[ ١ / ١٢٢ ]
(يُسْتَحَبُّ) عندَ دخولِ الخلاءِ قولُ: (بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ) وعندَ الخروجِ منه: (غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّيَ الْأَذَى وَعَافَانِي، وتقديمُ رِجْلِه اليُسرَى دخولًا ويُمْنَى خروجًا عكسَ مسْجِدٍ ونَعْلٍ، واعتمادُه على رِجلِه اليُسرَى، وبُعْدُه في فَضاءٍ، واستتارُه، وارتيادُه لبَولِه مكانًا رِخْوًا، ومَسْحُه بيدِه اليُسرَى إذا فَرَغَ من بَوْلِه من أَصْلِ ذَكَرِه إلى رأسِه ثلاثًا ونَتْرَهَ ثلاثًا، وتَحَوُّلُه من مَوضِعِه ليَسْتَنْجِيَ في غيرِه إن خافَ تَلَوُّثًا.
و(يُكْرَهُ) دخولُه بشيءٍ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى إلا لحاجةٍ، ورَفْعُ ثوبِه قبلَ دُنُوِّه من الأَرْضِ، وكلامُه فيه، وبولُه في شَقٍّ ونحوِه، ومَسُّ فَرْجِه بيمينِه واستنجاؤُه واستجمارُه بها، واستقبالُ النَّيِّرَيْنِ.
و(يَحْرُمُ) استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في غيرِ بُنيانٍ،
وهو أحد القولين في المذهب، يقول: إن العظم طاهر، عظم الميتة طاهر، ويستدل لذلك بأن العظم وإن كان يتألم ويحس لكنه ليس فيه الحياة الكاملة، ولا يَحُله الدم، ما يحله الدم، وهو -أي العظم- ما له حركة إلا بغيره، العظم لا يتحرك إلا بغيره، فليس كبقية الجسم، فهو يشبه الظفر والشعر وما أشبهه.
ويقول: إن المدار في التطهير والتنجيس على الدم؛ ولذلك الذي ليس له نفس سائلة؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر، يكون طاهرًا، ولكن الذي يظهر أن الصواب مع المذهب في هذه المسألة؛ لأنه فرّق بين هذا وبين ما لا نفس له سائلة، بأن الذي ليس له نفس سائلة حيوان مستقل، لكن هذا يكون نجسًا تبعًا لغيره، وإذا كان يتألم فليس كالظفر وليس كالشعر.
[ ١ / ١٢٣ ]
ثم إن كونه ليس فيه دم هذا ينظر فيه؛ هل هو مؤكد أنه ليس فيه دم، أو أنه فيه دم؛ لأن بعض العظام تحس بأن فيه دمًا، أحيانًا يكون العظم أحمر، فهذه ينظر فيها ويرجع فيها إلى الطب، ولكننا إذا أخذنا بالعموم ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فهو أحوط وأولى.
قال المؤلف: (ما أُبِين من حي فهو كميتته) شرحناها أظن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: (ما أبين من حي فهو كميتته) وناقشنا فيها. الذي يقطع من الحي كميتته أي كميتة ذلك الحي، فإن قطع من آدمي أيش قولك؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر؛ لأن ميتة الآدمي طاهرة، وإن قطع من بعير فهو نجس؛ لأن ميتة البعير نجسة، وإن قطع من سمك فهو طاهر؛ لأن ميتة السمك طاهرة، وإن قطع من جراد؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، كذا، استثنى العلماء من ذلك مسألتين:
المسألة الأولى: الطريدة.
والمسألة الثانية: المسك وفأرة المسك، المسك وفأرته، مسك وفأرة مسك أيش هذا؟
يقولون: إن المسك بعض دم الغزال، فيه غزلان معروفة تسمى غزال المسك، وإن هذه تركَّض حتى تفحم، ثم ينزل من عند سرتها دم، فإذا نزل هذا الدم يصرونه يربطونه رباطًا قويًّا شديدًا حتى ينقطع اتصاله بالدم، ثم في النهاية يسقط هذا الذي شدوا عليه، تصورتموه زين أو ما تصورتم؟ بس الإخوان أظن أنهم ما تصوروه، فيه نوع من الغزلان يسمى غزال المسك، يقولون: إنهم إذا أرادوا أن يستخرجوا منه المسك فإنهم يركضونه، يجعلونه يركض، يتعبونه، فينزل منه دم من عند سرته، ثم يأتون بخيط شديد قوي فيربطون هذا الدم الذي نزل، يربطونه ربطًا قويًّا من أجل ألا يتصل بالبدن فيتغذى بالدم، إذا أخذ مدة طبعًا يطيح يسقط لأنه ييبس ويسقط، إذا سقط وجد هذا مسكًا، هذا الدم اللي انحجر بالجلد يكون مسكًا من أطيب المسك رائحة.
طالب: من داخل الجلد يا شيخ؟
[ ١ / ١٢٤ ]
الشيخ: إي نعم من داخل الجلد، هذا الوعاء يسمى فأرة، فأرة المسك، والمسك هو الذي في جوفه، هذا انفصل من حي ولّا لا؟
طلبة: من حي.
الشيخ: انفصل من حي، ويكون طاهرًا بإجماع العلماء على طهارته، أو قول أكثر العلماء، ولهذا يقول المتنبي:
فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ
فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
هذا المسك فأرة مع أنه منفصل من غزال، والغزال ميتته نجسة، لكن هذا مستثنى.
الثانية، المسألة الثانية، ما يستثنى من هذا العموم: الطريدة، بمعنى المطرودة، وهي الصيد يطرده الجماعة فلا يدركونه فيذبحونه، ولكنهم يضربونه بأسيافهم أو خناجرهم ضربة رجل واحد، فهذا يقص يده، وهذا يقص رجله، وهذا يقص رأسه، وهذا يقص بطنه حتى يموت، هذه تسمى الطريدة، بمعنى مطرودة، وليس فيها دليل عن الرسول ﵊، إلا أن ذلك فعل الصحابة ﵃.
قال الإمام أحمد: كانوا يفعلون ذلك في مغازيهم، ولا يرون به بأسًا، والحكمة في هذا -والله أعلم- أن هذه الطريدة لا يقدر على ذبحها، ما يقدر على ذبحها، وإذا لم يقدر على ذبحها فإنها تحل بعقرها في أي موضع من بدنها، صيد، الصيد إذا رميته في أي مكان ومات حلال؛ هذه هي نفس الشيء؛ إلا أن هذه قطعت قبل أن تموت.
قال الإمام أحمد: فإن بقيت، يعني: قطعنا رجلها، ولكن هربت ما أدركناها؛ فإن رجلها حينئذٍ تكون حرامًا ونجسة؛ لأننا ما أدركناها ولم تكن الآن صيدا فتكون حرامًا.
إذن القاعدة (ما أُبِين من حي فهو كميتته) ويش يستثنى منها؟ مسألتان الأولى: الطريدة، والثاني: المسك وفأرة المسك.
[باب الاستنجاء]
ثم قال المؤلف ﵀: (باب الاستنجاء) هذا الباب ذكر فيه المؤلف الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة.
[ ١ / ١٢٥ ]
الاستنجاء: استفعال من النجو، وهو في اللغة: القطع، يقال: نجوت الشجرة، أي: قطعتها. وهو: إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر، وفي ذلك قطع لهذا النجس، هذا وجه تعلق الاشتقاق بالمعنى الاصطلاحي.
فهو في اللغة: من النجو وهو القطع، وأما في الاصطلاح فهو: إزالة الخارج من سبيل بماء أو إزالة حكمه -على القول بأن الاستجمار لا يطهر- بحجر ونحوه، فهمتم؟ إزالة الخارج من سبيل بماء أو إزالة حكمه بحجر ونحوه.
والصواب أن نقول: إزالة الخارج من سبيل بماء أو حجر ونحوه؛ لأن الصحيح أن الاستجمار يطهر تطهيرًا كاملًا كالماء تمامًا.
قال: (اعلم أن الله ﷿ أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، من الأكل، والشرب، واللباس، والسكن، وغير ذلك من نعم الله التي لا تحصى). الأكل والشرب لله علينا فيه نعم سابقة ولاحقة:
أما السابقة: فإن هذا الماء الذي نشربه ما جاء بحولنا ولا قوتنا، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، فبين الله تعالى منته علينا بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض.
الطعام الذي نأكله ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]، فهذه نعمة عظيمة من الله، هو الذي زرعه ونماه حتى تكامل، ويسر لنا بالأسباب التي يسر لنا أن نجنيه، وأن نحصده، ثم بالطحن وبالطبخ، إلى غير ذلك من النعم الكثيرة.
[ ١ / ١٢٦ ]
قال بعض العلماء: إنه لا يقدم الطعام بين يديك إلا وفيه ثلاث مئة وستون نعمة، هذا اللي يدرك فكيف عاد الذي لا يدرك؟ ثم مع ذلك نِعم عند تناوله، إذا قُدم بين يديك نِعم عند تناوله، كيف؟ عندما تأكله على جوع ماذا تكون لذته؟ ما تتصور، وعندما تطعمه في فمك تجد لذة، وعندما ينزل تجد لذة، وعندما يمشي في الأمعاء ما تجد تعبًا.
الآن لو يقف على يدك بعوضة أحسست برجليها أو لا؟ تحس بها وتقشعر منها، لكن هذا الطعام الغليظ ينزل مع هذه الأمعاء الرقيقة ولا تحس به، نِعم من الله ﷿؛ لأن داخل الجوف ما فيه إحساس يمر به بدون إحساس.
ثم إن الله تعالى خلق غددًا تفرز أشياء تلين هذا الطعام حتى ينزل وتخفف حتى ينزل. ثم إن الله ﷿ جعل له قنوات يذهب معها التفل وقنوات يذهب معها الماء، ثم هناك عروق شارعة في هذه الأمعاء تفرق الدم على الجسم؛ وأين توصله؟ توصله إلى القلب.
ثم هذا القلب الصغير في لحظة من اللحظات يطهر هذا الدم حتى يخرج من الجانب الآخر من القلب نقيًّا، ثم يدور في البدن، ثم يرجع مرة ثانية إلى القلب فيطهره ويصفيه، ثم يعيده نقيًّا، وهكذا دواليك، كل هذا ونحن لا نحس بهذا الشيء، ما نحس به، وإلا فالقلب يقول هكذا نبضات، كل نبضة تأخذ شيئًا، والنبضة الأخرى تخرج شيئًا من هذا الدم، ومع ذلك يذهب هذا الدم إلى جميع أجزاء الجسم بشعيرات دقيقة منظمة مرتبة على حسب حكمة الله وقدرته.
ثم مع هذا أيضًا، من قدرة الله العظيمة البالغة، أن مجاري العروق لا تتفق في الأعضاء، كل عضو له مجارٍ خاصة، بمعنى أن يدك اليمنى ليست مجاري الدم فيها كيدك اليسرى؛ تختلف. وكذلك بالنسبة للرجل، تختلف، كل هذا من أجل بيان قدرة الله ﷾.
ولا شك أن هذا هو مقتضى الحكمة أيضًا، فإنه لولا أن هناك حكمة تقتضي أن يكون لهذه اليد مجار معينة، ولهذه اليد مجار معينة ما خلقها الله هكذا.
[ ١ / ١٢٧ ]
المهم أن كل هذا نريد أن نبين أن لله علينا نعمًا مادية بدنية في هذا الطعام، سابقة على وصوله إلينا ولاحقة.
ثم هناك يا إخواني نعم دينية تقترن بهذا الطعام؛ تسمي عند الأكل، وتحمد إذا فرغت، وأيش الجزاء؟ «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» (١)، نعمة هذه رضى الله هو غاية كل إنسان، من يحصل رضى الله ﷿؟ ومع ذلك نتمتع بنعمه، فإذا حمدناه رضي عنا، وهو الذي تفضل بها أولًا. هذه النعمة أكبر من نعمة البدن «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا».
ما ظنكم لو لم يشرع الله لنا أن نحمده عند الأكل والشرب؛ فإننا لو حمدناه لصرنا مبتدعين وصرنا آثمين، لكنه شرع لنا ذلك لأجل أن يوصلنا إلى رضاه. أسأل الله أن يحقق ذلك لي ولكم، لأجل أن نصل إلى رضاه، وهذه نعمة عظيمة يا إخوان، نعمة ما يدركها إلا الإنسان اللي عنده تأمل.
ثم أيضًا: عند تفريغ هذا الذي أكلنا أو شربنا فيه نعم جسمية وحسية، وشرعية دينية؛ النعم الجسمية لو احتقن هذا الطعام أو الشراب في بطنك ولم يخرج؛ أيش المآل؟ الموت المحقق، لكنه يخرج. لو احتقنت الريح التي جعلها الله تعالى كالجندي بين يدي الأمير لتفتح المجاري أمام ما يعبر منها، لو أنها انسدت ماذا يكون؟ يكون الموت، ينتفخ البطن ثم يتمزق، وكذلك البول.
[ ١ / ١٢٨ ]
إذن؛ فلله علينا نعمة في خروجه، وفي يسره، ثم نعمة كبرى -والحمد لله، نسأل الله لنا ولكم دوام النعمة- في حبسه إذا أردت، وفي فتحه إذا أردت، من يستطيع يفتح المثانة حتى ينزل البول لولا أن الله يسر ذلك، ومتى ما شئت، قد تذهب وتبول وليس في المثانة إلا ربعها، يعني ما هي المسألة إجبارية وقد تحبسها وهي مملوءة؛ ولكنك تستطيع أن تتحمل. هذه من نعمة الله، ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من ابتلي بالسلس، نسأل الله السلامة، يعرف قدر هذه النعمة.
وكذلك بالنسبة إلى الخارج الآخر، فهذه نعم عظيمة، ومع ذلك هناك نعم دينية مقرونة بهذه النعمة، عند الدخول هناك ذكر مشروع يقربك إلى الله ﷿، وعند الخروج ذكر مشروع يقربك إلى الله ﷿، وعند الفعل عمل مشروع يقربك إلى الله.
فتأمل كيف نعم الله عليك، سابغة شاملة وواسعة دينية ودنيوية، وبهذا نعرف صدق هذه الآية الكريمة صدقًا لا شبهة فيه إطلاقًا ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] يعني: يغفر لنا ويرحمنا إذا لم نقم بشكر هذه النعم ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، شوف بين حال الإنسان وحال الرب ﷿، حال الرب عند هذه النعم العظيمة يقابل هذا الظلم والكفر بهذه النعم بماذا؟ بالمغفرة والرحمة، أما حال العبد فهي الظلم والكفر، ولكن يقابل هذا والحمد لله المغفرة من الرب العظيم والرحمة.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف، وأنا قدمت هذه المقدمة لأن هذه المسائل ينبغي لنا أن نضعها على بالنا دائمًا حتى نعرف قدر النعم الكبيرة.
يقول المؤلف: (يستحب عند دخول الخلاء قول: باسم الله، أعوذ بالله من الخُبث والخبائث).
قال المؤلف: (يُستحب) وقد اختلف الفقهاء -﵏ - هل المستحب مرادف للمسنون، أو المستحب ما ثبت بتعليل، والمسنون ما ثبت بدليل؟
[ ١ / ١٢٩ ]
يعني: هل إذا قلت: يستحب مرادف لقولي: يسن، أو لا؟ أقول: يسن إلا فيما ثبت بدليل، وأما ما ثبت بالتعليل فأقول فيه: يستحب، فيه خلاف بين الأصوليين، فقال بعضهم: إن الشيء الذي لا يثبت بدليل لا تقل فيه: يسن؛ لأنك إذا قلت: يسن معناه أثبته سنة وليس عندك دليل، أما الشيء الذي يثبت بتعليل ونظر واجتهاد فقل: إنه يستحب؛ لأن الاستحباب ليس كالسنة بالنسبة لإضافته إلى الرسول ﵊.
ولكن أكثرهم يقولون: إنه لا فرق بين يُستحب وبين يُسن؛ ولهذا يعبر بعضهم بيسن ويعبر بعضهم بيستحب.
القول الأول لا شك أنه أقرب إلى الضبط؛ لأنك لا تعبر عن شيء لم يثبت بدليل؛ لا تعبر عنه بيسن، لكن قل نستحب له ذلك، نرى هذا مطلوبًا، وما أشبه ذلك.
أما ما ذكر المؤلف هنا (قول: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث) فهذا سنة، أما (قول: باسم الله) فهذا قد رواه علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلُوا الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولُوا: بِاسْمِ اللهِ» (٢) ستر بين الجن والعورات.
وأما (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن الرسول ﵊ كان إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبثِ وَالْخَبَائِثِ» (٣)، فائدة البسملة عرفناها ما هي؟
طلبة: ستر العورة.
الشيخ: ستر العورة عن الجن، فائدة هذه: الالتجاء إلى الله ﷿ من الخبث والخبائث، الخُبْث بالسكون والخبائث؛ الخبث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، يعني النفوس ذوات الشر، وهو أعم من الخُبُث بالضم والخبائث؛ لأن رواية الخُبُث، الخُبُث: جمع خَبيث، والمراد به: ذُكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، والمراد به: إناث الشياطين، هذا على رواية الضم، أما على رواية التسكين فالخُبْث: الشر، والخبائث: النفوس الشريرة، أيهما أعم؟
طلبة: الثاني.
[ ١ / ١٣٠ ]
الشيخ: الثاني أعم، الخبْث والخبائث، ولهذا هو أكثر روايات الشيوخ، قال الخطابي: إنه أكثر رواية الشيوخ.
الخبث والخبائث: الحكمة من الاستعاذة من الخبث والخبائث لأن هذا المكان خبيث، والخبيث مأوى الخبثاء. الشياطين وين تنزل؟ أحب مكان إليها المكان الخبيث ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، فلهذا لما كانت مأوى الشياطين صار من المناسب أن الإنسان إذا أراد الدخول أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، حتى لا يصيبه الخبث، وهو الشر، ولا الخبائث، وهي تلك النفوس الشريرة.
طالب: شيخ، الاستحباب حكم شرعي؟
الشيخ: إي نعم، الاستحباب حكم شرعي على القول بأنه لا فرق بينه وبين السنة.
طالب: ().
الشيخ: التعليل بالقياس، تعليل الحكم بالقياس، والقياس من الأدلة الشرعية، لكنه ليس كالثابت بنص؛ إذ إن النص لا مجال للمناقشة فيه، لكن الاجتهاد فيه مناقشة.
طالب: وهل هذا يمكن حتى في العبادات ولّا نقول ().
الشيخ: لا العبادات المشروعة، يعني اللي بيشرع عبادة من أصلها ما يمكن، لكن قد أقيس عبادة على عبادة وأرى أنه لا فرق بينها وبين هذه.
يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) لكن يقول المؤلف: (يُستحب عند دخول الخلاء) هل العندية هنا قبل ولا بعد؟
طلبة: قبل.
الشيخ: قبل، لكن عندما تريد أن تدخل، طيب وإذا كنت لا أريد قضاء الحاجة في الخلاء، ما فيه مكان معدّ، فإني أقول ذلك إذا أردت أن أجلس، قد يكون في البر إذا أراد أن يجلس يقول ها الكلام.
والخلاء: أصله المكان الخالي، ومناسبته هنا ظاهرة؛ لأن هذا المكان لا يكون جامعًا بين اثنين، ما يجلس فيه إلا الواحد.
وقول المؤلف: (أن يقول) بلسانه ولّا بقلبه.
طلبة: بلسانه.
الشيخ: بلسانه، فالإشارة لا تكفي، اللهم إلا من أخرس، فيمكن أن تكفي الإشارة مع نية القلب.
وقوله: (أعوذ بالله)، ما معنى (أعوذ) أي: أعتصم وألتجئ بالله ﷿ من الخبث والخبائث.
[ ١ / ١٣١ ]
قال: (وعند الخروج منه)، يعني: يسن أن يقول عند الخروج منه، والعندية هنا قبلية ولا بعدية؟
طلبة: بعدية.
الشيخ: بعدية (عند الخروج منه: غفرانك)، غفران: هذه مصدر غفر يغفر غفرًا وغفرانًا، شكر يشكر شكرًا وشكرانًا، إذن (غفرانك): مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: أسألك غفرانك.
والمغفرة تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أنها: ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المِغْفَر، وفي المغفر ستر ووقاية، وليس سترًا فقط، بل ستر ووقاية، فيكون معنى: اغفر لي؛ أي: استر ذنوبي وتجاوز عني حتى أسلم من عقوبتها.
وقوله (غفرانك) مناسبة ذكره هنا قيل: إن المناسبة أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم؛ فدعا الله أن يخفف أذية الإثم كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم، فكما أنه الآن سلم من آثار هذا الأذى فيسأل الله أن يسلم من آثار الذنوب، وهذا معنى مناسب من باب تذكر الشيء بالشيء.
وقال بعض العلماء: إنه يسأل الله غفرانه لأنه انحبس عن ذكره في مكان الخلاء، فيسأل الله أن يغفر له هذا الوقت الذي لم يذكر الله فيه.
وفي هذا نظر، هذا الأخير فيه نظر؛ لأنه إنما انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان بأمر الله فلم يعرض نفسه للإثم، بل عرض نفسه للمثوبة، ولهذا المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم، فهل يسن لها إذا طهرت أن تستغفر الله؛ لأنها تركت الصلاة والصيام في أيام الحيض؟ أبدًا، ما أحد قاله، ولا جاءت به السنة.
فتبين بهذا أن القول الصحيح: أن المناسبة هو تذكر الإنسان حين خلا مما يؤذيه حسًّا أن يسأل الله تعالى أن يخليه مما يؤذيه شرعًا أو معنى.
طالب: ما يمكن أيضًا نقول: إن هذه نعمة من الله ﷿ أن يتخلص من هذا الأذى بأنه يستغفر الله على عدم القيام بالشكر على النعمة.
الشيخ: لا، النعمة تحتاج إلى الشكر، وإلا لقلنا: كل نعمة ينعم الله بها عليك استغفر الله، ما نقول هكذا، نقول: اشكروا الله.
[ ١ / ١٣٢ ]
بقي أن نقول: هذا الحديث صحيح «غُفْرانك» (٤)، وأما «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» (٥) ففيه ضعف.
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» هذا حمد لله ﷿ على هذه النعم؛ أن الله أذهب عنه الأذى المؤذي، وعافاه منين؟
طالب: من الأذى.
الشيخ: عافاه من آثاره لو بقي، فأنت تسأل الله المغفرة وتحمد الله تعالى على النعمة.
يقول: (وتقديم رجله اليسرى دخولًا، واليمنى خروجًا) يعني: يسن أن يقدم الإنسان رجله اليسرى عند الدخول، ويقدم رجله اليمنى إذا خرج، هذا نقول فيه: يُستحب ولا يُسن؟ على القول بالفرق بينهما.
طلبة: يسن.
الشيخ: فيه حديث، فيه دليل؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
طالب: () التيامن.
الشيخ: لا، إن قلنا: وجوب التيامن قلنا: قدم اليمنى.
طالب: ().
الشيخ: لا، في هذه قياسية، هذه مسألة قياسية، يقولون: إن اليمنى تقدم للمسجد كما جاءت به السنة، واليسرى عند الخروج منه، وهذا عكس المسجد، كذلك في النعل ثبت عن الرسول الله ﵊ في الصحيح، بل في الصحيحين أنه أمر لابس النَّعل أن يبدأ باليُمنى أولًا عند اللُّبس، وباليُسرى عند الخلع (٦)، فقالوا: هذا دليل على تكريم اليمنى، فإذا كانت اليمنى مكرمة يبدأ بها باللبس الذي فيه الوقاية، ويبدأ باليسرى بالخلع الذي فيه إزالة الوقاية، ولا شك أن الوقاية تكريم.
قالوا: فإذا كانت اليمنى تقدم في باب التكريم، واليسرى تقدم في عكسه، كما دلت عليه السنة في مسألة النعل، قالوا: فإنه ينبغي أن تقدم عند الدخول للخلاء اليسرى، وعند الخروج اليمنى؛ لأنه خرج إلى أكمل وأفضل من الخلاء، إن الله خفف عنه ما يجده من ألم الأذى فناسب أنه يسأل الله تعالى أن يخفف عنه ذنوبه.
طالب: شيخ ().
[ ١ / ١٣٣ ]
الشيخ: (واعتماده على رجله اليسرى)، يعني: يسن عند قضاء الحاجة أن يعتمد على رجله اليسرى؛ لأن النبي ﵊ أمر أصحابه أن يعتمدوا على الرِّجْل اليُسرى، وينصِبُوا اليُمنى (٧)، هذا ما استدل به الأصحاب، ولكن هذا الحديث ضعيف.
وعللوا بعلة قالوا: إنه أسهل لخروج الخارج، أنه يعتمد على اليسرى وينصب اليمنى.
وله علة ثانية وهو: أن اعتماده في هذه الحال وعلى قضاء الحاجة على اليسرى دون اليمنى يكون هذا من باب إكرام اليمين، فأما الحديث فالحديث ضعيف، لا تقوم به الحجة، وأما أنه أسهل لخروج الخارج فهذا يرجع فيه إلى الأطباء، الفقهاء قالوا: إنه أسهل، فإن ثبت هذا طبًّا فهو يكون من باب مراعاة الصحة.
وأما كونه من باب إكرام اليمين لبعدها فهذا نعم العلة هنا ظاهرة، لكن فيه نوع من المشقة كبيرة إذا نصبت اليمنى واعتمد على اليسرى، لاسيما إذا كان الرجل كثير اللحم، أو ضعيف الجسم، أو كبير السن، يعني يتعب في اعتماده على اليسرى، ويتعب أيضا في نصب اليمنى.
ولهذا لو قال قائل: ما دامت المسألة ليس فيها سنة عن الرسول ﵊ فإن كون الإنسان يبقى على طبيعته معتمدًا على الرجلين كلتيهما هو الأولى وهو الأيسر. وعلى كل حال يرجع في هذا إلى مسألة الطب.
طالب: نعم يا شيخ أقول: إن الأمر () سواء باليمنى أو باليسرى في ().
الشيخ: يعني ما فيه ..
طالب: ليس فيه تسهيل لو بالاعتماد على اليسرى أو باليمنى بس هذا يختلف من شخص لآخر.
الشيخ: طيب الاعتماد على اليسرى (وبعده في فضاء).
[ ١ / ١٣٤ ]
(بعده) الضمير يعود على من؟ على قاضي الحاجة، (في فضاء) أي في مكان ليس فيه جدران، أو أشجار ساترة، أو أَكَمَات، أو جبال، يبعد في الفضاء، إلى أي مدى؟ حتى يستتر؛ لحديث المغيرة بن شعبة، قال: إن النبي ﵊ .. وهو في الصحيحين، قال: فانطلق حتى تَوَارى عنِّي فقضى حاجته (٨)، هذا هو الدليل، وأيضًا: فإن فيه من المروءة والأدب ما هو ظاهر، والمراد بقوله: (وبعده في فضاء) حتى لا يرى جسمه.
وأما قول المؤلف: (واستتاره)، فاستتاره هذه معطوفة على (يستحب)، والمراد استتار بدنه كله، وأما استتاره بالنسبة للعورة فهو أمر واجب، يجب أن يستر عورته، وأما بالنسبة لجميع جسده فهو أولى وأفضل لما تقدم من حديث المغيرة.
طالب: () معطوف على (يستحب) أو على قوله.
الشيخ: لا على نائب الفاعل في (يستحب).
طالب: قوي يا شيخ.
الشيخ: قوي نعم.
طالب: الاعتماد على ().
طالب: قضاء الحاجة يا شيخ يشمل البول والغائط.
الشيخ: إي نعم يشمل البول والغائط.
طالب: ().
الشيخ: لا، البول ثبت أنه قضى حاجته على الزبالة في حديث حذيفة وهو يراه وهو إلى جنب عقبه، لكن لعل ذلك لحاجة.
يقول: (واستتاره وارتياده لبوله مكانًا رخوًا)، ارتياد بمعنى طلب، (لبوله) يعني: دون غائطه، و(مكانًا رخوًا) يقال: رَخوًا ورُخوًا ورِخوًا، فهو مثلث الراء، والرخو معناه: المكان اللين الذي لا يُخشى منه رشاش البول إذا نزل عليه هذا الرخو. لماذا يستحب؟
[ ١ / ١٣٥ ]
لأنه أسلم من الرشاش، ورشاش البول وإن كان الأصل عدم إصابته إياك، لكن ربما يفتح عليك باب الوسواس، فكثير من الناس يبتلى بالوسواس في هذه الحال، يقول: أخشى أن يكون قد رش علي، ثم تبدأ النفس تعمل عملها حتى يبقى شاكًّا في أمره، فكلما اختار لمكان بوله الرخو فهو أحسن وأفضل، فإن كان في أرض ليس حوله شيء رخو فماذا يصنع؟ قالوا: يُدنِي ذَكَره من الأرض حتى لا يحصل الرشاش، وهذا صحيح، كل هذا إبعادًا عن الوسواس والشكوك التي يلقيها الشيطان في نفس الإنسان.
(ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله، من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثًا) يعني: يستحب أيضًا أن يمسح إذا فرغ من البول من أصل الذكر - وهو عند حلقة الدبر- إلى رأسه ثلاث مرات؛ لماذا؟ قال: لأجل أن يخرج ما تبقى في القناة من البول؛ لأنه ربما يبقى بول، فإذا قام أو تحرك نزل، فمن أجل ذلك يحلبه بأن يمسح عليه من عند حلقة الدبر إلى رأسه.
وهذا الذي ذكروه ﵏ قول ضعيف جدًّا؛ لأنه لم يصح عن النبي ﵊، ولأنه يضر بمجاري البول، ولاسيما إذا أضيف إليه النتر ربما يحدث الإدرار، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن الذكر كالضرع، إن حلبته در، وإن تركته قر، وعلى هذا فلا يستحب المسح، إنما إذا انتهى البول يغسل رأس الذكر وينتهي الموضوع.
(ونتره ثلاثًا)، ويش معنى النتر؟ يعني أن الإنسان يحرك ذكره من الداخل، ما هو بيده، فينتره لأجل إذا كان فيه شيء من البول فإنه يخرج، هذا التعليل، وفيه حديث لكنه ضعيف لا يصح: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثلَاثًا» (٩)، ولكنه لا يصح، والتعليل هو ما ذكرت لكم، من أجل أن يخرج ما تبقى من البول، ولكن هذا أيضًا يقول شيخ الإسلام: إن النتر بدعة وليس بسنة، ولا ينبغي للإنسان أن ينتر ذكره.
[ ١ / ١٣٦ ]
وهذان الأمران اللذان ذكرهما الأصحاب ﵏ يشبهان ما ذكره بعض أهل العلم قال: ينبغي إذا انتهى من البول أن يتنحنح، فإذا كان فيه شيء يخرج، وبعضهم قال: ينبغي أن يقوم ويمشي خطوات لأجل أن يطلع الباقي، وبعضهم قال: ينبغي أن يصعد درجة ويجي من أعلاها بسرعة، كل هذا لأجل أن يخرج، وبعضهم لكن عاد ما هو من أقوال العلماء قال: ينبغي أن يجعل له حبلًا يتعلق فيه ثم ينهز روحه كذا بالحبل، كل هذه من الوساوس التي لا أصل لها، والحمد لله الدين يسر.
صحيح أن بعض الناس قد يُبتلى بأن يكون إذا لم يمش خطوات ويتحرك لو يتوضأ على طول خرج منه شيء بعد الوضوء، فهذا الرجل له حال خاصة، ممكن أن نقول: إذا انتهى البول قبل أن تستنجي فإذا كان من العادة أن ما بقي من البول لا يخرج إلا بحركة، ومشي، فلا حرج أن تمشي، لكن ما نجعل هذا أمرًا عامًّا لكل أحد، بل نجعل هذا كعلاج لهذا الشخص الذي يبتلى بهذه الحال، ولكن بشرط أيضًا أن يكون عنده علم اليقين بأنه يخرج شيء، أما مجرد الوهم فإنه لا عبرة به.
قال المؤلف ﵀: (وتحوله من موضعه ليستنجي إن خاف تلوثًا)، (تحوله) يعني: انتقاله، (من موضعه) أي موضع قضاء الحاجة ليستنجي بماذا؟ يستنجي بالماء، (إن خاف تلوثًا) يعني خاف أنه إذا استنجى في هذا المكان يتلوث بماذا؟ يتلوث بالنجاسة، مثل أن يخشى من أن يضرب الماء على الخارج النجس ثم يرش على ثوبه، أو على فخذه، أو ما أشبه ذلك، فنقول هنا: الأفضل أن تنتقل درءًا لهذه المفسدة، وكما قلت قبل قليل: إن مثل هذه الأمور قد تحدث للإنسان الوساوس والشكوك، فإذا خاف أن يتلوث فلينتقل، أما إذا كان لا يخاف كما يوجد الآن في الحمامات والحمد لله الشيء كله يمشي فإنه لا ينتقل، لا يسن أن ينتقل، بل يبقى ويستنجي في مكانه.
قال: (ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجةٍ): (يكره دخوله) الضمير في (دخوله) يعود على من؟ على قاضي الحاجة، أو على الخلاء؟
[ ١ / ١٣٧ ]
طالب: على قاضي الحاجة.
طالب آخر: على الخلاء.
الشيخ: يحتمل أن المعنى يكره دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة أو دخول قاضي الحاجة الخلاء ويكون المفعول هنا محذوفًا.
(يكره دخوله بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجةٍ) ظاهر تعليلهم أن المراد هنا بذكر الله: ليس الذكر الذي هو الجمل المعروفة التي يثاب عليها، ولكن المراد بذكر الله هو اسم الله؛ لأنهم استدلوا بحديث أنس أن النبيَّ ﵊ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (١٠)؛ (١١) لأنه منقوش فيه: محمد رسول الله، وهذه ما هي من الذكر المعروف، وإن كان (محمد رسول الله) إحدى الشهادتين، لكن ما هو: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فيقتضي هذا أن كل ما فيه اسم الله فهو يكره دخول الخلاء به، وهذا مبني على صحة الحديث، حديث أنس، فمن صححه أو حسنه قال: إن ذلك مكروه، وأما من قال: إن الحديث لا يصح فيقول: إن الدخول ليس بمكروه، دخول الإنسان بشيء فيه ذكر الله ليس بمكروه، لكن الأفضل ألا يدخل.
وهناك فرق بين قولنا: إن هذا يستحب، وبين قولنا: إن هذا يكره؛ لأنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه كما هو معروف.
استثنى بعض أهل العلم في هذه المسألة قال: إلا المصحف، فيحرم أن يدخل به الخلاء؛ لأن المصحف أشرف الكلام، ودخول الخلاء فيه نوع من امتهانه، فلا يجوز أن يدخل الخلاء بمصحف، سواء كان ظاهرًا أو في جيبه خفيًّا؛ لِما في ذلك من نوع امتهان له.
وقول المؤلف (إلا لحاجةٍ) هذا مستثنى من المكروه، يعني إلا إذا احتاج إلى ذلك، مثل الدراهم، الدراهم قد يكون فيها اسم الله، أو لا؟ ومثل التابعية والجواهر والخطوط أيضا من ()، هذه حاجة؛ لأننا لو قلنا: لا تدخل بها ثم أخرجها ووضعها عند باب الخلاء صارت عرضة؟
طالب: للنسيان.
[ ١ / ١٣٨ ]
الشيخ: للنسيان، هذا وارد في كل شيء، عرضة للنسيان، وإذا كان في محل بارح عرضة لأن تطير مثلًا، يطير بها الهواء، وإذا كان في مجمع من الناس عرضةً لأن تُسرق، فإذا كان كذلك فهي حاجة أن يدخل فيها، وكثيرًا ما يضع الإنسان شيئًا، لا سيما إذا كان فيه آيات، على أنه إذا خرج أخذها ثم يخرج وينسى، فهذه حاجة، فإذا احتاج الإنسان إلى دخول شيء فيه ذكر الله فإنه يجوز له الدخول، قلنا في المصحف: إن بعضهم قال: إنه حرام، فهل تبيح الحاجة دخوله فيه؟ أو نقول: لا بد من الضرورة؟ المعروف أن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة، ما تبيحه الحاجة، لكن مع ذلك قالوا: إنه إذا خاف أن يسرق فلا بأس أن يدخل به، وظاهر كلامهم: وإن كان الإنسان غنيًّا لو سرق مصحفه لوجد بدله، وعلى كل حالٍ ينبغي للإنسان في المصحف خاصة أن يحاول عدم الدخول، حتى لو كان في مجمع عام يمكنه أن يعطيه أحدًا من الناس يثق به ويقول: أمسكه حتى أخرج.
طالب: يا شيخ، نزع النبي ﷺ خاتمه ما يكون هو لئلا يباشر النجاسة، أنه عندما يتوضأ بيده.
الشيخ: لا؛ لأن الرسول ﵊ كان يلبسه في اليمنى وفي اليسرى، اليمنى ما تباشر النجاسة.
طالب: اليسرى.
الشيخ: اليسرى تباشرها نعم.
طالب: ().
الشيخ: ما ندري، لو كان الحديث مقيدًا بما إذا كان لابسه باليسرى لكان صحيح يتجه ما قلت.
طالب: ممكن أنه خلعه وأدخله بجيبه ودخل.
الشيخ: الله أعلم، ما ندري.
طالب: إذا كانت العلة هذه يكون أدخله في جيبه.
الشيخ: ممكن إذا كانت العلة خوف النجاسة فهو إذا أدخله في جيبه زالت العلة.
() السؤال شيء آخر ما رأيكم في رجل جعل المسجل أو الراديو عنده في بيت الخلاء يستمع إليه قرآنا؟
طالب: هذا قطعًا فيه امتهان.
الشيخ: فيه امتهان له؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب لو جعله خارج الباب، عند الباب.
طلبة: لكن سماعه فقط.
الشيخ: يسمعه فقط.
طالب: نعم قد يذكر الله قد يسبح قد ..
[ ١ / ١٣٩ ]
الشيخ: لا ما هو مسبح ولا شيء، بيسمع بس.
طالب: ().
الشيخ: هذا يسأل عنه بعض الناس يقول: إنه أحيانًا يوافق نور على الدرب ووده يستمع إليه، ونور على الدرب يصير فيه آيات، يستدل العلماء فيه بآيات، يقول: أنا إذا حطيته عندي قال: بقوله تعالى مثلًا كذا وكذا أسكه ولا ويش سوي.
طالب: () خلف الباب.
الشيخ: مشكلة خلف الباب ().
طالب: إذاعة القرآن.
الشيخ: إذاعة القرآن صحيح يمكن إذاعة القرآن يجيب قرآن صحيح.
طالب: ().
الإشكال هي في الحقيقة النفس من الناحية العاطفية ما تميل إلى هذا، يعني الإنسان يستقبح إنه يخلي واحد عنده يستمع إلى القرآن وهو في بيت الخلاء، ومن ناحية ثانية من الناحية النظرية تقول: هذا كأنك تستمعه من فرجة؛ لأن اللي يقرأ ما هو في وسط () القارئ الآن ولكنك تسمع صوته من هذه النافذة، إنما الذي أرى ولكن ما أقول: هذا الحكم الشرعي، أنا من الناحية النفسية ما أحب هذا، وأرى أنه إذا جاءت الآيات وأنت مثلا تستمع إليه سكه، القرآن يسمع من هذا المكان، أما إذا كان خارج الباب فلا بأس، وقد ذكروا أن المجد ابن تيمية ﵀ جد شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا دخل الخلاء أمر خادمه أو أحد أولاده أنه يقرأ عليه العلم، إما أحاديث وإلا كلام الفقهاء والعلماء؛ لئلا يغيب عن دارسة العلم في هذه المدة ().
قوله: (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)، رفع ثوبه يعني قاضي الحاجة يكره أن يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض، وهذا على وجهين:
أحدهما: أن يكون حوله من ينظره، فرفع الثوب هنا قبل الدنو من الأرض محرم؛ لأنه كشف للعورة لمن ينظر إليها، وقد نهى النبي ﵊ عن ذلك: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ» (١٢).
[ ١ / ١٤٠ ]
الثاني: كشفه وهو خالٍ ليس عنده أحد، فهل يكره أو لا؟ هذا ينبني على جواز كشف العورة والإنسان خالٍ. وفيه للعلماء ثلاثة أقوال: الجواز، والكراهة، والتحريم، والمذهب يقولون: إنه يكره أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض إذا لم يكن ناظر، فإن كان ناظر فهو حرام، ويكره إذا لم يكن ناظر؛ لأن فيه كشفًا للعورة بلا حاجة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: تكشف عورتك بلا حاجة، الحاجة أنك إذا قربت من الأرض، أما وأنت بعيد فلا حاجة لذلك، ويقولون: إنه يحرم كشف العورة في الخلاء، لكن إنما قلنا بكراهة ذلك دون التحريم لأن كشفه هنا لسبب، وكان الخارج أو الزائد هو أن يبدأ بذلك قبل أن يباح له هذا الشيء، فلهذا يقولون: إنه على سبيل الكراهة، لا على سبيل التحريم.
وقول المؤلف: (ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض) إذا كان يريد أن يبول وهو قائم، فهذا سيرفع ثوبه وهو واقف، ولكن نقول: إن القائم دانٍ من قضاء الحاجة؛ لأنه سيقضيها وهو قائم.
والبول قائمًا جائز، لاسيما إذا كان لحاجة، ولكن بشرطين:
أن يأمن التلويث، وأن يأمن الناظر، وقد ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أن الرسول ﵊ أتى سُبَاطَةَ قومٍ فبالَ قائمًا (١٣).
قال أهل العلم: فعل ذلك للجواز، وقال علماء آخرون: فعل ذلك للحاجة؛ لأن السباطة كانت عند قوم مجتمعين ينظرون إليه، فهو إن قعد في أعلاها مستدبرًا لهم ارتد بوله إليه، وإن قعد في أعلاها مستقبلًا لهم فقد كشف عورته أمامهم، فما بقي إلا أن يكون قائمًا مستدبرًا للقوم، فيكون في ذلك محتاجًا إلى البول قائمًا.
وأما حديث أن ذلك كان لأثر في مأبِضه (١٤) فإنه ضعيف، وكذلك القول بأنه فعل ذلك لأن العرب يتطببون بالبول قائمًا من وجع الركب (١٥) فهذا ضعيف. ولكن نعم يمكن العرب إذا أوجعتهم ركبهم عند الجلوس يمكن يبولون قيامًا للحاجة.
[ ١ / ١٤١ ]
طالب: بالنسبة للذي يرفع ثوبه وهو قائم والناس ينظرون إليه وذكرت في الحديث «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ» فهذا الحكم في الناظر يعني ما يتعلق بالمنظور إليه.
الشيخ: إي نعم الحكم في الناظر صحيح إذا كان يحرم النظر، فلولا أن كشفها محرم ما حرم النظر، هذا وجه الدلالة، ولهذا يجوز مثلًا ينظر الإنسان إلى وجه الإنسان وإلى صدره وإلى منكبه لأنه يباح كشفه.
طالب: ذكرنا قولًا من الأقوال الثلاثة جواز كشف العورة () التحريم والجواز ().
الشيخ: الكراهة، والتحريم، والجواز، الظاهر أنه للكراهة أقرب، ولهذا كان الذي عليه جنابة إذا أراد أن يغتسل يتوضأ وهو عار، والوضوء هنا سنة وليس بواجب، ولو كان الخلوة يحرم فيها كشف العورة لقلنا: إنه لا يجوز لك أن تتوضأ إلا وأنت مستتر، ثم إذا جاء الغسل الذي لا بد فيه من خلع الثوب فاخلعه، وقد يجاب بأن هذه المسألة لما أبيح له أن يكشف ثوبه هنا للاغتسال صار كشفه للوضوء تبعًا، وهذه المسألة إن شاء الله تأتينا في العورة، ما حررتها هنا تحريرًا بالغًا، تأتينا إن شاء الله في درس العورة.
طالب: السباطة.
الشيخ: السباطة: الزبالة، كناسة، في الغالب تكون مرتفعة لأن مجمع الكنائس يكنس يعني.
يكره أيضًا (كلامه فيه) أي: كلام قاضي الحاجة (فيه) أي: في الخلاء، يكره، ما هو الدليل على الكراهة؟
استدلوا بأن رجلًا مرَّ بالنبيِّ ﷺ وهو يبول؛ فسلَّم عليه فلم يردَّ ﵇ (١٦).
[ ١ / ١٤٢ ]
ما رد ﵇، قالوا: ولو كان الكلام جائزًا لرد ﵇؛ لأن رد السلام واجب، لكن هذا الاستدلال مقتضاه التحريم، أنه يحرم أن يتكلم وهو على قضاء حاجته، ولهذا لما ذكر صاحب النكت ابن مفلح لما ذكر هذه المسألة قال: وظاهر استدلالهم يقتضي التحريم، وهو أحد القولين في المسألة. على أن كلام الإنسان وهو على حاجته محرم لا يجوز. أما إذا كانا اثنين ينظر أحدهما إلى الآخر ويتحدثان فهو حرام بلا شك، بل إن ظاهر الحديث الوارد فيه لولا ما فيه من المقال لكان ظاهره أنه من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﵊ أخبر أن الرجلين إذا فعلا ذلك فإن الله يمقت عليه (١٧)، والمقت أشد البغض؛ وهذا يقتضي أن يكون من الكبائر، إنما الكلام المجرد هذا يكره، والاستدلال بالحديث كما سمعتم.
لكن لو قال قائل: إن الاستدلال بالحديث يقتضي التحريم؛ لأنه ترك واجبًا، وترك الواجب لا يباح إلا إذا كان الشيء محرمًا؛ لكن أجاب العلماء عن ذلك؛ أجابوا بجوابين:
الجواب الأول قالوا: إن هذا المسلم على قاضي الحاجة لا يستحق ردًّا؛ لأنه لا ينبغي السلام على قاضي الحاجة، حطوا بالكم هذا جواب.
الجواب الثاني: أن الرسول ﵊ ما ترك الواجب؛ لأنه بعد أن انتهى رد ﵇ واعتذر منه، الرسول علم بأنه سيرد عليه، وغاية ما فيه أنه أجل الرد؛ لأنه ليس على طهر.
أما الوجه الأول فضعيف، قولهم بأنه سلم عليه وهو لا يستحق الرد في هذه الحال لأن الرسول ﵊ ما علل عدم السلام بأنك سلمت في حالٍ لا تستحق الرد.
[ ١ / ١٤٣ ]
وأما الثاني فنعم، الثاني أن الرسول ﵊ ما ترك الرد تركًا مطلقًا، وعرفنا بأنه أجله، وهذا لا يستلزم القول بالتحريم، ولكن مع ذلك إذا احتاج إلى أن يتكلم، كما لو انتهى الماء الذي يستنجي به، لا يقدر يستنجي، ولا يقدر يقوم، الآن إذا ما استنجى ما يقدر يقوم الإنسان، وصوت إلى أحد: أعطني ماء، فهذا حاجة ولا بأس به.
نهى أن يضرب الرجلان الغائط ثم يجلسان لقضاء الحاجة يتحدثان، قال: «فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، لماذا؟
لأن الدليل أخص من المدلول، والقاعدة في الاستدلال ألا يستدل بالأخص على الأعم، وإنما يستدل بالأعم على الأخص، فالدليل هنا في رجلين ضربا الغائط وجلسا وصارا يتحدثان، هذه حالة غير مجرد أن يتكلم الإنسان على الخلاء. ونحن نقول في مثل هذه الحال: أقل أحوالها أن يكون مكروهًا إذا لم ينظر أحدهما إلى عورة الآخر، فإن نظر أحدهما إلى عورة الآخر فإن ذلك محرم.
وعلى كل حال، فقد نص الإمام أحمد ﵀ على أنه يكره الكلام حال قضاء الحاجة، وقال مرة أخرى: إنه لا ينبغي، والمعروف عند أصحاب الإمام أحمد أن الإمام إذا قال: أكره كذا، أو قال: لا ينبغي، فهو للتحريم، هذا معروف عندهم.
طالب: لو قال.
الشيخ: لا ينبغي. وعلى كل حال نحن نرى أنه لا ينبغي أن يتكلم في حال قضاء الحاجة إلا كما قال الفقهاء: لحاجة، مثل لو أراد أن يرشد أحدًا أو كلمه أحد لا بد أن يرد عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف وقال: فلان وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ ().
الشيخ: (وبوله في شق ونحوه) يعني: يكره بوله في شق ونحوه، الشق: هو الفتحة تكون في الأرض، وهو الجحر، جحر الدواب والهوام، هذا الشق.
وقوله: (ونحوه)، مثل بعضهم بفم البالوعة، يعني البالوعة هي متجمع الماء الغير نظيف، وسميت بالوعة لأنها تبتلع الماء.
[ ١ / ١٤٤ ]
فيكره للإنسان أن يبول في الشق؛ السرب والجحر وما أشبه ذلك، وظاهر كلام فقهائنا ﵏: ولو كان الشق معلوم السبب، كما لو كانت الأرض قيعانًا وجاءها المطر فالعادة أنه إذا يبس هذا القاع العادة أنه يتشقق ويتفطر، فظاهر كلام الفقهاء حتى في هذه الحال يكره.
ومع هذا نقول: إنه يكره، فإذا كان مكروهًا فإنه يزول بماذا؟
بالحاجة؛ لأنه أحيانًا ما يكون عندك في الفضاء مثلًا إذا كنت في روضة قيعان وقد مر بها الوادي وما أشبه ذلك لا بد يكون فيها تفطر، قد يشق عليك أن تجد مكانًا ليس فيه هذه الشقوق.
المهم الحكم هنا الكراهة، فما هو الدليل؟ وما هو التعليل؟
الدليل: ما رواه قتادة عن عبد الله بن سرجس أن الرسول ﷺ: نهى أن يُبال في الجُحر، قيل لقتادة: ما بال الجُحر؟ قال: يُقال: إِنَّها مساكن الجنّ (١٨). هذا الحديث منهم من صححه، ومنهم من ضعفه، ولكن أقل أحواله أن يكون حسنًا؛ لأن العلماء قبلوه، واحتجوا به، فهذا هو الدليل أن الرسول نهى أن يُبال في الجُحر.
وأما التعليل فقالوا: لأنه يخشى أن يكون في هذا الجحر شيء ساكن فتفسد عليه مسكنه، أو يخرج وأنت على بولك ثم يؤذيك، وربما تقوم بسرعة فلا تسلم من رشاش البول، فلهذا لا ينبغي.
وقد ذكر المؤرخون أن سعد بن عبادة ﵁ بال في جحر في الشام، وما أن فرغ من بوله حتى استلقى ميتًا -سعد بن عبادة سيد الخزرج ﵁- فسمعوا هاتفًا يهتف في المدينة يقول:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْ
رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْ
نِ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ (١٩)
[ ١ / ١٤٥ ]
هكذا ذكر المؤرخون، والله أعلم بصحة القصة. لكن على كل حال: عندنا الدليل اللي أشرنا إليه والتعليل، ولكن مع هذا إذا كان الإنسان محتاجًا بحيث لم يجد مكانًا إلا متشققًا ففي هذه الحال؟
طلبة: لا حرج.
الشيخ: لا حرج عليه.
(وبوله في شق ونحوه ومس فرجه بيمينه، واستنجاؤه واستجماره بها).
(مس فرجه بيمينه) أي الفرجين؟ نقول: كلاهما؛ لأن فرج مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم، فالفرج يطلق على الدبر والقبل، كلاهما فرج، فرجة منفتح يخرج منه الأذى، فيكره أن يمس فرجه بيمينه لحديث أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ» (٢٠).
هذا الدليل «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ»، وعلى هذا فالدليل هو نهي الرسول ﵊، ولكن تأملوا معي الحديث يقول: «وَهُوَ يَبُولُ» والجملة هنا حال من فاعل (يمسن)، يعني في حال البول. إذا لم يكن يبول هل يكره مس فرجه؟
نشوف، القيد هذا اختلف فيه أهل العلم: هل هو قيد مراد، بمعنى أن النهي وارد على ما إذا كان يبول فقط؛ لأنه إذا كان يبول فربما تتلوث يده بماذا؟ بالبول، وإذا كان لا يبول فإن العضو هذا كما قال النبي ﵊: «بَضْعَةٌ مِنْكَ»، حينما سُئل عن الرَّجل يَمَسُّ ذَكَرَهُ في الصلاة عليه وضوءٌ؟ قال: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» (٢١)، فإذا كان بضعة مني فلا فرق بين أن أمسه بيدي اليمنى أو بيدي اليسرى، بخلاف حال البول، فإن البول الآن يكون هذا العضو متأثرًا فيه وربما يصيبه منه.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا نهي عن مس الذكر باليمين حال البول، فالنهي عن مسه في غير حال البول من باب أولى، كيف ذلك؟ قال: لأنه حال البول ربما يحتاج إلى مسه، فإذا نهي عنه في الحال التي قد يحتاج إلى مسه فالنهي عنه في غير هذه الحال من باب أولى.
[ ١ / ١٤٦ ]
والحقيقة أن كلا الاستدلالين له وجه، والاحتمالان واردان، وعلى هذا فيكون الأحوط للمرء أيش؟ أن يتجنب مسه، ولكن الجزم بالكراهة إنما هو في حال البول؛ كما جاء في الحديث، وفي غير حال البول محل احتمال، والحمد لله إذا لم يكن هناك داعٍ ففي اليد اليسرى غنية عن اليد اليمنى.
طالب: ().
الشيخ: يستجمر باليسرى.
الطالب: ().
الشيخ: بقي صح.
(واستنجاؤه واستجماره بها)، طيب نحن ذكرنا الدليل على مس الفرج باليمين فما هو التعليل؟
التعليل: إكرامًا لليمين؛ لأن اليمين محل الإكرام، ولذلك يُؤكَل بها ويُشرَب بها ويؤخَذ بها ويعطَى بها.
قال (واستنجاؤه واستجماره بها).
طالب: قلنا: إن النهي () التحريم ().
الشيخ: إي نعم، الظاهر أن فيها خلافًا قليلًا، أكثر العلماء على أنه للكراهة، والذي ينبغي للإنسان أن يتجنبه إلا لحاجة.
(واستنجاؤه واستجماره بها) ويش الدليل؟
حديث أبي قتادة نفسه حين قال: «وَلَا يَتَمَسَّح مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ»، والجملة الثالثة في الحديث: «وَلَا يَتَنَفَّس فِي الْإِنَاءِ» (٢٢)، فنقول: لا تستنجِ ولا تستجمر باليمين.
ما الفرق بين الاستنجاء والاستجمار؟
الاستنجاء بالماء، والاستجمار بالحجر، ونحوه.
فهو مكروه أن يستنجي الإنسان بيمينه أو أن يستجمر بيمينه؛ لنهي النبي ﷺ، هذا الدليل، وأما التعليل فهو إكرام اليمين.
طيب أحيانًا قد يحتاج إلى الاستجمار باليمين، أو الاستنجاء باليمين، كما لو كانت اليسرى مشلولة، فما الحكم؟
طلبة: تزول الكراهة.
الشيخ: تزول الكراهة، كذا. أحيانًا تكون اليمنى سليمة واليسرى سليمة، لكن عند الاستجمار يحتاج إلى اليمنى.
[ ١ / ١٤٧ ]
قال العلماء: إذا احتاج إلى الاستجمار، مثل ألا يجد إلا حجرًا صغيرًا قالوا: الحجر الصغير إن أمكن أن يجعله بين رجليه، يمسكه برجليه كذا ويتمسح فعل، فإن لم يمكن فإنه يأخذ الحجر باليمين ويمسح بالشمال، إلى هذا الحد، كل هذا من أجل ألا نقع فيما نهى عنه الرسول ﷺ؛ لأن الإنسان ينبغي له أن يتجنب كل ما نهى عنه الرسول ﵊، لا يقول مثلًا: هذا للكراهة، هذا للتحريم، ما دام الرسول نهى عنه اتركه.
صحيح أن بعض الأشياء تأثم لو تركته، وبعضها ما تأثم، لكن ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
كان بعض العلماء إذا سئل عن شيء يقال: نهى عنه الرسول قال السائل: طيب هل هو للتحريم؟ ينفض يده ويقول: أقول لك: نهى عنه رسول الله وتقول: هل هذا للتحريم!
﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] حتى لو قلنا أو كان جمهور أهل العلم على أن هذا النهي للكراهة، فالذي ينبغي لنا أن نتجنبه؛ لأن هذا هو تمام الانقياد.
طالب: شيخ، هل يخرج من التمسح باليدين ().
الشيخ: إي نعم، لا، هو أهون.
طالب: أن يمسح بيمينه.
الشيخ: إي، لكن المسح باليسار لكن اليمنى بس ثابتة، غاية ما هنالك أنه مسك الحجر، يعني ما أمر الحجر على القضيب، بل إنما أمر القضيب عليه.
الطالب: () ما يمس مس مباشر ().
الشيخ: لا، هو أصلًا ما مسه، ما مس الذكر، لما أمسك الحجر الصغير ما مس الذكر إطلاقًا، ما فيه مس الذكر، الذكر اللي مسته اليسرى ومسحته.
طالب: أقول: فيه خطورة من البول.
الشيخ: لا، هو على كل حال هذا ما فيه خطورة للحقيقة، البول انتهى انقطع وقف ().
ثم قال: (واستقبال النيرين) هذه (استقبال) معطوفة على أيش؟ على (يكره)؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا.
طالب: () بوله.
الشيخ: لا.
طالب: الاستنجاء.
طالب آخر: يكره دخول.
[ ١ / ١٤٨ ]
الشيخ: على (دخول)، على (دخوله)، (يكره دخوله بشيء فيه ذكر الله) ثم عطف؛ لأن الصحيح أن العطف يكون على ما تسلط عليه العامل مباشرة أو لا؟ إذا قلت: قام زيد وعمرو وبكر وخالد وعلي ومحمد وعبد الله، وين عبد الله، وين يعطف عليه؟ على زيد، على الأول، يعني العطف يكون على أول معمول، سواء فاعل ولا مفعول تسلط عليه العامل، لماذا؟ لأن البقية فروع وتوابع، ما هي أصول.
طالب: ولو بغير الواو.
الشيخ: ولو بغير الواو، كل شيء.
قال: (واستقبال النيرين) ما هما النيران؟ الشمس والقمر، يكره أن يستقبلهما الإنسان حال قضاء الحاجة، الدليل لا دليل، التعليل: لما فيهما من نور الله، هذا التعليل لما فيهما: من نور الله، يكره أن تستقبلهما، والحقيقة أن ما فيهما من نور ليس هو نور الله الذي هو صفته، بل فيهما نور مخلوق، وفي النجوم نور مخلوق ولا لا؟ لو كنت في مكان ما فيه أنوار كهربائية بعض النجوم تشاهد ظلك يعني لها نور ينعكس، فإذا قلنا بهذا قلنا: إذن كل شيء يكون فيه نور وإضاءة حتى للنجوم يكره استقباله، وفي هذا نظر.
ثم نقول: إن هذا التعليل مع كونه عليلًا هو مصادم للنص؛ فإن الرسول ﵊ قال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا» (٢٣). ومعلوم أن مَن شرّق والشمس طالعة سيستقبلها، أو غرّب والشمس عند الغروب سيستقبلها، والرسول ﵊ ما قال: إلا أن تكون الشمس أو القمر بين أيديكم فلا تفعلوا.
فعلم من هذا أن القول الصحيح في هذه المسألة القول الثاني، وهو أنه لا يكره استقبال الشمس والقمر في حال قضاء الحاجة.، وذلك لعدم الدليل، بل ولثبوت الدليل الدال على الجواز.
(ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان) هذا أظن أول موضع نصل إليه فيما يتعلق بالقبلة. استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة محرم حرام، ما الدليل؟
[ ١ / ١٤٩ ]
الدليل: حديث أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». قال أبو أيُّوب ﵁: فقدِمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله (٢٣). هذا هو الدليل: «لَا تَسْتَقْبِلُوا»، والأصل في النهي التحريم.
وقوله ﷺ: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا» يفيد أن الانحراف اليسير لا يكفي؛ لأنه قال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا»، ثم أرشد إلى أمر آخر، وهو التشريق أو التغريب، ومن المعلوم أن قوله: «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» لقوم إذا شرقوا أو غربوا لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها، مثل أهل المدينة، أهل المدينة قبلتهم الجنوب، فإذا شرقوا أو غربوا صارت القبلة إما على أيمانهم أو عن شمائلهم، لكن في مثل مكاننا هذا لو أننا شرقنا أو غربنا لاستقبلنا القبلة.
فعلى هذا نقول في قوم إذا شرقوا أو غربوا استقبلوا القبلة، نقول: ولكن أشملوا أو أجنبوا، إي نعم، كما قال الرسول هنا «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». إذن الدليل هذا الحديث التعليل؛ لأن أنا ودي أن الإنسان يفهم الدليل، والدليل مسلم به، كل مؤمن يسلم به، لكن إذا حصل مع الدليل التعليل كان أكمل، وإذا يسر الله وفتح علينا به أحب إلينا. التعليل هو احترام القبلة في الاستقبال والاستدبار، لا تستقبل ولا تستدبر.
[ ١ / ١٥٠ ]
يقول المؤلف: (في غير بنيان) استثنى، أما إذا كان في بنيان فإنه يجوز استقبالها واستدبارها، ما هو الدليل؟ الدليل: حديث ابن عمر ﵄ قال: رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ (٢٤). ولكننا ننظر هل هذا الحديث يوافق كلام المؤلف أو لا؟ قال: (في غير بنيان) يعني في البنيان يجوز استقبالها ويجوز استدبارها.
وهذا هو المشهور من المذهب، بل قالوا ﵏: يكفي الحائل، وإن لم يكن بنيانًا، كما لو اتجه إلى السيارة أو إلى كومة من رمل أقامها ثم كان وراءها أو إلى شجرة أو إلى أكمة أو إلى حجر كبير أو ما أشبه ذلك. قالوا: يكفي ما كان حائلًا، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يستثنى شيء أبدًا، وأنه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها؛ لا في الفضاء ولا في البنيان، وهذا أحد الروايات عن الإمام أحمد ﵀، الإمام أحمد عنه في هذا روايات متعددة؛ منها المذهب اللي سمعتم.
والقول الثاني، الرواية الثانية: أنه يحرم استقبالها واستدبارها مطلقًا في الفضاء والبنيان. قالوا: وهذا الذي قلناه هو مقتضى حديث أبي أيوب استدلالًا وعملًا، أما الاستدلال فبقول الرسول ﷺ، وأما العمل فبفعل أبي أيوب حين قال: قدمنا الشَّام فوجدنا مراحيض قد بُنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله.
فقوله: نستغفر الله يدل أنه ما رأى أن هذا كاف، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بأنه لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها لا في البنيان ولا في غير البنيان؛ لعموم الحديث.
ولكن بماذا نجيب عن فعل الرسول ﵊؟
شوف بعض العلماء أخذ من فعل الرسول ﵊ أن النهي للكراهة، وقال: إن فعل الرسول ﵊ لأجل أن يبين الجواز، وأنه ليس حرامًا، ولكن هذا فيه نظر.
[ ١ / ١٥١ ]
بقي أن نقول: ما الجواب عن فعل الرسول ﵊ الذي ذكره ابن عمر ﵁؟
بعضهم قال: إنه يحمل على ما قبل النهي، يرجح عليه النهي؛ لأن النهي ناقل عن الأصل، كيف ناقل عن الأصل؟ ويش الأصل؟
طلبة: الجواز.
الشيخ: الأصل الجواز أنك تستقبل ما شئت، هذا الأصل، إلا إذا جاء منع، فيقولون: إن حديث أبي أيوب ناقل عن الأصل، والناقل عن الأصل مقدم عليه، هذا وجه.
الجواب الثاني: أن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يمكن أن يعارض القول؛ لأن فعل الرسول ﵊ يحتمل الخصوصية، يحتمل هذا خاص به، ويحتمل النسيان أنه نسي ﵊، هذا وارد ولّا غير وارد؟
طلبة: وارد.
الشيخ: نعم وارد، ولكنه الحقيقة، أما احتمال الخصوصية فمردود؛ لأن الأصل الاقتداء والتأسي به، وليس هناك معارضة تامة، نعم لو كان معارضة تامة بين القول والفعل لكان القول بأن الفعل خاص به متجهًا، لكن ليس هناك معارضة تامة، لماذا؟ لإمكان أن يحمل حديث أبي أيوب على ما إذا لم يكن في البنيان، وحديث ابن عمر على ما إذا كان في البنيان، وكلما أمكن الجمع بين قول الرسول ﵊ وفعله فإنه هو الواجب.
وعلى كل حال وكونه في البنيان خاص، ولهذا نقول: القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز في البنيان استدبار القبلة دون استقبالها.؛ لأن النهي عن الاستقبال محفوظ، ليس فيه تخصيص، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، هذه من جهة، ومن جهة أخرى الاستدبار أهون من الاستقبال، استدبار الإنسان للقبلة أهون من استقبالها، ولهذا جاء -والله أعلم- التخفيف فيه فيما إذا كان الإنسان في البنيان.
طالب: فيه حديث يا شيخ عن الاستقبال.
الشيخ: أولًا ضعيف الحديث.
الطالب: ضعيف؟
[ ١ / ١٥٢ ]
الشيخ: ضعيف نعم، والثاني قبل أن يكون بعام، ما هو بصريح بأنه في الفضاء والبنيان، قد يكون في البنيان ما هو بصريح، ولا ظاهره النسخ، ظاهره أن الأول قبل أن يموت بعام () الاستقبال بعد النهي.
طالب: شيخ حديث ابن عمر: رَقِيتُ يومًا على بيت حفصة، هل يدل أن الرسول كان في بنيان؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه في البلد، البلد في البنيان.
الطالب: ().
الشيخ: إي لا، هو رآه في نفس البيت؛ لأن حفصة أخت ابن عمر.
الطالب: ما يلزم أنه يكون بالبيت؟
الشيخ: لا، هو الظاهر هذا ظاهر الحال هو ما يلزم، لكن هذا ظاهر الحال؛ لأن بيت حفصة بيت أخته.
طالب: () حسن هذا الحديث حديث جابر ().
الشيخ: إي، لكن الصحيح أنه ضعيف، وأنه لا يمكن أن يعارض الحديث الصحيح؛ كحديث أبي أيوب، حديث أبي أيوب في الصحيحين، ولا يمكن أن يعارضه هذا، ثم إن المعنى الذي من أجله نهي عنه لا زال قائمًا، ليس هذا معنى يمكن أن يزول فينسخ، فما دام علة النهي باقية فإن النسخ لا يمكن أن يكون، كما أنه لا يمكن أن ينسخ استقبال القبلة في حال الصلاة؛ لأن المعنى احترام القبلة، هذا لا يمكن أن يزول، هذا هو ضعف هذا المذهب.
طالب: ().
الشيخ: إي، لكن يخففه أنه في البنيان وأنه استدبار، والبنيان ما هو مثل الفضاء ().
طالب: حديث أبي أيوب: فننحرف عنها ونستغفر الله، ما يدل على أنه فيه ذنب؟
الشيخ: نحن قلنا: إن أبا أيوب فهم أن النهي للتحريم؛ لأنه لا استغفار إلا من ذنب.
[ ١ / ١٥٣ ]
ولُبْثُه فوقَ حاجتِه، وبولُه في طَريقٍ وظِلٍّ نافعٍ وتحتَ شجرةٍ عليها ثَمَرَةٌ ويَسْتَجْمِرُ بحَجَرٍ ثم يَستنجِي بالماءِ، ويُجْزِئُه الاستجمارُ إن لم يَعْدُ الخارِجُ مَوْضِعَ العادةِ. و(يُشْتَرَطُ) للاستجمارِ بأحجارٍ ونحوِها أن يكونَ طاهرًا مُنْقِيًا غيرَ عَظْمٍ ورَوْثٍ وطعامٍ مُحْتَرَمٍ ومُتَّصِلٍ بحَيوانٍ، ويُشْتَرَطُ ثلاثُ مَسَحاتٍ مُنْقِيَةٌ فأَكْثَرُ ولو بحَجَرٍ ذي شُعَبٍ، و(يُسَنُّ) قَطْعُه على وِتْرٍ.
و(يَجِبُ) الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ إلا الريحَ، ولا يَصِحُّ قَبْلَه وُضوءٌ ولا تَيَمُّمٌ.