هو لُزومُ مَسجدٍ لطاعةِ اللهِ تعالى مَسنونٌ، ويَصِحُّ بلا صوْمٍ ويَلزمان بالنَّذْرِ، ولا يَصِحُّ إلا في مَسجدٍ يُجْمَعُ فيه إلا المرأةُ ففي كلِّ مَسجدٍ سِوَى مَسْجِدِ بيتِها، ومَن نَذَرَه أو الصلاةَ في مَسجدٍ غيرِ الثلاثةِ - وأَفضلُها الحرامُ،
طالب: () وعيد الكفار ذكره من ضمن المكروه؟
الشيخ: صوم أعياد الكفار اختلف فيها الفقهاء:
منهم من قال: إنه يكره أن يصوم يوم عيد الكفار؛ لأن هذا يعطي الكفار قوة؛ ويقول: هؤلاء المسلمون عظموا عيدنا فصاموه، وهذا الأصح.
ومنهم من قال: بل لا يكره؛ لأن الصوم ضد الفطر، والفطر فرح وسرور، فكأنه يقول أنتم أيها الكفار تبتهجون بهذا اليوم، بالأكل والشرب والحلوى وما أشبه ذلك ونحن نقابلكم بالصوم والإمساك.
لكن الأولى أن يقال بالكراهة، وألا نعبأ بالكفار وأعيادهم، يعنى ينبغي، بل يجب علينا ألا نهتم بأعيادهم، اللهم إلا أن نحذر السفهاء الذين يعظمون أعياد الكفار ويتبادلون الهدايا بينهم في أعيادهم، فهذا لا بأس.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرتم الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فإذا كان الإنسان يصلي وقيل: حي على الجهاد؟
الشيخ: إي نعم، هذه يمكن يصلي ويمشي ما هي مشكلة.
طالب: لا، حي على الجهاد الآن يركب ()؟
الشيخ: يلحقهم.
الطالب: يقطعه.
[ ١ / ٣٥٤١ ]
الشيخ: إذا كان فرض كفاية لا يقطع، أو فرض عين مثل يعرف أن هذا الرجل يعرف من السلاح والعمل بالسلاح ما لا يعرف غيره فيجب عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرتم حديث النبي ﷺ: «إِنَّ خَيْرَ الصِّيَامِ صَوْمُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» (١)، وكذلك يوجد حديث آخر، قال ﷺ فيه: «خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ» (٢) كان يصوم الاثنين والخميس، فما الذي ترجحونه -بارك الله فيكم- بالنسبة للمسلم ..
الشيخ: بالنسبة لأيش؟
الطالب: بالنسبة للمسلم يقتدي بالنبي ﷺ فيصوم؛ يعني السنة الفعلية يصوم الإثنين والخميس، أم يصوم يومًا بعد يوم.
الشيخ: لا، يصوم يومًا ويفطر يومًا.
الطالب: ما رأيكم في قول من يقول: بأن حتى الحديث الثاني عائد إلى الأول بمعنى أن من صام يومًا وأفطر يومًا فمصيره إلى أن يصوم الإثنين والخميس فقط؛ لأن الجمعة منهي عن إفرادها، وكذلك منهي عن إفراد السبت، إذن من صام الاثنين ().
الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا ما يقتضيه.
الطالب: لأن إذا صام يومًا وأفطر يومًا سيقع في ().
طالب آخر: ().
الشيخ: وغير؟
الطالب: صوم عشر ذي الحجة.
الشيخ: وعشر ذي الحجة، كل هذه مرت علينا أدلتها، ما هي الأيام التي يحرم صومها؟
طالب: العيدان.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأيام التشريق.
الشيخ: نعم.
الطالب: ومن لم يجد هديًا.
الشيخ: إلا لمتمتع وقارن لم يجد الهدي، أحسنت.
طالب: الشك، علي الصحيح.
الشيخ: ويوم الشك على القول الصحيح وهو؟
الطالب: يوم الثلاثين من شعبان، أو ..
الشيخ: يوم الثلاثين من شعبان، بشرط؟
الطالب: إذا كان في السماء غيم.
الشيخ: إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو نحوه.
ذكرنا أن من حكمة الله ورحمته أن شَرَع التطوع فى الصوم والحج والصدقة وغير ذلك، كيف هذا؟
طالب: إكمال العبادة الناقصة، حتى تكمل العبادة الناقصة.
[ ١ / ٣٥٤٢ ]
الشيخ: تكمل الفرائض يوم القيامة، هذه الحكمة.
وما وجه كونها رحمة؟
طالب: رفعة الدرجات.
الشيخ: رفعة الدرجات، لولا مشروعيتها؟
طالب: لكان فِعْلُها بدعة.
الشيخ: لكان فعلها بدعة، تمام.
رجل شرع في صيام القضاء فهل يجوز له أن يقطعه؟
الطالب: لا يجوز له أن يقطعه.
الشيخ: لماذا؟
طالب: الواجب الموسع إذا شرع فيه الإنسان يجب إتمامه.
الشيخ: والمضيق؟
الطالب: من باب أولى.
الشيخ: إذن لا تقل: واجب موسع، قل: لأنه واجب، ومن شرع في واجب وجب عليه إتمامه.
شرع فى صيام كفارة يمين؟ رجل شرع في صيام كفارة يمين هل يجوز أن يقطع هذا اليوم؟
الطالب: شرع فى صيام كفارة يمين؟
الشيخ: نعم، ما هو كفارة اليمين إذا لم يجد الإطعام والرقبة والكسوة، يصوم ثلاث أيام؟
طالب: يجوز يا شيخ لأسباب، يجوز أن يقطعه لأسباب.
الشيخ: أنا سألتك: هل يجوز القطع؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز لماذا؟ لأنه واجب.
الطالب: إيه اللي الواجب؟
الشيخ: كفارة اليمين، استمر ما عندك عِلْم؟
طالب: يجوز قطعه يا شيخ؛ لأنه غير واجب.
الشيخ: إي؛ يعني يجوز أن يخرج منه؛ لأنه واجب.
الطالب: ما أقول: إنه واجب، إنه غير واجب.
الشيخ: كفارة اليمين ما هي واجبة؟
الطالب: كفارة اليمين؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نعم واجبة، ولكن واجبة ممكن إطعام مسكين فيها عدة ..
الشيخ: ما عنده طعام مسكين أو لم يجد مساكين، ولا عنده عتق رقبة، المهم لم يجد، لا إطعام ولا كسوة ولا رقبة.
طالب: لا أعرف.
الشيخ: من؟
طالب: لا يجوز قطعها، فقد تلبس بها؛ لأنها واجب.
الشيخ: نعم، والقاعدة كل من تلبس في واجب وجب عليه الإتمام.
من شرع في نفل يجوز قطعه؟
طالب: ().
الشيخ: يجوز قطعه، الدليل؟
طالب: أن النبي ﷺ كان صائمًا ذات يوم، ودخل على عائشة ﵂، فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟»، فقالوا: نعم عندنا، وأَفْطَرَ، قال: «أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرْتُ» (٣).
الشيخ: هذا صحيح.
***
[ ١ / ٣٥٤٣ ]
قال: (ولا يلزم في النفل) أي لا يلزم الإتمام في النفل، (ولا قضاء فَاسِدِهِ) يعني: لو فسد النفل فإنه لا يلزمه القضاء.
مثال ذلك: رجل صام تطوعًا ثم أفسد الصوم بأكل أو شرب أو جماع أو غير ذلك، فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لو وجب القضاء لوجب الإتمام، فإذا كان لا يجب الإتمام فلا يجب القضاء من باب أولى.
وكذلك لو شرع في صلاة نافلة ثم أفسدها بحدث أو قطع أو غير ذلك فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنها نافلة.
وإن شرع في صوم منذور فهل يجوز قطعه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه واجب.
الشيخ: لأنه واجب فإن قطعه لزمه القضاء.
قال المؤلف: (إلا الحج) يعني إلا الحج فإنه يلزم إتمامه ولو كان نفلًا ويجب قضاء فاسِدِه، ولو كان نفلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني عن إتمامهما ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأنها نزلت في السنة السادسة في الحديبية، والحج إنما فُرِض في السنة التاسعة أو العاشرة، ومع هذا أمر الله بإتمامهما مع أنهما نفل لم يفرضا بعد، فالحج إذا شرع فيه لزمه الإتمام ولو كان نفلًا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، الحكمة من ذلك أن الحج والعمرة لا يحصلان إلا بمشقة، ولا سيما فيما سبق من الزمن، فلا ينبغي للإنسان بعد هذه المشقة أن يفسدهما؛ لأن في ذلك خسارة فادحة، بخلاف الصلاة، أو الصوم، أو ما أشبه ذلك.
بل قوله: (إلا الحج) لم يذكر المؤلف العمرة، فهل هذا من باب الاكتفاء، أو هناك قول آخر بأن العمرة لا تجب؟
الظاهر أنه من باب الاكتفاء، والعمرة تسمى حجًّا أصغر كما في حديث عمرو بن حزم المشهور المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول فإن فيه: والعمرة الحج الأصغر (٤)، وعليه فالعمرة مثل الحج إذا شرع في نفلها لزمه الإتمام، وإن أفسده لزمه القضاء.
[ ١ / ٣٥٤٤ ]
قال: (إلا الحج) يعني: وكذلك العمرة، إذا فسد الحج، وهو نفل، هل يلزمه أن يقضيه؟
الجواب: نعم؛ لأن قوله: (إلا الحج) مستثنى من قوله: (ولا يلزم في النفل ولا قضاء فاسده إلا الحج)، وعلى هذا فلو أن الرجل أحرم بالعمرة، وفي أثناء العمرة جامع زوجته، نقول: يلزمك المضي في هذه العمرة، ثم القضاء؛ لأنك أفسدته بماذا؟ بالجماع، فإن فعل محظورًا فهل تفسد العمرة؟
لا؛ لأنه لا يُفسد العمرة ولا الحج من المحظورات، إلا الجماع قبل التحلل الأوّل.
ثم قال: (وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) الحقيقة أن البحث في ليلة القدر ليس هذا محله فيما يبدو لنا، محله إما الاعتكاف، وإما صلاة التطوع.
أما الاعتكاف فلأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا رجاء إصابة ليلة القدر.
وأما صلاة التطوع فلأن ليلة القدر يشرع قضاؤها، ولا مناسبة بين ليلة القدر وبين صوم التطوع إطلاقًا فيما نرى، لكن كأنهم -﵏- لما أتموا الصيام وما يتعلق به ذكروا ليلة القدر، على كل حال لو سألنا سائل: ما هو أنسب باب لذكر ليلة القدر، قلنا؟
طلبة: ().
الشيخ: إما باب الاعتكاف وإما صلاة التطوع.
ليلة القدر اختلف العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولًا، ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، أكثر من أربعين قولا.
أم الخلاف هل هي باقية أو رفعت؟
الصحيح بلا شك أنها باقية، وما ورد في الحديث: من أنها رفعت، فالمراد به: رفع علم عينها في تلك الساعة؛ لأن النبي ﷺ رآها ثم خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرُفِعَت (٥)، هكذا جاء الحديث.
والمراد بقوله: رُفِعَت؛ يعني: رُفِع العلم بتعينها في تلك السنة، فالصواب أنها باقية إلي يوم القيامة.
والبحث الثاني في ليلة القدر: هل هي في رمضان، أو في غيره؟
نقول: لا شك أنها في رمضان، وذلك لمجموع أدلة لأدلة مجموعة منها:
[ ١ / ٣٥٤٥ ]
قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، من هذا الدليل نعرف أن القرآن نزل في أي شهر؟
طلبة: في رمضان.
الشيخ: في رمضان، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، إذا ضممت هذا إلى هذا تعين أن تكون ليلة القدر في رمضان؛ لأنها لو كانت في غير رمضان ما صح أن يقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إذن ليلة القدر في رمضان قطعًا، ولا إشكال فيه بدلالة القرآن.
لكنه دليل مركب، والدليل المركب لا يتم الاستدلال به إلا بضم كل دليل إلى الآخر، والأدلة المركبة لها أمثلة منها هذا المثال.
ومنها: أقل الحمل، أقل الحمل في بطن أمه الحمل الذي إذا ظهر بقي حيًّا، أقل مدته ستة أشهر، من أين علمنا ذلك؟ من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال في آية أخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، ففي الآية الثانية هذه أسقط ذكر الحمل، وذكر أن الفصال في عامين، والعامان أربعة وعشرون شهرًا، فإذا كان حمله وفصاله ثلاثون شهرًا فأضف إلى أربعة وعشرين ستة تكن ثلاثين، وبهذا عرف أن أقل الحمل ستة أشهر، هذا يسمى الدليل المركب.
إذن نرجع إلي البحث الأصلي ليلة القدر في رمضان، في أي ليلة من رمضان؟ في أول ليلة أو في آخر ليلة أو فيما بين ذلك؟
[ ١ / ٣٥٤٦ ]
كل هذا يحتمل من القرآن؛ لأن القرآن ما فيه بيان، لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان، فإن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان يريد ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قيل: إنها في العشر الأواخر، وأريها ﵊، وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وكان معتكفًا ﵊، أمطرت السماء فوكف المسجد –يعني: خر السيل منه من سقفه- وكان مسجد النبي ﷺ على عريش فصلى الفجر -صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه- بأصحابه، ثم سجد على الأرض، قال أنس: فرأيت أثر الماء والطين على جبهته، فسجد في ماء وطين (٦)، فتبيَّن بهذا أنها كانت في ذلك العام ليلة إحدى وعشرين.
إذن هي في العشر الأواخر، وأُرِيَ جماعة من الصحابة ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ -يعني: اتفقت- فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (٧)، وعلى هذا فالسبع الأواخر أرجى العشر الأواخر، إن لم يكن المراد بقوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» يعني: في تلك السنة، فهذا محتمل؛ لأن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر كلها إلى أن مات.
فيحتمل أن يكون معنى قوله: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»؛ يعني: في تلك السنة بعينها، لم تكن ليلة القدر إلا في السبع الأواخر، وأنه ليس يعني أنه في كل رمضان مستقبلٍ تكون في السبع الأواخر؛ يعني فتبقى الآن في العشر الأواخر، أولها ليلة إحدى وعشرين، آخرها آخر ليلة من الشهر.
البحث الثالث: هل ليلة القدر في ليلة واحدة كل عام أو تنتقل؟
[ ١ / ٣٥٤٧ ]
في هذا خلاف بين العلماء والصحيح أنها تتنقّل فتكون عامًا ليلة إحدى وعشرين، وعامًا ليلة تسع وعشرين، وعامًا ليلة خمس وعشرين، وعامًا ليلة أربع وعشرين، وهكذا؛ تتنقّل؛ لأنه لا يمكن جمع الأحاديث الواردة إلا على هذا القول، أنها تتنقّل والحكمة من كونها تتنقّل ظاهرة جدا؛ لأنه لو كانت في ليلة معينة لكان الكسول لا يقوم إلا تلك الليلة، لكن إذا كانت متنقلة، وصار كل ليلة يحتمل أن تكون هي ليلة القدر صار الإنسان يقوم كل ليالي العشر، وهذا من الحكمة في عدم تعيينها في ليلة معينة حتى يتبين النشيط من الكسلان والراغب في الخير من الزاهد في الخير.
البحث الرابع: نقول الصحيح أنها تتنقل لكن أرجاها ليلة سبع وعشرين كما سيذكر المؤلف.
البحث الخامس: لماذا سميت ليلة القدر؟
سميت ليلة القدر؛ لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة، يكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله ﷿، وبيان إتقان صنعه، وخلقه، فهناك كتابة أولى قبل خلق السماوات والأرض، بخمسين ألف سنة في اللوح المحفوظ، وهذه كتابة لا تتغير ولا تتبدل لقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أصله الذي هو مرجع كل ما يكتب.
الكتابة الثانية: عُمرية، يكتب على الجنين ما يعمله، وما مآله، وما رزقه، وهو في بطن أمه، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح حديث ابن مسعود المتفق عليه (٨).
الكتابة الثالثة: الكتابة السنوية، وهي التي تكون ليلة القدر، فسُمّيت ليلة القدر؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السنة من خير وشر عام أو خاص، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣، ٤] ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويبين ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وأمر الله كله حكيم.
[ ١ / ٣٥٤٨ ]
وقِيل: سميت ليلة القدر، من القدر وهو الشرف، كما تقول: فلان ذو قدر عظيم، أي: ذو شرف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢، ٣]، وليلة خير من ألف شهر قدرها عظيم لا شكَّ.
إذن سُميت ليلة القدر لسببين: ما هو السبب الأول؟
طلبة: لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة.
الشيخ: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة وله دليل، أو لأنها عظيمة القدر، وله أيضًا دليل.
وقيل: لأن للعبادة فيها قدرًا عظيمًا؛ لقول النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَّدَمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٩)، وهذا لا يحصل إلا لهذه الليلة فقط، لو أن الإنسان قام ليلة النصف من شعبان أو ليلة النصف من رجب أو ليلة النصف من أي شهر أو في غير ليلة النصف لم يحصل له هذا الأجر، فيكون ليلة القدر لعظم قدر العبادة فيها، والليل معروف أن أهم ما يفعل فيه من العبادات القيام، قال: (ترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان وأوتاره آكد) لقول النبي ﷺ: «الْتَمِسُوهَا فِي كُلّ وِتْرٍ» (١٠).
فما هي أوتاره؟
واحد وعشرون، اثنين وعشرون، ثلاث وعشرون، إن غلطت ردوا عليّ، إحدى وعشرون، اثنين وعشرون.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، إحدى وعشرون، ثلاث وعشرون، خمس وعشرون، سبع وعشرون، تسع وعشرون، خمس ليال هذا أرجاها، وليس معناه أنها لا تكون إلا في الأوتار، تكون في الأوتار وغير الأوتار.
وهنا مسألة يفعلها أهل مكة وغير أهل مكة، يظنون أن ليلة القدر للعمرة فيها مزية، ولهذا تجدهم يعتمرون في تلك الليلة، ينزلون من الطائف يأتون من جدة وما حول ذلك ويؤدون العمرة في هذه الليلة.
[ ١ / ٣٥٤٩ ]
ونقول: تخصيص تلك الليلة بعمرة بدعة؛ لأنه تخصيص لعبادة في زمن لم يخصصه الشارع، ما الذي يخصص ليلة القدر؟ القيام هو الذي قال الرسول فيه: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٩)، ولم يقل من اعتمر، بينما قال: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» (١١) فتخصيص العمرة بليلة القدر، أو تخصيص ليلة القدر بعمرة هذا من البدع.
فانظر كيف يزين الشيطان للإنسان العمل حتى يستحسن البدعة، أعرفتم هذه؟ ولذلك لما كانت -سبحان الله- لما كانت بدعة صار يلحق الناس المعتمرين فيها من المشقة الشيء العظيم، حتى إن بعضهم إذا رأى المشقة في الطواف وفي السعي قال: ما لها لزوم، ثم انصرف إلى أهله، وكثيرًا ما نُسْأَلُ عن هذا، جاء يعتمر ليلة السابع والعشرين، فلما رأى الزحام قال: خلاص، تحلل، فانظر الجهل كيف يؤدي بصاحبه إلى هذا، إذن ينبغي لنا نحن طلبة العلم، بل يجب علينا أن نبين للناس هذه المسألة، ونقول: تخصيص ليلة القدر بعمرة أيش هو؟
الطلبة: بدعة.
الشيخ: بدعة، فها هو رسول الله ﵊ ما قال: عمرة في ليلة القدر لها شرف وقدر، بل جعل القيام هو الذي له الشرف والقدر.
قال: (وليلة سبع وعشرين أبلغ) يعني: أبلغ الأوتار وأرجاها، لكنها لا تتعين في ليلة السابع والعشرين.
فإن قال قائل: هل ينال الإنسان أجرها، وإن لم يشعر بها؟
الجواب: نعم، ولا شك، وأما قول بعض العلماء: إنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها فقول ضعيف جدًا؛ لأن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» (٩)، ولم يقل: عالمًا بها، ولو كان العلم شرطًا في حصول هذا الثواب لبينه الرسول ﵊، فالإنسان ينال أجرها وإن لم يعلم بها.
إن قال إنسان: هل لها علامات؟
قلنا: نعم لها علامات مقارنة، وعلامات تابعة.
أما علاماتها المقارنة فهي:
[ ١ / ٣٥٥٠ ]
قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيدًا عن الأنوار.
منها: زيادة النور في تلك الليلة.
ومنها: الطمأنينة، طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فإنه يجد راحة وطمأنينة، وانشراح صدر في تلك الليلة، أكثر مما يجده في بقية الليالي.
ومنها: على ما قيل: إن الرياح تكون فيها ساكنة؛ يعني: لا يأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسبًا.
ومنها: أن الله قد يُرِي الإنسانَ الليلةَ في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة.
ومنها: أن الإنسان يجد في القيام لذة، أكثر مما يجده في غيرها من الليالي.
أما العلامات اللاحقة:
فمنها: أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية، ليست كعادتها في بقية الأيام.
وأما ما يذكر عن بعض العلماء أنه يقل فيها نباح الكلاب، أو يعدم بالكلية، فهذا لا يستقيم، في بعض الأحيان أحيانًا الإنسان ينتبه لجميع ليالي العشر، فيجد أن الكلاب تنبح ولا تسكت، فهذا لا يكون علامة.
ثم قال: (ويدعو فيها بما ورد) يعني: يستحب أن يدعو فيها ويلح فيها بالدعاء بما ورد عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ومنه: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، كما قالت عائشة للنبي ﵊: أرأيت يا رسول الله إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (١٢)، فهذا من الدعاء المأثور، وكذلك الأدعية الكثيرة الواردة عن النبي ﵊، وليعلم أن الأدعية الواردة عن الرسول ﵊ خير وأكمل
[ ١ / ٣٥٥١ ]
وأفضل من الأدعية المسجوعة التي يسجعها بعض الناس، وتجده يطيل، ويذكر سطرًا وسطرين في دعاء بشيء واحد، لكن الدعاء الذي جاء في القرآن والذي جاءت به السنة، خير بكثير مما صنع مسجوعًا، كما يوجد في بعض الختمات، ختمات القرآن، وكما يوجد أيضًا في بعض المنشورات ويدعو فيها بما ورد، والله أعلم.
طالب: ().
الشيخ: تخصيصها.
الطالب: تخصيصها؟
الشيخ: إي نعم، ما هو معناها أنها وقعت مصادفة.
الطالب: من يتحلل منها نلزمه بإتمامها؟
الشيخ: إي نعم، لا يحل، نلزمه بإتمامها ولو بعد شهرين أو ثلاثة.
الطالب: فيه تناقض بدعة ثم نقول يتمها؟
الشيخ: لا؛ لأنه لما شرع فيها صارت واجبة عليه.
الطالب: بدعة يا شيخ.
الشيخ: بدعة في تخصيصها، لكن الآن لما شَرَع فيها صارت واجبة عليه، كالنذر أصله مكروه، ولكنه يجب عليه أن يوفي به إذا التزمه.
طالب: () العشر الأواخر من رمضان انشقاق القمر ().
الشيخ: انشقاق القمر؟
الطالب: انشق القمر () الجو في منتصف الليل.
الشيخ: يقظة أو منامًا؟
الطالب: لا، يقظة.
الشيخ: لا، ما هو بصحيح.
طالب: ().
الشيخ: لا، هذا يمكن عيونه فيها () ولّا شيء خاص به.
طالب: ().
الشيخ: أبدًا ما هو صحيح.
طالب: بالنسبة لكفارة الجماع في نهار رمضان، لو قضى دخل عليها أيام التشريق، فهل يقطع ويتابع أم إذا قُطعت يجب ()؟
الشيخ: كل صوم متتابع لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي، عرفتم يا جماعة ولّا لا؟ كل صوم يجب فيه التتابع فإنه لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي، عرفت؟
الطالب: نعم؛ يعني يقطع ..
الشيخ: الحائض مثلًا إذا كان عليها صيام شهرين متتابعين إذا حاضت تفطر ولا ينقطع التتابع، إذا سافر الرجل في أثناء الشهرين المتتابعين يفطر ولّا ينقطع التتابع؟ إذا دخل رمضان يصوم رمضان ولّا ينقطع التتابع؟ إذا جاء العيد يُفْطر ولّا ينقطع التتابع أيام التشريق يفطر ولّا ينقطع التتابع؟ هذه القاعدة: كل صوم يجب فيه التتابع فإنه لا ينقطع أيش؟
[ ١ / ٣٥٥٢ ]
طلبة: ().
الشيخ: بعذر شرعي أو حسي.
طالب: شيخ، لو صام الناس الثالث عشر من ذي الحجة، ثالث أيام التشريق، بنية أنه أول أيام البيض فيها، وليس ()؟
الشيخ: ما يجوز ولا يصح.
طالب: من خصص ليلة القدر هل نقول: يسقط العمرة؟
الشيخ: هذا سؤال قبل قليل سأله.
الطالب: ().
الشيخ: لا، قلنا: لا يجوز، الذين يلحقهم الزحام لا يجوز أن يتحللوا.
الطالب: لا، هل نأمر نحن نقول: حل العمرة؟
الشيخ: لا، ما نأمر، نقول: يلزمك الإتمام.
طالب: الراجح قلنا: إن ليلة القدر تتنقل بين الليالي.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف كان النبي ﷺ سوف يعَيِّنها إذا كانت تتنقل بين ()؟
الشيخ: لا، هو يعينها في ذلك العام فقط، أُطلع عليها فخرج ليخبر الناس بها فرُفِعَت.
الطالب: شيخ، كون الإنسان تخصيص ليلة القدر بكثرة التصدق؛ يعني الإكثار من النوافل؟
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا من البِدَع لا تخصص إلا بالقيام فقط.
طالب: الحج إذا فسد لزم قضاؤه، قلنا: الدليل النظري على ذلك أنه يكلف المشاق والمتاعب حتى وصل ().
الشيخ: لا، ما هذا الذي عللناه إحنا عللنا بهذا.
الحكمة من كونه يجب المضي في نفله واستدللنا بـ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا دليل أثري، وبأنه ليس من الرشد أن الإنسان يأتي ويتكلف وإذا شرع فيه قطعه، أفهمت؟ هذا اللي إحنا عللناه، أما مسألة الفاسد ما ذكرنا فيه شيء.
طالب: ().
الشيخ: يقول ما هو الفرق بين الزاني البكر والزاني الذي قد طلق زوجته وبقى بدون زوجة ثم زنى؛ لأنه لا يستطيع أن يصبر عن النكاح؟
الفرق أن النبي ﵊ قال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (١٣)، وهذا ثَيِّب فما دام صار ثيبًا فسواء معه زوجته أو ماتت عنه وسواء كان معها زوجها أو مات عنها.
طالب: () مطلق يا شيخ؟
الشيخ: إيه، مطلق نعم.
طالب: الحكمة يا شيخ؟
الشيخ: الحكمة الله أعلم.
[ ١ / ٣٥٥٣ ]
طالب: () يا شيخ أن الله أنعم عليه بنعمة الزواج، فلذلك هو مختلف ..
الشيخ: يرد على هذا، هذا الذي أنت قلت: إذا صار تزوج مثلًا أسبوع وماتت زوجته، وبقى له سنة أو سنتان ما تزوج، ما وجد أحدًا يزوّجه، لكن نقول: الحكمة أن هذا حكم الله ورسوله، وانتهى.
يقول: رجل صلى الظهر والعصر جمع تقديم وهو في مدينته لم يُفارق البنيان، وعندما وصل المدينة التي يقصدها لم يُؤَذِّن العصر أولم يَأْذَن؟
طالب: لم يَأْذَن.
الشيخ: لم يأْذَن العصر، كتابة لم يأْذَن؛ لأنه همزة على ألف، ولم يُؤَذِّن همزة على واو، لم يَأْذَن العصر فهل عليه أن يصلي العصر مع الجماعة.
الجواب: لا، إذا أدى الإنسان الفريضة على الوجه الذي أُمر فإنها لا تجب عليه مرة ثانية، هذه القاعدة.
يقول: كل صوم يجب فيه التتابع لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي ما هو الدليل؟
الدليل لذلك: أن الله أمر بصيام رمضان ورخص للمريض والمسافر والحائض.
طالب: إذا أفطر يا شيخ ()؟
الشيخ: إيه يعني مثلًا لو سافر عشرة أيام في الشهر الأول ثم رجع يكمل الشهر الباقي وعشرة أيام الماضية وأظنها ثلاثة.
***
[باب الاعتكاف]
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى:
بَابُ الاعتِكَافِ
هُوَ لُزُومُ مَسْجِدٍ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، مسنون، ويصح بلا صوم، ويلزمان بالنذر، ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة -وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى- لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف ﵀: (باب الاعتكاف)، وأظننا انتهينا من الكلام على بقية صوم التطوع، فما هو الدليل على وجوب المضي في النفل إذا كان حجًّا أو عمرة؟
[ ١ / ٣٥٥٤ ]
طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قاعدة عامة.
الشيخ: هذا عامٌّ، وأيضًا هذا نزل قبل؟
الطالب: قبل فرض الحج.
الشيخ: قبل فرض الحج.
(ولا قضاء فاسِدِه) يعني لو؟
طالب: ().
الشيخ: (ولا قضاء فاسده) الضمير يعود على أيش؟
الطالب: (ولا قضاء فاسده)؟
الشيخ: نعم.
طالب: النفل.
الشيخ: النفل، أيش معنى (قضاء فاسده) مثل أيش؟
طالب: مثل صوم النفل لو تأخر لا يجب عليه القضاء.
الشيخ: لا يجب عليه القضاء؛ لأنه غير واجب؟
طالب: ().
الشيخ: لم يجب () فلم يجب قضاء.
قال: (إلا الحج) الدليل؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا عامٌّ.
الشيخ: وجه العموم؟
الطالب: وجه العموم أمر الله ﷾ قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فأطلق، ولم يستثن ما لم يحصر.
الشيخ: بل قال: ﴿إِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؟
الطالب: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الشيخ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ دلّت السنة على وجوب قضائه.
ليلة القدر سميت بذلك لوجوه؟
الطالب: ثلاثة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: لأنها تقدر فيها الأشياء التي تصير في السنة، المقادير التي تحصل في السنة.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الآية قول الله ﷾: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
الشيخ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، والثاني؟
الطالب: القدر الشرعي.
الشيخ: القدر الشرعي، ما الدليل؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢، ٣].
الشيخ: نعم، الثالث؟
الطالب: أن للعبادة فيها قدرًا عظيمًا.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٩).
[ ١ / ٣٥٥٥ ]
الشيخ: أحسنت، أيما أوكد أو أقرب حصولا من ليالي العشرة؟
الطالب: ليلة سبع وعشرين، الوتر.
الشيخ: الوتر.
الطالب: وليلة سبع وعشرين أوكد.
الشيخ: أوكد، الوتر يعني ليلة؟
الطالب: ليلة واحد وعشرين () وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.
الشيخ: نعم، هل انحصرت ليلة القدر في السبع الأواخر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: انحصرت؟
الطالب: لا، حُصِرت، لكن أخبر الرسول ﷺ أنها تُلْتَمس في السبع الأواخر.
الشيخ: إذن معناها انحصرت في السبع الأواخر؟ إذا قلنا: إن النبي ﷺ قال: «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (٧) معناها انحصرت؟
الطالب: هذا ليس مقيدا، ولكنه عام.
الشيخ: إي، إذن معناها انحصرت؟
الطالب: هي انحصرت في العشر الأواخر.
الشيخ: قلت: في السبع الأواخر ..
الطالب: وحديث آخر حصرها في السبع الأواخر.
طالب آخر: ظاهر فعل الرسول ﷺ ألّا تنحصر.
الشيخ: ظاهر فعله أنها لم تنحصر.
الطالب: ولكن () الصحابة فيه احتمال.
الشيخ: أنه ..
الطالب: أنها قد انحصرت في السبع الأواخر ().
الشيخ: إي، تمام، يكون قول الرسول: «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (٧) يخاطب أولئك القوم الذين رأوها في السبع الأواخر في تلك السنة، والدليل على أنها عامة في العشر الأواخر أن الرسول ﷺ لم يزل يعتكف العشر الأواخر حتى مات (١٤).
ليلة القدر لها علامات؟
طالب: مقارنة.
الشيخ: نعم مقارنة.
الطالب: المقارنة مثل أن تكون قوة الإضاءة في تلك الليلة، قوية.
الشيخ: يعني منيرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: تكون تلك الليلة منيرة.
الطالب: وكذلك الطمأنينة وانشراح صدر المؤمن، وكذلك أن تكون الرياح ساكنة، وكذلك أن يحس الإنسان القائم بلذة في قيام الليل، وكذلك ().
الشيخ: أيوة، بقي واحدة.
جيد أربعة من خمسة.
طالب: أن الله ﷿ قد يرى هذا الإنسان ليلة القدر في منامه.
[ ١ / ٣٥٥٦ ]
الشيخ: نعم الرؤية قد يراها الإنسان في ليلتها.
العلامات اللاحقة؟
طالب: صبيحتها تخرج الشمس لا شعاع.
الشيخ: أن الشمس تخرج في صبيحتها ليس لها شعاع، تمام، ما الفائدة من العلامة اللاحقة؟
لأن انتهت الليلة.
طالب: الفائدة علامة على ().
الشيخ: إي، راحت الليلة السابقة يعني لو عرفت أن البارحة مثلا ليلة القدر ويش الفائدة؟
الطالب: مثل النور () ضوء الشمس ().
الشيخ: لا، ما أقول: لماذا لم يكن لها شعاع؟ أنا أسأل: ما هي الفائدة من أني أعرف لما طلعت الشمس لها شعاع أن البارحة ليلة سبعة وعشرين ما هي ليلة القدر؟
طالب: ().
الشيخ: أنا ما ذكرته، صحيح، لكن عندي ما شاء الله أناس أذكياء.
طالب: ().
طالب آخر: بشارة للمجتهد في تلك الليلة.
الشيخ: أحسنت، تمام، البشرى للمجتهد في تلك الليلة أن يكون قد وفق لها، فكأنها كالطابع والختم على أنك أنت حيث وفقت البارحة مثلا للقيام وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك فهذه بشرى لك؛ يعني: كالتصديق تمامًا.
يدعو بما ورد مما ورد؟
طالب: قول الرسول ﷺ لعائشة: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (١٢).
الشيخ: نعم أحسنت «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» انظر، الآن الإنسان مجتهد وعامل وقائم ثم يرشده الرسول ﵊ إلى أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ» لأن الإنسان مهما بلغ لن يؤدي شكر نعمة الله، فهو مقصر دائمًا، ولهذا مع الاجتهاد يقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ثم قال المؤلف ﵀: (باب الاعتكاف)
[ ١ / ٣٥٥٧ ]
الاعتكاف مأخوذة من عَكَفَ على الشيء، وأصله: لزوم الشيء ومداومته، هذا أصله لزوم الشيء ومداومته، ومنه قول إبراهيم ﵊ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: لها ملازمون، وكذلك: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي: يلازمونها، ويداومون عليها.
لكنه في الشرع: لزوم مسجد، وأعلم أن الغالب أن الحدود أو التعريفات الشرعية تكون أخص من التعريفات اللغوية؛ يعني: أن التعريفات اللغوية غالبًا تكون أعم وأوسع من التعريفات الشرعية.
إذن التعريفات الشرعية تخصص عموم المدلولات اللغوية الزكاة مثلًا في اللغة: النماء لكن في الشرع ليست كذلك مخصصة.
الصلاة كذلك في اللغة: الدعاء، ولكنها في الشرع أخص، إلا شيئًا واحدًا وهو الإيمان، فإن الإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع: قول، وعمل، واعتقاد، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم يجعلون الإيمان مدلوله شرعًا أوسع من مدلوله لغة لا نعلم شيئا كذلك إلا الإيمان.
الاعتكاف الآن هو لغة: لزوم الشيء، لكن شرعًا لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، هذا الاعتكاف، (لزوم مسجد لطاعة الله) فقوله: (لزوم مسجد) خرج به لزوم الدار، لو أن الإنسان اعتكف في بيته، وقال: أنا لا أخرج إلى الناس فأفتتن في الدنيا، ولكني أبقى في بيتي عاكفًا، قلنا: هذا ليس اعتكافًا شرعيًّا، هذا يسمى عُزلة، ولا يُسمى اعتكافًا.
وهل العزلة عن الناس أفضل أو لا؟
في هذا تفصيل:
من كان اجتماعه بالناس خير، فترك العزلة أولى، ومن لا يؤثر اختلاطه بالناس وبقاؤه في بيته خير؛ لأنه رجل سريع الافتتان يخشى على نفسه من الفتنة فبقاؤه في بيته خير، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، فالمسألة فيها تفصيل.
[ ١ / ٣٥٥٨ ]
إذن (لزوم مسجد) خرج به لزوم البيت، وخرج به لزوم المدرسة، وخرج به لزوم الرباط، لو كان هناك ربط لطلبة العلم يسكنونها ويبقون فيها، فإن لزومها لا يعتبر اعتكافًا شرعًا.
وخرج به لزوم الْمُصَلَّى، لو أن قومًا في عمارة ولهم مصلَّى، وليست بمسجد، فإن لزوم هذا المصلَّى لا يعتبر اعتكافًا؛ لأنه لا بد أن يكون لزوم مسجد.
وما هو الدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فجعل محل الاعتكاف هو المسجد.
(لطاعة الله) (اللام) هنا للتعليل؛ يعني: أنه لزمه لطاعة الله، لا للانعزال عن الناس، ولا من أجل أن يأتيه أصحابه ورفقاؤه يتحدثون عنده، قال فلان وقيل لفلان وقالت الدولة الفلانية، لا، هو لطاعة الله، فأنت تلزم المسجد للتفرغ لطاعة الله ﷿، هذا الاعتكاف.
وبهذا نعرف أن أولئك الذين يعتكفون في المساجد، ثم يأتي إليهم أصحابهم من يمين وشمال ومن جوانب المسجد، ثم يأتون يتحدثون بأحاديث لا فائدة منها، نقول: هؤلاء لم يأتوا بروح الاعتكاف؛ لأن روح الاعتكاف أن تمكث في المسجد لأي شيء؟
الطلبة: لطاعة الله.
الشيخ: لطاعة الله ﷿.
وهل ينافي ذلك؛ أي هل ينافي روح الاعتكاف أن تعتكف في المسجد لطلب العلم؟
نقول: لا شك أن طلب العلم من طاعة الله، لكن الاعتكاف يكون للطاعات الخاصة كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك، ولا بأس أن تحضر درسًا أو درسين في يوم أو ليلة؛ ولو أنت معتكف؛ لأن هذا لا يؤثر على الاعتكاف، فمجالس العلم إن دامت، وصار الإنسان في هذا المسجد يطالع دروسه، ويحضر الجلسات الكثيرة التي تشغله عن العبادة الخاصة، فهذا لا شك أنه فيه نقص، لكن الشيء العارض أو القليل من الكثير لا بأس به، ولست أقول: إن هذا ينافي الاعتكاف، كما قلت بالأول، الذين يجلسون ويتحدثون بعضهم إلى بعض هؤلاء لا شك أنهم فعلوا ما يفَوِّت عليهم روح الاعتكاف.
[ ١ / ٣٥٥٩ ]
يقول المؤلف: (مسنون) خبر ثان لـ (هو)، أين الخبر الأول؟
لزوم في الخبر الأول ذكر تعريفه، في الخبر الثاني ذكر حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، أذكر حد الشيء وتعريفه، ثم بعد ذلك أذكر حكمه، حتى يكون الحكم منطبقًا على معرفة الصورة.
(مسنون) ولم يقيده المؤلف بزمن دون زمن، ولا بمكان دون مكان، وعلى هذا فيكون مسنونًا كل وقت؛ لأن المؤلف لم يقيده، ومسنون في كل مكان؟
نقول: لا، ليس مسنونًا في كل مكان؛ لأنه بالأول قال: (لزوم مسجد) لكنه مسنون في كل مسجد، كل مساجد الدنيا فإنه يسن فيها الاعتكاف، وليس خاصًا بالمساجد الثلاثة، كما روي ذلك عن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ» (١٥) فإن هذا الحديث ضعيف.
ولو صح فالمراد به: لا اعتكاف تام إلا في المساجد الثلاثة، ويدل على ضعفه:
أولًا: أن ابن مسعود ﵁ وهَّنَه، حين ذكر له حذيفة ﵁ أن قومًا معتكفين في مسجد بين بيت حذيفة وبيت ابن مسعود ﵁، فجاء إلى ابن مسعود زائرًا له، وقال: إن قومًا كانوا معتكفين في المسجد الفلاني، فقال له ابن مسعود ﵁ لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت (١٦)، فأوهن هذا حكمًا ورواية.
أما حكمًا ففي قوله: أصابوا فأخطأت، وأما رواية: حفظوا ونسيت، والإنسان لا شك معرض للنسيان.
فنحن نقول: إن صح هذا الحديث فالمراد به لا اعتكاف تام؛ يعني أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون الاعتكاف في المساجد الثلاثة، كما أن الصلاة فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة.
ويدل على ذلك أيضًا -أنه عامٌّ في كل مسجد- قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (ال) هنا لو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لقلنا: (ال) هذه للعهد الذهني، ولكن أين الدليل؟
[ ١ / ٣٥٦٠ ]
وإذا لم يقم دليل على أن (ال) للعهد فهي للعموم، هذا الأصل للعموم إذن في المساجد يعم كل مسجد.
ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة في مشارق الأرض ومغاربها، ثم نقول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة؟
هذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية، ثم نقول: هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة، كالطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام.
فالصواب: أنه عام في كل مسجد، لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل، كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل.
وقوله: (مسنون) عندي في الشرح يقول: إجماعًا؛ يعني أن العلماء أجمعوا على سنيته، وقد دَلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، فيكون فيه الأدلة الثلاثة.
أما الكتاب: فإن الله تعالى قال لإبراهيم: ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ومن هذه الآية نعرف أن الاعتكاف مشروع حتى في الأمم السابقة، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وأما السنة: فواضحة مشهورة مستفيضة أن الرسول ﵊: اعتكف، واعتكف أصحابه معه واعتكف أزواجه من بعده.
(ويصح بلا صوم)، بقي علينا: أن نقول: إنه مسنون في كل وقت، هكذا يقول المؤلف ﵀ وغيره من أهل العلم، أنه مسنون كل وقت، حتى لو أردت الآن -ونحن في شهر جمادى- أن تعتكف غدًا أو الليلة وغدًا، فلا بأس يكون ذلك مسنونًا.
[ ١ / ٣٥٦١ ]
وهذه المسألة فيها نظر؛ لأننا نقول: الأحكام الشرعية تُتَلقى من فعل الرسول ﵊، ولم يعتكف النبي ﷺ في غير رمضان إلا قضاءً، وكذلك ما علمنا أن أحدًا من أصحابه اعتكفوا في غير رمضان اللهم إلا قضاءً، لكن لما استفتاه عمر بن الخطاب ﵁ بأنه نذر أن يعتكف ليلة أو يومًا، يومًا وليلة في المسجد الحرام قال له: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (١٧)، ولكن الرسول لم يُشَرِّع ذلك لأمته شرعًا عامًا، بحيث يقال للناس: اعتكفوا في المساجد في رمضان، وفي غير رمضان فإن ذلك سنة.
فالذي يظهر لي: أن الإنسان لو اعتكف في غير رمضان، فإنه لا ينكر عليه بدليل أن الرسول ﵊ أذن لعمر أن يوفي بنذره، ولو كان هذا النذر مكروهًا أو حرامًا، لم يأذن له لوفائه بنذره.
لكننا لا نطلب من كل واحد أن يعتكف في كل وقت نقول: خير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ولو كان الرسول يعلم أن في الاعتكاف في غير رمضان، بل في غير العشر الأواخر منه سنة وأجرًا لبينه للأمة حتى تعمل به؛ لأنه قد قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، وانظر الآن كما في حديث أبي سعيد اعتكف الرسول ﷺ: العشر الأول، ثم الأوسط، ثم قيل له: إن ليلة القدر في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر (١٨)، ولم يعتكف في السنة الثانية العشر الأول، ولا الأوسط، مع أنه كان زمن للاعتكاف من قبل، والشهر رمضان شهر اعتكاف.
فالذي يظهر لي أنه لا يسن الاعتكاف، أي: لا يُطلب من الناس أن يعتكفوا إلا في العشر الأواخر فقط، لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك، فإنه استئناسًا بحديث عمر لا ننهاه عن ذلك، ولا نقول: إن فعله بدعة، لكن نقول: الأفضل أن تقتدي بالرسول ﵊.
[ ١ / ٣٥٦٢ ]
ولهذا نظائر، منها قصة الرجل الذي كان يقرأ لأصحابه فيختم بـ (قل هو الله أحد) (١٩)، لم ينكر عليه النبي ﵊، لكنه لم يشرع ذلك لأمته، فلا يُشرع للإنسان كلما قرأ في الصلاة أن يختم بـ (قل هو الله أحد)، كما فعل هذا الرجل؛ لأن الرسول ﷺ لم يشرعه لأمته لا بفعله ولا بقوله.
وكذلك سعد بن عبادة استأذنه في أن يجعل مخرافه في المدينة صدقة لأمه فأذن له (٢٠)، لكن لم يقل للناس تصدقوا عن أمهاتكم بعد موتهن حتى يكون سُنّة مشروعة، ففرق بين هذا وهذا.
يقول: (مسنون ويصح بلا صوم) (يصح) الضمير يعود على أيش؟
طلبة: الاعتكاف.
الشيخ: على الاعتكاف، (بلا صوم) وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
منهم من قال: إنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم؛ لأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا بصوم إلا ما كان قضاءً.
ومنهم من يرى أنه لا يُشترط له الصوم، ويُستدل بحديث عمر بن الخطاب ﵁ (١٧)، ويقول أيضًا: إنهما عبادتان منفصلتان، فلا يشترط للواحدة وجود الأخرى، وهذا القول هو الصحيح أنه يصح بلا صوم.
ولكن ما الفائدة من قولنا: (يصح بلا صوم)، ثم نقول: ليس مشروعًا إلا في رمضان في العشر الأواخر؟
الفائدة لو كان الإنسان مسافرًا مثلًا أو لا يصح المثال؟ لو كان مسافرًا؟
طلبة: ().
الشيخ: إذا كان مقيمًا في بلده يمكن أو كان الإنسان مريضًا مرضًا يبيح له أن يفطر، ولكن يقول: أحب أن أعتكف، نقول: لا بأس؛ هو مسنون، فهو يصح بلا صوم، كما قال المؤلف ﵀.
(ويلزمان بالنذر)، (يلزمان) الفاعل؟
(يصح) قلتم: إن الضمير يعود على الاعتكاف.
(بلا صوم) عندنا الآن اعتكاف وصوم، ثم قال: (ويلزمان بالنذر) ما الذي يلزمان؟
طلبة: الصوم ().
الشيخ: نعم الصوم والاعتكاف (يلزمان بالنذر)، فمن نذر أن يصوم يومًا لزمه، ومن نذر أن يعتكف يومًا لزمه، ومن نذر أن يصوم معتكفًا لزمه، ومن نذر أن يعتكف صائمًا لزمه.
[ ١ / ٣٥٦٣ ]
ولكن هناك فرق بين الصورتين الأخيرتين، من نذر أن يصوم معتكفًا لزمه الصوم والاعتكاف، ومن نذر أن يعتكف صائمًا لزمه الصوم والاعتكاف لكن بينهما فرق:
إذا نذر أن يصوم معتكفًا لزمه أن يعتكف من قبل الفجر إلى الغروب؛ لأنه نذر أن يصوم معتكفًا فلا بد أن يستغرق الاعتكاف كل اليوم.
أما إذا نذر أن يعتكف صائمًا فإنه يعتكف ولو في أثناء النهار، ولو ساعة من النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه اعتكف صائمًا، ولهذا قد لا يفرِّق أو لا يعرف الفرق كثير من الطلبة في هذه المسألة.
إذا نذر أن يصوم معتكفًا أو أن يعتكف صائمًا يلزمه الجمع بينهما، لكن استيعاب الاعتكاف للصوم لليوم كله هل يلزم أو لا؟ على حسب ما سمعتم، إذا قال قائل: ما الدليل على وجوبهما بالنذر؟
قلنا: الدليل على هذا الدليل قوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (٢١).
والصوم طاعة، والاعتكاف طاعة.
لكن أحيانًا يراد بنذر الطاعة: الامتناع، أو الإقدام، أو التصديق، أو التكذيب؛ يعني أحيانًا يراد بنذر الطاعة واحد من هذه الأربعة: الامتناع، أو الإقدام، أو التصديق، أو التكذيب، فهل يجب الوفاء بها؟
يقول العلماء: لا يجب الوفاء، بل يخير بين الوفاء وكفارة اليمين.
مثاله قال: إن كلمت فلانًا، فللَّه عليَّ نذر أن أصوم أسبوعًا، ومراده أيش؟
الطلبة: الامتناع.
الشيخ: الامتناع، ما أراد الطاعة، أراد أن يمتنع، لكنه رأى أنه لا يتأكد الامتناع إلا إذا ألزم نفسه بهذا النذر.
إذن لو سألناه هل قصدك الصوم؟ لقال: لا، لو قصدت الصوم صمت بلا نذر، لكن أنا أريد أن أمنع نفسي وأؤكد المنع؛ لأني أعرف أن الصوم ثقيل عليّ فإذا قيدت الامتناع بالصوم امتنعت.
قال أهل العلم: هذا حكمه حكم اليمين، بمعنى أنه إن شاء صام الأسبوع، وإن شاء كفر عن يمينه، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢٢).
[ ١ / ٣٥٦٤ ]
وكذلك لو قصد الحث فقال: إن لم أكلم فلانًا اليوم فللَّه عليّ نذر أن أصوم عشرة أيام، هذا أيش المقصود؟
طلبة: الحث.
الشيخ: الحث على تكليمه، فإذا مضى اليوم ولم يكلمه قلنا له: أنت الآن مخير، إن شئت فصم عشرة أيام، وإن شئت كفر عن يمينك.
قال: (ولا يصح إلا في مسجد يُجمَّع فيه).
طالب: مثال التكذيب والتصديق.
الشيخ: ما هو بواضح؟
التصديق: أن يخبر بخبر، فيقال: له أبدًا لا يصح هذا الخبر، فيقول: إن لم يكن صحيحًا فلله عليَّ نذر أن أصوم أو أعتكف عشرة أيام، هذا ويش قصده؟
قصده حمل المخاطب على تصديقه، والتكذيب بالعكس، إي نعم.
يقول: (ولا يصح إلا في مسجد يُجمَّع فيه).
قوله (إلا في مسجد) تقدم الكلام عليه أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد.
وقوله: (يجمع فيه) كلمة فيها إيهام؛ لأننا لا ندري هل المراد تقام فيه الجمعة أو تقام فيه الجماعة؟
والجواب: أن المراد تقام فيه الجماعة؛ ولا يُشْتَرط أن تقام فيه الجمعة، لماذا لا يصح إلا في المسجد الذي تقام فيه الجماعة؟
لأن المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة، لا يصدق عليه أنه مسجد بالمعنى الصحيح، هذا من جهة، من جهة أخرى أنه لو اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة، مثل أن يكون هذا المسجد قد هجره أهله، أو نزحوا عنه، فهو بين أمرين: إما أن يترك صلاة الجماعة ويبقى في المسجد، وإما أن يخرج كثيرًا، والخروج الكثير ينافي الاعتكاف، كيف يقال: إن هذا معتكف في المسجد وهو يخرج منه في اليوم خمس مرات.
لهذا قالوا: لا بد أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة؛ إلا إذا كان اعتكافه ما بين الصلاتين، أو صلاة واحدة على القول بإنه يصح في أي وقت، فهذا لا يشترط أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة؛ لأنه ليس بحاجة إلى ذلك؛ إذ إن زمن الاعتكاف مدة ساعتين، أو ثلاث ساعات.
يقول: (إلا في مسجد يجمَّع فيه) ويش بعده؟
طالب: (إلا المرأة).
الشيخ: (إلا المرأة) فيصح اعتكافها في كل مسجد، المرأة تعتكف؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٣٥٦٥ ]
الشيخ: إي نعم، تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، إن كان في اعتكافها فتنة فإنه لا تمكن من هذا؛ لو فرضنا أنها إذا اعتكفت في المسجد صار هناك فتنة كما يوجد في المسجد الحرام، المسجد الحرام -كما تشاهدون- ما فيه مكان خاص بالنساء، إذا اعتكفت المرأة فالمرأة لا بد أن تنام إما ليلًا وإما نهارًا، ونومها بين الرجال ذاهبين وجائين فيه فتنة.
لكن إذا لم يكن فتنة فإنه يصح أن تعتكف، والدليل على هذا اعتكاف زوجات النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في حياته، وبعد مماته.
اعتكف أزواجه من بعده واعتكفن معه، لكن إن خيف فتنة فإنها تمنع؛ لأن النبي ﷺ منع فيما دون ذلك، لما أراد أن يعتكف ﵊ خرج ذات يوم، وإذا هذا خباء لعائشة، وهذا خباء لفلانة، وهذا خباء لفلانة، فقال ﵊: «آلبر يردن؟» ثم أمر بنقضها، وألغى الاعتكاف تلك السنة، وقضاه في شوال (٢٣).
وهذا يدل على أن اعتكاف المرأة إذا كان يحصل فيه فتنة، فإنه تمنع من باب أولى، لكن المرأة لو اعتكفت في مسجد لا تقام فيه الجماعة، فلا حرج عليها؛ لأنه لا يجب عليها أن تصلي مع الجماعة، وعلى هذا فاعتكافها لا يحصل فيه ما ينافيه.
ولكن قد تقولون: كيف تعتكف في مسجد لا يصلى فيه الجماعة؟ أليس في هذا فتنة؟
نقول: ربما يكون، وربما لا يكون؛ قد يكون المسجد هذا محرزًا محفوظًا لا يدخله أحد، ولا يُخشى على النساء من فتنة في اعتكافهن فيه، وقد يكون الأمر بالعكس، لكن المدار على أنه متى حصلت الفتنة، مُنِع من اعتكاف النساء.
هل نقول: من لا تجب عليه الجماعة كالمرأة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، فلو فُرِض أن إنسانًا معذورًا بمرض، أو بغيره مما يبيح له ترك الجماعة ثم اعتكف في غير مسجد تقام فيه الجماعة، فلا بأس.
الطالب: شيخ بارك الله فيك، إن الرسول ﷺ اعتكف في رمضان فقط، والدليل على الاعتكاف في غير رمضان ما ().
الشيخ: اعتكف في رمضان؟
[ ١ / ٣٥٦٦ ]
الطالب: نعم.
الشيخ: وأيش؟
الطالب: وقضاه في شوال () في غير رمضان ما بلغ ().
الشيخ: الدليل على أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: حديث عمر، استدلوا بحديث عمر.
الطالب: النذر () الرسول ﷺ () وهذا نذر.
الشيخ: يقولون: لو كان الاعتكاف لا يصح إلا بصوم صار حرامًا؛ لأن أي إنسان يفعل العبادة وقد اختل شرط منها وهو عالم به يحرُم عليه، فهمت القاعدة هذه؟
كل إنسان يفعل عبادة وهي غير مشروعة فإنه يحرُم عليه فِعْلُها.
طالب: القائلون بأنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم، ثم قد اعتكف النبي ﷺ في شوال ولم يصم، والبدل له حكم المبدل منه، هل نقول: خرج على قولهم هذا كل عبادة تقضى لا يشترط فيها شروط صورة العبادة المؤادة.
الشيخ: نعم، نحن نقول ما هو من شروطها نقول الصوم ما هو شرط.
الطالب: كيف يجيبون على ()؟
الشيخ: أي نعم، هذا نحن نقول الآن ما يُشترط الصوم.
الطالب: كيف يجيبون؟
الشيخ: ما يجيبون إلا أن يقولون: إن الاعتكاف تابع للصيام فما أظن الاعتكاف تابع للصيام ولا يمكن أن يكون المتبوع تابعًا؛ يعني لا يمكن أن نلزمه بالصوم، وقد صام وبرئت ذمته منه، لكن على كل حال هو قول مرجوح، القول بأنه لا بد من الصوم قول مرجوح.
طالب: بالنسبة للاعتكاف هل يجوز فيه العبادة الجماعية؟
الشيخ: بمعنى؟
الطالب: بأن يكون هناك مثلًا مجموعة من الشباب معتكفين، يكون لهم وقت محدد للنوم وقراءة القرآن جماعة والصلاة جماعة كل أمورهم تكون بصورة جماعية؟
الشيخ: أنا ما أرى الاجتماع على العبادات إلا ما جاءت به الشريعة فقط؛ لأن الاجتماع على العبادات يفتح علينا باب كثير من مناهج الصوفية وغيرهم، أما ما جاءت به السنة فعلى العين والرأس، كالاجتماع على صلاة الجماعة وعلى صلاة الجمعة وعلى الكسوف، وما أشبه ذلك.
طالب: هل اعتكفت النساء عدا زوجات الرسول ﷺ، ثبت؟
الشيخ: لا يحضرني لكن ..
[ ١ / ٣٥٦٧ ]
الطالب: ما الرد على اللي يقولون: إن هذا خاص بزوجات الرسول ﷺ؟
الشيخ: أقول: لا يحضرني الآن، لكن لا بد لو رجعت إلى الآثار وجدت أن هذا ثابت، ولكن الأصل عدم الخصوصية، كل إنسان يدعي خصوصية في عمل فهو مطالب بالدليل.
طالب: قد تكون بأنه خاص ببيت الرسول ﷺ.
الشيخ: لا، يا أخي ما اعتكفن بالبيت، اعتكفن في المسجد، ضربن أخبئة لهن.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هناك حديث صححه بعض أهل العلم يقول: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (٢٤).
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: يقول شيخ الإسلام ﵀، وناهيك به حافظًا وفقيهًا وفيلسوفًا دَيِّنًا، يقول: كل حديث ورد فيه: «وَمَا تأخَّرَ» فغير صحيح؛ لأن هذا من خصائص النبي ﵊، حتى أهل بدر ما قيل لهم: وما تأخر، قيل: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٢٥)؛ لأنهم ﵃ فعلوا هذه الحسنى الكبيرة في هذه الغزوة فصارت هذه الحسنة العظيمة كفارة لما يأتي من بعدهم، وما قاله ﵀ صحيح.
طالب: شيخ، ما يقال إن () النبي ﷺ في قضائه في شوال.
الشيخ: لا، ما يقال: واجب، لكن من هدي الرسول ﵊ أنه إذا عمل عملًا أثبته (٢٦) حتى أنه لما فاتته سُنَّة الظهر حين جاءه الوفد وقضاها بعد العصر (٢٧) أثبت هذا العمل.
الطالب: بارك الله فيكم قول المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يصح إلا في مسجد يجمَّع فيه) لماذا لا نحمله على مسجد ()؟
الشيخ: لا نحمله على ذلك؛ لأن الآية عامة في المساجد، والعلة في أنه لا بد من الجماعة، عرفتها أنه إذا صلى في مسجد لا تقام فيه الجماعة، إما أن يترك الجماعة، وهذا حرام، وإما أن يتردد إليها، وهذا ينافي الاعتكاف.
الطالب: ما ينكر على من اعتكف اعتكافًا مؤقتًا؟
[ ١ / ٣٥٦٨ ]
الشيخ: والله ما أستطيع أن أنكر عليه لكن أقول له: إن هدي الرسول خير من كل هذه، وإذا كان الرسول لم يعتكف إلا بوقت معين فلا تعتكف إلا بهذا الوقت، لكن من قال: كلما دخلت المسجد فأنوي الاعتكاف، هذا هو الذي يُنْكَر عليه؛ لأنه جعله سُنَّة.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يقول المولى ﷿: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] هل هذه الآية تكون رجل قال: والله لا أدخل بيت أختي، فنقول له: ادخل وكفِّر عن هذا اليمين، هل هذا يُفْهَم من ()؟
الشيخ: اقرأ الآية؟
الطالب: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾.
الشيخ: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ يعني لا تجعلوا اليمين تعترض دون البر، فإذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، وَأْتِ الذي هو خير.
الطالب: كيف نوضح هذا مع قوله في الآية ().
الشيخ: فهمت؟
الطالب: قول الرجل يا شيخ لرجل آخر: لو كلمتُ فلانًا سوف أصوم عشرة أيامٍ، هل يجوز هذا مع ذاك؟
الشيخ: إيه؟ إيش تقولون؟
طالب: السؤال؟
الشيخ: يقول: إن الله يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وأنت قلت: لو نذر إنسان: إن كلمت فلانا أن أصوم عشرة أيام، وهذا يقتضي أن تهجره كذا؟ فأشكل عليه الأمر، أليس يجوز أن يهجر الإنسان أحيانًا؟
طالب: عن ثلاث؟
الشيخ: إي، الرسول هجر كعب بن مالك كم؟
الطالب: بس هذا الأمر من الله ﷿.
الشيخ: حتى ()؛ يعني لو كان هذا العاصي إذا هجرناه استقام هجرناه.
الطالب: يعني يهجر نهائيا ..
الشيخ: حتى يستقيم.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، لكن حتى يستقيم.
الطالب: () عن ثلاث؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ بارك الله فيك، ما مدى صحة القول بعدم جواز الاعتكاف في المساجد التي يبنى عليها الدور؟
الشيخ: الدور؟
[ ١ / ٣٥٦٩ ]
الطالب: الدور غرفة البيوت يعني، وكذلك الجمعة؟
الشيخ: والله نرى ما دام مسجدا ولو كان فوقه سكن، لكن لا يجوز أن يبنى فوق المسجد سكن؛ لأن المسجد يملك القرار والهواء، الهواء إلى السماء والقرار إلى قاع الأرض، لكن أحيانًا يبني الإنسان عمارة ثم يوقف أسفلها مسجدًا ما فيه بأس.
طالب: لكن يا شيخ يستدلون بأن مسجد الرسول ومساجد المسلمين التي جاءت فيما بعد لم يبنَ عليها دور؟
الشيخ: إي؛ لأنها عينت مسجدًا الآن، لو أبني مسجدًا ما جاز أن أبني فوقه بيوتًا، لكن لو بنيت عمارة وجعلت أسفلها مسجدًا فلا بأس.
الطالب: يعني هذا القول غير صحيح؟
الشيخ: غير صحيح.
طالب: بالنسبة للقول الراجح في أقل مدة الاعتكاف؟
الشيخ: والله أنا أرى أن الاعتكاف المسنون الذي يرجى ثواب فاعله ما شابه اعتكاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن الإنسان إذا اعتكف يومًا من العشرة الأواخر ما أدري هل يحصل له أجر الاعتكاف هذا اليوم أو لا؟ إلا إذا شرع في الاعتكاف ثم قطعه لعذر شرعي كمرض، أو سمع أن بأهله مرضًا أو ما أشبه ذلك.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نذر الطاعة إذا نذر الإنسان طاعة على القول بتحريم ().
الشيخ: لا؛ لأن المحرم ابتداء النذر، إنشاؤه، وأما وفاءه فواجب؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (٢١).
طالب: يا شيخ، أنت قلت: قراءة (قل هو الله أحد) في الأوقات التي فيها الصلاة ().
الشيخ: ولا أمر بها.
الطالب: لكن الرسول ﷺ أقرها.
الشيخ: أقرها، نقول: هذا عمل جائز ولولا الإقرار لكان بدعة، لكن ليس من السنن التي تطلب من الإنسان، ربما لو يجيء إنسان مثل حال الرجل يقول: أنا والله أحب وأرغب أن أقرأ (قل هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن، ربما لو كان الإنسان في قلبه مثل قلب هذا الرجل قلنا: إنه مسنون.
الطالب: الصلاة بالمعنى الشرعي هل هي أعم من المعنى اللغوي؟
الشيخ: لا.
[ ١ / ٣٥٧٠ ]
الطالب: لغةً الدعاء فقط.
الشيخ: إي، لكن دعاء على أي صفة، وهذا دعاء مخصوص مفتتح بالتكبير مختتم بالتسليم وفيه ركوع وفيه سجود وقيام وقعود، مقيد.
يقول: رجل دخل المسجد والإمام راكع فخشي فوات الركعة فكبر تكبيرة واحدة، ولم يكبر تكبيرة الركوع فهل عليه شيء؟
الجواب: ليس عليه شيء، ولا يلزمه سجود السهو.
يقول: هذا يا شيخ يوجد من بعض طلبة العلم () أدبهم مع الأساتذة في المدرسة، أرجو أن توجه له كلمة ينفعه الله بها؟
على كل حال لا شك أن سوء الأدب مع الأساتذة وغيرهم أمر لا ينبغي، فأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، ومع الأستاذ يكون أشد وأشد؛ لأن له فضلًا عليك بالتعليم، وليعلم أن الإنسان إذا أساء الأدب مع الأستاذ فإن الأستاذ لن يزداد إلا شدة عليه، لكن إذا تأدب معه وكلمه باحترام وتعظيم، وإذا أخطأ في المادة العلمية لم يرُدَّ عليه أمام الطلبة، وترك الأمر حتى يخرج معه ويكلمه بسر، فهذا لا شك أنه يرضي الأستاذ، وربما يرجع لو فرض أنه أخطأ خطأ بيِّنًا، فإنه يتكلم معه بسرٍّ إذا خرج من الفصل، فإن أصرَّ على رأيه وهو خطأ بَيِّن مثل أن يقول: الميتة حلال، والله تعالى قد حرم الميتة، فحينئذ لا حرج أن يتكلم في الفصل، فيقول: يا أستاذ ذكرت كذا وكذا والله يقول كذا وكذا أو السنة المهم يلزم غاية الأدب.
طالب: ().
***
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا يصح إلا في مسجد يُجمَّع فيه إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره، أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة -وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى- لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه وعكسه بعكسه ومن نذر زمنا معينا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن الاعتكاف من السنن الثابتة الباقية، وأن وقته العشر الأواخر من رمضان.
[ ١ / ٣٥٧١ ]
وسبق أنه لا بد فيه من أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة إذا كان المعتكف ممن تلزمه الجماعة، وأما إذا كان ممن لا تلزمه فإنه يصح في كل مسجد، ولهذا قال المؤلف: (إلا المرأة ففي كل مسجد) يصح أن تعتكف في كل مسجد، وإن كان لا تُقام فيه الجماعة، وفي هذا إشارة إلى أن النساء يُسَن لهن الاعتكاف، وهو كذلك، ولكن يُشترط فيه أن لا يلزم منه فتنة، فإن لزم منه فتنة فإنه يمنع؛ لأن الشيء المستحب إذا ترتب عليه ممنوع وجب أن يُمْنَع، كالشيء المباحِ إذا ترتب عليه ممنوع وجب أن يُمْنَع.
قال: (سوى مسجد بيتها) فلا يصح اعتكافها فيه ومسجد بيتها هو المكان الذي اتخذته مصلى، وكان الناس فيما سبق يتخذون مصليات في بيوتهم، تصلي فيها النساء يجعلون حجرة معينة خاصة تصلي فيها النساء، هذا المصلى لا يصح الاعتكاف فيه؛ لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا، ولهذا لا يعتبر وقفًا، فلو بيع البيت بما فيه هذا المصلى فالبيع صحيح، ولو دخل أحد البيت، وقال: أنا أريد أن أصلي في هذا المكان؛ لأنه مصلى كالمساجد، لا تمنعوني من مساجد الله، قلنا له: نمنعك؛ لأن هذا ليس بمسجد، ولو لبثت المرأة فيه وهي حائض فلا بأس، ولو بقي فيه الإنسان وهو جنب فلا بأس، ولو دخله وجلس فيه بلا ركعتين فلا بأس.
ومثل ذلك المصليات التي تكون في المكاتب الآن، مكاتب الأعمال الحكومية فيها مصليات هذه المصليات لا يثبت لها حكم المسجد، وكذلك مصليات النساء في مدارس البنات لا يعتبر لها حكم المسجد، فيجوز فيها البيع والشراء ويجوز فيها بقاء الإنسان على جنابة وهكذا؛ لأنها ليست مساجد حقيقة، ولا حُكمًا.
قال: (سوى مسجد بيتها) إذن نقول: المصليات الْمُعَدَّة في البيوت أو في المكاتب لا تُعتبر مساجد ولا يثبت لها حكم المساجد.
[ ١ / ٣٥٧٢ ]
قال: (ومن نذره) (الهاء) تعود على الاعتكاف؛ يعني: من نذر الاعتكاف، (أو الصلاة) يعني: أو نذر الصلاة (في مسجد غير الثلاثة) لم يلزمه؛ يعني: نذر رجل أن يعتكف في مسجد من المساجد، في أي بلد، فإنه لا يلزمه أن يعتكف فيه، إلا المساجد الثلاثة؛ قال المؤلف: (غير الثلاثة وأفضلها الحرام).
وأَفضلُها الحرامُ، فمَسجدُ المدينةِ، فالأَقْصَى - لم يَلْزَمْه فيه، وإن عُيِّنَ الأفضلُ لم يَجُزْ فيما دَونَه، وعكسُه بعَكْسِه، ومَن نَذَرَ زَمَنًا مُعَيَّنًا دَخَلَ مُعتكفَه قبلَ ليلتِه الأُولَى وخَرَجَ بعدَ آخِرِه، ولم يَخْرُج المُعْتَكِفُ إلا لما لابُدَّ منه، ولا يَعودُ مَريضًا، ولا يَشْهَدُ جَنازةً إلا أن يَشترِطَه، وإن وَطِئَ في فَرْجٍ فَسَدَ اعتكافُه، ويُسْتَحَبُّ اشتغالُه بالقُرَبِ واجتنابُ ما لا يَعْنِيهِ.
لأنها ليست مساجد حقيقة، ولا حُكْمًا.
قال: (سوى مسجدِ بيتِها) إذن نقول: المُصَلَّيات المُعدَّة في البيوت أو في المكاتب لا تُعْتَبر مساجد ولا يثبُت لها حكم المساجد.
قال: (وَمَنْ نَذَرَه) الهاء تعود على الاعتكاف؛ يعني: مَنْ نذر الاعتكاف، (أو الصلاة) يعني: أو نذر الصلاة (في مسجد غير الثلاثة) لم يلزمه؛ يعني: نذر رجل أن يعتكف في مسجد من المساجد في أي بلد فإنه لا يلزمه أن يعتكف فيه إلا المساجد الثلاثة؛ قال المؤلف: (غير الثلاثة، وأفضلُها الحرامُ فمسجدُ المدينةِ فالأقصى).
المساجد الثلاثة هي المسجد الحرام وهو أول بيت وضع للناس وأشرف البيوت وأعظمها حرمة، وله من الخصائص ما ليس لغيره، لا يوجد بيت في الأرض قَصْدُه من أركان الإسلام إلا المسجد الحرام، فهو أفضل هذه المساجد الثلاثة، ويليه المسجد النبوي الذي بناه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بالمدينة، ويليه المسجد الأقصى وهو مسجد الأنبياء أو مسجد غالب أنبياء بني إسرائيل.
فهذه المساجد الثلاثة هي التي إذا نَذَر الصلاة فيها تعينت، لكن سيأتي التفصيل.
[ ١ / ٣٥٧٣ ]
أفضلها المسجد الحرام، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما صح عنه: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» (١)، وفي حديث آخر: «إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» (٢).
فما هي مضاعفة المسجد الحرام؟
مضاعفة المسجد الحرام مئة ألف صلاة، إذا أدى الإنسان فيه فريضة فهو كمن أدى مئة ألف فريضة فيما سواه، جمعة واحدة مئة ألف جمعة، أعمارٌ طويلة ما تدرك مئة ألف جمعة.
المسجد النبوي الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه.
المسجد الأقصى في السنن أو في المسند أن الصلاة فيه بخمس مئة صلاة فهذه ترتيب المساجد الثلاثة، ثم هاهنا بحث بل أكثر من بحث؛ أولًا: هل الصلاة خاصة في المكان المعيَّن من المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى أو كل ما حوله فهو مثله؟
نقول: أمَّا المسجد الأقصى فليس له حَرَم بالاتفاق؛ لأن العلماء مُجْمِعُون على أنه لا حرم إلا للمسجد الحرام، والمسجد النبوي على خلاف في ذلك، ووادٍ في الطائف يقال له: وادي وَج على خلاف فيه أيضًا، وما عدا هذه الثلاثة الأماكن فإنها ليست بحَرَم بالاتفاق، ولا أحد يقول بأن المسجد الأقصى له حرم كحرم المدينة أو كحرم مكة.
المسجد النبوي؛ التضعيف خاصٌّ في المسجد الذي هو البناية المعروفة، لكن ما زِيدَ فيه فهو منه، والدليل على أن ما زيد فيه فهو منه أن الصحابة ﵃ صلَّوْا في الزيادة التي زادها عثمان ﵁ (٣)، مع أنها خارج المسجد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما زيد فيه فهو منه ولو قُبَّة فهو منه.
بقينا في المسجد الحرام المسجد الحرام فيه خلاف بين العلماء، هل أن المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، أو المسجد الخاص الذي فيه الكعبة؟
يقول صاحب الفروع: إن ظاهر كلام أصحابنا يعني: الحنابلة، أنه خاص بالمسجد الذي فيه الكعبة فقط، وأما بقية الحرم فلا يثبت له هذا الفضل.
[ ١ / ٣٥٧٤ ]
وقال بعض العلماء: إنه أي جميع الحرم يثبت له هذا الفضل، ولكل دليل، أما الذين قالوا: إنه خاص في المسجد الحرام الذي به الكعبة فاستدلوا بما رواه مسلم ﵀ بلفظ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ» (١)، ولا نعلم في مكة مسجدًا يقال له: مسجد الكعبة إلا المسجد الذي فيه الكعبة فقط، فلا يقال عن المساجد التي في الشبيكة والتي في الزاهر، والتي في الشِّعب، وغيرها والعتيبية وغيرها لا يقال: إنها مسجد الكعبة، وهذا نص كالصريح في الموضوع.
ثم إن النبي ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (٤)، ومعلوم أن الناس لا يشدون الرحال إلى المساجد التي في العزيزية والشبيكة، والزاهر، وغيرها، إنما تشد الرحال إلى المسجد الذي فيه الكعبة، ولهذا اختص بهذه الفضيلة، ومن أجل اختصاصه بهذه الفضيلة صار شدُّ الرحل له من الحكمة لينال الإنسان هذا الأجر.
ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وقد أُسْرِيَ بالنبي ﷺ من الحِجْر الذي هو جزء من الكعبة.
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فالمسجد الحرام هنا ما المراد به؟
[ ١ / ٣٥٧٥ ]
مسجد الكعبة لا مكة؛ لأن الله قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ ولم يقل: فلا يدخلوا، ومن المعلوم أن المشرك لو جاء ووقف عند حَدِّ الحرم ليس بينه وبينه إلا شعرة لم يكن ذلك منهيًّا عنه، ولو كان المسجد الحرام هو كل الحرم لكان يُنْهَى المشرك أن يقرب حدود الحرم؛ لأن الله قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، ولذلك هل المحرم أن يدخل داخل الأميال، أو أن يأتي حول الأميال؟
طلبة: أن يدخل ..
الشيخ: الأول هو المحرم؛ لأنه إذا دخل الأميال، الأميال هي العلامات التي وضعت تحديدًا للحرم، لو دخلها لكان قاربًا من المسجد الحرام.
أما الذين قالوا: إنه عامٌّ فاستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديبية نزل في الحِلِّ (٥)، والحديبية بعضها مِنَ الحِلِّ وبعضها من الحرم، ولكنه كان يُصَلِّي داخل الحرم؛ يعني: يتقصد أن يدخل داخل الحرم.
وهذا لا دليل فيه عند التأمل؛ لأن هذا لا يدل على الفضل الخاص، وإنما يدل على أن أرض الحرم أفضل من أرض الحل، وهذا لا إشكال فيه، لا إشكال في أن الصلاة في المساجد التي في الحرم أفضل من الصلاة التي في مساجد الحل.
ولكنَّ الشأن كل الشأن هل يثبت هذا التفضيل الخاص الذي هو مئة ألف صلاة؟ فالذي يتبيَّن هو أنه خاصٌّ في المسجد الحرام الذي فيه الكعبة.
فإن قال قائل: إذا امتلأ المسجد الحرام، واتصلت الصفوف وصارت في الأسواق وما حول الحرم فهل يثبت لهؤلاء أجر مَنْ كان داخل الحرم؟
الجواب: نعم؛ لأن هذه الجماعة جماعة واحدة، وهؤلاء الذين لم يحصل لهم الصلاة إلا في الأسواق خارج المسجد، هؤلاء لو حصلوا على مكان لكانوا يبادرون إليه، فنقول: ما دامت الصفوف متصلة، فإن الأجر حاصل حتى لمن كان خارج المسجد.
المسجد النبوي قلنا: إنه باتفاق -فيما نعلم- أنه خاصٌّ في مسجد النبي ﷺ وما زِيد فيه فهو منه.
[ ١ / ٣٥٧٦ ]
المسجد الأقصى كذلك؛ خاصٌّ بالمسجد لا في كل مساجد القدس، خاصٌّ في مسجد الصخرة، أو ما حوله حسب اختلاف الناس فيه، ولكنه لا يشمل جميع المساجد في فلسطين.
يقول المؤلف: (أفضلُها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى) قال: (لم يلزمه) الجملة هنا جواب أيش؟
جواب (من)؛ يعني: مَنْ نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة لم يلزمه، (فيه) أي في المسجد الذي عَيَّنه.
ثم قال المؤلف: (وإن عَيَّن الأفضل لم يَجُز فيما دونه)، وقوله ﵀: (لم يلزمه) ظاهر كلامه الإطلاق حتى لو كان تعيينه للمسجد الذي نذر الاعتكاف فيه أو الصلاة لمزية شرعية؛ ككثرة الجماعة وقِدَم المسجد لأن كثرة الجماعة مزية وقِدَم المسجد مزية؛ ولهذا قال العلماء: المسجد العتيق أفضل من المسجد الجديد لتقدم الطاعة فيه.
ولكن في النفس من هذا شيء؛ نقول: إذا عَيَّن المسجد لمزية شرعية، فإنه لا يتنازل عنه إلى ما دونه في هذه المزية؛ ولهذا قالوا: لو عَيَّن المسجد الجامع واعتكافه يتخلله جمعة لم يجزه في مسجد غير جامع؛ لماذا؟ لأن المسجد الجامع له مزية، وهو أنه تقام فيه الجمعة، ولا يحتاج المعتكف إلى أن يخرج إلى مسجد آخر؛ ولأن التجميع في هذا المسجد يؤدي إلى كثرة الجمع.
فالصحيح في هذه المسألة أن نقول: غير المساجد الثلاثة إذا عَيَّنه لا يتعين إلا لمزية شرعية فإنه يتعين؛ لأن النذر يجب الوفاء به ولا يجوز العدول إلى ما دونه.
يقول المؤلف: (وإن عين الأفضل لم يَجُز فيما دونه وعكسه بعكسه) (إن عين الأفضل) أيٌّ أفضل؟ المساجد الثلاثة؛ لأن المؤلف قال: (أفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى) إذا عَيَّن المسجد الحرام لم يجز في المدينة، ولا في بيت المقدس، وإن عين المدينة جاز فيها وفي مسجد مكة المسجد الحرام، وإن عَيَّن الأقصى جاز فيه وفي المدينة، وفي المسجد الحرام؛ ولهذا يقول المؤلف: (وعكسه بعكسه) يعني: مَنْ نَذَر الأدنى جاز في الأعلى.
[ ١ / ٣٥٧٧ ]
والدليل على هذا أن رجلًا جاء يوم فتح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس شكرًا لله، فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، فسأله فقال: «صَلِّ هَاهُنَا»، فسأله الثالثة فقال: «شَأَنُكَ إِذَنْ» (٦)، فدلَّ ذلك على أنه إذا نذر الأدنى جاز في الأعلى ولا عكس.
استدل شيخ الإسلام ﵀ وبعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه يجوز نقل الوقف من جهة إلى جهة أفضل منها، وهذا الاستدلال استدلال واضح، وذلك لأن النذر يجب الوفاء به، فإذا رَخَّص النبي ﷺ بالانتقال إلى ما هو أعلى في النذر الواجب، فالوقف الذي هو أصله مستحب من باب أولى.
وهذا في الأوقاف العامة، أما الأوقاف الخاصة كالذي يوقِف على ولده مثلًا، فإنه لا يجوز أن ينقل إلا إذا انقطع النسل؛ وذلك لأن الوقف الخاص خاصٌّ لمن وُقِف له.
يقول ﵀: (ومن نذر زمنًا معيَّنًا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره) (من نذر) يعني: في الاعتكاف (زمنًا معينًا) فمتى يدخل؟ يدخل قبل ليلته الأولى فإذا نذر أن يعتكف العشر الأول من رجب، متى يدخل؟ عند غروب الشمس من آخر يوم من جمادى الثانية.
وإذا نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان متى يدخل؟
طالب: ().
الشيخ: لا، ما هو بيوم التاسع عشر.
طالب: ليلة العشرين.
الشيخ: إذا غابت الشمس يوم العشرين دخل.
الطالب: ليلة العشرين.
الشيخ: لا.
الطالب: () العشرين.
الشيخ: لا، يوم العشرين.
طالب: يعني يدخل يوم عشرين بالليل.
الشيخ: إذا غابت الشمس يوم عشرين () قال: (دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره).
يخرج إذا غربت الشمس من آخر يوم من الزمن الذي عينه.
إذا نذر أن يعتكف هذا الأسبوع ويشير إلى أسبوع مقبل بأن قال: لله عَلَيَّ نذر أن أعتكف الأسبوع القادم، متى يدخل؟ بغروب الشمس يوم الجمعة، ومتى يخرج؟ بغروب الشمس ليلة الخميس ولّا ليلة السبت؟
طلبة: ليلة السبت.
[ ١ / ٣٥٧٨ ]
الشيخ: إي نعم ليلة السبت؛ لأنه لا يتم أسبوعًا إلا بتمام سبعة أيام، ولا يتم سبعة أيام إلا إذا بقي إلى غروب الشمس من ليلة الجمعة.
وهل يلزمه التتابع؟
نقول: إذا نذر زمنًا معينًا لزمه التتابع؛ ضرورة تعيين الوقت، فإذا قال: لله علي نذر أن أعتكف الأسبوع القادم، لزمه التتابع، لله عَلَيَّ نذر أن أعتكف العشر الأُوَل من شهر كذا، يلزمه التتابع، لله عليَّ نذر أن أعتكف الشهر المقبل يلزمه التتابع ضرورة التعيين.
أما إذا نذر عددًا قال: أن أعتكف عشرة أيام، أو أن أعتكف أسبوعًا ولم يُعَيِّن الأسبوع، فله أن يتابع وهو أفضل، وله أن يُفَرِّق؛ لأنه يحصل النذر بمطلق الصوم إن كان صومًا، أو بمطلق الاعتكاف إن كان اعتكافًا.
قال: (ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه).
طلبة: ().
الشيخ: لا، (ولا يخرج) لا: نافية.
(ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه)،
سبق لنا في تعريف الاعتكاف أنه لزوم مسجدٍ لطاعة الله فالمعتكِف قد ألزم نفسه أن يبقى في المسجد فلا يخرج من المسجد إلا لِمَا لا بد منه حِسًّا أو شرعًا، فالذي لا بد منه حسًّا أو شرعًا له أن يخرج.
مثال الأول الحِسُّ: الأكل والشرب، والحصول على زيادة الملابس إذا كانت بردًا، قضاء الحاجة؛ البول أو الغائط، هذا لا بد منه حسًّا.
ومثال الثاني: أن يخرج ليغتسل من جنابة مثلًا، أن يخرج يتوضأ لأنه لا بد أن يتوضأ لا بد أن يغتسل من الجنابة، فهذه لا بد منها شرعًا.
ثم قال: (ولا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه) لا يعود مريضًا إلا أن يشترطه، لا يشهد جنازة إلا أن يشترطه، أما كونه لا يعود مريضًا فلأن عود المريض ليس مما لا بد منه لأنه سنة يمكن للإنسان أن يدعه ولا يأثم، وكذلك شهود الجنازة، لكن لو فُرِضَ أنه تعيَّن عليه أن يشهد الجنازة بحيث لم نجد مَنْ يُغَسِّلُها ومن يحملها إلى المقبرة صار هذا مِنَ الذي لا بد منه.
[ ١ / ٣٥٧٩ ]
وعُلِمَ من قوله: (إلا أن يشترطه) جواز اشتراط ذلك في ابتداء الاعتكاف، فإذا نوى الدخول في الاعتكاف، يقول: أستثني يا رب عيادة المريض أو شهود الجنازة.
ولكن هل هذا من الأمور التي تنبغي، أو المحافظة على الاعتكاف أولى؟
الثاني، إلَّا إذا كان المريض له حَقٌّ عليه أو مَنْ يُتَوَقَّع موته وله حق عليه، فهنا الاشتراط أولى لو كان المريض من أقاربه الذين يُعْتَبر عدم عيادتهم قطيعة رحم فهنا يَسْتَثْنِي، وكذلك شهودُ الجنازة.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على جواز اشتراط ذلك؛ لأن الأصل أن العبادات إذا شرع فيها أتمها إمَّا وجوبًا أو استحبابًا حسب حكم هذه العبادة؟
نقول: ليس هناك دليل واضح في المسألة إلا قياسًا على حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب حيث جاءت تقول للرسول ﷺ: إنها تريد الحج وهي شاكية، فقال لها: «حُجِّي واشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٧)؛ فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا دخل في عبادة، واشترط شيئًا لا ينافي العبادة فلا بأس.
طالب: طيب يا شيخ لو دخل معتكفه () ثم طرأ مثلًا على أخيه أو مثلًا على أبيه مرض أو ظروف؛ موت هل يقطع ().
الشيخ: إي نعم، هذا صحيح يقول: لو دخل معتكفه ثم طرأ على أبيه مرض أو موت أو على قريبه، فهل له أن يقطعه؟
نقول: نعم له أن يقطعه لأن استمراره في الاعتكاف سُنَّةٌ وعيادته لأبيه أو قريبه الخاص قد تكون واجبة؛ لأنها من صلة الرحم، وكذلك شهود الجنازة.
طالب: () المقاطعة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: () من باب الضرورة ().
الشيخ: لا، الضرورة التي استثنوها هي الضرورة المتعلقة بالشخص المعتكف ما هو بأمر خارج.
الطالب: عفا الله عنك يا شيخ () أنه اعتكف في مسجد لا تُقامُ فيه الجمعة فهل يخرج مبكرًا أم إذا حضرت الخطبة، وهل () إذا كان الاعتكاف مسنونًا.
[ ١ / ٣٥٨٠ ]
الشيخ: السؤال سمعتموه؟ يقول: إذا اعتكف في غير مسجد جامع ثم جاءت الجمعة، هل الأفضل أن يتقدم إلى الجمعة أو الأفضل أن يتأخر حتى يحضر الإمام؟
نقول: هذه فيها احتمالان:
الاحتمال الأول: التقدم لأن هذا مما يُشْرَع للجمعة، فهو كما لو خرج للاغتسال للجمعة إذا قلنا بأنه مستحب، ويحتمل أن يقال: التقدم إلى الجمعة سُنَّة فهو أمر له منه بد فلا يتقدم بل ينتظر حتى يحضر الإمام؛ لأنه لم يلزم بالحضور إلى المسجد وهو عندي محل تردد.
طالب: بناء مصلى في البيت ما حكمه؟ ..
الشيخ: اتخاذ مصلى في البيت طلبه عِتْبان بن مالك ﵁ من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحضر النبي ﵊ إلى بيته وصلَّى فيه ليتخذ عتبان هذا المكان مصلى (٨) وهذا فيه فائدة وهو حماية هذا المكان من أن تصيبه النجاسة أو الأذى وأيضًا بُعْد الصبيان عنه إذا عرفوا أنه مصلى.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- هاهنا ثلاث مسائل:
الأولى: مشى المصنف على أن الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة جائز ()، وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح قال رسول الله ﷺ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ» (٩) فكيف نجيب؟
الشيخ: أجبنا على هذا بارك الله فيك.
الطالب: ما كنت حاضرًا.
الشيخ: ما كنت حاضرًا، ارجع للشريط.
الطالب: الثانية يا شيخ -جزاك الله خيرًا- ذكرتم بأن من الأدلة على أن الصلاة بمئة ألف خاصة بالمسجد الحرام الذي حول الكعبة؛ من الأدلة ما رواه مسلم في صحيحه بزيادة لفظ أو بإثبات لفظ مسجد الكعبة ولا نعلم مسجدًا يُطْلَق عليه مسجد الكعبة إلا المسجد الذي فيه الكعبة، أليس لقائل أن يقول: إن الله تعالى أطلق الكعبة على الحَرَم على مكة في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فإنه ليس من المعقول أن يأخذ الرجل هديه ويذبحه عند الكعبة؟
[ ١ / ٣٥٨١ ]
الشيخ: أحسنت، إذا كان ليس من المعقول أن الإنسان يذبح الهدي في الكعبة، فهل من المعقول أن الله أراد ذلك؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: طيب، انتهى الموضوع، لكن مسجد الكعبة واضح فيه ولهذا نقول للناس: هل أنتم تجيزون شَدَّ الرحال إلى المساجد اللي في مكة؟ واللفظ واحد المسجد الحرام.
الطالب: والثالثة بالنسبة للوقف ذكرتم أن شيخ الإسلام ابن تيمية أخذ من قول النبي صلي الله عليه وسلم للرجل: «صَلِّ هاهنا» (٦)، أخذ أنه يجوز نقل الوقف عن نص الواقف، فهل يجوز إذا أوقف الواقف وقفًا على طلبة علم مثلًا غير متزوجين أن يجعل القاضي هذا النص إلى المتزوجين؛ لأنهم –ممكن- أحوج وأفضل، هل يجوز هذا ..؟
الشيخ: نعم، يعني: اشتراط أن يكون المستحق أعزب هذا شرط مخالف للسُّنَّة فإن النبي ﷺ أمر بالزواج وإذا قلنا: لا يستحق هذا الوقف إلا الأعزب بقي الناس لا يتزوجون، يعنى: هو مدعاة إلى عدم التزوج فهذا الشرط غير صحيح؛ ولهذا يجوز أنه يعطي المتزوج إذا كان فيه حاجة.
طالب: إذا نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان () فقلتم: يعتكف عند غروب شمس ليلة العشرين هنا يعتكف واحدًا وعشرين يومًا.
الشيخ: كيف يعتكف واحد وعشرين يومًا؟
الطالب: يوم عشرين.
الشيخ: لا، ما هو بيوم التاسع عشر.
الطالب: ليلة العشرين.
الشيخ: إذا غابت الشمس يوم العشرين دخل.
طالب: ليلة واحد وعشرين.
الشيخ: ليلة واحد وعشرين.
طالب: () قسنا اشتراط () على اشتراط المحرمة ()، العبادات يا شيخ ().
الشيخ: العبادات يمتنع فيها القياس؛ إثبات عبادة مستقلة، أما شرط في عبادة وما أشبه ذلك، مع تساوي العبادتين في المعنى فلا بأس به، وما زال العلماء يستعملون هذا، تجب التسمية في التيمم قياسًا على الوضوء، تجب في الغسل قياسًا على الوضوء، فالعلماء يستعملون هذا، لكن القصد من قال: إنه لا قياس في العبادات يعني: في إثبات عبادة مستقلة.
[ ١ / ٣٥٨٢ ]
طالب: شرط نفي دفع الضرر هنا لا يترتب عليها ضرر يا شيخ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: المحرمة تشترط لدفع الضرر بالاشتراط، لكن هنا ..
الشيخ: هي تخشى ألا تتم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: تخشى ألا تتم.
الطالب: ما يكون فرق يا شيخ خالص.
الشيخ: فرق صحيح، لكن ما هو مؤثر.
طالب: قلنا بأن إذا نذر الاعتكاف في مسجد فيه مزية شرعية ..
الشيخ: أيش؟
طالب: ().
الشيخ: ما خالف قطاع الطريق موجودين.
طالب: فيه بعض المساجد يوجد فيها مسجد داخل المسجد خاص بالنساء ويوضع له دورة مياه أحيانًا، المعتكف يا شيخ يحتاج إلي الخروج لدورة المياه بإمكانه أن يدخل دورة المياه اللي بالمسجد هذه اللي من حق ..
الشيخ: النساء؟
الطالب: لكن يخشى يا شيخ أن يوجد فيه مسجد () ..
الشيخ: لا، هذا يخرج ما فيه بأس، يخرج إلى الدورة الثانية، ما لم يتيقن أنه خارج.
طالب: شيخ، إذا قلنا بأنه يجوز أن ينذر الاعتكاف بمسجد فيه مزية شرعية فيجب الاعتكاف فيه فنقول بهذا أنه يحصل شد الرحال إلى غير المساجد الثلاث.
الشيخ: لا، المراد المسجد اللي ما يحتاج إلى شد رحل.
الطالب: () في بلده.
الشيخ: إي، في بلده نعم.
() فضيلة الصلاة في المساجد الثلاثة عامة في صلاة الفرض والنفل أم هي خاصة؟
هذا سؤال مُهِمٌّ نذكره إن شاء الله في الدرس ().
***
هذه المسألة؛ مسألة المجاز وعدمه فيه خلاف؛ هل هو ممنوع في القرآن دون اللغة أو ممنوع في القرآن واللغة أو موجود في القرآن واللغة فيها ثلاثة أقوال:
[ ١ / ٣٥٨٣ ]
فالقول الأول: أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة بناء على أن ما يحصل به تعيين المعنى فهو حقيقة ومعلوم أن المجاز يُعَيِّن المعنى بالقرينة، وإذا عين المعنى فهو حقيقة في سياقه، فكلٌّ يعرف أن قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يعني: اسأل الناس الذين في القرية، ولا يَتَصَوَّرُ أحدٌ أن يقال: القرية ثم تَجَوَّز بها عن الساكنين، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] المراد بالقرى هنا المساكن فالسياق يُعَيِّن المعنى؛ فمن قال: إنه متى تعين المعنى فهو حقيقة في سياقه وإن كان يستعمل في غير هذا المعنى في سياق آخر، قال: لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة.
ومن العلماء من مَنَعَ المجاز في القرآن دون اللغة مثل الشنقيطي ﵀ محمد الأمين، وله رسالة في منع المجاز في القرآن.
ومنهم مَنْ قال: المجاز موجود في القرآن وفي اللغة، والمسألة ما فيها خطورة؛ يعني: الخلاف في هذا ما فيه خطورة إلا في باب الصفات، في باب صفات الله ﷿؛ حيث تَسَلَّط المعطلة بهذا الكلام أعني: إثبات المجاز على نفي صفات الله وإلَّا ما فيه ذكر خطورة.
بعضهم قال: في القرآن فيه خطورة؛ لأن المجاز يجوز نفيُه ولا شيء في القرآن يجوز نفيه.
يقول: هل نفهم من توجيه الرسول ﷺ لعُمَرَ الوفاء بنذره أن نذره قبل إسلامه منعقد ويلزمه الوفاء به بعد إسلامه؟
نعم، نفهم منه هذا؛ لأن النذر يصح حتى من الكافر.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: وإن وطئ في فرجٍ فسد اعتكافُه، ويستحب اشتغالُه بالقرب واجتناب ما لا يعنيه.
[ ١ / ٣٥٨٤ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي خير من ألف صلاة ما عدا المسجد الحرام، وفي المسجد الأقصى خمس مئة صلاة، يرد على هذا أسئلة منها ما أوردها السائل قبل قليل هل هذا خاص في الفرض أو في الفرض والنفل؟
نقول: هو عامٌّ في الفرض وفي النفل لأن الحديث عامٌّ، وما قاله النبي ﷺ عامٌّ وجب الأخذ بعمومه ما لم يدل دليل على خلاف ذلك؛ فمثلًا: تحية المسجد في المسجد الحرام بمئة ألف، قيام الليل في رمضان بمئة ألف، وهلم جرًّا، ولكن النافلة التي لا يُشْرَع أن تُفْعَل في المسجد فِعْلُها في البيت أفضل من فعلها في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (١٠)، أو قال: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ»، وأنه هو ﷺ كان يتنفَّل في بيته.
فإذا قال قائل: كيف تكون في البيت أفضل وهي هنا أكثر بالكمية؟
قلنا: لكنها أفضل من حيث الكيفية، ومن المعلوم أن الجبل أكثر من مليون حصاة بمقدار النواة مثلًا، وعلى هذا فتفضيلها في البيت من حيث الكيفيَّة أفضل منها عددًا في المسجد.
المسألة الثانية: هل تُضَاعَفُ بقيةُ الأعمال كما تضاعف الصلاة؟
[ ١ / ٣٥٨٥ ]
نقول: الأصل في تقدير الثواب إلى الشارع فإن قام دليل واضح على ذلك فإنه يُعمَل به، وإلا فالأصل أن ثواب الأعمال واحد في جميع الأماكن ما لم يوجد دليل، لكن وُجِد دليل فيمَنْ صام رمضان في مكة لكنه ضعيف؛ أنه يضاعَف الصيام في مكة إلا أنه ضعيف، (١١) والعلماء ﵏ قالوا قاعدة لكن لم يتضح لي دليلها: إن الحسنات تضاعف في كل زمان ومكان فاضل، وبناء على هذه القاعدة تكون جميع الأعمال في مكة أفضل منها في غيرها ولكن التضعيف الخاص يحتاج إلى دليل.
المسألة الثالثة: هل إذا ضوعفت الحسنات تضاعف السيئات؟ والجواب: لا تضاعف السيئات من حيث الكمية، لكن قد تضاعف من حيث الكيفية؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذه الآية نزلت في مكة؛ لأنها من سورة الأنعام، لكن تضاعَف من حيث الكيفية لقوله تعالى في المسجد الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
ولعل فيما ذكرنا كفاية بالنسبة لإجابة السائل.
نرجع الآن إلى المناقشة فيما سبق.
رجل قال: لله عليَّ نذر أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان، فمتى يَدْخُل؟
الطالب: يدخل ليلة واحد وعشرين؛ يعني: بعد غروب الشمس من يوم عشرين.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: نعم، ومتى يخرج؟
الطالب: بعد غروب الشمس من آخر يومٍ.
الشيخ: من آخر يومٍ من العشرة؛ يعني: ليلة العيد لا تدخل في هذا؟ صحيح.
إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام فهل يلزمه التتابع؟
الطالب: إذا نذر العشرة الأواخر أم العشرة ..؟
الشيخ: إذا نذر عشرة أيام؟
الطالب: لا يلزمه التتابع.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنها عشرة أيام؛ تَصْلُح أن تكون مُفَرَّقة، وتصلح أن تكون متتابعة.
الشيخ: مطلقًا، لا يلزمه مطلقًا؟
الطالب: إلَّا إذا قال: في العشر الأواخر إذا عَيَّن.
[ ١ / ٣٥٨٦ ]
الشيخ: لا تعني إذا عيَّن أيامًا معلومة، وقال: لله عليَّ نذر أن أعتكف عشرة أيام.
الطالب: على ما نوى، إن نوى التتابع فهو يجب عليه أن يجعلها متتابعة () لم ينوِ التتابع () تصح منه أن ..
الشيخ: إذا صحَّت مفرقة، فمتى يدخل في كل يوم؟
الطالب: يدخل قبل غروب الشمس، ويخرج بعد غروب الشمس.
الشيخ: صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وتدخل الليالي من؟
الطالب: من غروب الشمس.
الشيخ: لا تدخل في الأيام.
الطالب: نعم.
الشيخ: لأنه قال: أعتكف عشرة أيام.
إذن نقول: إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام، فإمَّا أن يشترط التتابع بلفظه فهو يلزمه؟
طلبة: التتابع.
الشيخ: التتابع، وإن لم يشترطه بلفظه؟
طالب: لم يلزمه.
الشيخ: فهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن ينويَ التفريق؛ فلا تلزمه إلا مفرقة.
والثاني: أن ينوي التتابع، فتلزمه متتابعة.
والثالث: أن يُطْلِق فلا تلزمه متتابعة، لكن إذا تتابع فهو أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته.
أما إذا نذر أيامًا معيَّنة كالعشر الأُوَل أو الأُخَر، أو أول أسبوع من الشهر، أو ما أشبه ذلك فيلزمه التتابع.
خروج المعتكف للبيع والشراء؛ رجل صاحب دكان اعتكف، وصار يخرج بعد طلوع الشمس بساعة فإذا قَرُب الظهر رجع، إذا صلى العصر ذهب، إذا قرب المغرب رجع، ما تقول؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: ما هو هذا من ابتغاء من فضل الله؟
الطالب: إي، فضل الله له وقت غير زمن الاعتكاف.
الشيخ: ما هو العلة؟
الطالب: العلة أن هذا ينافي أصل الاعتكاف؛ إذ الاعتكاف الحبس ولزم المسجد للطاعة، وهذا للبيع.
الشيخ: صحيح، هذا البيع والشراء ينافي أصل الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف لزوم مسجد لأي شيء؟
طلبة: للطاعة.
الشيخ: لطاعة الله. مرض أبو المعتكف فخرج يعوده؟
الطالب: فيه تفصيل يا شيخ: إذا كان اشترط فإنه يجوز ().
الشيخ: كيف يشترط، وهو صحيح أول ما دخل؟
الطالب: ممكن يشترط يقول: إن مرض لي قريب ..
[ ١ / ٣٥٨٧ ]
الشيخ: قد يشترط فيقول: إن مرض لي قريب فلي أن أعوده، وإن لم يشترط؟
الطالب: إن لم يشترط لم ().
الشيخ: لم يَجُزْ؟ !
الطالب: لا يخرج ..
الشيخ: لم يجز مع إن الاعتكاف نفل؟ !
الطالب: هذا النذر.
الشيخ: لا، أنا أقول: نفل.
الطالب: إذا كان نفلًا، له أن يخرج ويبطل اعتكافه.
الشيخ: صحيح؛ لأن هذا له منه بد. لو سألك: أيهما أولى أن أذهب وأعود أبي أو أبقى في الاعتكاف؟
الطالب: يُبْطِل الاعتكاف ويعود أباه.
الشيخ: الأَوْلَى أن يعود أباه ولو بَطَل اعتكافُه؛ لأن عيادة أبيه من البِرِّ، والبِرُّ أفضل من مُطْلَقِ الاعتكاف.
قال المؤلف ﵀: (وإن وَطِئ في فرج)، (إن وطئ) الفاعل يعود على المعتكف.
(في فرج) بطل اعتكافه لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا نهيٌ صريح في أنه لا تجوز مباشرة النساء حال الاعتكاف ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فلو جامع بَطَل اعتكافه؛ لأنه فعل ما نُهِيَ عنه بخصوصه، وكل ما نُهِيَ عنه بخصوصه في العبادة فإنه يُبْطِلُها، وهنا ينبغي أن نتعرض لهذه القاعدة المفيدة؛ النهي إن عاد إلى نفس العبادة فهي حرام وباطلة.
مثاله: لو صام الإنسان يوم العيد فصومه حرام وباطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن صوم يوم العيد (١٢)، ولو أن المرأة وهي حائض صامت لكان صومُها حرامًا وباطلًا؛ لماذا؟ لأنه منهيٌّ عنه بخصوص، يعني: قيل للحائض: لا تصومي، فإذا صامت فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط، كل عبادة تُنافِي أمر الشرع أو تُوقَع فيما نهى عنه فهي باطلة.
الحالة الثانية: أن يكون النهي على قول أو فعل يختص بالعبادة، أن يكون النهي عائدًا إلى قول أو فعل يختص بالعبادة فهذا أيضًا يبطل العبادة.
[ ١ / ٣٥٨٨ ]
مثال ذلك: الأكل في الصوم، الأكل في الصوم الأصل فيه أنه حلال أليس كذلك؟ فإذا أكل الصائم فسد صومه؛ لأن النهي عائد إلى فعل يختص بأيش؟ بالعبادة الذي هو الصوم، إذا جامع وهو مُحْرِم، فما الحكم؟
طلبة: فَسَد إحرامه.
الشيخ: يَفْسد إحرامه؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
إذا حلق رأسَه وهو مُحرِم؛ النهي هنا عن فِعْلٍ يختص بالعبادة ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فسد الإحرام؛ لأن النهي يعود إلى فعل يختص بالعبادة.
القاعدة فإما أن يوجد دليل يخصص هذه المسألة، وإما ألا يمكن، وإما أن تفسد.
الظاهرية ذهبوا إلى فسادها وقالوا: إن فعل المحظورات في الإحرام مفسد للإحرام، هذه القاعدة وتدبروها بكل شيء؛ كل ما نهي عنه في العبادة إذا فعله الإنسان أبطلها؛ لأنه منهيٌّ عنه لأجل هذه العبادة، فإذا انتهكت الحرمة فسدت العبادة.
وأما حديث كعب بن عجرة؛ حيث إن الله ﷿ أَذِن لمن كان مريضًا أو به أذى من رأسه، أن يَحْلِقَ ويَفْدِي (١٣)، فهذا لعذر، ولا يستوي المعذور وغير المعذور، أيش نقول؟
طالب: ().
الشيخ: نسلم؟
طالب: ().
الشيخ: عندنا قاعدة أساسية الآن؛ كل فعل أو قول نُهِيَ عنه في العبادة فهو يُفْسِدها، هذه القاعدة مُطَّرِدَة، وهذا قول أو فعل نُهِيَ عنه في العبادة؛ محظور من محظورات الإحرام فيفسدها، ولا يمكن أن يقال: إن لنا حجة في قصة كعب بن عجرة؛ لأنه معذور ولما صار معذورًا صار الحلق في حقه أيش؟ حلالًا ما هو حرام، فإذا فعله في هذه الحال لم يكن فعل محظورًا.
طالب: ().
الشيخ: معذور هاج به الدم فأخذ من الشعر، ثم قالوا: نحن نخاصمكم بالقياس مع أننا لا نقول به لكن نلزمكم إياه لأنكم تقولون به، لماذا تقولون: إنه إذا جامع فَسَد إحرامه؟ أيُّ فرق؟
[ ١ / ٣٥٨٩ ]
طالب: الفرق بين قوله هذا فاسد وبين قوله باطلًا.
الشيخ: لا هذه مسألة ثانية؛ التفريق بين الفساد والبطلان شيء أخر.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ذكرتم قبل هذا أن الفقهاء قالوا: إلَّا في الحج؛ لأن تكلف مشقة وجاؤوا ..
الشيخ: لا ما هو بهذا، هذا ذكرناه في جواز الخروج من النفل؛ قلنا: إلا الحج.
طالب: نقول: هذا الحج ينطبق عليه القاعدة، لكن يُسْتَثنَى إلا ما دل الدليل على عدم البطلان.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: لقول الله تعالى.
الشيخ: بس ما يخالف، يقولون: نحن معكم إذا كان لعذر.
لكننا نجيبهم بما جاء في القرآن، الصيد حرام في الإحرام، وقال الله فيه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] أي: غير معذور ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ولم يُبْطِل الله الإحرام، فدلَّ هذا على أن الحج والعمرة لها أحوال خاصة؛ لقوة لزومها وثبوتها، لا يفسدها المُحَرَّمُ فيها إلا ما أجمع العلماء عليه، وهو فيما أعلم الجماع، وإلَّا فإنه لا يُفْسِدها، والدليل في الصيد ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ وهذا ليس بمعذور، ثم إنه ينجبر بالبدل، ثم إن العذر في المفسد لا يقتضي رفع البطلان، أرأيتم الصائم إذا كان مريضًا وأفطر من أجل المرض هل يَفْسُد صومه أو لا؟
طالب: نعم، يفسد.
الشيخ: مع أنه؟
الطالب: معذور.
[ ١ / ٣٥٩٠ ]
الشيخ: معذور، فلهذا تَبَيَّن أن أهل الظاهر رحمة الله عليهم أول ما يسمع الإنسان حجتهم ينبهر ويقول هذه حجة لا مناص منها، لكن عندما يتأمل يتبين له إذا وفقه الله ﷿ للبيان، وإن كان قيادة سهلة مشى، لكن إذا تأمل وجد أن الفقه كل الفقه في الذين يتَّبعون الدليل؛ ظاهره وباطنه، ويحملون النصوص الشرعية بعضها على بعض، حتى تتلاءم، ولذلك أنا أرى أن الظاهرية لهم حجج قوية، لكنها على اسمهم، أيش هي؟ ظاهرية، وأن الإنسان إذا تَعَمَّق وجد أن ما ذهب إليه الفقهاء المعنيُّون بالمعاني هو الصواب في الغالب.
إذن القاعدة اللي ذكرنا نرجع إلى قاعدتنا -لا بعد النظير- أيش القاعدة؟
أنه إذا نُهِيَ عن شيء في العبادة؛ فعل أو قول وهو يختص بالعبادة النهي فإنه يفسدها تمام، مثَّلنا بأيش؟ بالأكل والشرب في الصيام، الأكل والشرب حلال، لكن في الصيام حرام، فإذا فعل بطلت.
الكلام في الصلاة حرام دائمًا.
طلبة: () خاص.
الشيخ: خاص، هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فإذا تكلم الإنسان في الصلاة، ولو بكلام يُحْمَد عليه ولو بأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر بطلت صلاته؛ لأن النهي أيش؟ خاصٌّ بالصلاة، حتى ولو كان مما يجب كالأمر المعروف والنهي عن المنكر، إذا تكلم في الصلاة بطلت.
الثالث: إذا كان النهي عامًّا فإن القاعدة أنه لا يبطل العبادة إذا كان النهيُ عامًّا في العبادة وغيرها فإنه لا يبطلها.
الغيبة للصائم؛ إذا اغتاب الصائم، فالغيبة حرام، لكن لا تُبْطِل الصيام، لماذا؟ لأن التحريم عامٌّ فلا يبطل الصوم.
صلى في أرض مغصوبة، حكم الصلاة؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: على القاعدة.
طلبة: صحيحة.
الشيخ: على القاعدة صحيحة؛ لأنه لم يَرِد النهي عن الصلاة، لو قال: لا تُصَلُّوا في أرض مغصوبة فصلى، قلنا: لا تصح؛ ليش؟ لأنه نُهِيَ عن الصلاة بذاتها بعينها.
[ ١ / ٣٥٩١ ]
توضأ بماء مغصوب، أيش القاعدة؟ تقتضي أن يكون الوضوء صحيحًا؛ لأن التحريم عام، استعمال الماء المغصوب في الطهارة، في غسل الثوب، في الشرب، في غسل أي شيء حرام.
فالتحريم عامٌّ فلا يوجب بطلان العبادة.
لو صلى وهو مُحْدِث؟
طالب: لا تصح صلاته.
الشيخ: لا تصح، ليش؟
طالب: ().
طالب آخر: فاقد شرط.
الشيخ: نعم، هو فاقد شرط، لكن أيضًا ترك واجبًا، ووقوع في المنهي عنه: «لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ وُضُوء» (١٤) فتكون الصلاة غير صحيحة، وعلى هذا فقس.
فصار عندنا الآن ثلاث قواعد؛ إذا عاد النهي إلى ذات العبادة فهي حرام ولا تَصِحُّ، إذا عاد النهي إلى فعل شيء أو قول شيء يختص بالعبادة أفسدها، إذا عاد النهي إلى شيء عام في العبادة وغيرها فإنه لا يبطلها.
صلَّى في المقبرة؟
طالب: لا تجوز.
طالب: ().
الشيخ: لا تصح لأيش؟
طلبة: لأن فيها نهيًا خاصًّا.
الشيخ: لأن فيها نهيًا خاصًّا «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (١٥).
صلَّى إلى قبر؛ يعني: جعل القبر قبلته؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح، لأيش؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن النهي عن نفس الصلاة «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ» (١٦)، وعلى هذا فقس، هذه هي القاعدة المفيدة.
الآن نرجع إلى الاعتكاف؛ رجل تزوَّج حديثًا وهو شاب، وليكن زواجه ليلة تسعة عشر من رمضان، ودخل معتكفه ليلة إحدى وعشرين، وكأنه اشتاق إلى أهله فذهب إلى أهله وجامع، ما حكمه؟
طالب: بَطَل الاعتكاف.
الشيخ: بطل الاعتكاف، اشترط لأنه حديث عهد بعرس؛ اشترط عند دخوله في الاعتكاف أن ينام مع أهله؟
طلبة: لا يَصِحُّ.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن هذا مُحَلِّلٌ لما حرَّم الله، وكل شرط أحل ما حرم الله فهو باطل.
يقول: (إن وَطِئ في فرج فَسَد اعتكافه).
وإن وطئ في غير فرج؟ مثل وطئ زوجته بين فخذيها، هل يَفْسُد؟
قالوا: لا يَفْسُد إلا أن يُنْزِل.
[ ١ / ٣٥٩٢ ]
(ويُسْتَحَب اشتغالُه بالقُرَب واجتناب ما لا يَعْنِيه).
(يُسْتَحب اشتغالُه بالقُرَب) يعني: لا بالعلم إلا شيئًا نادرًا يفوت بفوات الوقت فلا بأس، وإلا فالأفضل أن يشتغل بالعبادات الخاصة، كقراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي، وما أشبه ذلك، وهو أفضل من أن يذهب إلى حلقات العلم، اللهم إلا أن تكون هذه الحلقات نادرة، لا تَحْصُل له في غير هذا الوقت، فربما نقول: طلب العلم في هذه الحال أفضل من الاعتكاف، فاحضرها، لكن سيحمل كتابه ويجلس على شيخه يقرأ، نقول: هذا الأفضل ألَّا يفعل، يشتغل بالقرب.
(واجتناب ما لا يَعْنِيه) يعني: أن يجتنب ما لا يعنيه من قول أو فعل أو ترك، أو غير ذلك وهذا سنة له ولغيره؛ قال النبي ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (١٧)، وهذا من حُسْن إسلام المرء، ومن حسن أدبه، ومن راحة نفسه أن يدع ما لا يعنيه، أما كونه يَنْبُش عن شيء لا يعنيه، لو يشوف إتنين يتكلمون قال: تعال، ويش قال لك الرِّجِّال؟ يتعب، أليس كذلك؟ يتعب.
إذا كان أيضًا يتتبع الناس ويش حصل لفلان؟ ويش صار لفلان؟ ويش صار في أمريكا؟ ويش صار في موسكو؟ ويش صار في لندن؟ ويش صار في باريس؟ هل يعنيه هذا؟
أكثر الأحيان ما يعنيه، ربما يعنيه إذا أساء هؤلاء الكفار إلى المسلمين يعنيه هذا الشيء لأجل أن يدعوَ الله عليهم، لكن أشياء ما تعنيه، فإن من حسن إسلام المرء وأدبه وراحته أن يدع ما لا يعنيه؛ ولهذا تجد الرجل السمَّاع الذي ليس له هَمٌّ إلا سماع ما يقوله الناس، والاشتغال بقيل وقال، تجده منفرط عليه الوقت.
اجتناب ما لا يَعْنيه: هل يجوز مثلًا أن يزوره أحدٌ من أقاربه ويتحدث إليه ساعةً من زمان؟
[ ١ / ٣٥٩٣ ]
الجواب: نعم؛ لأن صَفِيَّة بنت حُيَي زارت النبي ﷺ في مُعْتَكَفِه، وتحدثت إليه ساعة (١٨) وهذا لا بأس به، وهذا مما يعني الإنسان، مما يعني الإنسان أن يتحدث إلى أهله؛ لأنه إذا تحدث إلى أهله أدخل عليهم السرور، وحصل بينهم الألفة، وهذا أمر مقصودٌ للشرع؛ ولذلك ينبغي لنا ألا يكون الإنسان منا كَلًّا، تجده مثلًا يجلس إلى أهله ما يكلمهم، ولا يتحدث إليهم، إن كان طالب علم فكتابه معه، وإن كان هو عابدًا يقرأ القرآن مثلًا أو يذكر الله ولا يتكلم، ثم إذا سألتَه ليش يا أخي ما تتكلم، قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (١٩)، أنا ويش أقول؟ ما عندنا كلامًا، أنا ما بعلمه الفقه ولا التوحيد ولا التفسير، ما عندي كلام ويش أقول؟ إذن الأَوْلى أنْ أَصْمُت.
نقول: يا أخي، الخير، فليقل: خيرًا، الخير إما أن يكون في ذات الكلام، أو في غيره فيما يؤدي إليه الكلام، ولا شك أنه إذا تكلَّمت مع أهلك، أو مع أصحابك بكلام مباح في الأصل ولكن قصدك إدخال الأُنْس والسرور عليهم، صار هذا خيرًا، لكن لغيره ولَّا لذاته؟
طلبة: لغيره.
الشيخ: لغيره، وقد يكون خيرًا لذاته أيضًا، ربما تَعْرِض عليهم مسألة فقهية أو آية تقول: فَسِّروا الآية هذه أو حديث تقول أيش معناه؟ فالمهم أن تَجَنُّب ما لا يعني الإنسان -لا شك- أنه خَيْرٌ للمعتكف ولغيره.
سمعنا أن واحدًا من الناس قال: أنا لن أتكلم بكلام الآدميين أبدًا، لا أتكلم إلا بكلام الله، فإذا دخل إلى بيته قال: ﴿ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩] يعني: يديكوا قروش، جيب لنا الخبز، كل ما قيل، ما يتكلم إلا بالقرآن ما تقولون في هذا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٣٥٩٤ ]
الشيخ: قال أهل العلم: يَحْرُم جَعْلُ القرآنِ بدلًا من الكلام، وأنا رأيت في زمن الطلب وأنا صغير قصة في جواهر الأدب، عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتُعْجِب اللي يخاطبونها، قالوا: أيش بلاها؟
قالوا: هذه لها أربعون سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تَزِل فيغضب عليها الرحمن. ماذا نقول نحن؟
نقول: هي زلَّت الآن، هذا زَلَل القرآن لا يُجْعَل بدلًا من الكلام، لكن لا بأس أن يستشهد الإنسان بالآية على قضية وقعت كما يُذْكَر عن النبي ﵊ أنه كان يَخْطُب، فخرج الحسن والحسين يَعْثُران بثياب لهما فنزل فأخذهما، وقال -أظنه-: «صَدَقَ اللَّهُ: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾» (٢٠) فالاستشهاد بالآيات على الواقعة إذا كانت مطابقة تمامًا لا بأس بها.
الطالب: أحسن الله إليك، كيف حال القُبْلَة والضَمِّ وما شابه ذلك، والمباشرة فيما دون الفرج؛ غير مبطل للاعتكاف لأنه نافيه؟
الشيخ: إي هم يقولون: إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] يراد به الجماع، لكن مُقَدِّمَاته تَحْرُم تحريم الوسائل.
الطالب: لكنه إذا أَمِنَ على نفسه الجماع في الفرج، معنى هذا أنهم يجيزون له القُبْلَة والضم وما ..
الشيخ: ما تجوز.
الطالب: لكنهم، يعني: يمنعونها، لكنه إن فعل لم يَفْسُد اعتكافه؟
الشيخ: إي نعم.
بالنسبة للخروج الآن، ممكن أن نقول: الخروج ثلاثة أقسام؛ قسم يجوز بلا شرط، وقسم لا يجوز ولو بشرط، وقسم يجوز بشرط.
القاعدة: ما يجوز بلا شرط هو الذي لا بد منه حِسًّا أو؟
طلبة: معنى.
الشيخ: أو شرعًا، وما لا يجوز ولو بشرط هو الذي ينافي الاعتكاف، وما يجوز بشرط هو الأمور المطلوبة شرعًا لكنها ليست بواجبة.
طالب: إذا مرض قريبه يا شيخ فعاده، يبطل؟
الشيخ: لا ما يَبْطُل، هذا فائدة هذا الشرط أنه لا يبطل.
الطالب: ولو كان نذرًا يا شيخ؟
الشيخ: ولو كان نذرًا.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم.
[ ١ / ٣٥٩٥ ]
طالب: يا شيخ -بارك الله فيك- بعض النساء في رمضان يصوم طيلة اليوم حتى إذا قرب المغرب الآذان أفطرت تقول: هي حائض؟
الشيخ: وهي حائض؟
الطالب: نعم، وهي حائض.
الشيخ: أعوذ بالله.
الطالب: تقع كثيرًا جدًّا ..
الشيخ: ما سمعنا بهذا.
الطالب: لا، كثيرًا.
الشيخ: هل سمعتم بهذا؟
طلبة: أيش سؤاله؟
الشيخ: يقول: المرأة إذا كانت حائضًا في رمضان صامت حتى يبقى على غروب الشمس نصف ساعة ثم تفطر، الآن هذه خالفت الشرع من وجهين؛ نية الصيام، والإفطار قبل الغروب.
الطالب: هم يقولون: يا شيخ يعني: من باب عيب أنها تأكل، والبيت كله صائم مثلًا ..
الشيخ: لا، تكون في المطبخ وحدها، وتأكل أيش المشكلة.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لخروج المعتكف إذا كان اعتكف في العشرة الأواخر من رمضان هل يخرج بثيابه أم متجملًا إلى مصلى العيد.
الشيخ: مصلَّى العيد، الصحيح أنه يخرج مُتَجَمِّلًا، وأما قولهم رحمة الله عليهم: إنه يخرج بثيابه التي اعتكف فيها؛ لأنها أثر عبادة هذا ضعيف.
طالب: لكن إذا كان () هل يخرج بعد ما يعلم ..؟
الشيخ: إي نعم، لو ثبت الخبر نصف الليل طلع.
الطالب: كيف يخرج مُتَجَمِّلًا () إذن هو يلبس الآن في محله.
الشيخ: لأيش يلبس؟
الطالب: لأنه سيخرج متجملًا.
الشيخ: طيب، يروح لبيته.
الطالب: يذهب إلى بيته؟ !
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ثم يتجمَّل ويذهب إلى ..
الشيخ: إي نعم.
بقي علينا مسألة سأل عنها الناس في أيام رمضان قالوا: إنا معتكفون ولا يستطيعون أن يصعدوا إلى السطح للدرس إلا عن طريق الخارج، يخرجون من الباب ويدخلون من الباب الثاني، فهل هذا يبطل الاعتكاف؟
طالب: ().
الشيخ: لا، الظاهر أولًا لحاجة، وفي الشيء الثاني ما هو خروج مغادرة يرجع على طول هو يريد الدخول الآن، لكن مُنَع من الدخول مَنْ على الأبواب، فالظاهر أنه لا يضر، وأنا خفت أني اتهمت نفسي في هذا، وسألت الشيخ عبد العزيز، وقال: نعم، قال كما ذكرت.
[ ١ / ٣٥٩٦ ]
هذا السائل يقول: إذا كان النهي عامًّا فلا يُفْسِد العبادة، فماذا نقول: في شرب الخمر والزنا للصائم مع أن النهي هنا عام؟ وماذا نقول: في الغيبة للمصلِّي؟
طلبة: ().
الشيخ: مثل () واحد () يصلي () يصلي، قال: هذا النهي عام، ماذا تقولون؟
كلام، هذا كلام، وهذا أكل وشرب وجماع.
طالب: القاعدة؟
الشيخ: القاعدة أن هذا منهيٌّ عنه بِعَيْنِه في فقه الصيام منهي عنه بعينه، لكن ما ورد حديث مثلًا أنه نُهِيَ عن الغيبة بعينها في الصيام.
طالب: ().
الشيخ: هذا النذر.
طالب: بالنسبة إذا قلنا: إن النساء صلاتهن في بيوتهن خير من صلاتهن في المسجد الحرام والمسجد النبوي ..
الشيخ: وصلاتي أنا النافلة خير من صلاتي في المسجد الحرام.
الطالب: لا إذا كانوا في بُلدانهم، هل الأفضل صلاتهم في () من صلاتهم في المسجد الحرام () مكة () المدينة.
الشيخ: اللي في بلدها، كيف تيجي تصلي في المسجد الحرام؟
الطالب: لا، يعني: هل () إذا قالت المرأة: أريد أن أسافر مثلًا إلى مكة كي أصلي هناك يعني ..
الشيخ: على كل حال الصلاة في مكة أفضل من الصلاة ()، الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحل.
الطالب: لا، يعني: بالنسبة للمرأة يا شيخ؟
الشيخ: المرأة وغيرها.
طالب: هل تقول: إن سفرها إلى مكة () ما فيه فائدة كبيرة () إلى مكة لأنه ..
الشيخ: فائدتها العمرة.
طالب: كيف يا شيخ أن الأجر الكيفي أفضل من الأجر الكمي في الصلاة في البيت الحرام، هل يأخذ الأجر الكمي إذا صلى في البيت؟
الشيخ: لا، لكن يأخذ الأجر الكيفي، أكثر بكثير من الكمي.
***
مدخل (٢١)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الجهاد) (الجهاد) مصدر جاهد الرباعي، وهو بذل الجهد في قتال العدو هذا الجهاد.
[ ١ / ٣٥٩٧ ]
وينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام؛ جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارزين المعاندين.
أما الأول وهو جهاد النفس فهو إرغامها ومخالفتها في معصية الله؛ أي: إرغامها على طاعة الله ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة لا سيما إذا كان في بيئةٍ فاسقة؛ فإن البيئة قد تَعْصِف به حتى ينتهك حرمات الله وحتى يدع ما أوجب الله عليه، وقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حينما رَجَع من غزوة تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» (٢٢) يعني جهاد النفس، لكنَّ هذا الحديث غير صحيح.
أما النوع الثاني فهو جهاد المنافقين، وجهاد المنافقين يكون بالعلم لا بالسلاح لأن المنافقين لا يُقاتَلون؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استأذن أن يُقْتَل المنافقون الذين عَلِمَ نفاقَهم فقال: «لَا، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (٢٣)، وهم لهم جهاد؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، ولكن جهادهم بالعلم؛ ولهذا يجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يُورِدون الشبهات على دين الله ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان عِلْمٌ فإنه ربما تَكْثُر الشبهات والشهوات والبِدَع، ولا يستطيع أحد أن يَرْدَعَها.
الثالث: جهاد المبارزين المعاندين المحاربين وهم الكفار الذين أعلنوا وصرَّحوا بالكفر، وهذا يكون بماذا؟
يكون بالسلاح، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قد يقال: إنه يشمل النوعين جهاد المنافقين بالعلم وجهاد الكفار بالسلاح.
ولكن قول الرسول ﵊: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (٢٤) يؤيد أن المراد بذلك؟ السلاح، المقاتلة.
وجوب الجهاد
[ ١ / ٣٥٩٨ ]
الجهاد -يقول المؤلف-: (فرض كفاية)، وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به مَنْ يكفي سقط عن الباقين وصار في حقهم سُنَّةً وهذا حكمه، أما مرتبته في الإسلام فقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذِرْوَة سَنَامِ الإسلام (٢٥)، والسَّنَامُ هو الشحم النابت فوق ظهر الجمل، وذروته أعلاه، وإنما جعله النبي ﵊ ذِرْوَة سَنَام الإسلام؛ لأنه يعلو به الإسلام ويرتفع به الإسلام كما أن سَنام البعير كان فوق، مرتفعًا، فهو له مرتبة وله حكم، حكمه؟
طالب: فرض كفاية.
الشيخ: ومرتبته أنه ذروة سنام الإسلام، وقوله: (هو فرض كفاية) لا بد فيه من شرط وهو الكفاية أي بأن يكون عند الإنسان أو عند المسلمين قدرة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم بالقتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يوجب الله ﷾ على المسلمين القتال وهم في مكة لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة وكَوَّنوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أُمِروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط أن يكون عند المسلمين قوة يستطيعون بها الجهاد، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يُشْتَرط فيه القدرة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذن لا بد من القدرة.
[ ١ / ٣٥٩٩ ]
قال: (ويجب) يعني: يجب الجهاد (إذا حضره)؛ يعني: يكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦]، وقد أخبر النبي ﵊ أن التولي يوم الزحف من الموبقات حيث قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ -وذكر منها- التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» (٢٦)، إلا أن الله تعالى استثنى حالين:
الأولى: أن يكون مُتَحَرِّفًا لقتال بمعنى أن يذهب لأجل أن يأتي بقوة أكثر.
والثانية: أن يكون منحازًا إلى فئة؛ بحيث يُذْكَر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تهزم، فيذهب من أجل أن يَتَحَيَّز إليها تقوية لها، وهذا الأخير يشترط فيه ألَّا يَخَاف على الفئة التي هو فيها، فإن خاف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى.
إذن يكون في هذه الحال إذا حضر أيش؟
طالب: واجب عين.
الشيخ: واجبًا، فرض عين لا يجوز عنه الانصراف.
الثاني؛ إذا حَصَر بلدَه العدوُّ يجب عليه القتال دفعًا عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حَصَر البلد فلا بد من الدفاع؛ إذ إن العدو سيَمْنع الخروج من هذا البلد، وسيَمْنَع الدخول إلي هذا البلد، وسيمنع ما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذا الحال يجب أن يقاتل أهل البلد دفاعًا عن بلدهم.
[ ١ / ٣٦٠٠ ]
الثالث؛ قال: (أو استنفره الإمام) (استنفره) أي: قال: انفروا، و(الإمام) هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يُشْتَرط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت منذ أزمان متطاولة، والنبي ﵊ قال: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» (٢٧)، فإذا تأمَّر إنسان على جهةٍ ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا وأمره مطاعًا، وأنتم تعلمون أنه من عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيرهم في العراق، تفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد، نسأل الله العافية.
وهؤلاء لا أدري هل يريدون أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟ هل يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية -والعياذ بالله- لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن مَنْ استولى على ناحية من النواحي وصار له الكلمة العليا فيها فهو إمام فيها، وقد نَصَّ على ذلك العلماء مثل صاحب سبل السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن في البلاد التي في ناحية واحدة تجدهم يجعلون انتخابات ويحصل صراع على السلطة ويحصل رشاوى وبيع ذمم إلى غير ذلك، فإذا كان البلد الواحد لا يستطيعون أن يُوَلُّوا عليهم واحدًا إلا بمثل هذه الانتخابات المزيفة فكيف بالمسلمين عمومًا؟ هذا لا يمكن.
[ ١ / ٣٦٠١ ]
إذن نقول: إذا استنفره الإمام، وإمام كل ناحية مَنْ كان واليًا عليها الذي له السلطة العليا في هذه الناحية إذا استنفره الإمام وجب عليه الخروج؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩] وقال النبي ﷺ: «إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (٢٨)، هذا من ناحية الأدلة السمعية.
دليل عقلي؛ لأن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام؛ إذ إن العدو سوف يقدم ويتقدم إذا لم يجد مَنْ يقاومه ويدفعه.
بقي مسألة رابعة أو صورة رابعة: إذا احتيج إليه صار فرض عين عليه، كيف يحتاج إليه؟
يعنى: مثلًا هذا الرجل عندنا دبَّابات أو طائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، حينئذ يجب عليه أن يُقاتَل؛ لأن الناس محتاجون إليه، وهذا ربما نقول: إن هذه المسألة الرابعة تؤخذ من قولنا: إنه فرض كفاية؛ لأنه إذا لم يَقُم به أحد، واحتيج إلى هذا الرجل فهذا هو فرض كفاية يكون فرض عين عليه، والحاصل أن الجهاد يجب وجوب عين في أربع مسائل:
المسألة الأولى: إذا حضر القتال.
والثاني: إذا حصر بلدَه العدوُ.
والثالث: إذا استنفره الإمام.
والرابع: إذا احتيج إليه.
[ ١ / ٣٦٠٢ ]