[ ١ / ٥٩٠ ]
قال: (والمستحاضة المعتادة)، من هي المستحاضة المعتادة؟ هي التي كانت لها عادة سليمة من قبل الاستحاضة، امرأة لها عادة سليمة من قبل الاستحاضة، ثم أُصِيبَت بمرض واستُحِيضَت، وهذا قد يحدث، ماذا تعمل؟ يقول: (ولو مُمَيِّزة تجلس عادتها).
قوله: (ولو مُمَيِّزة) إشارة خلاف، (تجلس عادتها).
مثال هذا: امرأة كانت تحيض حيضًا مُطَّرِدًا سليمًا، كل شهر ستة أيام، معتادة، مُطَّرِدَة، أُصِيبَت بمرض فجاءها نزيف يبقى معها أكثر الشهر، نقول: هذه أيش؟
طلبة: مستحاضة.
الشيخ: مستحاضة، تجلس متى؟
طالب: عادتها.
الشيخ: عادتها، متى عادتك؟ قالت عادتها ستة أيام من أول الشهر، من واحد إلى السادس.
نقول: إذن كلما جاء الشهر فاجلسي من واحد إلى سادس.
وقال المؤلف: (ولو مُمَيِّزة)، وهذه إشارة خلاف، يعني: حتى هذه المعتادة تجلس العادة، ولو كان دمها مُتَمَيِّزًا فيه الحيض من غيره، فلو قالت هذه المرأة المعتادة إن عادتها كانت من أول يوم من الشهر، لكنها ترى في اليوم الحادي عشر دمًا أسود لمدة ستة أيام، والباقي أحمر، هذه معتادة ومُمَيِّزَة، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معتادة ومُمَيِّزَة، هل ترجع للعادة أو تأخذ بالتمييز؟
طلبة: للعادة.
الشيخ: المؤلف يقول: تأخذ بالعادة، ما نرجع للتمييز؛ لأنها لما استُحِيضَت فإنها ترجع إلى العادة السابقة، وكون التمييز يأتي بعد العادة أو قبل العادة ما لنا وله.
واستدل هؤلاء بقول النبي ﷺ لفاطمة بنت حُبَيْش: «اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ عَادَتُكِ تَحْبِسُكِ» (٣)، فردها إلى العادة ولم يَسْتَفْصِل، فلما لم يستفصل النبي ﵊ مع احتمال تغير الحال عُلِمَ أن المسألة على سبيل أيش؟ العموم؛ لأن من القواعد المقرَّرة الأصولية أنَّ ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال.
طالب: ترك الاستفصال في مقام المحال.
الشيخ: في مقام المحال؟ المحال محال يا أخي.
[ ١ / ٥٩١ ]
الطالب: الاحتمال.
الشيخ: في مقام الاحتمال.
الطالب: يُنَزَّل منزلة؟
الشيخ: العموم.
الطالب: في المقام.
الشيخ: في المقال، فمثلًا: الرسول ﵊ أمرها أن ترجع إلى العادة، واحتمال وجود التمييز معها ممكن ولَّا لا؟
طلبة: ممكن.
الشيخ: نعم، ممكن، الاحتمال ممكن ووارد، فلما لم يستفصل، لم يقل لها: هل دمك يتغير؟ ولم يقل لها: ارجعي للتمييز، عُلِمَ أنها ترجع إلى العادة مطلَقًا، أعرفتم؟
الخلاف الذي أشار إليه المؤلف خلاف قوي، يقول: ترجع إلى التمييز، فإذا كان الدم مُتَمَيِّزًا فإننا نأخذ بما كان حيضًا؛ لتميزه، ولو معتادة، وقالوا: إن النبي ﷺ قال: «إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» (٤)، قاله في المستحاضة؛ لأن اللي استحيض في عهد الرسول سبع نساء، ما هي واحدة، فقال: «إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ»، ولا يُسْتَبْعَد أن تنتقل العادة من أول الشهر إلى وسط الشهر بسبب المرض الذي طرأ عليها.
فعندنا علامة ظاهرة وهي التمييز: الدم الذي كان يأتيها في يوم عشرة أسود، مُنْتِن، غليظ، والدم الذي يأتيها أول يوم أحمر، رقيق، لا ريح له، قالوا: فإذن نرجع إلى التمييز؛ لأنه علامة ظاهرة واضحة، وهذا مذهب الشافعي، والأول المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعن أحمد رواية كمذهب الشافعي.
[ ١ / ٥٩٢ ]
فالحقيقة أن الأحاديث متعارضة، لكن رَدُّها إلى العادة أصح؛ لأن الحديث الذي فيه ذكر التمييز اختلف العلماء في صحته، وأيضًا الرد إلى العادة أريح للمرأة؛ لأن هذا الدم الأسود أو الْمُنْتِن أو الغليظ ربما يضطرب ويتغير، ربما ينتقل إلى آخر الشهر، أو إلى أوله، وربما يتقطع، يعني يكون يومًا أسود، ويومًا أحمر، وهكذا، فإذا رددناها إلى العادة صار هذا أضبط وأريح للمرأة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد -﵀-، ويستدل بعموم الحديث: «اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ عَادَتُكِ تَحْبِسُكِ»، وعليه يكون المؤلف مشى على عموم الحديث الدال على أنها ترجع إلى العادة.
(تجلس عادتها)، إذا نَسِيَتِ العادة؟ يقول المؤلف: (فإن نَسِيَتْها عملت بالتمييز الصالح).
(الصالح) يعني: الصالح أن يكون حيضًا، ومتى يصلح أن يكون حيضًا؟ ألَّا يقل عن أقله، ولا يزيد على أكثره، فإذا قالت المرأة: والله أنا نسيت عادتي، ().
هل دمك يتغير؟
قالت: نعم، إنه يتغير، بعضه أسود، أو بعضه مُنْتِن، أو بعضه غليظ.
قلنا: كم يومًا يأتي هذا الأسود أو الغليظ أو الْمُنْتِن؟
قالت: يأتي خمسة أيام، ستة أيام، نقول؟
طلبة: ().
الشيخ: اجلسي هذا الدم، والباقي تَطَهَّرِي وصلي.
قال المؤلف: (فإن لم يكن لها تمييز)، يعني أنها ليس لها تمييز، أو لها تمييز غير صالح، قالت: يأتيني مثلًا بعد يومين ثلاثة، ساعتين ثلاث، دم أسود، ولا هو منتظم، أو يأتيني الدم الأسود ستة عشر يومًا.
نقول: إذن تعمل، يقول: (فغالب الحيض): تجلس غالب الحيض، وهنا نقول كما قلنا في الْمُبْتَدَأَة: إنها ترجع إلى من؟ إلى أقاربها، وتأخذ بعادتهم، غالب الحيض من متى؟
طالب: من أول الشهر الهلالي.
الشيخ: من أول الشهر الهلالي، ليش ما نقول: من أول يوم أتاها الحيض؟ لأنها قد نَسِيَت العادة، وحينئذ تجلس من أول كل شهر هلالي غالبَ الحيض.
كم حالًا للمستحاضة المعتادة؟
طالب: ثلاث حالات.
[ ١ / ٥٩٣ ]
الشيخ: ثلاث حالات؛ ترجع للعادة، ثم للتمييز، ثم لغالب الحيض.
ما الذي سقط من الْمُبْتَدَأَة؟
طالب: العادة.
الشيخ: العادة، لماذا؟
طلبة: ليس لها عادة.
الشيخ: لأن الْمُبْتَدَأَة ليس لها عادة، وأظن إن شاء الله الآن اتضح، فصار المستحاضة نوعان؛ مُبْتَدَأَة: وهي التي أصابتها الاستحاضة من أول ما أصابها الدم، ومعتادة: وهي التي طرأ عليها الاستحاضة.
فالْمُبْتَدَأَة ماذا تعمل؟
طلبة: ().
الشيخ: الْمُبْتَدَأَة المستحاضة؟
طالب: بالتمييز.
الشيخ: تعمل بالتمييز أولًا، فإن لم يكن لها تمييز فغالب الحيض، ولا نقول: العادة؛ ليش؟
طلبة: ليس لها عادة.
الشيخ: ليس لها عادة، . المستحاضة المعتادة تجلس العادة، فإن نَسِيَتْها؟
طلبة: تمييز.
الشيخ: فبالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييز فغالب الحيض.
إذن القسم الثاني أو النوع الثاني من المستحاضات يشتبك مع الأول في حالين، وهما: التمييز ..
طلبة: وغالب الحيض.
الشيخ: وغالب الحيض، وتتخلف العادة عن الْمُبْتَدَأَة؛ لأنها ليس لها عادة.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، مثل هذه.
قال: فإن نسيتها (كالعالِمَة بموضعه الناسية لعدده)، يعني: كما أن العالمة بموضعه الناسية لعدده تجلس غالب الحيض، ولا ترجع للتمييز، مثال: امرأة تقول إن عادتها تأتيها في أول يوم من الشهر، كل يوم أول هلالي تأتيها العادة، لكن ما تدري: هل هي ستة أيام، أو سبعة، أو عشرة، أو خمسة، ويش نَسِيَت؟
الطلبة: العدد.
الشيخ: العدد، والموضع؟
الطلبة: علمته.
الشيخ: علمته، نقول: ما دُمْتِ قد نسيت العدد فارجعي إلى غالب النساء، قارِبي الحيض، وأقاربها أولى من الأباعد، اجلسي غالب الحيض، ستة أيام، أو سبعة، من أين؟
طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر؛ لأنها تقول هي إن عادتها تأتيها في أول يوم من الشهر، لكن نسيت كم هي، نقول لها: الآن اجلسي من أول الشهر غالب الحيض؛ ستة أيام، أو سبعة.
***
[ ١ / ٥٩٤ ]
قال المؤلف: (وإن عَلِمَت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جَلَسَتْهَا من أوله).
هذه عكس الأولى، هذه يقول: (علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر)، قلنا لها: كم عادتك؟ قالت: ستة أيام. متى؟ أول الشهر، نصفه، وسطه؟ قالت: ما أدري، نسيت. عكس الأولى أظن، الأولى ويش حالها؟
طلبة: نسيت العدد.
الشيخ: نسيت العدد، وعلمت الموضع، هذه نسيت الموضع وعلمت العدد.
عندنا الآن شيئان أحدهما معلوم، والثاني مجهول؛ العدد معلوم والموضع مجهول، نأمرها بأن تجلس من أول الشهر، كم يومًا؟
طلبة: على حسب العدد.
الشيخ: هي تعلم العدد الآن، حسب ما تعلم، قالت: إن العدد خمسة أيام، نقول: اجلسي الخمسة أيام من أول الشهر.
قالت: إنها خمسة أيام، ما أدري هي بأول الشهر، أو بآخره، أو بوسطه. تجلس أول الشهر.
قال المؤلف: (ولو في نصفه)، وهذه أيضًا إشارة خلاف، يعني: ولو علمت أنها في نصفه لكن ما تدري بأي يوم من النصف، تجلس من أول الشهر.
هي الآن يقول: إنها عالِمة بالعدد، ونسيت الموضع، قالت: نعم أنا أذكر أنه يأتيها الحيض في النصف، لكن نسيت هو بالخامس عشر أو بالعشرين، نسيت.
نقول: سقط الموضع الآن، وارجعي إلى؟
طالب: أول الشهر.
الشيخ: أول الشهر، والقول الثاني -وهو الصحيح- أنها إذا علمت أن الحيض يأتيها في نصف الشهر، لكن ما تدري هو في اليوم الخامس عشر، أو العشرين، أو الخامس والعشرين، فإنها تجلس من أول النصف؛ لأن هذا أقرب من أول الشهر، أول النصف التي كانت تعرف أن العادة تأتيها في نصف الشهر الأخير، أقرب من أن نقول: ألغي النصف الأخير كله وارجعي إلى الأول، وهذا واضح إن هو أقرب.
فالصواب في هذه المسألة: الخلاف الذي أشار إليه المؤلف، وهو أنه إذا عَلِمَت العدد ونسيت الموضع لكنها تقول: إن الموضع هو النصف الأخير من الشهر، فإنها تجلس العدد من أول النصف الأخير.
قال: (كمن لا عادة لها ولا تمييز)، (مَن) هذه نكرة، قَدِّرْها؟
طالب: كَمُبْتَدَأَة.
[ ١ / ٥٩٥ ]
الشيخ: كمُبْتَدَأَة، من أين عرف إن التقدير: كمُبْتَدَأَة؟
طلبة: لا عادة لها.
الشيخ: لأنه قال: (لا عادة لها)، إذن المبتدأة اللي ليس لها عادة ولا تمييز تجلس غالبَه، من أين؟ من أول الشهر، وهذه سبقت، ولَّا لا؟ لأنه قال: (وإن لم يكن دمها مُتَمَيِّزًا قعدت غالب الحيض من كل شهر).
لكن فائدة قوله: (كمن لا عادة لها ولا تمييز) هنا، أن يبين أن المبتدأة التي ليس لها عادة ولا تمييز، ونسيت موضعه من الشهر، تبدأ من أول كل شهر.
الحمد لله الآن فهمتم الاستحاضة؟ تمام؟ ترى الطلبة يقعدون فيها أشهر، أنتم ما شاء الله يومين أو ثلاثة بس، لكن والله ما أدري هل أنتم ضبطوها ولَّا لا.
أعود مرة ثانية أقول: المستحاضة قسمان: مُبْتَدَأَة ومعتادة؛ المبتدأة ماذا تعمل؟
طالب: تجلس الأقل.
الشيخ: لا، المستحاضة، تجلس التمييز، العادة ما فيها مُبْتَدَأَة، تجلس التمييز؛ الأسود والغليظ والْمُنْتِن هذا حيض، والأحمر والرقيق وما لا رائحة له استحاضة، قالت: ليس لها تمييز.
طلبة: غالب الحيض.
الشيخ: تجلس غالبَ الحيض. تسأل: من أين أبتدئ هذا الغالب؟
طلبة: من أول الشهر الهلالي.
الشيخ: لا.
طالب: من أول ما جاءها.
الشيخ: من أول ما جاءها، صح، هي الآن تسأل: متى أبدأ؟ نقول: من أول وقت جاءك الحيض. قالت: نسيت؟
طلبة: من أول كل شهر هلالي.
الشيخ: من أول كل شهر هلالي.
انتهينا من الْمُبْتَدَأَة، جاءتنا امرأة معتادة، فماذا نصنع معها؟ استُحِيضَت وهي معتادة.
طلبة: العادة.
الشيخ: اجلسي العادة، قلَّتْ أو كثُرت، ما دامت لم تتجاوز أكثر الحيض. متى أبتدئ جلسة العادة؟
طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول يوم يأتيكِ الدم. قالت: نسيت.
طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر الهلالي، تمام؟ قالت: إنها نَسِيَت العادة؟
طالب: عددها؟
الشيخ: عددها ووقتها، وكل شيء؟
طلبة: التمييز.
[ ١ / ٥٩٦ ]
الشيخ: ترجع للتمييز، إي نعم، نسيت العادة مرة، ترجع للتمييز كما رجعت الْمُبْتَدَأَة. قالت: لا تمييز عندي.
طلبة: غالب الحيض.
الشيخ: تجلس غالب الحيض. قالت: من متى؟
طالب: من أول ما جاءها.
الشيخ: هي ناسية يا جماعة، من أول كل شهر هلالي. جاءتنا امرأة أخرى قالت: إنها تعلم موضعه، ولكن تنسى عدده؟
طلبة: غالب الحيض.
الشيخ: غالب الحيض في موضعه. جاءت امرأة أخرى قالت: أنا بالعكس، أنا لا أعلم الموضع، وأعلم العدد؟
طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر. إذا كانت تعلم أن موضعه في النصف الأخير؟
طلبة: من أول النصف.
الشيخ: ففيه الخلاف؛ على رأي المؤلف؟
طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر، وعلى القول الثاني؟
طلبة: من أول النصف.
الشيخ: من أول النصف، وهو الصحيح.
انتهينا الآن من المستحاضة؟ الحمد لله، زين، بقينا في الْمُبْتَدَأَة، القول الصحيح في الْمُبْتَدَأَة أن دمها دم حيض ما لم يستغرق أكثر الشهر، يعني أن المبتدأة من يوم يجيئها الحيض تجلس حتى تطهر.
الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فكلما وُجِدَ هذا الدم الذي هو الأذى فهو حيض، قَلَّ أو كَثُر، كيف نقول: اجلسي يومًا وليلة، ثم اغتسلي وصَلِّي، ثم اغتسلي عند انقطاعه ثانية، واقضي الصوم؟ هذا مُشْكِل، معناه أوجبنا العبادة عليها مرتين، وأوجبنا عليها الغسل مرتين، وهذا ضرر، لا تأتي بمثله الشريعة، العبادات تجب مرة واحدة فقط، لا تجب أكثر من ذلك.
إن استغرق أكثر الوقت -دمُ المبتدأة- فهي حينئذ مستحاضة، فترجع إلى التمييز، إن لم يكن لها تمييز فغالب الحيض، هذا القول هو الصحيح.
طيب في المعتادة؟ المعتادة واضح أمرها، تجلس عادتها، فإن نَسِيَتْها عملت بماذا؟
طالب: بالتمييز.
الشيخ: بالتمييز، فإن لم يكن لها تمييز؟
طلبة: فغالب الحيض.
[ ١ / ٥٩٧ ]
الشيخ: فغالب الحيض، من أول مدة عَلِمت فيها ابتداء الحيض، فإن لم تعلم فمن أول كل شهر هلالي.
طالب: لماذا حددناها بشهر؟
الشيخ: ما هو قلنا: إن الغالب إن النساء يأتيهن حيض كل شهر مرة، وأتينا بدليل من القرآن، ولَّا لا؟
طالب: شيخ، بارك الله فيك () تنظر إلى عادة أقاربها كأمها وأختها وخالتها، لكن إذا حصل بينهم خلاف؛ الأم تجلس كذا، والأخت تجلس كذا ..؟
الشيخ: ترجع إلى غالب النساء.
الطالب: بالنسبة يا شيخ البلاد الحارة تختلف عن البلاد الباردة، غالب النساء في الحارة غير الباردة.
الشيخ: تجلس غالب النساء في مكانها، إن كانت في أرض ..
الطالب: وإذا انتقلت يا شيخ؟
الشيخ: إذا انتقلت ينتقل الحكم، إي نعم.
طالب: شيخ، المستحاضة المعتادة يا شيخ، التمييز الصالح ما هو بيقين بالنسبة لها؟
الشيخ: لا، ما هو بيقين.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأن هذا اللي حصل ما دام إن المرأة هذه لها عادة معلومة والشرع قال: اجلسي قدر ما كانت تحبسك، بدون تفصيل؛ لأنه قد يُرَاعِي الشارعُ راحة المرأة، فالغالب إن هذا التمييز في المستحاضات يكون مضطربًا متعبًا، مراعاته متعبة.
طالب: نحن نقول: التمييز هذا صالح.
الشيخ: نعم.
الطالب: لله سنن كونية لا تتغير، يعني هذه السنة ..
الشيخ: هو على كل حال، إذا وافق زمن العادة واضح.
الطالب: لا، إذا ما وافق؟
الشيخ: إذا لم يوافق هذه هي المشكلة الآن.
الطالب: كأنه بيقين يعني، إذا كان التمييز الصالح كأنه كيف يُعْدَل عنه إلى العادة؟
الشيخ: نقول: نَعْدِل عنه بمقتضى النص، ما دام الشارع رَجَّعْنَا للعادة نرجع للعادة.
طالب: إذا حائض طهرت ولم يوجد ماء، تتيمم ولَّا ..؟
الشيخ: إي نعم، مثل غيرها، تتيمم وتصلي.
الطالب: أيش الدليل؟
الشيخ: الدليل على أيش؟
الطالب: على أنها تتيمم.
الشيخ: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
[ ١ / ٥٩٨ ]
طالب: شيخ، المرأة إذا كانت أول مرة، وحاضت أكثر الشهر، عشرين يومًا، خمسة وعشرين يومًا، والدم أسود ما تغير، وجلست أكثر من عادة النساء الطهر؛ حاضت خمسة وعشرين يومًا، وجلست شهرين من غير ما تحيض، ولا أقل أيام، وهو قد يكون هذا الحيض حقيقيًّا، ليست مستحاضة؟
الشيخ: لا، هذا بعيد.
الطالب: أليس أنت قلت أنه يعني في نساء تطهر أكثر من شهر؟
الشيخ: لا، أنا قلت: إنه مر عليَّ امرأة تقول إنه ينحبس عنها الحيض ثلاثة أشهر، ما يأتيها ثلاثة أشهر، ويجيئها في الشهر الرابع شهرًا كاملًا، هذا -والله أعلم- إنه يجتمع الدم في مكانه ولا يخرج إلا في هذا الوقت، لكن النساء الغالب لا.
طالب: لكن، ماذا تعمل؟
الشيخ: تجلس كل الشهر هذا، إي؛ لأن أكثر وقتها طهر، ثلاثة أشهر طهر، نعم يا أخي.
طالب: اللي تعلم العدد، قالت: أنا لا أدري هل في العشرين ولا خمسة وعشرين، تبدأ من يوم عشرين أو من نصف الشهر؟
الشيخ: المؤلف كما رأيت يقول: (من أول الشهر).
الطالب: نعم.
الشيخ: والقول الثاني: من أول المدة الذي ذكرت أن حيضها يأتيها فيه، وهو الصحيح، فإذا قالت مثلًا: هو يقين ما هو قبل العشرين، من العشرين إلى الثلاثين، نقول: اجلسي من العشرين. ()
***
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
() المؤلف: (ومَن زادت عادتها، أو تقدمت، أو تأخرت).
(مَن) اسم شرط جازم، وهو يفيد العموم، فيشمل كل امرأة زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت.
(من زادت) يعني: أي امرأة تحيض فزادت عادتها بأن كانت عادتها خمسة أيام، وفي هذا الشهر صارت سبعة أيام، هذه الزيادة، يأتي الحكم بعد.
(أو تقدَّمَت أو تأخَّرت).اللي معاه الشرح يُنَبِّه على وهم الشارح -﵀ هنا-، عندكم قال: (أو تقدمت ..)؟
طالب: (مثل أن تكون عادتها من أول الشهر فتراه من آخره).
[ ١ / ٥٩٩ ]
الشيخ: هذا بالعكس، هذه تأخَّرت عادتها، ولَّا لا؟ (مثل أن تكون عادتها من أول الشهر فتراه في آخره)، هذا ما يقال: تقدَّمت عادتها، يقال: هذه تأخَّرت.
فالمؤلف ﵀ الشارح وَهِمَ في هذا، فجعل صورة التقدم للتأخر، وصورة التأخر للتقدم، فيحسن -بل يجب- التنبيه على ذلك؛ لئلا يخطئ أحد في هذا الشيء.
(أو تَقَدَّمَت): تقدمت عادتها، بأن كانت العادة تأتيها في آخر الشهر، فأتتها هذا الشهر في أوله، هذه تقدمت عادتها.
(أو تأخرت)، بأن كانت عادتها تأتيها في أول الشهر، فرأته في آخر الشهر.
الصور الثلاث الآن: زادت، تقدمت، تأخرت، بقي صورة رابعة: نقصت عن عادتها، وسيذكرها المؤلف إن شاء الله بنفسه.
فعندنا الآن تغيُّر الحيض بزيادة، أو نقص، أو تقديم، أو تأخير.
يقول المؤلف في الصور الثلاث؛ بالزيادة والتقدم والتأخر: (فما تكرَّرَ ثلاثًا فحيض)، كالْمُبْتَدَأَة تمامًا.
ففي الزيادة: كانت عادتها خمسة أيام، فجاءها الحيض سبعة، كم تجلس؟ تجلس خمسة فقط، ثم تغتسل، وتصلي وتصوم، فإذا انقطع اغتسلت مرة ثانية، كالْمُبْتَدَأَة إذا زاد دمها عن أقل الحيض، إذا كان الشهر الثاني وحاضت سبعة، تفعل كما فعلت في الشهر الأول، إذا صار الشهر الثالث وحاضت سبعة، صار أيش؟
طلبة: حيض.
الشيخ: صار حيضًا، وحينئذ يجب عليها أن تقضي ما يجب على الحائض قضاؤه فيما فعلته بعد العادة الأولى، يعني تقضي مثلًا الصوم الواجب إذا كانت صامت في اليومين، وتقضي الطواف إن كانت طافت طوافًا واجبًا في هذين اليومين الزائدين، لماذا؟ لأنه تَبَيَّنَ أنهما أيش؟
طلبة: حيض.
الشيخ: حيض، والحائض لا يصح أن تصوم، ولا يصح أن تطوف، وهذا مبني على ما سبق في الْمُبْتَدَأَة، وقد تقدم أن القول الصحيح أن الْمُبْتَدَأَة تجلس حتى تطهُر، وبناءً على هذا فإذا زادت العادة وجب على المرأة أن تبقى لا تصلي، ولا تصوم، ولا يأتيها زوجها حتى تطهر، فمن أول شهر تجلس كم على القول الراجح الصحيح؟
[ ١ / ٦٠٠ ]
طالب: ثلاثين يومًا.
الشيخ: كان يجيئها خمسة ويجيئها سبعة يا جماعة.
طلبة: سبعة.
طلبة آخرون: خمس.
الشيخ: تجلس سبعة أيام من الأصل، يعني ما نقول: انتظري حتى تتكرر اليومان ثلاث مرات، نقول: حتى لو زادت فأنت تجلسين ما تصلين؛ لأن هذا دم حيض، ولم يتغير، والله ﷿ قد بَيَّنَ لنا الحيض بوصف مُنْضَبِط، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فما دام هذا الأذى موجودًا فهو حيض، وعلى هذا فيكون القول الراجح أن ما زاد على العادة فهو حيض تجلسه.
التقدم: كانت تراه في آخر الشهر، فرأته في أوله. نقول: انتظري، إذا تكرر ثلاث مرات فهو حيض، وإن لم يتكرر فليس بشيء.
والصحيح أنه حيض، وأنه لو كانت عادتها في آخر الشهر، ثم في الشهر الثاني جاءها الحيض من أول الشهر، فإنه يجب عليها أن تجلس، ولا تصلي، ولا تصوم، ولا يأتيها زوجها؛ لأن هذا حيض.
تأخرت: مثل أن كانت عادتها أن يأتيها الحيض في أول الشهر، ثم تأخر، فعلى ما مشى عليه المؤلف: إذا جاءها في آخر الشهر لا تجلس، وإن كان هو دمَ الحيض الذي تعرفه برائحته وغِلَظِه وسواده، فإنها لا تجلس، حتى يتكرر ثلاث مرات، فتصلي وتصوم، فإذا تكرر ثلاث مرات أعادت الصوم، يعني أعادت ما يجب على الحائض قضاؤه.
والقول الراجح في هذه المسألة كالأول؛ أنها إذا تأخرت عادتها ثم جاءت في آخر الشهر وجب عليها أيش؟
طالب: تجلس.
الشيخ: وجب عليها أن تجلس؛ لأنه كما ذكرنا من قبل معلوم بوصف الله إياه بأنه أذًى.
بقي عندنا الصورة الرابعة، ما هي الصورة الرابعة؟
طلبة: النقص.
الشيخ: النقص.
***
[ ١ / ٦٠١ ]
قال المؤلف: (وما نقص عن العادة طُهْر). يعني: إذا تغيَّرت العادة بنقص، فكانت عادتها أن تحيض سبعة أيام، فحاضت خمسة ثم طهُرت، فإن ما نقص طُهْر، يجب عليها أن تصلي، وتصوم الواجب، ولزوجها أن يجامعها؛ ليش؟ لأن المرأة طهرت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والنبي ﵊ يقول: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (٥)، وهذه المرأة انتهى حيضها، طهُرت، فيجب عليها أن تغتسل وتصلي، وتفعل كما يفعل الطاهرات مما يجب عليهن، واضح الآن.
إذا قال قائل: ما علامة الطهر؟
علامة الطهر عند النساء معروفة: وهو سائل أبيض يخرج إذا توقَّف الحيض، وبعض النساء لا يكون عندهن هذا السائل، تبقى إلى الحيضة الثانية بدون أن ترى هذا السائل، لكن علامة الطهر أنها إذا احْتَشَت بقُطْنة لم تتغير القُطْنة، يعني تدخل القُطْنة بيضاء في محل الحيض، فإذا خرجت القُطْنة بيضاء فإنها علامة على أنها طهرت، فإذا طهرت هذه قبل انتهاء عادتها وجب عليها أن تصلي؛ لأن ما نقص عن العادة طُهْر، وقد علمتم دليله قبل قليل.
قال: (وما عاد فيها جَلَسَتْهُ)، ما عاد في العادة بعد انقطاعه فإنها تجلسه، بدون تكرار؟ نعم، بدون تكرار؛ لأن العادة قد ثبتت، وعاد الدم الآن في نفس العادة.
مثاله: امرأة عادتها ستة أيام، في اليوم الرابع انقطع الدم، وطهُرت، طهُرت طُهْرًا كاملًا، في اليوم السادس جاء الدم، تجلس اليوم السادس ولَّا لا؟
طلبة: تجلس.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه عادة.
الشيخ: لأنه في زمن العادة، في زمن العادة فتجلسه، ولهذا قال: (ما عاد فيها)، أي: في العادة (جلسته).
فإن لم يَعُد إلا في اليوم السابع، فإنها لا تجلسه؛ لأنه خارج عن العادة، وقد سبق قبل قليل أنه إذا زادت العادة فليس بحيض حتى يتكرر كم؟
طلبة: ثلاث مرات.
الشيخ: ثلاث مرات.
[ ١ / ٦٠٢ ]
***
قال المؤلف: (وما عاد فيها جَلَسَتْهُ، والصُّفْرة، والكُدْرة في زمن العادة حيض).
(الصُّفْرة والكُدْرة): هما سائلان يخرجان من المرأة، أحيانًا قبل الحيض، وأحيانًا بعد الحيض.
الصفرة ماء أصفر، والكدرة ماء ممزوج بحُمرة، وأحيانًا يُمْزَج بعروق كالعَلَقة، يعني هو سائل أبيض، لكن فيه شيء من عروق كالعلقة في نفس هذا الأبيض، هذا نسميه كدرة، يعني كالصديد الذي يكون ممتزجًا بمادة بيضاء وبدم، هل هذا عادة؟ يعني هل هذا حيض، أو ليس بحيض؟ العلماء اختلفوا في هذا:
منهم من قال: إنه ليس بحيض مطلقًا؛ لقول أم عطية: كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا (٦)، هكذا أخرجه البخاري. كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا. ما معنى (شيئًا)؟
طالب: الحيض.
الشيخ: يعني حيضًا، ليس معنى (شيئًا): لا يؤثر؛ لأن هذا ينقض الوضوء بلا شك، لكن شيئًا من الحيض، وظاهر كلامها العموم، أنها لا تُعَدُّ مُطلَقًا.
وقال بعض العلماء: بل الصفرة والكدرة حيض مطلقًا، كلما رأت المرأة الصفرة والكدرة فهو حيض؛ لأن هذا خارج من الرحم، ومُنْتِنُ الريح، فحكمه حكم الحيض.
والمؤلف يقول -﵀- بالقول الثالث: إن كان في زمن العادة فهو حيض، وإن كان قبل أو بعد فليس بحيض.
وهذا القول وسط بين القولين؛ لأنه لا يقول: إنه حيض مطلقًا، ولا ليس بحيض مطلقًا.
واستدل أصحاب هذا القول بما رواه أبو داود في نفس حديث أم عطية: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطُّهْر شيئًا. فإن هذا القيد يدل على أنه قبل الطُّهْر حيض.
ووجه هذا من ناحية القياس: أنه إذا كان قبل الطهر فإنه يثبت له أحكام الحيض تبعًا للحيض.
ومن قواعد الفقه المعروفة أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. فهذا يكون تابعًا للدم، ويكون حيضًا.
أما بعد الطُّهْر فقد انفصل، وليس هو الدم الذي قال الله فيه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فهو كسائر السائلات التي تخرج من فرج المرأة، فلا يكون له حكم الحيض.
[ ١ / ٦٠٣ ]
وهذا القول هو الراجح؛ أنه بعد الطُّهْر ليس بشيء، وقبل الطُّهْر؟
طلبة: ليس بشيء.
الشيخ: قبل الطهر؟
طلبة: ليس بشيء.
الشيخ: حيض، أنه قبل الطُّهْر حيض، وبعده ليس بحيض، وهذا هو الذي دل عليه رواية أبي داود في حديث أم عطية ﵂، وهو الذي مشى عليه المؤلف.
***
ثم قال المؤلف: (ومن رأت يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، فالدم حيض، والنقاء طُهْر ما لم يَعْبُر أكثرَه).
(يعبر) يعني: يجاوز.
هذه امرأة ترى يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، يعني ما يجيئها الدم، إذا أَذَّنَ المغرب رأت الدم، وإذا أذن المغرب من اليوم الثاني رأت الطهر، النقاء.
يقول المؤلف: (الحكم يدور مع عِلَّتِه) فيوم الحيض حيض، ويوم النقاء طُهْر؛ لأن هذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، فما دام الأذى موجودًا وهو الدم فهو حيض، وإذا طَهُرَت منه ونَقِيت منه فهو طُهْر، وعلى هذا فنُلْزِم المرأة أن تغتسل ست مرات في ستة أيام، وهذا مشقة شديدة، لا سيما في أيام الشتاء.
ولهذا كان القول الثاني في هذه المسألة أقرب إلى الصواب؛ أن اليوم ونصف اليوم لا يعد طُهْرًا، لماذا؟ لأن عادة النساء أن تَجِفَّ يومًا أو ليلة حتى في أثناء الحيض، هذا شيء مشهور عندهن، تجف لكن ما ترى الطُّهْر، ولا ترى نفسها طاهرة أيضًا في هذه المدة، فإذا كان هذا من العادة فإنه يُحْكَم لهذا اليوم الذي رأت النقاء فيه بأنه يوم حيض، لا يجب عليها غسل، ولا صلاة، ولا يأتيها زوجها، ولا يثبت له أحكام الطهر، بمعنى أنها لا تطوف مثلًا فيه، ولا تعتكف؛ لأنها حائض، حتى ترى الطُّهْر.
ويؤيد هذا قول عائشة ﵂ للنساء يأتين إليها بالكُرْسُف بِقُطْن ليرينها إياه، هل هي طَهُرت المرأة ولَّا لا؟ فتقول: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء (٧).
[ ١ / ٦٠٤ ]
لا تعجلن: يعني لا تغتسلن وتصلين حتى ترين القصة البيضاء. وهذا أقرب إلى الصواب؛ لأن هذا أمر معتاد، وهو جُفُوف المرأة الحائض لمدة عشرين ساعة، أو اثني عشر ساعة، أو أربع وعشرين ساعة، هذا أمر معتاد عند النساء، وهي في نفسها أيضًا في قرارة نفسها لا ترى أنها طَهُرت، بل هي ترتقب نزول الدم بين كل لحظة وأخرى.
لكن على كلام المؤلف نقول: إذا كانت ترى يومًا دمًا ويومًا نقاءً، فالدم حيض، والنقاء طُهْر، فالحيض تثبت له أحكام الحيض، والنقاء يثبت له أحكام النقاء.
وهنا يقول: (ما لم يَعْبُر أكثرَه).
يعني ما لم يتجاوز مجموعهما أكثرَ الحيض، فإن تجاوز أكثرَ الحيض، فإن الزائد عن خمسة عشر يومًا يكون استحاضة؛ لأن الأكثر صار دمًا، فإذا كان الأكثر دمًا فإن الرسول ﷺ يقول: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» (٥) حين قال: إنها ناقصة الدين عن الرجل، ثم بدأ المؤلف يذكر أحكام الاستحاضة.
الآن في الحقيقة تم كتاب الحيض، فصار أولًا: نقسم الْحُيَّض إلى قسمين: مُبْتَدَأَة ومعتادة.
الْمُبْتَدَأَة تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل وتصلي، فإذا انقطع اغتسلت ثانية، إلى أن يتكرر ..؟
طالب: ثلاث مرات.
الشيخ: ثلاث مرات، ثم يكون عادة، وتقضي ما يجب على الحائض قضاؤه مما فعلته بين اليوم والليلة وانقطاع الدم.
المعتادة ترجع إلى عادتها، فإن زادت أو تقدمت أو تأخرت فهي أيش؟
طلبة: فهي مستحاضة.
الشيخ: كالْمُبْتَدَأَة، ما هو استحاضة، فهي كالْمُبْتَدَأَة، ما تكرر ثلاثًا فحيض، وما لم يتكرر ثلاثًا فليس بحيض، ثم نعود مرة ثانية نقول: المستحاضات.
المستحاضات قسمان: مُبْتَدَأَة ومعتادة.
فالْمُبْتَدَأَة تعمل أولًا بالتمييز، فإن لم يكن لها تمييز ..؟
طلبة: فغالب الحيض.
[ ١ / ٦٠٥ ]
الشيخ: فغالب الحيض، وسبق لنا في أثناء الشرح أن من أهل العلم من قال: ترجع إلى عادة نسائها، وهذا هو الأقرب، فإن اختلفت عادة نسائها واضطربت، رجعت إلى غالب النساء، وإلا فإن الأصل أن المرأة تكون طبيعتها كطبيعة أيش؟
طلبة: أقاربها.
الشيخ: أقاربها، وطبيعتها إلى أقاربها أقرب منها إلى طبيعة العموم، هذه المستحاضة الْمُبْتَدَأَة.
المعتادة؟
طالب: ترجع إلى العادة.
الشيخ: ترجع إلى العادة، فإن نسيت العادة عملت بالتمييز، فإن لم يكن لها تمييز؟
طلبة: فغالب الحيض.
الشيخ: فغالب الحيض، ونقول في غالب الحيض هنا كما قلنا؟
طلبة: في الْمُبْتَدَأَة.
الشيخ: في الْمُبْتَدَأَة، ترجع على القول الراجح إلى عادة نسائها أولًا، فإن اضطربت أو لا تعلم عادة نسائها، أو نسيت عادة نسائها، فإنها ترجع إلى عادة غالب النساء.
تغيُّر الحيض -حيض المعتادة- بتقدم أو تأخر أو زيادة أو نقص، في صورة النقص: إذا تغير بنقص ماذا تصنع؟
طلبة: تغتسل وتصلي.
الشيخ: تغتسل وتصلي، امرأة حاضت وطَهُرت تغتسل وتصلي، إذا تقدمت أو تأخرت أو زادت؟
طلبة: ما تكرر ثلاثًا.
الشيخ: فلا عبرة به حتى يتكرر؟
طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاثًا، والصحيح أنه لا يُشْتَرَط تكراره ثلاثًا، وأنه يكون حيضًا بمجرد وجوده.
التي يتقطع دمها: إن كان تقطعًا يسيرًا كالساعة والساعتين فهذا لا عبرة به؛ لأن هذا أمر معروف عند النساء ما فيه إشكال.
امرأة مثلًا تحيض، لكن في أول النهار يسيل الدم، أو في وسط النهار يسيل الدم، وفي ساعة من النهار أو الليل يجف، نقول: هذه حائض، ولو جَفَّ دمها، التعليل؟
طلبة: هذه عادة النساء.
الشيخ: لأن هذا هو العادة؛ إذ إنه يَنْدُر أن توجد امرأة من يوم يبدأ بها الحيض حتى تطهر وهو يسيل، هذا موجود لكن نادر، على أن هذا أيضًا قد يكون في بعض الأحيان نزيفًا.
لكن على كل حال نقول: إن هذا التقطع لا يضر، أما إذا كان يومًا ويومًا، كما قال المؤلف، فما حكمه؟
طالب: ليس بحيض.
[ ١ / ٦٠٦ ]
الشيخ: النقاء طُهْر، والدم حيض، إلا إذا تجاوز أكثر الحيض فإنه يكون استحاضة، فترجع إلى العادة إن كانت معتادة، أو للتمييز إن كانت غير معتادة، أو معتادة نسيت العادة.
ولكن الصحيح أن هذا كالأول -أنه حيض- لأن هذا أمر معتاد عند النساء، وليس من عادة النساء أنها تطهر يومًا وتحيض يومًا، بل هذا حكمه حكم الحيض.
***
ثم قال المؤلف: (والمستحاضة ونحوها تغسل فرجها، وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة).
هذه ثلاثة أمور:
أولًا: المستحاضة.
ما تعريف المستحاضة على المذهب؟ هي التي تجاوز دمها أكثرَ الحيض. هذا على المذهب، وقيل في المذهب أيضًا: إن المستحاضة هي ..
و(الْمُسْتَحَاضَةُ) ونحوُها تَغْسِلُ فَرْجَها وتَعْصِبُه وتَتوضَّأُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ وتُصَلِّي فُرُوضًا، ونوافِلَ، ولا تُوطَأُ إلا مع خوفِ العَنَتِ، ويُسْتَحَبُّ غُسْلُها لكلِّ صَلاةٍ.
وأكثرُ مُدَّةِ (النِّفَاسِ) أربعون يومًا، ومَتَى طَهُرَتْ قَبْلَه تَطَهَّرَتْ وصَلَّتْ، ويُكْرَهُ وَطَؤُهَا قبلَ الأربعينَ بعدَ التطهيرِ، فإن عاوَدَها الدمُ فمشكوكٌ فيه تَصومُ وتُصَلِّي، وتَقْضِي الواجبَ، وهو كالحيْضِ فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ ويَجِبُ ويَسْقُطُ غيرَ العِدَّةِ والبلوغِ، وإن وَلَدَتْ تَوْءَمَيْنِ فأَوَّلُ النِّفاسِ وآخِرُه من أَوَّلِهما.
هذه المستحاضة، هي التي ترى دمًا لا يصلح أن يكون حيضًا ولا نفاسًا.
فيشمل على هذا التعريف الأخير، يشمل: من زاد دمها على يوم وليلة وهي مُبْتَدَأة؛ يعني: هذا الدم ليس حيضًا ولا نفاسًا، فيكون استحاضة.
أما على القول الثاني: فهو دم فساد، وينتظر فيه ماذا يلحق به أبالحيض أم بالاستحاضة؟
وقول المؤلف: (ونحوها) النحو بمعنى: مِثْل، من مثلُها؟ كل من كان حدثه دائمًا، هذا المراد بـ (نحوها)، كل من كان حدثه دائمًا، كمن به سلس البول أو سلس الريح، هذا نقول: حكمه حكم المستحاضة، هذا معنى قوله: (ونحوها).
يجب عليها أحكام:
[ ١ / ٦٠٧ ]
أولًا: قال: (تغسل فرجها) تغسل الفرج، وهنا لا يكفي التنشيف بالمناديل وشبهها، بل لا بد من غسله حتى يزول الدم وأثر الدم.
فإن قالت: إنها تتضرر بغسله أو قرر الأطباء أنها تتضرر بغسله، فإنها تنشفه بيابس؛ منديل أو شبهه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وأحيانًا ترى المرأة بنفسها أنها إذا غسلت فرجها في حال الحيض أو في حال الاستحاضة تتأثر، أو يقال لها من قِبَل الأطباء: إنه يضرها، ففي هذه الحال -كما قلت- تنشفه، هذه واحدة.
ومن به سلس البول يغسله ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يغسل فرجه. ومن به سلس الريح يغسل فرجه ولَّا لا؟
طلبة: لا يغسل.
الشيخ: لا يغسل فرجه؛ لأن الريح ليست نجسة.
قال: (تغسل فرجها)، الثاني: (وتعصبه) تعصبه، (تغسل فرجها) ما هو الدليل؟ الدليل: قوله ﷺ لفاطمة بنت حبيش: «اغْسِلِي عَنْكِ أَثَرَ الدَّمِ» (١)، وفي لفظ: «اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ» (٢)، الدم، هذا يدل على أنه لا بد من غسله.
(تعصبه) العَصْب: أن تشده بخرقة، ويسمى استثفارًا، ويسمى تَلَجُّمًا، فهو عصب ويش بعد؟
طلبة: استثفار.
الشيخ: استثفار.
طلبة: وتلجم.
الشيخ: وتلجم، والمعنى واحد.
***
(ولا توطأ) قوله: (ولا توطأ) يعني: أن المستحاضة لا يطؤها زوجها.
الدليل قالوا: لأن الاستحاضة دم، والدم أذًى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فجعل علة الأمر باعتزالهن أن الدم أذى، ومعلوم أن دم الاستحاضة أذًى، فهو دم مستقذر نجس، وعلى هذا فلا توطأ.
ولأن الإنسان إذا وطئ المستحاضة تلوث ذكره بالدم، والدم نجس، والأصل أن الإنسان لا يباشر النجاسة إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولكن تحريم هذا الوطء ليس كتحريم الوطء في الحيض:
[ ١ / ٦٠٨ ]
أولًا: لأنه قال: (إلا مع خوف العَنَت) العنت يعني: المشقة في ترك الجماع، فإذا خاف الرجل العنت بترك الجماع؛ يعني: المشقة، أو خافت المرأة المشقة بترك الجماع فإنه يجوز حينئذٍ؛ لأجل المشقة.
والمشقة، من القواعد العامة عند العلماء: أن المشقة تجلب التيسير، وقد أشار الله إلى هذه القاعدة في قوله تعالى في آيات الصيام لما ذكر: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤] قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فإذا كان الرجل لا يتمكن من ترك الجماع لزوجته المستحاضة، أو المرأة يشق عليها التصبر عن الجماع فإنه حينئذٍ يجوز؛ لوجود المشقة، وإذا جاز للمشقة فهل فيه كفارة كالوطء في الحيض؟ لا، وبهذا نعرف أن تحريم وطء المستحاضة أهون من تحريم وطء الحائض من وجوه متعددة:
أولًا: أن تحريم وطء الحائض قد نص عليه القرآن، وأما المستحاضة فإنه؛ إما قياس، وإما دعوى أن النص شمله.
ثانيًا: أنه يحل وطؤها مع المشقة بترك الوطء بخلاف الحائض.
ثالثًا: أن وطأها لا كفارة فيه بخلاف وطء الحائض.
فلو أن امرأة تجاوز دمها خمسة عشر يومًا فإننا نقول: هي مستحاضة، ويجوز لزوجها إذا شق عليه ترك الوطء أن يجامعها، ويجوز أن يجامعها إذا كان يشق عليها هي ترك الوطء.
والقول الثاني في المسألة: أن وطء المستحاضة ليس بحرام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ ولأن الحيض ليس كدم الاستحاضة، لا في طبيعته، ولا في أحكامه؛ ولهذا يجب عليها أن تصلي.
وامرأة تستبيح الصلاة بهذا الدم كيف لا يباح وطؤها؟ أيهما أعظم تحريم الصلاة أو الوطء؟ تحريم الصلاة أعظم، فإذا استباحت الصلاة مع هذا الدم، فإباحة الوطء من باب أولى.
[ ١ / ٦٠٩ ]
ولا نُسلِّم أنه داخل في الآية، ولا نُسلِّم القياس أيضًا؛ أما لا نُسلِّم أنه داخل في الآية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] (هو) ضمير يدل على التخصيص، ﴿هُوَ أَذًى﴾ لا غيره.
وأما أن لا نُسلِّم بالقياس؛ فلأنه لا قياس مع الفارق، يفترق دم الاستحاضة عن دم الحيض في أكثر الأحكام، ودمٌ يفارق غيره في أكثر الأحكام كيف يقال: إنه يقاس عليه؟ ولهذا الصحيح: أن وطء المستحاضة حلال، ولا بأس به.
ويدل لذلك أيضًا مع البراءة الأصلية -لأن الأصل البراءة والحل-: أن الصحابة الذين استحيضت نساؤهم، والنساء اللاتي استحضن في عهد الرسول ﵊ حوالي سبع عشرة امرأة، لم ينقل أن واحدًا منهم أمره النبي ﷺ أن يتجنب زوجته، ومعلوم أنه لو كان من شرع الله تحريم وطء المستحاضة لكان يُبينه الرسول ﵊ لأصحابه الذين ابتليت زوجاتهم بهذا، ولكان ينقل؛ حفظًا للشريعة والحكم الشرعي، فلما لم يكن شيء من ذلك عُلِم أنه ليس بحرام.
وحينئذٍ يتبين أن القول الراجح في هذه المسألة هو: أن المستحاضة لا يحرم وطؤها، نعم إذا كان الإنسان يستقذره وكره أن يجامع مع رؤية الدم فهذا شيء نفسي لا يتعلق بحكم شرعي، والإنسان قد يكره الشيء كراهة نفسية، ولا يلام إذا تجنبه، كما كره النبي ﷺ أكل الضب مع أنه حلال، وقال: «إِنَّهُ لَيْسَ فِي أَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (٣). هذا حكم وطئها.
[ ١ / ٦١٠ ]
يقول: (ويستحب غُسلها لكل صلاة) يعني: أن غُسل المستحاضة لكل صلاة مستحب؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك (٤)، ولكن هذا إن قويت أن تغتسل لكل صلاة، وإلا فإنها تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وبدلًا من أن تغتسل خمس مرات تغتسل ثلاث مرات، أهون عليها، وهذا الاغتسال ليس بواجب، الاغتسال الواجب هو ما كان عند إدبار الحيضة، وما عدا ذلك فإنه سنة، ومع كونه سنة من الناحية الشرعية ففيه فائدة من الناحية الطبية -أعني الاغتسال- لأنه يوجب تقلص الأوعية؛ أوعية الدم، وإذا تقلصت انسدت، فيقل النزيف، وربما ينقطع بهذا الاغتسال؛ لأن دم الاستحاضة -كما ثبت عن النبي ﵊- دم عِرْق (٥)، ومعروف أن العُروق تتصلب مع البرودة، والدم أيضًا يتجمد، فيكون في اغتسالها فائدة طبية.
***