لا تَصِحُّ إلا على دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ،
يقول: إن ذاك الساعة ما على باله إلا إنه بس بيدفع حاجز الرهن، فإذا أنفق بنية الرجوع رجع بكل حال، وإذا أنفق بنية التبرع؟
طلبة: ما يرجع.
[ ١ / ٤٧٨٩ ]
الشيخ: لم يرجع بكل حال على القولين، وإذا أنفق وهو لم يَنْوِ لا رجوعًا ولا تبرُّعًا فعلى المذهب لا يرجع؛ لأنه يشترط أن ينوي الرجوع، وعلى ما قاله المؤلف –الماتِن- يرجع؛ لأن الأصل أن ما أنفقه على ملك غيره فهو له، يعني يرجع به، هذا هو الأصل، إلا إذا عارض ذلك نية التبرُّع.
قال: (وكذا وديعة وعاريَّة ودوابُّ مستأجرة هَرَبَ رَبُّهَا)، يعني فإنه يرجع إذا تعذَّر إذن ربها، فينوي إذا أنفق يرجع ما لم يَنْوِ التبرع، وعلى المذهب يرجع إن نوى الرجوع.
طالب: يرجع ولو لم يستأذن الحاكم.
الشيخ: نعم، ولو لم يستأذن الحاكم، نعم ما هو شرط، إذا تعذر إذن المالك وأنفق بنية الرجوع رجع وإن لم يستأذن الحاكم، الحاكم القاضي، يعني لا يلزمه أن يذهب إلى القاضي ويقول: إن هذا الرهن محتاج إلى نفقة، فهل أنفق عليه أم لا؟
طالب: أن يغيب الراهن.
الشيخ: الراهن غائب ما يمكن استئذانه، فهل يُشْتَرَط أن أستأذن القاضي؟ يقول المؤلف: ليس بشرط؛ لأن بقاءه بيدك بإذن الراهن معناه التزام بما يجب له من النفقة.
الطالب: ولو كان قريبًا يسهل ..
الشيخ: ولو كان قريبًا نعم.
وأنت تعلم أنه إذا قال المؤلف: (ولو)، فهي إشارة خلاف؛ لأن المسألة فيها خلاف.
كذلك (وديعة) الوديعة معناها أن أُعْطِيَ شخصًا مالًا ليحفظه لي، ويَرُدّه عند طلبه، هذا الوديعة.
(العارية) أن أعطي شخصًا مالًا لينتفع به ويرده.
طالب: ما عندنا.
الشيخ: لا، عندي، عندنا عاريَّة.
الطالب: في الشرح.
الشيخ: لا، متن عندي، عندكم ..
الطالب: حاشية.
الشيخ: إي.
على كل حال مثله سواء، لكن أنا عندي موجودة أصلًا.
(دواب مستأجَرَة هَرَبَ رَبُّهَا) يعني إنسان آجَرَنِي بعيرَه وهرَب، الإنفاق على مَن؟ على الْمُؤْجِر؛ لأنه ملكه، لكن هذا الرجل هرَب علشان يورّطني وأنفق على هذا البعير، إذا أنفقت بنية الرجوع مع تعذُّر استئذان صاحبها لي الحق أن أرجع ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤٧٩٠ ]
الشيخ: نعم، فإن لم أستأذنه مع إمكانه فلا رجوع عليه؛ لأنه ملك غيري، فلا يمكن أن أتصرف إلا بإذن صاحبه، وإن كان غائبًا لا يمكن استئذانه ولكني ما نَوَيْت الرجوع، فعلى كلام المؤلف في الشرح لا أرجع، وعلى القول الثاني أرجع ما لم أَنْوِ التبرع، وهو الصحيح.
طالب: كيف هرب ربها؟
الشيخ: هرب، ما يمكن استئذانه إذا هرَب، يعني مثلًا إنسان عنده إبل أَجَّرَها هذا الرجل، وخاف أن يطالبه بقيمة العلف فهرب، هرَب الرجل، فنقول كما قلنا في الرهن -طبعًا استئذان المتعذِّر- نقول: إذا أنفقت بنية الرجوع فإنك ترجع؛ لأنك أنفقت لإنقاذ مال غيرك، فكان لك الحق في أن ترجع.
والحاصل أن مَن أنفق على مال غيره إن كان بإذن مِن الشرع رجع، بإذن من المالك رجع، بغير إذن لا من المالك ولا من الشرع ففيه التفصيل الذي ذكرنا، إن كان قد نَوَى التبرُّع؟
طلبة: فلا يرجع.
الشيخ: لم يرجع، إن نوى الرجوع ولم يستأذن مع إمكانه؟
طلبة: لم يرجع.
الشيخ: لم يرجع، إن نوى الرجوع ولم يستأذن لتعذر الإذن؟
طلبة: يرجع.
الشيخ: رجع، هذا هو الضابط في هذه المسائل.
يقول: (ودواب مُسْتَأْجَرَة هَرَبَ رَبُّهَا)، كيف يقول: هرب ربها؟ ما هي الربوبية من خصائص الله؟
طلبة: هذه مقيَّدة بصاحبها.
الشيخ: هذه مقيَّدة؛ لأنه ربٌّ لهذا الشيء المعيَّن، ولأنه رب لا يملك التصرف المطلق كما يريد.
قال: (ولو خَرِبَ الرهنُ فعَمَرَهُ بلا إذن رجع بآلته فقط)، (خرب الرهن) يعني رَهَنَهُ دارًا فتهدمت فعمرها، فإنه يرجع بالآلة فقط، ويش الآلة؟ يعني الشيء الذي وضعه فيه، مثل الخشب، لَبِن، أبواب، هذه يرجع بها، لماذا؟ لأنها ملكه، فهذا البيت الذي خرب اشتريت له أبوابًا من عندي، اشتريت له خشبًا، اشتريت له جريدًا ليُسقَّف، فأنا أرجع بماذا؟ بنفس الآلة فقط؛ لأنها ملكي، وأما أجرة العمال وما يلحق بها فلا أرجع بها، وهذا هو معنى قول المؤلف: (رجع بآلته فقط).
[ ١ / ٤٧٩١ ]
فإذا قال قائل: ألستم قلتم: إنه لو أنفق على الحيوان رجع بنية الرجوع؟ لماذا لا تقول: إنه إذا أنفق على هذا التعمير بنية الرجوع فإنه يرجع؟
الفرق أن الحيوان محتاج أيش؟ إلى نفقة، وأما البناء ونحوه فليس بمحتاج، إلا إذا وجدنا جدارًا إذا صار فيه تهدُّم قام يصيح يقول: يا أيها الناس عَمِّرُوني، فإني متألِّم من سقوط بعضي ولتشققي، فهنا يرجع ولَّا ما يرجع؟
طلبة: يرجع.
الشيخ: يرجع إذا وُجِد، لكن هذا غير موجود.
طالب: لا يمكن فيها.
الشيخ: الشيء الذي لا يوجد، إذا عُلِّق الشيء على أمرٍ مستحيل صار ذلك الشيء مستحيلًا كما قال الشاعر:
إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي
وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ
قل له: يا أخي روح لأهلك الله يهديك، أهلك مشتاقون إليك، قال: إذا شاب الغراب ذهبت إليهم، متى يشيب الغراب؟
طالب: ما يشيب.
الشيخ: ما يشيب أبدًا، هو الغراب دائمًا أسود، وصار القارُ كاللبن الحليب كذلك؛ القار أسود، وهل يمكن أن يكون كاللبن الحليب؟ !
أبدًا لا يمكن، فالتعليق على المحال محال، فنحن قلنا: إذا قال الجدار: إني تهدَّمت وتشقَّقت فأنقذوني قبل أن أسقط وأتلف، نقول: إذا قال الجدار هكذا فإنه إذا عَمَرَه يرجع، ولكن أنَّى يكون ذلك.
وخلاصة هذا الباب الآن أن المرهون حيوان وغير حيوان، فغير الحيوان لا يجوز أن يرجع المرتَهِن بشيءٍ أنفقه عليه؛ لأن الإنفاق عليه ليس بضروري، حتى لو عمره فعلًا فإنه لا يرجع إلَّا بماذا؟
طلبة: بالآلة.
الشيخ: بالآلة فقط، يعني مواد البناء، الآلة عندهم بمعنى مواد البناء عندنا، يرجع بها فقط، وأما أجرة العمال والبناء وتحضير المواد فإنه لا يرجع، حتى تحضير المواد ما يرجع بأجرتها، يعني لو فرض هذه المواد ما تُنْقَل من مكانها إلى البيت إلا بدراهم كثيرة فإنه لا يرجع بها، أما إذا كان الرهن حيوانًا فإنه لا بد من إنقاذ هذا الحيوان، فله أن يرجع، لكن متى؟
طالب: أن ينوي الرجوع.
[ ١ / ٤٧٩٢ ]
الشيخ: إذا نوى الرجوع، أو كان بإذن من الشارع، أو بإذن من صاحبه، والله الموفق.
وقبل أن نتكلم عليه نناقش .. ()
***
[باب الضمان]
﵀: (باب الضمان)
الضمان مأخوذ من الضِّمْنِ، والضِّمْن معناه دخول الشيء في الشيء؛ لأن ذمة الضامن دخلت في ذمة المضمون عنه، هذا في اللغة.
أما في الشرع فهو التزام ما وجب أو يجب على غيره من المال.
مثاله في التزام ما وجب: أن يكون شخص قد أقرض شخصًا آخر مئة درهم، فأمسكه المقرِض وقال: أًَوْفِنِي، قال: ليس عندي شيء، أو قال: آتِي به أُوفِيك غدًا، مثلًا، فقال: مَن يضمن لي؟ فجاء رجل آخر وقال: أنا أضمن لك القرض، هذا ضمان ما وجب ولَّا ما يجب؟
الطلبة: ما وجب.
الشيخ: ضمان ما وجب، ومثال آخر: بعت على هذا الشخص سيارة بعشرة آلاف ريال، وأمسكته وقلت: أعطني الثمن، فقال: آتِي به غدًا، فقلت له: مَن يضمنك؟ فجاء رجل فقال: أنا أضمنه، نقول: هذا ضمان أيش؟
الطلبة: ما وجب.
الشيخ: ضمان ما وجب.
أما ضمان ما يجب فمثل أن أقول: إذا أقرضتَ فلانًا كذا وكذا فأنا ضامن، هذا ضمان ما يجب، يعني: إلى الآن ما بعد استقر، أو أُعْطِي هذا الرجل ورقة، أقول: كل مَن باع على فلانٍ شيئًا فأنا ضامن له، هذا ضمان أيش، ما وجب ولَّا ما يجب؟
الطلبة: ما يجب.
الشيخ: نعم، ضمان ما يجب، وهذا جائز.
فالضمان إذن التزام ما وجب أو يجب على غيره من المال، هذا هو الضمان، وهو من عقود التوثيقات، ففيه توثيق صاحب الدَّيْن بدَيْنِه، وقد مر علينا من قبل الرهن، ويأتينا إن شاء الله الكفالة، ويأتينا إن شاء الله أيضًا الشهادة، فالأشياء التي تُفْرَض بها الحقوق الشهادة والضمان والكفالة، أيش بعد؟ والرهن، انتبهوا، فالضمان مما يَتَوَثَّق به الحق؛ لأنني إذا لم أتمكَّن من قبضه من المضمون عنه أخدته من الضامن.
وللضمان شروط، منها قوله: (لا يصح إلا مِن جائز التصرف)، يعني: لا يصح الضمان إلا مِن شخص جائز التصرف، ومَن هو جائز التصرف؟
[ ١ / ٤٧٩٣ ]
طلبة: البالغ ..
الشيخ: هو البالغ العاقل الْحُرّ الرشيد، يعني: مَن جمع أربعة أوصاف؛ أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا رشيدًا، فلو أن صبيًّا صغيرًا ضمن دَيْنًا على شخص، فالضمان غير صحيح، حتى لو كان هذا الضامن له عشر سنوات، أو ثلاث عشرة سنة، أو أكثر، ما دام لم يبلغ فإنه لا يصح ضمانُه.
عاقل ضده المجنون، لو أن المجنون قال: أنا ضامن ما على فلان، ما صح.
أن يكون حرًّا، ضده العبد، فالعبد لا يصح أن يَضْمَن؛ لأن العبد لا يتصرف إلا بإذن سيده.
الرشيد ضده السفيه، والرشيد هنا -أي في باب المال- هو الذي يُحْسِن التصرف، ولا يبذل ماله في غير فائدة، والرشيد في باب العبادات هو الذي قام بالواجبات فترك المحرَّمات، لكن رشيد هنا في باب المال هو الذي يُحْسِن التصرف في ماله، ولا يبذله في غير فائدة.
فلو كان هذا الرجل بالغًا عاقلًا لكنه لا يبالي، يشتري ما يساوي عشرة بمئة، ويبيع ما يساوي مئة بعشرة، فهذا رشيد ولَّا غير رشيد؟
طلبة: غير رشيد.
الشيخ: غير رشيد، لو كان يبذل ماله في شراء البنزين، يشتري البنزين ويولعه بس، يشوف كيف تأكله النار، رشيد ولَّا غير رشيد؟
طلبة: غير رشيد.
الشيخ: غير رشيد، يشتري مُفَرْقَعَات ويرمي بها، رشيد ولَّا غير رشيد؟
طلبة: غير رشيد.
الشيخ: غير رشيد، لو أن هذا الذي ليس برشيد ضمن دَيْنًا على شخص فالضمان غير صحيح.
ولنفرض أن هذا الرجل السفيه رجل غني عنده أموال عظيمة، فاستدان رجل من الناس دَيْنًا، فقال هذا الرجل الغني السفيه: أنا أضمن الدَّيْن، فإن الضمان هنا يصح ولَّا لا؟ لا يصح؛ لأنه ليس برشيد.
يقول: (لا يصح إلا مِن جائز التصرف) هذا شرط.
الشرط الثاني ما سيأتي -إن شاء الله- في آخر الباب؛ أن يكون الدَّيْن واجبًا، أو مآله إلى الوجوب، فإن كان غير واجب ولا مآله إلى الوجوب لم يصح ضمانه كما سيأتي.
إذا صح الضمان فصاحب الحق هل يطالِب الضامن أو يطالب المضمون عنه؟
[ ١ / ٤٧٩٤ ]
يقول المؤلف: (لرب الحق مطالبة مَن شاء منهما)، يعني إن شاء طالب الضامن، وإن شاء طالب المضمون عنه، وإن شاء طالبهما معًا، نقول: لك أن تطالب المدِين، ولك أن تطالب الضامن.
مثاله: اشترى رجل سيارة بعشرة آلاف ريال فجاء رجل فضمنه، قال: أنا أضمن الدراهم التي اشترى بها السيارة.
الذي باع السيارة يجوز أن يطالب المشتري، وأن يطالب الضامن، هل يجوز أن يطالبهما جميعًا؟ نعم يجوز أن يطالبهما جميعًا، يذهب إلى هذا ويقول: أعطني، ويذهب إلى هذا ويقول: أعطني.
وظاهر كلام المؤلف أن له أن يطالب الضامن وإن أمكن مطالبة المضمون عنه، بمعنى أنه لو جاء إلى الضامن وقال: أَعْطِنِي الدراهم، فليس للضامن الحق في أن يقول: اذهب أولًا إلى المدِين، فإذا لم يُعْطِكَ فأتني، يعني ليس له الحق، يعني أنه يجوز أن يطالب الضامن وإن أمكن مطالبة المضمون، وهذا هو المذهب.
والقول الثاني أنه لا يملك مطالبة الضامن إلا إذا تعذَّر مطالبة المضمون، وهذا الذي اختاره شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، قال: إنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذَّر مطالبة المضمون؛ لأن المضمون أصل، والضامن فرع، وإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يُسْتَغْنَى به عن الفرع.
أما حجة القائلين بأنه يطالبهما جميعًا فيقول: لأن الضامن لما التزم صار كالأصل، أي: صار مَدِينًا بالدَّيْن، وإذا صار مَدِينًا به فلرب الحق مطالبة مَن شاء منهما، عملنا في اليوم على أي القولين؟
طالب: القول الثاني.
الشيخ: على القول الثاني، أي أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذَّر مطالبة المضمون عنه، ولهذا إذا جاء إلى الضامن قال: أعطني القرض، يعطيك صاحبك، إذا عَيَّا أو أبى أو أَعْسَرَ فأنا أعطيك.
على المذهب لو أنه شرط وقال: إنك لا تطالبني إلا إذا تعذَّر مطالبة المضمون عنه، فهل يصح؟
طالب: لا، على المذهب.
[ ١ / ٤٧٩٥ ]
الشيخ: القاعدة عندهم أن كل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه لا يصح، ومعلوم أنه إذا كان مقتضى العقد مطالبة الرجلين جميعًا فإنه إذا شُرِط ألَّا يطالب الضامن إلَّا إذا تعذَّر مطالبة المضمون عنه صار منافيًا لمقتضى العقد.
ولكن الصحيح حتى لو قلنا بأن له مطالبة الرجلين فإن الضامن إذا اشترط ألَّا يطالبه إلَّا إذا تعذَّر مطالبة المضمون عنه، الصحيح أنه صحيح؛ لعموم قوله ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (١)، وهذا الشرط لا يُحِلّ حرامًا ولا يُحَرِّم حلالًا، غاية ما هنالك أن صاحب الحق أسقط مطالبة الضامن باختياره، فقد أسقط حقًّا جعله الشارع له، ولا ينافي الشرع.
خلاصة البحث أنه إذا وُجِد ضامن ومضمون عنه ودائن –ثلاثة-، فهل للدائن أن يطالب الاثنين جميعًا؟ المذهب: نعم يطالبهم، وإن شاء طالَبَ واحدًا منهما، والقول الثاني أنه لا يطالب الضامن إلَّا إذا تعذر الوفاء من المضمون عنه.
حجة الأول يقول: لأن الضامن لما التزم الدَّيْن صار كالأصل، فتجوز مطالبته، وحجة الثاني أن الضامن أيش؟
الطلبة: فرع.
الشيخ: فرع، والمضمون عنه أصل، ولا نطالب الفرع مع إمكان مطالبة الأصل، وعمل الناس اليوم على هذا القول، أما في المحاكم فالظاهر أن المحاكم يحكمون بالمذهب، وأن صاحب الدَّيْن إذا طالب الضامن أُلْزِمَ بأن يدفع عنه الحق الذي ضمنه، () في الضامن والمضمون عنه، فصار الكتاب والسنة والنظر كلٌّ منها يدل على أيش؟ على ثبوت الضمان وجواز الضمان.
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح هو هذا، ما اختاره شيخنا أرجح.
[ ١ / ٤٧٩٦ ]
قال: (في الحياة والموت)، أما كونه يطالبه في الحياة فالأمر ظاهر؛ لأنه حي، لكن (والموت) الموت كيف؟ الموت يعني يرجع في تركة الميت، مثاله: ضمن زيد عَمْرًا في عشرة آلاف ريال لخالد، ثم مات زيد وخلَّف أموالًا كثيرة، فجاء خالد إلى ورثته يطالبهم بالدَّيْن، فقال الورثة: نحن لم نضمن لك، فماذا يقول خالد؟ يقول: مورِّثُكم ضمن لي وخلَّف مالًا، فحقي متعلِّق بماله، فإن لم يخلِّف مالًا -أي الضامن- فإنه يطالبه في الآخرة؛ لأنه التزم أن يقضي هذا الدَّيْن، فهذا هو () بقولك: (في الحياة والموت)، المضمون عنه يُطالَب في الحياة والموت؟
طلبة: في الحياة.
الشيخ: نعم، يطالب في الحياة وفي الموت، فصاحب الحق إذا مات المضمون عنه يأتي إلى ورثته ويقول: أعطوني الدَّيْن، فإن لم يخلِّف تركة طالَبَه في ذلك يوم القيامة، ولكن اعلم أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ» (٢).
فإذا كنت أخذت أموال الناس وأنت تريد أن تؤديها إليهم فإن الله يؤديها عنك، إما في الدنيا بأن يغنيك حتى تقضي وتؤدي الدَّيْن، وإما في الآخرة يجزي أولئك الدائنين من فضله بقدر ما لهم.
قال المؤلف: (فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن، لا عكسه)، لماذا؟ لأنها إذا برئت ذمة المضمون عنه لم يبقَ هناك شيء يُضمَن.
وقول المؤلف: (إن برئت ذمة المضمون عنه) لم يقل: إن قضى المضمون عنه الدَّيْن؛ لأن براءة الذمة قد يكون بقضاء الدَّيْن، وقد يكون بالإبراء، يعني يسامحه ويعفو عنه، وقد يكون بشراء شيء يكون عِوَضًا عن الدَّيْن مثلًا.
فكلمة (إن برئت) أعم من قوله: إن قضى الدَّيْن، انتبه، مثال ذلك: هذا طلال ضمن ياسر بعشرة آلاف ريال لناصر، الطالب مَن؟
طالب: ناصر.
الشيخ: ناصر، والمطلوب؟
الطالب: ياسر.
[ ١ / ٤٧٩٧ ]
الشيخ: ياسر، والضامن طلال، تمام، ناصر أبرأ ياسرًا، قال: الدَّيْن الذي لي عليك أنت مسامح به، هل يرجع ناصر ويروح يطالب طلال؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: برئت ذمة المضمون عنه.
الشيخ: لأنه برئت ذمة المضمون عنه، ما بقي دَيْنٌ حتى يطالبه، فإن قال ناصر: أنا أبرأت ياسرًا؛ لأني وجدت أنه لا شيء عنده، ولكن أنت، أريد أن توفيني، فيقول طلال: لم يَبْقَ لك حق بعد الإبراء.
ياسر قضى ناصرًا، أعطاه دَيْنَه كاملًا، هل يبرأ طلال؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يبرأ، معلوم.
(لا عكسه) يعني: إذا برئت ذمة الضامن لا يبرأ المضمون عنه، وهذا واضح، بمعنى أن ناصرًا مثلًا قال لطلال: أنت ضامن الدَّيْن لي على ياسر؟ قال: نعم، قال: أنا مسامحك، فهل تبرأ ذمة ياسر اللي هو الأصل؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة الفرع، والفرع يبرأ ببراءة؟
الطلبة: الأصل.
الشيخ: الأصل، وهذا واضح.
يقول (لا عكسه، ولا تُعْتَبَر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا له)، يعني: ولا للمضمون له، الضامن لا يُشْتَرَط أن يعرف المضمون عنه، ولا أن يعرف الضامن، صح؟
طلبة: إي.
الشيخ: إي، ما يُشْتَرَط، مثال ذلك: وجدت رجلين أحدهما ممسك بالآخر، يقول: أعطني دَيْنِي، والمطلوب يقول: اصبر عَلَيَّ للعصر، الآن ما معي شيء، العصر إن شاء الله آتي لك به، أنا لا أعرف الرجلين، فقلت للطالب: أنا أضمن لك حقك، أَمْهِلْهُ إلى العصر، إذا ما جاء به أنا أضمن لك، وأنا لا أعرفهم، يصح ولَّا لا؟
طالب: على المذهب.
الشيخ: إي، يصح، وهو كذلك على المذهب، وعلى القول أيضًا الصحيح ما فيه مانع، لكن هما يعرفاني ولَّا ما يعرفاني؟ على كل حال، أهم شيء أن المضمون له يعرفني من أجل أن يرجع عَلَيَّ، وطبعًا هو لا يقبل ضماني إلا إذا كان؟
طلبة: يعرفني.
[ ١ / ٤٧٩٨ ]
الشيخ: يعرفني، ويعرف أنني قادر على الوفاء أيضًا، أليس كذلك؟ فلو أنني أتيت للطالب الذي قد أمسك بتلابيب هذا الرجل ويقول: أعطني حقي، قلت: تعالَ يا أخي فُكَّهُ وأنا أضمن لك، وهو لا يعرفني، يفكه؟
طلبة: ما يفكه.
الشيخ: ما يفكه، ويش الفائدة من هذا؟ ولو كان يعرفني وأنني فقير ما عندي شيء يفكه ولَّا لا؟
طلبة: ما يفكه.
الشيخ: ما يفكه؛ لأنه يقول: أنت مين يضمنك، أنت فقير كيف تضمنه؟ فالحاصل أن معرفة الضامن للمضمون عنه ما هي شرط، وللمضمون له أيضًا ليست بشرط.
هل يُشْتَرَط معرفة المضمون له للضامن؟
طالب: نعم.
الشيخ: نقول: هي لا تمكن، أي لا يمكن للمضمون له أن يقبل ضمان الضامن إلا وهو؟
طلبة: يعرفه.
الشيخ: يعرفه؛ لأنه إذا لم يكن يعرفه فلا فائدة، هل يُشْتَرَط رضا المضمون عنه أو له، ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يعني: هل يُشْتَرَط للضمان أن يرضى المضمون عنه؟
طلبة: لا يُشْتَرَط.
الشيخ: لا يُشْتَرَط؛ لأن الضمان لا يُلْحِقُه لا عارًا ولا غُرمًا، فلا يُشْتَرَط رضاه.
هل يُشْتَرَط رضا المضمون له؟
طلبة: يُشْتَرَط.
الشيخ: طبعًا، هو ليس بشرط في الواقع، لكن ما هو حاصل إلَّا بعد طلب المضمون له، يعني أنا ما أضمن إلا إذا كان المضمون له قد طلب ذلك، وإلا ما رجع أضمن، إنما رضا المضمون له ورضا المضمون عنه ليس بشرط، رضا الضامن؟
طلبة: هو الشرط.
الشيخ: هو الشرط، معلوم، لا يُكْرَه أحد على أن يضمن لأحد شيئًا، حتى لو كان أباه أو ابنه أو أخاه أو صديقه، ما يُكْرَه، ولهذا قال المؤلف: (بل رضا الضامن) معلوم؛ لأن الضمان تبرع فلا بد من الرضا.
فعندنا أيها الإخوة مسألتان؛ المسألة الأولى: معرفة هؤلاء الثلاثة بعضهم بعضًا، المسألة الثانية: رضا هؤلاء الثلاثة، المعرفة ليست؟
طالب: بشرط.
الشيخ: بشرط، الرضا ليس بشرط إلا في الضامن، الضامن لا بد أن يرضى.
[ ١ / ٤٧٩٩ ]
فإن قال قائل: لماذا لا تشترطون رضا المضمون عنه؟ لأنه إذا فشي في الناس أن فلانًا ضمن فلانًا فقد يحط هذا من قدر المضمون عنه، ولَّا لا؟ ولهذا لو قال: أنا أضمنك، قد يقول هذا الرجل: ليش تضمني، أنا فقير أنا مماطل حتى تروح تضمن؟
فيقال: الضمان ليس لك، ولكنه لصاحب الحق، وهو لا يضرك شيئًا، إن علمنا علمًا مؤكَّدًا بأن هذا يضر بالمضمون عنه، أي: بسمعته، فحينئذٍ قد نشترط ذلك، ولكنه يمكنه التخلص –أي: المضمون عنه- من الضمان بأن يأتي بالحق ويسلِّمه، انتهى من الإشكال.
ثم قال المؤلف: (ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم)، مثل أن يقول الضامن: أنا ضامنٌ ما على فلانٍ من قيمة الأغراض التي كان يشتريها منك، مثل رجل يشتري من صاحب بقالة حوائج، فأمسكه صاحب البقالة وقال: يلَّلا أعطني حقي، فقال: أمهلني إلى غد، قال: لا أمهلك، فجاء رجل فقال: أنا أضمن لك حقك، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح؛ لأن هذا مجهول الآن، لكنه يؤول إلى العلم، ويش معنى يؤول إلى العلم؟ يعني نهايته العلم؛ لأنه بعد مراجعة الحساب يتبين، فيصح أنه من المجهول إذا آل إلى العلم.
أما إذا كان لا يؤول إلى العلم، كالأشياء المجهولة التي لا يمكن الاطلاع عليها، فهذا لا يصح؛ لأنها تؤدي إلى النزاع والخصومة، فقد يدَّعِي صاحب الحق أنها كذا، وينكر الضامن، أما ما آل إلى العلم فلا بأس به، ويش الدليل؟
أولًا: الدليل قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ هل هو معلوم حِمل البعير؟
قد يزيد، وقد ينقص، وإن كان الغالب أنه معلوم، ولهذا قال النبي ﵊: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٣)، والوسق ستون صاعًا، فقد يقال: إن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر؛ لأن الْحِمل قد يكون معلومًا بماذا؟ بالعُرف والعادة.
[ ١ / ٤٨٠٠ ]
لكن يقال: هناك تعليل في الموضوع، وهو أن الضمان عقد تبرُّع ليس عقد معاوضة، وعقد التبرع يُسامَح فيه ما لا يُسامَح في عقد المعاوضة، ولهذا جاز في الْجَعَالة مع أن العمل فيها مجهول؛ لأنها تشبه عقد التبرع، وجاز هبة المجهول على القول الراجح؛ لأنها تبرُّع.
في التعليل إذن نقول: لأن هذا تبرع، والتبرع يُتَسَامَح فيه بالجهل، يصح أيضًا ضمان العواري، العواري جمع عاريَّة، وهي العين المدفوعة للشخص لينتفع بها ويردها، هذه العارية، عين دُفِعَت لشخص لينتفع بها ويردها، تحتاج إلى مثال ولَّا واضحة؟
طلبة: واضحة.
طلبة آخرون: تحتاج.
الشيخ: أعطيتك هذا الكتاب لتقرأ به لمدة يومين وترده، نسمي هذه؟
طلبة: عاريَّة.
الشيخ: عاريَّة، يجوز لشخص آخر أن يضمن هذا الكتاب، لماذا؟ لأن العاريَّة على المذهب مضمونة بكل حال، فأنا إذا أَعَرْتُك هذا الكتاب فهو في ضمانك، لو تلف بغير اختيارك وبغير تَعَدٍّ منك فإنك تضمنه على المذهب، لو سُرِق وأنت قد وضعته في حِرْز مَكِين أمين فإنك تضمنه؛ لأنهم يرون أن العارية مضمونة، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيها، وبيان أنها ليست مضمونة، لكن على المذهب هي مضمونة، فيصح ضمانها بأن يصلح أن يتقدم شخص ليضمن هذه العارية عند المستعير.
يصح أيضًا ضمان المغصوب كيف ضمان المغصوب؟
المغصوب هو ما أُخِذ من صاحبه قهرًا بغير حق، هذا المغصوب، فهذا رجل أمسك بالغاصب وقال: أنت غَصَبْتَنِي كتابًا، قال: نعم غصبتك كتابًا، قال: يلَّلا أعطني إياه، قال: آتي به غدًا، فقال: لا يمكن، ائتني بضامن يضمن، ولا حرج، فأتى بضامن يضمن المغصوب، وهو الكتاب، يجوز ولَّا ما يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن رد المغصوب واجبٌ على الغاصب، فهو دَيْنٌ واجب أو عَيْنٌ واجب ردها، فيجوز أن يضمنها ضامن.
[ ١ / ٤٨٠١ ]
(المقبوض بِسَوْم) يصح ضمانه أيضًا، كيف المقبوض بِسَوْم؟ يعني رجل جاء إلى صاحب دكان وسام منه هذه البضاعة بعشرة، وقال: أنا أبيعها لك بعشرة، قال: أعطنيها أُرِيهَا أهلي، إن قَبِلُوها وإلَّا رددتها، العقد تَمَّ ولَّا ما تَمّ؟ ما تَمَّ؛ لأنه موقوف على مشورة أهل البيت.
قال هذا الرجل صاحب السلعة: أنا لا أستطيع أن أعطيك سلعتي حتى تأتي لي بضامن، فجاء رجل من الناس وقال: أنا أضمن لك هذه السلعة، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، لماذا؟ لأن المقبوض بِسَوْم مضمون على القابض، هذه العلة، المقبوض بِسَوْم مضمون على القابض فيكون رده واجبًا، وإذا كان رده واجبًا صح ضمانه؛ لأنه سبق لنا أن الضمان هو التزام الإنسان أيش؟ ما وجب أو يجب على غيره، وعليه فيصح أن يضمن المقبوض بالسَّوْم.
لو أن هذا الرجل جاء إلى صاحب الدكان وقال: هذه السلعة أعطِنِيها أذهب بها إلى أهلي، إن رضوها فأنا أشتريها منك، هل يصح ضمانها حينئذٍ؟
طلبة: ما يصح الضمان.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأن () معلَّقة.
الشيخ: لأنه ما سام، فالمقبوض بالسَّوْم هو أن يسوم السلعة ويأخذها ليعرضها على أهله، فهي حينئذٍ مضمونة، أما لو أخذها ليريها أهله بدون سَوْم فهي غير مضمونة، فلا يصح ضمانها؛ لأن الضمان إنما يكون فيما يجب، والصحيح في هذه المسألة الصحيح جواز الضمان في الصورتين.
طالب: التعليل؟
الشيخ: كيف التعليل؟
طالب: التعليل في الجواز؟
الشيخ: التعليل في الجواز لأن هذا الشيء يمكن أن يَتْلَف بتعدٍّ منه فيضمنه، يعني قد يتعدى فيه القابض ويتهاون أو يفرِّط فيكون مضمونًا عليه، لكن المذهب يقولون: لا، ما دام غير مضمون مطلقًا فإنه لا يصح ضمانه.
[ ١ / ٤٨٠٢ ]
المساومة قد يقطع الثمن ويوافق البائع، وقد لا يقطع الثمن، يعني قد يساوِم بعشرة بعشرين بثلاثين ولكن ما ينتهون على شيء، وفي كلتا الحالين يصح ضمانه، فصار المقبوض الآن له ثلاث صور: مقبوض مع المساومة وقطع الثمن، ومقبوض مع المساومة بدون قطع الثمن، والثالث مقبوض بلا مساومة، الصور الثلاث معروفة؟ معروفة.
طالب: ثلاثة.
الشيخ: صَوِّرْها لي.
الطالب: صور المقبوضة.
الشيخ: إي، مثال الأول: اتفق معه قال: سُمْتُ هذه بعشرة، وقال: طيب أبيعها عليك بعشرة، الثمن الآن مقطوع ولَّا لا؟ قال: أعطنيها أُرِيهَا أهلي، إن راضوا به اشتريت وإلَّا فلا، هذا مقبوض بالمساومة مع قطع الثمن.
مقبوض بالمساومة بدون الثمن: ساومته لكنه لم يرضَ بالسَّوْم، فقلت: إذن أعطني أذهب به إلى أهلي، إذا رضوا أتيت إليك وزدتك واشتريت، هذا مقبوض بالمساومة بلا قطع ثمن.
الصورة الثالثة: قبل أن يساومه أو يفاتحه بالثمن قال: أعطني هذا أُرِيه أهلي، إذا جاز لهم اشتريت منك، هذا المقبوض أيش؟
طلبة: بلا مساومة.
الشيخ: بلا مساومة، ما الذي يصح الضمان فيه؟ يصح في الصورتين الأوليين فقط، والعلة في ذلك أنه إذا قبضه بعد المساومة، سواء قطع الثمن أم لم يقطعه كان مضمونًا عليه.
والصحيح أنه ليس بمضمون عليه، حتى المقبوض مع المساومة ليس مضمونًا عليه إلا إذا تعدى وفرَّط؛ لأن هذا الرجل الذي أخذ المال بعد المساومة هل أخذه غصبًا من صاحبه أو باختياره؟
طلبة: باختياره.
الشيخ: إذن صار المال بيده بإذن مالكه، فهو أمين، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدَّى ()، فصار الآخذ أمينًا، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرَّط.
القول الثاني في المسألة أيضًا نقول: إن المقبوض بِسَوْمٍ أو بغير سَوْم يصح ضمانه؛ لأنه قد يتعدى أو يفرِّط فيكون مضمونًا عليه، فإذا كان في حالٍ لا يضمنه فإنها تبرأ ذمة الضامن كما برئت ذمة المضمون، والله أعلم.
[ ١ / ٤٨٠٣ ]
(يصح ضمان عهدة الْمَبِيع)، العهدة بمعنى التَّبِعَة، ذلك لأن البائع إذا باع الشيء فقد ضمن عهدته، يعني تعهَّد بأن هذا البيع صحيح، وأن المال ملكه، وما أشبه ذلك، والمشتري إذا اشتراه فقد تعهَّد بأيش؟ تعهد بإقباض الثمن وتسليم الثمن، فعهدة الْمَبِيع يصح ضمانها، سواءٌ ضمنت عهدة المبيع للمشتري، أو ضمنت عهدة الثمن للبائع، ففيه صورتان: الصورة الأولى أن تضمن عهدة المبيع للمشتري، والصورة الثانية أن تضمن عهدة الثمن لِمَن؟
طالب: للبائع.
الشيخ: للبائع، مثاله: عندك سيارة، وعندي سيارة، فقلت لي: بِعْنِي سيارتك بسيارتي، لنفرض أن سيارتي أنا ويش أقول عنها؟
طلبة: دِرْسِن.
الشيخ: دِرْسِن، وسيارتك أنت؟
طالب: هِيلُوكس.
الشيخ: هِيلُوكس، عندي أنا دِرْسِن كذا، وعندك أنت صغيرة، قلت: بِعْنِي هذا الدِّرْسِن بهذه السيارة الصغيرة، أين الثمن؟ يقول العلماء: الثمن ما دخلت عليه الباء، أنت جئت () بِعْنِي هذه الدِّرْسِن بهذه الصغيرة، ما هو الثمن؟
طلبة: الصغيرة.
الشيخ: الصغيرة، هذا الثمن، حصل بيع فقلت أنت –أنت الآن أنت مشتري صاحب الصغيرة-: مَن يضمن لي عهدة السيارة هذه الدِّرْسِن؟ ومعنى عُهْدَتها أنني خفت أن هذه السيارة مسروقة مثلًا، أو مستعارة وأنها ليست للبائع، أو يكون هذا البائع قد باعها على شخص ثم أخذها منه، المهم إني خشيت ألَّا تكون هذه الدِّرْسن للبائع، أو ليس له ولاية عليها، فأقول: مَن يضمن لي عهدة هذه السيارة؟ بمعنى أنها إذا خرجت مُسْتَحَقَّة، أو أن البيع فاسد، فإنه يضمن لي القيمة، هذا الثانية عهدة أيش؟
طالب: الْمَبِيع.
الشيخ: عُهْدَة الْمَبِيع لِمَن؟ للمشتري، عهدة الثمن للبائع السيارة الصغيرة هي الثمن، فقال البائع: والله أنا أخشى أن هذا الرجل الذي اشترى مني الدِّرْسِن () السيارة الصغيرة أخشى أن السيارة هذه مسروقة ولَّا ملعوب فيها، فأطلب أحدًا يضمن العهدة، يصح ولَّا ما يصح؟
[ ١ / ٤٨٠٤ ]
يصح، لماذا؟ لأنه لو ظهر الثمن أو الْمَبِيع مُسْتَحَقًّا لكان الذي دفعه ضامنًا له، يعني واجبًا عليه أنه يضمن، فإذا كان واجبًا عليه أنه يضمن صار ضمانه جائزًا، هذا ضمان عهدة المبيع.
وفي ضمان عهدة المبيع فوائد في الواقع؛ لأن فيه راحة لمن؟ لمن ضمن له، وفيه أيضًا تمشية حال للمضمون عنه، ففيها فائدة، ولهذا كان من محاسن الشريعة أنه يصح ضمان عهدة المبيع، سواءٌ كان ذلك عهدة الثمن للبائع أو عهدة الْمُثْمَن لِمَن؟ للمشتري.
هل من ضمان عهدة المبيع إذا ظهر به عيبٌ أن يرجع الإنسان بأرش العيب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، إذا ظهر به عيب، قال: أبغي أحدًا يضمن لي العهدة إذا ظهر فيه عيب أن يضمن لي الأرش أو يضمن لي التمكن من الرد، نقول: نعم، هذا جائز.
قال (ولا يصح ضمان الأمانات)، الأمانات: كل عين للغير تكون بيد الإنسان بإذن من صاحبها أو من الشرع، كل عين بيدك بإذن من الشرع أو إذن من صاحبها فهي أمانة، كل عين أيش؟
طلبة: بيدك.
الشيخ: بيدك.
طلبة: بإذن من الشرع.
الشيخ: بإذن من الشرع أو إذن من المالك فهي أمانة، ولا ضمان فيها إلا بالتعدي وفي التفريط، إلا ما أخذته لمصلحتك الخاصة فهو على المذهب مضمون كالعاريَّة، والصواب أنه داخل في العموم.
وإذا كان بيد الإنسان وديعة لشخص، هذه من الأمانات؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش الوديعة، مثل أيش؟ أعطيتك هذا الكتاب تحفظه لي، هذا وديعة، هو بيدك الآن أمانة، ولَّا لا؟ والمصلحة فيه لِمَن؟ للمالك ولَّا للأمين؟
الطلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك، فهي أمانة.
استأجرت مني سيارة تذهب بها إلى الرياض وترجع بها، السيارة بيدك أمانة ولَّا لا؟
الطلبة: أمانة.
الشيخ: أمانة؛ لأنها حصلت بيدك بإذني، المصلحة فيها لمن؟
طلبة: كلاهما، الاثنين.
الشيخ: مشتركة، المصلحة هنا لِمَن هي بيده ولمالكها.
أَعَرْتُكَ سيارة تذهب بها إلى الرياض وترجع بها عاريَّة، هذه أمانة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤٨٠٥ ]
الشيخ: على المذهب أمانة مضمونة، ليس حكمها حكم الأمانات، تضمن ما حصل فيها من نقص أو تلف، إلا فيما كان من نقص بالاستعمال المأذون فيه، المصلحة لِمَن؟
طلبة: للمستعير.
الشيخ: للمستعير، المصلحة لمستعيرها ليست للمالك، لمن هي بيده، ولهذا قالوا: إذا كانت المصلحة خاصة لمن في يده فهي مضمونة عليه، والصحيح أن العاريَّة كغيرها من الأمانات؛ لأنها حصلت في يد المستعير بإذنٍ من المالك، ما تعدى ولا فرَّط فهي إذن أمانة بيده، العواري يصح ضمانها ولَّا ما يصح على المذهب؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنها مضمونة، والأمانات؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يصح؛ لأنها؟
الطالب: غير مضمونة.
الشيخ: غير مضمونة، فمثلًا إذا أعطيت إنسانًا وديعة يحفظها لي، وجاء إنسان قال: أنا أضمن هذا الرجل في هذه الوديعة، فالضمان؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: لا يصح.
طالب: على المذهب؟
الشيخ: نعم على المذهب، ليش؟ يقول: لأن الضامن فرع عن المضمون، والمضمون لا يضمن، وإذا لم يضمن الأصل لم يضمن؟
طلبة: الفرع.
الشيخ: الفرع، غاصب بيده العين، أمين؟
الطلبة: ليس أمينًا.
الشيخ: غاصب.
الطلبة: لا، ليس أمينًا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: أخذها بدون إذن المالك.
الشيخ: لا؛ لأنها بيده بغير إذن المالك، ولي اليتيم؟ أمين؛ لأن المال عنده بإذنٍ؟
الطلبة: من الشارع.
الشيخ: من الشارع.
يقول المؤلف في ضمان الأمانات: (لا يصح، بل يصح ضمان التعدي فيها)، التعدي فيها يصح بأن قال لما أعطاني هذا المال وديعة، وجاء رجل آخر وقال لصاحب المال: أنا أضمن لك فلانًا لا يتعدى فيها، فإن تعدى فعليَّ الضمان، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن الوديعة إذا تعدى فيها الإنسان؟
طالب: فهي مضمونة.
الشيخ: ضمنها، استأجر مني آنية، يمكن يستأجر آنية ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يكون عنده مثلًا زواج، واحتاج إلى أواني كثيرة، فاستأجر مني أواني، الأواني بيده أمانة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو ضمنتها يصح ولَّا ما يصح؟
[ ١ / ٤٨٠٦ ]
طالب: إذا كانت مستأجَرة يصح.
الشيخ: هذا الرجل جاء واستأجر مني مئة صحن وثلاثة قدور ومئتي كأس، استأجرها استئجارًا، هل يصح أن يأتي شخص آخر ويقول لصاحب الأواني: أنا أضمنها لك عند فلان؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنها أمانة، ما فيها ضمان، لكن لو قال: أنا أضمن لك إن تعدى أو فرَّط، يصح؟ يصح؛ لأنه إذا تعدى أو فرَّط صار ضامنًا، في هذا التعدي اتضح في القدور طبيخًا وقلَّل الماء وأكثر الحطب، واحترق الطبيخ وأثَّر في قاعة القدر، ويش يكون هذا؟
طلبة: متعدٍّ.
الشيخ: متعدٍّ؟ متعدٍّ يضمن، مثال التفريط: قدَّم الأكل للناس في أرضٍ بارحة حول بيته، وأكل الناس وانصرفوا، وقال: سأُبْقِي الأواني إلى الصباح، فلما جاء في الصباح وإذا الأواني مسروقة، يضمن ولَّا لا؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: مُفَرِّط.
الشيخ: لأنه مُفَرِّط، ترك ما يجب عليه، يصح ضمان التعدي في الأمانات وضمان التفريط؛ لأن في هذه الحالة تكون مضمونة، فأفاد المؤلف.
خلاصة الباب يا جماعة: الضمان من عقود أيش؟
طلبة: التوثيقات.
الشيخ: التوثيقات، الضمان فيه مصلحة للمضمون عنه وللمضمون له؛ المضمون له يتوثَّق، والمضمون عنه يقضي حاجته.
اشترط في الضمان أن يكون من جائز؟
الطلبة: التصرف.
الشيخ: التصرف، اشترط أن يكون بِدَيْنٍ واجب، أو مآله إلى الوجوب، لا يجوز ضمان المجهول الذي لا يؤول إلى العلم، يجوز ضمان الأمانات إذا ضمنت التعدي أو التفريط فيها، وأما إذا ضمنها مطلقًا فإنه لا يجوز؛ لأن الأصل لا يضمن، فالفرع من باب أولى لا يضمن.
في مسألة ما ذكرها الماتِن وهي مهمة جدًّا: إذا قضى الضامن الدَّيْن، الضامن ما هو بيطالب بالدَّيْن ولَّا لا؟ يطالب، وصاحب الحق يطالب الضامن مطلقًا، أو إذا تعذَّر طلب المضمون عنه؟
طالب: إذا تعذر.
الشيخ: لا يا أخي.
الطالب: على الراجح.
الشيخ: المذهب يطالب الضامن مطلقًا، والصحيح أنه لا يطالبه.
طلبة: إلا إذا تعذَّر.
[ ١ / ٤٨٠٧ ]
الشيخ: إلا إذا تعذَّر مطالبة المضمون عنه، صاحب الحق طالَبَ الضامن وقضى الدَّيْن؛ لأنه ضامن، هل يرجع على المضمون عنه ولَّا ما يرجع؟
طلبة: ().
الشيخ: أنتم فاهمين السؤال الآن؟
طلبة: لا، ما فهمنا.
الشيخ: ما فهمتم، هذا مثلًا عبد الرحمن ضمن على الأخ محمد مئة ألف لمن؟ للأخ طلال، الأخ طلال الآن طالب عبد الرحمن قال: أعطنا مئة الألف؛ لأنك ضامن، أراد عبد الرحمن يفر من هذا، ولكنه ما حصل له أخذ الدراهم من عبد الرحمن، مين اللي أخذهم؟
طالب: طلال.
الشيخ: طلال اللي هو صاحب الحق، هل يرجع عبد الرحمن على محمد؟
طالب: يرجع نعم.
الشيخ: يعني على المضمون عنه ولَّا ما يرجع؟
الطلبة: يرجع.
الشيخ: يرجع؛ لأن هو الأصيل، معلوم ما يمكن نخلي الضامن يخسر ولا يعوض، يرجع، لكن هل يرجع مطلقًا؟ نقول: هذا لا يخلو من ثلاث حالات:
أن ينوي التبرع، مثل عبد الرحمن رجل كثير المال، ومحمد ما عنده إلا خمسين ألف ويبغي يتزوج بهم، ما عنده شيء، فقال عبد الرحمن: أنا ناوي التبرع عنه، أقضي دَيْنَه عنه تبرعًا، يرجع ولَّا ما يرجع؟
الطلبة: ما يرجع.
الشيخ: ما يرجع، العلاقة بين محمد وعبد الرحمن طيبة، ولهذا تبرع، وقال: أنا أقضي دَيْنَه مُتَبَرِّعًا، نقول: ما فرَّط، لكن في يوم من الأيام ساءت العلاقات بينهما، وقال عبد الرحمن لمحمد: أعطني مئة ألف، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: فيما بينه وبين الله ما يجوز، لكن لو يروحون للقاضي ويقول عبد الرحمن: أنا ما نويت التبرع، يلزم محمد بدفعها، هذا واحد؛ إذا نوى التبرع ما يرجع.
إذا نوى الرجوع؟
الطلبة: يرجع.
الشيخ: يرجع، معلوم، إذا نوى الرجوع يرجع.
إذا أوفى ولم يطرأ على باله نية الرجوع ولا عدم نية الرجوع، ذاك الساعة جاء طالبه طلال وقال: خذ () ولا على باله إنه بيرجع ولا مو راجع، هل يرجع ولَّا ما يرجع؟
طلبة: يرجع.
طلبة آخرون: يُخَيَّر.
[ ١ / ٤٨٠٨ ]
الشيخ: على المذهب ما يرجع، والصحيح أنه يرجع؛ لأنه إنما التزمها فرعًا عن أصل، وأدى فرعًا عن أصل، هذا الأصل، فلهذا نقول: على القول الراجح يرجع في حالين: إذا نوى الرجوع، وإذا لم يَنْوِ شيئًا، ولا يرجع إذا نوى.
طلبة: التبرع.
الشيخ: التبرع، والقول الثاني -وهو المذهب-: يرجع أيضًا إذا لم يَنْوِ شيئًا، وإن شئت فقل: يرجع ما لم ..
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، على المذهب إن نوى الرجوع فقط، أحسنتم، فإن نوى التبرع أو لم يَنْوِ شيئًا فإنه لا يرجع.
قال العلماء: وهكذا كل مَن أدَّى عن غيره دَيْنًا واجبًا فإنه يرجع إن نوى الرجوع ولو بغير إذنه، إلا إذا كان الدَّيْن مما تُشْتَرَط فيه النية، أي نية الْمَدِين فإنه لا يرجع إلا بإذن، مثل: الزكاة والكفارة وما أشبهها، نحن نذكر هذا وإن كان الماتِن ما ذكره؛ لأنها قواعد مهمة.
فعندنا الآن أولًا: الضامن، ثانيًا: مَن أدَّى عن غيره واجبًا لا تُشْتَرَط لأدائه النية، ثالثًا: مَن أدَّى عن غيره واجبًا يُشْتَرَط لأدائه النية، كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، الضامن عرفتم أنه إما أن ينوي التبرع، أو الرجوع، أو لا ينوي شيئًا، وأنه إن نوى الرجوع؟
طلبة: يرجع.
الشيخ: رجع، وإن نوى التبرع؟
طلبة: لم يرجع.
الشيخ: لم يرجع، وإن لم يَنْوِ شيئًا فالمذهب؟
طلبة: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع، والصحيح؟
طلبة: يرجع.
الشيخ: أنه يرجع، هذا الضامن؛ لأنه تحمَّل الدين بإذنٍ من المضمون عنه وعلمًا منه.
ثانيًا: مَن قضى عن غيره واجبًا لا تُشْتَرَط له النية فإنه لا يخلو من ثلاث حالات أيضًا؛ أن ينوي التبرع، أن ينوي الرجوع، ألَّا ينوي شيئًا.
المذهب إن نوى الرجوع رجع، وإن لم يَنْوِ الرجوع أو نوى التبرع؟
طلبة: لم يرجع.
[ ١ / ٤٨٠٩ ]
الشيخ: لم يرجع، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، يعني هنا نوافق المذهب؛ لأن هذا الذي أدى الدَّيْن الواجب ما تحمَّل على أنه فرع، يعني ما هو ضامن، إنما رجل عَلِمَ بأن فلانًا يطلب فلانًا، فذهب فقضى الدَّيْن، نقول: لا ترجع إلا إذا نويت؟
طلبة: الرجوع.
الشيخ: الرجوع، الثالث: إذا قضى عن غيره دَيْنًا واجبًا تُشْتَرَط فيه النية، مثل؟
طالب: الزكاة.
الشيخ: الزكاة والكفارة، يعني علمت أن هذا الرجل يجب عليه إخراج زكاة قدرها ثلاثون ألفًا، فجاء رجل من الناس يجمع من المجاهدين في سبيل الله، فقلت: هذه فرصة، فأعطيت الثلاثين ألفًا عن زكاة فلان، وراح أخذها، يجزئ ولَّا ما يجزئ؟ ما يجزئ، ولو نوى الرجوع ما يجزئ لأن الزكاة تجب فيها النية، والذي عليه الزكاة ما نوى، لا وَكَّلَنِي ولا شيء، ولو حاضر أيضًا.
لو أخبرته -أنا أخبرت صاحب الزكاة- قلت: والله أنا شوفت رجلًا يجمع فلوسًا للمجاهدين في سبيل الله، ورأيتها فرصة فأعطيته عنك من زكاتك ثلاثين ألفًا، فقال: جزاك الله خيرًا، هذا ما أريد، ولو كنت حاضرًا لسلَّمْتُه، وخذ هذه ثلاثون ألفًا، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز.
طالب: يُشْتَرَط النية.
الشيخ: يُشْتَرَط النية عند الدفع، وهذا الذي دفع ما نوى، صاحبها ما نوى عند الدفع.
طالب: إذا تأخرت النية.
الشيخ: تأخرت ما تجزئ.
طالب: دَفَع.
الشيخ: اللي دَفَع مَن؟
طالب: المتبرِّع.
الشيخ: المتبرِّع دفع مِن قَبْل، بدون نية من اللي عليه الزكاة، اللي عليه الزكاة ما وَكَّلَه، أما فهمتم الصورة؟
طلبة: ().
[ ١ / ٤٨١٠ ]
الشيخ: جاء رجل في المسجد، وقال: يا جماعة أنا أبغي أذهب للمجاهدين في سبيل الله، أعطوني دراهم من الزكاة، وكنت أعلم أن صاحبي عنده زكاة كثيرة، فأعطيت هذا الرجل ثلاثين ألفًا على أنها من زكاة صاحبي، أخذها وراح، هل أرجع على صاحبي بها أو لا؟ أنا نويتها زكاة لصاحبي، أرجع ولا ما أرجع؟ ما أرجع، ليش؟ لأن الزكاة تجب فيها النية، وهنا الذي عليه الزكاة وهو صاحبي ما نوى، ولَّا لا؟ فلا أرجع، وين تروح الثلاثين ألفًا؟
طالب: تطير.
الشيخ: لا، ما تطير، عند الله ﷿، فيها أجر إن شاء الله، تكون صدقة للذي بذلها، ما هو للمبذول عنه، لو أنني أخبرته وقلت: إني دفعت عنك ثلاثين ألفًا زكاةً لأني وجدتها فرصة، فقال: جزاك الله خيرًا، وأنا مُجِيزٌ لك هذا التصرف، يجزئ ولَّا ما يجزئ؟
الطلبة: ما يجزئ.
الشيخ: نعم، المذهب لا يجزئ؛ لعدم وجود النية حين الدفع، والصحيح أنه يجزئ، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ في قصة حفظه التمر، أبو هريرة وكيل للرسول ﵊ على صدقة الفطر، يحفظه، فجاءه الشيطان ليلةً من الليالي أو يومًا من الأيام، وأخذ من التمر، الشيطان تَمَثَّل بصورة إنسان مسكين، أخذ التمر، أمسكه، قال الشيطان إنه فقير وله عائلة، له عائلة صح ولَّا لا؟
طلبة: عنده عائلة.
الشيخ: إي نعم، كل الشياطين ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، المهم رَقَّ له أبو هريرة وتركه، جاء من الليلة الثانية وأمسكه، جاء من الليلة الثالثة قال: ما يمكن أطلقك المرة هذه، أبغي أروح بك للرسول ﷺ.
[ ١ / ٤٨١١ ]
فخاف من النبي ﵊ وقال: أنا أبغي أُعْلِمُك بآية تقرؤها، فإذا قرأتها في ليلة لم يَزَلْ عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، قال: هات، فأَعْلَمَه بآية الكرسي، فلما أصبح غَدَا إلى النبي ﵊، فقال: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟»؛ لأن الرسول كل يوم يقول: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟»، قال: يا رسول الله، قال كذا وكذا، فقال: إنه «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»، ثم قال: «أَتَدْرِي مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ؟»، قال: لا والله يا رسول الله، قال: «ذَلِكَ الشَّيْطَانُ» (٤)، أبو هريرة حين دفع من الزكاة هل دفع بإذن الرسول؟
طلبة: لا.
الشيخ: هو ما ()، لكن الرسول ﵊ أجازه، وبناءً على ذلك يكون الصحيح أن الإنسان لو دفع عن غيره زكاةً وأجازه الغير فإن الصحيح جواز ذلك.
***
ثم ننتقل الآن إلى الكفالة، يقول ﵀:
(فصلٌ في الكفالة)
الكفالة هي التزام إحضار مَن عليه الحق، ما هو بإحضار الحق، الضمان يضمن الحق، والكفالة يضمن صاحب الحق، وبينهما فرق ولَّا لا؟ بينهما فرق، هذا رجل استدان من شخص قال: أَقْرِضْنِي مئة ريال، فقال: أُقْرِضُك، لكن مَن يضمن؟ فجئتُ فضمنت، ويش أضمن؟
طلبة: المئة.
الشيخ: المئة ريال، سواء جاء الرجل ولَّا ما جاء، قال: مَن يكفلك لي؟ فجئت أنا فكفلت، كفالتي هذه معناها إني أُحضر الرجل، واللي حَضَّرته لك سواء سلَّمك ولَّا ما سَلَّمَك، ما علينا منه، فالكفالة إذن أيش؟
طالب: إحضار.
الشيخ: التزام الإنسان إحضارَ مَن عليه الحق، يلتزم بإحضاره، أما أن يلتزم بدَيْنِه فلا، أيهما أضمن لصاحب الحق؟
الطلبة: الضمان.
الشيخ: الضمان، والكفالة أَرْيَح للكفيل؛ لأن الكفيل إذا أحضر الرجل ما عليه منه.
[ ١ / ٤٨١٢ ]
يقول المؤلف ﵀: (تَصِحُّ الكفالة بكل عينٍ مضمونة)، مراده (بكل عين مضمونة) أي: ببدن كل مَن عنده عين مضمونة، فقوله: (بكل عين مضمونة) فيه إيهام عظيم، ولهذا الشارح يقول: ببدن كل إنسان عنده عين مضمونة؛ لأن الكفالة كما قلت قبل قليل: الالتزام بأيش؟ بإحضار بدن مَن عليه الحق، فكل مَن عنده عين مضمونة فإنه تجوز كفالته، ويش مثال عين مضمونة؟
طالب: أن يضمن الإنسان لشخص سيارة.
الشيخ: لا، مَن عنده عين مضمونة، مثل أيش العين المضمونة؟
طالب: عين المال.
الشيخ: إي، ويش العين المضمونة؟
الطالب: المال إذا أعطيته ..
الشيخ: كل مال حصل بيد الإنسان بغير إذن من الشرع أو من صاحبه فهو عين مضمونة، وكذلك العاريَّة على المذهب.
إنسان عنده عاريَّة، فأمسكه صاحب العاريَّة وقال: أعطني العاريَّة، قال: أعطها لك غدًا، قال: من يكفلك؟ قال: يكفلني فلان، فكفله، هل هو كفل العين إنها تحضر، ولَّا كفل الذي عنده العين؟
الطلبة: الذي عنده العين.
الشيخ: الذي عنده العين، أقول: أنا بكرة أجيب لك الرَّجَّال وكيفك أنت وإياه، هذا كفالة مَن عنده عين مضمونة.
مثال آخر: غاصب عنده مال لشخص، فأمسكه صاحب المال وقال: أعطني مالي وإلا ذهبت بك إلى الشرطة، قال: أجيبه لك غدًا، الآن هو في بيتي وبيتي بعيد، أجيبه لك غدًا، قال: لا، إلا كفيل، فطلبني أن أكفله، فقلت لصاحب المال: أنا أكفل فلانًا لك آتِ به غدًا، هذا بدن مَن؟ مَن عنده عين مضمونة، أنا ما ضمنت المال المغصوب، ضمنت الذي عنده المال المغصوب، فإذا كان الضمان للشخص فهي ..
طلبة: كفالة.
الشيخ: كفالة، إن كان الضمان للحق فهو ضمان.
كذلك (ببدن مَن عليه دَيْن)، مثل إنسان عنده قرض لشخص، وطلب صاحب القرض مَن يكفل هذا الرجل، قال: مَن يكفل هذا الرجل فإنه يصح أن يأتي بإنسان يكفل هذا الرجل، يكفل حضوره ولَّا يكفل الدَّيْن اللي عليه؟
الطلبة: حضوره.
[ ١ / ٤٨١٣ ]
الشيخ: يكفل حضوره، يقول: أنا بحَضّر لك فلانًا سواء أوفاك ولَّا ما أوفاك، ما علي منك، نقول: هذا إذن صحيح، إذن فالكفالة نوع من أنواع ..
طالب: عقود.
الشيخ: عقود التوثقة، فالتوثقة ثلاثة أشياء: الرهن والضمان والكفالة، وهذه يُسْتَوْفَى منها الحق، والرابع: الشهادة، وهذه يُسْتَوْفَى بها الحق، فالتوثيقات أربعة: شهادة، ورهن، وضمان، وكفالة، فالشهادة يُسْتَوْفَى بها الحق؛ لأن الشاهد ما هو بيضمن ولا يُسْتَوْفَى منه شيء، لكن يُسْتَوْفَى الحق بشهادته، والرهن يُسْتَوْفَى؟
طالب: به.
الشيخ: لا، منه، والضمان والكفالة منه أيضًا.
يقول المؤلف: (لا حَدٌّ ولا قصاص)، يعني: لا ببدن مَن عليه حد أو ببدن مَن عليه قصاص.
طالب: الكفالة منه ولا بها.
الشيخ: لا، منه؛ لأنه إذا تَعَذَّر إحضار الكفيل لزمه الدَّيْن.
لا تصح كفالة مَن عليه حد، إنسان مثلًا وجب عليه قطع يده؛ لأنه سارق، فأمسكت به الشرطة وقالت: الآن نقطع يدك، قال: يا جماعة أَمْهِلُونِي حتى أذهب إلى أهلي وأُخْبِرُهم؛ لأنه ربما لو دخلت عليهم وأنا مقطوع اليد يفزعون، وقد يَصْعَقُون، دعوني أذهب وأخبرهم على مهل، وبكرة إن شاء الله آجي لمنكم، قالوا: ما يمكن، نخشى إذا أطلقناك الآن ما عاد نشوفك، فجاء رجل وقال: أنا أكفله لكم، يصح ولَّا ما يصح؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: حد من حدود الله.
الشيخ: لأن هذا حد يتعذر استيفاؤه من الكفيل، الآن لو كفلته غدًا تجيبه ولا جبته، نقطع يديك؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن نقطع يدك، لكن لو كان مال وجاء وقت الإحضار ولم تحضره أخذنا المال منك، أما الحد فلا يمكن؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير مَن هو عليه.
القصاص مثله أيضًا؟ مثله، إذن يُشْتَرَط في الكفالة أن يمكن استيفاء الحق الذي على المكفول من الكفيل، فإن لم يمكن أيش؟
طالب: فلا.
الشيخ: فلا.
[ ١ / ٤٨١٤ ]
رجل أمسكته امرأته، وكان له زوجتان، وكان اليوم يوم هذه المرأة الْمُمْسِكَة، قالت: اليوم حقي، لازم تقعد عندي، قال: أنا بروح وآجي، أذهب وآجي، قالت: أبدًا ما تذهب، فجاء رجل فكفله، قال: أطلقيه وأنا أكفله، يصلح ولَّا ما يصلح؟
الطلبة: ما يصلح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: ().
الشيخ: يتعذر استيفاؤه منه، يعني لو ما يجي يصلح يجي لَمَّاه بداله؟ ما يمكن، إذن القاعدة: كل حقٍّ لا يمكن استيفاؤه من غير صاحبه فإن كفالة صاحبه لا تجوز، هذه القاعدة، ولهذا قال المؤلف: (لا حَدٌّ ولا قصاص).
(ويُعْتَبَرُ رضا الكفيل)، (كفيل) بمعنى (فاعل) ولَّا بمعنى (مفعول)؟
طالب: فاعل.
الشيخ: بمعنى (فاعل)، فلا بد أن يكون الكفيل -أي الكافل- راضيًا، أي أنه لا يُجْبَر على الكفالة؛ لأن هذا شأن العقود، كل العقود يُشْتَرَط فيها الرضا إلا ممن أُكْرِهَ بحق.
(لا مكفولٍ به أو له)، مثل الضمان، سبق أن الضمان لا يُشَرِّط رضا المضمون له، ولا رضا المضمون عنه، كذلك هنا لا يُشْتَرَط رضا المكفول به، ولا المكفول له، لكن في الغالب أنه ما أحد رايح يقول لشحص: أنا أكفل لك فلانًا، وهو ما طلب الكفالة، وإذا طلب الكفالة -يعني المكفول له- فهو راضٍ بلا شك، يقول ..
طالب: ().
الشيخ: المكفول به يعني المكفول، هناك ثلاثة: كفيل -أي كافل-، ومكفول، وهو المكفول به، ومكفول له.
رضا الكفيل؟
طلبة: شرط.
الشيخ: شرط، رضا المكفول به ليس بشرط، رضا المكفول له ليس بشرط.
قال: (فإن مات أو تَلِفَت العين بفعل الله، أو سَلَّمَ نفسه، برئ الكفيل).
(إن مات) الضمير يعود على مَن؟
طلبة: المكفول به.
الشيخ: المكفول به، إذا مات برئ الكفيل، ليش يبرأ؟
طالب: لأنه مات.
[ ١ / ٤٨١٥ ]
الشيخ: لأنه تَعَذَّر إحضاره بغير تفريط من الكفيل، فحينئذٍ يبرأ الكفيل، فلو ألزمه بإحضاره قال: تفضل أنا وأنت إلى المقبرة، هذا قبره استلمه منه، صح ولَّا لا؟ يعني إن كان أحمق وقال: لازم تحضره، أنت ما قلت: أكفله إن كان حيًّا، قال: إذن أنت ترى أني أكفله حيًّا وميتًا؟ قال: نعم، قال: تفضل، وأوقفه على قبره وقال: خذ، هذا صاحبك، يبرأ ولَّا ما يبرأ؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، هذا عليه إن بغى يمشي ويطالبه بكيفه، هذه واحدة.
الثاني قال: (أو تَلِفَت العين بفعل الله) العين، ويش هي العين؟
طلبة: المكفول.
الشيخ: التي عند المكفول، مثل العاريَّة، العاريَّة يصح كفالة الذي هي بيده فتلفت العين، هنا إذا كانت بفعل الله فأنا أبرأ، ويش معنى بفعل الله؟ يعني مثلًا أتاها آفة من السماء فأتلفتها، ولنفرض أنها أشياء يُفْسِدُها المطر، فنزل المطر فأفسدها وأتلفها مرة، فهنا ليس على الكفيل ضمان، يبرأ.
وعُلِمَ من قوله: (بفعل الله) أنه لو تلفت بفعل آدمي فإن الكفيل لا يبرأ؛ لأنه يمكن مطالبة المتلِف، مثال ذلك: أنا أَعَرْتُ هذا الرجل كتابًا -بناءً على المذهب- والمستعير مكفول، فجاء شخص وأتلف الكتاب، مَزَّقَه، يضمنه المستعير ولَّا لا؟
طلبة: يضمنه.
الشيخ: يضمنه، فإذا تعذَّر إحضار المستعير أُلزم الكفيل، وذلك لأنه هنا يمكن تضمين المتلِف، أما إذا كانت بفعل الله فإلى مَن نرجع.
قال: (بفعل الله أو سَلَّم نفسه)، مين اللي (سَلَّم نفسه)؟
طلبة: المكفول.
الشيخ: المكفول، المكفول جاء لصاحب الحق في الوقت المحدد وسَلَّم نفسه أبرأ ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم أبرأ؛ لأنني أنا قد كفلت بدنه، وقد حضر فانتهت المهمة، لو أُبرئ المكفول؟
الطلبة: يبرأ.
الشيخ: برئ الكفيل، كما قلنا في الضمان: إذا برئ المضمون عنه برئ الضامن، فهكذا إذا برئ المكفول برئ الكفيل؛ لأن القاعدة أنه إذا برئ الأصل برئ الفرع، فإن أُبْرِئ الكفيل؟
طلبة: لم يبرأ.
[ ١ / ٤٨١٦ ]
الشيخ: لم يبرأ المكفول؛ لأنه لا يبرأ الأصل ببراءة الفرع.
طالب: شيخ ().
[باب الحوالة]
الشيخ: مشتقة من التحويل؛ وهو نقل الشيء إلى شيءٍ آخر يسمى تحويلًا، مثل: حَوَّلت هذا الفراش من مكانه إلى مكان آخر، هذا يسمى تحويلًا، جعلت الطين إبريقًا، يسمى تحويلًا.
أما اصطلاحًا: فإنها نقل الحق من ذمةٍ إلى أخرى، هذه الْحَوَالة اصطلاحًا، مثاله: عندي لك مئة درهم، وعند زيد لي مئة درهم، فجئت تطلبني حقك الذي عليَّ، فقلت: أحلتك به على زيد، الآن نقلت الحق منين؟ من ذمتي أنا المطلوب إلى ذمة رجل آخر، وهو الذي أنا أطلبه، معروفة الآن ولَّا لا؟ معروفة الْحَوَالة.
حكمها: جائزة، بل سُنَّة، بل واجبة إذا تمت الشروط عند بعض العلماء، وهي -أعني الْحَوَالة- من باب الْمُيَاسَرَة في الاستيفاء، فإن صاحب الحق إذا جاء يطلبه من المطلوب وقال: أحلتك على فلان، وقَبِلَ، هذا لا شك أن فيه يُسْرَة، على مَن؟ على الطالب ولَّا على المطلوب؟
طلبة: المطلوب.
الشيخ: على المطلوب، وربما على الطالب أيضًا؛ على المطلوب لأن ذمته بَرِئَت الآن، وربما على الطالب إذا كان المحال عليه قريبًا منه، مثل لو واحد يطلبني في الرياض وأحلته على شخص أطلبه في الرياض، صار في هذا تسهيل للطالب ولَّا لا؟ نعم.
ولهذا نقول: إن الحوالة من عقود المياسرة والمساهَلَة؛ لما فيها من المصلحة للطرفين للمحيل وللمُحْتَال، وهل فيها تيسير على الْمُحَال عليه؟
طلبة: ().
الشيخ: ما ندري، ربما يكون للتشديد، ويمكن فيها تسهيل، إذا أحلت هذا الشخص على إنسانٍ مُعْسِر، وهذا الشخص شَرِس كثير الخصومات والمنازعات، وأنا رجل ما أحب المنازعات والمخاصمات والتعسير على الناس، صار هذا من حظ المحال عليه ولَّا لا؟
طلبة: تعسير.
الشيخ: تعسير ولَّا تيسير؟
الطلبة: تعسير.
[ ١ / ٤٨١٧ ]
الشيخ: تعسير، ولو عرفت نفسي بأني شديد على الغارمين وأطلب بشدة وأُلِحّ، وجاءني واحد وحوَّلْتُه، وهذا الرجل الواحد سهل مُيَاسِر للناس ربما يعفو عن الفقير، صار هذا مِن؟
طلبة: التيسير.
الشيخ: من التيسير على مَن؟
طلبة: على المطلوب.
الشيخ: على المطلوب الْمُحَال عليه.
طالب: على الطالب
الشيخ: على الْمُحَال عليه.
الطالب: على الطالب
الشيخ: لا، الطالب قد يكون هذا أشق عليه، على كل حال هي في حق المحال عليه إما مُيَاسَرَة وإما مُعَاسَرَة.
قلت: إنها مشروعة مستحبة جائزة، بل مستحبة، بل واجبة عند بعض العلماء، لكن لها شروط: الشرط الأول: قال: (لا تصح إلا على دَيْنٍ مُسْتَقِرّ)، عندنا دَيْنَان؛ مُحَال به ومُحَال عليه، وعندنا مُحِيل ومُحْتَال ومُحَال عليه، الدَّيْنَان أحدهما عند الْمُحِيل والثاني؟
طالب: عند الْمُحَال.
الشيخ: عند الْمُحَال عليه، والْمُحِيل هو المطلوب، والْمُحْتَال هو؟
طلبة: الطالب.
الشيخ: الطالب، والْمُحَال عليه أيضًا هو المطلوب للمُحِيل، إي نعم، هنا يقول: (لا تصح إلا على دَيْنٍ مستقر)، فأفادنا بقوله: (لا تصح إلا على دَيْن) أنه لا تصح الحوالة بالعين.
مثال الحوالة بالعين: رجل عنده لي كتاب فأحلت شخصًا عليه ..
ولا يُعتبَرُ استقرارُ الْمُحالِ به.
و(يُشْتَرَطُ) اتِّفاقُ الدَّيْنَيْنِ جِنْسًا ووَصْفًا ووَقْتًا وقَدْرًا، ولا يُؤْثَرُ الفاضلُ، وإذا صَحَّتْ نقِلتِ الحقُّ إلى ذِمَّةِ الْمُحالِ عليه وبَرِئَ الْمُحيلُ، ويُعتبَرُ رِضاهُ لا رِضَا الْمُحالِ عليه، ولا رِضَا الْمُحْتَالِ على مَلِيءٍ، وإن كان مُفْلِسًا ولم يكنْ رَضِيَ رَجَعَ به، ومَن أُحيلَ بثَمَنِ مَبيعٍ، أو أُحيلَ به عليه، فَبانَ الْبَيْعُ باطلًا فلا حَوالةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تَبْطُلْ، ولهما أن يُحِيلَا.
(باب الصلح).
[ ١ / ٤٨١٨ ]
إذا أَقَرَّ له بدَيْنٍ أو عَينٍ فأَسْقَطَ، أو وَهَبَ البعضَ وتَرَكَ الباقيَ صَحَّ إن لم يكنْ شَرَطَاه، ومِمَّنْ لا يَصِحُّ تَبَرُّعُه، وإن وَضَعَ بعضَ الحالِّ وأَجَّلَ باقِيَه صَحَّ الإسقاطُ فقط، وإن صالَحَ عن الْمُؤَجَّلِ ببعضِه حالًا أو بالعكسِ، أو أَقَرَّ له ببيتٍ فصالَحَه على سُكناهُ، أو يبني له فوقَه غُرْفةً، أو صالَحَ مُكَلَّفًا لِيُقِرَّ له بالعُبودِيَّةِ أو امرأةً لتُقِرَّ له بالزوجيَّةِ بعِوَضٍ لم يَصِحَّ، وإن بَذَلَاهُما له صُلْحًا عن دَعواهُ صَحَّ، وإن قالَ: أُقِرَّ بدَيْنِي وأُعطيكَ منه كذا ففَعَلَ صَحَّ الإقرارُ لا الصلْحُ.
أما العيان فلا حوالة، اشترط المؤلف أن يكون الدين مستقرًّا؛ يعني ثابتًا، أما غير الثابت فلا تصح الحوالة عليه، مثاله عند الفقهاء: مال الكتابة؛ يعني إذا كاتبت عبدي على عشرة آلاف ريال؛ يسلم خمسة منها بعد الشهرين، وخمسة أخرى بعد أربعة أشهر، أصبح في ذمة عبدي كم؟
طالب: ().
الشيخ: عشرة آلاف ريال، رجل يطلبني عشرة آلاف ريال حولته بها على مال الكتابة، يقولون: إن ذلك لا يصح، لماذا؟ لأنه غير مستقر؛ إذ إن هذا العبد قد يعجز عن تسليم المال المكاتب به أو عليه، وحينئذٍ يضيع حق المحتال، فلا تصح إلا على دين مستقر.
كذلك المهر؛ مهر المرأة قبل الدخول مستقرٌّ على الزوج ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يا.
طلبة: غير مستقر.
الشيخ: ما يستقر إلا بالدخول، فإذا أحالت المرأة به على الزوج صارت الحوالة غير صحيحة، لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنه غير مستقر، مادام لم يدخل يجوز أن يجد فيها عيبًا فيفسخ النكاح ويأخذ المهر كاملًا، يجوز أن يطلقها فتستحق نصف المهر، يجوز أن يدخل بها فتستحق المهر كاملًا، إذن فالمهر هنا دين غير مستقر، فلا تصح الحوالة عليه.
المحال به هل يعتبر استقرارًا ولَّا لا؟
طالب: لا.
[ ١ / ٤٨١٩ ]
الشيخ: لا؛ ولهذا قال المؤلف: (ولا يعتبر استقرار المحال به) مثل: لو أحال الزوج زوجته بمهرها قبل الدخول على شخص يطلبه، يجوز ولَّا لا؟ يجوز.
مثال ذلك: تزوجت امرأة بعشرة آلاف ريال، وأطلب رجلًا عشرة آلاف ريال، فأحلتها بالعشرة آلاف ريال على الرجل الذي أنا أطلبه، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن طلبي على فلان مستقر، لكن طلب المرأة عليَّ غير مستقر، لكنه لا يضر؛ لأن استقرار المحال به ليس بشرط، هل تملك المرأة أن تطالب ذلك الرجل الذي أحلتها عليه تطالبه بالمهر قبل الدخول؟ لا، لا تطالبه بذلك، لكنها تعرف الآن أن حقها عند هذا الرجل، استمع للشروط، الآن الشرط الأول ما هو؟ أن تكون على دينٍ مستقرٍّ، فإن كانت على عين فتوكيل، ما تسمى حوالة، وإن كانت على دين غير مستقر لم تصح، وإن كانت على غير دين ولا عين فهذه أيضًا لا تصح حوالة، لكنها توكيلٌ في الاستقرار.
قلت -مثلًا-: روح لفلان خذْ منه عشرة آلاف ريال، وهو لست أطلبه شيئًا، ويش معنى هذا؟ أنني وكلته من استقرض، إي نعم.
طالب: () اثنين.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: الدين والاستقرار.
الشيخ: إي نعم، أو شرط واحد بوصفين.
فيه أيضًا شروط (ويُشْتَرط اتفاق الدَّيْنين جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا، ولا يؤثر الفاضل) يشترط أن يتفق الدَّيْنان، ما هما الدَّيْنان؟ المحال به والمحال عليه، (جنسًا) يعني: أنني أُحِيلك بذهبٍ على ذهب، وبفضةٍ على فضة، وقرطاسٍ على قرطاس، وببُرٍّ على برٍّ، وبتمرٍ على تمرٍ، وما أشبه ذلك.
فإن أحلتك بذهبٍ على فضة لم يصح؛ مثل: أن تكون تطلبني مئة دينار، وأحلتك على شخص أطلبه ألف درهم، هذا لا يصح؛ لأن هذه الحوالة ليست حوالة، هي في الحقيقة بيع؛ كأنني بعتك مئة الدينار اللي في ذمتي بكم؟ بألف درهم في ذمة فلان، ومعلوم أن البيع لا يصح على هذه الصورة، فإذن لا يصح.
أحلتك بمئة صاع من البر على مئتي صاع من الشعير؟
طلبة: ما يصح.
[ ١ / ٤٨٢٠ ]
الشيخ: ما يصح، أحلتك بالروض المربع على شرح ابن عقيل على الألفية؟
طلبة: ().
الشيخ: لا يا إخوان، أنت اشتريت مني بالوصف الروض المربع أعطيتني دراهم () ريالات على نسخة من الروض المربع صفتها كذا وكذا، وأنا شاري من الرجل هذاك شرح ابن عقيل بكذا وكذا بدراهم، ذاك في ذمته لي شرح ابن عقيل، وأنا في ذمتي لك الروض المربع، هذا ما يصح؛ لأنه بيع دين بدين على غير من هو عليه.
يُشْتَرط أيضًا اتفاق الدينين (وصفًا)، (وصفًا) يعني مثلًا في الطيب، في الجودة والرداءة، فإن لم يكونا متفقين وصفًا لم يصح.
فلو أحلتك بتمرٍ من السكر على تمرٍ من الشكر؟
طلبة: لم يصح.
الشيخ: ما صح؛ لأن الوصف مختلف، فإن النوع نوع من الوصف.
أحلتك بذهبٍ عيار ٢٤ على ذهب عيار ٢١؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأن الوصف ..
الشيخ: لأن الوصف يختلف، صح.
أحلتك ببرٍّ طيب على برٍّ رديء؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأنه يُشْتَرط اتفاق الدينين وصفًا.
يقول المؤلف: (ووقتًا) يعني: أن يتفقا في الحلول والتأجيل، فلا يصح أن أُحِيل بحالٍ على مؤجل، ولا بمؤجلٍ على حال، هذا كلام المؤلف، ولا يصح أن أُحِيلك بمؤجلٍ بعد شهر على مؤجلٍ بعد شهرين؛ لأن الحلول والتأجيل وصف، ونحن اشترطنا أن يتفقا في الوصف.
ولنضرب لذلك مثلًا: هذا رجلٌ يطلبني دراهم الآن حالها، وأنا أطلب رجلًا آخر نفس الدراهم وعدد الدراهم، لكنها مؤجلة إلى شهر إذا أحلته.
طالب: ().
الشيخ: لماذا؟
طالب: لا يصح؛ لاختلاف الوقت.
الشيخ: صح.
الطالب: ().
[ ١ / ٤٨٢١ ]
الشيخ: لا يصح؛ لاختلاف الوقت؛ لأن هذا حال وذا مؤجل، ولكن ما رأيكم لو أن المحتال رضي، وقال: أنا راضٍ أن تحولني على هذا الرجل ولو كان دينه مؤجلًا؛ لأنه إذا حلَّ الأجل سيسلمني إياه الآن عند حلول الأجل، وأنت الآن لي أربع سنين وأنا أطلبك وحال ولم تعطني أنا ما ()، أعطني لو كان مؤجلًا، يقول المؤلف: إن هذا لا يصح، ولكن الصحيح أنه جائز، كما لو أحلتك بجيدٍ على رديء، فإن هذا لا بأس به، بالعكس؛ لو أحلتك بمؤجلٍ على حال؛ مثل أنت تطلبني مئة درهم تحل بعد شهرين، أحلتك على رجل عنده لي مئة درهم حالة، يجوز ولَّا لا؟
طالب: على رأي المؤلف لا يجوز.
الشيخ: على رأي المؤلف لا يجوز، والصحيح؟
الطالب: أنه يجوز.
الشيخ: أنه يجوز، ولا حرج في ذلك؛ لأني أنا الآن عندما أحلتك على حال زدتك خيرًا، كما لو أوفيتك من عند نفسي الآن يصح ولَّا ما يصح؟ يصح.
يقول: (وقدرًا) هذا صحيح؛ لا بد أن يتفقا قدرًا، فلو أحلتك بمئة على مئة وعشرين ما صح؛ لأن هذا يشبه البيع، والبيع مع التفاضل لا يصح، ما يجوز، البيع مع التفاضل لا يجوز.
أحلتك بمئة على ثمانين؟
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك لا يجوز؛ لأنه ربا، لكن لو أسقطت عنك عشرين وقلت أنت: أعطني أنا بأسقط عنك عشرين، أحلني على فلان بثمانين ولا () أسقط عنك الآن عشرين، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأني لما أسقطت العشرين صار الذي عندك ثمانين، إذا أحلتني به على من تطلبه ثمانين؟
طلبة: تساووا.
الشيخ: تساووا.
يقول: (ولا يؤثر الفاضل) معنى قوله: (لا يؤثر الفاضل) أنه لو أحاله بأقل على قدره من الأكثر فإنه لا يضر، أحاله بدينٍ أقل على قدره من الأكثر فلا بأس به.
[ ١ / ٤٨٢٢ ]
مثاله: تطلبني مئة درهم، وأنا أطلب زيدًا مئتي درهم، فأحلتك بمئة درهم على مئة درهم من المئين يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن المؤلف يقول: (ولا يؤثر الفاضل) معناها: إذا كان المحال عليه أكثر فإن الزائد لا يؤثر، لكن بشرط ألَّا تقع الحوالة عليه، فإن وقعت الحوالة عليه لم يصح، كما سبق.
إن أحلتك بمئة على ثمانين فإن هذا لا يصح، ولكن عرف الناس الآن إذا أحلتك على البنك بمئة وعنده ثمانين لي، فإنه أحيانًا يقول: إذا أحلتك بشيء ليس فيه رصيد لي فأقرضني وسدِّدْ، فمثل هذا يكون أيش؟ يكون جائزًا.
صورة ذلك: أحلته على البنك بمئة درهم، تعرفون الشيكات اللي تكتب بها الحوالة؟ ذهب الذي معه الشيك إلى صاحب البنك قال: واللهِ، ما عندي لفلان إلا ثمانين، فقال الذي بيده الشيك: تكفيني الثمانين، وأنا أكتب لك توقيع على أني أخذت مئة، يجوز ولَّا لا؟ ما يجوز يا إخواني؛ لأني الآن أحلت بمئة على ثمانين، لكن لو كنت أنا قائل للبنك: إذا جاءك شيك زائد عن الرصيد الذي لي فأقرضني الزائد قرضًا وسدِّدْ، فذهب رجل إلى البنك وقال: واللهِ، هذه حوالة بمئة درهم، قال: ما عندي إلا ثمانين، إذا كنت قد قلت للبنك: أقرضني إذا لم يكن لي رصيد معناها بيقرضني البنك الآن عشرين ويسلمها لهذا الشخص، ولَّا لا؟ فتكون الثمانون حوالة صحيحة، والعشرون قرضًا، هذا معنى قول المؤلف: (ولا يؤثر الفاضل).
طالب: ()؟
الشيخ: إي، يصح.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، تكون حوالة في الدين المستقر اللي هو الثمانين، ويكون قرضًا أو توكيلًا في الاستقراض بما زاد، إي نعم.
قال المؤلف ﵀: إذا أحاله بخمسة على عشرة.
طالب: يجوز.
الشيخ: أحاله بخمسة على عشرة، على رأي المؤلف؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: أحاله بخمسة على عشرة؟
طلبة: ().
الشيخ: على رأي المؤلف لا يجوز؛ لأن القدر مختلف.
أحاله بخمسةٍ على خمسةٍ من عشرة؟
طلبة: يجوز.
[ ١ / ٤٨٢٣ ]
الشيخ: يجوز، يعني أنني أطلب هذا الرجل عشرة، وواحد يطلبني خمسة، فأحلته بخمسته على خمسة من العشرة اللي في ذمة الرجل ذاك، يجوز ولَّا لا؟ إي، هذا معنى قوله: (ولا يؤثر الفاضل).
طالب: هذه (ولا يؤثر الفاضل) ما في ()؟
الشيخ: يعني أنه إذا كان الدين المحال عليه أكثر من الدين الذي حاله فإنه لا يضر، ويبقى الفاضل لصاحبه ما يُعْطَى المحتال.
طالب: ().
الشيخ: هذا المثال: محمد نور عنده للأخ محمد واصل مئة ألف، وصالح يطلبك ثمانين ألفًا، فأحلته بثمانين ألفًا على محمدٍ، بيأخذ ثمانين ألفًا، ويبقى؟
طلبة: عشرون.
الشيخ: عشرون، ما يؤثر هذا ما يضر؛ لأنك الآن أحلته بثمانين على ثمانين من مئة، وهذا ما يضر، فالفاضل سيبقى لك أنت فلا يضر.
***
() رحمه الله تعالى: (وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل) إذا صحت الحوالة؛ يعني" بأن تمت شروطها.
واعلم أن هنا شرطًا لا بد منه في كل عقد؛ وهو أن يكون العاقد جائز التصرف، كل عقد لا بد أن يكون فيه جائز التصرف؛ وهو البالغ، العاقل، الرشيد، الحر، وكل عقد لا بد أن يكون فيه من مالك للعقد أو من يقوم مقامه، هذان شرطان اصطحبوهما معكم في كل عقد، وهما: جواز التصرف، وملك العقد عليه، هذا لا بد أن يكون في كل عقد؛ في البيوع، والأوقاف، والرهون، والهبات، وكذلك الأنكحة وغيرها.
(إذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه) من أي ذمة؟
طلبة: من المحيل.
الشيخ: من ذمة المحيل، (وبرئ المحيل) (برئ) يعني: يكون كأنه سلَّم الحق، ولا يحق للمحتال أن يطالبه؛ لأنها برئت ذمته نهائيًا.
هل يشترط رضا المحيل؟
نشوف يقول المؤلف ﵀: (ويعتبر رضاه) (رضاه) وهذا أيضًا شرط في كل عقد، كل العقود لا بد فيها من الرضا، إلا من أكره بحق.
فصار عندنا ثلاثة شروط لا بد منها في كل عقد: جواز التصرف، وملكه، والرضا به، إلا من أكره بحق.
[ ١ / ٤٨٢٤ ]
يعتبر رضا المحيل؛ يعني: يُشْتَرط لصحة الحوالة رضا المحيل، فإن أكره لم تصح.
مثال ذلك: رجل يطلب شخصًا مئة ريال، والمطلوب له طلب على آخر مئة ريال، فجاء الطالب وقال: أوفني، قال: واللهِ، ما عندي شيء الآن، قال: حولني على فلان، أنت تطلبه، وفلان أحسن منك وفاءً، حولني عليه، قال: لا، هل يملك إجباره؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يملك إجباره؛ لأنه لا بد أن يرضى، فلو ألزمه أن يحيله ما صحت الحوالة، إذن رضا المحيل شرط.
(لا رضا المحال عليه) معلوم، المحال عليه ما يُشْتَرط رضاه، فلو أننا أحلنا عبد الرحمن بن داود على فهد بدراهم، قال فهدٌ: أنا ما أقبل عبد الرحمن، ما أقبل أتحول عليه، أنا بوفيك أنت؛ يعني اللي يطلبه هل يُعْتَبر رضاه ولَّا لا؟
طلبة: لا يُعْتَبر.
الشيخ: يقول: يا ناس، فكوه من عبد الرحمن، عبد الرحمن إلى () إن جاء يطلب يقعد عند عتبة الباب من أول ليلة إلى آخرها، أنا لا أريد هذا، ويش نقول؟ نقول: إذا كان () على عتبة الباب من أول الليل إلى آخره أعطه وانفك منه.
إذا قال قائل: لماذا لا يُشْتَرط رضا المحال عليه؟
فالجواب: لأن المحيل له أن يستوفي الحق بنفسه وبنائبه، والمحتال كأنه نائب عن المحيل، إذن رضا المحال عليه ليس بشرط، هذان طرفان؛ المحيل يُشْتَرط؟
الطلبة: رضاه.
الشيخ: المحال عليه؟
الطلبة: لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط.
بقي ثالث من هو؟
طلبة: المحتال.
الشيخ: المحتال هل يُشْتَرط رضاه أم لا؟
طلبة: لا يُشْتَرط.
الشيخ: نشوف، قال: (ولا رضا المحتال على مليء) إذن المحتال فيه تفصيل؛ إن أُحِيل على مليءٍ لم يشترط رضاه، وإن أُحِيل على غير مليءٍ اشترط رضاه، فالمحتال إذن في اشتراط رضاه تفصيل؛ إن أحلناه على مليء فإنه لا يُشْتَرط رضاه؛ لأنه يجب عليه أن يتبع، وإن أُحِيل على غير مليءٍ اشترط رضاه، ما هو الدليل؟
[ ١ / ٤٨٢٥ ]
الدليل قول النبي ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (١) أي: فليحتل، «إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٢) مفهوم، إذا أُحِيل على غير مليءٍ لا يلزمه الاحتيال، وإنما يحتال إذا أُحِيل على مليءٍ.
وقوله ﵊: «فَلْيَحْتَلْ» اختلف فيها العلما هل الأمر للوجوب أو هو للاستحباب؟
فقال بعضهم: إنه للوجوب، وقال آخرون: إنه للاستحباب، والأصل في الأمر الوجوب، وعليه فنبقى على الأصل إلا إذا تضمن ذلك ضررًا على المحتال، فإنه لا يلزمه أن يقبل.
من هو المليء؟ المليء: هو القادر بماله، وقوله: وبدنه. هذا المليء؛ المليء: هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه. فالقادر بماله: أن يكون عنده قدرة على الوفاء عنده مال، وبقوله: أن لا يكون مماطلًا؛ يعني ما يقول: ائت بكرة، ائت بعد بكرة، إلى آخره، وببدنه: أي تمكن محاكمته شرعًا وعادة؛ يعني يمكن إحضاره لمجلس الحكم، والمراد محاكمته شرعًا وعادةً، إذن من هو المليء؟
طالب: هو الذي قادر في ماله وقادر ..
الشيخ: قادر على أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: قادر على الوفاء في ماله.
الطالب: وقوله ..
الشيخ: وبدنه، القادر في ماله: أن يكون عنده من المال ما يوفي به، في قوله: ألا يكون مماطلًا، في بدنه: أن تمكن محاكمته شرعًا وعادةً.
أحلت شخصًا يطلبني دراهم على شخص أطلبه لكنه فقير، يلزمه أن يقبل؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: يجوز أن يقبل؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، وجزاه الله خيرًا، إذا قبل الحوالة على الفقير () معاملته.
أحلته على شخصٍ مماطل عنده مال، لكن تأتي إليه اليوم يقول: بكرة، ائتنا بكرة، قال: علشان () بعد يومين، أتيته بعد يومين قال: علشان أتأكد أكثر ائت بعد أربعة أيام، وكلما جيت ضاعف المدة، يصح الحوالة عليه ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما تصح الحوالة عليه؛ لأن هذا يتعبني.
[ ١ / ٤٨٢٦ ]
وكذلك أيضًا ربما نقول: إذا كان المحال عليه يحتاج إلى سفر؛ مثل هو يطلبني هنا مئة ريال وقال: أعطني المئة، قلت: أحلتك على فلان الذي أطلبه أنا في الرياض بمئة ريال أحلتك عليه، قال: طيب، السفر ()؟
طلبة: ().
الشيخ: يكلف مئتي ريال، كيف أنا أسافر؟ قال: تقدح بفلان، قال: لا، فلان ما عنده، هو عنده مال، لكن ما هو اللي يصل إليه؟ قال: وَكِّل إنسانًا، وكَّلت إنسانًا، يقول: طيب، أنا آخذ لك المال من فلان، لكن ما أعطيك إلا تسعين، عشرة ريال أجرة للتاكس وما أشبه ذلك، عليه ضرر ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عليه ضرر، ما يلزمه القبول.
الثالث: أن يكون قادرًا ببدنه بمعنى أن يمكن محاكمته شرعًا وعرفًا أو عادةً، فإن لم تمكن محاكمته شرعًا لم يلزم قبول الحوالة؛ مثل: الأب، الأب لا تحاكمه شرعًا، ليس لك أن تحاكم أباك أبدًا، إلا فيما تتوقف عليه حياتك؛ وهي النفقة، أما غيره لو يقصد مالك يأخذه أو تسلفه فلوسًا ولا يوفيك ما تطالبه أبدًا؛ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٣).
هذا رجل أطلبه ألف ريال، قال: واللهِ، أبغي ()، لكن أنا أطلب أباك ألف ريال، أبغي أحولك على أبيك، تقول: ما أقبل، لك الحق أن تقول: ما أقبل، قال: ما تقبل أباك -أعوذ بالله- لو أحد يقول: أنا ما أقبل الحوالة على أبيك هوشته، وأنت تقول: ما أقبل الحوالة على أبي، ويش جوابه؟ قال: نعم؛ لأنك إذا أحلتني على أبي ما أستطيع أن أطالب أبي، معنى ذلك أنها ضاعت فلوسه، صح، هذا لا تمكن مطالبته أيش؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا.
لا تمكن مطالبته عادةً؛ أنت -مثلًا- في بلد تطلب إنسانًا عشرة آلاف ريال، قال: بحولك على رئيس الجمهورية، تقبل ولَّا ما تقبل؟
طلبة: لا.
الشيخ: يلزمك تقبل ولَّا ما يلزمك؟
طلبة: ما يلزم.
الشيخ: ليش ما يلزمك؟
طلبة: لا يمكن مطالبته عادةً.
الشيخ: لا يمكن مطالبته عادةً، صح ولَّا لا؟ هل يمكن تروح تشكيه على من؟
طالب: على نفسه.
[ ١ / ٤٨٢٧ ]
الشيخ: تشكوه على وزير الداخلية، وزير الداخلية ما يقدر يجيبه.
طالب: أقل منه.
الشيخ: أقل منه.
طالب: القاضي يجيبه.
الشيخ: إي، لكن من الذي يحوله على القاضي؟ مشكل. المهم الذي لا تمكن مطالبته عادة لا يلزم التحول عليه.
نعود إلى أصل المسألة: هل يشترط رضا المحتال أو لا يشترط؟
فيه التفصيل؛ إن أُحِيل على غير مليء فرضاه شرط، وإن أُحِيل على مليء فرضاه غير شرط، بناءً على أن الأمر في قوله ﷺ: «فَلْيَتْبَعْ» (١) للوجوب.
أما على قول جمهور أهل العلم -أن الأمر للاستحباب- فإن رضا المحتال شرط بكل حال؛ لأن الجمهور يرون أن اللام في قوله: «فَلْيَتْبَعْ» أن اللام للأمر الذي يُرَادُ به الاستحباب، وبناءً على ذلك فإن تحوله يشترط فيه الرضا بكل حال.
يقول: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به) (إن كان) الضمير يعود على المحال عليه، (مفلسًا) وهو ما رضي فإنه يرجع به؛ يعني مثلًا أحالني على فلان، أنا أطلب هذا الرجل مئة ريال، وأحالني على فلان، لما ذهبت إلى فلان قبلت الحوالة، ذهبت إلى فلان فوجدت الرجل فقيرًا، لي أن أرجع ولَّا لا؟ لي أن أرجع؛ لأنه تبين أنه فقير وأنا لم أعلم.
فإن علمت أنه فقير ورضيت بالحوالة عليه، ثم عجزت عن الاستيفاء، فهل أرجع ولَّا لا؟ لا؛ لأنني رضيت به؛ ولهذا قال: (ولم يكن رضي) رضي بأن يتحول على هذا الفقير، فإن رضي أن يتحول على هذا الفقير فليس له أن يرجع.
لو تعذر الوفاء فيما بعد يرجع ولَّا لا؟ ما يرجع؛ لأن الرجل رضي، والحوالة إذا تمت برئ من؟ بريء المحيل؛ ولهذا قال: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به) فإن رضي لم يرجع.
وإن قال: رضيت به إن كان مليئًا؛ قيد الرضى، رضيت به إن كان مليئًا، ثم ذهبت إليه فلم أجده مليئًا؟
طالب: فله أن يرجع.
الشيخ: فله أن يرجع.
والخلاصة الآن: أنه إذا أُحِيل على غير مليءٍ فهل له الرجوع أم لا؟
[ ١ / ٤٨٢٨ ]
نقول: إن رضي به وهو يعلم أنه غير مليءٍ فلا رجوع، وإن رضي به وهو لا يعلم فله الرجوع، وإن اشترط الملاءة فله الرجوع إن تبين أنه غير مليء.
(ومن أُحِيل بثمن مبيع) انتبهوا للمسألة هذه؛ لأن فيها معركة بيننا وبين بعض الطلبة تحتاج إلى تفهم، (من أُحِيل بثمن مبيع أو أُحِيل به عليه) هاتان صورتان؛ أُحِيل بثمن المبيع، أو أُحِيل به -أي: بثمن المبيع- عليه، صورتان.
الصورة الأولى: اشتريت منك شيئًا بعشرة، ثم أحلتني على فلان الذي تطلبه عشرة، فالآن أنا أحلت بثمن مبيع أو لا؟ أليس كذلك؟ أحلت بثمن مبيع.
أو أُحِيل بثمن المبيع عليه، عكس المسألة الأولى؛ يعني أن البائع أحال عليًّ شخصًا لتسلم ثمن المبيع، الصورة الأولى المشتري هو الذي أحال البائع، وهنا أحال البائع المشتري، هذا معنى (أُحِيل به عليه).
وأيضًا من المصلحة أن ندع هذه المسألة إلى درس جديد حتى ().
***
من أركان العقد () أن الصيغة في العقود من أركان العقد فتكون الأركان ستة، فيه محيل ومحتال ومحال عليه من الذي يعتبر رضاه؟ ().
***
(ومن أُحِيل بثمن مبيع أو أُحِيل به عليه) (أُحِيل بثمن مبيع) يعني: أن المشتري أحال البائع بالثمن، مثال ذلك: اشتريت منك كتابًا بعشرة ريالات، وأنا أطلب فلانًا عشرة ريالات، فأحلتك بثمن الكتاب على فلان، أنت الآن محال بثمن مبيع.
[ ١ / ٤٨٢٩ ]
(أو أُحِيل به عليه) أُحِيل بثمن المبيع عليه؛ يعني أن البائع أحال شخصًا يأخذ الثمن من المشتري، البائع لما باع عليَّ الكتاب بعشرة ريالات ثبت في ذمتي له عشرة ريالات، كذا ولَّا لا؟ البائع مطلوب لشخص عشرة ريالات، فقال البائع للذي يطلبه: حوَّلتك على محمد بثمن الكتاب، هذا ويش نقول؟ أُحِيل به عليه؛ يعني أُحِيل بثمن المبيع على شخص، فهنا البائع أحال فلانًا عليَّ بثمن المبيع، فهمتم الصورة؟ الصورة الأولى: من أُحِيل بثمن المبيع تكون الحوالة من المشتري للبائع على مدينٍ لمن؟ للمشتري، أُحِيل به عليه، تكون الحوالة من البائع لغريمٍ على المشتري، البائع مدين لشخص، فيحيله على المشتري هذه الصورة، أظن الصورة واضحة.
طالب: ما فهمتها.
الشيخ: ما فهمتها، اشتريت من ياسر كتابه بعشرة ريالات.
طالب: كتابه؟
الشيخ: كتابه بعشرة ريالات، ويش ثبت لك عليه؟
طالب: ثبت لي عليه عشرة ريالات.
الشيخ: عشرة ريالات، عبد الله يطلبك عشرة ريالات، فقلت لعبد الله: حوَّلتك على ياسر، الآن عبد الله أُحِيل بثمن مبيع، واضح ولَّا لا؟ هكذا ().
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، المشتري أنا أخطأت هذه الصورة الثانية، المشتري يا ياسر اشترى منك الكتاب بعشرة، كان يطلب عبد الله عشرة، فقال لك: خذ ثمن الكتاب من عبد الله، الآن أنت محال؟
طالب: على عبد الله.
الشيخ: محال إلى عبد الله في ثمن المبيع.
طالب: ثمن الكتاب.
الشيخ: اللي هو الكتاب ثمن بيع الكتاب، هذه واضحة ولَّا غير واضحة؟
طالب: واضحة.
الشيخ: أُحِيل به عليه، أنت -مثلًا- عبد الله يطلبك عشرة ريالات، وبعت الكتاب على ياسر، ثبت لك في ذمة ياسر عشرة ريالات، فقلت لعبد الله: خذها من ياسر، خذ العشرة من ياسر، فهنا عبد الله محال بثمن المبيع على ياسر.
[ ١ / ٤٨٣٠ ]
(فبان البيع باطلًا فلا حوالة) إذا تبين أن البيع باطل فلا حوالة؛ يعني تبين في المثال اللي ذكرنا أن الكتاب الذي باعه طلال ليس له، وإنما هو كتاب عبد الرحمن بن داود، صار مغصوبًا الآن ولَّا غير مغصوب؟
طلبة: مغصوب.
الشيخ: مغصوب، يصح بيع المغصوب؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يصح، إذن البيع؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل، إذا بطل البيع بطلت الحوالة؛ لأن الدين المحال به أو المحال عليه صار غير ثابت، إذا بطل الأصل بطل الفرع؛ ولهذا يقول المؤلف: (فبان البيع باطلًا فلا حوالة) السبب: لأنه لما بطل الأصل بطل الفرع، ويبقى كل إنسان على حقه؛ الصاحب الذي باع الكتاب يأخذ الكتاب، والمشتري لا يلزمه شيء، والديون اللي أُحِيل بها أو عليها باقية على ما هي عليه.
(وإذا فُسِخ البيع لم تبطل) إذا فُسِخ البيع لم تبطل؛ لأن البيع باقٍ، والفسخ باختيار المتبايعين فلا تبطل الحوالة، فاهمون؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، إذا فُسِخَ البيع لم تبطل في مثال، خلينا على المثال الأول؛ باع طلال على ياسر كتابًا بعشرة ريالات، ياسر يطلب عبد الله عشرة ريالات، فأحال ياسر طلالًا على عبد الله بالثمن، تمام الآن ولَّا لا؟
طالب: تمام.
الشيخ: زين، تبين أن الكتاب مغصوبٌ بطل البيع، تبطل الحوالة ولَّا لا؟ الآن طلال يستطيع يأخذ من عبد الله عشرة ولِّا ما يستطيع؟
طلبة: لا، ما يستطيع.
الشيخ: ما يستطيع؛ لأن الحوالة؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: بطلت، إذا فسخ البيع لم تبطل الحوالة، كيف فسخ البيع؟ يعني -مثلًا- ياسر لما اشترى الكتاب ونظر إلى الكتاب ما أعجبه، فجاء إلى طلال وقال: جزاك الله خيرًا، أنا أريد أن أفسخ البيع، فقال: أهلًا وسهلًا، أعطني الكتاب، أعطاه الكتاب، هل تبطل الحوالة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تبطل، طلال الآن يستطيع أن يأخذ الدراهم من عبد الله أو ما يستطيع؟
طلبة: يستطيع.
[ ١ / ٤٨٣١ ]
الشيخ: يستطيع؛ لأن الحوالة باقية ()، طلال الآن أخذ الكتاب، لما فسخ العقد وراح لعبد الله وأخذ عشرة ريالات الثمن، وياسر الآن ويش يسوي؟
طالب: يرجع على طلال.
الشيخ: يرجع على طلال ولَّا لا؟ يرجع على طلال، فيقول -مثلًا- ياسر لطلال () بكرة، جاءه من باكر، قال: بعد بكرة، جاءه من بعد قال: واللهِ، أنا عندي نية زيارة الأهل لمدة أسبوع، فرجع من زيارة الأهل، قال: واللهِ، عندي نية أن أصل الشام، أبغي أشوف الشام والخضر والفواكه إن كان فيه خضر وفواكه، راحت العشرة على ياسر ولَّا ما راحت؟
طالب: راحت.
الشيخ: أظن أنها راحت نشتكيه، المهم الآن الحوالة تبطل ولَّا لا؟
الطلبة: ما تبطل.
الشيخ: الحوالة لا تبطل، ومعنى قولنا: (لا تبطل) أن المحتال يجوز أن يأخذ من المحال عليه، ولكن () تمام الآن، هذا معنى قول المؤلف: (وإذا فسخ البيع لم تبطل).
قال: (ولهما أن يحيلا) هذا عاد، نشوف أيش المعنى: (لهما أن يحيلا)، إحنا قلنا الآن: ياسر رَدَّ الكتاب على طلال، طلال له أن يأخذ الحق منين؟ من عبد الله، في هذه الحال يجوز لطلال أن يحيل ياسر على عبد الله أو لا؟ له أن يحيله، يقول: تعالَ، أنا الآن ثبت لي على عبد الله بمقتضى الحوالة عشرة ريالات، أبغي أحولك عليه، هل لياسر يقول: ما أقبل؟
طلبة: لا ().
الشيخ: لا، له أن يقول، إذا كان غير مليء له أن يقول، إذا قدَّرنا عبد الله أنه افتقر -مثلًا- فله ألَّا يقبل؛ ياسر: واللهِ، أنا ما أقبل، قال: أنا قبلت الحوالة عليه في الأول، ليش أنت ما تقبلها الآن؟ قلت: واللهِ، أنت -جزاك الله خيرًا- رجل طيب، وقبلت الحوالة على معسر، وأنا رجل شحيح، ولا أقبل الحوالة على معسر، أو لا؟
إذن هذا معنى: (ولهما أن يحيلا) فهنا يحيل البائع المشتري على من أحاله عليه بالثمن، الصورة التي ذكرنا الآن يحيل البائع -اللي هو طلال- المشتري -وهو ياسر- على المحال عليه -وهو عبد الله-.
[ ١ / ٤٨٣٢ ]
الصورة الثانية تكون بالعكس، فقول المؤلف: (لهما أن يحيلا) يعني: أن هذا جائز، لكن هل يلزم لو أن -مثلًا- ياسرًا لما رد الكتاب على طلال قال له: أعطني، عد الدراهم ()، أعطني دراهمي، قال: لا، اصبر، قال: حولني على عبد الله ().
***
من الطرفين، وأظن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن كل فسخ لا يتم إلا بالتراض من الطرفين إلا برضاهم، وبناءً على هذا القول الراجح نقول: إن طلالًا يُلزم؛ إما بالتسليم، وإما بالإحالة إذا قبل، إذا قبل مَنْ؟ ياسر أن يتحول، أما المذهب يقول: (لهما) ولم يقل: يلزمهما، قال: (لهما أن يحيلا)، والصواب أنه إذا طالب من له الحق بالتحويل أو التسليم فإنه يُلْزَم بذلك، وإلا لضاعت الحقوق.
طالب: وإن لم يستلم طلالٌ من عبد الله؟
الشيخ: أنه ما استلمها، المفروض ما يستلمها؛ لأنها إذا اسْتُلِمَت فإن المحال عليه برئ، الآن يعني لو أن طلالًا استلم الحوالة قبل أن يفسخ البيع ما فيه شك، ما نرجع على المحال عليه، المحال عليه برئت ذمته.
***