وهو بَدَلُ طَهارةِ الماءِ، إذا دَخَلَ وقتُ فريضةٍ أو أُبِيحَتْ نافلةٌ وعُدِمَ الماءُ أو زادَ على ثَمَنِه كثيرًا
(ترويه) (يحثي على رأسه) يعني: يحثي الماء، (على رأسه ثلاثًا ترويه) قوله: (ثلاثًا) ظاهره أنه على جميع الرأس يحثو الماء على جميع الرأس، منين نأخذ أن هذا هو الظاهر؟
طلبة: من إطلاقه.
الشيخ: لأنه قال: (رأسه ثلاثًا).
[ ١ / ٤٢٣ ]
وقوله: (ترويه) أي: تصل إلى أصوله بحيث لا يكون الماء قليلًا، بل لا بد أن يصل إلى أصول الشعر، وظاهر حديث عائشة ﵂: أن الرسول ﵊ غسل رأسه حتى إذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه ثلاث مرات (١)، فظاهره أنه أولًا يصب عليه الماء ويخلله، ثم بعد ذلك يفيض عليه ثلاث مرات، إلا أن بعض أهل العلم قال: إن قولها: ثلاث مرات، لا يعم جميع الرأس، لكن مرة للجانب الأيمن، ومرة للجانب الأيسر، ومرة لوسط الرأس، كما يدل على ذلك صنيعه ﷺ حينما أتي بالحلاب، فأخذ منه ماء فغسل به جانب الرأس الأيمن، ثم الأيسر، ثم الرأس وسطه (٢).
وقال المؤلف: (ويعم بدنه) بعدما يغسل رأسه، (ويعم بدنه غسلًا ثلاثًا).
أما قوله: (يعم بدنه) فدليله حديث عائشة وميمونة: ثم أفاض الماء على سائر جسده (١).
وأما قوله: (ثلاثًا) فإنهم فعلوا ذلك قياسًا على الوضوء، وأنه يشرع فيه التثليث، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم؛ هل يثلث في غسل البدن أو لا؟ فالمشهور من المذهب -كما ترون- واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم: أنه لا تثليث في غسل البدن؛ لأن ذلك لم يصح عن النبي ﷺ، وإذا لم يصح فإنه لا يشرع.
قال المؤلف: (ويدلكه) كيف يدلكه؟ يعني: يمر يده عليها كذا دلكًا، وإنما شرع الدلك لأجل تيقن وصول الماء إلى جميع البدن؛ لأنك لو صببته بدون دلك ربما يتفرق في البدن من أجل ما فيه من الدهونة ولا يشمل البدن، فَسُنَّ الدلك.
(ويتيامن) ويش معنى يتيامن؟ يعني: يبدأ بالجانب الأيمن، أما في الوضوء فظاهر، وكذلك في الغسل؛ في غسل البدن، وكذلك في غسل الرأس يبدأ باليمين؛ لقول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله (٣)، فيغسل الأيمن قبل الأيسر.
قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر) يعني: عندما ينتهي من الغسل يغسل القدمين في مكان آخر غير المكان الأول.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وهل هذا سنة مطلقة أو سنة عند الحاجة؟ ظاهر كلام المؤلف أنه سنة مطلقة، ولو كان المحل نظيفًا كما يوجد الآن في حماماتنا.
ولكن الذي يظهر لي أنه يغسل رجليه في مكان آخر عند الحاجة إلى ذلك، كما لو كانت الأرض طينًا، فهو إذا لم يغسل رجليه في مكان آخر تلوثت بالطين، ويدل لهذا أن النبي ﷺ لم يغسل رجليه في حديث عائشة بعد الغسل، ورواية: أنه غسل رجليه (٤) ضعيفة، والصواب: أنه غسل رجليه في حديث ميمونة، فالظاهر أن غسل الرجلين في مكان آخر إنما يشرع متى؟
طلبة: عند الحاجة.
الشيخ: عند الحاجة إليه فقط () قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر).
طالب: (مكانًا) هذا؟
الشيخ: (مكانًا) ظرف مكان.
طالب: () الظرف () هنا.
الشيخ: في مكان.
طالب: من الفعل؟
الشيخ: لا.
الطالب: من لفظ الفعل؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط.
يقول: (والمجزئ: أن ينوي) إلى آخره، (المجزئ) يعني: الذي تبرأ به الذمة، والإجزاء معناه: سقوط الطلب بالفعل، هذا الإجزاء، فإذا قيل: أجزأت صلاته؛ أي: سقط طلبه بها؛ لفعله إياها، وكذلك نقول في بقية العبادات: إن الإجزاء هو سقوط الطلب بالفعل؛ يعني: إذا فعلت الشيء وسقط به الطلب، قيل: أجزأ، فإن لم يسقط به الطلب، قيل: لم يجزئ.
فلو أن أحدًا صلى وهو محدث ناسيًا ثم ذكر بعد الصلاة، هل أجزأته صلاته؟ لا، لماذا؟ لأنه الآن مطالب بها، ففعله لم يسقط به الطلب، فلا تكون مجزئة، واضح؟
ولو أن رجلًا وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة ففرق بينها بدون عذر، هل تجزئه ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن الطلب ().
الشيخ: لأن الطلب لم يسقط بصومه هذا؛ إذ إن الطلب أن يصوم متتابعًا، فالإجزاء إذن تعريفه: سقوط الطلب بالفعل؛ أي: بفعل الشيء، فإذا فعل الإنسان الشيء وسقط به الطلب قيل: إنه مجزئ، وإذا سقط الطلب برأت الذمة، وصار الإنسان غير مطالبًا به عند الله ﷿.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قال: (المجزئ: أن ينوي ويسمي) والنية شرط، وقد سبق تعريفها، وبيان الجهر بها أو النطق بها، (ويسمي) وسبق دليله، وأنه واجب على المذهب.
(ويعم بدنه بالغسل مرةً) (يعم بدنه) كل البدن، (بالغسل مرةً) ولم يذكر المؤلف المضمضة والاستنشاق؛ وذلك لأن في وجوبهما في الغسل خلافًا؛ فمن أهل العلم من قال: إن المضمضة والاستنشاق في الغسل كهما في الوضوء، وإنه لا يصح الغسل إلا بهما، ومنهم من قال: إن الغسل يصح بدونهما.
والصواب: أنه لا يصح الغسل إلا بهما؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] يشمل البدن كله، وداخل الأنف وداخل الفم من البدن الذي يجب تطهيره؛ ولهذا أمر النبي ﵊ بهما؛ لدخولهما تحت قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فإذا كانا داخلين في غسل الوجه -والوجه مما يجب غسله في الطهارة الكبرى- كان واجبًا على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض ويستنشق، وإن كان ظاهر كلام المؤلف خلاف ذلك.
قال: (ويعم بدنه بالغسل) (بدنه) يشمل حتى ما تحت الشعر الكثيف، الشعر الكثيف يجب أن يغسل ما تحته، بخلاف الوضوء فإنه لا يجب غسل ما تحت الكثيف، والشعر الكثيف هو: الذي لا ترى من ورائه البشرة.
قال أهل العلم: والشعر بالنسبة لتطهيره وما تحته ينقسم ثلاثة أقسام:
الأول: أن يجب تطهير ظاهره وباطنه بكل حال، وذلك في الغسل من الجنابة.
والثاني: أن يجب تطهير ظاهره وباطنه إن كان خفيفًا، وتطهير ظاهره فقط إن كان كثيفًا، وذلك في الوضوء.
والثالث: لا يجب تطهير باطنه سواء كان خفيفًا أو كثيفًا، وهذا في التيمم.
هنا يقول المؤلف: (يعم بدنه بالغسل مرة) (بدنه) يشمل ما تحت الشعر اللي في رأسه أو في لحيته أو في أي مكان من بدنه.
[ ١ / ٤٢٦ ]
(مرة) إلى آخره، ما هو الدليل على أن هذا الغسل مجزئ؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يذكر الله شيئًا سوى ذلك؛ ﴿اطَّهَّرُوا﴾، ومن عمم بدنه بالغسل مرة واحدة صدق عليه أنه قد اطَّهر، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: نعم، فإن قلت: هذه الآية مجملة، والنبي ﷺ فصَّل هذا الإجمال بفعله، فيكون الغسل واجبًا على الكيفية التي كان النبي ﷺ يفعلها؛ لأن الله لما قال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وهو أمر مجمل، ففسره النبي ﷺ بفعله، صار واجبًا علينا أن نقيم الصلاة كما فعل الرسول ﵊.
هنا لما قال: ﴿اطَّهَّرُوا﴾ ولم يبين كيفية ذلك في القرآن وبينه الرسول ﵊، علمنا أنه يجب علينا، أو كان مقتضى الحال أن يجب علينا أن نفعل كما فعل الرسول ﵊، فهمتم هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فما هو الجواب؟
قلنا: الجواب من وجهين أو من ثلاثة:
أما الأول: فإنه لو كان الله ﷿ يريد منا أن نغتسل على وجه التفصيل لبينه، كما بين كيف نتوضأ على وجه التفصيل، فلما بين الوضوء على وجه التفصيل وهذا أجمله علم أنه ليس بواجب؛ أن نبدأ مثلًا بأعلى البدن أو بيمينه أو بشماله، هذا واحد.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ثانيًا: أن النبي ﷺ قال للرجل الذي كان قد أصابته جنابة ولا يصلي قال له: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»، والقصة معروفة وثابتة في صحيح البخاري (٥) في حديث عمران بن حصين الطويل: وكان ليس عند الناس ماء، وذهب علي بن أبي طالب ورجل معه يطلبان الماء، وحضر الماء، واستقى الناس منه وتطهروا، وبقي بقية فقال النبي ﵊ للرجل الذي كان جنبًا وكان لا يصلي، فقال له: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»، قال له: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»، ولم يبين له النبي ﷺ كيف يفرغه على نفسه؟ ولو كان الغسل واجبًا كما اغتسل الرسول ﵊ لبينه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في مقام البلاغ، والرسول ﵊ واجب عليه أن يبلغ البلاغ المبين.
وهذا الرجل يبدو؛ يعني: لو قال قائل: لعل هذا الرجل يعرف كيفية الغسل؟ فنقول: الأصل عدم معرفته، ثم إن ظاهر حاله أنه رجل جاهل؛ بدليل أنه ما علم أن التيمم يجزئ عن الغسل عند عدم الماء.
هناك وجه ثالث، ولننظر هل يصح أو ما يصح؟ وهو أن الرسول ﷺ لم يغتسل على كيفية واحدة، بل اغتسل مرة، على حسب ما جاء في حديث عائشة، ومرة على حسب ما جاء في حديث ميمونة، ولو كانت الصفة واجبة؛ لبقي على حالة واحدة؛ ولهذا استدللنا على أن التثليث في الوضوء ليس بواجب بأن الرسول ﷺ كان يتوضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا (٦).
طالب: ()؟
الشيخ: في الوضوء ليس بواجب.
ولكن قد يقول قائل: إن الواجب إحدى الصفتين، ولكن حديث عمران بن حصين في قصة الرجل واضح جدًّا، وقريب منه في الوضوح: قرن الله الغسل من الجنابة بأحكام الوضوء المفصلة دون أن يفصل في الغسل، أما الوجه الثالث ففيه شيء من الضعف.
إذن الغسل الكامل: أن ينوي ويش بعد؟ يسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة.
[ ١ / ٤٢٨ ]
فما رأيكم لو أن رجلًا نوى وعليه جنابة نوى الغسل، فانغمس في بركة أو في غدير؛ مجتمع السيول ثم خرج، يجزئه ولَّا لا؟
طلبة: يجزئه.
الشيخ: يجزئه.
طالب: مع المضمضة؟
الشيخ: إي، يجزئه إذا تمضمض واستنشق.
لو أراد الوضوء ثم انغمس في هذا الماء؟
طالب: إن كان جنابة ..
الشيخ: لا، ما هو جنابة، وضوء.
طالب: نقول: الوضوء، إذا كان الجنابة جائزة الوضوء من باب أولى.
الشيخ: إي، بس هذه الأولويات ما هي في كل مكان، طيب مين اللي يعرف؟
طالب: هنا لا يجزئه؛ لأنه فقد الترتيب.
الشيخ: لا يجزئ؛ لأنه فقد الترتيب؟
طالب: لا، يجزئ، الترتيب سنة.
الشيخ: إي، هذا عاد مسألة خلافية؛ المذهب أن الترتيب فرض لا بد منه، وسبق لنا تقرير ذلك، وعلى هذا فلا يجزئ لفوات الترتيب، طيب لو خرج مرتبًا؟
طالب: أجزأه.
الشيخ: أجزأه، خرج مرتبًا، كيف يخرج مرتبًا؟
طالب: يخرج من البركة ويتوضأ.
الشيخ: لا، يخرج ويتوضأ، ما يصلح هذا.
طالب: وهو داخل البركة يمر الماء على يده وعلى رجله.
الشيخ: هو منغمس الآن.
طالب: إي نعم ().
الشيخ: هو الآن منغمس، كيف يخرج من ()؟
طالب: يمر يده على أعضاء جسمه.
الشيخ: يعني: يدلك أعضاءه في وسط الماء، ويعتبر هذا ترتيبًا؟
طالب: يخرج يديه، ثم يخرج رأسه من ().
الشيخ: إي نعم، هو ما له طريق إلا هذا، يخرج كفيه على أنه غسلهم، وبعدين وجهه، ورأسه ما يطلعه مع وجهه.
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن، ثم يطلع يده اليمنى إلى المرفق، ثم يده اليسرى إلى المرفق، ثم يطلع رأسه يمسحه كذا، ثم عاد يخرج مرة برجليه.
طالب: إذا كانت ساقية؟
الشيخ: إذا كان بساقية عاد ينظر هل إن الجريات تعتبر كل جرية كماء منفرد، أو أن الماء الجاري كالراكد؟ وهذا مر علينا، وين هو فيه؟
طلبة: في قواعد ابن رجب.
طالب: في باب المياه.
الشيخ: في قواعد ابن رجب؛ القواعد الفقهية، هذا فيه خلاف.
[ ١ / ٤٢٩ ]
على كل حال في مسألة الوضوء إذا انغمس ونوى ما يصلح إلا إذا خرج مرتبًا، وخروجه مرتبًا لا شك أن فيه مشقة، ويكفي من ذلك -كما قال الأخ- أنه يخرج ثم يتوضأ، إي نعم.
طالب: ()؟
الشيخ: هم يقولون: إنه لا يتم غسل العضو حتى ينفصل عنه الماء.
طالب: () صحيح.
الشيخ: أيهم؟
طالب: أنه ما يجزئه ().
الشيخ: الوضوء؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجزئه ()، إذا رتب يجزئه.
طالب: نحن قلنا ().
الشيخ: إذا قيل: إن الترتيب سنة أجزأه.
طلبة: ().
الشيخ: لا، ().
طالب: ().
الشيخ: لا، ما شرح عندي الوقت.
ثم قال: (ويتوضأ) أنا بسأل عن (يتوضأ) هل هي بالنصب ولَّا بالرفع؟
طالب: بالنصب.
الشيخ: خطأ.
طالب: بالرفع.
الشيخ: إي نعم، بالرفع، الجملة استئنافية، ليست معطوفة على قوله: (أن ينوي)؛ لأنه لو كانت معطوفة على (أن ينوي) لكان المعنى: والمجزئ أن ينوي وأن يتوضأ بالمد، وليس كذلك، فالواو هنا للاستئناف، يتوضأ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
(يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع) يعني: يسن للإنسان أن يكون وضوؤه بمد، واغتساله بصاع.
المد: ربع الصاع، والصاع النبوي أقل من الصاع العرفي عندنا، أقل بالخمس وخمس الخمس؛ يعني مثلًا الصاع النبوي زنته ثمانون ريالًا فرنسيًّا، وصاعنا زنته مئة ريال وأربعة ريالات.
فتأتي بإناء يسع أربعة أخماس الصاع العرفي، وتملؤه ماء ثم تغتسل به، هذا السنة؛ لئلا تسرف في الماء، فإن أسبغت بأقل جاز، كما قال المؤلف.
(ويتوضأ بمد) كم المد؟ المد: ربع الصاع، قليل جدًّا، يتوضأ به، هذا هو السنة.
ولكن إذا قال قائل: بالنسبة لنا اليوم نحن نتوضأ من الصنابير؛ يعني: من المواسير، القياس أو مقياس الماء لا ينضبط، صح ولَّا لا؟ المقياس ما ينضبط، هنا نقول: لا تزد على المشروع في غسل الأعضاء؛ يعني: لا تزد على الثلاث في الوضوء، ولا تزد على المرة في الغسل، وبهذا نكون معتدلين، لا وسواس، ولا تفريط وإهمال.
طالب: ()؟
[ ١ / ٤٣٠ ]
الشيخ: أصلًا ما يمكن حصره، ().
(فإن أسبغ بأقل أجزأ) إن أسبغ بأقل من المد في الوضوء ومن الصاع في الغسل فإنه يجزئ؛ لأن المقصود الغسل، والتقدير: هذا على سبيل الأفضلية. ولكن يشترط ألَّا يكون مسحًا، فإن كان مسحًا فإنه لا يجزئ.
والفرق بين المسح والغسل: أن الغسل يتقاطر منه الماء والمسح لا يتقاطر، المسح مثل أن تبل يدك وتمسح العضو، معلوم أن الماء لا يتقاطر، والغسل أن يجري الماء على الغسل ويتقاطر ولو شيئا قليلًا، المهم أن يكون الماء جاريًا على العضو، فلو أن أحدًا أخذ ماء قليلًا وجعل يغط يده ويمسح جسمه هكذا مسحًا، فإن ذلك لا يجزئ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ففرق ﷾ بين الغسل والمسح.
وكذلك قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ بينه الرسول ﵊ بفعله بأنه غسل، فلا بد إذن من أن يكون غسلًا، لكن لو أسبغ بأقل فهو جائز.
قال: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) ويش يعني؟ عن الحدثين؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٧)، وهذا الرجل نوى بغسله رفع الحدثين، فحصل له ما نوى.
هل هناك نية أخرى؟ نعم، هناك نية أخرى: أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط، أن ينوي استباحة ما لا يباح إلا بالوضوء، أن ينوي استباحة ما يباح بالغسل فقط، فالوجوه كم؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ أن ينوي الحدثين جميعًا، فهنا يرتفع الحدثان؛ لأنه نواهما.
أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط ويسكت عن الأصغر، فظاهر كلام المؤلف حيث قال: (أو نوى بغسله الحدثين) ظاهر كلامه أنه يجزئ ولَّا لا؟ لا يجزئ، فعليه يرتفع الأكبر، ولا يرتفع الأصغر؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وهذا لم ينوِ إلا الأكبر.
[ ١ / ٤٣١ ]
وعلى هذا، فلو جئت مثلًا واغتسلت من الجنابة، ومن أجل السرعة ذهب عن ذهنك نية الوضوء، ولكنك نويت الجنابة فقط، فعلى ما مشى عليه المؤلف لا يجزئك عن الوضوء، لا بد أن تتوضأ.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط وسكت عن الأصغر فإنه يرتفع الحدثان، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ مع أنه قال ﷾: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وعلى هذا، فإذا تطهر الإنسان بنية الحدث الأكبر فإنه يجزئه؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك، وما ذهب إليه الشيخ ﵀ هو الصحيح؛ لأن الله لم يوجب علينا إلا أن نتطهر فقط وقد فعلنا.
الوجه الثالث: أن ينوي ما لا يباح إلا بالوضوء، أو ما لا يباح إلا بارتفاع الحدثين جميعًا، هذا صواب العبارة، كالصلاة؛ فإذا اغتسل للصلاة ما نوى رفع الحدث، لكنه نوى أنه مغتسل للصلاة فإنه يرتفع عنه الحدثان، لماذا؟ لأنه من لازم نية الصلاة أن يرتفع الحدثان؛ إذ إن الصلاة لا تصح إلا بارتفاع الحدثين، فيكون ارتفاع الحدثين هنا من باب أيش؟ من باب اللازم؛ لأنه من لازم إرادة الصلاة أن يرتفع الحدثان.
الوجه الرابع: أن ينوي ما يباح بالغسل فقط دون الوضوء، مثل أي شئ؟ كالمكث في المسجد أو قراءة القرآن.
اغتسل الإنسان لقراءة القرآن فقط، ما نوى رفع الحدث ولا رفع الحدثين، ولا ما لا يباح إلا بالوضوء والغسل، نوى ما يباح بالغسل فقط، مثل قراءة القرآن، إذا اغتسل الإنسان وإن كان عليه الحدث الأصغر جاز له أن يقرأ القرآن، وهي غير مس المصحف، فهذا رجل قيل له: لماذا اغتسلت؟ قال: اغتسلت؛ لأقرأ القرآن، هل يصلي؟ لا يصلي؛ لأن استباحة قراءة القرآن من الجنب لا تستلزم استباحة الصلاة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وعليه فلا يرتفع إلا الحدث الأكبر فقط، فإذا أراد الصلاة فلا بد أن يتوضأ.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فهذه أربعة وجوه للنية، ولكن لو رجعنا إلى واقع الناس الآن لوجدنا أن أكثر الناس يغتسلون من الجنابة من أجل؟
طلبة: رفع الجنابة.
طلبة آخرون: الصلاة.
الشيخ: رفع الحدث الأكبر، أو من أجل الصلاة، هو مثلًا قام بعدما أذن وعليه جنابة وذهب يغتسل، لو سألناه: لماذا اغتسلت؟ قال: لأجل أن أصلي، وعلى هذا فيرتفع الحدث الأكبر والأصغر قولًا واحدًا، ويندر أن نرى رجلًا اغتسل من الجنابة من أجل قراءة القرآن فقط، هذا نادر.
يقول المؤلف: (أو نوى بغسله الحدثين) كيف الحدثين؟ المراد رفع الحدثين.
(ويسن لجنبٍ غسلُ فرجه والوضوءُ) قوله: (غسل فرجه والوضوء) يعني: الاثنين جميعًا، يسن له غسل فرجه ووضوؤه لهذه الأمور الثلاثة: للأكل، والنوم، ومعاودة الوطء.
(لأكل) يسن أن يتوضأ الجنب للأكل، وإن اغتسل فالغسل أفضل بلا شك؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يبادر باغتساله من الجنابة بقدر ما يستطيع فإنه أفضل؛ لأنه أطهر وأنقى.
لكن إذا قال: أنا سأؤخر الاغتسال، نقول: إذن توضأ الأكل، وظاهر كلام المؤلف العموم، فيشمل الأكل الوجبات الرئيسية، مثل: الغداء والعشاء والفطور.
ويشمل الأكل الصغير؛ كرجل قُدِّم له تفاحٌ أو برتقالٌ وأراد يأكل، نقول له: إن اغتسل فهو أفضل، وإلا فتوضأ.
وليس على سبيل الإلزام بالاتفاق؛ بإجماع العلماء: أن الوضوء للأكل من الجنابة ليس بواجب، ولكنه على سبيل الاستحباب، دليله: حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ (٨).
ولا عبرة بحمل من حمل الحديث على أن المراد به الوضوء اللغوي الذي هو النظافة؛ لأن لدينا قاعدة في أصول الفقه: أن الحقائق تحمل على عرف الناطق بها، فإن كان الناطق الشرع حملت على أيش؟
طلبة: الحقيقة الشرعية.
الشيخ: الحقيقة الشرعية، إذا كان الناطق من أهل اللغة حملت على الحقيقة اللغوية، من أهل العرف حملت على الحقيقة العرفية.
[ ١ / ٤٣٣ ]
فلو أننا خاطبنا رجلٌ من النحويين وقال: الفاعل، ما هو الفاعل في عرف النحويين؟
طالب: اللي قام بالفعل.
الشيخ: لا، في عرف النحويين هو: الاسم المرفوع المذكور قبله عامله، سواء كان فعلًا أو مشتقًّا، الاسم المرفوع المذكور قبله عامله، لكن الفاعل في اللغة: هو من قام به الفعل، فمثلًا: زيد قائم، في اللغة؟
طالب: فاعل.
الشيخ: فاعل يا إخواني، زيد قائم، نقول: (زيد) فاعل في اللغة العربية، لكن عند النحويين ليس بفاعل، مبتدأ وخبر، السبب: لأن الحقائق تحمل على عرف من؟ الناطق بها، في لغتنا الآن كلمة (شاة) تعني؟
طالب: الضأن.
الشيخ: لا، ما هي الضأن، الأنثى من الضأن، لكن في الشرع: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» (٩)، اللي مر علينا يشمل الذكر والأنثى من الضأن والماعز.
فقول عائشة ﵂: توضأ، لا يمكن أن نحمله على الحقيقة اللغوية، بل على الحقيقة الشرعية، وكذلك أيضًا في حديث عمار بن ياسر: أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ (١٠)، فهذا أيضًا ()، لكن الأول في مسلم، وهذا في السننُ.
وعلى كل حال، النوم يُسَنُّ للجنب ألَّا ينام إلا بعد وضوء، الدليل فعل النبي ﷺ.
ثانيًا: استفتاه عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» (١١)، وفي لفظ: أنه قال له: «اغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ، ثُمَّ نَمْ» (١٢)، وهذا أمر، فهذا دليل على أنه يسن أن يتوضأ الإنسان من الجنابة عند النوم، وإذا رجعنا إلى صيغة الحديث: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ»، أو: «اغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ، ثُمَّ نَمْ»، إذا رجعنا إلى هذه الصيغ، ويش تقتضي يا جماعة؟
طلبة: الوجوب.
[ ١ / ٤٣٤ ]
الشيخ: تقتضي الوجوب؛ لأنه قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ»، وتعليق المباح على شرط يدل على أنه لا يباح إلا به، وعليه فيكون الوضوء من الجنابة عند النوم واجبًا، وإلى هذا ذهب الظاهرية وجماعة كثيرة من أهل العلم.
ولكن المشهور عند الفقهاء والأئمة المتبوعين أن ذلك على سبيل الاستحباب، واستدلوا بحديث عائشة: أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماءً (١٣)، ولكنه قد نوزع في هذا الحديث؛ في سنده، وفي دلالته؛ أما سنده فقد ادعي فيه الانقطاع، وأما متنه فقد حمل قولها: لم يمس ماء؛ أي: ماء للغسل، ولكن التعليل بالانقطاع قد رد بالاتصال، وأن أبا إسحاق سمع من الأسود الذي رواه عن عائشة، ومعلوم أنه إذا تعارض الوصل والقطع فالمعتبر الوصل، كما هو معروف في اصطلاح المحدثين.
وأما قولهم: ولم يمس ماء؛ أي: ماء للغسل، فهذا بعيد أن يقيد بالغسل لأيش؟ لأن ماء نكرة في سياق أيش؟
طالب: النفي.
الشيخ: في سياق النفي، فتعم أي ماء، وعلى هذا فالتعليل والتأويل كلاهما لا وجه له.
يبقى النظر؛ فعل الرسول ﵊ هذا ما المراد به أو ما الحكمة منه؟ أكثر أهل العلم يقولون: إن الحكمة منه؛ يعني: ترك الرسول ﵊ الوضوء الحكمة بيان الجواز، وأن الأمر بالوضوء عند النوم لمن عليه جنابة ليس على سبيل الوجوب، وهذه القاعدة قاعدة صحيحة ومعتبرة، خلافًا لمن قال بأن هذا من فعله، فلا يعارض قوله، ولا يجعل فعل الرسول ﵊ دالًّا على الجواز، بل يقول: هذا من خصائصه، ونحن أمرنا بألَّا ننام إلا بعد الوضوء، أما هو فإنه ينام بغير وضوء، والله تعالى يختص بحكمه من يشاء، وهذه الطريقة يلجأ إليها الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وأنا أتعجب من سلوك هذه الطريقة؛ لأنه من المعلوم أننا لا نحمل فعل الرسول ﵊ أو قوله على الخصوصية إلا حيث تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع فإنه لا يجوز أن يحمل النص على الخصوصية؛ لأن الأصل التأسي به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فإذا كان الأصل التأسي به فلا وجه لحمل النص على الخصوصية مع إمكان الجمع.
ويدل على أن فعل الرسول ﵊ أو قوله لا يحمل على الخصوصية، بل هو على العموم قوله ﵎: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وجه الدلالة من الآية: أن الله ﷾ بين أنها خالصة، ولولا هذا لكان مقتضى النص أن الإنسان يجوز أن يتزوج بالهبة، هذا دليل.
دليل آخر: لما قال الله ﷾ في قصة زينب بنت جحش قال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وكانت زينب تحت زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان قد تبناه النبي ﷺ، فلما أحل الله له زينب قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، الحكم خاص والعلة عامة، إذن معناه: أن الحكم الذي يثبت للرسول ﵊ ويخص به يكون له وللأمة؛ وإلا لم يكن لقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ فائدة.
إذن فالذي يظهر لي: أن الجنب لا ينام إلا بوضوء، على سبيل الاستحباب، لكنه أوكد من الأكل والشرب؛ ولهذا ذهب الفقهاء ﵏ إلى أنه يكره للجنب أن ينام بدون وضوء، وأما الأكل والشرب فلا يكرهان بدون وضوء، ففرقوا بين النوم وبين الأكل والشرب.
[ ١ / ٤٣٦ ]
الثالث: قال: (ومعاودة وطء) يسن أن يتوضأ الإنسان إذا أراد أن يعود مرة أخرى إلى الجماع؛ لأن النبي ﷺ أمر به، وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم أنه إذا جامع الإنسان أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا (١٤).
وهذا الأمر الأصل فيه الوجوب، وأنه إذا أراد الإنسان أن يعود مرة أخرى فإنه يجب أن يتوضأ، ولكن هذا الأمر أخرجه عن الوجوب ما رواه الحاكم في الحديث قال: «إِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» (١٥)، هذا يدل على أن الوضوء هنا ليس عبادة حتى نلزم الناس به، ولكنه من باب التنشيط، فيكون الأمر هنا للإرشاد، وليس للوجوب.
وكان النبي ﵊ يطوف على نسائه كلهن بغسل واحد (١٦)، وإن كان طوافه عليهن بغسل واحد لا يمنع أن يكون يتوضأ بين الفعلين، فيكون قوله: (بمعاودة الوطء) على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب.
سمع شخص قارئًا يقرأ الحديث الذي في مسلم قال: وزاد الحاكم: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعُودِ».
طالب: كثير.
الشيخ: كثير، والله يقول واحد: سمعته إمام يقرأ يقول: أنشط للعود، والعود تعرفونه عندهم ().
***
[باب التيمم]
(باب التيمم)
التيمم في اللغة: القصد، يقال: تَيَمَّمتُ كذا بمعنى قصدته، والعامة يقولون: اليمة، ويمة كذا؛ أي: جهته وقصده، فالتيمم إذن لغةً: القصد.
أما شرعًا فهو: قصد الصعيد الطيب ليمسح به وجهه ويديه، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
ولو قلنا: إن التيمم في الشرع: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين به لكان هذا أولى؛ لأننا قلنا فيما سبق: إن كل عبادة تعرف ينبغي أن يقرن فيها ذكر التعبد.
[ ١ / ٤٣٧ ]
والطهارة بالتراب من خصائص هذه الأمة؛ لقول النبي ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (١٧)، وذكر الحديث، رواه جابر.
وكانت الأمم السابقة إذا لم يجدوا ماءً بقوا حتى يجدوا الماء فيتطهروا به، ثم يقضوا ما فاتهم من الصلوات، ولا شك أن في هذا مشقة عليهم، وفيه أيضًا حرمان للإنسان من الصلة بالله ﷿ كل هذه المدة، لو بقي عشرة أيام ما صلى حتى يجد الماء، وتعرفون أن انقطاع صلة الإنسان بينه وبين ربه أنها تحدث للقلب غفلة وقسوة.
التيمم نزل بسبب ضياع عقد لعائشة ﵂؛ ضاع لها عقد كانت تتحلى به للنبي ﷺ، وأخذته عارية، فلما ضاع بقي الناس يطلبون هذا العقد، وأصبحوا ليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم، ولما نزلت آية التيمم وشرع التيمم للناس بعثوا البعير التي هي راكبته –يعني: أثاروه وكان باركًا- فلما بعثوه وجدوا العقد تحته، وهذا من حكمة الله: أن الله ﷾ لم يلهمهم أن يبعثوا البعير، بل بقوا يطلبون هذا العقد كل الليل من أجل أن يشرع الله ﷾ هذه الطهارة لعباده، قال أسيد بن الحضير ﵁: ما هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر (١٨)، فإن ضياع هذا العقد صار سببًا سهل الله به على الأمة إلى يوم القيامة.
والتيمم يقول المؤلف فيه: (بدل طهارة الماء)، فليس أصلًا، ولكنه بدل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، إذن فهو بدل عن أصل، وهو الماء.
ومع ذلك فإن للبدل حكم المبدل، هذه القاعدة الشرعية، إلا أن البدل إذا وجد الأصل بطل، وكان من المشهور بين العامة يقولون: إذا وجد الماء بطل التيمم، وهذا صحيح، فإذن يكون بدلًا، والبدل له حكم المبدل.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وهل هو رافع للحدث أو مبيح لما تجب له الطهارة؟
فيه قولان لأهل العلم؛ منهم من يرى أنه رافع للحدث ومطهِّر، ومنهم من يرى أنه مبيح لما يجب الوضوء له وليس برافع للحدث ولا مطهر، والصواب: أنه مطهر ورافع للحدث؛ لقوله تعالى حين ذكر التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ ولقول النبي ﷺ «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، والطهور بالفتح: ما يتطهر به.
وأيضًا هذان دليلان من الكتاب ومن السنة، ومن النظر أيضًا؛ لأننا نقول: إنه بدل، والقاعدة الشرعية: أن للبدل حكم المبدل.
لكن فائدة قولنا: بدل أنه لا يمكن العمل به مع وجود الأصل، وإلا فهو قائم مقامه، وعلى هذا فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث فكذلك طهارة التيمم، ولكن هذه الطهارة إذا وجد الماء بطلت، ووجب عليه أن يغتسل إن كان التيمم عن غسل، وأن يتوضأ إن كان التيمم عن وضوء، ودليل ذلك الحديث الذي أشرتم إليه قبل قليل حديث عمران بن الحصين في قصة الرجل الذي أعطاه النبي ﷺ الماء وقال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»؛ لأن هذا الرجل كان معتزلًا لم يصل مع القوم، فسأله النبي ﷺ لماذا لم تصل مع الناس؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» (١٩)، فهذا الرجل كان يتيمم للجنابة، ولما جاء الماء قال له النبي ﵊: «خُذْ هَذَا أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، ولو كان التيمم رافعًا للحدث رفعًا مستمرًا ما بطل بوجود الماء.
ولحديث أبي هريرة: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» (٢٠).
[ ١ / ٤٣٩ ]
هل يترتب على هذا الخلاف أثر؟ الجواب: نعم، يترتب عليه آثار، منها: إذا نوى التيمم عن عبادة لم يستبح ما فوقها، فإذا تيمم لصلاة نافلة لم يصلِّ الفريضة؛ لأن الفريضة أعلى من النافلة، ولو تيمم لمس المصحف لم يستبح النافلة؛ لأن الوضوء للنافلة أعلى؛ إذ إنه مجمع على اشتراطه بخلاف الوضوء لمس المصحف، وعلى هذا فقس، هذا مما يترتب عليه.
وإذا قلنا: إنه رافع، فتيمم للنافلة جاز أن يصلى الفريضة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جاز أن يصلي الفريضة، كما لو توضأ للنافلة جاز أن يصلي الفريضة.
ثانيًا: إذا قلنا: إنه مبيح، فإنه إذا خرج الوقت بطل الوضوء؛ لأن المبيح يقتصر فيه على قدر الضرورة، فإذا توضأ لصلاة الظهر مثلًا وبقي لم يحدث فدخل وقت العصر، وجب عليه أن يعيد التيمم وإن كان لم يحدث.
وعلى القول بأنه رافع لا يجب عليه إعادة التيمم.
ثالثًا: إذا قلنا: إنه مبيح اشترط أن ينوي ما تيمم له، فلو نوى بتيممه رفع الحدث لم يرتفع، وإذا قلنا: إنه رافع وتيمم لرفع الحدث جاز، ولا حاجة أن ينوي ما تيمم له.
يقول المؤلف: (وهو بدل طهارة الماء) ظاهر كلام المؤلف: أنه بدل عن طهارة الماء في كل ما يطهره الماء، سواء في الحدث، أو في نجاسة البدن، أو في نجاسة الثوب، أو في نجاسة البقعة، ولكن ليس هذا مرادًا، بل هو بدل عن طهارة الماء -على المذهب- في الحدث وفي نجاسة البدن فقط؛ أي: أنه يتيمم إذا عدم الماء للحدث الأصغر والأكبر، ويتيمم كذلك إذا كان عليه نجاسة على بدنه ولم يقدر على تغييرها فإنه يتيمم لها، فإن كانت النجاسة على الثوب أو على البقعة لم يتيمم لها، حتى على المذهب.
[ ١ / ٤٤٠ ]
والصحيح: أنه لا تيمم إلا في الطهارة عن الحدث فقط؛ لأن هذا هو الذي ورد به النص، وأما النجاسة على البدن؛ فإن أمكنه أن يغسلها غسلها، وإن لم يمكن صلى بحسب حاله لماذا؟ لأن طهارة التيمم لا تؤثر في إزالة النجاسة، والمطلوب من إزالة النجاسة تخلية البدن عنها، وإذا تيمم هل يتخلى؟ لا، بخلاف طهارة الحدث فإنها عبادة يتعبد بها الإنسان لله ﷿، فإذا تعذر الماء تعبد لله تعالى بتعفير أفضل أعضائه، بماذا؟ بالتراب، فهذا ذل وخضوع وعبادة، فحصل به المقصود.
الخلاصة أننا نقول: هو بدل طهارة الماء -على القول الراجح- في رفع الحدث فقط، لا في النجاسة على البدن أو الثوب أو البقعة، والمذهب: أنه بدل طهارة الماء عن الحدث وعن طهارة البدن، دون البقعة والثوب.
ثم قال المؤلف: (إذا دخل وقت فريضة) ماذا تقولون في (إذا دخل)؟ نقول: هي أداة شرط، وفعل الشرط (دخل) وما عطف عليه، وجواب الشرط قوله في السطر الثالث: (شرع التيمم)، شوف (إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة) إلى أن قال: (شرع التيمم)، طيب نبدأ بالجمل.
قال: (إذا دخل وقت فريضة) ودخول وقت الفريضة معروف، فدخول وقت الفجر إذا طلع الفجر، وقت الظهر إذا زالت الشمس، وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، وقت المغرب إذا غربت الشمس، ووقت العشاء إذا غاب الشفق، هذا شرط؛ يعني: يشترط للتيمم دخول الوقت، وهذا مبني على القول بأنه مبيح لا رافع.
فأما إذا قلنا بأنه رافع لم يشترط، كما لو توضأ قبل دخول الوقت أجزأ، فإذا تيمم قبل دخول الوقت أجزأ، لكن المذهب يرون أنه مبيح، فيقتصر فيه على الضرورة، وذلك بأن يكون في وقت الصلاة.
(أو أبيحت نافلة) يعني: صار فعلها مباحًا، وذلك بألَّا يكون في وقت نهي، فإن كان في وقت نهي فلا تيمم لصلاة نافلة لا تجوز في هذا الوقت.
[ ١ / ٤٤١ ]
وقولنا: لا تجوز في هذا الوقت، احترازًا مما لو كانت النافلة تجوز في هذا الوقت -على القول الراجح- كمثل ذوات الأسباب، وهذا أيضًا مبني على أنه مبيح لا رافع.
وعليه، فالصواب: أنه متى تيمم في أي وقت أجزأ.
(وعَدِمَ الماء) هذا الشرط الثاني، الشرط الثاني: أن يعدم الماء بألَّا يجده، لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافرًا، ولا فيما قرب، ما هو موجود عنده، بعيد.
يقول المؤلف: (أو زاد على ثمنه كثيرًا) معناه: أو وجد الماء لكن بثمن زائد كثيرًا، مثل: وجد ماء في جالون، كم يسع الجالون؟
طالب: أربع لترات.
الشيخ: أربع لترات، وجد هذا الماء اللي في الجالون أربع لترات، وجده في مائتي ريال، وهو يساوي عادة؟
طالب: أربعة ريالات.
الشيخ: أربعة ريالات، فوجده بمئة ريال، مئة ريال زائدة على أربعة كثيرًا ولَّا لا؟ زائدة كثيرًا، فحينئذ يعدل إلى التيمم؛ يعني مثلًا لنفرض أنه الآن في السفر وعند محطة بنزين، قال: فيه ماء صحة؛ ماء الصحة جرة تباع بريال.
طلبة: بريالين.
الشيخ: بريالين، المهم قال: فيه ماء صحة، لكن نبيعها بعشرة ريالات، كثير ولَّا لا؟ لأنه زاد على الثمن أربعة أخماس، هذا كثير، يجوز أن يتيمم حتى لو كان مع هذا الرجل من الدراهم آلاف الريالات؛ لأيش؟ لأنه زاد على ثمنه كثيرًا.
ولكن إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن هذا القول ضعيف، وأن الصواب: أنه إذا زاد على ثمنه كثيرًا وهو واجد للثمن قادر عليه فإنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] يبين أنك إذا وجدت الماء ولو كان ثمنه كثيرًا، ما دمت قادرًا على الثمن يبين أنه لا يجوز التيمم؛ لأن الله اشترط في التيمم ألَّا يوجد الماء، وهنا الماء موجود، وليس عليه ضرر في شرائه، وأما كون ثمنه يزيد أو ينقص فهذا يرجع إلى العرض والطلب، أو ربما بعض الناس يتضرر بالآخرين إذا رأى أنهم في حاجة.
[ ١ / ٤٤٢ ]
إذا (زاد على ثمنه كثيرًا) ما هي العلة؟ يقولون: لأن هذه الزيادة الكثيرة تجعله في حكم المعدوم، ولكن يقال: هذا ليس بصحيح، بل هو موجود، وما دام موجودًا فالواجب استعماله.
(أو ثمن يعجزه) هذا صحيح، وجد الماء بثمن لكن ..
أو ثَمَنٍ يُعْجِزُه أو خافَ باستعمالِه أو طَلَبِه ضَرَرَ بَدَنِه أو رفيقِه أو حُرْمَتِه أو مالِه بِعَطَشٍ أو مَرَضٍ أو هَلاكٍ ونحوِه شُرِعَ التَّيَمُّمُ، ومَنْ وَجَدَ ماءً يَكْفِي بعضَ طُهْرِه تَيَمَّمَ بعدَ استعمالِه. ومَن جُرِحَ تَيَمَّمَ له وغَسَلَ الباقِيَ، ويَجِبُ طَلَبُ الماءِ في رَحْلِه وقُرْبِه وبِدَلالةٍ، فإنْ نَسِيَ قُدْرَتَه عليه وتَيَمَّمَ أعادَ. وإن نَوَى بتَيَمُّمِه أحداثًا أو نجاسةً على بَدَنِه تَضُرُّه إزالتُها أو عَدِمَ ما يُزِيلُها أو خافَ بردًا أو حُبِسَ في مِصْرٍ فتَيَمَّمَ أو عَدِمَ الماءَ والترابَ صَلَّى ولم يُعِدْ، ويَجِبُ التَّيَمُّمُ بتُرابٍ طَهورٍ غيرِ مُحْتَرِقٍ له غُبارٌ.
فوَجَدَ جرَّة في الصحراء مثلًا بأربعة ريالات، الزيادةُ ما هي كثيرة، لكنْ هو ما معه أربعة ريالات، ليس معه إلا ريالانِ أو ما معه شيءٌ أبدًا، فالثمنُ يُعجِزه، فحينئذٍ يُعتبر عادمًا للماء فيتيمَّم.
***
(أوْ خَافَ باسْتِعْمالِهِ أو طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ) الماءُ عنده حاضرٌ لكنْ يخشى إذا استعمله أن يتضرَّر بَدَنُه، ومعلومٌ أن الذي يتضرَّر بَدَنُه باستعمالِ الماءِ مريضٌ، فيدخُلُ في عمومِ قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] إلى آخر الآية، فإذا كان هذا الرَّجُل فيه قُروحٌ في أعضاء الوضوء أو في البَدَنِ كُلِّه عند الغُسْل وخافَ إن استعملَ الماءَ أنْ يتضرَّر فله أن يتيمَّم.
طيب، إذا خافَ البَرْد؛ يعني رجُلٌ سليمُ البَدَنِ لكنْ يخشى إذا اغتسلَ أن يتضرَّر بَدَنُه، فماذا؟
طلبة: يتيمَّم.
[ ١ / ٤٤٣ ]
الشيخ: نشوف أوَّلًا، فيه مرتبةٌ قبلَ التيمُّم؛ يُسَخِّن الماء، فإن لم يَجِد فإنه يتيمَّم؛ لأنَّه يخشى على نفسه من الضرر، وقد قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقد استدلَّ عمرُو بنُ العاصِ ﵁ بهذه الآيةِ على جوازِ التَّيمُّم عند البَرْد إذا كان عليه اغتسال (١).
(أَوْ) خافَ بـ (طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ) ويش لون (بطلبه)؟
طالب: بعيد.
الشيخ: يعني الآن ما عندَهُ ماءٌ، لكنْ يُمْكن يَطْلب الماءَ، لكنْ يخشى ضَرَرَ بَدَنه لأنه بعيدٌ بعضَ الشيءِ والشمسُ حارَّةٌ أو الصَّقيعُ باردٌ جدًّا، ويخشى إذا طَلَبه أن يتضرَّر بَدَنُه، ففي هذه الحال يجوز أن يتيمَّم.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقول النبيِّ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢). وقوله تعالى أيضًا: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وخَوْفُ الضَّررِ حَرَجٌ بلا شك.
***
() الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(أوْ زادَ على ثَمَنِهِ كثيرًا أو بثَمَنٍ يُعْجِزُهُ، أوْ خافَ باستعماله أوْ طَلَبِهِ ضَرَرَ بَدَنِهِ أوْ رفيقِهِ أو حُرْمَتِهِ).
(أو رَفيقِهِ) يعني: خافَ باستعماله ضَرَرَ رفيقِهِ؛ مثال ذلك: رجُلٌ معه ماءٌ قليلٌ ومعه رُفْقَةٌ، إن استعملَ الماءَ عطِشَ هؤلاء الرُّفْقَةُ وتضرَّروا، وإنْ تَرَكَ الماءَ وتيمَّمَ انتفعَ الرُّفْقةُ به، فماذا نقول؟ نقول: تيمَّمْ ودَع الماءَ للرُّفْقة؛ لأن الماءَ إذا استعملتَه تضرَّروا به.
وقوله: (أو رفيقِهِ) ظاهرُه: سواءٌ كانَ مسلمًا أو كان كافرًا، لكنْ بشرطِ أنْ يكون الكافرُ معصومًا، وهو الْمُعاهَد والذِّمِّيُّ والْمُسْتَأمَن.
[ ١ / ٤٤٤ ]
أو خافَ ضررَ (حُرْمَتِهِ) يعني امرأته؛ زوجتَه، أو مَن كان له ولايةٌ عليها من النساء؛ خاف إن استعملَ الماءَ أنْ تتضرَّر، فهُنا يَدَعُ استعمالَ الماءِ لانتفاء الضرر.
(أو مالِهِ) خافَ باستعمالِ الماءِ أن يتضرَّرَ مالُه، كيف يتضرَّر المالُ باستعمال الماء؟
طالب: حيوان.
الشيخ: نعم، معه حيوانٌ لو استعمَلَهُ لَعَطِشَ هذا الحيوانُ وتضرَّر أو هَلَك، وكذلك معه سيارةٌ تسخن إنْ لَمْ يَدَع الماءَ لها فإنها تحترقُ وربما يتضرَّر هو أيضًا بضررِها، نقول هنا: لا تستعمل الماءَ ودَعِ الماءَ لها لئلَّا تتضرَّر.
قال: (بِعَطَشٍ) هذا متعلِّقٌ بـ (ضَرَر)؛ يعني ضَرَرَ هؤلاء بعَطَشٍ، العَطَش هو يضرُّ؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: معلومٌ، يضرُّ، وربما يؤدِّي إلى الهلاك.
الثاني؛ قال: (بِعَطَشٍ أو مَرَضٍ)، كيف المرض؟ هل يُمْكن المرض بعَدَم استعمال الماء؟
إي نعم، يُمْكن، قد يكون مَثَلًا في الجِلْد جفافٌ، إذا لَمْ يُبَلَّ بالماءِ دائمًا تشقَّقَ، ففي هذه الحال يكون فيه ضَرَرٌ، أوْ مَثَلًا يحتاج إلى عَجْنِ شيءٍ بماءٍ وهو دواءٌ لشيءٍ في بَدَنه إذا لَمْ يستعمل الماءَ لهذا العجينِ فإنه يتضرَّر ويزداد مرضُه.
(أوْ هَلاكٍ) وهذا واضحٌ أيضًا، كيف يتضرَّر بالهلاك؟
طالب: بعَطَش.
الشيخ: إي، يعطشُ ويموت.
وقوله: (ونَحْوِه) يعني: مِن أنواع الأضرار.
إذَنْ فالقاعدةُ العامَّةُ أن نقول: الشرط الثاني: تعذُّر استعمالِ الماءِ إمَّا لِفَقْدِهِ، وإمَّا للتَّضرُّرِ باستعماله بمرضٍ أو نحوِه.
قال: (شُرِعَ التَّيمُّمُ)، (شُرِعَ) جواب؟
طالب: (إذا دَخَلَ).
[ ١ / ٤٤٥ ]
الشيخ: جواب (إذا دَخَلَ)، وهُنا تأخَّرَ الجوابُ وطالَ الشرطُ بالمعطوفاتِ عليه، وعِندَ البلاغيِّينَ أنه إذا تأخَّر الجوابُ فإنه ينبغي إعادةُ العاملِ حتى لا يقع الإنسانُ في تشويشٍ؛ مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] كرَّر الفعلَ هُنا لطولِ الفَصْلِ، لكنْ هُنا لو أنَّه كرَّر الشَّرطَ لَعَادَ الأمْرُ كما هو، يعني كلُّ هذه الأمور كلُّها من الشرط.
وقوله: (شُرِعَ التَّيمُّمُ) (شُرِعَ) أعمُّ مِن أن يكون واجبًا أو مستحَبًّا، فإذَنْ (شُرِعَ) أي: وَجَبَ لِمَا تجب له الطهارةُ بالماء، واستُحِبَّ لِمَا تُستحَبُّ له الطهارةُ بالماء.
إذا قيل: (شُرِعَ) فإنه يشمل الواجبَ والمستحَبَّ، وعلى هذا فقوله: (شُرِعَ) أي: وَجَبَ لما تجب له الطهارةُ بالماء، واستُحِبَّ لما تُستحَبُّ له الطهارةُ بالماء؛ فمثلًا إذا كان يريد الصلاةَ فالتيمُّم؟
طالب: واجبٌ.
الشيخ: التيمُّم واجبٌ.
إذا كان يريد أنْ يقرأ القرآنَ فالتيمُّم مستحَبٌّ؛ لأن قراءةَ القرآنِ تُستحَبُّ لها الطهارةُ، وهذا غيرُ مَسِّ المصحفِ؛ لأن مَسَّ المصحفِ شيءٌ وقراءةَ القرآنِ شيءٌ آخر؛ فمَسُّ المصحفِ تجب له الطهارةُ، لكن قراءة القرآنِ عن ظهْرِ قلْبٍ أو قراءة القرآنِ بمصحفٍ أمامَكَ وأنت لا تَمَسُّهُ بيدك هذه يستحَبُّ لها الطهارةُ ولا تجب.
***
ثم قال: (ومَنْ وَجَدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهْرِهِ تيمَّمَ بعد استعمالِهِ).
أفادنا المؤلف أن الإنسان إذا وَجَدَ ماءً يكفي بعضَ طُهْرِه فإنَّه يجمع بين الطهارة بالماء والتيمُّم، مثال ذلك: رجُلٌ معه ماءٌ قليلٌ لا يكفي للأعضاء الأربعةِ، يكفي لغَسْلِ الوجهِ وغسْلِ اليدينِ فقط، فماذا يصنع؟ يقول المؤلف: يجب أن يستعمله أوَّلًا ثم يتيمَّم.
[ ١ / ٤٤٦ ]
من أين نأخذ أنه يجب أن يستعمله أوَّلًا؟
من قوله: (تيمَّمَ بعدَ استعمالِهِ)، فيجب أوَّلًا أن يستعمله ثم يتيمَّم.
لماذا أوجبنا تقديمَ استعماله؟
ليصْدُقَ عليه أنه عَادِمٌ للماء؛ لأنه لو تيمَّمَ من قبلُ فمعناه أنه تيمَّمَ مع وجود الماء، فيستعمل الماء أوَّلًا ثم يتيمَّم؛ الدليل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقولُ النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣).
فنحن الآن مأمورونَ بأنْ نغسلَ أعضاءنا، فيجب أن نغسلها، أخذْنا هذا الماءَ وغَسَلْنا الوجهَ وغَسَلْنا اليدينِ وانتهى، إذَن اتَّقَيْنا اللَّهَ تعالى بهذا الفِعْل، ويش بقي علينا؟ بَقِي علينا مسْحُ الرأس وغَسْلُ الرِّجْلَينِ، الماء الآن متعذِّرٌ، فماذا نصنع؟ نرجع إلى بَدَلِهِ وهو التيمُّم، وبهذا عَرَفْنا أنه لا تَضَادَّ بين الحكْمينِ؛ لا تَضادَّ بين قولنا: إنك تستعمل الماءَ ثم تتيمَّم؛ لأن استعمالَ الماءِ من تقوى الله ﷿، واستعمالَ التيمُّم لعَدَم الماءِ من تقوى الله أيضًا، فاستعمالُ التيمُّم ليس للوجْهِ واليدينِ ولكنْ للرأسِ والرِّجْلينِ، فلا تَضادَّ.
وقال بعضُ العلماء: إنه لا يُمْكن أن تجمع بين الطهارتينِ لأنك إذا جمعْتَ بين الطهارتينِ جمعْتَ بين البَدَل والْمُبْدَل منه، وهذا غير صحيحٍ؛ لأن هذا من باب التضادِّ؛ كيف تجمع بين البَدَل والمبدَل منه؟ ! فإمَّا أن تستعمل الماءَ بلا تيمُّمٍ وإمَّا أن تتيمَّم بلا استعمال ماءٍ.
إذَنْ كيف؟ هلْ أنا مخيَّرٌ؟
[ ١ / ٤٤٧ ]
يقول: لا، لستَ مخيَّرًا؛ إنْ كان الماء يكفي لأكثرِ الأعضاء فاستعملْه () دون تيمُّم؛ مثل أن يكفي لغسْل الوجهِ واليدينِ ومسْحِ الرأس والأُذُنينِ، فهُنا تستعمله ولا تتيمَّم، وإنْ كان الماءُ لا يكفي إلا أقلَّ من النصف فاتركه واستعمل التيمُّم؛ مثل أنْ يكون الماء لا يكفي إلا غسْلَ الوجهِ فيقول هنا: لا تستعملْه، استعمل الترابَ.
حُجَّته في ذلك قال: لأن الجمع بين الماءِ والتيمُّم جمعٌ بين البَدَل والمبْدَل منه، وهذا لا يصحُّ، ولأن القاعدةَ العامَّة في الشريعة تغليبُ جانبِ الأكثر، فإذا كان الأكثرُ هو الأعضاء المغسولة فاغسلْها ولا تتيمَّمْ، وإذا كان الأكثرُ العكسَ فتيمَّمْ ولا تغْسِل، هذان قولانِ.
القول الثالث يقول: استعمل الماءَ مطْلقًا ولا تتيمَّمْ؛ لأن التيمُّم إنما كان بَدَلًا عن طهارةٍ كاملةٍ لا عن طهارةٍ جُزئيَّةٍ.
ولكن القول الأوَّل أصحُّ، وربما يُستدَلُّ له بما يُروى عن النبي ﵊ في حديث صاحب الشَّجَّةِ الذي قال الرسول ﵊: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا» (٤)، فجمَعَ النبيُّ ﵊ في هذا بين طهارةِ المسْحِ وطهارةِ الغَسْل، فما ذهب إليه المؤلِّف هو الحقُّ.
وقولهم: إنه لا يُجمَع بين البَدَل والمبْدَل منه.
نقول لهم: هنا التيمُّم ليس عن الأعضاء المغسولة، ولكنه عن الأعضاء التي لم تُغسَل، أمَّا الأعضاء المغسولة فقد طهُرَتْ، فهو شبيهٌ بالمسح على الْخُفَّينِ، شبيهٌ به من بعض الوجوهِ؛ لأنك غسلْتَ الأعضاءَ التي تُغسَل ومَسَحْتَ الْخُفَّ بدلًا عن غَسْل الرِّجْل التي تحته، فقد جُمِع هنا بين بَدَلٍ ومُبْدَلٍ منه.
***
قال المؤلف: (ومَنْ وَجَدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهْرِهِ تيمَّمَ بعد استعمالِهِ، ومَنْ جُرِحَ تيمَّمَ له وغَسَل الباقي).
[ ١ / ٤٤٨ ]
هنا فرَّق بين الجرح وبين عَدَم وجودِ الماء؛ لأن التيمُّم للجروح لا يُشترَطُ له فقْدُ الماءِ، هذا السبب.
في الأوَّل نقول: استعمل الماءَ ثم تيمَّمْ. لماذا؟ ليتحقَّق أنك فقدْتَ الماءَ.
في مسألة الجرح: لا حَرَجَ عليك أن تتيمَّم قبل أن تغْسِل بقيَّةَ الأعضاء؛ لأنه في الجروح لا يُشترَطُ فيه فقْدُ الماء؛ إذْ إنَّ الإنسان يتيمَّم عن الجرح ولو مع وجودِ الماء.
(مَنْ جُرِحَ) أي: مَنْ كان فيه جرحٌ، يقول: (تيمَّمَ له وغَسَلَ الباقي). قوله: (تيمَّمَ له) هذا إذا كان في الطهارةِ الكُبرى لا بأسَ في الطهارةِ الكُبرى-يعني: في الجنابةِ أو الحيضِ أو ما أَشْبَهَ ذلك- لا بأسَ أن يتيمَّم أوَّلًا ثم يغتسل ثانيًا، ليش؟ لأنه لا يُشترَط الترتيبُ؛ يعني نفرض أن رجُلًا فيه جرحٌ في بطنه وعليه جنابةٌ، يغتسل، الجرحُ هنا لا يُمْكنه مَسْحُه لأنه يتضرَّر بالماء، ولا غَسْله أيضًا لأنه يتضرَّر بالماء، ما الفرْضُ فيه؟ التيمم؛ لأن استعمال الماء هنا متعذِّرٌ في هذا الجرح، نقول: لا حَرَجَ أن تتيمَّم أوَّلًا ثم تغتسل، أو تغتسل أوَّلًا ثم تتيمَّم، ليش؟ لأن الترتيب في الغُسْل ليس بواجبٍ، أو لا؟ واجب ولَّا غير واجب؟
الطلبة: لا، غير واجبٍ.
الشيخ: غير واجبٍ؛ يعني في الغُسْل لو غسلْتَ أسفلَ بَدَنِكَ قبل أعلاه صح ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: صحَّ، لو غسلْتَ أعلاه قبلَ أسفله صحَّ، لو غسلْتَ الجنبَ الأيمنَ قبل الأيسرِ صحَّ، أو الأيسرَ قبل الأيمنِ صحَّ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
إذَن أنت إذا تيمَّمتَ عن الجرح الذي في بطنك ما فيه مانع، كما لو غسلْتَ بطنك بالماء قبل بقيَّةِ البَدَنِ ما فيه مانع، أمَّا إذا كان التيمُّم في الحدَثِ الأصغر فهُنا مشكلةٌ؛ لأن الحَدَث الأصغر فيه الترتيب، فإذا قدَّرنا أن الجرح في اليد وَجَبَ عليك أن تغسل وجهك أوَّلًا ثم تتيمَّم ثم تمسح الرأس ثم تغسل الرِّجْلين، وهنا يُشترَط الترتيبُ والموالاةُ أيضًا، والمشكِل اشتراطُ الموالاة؛ معناه لازم أنه يكون عندي منديل إذا غسلْتُ وجهي على طول أنشِّفه وأنشِّف يَدَيَّ من أجْل أيِّ شيءٍ؟ من أجْل التيمُّم؛ التيمُّم لا بدَّ يكون بترابٍ له غُبارٌ، وإذا صارتْ يدي رطْبةًَ ووجهي رطْبًا ما صحَّ التيمُّم، وعلى هذا لازم يكون الواحد يُعِدُّ منديلًا عند الوضوء إذا كان الجرح في يَدِهِ، يُعِدُّ منديلًا إذا غسل وجهَهُ على طول تَمَسَّحَ ثم تيمَّمَ ثم أتمَّ وضوءه.
طالب: ().
الشيخ: ما يخالف، يغسلُها قبل أو بعد، إنْ كانت اليُمنى فالأفضل أن يتيمَّم قبل غسْل اليُسرى، وإن كانت اليُسرى فالأفضل أن يغسل اليُمنى قبل أنْ يتيمَّم لليُسرى؛ لأنه ما فيه ترتيب واجب بين اليُمنى واليُسرى.
هذا الفعل هلْ يعملُه الناسُ الآن؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يعمله الناس، ويش يسوون الناس الآن؟ إذا قال: أنا متوضئ وراح للمسجد بعد، تيمَّمَ في المسجد، ففات عليه أيش؟ الترتيبُ والموالاةُ، فعلى هذا على المذهب صلاةُ هذا الرجُل لم تصحَّ، لماذا؟ لأنه لم يصحَّ تيمُّمُه فلمْ تصحَّ طهارتُه.
[ ١ / ٤٥٠ ]
لكن الحمد لله أن المسألة فيها قولٌ آخر هو الصحيح: أنَّه لا يُشترَط لا ترتيب ولا موالاة، وأنَّ التيمُّم عن الجرح في الحدَثِ الأصغر كالتيمُّم عن الجرحِ في الحدَثِ الأكبر، وبناءً على ذلك فيجوز أن أتيمَّمَ قبل الوضوء أو بعد الوضوء بزمنٍ قليلٍ أو كثيرٍ، وهذا الذي عليه عملُ الناس اليوم؛ فإن أكثرَ الناس يتوضَّؤون في بيوتهم، ثم إذا جاؤوا إلى المسجد تيمَّموا في المسجد لجرح فيهم، لكن اللي بيأخذ بالمذهب لا بدَّ أن يراعي الترتيبَ والموالاةَ إذا كان الجرح في طهارةِ الحدَثِ الأصغرِ، ولهذا قال المؤلف: (ومَنْ جُرِحَ تيمَّمَ له وغَسَلَ الباقي).
***
السؤال يقول: إذا كانت رِجْله مُجَبَّسة، ويش تقول؟
طالب: يتيمَّم.
الشيخ: يتيمَّم؟
الطالب: يمسح عليها إذا كان ما يتضرَّر.
الشيخ: إي، مجبَّسة، ما هو متضرِّر.
الطالب: خلاص، يمسح عليها.
الشيخ: يمسح عليها، ويش يُسمَّى عند العلماء؟
الطالب: المسح على الجبيرة.
الشيخ: المسح على الجبيرة.
***
() نقول الآن: إن بعض العلماء يقولون: إن التيمُّم لا يُشرَع إلا في الطهارة الواجبة فقط، وأمَّا الطهارةُ المستحَبَّةُ مطْلقًَا سواء كانت غُسْلًا أمْ وضوءًا فإنه لا يُشرَع لها التيمُّم، واستدلُّوا لذلك بأَثَرٍ ونَظَرٍ.
الأثرُ؛ قالوا: إن الله ﷿ إنما ذكر التيمُّمَ في الطهارةِ الواجبةِ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] هذا الأثر.
أمَّا النَّظَر فقالوا: إن التيمُّم طهارةُ ضرورةٍ، والطهارةُ غيرُ الواجبةِ ليس لها ضرورةٌ، هل الإنسان في ضرورةٍ إليها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا ضرورةَ لها؛ لأنها مستحَبَّةٌ إنْ شاء تَرَكها وإنْ شاء فَعَلها، وما دامَ لا ضرورةَ لها فإنه لا يُشرَع لها التيمُّم، وهذا أحدُ القولينِ في مذهب الإمام أحمد بن حنبلٍ ﵀.
[ ١ / ٤٥١ ]
وهو كما تَرَوْن الآن هذا الاستدلال وهذا التعليل قويٌّ جدًّا، لكنه يعكِّر عليه في الواقع أن الرسول ﵊ تيمَّمَ لردِّ السلام (٥)، وقال: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» (٦)، ومعلومٌ أن التيمُّم لردِّ السلام ليس بواجبٍ بالإجماع، وإذا كان ليس بواجبٍ وقد تيمَّمَ له الرسولُ ﵊ فإنه يؤخذ منه مشروعيَّةُ التيمُّم لما تُستحَبُّ له الطهارةُ، وأظنُّ الاستدلالَ بهذا الحديثِ واضحًا جدًّا.
ثم نقول: هناك أيضًا تعليلٌ، وهو أن التيمُّمَ بَدَلٌ عن طهارةِ الماء، والبَدَلُ له حكْمُ المبْدَل، فمتى استُحِبَّت الطهارةُ بالماء استُحِبَّت الطهارةُ بالتيمُّم، فيقابَلُ ذاك الدليلُ بدليلِ الحديث، ويُقابَل النَّظَرُ بالنَّظَرِ الآخرِ، وعلى كلٍّ فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنه يتيمَّم لو لم يكنْ مِن ذلك إلا أنه يشعر بأنه متعبِّد لله ﷿ بأَحدِ نوعي الطهارةِ لهذا العمل الذي تُشْرَع له الطهارة.
ما تقولون في رجلٍ أراد أن يتوضأ وليس عنده إلا ما يكفي وجهَه ويديه ().
***
(ويَجِبُ طَلَبُ الماءِ في رَحْلِهِ).
أولًا أفادنا المؤلف: (يَجِب) والواجب عند العلماء هو الذي لا بدَّ من فِعْله؛ قالوا: وهو ما أَمَر به الشارعُ على سبيل الإلزام بالفعل. هذا الواجب.
وحُكْمه: أنَّ فاعله مستحقٌّ للثواب، وتارِكه مستحقٌّ للعقاب. ونحن نقول: إن تارِكه مستحقٌّ للعقاب، ولا نقول: يُعاقَب تاركه؛ لأنه يجوز أن الله ﷿ يعفو عنه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦].
إذَن الواجب عند أهل العلم هو الذي أَمَر به الشارع على سبيل الإلزام بالفعل؛ يعني لازم تفعل.
حكمه: أن فاعله مستحقٌّ للثواب، وتاركه مستحقٌّ للعقاب.
إذَن طلبُ الماء هنا لازمٌ أنك تطلب.
[ ١ / ٤٥٢ ]
(طَلَبُ الماءِ) ما هو الدليل على وجوب الطلب؟ قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]، ولا يُقال: لَمْ يَجِدْ، إلا بعد الطلب؛ واحد مثلًا ما تحرَّك ولا دوَّر ما يقول: واللهِ ما وجدتُ. ولهذا لو تَكتبُ مثلًا: لم أَجِدْ فيه خلافًا، وما تُطالع كُتُب الخلاف، يجوز تقول هكذا ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، كيف تقول لم أجِدْ فيه خلافًا وأنت ما طالعتَ إلا كتابًا على قولٍ واحدٍ، فلا يقال: لم يَجِدْ، إلا لمن طَلَبَ، إذَن ففَهِمْنا وجوبَ الطلبِ من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
قال: (في رَحْلِه). (رَحْلِه) يعني: الجماعة اللي أنت معهم، الرَّحْل: يعني المتاع اللي يُحمَل على البعير، والمراد: الجماعة اللي أنت معهم، فإنْ كنتَ تعلم أنه ليس فيه شيءٌ فلا حاجةَ إلى الطلب؛ لأن الطلب تحصيلُ حاصِلٍ؛ رجلٌ يعرف أنه ما عنده إلا قِرْبة فارغة من الماء أو جالون فارغ من الماء، يحتاج إلى طَلَبٍ؟ ! لو أنه طَلَبَ في هذه الحال لَقِيلَ: إن هذا مجنون؛ يجيء يفتِّش في رَحْلِه، ويش تدوِّر يا فلان؟ قال: أنا أدوِّر ماء، وهو ما معه لا جَوَالين ولا شيء أبدًا، فإذا كان يعلم أن رَحْله ليس فيه شيءٌ فإنه لا يجب الطلب؛ لأن الطلب حينئذٍ عبثٌ وإضاعةُ وقتٍ، لكنْ لو فُرِض أن أحدًا يحتمل أنه قد جاء بالماء ووضعه في الرَّحْل؛ مِثْل أنْ كُنَّا قد وصَّينا إنسانًا يأتينا بماءٍ وفيه احتمال أنَّ الرجُل جاء في غفْلةٍ منَّا ووضع الماءَ في الرَّحْل، فحينئذٍ يجب الطلب.
وقوله: (في رَحْلِهِ وقُرْبِهِ) يعني: قُرب الرَّحْل؛ يعني بحيث أنك تمشي مثلًا تدوِّر هلْ حولك مثلًا بئرٌ أو غديرٌ أو ما أَشْبَهَ ذلك، المهم لا بد يكون بقُربِهِ.
هل له حدٌّ محدودٌ؛ القُرْب؟
[ ١ / ٤٥٣ ]
لا، يُرجَع في ذلك إلى العُرْف، ومعلومٌ أن القُرب عُرفًا يختلف باختلاف الأزمنة؛ فمثلًا إذا كانت () أو ما أَشْبَهَ ذلك أو على الأقدام فالقُرب يكون قريبًا، لكن بالسيارات () بعيدًا، المهم أنه يبحث فيما قَرُبَ بحيث لا يشقُّ عليه طلبُه ولا يفوت به وقتُ الصلاة.
كذلك (بدلالةٍ) يعني إذا فرضنا: هذا رجُل ما عنده ماءٌ في رَحْله، ولا يقْدر يروح يدوِّر في قُرْبه، ليش؟ إمَّا لأنه قليلُ النَّظَر ما هو يشوف الحين، أو لأنه إنسان لو يتعدَّى رحْلَه قِيدَ شبرٍ ضاعَ ولا دلّ، ويوجد بعضُ الناس هكذا؛ بعض الناس لو يروح عن الرَّحْل قليلًا ويختفي عنه ضاعَ ولا يعرف يذهب لا يمين ولا شِمال، فهذا ما فَرْضُه؟
طالب: التيمم.
الشيخ: لا فيه قبل، الدلالة؛ يجيء بأحد يدلُّه؛ يقول: تعالَ جزاك اللهُ خيرًا -سواء بفلوس أو مجَّانًا- دُلَّني على الماء. إذا ما وَجَد لا برَحْلِه ولا بقُرْبه ولا بدلالةٍ فحينئذٍ يجوز له التيمُّم، ودليل ذلك من الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
***
يقول: (فإنْ نَسِيَ قُدْرتَهُ عليه وتيمَّمَ أعادَ).
(نَسِيَ قدرتَهم عليه) يعني: إنسان كان يعرف من قبلُ أن حولَه بئرًا، لكن نَسِي، يومًا صلَّى ومشى شوَيّ وما بيشوف البئر، ()، أنا نسيتُ هذا البئر. ماذا يصنع؟
طلبة: يُعيد الصلاة.
الشيخ: يُعيد الصلاة.
كيف يُعيد الصلاة وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؟
يقولون: لأن هذا تحصيلُ شرطٍ، والشرطُ لا يسقط بالنسيان، فأنت في الحقيقة عندك نوعُ تفريطٍ، وإلَّا أنت بقيتَ تفكِّر وتقدِّر إلى أن تذكر، أمَّا مجرد أنك تقول: واللهِ ما حولنا شيء، وتذهب وتتيمَّم فهذا فيه نوعُ تفريطٍ منك، فوجَبَ عليك الإعادة.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقيل: إنه إذا نَسِي قُدْرته عليه فإنه لا يُعيد؛ لأنه لم يقصدْ مخالفةَ الأمر؛ فأنا حينما صلَّيتُ منتهى قدرتي أن يكون ما حولي ماء، فلم أقصدْ مخالفةَ أَمْر الله، وعلى هذا فلا إعادةَ عليه، لكن الأحوط أن يُعيد، والعلماء إذا قالوا: الأحوط، لا يعنون أنه واجبٌ، لكن يعنون أن الورعَ أن يُعيد لئلَّا يعرِّض الإنسانُ نفسَه للعِقاب، وهنا يفرِّقون بين الحكْم الاحتياطي والحكْم المجزوم به كما قال شيخ الإسلام في الفتاوي؛ يقول: إن الحكْمَ الاحتياطيَّ لا يعني أنه على سبيل الوجوب، ولكن على سبيل الورعِ بالتزامه.
***
يقول: (وإنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحْداثًا صلَّى ولَمْ يُعِدْ) هنا الجواب متأخر؛ (وإنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحْداثًا، أو نجاسةً على بَدَنِهِ تضرُّ إزالتُها، أو عَدِمَ ما يُزِيلُها، أو خافَ بردًا، أو حُبِسَ في مِصْرٍ فتيمَّمَ، أو عَدِمَ الماءَ والترابَ؛ صلَّى) هذا جواب الشرط (ولَمْ يُعِد).
(إنْ نَوَى بتيمُّمِهِ أحداثًا) أَجْزأَ هذا التيمُّم الواحدُ عن الجميع ولو كانت متنوِّعة؛ لأن الأحداثَ إمَّا أن تكون من نوعٍ واحدٍ، أو من أنواعٍ، أو من جنسٍ، أو من أجناسٍ.
مثال النوع الواحد: مِثْل رجُلٍ بالَ عدَّة مرَّاتٍ، هذا أحداثٌ ولَّا حدثٌ واحد؟
الطلبة: أحداث.
الشيخ: أحداث، لكن نوعها؟
الطلبة: واحد.
الشيخ: واحد، وهو البول.
أنواعٌ من جنسٍ: رجلٌ بالَ وتغوَّط وأكَلَ لحمَ الإبلِ ونامَ، هذه أنواعٌ لكنها من جنسٍ واحدٍ، ويش هو جنس واحد؟ حدثٌ أصغرُ، الجنس واحد.
رجلٌ احتلمَ وأنزلَ وبالَ وتغوَّطَ، هذه أجناس؛ لأنَّ الأوَّل حدثٌ أكبر، والثاني حدثٌ أصغر، هذا الرجل تيمَّم ونوى كلَّ هذه الأحداثَ اللِّي عليه، يجزئه ولَّا لا؟ يُجزِئ. ما هو الدليل؟
[ ١ / ٤٥٥ ]
قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٧)، هذا الحديث العظيم من أعظم الأحاديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، هذا تيمُّمٌ، والتيمُّم عملٌ، نَوَى به عدَّةَ أحداثٍ، نقول: لك ما نويتَ؛ «وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
(أَوْ نَجَاسَةً على بَدَنِهِ تضُرُّهُ إزالتُها) يعني: نَوَى نجاسةً على بَدَنه تضرُّه إزالتُها (أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها).
مثال النجاسةِ على البدن اللِّي تضرُّ إزالتُها مثل: لو سقطتْ نقطةُ بولٍ على جُرحٍ طريٍّ ما يقدر يمسحه ولا يغسله، هذه نجاسةٌ على بَدَنٍ تضرُّه إزالتُها؛ لأنه ما يَقْدر يغسله لأن الماء يضرُّه، ولا يَقْدر يمسحه بخرقةٍ لأن المسح أيضًا يضرُّه، على أن المسْح ما يَحصُل به التطهيرُ أيضًا، فإزالة النجاسةِ إذَنْ تضرُّه ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يتيمَّم لها ولَّا ما يتيمَّم؟
كلامُ المؤلف يدلُّ على أنه يتيمَّم، ولهذا قال: (أو نجاسةً على بَدَنِهِ تضرُّ إزالتُها).
(أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها) مثل: أصابه بولٌ على بَدَنه، لكن ما عنده ماءٌ يزيلها به، يتيمَّم ولَّا لا؟
طالب: يتيمَّم.
الشيخ: يتيمَّم؛ لأنه قال: (نجاسةً على بَدَنه تضرُّ إزالتُها، أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها). هذا عَدِمَ ما يُزِيلُها، ما عنده ماءٌ فيتيمَّم.
طيب البُوية نجسة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: يقول لي بعضُ الناس: إن فيه شيء نجس من البويات، لو فرضْنا أن فيه بُوية نجسة ولطَّختْك، الماءُ يُزِيلُها ولَّا ما يُزِيلُها؟
طلبة: ما يُزِيلُها.
الشيخ: ويش يُزيلها؟
الطلبة: الجاز، البنزين.
الشيخ: البنزين والجاز، ما عنده بنزين ولا جاز، يتيمَّم على كلام المؤلف.
طالب: مع بقائها.
الشيخ: إي، هي باقيةٌ، معروف أن البوية ما هي تروح.
[ ١ / ٤٥٦ ]
أفادنا المؤلف يا جماعة -﵀- أن النجاسةَ على البَدَن يُتيمَّم لها، وأن النجاسةَ على الثوب أو في البقعة لا يُتيمَّم لها؛ لأنه قال: نجاسة على البدن. أمَّا لو كانت نجاسة على ثوبه وهو ما يَقْدر يغسله، ما عنده ما يغسلها به، فهل يتيمَّم ويصلي؟
طالب: ما يتيمَّم.
الشيخ: نقول: لا.
طيب، ينزِّل الثوب، قال: ما عندي ثوبٌ غيره، إن نزَّلتُه صلَّيتُ عاريًا؟
طالب: يصلِّي به.
الشيخ: يصلِّي به، والمذهب: يصلِّي به ويُعيد؛ المذهب يقولون: يجب أن يصلِّي به ويجب أن يُعيد، فلو بَقِي هذا الثوب عليه شهرًا كاملًا ()، ما عنده غير هذا الثوب ولا عنده ما يغسل به النجاسةَ قُلنا؟
طالب: يقضي مئةً وخمسين صلاة.
الشيخ: نعم، يقضي مئةً وخمسين صلاة، ويصلِّي وُجوبًا بالنجس، ويقضي.
والقول الثاني: أنه يصلِّي به ولا يجب الإعادة؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا هو الذي استطاعه، هو الآن عاجز عن إزالة النجاسة فيصلِّي به، وهذا هو الصحيح بلا شكٍّ.
هلْ يتيمَّم للنجاسةِ على ثوبه؟ لا يتيمَّم.
نجاسة في بُقعة، يمكن يصير نجاسة في بُقعة؟ إي نعم؛ يكون -نسأل الله العافية- محبوسًا في مكانٍ نجسٍ؛ يعني فيه بعض الوُلاةِ الظَّلَمةِ يحبس المسلمَ في المرحاض، هذا اللِّي حُبِس في المرحاض كيف يصلي؟ محبوسٌ في نجس.
نقول: تصلِّي وعلى حَسَبِ حالك، ولا تتيمَّمْ للنجاسة، لكن الوضوء بيتوضأ.
أفادنا المؤلف أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على بَدَن. إن غلطتُ فصوِّبوني.
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ، البَدَن يتيمَّم له.
لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على ثوب.
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح.
لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ في بقعة.
الطلبة: صحيح.
[ ١ / ٤٥٧ ]
الشيخ: صحيح، والصحيح أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ مطْلقًا لا في الثوبِ ولا في البَدَنِ ولا في البقعةِ؛ وذلك لأن الله إنما ذكر التيمُّمَ في الأحداثِ فقط، فلا يجوز أن نتعدَّى ما ذكره الله ﷿، ولأن النجاسةَ شيءٌ يطلبُ التخلِّيَ منه لا إيجادَهُ، فمتى خلا الإنسانُ من النجاسةِ ولو بغير نيَّةٍ فإنه يَطْهُر منها؛ أرأيتَ لو أنَّ يدك مثلًا أصابها بولٌ، ذراعك مثلًا، وتوضأْتَ وغسلْتَ على أنك متوضِّئٌ ونسيتَ أنه أصابهُ البول، هل يطهُر ولَّا ما يطهُر؟
طلبة: يطهُر.
الشيخ: مع أنك ما نويتَ؛ لأن المقصود بإزالةِ النجاسةِ هو التخلِّي عنها، ولا يحصل هذا المقصودُ بالتيمُّم، بخلافِ الوضوء والغُسْل فإنه تعبُّد، فإذا لم نستطع التطهُّر بالماء تطهَّرْنا تعبُّدًا لله وتذلُّلًا له بالتُّراب، وهذا القول أحدُ القولينِ في المسألة، وهو الصواب بلا شكٍّ، كما أنه لا يتيمَّم عن النجاسة في الثوب وفي البقعة.
فعندنا أربعةُ أمور يا إخواننا: حَدَثٌ، نجاسةٌ على بَدَنٍ، نجاسةٌ على ثوبٍ، نجاسةٌ على بُقعةٍ.
الحدثُ يُتيمَّم عنه بالنص والإجماع، ما فيه إشكال، والنجاسةُ على الثوبِ والبُقعةِ لا يُتيمَّم عنها قولًا واحدًا في المذهب، إلا إن كان فيه هناك قولٌ ضعيفٌ، والنجاسةُ على البَدَنِ يُتيمَّم عنها على المذهب، والصحيح أنه لا يُتيمَّم عنها، يغسلُها إن وَجَدَ الماءَ وإلَّا سقط عنه الوجوب.
***
() هذه المسألة فيها خلافٌ؛ بعضُ العلماء يقول: يجب يَحمِلون من الماء ما يكفيهم إذا كان ما يشُقُّ عليهم، وعلى هذا فيجبُ على مَن أرادوا الرِّحْلة أنهم يأخذون معهم ()؛ لأن () الآن الحمد لله متيسِّر.
[ ١ / ٤٥٨ ]
والقول الثاني: لا، إن المسافر لا يلزمه أن يَحمِل من الماء إلا ما يكفيه هو وأهله فقط، وإنَّ هذا هو المقصود بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، والظاهر أنه إذا كانت المشقَّة يسيرةً أنه يجب عليهم الحمْلُ، أمَّا إذا كانت المشقَّة كثيرة فهذا ما يجب.
***
() هذا القياس.
وذكَرْنا أنَّ القولَ الراجحَ خلافُ ذلك، فما هو حُجَّة القول الراجح؟ وما هو دفاعُهم عن هذا التعليل؟
طالب: ().
***
الشيخ: () (أوْ خَافَ بَرْدًا) خافَ بردًا منين؟ من استعمال الماءِ، فإنه يتيمَّمُ، لكنْ إن وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ وَجَبَ عليه أن يُسخِّن الماءَ، فإنْ لم يَجِدْ وخافَ إن اغتسلَ مَرِضَ فإنه يتيمَّم، ولا يكفي الخوفُ من البرد فقط، لكنْ خافَ ضررًا من البردِ، أما أن يخافَ البردَ كلُّ واحدٍ في الشتاء إذا توضأ يبرد، لكن المقصود أنه يخشى على نفْسه الضررَ من البرد، ففي هذه الحال له أن يتيمَّم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
فإذا خافَ بردًا لا يحتملُه إلا بضررٍ فله أنْ يتيمَّم، وإذا تيمَّمَ ثم وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ فهلْ يجب عليه أن يستعمل الماءَ؟
الجواب: نعم، يجب عليه، وسيأتي -إنْ شاء اللهُ- دليلُ ذلك.
قال: (أو حُبِسَ في مِصْرٍ) المصر معروف: المدينة. (حُبِسَ) يعني فلَمْ يَصِلْ إليه الماءُ، فإنه يتيمَّم، وإنما نصَّ المؤلفُ على ذلك لأن بعض أهل العلم يقول: إنه لا يتيمَّم؛ لأنه ليس مسافرًا وليس عادمًا للماء؛ فالماء موجودٌ لأنه في مصْرٍ.
ولكن يقال: هذا الماء الموجود بالنسبة إليه معدومٌ؛ لأنه حُبِسَ ولم يُوصَل إليه الماءُ، وحينئذٍ يكون قد تعذَّرَ عليه استعمالُ الماء فيُباحُ له التيمُّم.
فإن حُبِس في مصرٍ ولم يجد ماءً ولا تُرابًا فماذا يصنع؟
[ ١ / ٤٥٩ ]
يصلِّي على حَسَبِ حالِه ولا إعادةَ عليه، ولا يقُلْ: سأُؤَخِّر الصلاةَ حتى أَقْدر على إحدى الطهارتينِ: الماء أو التراب.
(أوْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ) لم يجدْ ماءً ولا ترابًا؛ مثل أن يُحبَس في مكانٍ ليس فيه ماءٌ ولا ترابٌ، ولا يستطيع أن يخرج من هذا المكان ولا أن يجلب ترابًا يتيمَّم به ولا ماءً يتطهَّر به، ففي هذه الحال يصلِّي على حَسَبِ حالِه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقولِ النبي ﷺ: «إِذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣)، ولقوله ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (٨)، فإن هذا عامٌّ، ومن هُنا نأخذ أهمية المحافظة على الوقت، وأنَّ الوقت أَوْلى ما يكون من الشروط في المحافظة، فنقول: صَلِّ بلا وُضوءٍ وبلا تيمُّمٍ على حسب حالك.
***
ثم قال ﵀: (ويَجِبُ التيمُّمُ بتُرابٍ طَهورٍ له غُبارٌ).
هذا بيانُ ما يُتيمَّم به؛ يقول المؤلف: (بترابٍ)، والتراب معروف، خرجَ بذلك ما عداه من الرَّمْل والحجارة وما أَشْبَه ذلك فلا يتيمَّم به، يجب أن يتيمَّم بترابٍ، فإنْ عَدِمه ولم يكنْ إلا في بَرٍّ ليس فيه إلا الرمْلُ أو ليس فيه إلا الطينُ لكثرة الأمطار فحينئذٍ يصلِّي بلا تيمُّمٍ؛ لأنه عَدِمَ الماءَ والترابَ.
ما هو الدليل؟
[ ١ / ٤٦٠ ]
قالوا: الدليل على ذلك قولُ النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» (٩)، وفي رواية: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» (١٠)؛ قالوا: هذا يخصِّص عمومَ قوله ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٨)؛ فإن الأرضَ كلمةٌ عامَّةٌ، لكن (تُراب) خاصٌّ، فيُقيَّد العامُّ بهذا؛ بالتراب. هذا هو دليلهم، ولكن هذا الدليل رفَضَه جمهورُ العلماء وقالوا: إنه إذا قُيِّد اللفظُ العامُّ بما يوافق حكْمَ العامِّ فإنه ليس بقيدٍ.
يعني تقرير هذه القاعدة: ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق حكْمَ العامِّ لا يقتضي تقييدَه، وكذلك ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ لا يخالف العامَّ لا يقتضي تخصيصه.
وقد نصَّ على هذه القاعدةِ كثيرٌ من العلماء منهم: الشوكاني في نيل الأوطار، ومنهم كذلك الشنقيطي في تفسيره على هذه الآية؛ آيةِ التيمُّم، على أنه إذا ذُكِر بعضُ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق العامَّ فإنه لا يقتضي التقييد.
توضيح هذه القاعدة: مثلًا إذا قلت: أكْرِم الطلبةَ. هذا عامٌّ ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ثم قلت: أكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة؛ هل يقتضي هذا تخصيصَ العامِّ ونقول: إنك لا تكرم إلا فلانًا.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ لأنك الآن ذكرتَ فلانًا بحكْمٍ يوافق العامَّ، فلا يخصِّصه، لكن لو قلتَ: لا تُكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة، صار هذا تخصيصًا للعامِّ؛ لأني لما قلتُ في الأول: أكْرِم الطلبة، دَخَلَ فيهم هذا الرجل، فإذا قلت: لا تُكْرِمه، خَرَجَ، فصار هذا هو التخصيص؛ لأني ذكرتُه بحكمٍ يخالف حكمَ العامِّ، انتبه لهذا.
[ ١ / ٤٦١ ]
ومن ذلك أن بعض العلماء قال في قوله ﷺ: «وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ» (١١): يخصِّص عمومَ الأدلَّةِ الدالَّةِ على وجوب زكاةِ الفضة مطْلقًا؛ لأنه قال: «وَفِي الرِّقَةِ» والرِّقَة هي السكة المضروبة على قولهم، فنقول: إن سلَّمْنا لكم أن الرِّقَة هي الفضَّة المضروبة فإنَّ هذا ذِكْر بعض أفراد العامِّ بحكْمٍ موافقٍ للعامِّ، وهذا لا يقتضي التخصيص.
إذَن نرجع إلى ما نحن فيه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» عامٌّ ولَّا لا؟
الطلبة: عامٌّ.
الشيخ: «الْأَرْضُ» يشمل الرمليةَ والترابيةَ والحجريةَ، يشمل كلَّ هذا، «جُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» أو «تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» هذا قيدٌ، لكنه قيدٌ بما يوافق العامَّ المطْلَقَ فلا يكون مخصِّصًا، وهذا هو الصواب.
إذَن نقول: لا يجب التيمُّم بترابٍ، بلْ تتيمَّم بكُلِّ ما تصاعَدَ على وجْه الأرض؛ لأن الله يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، ﴿صَعِيدًا﴾، والصعيد: كلُّ ما تصاعدَ على الأرض فهو صعيدٌ، والله ﷿ يعلم أن الناس في أسفارهم يطرقون أراضيَ رمليَّةً، وأراضيَ حجريَّةً، وأراضيَ ترابيَّةً، ولم يخصِّص شيئًا دون شيءٍ، والنبيُّ ﵊ في غزوة تبوك لا شكَّ أنه مرَّ برمالٍ كثيرةٍ، ومع ذلك فلمْ يُنقَل أنهم كانوا يحملون الترابَ، ولا أنهم كانوا يصلُّون بدون تيمُّمٍ، وعليه فيكون القولُ الصحيحُ أنه لا يُشترط الترابُ.
اشترط المؤلف أيضًا: (طَهُور)، وهو إشارةٌ إلى أن الترابَ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس؛ كما أن الماء عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس.
فخرج بقوله: (طَهُور) الترابُ النجسُ؛ مثل أن تجد بقعةً قد أصابها بولٌ ولم يُطهَّر ذلك البول، فهل تتيمَّم منها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنها ليستْ بطَهورٍ.
ما الدليل؟
[ ١ / ٤٦٢ ]
الدليل قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والطيِّب ضدُّ الخبيث، ولا نعلم خُبْثًا يُوصَفُ به الصعيد إلا أن يكون نجسًا، وعلى هذا فإذا كانت الأرض نجسةًَ فإنه لا يُتيمَّم عليها.
ولكنْ يبقى النَّظَر ما هو الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ؟ الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ هو الترابُ الذي يتساقطُ من الكفَّينِ أو من الوجْهِ بعد التيمُّمِ به.
طالب: ().
الشيخ: هذا يُمْكن لكنْ بصعوبة؛ لأنك إذا ضربْتَ الأرضَ وغبَّرت ومسحتَ وجهَك، قد يجيء واحد ويضرب يديك ويمسح بالتراب هذا، يُمْكن ولَّا لا؟ يُمكن، يقول: تعالَ أتيمَّم من وجهك ويديك -لكنْ لا يخبطك على وجهك المشكلة، خلِّه إذا بغى يخبط باليدين- هلْ يجزئ التيمُّم هنا؟ لا، ليش؟ لأن التراب اللِّي على اليدينِ ترابٌ مستعمَلٌ في طهارةٍ واجبةٍ، فيكون طاهرًا غيرَ مطهِّر، فأمَّا لو تيمَّمْتَ من المكان الذي ضربْتَ عليه يديك فإنَّ ذلك ليس بطاهر، بل هو طَهورٌ؛ مثال ذلك: احنا الآن في أرضٍ، فجاء رجلٌ وضربَ الأرضَ ورأينا آثارَ يديه على الأرض وتيمَّم، فجاء آخَر وضربَ على مضرب يديه، يصحُّ ولَّا ما يصحُّ؟
طالب: يصحُّ.
الشيخ: يصحُّ، وقد يتوهَّم بعضُ الطلبة أن هذا المكانَ أو هذا الترابَ صار طاهرًا غيرَ مطهِّر، والأمرُ ليس كذلك، بلْ نصَّ الفقهاء ﵏ على أنَّ هذا جائزٌ وأنَّ هذا يُشبه أن يتوضأ الجماعةُ من بِرْكة، إذا توضؤوا من بِرْكةٍ ما يكون طاهرًا غير مطهِّر، فانتبهوا لهذا.
والصحيح أنه ليس هناك قسمٌ يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّرٍ في التراب، كما أنه ليس هناك قسمٌ في الماء يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّر.
الشرط الثالث؛ قال: (له غُبار)، فإن لم يكنْ له غبارٌ فإنه لا يصحُّ التيمُّم به؛ مثل أن يكون هذا التراب ثَرِيًّا، (ثريًّا) يعني أيش؟
طلبة: رطبًا.
[ ١ / ٤٦٣ ]
الشيخ: إي، فيه رطوبة، وليس المراد بالثريِّ الغني مأخوذ من الثراء، لا، ثريًّا يعني لَدِنًا؛ أي: فيه رطوبة، فإنك لا تتيمَّم به، وعلى هذا فلو كُنَّا في أرضٍ قد أصابها رشُّ مطرٍ حتى ذهب الغبار فإننا لا نتيمَّم عليها، بل نصلِّي بدون تيمُّمٍ.
والصحيح في هذه المسألة خلافُ ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
الشيخ: يقول المؤلف ..
طلبة: (غير محترقٍ).
الشيخ: ما هي عندي، لكنْ طيب، إذا كان غيرَ محترقٍ معناه أنه لو كان محترقًا مثل الإسمنت.
طالب: الرماد.
الشيخ: الرماد من الخشب.
طالب: والجِص.
الشيخ: نعم، الجِص، مع أن الجِص ما يصحُّ مطْلقًا لأنه ليس بترابٍ، فإنه لا يصحُّ التيمُّم به () وهذا أيضًا من الأشياء الضعيفة.
والصواب أنَّ كلَّ ما على الأرض من ترابٍ، وحَجَرٍ ورمْلٍ رطْبٍ أو يابسٍ يُتيمَّم منه.
بَقِي أن يُقال: كيف نُجيب عن قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿مِنْهُ﴾ فإن (مِن) للتبعيض، ولا تتحقَّقُ البعضيةُ إلا بغُبارٍ يَعْلَق باليد ويُمسح به الوجْه.
طالب: شيخ، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية لا للتبعيض.
الشيخ: نعم، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية، فهي كقولك: سِرتُ مِن مكةَ إلى المدينة، فإذا قلتَ: هذا خلافُ الظاهر؛ لأن ظاهر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ..، قلنا: هذا مُسَلَّم؛ لكننا عَدَلْنا إلى غير الظاهر من أجْل سُنَّة الرسول ﵊؛ فإن ظاهرها أن ذلك ليس بشرطٍ؛ لأنه يسافر في الأرض الرمليةِ والأرض التي أُصيبتْ بمطرٍ، ومع ذلك ما نُقِل عنه أنه كان يَدَعُ التيمُّم في مثل هذه الحال.
[ ١ / ٤٦٤ ]
و(فُروضُه) مَسْحُ وَجْهِه ويَديهِ إلى كُوعَيْهِ، وكذا الترتيبُ والْمُوالاةُ في حَدَثٍ أَصْغَرَ: و(تُشْتَرَطُ) النيَّةُ لِمَا يَتَيَمَّمُ له من حَدَثٍ أو غيرِه، فإن نَوَى أحدَها لم يُجْزِئْهُ عن الآخَرِ، وإن نَوَى نَفْلًا أو أَطْلَقَ لم يُصَلِّ به فَرْضًا، وإن نواه صَلَّى كلَّ وَقْتِه فُروضًا ونوافِلَ.
و(يَبْطُلُ التيَمُّمُ) بخروجِ الوَقْتِ، وبِمُبطلاتِ الوُضوءِ، وبوجودِ الماءِ ولو في الصلاةِ لا بعدَها، والتيَمُّمُ آخِرَ الوقتِ لراجِي الماءِ أَوْلَى. و(صِفَتُه) أن يَنْوِيَ، ثم يُسَمِّيَ، ويَضْرِبُ الترابَ بيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأصابعِ يَمْسَحُ وَجْهَه بباطنِهما وكَفَّيْه برَاحَتَيْهِ ويُخَلِّلُ أَصابِعَه.