحرُم، ولكنه ينعقد؛ لأنه وقع هذا من الصحابة، ولامهم الخلفاء، ولكنه لا نقول: إنه يفسد الإحرام.
***
[باب الإحرام]
ثم قال المؤلف: (بَابُ الإِحْرَامِ).
(الإحرام) مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم أي: دخل في الحرام، كأنجد أي: دخل في نجد، فالإحرام معناه: دخول الإنسان في التحريم، ولهذا يقال للتكبيرة الأولى من الصلاة: تكبيرة الإحرام؛ لأنه بها يدخل في التحريم، أي: تحريم ما يحرم على المصلي.
[ ١ / ٣٦٧١ ]
أما المراد به هنا فإنه نية النسك، يعني نية الدخول فيه، هذا الإحرام، يعني: ينوي أنه الآن دخل في الإحرام، لا نية أنه يعتمر، أو أنه يحج، بل نية الدخول في العمرة أو نية الدخول في الحج، وبين الأمرين فرق.
فمثلًا الآن إذا كان أحدكم يريد أن يحج هذا العام، فهل نقول: إنه بنيته هذه أحرم؟
لا؛ لأنه لم ينوِ الدخول، وكذلك نريد أن نصلي العشاء، هل نحن بنيتنا هذه دخلنا في الصلاة؟
لا، إذن نية الفعل لا تؤثر، لكن نية الدخول فيه هي التي تؤثر، ولهذا نقول: الإحرام نية الدخول في النسك، لا نية أن يحج، يعني أن ينوي الدخول في العمرة إن كان نسكه عمرة، أو في الحج إن كان نسكه حجًّا، أما من نوى أن يحج أو يعتمر فإنه لا يكون محرمًا بذلك، كالصلاة تمامًا، أنت الآن تريد أن تصلي العشاء، فهل نيتك هذه تكون تحريمًا؟ أي: يحرم عليك ما يحرم على المصلي؟
لا، متى تكون؟ إذا نويت الدخول فيها فهذا هو الذي يكون به الدخول في الصلاة.
وسميت نية الدخول في النسك إحرامًا لأنه إذا نوى الدخول في النسك حَرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، إذا دخل في النسك حَرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلًا الرفث، ويحرم عليه الطيب، ويحرم عليه حلق الرأس، ويحرم عليه الصيد، بماذا؟ بالإحرام.
نية الدخول في النسك قال المؤلف: (سُنَّ لِمُرِيدِهِ غُسْلٌ).
(سُنَّ) مَنِ السَّانُّ؟ الرسول ﵊، والسُّنَّة في اللغة: الطريقة،
وفي الشرع: أقوال النبي ﵌ وأفعاله وتقريراته.
وفي الاصطلاح؛ اصطلاح الأصوليين، السُّنَّة: ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام، يعني المسنون.
(سُنَّ لِمُرِيدِهِ) أي: لمريد الدخول في النسك.
(غُسْلٌ) يعني: يسن أن يغتسل؛ وذلك لثبوته عن النبي ﷺ فعلًا وأمرًا.
[ ١ / ٣٦٧٢ ]
أما فعله فإنه ﵌ تَجَرَّدَ لإهلاله واغتسل (١٤)، وأما أمره فإن أسماء بنت عُميس ﵂ امرأة أبي بكر نفست في الحديبية، يعني: ولدت، ولدت ابنها محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى النبي ﵌: كيف أصنع؟ قال: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (١٥)، «اسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ» يعني: تحفَّظي به وأحرمي.
الشاهد من هذا قوله: «اغْتَسِلِي»، فأمرها أن تغتسل مع أنها نفساء، ليست باغتسالها هذا تستبيح الصلاة ولا غيرها مما يشترط له الطهارة، ومع هذا أمرها الرسول ﵊ أن تغتسل.
وقول المؤلف: (سُنَّ لِمُرِيدِهِ).
مريد: هذه اسم فاعل مضاف، واسم الفاعل بمنزلة الموصول، بل إن النحويين يقولون: إن (أل) في اسم الفاعل أيش هي؟ موصولة، قال ابن مالك:
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعلى هذا تكون كلمة (مُرِيده) عامة للذكور والإناث، للجنب وغير الجنب، للحائض والنفساء وغيرهما، للصغير والكبير، كل من أراد النسك فليغتسل.
وقول المؤلف: (غُسْلٌ) إذا أطلق الغسل فالمراد به غسل الجنابة، أي: ما يشبه غسل الجنابة، فمثلًا إذا قلنا: يجب للجمعة الغسل، أي: غسل كغسل الجنابة، يسن للإحرام الغسل، يعني: كغسل الجنابة.
قال المؤلف: (أو تيممٌ لِعَدَم).
(أو) هذه معطوفة على (غسل)، يعني: أو أن يتيمم لعدم، أي: لعدم الماء أو تعذر استعماله بالمرض ونحوه، يعني: إذا تعذر استعمال الماء للعدم أو المرض فإنه يتيمم بدلًا عن الغسل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ بناءً على أن التيمم يحل محل طهارة الماء الواجبة والمستحبة.
[ ١ / ٣٦٧٣ ]
ولكن ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الطهارة المستحبة إذا تعذر فيها استعمال الماء فإنه لا يتيمم؛ لأن الله إنما ذكر التيمم في طهارة الحدث: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، والعبادة لا تكون بالقياس، فإذا كان الشرع إنما جاء بالتيمم في الحدث فلا يقاس عليه غير الحدث؛ لأن العبادات لا قياس فيها، ولم يرد عن النبي ﵌ أنه تيمم للإحرام.
وعليه فنقول: إن وجد الماء وأمكنه استعماله فعل، وإن لم يمكنه فلا تيمم، على هذا القول، أما على المذهب فيقولون: التيمم يحل محل طهارة الماء في الواجب أيش؟ والمستحب.
طيب، (أو تيممٌ لِعَدَم).
ويسن له أيضًا: (تنظيفٌ).
إذا قال العلماء: تنظيف، ليس تنظيف الثياب، ولا تنظيف البدن إذا قرن به الغسل؛ لأن تنظيف البدن يحصل بالغسل، لكن المراد بالتنظيف أخذ ما ينبغي أخذه، مثل: الشعور التي ينبغي أخذها: كالعانة، والإبط، والشارب، وكذلك الأظافر، فيسن أن يتنظف بأخذها.
طالب: (تنظُّف).
الشيخ: نعم، عندكم (تنظُّف)، يصح ما فيه مانع.
ولكن هل ورد في هذا سنة؟
لا، وإنما عللوا ذلك قالوا: لئلا يحتاج إلى أخذها في الإحرام، وأخذها في الإحرام ممتنع.
وبناءً على هذا نقول: إذا لم تكن طويلة في وقتنا الحاضر؛ إذا لم تكن طويلة ولا يخشى أن تطول في أثناء الإحرام، فيحتاج إلى أخذها، فإنه لا وجه لاستحباب ذلك؛ ما دامت العلة خوف أن يحتاج إليها في حال الإحرام ويتمكن، فإذا زالت هذه العلة زال أيش؟ زال المعلول وهو الحكم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
[ ١ / ٣٦٧٤ ]
قال: (وتَطَيُّبٌ) يعني: يسن أن يتطيب عند الإحرام، ودليل ذلك: أن النبي ﵌ تطيب لإحرامه، قالت عائشة: كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (١٦).
والطيب مستحب كل وقت، فهو كالسواك؛ السواك كل وقت، والطيب كل وقت، إذا أمكن للإنسان؛ لأن النبي ﷺ قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (١٧).
وقوله: (وتَطَيُّبٌ) أطلق المؤلف، فهل المراد التطيب في البدن أو في البدن والإحرام؟ يعني ثياب الإحرام؟
الأول؛ المراد الأول: أن يتطيب في بدنه؛ لأن النبي ﵌ كان يطيب عند الإحرام رأسه ولحيته، قالت عائشة ﵂: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم (١٨)، مفارقه يعني فرق رأسه؛ لأن الرسول ﵊ له رأس يبقي الشعر ويفرقه؛ يفرقه فرقتين من الخلف ومن الأمام، وكان في الأول يسدل شعره، أول ما قدم المدينة؛ لأنه فعل اليهود وهم أهل كتاب، والفرق فعل المشركين وهم كفار مشركون، ثم بعد ذلك كره السدل وصار يفرق.
الشاهد قولها: «كنت أنظر إلى وبيص المسك»، ما هو الوبيص؟
طالب: الريح.
الشيخ: لا، أنظر إلى وبيص؛ الريح ينظر؟
الطالب: لا؛ اللمعان.
الشيخ: اللمعان، صحيح، الوبيص كالبريق لفظًا ومعنًى، كيف؟ هذه وبيص (واو - با – ياء - صاد)، وهذه (باء - راء - ياء - قاف)؟
طلبة: بالوزن.
الشيخ: بالوزن، صحيح؛ هذه العبارات تقع في كلام العلماء، يقول لك: كذا ككذا لفظًا ومعنى، أي: في الميزان، طيب.
أما تطييب الثوب فإنه يكره، يعني ثوب الإحرام لا يطيب، لا بالبخور ولا بالدهن، ولكن إذا طيبه هل يجوز أن يلبسه؟
[ ١ / ٣٦٧٥ ]
قال بعض العلماء: نعم، إذا طيبه ولبسه قبل أن يعقد الإحرام فلا بأس، لكن يكره، وقال بعض العلماء: لا يجوز لبسه إذا طيبه؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» (١٩)، فنهى أن نلبس الثوب المطيب، وهذا هو الصحيح.
ولهذا حرم بعض العلماء تطييب ثياب الإحرام، قال: لأن تطييبها لا فائدة منه، إذا حرمنا عليه لباسها، فإنه ما الفائدة؟ إضاعة مال؛ ولهذا حرمه بعض أصحابنا كالآمدي ﵀. قال: يحرم تطييب ثياب الإحرام.
المذهب أنه يكره، ولكن لاحظوا على المذهب يكره إن لبسها قبل أن يعقد الإحرام، أما إذا عقد الإحرام فلا يمكن أن يلبسها؛ لأن الثياب المطيبة لا يجوز لبسها في الإحرام.
وهنا مشكلة تقع كثيرًا: إذا تطيب في بدنه، وضع الطيب على رأسه وعلى لحيته، ثم سال الطيب من الموضع الذي وضعه فيه نازلًا إلى أسفل، فهل هذا يؤثر أو لا؟
الجواب: لا، لا يؤثر؛ لأن انتقال الطيب هنا بنفسه، انتقال الطيب بنفسه ما هو اللي نقله، ليس هو الذي أخذه بيده من طيب رأسه ووضعه مثلًا على صدره، لا، سال بنفسه، ولأن ظاهر حال النبي ﷺ وأصحابه أنهم لا يبالون إذا سال الطيب؛ لأنهم وضعوه في حالٍ يجوز لهم وضعه، فلا يُعْبأ به بعد ذلك، وهذا أمر واضح.
لكن هنا شيء آخر: المحرم سوف يتوضأ، أليس كذلك؟ وإذا طيب رأسه فسوف يمسح رأسه بيديه، وإذا مسح رأسه بيديه لصق من الطيب بيديه، فماذا يصنع؟ هل نقول: أعِدَّ لنفسك جوربًا تضعه في يدك إذا أردت أن تمسح رأسك لئلا تمس الطيب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا تنطعٌ في الدين، ولم يرد، هل نقول: امسح الرأس بعودٍ أو نحوه كالخشبة والجلد، وعلى هذا يُعِدُّ المحرم معه أعوادًا وجلودًا يمسح بها رأسه؟
الجواب: لا. بقي علينا أن يمسح بيده مباشرة، وهنا يُشْكِل؛ سوف يعلق الطيب بيده قطعًا، فماذا يصنع؟
[ ١ / ٣٦٧٦ ]
على المذهب يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب فورًا؛ يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب حتى يذهب ريحه فورًا، لكن الذي يظهر لي أن هذا مما يعفى عنه، فالرجل لم يبتدئ الطيب، وهذا طيبٌ مأمور به، والمشقة في غسل يده غسلًا تذهب معه الرائحة لا ترد به الشريعة، فالصواب: أنه لا حرج عليه أن يمسح حتى ولو علق الطيب بيده؛ لأنه لم يستأنف الطيب، ولم يبتدئه وهو محرم.
ثم قال المؤلف: (ويسن تجرُّدٌ من مخيط).
(تجرُّدٌ من مخيط)؛ كيف تجرد؟ (يسن تجرُّدٌ من مخيط)، والتجرد من المخيط حال الإحرام واجب؛ لأن لبس المخيط حرام على المحرم، فكيف يتفق هذا الكلام؟
المراد أنه عند الاغتسال ينزع المخيط ثم يغتسل ثم يلبس ثياب الإحرام. وتجرُّدٌ من مخيط، ويشترط في هذا التجرد ألا يستلزم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حرامًا، ولكن ماذا يصنع؟
نقول: البس الإزار أولًا، ثم اربطه على نفسك، ثم اخلع القميص، ثم البس الرداء. يلبس الإزار أولًا وعليه القميص، ثم يخلع القميص ويلبس الرداء.
()
***
قوله: (أبيضين)؛ لأنها خير الثياب، وهل يسن أن يكونا جديدين أو يشترط؟
لا يشترط، لكن كلما كانت أنظف فهو أحسن؛ لأن الصحابة ﵃ لما سألوا الرسول ﷺ عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٢٠)، فكلما كان أنظف فهو أحسن.
وهذه السُّنَّة سُّنَّة لجميع الناس؛ الرجال، وإنما كانت على هذا الوجه من أجل اتفاق الناس على هذا اللباس، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد؛ لأنه لو أطلق العنان للناس تفاخر الناس، وصار هذا يلبس ثوبًا جميلًا جدًّا، وهذا عليه ثوب رديء، واختلف الناس، ولم تظهر الوحدة الإسلامية، وصار بعض الناس إذا رأى من عليه الثوب الذي يفوق ثيابه بمدًى بعيد اشتغل قلبه، وقال: كيف هذا عليه كذا وأنا علي كذا؟ ثم ربما يذهب يستدين ليلبس مثلما يلبس غيره.
[ ١ / ٣٦٧٧ ]
لهذا كان الناس في لباس الإحرام على حدٍّ سواء، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يغالي في ثياب الإحرام، بل يكون من جنس الناس.
(في إزار ورداء أبيضين، وإحرامٌ عقب ركعتين) الواو حرف عطف، (إحرام) معطوف على أيش؟
طالب: (سنَّ).
الشيخ: لا، ما هي على (سنَّ).
طالب: (غسلٌ).
الشيخ: على (غسل)، يعني: وسن لمريد الإحرام إحرامٌ عقب ركعتين، ودليل ذلك أن النبي ﵌ أهل دبر الصلاة (٢١)، أهلَّ: يعني أحرم دبر الصلاة، فيسن أن يصلي ركعتين ليحرم بعدهما، ولكن الدليل الذي استدل به الأصحاب ﵏ لا يتعين أن تكون الصلاة التي أهلَّ دبرها صلاةً مسنونة، بل هو أهلَّ دبر صلاةٍ مفروضة ﵊، دبر صلاة الظهر أهلَّ، وهذا لا نعلم هل النبي ﵊ قصد أن يكون إهلاله بعد الصلاة أو أهل لأنه لما صلى ركب وأهلَّ؛ أهلَّ عند ركوبه؟
في هذا احتمال، ومن ثَمَّ ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتهما، وأنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن كان في الضحى فيمكن أن يصلي صلاة الضحى ويحرم بعدهما، إذا كان في وقت الظهر نقول: الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر، ثم تحرم بعد الصلاة، وكذلك صلاة العصر، وأما صلاة مستحبة بعينها للإحرام، فهذا لم يرد عن النبي ﵌.
بقي أن يقال: لو أن الإنسان إذا توضأ صلى ركعتين سنة الوضوء، فهل سنة الوضوء مشروعة؟
نعم مشروعة، وعلى هذا فنقول: أنت إذا اغتسلت وتوضأت فصلِّ ركعتين سنة الوضوء.
ولكن يبقى نظر: إذا كان ليس من عادته في غير هذا المكان أن يصلي ركعتي الوضوء، انتبهوا: ما كل الناس إذا توضؤوا صلوا، فإذا لم يكن من عادته أن يصلي للوضوء، فأراد أن يصلي هنا، أليس سوف يشعر في نفسه أن هذه الصلاة أيش؟ من أجل الإحرام؟ أو على الأقل من أجل الاشتراك بين الإحرام والوضوء؟
[ ١ / ٣٦٧٨ ]
هذا هو الظاهر، ولذلك نقول: إذا كان الإنسان سيبقى في الميقات حتى يأتي وقت الفريضة، فالأفضل أن يهلَّ بعد الفريضة؛ هذا هو الأفضل.
***
يقول: (ونِيَّته شَرْط).
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا لم يجد نعلين يا شيخ، لبس () ماذا يفعل؟
الشيخ: إذا لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين كما قال الرسول ﵊، لكن في وقتنا والحمد لله سيجد نعالًا ما هو نعلين، كلها مكومة عند المقعد، إنما ربما لا يجد دراهم يشتري بها.
طالب: داخل الطائرة يا شيخ.
الشيخ: نعم، أو في الطائرة نعم يمكن لا يجد، لكن الغالب أن الذي في الطائرة يكون عليه إما خفان وإما حافيًا وهذا بعيد، لكنِ الخفان يجوز أن يلبسهما إذا لم يجد نعلين.
طالب: ().
الشيخ: بالبخور.
الطالب: لا.
الشيخ: لا، ثياب الإحرام.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثوب الإحرام.
الطالب: أو يتطيب؟
الشيخ: يتطيب في بدنه، أما ثوبه لا.
الطالب: لا، البخور؟
الشيخ: حتى البخور ما يطيب الإحرام.
طالب: ().
الشيخ: العمرة؟
الطالب: العمرة أو الحج؟
الشيخ: العمرة لا بد يحرم من الحِل.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، لازم يحرم من الحل.
طالب: طيب الحج يا شيخ.
الشيخ: الحج يحرم من مكانه، إذا جاء وقت الحج يحرم من مكانه الذي هو فيه.
طالب: أحسن الله إليكم؛ ذكرتم بأن من لم يؤدِّ فرض الحج والعمرة ثم مرَّ بالميقات فإنه يلزمه الإحرام ولو لم ينوِ، ما الجواب عن قول النبي ﷺ: «لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (٢٢) ()؟
الشيخ: إي نعم، يعني: ممن أراد أن يفعل، لكن هل يجب أن يريد أو لا يجب؟
الطالب: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، الفريضة على الفور.
طالب: () هذا الأمر على الفور؟
الشيخ: إي نعم، أرأيت مثلًا لو قال: الوضوء واجب على من يريد الصلاة؛ هل يدل هذا على أن الصلاة غير واجبة؟
الطالب: لا، ما يدل.
الشيخ: ما يدل على هذا.
[ ١ / ٣٦٧٩ ]
طالب: طيب، يا شيخ لو كان وصل الميقات وأهل بيته وضعوا الطيب في الإحرام.
الشيخ: يغسله.
الطالب: يغسله؟
الشيخ: يغسله، نعم، إذا وصل الميقات وأهله قد طيبوا الإحرام يغسل إحرامه.
طالب: () إذا أرادوا أن يذهبوا إلى مكة يمنعون؛ لأنهم قد حجوا أول مرة، قد حجوا الفريضة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويكثر الأسئلة يقولون: هل يجوز لنا أن نتجاوز الميقات بثيابنا؟
الشيخ: بدون إحرام يعني؟
الطالب: نحرم لكن بثيابنا؟
الشيخ: ما يجوز يلبسون الثياب.
الطالب: () يريد أن يتجاوز منطقة التوقيف، وبعدما نتجاوزه نخلع الثياب.
الشيخ: والله ما أرى هذا؛ أرى أنهم إذا أحرموا التزموا بحكم الله.
الطالب: لكن يمنعون يا شيخ.
الشيخ: إذا منعوا يكون هذا مما سلط عليهم، فيشكون إلى الله ﷿ أنه يخفف هذا المنع.
الطالب: ().
الشيخ: ما هو بعلى كل حال.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، لبس القميص حرام؛ لا يلبس القميص.
الطالب: لكن ليس بشرط.
الشيخ: إي، ما هو بشرط، لكن يأثمون.
الطالب: () تجاوز الميقات الآن ما هو الدليل على أنه إذا تجاوزه عليه دم؟
الشيخ: دعنا من الدم، لكن يحرم عليه؛ لأن وجوب الدم بترك الواجب في النفس منه شيء، ما فيه إلا حديث ابن عباس ﵄، قال: «مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دمًا» (٢٣)، وهذا فيه نقاش أولًا في ثبوته، والثاني هل له حكم الرفع أو لا؟ لكن الكلام أنه يأثم بالاتفاق.
الطالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ترتيب الميقات ليس فيه سعة.
الشيخ: سعة؟
الطالب: فيه سعة ().
الشيخ: لكن رابغ أبعد من مكة من الجحفة () هذا المكان من زمان.
طالب: هل القول بكراهة تطييب ثياب الإحرام؛ لو طيبها وخلعها ثم أراد أن يلبسها ().
الشيخ: إي نعم، يعني لو طيبها ولبسها ثم بعد ذلك خلعها لسبب من الأسباب فإنه لا يعيدها وفيها الطيب، يجب أن يغسلها.
[ ١ / ٣٦٨٠ ]
الطالب: طيب يا شيخ إذا سال العرق عليها وفيه الطيب هل نفس الحكم؟
الشيخ: نعم، هذا كلام الفقهاء، نفس الحكم، لكن في هذه الحال ربما أقول: يعفى عنه؛ لأن الطيب الذي أصابها من طيب مأمور به، وربما يشق على الإنسان أن يتحرز من هذا، ربما يشق عليه، والشيء إذا شق ولم يكن هناك نصٌّ بيِّن في تحريمه فإنه يسامح فيه.
طالب: () مخيطه وبها جيوب.
الشيخ: المخيط سيأتينا إن شاء الله، إن المخيط هو اللباس المعتاد، ما هو بالذي به الخياط، وسيأتينا أن هذه العبارة ليست من عبارات الشرع، ما قالها الرسول، وقد قيل: إن أول من تكلم بها إبراهيم النخعي ﵀، وهو من فقهاء التابعين.
طالب: أحسن الله إليكم، لا يوجد دليل أن جبريل أتى النبي ﷺ بذي الحليفة لما أراد أن يحرم من الميقات قال: صلِّ في هذا الوادي فإنها أرض مباركة.
الشيخ: هذا جبريل أتاه وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» أَوْ «عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (٢٤).
لكن لا يدل على أن يكون الإحرام من حين الصلاة أو أن للإحرام صلاة؛ لأن قوله: «صَلِّ» أمر، يحتمل المراد بذلك الفريضة، يعني: انتظر حتى تصلي، ويحتمل أنها نافلة.
طالب: يسن له الصلاة.
الشيخ: كما قلنا قبل ذلك () ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إذا كان هناك سبب آخر فليفعل.
طالب: تجرده من مخيطه هل هو سُّنَّة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني لو ما تجرد من مخيطه، يجب عليه التجرد من مخيطه؛ لأنه عقد.
الشيخ: إذا أحرم وجب عليه التجرد.
الطالب: () عليه السُّنَّة؟
الشيخ: () بلى، لكن معناه أنه يتجرد قبل أن يلبس الإحرام، وقبل أن يعقد الإحرام، فإذا عقد وجب أن يتجرد.
***
[ ١ / ٣٦٨١ ]
الطالب: قال رحمه الله تعالى: (ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويستحبُ قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي، وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ، وصفته أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
قال المؤلف ﵀: (ونِيَّتُه شَرْطٌ).
(نِيَّتُه) أي: نية النسك، وما هي نية النسك؟ يعني نية الدخول في النسك، شرط، فلا بد أن ينوي الدخول في النسك، فلو لبى بدون نية الدخول فإنه لا يصير محرمًا بمجرد التلبية، ولو لبس ثياب الإحرام بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرمًا بلبس ثياب الإحرام، لا بد من النية، ودليل هذا قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢٥).
والتلبية قد تكون في غير الحج، فإن الرسول ﵊ كان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (٢٦).
وأتيت بهذا استطرادًا؛ لأنه مهم بالنسبة لكم: إذا رأيتم ما يعجبكم من الدنيا من قصور أو سيارات أو بنين أو زوجات أو غيرها، فقولوا: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، فانظر كيف صد الإنسان نفسه بقول: لبيك، إجابة لله ﷿؛ حتى لا تذهب نفسه مع الدنيا، ثم قال: «إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» وإن هذا العيش الذي أمامي ليس بشيء، زائل.
إذن لا بد من النية؛ هل يكفي لبس الإحرام؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يكفي أن يقول: لبيك اللهم لبيك؟ لا؛ لأن التلبية تكون للحاج ولغيره.
قال: (ويستحب قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي).
[ ١ / ٣٦٨٢ ]
هذه الجملة اشتملت على مسألتين:
المسألة الأولى: قوله: (يستحب أنْ يقول: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا). والاستحباب يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، لم يكن الرسول ﵊ إذا أراد أن يحرم بحج أو عمرة يقول: اللهم إني أريد العمرة، أو اللهم إني أريد الحج.
ومعلومٌ أن العبادات مبناها على الاتباع وعلى الوارد، فإذا كان الرسول ﵊ اعتمر أربع مرات، وحج مرة، ولم يكن يقول هذا، ولا أرشد إليه؛ فإنه ينبغي ألا يكون مستحبًّا.
ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن النطق بهذا القول كالنطق بقوله: اللهم إني أريد أن أصلي فيسر لي الصلاة، أو أن أتوضأ فيسر لي الوضوء، وهذا بدعة، فكذلك في النسك لا تقل هكذا، قل ما أرشد إليه النبي ﵊ حين استفتته ضباعة بنت الزبير أنها تريد الحج وهي شاكية قال: «قُولِي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (٢٧) أخرجه النسائي (٢٨)، ولم يقل: قولي: اللهم إني أريد كذا وكذا.
طيب، المسألة الثانية: يقول: (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني).
فإن قوله: (إن حبسني حابس) عام، أو إن شئت فقل: مطلق، يشمل من كان خائفًا، ومن لم يكن خائفًا، يعني: يشمل من كان يخشى من عائق يعوقه عن إتمام نسكه من مرض، أو ضياع نفقة، أو انكسار مركوب، أو خوف على نفسه، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه خائف ألا يكمل النسك.
ومن لم يكن خائفًا، هذا كلام المؤلف؛ لأنه لم يُفَصِّلْ، لم يقل: يقول: إن حبسني حابس إن خاف أن يحبسه حابس.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فمنهم من قال: إنها سُّنَّة مطلقًا، أن يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
ومنهم من يقول: ليست بسُّنَّة مطلقة.
ومنهم من فَصَّلَ وقال: سُّنَّة لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، وتركها سُّنَّة لمن لم يخف.
[ ١ / ٣٦٨٣ ]
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة، فإن الرسول ﷺ أحرم ولم يشترط، لم يقل: إن حبسني حابس، أحرم بِعُمَرِهِ كلِّها، حتى بالحديبية أحرم ولم يقل: إن حبسني حابس، وحبس، وكذلك في عمرة القضاء، وكذلك في عمرة الجعرانة، وكذلك في إحرامه في حجة الوداع، لم ينقل عنه أنه قال: إن حبسني حابس، ولا أمر به أصحابه أمرًا مطلقًا، بل أمر به من جاءت تستفتي لأنها مريضة تخشى أن يشتد بها المرض فلا تكمل النسك ..
وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة أن لا استحباب مطلقًا، ولا إنكار مطلقًا، بل من خاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، قلنا له: اشترط؛ استرشادًا بإرشاد الرسول ﵊، ومن لم يخف قلنا له: لا تشترط؛ السُّنَّة ألا تشترط، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة؛ كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء؛ بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة () قليلة.
وفي عهد الرسول ﵊ حصلت حوادث، ففي عرفة وقصت ناقة صاحبها فسقط منها فمات (٢٩)، هذه حادث، حادث سيارة ولّا حادث ناقة؟ حادث ناقة، ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول ﵊، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يستحب الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإن السُّنَّة ألا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظ يتعبد به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.
[ ١ / ٣٦٨٤ ]
وأَفْضَلُ الأنساكِ التَّمَتُّعُ، وصِفَتُه أن يُحْرِمَ بالعُمرةِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ في عامِه، وعلى الأفقي دمٌ،
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة، كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة الأوادم قليلة.
وفي عهد الرسول ﵊ حصلت حوادث، ففي عرفة وَقَصَت ناقةٌ صاحبَها فسقط منها فمات، هذه حادثة، حادث سيارة ولَّا حادث ناقة؟ حادث ناقة ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول ﵊، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يُسْتَحَبُّ الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النُّسُك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإنَّ السُّنَّة أن لا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظٌ يُتَعَبَّدُ به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.
والصواب أن له فائدة، وفائدته أنه إذا وُجِدَ المانع حَلَّ من إحرامه مجانًا، ومعنى قولي: (مجانًا) أي بلا هَدْي؛ لأن مَن أُحْصِر عن إتمام النسك فإنه يلزمه هدي، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإذا كان قد اشترط ووُجد ما يمنعه من إتمام النسك قلنا له: حُلَّ بلا شيء، مجانًا.
[ ١ / ٣٦٨٥ ]
لكن لو لم يشترط لم يَحِلّ إلَّا إذا حُصِر بعدو، على رأي كثير من العلماء، فإن حُصِر بمرض، أو حادث، أو ذهاب نفقة، أو ما أشبه ذلك، فإنه يبقى مُحْرِمًا ولا يحل، لكن إن فاته الوقوف فله أن يتحلل بعمرة، ثم يحج من العام القادم.
إذن الفائدة من هذا الاشتراط أنه إذا وُجِد مانع يمنعه من إتمام النسك فإنه يَحِلّ ولا شيء عليه، يرجع إلى بلده.
هنا عبارتان؛ العبارة الأولى أن يقول: (إنْ حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني)، (محلي) أي: مكان إحلالي من النسك، أو قت إحلالي من النسك.
والعبارة الثانية: أن يقول: (إن حبسني حابس فلي أن أَحِلّ).
هل بينهما فرق؟
نعم بينهما فرق؛ إذا قال: (فمَحِلِّي حيث حبستني)، حل بمجرد وجود المانع؛ لأنه عَلَّقَ الْحِلَّ على شرط، فوُجد الشرط، وإذا وُجِدَ الشرط وُجِدَ المشروط.
أما إذا قال: (إن حبسني حابس فلي أن أحل)، فإنه إذا وُجِدَ المانع فهو بالخيار؛ إن شاء حل، وإن شاء استمر.
فإن قيل: وهل من الخوف أن تخاف الحامل من النِّفَاس، أو الطاهر من الحيض؟
طالب: النفاس نعم.
الشيخ: النفاس نعم لا شك؛ لأن المرأة إذا نَفِسَت ما تستطيع أن تؤدي النسك، ثم إن مدة النفاس تطول غالبًا.
لكن نقول: حتى الحيض، إذا كان أهلها أو رُفْقَتُها لا يَبْقَوْن معها حتى تطهر، فإنها إذا كانت تتوقع حصول الحيض تشترط.
فإذا كانت امرأة لم يطرأ على بالها الحيض، لكن معها كسل أو مرض، وتخشى أن لا تُتِمَّ النسك من أجل هذا المرض، فقالت: إن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني، فأتاها الحيض، لكنه لم يطرأ على بالها، فهل نقول: إن حالها تُخَصِّص النية؟ أو نقول: إن العموم يشمل الحيض؟
طالب: العموم يشمل الحيض.
[ ١ / ٣٦٨٦ ]
الشيخ: نعم، هي الآن مريضة، فقالت: إن حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني، تريد يعني المرض، ما طرأ على بالها إلَّا المرض، لكن هي تستطيع، المرض يعني خَفَّ عليها أو زال، لكن حدث الحيض، فهل نقول: إن مقتضى حالها يخصِّص العموم، أو نأخذ بعموم اللفظ؟
الطلبة: نأخذ بعموم اللفظ.
الشيخ: يحتمل الأمرين عندي، أنا عندي يحتمل الأمرين، لكن مَن قال: إنه يؤخَذ بالعموم (حبسني حابس) نكرة في سياق الشرط فتعم، قال: هذا من الحوابس، والحوابس متعددة؛ قد يكون في قلبها تلك الساعة المرض، ويحصل حابس آخر كالحيض، والخوف، وفقدان النفقة، وموت الْمَحْرَم، وما أشبه ذلك.
فعلى كل حال الأخذ بالعموم أرجو ألَّا يكون به بأس، وإلا فإن الحال قد تُخَصِّص العموم.
فإذا قال قائل: ما نقول في شخصٍ اشترط بدون احتمال المانع، على القول بأنه لا يُسَنُّ الاشتراط إلا إذا كان يخشى المانع، فهل ينفعه هذا الاشتراط؟
طالب: ينفعه.
طالب آخر: لا ينفعه.
طالب آخر: على قولين.
الشيخ: على قولين، الآن فيها قولان عندكم؛ منكم من قال: إنه ينفعه، ومنكم من قال: إنه لا ينفعه؛ فالذي يقول: إنه ينفعه، يقول: إن هذا وإنْ وَرَدَ على سبب، فالعبرة بعمومه، والذي يقول: لا ينفع، يقول: هذا اشتراطٌ غير مشروع، وغير المشروع غير متبوع فلا ينفع.
وهذا عندي أقرب؛ أننا إذا قلنا بأنه لا يُسْتَحَبُّ الاشتراط فإنه لا يكون مشروعًا، وغير المشروع غير متبوع، لا يترتب عليه شيء، وإذا قلنا: إنه يترتب عليه حكم وهو غير مشروع، صار في هذا نوع من المضادة للأحكام الشرعية.
الاحتمال الراجح عندي -أنا ما راجعتها بالنسبة لهذه الأقوال- لكن الاحتمال الراجح عندي أنه لا يستفيد من هذا الشرط إلا إذا كان مشروعًا، لكن على قول مَن يقول: إن الاشتراط مشروع مطلقًا، يستفيد أو لا؟
طلبة: يستفيد.
الشيخ: نعم يستفيد، على قول مَن يقول: إنه مشروعٌ مطلقًا، يستفيد.
[ ١ / ٣٦٨٧ ]
فيه مسألة: لو أن الرجل دخل في الإحرام، وقال: لبَّيْك اللهم عمرة، ولي أن أحل متى شئت، فهل يصح هذا الشرط؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه ينافي مقتضى الإحرام، مقتضى الإحرام وجوب الْمُضِيّ في الإحرام، وأنك غير مخيَّر، فلست أنت الذي ترتب أحكام الشرع، المرتِّب لأحكام الشرع هو الله ﷿ ورسوله، فإذا قلت هذا فإنه لا يصح هذا الشرط.
***
قال المؤلف: (وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ).
قوله: (أفضلُ الأَنْساكِ)، أفادنا ﵀ أن هناك أنساكًا متعددة؛ لأن (الأنساك) جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فهنا أنساكٌ ثلاثة: (التمتُّع، والإفراد، والقِرَان)، وذلك لأن الإنسان إما أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، أو بالحج وحده، أو بهما، ما فيه قسمة رابعة.
إن أحرم بالعمرة وحدها فتمتُّعٌ، لكن بالشروط التي ستُذكر، بالحج وحده فهو مُفْرِد، بهما جميعًا هو قارِن، سنذكر الشروط.
لكن أقول: وجه انحصار الأنساك في هذه الثلاثة هو هذا؛ إما أن يُحْرِم بواحد، عمرة، أو حج، أو يقرِن بينهما؛ هذه الأنساك.
ويدل لهذا – أي: لتنوع الأنساك إلى هذه الثلاثة أنواع- حديث عائشة في مسلم قالت: حَجَجْنَا مع رسول الله ﷺ، فمنا مَنْ أهلَّ بحج، ومنا مَن أهلَّ بعمرة، وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج (١). ثم فصَّلت.
قولها: (بالحج) يُحْمَل على أنه بالحج من حيث الأفعال، لا من حيث الأحكام؛ لأنه كان قارِنًا.
وقيل: أحرم بالحج أولًا ثم أردفه بالعمرة، وسنذكر هذا إن شاء الله تعالى في صفة القِرَان، وهل يصح إدخال العمرة على الحج، أو لا يصح؟
قال: (أفضل الأنساك التمتع)، ما هو الدليل؟
الدليل على هذا أن النبي ﵌ أمر أصحابه حين قضى من الطواف والسعي أن يَحِلُّوا ويجعلوها عمرة إلَّا مَن ساق الهدي، وكان سائقُ الهدي في تلك الحجة قليلين، هذا الدليل.
[ ١ / ٣٦٨٨ ]
وقد حتَّم الرسول ﵊ في ذلك، أمر أصحابه حينما أكمل السعي قال: «مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، وقال: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، وقال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ».
وراجعه الصحابة في ذلك، وقالوا: يا رسول الله، كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنَا الحج، يعني: لَبَّيْنَا بالحج، قال: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ»، حتى أوردوا عليه مسألةً يُسْتَحْيَا منها، لكن حملهم ما في نفوسهم على إيرادها، قالوا: يا رسول الله، نخرج إلى مِنى وذَكَرُ أحدنا يقطر مَنِيًّا؟ يعني من جماع أهله؛ لأنهم سيحلون الحل كله.
ولكن الرسول ﵊ أبى إلَّا أن يحتم عليهم أن يجعلوها عمرة، فجعلوها عمرة (٢).
استدل الإمام أحمد ﵀ في هذا الحديث على أن التمتع أفضل إلا مَن ساق الهدي، فإنه لا يمكن أن يتمتع؛ لأن مَن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، وحينئذٍ يتعذر التمتع.
وقول المؤلف: (أفضل الأنساك التمتع) أفادنا ﵀ بكلمة (أفضل) أنه يجوز ما سوى التمتع، وليس التمتع بواجب، وهذا رأي جمهور أهل العلم؛ أن التمتع ليس بواجب.
وذهب بعض العلماء إلى أن التمتع واجب، وأن الإنسان إذا طاف وسعى للحج إذا لم يَسُق الهدي فإنه يحل؛ شاء أم أبى، وهذا رأي ابن عباس -﵄- يرى أن الإنسان إذا لم يَسُق الْهَدْي وأحرم بالحج في أشهر الحج فإنه لا يصح منه الحج، يجب أن .. أيش؟ يحل لتكون عمرة ويكون متمتعًا.
واستدل ﵁ بأمر النبي ﷺ وحَتْمه على الناس وغضبه لما تراخوا وصاروا يراجعونه (٣).
وإلى هذا يميل ابن القيم -﵀- فإنه في زاد المعاد مال إلى هذا الرأي، وأن التمتع واجب لمن لم .. أيش؟ لمن لم يَسُق الهدي، وذكر رأي شيخه -﵀- وقال: أنا إلى قول ابن عباس أَمْيَل مني إلى قول شيخنا.
[ ١ / ٣٦٨٩ ]
فخالف شيخه في هذه المسألة، ومال إلى قول ابن عباس، وكان ابن عباس -﵄- يناظر على هذه المسألة، حتى يقول: أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء (٤)؛ لأن أبا بكر وعمر -﵄- يريان أن الإفراد أفضل من التمتع.
واختار شيخ الإسلام في قصة أمر الرسول ﵊ للصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه، وتحتيمه، قال: إن هذا الوجوب خاصٌّ بالصحابة ﵃، وأما مَن بعدهم فتختلف الحال بحسب حال الإنسان، لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا الإفراد، ولا القِرَان، انتبهوا.
شيخ الإسلام ﵀ يقول: إنه يجب على الصحابة الذين خاطبهم الرسول ﵊ أن يجعلوها عمرة، أما مَن بعدهم فلا، وله دليل سمعي ونظري؛ أما السمعي يعني الأثري، فهو أن أبا ذر -﵁- سُئل عن المتعة، هل هي عامة أو للصحابة خاصة؟ قال: بل لنا خاصة (٥).
ويُحْمَل كلامه -﵁- على أن الوجوب لهم خاصة، وإلا فلا يمكن أن يقول أبو ذر: لنا خاصة، والرسول ﵊ سأله سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» (٦)، يقول الرسول ﵊.
فخصوصية الحكم للصحابة إذا كان المقصود الوجوب فله وجه، أما إذا كان القصد، أو إذا كان المراد فسخ الحج مطلقًا فليس بصحيح، هذا دليل أيش؟ أثري سمعي لشيخ الإسلام ابن تيمية.
دليل نظري يقول: إن الصحابة خُوطِبوا من الرسول ﵊ مباشرة، وهذا أول شيء يقع الحِل من الحج في أشهر الحج، لو لم ينفذه الصحابة كان هذا وصمة عار للأمة، فيقال: إذا كان الصحابة رفضوا أمر الرسول مباشرة فنحن من باب أولى.
[ ١ / ٣٦٩٠ ]
ثم إن الرسول ﵊ يريد أن يقرر هذا الحكم، والتقرير بالفعل أقوى من التقرير بأيش؟ بالقول، فإذا تقرر بالفعل بقي الأمر على ما هو عليه أولًا، وهو أنه هو الأفضل، أو يختلف كما قال شيخ الإسلام باختلاف حال الإنسان.
وما قاله ﵀ وجيهٌ جدًّا؛ أن وجوب الفسخ في ذلك العام الذي واجههم به الرسول ﵊ حق، وأما بعد ذلك فليس بحق، وأظنه لا يخفى، لو كان الأمر واجبًا على أبي بكر وعمر، وهما مَن هما بالنسبة لقربهما من الرسول ﵊، ولفهمهما قوله، ومعلوم أن مَن كان أقرب إلى الإنسان كان أعرف الناس بقوله ومراده.
فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من حيث وجوب التمتع وعدمه، وأنه واجب على الصحابة لما علمتم، أما غيرهم فالمذهب أن التمتع أفضل مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي فالتمتع في حقه أفضل، لكن كيف يعمل وهو لا يَحِلّ له أن يحلق إلا في يوم العيد، ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟
قالوا: إذا طاف وسعى لا يحل، ينوي أن العمرة انتهت، لكن لا يحل بالحلْق، فإذا كان يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج. وهذا لا شك أنه قولٌ ضعيف جدًّا، ولا تَأْتي، ما رأيت السُّنَّة أتت بمثله.
فالصواب أن مَن ساق الهدي لا يمكنه أن يتمتع؛ لأنه لا يمكن أن يحل، والتمتع لا بد فيه من حل.
شيخ الإسلام يقول: لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا القِرَان أفضل مطلقًا، ولا الإفراد أفضل مطلقًا.
يقول: مَن ساق الهدي فالأفضل له القِرَان؛ لأن التمتع في حقه متعذِّر، صح ولَّا لا؟ ما يمكن أن يتمتع، كيف يتمتع وهو ما حل؟ ! اللي ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، فمتى يتمتع؟
ولأن هذا - أعني القِرَان مع سَوْق الهدي- فعل النبي ﷺ (٧)، فيكون موافقًا لفعل الرسول ﵊، فالقِرَان إذن أفضل.
[ ١ / ٣٦٩١ ]
المعنى الثالث: أنه يجمع بين الحج والعمرة، يجمع بين نسكين، مع أنه لو أَفْرَد وهو قد ساق الهدي صح، لكن القِرَان أفضل لهذه الوجوه الثلاثة.
يقول: فإن كان قد اعتمر قبل أشهر الحج ولم يَسُق الهدي، فالأفضل له الإفراد، سواءٌ اعتمر قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، أو اعتمر قبل أشهر الحج ورجع إلى بلده ثم عاد إلى مكة، فإن الأفضل الإفراد، حتى إنه قال: إن هذا بلا خلاف، قال: هذا بلا خلاف أن الأفضل الإفراد؛ لأنه يأتي بالعمرة في سَفْرَةٍ مستقلة، وبالحج في سَفْرَةٍ مستقلة.
المسألة الآن لها صورتان؛ الصورة الأولى: أتى بالعمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، فهذا لا شك أن الإفراد أفضل له، يعني لا يمكن أن يتمتع، التمتع لا بد يأتي بالعمرة من الميقات، وهنا في مكة ليس له عمرة من الميقات، هنا نقول: هذه الصورة واضحة من كلام شيخ الإسلام، وربما يكون قوله فيها صوابًا.
الصورة الثانية: يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يرجع إلى بلده، ثم يعود إلى مكة. يقول: الأفضل ألَّا يُحْرِم بعمرة، يُحْرِم مفرِدًا، ويقول: إن هذا بلا خلاف، فإن صح الإجماع فليس لنا أن نخالفه، وإن لم يصح الإجماع فإنه يقال: إن الرسول ﵊ أمر أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوها عمرة إلا مَن ساق الهدي (٧)، ولم يقل: ومن اعتمر منكم قبل أشهر الحج فليَبْقَ على إحرامه، مع أنه يوجد في الصحابة مَن -فيما يظهر أنه يوجد فيهم- اعتمر قبل أشهر الحج.
فلذلك هذه المسألة مشكلة عليَّ من كلام شيخ الإسلام، وليس المشكل عليَّ أنه ذهب إليها؛ لأنه -﵀- معروف بقوة استدلاله وفهمه وعقله، لكن المشكل عليَّ قوله: إن هذا بلا خلاف ().
طالب: بالنسبة لمن ساق الهدي يا شيخ ثم مات عليه الهدي في مكة، وأرد أن يُكْمِل الـ ..
الشيخ: أن يتمتع.
الطالب: أن يتمتع، هل يجزئه الهدي يا شيخ؟
[ ١ / ٣٦٩٢ ]
الشيخ: هذا يُنْظَر، إن تلف بغير فعله وتفريطه سقط سَوْقُه وله أن يحل، وإن كان هو الذي أتلفه وجب عليه بدله، وحينئذٍ لا يحل.
طالب: ().
الشيخ: لا، ما هو مثل هذا؛ لأن الشهر يشمل التسع والعشرين والثلاثين.
الطالب: لكن ما نوى ().
الشيخ: ويش ما نوى؟
الطالب: ما نوى هل هو الشهر مثلًا التسع والعشرين أو الثلاثين.
الشيخ: لا، هو شهر، نوى شهرًا، وكون عدده تسعًا وعشرين أو ثلاثين هذا عند الله.
طالب: يا شيخ، حديث الرجل الذي حج عَن شُبْرُمَة، يقول: لبيك حجة عَن شُبْرُمَة (٨).
الشيخ: نعم.
الطالب: أجبتم بأن ظاهر وصول الرجل إلى مكة بأنه ليس فقيرًا، والفقير قد قررتم بأنه إذا سافر على نفقته () ولم يستفسر النبي ﷺ منه: هل أنت فقير؟ هل أنت ممن وجبت عليه؟
الشيخ: ما الذي أوصله إلى مكة إلا القدرة.
الطالب: لعله مَن حج عنه.
الشيخ: لا، هو هذه ما هي معروفة في السلف، يعني كونهم يعطون الذي يحج شيئًا ما هو معروف عنهم.
الطالب: إي، ما سأل.
الشيخ: ما هي معروفة أصلًا، يسأل عن شيء غير معروف! ! !
الطالب: يا شيخ، لو هناك نقل لشيخ الإسلام آخر بالنسبة للإفراد.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لشيخ الإسلام قول آخر في مسألة الإفراد، وأن الأفضل الإفراد () التمتع حتى ولو حج.
الشيخ: حتى ولو اعتمر.
الطالب: إي نعم؛ () الفتاوى يقول: مَن سافر سفرة واحدة واعتمر فيها، ثم أراد أن يسافر أخرى للحج فتمتُّعُه أفضل من الحج، فإن كثيرًا من الصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ كانوا قد اعتمروا قبل ذلك، ومع هذا أمرهم بالتمتع ولم يأمرهم بالإفراد.
الشيخ: نعم، والله هذا هو الموافق، لكنه صرَّح بمنسكه بما ذكرتُ لكم، وكذلك في الفتاوى أيضًا، أظنه حتى في الفتاوى قال هكذا.
الطالب: إي نعم، هو في الفتاوى ().
[ ١ / ٣٦٩٣ ]
الشيخ: لكن هذا هو اللائق به، الواقع القول الثاني هذا هو اللائق به؛ أنه إذا أفرد العمرة بسفر، ثم عاد من بلده إلى مكة في أشهر الحج فإننا نستحب له أن يتمتع؛ لظاهر أمر الرسول ﵊.
طالب: وجه أخير ().
الشيخ: والله هذا هو المشكل ().
***
طالب: .. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وَصِفَتُه أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرغَ منها ثم يحرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ، وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ أَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، فيما سبق فهمنا أن الأنساك ستة ..
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: التمتع والقِران والإفراد.
الشيخ: التمتع والقِران والإفراد، تمام، ما هو أفضل هذه الأنساك؟
طالب: التمتع.
الشيخ: التمتع؟
الطالب: لكن قال شيخ الإسلام ..
الشيخ: اصبر اصبر، لا ما بعد وصلنا إلى ذكر الخلاف، ما هو الدليل على أنه أفضل؟
الطالب: أن النبي ﷺ أمر الصحابة بأن يَحِلُّوا.
الشيخ: يَحِلُّوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة (٧)، تمام، فيه أيضًا مرجِّح آخر؟
طالب: قال النبي ﷺ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ».
الشيخ: أن الرسول قال: «لَوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (٧).
طالب: لأنه يا شيخ يعمل أعمالًا كثيرة أكثر من ..
الشيخ: أكثر عملًا من غيره؛ لأن فيه طوَافَيْن وسَعْيَيْن.
طالب: أنه أيسر وأسهل للحاج.
الشيخ: أيسر وأسهل؛ حيث إن الإنسان يتمتع بين العمرة والحج بمحظورات الإحرام.
[ ١ / ٣٦٩٤ ]
طالب: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الشيخ: نعم، أنه النسك المذكور في القرآن، لكن هذا قد ينازع فيه منازع، يقول: إن الله ذكره من أجل ما يترتب عليه من الحكم.
طالب: حديث عمران يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: حديث عمران (٩) في توقيت التمتع قال ().
الشيخ: إي نعم، هذا استدلال على الجواز، على كل حال هو أفضل للوجوه الثلاثة؛ أن الرسول أمر به، أنه أسهل على المكلَّف، أنه أكثر عملًا.
طالب: ().
الشيخ: يدخل فيها القِرَان، هذه ثلاثة، هل التمتع أفضل مطلقًا، أم يعارضه غيره في بعض الأحوال؟
طالب: بارك الله فيكم، على خلاف.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: على كلام المؤلف أنه أفضل مطلقًا إلا لِمَن ساق الهدي.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: كلام المؤلف أن التمتع ..
الشيخ: أفضل الأنساك التمتع.
الطالب: نعم، على كلام المؤلف أن أفضل الأنساك التمتع.
الشيخ: في كل حال؟
الطالب: إلا لمن ساق الهدي.
الشيخ: أين في كلامه: (إلا لمن ساق الهدي)؟
الطالب: لا، ما أدري.
الشيخ: ما تدري؟ ! كيف تحكم على ما لا تدري؟ !
طالب: أفضل مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، نحن قلنا هكذا، كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي؟
طالب: يتحلل من العمرة ويجعلها ().
الشيخ: كيف؟ الله يقول: ﴿لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ [البقرة: ١٩٦]! ! فمن ساق الهدي لا يمكن أن يحل إلا يوم العيد، ولو كان يمكن أن يحل لحل الرسول ﵊ وزال الإشكال.
الطالب: على كلام المؤلف؟
الشيخ: إي على كلام المؤلف.
طالب: إذا كان ذهب الهدي معه من غير تفريط منه ..
الشيخ: لا، لا ما هو هذه.
طالب: يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد.
[ ١ / ٣٦٩٥ ]
الشيخ: تمام، يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد، والحقيقة أنه على هذا لم يحصل له تمتع، أين التمتع؟
طالب: ().
الشيخ: ما في السؤال، أفضل الأنساك التمتع، ما هو رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة؟ هل أفضل الأنساك التمتع مطلقًا، أو عنده تفصيلٌ في هذا؟
طالب: عنده تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: () أن التمتع أفضل لمن لم يَسُق الهدي.
الشيخ: ومَن ساق الهدي؟
الطالب: كان القِران أفضل.
الشيخ: كان القِران أفضل، هذه واحدة.
طالب: أنه إذا فعل العمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة فالإفراد أفضل له.
الشيخ: وكذلك إن أنشأ سَفَرًا للحج ..
الطالب: إن أنشأ سفرًا على رأي شيخ الإسلام أن الإفراد أفضل.
الشيخ: فالإفراد أفضل، لكن ذكر لنا بعض الإخوان البارحة أن كلام شيخ الإسلام اختلف في هذه المسألة. هل الإفراد متعذِّر في هذا الوقت؟
طالب: لا، غير متعذِّر.
الشيخ: غير متعذِّر، خلافًا لبعض المعاصرين، قال: الإفراد متعذِّر، وعنده أنه إن ساق الهدي فالقِرَان، وإن لم يسق الهدي فالتمتع، ولا إفراد، لكن هذا قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأن الصحابة ﵃، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر كلهم أَمَرُوا بالإفراد.
بل في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم، أن الناس أحرموا مع الرسول ﵊، منهم مَن أَهَلَّ بحج، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بحج وعمرة (١)، لما قَدِمَ مكة أمر مَن لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمره، فشمل مَن؟ القارِن والمفرِد اللذين لم يسُوقَا الهدي أن يجعلوها عمرة، وأما مَن ساق الهدي فيبقى على إحرامه.
وظاهر الحديث حتى المفرِد يبقى على إحرامه إذا كان قد ساق الهدي، وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه عمل الناس.
***
ثم قال: (وَصِفَتُهُ) صفة التمتع: (أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج ويَفْرُغَ منها، ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، انتبهوا للشروط.
[ ١ / ٣٦٩٦ ]
لا يكون الحج تمتعًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف؛ أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال لم يكن متمتعًا، لماذا؟ لأنه لم يُحْرِم بها في أشهر الحج.
الشيخ: ومَن أَحْرَم بها في شوال لم يكن متمتعًا.
طلبة: لا ().
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه أحرم بها في أشهر الحج.
الشيخ: لأنه أحرم بها في أشهر الحج، ومَن أحرم بها في رمضان، وأتمها في رمضان، وبقي إلى الحج فليس بمتمتع.
إذن ثلاث صور: أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وأتمها في أشهر الحج، أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أحرم بالعمرة وأتمها قبل أشهر الحج.
الشيخ: مَن الذي لا يكون متمتعًا؟
طلبة: الأول والثاني.
الشيخ: الأول والثاني، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها ..
طلبة: ().
الشيخ: الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال، هذا غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في رمضان غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في شوال وأتمها في شوال متمتع، هذه واحدة.
ثانيًا: (ويَفْرُغَ منها)، يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير، وهنا التقصير أفضل من الحلق؛ لسببين:
الأول: أن النبي ﵌ أَمَرَ به مَن لم يَسُق الهدي أن يُقَصِّر.
والثاني: أنه من أجل أن يبقى للحج ما يُحْلَق أو يُقَصَّر، ولو أنه حَلَقَ والمدة قصيرة لم يتوفر الشعر للحج.
(يَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، (ثم) يعني بعد الفراغ منها والإحلال والتمتع بما أحل الله له، (يُحْرِم بالحج في عامه)، فإن أتى بالعمرة في أشهر الحج عام ثلاثة عشر، وحج عام أربعة عشر، ما تقولون؟
طلبة: ليس متمتعًا.
الشيخ: ليس متمتعًا؛ لأنه لا بد أن يُحْرِم بالحج في عامه، هذا هو المتمتع.
[ ١ / ٣٦٩٧ ]
بقينا بالقِرَان؛ القِرَان له صورتان أو ثلاث صور؛ الصورة الأولى: أن يُحْرِم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك عمرة وحجًّا، أو لبيك حجًّا وعمرة. قالوا: والأفضل أن يقدِّم العمرة في التلبية، فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا؛ لأنها سابقة على الحج.
الصورة الثانية: أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف، أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف.
الصورة الثالثة: أن يُحْرِم بالحج أولًا، ثم يُدخل العمرة عليه، وهذه الصورة مختلف فيها؛ فأجازها كثير من أهل العلم، ومنعها آخرون.
فالصور الآن كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: أن يُحْرِم بهما جميعًا، أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدخل العمرة عليه، هذه ثلاث صور.
الصورة الأولى دليلها أن النبي ﷺ جاءه جبريل، وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ -أَوْ قَالَ: - عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (١٠).
هذا الإحرام بهما معًا، دليله: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ».
دليل الثاني: أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، ما حدث لعائشة ﵂ حين أحرمت بالعمرة وحاضت بِسَرِف، فأمرها النبي ﷺ أن تُهِلَّ بالحج، وأمره بإهلالها بالحج ليس إبطالًا للعمرة، بدليل قوله: «طَوَافُكِ بِالْبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِعُمْرَتِكِ وَحَجِّكِ» (١١).
وهذا يدل على أنها لم تُبْطِل العمرة؛ لأنها لو أبطلت العمرة لقال: طوافك بالبيت وبالصَّفا والمروة يسعك لحجك فقط، إذن هذا الدليل.
وإذا تأملت الدليل قد تعارِض وتقول: الدليل أَخَصُّ من المدلول، ولا يصلح الاستدلال بالأخص على الأعم، والعكس صحيح، كلام معلوم ولَّا؟
[ ١ / ٣٦٩٨ ]
طالب: ().
الشيخ: نحن قلنا: الصورة الثانية أن يُحْرِم بالعمرة ثم يُدخل الحج عليها، واستدللنا بأيش؟ بحديث عائشة؛ أنها حاضت قبل أن تصل مكة، فأمرها الرسول ﷺ أن تُحْرِم بالحج، وجعلها قارِنة.
الدليل الآن إنما وقع في حالٍ تشبه الضرورة؛ لأن عائشة في هذه الحال لا يمكن أن تُكَمِّل العمرة وهي حائض، صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تطهر قبل الخروج إلى منى؛ لأنهم وصلوا اليوم الرابع؟
قلنا: بلى، يمكن، لكن الأمور الشرعية مبناها على الظن، على غلبة الظن، وهي عارفة نفسها أنها تأتيها الحيضة مثلًا لمدة ستة أيام، ولا تتمكن من العمرة قبل الخروج إلى الحج.
فإذن حديث عائشة في حال الضرورة، فهل نستدل به على حال السعة، ونقول: الإنسان يجوز إذا أحرم بالعمرة أن يُدْخِلَ الحج عليها ليكون قارِنًا؟
طالب: ().
الشيخ: الفقهاء يقولون: يجوز، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول: إذا كان الرسول ﵊ أمر مَن أَحْرَمَ بالحج ولم يَسُق الهدي أن يجعله عمرة، فكيف نجعل العمرة حجًّا؟ وهل هذا إلا خلاف ما أمر به الرسول؟ لأنك إذا جعلت العمرة حجًّا ماذا تصنع؟ ستبقى في إحرامك إلى يوم العيد، أهكذا؟
نحن قلنا: إن الدليل أخص من المدلول، كيف كان أخص؟ المدلول عام، في حال العذر وفي حال عدم العذر، الذي حكمنا به، والدليل خاص في حال الضرورة والعذر.
الصورة الثالثة، ما هي؟ أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدْخِل العمرة عليه، وهذا مُخْتَلَف فيه، فالمشهور عند الحنابلة -﵏- أن هذا لا يجوز؛ لأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر، وهذا فيمن أراد أن يكون قارِنًا، أما مَن حوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فهذا واضح أنه جائز، لكن هذا أحرم بالحج ثم أدخل العمرة عليه ليبقى على إحرامه إلى يوم العيد فيكون قارِنًا.
[ ١ / ٣٦٩٩ ]
فعندنا -عند الحنابلة- لا يصح الإحرام بالعمرة ويبقى على حجه، لكن عندهم أنه يُسَنّ أن يفسخ الحج ليجعله عمرة ويكون متمتعًا إذا لم يَسُق الْهَدْي.
والذين قالوا بالجواز قالوا: إن النبي ﷺ أحرم أولًا بالحج كما قالت عائشة: وأَهَلَّ رسول الله ﷺ بالحج، ثم جاءه جبريل وقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة (١٢)، فأمره أن يُدْخِل عمرة على الحج، وهذا يدل على إدخال العمرة على الحج.
والقول بأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر مجرد قياس فيه نظر؛ فإن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال: «إِنَّ الْعُمْرَةَ حَجٌّ أَصْغَرُ» (١٣)، فلا مانع ولا تناقض، وهذا القول كما ترون دليله قوي؛ أنه يصح إدخال العمرة على الحج.
فإذا قالوا: إنه لا يستفيد بذلك شيئًا؟ قلنا: يستفيد، بدل أن كان أتى بنسك واحد، أتى الآن بنسكين.
الإفراد، يقول الإفراد أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، وله صورة واحدة فقط، كالتمتع ليس له إلا صورة واحدة، ما هو؟ أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا فيقول: لبيك حجًّا، فقط.
وأيهما أفضل، الإفراد أو القِرَان؟
إن ساق الهدي فلا شك أن القِرَان أفضل، وكذا إن لم يَسُق الهدي، القِران أفضل؛ لأنه يأتي بنُسُكين، بخلاف الإفراد.
وهل يُشْتَرَط في الإفراد أن يُحْرِم بالعمرة بعده؟ لا، ليس بشرط، إذا أتى بالحج وحده فسواءٌ اعتمر بعد ذلك أم لم يعتمر.
وما يوجد في بعض كتب المناسك أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، ثم يأتي بعمرة بعده، فهو بِناء على مشروعية العمرة بعد الحج، وعلى أناس لا يستطيعون أن يَصِلُوا إلى البيت، فيأتون بالعمرة بعد الحج لأداء أيش؟ لأداء الفريضة، والعمرة بعد الحج غير مشروعة، كما تقدم لنا، أو يأتي إن شاء الله تعالى.
فصار الآن القِران له ثلاث صور، التمتع صورة واحدة، الإفراد صورة واحدة.
[ ١ / ٣٧٠٠ ]
قال المؤلف: (وَعَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ).
(عَلَى) هنا للوجوب، و(الأُفُقِيّ) نسبة إلى الأُفُق، ويقال: الآفَاقِي نسبة إلى الآفاق، والأرجح لغةً أن يقول: الأُفُقِيّ، نسبة إلى المفرَد؛ لأن هذا هو الأصل في النسبة.
(عَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ)، مَن الأفقي؟
الأفقي: مَن لم يكن حاضر المسجد الحرام، مَن لم يكن مِن حاضري المسجد الحرام؛ هذا الأفقي، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
﴿أَهْلُهُ﴾ يعني: سكنه؛ لأن السكن يتأهل فيه الإنسان.
﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وحينئذٍ نقول: مَن حاضرو المسجد الحرام؟ مَن هم؟
قيل: حاضرو المسجد الحرام مَنْ دون المواقيت، وعلى هذا فيختلف الناس في ذلك اختلافًا كبيرًا، فالذين من طريق المدينة قد يكون بينهم وبين مكة سبعة أيام، ثمانية أيام، وكلهم من حاضري المسجد الحرام، والذين في قَرْن المنازل ليس بينهم وبين مكة إلا يومان، وهذا القول فيه نظر، وفيه ضعف.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة فقط؛ لأن حاضر الشيء المقيم فيه، ومَن كان خارج مكة فليس من حاضري المسجد الحرام.
وعلى هذا فمَن سَكَنُهُ في عرفة مثلًا فليس .. أيش؟ ليس من حاضري المسجد الحرام، ومَن سَكَنُهُ في مزدلفة ليس من حاضري المسجد الحرام؛ لأنه ليس من أهل مكة، أهل مكة فقط البناء.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام أهل الحرَم، لا أهل مكة، وعلى هذا فكل مَن كان داخل الأميال فهم حاضرو المسجد الحرام.
فأهل منى من حاضري المسجد الحرام، أهل عرفة لا، ليسوا من حاضري المسجد الحرام.
[ ١ / ٣٧٠١ ]
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرَم، ومَن بينهم وبينه دون مسافة القَصْر؛ لأن مَن دون المسافة يُعْتَبَر من أهل البلد.
ولكن أقرب الأقوال أن نقول: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة أو أهل الحرَم، يعني: من كان من أهل مكة ولو كان في الحِلّ، أو مَن كان في الحرَم.
طالب: () بعضهم يعني.
الشيخ: من كان، أنا أقول: أحسن ما يقال: إنهم أهل مكة أو أهل الحرم، فمن كان من أهل مكة وهو خارج الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام، صح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، الآن في التنعيم، التنعيم متصِل بمكة الآن، متصِل بمكة تمامًا، بل فيه الآن بيوت من وراء التنعيم، يعني أصبح التنعيم داخل مكة، مع أنه من الحِلّ، وهنا يمكن أن يُلغِز بها مُلغِز، فيقول: هناك شجرٌ في مكة أنبته الله يجوز أن نَحُشَّه، أو ما يصح؟
الطلبة: نعم، يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه خارج الحرم، وهناك صيد في مكة يجوز أن نصيده، قد يقول قائل: كيف هذا؟ ! الرسول حرَّم شجر مكة (١٤)؟ لكن نقول: هذه مكة امتدت الآن، خرجت عن الحرم.
إذا كان داخل الأميال لكن خارج مكة يعتبر من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، إذن هذا القول الذي تطمئن إليه النفس، أنهم أهل مكة أو أهل الحرم، يعني: الأبعد من الطرفين، الأبعد من الحرم أو مكة هم حاضرو المسجد الحرام، ومَن عداهم فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
إذن الآفاقي على كلام المؤلف نقول: هو مَن كان خارج مكة وخارج الحرَم، على القول الصحيح.
وقول المؤلف: (دَمٌ)، كلمة (عليه دمٌ)، الدم يُطْلَق على الذبيحة هنا، ولو أن المؤلف قال: هَدْي، لكان أجود، لماذا؟ ليطابق الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولكن هذا الهدي هل له شروط أو لا؟
[ ١ / ٣٧٠٢ ]
نعم له شروط؛ لا بد أن يبلغ السن المعتبَر شرعًا، وهو أن يكون ثَنِيًّا، أو جَذَعًا، فالْجَذَع من الضأن، والثَّنِيُّ مما سواه؛ من المعز والبقر والإبل.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً - أي: ثَنِيَّةً - إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (١٥).
فأجاز الرسول ﵊ ذَبْحَ الجذعة من الضأن إذا تَعَذَّرَت الْمُسِنَّة، ولو كانت لا تجزي ما استثناها.
ولا بد أن يكون الْهَدْي سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لأن النبي ﷺ سُئِلَ: ماذا يُتَّقَى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعًا -وأشار بأصابعه- الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ - الْهَزِيلَةُ - الَّتِي لَا تُنْقِي» (١٦).
لكن لو قال قائل: إن النبي ﷺ سُئِلَ: ماذا يُتقى من الضحايا؟ !
فنقول: إن التخصيص هنا تخصيص زماني ومكاني؛ لأنهم سألوه في المدينة، والمدينة ما فيها هَدْي، فلما أمرنا أن نتقي هذه الأشياء عُلِم أن المصاب بهذه الأمراض لا يَصِحُّ أن يكون قُرْبَة، هذا هو الدليل.
فنقول أيضًا: يُتَّقَى من الهدايا هذه الْمَعِيبَات الأربعة، طيب، هل يُشْتَرَط الوقت؟ أن يكون في زمن الذبح؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: يُشْتَرَط، وأنه لا يُذْبَح دم المتعة إلا في الوقت الذي تُذبَح فيه الأضاحي، وهو يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، ومنهم من قال: يجوز تقديم الذبح بعد الإحرام بالعمرة، فيُذبح الهدي ولو قبل الخروج إلى منى للحج.
[ ١ / ٣٧٠٣ ]
قالوا: لأن الصيام لمن لم يجد الهدي يجوز أن يكون قبل الخروج إلى الحج، مع أنه بدل، فإذا جاز في البدل فالأصل من باب أولى، وهذا هو المشهور عند الشافعية، ويأخذ به كثير من الحجاج اليوم؛ لأنهم يشاهدون الهدايا في منى تُرمى إلا بعد المشروع الجديد، فصاروا يأخذون به.
وتَوسَّع بعض رؤساء الحملات في هذا، فقال: يجوز أن يُذبح الهدي من حين أن يسافر الإنسان من بلده ولو قبل الحج بعشرة أيام أو عشرين يوم، وقال للحملة: اذبحوا كل يوم عشرة شياه اجعلوها هديًا لكم، وهذا جائز، أنتم شرعتم في الحج، نعم، فأفتى نفسه فتيا علَّامة الإسلام، نعم، لماذا؟
ليسلم من تمويلهم باللحم، وهذا هو الواقع، هذا شيء وقع وسُئلنا عنه في عرفة، حَمْلة جاءت من بلد ما فقالوا: إن صاحب الحملة قال: إن هديكم يجوز أن يقدَّم من حين خروجكم من بلدكم، كل يوم اذبحوا عشر هدايا، نعم، وكأنه يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ [النساء: ١٠٠]! !
على كل حال هذا لا يصح، ولا قال به أحد من أهل العلم، ولا يجوز الْفُتْيَا به، والصحيح أنه يشترط الزمان، وأن هَدْي التمتع لا بد أن يكون في أيام الذبح؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده.
والدليل على هذا أنه لو كان يجوز أن يقدَّم ذبح الهدي على يوم العيد لفعله النبي ﵊ وحل المشكلة؛ لذبح هديه حين قدم في اليوم الرابع وحلَّ، ولكنه قال: «لَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (١٧) ولا نحر إلا يوم العيد.
إذن انتبهوا، الصحيح أنه لا يُجزئ ذبح هدي التمتع إلا في زمن الذبح.
وهل له من مكان؟ نعم، إذن صار في هذه الناحية أضيق من الأضحية؛ الأضحية تصح في كل مكان، لكن هدي التمتع أضيق، لا يصح إلا في الحرَم.
[ ١ / ٣٧٠٤ ]
فلو ذبح هديه في عرفة لم يجزئه، حتى لو دخل به إلى منى، وقد فعل ذلك بعض الناس في العام الماضي، عام اثني عشر وأربع مئة وألف، فذبحوا هداياهم في عرفة ودخلوا بها إلى منى، وهذا لا يجزئ؛ لأن مكان ذبح الهدي في الحرَم.
لكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واستدل بقول النبي ﷺ: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» (١٨).
الشيخ: إذن، صار لا بد في هدي التمتع من شروط أربعة؟
طالب: شروط التمتع؟
الشيخ: نعم، شروط هدي التمتع؟
الطالب: الزمان والمكان ().
الشيخ: أنت بدأت من الأسفل! لو بدأت من فوق يمكن يسهل عليك.
الطالب: الزمان، والمكان، والسلامة من العيوب، والرابع ..
الشيخ: وبلوغ السن.
الطالب: وبلوغ السن.
الشيخ: فيه شرطٌ خامس؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، فلو أهدى بفرس لم تجزئ، فصارت شروط هدي التمتع خمسة: أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتَبَر شرعًا، وأن يكون سليمًا من العيوب، وأن يكون في زمن الذبح، وأن يكون في الحرم، خمسة شروط، هذا قول المؤلف: (وعلى الأُفُقِيّ دم).
طالب: إرشاد النبي ﷺ لعائشة حينما أمرها أن تدخل الحج على العمرة، قلت يا شيخ: إن الرسول ﷺ حينما أرشدها كان في حال ضرورة، ولكن هنا الرسول ﷺ أطلق، وقال: «يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (١٩)، وهذا الكلام يعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والإطلاق يعم.
الشيخ: لا، هو يعم حالة مخصوصة، لاحظ هذه المسألة ترى مفيدة في علم الأصول: إن العموم في حالة مخصوصة يكون عمومًا في هذه الحالة المخصوصة، فمثلًا لما رأى الرسول ﷺ رجلًا مُظَلَّلًا عليه وعليه زحام، قال: «مَا هَذَا؟» قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (٢٠).
[ ١ / ٣٧٠٥ ]
فهل نقول هذا العموم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» عامٌّ لكل إنسان، في أي حال؟ لا، يختص بمن حاله مثل هذا، لكنه لا يختص بهذا الرجل، بل هو عامٌّ له ولمن كان في مثل حاله.
طالب: ().
الشيخ: أجزأه نعم، نكتة طريفة: كنا نُقَرِّر في أيام التوعية أن الهدي لا بد أن يكون قد بلغ السن المعتبر شرعًا، فقام رجل من السودان فرفع يده، فقلنا: تفضل، قال: إنه يجزئ الصغير ولو لم يكن له إلا شهرٌ واحد. ويش الدليل؟ قال: لأن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾، فإذا لم يتيسر لك إلا شيء صغير فإنه يمشي، يجزئ. فماذا نقول؟
طالب: السنة اللي قيَّدت.
الشيخ: نقول: إن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، (أل) للعهد الذهني، أي: الهدي الشرعي، والهدي الشرعي هو الذي بلغ السن.
()
طالب: الهدي لماذا لا نجعله مُرَتَّبًا، من الثني، ثم ننتقل إلى الجذعة ()؟
الشيخ: نعم، الثَّنِيَّة أفضل من الجذعة.
الطالب: يعني مرتَّب ().
الشيخ: الرسول قال: «إِلَّا أَنْ تَعْسُر» (٢١)، لو قال: إلا ألَّا تجدوا.
الطالب: إذن الأصل أنه يذبح الثنية، فإذا ما استطاع ..
الشيخ: إذا تَعَسَّر، ما هو بإذا ما استطاع، إذا تعسَّر ذبح جذعة.
طالب: بالنسبة للمحرِم إذا أراد أن يُدْخِل العمرة على حجه، الراجح في هذا ما ()؟
الشيخ: ويش قلنا؟
طالب: ().
الشيخ: لا، هذا قلنا قول فيه.
طالب: ().
الشيخ: يكفي هذا يكفي، نعم.
طالب: يا شيخ، ألا يمكن الاستدلال بهذا القول، بأن الرسول ﷺ أمر أصحابه بأن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وكان منهم المفرِد، فإذا كانوا مفرِدين () يدخلون العمرة على الحج.
[ ١ / ٣٧٠٦ ]
الشيخ: لا، أشرنا إلى هذا، قلنا: إن هذا ليس إدخال عمرة على حج، هذا فسخ حج إلى عمرة، يعني: لغى الحج، مَرَّ، إدخال العمرة على الحج أنه يبقى متلبِّسًا بالنسكين جميعًا.
طالب: هذا التمتع ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: أقول: بناءً على أن أشهر الحج هي نهاية ذي الحجة هل ..
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأنه ورد تحديده، قال الرسول ﵊: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (٢٢)، وقال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (٢٣).
الطالب: وما الفائدة يا شيخ ()؟
الشيخ: ذكرناها يا شيخ.
الطالب: لا، يعني ما الفائدة بالنسبة لهذه؟
الشيخ: ذكرناها، ما ذكرناها يا جماعة؟ قلنا: تأخير طواف الإفاضة، وتأخير الحلق أو التقصير.
طالب: وفي الأيْمان.
الشيخ: وكذلك في الأيْمان ذكرناها ().
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف ﵀: وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ وأَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعْمةَ لك والمُلكَ لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجلُ وتُخفيها المرأةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هي صفة التمتع؟
طالب: أن يُحْرِم ().
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بالعمرة.
الشيخ: بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، وبعد ما يفرغ ويتحلل يُحْرِم بالحج. صورتها؟
طالب: صورة التمتع؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُحْرِم.
الشيخ: لأ، ما هو معناه، صورتها؟ رجل.
الطالب: إي نعم، رجل نوى التمتع.
الشيخ: رجل وصل إلى الميقات.
الطالب: نعم، رجل وصل إلى الميقات فأحرم بنية عمرة، ثم قام بأداء مناسك العمرة.
الشيخ: اترك بأداء مناسك؛ لأن به تفصيلًا، ثم طاف.
الطالب: والسعي والحلق والتقصير.
الشيخ: والحلق والتقصير؟ !
[ ١ / ٣٧٠٧ ]
الطالب: نعم، الحلق أو التقصير، ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: لا، لا.
الطالب: ثم يتحلل.
الشيخ: ثم يتحلل، الحِل َّ كله أو بعضه؟
الطالب: الحل كله.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: فإذا كان اليوم الثامن؟
الطالب: نعم، خرج إلى منى.
الشيخ: أحرم بالحج، أحسنت، هذه صورتها، من الذي يَلْزَمُه الدم من المتمتعين؟
طالب: ().
الشيخ: مَن؟ كل متمتع يلزمه دم؟ ما فيه شرط؟
طالب: يلزم الأفقي دم.
الشيخ: إي، يلزم الأفقي، يعني: الذي جاء عن طريق الأفق؟
الطالب: الذي جاء من خارج المواقيت.
الشيخ: من الأفقي؟
طالب: هو الذي يأتي من وراء المواقيت.
الشيخ: ليس من حاضري.
الطالب: المسجد الحرام.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا؟
طالب: على إيه يا شيخ؟
الشيخ: على أنه لا يلزم الهدي إلا مَن ليس من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: قوله تعالى.
الشيخ: قوله تعالى.
الطالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: الدليل قوله تعالى في سورة البقرة في سياق آيات الحج، كَمِّل وضحتُ لك كثيرًا.
طالب: قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الشيخ: إذن الدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، مَن حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: مَن في الحِلّ.
الشيخ: يعني مَن خارج الحرم؟
الطالب: مَن خارج الحرم من أهل مكة.
الشيخ: كيف خارج الحرم وهم من أهل مكة؟
الطالب: ().
الشيخ: يعني: هم أهل الحرم أو أهل مكة؟
الطالب: أهل مكة.
الشيخ: أهل مكة، الذين داخل الأميال لكنهم خارج مكة هل هم حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: إذا اتصلت البنيان.
[ ١ / ٣٧٠٨ ]
الشيخ: إذا خرجت البنيان عن حد الحرم فهل الساكنون هناك من حاضري المسجد الحرام؟
الطالب: ().
الشيخ: إذن، أعطنا عبارة نعرفها.
طالب: القول الصحيح يا شيخ.
الشيخ: القول الصحيح أنهم ..
الطالب: أنهم من أهل مكة أو مَن في الحرم.
الشيخ: أو مَن في الحرم ولو كانوا خارج مكة، هذا أقرب ما يُقَال فيها، والمسألة فيها خلاف ذكرناه لكم في الشرح.
***
قال المؤلف: (وعلى الأفقي دم).
وشرحنا الدم، وقلنا: الأولى بالمؤلف أن قال: الهدي، كما قال ربنا ﷿.
وقلنا: إن هذا الهدي لا بد فيه من أربعة أمور.
طلبة: خمسة.
الشيخ: ستة أمور.
الطلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة أمور؟ إي نعم؛ بلوغ السن، والسلامة من العيوب، والزمان، والمكان، ومن بهيمة الأنعام، خمسة.
قال ﵀: (وعلى الأفقي دم).
وظاهر كلام المؤلف أن غير المتمتع لا يلزمه دم؛ لأنه قال في سياق التمتع: (وعلى الأفقي دم)، فهل هذا مراد أو لا؟
ظاهر كلام المؤلف أن الدم على المتمتع وحده، وثمة مفرِد وأيش؟ وقارِن، أما المفرِد فلا دم عليه.
أما القارن فظاهر كلامه ﵀ أنه ليس عليه دم؛ لأن القارِن ليس بمتمتعٍ بهذا المعنى الذي قاله المؤلف، والمؤلف قال: (التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج).
ثم قال: (وعلى الأفقي دم)، وهذا الظاهر من كلام المؤلف هو ما ذهب إليه داود الظاهري، داود الظاهري من الظاهرية، وقال: إن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فلا بد من تمتع فاصل بين أيش؟ بين العمرة والحج؛ لأن (إلى) للغاية، والغاية لا بد لها من ابتداءٍ وانتهاء، فلا بد أن يكون هناك تمتع بين العمرة والحج، أما القارِن فليس بين عمرته وحجه تمتع؛ لأنه سيظل محرِمًا إلى يوم العيد.
[ ١ / ٣٧٠٩ ]
وهذا الذي ذهب إليه الظاهري هو ظاهر القرآن، ظاهر السياق: ﴿مَنْ تَمَتَّعَ﴾ ﴿إِلَى﴾، لو قال: من تمتع بالعمرة مع الحج، لقلنا: إن القارِن يدخل في ذلك؛ لأن القارِن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفرًا مستقلًّا، لكن لما قال: ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ علمنا أن هناك انفصالًا بين أيش؟ بين العمرة والحج.
ولهذا سأل ابنُ مَشِيش الإمامَ أحمد ﵀ قال: أيجب على القارِن الهدي -أو قال: الدم- وجوبًا؟ قال: كيف يجب وجوبًا وقد قاسوه على المتمتع؟ كأنه ﵀ يشير إلى أن وجوب الدم على القارِن إنما هو بأيش؟ بالقياس، وإذا كان بالقياس فلننظر هل هذا القياس تام، أو ليس بتام؟ لأن القياس التام لا بد أن يشترك فيه الأصل والفرع في العلة الموجِبة، ولّا لا؟
العلة الموجِبة للدم في التمتع الذي يكون فيه انفصال بين العمرة والحج هي أن الله يسَّر لهذا الناسك، يسَّر له أيش؟ تمتعًا تامًّا بين العمرة والحج، والقارِن ليس كذلك لا شك؛ لأنه سيبقى متمتعًا من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
ولهذا نقول: إن ظاهر القرآن مع الظاهري؛ أن الدم لا يجب إلا على المتمتع فقط لا على القارِن والمفرِد.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنُسُكه أن يُهْدِي؛ لأن من هدي الرسول ﵊ الإهداء التطوعي، فكيف بإهداءٍ اختلف العلماء في وجوبه؟ ! وكان أكثر العلماء على الوجوب، يكون هذا لا شك أولى وأبرأ للذمة وأحوط.
كم أهدى الرسول ﷺ؟
طلبة: مئة.
الشيخ: بارك الله فيكم، لا إله إلا الله، سبع مئة.
الطلبة: مئة.
الشيخ: لا إله إلا الله، كم مئة بعير؟
الطلبة: سبع مئة.
الشيخ: سبع مئة شاة، وأنت الآن تشح على نفسك بشاة واحدة، اذبح الهدي ولو كنت قارِنًا، فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك، وإن لم يكن واجبًا فقد تقرَّبت إلى الله تعالى به.
[ ١ / ٣٧١٠ ]
يُشترط، المؤلف ﵀ ما ذكر غير هذا الشرط، يُشترط ألَّا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج، فيمكن أن يُؤْخَذ من قول المؤلف: (ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج)، فإن ظاهره أنه لا سفر، وإن كان ليس بذاك الظاهر القوي.
المهم أنه يُشترط ألَّا يسافر بين العمرة والحج، فإن أتى بالعمرة ثم عاد مثلًا إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج فقد سافر بينهما؛ لأن السفر من مكة إلى المدينة سفر بلا شك.
فهل يسقط الدم؟
ربما نقول: إن ظاهر كلام المؤلف أنه أيش؟ يسقط؛ لأن قوله: (يفرغ منها ثم يحرم)، ولم يقل: ولو سافر، وظاهر أنه يفرغ ثم يحرِم أن المسألة متوالية، أن هذا متوالٍ.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوالٍ تعتبر أصل الأقوال:
القول الأول: أن السفر لا يُسقط الهدي، طال أم قصُر، إلى بلد الحاج، أو إلى بلدٍ أخرى.
فعلى هذا لو أن الرجل أتى بالعمرة في أشهر الحج، وهو عازم على أن يحج هذا العام، ثم رجع إلى بلده، وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الهدي أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] يدل على أن هذا الرجل مسافر للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفر مسافة قصر يُسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو سافر إلى بلدٍ أخرى.
وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافة قصْر.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
[ ١ / ٣٧١١ ]
ففي المثال الذي ذكرناه: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟
طالب: لا يسقط.
الشيخ: لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده .. إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الْهَدْيَ أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائلُ هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] يدل على أن هذا الرجل مسافرٌ للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفرَ مسافةَ قصرٍ يُسْقِطُ الهدي، سواء سافر إلى بلده، أو سافر إلى بلد أخرى، وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافةَ قصرٍ.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
ففي المثال الذي ذكرنا: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وَحَلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟ لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده، ثم عاد منها محرِمًا بالحج سقط عنه الهدي.
[ ١ / ٣٧١٢ ]
وهذا القول هو الراجح؛ لأنه أنشأ سفرًا جديدًا، فإن السفر مفارقة الوطن، وهذا أنشأ للحج سفرًا جديدًا غير سفر العمرة، فيكون مُفْرِدًا لا مُتَمَتِّعًا، وهو مَرْوِيٌّ عن عمر وابنه -﵄- أنه إذا رجع إلى بلده، ثم عاد مُحْرِمًا بالحج فإنه مُفْرِد وليس بِمُتَمَتِّع، وإن عاد إلى بلد آخر فإنه مُتَمَتِّع؛ لأنه لم ينشئ سفرًا جديدًا؛ إذ إن سفره إلى البلد الآخر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعًا للسفر، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة.
ذكر في الشرح مسألة ينبغي أن نتكلم عليها، وهي: إذا أحرم الإنسان بالحج ووصل إلى مكة فإنه يُسَنُّ أن يجعل الحج أيش؟ عمرة ليصير متمتعًا، انتبهوا لهذا القيد، فلو جعل الحج عمرة ليتحلل بالعمرة منه فإن ذلك لا يصح، ماذا قلنا؟
طالب: ().
الشيخ: إن الرجل إذا أحرم بالحج وقلنا: افسخ الحج إلى عمرة لتصير متمتعًا، فأراد أن يفسخ الحج إلى عمرة ليحل بها منه، لا لأجل أن يتمتع، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا حيلة على إسقاط وجوب الحج عنه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين مَن فسخ الحج ليصير متمتعًا، ومَن فسخ الحج بالعمرة ليتحلل منه؟
قلنا: الفرق بينهما ظاهر؛ مَن فسخ الحج إلى عمرة ليتحلل بها منه فهو أيش؟ متحيِّل على سقوط وجوب الْمُضِيِّ في الحج، ومَن فسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فإنه منتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن المتمتع أفضل من القارِن والْمُفْرِد، وهذا هو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه؛ أن يفسخوا الحج ويجعلوه عمرة (١)، لماذا؟ ليصيروا متمتعين، لا ليتحللوا بالعمرة من الحج.
على كل حال نضرب مثلًا في ذلك: رجل سافر إلى مكة في أشهر الحج وأحرم بالحج، وكأنه تطاول المدةَ، باقٍ على الحج عشرة أيام أو عشرون يومًا، فقال: إذن أُحوله إلى عمرة من أجل أطوف وأسعى وأُقَصِّر وأرجع إلى بلدي، ما تقولون في هذا؟
طلبة: ().
الشيخ: هذا لا يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
[ ١ / ٣٧١٣ ]
طلبة: ().
الشيخ: لأنه لما شَرَعَ بالحج وجب عليه إتمامه، فإذا حَوَّلَه إلى عمرة ليتخلص منه صار متحيِّلًا على إسقاط واجب عليه، وهذا لا يجوز، واضح ولَّا لا؟
طالب: واضح.
الشيخ: رجل آخر ذهب ليحج، أحرم بالحج في أشهر الحج، ثم قيل له: إن التمتع أفضل، فحوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، سيبقى إلى الحج ويحج، هذا ماذا نقول؟
طالب: جائز.
الشيخ: هذا جائز، بل سنة، لماذا؟ لأنه انتقل من مفضولٍ إلى أفضل، ولم يتحيل على إسقاط واجب، بل انتقل من المفضول إلى الأفضل، عرفتم؟
ونظير هذا أن رجلًا جاء إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، يعني في مكة، لماذا؟ لأن مكة أفضل من بيت المقدس، فأعاد عليه، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، وكأن الرجل لم يقتنع، أعاد عليه، قال: «فَشَأْنُكَ إِذَنْ» (٢)، خَلَّاهُ لنفسه، عرفتم؟ هنا انتقل من معين إلى معينٍ أفضل منه.
نظير هذا أيضًا -وإن كنا طولنا عليكم-: رجل شَرَعَ في صلاة الظهر منفردًا، فحضرت جماعة، فحوَّلها إلى نفل ليدخل مع الجماعة، ما تقولون؟ جائز ولَّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، يعني لما كان في الركعة الثانية حضرت الجماعة فحوَّلها إلى نفل ليصلي مع الجماعة، نقول: هذا جائز، وليس فيه شيء.
دخل في صلاة الظهر، ولما صلى في الركعة الثانية تذكر شيئًا لا يفوت، فقال: أحوِّلها إلى نفل من أجل أن أتخلص به منها، أيجوز أو لا يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا أيش؟ تحيّل على إسقاط واجب؛ لأنه إذا شرع في الفرض وجب عليه إتمامه.
فالمهم أن هذه قواعد مهمة لطالب العلم: الذي ينتقل عن شيء إلى آخر تخلُّصًا من الأول لوجوبه عليه، هذا لا يصح؛ لأن الواجبات لا تسقط بالتحيُّل عليها، كما أن المحرَّمات لا تحل أيش؟ بالتحيل عليها.
[ ١ / ٣٧١٤ ]
وأما من انتقل من واجب لتكميل هذا الواجب، فإن ذلك جائز، ولا بأس به؛ لأنه تحوَّل إلى أفضل.
ثم قال المؤلف -﵀-: (وَإِنْ حَاضَتِ المَرأةُ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ، وَصَارَت قَارِنَةً).
(إن حاضت المرأة)، المرأة هنا عامٌّ أريد به الخاص، فالمراد بالمرأة هنا المرأة المتمتِّعة، يعني أحرمت بأيش؟ بعمرة، أحرمت بعمرة لتحل منها ثم تحج من عامها، لكنها حاضت، وكانت وصلت إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة، فحاضت، وعادتها ستة أيام، وهي الآن في اليوم الخامس، متى تطهر؟
طالب: يوم أحد عشر.
الشيخ: يوم أحد عشر، يعني بعد فوات الوقوف، إذن لا يمكنها أن تطوف وتسعى وتنتهي عمرتها، لا يمكنها ذلك، صح ولَّا لا؟ صح، نقول لهذه: يجب وجوبًا أن تُحْرِم بالحج لتكون قارِنةً.
وإنما قلنا: يجب؛ لأن النبي ﵌ أمر بذلك عائشة حين حاضت بسَرِف قبل أن تدخل مكة (٣)، والأصل في الأمر الوجوب، ولأن الحج يجب على الفور، فلو لم تُحْرِم به لفاتها الحج هذا العام؛ إذ لا يمكن أن تطوف وتسعى قبل الوقوف، ولأنها شرعت في العمرة من أجل الحج في الواقع، هي لم تَقْدَم إلا للحج؛ لأن العمرة تصح في كل وقت، ولا يمكن أداء الحج إلا بالتحلُّل من العمرة، والتحلل من العمرة مستحيل في هذا الحال؛ لأنها حائض، والحائض لا تطوف، فلم يَبْقَ عليها إلا أن تُحْرِم بالحج فتكون قارِنة.
ومثل ذلك مَن حصل له عارض بعد أن أحرم بالعمرة، حصل له عارض لا يمكنه معه أن يصل إلى مكة إلا بعد فوات الوقوف؟ فنقول لهذا: أَحْرِم، وهو محرِم بالعمرة متمتِّعًا بها إلى الحج، نقول لهذا أيش؟ أَحْرِم بالحج.
صورة المسألة: سافَر من المدينة إلى مكة وأحرم بالعمرة، يقصد أيش؟ يقصد التمتع بالعمرة إلى الحج.
[ ١ / ٣٧١٥ ]
في أثناء الطريق خربت السيارة، وعرف أنها لا يمكن أن تصلح إلا في زمنٍ لا يمكنه به إدراك العمرة قبل فوات الوقوف، ماذا نقول له؟ نقول: أَحْرِم بالحج لتكون قارنًا؛ لأنك لو بقيت على إحرامك بالعمرة ولم تَصِلْ إلَّا يوم التاسع فإن عليك خطرًا أن يفوتك الحج، فالآن أَحْرِم بأيش؟ بالحج؛ لئلا يفوتك الحج.
الصورة واضحة ولَّا غير واضحة؟ واضحة.
طالب: ().
الشيخ: بقينا، هل معنى قولنا: يُحْرِم بالحج أنه يفسخ العمرة ثم يُحْرِم بالحج، أو يُدْخِل الحج على العمرة؟ الأول ولَّا الثاني؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، فمعنى قولنا: أَحْرِم بالحج، يعني: أَدْخِل الحج على العمرة، وليس فسخًا للعمرة؛ لأنه لو كان فسخًا للعمرة لكان الحج أيش؟ إفرادًا، وقد قال النبي ﵌ لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٤)، واضح؟
إذن قول المؤلف: أحرمت به، أي: أدخلته على العمرة، وليس المعنى أن تفسخ العمرة ثم تُحْرِم بالحج؛ لأن هذا لا يستقيم.
طالب: () قبل الطواف؟
الشيخ: إي، قبل الطواف؛ لأنها إذا حاضت بعد الطواف ما فيه إشكال؛ السعي يجوز أن تسعى وهي حائض.
طالب: () يا شيخ.
الشيخ: ما هو بواضح؟
الطالب: ().
الشيخ: طيب، الآن نوضح، هذه امرأة أحرمت بالعمرة تريد التمتع، فحاضت قبل أن تطوف بالبيت، وتعلم أنها لن تطهر إلا بعد فوات الوقوف، ماذا نقول لها؟ نقول: أَحْرِمِي بالحج، أدخلي الحج على العمرة من أجل أن تكوني قارنة، تمام.
مثال آخر: امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، ثم طافت، وبعد الطواف حاضت، هل نقول: تُحْرِم بالحج؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يمكن أن تُحْرِم بالحج الآن، إذا شرعت في طواف العمرة ما يمكن أن تُحْرِم بالحج، لكن تسعى وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تسعى وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طلبة: لأنه لا يُشْتَرَط له الطهارة.
[ ١ / ٣٧١٦ ]
الشيخ: نعم، تسعى وهي حائض؛ لأن السعي لا يُشْتَرَط له الطهارة، فيجوز سعي الجُنُب، وسعي المحدِث حَدَثًا أصغر، لكنه على طهارةٍ أفضل لا شك، كل العبادات على الطهارة أفضل، لكن يصح السعي، فنقول لهذه: أكملي العمرة، أكملت العمرة، جاء وقت الحج وهي حائض، هل تُحْرِم وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تُحْرِم وهي حائض، الدليل؟
طلبة: حديث عائشة. (٣)
الشيخ: لا، عائشة؟
طلبة: أسماء.
الشيخ: أسماء بنت عميس، نَفِسَت فأرسلت إلى النبي ﷺ: كيف أصنع؟ قال: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (٥)، واضح؟
إذن معنى قول المؤلف: (حَاضَتْ فَخَشِيتْ فَوَاتَ الحَجِّ)، لا يمكن أن تخشى فوات الحج إلا إذا كان حيضها قبل الطواف، أما إذا كان بعد الطواف فإنه لا يضرها شيء.
الشيخ: ما تقولون فيما لو حاضت أثناء الطواف؟ وهذا يقعُ كثيرًا من النساء، سبحان الله، الحيض يأتي لأسباب، قد يتقدم لأسباب، مع () والزحام حاضت في أثناء الطواف، فهل تُتِمُّ الطواف وتكمل العمرة، أو تخرج من الطواف وتُحْرِم بالحج؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه لا يمكن تكميل الطواف، تكميل الطواف متعذِّر؛ حيث حاضت في أثنائه، أحدثت حدثًا أصغر في أثناء الطواف؟
طالب: على القول بعدم ().
الشيخ: تكمل، سبحان الله.
الطالب: على القول ().
الشيخ: فيها قولان؛ من اشترط الطهارة للطواف قال: إن طوافها بطل، ويجب عليها أن تتوضأ وتستأنف الطواف.
ومن قال: إن الطهارة في الطواف ليست بشرط؛ لعدم وجود دليل صحيح صريح لاشتراطها، قال: تكمل الطواف، وليس عليها شيء، وهذا القول هو الصحيح؛ أنه لا يُشْتَرَط له الطهارة؛ الطهارة من الحدث الأصغر.
ثم قال المؤلف -﵀-: (وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لبيك لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ).
[ ١ / ٣٧١٧ ]
(إذا استوى على راحلته)، استوى عليها يعني: علَا واستقر، ركب ركوبًا تامًّا، قال: (لبيك اللهم لبيك) يعني: يُلَبِّي إذا استوى على راحلته، مع أنه في الأول قال: (إِحْرامٌ عَقِبَ رَكْعتَينِ)، فهل في كلامه تناقض؟
نقول: لا، كلام المؤلف ليس فيه تناقض، فهو ينوي الدخول في النسك بعد أن يصلي، لكن لا يلبي إلا إذا استوى على راحلته.
إذن تناقض فيه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: أيش الجمع؟ أنه بعد الصلاة ينوي الإحرام؛ ينوي الدخول في النسك، أما التلبية فإذا ركب، إذا استوى على راحلته قال: لبيك، عندنا رواحل اليوم؟
طالب: السيارة.
الشيخ: السيارات هي رواحل؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، رواحل، إذن إذا ركب السيارة يحتاج أن يقول؛ شَغَّل السواق ولَّا وإن لم يُشَغِّل؟
طلبة: وإن لم يُشَغِّل.
الشيخ: وإن لم يُشَغِّل، الدليل على هذا أن ابن عمر ﵄ ذكر أن النبي ﷺ حين استوى على راحلته قال: لبيك (٦). وهذا أحد أقوالٍ ثلاثة في المسألة.
والقول الثاني، وهو المذهب: يُلَبِّي عقب الصلاة، يعني: إذا نوى الدخول في النُّسُك قال: لبيك.
والقول الثالث في المسألة: إذا علا على البيداء، البيداء: جبل صغير هناك في ذي الْحُلَيْفَة، قال: لبيك، يعني: يُلَبِّي إذا استوى، إذا علا على أول علوٍّ يكون بعد الاستواء على الراحلة والسير.
فالأقوال إذن ثلاثة، وهذا أيضًا وردت به السُّنَّة؛ الأخير، قال جابر ﵁: ثم ركب رسول الله ﷺ، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك (٧)، قال: حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك.
[ ١ / ٣٧١٨ ]
فحديث ابن عمر في الصحيحين (٦)، وحديث جابر في مسلم (٨)، وكلاهما صحيح، فهل بينهما تعارض؟ لا، ليس بينهما تعارض؛ لأنه يُحْمَل على أن جابرًا لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي ﷺ به على البيداء، ولن ينقل ما لم يسمع، وابن عمر سمعه يلبي، متى؟ حين استوى على راحلته، فنقل كلٌّ منهما ما سمع.
بقينا فيما رواه النسائي؛ أن النبي ﷺ أَهَلَّ دُبُرَ صلاته (٩)، وهذا يدل على أنه أَهَلَّ بعد الصلاة؟
فيقال: دُبُرُ الصلاة ما كان بعدها، ولما استوى على راحلته فهو دُبُرُ الصلاة، وحتى إذا عَلَت به راحلته على البيداء فهو دُبُرُ الصلاة، فلا تناقض.
لكن روى أهل السنن عن عبد الله بن عباس ﵄ بسند فيه نظر أنه جمع بين الروايات المختلفة -ابن عباس- وقال: إن الناس نقل كل واحد منهم ما سمع، وإن النبي ﵌ لَبَّى بعد الصلاة، فسمعه أناس فقالوا: أَهَلَّ دُبُرَ الصلاة، ولَبَّى حين ركب، فسمعه أناس فقالوا: لَبَّى حين ركب، وسمعه أناس حين استوت به راحلته على البيداء يلبي، فقالوا: لَبَّى حين استوت به راحلته على البيداء (١٠)، وهذا الحديث لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهرًا؛ لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن نحن جرَّبْنَا أن الأَوْلَى أن لا يلبي إلَّا إذا ركب، ليش؟ لأنه أحيانًا يتفطن الإنسان لشيء، يكون ناسيًّا شيئًا كطِيب أو شبهه، ويتفطن له إذا أراد أن يركب، فإذا قلنا: أَحْرِم بعد الصلاة، لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّي الإحرام إلا بعد الركوب، حصل في ذلك فسحة.
وجربنا هذا وقلنا: ليتنا أخذنا بحديث ابن عمر، أن لا نلبي إلا إذا ركبنا؛ لأننا نسينا ما لا يمكن أن نستعمله ..
()
طالب: يا شيخ، الرسول ﵊ قَرَنَ؟
الشيخ: قَرَنَ إي نعم.
الطالب: وأهدى؟
الشيخ: وأهدى.
الطالب: ().
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٣٧١٩ ]
الطالب: فكيف الآن نخالف قول الرسول ﵊ ().
الشيخ: من المعلوم أنه لا يمكن أن نُلْزِم الناس باتباع الرسول ﵊ في هذه المسألة، وإلا لألزمناهم أن يُهْدُوا مئة بدنة؛ لأن الرسول أهدى مئة بدنة (١١)، وهَدْي الرسول ﵊ لا شك أنه تطوُّع، يعني ما زاد على الواحدة، فأين التفريط أن الرسول ﵊ أراد لواحدة من سبع مئة الواجب والباقي تطوُّع.
ثم القاعدة الأصولية عند العلماء أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وعلى كل حال نحن ذكرنا أن الأحوط أيش؟ الأخذ بقول الجمهور، سواءٌ قلنا: إنه ثبت بالنص، وأن القِرَان داخل في التمتع المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أو قلنا: إنه ثابت بالقياس، كما قاله الإمام أحمد ﵀.
طالب: أمره أن يشترك كل سبعة في بدنة (١٢)، يُخَصِّص هذا؟
الشيخ: ما يُخَصِّص.
الطالب: أم نقول لهم: بل كل واحد مثلًا () يقدم بدنة.
الشيخ: إي، لكن بارك الله فيك، ما فيه دليل على أن الرسول أراد الوجوب بأي واحدة من السبع مئة.
الطالب: ().
الشيخ: على كل حال، إحنا ما نهينا عن الهدي، اللي يهدي جزاه الله خيرًا؛ أخذًا بالأحوط.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، لا ما يدخل في هذا؛ لأن هذا صفة أو فعل مستقل، الظاهر أنه ما يدخل في هذا.
طالب: المفرِد يُشْرَع له هدي.
الشيخ: إي نعم، المفرِد يُشْرَع له الهدي، والمعتمِر عمرة واحدة يُشْرَع له الهدي، والذي في بلده إذا أرسل الهدي إلى مكة يُشْرَع له ذلك.
طالب: يُمْنع الطيب للمُحْرِم بمجرد الإحرام؟
الشيخ: إي نعم، بمجرد الإحرام.
طالب: بارك الله فيكم، هل هذا القول وهو الصحيح إن شاء الله.
الشيخ: القول بأيش؟
الطالب: القول هذا بأن القارِن ليس عليه الهدي وجوبًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لا يستطيع الإهداء هل يلزم بالصيام؟
[ ١ / ٣٧٢٠ ]
الشيخ: إي نعم، على القول بالوجوب يُلزم بالصيام.
الطالب: القول الذي اتبعناه.
الشيخ: على قول الذي لا يقول بالوجوب يستحب له الصيام.
طالب: إذا ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا كان قارِنًا، يعني: الصورة التي قلنا أنه ينتقل من مرحلة إلى أعلى منها، يكون في هذه الحالة ..
الشيخ: ما هي الصورة جزاك الله خيرًا؟ لأني فهمت من كلامك أنك ما فهمتها.
الطالب: نسيتها راحت عن بالي الآن.
الشيخ: هل نبني على شيءٍ منسي؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: أنه أحرم بالحج مُفْرِدًا، ثم أُعلِم أن التمتع أفضل، فقال: أريد أن أتمتع.
الشيخ: أجْعَلها عمرة؟
الطالب: أجْعَلها عمرة ().
الشيخ: لا يا أخي، هو أصلًا حاجٌّ هذا.
الطالب: حاجٌّ مُفْرِد.
الشيخ: مُفْرِد، فقال: أريد أن أجعلها عمرة ..
طالب: على القول بعدم اشتراط الطهارة ما الذي ().
الشيخ: لا، الحائض لا يمكنها أن تمكث في المسجد، الْجُنُب لو توضأ لجاز أن يمكث في المسجد على رأي الجمهور.
الطالب: ويطوف؟
الشيخ: يطوف، إذا جاز أن يمكث في المسجد فالطواف مُكْثٌ.
الطالب: الحائض يا شيخ؟
الشيخ: الحائض ثبت عن الرسول أنها ما يمكن.
الطالب: بالنص؟
الشيخ: بالنص، إي نعم، مع أن الجنب لو قيل بعدم الجواز مطلقًا لكان له وجه.
طالب: ().
الشيخ: على هذا الرأي لا فرق، لكن وجوبه على القارِن ليس ببعيد، المفرِد ما يجب عليه، ما فيه إشكال.
الطالب: يُسْتَحَبُّ يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، على المفرِد يستحب أن يسوق الهدي.
الطالب: أصبحوا سواء؟
الشيخ: ما هم سواء؛ لأن المفرِد يسوقه على وجه التطوع بلا خلاف، قصدي المفرِد يهدي على وجه التطوع بلا خلاف، والقارِن على وجه الاحتياط، فرق بين هذا وهذا، إلا على رأي الجمهور أنه يهدي وجوبًا.
الطالب: يا شيخ، ما يدل على أنه الواجب الأرجح أو غير الواجب؟
الشيخ: ما يدل على هذا، أنت ما تعرف أن هناك درجة بين الواجب وغير الواجب؟ !
الطالب: بلى.
[ ١ / ٣٧٢١ ]
الشيخ: هذه الدرجة الاحتياط؛ لأن إذا قلنا: الاحتياط، معناه أنه لو تركه فهو على خطر من الإثم، لكن المستحب ما هو على خطر من الإثم.
طالب: ().
الشيخ: صحيح، القِرَان يسمى تمتعًا؛ لأنه تمتع بسقوط أحد السَّفَرَيْن.
الطالب: ().
الشيخ: لكن الآية ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى﴾ [البقرة: ١٩٦]، إيش تدل عليه؟ على انفصال العمرة عن الحج ولَّا لا؟
الطالب: ().
الشيخ: كذا ولَّا لا؟ طيب، إذا انفصل الحج عن العمرة حصل بينهما متعة كاملة، وتَحَلُّلٌ مِن مُحَرَّم، لكن مَن تمتع بالعمرة إلى الحج، بمعنى: مع الحج؛ لأن القِرَان ما هو تمتع بالعمرة إلى الحج، تمتعٌ بالعمرة مع الحج، فهو ما يحصل على هذا التمتع الذي يتنعم به ويَتَتَرَّف به.
طالب: لغةً؟
الشيخ: لا، لغةً ممنوع عند كثير من العلماء، لكن دعنا من اللغة، خَلِّي التمتع لغةً يصدُق بجمع الحج والعمرة في سفر واحد، لكن إذا قال الله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ واضح الانفصال.
طالب: ()، وساق الصحابة الهدي ()، ومنهم مَن لم يَسُقْ، مَن لم يَسُقْ أمرهم بالصيام.
الشيخ: أمرهم بالتمتع.
الطالب: ما يُحْمَل على القارِن الذي لم يَسُق الهدي؟
الشيخ: بلى، يُحْمَل على القارِن الذي لم يَسُق الهدي أنه يجعلها عمرة.
الطالب: لكن أمرهم بالصيام.
الشيخ: كيف أمرهم بالصيام؟ ! في القرآن: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فالأصل وجوب الهدي.
الطالب: ()؛ لأن الرسول أمر مَن قَرَنَ بالصيام؟
الشيخ: أَمَرَ مَنْ لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمرة (١٣)، لكن هل أمر مَن قَرَنَ ولم يَسُقِ الهدي أن يذبح هديًا، فإن لم يجد فليَصُم؟ إذا جاء هذا فهو فيصل.
طالب: أحرم من ذي الْحُلَيْفَة ثم أراد الذهاب إلى مكة جوًّا، فهل له تأخير التلبية إلى أن يصعد الطائرة.
الشيخ: كيف؟
[ ١ / ٣٧٢٢ ]
الطالب: أحرم من ذي الحليفة وأرد أن يذهب إلى جدة.
الشيخ: لا، ما يمكن، أصله يجب أن ينوي من ذي الحليفة.
الطالب: لكن التلبية في الطائرة يؤخرها.
الشيخ: إي، يعني هو ما بيركب السيارة ولَّا بيروح على رجليه؟
الطالب: بالسيارة.
الشيخ: طيب، إذا ركب السيارة.
الطالب: الدابة هي الطائرة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الدابة اللي ستوصله إلى مكة أو الراحلة هي الطائرة.
الشيخ: إي، لكن هذه دابة بدل دابة، هل مثلًا إذا صار بيروح مثلًا على جمل من ذي الحليفة إلى جدة أو إلى رابغ، وبعدها بيروح على بغل، هل نقول: أَخِّر التلبية إلى أن تركب البغل؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن أول ما تركب من الميقات هو الذي تُحْرِم منه.
طالب: بارك الله فيكم، عرضتم الخلاف في نية الدخول في التلبية أن تكون بعد الصلاة، أو إذا استوى على راحلته، أو إذا استوت به الراحلة على البيداء، كما جاء في الأحاديث، ثم قلتم في الأخير أنه يجب النية في الدخول في النسك بعد الصلاة، ولا يُلَبِّي إلا في السيارة؛ لأنه ربما يكون هذا أحسن له؛ لأنه ينسى شيئًا معينًا كالطِّيب.
الشيخ: لا، وبارك الله فيك، هذا الذي فهمته، لكن إذا قلنا: لا تلبي إلا إذا ركبت، معناه: لا تَنْوِ إلَّا إذا ركبت؛ لأن التلبية هي مِن أول ما يُحْرِم يُلَبِّي، ما فيها التأخير.
طالب: يا شيخ، قول المؤلف: (إذا حاضت المرأة فخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ)، وإن لم تَخْشَ لم تُحْرِم؟
الشيخ: تبقى على إحرامها بالعمرة.
الطالب: وإن طال معها الحيض حتى وقت الحج؟
الشيخ: وصلت إلى مكة مثلًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على أنها ستَطْهُر في اليوم السادس، لكن استمر معها الحيض فجاء اليوم السابع، وجاء اليوم الثامن، وهي ما بعدُ طهرت، نقول: أَدْخِلِي الحج.
[ ١ / ٣٧٢٣ ]
طالب: عائشة حينما قال لها رسول الله ﷺ: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٤)، فتكون اعتمرت مع أنها قالت: كيف الناس يرجعون بحج وعمرة وأرجع أنا بحج؟ (١٤)
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال أن الرسول قال لها: يكفيك عن حجك وعمرتك، وهي في الأخير تقول: كيف يرجعون بحج وعمرة وأنا أرجع بحج؟
الشيخ: فهمتم الإشكال؟ يقول: كيف يقول الرسول لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، ثم تقول هي: إن الناس يرجعون بحج وعمرة وأرجع بحج؟ نعم، هذا ظاهره التناقض.
فنقول: إنها أرادت أفعال العمرة، يعني: يرجع الناس بعمرة منفرِدة مستقلة وحج منفرِد مستقل، وأنا أرجع بحج؛ لأن القارن عمل الحج في حقه كعمل المفرِد سواءً لا يختلف، فهذا الذي أرادت.
طالب: ().
الشيخ: يقولون: إذا صار الوادي جيدًا يدفع كل شيء حتى الحجر الذي أمامه ().
طالب: () إلى أن ساق الهدي.
الشيخ: إي نعم؛ ويش سؤالك؟
طالب: ().
الشيخ: على أيش؟
الطالب: على وجوب الهدي.
الشيخ: لا.
الطالب: ().
الشيخ: () أيش؟ مِنْ أَمْرِ مَنْ لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمرة، قال: إلَّا مَنْ ساق الهدي فإنه لا يمكن أن يجعلها عمرة (١٣)؛ لأنه لو جعلها عمرة حَلَّ قبل أن يبلغ الهدي محلَّه، إي نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة للحائض إذا كان عليها طواف الوداع وهي حائض ().
الشيخ: ماذا أيش؟
الطالب: الحائض إذا كان عليها طواف وداع وطواف إفاضة.
الشيخ: عبارتك هذه غير سليمة، صَحِّح العبارة.
الطالب: إذا كانت المرأة حائضًا.
الشيخ: نعم، كَمِّل.
الطالب: وأراد أصحابها الرحيل من مكة وهي عليها طواف إفاضة.
الشيخ: وطواف وداع.
الطالب: نعم.
الشيخ: العبارة غير صحيحة؛ ويش تقولون؟
طالب: صحيحة.
[ ١ / ٣٧٢٤ ]
الشيخ: لا، غير صحيحة؛ لأن قوله: وعليها طواف وداع غير صحيح، الحائض ما عليها طواف وداع، لكن قل: إذا خافت فوات الرُّفْقَة ولم تَطُف طواف الإفاضة، عرفت؟
هذه المسألة وقعت في عهد الرسول ﵊ حين قيل له: إن صفية بنت حُيَيٍّ كانت حائضًا، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ !»، قال ذلك تعجبًا أو إنكارًا، المهم أنه قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ !»، قالوا: إنها قد أفاضت، يعني: طافت طواف الإفاضة، قال: «انْفِرُوا» (١٥)، يعني: ما هي حابستنا الآن؛ لأن طواف الوداع على الحائض ليس بواجب، لكن الرسول ﵊ سيبقى حتى تطهر المرأة.
إنما إذا كانت المرأة مع رُفْقَة لن يبالوا بها ولن ينتظروها، فماذا تصنع؟ يقول بعض العلماء: تذهب معهم إذا لم يمكن أن يتخلف معها مَحْرَمُها، وتبقى على إحرامها أبد الآبدين، حتى تقدر على البيت وتأتي وتطوف طواف الإفاضة، فإن كانت ذات زوج لم يَقْرَبْهَا زوجها، وإن كانت غير مُزَوَّجَة لم تتزوج، إلى متى؟
طالب: إلى أن تصل البيت.
الشيخ: إلى أن تقدر على البيت وتجيء، وهي امرأة مثلًا قدَّرنا أنها من الهند أو من السند، ما تستطيع، نقول: هذا قضاء الله وقدره، لكن قضاء الله وقدره قد يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، لكن شَرْعُ الله لا يمكن أن يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، الشَّرْع مَبْنِيٌّ على القدرة، والقدَر إلى الله، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
[ ١ / ٣٧٢٥ ]
الشيخ: فنقول: شَرْعُ الله لا يعارض قدره، وقدر الله لا يعارض شَرْعَه، ومثل هذه المرأة قد جعل الله لها يسرًا، نقول: تدفع الأذى عن المسجد بالتحفظ، تَتَلَجَّم، يعني: تجعل على فرجها حائلًا يمنع من تسرب الدم إلى المسجد، فهنا يزول الأذى المحتمَل بالنسبة للمسجد، بالنسبة لها الوصف القائم ببدنها المانع لها من الطواف يُعْفَى عنه؛ لأنها في هذه الحال مُضْطَرَّة إليه، وعلى هذا فنقول كما قال شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة: إنها تَتَلَجَّم وتطوف طواف الإفاضة ولو كانت حائضًا.
فإن قال قائل: هذا في امرأة لا يمكنها الرجوع إلى مكة، لكن في امرأة يمكنها الرجوع، يعني: مثلًا في المملكة لا تحتاج إلى تأشيرة دخول ولا إلى نفقة باهظة؟
نقول: هذه الآن نُخَيِّرُها، إن شاءت بقيت في مكة حتى تطهر وتطوف، وإن شاءت خرجت مع قومها، فإذا طَهُرَت عادت إلى مكة وطافت طواف الإفاضة، ولكن إذا عادت هل يلزمها أن تُحْرِم وتأتي بعمرة؛ لأنها مَرَّتْ بالميقات مُرِيدَةً لنُسُكٍ، أو لا يلزمها؟
طلبة: ما يلزمها.
طالب آخر: لأنها ما زالت مُحْرِمة.
طالب آخر: خلاف.
الشيخ: لا، هي حَلَّت التَّحَلُّل الأول، لاحظوا أنها حَلَّت التَّحَلُّل الأول، هذا ما هي عمرة، هذا حج، حَلَّت التَّحَلُّل الأول، والإحرام بالعمرة بعد التحلُّل الأول جائز، فهنا نقول: تُحْرِم بعمرة، وتطوف وتسعى وتُقَصِّر للعمرة، ثم بعد ذلك تطوف طواف الإفاضة، فإن كان الطواف طواف عمرة فإنها تبقى على إحرامها، يعني ما تحل من العمرة، تبقى على إحرامها أو ترجع مع قومها، فإذا طهرت عادت، إذا مَرَّت بالميقات هل تُحْرِم منه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها على إحرام، إي نعم.
طالب: ()
الشيخ: أهلَّ دُبُرَ صلاته.
الطالب: أَهَلَّ دُبُرَ صلاته ().
الشيخ: هذا له دليل، وهذا له دليل، الإنسان في حال الصلاة هل يُحْرِم بالحج وهو يصلي؟
الطالب: بعد الصلاة.
[ ١ / ٣٧٢٦ ]
الشيخ: نقول: دُبُر الصلاة إذا ثبت أنه من حين سَلَّم، حديث ابن عباس (١٦) لو كان صحيحًا لكان فيصلًا، لو ثبت أنه من يوم انتهى من الصلاة أَهَلَّ يعني قال: لبيك، ما فيه إشكال، والجمع كما عرفتم ممكن، لكن الحديث فيه نظر، في صحته نظر، وأما حديث ابن عمر أنه حين استوى على راحلته فهو صحيح (٦)، وحديث جابر حينما استوت به على البيداء أيضًا صحيح (٨).
أما حديث معاذ فقلنا: إن معنى قوله: دُبُرَ كل صلاة (١٧) أي: في آخرها، أولًا: لأن آخر الصلاة محلٌّ للدعاء، وما بعد الصلاة محلٌّ للذكر، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ قال لعبد الله بن مسعود حين ذكر التشهد: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (١٨)، وقال الله تعالى فيما بعد السلام: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّه﴾ [النساء: ١٠٣].
طالب: ذكرت يا شيخ أنه لا يُشْتَرَط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، طيب ماذا يفعل في ركعتي الطواف؟
الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد، يقول: إذا قلنا بعدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، فماذا يصنع في ركعتي الطواف؟ هل يصليهما على غير طهارة أم ماذا؟
طلبة: يتوضأ.
الشيخ: نقول: يذهب ويتوضأ ويصلي، أو يتركهما؛ لأنهما سنة، أرأيت لو أنه بعد أن طاف أحدث، طاف مُتَطَهِّرًا وبعد الطواف أحدث، فماذا يصنع بالركعتين؟
طالب: يتوضأ.
الشيخ: يتوضأ ويصليهما أو يدعهما.
طالب: () دال على أن الإهلال بعد الصلاة؟
الشيخ: على أن الإهلال بعد الصلاة، الواو يقولون: لا تقتضي الترتيب.
الطالب: لكن ظاهرة فيه؟
الشيخ: على كل حال هي ظاهرة فيه، لكن ما هي صريحة، فإذا ثبت أنه لم يهلَّ إلا حين استوى على راحلته أخذنا به.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، رجل حج النفل، ويريد أن يفسد الحج إلى عمرة ليتحلل منه، هل يجوز؟
الشيخ: أنت حضرت الآن ولَّا من قبل؟
الطالب: الآن.
الشيخ: قبل الدرس، في أثناء الدرس ما حضرت؟
الطالب: حضرت.
[ ١ / ٣٧٢٧ ]
الشيخ: ويش قلنا؟
الطالب: قلتم: الحج إذا كان واجبًا لا يجوز التحلل منه.
الشيخ: ما قَيَّدْته بأنه واجب، ما تقولون؟ هل فهمتم فهمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لعلك حين خرجت ثم رجعت نسيت، أصله: إذا دخل في الحج وجب عليه أن يتمه، فإذا أراد أن يجعله عمرة ليتحلل منه قلنا: هذا حرام، لكن لو أنه تحلل من الحج وجعله عمرة ليتمتع به إلى الحج –انتبهوا-، ثم بعد ذلك بدَا له ألَّا يحج، هل نُلْزِمُه بالحج أو لا؟ ما تقولون؟
طلبة: ().
الشيخ: عندنا الآن صورتان؛ الصورة الأولى: رجل أَحْرَم بالعمرة من أول الأمر مُتَمَتِّعًا بها إلى الحج، وحَلَّ منها، ثم بَدَا له ألَّا يحج، ما تقولون؟ جائز أو غير جائز؟
طالب: جائز.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: هذا جائز، ولا إشكال فيه؛ لأنه أحرم بالعمرة ناويًا الحج، ولكن بَدَا له ألَّا يحج، لكن رجل أحرم بالحج ثم حَوَّلَه إلى عمرة ليتمتع بها إلى الحج، فهل له أن يدع الحج أو لا؟ لأن بين الصورتين فرقًا، الأخيرة تَحَوَّل من الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، والأولى لم يحصل له تحوُّل، فهل نقول: ما دمت تحولت من الحج الذي لزمك بشروعك فيه فإنه يلزمك أن تحج هذا العام؟
طالب: إذا كان الفرض ().
الشيخ: لا، خَلِّي إذا كان فرضًا، إذا كان فرضًا ما يجوز يدعه؛ لأنه واجب على الفور، الآن كلامنا في النفل، يحتمل عندي وجهين؛ الوجه الأول: إلزامه بأن يحج إلا إذا ترك هذا لعذر يعذر فيه، فهذا شيء آخر، لماذا؟ لأنه إنما أَجَزْنَا له أن يتحول من أجل أن يحج، فكيف إذا تَحَوَّل يرجع ويقول: لا أريد الحج، أما مَن كان معتمرًا بنية التمتع ثم بعد حلِّه من العمرة طرأ له ألَّا يحج، فهذا لا شك في جوازه، واضح؟
طالب: إن كان لعذر؟
الشيخ: إن كان لعذر يجوز، لا نُلْزِمُه بشيء؛ لأنه ما شَرَع في النُّسُك.
طالب: بالنسبة يا شيخ للقِرَان () على قول أنه ليس بواجب.
الشيخ: أيش؟
الطالب: () واجب في التمتع.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٣٧٢٨ ]
الطالب: ولكنه يقال يا شيخ: إن التمتع أصلًا لم يكن يعرفه الصحابة، فورد التفصيل فيه حتى يعرفوا الأحكام، أما القِرَان ففعل الرسول ﷺ يُبَيِّن حكم الواجب وهو وجوب الذبح؟
الشيخ: ما فيه نص يدل على الوجوب.
الطالب: فِعْل الرسول ﷺ.
الشيخ: الفعل ما يدل على الوجوب.
الطالب: وأنهم ما كانوا يعملونه من قبل، أما القِرَان موجود عندهم، أما التمتع فهو طارئ.
الشيخ: ما ندري! ! الظاهر أنهم في العمرة ما يرون العمرة في أشهر الحج ولا بالقِرَان، هذا هو الظاهر؛ لأنهم قالوا له، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، إلا الحج. (١٩)
الطالب: ().
الشيخ: ولهذا قالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنا الحج؟ وعلى كل حال المسألة لا بأس أنا بعطيكم شيئًا، ابحثوها.
طالب: يا شيخ أَعْطِنَا الخلاصة.
الشيخ: لا، هذا خلاصة ما عندي، ما ذكرته أولًا هو خلاصة ما عندي.
طالب: الدم في القِرَان واجب؟
الشيخ: هذا هو الذي عليه الجمهور، لكن لما ذكر صاحب الفروع، وأنا بالمناسبة صاحب الفروع في الحج بحث بحثًا ما بحثه في أي باب من أبواب الفقه، استوعب وناقش، يعني في عدة مسائل أورد ييجي ستة إيرادات أو سبعة مناقشة، لكن ما عدا عباراته الصعبة، إلا أننا ننصح بقراءته ليتعود الناس عليه، المهم لما ذكر هذه الرواية عن أحمد وأن أحمد قال: ليس كالتمتع، يجب وجوبًا، إنما قاسوه عليه، قال: فيؤخذ من هذا أنه لا يلزمه الدم، وهو مذهب داود الظاهري.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
قال المؤلف -رحمنا الله وإياه-: وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لبيك لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ، يُصَوِّتُ بها الرجل، وتُخْفِيهَا المرأة.
[ ١ / ٣٧٢٩ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف فيما سبق: إن المرأة إذا حاضت قبل طواف العمرة وجب عليها أن تُحْرِم بالحج لتصير قارنة، وإنما يجب؛ لأن الحج يجب على الفور.
وقلنا: مثلُ ذلك؛ مثلها مَن تَعَرَّض لعمل يمنعه من أن يتم العمرة قبل الوقوف بعرفة، وسبق لنا أن الإنسان يُلَبِّي، ومتى يبدأ بالتلبية؟ على ثلاثة أقوال للعلماء:
الأول: دُبُرَ الصلاة.
والثاني: إذا ركب على ناقته.
والثالث: إذا علا على البيداء، أو على أدنى شَرَفٍ حوله إذا كان في غير ذي الْحُلَيْفَة.
وبَيَّنَّا أن الصحيح أنه يبدأ متى؟ إذا استوى على راحلته، إلَّا إذا صح حديث ابن عباس (١٦) -﵄– فهو فيصل، إذا صح فهو فيصل؛ أنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة.
نبدأ بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك)، هذه التلبية عظيمة جدًّا، أطلق عليها جابر بن عبد الله التوحيد، قال ﵁: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد (٨)، والتوحيد هو الذي دعت إليه جميع الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
فلننظر: (لبيك اللهم لبيك)، (لبيك) كلمة إجابة، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيح: «إِنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ» (٢٠)، فهي كلمة إجابة، وتَحْمِلُ معنى الإقامة، الإقامة من قولهم: أَلَبَّ بالمكان، أي: أقام فيه، فهي إذن متضمِّنة للإجابة والإقامة؛ الإجابة لله، والإقامة على طاعته، ولهذا فَسَّرَهَا بعضهم بقوله: لبيك أنا مجيب لك مقيم على طاعتك، وهذا تفسير بالمعنى لا شك، وهذا هو معناه.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه الْمُحْرِم؟
[ ١ / ٣٧٣٠ ]
قلنا: هو قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، أَذِّنْ بهم: أَعْلِم بهم، ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ يعني: لا إناثًا؟ أيش المعنى؟
طالب: للتغليب.
الشيخ: للتغليب؟ لا، رِجَالًا يعني: على أرجلهم، ليس المعنى ضد الإناث، والدليل أنهاا على أرجلهم ما بعدها: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وهذه قاعدة مفيدة لكم في التفسير: قد يُعْرَف معنى الكلمة بما يقابلها، ومنه قوله تعالى -وهو أخفى من الآية التي معنا-: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، معنى (ثُبَاتٍ) متفرقين، مع أن ﴿ثُبَاتٍ﴾ يبعد جدًّا أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ عُلِم أن المراد بالثُّبات المتفرقون.
إذن نقول: لبيك، أي: أنا مجيب لدعوتك مقيم عليها.
والتثنية هنا هل المقصود بها حقيقة التثنية، أي: أجبتك مرتين، أو المقصود بها مُطْلَق التكثير، الأول أو الثاني؟ الثاني؛ لأن المعنى: إجابةً بعد إجابة، وإقامةً بعد إقامة، فالمراد بها مطلَق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط، ولهذا قال النحويون: إنها مُلْحَقَة بالمثنى وليست مثنًى حقيقة؛ لأنه يراد بها أيش؟ الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدرٌ لفعل محذوف وجوبًا، لا يُجْمَع بينها وبينه، والتقدير: أَلْبَبْتُ إِلْبَابَيْنِ لَكَ، أَلْبَبْتُ يعني: أقمت بالمكان، إِلْبَابَيْنِ، لكن حصل فيها حذف؛ حذف الهمزة، وصارت: لَبَابَيْنِ، بعدها حذف الهمزة، ثم قيل: نحذف أيضًا الباء الثانية، ونقول: لَبَّيْكَ، فالياء هنا علامة للإعراب، منصوبة بأيش؟ بفعل محذوف وجوبًا، فهي مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا.
[ ١ / ٣٧٣١ ]
(اللهم لبيك)، ما معنى (اللهم)؟ أي: يا الله، لكن حذفت ياء النداء وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلَت الميم أخيرًا، ولم تكن في مكان الياء، فيرد علينا سؤالان؛ السؤال الأول: لماذا عُوِّضَ عن الياء بالميم؟ ولماذا نُقِلَ العِوَض إلى الآخِر ولم يكن في مكان الْمُعَوَّض؟
قال: يقال عن الأول: الميم أَدَلُّ على الجمع، ولهذا هي من علامات الجمع، (إليهم) للجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ﷿؛ لأنه يقول: يا الله.
وثانيًا: أما كونها حُوِّلَت فتَيَمُّنًا بالبداءة بذكر اسم الله ﷿: اللهم.
وقوله: (لبيك) هذا من باب التوكيد اللفظي أو اللفظي المعنوي؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، هو لفظي، لم يتغير لفظ الأول، لكن له معنًى جديد، يكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك.
(لبيك لا شريك لك لبيك)، تكرار ثالث؛ لأنك تجيب مَن؟ تجيب الله -﷿- وكلَّما أجبته ازددت إيمانًا به وشوقًا إليه، فكان التأكيد في مقتضى الحكمة، ولهذا ينبغي لك أن تشعر وأنت تقول: (لبيك) أن تشعر نداء الله -﷿- لك، وإجابتك إياه، لا مجرد كلماتٍ تقال.
(لَبَّيْك لا شريك لك): لا شريك لك في التلبية، أو لا شريك لك في كل شيء، أيهما؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه أعم، يعني: لا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا شريك لك في كل ما يختص بك، ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مُخْلِصٌ لك فيها، ما حججت رياءً، ولا سمعة، ولا للمال، ولا لغير ذلك، إنما حججت لك ولَبَّيْتُ لك فقط.
[ ١ / ٣٧٣٢ ]
وقوله: (لا شريك لك) إعرابها أن (لا) نافية للجنس، و(شريك) اسمها، و(لك) خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية مطلق نفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت –بالرفع- هذه ليست نافية للجنس، هذه مطلق نفي، ولهذا يجوز أن تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، صاح عليك الناس العالِمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط، لا يصح أن تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، تنفي الجنس أولًا، ثم تعود وتثبت؟ لا يمكن.
على كل حال (لا شريك لك)، (لا) نافية للجنس، وهي أعم ما يكون في النفي.
(إن الحمد والنعمة لك)، يقال: (إن) مروية بالكسر ومروية بالفتح؛ (أن الحمد والنعمة لك)، فعلى رواية الهمزة (أن الحمد لك) تكون الجملة تعليلية، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك، تكون تعليلية، فتكون التلبية مُقَيَّدَة بهذه العلة، أي: بسببها، لبيك؛ لأنه لا شريك لك، وعلى رواية الكسر تكون الجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالمصدر المستفاد من (أن).
إذا كانت الرواية: (لَبَّيْك أن الحمد لك)، (لَبَّيْك إن الحمد لك)، صار التعليل هنا بنفس اللفظ، في الأول (أن) بنفس اللفظ، يعني: لَبَّيْك لأن الحمد لك، فصارت الآن التلبية مقيَّدة بأيش؟ بهذه العلة: لَبَّيْك؛ لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر: (إن الحمد لك)، فالجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالعلة، تكون تلبية مطلقة: لبيك بكل حال.
ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد، ولو قلت ذلك لكان جائزًا.
(إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك)، الحمد أو المدح؟
الحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق الأكبر، أي: في الحروف دون الترتيب، ولَّا لا؟
[ ١ / ٣٧٣٣ ]
يتفقان في الحروف دون الترتيب، نشوف الحروف: حاء، ميم، دال، موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح أو بينهما فرق؟
الصحيح أن بينهما فرقًا عظيمًا؛ لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم، والمدح لا يُبْنَى على ذلك؛ قد يُبْنَى وقد لا يُبْنَى، قد أمدح رجلًا
لا محبةً له ولا تعظيمًا، لكن محبةً في نَوالِه، فيما يعطيني، أليس كذلك؟ ربما أمدح رجلًا من أجل أن يعطيني شيئًا، لكن قلبي لا يحبه ولا يعظِّمه.
أما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنيًّا على المحبة والتعظيم، ولهذا نقول في تعريف الحمد: وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، ولا يمكن أحدٌ يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله ﷿.
إذن الحمد معناه وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا.
وقول بعضهم: الحمد والثناء بالجميل الاختياري، أن يُثْنِيَ على المحمود بالجميل الاختياري الذي يفعله اختيارًا من نفسه، هذا التعريف غير صحيح، يُبْطِلُه الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ قَالَ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (٢١)، فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد، وهو كذلك.
الحمد (أل) فيه للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، على دفع الضرر، على حصول الخير الخاص والعام، كله لله، على الكمال كله لله.
وقوله: (النِّعْمَةَ) يعني: الإنعام، فالنعمة لله، هل الصواب لله أو من الله؟ الحمد لله واضح، يعني: تَعَدِّي الحمد باللام واضح ما فيه إشكال، (النِّعْمَةَ) كيف تتعدى باللام؟ ما نقول: النعمة من الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
طالب: ().
[ ١ / ٣٧٣٤ ]
الشيخ: اللام بمعنى من؟ لأن اللام (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، (لك) خبر للحمد والنعمة، يقال في الجواب: النعمة لك، يعني: التفضل لك، أنت صاحب الفضل، فأنت المستحِقُّ للفضل، أي: الذي يُقَال: إنه أفضل وأنعم، فهي مِن، لكن حقيقةً له، هو صاحب الإفضال.
وقوله: (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، ذكرنا أن الحمد غير المدح؛ المدح قد يكون محبةً وتعظيمًا وقد لا يكون، لكن الحمد محبة وتعظيم.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد بحثًا مستفيضًا حول الفروق بين الحمد والمدح، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وبحث بحثًا فيها مُسْهَبًا، وقال في أثناء البحث: وكان شيخُنَا -يعني: ابن تيمية- إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، مع أن شيخ الإسلام ما هو نحوي! ! نعم، غير نحوي، ما هو من علماء النحاة، من علماء الفقه والعقائد وما أشبه ذلك، لكن مع ذلك فتح الله عليه، كان إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، ولكنه كما قيل:
تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْتُ لَهُ
إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
مشغول بماذا؟ بما هو أهم من البحث في كلمة في اللغة العربية وأسرار اللغة العربية.
قال: (والْمُلْك، لا شريك لك)، هذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له، فإذا تأملت هذه الكلمات، وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها مشتملة على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر: أَهَلَّ بالتوحيد (٨)، والصحابة أعلم الناس بالتوحيد لا شك، فلنرجع الآن، أنواع التوحيد ثلاثة، هل في هذا شيء من توحيد الربوبية؟
طالب: نعم.
الشيخ: وين؟
الطالب: ().
[ ١ / ٣٧٣٥ ]
الشيخ: الْمُلْك من توحيد الربوبية، بل الألوهية من توحيد الربوبية، إثبات الألوهية مُتَضَمِّنٌ لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مُسْتَلْزِم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحدًا يوحِّد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس مَن يُوَحِّد الله في ربوبيته، ولا يُوَحِّده في ألوهيته، وحينئذٍ نُلزمه، نقول: إذا وَحَّدْتَ الله في الربوبية لزمك توحيده في الألوهية.
ولهذا عبارة العلماء مُحْكَمَة: (توحيد الربوبية مُسْتَلْزِم لتوحيد الألوهية، توحيد الألوهية مُتَضَمِّن لتوحيد الربوبية).
الأسماء والصفات من قوله: (إن الحمد والنعمة)، الحمد، قلنا: وصف المحمود بالكمال، النعمة من أفعاله ﷿، من صفات الأفعال، فقد تَضَمَّنَت توحيد الأسماء والصفات.
من أين نعرف أنه بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؟
من قول: (لا شريك لك)، لو مَثَّلْنَا لأَشْرَكْنَا، فبهذا تَبَيَّن أن هذه الكلمات العظيمة متضمِّنة للتوحيد، مشتمِلة على التوحيد كله، ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاااا شريك لك لبيك)! كأنهم ينشدون، ما يأتون بالمعنى المناسب.
تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، لكن هم يقفون على: (إن الحمد والنعمة لك والملك)، ثم يقولون: (لا شريك لك) مع أنها متصلة.
قال المؤلف: (يُصَوِّت بها الرجل).
هذه تلبية الرسول ﵊، كما قال جابر (٨)، فهل لنا أن نزيد عليها؟
[ ١ / ٣٧٣٦ ]
نقول: روى أحمد في المسند أن النبي ﷺ كان يقول: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» (٢٢)، وهذا «إِلَهَ الْحَقِّ» من إضافة الموصوف إلى أيش؟ إلى صفته، يعني: لبيك أنت الإله الحق، وكان ابن عمر يزيد: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل (٢٣)، فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات فنرجو أن لا يكون به بأس، اقتداء بِمَن؟ بعبد الله بن عمر، لكن الأوْلَى ملازمة ما ثبت عن النبي ﵌.
الناس هل لهم أن يكبِّروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم؛ لقول أنس -﵁-: حَجَجْنَا مع النبي ﷺ، فمنا الْمُكَبِّر ومنا الْمُهِلُّ (٢٤).
وهذا يدل على أنهم ليسوا يُلَبُّون تلبية جماعية، لو كانوا يُلَبُّون تلبية جماعية لكانوا كلهم مُهِلِّين، لكن بعضهم يُكَبِّر، وبعضهم يُهِلُّ، وكلٌّ يذكر ربه على حسب حاله.
قال العلماء: وينبغي أن يذكر نسكه فيها؛ في التلبية، لكن أحيانًا إذا كان في عمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، في حج: لبيك اللهم حجًّا، في قِران: لبيك اللهم عمرةً وحجًّا.
قال: (يُصَوِّت بِهَا الرَّجُلُ).
(يُصَوِّت) يعني: يرفع صوته بها؛ لقول النبي ﵌: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» (٢٥)، فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالًا لأمر النبي ﷺ، واتباعًا لسنته وسنة أصحابه.
قال جابر: كنا نَصْرَخُ بذلك صُراخًا (٢٦).
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال لأصحابه وقد سَبَّحُوا أو كَبَّرُوا في سفرٍ معه، قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ - يعني: هَوِّنوا عليها - فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ». (٢٧)
[ ١ / ٣٧٣٧ ]
قلنا: لكن التلبية لها شأن خاص؛ لأنها من شعائر الحج، فيُصَوِّت.
لو وقفت على الخط ومَرَّتْ بك قوافل الْحُجَّاج أتسمع دوي التلبية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الواقع لا، اللهم إلا نادرًا، هؤلاء الذين يُلَبُّون تلبية جماعية، أما غير هذا تأسف أن تمر بك قوافل الحجيج لا تسمع مُلَبِّيًا، مع أن التلبية كما عرفتم امتثال لأمر الرسول واتباع لسنته واقتداء بأصحابه، ولا يسمعك حجر ولا شجر ولا مدر إلا شهد لك يوم القيامة (٢٨)، قال: أشهد أن هذا حج البيت يُلَبِّي، ومع ذلك صَمْت، سكوت، وهذا لا شك أنه خلاف السُّنَّة.
المرأة، قال: (وتخفيها المرأة)، أي: تُسِرُّ بها؛ لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة فيما إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن أيش؟ تُصَفِّق ولَّا تقول: سبحان الله؟ تُصَفِّق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة -وإن لم يكن عورة- لكن يُخْشَى منه الفتنة.
ولهذا نقول: المرأة تُلَبِّي سرًّا بقدر ما تُسْمِعُ رفيقتها، لا تُعْلِن، وهذا من الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجال، وهي كثيرة؛ لأنها كما خالفته خِلْقَةً وفِطْرَةً خالفته حُكْمًا، والله -﷿- حكيم، أحكامه الشرعية مناسِبة لأحكامه القدَرية.
نعم (تخفيها المرأة)، ولو جهرت نقول: لا بأس؟ لا، نمنعها؛ لأنه ما فيه جهر، أنت امرأة فالسُّنَّة لك أن تُسِرِّي بذلك.
[ ١ / ٣٧٣٨ ]