ثم قال المؤلف: (باب الخيار)
[ ١ / ٤٤٦٣ ]
الخيار: اسم مصدر (اختار)، لماذا؟ يعني دائمًا يمر علينا اسم مصدر، وأحيانًا مصدر، ما الفرق بينهما؟ أن المصدر ما وافق الفعل في الحروف والترتيب، واسم المصدر، ما دل على المصدر مع عدم موافقة الفعل، هذا اسم المصدر، فمثلًا: (كلَّم- يُكلِّم- تكليمًا- كلامًا)، أيهم اسم المصدر؟ (كلامًا)؛ لأنه ما يوافق الفعل (كلَّم)، ولا (كلام)، لكن المصدر (تكليمًا)، ومثلها: (سلَّم- يُسلِّم- تسليمًا- وسلامًا) ومثلها هنا: (اختارَ- يختار- اختيارًا- وخيارًا)، خيار هنا ما يوافق الفعل.
وعلى هذا فنقول: إن الخيار اسم مصدر (اختار)، وما معنى اختار الشيء؟ أي أخذ بخير الأمرين باعتبار الواقع ولَّا باعتبار نظره؟
طالب: باعتبار نظره.
الشيخ: باعتبار نظره؛ لأن الإنسان قد يختار أحد الأمرين، وليس هو الاختيار في الواقع، فإذن الخيار معناه الأخذ بخير الأمرين، وإن كان بعضهم يُعبِّر بقوله: طلب خير الأمرين، ولكن قولنا: الأخذ هو الأولى؛ لأنه قد لا يكون هناك طالب ومطلوب، نعم، الأخذ بخير الأمرين، واعلم أن أحب شيء إلى الإنسان ما مُنع، يقولون: إن الصيد وهو يطير في الجو أشد ما يكون الصائد إليه شوقًا، فإذا رماه فوقع صار عنده زهيدًا. ويقولون: إن الملك الذي للغير تتعلق به النفس أكثر من الملك الذي عنده، أليس كذلك؟
ومن أجل هذا ثبت الخيار الذي هو القسم الأول من أقسام الخيار، وهو خيار المجلس؛ لأن الإنسان قد يشتري الشيء من صاحبه ومعه رغبة شديدة فيه، فإذا وقع في ملكه انحطت هذه الرغبة وزهد فيه، وهذا شيء مشاهَد ومجرَّب، ومن أجل هذا أثبت الشارع للمتبايعين خيار المجلس.
[ ١ / ٤٤٦٤ ]
قال المؤلف: (الأول خيار المجلس) والمجلس مكان الجلوس؛ أي الخيار الذي يثبُت للمتعاقِدين ما داما في المجلس، وهل المراد بالمجلس حقيقته أو المراد بالمجلس الاجتماع؟ يعني ما داما مجتمعين؟ الأخير هو المراد، وإنما قال الفقهاء: خيار المجلس بناء على الغالب؛ أن المتبايعين يتفرقان من المجلس، وإلا فلو قاما جميعًا من مجلس العقد ومشيا جميعًا، ولو طالت المدة فإن الخيار ثابت، لو قاما من المجلس فإن الخيار ثابت، فلو فُرِض أنهما تبايعا وهما عند الطائرة، وركبا الطائرة، وبقِيت الطائرة في الجو لمدة ساعتين أو ثلاثة يبقى الخيار ولَّا ما يبقى؟
طلبة: يبقى.
الشيخ: يبقى الخيار إلا إذا قطعه كما سيأتي، ما هو الدليل بثبوت هذا القسم من الخيار؟
الدليل قوله ﷺ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (٩) إلى آخر الحديث، فهذا هو الدليل لثبوت خيار المجلس، قال: «كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا -أي من البائع والمشتري- بِالْخِيَارِ». لكن قال: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا -يعني قبل أن يخير أحدهما الآخر- فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ». أيضًا، فبين الرسول ﵊ في هذا الحديث أن كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا.
[ ١ / ٤٤٦٥ ]
وقوله: «وَكَانَا جَمِيعًا» هذا تأكيد لقوله: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»؛ لأن معنى عدم التفرق أن يكونا جميعًا. وقوله: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» معناه: أو يجعل أحدهما الخيار لصاحبه فقط، فإن جعله لصاحبه فقط صار الخيار له وحده دون الثاني «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» فأفاد النبي ﵊ أنه يلزم بواحد من أمرين؛ إما بالإسقاط وإما بالتفرق.
والحكمة من خيار الشرط -كما قلت لكم قبل قليل- هي أن الإنسان قد يتعجل في بيع الشيء أو شرائه، ويقع ذلك منه من غير تروٍّ، فيحتاج إلى أن يُعطَى هذه الفسحة، وإنما أُعطِيَ هذه الفسحة؛ لأنه كما قلت أيضًا: إذا وقع الشيء في ملك الإنسان فإن الرغبة التي كانت عنده قبل أن يتملكه تقل، فجعل الشارع له الخيار، وهذه من حِكمة الشارع، وقد ذهب بعض أهل العلم -﵏- إلى أنه لا خيار في المجلس، وأن معنى الحديث: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا» (٩) المراد بذلك الإيجاب والقبول، وقالوا: إن المراد أن البائع إذا قال: بعت عليك هذا الشيء، فهو قبل أن يقول المشتري: قبلتُ بالخيار، إن شاء أبقى الإيجاب، وإن شاء قال: هونت، وكذلك المشتري إن شاء قال: قبلت، وإن شاء رفض، لكن هذا القول من أضعف الأقوال؛ لأنه قبل القبول هل يكون تبايع؟ لا تبايع، الرسول يقول ﵊: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ». وهنا لا تبايع، وهذا وإن كان هو المعروف من مذهب مالك؛ أعني القول بأن المراد بالتفرق التفرق بالأقوال، وأن الخيار هو هذا الزمن القصير، متى؟ ما بين الإيجاب والقبول، فنقول: إن هذا لا بيع، لم يحصل بيع حتى نقول: إنه داخل في الحديث؛ فالصواب أنهما بالخيار ما داما لم يتفرَّقا.
[ ١ / ٤٤٦٦ ]
طالب: هل للبائع أن يشترط لا خيار.
الشيخ: () (يثبت في البيع) (يثبت) الضمير يعود على أيش؟ على خيار المجلس (يثبت في البيع) والدليل؟ «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ» (٩).
قال: (والصلحِ بمعناه) ولَّا (والصلحُ بمعناه) بالجر ولا بالضم؟
طالب: بالضم.
طالب آخر: بالجر.
الشيخ: (والصلحُ) بمعنى البيع يعني؟ أو بالجر؟ بالجر يتعين الجر؛ يعني ويثبت في الصلح بمعنى البيع؛ لأن الصلح نوعان -كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصلح- صلح بمعنى البيع فله حكمه، وصلح لفك النزاع، فليس حكمه حكم البيع، مثال الصلح بمعنى البيع: ادَّعيت عليكَ أن هذا الكتاب الذي بيدك لي فأقررت قلت: نعم، هذا صحيح أنه لك، لكن أبغي أصالحك على هذا الكتاب بأن أعطيك عنه عشرة دراهم، هذا صلح، لكنه بمعنى البيع؛ لأن حقيقة هو البيع، ولهذا قال المؤلف: الصلح الذي بمعنى البيع، فأما الصلح الذي ليس بمعنى البيع كالصلح على الإنكار، فإنه لا يدخل في هذا، مثل أن تدعي عليَّ بأن هذا الكتاب الذي بيدي لك، فأقول: ليس لكَ، ثم أصالحك على الدعوى، أقول: بدل من أن يتعبني هذا الرجل كل يوم يجي () ويقول: هذا لي، خذ هذه عشرة ريالات عن دعواك، وفي أمان الله. هذا صلح، لكنه ليس بمعنى البيع؛ لأنني أنا ما أقررت أن هذا لك.
[ ١ / ٤٤٦٧ ]
(الصلح بمعناه وإجارة) (وإجارة)؛ يعني ويثبت أيضًا في الإجارة، إذا اتفقت أنا وأنت على أن أوجرك بيتي لمدة سنة بألف درهم، ما دمنا في المجلس، فلكل واحد منا الخيار، ويش الدليل؟ الدليل الحديث: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ» (٩). ووجه دلالته على ذلك أن نقول: إن الإجارة إما أن تدخل في الحديث بالشمول اللفظي، أو تدخل في الحديث بالشمول المعنوي، إن كانت الإجارة بيعًا، فهي داخلة في الشمول اللفظي، وإن كانت الإجارة بمعنى البيع، وليست بيعًا فهي داخلة بالعموم المعنوي؛ لأنه لا فرْق بينها وبين البيع، الكل منهما عقْد معاوضة، هذا بدل أجرة، وهذا بدل مُؤْجر، وهذا بذل ثمنًا، وهذا بذل مبيعًا، فكلها عقد معاوضة، فيكون الحديث شاملًا لها من حيث أو لا؟
طالب: الشمول المعنوي.
الشيخ: الشمول المعنوي. طيب الإجارة سواء كانت في الذمة أو على مدة؟ الجواب: نعم، سواء كانت في الذمة، أو على مُدَّة، وسواء كانت المدة تلي العقد أو لا تلي العقد، الكلام مفهوم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش مثال الإجارة في الذمة؟ ().
أن تبني لي بيتًا، هذه إجارة في الذمة، الإجارة على مدة: استأجرت منك البيت لمدة سنة بكذا وكذا، الإجارة اللي تلي العقد، واللي لا تلي العقد، تأتينا -إن شاء الله- في خيار الشرط؛ لأن المؤلف ذكرها هو بنفسه.
(والصرف) ويش هو الصرف؟ الصرف يعني أن الاسم ينقسم إلى قسمين: اسم منصرف، واسم غير منصرف، لا.
طالب: بيع النقد.
[ ١ / ٤٤٦٨ ]
الشيخ: (الصرف) بيع النقد بالنقد؛ يعني بيع الذهب بالفضة، هو بيع ولَّا غير بيع؟ بيع، لكنه سُمِّي بهذا الاسم الخاص لعَدِّ الدراهم والدنانير صريفًا؛ يعني صوتًا يُسمع فتميز بهذا الصوت عن بقية المبيعات، وإلا فهو بيع لا شك، بل سماه النبي ﵊ بيعًا في قوله: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» (١٠). فهو بيع، لكن له أحكام خاصة، كما سيأتي -إن شاء الله- في باب الربا والصرف؛ فلهذا نص عليه المؤلف.
(والسَّلَم) السلم مأخوذ من الإسلام، إسلام الشيء؛ يعني تسليمه، فما هو السَّلَم؟ السَّلَم هو تعجيل الثمن، وتأجيل الْمُثْمن، المعروف أن الذي يُؤجَّل غالبًا هو الثمن، ويُعجَّل الْمُثْمَن، لكن هذا يُعجَّل الثمن، ويُؤَجَّل الْمُثْمن، صورة المسألة، أو مثاله: يأتي شخص إلى آخر، ويقول: أنا محتاج إلى دراهم فأسْلِم لي دراهم بكذا وكذا من المتاع مثلًا أو من البُرِّ، أو ما أشبه ذلك، هذا جائز كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار. يسلفون من هم؟ المشترون أو البائعون؟ وهم يُسْلِفون في الثمار. أيهم اللي يسلف البائع ولَّا المشتري؟
طلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري إي نعم، المشتري يا إخوان، من اللي يسلف ويقدم؟ المشتري يُسلفون في الثمار، السنة والسنتين، فقال النبي ﷺ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (١١)، فإذن الإسلاف والإسلام يكون من المشتري.
السَّلَم إذن بيع ولَّا لا؟ بيع، لكن له أحكام خاصة كما سيأتي -إن شاء الله- في بابه؛ فلهذا نص عليه المؤلف.
[ ١ / ٤٤٦٩ ]
يقول: (دون سائر العقود) سائر العقود ما فيها خيار مجلس، النكاح فيه خيار مجلس؟ إذا قال الزوج: هونت في مجلس العقد، ويش نقول؟ نقول: طلِّق، لكن إذا قالت الزوجة: هونت، أو أبو الزوجة في نفس المجلس؟
طالب: الزوجة ().
الشيخ: أن الإنسان لا يقدم عليه إلا عن تروٍّ ونظر وبحث، لا الزوج ولا الزوجة، ثم إنه ليس معاوضة مالية، صحيح أن فيه عاقد ومعقود عليه، وفيه -على القول الراجح- مهر، والصحيح أن المهر ركن في النكاح، وأن النكاح لا يصلح بدون مهر، لكن يعني لو شُرط عدمه، فإن النكاح ما يصح، أما لو سُكِت عنه فالنكاح يصح بمهر المثل.
أقول: النكاح ما يصح، ما فيه خيار مجلس، المساقاة، تعرفون المساقاة؟ المفالحة، أنا عندي حائط نخل، فأعطيته هذا الرجل بجزء من ثمره لمدة ثلاث سنين، أربع سنين، عشر سنين، حسب ما نتفق عليه، هذا لا خيار فيه، ليس فيه خيار، لماذا؟ على المذهب يرون أن عقد المساقاة عقد جائز، ما هو لازم، وإذا كان عقدًا جائزًا فإننا نستغني بجوازه عن الخيار؛ لأنه متى شاء فسخه، العقد الجائز هو الذي متى شاء العاقد فسخه، فإذا كان عقدًا جائزًا فلا حاجة أن نقول: فيه الخيار؛ لأنه حتى لو تفرقا من المجلس فالخيار باقٍ، عرفتم؟
لكن في المسألة قول آخر -يأتينا إن شاء الله في باب المساقاة- أن المساقاة عقد لازم.
[ ١ / ٤٤٧٠ ]
طيب الوكالة؟ رجل وَكَّل شخصًا أن يبيع له شيئًا في نفس المجلس، هل لهما الخيار؟ لا خيار، لماذا؟ لأنه عقد جائز، فيُستغنى بجوازه عن الخيار في المجلس؛ لأن لكل منهما أن يفسخ هذا العقد ولو كان بعد المجلس، وعلى هذا فيُمكن أن نتخذ من ذلك قاعدة، وهي أنه لا خيار في العقود الجائزة، كل عقد جائز؛ فإنه ليس فيه خيار مجلس، لماذا؟ لأنه يُستغنى بجوازه عن الخيار، ما دام أنك لك أن تفسخ هذا العقد ولو بعد التفرق، ما حاجة أن نقول: فيه خيار مجلس؛ لأن معنى قولنا: خيار مجلس أنه بعد المجلس لا خيار، وهذا العقد الجائز فيه الخيار دائمًا دون سائر العقود.
ثم قال المؤلف: (ولكل من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا) نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع ().
شُرع، والحكمة الثانية: لماذا لم يكن طويلًا كاليومين والثلاثة؟ عرفتم؟ الحكمة الأولى: قلنا: لأن الإنسان قبل أن يملك الشيء تتعلق به نفسه تعلقًا أكثر، فإذا ملكه زالت تلك الرغبة، فشُرع له الخيار، ولم يكن طويلًا لانتفاء الضرر نفيًا للضرر ().
أن يترتب عليه مقتضاه بمجرده؛ بمجرد ما يحصل العقد يترتب مقتضاه، خُولف في البيع لورود النص فيه، فيبقى ما عداه على الأصل؛ يعني تعليل في ذلك، فيقال في ذلك التعليل: بقية العقود؛ إما جائزة أو لازمة، إن كانت جائزة فليس فيها خيار مجلس استغناءً بجوازها عن خيار المجلس، وما المراد بالجائزة؛ هنا يعني اللي ليست حرامًا؟ الجائزة ما ليست لازمة.
وإن كانت لازمة لكنها غير معاوضة، فالتعليل أن نقول: الأصل في العقد ترتُّب مقتضاه عليه بمجرده، خُولِف في البيع لورود النص به، فيبقى ما عداه على الأصل، المؤلف ﵀ ذكر أنه يثبت في الإجارة ().
[ ١ / ٤٤٧١ ]
(لكل من المتبايعين الخيار) (لكل من المتبايعين) وهما البائع والمشتري، وسُمِّيا متبايعين؛ لأن كل واحد منهما يمد باعه إلى الآخر بتسليم ما انتقل عنه، البائع يمد يده لتسليم الْمُثْمَن، والمشتري يمد يده لتسليم الثمن، وكذلك لاستلام ما آل إليه.
يقول: (الخيار ما لم يتفرقا عُرْفًا بأبدانهما) (ما لم) هذه (ما) يسمونها مصدرية ظرفية -يعني مدة عدم- تُقدَّر بمدة لتكون ظرفية، وتُؤوَّل إلى مصدر لتكون مصدرية؛ يعني مدة عدم تفرقهما، كلمة عدم غير موجودة بالكتاب، لكنها مفهومة منين؟ من النفي (لم) (ما لم يتفرقا)، أي مدة عدم تفرقهما، يعني ما لم يتفرقا عُرفًا بأبدانهما، فجعل المؤلف التفرق عائدًا إلى العرف؛ لأن عند أهل العلم قاعدة ينبغي للإنسان أن يعرفها، وهي أن ما ورد مطلقًا في النصوص، وليس له حد شرعي، فإنه يُرجع فيه إلى العرف، وقد أنشدتكم من قبل بيتًا في هذا وهو:
وُكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ
بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
كل شيء يأتي بالشرع مطلقًا ما حُدِّد فإنه يُرْجع فيه إلى العرف؛ فالنبي ﵊ يقول: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (٩). ولا عيَّن نوع التفرق، فيُرجع في ذلك إلى العُرْف، ولهذا المؤلف يقول: (ما لم يتفرقا عُرْفًا) (عُرْفًا) يعني حسب العادة التي عند الناس (بأبدانهما) نص على قوله: (بأبدانهما)؛ لأن بعض أهل العلم يرى أن المراد التفرُّق بالأقوال، أعرفتم؟
وقد سبق لنا بيان ذلك، فالصحيح أن المراد التفرق بالأبدان (ما لم يتفرقا عرفًا بأبدانهما) فإن تفرقا بأبدانهما وجب البيع؛ لقول النبي ﵊: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (٩) «وَجَبَ» بمعنى؟ ثبت ولزم.
وقوله: (ما لم يتفرقا عرفًا) هل يجوز للإنسان أن يُفارِق صاحبه لإسقاط خياره؟
[ ١ / ٤٤٧٢ ]
الجواب: لا، لا يجوز، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» (١٢).
ما يجوز أن الإنسان من يوم باعه قال: خلاص، مشينا في أمان الله، وراح يركب علشان ما يهون، ومن ذلك ما يفعله بعض الناس -نسأل الله العافية- فيما إذا اشترى شِقْصًا من شخص؛ يعني نصيبًا من ملك، فإن الشريك له حق الشفعة، تدرون ما هي الشفعة؟
الشفعة أنا وأنت مشتركان في عقار، لك نصفه، ولي نصفه، فبعت نصفه على شخص، فلك أنت يا شريكي أن تأخذ هذا الذي أنا بعتُ من الذي اشتراه قهرًا بثمنه. عرفتم؟
بعض الناس إذا اشترى الشقص من هذا المشترك من يوم يتم العقد يقول: قد وقَّفت هذا الشرك، وقفته يعني سبَّلته، سبلت هذا الشيء؛ لأجل أن يُبطل حق الشريك في الشفعة؛ لأنه إذا وُقِّف ما عاد يؤخذ بالشفعة. العلماء -﵏- قالوا: هذا حرام، ويحرم التحيل لإسقاط الشفعة، فإن فعل لم تسقط الشفعة، وبطل الوقف، هذا أيضًا لا يحل للإنسان أن يفارقه خشية أن يستقيله، أما لو فارقه؛ لأنه انتهى العقد، ويريد يذهب إلى أهله، فإن هذا لا بأس به، الأعمال بالنيات، وليست بصورها.
قال: (وإن نفياه أو أسقطاه سقط) (نفياه أو أسقطاه) (نفياه) قبل ثبوته (أو أَسْقطاه) بعد ثبوته، هذا الفرق بين النفي والإسقاط؛ مثال النفي: أن يقول بِعتكَ هذا الشيء على ألا خيار بيننا، الآن نُفِي قبل الثبوت؛ لأنه نفي في صلب العقد، فإذا نفياه على ألا خيار بينهما، أو قال: بعتك هذا على ألَّا خيار لك، أنت فقط، فإن الخيار ينتفي عمن نُفِيَ عنه.
(أو أسقطاه) كيف أسقطاه؟ يعني بعد ثبوته؛ يعني بعد أن باع عليه الشيء قد ثبت الخيار الآن، فأسقطاه، كيف أسقطاه؟ يعني قالتا: ألغينا الخيار بيننا بيجوز ولَّا لا؟ يجوز، لماذا؟ لأن الحق لهما، والشارع إنما شرع خيار المجلس لمصلحة المتعاقِدَيْن، فإذا أسقطاه برضاهما جاز وسقط، الدليل؟
[ ١ / ٤٤٧٣ ]
الآن علَّلنا؛ لأنه من حقهما، لكن ما هو الدليل؟ الدليل حديث ابن عمر اللي أشرنا إليه قبل قليل: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (٩). فهذا دليل على أنه إذا أسقط أحدهما خيار صاحبه، أو أسقطاه جميعًا سقط.
(وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر) إذا أسقطه أحدهما، يعني قال: أسقطت خياري، يبقى خيار الآخر، وإن أسقط أحدهما خيار صاحبه يسقط ولَّا لا؟
طالب: برضا الآخر.
الشيخ: لا، بدون رضاه، تبايعا، ثم قال: أسقطت خيارك.
طالب: لا يسقط.
الشيخ: ما يسقط؟ لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن الحق له، ولهذا قال المؤلف: (وإن أسقطه أحدهما) يعني عن نفسه (بقي خيار الآخر) وإن أسقطاه جميعًا كما في أول الكلام سقط.
(وإذا مضت مدته لزم البيع). قول المؤلف: (وإذا مضت مدته) توهم طالب العلم أن خيار المجلس له مُدَّة معينة، إذا مضت بطل، ولكن هذا ليس مُرادًا للمؤلف، بل مُرادُه إذا كان التفرق، فإن التفرق معناه إنهاء المدة.
لَزِمَ الْبَيْعُ.
الثاني: أن يَشترطاهُ في الْعَقْدِ مُدَّةً مَعلومةً، ولو طويلةً وابتداؤُها من العَقْدِ، وإذا مَضَتْ مُدَّتُه أو قَطَعَاهُ بَطَلَ ويَثْبُتُ في البيعِ، والصلْحُ بمعناه، والإجارةُ في الذِّمَّةِ أو على مُدَّةٍ لا تَلِي الْعَقْدَ، وإن شَرَطَاهُ لأَحَدِهما دونَ صاحبِه صَحَّ، وإلى الغَدِ أو الليلِ يَسْقُطُ بأَوَّلِه، ولِمَنْ له الْخِيارُ الْفَسْخُ ولو مع غَيْبَةِ الآخَرِ وسَخَطِه، والْمِلْكُ مُدَّةُ الخيارَيْنِ للمُشْتَرِي،
*
[ ١ / ٤٤٧٤ ]
وله نَماؤُه الْمُنْفَصِلُ وكَسْبُه، ويَحْرُمُ ولا يَصِحُّ تَصَرُّفُ أحَدِهما في الْمَبيعِ وعِوَضِه الْمُعَيَّنِ فيها بغيرِ إذْنِ الآخَرِ بغيرِ تَجرِبَةِ الْمَبيعِ إلا عِتْقُ الْمُشْتَرِي، وتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فَسْخٌ لخِيارِه، ومَن ماتَ منهما بَطَلَ خِيارُه.
الثالثُ: إذا غُبِنَ في الْمَبيعِ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العادةِ، وبزيادةِ الناجِشِ، والمستَرْسِلِ.
الرابعُ: (خيارُ التدليسِ) كتَسويدِ شَعْرِ الجاريةِ وتَجعيدِه، وَجَمْعِ ماءِ الرَّحَى وإرسالِه عندَ عَرْضِها.
وقوله: (لزم البيع) يعني لا خيار لأحدهما الآن؛ اللهم إلا أن يكون هناك سبب آخر يقتضي الخيار كما يُعْلم من أقسام الخيار الباقية.
وعُلِم من قول المؤلف: (لزم البيع) أن البيع من العقود اللازمة، وهو كذلك؛ فإنه من العقود اللازمة، والعقود ثلاثة أنواع: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف دون الآخر؛ اللازم من الطرفين: لا يمكن فسخه إلا برضاهما، أو بسبب آخر شرعي، والجائز من الطرفين يجوز فسخه برضاهما أو بغير رضاهما من الطرفين؛ حتى لو لم يرضَ الآخر، واللازم من طرف دون طرف يجوز في الطرف الجائز في حقه دون الآخر.
مثال اللازم من الطرفين: البيع. مثال الجائز من الطرفين: الوكالة جائزة من الطرفين؛ فإذا وكلتك أن تبيع لي هذا الشيء، فلك أن تفسخ الوكالة، ولي أن أفسخ الوكالة. اللازم من أحد الطرفين: كالرهن، الرهن لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن.
لا ما هو عكس، فالمرتهن له الحق، الحق له لو شاء لفسخ الرهن، والراهن الحق عليه، فلا يمكن أن يفسخه، مثال ذلك: أعطيتك هذا الجهاز رهنًا، أنا راهن وأنت مُرتهِن، بالنسبة لك أنت، يجوز أن تفسخ الرهن، بالنسبة لك أنت أيها المرتهن يجوز؛ لأن الحق لك، لكن بالنسبة لي لا يجوز.
فإذن أقسام العقود ثلاثة، أو أنواعه ثلاثة: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف واحد.
[ ١ / ٤٤٧٥ ]
(الثاني) يعني القسم الثاني من أقسام الخيار (أن يشترطاه في العقد مدة معلومة)، قال المؤلف: (أن يشترطاه) الفاعل هنا يعود على مَنْ؟ البائع والمشتري، يعني لا بد أن يكون الشرط من البائع والمشتري؛ فلو تبايعتُ أنا وأنت، واشترط واحد آخر الخيار، فهل ينفع؟
طالب: لا.
الشيخ: ما ينفع، لا بد أن يكون شرط الخيار للمتعاقدين. وهذا القسم دل عليه قول النبي ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (١).
فمفهوم هذا الحديث: كل شرط في كتاب الله فهو صحيح. وفيه أيضًا حديث آخر على سبيل المنطوق، وهو قوله ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٢). وربما يُستدل أيضًا على ذلك من القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. لأن الأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بالعقد وبما يُشترط فيه؛ لأن الشروط اللي في العقد أوصاف في العقد أو لا؟
فإذا كانت أوصافًا فيه، فإن الأمر بالوفاء بالعقد يتضمن الأمر بالوفاء بها، إذن: اشتراط الخيار لمدة جائز بمقتضى هذه النصوص، فإن قلت: إن هذا قد يمانع فيه من يمانع، ويقول: إن هذا الشرط ليس في كتاب الله؛ لأن هذا الشرط يستلزم أن يكون العقد اللازم عقدًا جائزًا؛ لأنه في مدة الخيار لو في شهر مثلًا، فلكل منا أن يفسخ؛ فهذا يكون منافيًا لمقتضى العقد فيكون باطلًا.
[ ١ / ٤٤٧٦ ]
لو قال قائل هذا، فإن جوابنا على ذلك أن نقول: إن النبي ﷺ أجاز للمتعاقدين إسقاط خيار المجلس، وفي إسقاط خيار المجلس تنقيص للمدة التي يكون العقد فيها جائزًا، هذا أيضًا فيه زيادة المدة التي يكون فيها العقد جائزًا، ولا فرق بين الزيادة وبين النقص، بل قد يُقال: إن الزيادة أرفق بالمتعاقدين من قطع ما هو لهما، فيكون حينئذٍ خيار الشرط جائزًا بمقتضى دلالة الكتاب والسُّنة على ذلك، ولكن يقول المؤلف: (أن يشترطاه في العقد) و(في) للظرفية، بمعنى في صلب العقد، فيقول: بعتُك هذا الشيء على أن لنا الخيار لمدة كذا وكذا، فإن شرط الخيار بعد الإيجاب والقبول -يعني بعد أن قال: بعت واشتريت- فهل يثبت أو لا؟
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يثبت، وأنه لا بد أن يكون شرط الخيار في صلب العقد، ولكن غير المؤلف ﵀، قالوا: إنه يجوز شرْط الخيار في صلب العقد، ويجوز شرطه أثناء خيار المجلس؛ لأن حال الخيار كحال العقد، حال خيار المجلس كحال العقد، فيجوز مثلًا وهما جالسان بعد البيع أن يشترط أحدهما أو كلاهما، يشترط أيش؟ خيار الشرط، فيقول: مثلًا الآن ترانا نريد أن نضع خيار شرط بيننا لمدة شهر أو سنة أو أسبوع أو ما أشبه ذلك.
يقول المؤلف ﵀: (مدة معلومة)، أفادنا أنه لا بد أن تكون معلومة، فإن كانت مجهولة فإنها لا تصح، لا يصح الشرط؛ مثل أن يقول: على أن لي الخيار حتى أشتري بيتًا، بيدوَّر بيت إن وجد بيتًا أمضى البيع، وإن لم يجد البيت فسخ البيع، هذه مصلحة مقصودة لا شك فيها، لكن فيها جهالة؛ لأن وجود البيت، هل يتحدد بمدة؟ يمكن يجد البيت بعد شهر، يمكن ما يجده إلا بعد سنة.
طالب: ().
الشيخ: بس، تزيد الأسعار وتنقص، نخليه ().
الطالب: ().
الشيخ: إي، ما عندك فلوس يعني.
المهم على كل حال المدة مجهولة، وإذا كانت المدة مجهولة دخل ذلك في الغرر، وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر (٣).
[ ١ / ٤٤٧٧ ]
ولأن المدة مجهولة يحصل فيها نزاع، كل واحد تجده يقول مثلًا: يلَّا نشتري بيت مثلًا، يلا نجز، ويحصل فيها نزاع وخصومة، وكل شروط أو عقود تستلزم ذلك فإنها ملغاة في الشرع.
فإن شرط إلى مُدَّة مجهولة، وتبايعا على ذلك، وقلنا بأن هذا الخيار فاسد، فهل لمن فات غرضه الخيار؟ نعم، سبق لنا في (باب الشروط في البيع) أن كل شرط فاسد لا يُفسد العقد، فإن من اشترطه فله الخيار إذا فات عليه.
قال المؤلف: (ولو طويلة) لو كانت المدة طويلة. وظاهر كلامه: (ولو طويلة) حتى فيما لا يَبقى تلك المدة، فلو اشتريت منك شحنة حبحب تعرفون الحبحب؟ الجح.
طالب: البطيخ.
الشيخ: لا، البطيخ عام، اشتريت وقلت لي: على أن لنا الخيار لمدة ستة أشهر، ويش تقولون؟ كلام المؤلف يقول: (ولو طويلة) ما قيَّده، ما قال: إلا أن يُخشى فساد المعقود عليه، قال: (ولو طويلة) يصح هذا ولَّا لا؟ على كلام المؤلف يصح.
ولكن ماذا نعمل؟ نخلي الشحنة لمدة ستة أشهر؟ لا.
يقولون: إذا خاف فسادها تُباع، ويُحفظ الثمن، وشاف هذا يهون أو ما يهون. أعتقد أنه إن باعها بأقل من الثمن يبغي يهون، وإن باعها بأكثر يبغي يهون البائع أو لا؟
ولهذا قال بعض الأصحاب ﵏: إنه إذا كانت المدة الطويلة يُخشى منها فساد المعقود عليه، فإنها لا تصح، وهذا القول له وجه أن الذي يُخشى فسادُه ما يمكن أن يُضرب له مدة يفسد فيها؛ لأن هذا شبه تلاعب. قال ..
طالب: لماذا ترك ()؟
الشيخ: لماذا أيش؟
الطالب: نية المتعاقدين ما تكلم عليها مع أنه مهم جدًّا؟
الشيخ: ويش النية؟
الطالب: مثل لو شرط شرطًا ().
الشيخ: أن؟
الطالب: ().
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: هذا ذكروه، بعضهم قال: لا بأس، ويحفظ الثمن إن فُسخ البيع فهو للبائع، وإن لم يفسخ فهو للمشتري، وبعضهم قال: ما يصح.
طالب: ().
الشيخ: هذا تقدم لنا في باب الشروط في البيع.
[ ١ / ٤٤٧٨ ]
يقول: (وابتداؤها من العقد) ابتداء المدة من العقد، وعلى هذا فيجتمع في المجلس كم خيارًا؟ خياران؛ خيار المجلس الثابت بأصل الشرع، وخيار الشرط، ولا مانع من أن تتعدد الأسباب على مسبب واحد.
وقال بعض أهل العلم: ابتداؤها من التفرق من المجلس، وعللوا ذلك بأن خيار المجلس ثابت بالشرع لا بالشرط، وينبني على الخلاف: ما لو قلت: بعتك هذا الشيء على أن لنا الخيار لمدة ثلاثة أيام، وبقينا في المجلس لمدة نصف يوم؛ فعلى القول بأن ابتداءها من العقد إذا مضى يومان ونصف من التفرُّق انتهى الأجل. وعلى القول بأن هناك تفرقًا، إذا مضى يومان ونصف لم ينتهِ حتى يأتي النصف الأخير. هذا مما يترتب على الخلاف، ولكن المؤلف يرى أن ابتداءها من العقد، وأنه لا مانع من أن يجتمع سببانِ للخيار.
(وإذا مضت مدته أو قطعاه بطل) (إذا مضت مدته) يعني مدة الخيار. (أو قطعاهُ) أيش معنى قطعاه؟ يعني أسقطاه؛ فإنه يبطل، يعني ينتهي، المراد بالبطلان هنا الانتهاء.
فإذا قُدِّر أنهما تبايعا على أن يكون الخيار لهما لمدة عشرة أيام، وبعد مُضيِّ خمسة أيام اتفقا على إلغاء الشرط، وأسقطاه، يجوز ولَّا لا؟ ويسقط الشرط؛ لأن الحق لهما، فإذا رضيا بإسقاطه فإنه يسقط، كما أن ابتداءه بهما، فإن إنهاءه بهما أيضًا.
قال: (ويثبت في البيع والصلح بمعناه، والإجارة بالذمة، أو على مدة لا تلي العقد) شوف الآن المؤلف ﵀، خيار الشرط يوافق خيار المجلس في بعض الأمور ويخالفه في بعض الأمور.
قال: (يثبت في البيع) يوافق خيار المجلس ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، (والصلح بمعناه) كذلك يوافقه، وما هو الصلح بمعنى البيع؟
طالب: أن يصالح على الإقرار.
الشيخ: نعم، أن يصالح على الإقرار، مثل؟
الطالب: يقول: هذا الكتاب لي، وأقول: نعم، أعطيك عشرة ريالات.
الشيخ: نعم، أصالحك عليه بعشرة ريالات، هذا الصلح بمعنى البيع.
[ ١ / ٤٤٧٩ ]
يثبت (الصلح بمعناه)، ويثبت (في الإجارة في الذمة، أو على مدة لا تلي العقد) يثبت في الإجارة في الذمة يوافق خيار المجلس؟
طلبة: الإجارة.
الشيخ: بس بعضكم الظاهر ما يدري ويش الإجارة بالذمة والإجارة على مدة؟
الإجارة في الذمة: أن تكون على عمل مثلًا، أجَّرتك على أن تبني لي هذا الجدار؛ هذه إجارة الذمة، أجرتك على أن تخيط لي هذا الثوب؛ هذه إجارة الذمة؛ يثبت فيها خيار المجلس وخيار الشرط ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، (أو على مدة لا تلي العقد)، يعني يثبت في الإجارة على مدة كما لو استأجرتك لمدة عشرة أيام، لكن بشرط أن لا تلي العقد، ولو قال المؤلف: أو على مدةٍ ابتداؤها بعد انتهاء الخيار لكان أوضح. هذا يخالف المجلس ولَّا خيار المجلس.
طالب: يخالف.
الشيخ: هذا يخالفه؛ لأن خيار المجلس يثبت في الإجارة على المدة مطلقًا، أما خيار الشرط فإنما يثبت في إجارة المدة بشرط على رأي المؤلف، ألا تلي العقد، والمراد بالشرط أن يكون ابتداء المدة بعد انتهاء زمن الخيار.
وقوله: (على مدة لا تلي العقد) عُلِم منه أنه إذا كان على مدة تلي العقد صحَّ فيها خيار الشرط، وخيار المجلس أيضًا، فصارت الإجارة الآن إن كانت على عمل بالذمة ثبت فيها الخياران، إن كانت على مدة تلي العقد ثبت فيها الخياران، إذا كان على مدة تلي العقد، إذا كان على مدة لا تلي العقد ثبت فيها خيار المجلس دون خيار الشرط.
الآن نضرب مثلًا للمدة التي تلي العقد، والمدة التي لا تلي العقد: أجَّرتك بيتي هذا سنةً بألف درهم من الآن، هذه إجارة على مدة، تلي العقد، هل يجوز أن أجعل فيها خيار الشرط؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يا إخوان، مدة تلي العقد.
طلبة: يجوز.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: أو على مدة تلي العقد، ولا يقول: لا تلي العقد.
طالب: تلي العقد.
طالب آخر: ().
[ ١ / ٤٤٨٠ ]
الشيخ: الخيار يثبت في مدة لا تلي العقد، يثبت الخياران إذا كان في مدة لا تلي العقد، أما إذا كان تلي العقد فيثبت فيها خيار واحد، وهو خيار المجلس.
الآن نعود إلى المثال لنصحِّح فنقول: هذا رجل آجَر شخصًا بيته لمدة سنة بألف درهم من الآن، فيها خيار مجلس؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيها خيار مجلس؟ فيها خيار شرط؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما فيها خيار شرط.
طالب: على قول المؤلف.
الشيخ: على قول المؤلف، وعلى قول غير المؤلف، نشوف الآن، هذه المسألة، لماذا؟
الآن لو قلت: أجَّرتك بيتي لمدة سنة بعشرة آلاف على أن لنا الخيار شهران، هذا الشهر الذي يمضي، ما ندري هل يكون لصاحب البيت، أو يكون للمستأجر؛ لأنه إن بقِيت الإجارة صار لمن؟ صار للمستأجر، وإن فُسخت الإجارة صار لصاحب البيت، وحينئذٍ تكون هذه المدة اللي فيها الخيار ما يُعلم لمن هي، ولَّا لا؟
ما ندري لأنه إن فسخت الإجارة صارت لمن؟ لصاحب البيت، وإن لم تفسخ فهي للمستأجر، فكان الأمر الآن مترددًا بين أن تكون الإجارة في مدة الخيار للمؤجر أو للمستأجر، وهذا يؤدي إلى الغرض، وما أدى إلى الغرض فهو باطل.
أما إذا كانت المدة لا تلي العقد، والمثال لها كما يلي: أجَّرتك بيتي هذا سنةً تبتدئ من شوال على أن لنا الخيار لمدة عشرة أيام، ويش تقولون؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: ().
الشيخ: الآن إحنا كم في الشهر؟
طالب: اليوم ثلاثة عشر.
الشيخ: ما هو بثلاثة عشر؟ طيب قلت: أجَّرتك بيتي لمدة سنة بألف درهم تبتدئ من شوال على أن لي الخيار لمدة عشرة أيام، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ يجوز هذا؛ لأن مدة الخيار تنتهي قبل ابتداء مدة الإجارة ولَّا لا؟ أليس كذلك؟ المدة التي بين العقد وبين ابتداء مدة الإجارة لمن؟
طلبة: لصاحب البيت.
الشيخ: نعم، لصاحب البيت، مُتيقَّن ولا مشكوك فيها؟
طالب: متيقَّن.
[ ١ / ٤٤٨١ ]
الشيخ: متيقَّن، ولهذا صح الشرْط؛ لأن ابتداء مدة الإجارة بعد انتهاء مدة الخيار، ولهذا أنا قلت لكم: لو قال المؤلف: أو على مدة لا تبتدئ إلا بعد انتهاء مدة الخيار؛ لأن قول المؤلف: (أو على مدة لا تلي العقد) ليس على ظاهره، لو أردنا على ظاهره نشوف؛ لو قال: أجَّرْتك بيتي هذا لمدة سنة، ابتداؤها من الخامس والعشرين من رمضان، ونحن الآن في سبعة عشر من رمضان، هل تلي العقد المدة ولَّا لا؟ على أن لي الخيار لمدة عشرة أيام.
طالب: تلي العقد.
الشيخ: أسالكم الآن، لا يا أخي، المدة لا تلي العقد أو لا؟ فلو أخذنا بظاهر كلام المؤلف لقلنا: إن شرط الخيار هذا صحيح؛ لأن المدة لا تلي العقد، وأنا شرطت الخيار في مدة لا تلي العقد.
طلبة: ().
الشيخ: ما نقول: نظر المغشي عليه من الموت.
الآن انتبه! أجَّرتك بيتي لمدة سنة، ابتداؤها من الخامس والعشرين من رمضان، هذا صحيح، تبدأ المدة من الخامس والعشرين من رمضان على أن لي الخيار لمدة عشرة أيام.
طالب: من الآن ولَّا؟
الشيخ: من الآن من سبعة عشر، شوف المدة تلي العقد ولَّا لا؟ مدة الإجارة.
طالب: ما تلي العقد.
الشيخ: ما تلي العقد، فظاهر كلام المؤلف أن هذا الشرط صحيح؛ لأننا شرطنا خيارًا في إجارة على مدة لا تلي العقد، أو لا يا إخوان؟
طلبة: تلي العقد.
الشيخ: زين، وهل هذا صحيح؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن مدة الخيار تمتد إلى ما بعد ابتداء مدة العقد، والمحظور ما زال موجودًا، وعلى هذا فالعبارة السليمة أن نقول: أو على مدة لا تبتدئ إلا بعد انتهاء زمن الخيار، لتكون العبارة مُحكَمة، وهذا مراد المؤلف بلا شك، هذا مراده أن يكون خيار الشرط في إجارة على مُدَّة لا تبتدئ إلا بعد انتهاء زمن الخيار.
إذا قلت لهذا العامل: أريد أن تبني لي هذا الجدار بعشرة ريالات، ولي الخيار إلى الليل إحنا الآن الضحى، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟
طالب: قبل العرْض هذا.
[ ١ / ٤٤٨٢ ]
الشيخ: لا يا أخي، ما هو على مدة هذا، الإجارة في الذمة جائزة بكل حال، ما استأجرتك لمدة معينة، استأجرتك لعمل معين، هذا جائز أو لا؟
استأجرت منك بيتك لمدة سنة، فهمت؟ تبتدئ من الآن، ولكن لي الخيار لمدة عشرة أيام، ويش تقول؟
طالب: غير جائز يا شيخ.
الشيخ: تقليدًا، أقول: قلتها تقليدًا ولا قلتها عن اقتناع؟
الطالب: يقينًا.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟
الطالب: المؤلف يقول: دليل عام.
الشيخ: هو ما يصح، هذا صحيح، هذا كلام المؤلف، لكن تعليل كلام المؤلف؛ لأن كلام المؤلف ما هو بنص شرعي نقبله، إذا لم يذكر له دليلًا أو تعليلًا قلنا: ما نقبل منك، من يُعلِّل؟
طالب: لأن هذه الْمُدَّة المطلوبة ().
الشيخ: العقد فإنها تُقوَّم بأُجرة الْمِثل على المستأجر، وإذا لم يُفسخ العقد فهي بالأجرة، يمكن قد يقول قائل هذا، وهو الصحيح؛ ولذلك الصحيح أنها تصح في الإجارة حتى على مدة تلي العقد، فإن أبقى العقد فإن الأجرة بقيت كما هي، وإن فسخاه، فإن على المستأجر أجرة المثل في هذه المدة، الله يعين على تصورها وتصويرها.
طالب: واضحة.
الشيخ: واضحة؟ أجَّرتك بيتي لمدة سنة، ابتداؤها من الآن بألف ومئتي درهم، كم الشهر؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة درهم، الشهر مئة درهم على أن لي الخيار لمدة شهر، مضى الشهر ما فسخنا الإجارة، كم يلزم المستأجر؟
طلبة: ألف ومئتان.
الشيخ: كم يلزم من الأجرة؟
الطلبة: ألف ومئتان.
الشيخ: ألف ومئتان، ما اتفقنا عليه؛ يعني بقيت الإجارة على ما هي عليه؛ لأننا ما فسخناها. طيب على أن لي الخيار لمدة شهر، لكن لما مضى من الشهر خمسة عشر يومًا فسخناه، فسخت الإجارة، كم أستحق من الأجرة بالنسبة لما عقدنا عليه؟
طالب: خمسين درهمًا.
[ ١ / ٤٤٨٣ ]
الشيخ: خمسين درهمًا، لكنها في الحقيقة الخمسة عشر اليوم هذه تساوي مئة درهم؛ لأن الوقت وقت موسم، وهذا الرجل استأجر الدكان لمدة سنة على أن له الخيار لمدة شهر، وانقضى الموسم، قال: ما أنا مستفيد من هذا الدكان هونت، نقول: خمسة عشرة اليوم، ما نأخذ منك خمسين ريالًا فقط، كم نأخذ؟
طالب: مئة.
الشيخ: مئة؛ لأن أجرة الْمِثل في الخمسة عشر يومًا هذه مئة. اتضح الآن ولَّا ما اتضح؟ يقينًا؟ تصور هذا ().
على مدة تلي العقد فيها قولان: المذهب؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، والعلة كما سمعتم.
طالب: ().
الشيخ: هو التغرير؛ لأن ما ندري هل المدة تكون للمؤجر ولا للمستأجر؟ والقول الثاني: أنها تصح، ولكنها إن استمر العقد فهو على ما اتفق عليه من الأجرة، وإن فُسخ فإنه يُنظر إلى أجرة المِثل في المدة التي فاتت.
طالب: المستأجر قد ما يستفيد من البيت يعني.
الشيخ: قد إيه ()؟ أن الخيار فيها ما هو إلا تأكيد فقط، والإنسان له الخيار فيها مطلقًا، لكن الهبة والوقف والرهن، العقود اللازمة هذه عند شيخ الإسلام يجوز فيها الخيار حتى النكاح.
وقد مر علينا أظن في النكاح، وذكرنا أن كلام الشيخ له وجه في بعض الأحوال، كما لو قالت المرأة مثلًا: زَوَّجوه على أن لي الخيار إذا ما صلح لي الجلوس مع أهلك فأفسخ النكاح، ذكرنا أن هذا جائز. طيب رجل ().
(إن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح) (إن شرطاه) عندنا فيه ضميران: ضمير الفاعل، وضمير المفعول، ضمير الفاعل يعود على مَنْ؟ المتبايعان، وضمير المفعول لخيار الشرط.
(إن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح) مثل أن يقول البائع: بعتك هذا البيت على أن لي الخيار لمدة شهر، فيقول المشتري: قبِلت، أو يقول البائع: بعتُك هذا البيت، فيقول المشتري: قبلتُ على أن لي الخيار لمدة شهر، هذا أيضًا جائز، ويش الدليل؟
[ ١ / ٤٤٨٤ ]
الدليل على ذلك: قول النبي ﵊: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٢). وفي حديث ابن عمر: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» (٤). فهذا هو الدليل على أنه يجوز أن ينفرد أحد المتبايعين بالشرط.
قال: (إلى الغد أو الليل يسقط بأوله) يعني إذا شرطاه إلى الغد يسقط بأوله. (الغد) ما هو؟ اليوم الذي يلي يومك، كذا؟ تقول: أمس، اليوم، غدًا، فالغد اليوم الذي يلي يومك، فإذا اشترطت الخيار إلى الغد، وإحنا نقول في اللغة العامية: إلى باكِر، قال له: إلى باكر.
يقول المؤلف: (يسقط بأوله) ما نقول: إلى الغد، كل اليوم لك الخيار، لا، إذا دخل أول اليوم خلاص، انتهى الزمن، هُنا، ما فيه دليل، لكن فيه التعليل بمقتضى اللغة العربية.
يقولون: إن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها، فما بعد (إلى) لا يدخل؛ لأن انتهاء الغاية ما يدخل، إلا بقرينة لو قلت لك: مِن هذا إلى هذا، هذا اللي بعد ما يدخل، كذا؟ فإلى الغد، ما يدخل الغد كله، بل ينتهي بأول لحظة من دخوله، كذلك إلى الليل ينتهي بأول الليل، بغروب الشمس؛ لأن الله لما قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] صار ينتهي بأول الليل بغروب الشمس.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو صحيح بناءً على الحقيقة اللغوية في مدلول (إلى)، ولكن لو كان هناك عُرف بين الناس يخالف ذلك، فهل تُغلَّب الحقيقة اللغوية أو الحقيقة العُرفية؟
طلبة: العرفية.
الشيخ: الصواب أنه تُغلَّب الحقيقة العرفية في كل ما تختلف فيه الحقيقتان اللغوية والعرفية، فالصواب أنها تُغلَّب العرفية؛ ولهذا لو قلت: بعتُ عليك شاةً، سِنُّها كذا وكذا، إلى آخره، فأتيت لك بتيس، ويش تقولون؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: عُرفًا ما يصح، وإن كان شرعًا يُطلق عليه اسم شاة، لكن عُرفًا لا.
[ ١ / ٤٤٨٥ ]
إذن الصواب في هذا أنه إذا قال: إلى الغد، فإن المرجع إلى العرف، فإذا جرى في العرف إلى الغد، يعني إلى أن يفيض السوق، ويفتح الناس، فإننا نعمل به (إلى الليل)، إذا جرت العادة إلى الليل، يعني إلى فتح السوق في الليل، وهو ما يفتح إلا بعد العشاء، فالمعنى؟ إلى فتح السوق، فالصحيح في هذا أنه يُعمل بالعرف، فإن لم يكن عرف أو كان العرف مختلفًا في هذا الحي، فإننا نرجع إلى اللغة؛ لأن ما لا يمكن انضباطه يرجع فيه إلى اللفظ.
طالب: نحن، جاء الغد من طلوع الشمس يعني؟
الشيخ: لا، الغد من طلوع الفجر.
قال المؤلف: (يسقط بأوله، ولمن له الخيار الفسخ، ولو مع غيبة الآخر وسخطه) (لمن له الخيار) من بائع أو مشترٍ، له الفسْخ سواء كان الآخر غائبًا أو حاضرًا، إذا كان حاضرًا واضح، ترى شوف يا فلان هونت فسخت العقد؛ إذا كان غائبًا؟
طالب: يُشهد.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يُشهد.
الشيخ: إي نعم، يُشهد، يقول: أنا فسخت العقد حتى لو كان غائبًا، كما أن الطلاق فسْخ للنكاح، فلو طلَّق الإنسان زوجته وهي غائبة وقع الطلاق، ولو كانت غائبة؛ لأن هذا حقه، فإذا كان حقه فله أن يسقطه متى شاء، ولو مع غيبة الآخر.
(لمن له الخيار) الثاني يجب أن يفسخ؟
طالب: ليس له.
الشيخ: لو قال الثاني: أنت ما دام أنك هونت، ولك تهون أنا بهون بعد، ويش نقول؟ نقول: ما جاء كذلك ().
(ولو مع سخط الآخر) الآخر عيَّن، هذا واحد باع بيته على أن له الخيار لمدة شهر البائع هو اللي له الخيار، فزادت الأشياء وارتفعت القيم.
وبعد عشرين يومًا جاء إلى المشتري، قال له: هونت، فسخت البيع، قال: ما يصير، ما لك، وزعل عليه، ويش تقولون؟ ينفسخ ولَّا لا؟ لو سخط ذاك ولو زعل؟ نعم، ولو زعل؛ لأن الحق له، أنت الذي مكَّنته من الحق، لو شئت لقلت عند العقد: أنا ما أقبل، ما لك خيار، نبيع من الآن.
[ ١ / ٤٤٨٦ ]
(ولو مع غيبة الآخر وسخطه) ثم قال: (والملك مدة الخيارين للمشتري) (الملك) يُطلق على المعنى، وعلى الفِعْل، إن قلت: مُلْك فهو مصدر: (مَلَكَ يَمْلِكُ مُلْكًا)، ولو قلت: الْمِلك فالمعنى معنى الملكية.
(الْمِلك مدة الخيارين) ويش الخيارين؟ ويش اللي تقدمنا من الخيارات؟ المجلس والشرط.
(فالملك مدة الخيارين للمشتري) لا للبائع لماذا؟ يعني ما هو الدليل؟ وما هو التعليل؟ الدليل: قول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (٥).
وجه الدلالة من ذلك: أنه قال: «مَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»، وهذا يشمل ذلك من حين العقد، من حين البيع، فإذا كان مال العبد للبائع دلَّ ذلك أن العبد لمن؟
طالب: للبائع.
الشيخ: لا، للمشتري يا أخي؛ لأنه قال: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَ».
إذن والعبد للمشتري بمجرد البيع، فدل ذلك على أن الْمُلك ينتقل إلى المشتري بمجرد العقد. ما أدري بعضكم ما هو بواضح؛ واضح؟ طيب «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».
التعليل: أن الملك للمشتري؛ لأنه بالإيجاب والقبول انتقل الملك إلى كل منهما، فالثمن انتقل الملك للبائع، والملك انتقل ملكه للمشتري، وإلا لما كان هناك فائدة.
وقال بعض أهل العلم: إن الملك مدة خيار المجلس للبائع؛ لأنه ما بعد لزم البيع، ولكن الصواب أنه للمشتري كما دل عليه الحديث. ويش ينبني على هذا؟ ينبني على هذا عدة مسائل:
أولًا: لو تلف المبيع، هل يتلف على البائع أو على المشتري؟
طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري؟ البائع؟ نشوف الآن هذا رجل باع بعيرًا، واشترط المشتري الخيار له لمدة أسبوع، في أثناء هذه المدة مات البعير، على مَنْ يكون؟
طلبة: على المشتري.
الشيخ: على المشتري يضمن ثمنه للبائع ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤٤٨٧ ]
الشيخ: نعم، يضمنه؛ لأن الملك له، فما دام له، فإذا () فهو عليه.
طالب: ما هو باختياره؟
الشيخ: إي، بالخيار، لكن الملك له، بالخيار له أن يفسخ، أما الآن ما يمكن.
أيضًا يترتب على ذلك قال: (وله نماؤه المنفصِل وكسبه)
(وله) الضمير يعود على المشتري.
(نماؤه) يعني نماء المبيع.
(المنفصل وكسبه) (المنفصل) يعني الذي ينفصل عن ذات المبيع، فهو للمشتري، (كسبه) الذي يحصله المبيع.
مثال النماء: باع إنسان شاة على شخص، واشترط هذا المشتري الخيار لمدة أسبوع، اللبن نماء منفصل أو لا؟ لمن يكون؟
طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، كذلك لو قُدِّر أنه اشترى شاة ليس فيها حمل حائلًا، وجعل له الخيار لمدة سنة، في أثناء المدة حملت الشاة وولدت، لمن يكون الولد؟
طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري؛ لأنه نماء منفصل. طيب بعتُ عليه بيتًا، وجعلت الخيار لمدة شهر، البيت مؤجر كل شهر بمئة ريال، لمن تكون الأجرة في هذه المدة؟ تكون للمشتري.
طالب: الصوف؟
الشيخ: الصوف الغالِب أنه يقع عليه العقد، يكون تابعًا لها.
الطالب: ().
الشيخ: هو وقع عليه العقد من الأصل، يعني ما هو بنماء حادث، من الأصل وقع عليه العقد.
المنفصل احترازًا من المتصل، النماء المتصل يكون تابعًا للعين، مثاله: اشترى شاة هزيلة، ما فيها لحم، واشترط الخيار لمدة ستة أشهر، وصار يعلفها علفًا جيدًا، فلما تمت الستة أشهر لقاها منتفخة من أسمن ما يكون، قال: هونت، وهو المشتري.
طالب: لا، البائع.
الشيخ: البائع؟ الذي له الخيار فسخ ().
ستة أشهر، والعبد هذا ما يعرف يكتب يوم اشتريته، فعلمته القراءة والكتابة في هذه المدة، فقال البائع: هوَّنت، والخيار للبائع، كما قلتم، قال البائع: فسخت البيع، فرجعنا العبد عليه. العبد الآن يكتب ويقرأ، كان بالأول لا يكتب، ولا يقرأ، تزيد القيمة بذلك ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لمن هذه الزيادة؟
طلبة: للبائع.
[ ١ / ٤٤٨٨ ]
الشيخ: للبائع؛ لأنها متصلة، ولا يمكن فصلها. وذهب بعض أهل العلم، وهو أيضًا قول في المذهب: إلى أن النماء المتصل للمشتري؛ لأنه حدث بسببه، ولا فرْق بينه وبين المنفصل.
فعلى هذا القول إذا رجعت للبائع تُقدَّر قيمتها وهي خالية من هذه الزيادة، وتُقدَّر قيمتها وهي متصفة بهذه الزيادة، فالفرْق بين القيمتين يدفعه البائع للمشتري، وهذا القول أصح؛ أن المشتري له النماء المتصل والمنفصل ولَّا كيف () على هذه الشاة حتى تسمن وتزيد قيمتها، ثم يقول: () شيء؟
وأما الكسب، انتبه! الكسب بنتكلم عليه؛ لأنه تابع، الكسب معناه: إذا اشتريتُ عبدًا، واشترطت الخيار لمدة ستة شهور، هذا العبد خليته ينزل في السوق، يتكسب إما بتحميل أمتعة وإلا ببيع وشراء، وكسب في خلال خمسة أشهر، كسب خمسة آلاف ريال، وأنا شاريه بأربعة آلاف ريال، ثم قلت للبائع: فسخت البيع، ورديته عليه، يصح ولَّا ما يصح؟
يصح؛ لأن الخيار لي، لكن خمسة آلاف ريال اللي أكثر من قيمته الآن، لمن تكون؟
طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، إذن المشتري الآن ربح ألف ريال، نعم، ألف ريال ولا ربح؟ ربح خمسة آلاف ريال، يعني هو دفع الأربعة، ثم رده ربح خمسة آلاف ريال.
إذا قلنا: إن الكسب يكون للمشتري، ألا يمكن أن يتخذ الإنسان ذلك حيلة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يشتري شيئًا يتكسب، ولما تكسب وجاءه ربح كثير أو قليل، قال: هوَّنت، أو بعير يكده أو سيارة يكده، ويش تقولون؟ ما يمكن هذا؟ نقول: نعم، يمكن هذا، ولكن هل البائع مجبر؟
طالب: غير مجبر.
الشيخ: غير مجبر، نقول للبائع: إذا قال لك المشتري: لي الخيار شهر، وأنت ظان أنه يكده، وبعدين يرده عليك تقوله: لا، فقل: ما لك خيار، تبغي من الآن، ولا بكيفك، ولا لك الخيار لمدة شهر على أن يبقى عندي مرهونًا، أليس كذلك؟
ما دام الرجل اشترط على نفسه الخيار فليس له حق ().
[ ١ / ٤٤٨٩ ]
تقدم لنا أن الخيار في البيع أقسام: القسم الأول: ما يثبت بمجرد العقد، وهو خيار المجلس. وذكرنا الدليل والحكمة منه، دليل خيار المجلس ()، لكن إذا بيعت أمه تبعها.
يقول المؤلف ﵀: (ويحرم، ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع) (يحرم ولا يصح) كلمة (يحرم) غير كلمة (لا يصح)؛ لأنه لا يلزم من التحريم عدم الصحة، ويلزم من عدم الصحة التحريم، ويش الدليل؟ الدليل: قوله ﵊: «لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (٦).
فهذا تحريم، والعقد صحيح؛ لأن قوله: «فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» يدل على صحة العقد؛ إذ لا خيار إلا بعد صحة العقد؛ لأن الخيار فرْع عن الصحة، أفهمتم يا جماعة؟ هنا صار تحريم مع الصحة.
أما إذا كان الشيء لا يصح، فإنه لا يلزمه من عدم الصحة التحريم، كل شيء لا يصح فهو حرام؛ لقول النبي ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (١). قال ذلك محذرًا من الشروط التي ليست في كتاب الله.
المؤلف ﵀ يقول: (يحرم ولا يصح)، فجمع بين أمرين، فلا يجوز للبائع، ولا المشتري، ولا يصح منهما أن يتصرفا في المبيع. لماذا؟ لأن تصرفه في المبيع يستلزم سقوط حق الآخر؛ فهو إذن ظُلم وعدوان.
مثاله: اشتريتُ منك بيتًا، واشترطت الخيار لمدة ستة أشهر، هل يجوز لك أن تبيع هذا البيت؟ أنت البائع، ما يجوز، ولو فعلت لم يصح، وهل يجوز لي أنا -أيها المشتري- أن أبيع هذا البيت؟ لا، ولو فعلت لم يصح؛ لأن البائع لو تصرف، وأنكرنا تصرفه جنينا على مَنْ؟ على المشتري، والمشتري لو تصرف، وأنكرنا تصرفه جنينا على البائع، وعلى هذا فتقول: لا يصح أن يتصرف لا البائع ولا المشتري في المبيع في مدة الخيار.
[ ١ / ٤٤٩٠ ]
وظاهر كلام المؤلف أن () مطلقًا حتى في التأجير، وأن ما يمكن تأجيره يبقى معطلًا؛ فالبيت مثلًا يبقى لا يؤجر؛ لأن التأجير نوع من التصرف؛ ولأنه إذا أجره، ثم اختار البائع مثلًا الفسخ، وإذا حق المستأجر قد تعلق به، فيمنعه بعض الحق، ولكن الصحيح أنه يصح تأجيره؛ لأن تأجيره خير من بقائه هدرًا، ثم إن أُمضِي البيع فالأجرة للمشتري، وإن فسخ فالأجرة للبائع، فيوصى به للبائع بمجرد الفسخ.
يقول: (وعوضه المعين فيها). وقوله: (فيها) أي: في مدة الخيار.
كيف عوض المعين؟ هل هناك عوض معين وعوض غير معين؟ الجواب: نعم، إذا قلت: اشتريت منك هذا البيت بألف درهم، العوض معين ولَّا لا؟ لا، غير معين () في ذمتي، فإذا قلت: اشتريت منكَ هذا البيت بهذا الألف، هذا معين، عرفتم الفرق بينهما؟
مثال، نعيد مرة ثانية، قلت: اشتريتُ منك هذا البيت بألف درهم وأنا عندي في البيت ألف درهم، العِوض معين الآن ولَّا لا؟
طلبة: غير معين.
الشيخ: غير معين، فلي أن أتصرف -أنا المشتري- بألف الدرهم، وإن كان ليس عندي سواها، لماذا؟ لأن هذه الدراهم لم يتعلق بها حق البائع ما تعلق بها حق البائع؛ حق البائع متعلق بماذا؟ بذمتي () بالذمة.
فأما إذا قلت: اشتريتُ منكَ هذا البيت بهذه الدراهم، وهي ألف درهم، صار العوض الآن معين، فهل يجوز لي أنا -أيها المشتري- أن أتصرف في هذا الألف؟ لا؛ لأنه وقع العقد على عينه، فهو كالمبيع الذي هو البيت مثلًا، لما وقع العقد على عينه صار لا يجوز التصرف فيه.
وفُهم من قول المؤلف: عِوض المعين؛ أن عوض غير المعين يجوز للمشتري أن يتصرف فيه.
وقول المؤلف: (عوضه) يشمل ما إذا كان العوض نقدًا، كما لو قلت: اشتريت هذا البيت بهذه الدراهم، أو غير نقد، كما لو قال: اشتريت هذا البيت بهذه السيارة أو لا؟
ولهذا المؤلف ﵀ قال: (وعوضه) ولم يقل: والدراهم المعينة لأجل أن يشمل ما إذا كان العوض دراهم، أو كان أعيانًا أُخر.
[ ١ / ٤٤٩١ ]
وقوله: (بغير إذن الآخر) فإن إذن الآخر يجوز؟
طالب: جائز.
الشيخ: جاز، لو أن المشتري الذي اشترى هذا البيت، وجعل لنفسه الخيار، أو جعل الخيار بينهما لمدة سنة جاء إلى البائع وقال: ائذن لي أن أبيعه، فأذن له، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأنه أذِن له، والحق له، فإذا أسقط حقه جاز.
وفي هذه الحال إذا أذن له ببيعه يبطل الخيار؛ لأن المبيع الذي وقع الخيار فيه انتقل عن المشتري، فيبطل الخيار.
قال المؤلف: (بغير تجربة المبيع) هذا متعلق بتصرف؛ يعني يحرم التصرف بغير تجربة المبيع، أما إذا كان لتجربته، فإن هذا لا بأس به، لأنه قد يكون قصد المشتري بالخيار لأجل التجربة.
فأنا اشتريت من هذا الرجل سيارة بعشرة آلاف ريال، واشترط الخيار لي لمدة أسبوع، وبدأت أخرج عليها أُجرِّبها، يجوز ولَّا ما يجوز؟
يجوز؛ لأن هذا من مقصود الشرْط، فإذا كان لتجربة المبيع، فإنه لا بأس به، ولهذا قال: (بغير تجربة المبيع).
هل يصح التصرف مع الآخر؟ يعني أنا أجرت البائع، أو بعت عليه المبيع، يجوز ولَّا لا؟ نعم، يجوز؛ لأنني إذا تصرفت معه فإن قبوله لهذا التصرف إذن لا شك فيه، فصار التصرف الجائز في ثلاثة أمور: إذا أذن من له الحق، وإذا كان التصرف مع من له الحق، وإذا كان التصرف بتجربة المبيع.
ثلاث مسائل يجوز فيها التصرف:
أما المسألة الأولى والثانية فظاهر؛ لأنني تصرفت بعد إذن من له الحق.
وأما الثانية: فوجهها أن الإنسان من أكبر أغراضه في الشرط هو أن يجرب الشيء.
قال المؤلف: (إلا عِتْق المشتري) عتق المشتري يصح مع التحريم.
يعني عتق المشتري أن نعتق المشتري، أو أن يعتق المشتري العبد الذي اشتراه؟ أيهم؟ الأخير.
[ ١ / ٤٤٩٢ ]
إذن فعِتْق هنا مصدر مضاف إلى الفاعل لا إلى المفعول، يعني: إلا إذا أعتق المشتري العبد الذي اشتراه، فإنه يحرم ويصح العقد، مثاله: اشتريت منك عبدًا بخمسة آلاف ريال، وجعلت الخيار بيننا لمدة أسبوع، في أثناء هذه المدة أعتق المشتري ذلك العبد، ما حكم عِتْقِه؟
حرام، ويأثم به، ولكن العِتْق يصح، ما هو الدليل أو التعليل على هذين الحُكميْن؟ أي على تحريم العتق مع صحته؟
يقولون: إنه يحرم العِتق؛ لأنه تصرف بغير إذن صاحبه، فهو إسقاط للحق؛ لأنه إذا أعتقه لا يمكن الآن أن يفسخ البيع.
ويقولون: إنه يصح مع التحريم لقوة نفوذ العتق، وتطلُّع الشارع له، فالعتق له نفوذ قوي؛ ولهذا لو قال السيد لعبده: أعتقت أنملة الخنصر من يدك اليمنى فقط، ويش يعتق؟ يعتق كل العبد، ولو أن الإنسان أعتق حصته من عبد مشترك، فإن العتق يسري إلى حصص شركائه، ويُلزَم المعتِق بدفع قيمة حِصص شركائه إليهم، كل هذا من أجل تحقيق العتق وتحرير الرقاب. فعللوا صحة العتق بأن للعتق نفوذًا قويًّا، فنفذ مع التحريم.
والقول الثاني في المسألة: أن عتق المشتري حرام، ولا يصح، أما كونه حرامًا، فما هو السبب؟
طالب: لأنه تصرف في غير ملكه.
الشيخ: لا، ملكه، حرام؛ لأن هذا يوجب إسقاط حق صاحبه. ولا يصح -على القول الراجح- لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٧).
وكيف يصح أن يعتق شيئًا قد تعلق به حق الغير، فأفسده عليه، وما دُمنا قُلنا: إنه حرام، فإن الواجب أن نقول: إنه لا يصح، وهذا القول هو الصحيح.
وعلى هذا فنقول: (إلا عتق المشتري)، الصواب أن عتق المشتري كغيره، يكون حرامًا، ويكون باطلًا، فيبقى العبد على ما هو عليه.
وقول المؤلف: (إلا عتق المشتري) طيب عِتق البائع؟ لو أن البائع هو الذي أعتق العبد، يصح ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ما الفرق بين البائع والمشتري؟
[ ١ / ٤٤٩٣ ]
الفرق بينهما أن المشتري قد انتقل إليه الملك؛ وأما البائع فليس له ملك في هذا المبيع، ولهذا صح عِتق المشتري دون عتق البائع.
طالب: شيخ، أعتق البائع وهو الذي يملك؟
الشيخ: ما يصح حتى يقول: فسخت البيع.
قال: (وتصرف المشتري فسخ لخياره) معلوم تصرف المشتري فسخ لخياره، متى يكون ذلك؟ إذا كان الخيار له وحده فإنه يكون فسخًا لخياره، لماذا؟
لأن تصرف المشتري في المبيع الأصل فيه الجواز، وما دام أن الخيار له وحده فإنه إذا تصرف صار التصرف صحيحًا، وبطل خياره.
مثال ذلك: إذا اشتريت هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، وجعلت الخيار لي أنا المشتري لمدة أسبوع، ثم جاء شخص فبعتها عليه في هذه المدة، فإن خياري ينفسخ، وليس لي حق أن أطالب البائع بالرجوع.
ثم قال: (وَمَنْ مات منهما بطل خياره) الضمير يعود على مَنْ؟ على البائع أو المشتري.
(بطل خياره) لأن الخيار يتعلق به شخصيًّا، فإذا مات بطل.
وقال بعض العلماء: إنه لا يبطل خياره بموته؛ لأنه إذا مات انتقل الملك إلى مَنْ؟
إلى الورثة، فينتقل الملك إلى الورثة بحقوقه، وحينئذٍ لا يكون الموت مبطلًا.
وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة؛ لأن الموت لا يُبطل حقًّا ثابتًا في ملك يعود إلى الورثة، الورثة يقولون: الملك لنا ما يمكن يبطل، ومثاله؟ ما تصورت المسألة؟
مثال ذلك: إنسان باع على شخص بيتًا بعشرة آلاف ريال، وجعل الخيار لمدة شهر، وبعد مضي عشرة أيام تُوفي المشتري، المذهب: يبطل الخيار، ولا خيار للورثة. والقول الصحيح: أن خياره؟
طلبة: ينتقل للورثة.
الشيخ: كيف هذا مشتري، المشتري مات في أثناء المدة، فالمذهب أن الخيار يبطل، ويبقى البيت ملكًا للورثة بدون خيار لهم؛ لأن من له الخيار فد تُوفي.
والقول الثاني في المسألة: أن الخيار يبقى للورثة؛ لأن الورثة تلقوا هذا المبيع عن مورثهم بجميع حقوقه، ومن حقوقه الخيار، فعلى هذا لا يصح، وهذا هو القول الصحيح.
[ ١ / ٤٤٩٤ ]
أما إذا كان الموت في خيار المجلس، فهنا يتوجه القول بأن من مات منهما بطل خياره، وجه ذلك: أن الموت أعظم فُرقة، والرسول ﵊ يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (٨). والموت أعظم فرقة، فإذا مات في المجلس فإنه يبطل خياره في هذه الحال؛ لأن هذا هو أعظم فراق يكون ().
***
غبنًا يخرج عن العادة، ويسمى هذا الثالث خيار الغبن. الغبن ويش معناه؟ الغلبة، يعني أنه غُبن وغُلب، وزِيد عليه الثمن، فإذا غُبن في البيع غبْنًا يخرج عن العادة فإن له الخيار، كيف ذلك؟ اشترى شيئًا يساوي عشرة بعشرين، هذا غبن يخرج عن العادة؛ لأن زيادة نصف الثمن، هذا غبن لا شك ولَّا لا؟ إذا اشترى شيئًا يساوي عشرة بأحد عشر.
طالب: ليس غبنًا.
الشيخ: هذا ليس غبنًا؛ لأن العادة جرت بأن أهل السوق يختلفون فيما بينهم في واحد من عشرة، أو نصف من عشرة أو ما أشبه ذلك، العشرة بإحدى عشر ما يكون غبنًا.
طيب واحد باثنين، غبن ولَّا لا؟ اشترى شيئًا يساوي درهمًا بدرهمين.
طالب: غبن.
الشيخ: غبن ليش؟ إذا اشترى ما يساوي عشرة بأحد عشر ليس بغبن، وإذا اشترى شيئًا يساوي واحد باثنين فهو غبن؟
لأن الزيادة في واحد مع اثنين زيادة كبيرة نصف الثمن، لكن واحد مع عشرة قليلة، ولهذا لو سُئلت: لو غبن الإنسان في مبيع بألف درهم، هل يُعتبر غبنًا أم لا؟
يُنظر القيمة مثلًا، إذا صار يساوي عشرة ملايين وغبن بألف درهم، هذا ما هو غبن، لكن إذا صار يساوي خمس مئة وغبن بألف درهم، هذا غبن، ولهذا يقول المؤلف: (يخرج عن العادة).
قد ترون بعض العلماء اجتهادًا من عنده بأن يكون مقدار الغبن عشرين في المئة؛ يعني الخُمس، فإذا غبن بمقدار الخمس فهو غبن يثبت له بالخيار، وبأكثر من ذلك لا.
[ ١ / ٤٤٩٥ ]
ولكن هل كل غبن يثبت به الخيار؟ لا، بل هو في ثلاث صور على المذهب فقط، الغبن: وهو زيادة الثمن زيادة تخرج عن العادة، هذا ما يثبت إلا في ثلاث صور فقط: الأول: بزيادة الناجش، الباء هذه للسببية؛ أي: غبن بسبب زيادة الناجش، والناجِش: اسم فاعل من النجش، وأصل النجش في اللغة: الإثارة، إثارة الشيء، والمراد به شرعًا: أن يزيد الإنسان في السلعة وهو لا يريد شراءها، وقد نهى النبي ﷺ عن النجش وقال: «لَا تَنَاجَشُوا» (٩). فماذا يريد الناجش؟
طالب: رفع السلعة.
الشيخ: قد يريد نفع البائع، وقد يريد ضرر المشتري، وقد يريد نفع البائع وضرر المشتري ولَّا لا؟
البائع صديق له، والمشتري عدو له، فيريد أن ينفع صديقه، ويضر عدوه، هذا هو الناجش، الناجِش: هو الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد زيادة الثمن على المشتري، إما بنفع البائع، أو ضرر المشتري، أو لهما جميعًا.
وقد يريد الناجِش نفع نفسه، ما هو نفع المشتري ولا البائع، قد يريد نفع نفسه كما لو كان عنده سلعة مثل هذه، وزاد في ثمنها لأجل أن يزيد الثمن في سلعته، هو ما يريد نفع البائع ولا المشتري، ما يعرف لا البائع ولا المشتري، لكن زادها لأجل أن تزيد سلعته، ممكن هذا ولَّا لا؟
يمكن، هذا أيضًا حرام؛ لدخوله في نهي النبي ﷺ. هذا رجل اشترى سلعة، وزاد ثمنها بسبب النجش، هي تساوي عشرة، ومع النجش وصلت إلى خمسة عشر، واشتراها، هل له الخيار؟ نعم، له الخيار؛ لأنه زِيد عليه على وجه مُحرَّم غير مأذون فيه، فكان له الحق في أن يرد هذه الزيادة المحرمة.
(المستَرْسِل) مأخوذة من استرسل في الشيء، إذا تابع فيه واطمأن إليه. والمسترسل: هو الرجل الذي يجهل القيمة، ولا يحسن الْمُماكسة، ما يدري عن قِيم الأشياء، ولا يُحسن المماكسة، ويش معنى المماكسة؟
طالب: المكاثرة.
الشيخ: هي المكاثرة.
طالب: التنزيل.
[ ١ / ٤٤٩٦ ]
الشيخ: التنزيل، نعم، يعني ما يحسن مكاس الناس، ويطلب التنزيل، رجل سليم القلب، إذا قال له صاحب الدكان: هذه بمئة، قال: بس ما هو هذا ثمنها الحقيقي، قال: نعم، هذا ثمنها الحقيقي. قال: تفضل، هذه مئة، رجل سليم القلب، ما يعرف، ولا يحسن يماكس أبدًا، هذا هو المسترسل، كم هذه من صورة؟ صورتان.
الصورة الثالثة: تلقِّي الركبان، والركبان هم الذين يجلبون إلى البلد، وليسوا من أهل البلد، فهؤلاء لا يجوز للإنسان أن يتلقاهم ويشتري منهم؛ لأن في ذلك إضرارًا بهم وإضرارًا بالسوق، إضرارًا بهم؛ لأن الذي خرج إليهم وتلقاهم ربما يخدعهم أو لا؟
ربما يخدعهم يشتري منهم ما يساوي مئة بخمسين، وفيه إضرار بالسوق أيضًا؛ لأنه يحرم أهل السوق من الكسب في تجارة هؤلاء القادمين؛ إذ يشتريها من الذين قدموا، ثم يبدأ يبيعها للناس بالسعر الذي يريد؛ ولهذا قال النبي ﵊: «لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (٦).
فصار الغبن يكون في ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون بسبب زيادة الناجش.
الثاني: أن يكون بسبب الاسترسال.
والثالث: تلقي الركبان. الدليل في المسترسل: قول النبي ﵊: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (١٠). فكون الرسول ﵊ يجعل هذا من الغش، يجعل الغاش متبرأ منه، يدل على تحريم الغش، وأنه من الكبائر، ولا يجوز أن نوافق العاصي على معصيته، ونمكِّنه من بلوغ مأربه.
ولكن لاحظوا الآن أنه لو غُبن الإنسان بهذه الطريقة، فإنه لا خِيار له، فلو غبن الإنسان بجهلِه بالقيمة مع كونه يُحسن المماكسة، لكن ما يدري أن القيم تغيرت، هو جيد ويحسن المماكسة، لكن ما علم أن الأسعار تغيَّرت، واشترى، فهل له الخيار؟
[ ١ / ٤٤٩٧ ]
يقول الفقهاء: لا خِيار له؛ لأن هذا يُحسن المماكسة، لماذا لم يُماكس أو يتحرى أو ينظر؟ ولا سيما إذا كان الأسواق غير ثابتة، يومًا ترتفع، ويومًا تنزل، الواجب عليه أن يتحفظ لنفسه.
مثاله: جاء رجل يحسن المماكسة إلى صاحب دكان، فاشترى منه سلعة بمئة ألف، وإذا صاحِب الدكان قد علم أن الأسعار تغيرت، وأن التي تساوي مئة الآن لا تساوي إلا خمسين، لكن هذا الرجل الشاطر الجيد ما علِم بتغير الأسعار، فهل له الخيار أم لا؟
الفقهاء يقولون: لا خيار له، والصحيح أن له الخيار إذا علمنا أن صاحبه قد غشه، إذا علمنا أن الرجل هذا قد جاءه خبر بتغير الأسعار ونزولها، فخدع الناس وباع عليهم بالأسعار الحاضرة فإن مَنْ غُبِن له الخيار.
ودليل ذلك أن هذا من الغش والخيانة لإخوانه المسلمين، وكل إنسان غش فإنه يجب أن يحال بينه وبين مأربه وإرادته، وأن يمنع مما يستلزم على غشه.
إذن على هذا نقول: (المسترسل) كل من يجهل القيمة سواء كان يحسن المكاثرة، أو لا يحسن، لكن إذا كان يحسن المماكسة نزيد شرطًا آخر؛ أن يكون البائع عالمًا بتغير الأسعار، ولم يخبره.
ويقع الغبن كثيرًا في البيع على الصبيان وعلى النساء، فإن بعض الناس -والعياذ بالله- ممن لا يخافون الله يأتي إليه الصبي اللي ما يعرف يبيع عليه السلعة اللي تساوي درهمًا بدرهمين، وتأتي إليه المرأة أيضًا، ويبيع عليها ما يساوي عشرة بعشرين، وهذا -والعياذ بالله- من باب أكل أموال الناس بالباطل، والواجب على المرء أن يكون كما قال النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١١).
طالب: ().
الشيخ: إي، نفس الشيء؛ لأن الغبن كما يكون على المشتري يكون على البائع أحيانًا، فهو شامل الغبن لهذا ولهذا، فإذا علمنا أن هذا الرجل قد علم بارتفاع الأسعار، وذهب إلى السوق، وراح كل اللي في السوق، فهذا يُمنع لمن غُبنوا أن يفسخوا البيع.
طالب: ().
[ ١ / ٤٤٩٨ ]
الشيخ: كيف ما خسر؟
الطالب: ().
الشيخ: خسر خسرانًا عظيمًا، هو الآن اشترى بثمانية عشر، وهو يعلم أنها الآن تساوي خمسة وثلاثين، فقد غبنه بلا شك، هل هذا من النصح أنك تري الناس سلعة زادت مثلًا في الميناء مثلًا، وتيجي للناس الغريرين اللي ما تم على الزيادة وتقول: يلَّا أبغي أشتري منكم؟ !
طالب: ().
الشيخ: ما يخالف، لكن الزيادة هذه لمن تكون لو بقي في ملكه؟ تكون لهم، وكل يعرف أن هذا العمل غش. نعم، لو جاء لهم، وقال: يا جماعة، وقال لهم: إن السلع قد زادت أثمانها حتى وصلت إلى خمسة وثلاثين، وأنا بشتري منكم بمثل ما تبيعون بثمانية عشرة.
طالب: ما يبيعون.
الشيخ: ما يبيعون، طيب، هذا هو النصح.
طالب: ().
الشيخ: على أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما أظن. إنما على كل حال إذا كانت تلزمهم، فهل إذا اشترى منهم بثمانية عشر، كم يبيعه؟ إن كان بيبقى السعر بثمانية عشر لا بأس، ولكن يبيعها بخمسة وثلاثين.
طالب: ().
الشيخ: إذا علم النزول ما يجوز يعبث بقيمة الولد، ما وجد في السوق اللي هو فيه، ويش تقولون في هذا؟ يعني هذا الرجل علم أن السلعة نزلت في الميناء، لكن إلى الآن النزول ما وصل إلى بلده، هل يجوز أن يبيع هذه السلعة بثمنها الحاضر، أو بثمنها المعتقد؟
طالب: الحاضر.
الشيخ: الظاهر وجوبه، يعني يبيعها بثمنها الحاضر. وقد جاء في الآثار أن ما يسلم نزول البلد إلا بعد مُدة.
قال: (الرابع خيار التدليس) التدليس مصدر (دَلَّسَ يُدَلِّس)، وهو مأخوذ من الدِّلْسة، وهي الظلام، والمراد به التعمية، وعدم إخراج الشيء على حقيقته، وذلك بأن يظهره مظهر السليم، وهو غير سليم، أو يظهره مظهر الأجود وهو جيد، وليس بأجود، فله صورتان التدليس: إما أن يُظهِر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه، أو أن يظهره على وجه كامل وفيه عيب، والفرق بينهما ظاهر.
[ ١ / ٤٤٩٩ ]
الأول: ليس في المبيع عيب، بل هو سليم، لكن أظهره على مظهر أجود وأكمل، والثاني فيه عيب، لكن أخفاه، وأظهره بمظهر السليم.
مثال ذلك: ما ذكره المؤلف بقوله: (كتسويد شعر الجارية) الجارية يعني: الأَمة، هذا إنسان عنده أمة شعر رأسها أبيض، نعم، فذهب فسوَّده علشان أيش؟
طالب: يزور.
الشيخ: التزوير، تزويرًا؛ لأجل يظن من رآها أنها شابة، أو أنها غير معيبة لو فُرض أن بياض الشعر كان من آفة أو عاهة وهي شابة، لكن صار فيها عاهة فابيض شعرها، ويقولون: إن الإنسان إذا توحش إنه يبيض شعره سريعًا، ما أعرف صحيح ولَّا لا، الذي يستوحش ويخاف أنه يبيض شعره فليعلم، والله أعلم.
لكن -على كل حال- تسويد شعر الجارية سواء كانت كبيرة في السن وابيض شعرها من الكِبر، أو كانت صغيرة وابيضَّ شعرها بآفة، فإذا سوَّدَهُ وباعها وثبت أنه قد سوَّدَه فللمشتري الخيار، ماذا نسمي هذا الشيء؟ خيار التدليس؛ فله الخيار.
(وتجعيده) تجعيد شعر الجارية، والتجعيد هو أن يجعل في الشعر مادة تجعله يتكسَّر، يكون له حدود كحد الرمل، وهو الرمل الذي هبَّت عليه الرياح، يكون له حدود، الشعر الجعد مرغوب عند العرب بخلاف الشعر اللين المسترسل، فهذا الذي عنده جارية شعرُها مسترسل، لكنه أضاف إليه مادة جعلته يتجعد، والجعد مرغوب عند الناس، فهذا تدليس؛ لأنه أظهر الجارية بمظهر أكمل مما كانت عليه. إذا وضع فيها مكياجًا مثله؟ تدليس ظاهر.
طالب: تدليس.
طالب آخر: إذا ظاهر ليس تدليسًا.
الشيخ: إذا ظاهر ليس تدليسًا، ويبان في الوجه، ويجعل هذه المرأة مثلًا الجارية، يجعلها كأنها جميلة وهي ما هي جميلة، ويجعلها () وهي ليست (). المهم أن هذا من جنس تسويد شعر الجارية.
الكحل تدليس؟ هذا ظاهر ما هو تدليس.
(وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها) هذه جملة واحدة، ما هو بجمع ماء الرحى وحده وإرساله وحده. لا، جمع ماء الرحى مع إرساله عند عرضها.
[ ١ / ٤٥٠٠ ]
ويش هي الرحى؟ وجمع ماء عند العرب، فيه رحى طواحين على جريان الماء؛ يعني بحيث تُجعل المروحة تنغمس معظمها بالماء، كالريش حقته، الريشة التي لها تنغمس في الماء، ويُجعل لهذه المروحة طير يستخرج الرحى، طاحون، فإذا دارت هذه المروحة تدور الرحى ولَّا لا؟
إذا كان الماء قويًّا ازداد قوة دوران الرحى أو لا؟ وإذا كان ضعيفًا قل دورانها مثلًا. هذا الرجل أراد أن يبيع هذه الرحى أو الطاحون، فجمع الماء كثره، فلما أراد بيعها أطلق الماء، معلوم إذا جاء الماء مُنطلقًا بعد حبس، ويش يكون؟ قويًّا، يلزم من قوته سرعة دوران المروحة، ويترتب على ذلك سرعة دوران الرَّحى، فإذا رآها المشتري يظن أن هذه طبيعته، والأمر ليس كذلك، نقول: هذا من باب التدليس، فيكون للمشتري الخيار، هل يستعمل عندكم في النيل؟
طالب: ().
الشيخ: () أراك تسافر مع حجاج إلى القاهرة ويوريك إياها، في الفيوم أظن؟
طالب: نعم، في الفيوم.
طالب آخر: ()؟
الشيخ: تقرير الدليل أننا إذا مكنا الغاش من تنفيذ مآربه فقد أعنَّاه على غشه، والتعاون على الإثم والعدوان مُحرَّم.
لو أن رجلًا عنده سيارة مصدومة، وضرب عليها بوية وعرضها للبيع، هل هذا تدليس؟
طالب: تدليس.
الشيخ: إذا صار ما يجوز.
طالب: ما يمكن له.
الشيخ: لا يمكن يا أخي، أنت ما فهمت ()، ما يمكن يبيع؟ يبطل.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على كل حال، إذا كان التدليس ظاهرًا.
طالب: ().
الشيخ: () هل من التدليس أن يسود شعر اللحية لأجل أن ترغبه النساء؟
طالب: تدليس.
الشيخ: إي، هذا تدليس ()، لكن الأحسن أن المرأة المخطوبة إذا جاءها هذا المدلِّس، تقول له: يلَّا ارقَ هذا الجبل، خليه يصعد الجبل، إن كان صاعدًا بدون مشقة، وإن كان وقف في أثناء الطريق، خلاص.
طالب: ممكن يا شيخ مثلًا الشعر الأبيض؟
الشيخ: يمكن ..
[ ١ / ٤٥٠١ ]
الخامسُ: (خِيارُ الْعَيْبِ) وهو ما يَنْقُصُ قِيمةَ الْمَبيعِ كمَرَضِه وفَقْدِ عُضْوٍ أو سِنٍّ أو زِيادتِهما، وزِنَا الرقيقِ، وسَرِقَتِه وإباقِه وبَوْلِه في الفِراشِ، فإذا عَلِمَ الْمُشْتَرِي العَيْبَ بعدُ أَمْسَكَه بأَرْشِه، وهو قِسْطُ ما بينَ قِيمةِ الصِّحَّةِ والْعَيْبِ، أو رَدَّهَ وأَخَذَ الثَّمَنَ، وإن تَلِفَ الْمَبيعُ أو عَتَقَ العبدُ تَعَيَّنَ الأَرْشُ، وإن اشْتَرَى ما لم يَعْلَمْ عَيْبَه بدونِ كَسْرِه كجَوْزِ هِنْدٍ وبَيْضِ نَعامٍ فكَسَرَه فوَجَدَه فاسدًا فأَمْسَكَه فله أَرْشُه، وإن رَدَّه رَدَّ أَرْشَ كَسْرِه، وإن كان كبيضِ دَجاجٍ رَجَعَ بكلِّ الثَّمَنِ، وخيارُ عيبٍ مُتَرَاخٍ ما لم يُوجَدْ دليلُ الرِّضَا، ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمٍ ولا رِضًا ولا حُضورِ صاحبِه، وإن اخْتَلِفَا عندَ مَن حَدَثَ العيبُ، فقولُ مُشْتَرٍ معَ يمينِه، وإن لم يَحْتَمِلْ إلا قولَ أحدِهما قُبِلَ بلا يَمينٍ.
السادسُ: خِيارٌ في البيعِ بتَخبيرِ الثَّمَنِ متى بانَ أَقَلَّ أو أَكْثَرَ، ويَثْبُتُ في التوليةِ والشَّرِكَةِ والْمُرَابَحَةِ والْمُواضَعَةِ، ولا بدَّ في جميعِها من مَعرفةِ الْمُشْتَرِي رأسَ المالِ، وإن اشْتَرَى بثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وإن اشْتَرَى بثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ أو مِمَّنْ لا تُقْبَلُ شَهادتُه له، أو بأَكْثَرَ من ثَمَنِه حيلةً أو، باعَ بعضَ الصَّفْقَةِ بقِسْطِها مِن الثمَنِ ولم يُبَيِّنْ ذلك في تَخْبِيرِه بالثمَنِ، فللمُشْتَرِي الخيارُ بينَ الإمساكِ والرَّدِّ، وما يُزادُ في ثَمَنٍ أو يُحَطُّ منه في مُدَّةِ خِيارٍ، أو يُؤْخَذُ أَرْشًا لعَيْبٍ أو جِنايةٍ عليه يَلْحَقُ برأسِ مالِه ويُخْبَرُ به،
[ ١ / ٤٥٠٢ ]
أنا أريد أن تبقى وآخذ الأرش، يعني: مقابل ما زاد بالثمن من هذه الصفة اللي حصل بها التدليس، فإنه لا يلزمه؛ لأن هذا فوات صفة مطلوبة، فلما لم تكن الصفة موجودة فليس له إلا الرد فقط، بخلاف خيار العيب، كما سيأتي إن شاء الله.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، حتى ولو ()، اللهم إذا عَلِمْنَا أنه عَلِمَ بالتدليس وجَامَعَهَا فإن هذا قد يُسْقِطُ خياره؛ لأن هذا التصرف يدل على رضاه بها.
طالب: ()
الشيخ: ().
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، ما لها أرش؛ لأن هذا فوات صفة مقصودة، إما أن تأخذها بما هي عليه، وإلا اتركها.
طالب: لو طلب ذلك؟
الشيخ: لأن الأرش حتى في العيب -كما سيأتي- شيخ الإسلام يرى أنه ما هو بواجب، يقول: لأن الأرش معاوضة جديدة فلا بد أن يتفقَا عليها.
طالب: لو طلب البائع؟
الشيخ: طلب أيش؟
الطالب: قال له: خذها ().
الشيخ: والله ربما نقول: إنه لا بأس إذا تعاوضَا، أو إذا تعاقدَا على عِوَض معلوم فلا بأس به؛ لأن الحق لهما، وليس فيه محذور شرعي، أما أن نُلْزِمه فلا نلزمه.
طالب: ().
الشيخ: ليس فيه بأس؛ لأن أقل ما نقول فيه أنه أسقط حقه من الرد بهذا العِوَض.
الخامس من أقسام الخيار: (خيار العيب)، وخيار العيب هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، والعيب ضابطه، كما قال المؤلف: (وهو ما يُنَقِّصُ قيمة المبيع)، هذا الضابط؛ كل صفة أو حال تُنَقِّص قيمة المبيع فإنها عيب.
مثاله: يقول: (كمرضه)، اشترى الإنسان حيوانًا فوجده مريضًا، هذا عيب لا شك؛ لأنه يُنَقِّصُ قيمة المبيع، وظاهره ولو كان المرض مما يُرْجَى برؤه؛ لأن الذي يُرْجَى برؤه قد لا يبرأ، فله أن يرد، كما سيأتي.
[ ١ / ٤٥٠٣ ]
الثاني: (وفَقْدِ عضو أو سِنّ)، العضو مثل فَقْد أصبع من الأصابع، أو يد أو أذن، أو ما أشبه ذلك، أو سِنّ، سواء كانت سِنُّها من الأسنان أو من الأضراس، فإذا وُجِدَ المبيع قد فَقَدَ سنًّا واحدًا أو أكثر فإنه عيب، حتى لو كان من الفك الأعلى في الشاة؟ !
طالب: إن كان في الأضراس.
الشيخ: إن كان في الأضراس، إذن فيه تفصيل؛ إن كان أضراسًا فيمكن، المهم فوجدنا أن هذا المبيع قد فَقَدَ سنًّا، لو فرض أنه فقد السن لكن رُكِّب، جعل تركيبةً، هل هذا عيب؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، هذا عيب؛ لأن المركَّب ليس كالأصلي.
(وزيادتهما) زيادة العضو وزيادة السن، الزيادة مثل: لو كان له ستة أصابع، والسن مثل لو فرض أن أحدًا من الناس نبت له سنّ قبل أن تسقط أسنان اللبن، فتكون السن مرادفة للسن الأولى، نقول: هذا عيب، فإذا قال البائع: الزيادة فيها خير، تزيد القوة بدل ما أمسك بخمسة أصابع يمسك بستة، إذا أخذ مثلًا فناجيل () يأخذ ستة، وكذلك أيضًا لو قال بالنسبة للأسنان، فماذا نقول له؟
طالب: هذه شبهة ولَّا بيع؟
الشيخ: لازم نجيب عن الشبهة، نقول: إنها تنقص القيمة، ونحن ما لنا من منفعة، ما دام تنقص القيمة فإنها تعتبر عيبًا، وبهذه المناسبة هل يجوز أن تقطع الأصبع الزائدة أو لا؟
الفقهاء يقولون: لا يجوز، ويعلِّلون ذلك بالخطر، ولكن بناءً على تقدم الطب الآن فإن الصحيح جواز ذلك؛ لأن هذا إزالة عيب، وليس من باب التجميل، وإلا لو كان من باب التجميل لكان حرامًا.
ولهذا لعن النبي ﵊ النامصة والْمُتَنَمِّصة (١)؛ لأنها تزيل شيئًا خلقه الله من أجل التجميل، أما هذا فإنه يقطع أصلًا زائدة من باب إزالة العيب.
وأنت الآن قدِّر نفسك قد أُصبت بهذا الأمر، ألست تحب ألَّا يراك الناس؟
نعم ما فيه شك، يحب ألَّا يراه الناس، ويحصل عنده انتفاضة نفسية إذا شاهد الناس هذا الشيء الزائد.
[ ١ / ٤٥٠٤ ]
والصواب أن إزالة الأصبع الزائدة في وقتنا الحاضر جائز، ولا شيء فيها، وهذا نظير ما قال العلماء في قطع البواسير.
قالوا: إن قطع البواسير حرام؛ ليش؟ قالوا: إنه يمكن ينزف الدم حتى يموت، فيكون متسببًا في قتل نفسه.
ولكنه في الوقت الحاضر أصبحت هذه العملية عملية بسيطة، وليس فيها أي نوع من الخطأ، فلكل مقام مقال، والحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا.
(وزِنَا الرقيق)، زنا الرقيق معناه أن يكون الرقيق زانيًا، سواء كان رجلًا أو امرأة.
وهل المراد أن يثبت زناه ولو مرة، أو لا بد أن يكون الآن على ما هو عليه؟
ظاهر كلام المؤلف أن يثبت ولو مرة، إلا أن يتوب توبة نصوحًا، ونعلم أنه استقامت حاله، هذا ليس بعيب، وأما إذا زنى ولم نعلم أنه تاب فإنه ربما يَحِنُّ إلى هذا الأمر ويعود إليه.
وقوله: (زِنَا الرقيق) خرج به زنا الْحُرّ، فليس بعيب.
طالب: الْحُرّ لا يباع.
الشيخ: إي نعم، الْحُرّ لا يباع.
إذن ويش خرج بها؟ زنا البهيمة؟ أو هذا لبيان الواقع.
(زنا الرقيق وسرقته) إي نعم، السرقة هذه مشكلة، إذا كان هذا الرقيق قد سرق ولو مرة واحدة، ما لم نعلم أنه تاب، فإن هذا عيب يثبت به الرد للمشتري.
(وإباقه)، ويش معنى إباقه؟ يعني هربه، إذا عُرف بأن هذا الرقيق يهرب عن سيده ولا يبقى عنده، فإن هذا عيب، ولو كان مرة؟
طالب: ولو كان مرة.
الشيخ: ولو مرة، يعني إذا علمنا أنه أبق عند البائع ولو مرة فإنه عيب.
طالب: يجوز بيعه؟
الشيخ: إي نعم يجوز، إلا أنه يجب أن تُبَيَّن حالُه.
(وبوله في الفراش) بول مَن؟
طالب: بول الرقيق.
الشيخ: بول الرقيق في الفراش، معناه أنه إذا نام وأحسَّ بالبول يبول، هذا عيب.
لكنه قيَّده في الشرح بأن يكون قد بلغ عشر سنين، فأما إذا كان صغيرًا فإن بوله في الفراش ليس بعيب.
[ ١ / ٤٥٠٥ ]
لو مثلًا اشترى رجل رقيقًا له سنتان قد فُطِم، وأبقاه عنده، فلما كان صباح اليوم الثاني جاء إلى البائع وقال له: هذا الرقيق يبول في فراشه، وأنت ما شرطت عليه أنه يبول، ماذا يقول له؟
يقول: هذا عادة الصبيان، هذا ليس بعيب، ولهذا لا ينقص قيمته، والمدار كله على تنقيص القيمة.
ويأتي إن شاء الله تعالى حكم هذا الخيار () الثمن فيما إذا ما وقع العقد على عين الثمن، وسبق لنا أن العيب ما يُنَقِّص قيمة المبيع.
قال بعضهم: أو يُنَقِّص عين المبيع؛ فالخصاء في الرقيق عيب، وهو يزيد قيمته ولّا ينقص؟
طالب: يزيد.
الشيخ: وهو يزيد في قيمته، لكنه عيب؛ لأن صاحبه قد يريد أن يكون فحلًا.
وقال بعض أهل العلم: إن الْخِصَاء في الرقيق إن كان المشتري له غرض في كون المبيع فحلًا فله الخيار، وإن لم يكن له غرض فلا خيار له؛ لأننا نقول له: لا يخلو إما أنك قد اشتريته للتكسب، أو اشتريته للخدمة، إن كنت قد اشتريته للتكسب فكونه خصيًّا أكسب لك، وإن كنت اشتريته للخدمة فكونه خصيًّا أسلم لأهلك، ولَّا لا؟ لأن الغالب أن الخَصِيّ ما يكون عنده شهوة، فإذا قال: أنا قد اشتريته لأجل التنمية، وإذا لم يكن فحلًا فكيف يكون منه تنمية؟ ماذا نقول له؟
نقول: نعم، في هذه الحال نشوف، إذا كان مثلًا عندك إماء وعبيد، وتريد أن تشتري عبيدًا من أجل أن تزوِّجهم بهذه الإماء، صار لك غرض، فإذا كان خصيًّا فإنه يفوت غرضك.
وأما إذا لم يكن لك غرض فإنه لا ينفع، حتى لو زَوَّجْتَه بأمة غيرِك، فإن أولاده لا يكونون لك، لمن يكونون؟ لمالك الأم، وإن زوَّجْتَه بحرة فأولاده أحرار.
فيه (زنا الرقيق) عيب؟
طالب: يعد عيبًا نعم، ثبت مرة واحدة، أما إذا تاب ورجع إلى الله ﷿ وثبتت هذه التوبة الصادقة فلا تعد عيبًا.
الشيخ: نعم، هذا العيب يعود إلى الخِلْقة ولَّا الْخُلُق؟
الطالب: الْخُلُق.
الشيخ: نعم، بوله في الفراش؟
طالب: نقول: فيه تفصيل، إن كان صغيرًا فلا عيب، أما إذا كان ..
[ ١ / ٤٥٠٦ ]
الشيخ: فليس بعيب؟
الطالب: فليس بعيب، وإن كان كبيرًا فهو عيب.
الشيخ: ويش حد الكبر؟
الطالب: حد الكبر بعد البلوغ.
الشيخ: إلى البلوغ؟
الطالب: بعد البلوغ.
الشيخ: بعد البلوغ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يعني إذا كان يبول على الفراش وهو له ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة ليس بعيب؟
الطالب: في سن الرضاع.
الشيخ: الرضاع؟
الطالب: إذا كان في الرضاع ليس بعيب.
الشيخ: ليس بعيب، وبعده؟
الطالب: وبعده عيب.
الشيخ: يعني معناه إذا تم له سنتان، وفي الثالثة يبول في فراشه فهذا عيب.
طالب: ليس بعيب.
الشيخ: ليس بعيب؟
طالب: إذا كان قبل الرضاع ليس بعيب.
الشيخ: هو في الثالثة، انتهى الرضاع، السنة الثالثة.
الطالب: ثلاث سنوات في الغالب يبول.
الشيخ: لماذا تحده بالرضاع؟
الطالب: لأنه الغالب الصغير اللي بيرضع يبول.
الشيخ: هذا اشترى رقيقًا له أربع سنوات، ووجده يبول في فراشه، عيب ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ليس بعيب.
الشيخ: ليس بعيب؟ هذا تعدى الرضاع بسنتين.
الطالب: إنه صغير.
الشيخ: حدِّد لي يا شيخ، البلوغ؟
طالب: ().
الشيخ: كم؟ سبع سنوات، يعني معناه وهو ثماني سنين إذا بال في فراشه فهو عيب؟
طالب: نعم.
طالب آخر: في الغالب أنه ..
طالب آخر: حده بعشر.
الشيخ: نعم، حدده الفقهاء بعشر سنوات، ولكننا إذا قلنا: إن العيب ما ينقص قيمة المبيع عرفًا، فإنا نرجع في ذلك إلى العرف، وفي ظني أن عشر سنوات يعتبر قدرًا كبيرًا.
طالب: يعتبر عيبًا يا شيخ، ما زاد عن السبع عيب.
الشيخ: إي، أقول: لو حُدِّد بأقل من عشر كان أحسن.
طالب: ().
الشيخ: الظاهر أن الناس إذا كان الطفل يبول وله ثماني سنوات يعتقدون هذا من العيب.
الطالب: لأن فيه أطفالًا ما يتعدى ثلاث سنين ().
الشيخ: إي نعم، هذا الغالب، يقول المؤلف ..
طالب: البيع في المجلس () نقول بصحة البيع ().
الشيخ: نقول بصحته مع الخيار.
طالب: ما نقول: إنه ورد النهي في ()؟
[ ١ / ٤٥٠٧ ]
الشيخ: هذا ما هو نهي عن البيع، نهي عن الغش، ما ورد على ذات البيع، لو قال: لا تبيعوا ما غششتم فيه، صح، صار واردًا على عين العقد.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فإذا علم المشتري العيب بعد)، أي: بعد العقد.
(إذا علم)، أفادنا المؤلف بقوله: (إذا علم) أنه لو كان المشتري عالِمًا بالعيب عند العقد فإنه لا خيار له؛ لأن عقده عليه مع علمه بعيبه يدل على رضاه به، وإذا رضي بالعيب فقد لزم البيع، لكن إذا لم يعلم ثم علم فله، يقول: إذا علم (العيب بعدُ أمسكه بأرشه)، أو رده وأخذ الثمن، يعني يخيَّر بين أمرين؛ بين أن يمسكه بأرشه، أو يرده ويأخذ الثمن.
(أمسكه بأرشه) الأرش، يقول: قسط ما بين قيمة الصحة والعيب، هذا الأرش، قسط ما بينهما، فيقوَّم المبيع سالِمًا من العيب، ثم يقوَّم وهو معيب، فما بين القيمتين فهو الأرش.
فإذا باع شيئًا بخمسين ووجد المشتري به عيبًا وأراد الأرش فقوَّمْنَاه ووجدناه سليمًا يساوي مئة ومعيبًا يساوي ثمانين، كم الأرش؟
طالب: عشرون.
الشيخ: عشرون؟
طالب: عشرة.
طالب آخر: مئة وثمانون.
الشيخ: لا، هو قال: هو اشتراه بخمسين، وطلب الأرش، وقوَّمْنَاه سليمًا بمئة ومعيبًا بثمانين.
طالب: يدفع هو ثلاثين.
الشيخ: كم الأرش؟
طالب: لا شيء.
طالب آخر: عشرة.
الشيخ: الفرق بين القيمتين كم؟
طلبة: عشرون.
طالب آخر: يقوَّم بمئة.
الشيخ: إي، ربما زادت السلع، أو نعرف أنه قد حاباه، البائع ما بيدعي الغبن.
نقول -انتبه للتعبير-: إن الأرش هنا خمُس؛ لأن العشرين بالنسبة للمئة خُمس، فيكون الأرش الْخُمس ونُسْقِط عنه من الثمن الأصلي، ما هو الثمن الأصلي؟ خمسون، نُسْقِط منه الْخُمس، كم؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة، ما تقُل: نُسْقِط عشرين؛ لأنك لو أسقطت عشرين من الخمسين صار الأرش أربعين من المئة، انتبه.
[ ١ / ٤٥٠٨ ]
ولهذا قال: (قسط ما بين قيمة الصحة والعيب)، ولم يقل ﵀: وهو الفرق ما بين قيمة الصحة والعيب، بل قال: قسط؛ لأجل أن تضيف تلك النسبة إلى قسطها فلا تقدِّرها بالعدد، بل قَدِّرْها بالنسبة دائمًا، فقل الآن: نسبة العيب عشرون في المئة، أي الخمس، فينقص من الثمن كم؟ الخمس، سواء زاد أو نقص.
طالب: الثمن الأصلي ولَّا الثمن المقدَّر؟
الشيخ: الثمن المقدَّر، ننسب النقص إليه نسبة، ثم نأخذ نسبة كالنسبة من الثمن الأصلي.
الطالب: عشرون في المئة نطلّعها من المئة.
الشيخ: إي، نطلّعها من المئة تكون الْخُمس.
الطالب: نطلّع الْخُمس من الخمسين.
الشيخ: نطلّع الْخُمس من الخمسين.
الطالب: ثم بعد ذلك؟
الشيخ: بس، نقول: الآن عليك ..
الطالب: هذه تكون الأرش؟
الشيخ: تكون هي الأرش، فيلزم المشتري من الثمن أربعون درهمًا فقط.
(أو رده وأخذ الثَّمَن)، نقول أيضًا: لك أن ترده، ترد أيش؟ ترد البيع، تفسخه وتأخذ القيمة، فأنت أيها المشتري بالخيار، هذا ما ذهب إليه الفقهاء ﵏.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأرش ليس بلازم للبائع، يعني لا يُلْزَم به البائع، إن وافق وإلا فإن للمشتري أن يرد المبيع فقط؛ لأن الأرش كما ترون معاوضة، ولَّا لا؟ إذ يُنَقَّص من الثمن، البائع يقول: أعطوني سلعتي أديكم دراهمكم، وإلَّا تنقصون الثمن أنا ما أوافق على هذا.
وما قاله الشيخ ﵀ وجيه، إلا إذا علمنا أن البائع غاشّ، وأنه كاتم للعيب، فإن الغاشّ ينبغي أن نعامله بأضيق الأمور وأشد الأمور، فصارت المسألة -هذه المسألة- فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه إذا ظهر عيب في المبيع فللمشتري الخيار بين الإمساك والرد فقط، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والمذهب أن للمشتري الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين الرد.
فنقول للمشتري: إن شئت أبقيناها عندك ويسقط عنك ما يقابل نقص العيب، وإن شئت فارددها على صاحبها وخذ الثمن.
[ ١ / ٤٥٠٩ ]
وأقول: إنه لو فُصِّل في هذه المسألة وقيل: إذا كان البائع غاشًّا معتديًا فإننا نعامله بأضيق الأمرين، فنقول: إنه يخيَّر المشتري بين الأرش وبين الرد، وأما إذا لم يكن غاشًّا؛ مثل أن يكون لا يعلم بالعيب، هو بنفسه لا يعلم بالعيب، فإنا لا نلزمه بالتعويض، ونقول للمشتري: إن كنت تريد السلعة بما فيها من العيب وإلا فردها على صاحبها.
طالب: كيف نعلم أنه غاشٌّ.
الشيخ: إذا علمنا أن هذا العيب كأن يتحدث به البائع مثلًا، يقول: إن السلعة فيها كذا وكذا وأنا ببيعها مصلحة لي، مثلًا لأن هذه الدابة حَرُون أو عَضُوض، أو تمنع اللبن، ولكنه كتمه على المشتري.
باقي عندنا -سَبَق خيار العيب- خيار الغبن وخيار التدليس.
وذكرنا أن المذهب ليس فيه إلا أن يرد أو يبقي بلا أرش، وأن الصواب أنه يرد أو يُؤَرَّش له.
لكن أنا قلت في الأرش مثل ما قلنا في أرش العيب؛ إذا كان البائع عالِمًا، وهو الغالب في مسألة التدليس أنه عالم، فإنه يُؤَرَّش عليه.
فيقال: لك الخيار بين أخذها على ما هي عليه، ويقدَّر لك الفرق بين قيمتها على وجه التدليس وقيمتها على وجه السلامة منها.
وأما إذا كان غير غاشٍّ فإنه لا شيء عليه، وكذلك نقول في خيار الغبن.
والحديث كما عرفنا في مسألة الْمُصَرَّاة يدل على أنه ليس له أرش، وهو إما أن يرد معها صاعًا من تمر، وإما أن يأخذها وليس له أرش.
طالب: يا شيخ البائع ما له اختيار في الأرش؟
الشيخ: لا.
الطالب: إذا قال: ما أعطيك أرشًا، يرد البضاعة ولَّا ..
الشيخ: أما المذهب فلا خيار له، المذهب أن المشتري يخيَّر، رضي البائع أم كره؛ لأن شيخ الإسلام هو الذي يقول: إن البائع ما يُلْزَم بالأرش، ولكني قلت كما سمعت: إن الصواب التفصيل في ذلك.
طالب: يا شيخ، الأرش ما يخالف الحديث؟
[ ١ / ٤٥١٠ ]
الشيخ: مخالف؟ ! الحديث ما تعرَّض للأرش؛ لأنه ما طلبه صاحب الـ ..، وإن كان ظاهر الحديث أنه لا أرش، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها؟ فظاهره أنه يمسكها بلا أرش، ولكن قد يقال: إنه إذا لم يطالب بالأرش.
وأما إذا طالب فيُنْظَر في الموضوع، والذي أرى أنه إذا ثبت غش الرجل فإن الغاشَّ لا ينبغي أن يُفْتَح له الباب، بل يعامَل بأشد الأمور وأضيقها.
طالب: شيخ، بالنسبة للعيب، إذا كان العيب واضحًا في المبيع، لكن غير ظاهر يعني جدًّا، والمشتري إذا تفحص ودقق هيجد العيب، ولكنه اشترى ولم يفحص في العيب، والبائع لم يقصد مثلًا إن هو يخفي عليه شيئًا.
الشيخ: إذا كان العيب ظاهرًا فلا خيار له.
الطالب: يقول: ما رأيته، مثلًا، ولكن هو لو تحرى الدقة شوية في البحث مثلًا أو إنه مسك الحاجة أو قلبها أو شيء يراه، لكنه لم يفعل ذلك.
الشيخ: الظاهر أن له الخيار، لأن الواجب على البائع أن يبيِّن له، إلا إذا كان ظاهرًا، مثل لو فُرِضَ إن فيه مثلًا قلم قد انكسر الرباط اللي يربطه بالجيب، () المنكسر، وما أشبه ذلك، أو ساعة زجاجتها منكسرة، وقال: ما شوفتها.
طالب: شيخ، الأصل السلامة في السلعة التي يشتريها.
الشيخ: هذا هو الأصل، الأصل السلامة.
الطالب: الأصل سلامتها فلا () سلامتها.
الشيخ: إي نعم، لكن إذا كان عيبًا بيِّنًا، قال: شوف هذا ما فيه مسَّاكة القلم مثلًا، شاهد ما فيه إشكال عندك، أما إذا سيارة منكسرة زجاجها مثلًا، أو ساعة منكسرة زجاجتها، هذا شيء واضح، أما الشيء الذي خفي ولكنه بالتدقيق يمكن تعرفه، فهذا الأصل السلامة، يثبت له الخيار.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أمسكه وهو قسط ما بين الصحة والعيب وأخذ الثمن، أو رده وأخذ الثمن، وإن تلف المبيع أو عتق العبدُ تعيَّن الأرش).
لو قال المؤلف: إن تعذَّر الرد تعيَّن الأرش، لكان أعم في العبارة، تلف المبيع هنا يتعين الأرش، لماذا؟
طالب: ().
[ ١ / ٤٥١١ ]
الشيخ: لأنه ما يمكن الرد، تلف المبيع، احترق، يعني مثلًا هذا إنسان اشترى هذا التسجيل، مسجل ووجد به عيبًا وأشهد عليه، على أنه سيرده على صاحبه، أو يأخذ الأرش، فاحترق هذا المسجل، ويش يتعين؟
طالب: الأرش.
الشيخ: يتعين الأرش؛ لأن الرد هنا متعذِّر، وكذلك لو ماتت البهيمة فإنه يتعين الأرش؛ لأن الرد متعذِّر.
ومثله أيضًا لو عتق العبد، الرجل الذي اشترى هذا العبد أعتقه، وبعد أن أعتقه وجد أن به عيبًا، فهنا لا مكان للرد، والسبب لأنه عتق، فلا يعود رقيقًا بعد عتقه، وحينئذ نقول: يتعين الأرش.
الطالب: ().
الشيخ: القاعدة هذه مطَّردة، إن تعذَّر الرد تعيَّن الأرش.
طالب: ().
الشيخ: نعم، يعني هو الذي أتلفها؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إذا كان هو الذي أتلفها فنقول له: أما على المذهب فلا يرد علينا، هذا كما قلت، وأظنك ما فهمت المذهب زين.
المذهب أن الإنسان بالخيار بين الرد والأرش مطلقًا، حتى لو السلعة عنده الآن حاضرة ويمكن يردها، قال: ما أنا برادّه، أنا لازم أتَثَمَّن.
طالب: معروف هذا.
الشيخ: خلاص، فالمؤلف ﵀ يقول: إذا تعذَّر الرد، ما بقي عندنا إلا الأرش يتعين الأرش، أما على الرأي الثاني اللي يقول: لا أرش إلا برضا البائع فهنا نقول: إنه لا أرش إلا برضا البائع، لكن إن تعذَّر الرد فلا بد من الأرش؛ لأنه لا يمكن أن نضيع حق المشتري، وسبق لك أنني قلت: إنه ينبغي أن يقال: إن كان البائع قد غش فإننا نخيِّر المشتري بين الأمرين؛ بين الرد والأرش، وأما إذا كان غير غاش فإن القول بإلزامه بالأرش فيه نظر.
يقول: (وإن اشترى ما لم يُعلم عيبُه بدون كسره كجَوْز هند وبَيْض نعام فكسَرَه فوجده فاسدًا فأمسكه فله أرشه، وإن رده رد أرش كسْرِه، وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن).
[ ١ / ٤٥١٢ ]
هذا الإنسان اشترى شيئًا لا يعلم عيبه بدون كسره، ولا يمكن الانتفاع به إلا بكسره، مثل: بيض النعام، ما يمكن أن يُنتفع به حتى يُكسر، هذا الرجل لَمَّا كسر البيضة وجد أن الذي كان داخلها فاسد، ففي هذه الحال له الخيار بين الإمساك بالأرش وبين الرد، لكن إذا ردها فإنه يرد أرش الكسر.
هو نفسه عليه أرش الكسر، ما هو أرش الكسر؟
يعني نقص هذا البيض؛ لأن بيض النعام يُنتفع به بعد إزالة ما في جوفه، ينتفع به كأواني، يُجْعَل أواني ينتفع بها هذا الرجل، يقول: الآن إن كسرته على وجه ينقص به فإن عليك أرش الكسر، فنقول: ماذا تساوي هذه البيضة لو لم تُكسَر، وماذا تساوي بعد كسرها؟ الفرق بين القيمتين يكون الأرش على المشتري، هذا إذا رد، أما إذا أمسك فإن له الأرش كما سبق.
أما إذا كان الشيء لا يمكن أن ينتفع به بعد كسره مثل بيض الدجاج، كسر بيض الدجاج ووجده فاسدًا، ماذا يصنع المشتري، ويش يجب للمشتري يعني؟
طالب: الرد.
الشيخ: الرد؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: لا يجوز الرد هنا.
الشيخ: قال: ما يخالف، الرد.
الطالب: بس ما يدفع الأرش.
الشيخ: قال البائع: أنا إذا رددته أبغيك ترد القشور أيضًا، نقول: القشور لا فائدة منها، وكذلك نفس البيض؛ لُبّ البيض لا فائدة منه بالنسبة لبيض الدجاج، والسبب أنه إذا كان فاسدًا لا يمكن أكله ولا الانتفاع به.
ولهذا قال المؤلف: (وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن)، إن كان كبيض دجاج فإنه يعود بكل الثمن، يأخذ الثمن كله من البائع، وهذا إذا كان قد سَلَّم الثمن.
أما إذا كان لم يسلمه فإنه لا يرجع بشيء.
() أو عينه وإن لم تنقص القيمة كالخصاء للرقيق فإنه ينقِّص عينه، ولكنه لا ينقص القيمة، ().
يقابله جزء من السلعة، فإذا فُقِد جزء من السلعة لزم أن يُفْقَد به جزءٌ من الثمن، وهذا هو الأرش.
[ ١ / ٤٥١٣ ]
شيخ الإسلام يقول: لا، إن الأرش عبارة عن معاوضة جديدة؛ لأنه للبائع الخيار أن يقول: أنا ما أريد هذا؛ إما أن تعطوني سلعتي كاملة وأعطيكم الثمن كاملًا، وإما أن تأخذوها كاملة ولي الثمن.
وذكرت لكم أن الأقرب عندي أنه إذا كان البائع ..؟
طالب: غاشًّا.
الشيخ: غاشًّا فإن الصحيح ما ذهب إليه أصحاب المذهب، وإن لم يكن غاشًّا فإننا لا نُلْزِمه بهذا التعويض الجديد. ()
(خيار عيب مُتَرَاخٍ)، يعني أنه على التراخي وليس على الفورية، فلا نقول: إنه بمجرد أن يعلم المشتري العيب يجب أن يرد، فإن لم يفعل فلا خيار له، لا، نقول: له أن يتأخر يومًا أو يومين ثم يرد؛ لأن هذا حق له فلا يسقط بتأخر المطالبة به، فإن الحق الثابت لشخص لا يسقط إلا بإسقاطه إياه، وأما مجرد تأخير المطالبة به فلا يدل على إسقاطه، هذا هو التعليل.
أن نقول: التعليل بأن هذا حق ثابت له، فلا يسقط إلا بإسقاطه، فإذا أسقطه وقال: إني علمت العيب ولكن اشهدوا أنني راضٍ بهذا المبيع معيبًا سقط حقه.
وأما إذا قال: علمت العيب وسكت، فله الحق في المطالبة، ما يقول البائع: ليش ما طالبت من أول ما علمت؟ نقول: لأنه ليس على الفور، فهو حقه، فمتى شاء طالب به، اللهم إلا أن يؤدي ذلك إلى إضرار بصاحب الحق، مثل أن يسكت حتى يزول الموسم، أو حتى تنزل الأسعار، ثم بعد ذلك يقول: أنا أريد رده، فهذا لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢)، ولا يجوز للإنسان أن يتصرف تصرفًا يضر بأخيه المسلم.
يقول المؤلف: (ما لم يوجد دليل الرضا)، فإن وُجِدَ دليل الرضا فإنه لا خيار، ويش علامة دليل الرضا؟
علامة دلالة الرضا أن يبيعه أو يتصرف فيه بإجارة أو برهن، أو ما أشبه ذلك، فإنه يدل على أنه راضٍ به، تصرفه في هذا المبيع يدل على أنه راضٍ بالعيب، ولولا أنه راضٍ لطالب بحقه في العيب.
هل التجربة تدل على الرضا؟
طالب: ما تدل.
الشيخ: ما تدل؛ لأن التجربة لا بد منها.
[ ١ / ٤٥١٤ ]
وقوله: (ما لم يوجد دليل الرضا)، فإن وُجِدَ دليل الرضا فلا خيار، فإذا تصرف، ثم بعد أن باع الشيء جاء المشتري الثاني ووجد العيب فرده بعيبه، هل للمشتري الأول أن يرده على البائع الأول بعيبه أو لا؟ لا؛ لأنه تصرف به تصرفًا دليلًا على رضاه به.
أما لو قال: أنا والله ما علمت، وبعته غير عالم بعيبه، ولولا أن المشتري الثاني نبَّهني على ذلك ورده عليَّ من أجله .. ()
الأصل علمه، لا سيما إذا كان العيب ظاهرًا.
يقول: (ولا نفتقر إلى حكم ولا رضا ولا حضور صاحبه)، لا يفتقر إلى حكم الحاكم، يعني: لا يُشْتَرَط لشخص وجد المبيع معيبًا أن يذهب إلى القاضي ويقول: احكم لي بصحة الخيار، لماذا؟
لأن هذا حق من الحقوق ثابت لصاحبه، فلا يحتاج إلى محاكمة، وليس شيئًا مختلَفًا فيه حتى نقول: إن الحاكم يرضى وحُكْمُه الخلاف، بل هو أمر متفَق عليه.
ولا يحتاج أيضًا إلى رضا ولا حضور صاحبه، فلو أن صاحبه لم يرضَ، كَلَّمَه قال: والله أنا وجدت المبيع معيبًا، ()، قال: لا أبدًا، ما أرضى، ما تقولون؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم بقبول الرد، يقول: هذا مالك والرجل لا يريده، ولا سيما إذا كان هذا البائع معروفًا بالغش والخيانة فإنه يُجْبَر ويُلْزَم، ويُؤَدَّب على كتمه للعيب.
وهل يُشْتَرَط أن يحضر صاحبه أم لا؟
يقول المؤلف: (لا يُشْتَرَط)؛ لأنه ليس عقد بيع يحتاج إلى وجود العاقد من بائع ومشترٍ، ولكنه فسخ عقد ثبت بالطرفين، فلمن له الحق أن يفسخ وإن لم يَرْضَ الآخر.
طالب: صاحبه الأول يا شيخ.
الشيخ: البائع؛ صاحبه يعني البائع.
قال: (وإن اختلفا عند مَن حدث العيب فقولُ مُشْتَرٍ مع يمينه).
[ ١ / ٤٥١٥ ]
هذه المسألة انتبهوا لها، اتفق البائع والمشتري على العيب، لكن قال البائع للمشتري: إن العيب حدث عندك، وقال المشتري للبائع: إن العيب حدث عندك، فلا يخلو من حالين؛ إحداهما أن يمتنع صِدْق أحدهما، والثانية أن يحتمل صدق أحدهما، فإن امتنع صدق أحدهما فالقول قول مَن؟ قول الثاني الذي لا يحتمل قوله الكذب.
مثاله: اشتريت غلامًا، ولما ذهبت به إلى البيت نظرت وإذا فيه أصبع زائدة؟ اشتريت الغلام وذهبت به إلى البيت، ووجدت أصابع رجليه اثني عشر أصبعًا، يعني فيه زيادة أصبعًا لكل قدم، فرجعت به على البائع، وقال: العيب حدث عندك، أيش تقولون؟
طالب: يمتنع.
الشيخ: يمتنع صدقه، مَن القول قوله الآن؟
طالب: قول المشترِي.
الشيخ: قول المشتري، قال المشتري: كيف حدث هذا عندي؟ نقول للمشتري: احلف أنه ما حدث عندك وإنما حدث عند البائع، ما يحلف أيضًا؛ لأن الحلف هنا لغوٌ لا فائدة منه، وحينئذ يكون القول قول المشتري بدون يمين.
الصورة الثانية: اشترى شاة، فلما ذهب بها إلى البيت وجد فيها دُمَّلًا، أتدرون الدُّمَّل؟ وجد فيها دمَّلًا.
فرجع إلى البائع وقال له: إن الشاة فيها دُمَّل، وقال: إن الدُّمَّل حدث عندك، مَن القول قوله؟
يُنْظَر إذا كان الدُّمل تَوُّه ناشئ ويمكن نشوؤه في ملك المشتري فعلى ما يأتي إن شاء الله في الحالة الثانية، وإذا كان لا يمكن فإنه لا يُقْبَل قول البائع.
الجرح؛ حصل فيها جرح قريب، جرح يثعب دمًا، فجاء المشتري للبائع، لما باع عليه الضحى جاء إليه بعد الظهر، وقال: وجدت الشاة معيبة، ويش اللي فيها؟
قال: وجدت فيها عِرْقًا يثعب دمًا، وهذا يُخِلُّ بها، وجدنا فيها جرحًا من سكين لكن جرح طارئ، ما فيه دليل على .. ما تجمد الدم، ولا فيه دليل على أنه سابق، فقال البائع: هذا منك، فقال المشتري: ليس مني، مَن القول قوله؟
طلبة: قول البائع.
[ ١ / ٤٥١٦ ]
الشيخ: قول البائع، يحتاج إلى دليل؟ ما يحتاج إلى دليل؛ لأن هذا أمر ظاهر؛ أن القول قول المشتري.
طالب: يحتمل.
الشيخ: لا، ما يحتمل، ولو كان؛ لأن الجرح الطارئ، المعروف أن الجروح هذه يثعب الدم منها خمس دقائق ست دقائق ويقف، وهذا إلى الآن تَوُّه ما فيه لا تجمد الدم ولا توقف، ومثل هذا يدل على أنه لم يحصل إلا في ملك المشتري يقينًا.
طالب: ().
الشيخ: قلنا، لكنه ما يحتمل، ما يحتمل حدوثه عند البائع، أما شيء يحتمل فعلى الصورة الثانية التي تأتي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
() إن القول قول المشتري؛ لأن هذا العيب جزء فائت في العين المبيعة، والأصل عدم وجوده، فإذا ادَّعاه المشتري كان القول قوله.
ولنفرض أن العيب قطع أذنه، يقولون: إن الأصل أن المشتري لم يستلم هذه الأذن، ولَّا لا؟ الأصل أن المشتري ما استلم هذه الأذن، فيكون القول؟
طالب: قول المشتري.
الشيخ: قول المشتري، وكذلك العيب، كل العيوب حتى العيوب المعنوية، يقولون: إن الأصل عدم استلامها، فإذا كان الأصل عدم استلامها فإن القول فيها قول المشتري.
هذا هو حجتهم، ولكن الصحيح أن القول قول البائع؛ لأن الأصل السلامة، والعيب طارئ حادث، فنقول لمن ادعى أن هذا معيب: اثبت أنه معيب، فإذا كنا لا نقبل قوله: إنه معيب، فكذلك لا نقبل قوله: إنه معيب، قبل العقد، المشتري لو ادعى أن المبيع معيب، وقال البائع: ما فيه عيب أبدًا، مَن القول قوله؟ قول البائع بلا شك، لكن البائع لم يُقِرّ بالعيب، لكن اختلفوا، فاختلف البائع والمشتري هل كان قبل العقد أو بعده، فالبائع يقول: بعد العقد، والمشتري يقول: قبل العقد.
فما هو الأصل؛ السلامة، أو الأصل العيب؟
طلبة: السلامة.
[ ١ / ٤٥١٧ ]
الشيخ: نعم السلامة، فإذا كان لا يُقْبَل قول المشتري في أصل وجود العيب، فكذلك لا يُقْبَل قول المشتري في زمن العيب، والقول الصحيح أن القول قول البائع، ولكن لا بد من اليمين، فيقول: والله ما بعته معيبًا بهذا العيب، وإنما بعته سليمًا منه، وإذا حلف على هذا الوجه نقول للمشتري: لا خيار لك.
هذا هو الصواب، وعليه فقول المؤلف ﵀: (فقول مُشْتَرٍ مع يمينه) هذا الحكم، فما عِلَّتُه؟
لأن العيب جزء فائت، والأصل عدم تسلُّم المشتري له، فيُقْبَل قوله بيمينه في أن هذا الجزء الفائت كان قد فات قبل العقد.
وأما الذين يقولون: إن القول قول البائع، فنقول: إن الأصل السلامة وعدم العيب، فلا يُقْبَل قول مُدَّعِيها -أي مدعي العيب- إلا ببينة.
ونقول أيضًا: إذا كنا لا نقبل قول المشتري في أصل العيب، فلا نقبله في زمن العيب؛ لأن الأصل عدم وجود هذا العيب.
وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة؛ لأن الأصل السلامة، وأن هذا المبيع تام الأعضاء وتام الصحة حتى يقوم دليل وبينة على أنه فاقد ذلك.
طالب: ().
الشيخ: لا، ()؛ لأن البائع إذا أنكر أصل العيب فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة، فإذا ثبت العيب بعد إنكاره فلا يُقْبَل إنكاره أنه حدث بعدها؛ لأنه أنكر الأصل، ثم تبين أنه كاذب في إنكاره، فلا يُقْبَل منه، أما إذا () أن أقول: إن هذا معيب بلا شك، لكن هذا العيب ما حدث عندي، فنقول: الأصل السلامة.
قال المؤلف: (السابق بالخيار في البيع بِتَخْبِير الثمن)، قوله: (بتخبير الثمن) متعلق بالبيع، يعني السادس خيارٌ فيما إذا باع بتخبير الثمن.
طالب: بتخيير.
الشيخ: لا (بتخبير) يا أخي، اقرأ وعدلوها (بتخبير) بالباء.
و(تخبير) مصدر خَبَّرَ يُخَبِّر تخبيرًا، أي: أخبر يُخْبِر إخبارًا، أي: نَبَّأ يُنَبِّئ تَنْبِئَة، أو أَنْبَأَ يُنْبِئ إِنْباءً، أي: أَعْلَم يُعْلِم إعلامًا، وعَلَّمُ يُعَلِّم تعليمًا ().
[ ١ / ٤٥١٨ ]
فمعنى تخبير الثمن يعني أن يُخَبِّر البائعُ بالثمن، وعلى هذا فيكون قوله: (بتخبير الثمن) متعلق بالبيع، والبيع مصدر يعمل عمل فعله.
يعني السادس خيار فيما إذا باع السلعة بالتخبير عن ثمنها، فتبين أن خَبَره كاذب، فيقول مثلًا: اشتريتها بألف، ثم تبين أنه اشتراها بتسع مئة مثلًا، الآن هذا للمشتري الخيار بأي سبب؟ ويش سببه؟
طالب: التخبير.
الشيخ: سببه التخبير الكاذب بالثمن؛ لأن البائع خَبَّرَه خبرًا كاذبًا بثمن هذه السلعة، عرفتم الآن؟ وهو نوع من الغش والتدليس، فإنه أظهر أن السلعة بثمن كثير، وهي في الواقع بثمن قليل، فهو حرام، أي: الإخبار بخلاف الواقع حرام، ولهذا جُعل للمشتري الخيار.
قال المؤلف: (بتخبير الثمن متى بَانَ أقلَّ).
وأما قوله: (وأكثر) فإنها لم توجد في كتب الأصحاب ﵏، وهي عند التأمل لا وجه لها.
(متى بَانَ أقل)، فإذا أخبره بالثمن فبَانَ أقل فله الخيار، وإن بَانَ أكثر ما له خيار، لكن هل للبائع الخيار؟ نقول: أنت الذي جَنَيْت على نفسك، لكن لو قال: أنا نسيت، أحسب أنني قد اشتريته بخمسين، وأنا مشتريه بمئة، لكن نسيت فأخبرت بأقل مما كان عليه في الواقع، نقول: إن نسيانك لا يكون سببًا لغُرْم غيرك، يقول: بماذا يثبت؟ يثبت في أمور أربعة:
في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة، والبيع بالتخبير يقابله البيع بالمساومة، كيف ويش معنى البيع بالمساومة؟
يجي يَمّ إنسان يريد أن يشتري مني سيارة () فين السيارة؟ أبيع عليك أو ما أبيع، لكن البيع بالتخبير بالثمن أن أقول: أبيعها عليك بمثل ما اشتريتها به، هذا فيه نوع من التقييد، والأول فيه نوع من التحرر، يكون البائع والمشتري غير متقيدَيْنِ بثمن، إن جاز لي ما سمح به بعت، وإلا فلا.
[ ١ / ٤٥١٩ ]
والبيع في المساومة أسلم من وجه، ولكنه أخطر من وجه آخر؛ أسلم من جهة إنه ما يكون فيه كذب بالإخبار بخلاف الواقع، لكنه أخطر من حيث إن البائع ربما يطمع ويزيد في ثمن السلعة كثيرًا، ففي كل منهما سهولة من وجه، وخطورة من وجه آخر، وأيهم أشد طمأنينة للمشتري، المساومة ولَّا التخبير؟
طالب: التخبير.
الشيخ: الغالب أن التخبير أشد طمأنينة له؛ لأنه يقيِّد الثمن فيما اشتريت به، يقول: (يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة).
التولية هي البيع برأس المال، يسمى تولية، وسميت تولية لأن الإنسان البائع يجعل المشتري متوليًا ما تولاه داخلًا مدخله، فلهذا نسميها تولية، مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء برأس مالي، وثمنه عليّ مئة، هذه نسميها تولية.
الشركة أن يبيع بعض المبيع برأس ماله، مثل أن يقول: بعتك نصف هذه الأرض بمثل ما اشتريتها به، فقد اشتريت الأرض بعشرة آلاف ريال، كم تكون قيمة النصف؟
طالب: عشرة.
الشيخ: يلّا، ما الحساب؟
طالب: ما تبقى حساب.
الشيخ: لماذا لم تقبض، قال: بعتك نصف هذه الأرض بمثل ما اشتريتها به، وقد اشتريتها بمئة، أو بقسط ما اشتريتها به، وقد اشتريتها بمئة، كم تكون؟
طالب: خمسين.
الشيخ: بخمسين، هذه يسميها العلماء البيع بالشركة، لكن لاحظوا أن البيع بالشركة قد يكون تولية، وقد يكون مرابحة، وقد يكون مواضعة.
المرابحة أن يبيعه برأس ماله وربح معلوم، مثل أن يقول: بعتك هذه السيارة بما اشتريتها به، مع ربح عشرة دراهم، نسميها أيش؟
طالب: مرابحة.
الشيخ: مرابحة، ولا فرق بين أن يكون الربح معينًا أو مشاعًا؛ معين بأن يكون مئة درهم، مئتين، وما أشبه ذلك، مشاعًا كأن يقول: على أن أربح العُشر أو الرُّبع أو الْخُمس، أو ما أشبه ذلك.
المهم لا بد أن يكون الربح معلومًا.
[ ١ / ٤٥٢٠ ]
المواضعة عكس المرابحة؛ بأن يبيعه السلعة برأس مالها ونقصان معلوم أو خسران معلوم، على أن أخسر بالعشرة واحدًا، مثلًا: بعتك إياها برأس مال على أن أخسر بالعشرة واحدًا.
فإذا كانت بألف تكون بتسع مئة، وسواء كان نقص معلوم بالمشاع أو معلوم بالتعيين، كأن يقول: على أن أخسر فيها مئة درهم، بدون أن ينسبه إلى الثمن، أو يقول: على أن أخسر فيها بالمئة عشرة، فصارت الأنواع الآن أربعة: التولية والشركة والمرابحة والمواضعة.
واعلم أن المرابحة والمواضعة تأتي في التولية والشركة؛ لأن من الممكن أن يبيع عليه الكل بالمرابحة، أو البعض بالمرابحة، أو الكل بالمواضعة، أو البعض بالمواضعة، أو يبيعه تولية أو شركة؛ تولية بمعنى يبيعه كله برأس ماله، أو شركة بأن يبيع نصفه برأس ماله، هذه الأنواع الأربعة تسمى البيع بتخبير الثمن.
يقول المؤلف ﵀: (ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأسَ المال) معلوم، للذي لم يعرفه صار مجهولًا، لا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال، فلو قال: بعتك هذا البيت برأس مالي، والمشتري لا يعلم، فإن البيع غير صحيح، السبب؟ لأن الثمن مجهول، ومن شروط البيع أن يكون الثمن معلومًا.
المؤلف بيقول: (لا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال)، والبائع ما يُشْتَرَط معرفته رأس المال؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، هو ما عرف، ربما يكون باع له وكيل، يبيع له ويشتري، ولَّا لا؟
طالب: ().
الشيخ: لا، افرض أنه له وكيل مثلًا في معرض سيارات، وجاءه واحد وقال: أبغي أشتري منك برأس المال بالتخبير بالثمن من هذه السيارات، وأنا ما زلت لمن اشتراها وكيلًا، ويدري، ولكن أنا ما أدري، ممكن ولَّا غير ممكن؟ ممكن، لكن المؤلف لم يذكر علم البائع؛ لأن الغالب أن البائع يعلم هذا السبب، وإلا لا بد من علم البائع والمشتري برأس المال، فإذا كان أحدهما جاهلًا به فإنه لا يصح البيع؛ لأن من شروط البيع العلم بالثمن لكل من البائع والمشتري.
[ ١ / ٤٥٢١ ]
قال: (وإن اشترى بثمن مؤجَّل ولم يبيِّن ذلك في تخبيره بالثمن فللمشتري الخيار)، الآن هذه الأنواع الأربعة إذا تم البيع فيها وكانت موافقة للواقع، هل للمشتري الخيار؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعني قال: بعتك برأس مالي، ورأس مالي ألف، وتبيَّن أن رأس ماله ألف، ما له خيار، وكذلك في الشركة والمرابحة والمواضعة، ما دام تبين الأمر أنه على الواقع فلا خيار، لكن إذا تبين على خلاف الواقع فله الخيار والثمن الآن.
(إن اشترى بثمن مؤجَّل ولم يبين ذلك للمشتري فللمشتري الخيار).
خدوا بالكم، البائع اشترى هذا البيت بمئة ألف لمدة سنتين، فجاء إليه شخص آخر ليشتريه منه، قال: ببيع عليك برأس مالي، ما أنا بكسب عليك، أنت رجل طيب وحبيب، كم رأس مالك؟ قال: مئتي ألف، فباعه بمئتي ألف، ونقل له مئتي ألف، المقدار سليم؟
طالب: نعم.
الشيخ: سليم، مئتي ألف، لكن هناك صفة تستلزم زيادة الثمن لم يبينها البائع للمشتري، ما هي الصفة؟ تأجيل الثمن، غالبًا يزيد به الثمن، لكن البائع ما أخبر المشتري قال: وأخبره إني مشتريه بمئتين إلى أجل، إلى سنتين، ما اشتراه مني بمئتين، ولكن أنا بقول: أنا ببيع عليك برأس مالي بمئتين، وأنا صادق فيما قلت: إني شاريه بمئتين، للمشتري الخيار ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: له الخيار، فإذا قال البائع: أنا ما كذَبتك، اشتريته بمئتي ألف، وبعته عليك برأس المال مئتي ألف، ويش يقول؟
طالب: اشتريته مؤجَّلًا.
الشيخ: نعم، يقول: كذبتني؛ لأنك اشتريته مؤجَّلًا، والثمن المؤجَّل غير الثمن الحاضر، هذا واحد، لهذا قال: (إن اشترى بثمن مؤجل).
(أو ممن لا تُقْبَل شهادته له)، مين اللي ما تُقْبَل شهادته له: الأصول والفروع والزوج والزوجة.
هذا رجل اشترى بيتًا من زوجته بمئتي ألف ريال، وجاءهم إنسان وقال: أبغيك تبيعوه عليّ برأس مالي، قال: نعم، أبيع عليك بمئتي ألف ريال، لأن هذا رأس ماله ()، ولم يخبره أنه من زوجته، فله الخيار ولَّا لا؟
[ ١ / ٤٥٢٢ ]
يكون له الخيار، ويش الخيار؟ قال: لأن الغالب أن الإنسان يحابي زوجته، قد يشتري منها ما يساوي مئتين وهو لا يساوي إلا مئة وثمانين مثلًا، وكذلك بالعكس، وكذلك لو كان اشتراه من ابنه بمئتي ألف، وجاء إنسان وباعه عليه برأس ماله بمئتي ألف، ولم يخبره أنه اشتراه من ابنه، فله الخيار، لماذا؟ لأن الإنسان إذا اشترى من ابنه فربما يحابيه ويشتري منه بمئتين ما يساوي مئة وثمانين.
إذن إذا اشتراه ممن لا تُقْبَل شهادته له وهم الأصول والفروع وأحد الزوجين فإن للمشتري الخيار، إلا إذا بُيِّنَ له؟
وظاهر كلام المؤلف أن له الخيار وإن لم يكن محاباة، يعني لو فُرِضَ أن الثمن هو الثمن، وأنه لو اشتراه من غير زوجته مثلًا لكانت هذه قيمته، فإن له الخيار؛ لأنه يقال: لماذا لم تُخْبِر، يقول: اشتريته من زوجتي، اشتريته من أبي، اشتريته من ابني، حتى يكون المشتري على بصيرة.
أو اشتراه أيضًا (بأكثر من ثمنه حيلةً) يعني: مثل أن يشتريه تحيُّلًا لاستخلاص حقه.
هذا واحد أطلبه بعشرة آلاف ريال وأبى أن يوفيني؛ إما لفقره أو مماطلته، فوجدت معه سيارة تساوي ثمانية آلاف ريال، قلت: أعطني هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، اشتريتها بعشرة آلاف ريال، ويش لأجله؟ أستوفي بها، فجاءني رجل وقال: أريد أن تبيع لي السيارة برأس مالها، فقلت بعتها عليك برأس مالها وهو عشرة آلاف ريال، وهذه وثيقة البيع، ولكني ما بَيَّنْت له أنني اشتريتها استيفاءً، فله الخيار، السبب؛ لأن قيمتها كم؟
طلبة: ثمانية.
الشيخ: ثمانية آلاف، وأنا اشتريتها بعشرة استنقاذًا لحقي، ولهذا قال: (أو بأكثر من ثمنها حيلةً).
وهذه صورة من صور الحِيَل، وإلا قد يكون هناك أشياء أخرى () راعيته فيها لمصلحتي، كما لو اشتريتها بأكثر من ثمنها من أجل أن يُؤْجِرَني بيته مثلًا، أو من أجل أن يُزْرِعَنِي مزرعته، أو ما أشبه ذلك.
فإنه في هذه الحال إذا تبيَّن أنه أكثر من قيمة المثل فإن للمشتري الخيار.
[ ١ / ٤٥٢٣ ]
طالب: ().
الشيخ: إي، لكن هل يبيعها برأس مال؟ أحسن له أن يبيعها مساومة ما هو بتولية.
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما يجوز هذا، هذا حرام عليه.
الطالب: ().
الشيخ: أعوذ بالله. ()
(أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبيِّن ذلك في تخبيره بالثمن، فللمشتري الخيار) (باع بعض الصفقة) يعني اشترى مثلًا ثلاث سيارات، اشتراها بستين ألفًا، كم ثمن كل سيارة؟
طالب: عشرون.
الشيخ: عشرون ألفًا، هو باع سيارة منها من الثلاث باعها بقسطها من الثمن بعشرين ألفًا، ثم باع الثنتين توليةً بكم؟
طالب: بأربعين ألفًا.
الشيخ: بأربعين ألفًا، قال: بعت عليك هاتين السيارتين برأس مالي، وهو أربعون ألفًا، ثم تبيَّن أنه قد اشترى ثلاث سيارات وباع واحدة، فللمشتري الخيار، وهذا معنى قوله: (أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن).
فنقول: للمشتري الخيار، لماذا لم تقل له: إنني بعت عليك سيارتين من ثلاث توليةً برأس المال؟ لا بد أن تبيِّن.
وهذه المسألة اختلف فيها المؤلف والمذهب؛ فالمذهب يقولون: إنه إذا كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء فلا خيار؛ لأنه ما فيه ضرر، وإن كان ينقسم عليه بالقيمة ففيه الخيار؛ لأنه إذا كان ينقسم بالقيمة فإن القيمة قد تزداد إذا ازداد المبيع، وقد تنقص كما هو معروف من بيع الجملة والتفريد.
أما إذا كان الثمن ينقسم عليه بالأجزاء، بحيث كل جزء له قسط من الثمن، فإنه إذا باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، وباع الباقي توليةً ولم يذكر أنه باع منها شيئًا، فلا خيار له؛ لأنه لا ضرر عليه.
فهذه السيارات الثلاث قيمتها مجموعة ومتفرِّدة واحدة؛ ستون ألفًا، كل سيارة بعشرين ألفًا، فإذا باع واحدة بعشرين ألفًا فإنه بالضرورة يكون الباقي بكم؟ بأربعين، ولا ضرر على المشتري.
[ ١ / ٤٥٢٤ ]
بخلاف ما إذا اشترى كيسًا من القمح، اشتراه بتسعين درهمًا، ثم باع ثلثه بثلاثين درهمًا، فإنه في هذه الحال ربما يكون الباقي يساوي ستين، وقد لا يساوي الستين، وقد يساوي أكثر من الستين، فإذا كان الثمن ينقسم بالقيمة على المبيع فإنه إذا باع بعضه ولم يُخَبِّر به فللمشتري الخيار، وإن كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء فإنه لا حرج أن يبيع البعض، أو أن يبيع الباقي بقسط من الثمن، وإلا لم يُخَبِّر المشتري.
وهذا التفصيل أقرب إلى الصواب؛ لأن المشتري لا ضرر عليه إطلاقًا.
أما ظاهر كلام المؤلف فإن فيه الخيار مطلقًا، سواء كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء، أو ينقسم عليه بالقيمة.
طالب: ().
الشيخ: إي، هنا الثمن ينقسم بالقيمة بلا شك.
الطالب: بس مُجَزَّأة.
الشيخ: هي مُجَزَّأة لكنهم قالوا من ثلاث مئة ريال كلها على سبيل ما يسمونه بالتعديل، فإنه أهون عليهم؛ لأنه يقول: هذه بمئة وخمسين، وهذه بثلاث مئة وخمسين، وهذه بثلاث مئة، وما أشبه ذلك.
إنما حقيقة الأمر أن قيمها تختلف، فعلى هذا إذا باع شيئًا منها فلا بد أن يُخَبِّر به؛ لأن الثمن ينقسم عليها بالقيمة لا بالأجزاء، بخلاف السيارات، السيارات هي هي ما تختلف، كل سيارة بعشرين ألفًا.
طالب: ().
الشيخ: الفرق بينهما أنَّ تَفَرُّق الثمن على المبيع بالأجزاء أن يكون كل جزء يساوي قسطه من الثمن، مثلًا إذا كانت ثلاث قطع، فإن كل قطعة تساوي تلك القيمة، لكن بالقيمة مثل ثلاثة أجزاء أو ثلاث قطع، لكن كل قطعة تختلف عن الأخرى بالقيمة، اشترينا هذه القطع الثلاث مثلًا بثلاث مئة، لكنها تختلف؛ هذه تساوي مئة وعشرين، وهذه تساوي ثمانين، وهذه تساوي مئة.
طالب: ().
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه قد يختلف التقدير.
طالب: ().
الشيخ: لا بد أن يخبره، يقول: بعت عليك هذه برأس مالي، وقد بعت منها كذا وكذا.
[ ١ / ٤٥٢٥ ]
أما كلام المؤلف ففيه الخيار مطلقًا، حتى الذي ينقسم عليه الثمن بالأجزاء يكون للمشتري الخيار؛ لأنه ما أخبره بالواقع.
طالب: العلة عدم إخباره؟
الشيخ: إي، العلة عدم إخباره، وهذا قد يؤدي إلى الغش.
الطالب: وإن كان لم يضره شيئًا؟
الشيخ: وإن كان لم يضره شيئًا.
الطالب: ما يعتبر تدليس؟
الشيخ: لا، ما فيه تدليس؛ لأنه باعه القطعة بقسطها من الثمن.
الطالب: أبيع بالقيمة.
الشيخ: إذن لا يجعلها تولية، لا يبيعها تولية، يبيعها مساومة وينتهي الموضوع.
***
يقول المؤلف ﵀: (وما يُزَاد في ثمن أو يُحَطُّ منه في مدة خيار، أو يؤخذ أَرْشًا لعيب أو جناية عليه يُلْحَق برأس ماله ويُخْبَر به).
هذا من ضيق البيع بالتولية وشبهها، ما يُزَاد في ثمن في مدة الخيار أو يُحَطّ منه في مدة الخيار يجب أن يُخْبَر به.
مثال ذلك: بعتُ عليك هذه الدار بعشرة آلاف ريال، وفي مجلس الخيار أسقطتَ عني ألف ريال، كم صارت؟
طالب: تسعة آلاف.
الشيخ: تسعة آلاف، إذا بعتها توليةً لا بد أن أقول: إني اشتريتها بعشرة، وأَسْقَطَ عني ألفًا، لا بد من ذلك، هذا إذا كان الإسقاط في زمن الخيار.
أما إذا كان الإسقاط بعد التفرق مثل أن اشتريت هذه البيت بعشرة آلاف ريال، وتفرقنا، وأتيت بالدراهم إلى البائع، فقال: إني الآن أُسْقِط عنك ألف ريال، فهنا لا يجب الإخبار، ولهذا قال: في مدة الخيار، فهنا لا يجب الإخبار؛ لأن إسقاط بعض الثمن متى كان؟
طلبة: بعد البيع.
الشيخ: بعد لزوم البيع، ولذلك لو أن الرجل أبرأني من جميع الثمن وبعتها توليةً هل هذا حرام ولَّا لا؟
ليس بحرام؛ لأن الرجل أبرأني بعد تمام البيع، وهكذا إذا أبرأني من البعض بعد تمام البيع وانقضاء الشرط.
والحاصل الآن أن ما يُزَاد في الثمن أو يُحَط منه إن كان في مدة الخيار؛ خيار المجلس، أو خيار الشرط، وجب الإخبار به، وإن كان بعد لزوم البيع لم يجب الإخبار.
[ ١ / ٤٥٢٦ ]
كذلك ما يُزَاد في الثمن؛ اشتريت منك هذا البيت بعشرة آلاف، ثم لما أردت أن أسلمك العشرة قلت لي: إن العشرة قليلة، لا بد يكون بإحدى عشر.
فهنا يجب علَيَّ أن أُبَيِّن، أقول: اشتريته بعشرة، وزاد عليَّ ألفًا، وإن شئت فقلت: اشتريته بأحد عشر، ولا حرج، لكن الأول أَبْيَن وأَحْسَن، أن أقول: اشتريته بعشرة ثم زاد عليَّ ألفًا في مجلس الخيار.
طالب: ().
الشيخ: العلة أنه في زمن الخيار يعتبر العقد قائمًا، ولا يستقر الثمن إلا بعد انقضاء زمن الخيار، فإذا اشتريته بعشرة ثم نزَّل لي واحدًا في زمن الخيار ما يجوز أني أقول: رأس مالي عشرة، ولا أُبَيِّن.
طالب: إن نزَّل من نصيبه أو كله ..
الشيخ: كله واحد، إذا نَزَّل لا بد أن أُخْبِر، هذا إذا كان في زمن الخيار، أما بعده فلا يلزمنا.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، لو أبرأه، لكن إذا أبرأه ما عنده عِوَ ض، يقول: بعتك تولية.
طالب: اشتريتها أنا بالعشرة.
الشيخ: اشتريتها بعشرة ثم أبرأك، فأنت الآن ستقول: بعتها برأس المال الذي أبرأني به، إي ما فيه مانع، لا بأس.
طالب: ().
الشيخ: الذي اشترى مِن الذي أُبْرِئ، إي نعم، إذا لم يُخْبِره بالواقع لا بد أن يخبره، ويقول: إنه كان بكذا ثم أبرأني؛ لأنه الآن إذا باعه .. بس في مسألة الإبراء لا تَرِد علينا في الواقع؛ لأن مسألة الإبراء ما هي () عند رأس المال؛ إذ لا مال عنده، ولا .. ما فيه رأس مال أبرأه منه، لكن لو أبرأه من بعضه يمكن.
يقول: (وما يُزَاد في ثمن أو يُحَطّ منه في مدة خيار، أو يُؤْخَذ أرشًا لعيب أو جناية عليه يُلْحَق برأس ماله ويُخْبَر به).
ما يُؤخذ أرشًا لعيب، مثل: اشتريتُ سيارة بعشرة آلاف ريال، ثم تَبَيَّن بها عيبٌ قُدِّر بألف ريال، فأخذتُ الأرش، أردت أن أبيعها توليةً، فقلت للذي يريد شراءها: إنها تَحَصَّلَت علَيَّ بأحد عشر ألفًا، هذا ما يجوز، ويش السبب؟
[ ١ / ٤٥٢٧ ]
لأن () ما فيه عشرة، والألف هذا جاء أرشًا لعيب، فيجب أن أُخْبِرَ بالواقع وأقول: اشتريتها بعشرة، وصار بها عيب قُوِّمَ بألف، فصارت علَيَّ بأحد عشر.
في مُدَّةِ خِيارٍ، أو يُؤْخَذُ أَرْشًا لعَيْبٍ أو جِنايةٍ عليه يَلْحَقُ برأسِ مالِه ويُخْبَرُ به، وإن كان ذلك بعدَ لُزومِ البيعِ لم يَلْحَقْ به، وان أُخْبِرَ بالحالِ فحَسَنٌ.
السابعُ: خِيارٌ لاختلافِ الْمُتبايِعَيْنِ، فإذا اخْتَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا، فيَحْلِفُ البائعُ أوَّلًا: ما بِعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي: ما اشْتَرَيْتُه بكذا وإنما اشْتَرَيْتُه بكذا. ولكلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقَولِ الآخَرِ، فإن كانت السلعةُ تالِفَةً رَجَعَا إلى قِيمةِ مِثلِها، فإن اخْتَلِفَا في صِفتِها فقَوْلُ مُشْتَرٍ، وإذا فُسِخَ العقدُ انْفَسَخَ ظاهرًا وباطِنًا، وإن اخْتَلَفا في أَجَلٍ أو شَرْطٍ فقَوْلُ مَن يَنْفِيهِ، وإن اخْتَلِفَا في عَينِ الْمَبيعِ تَحَالَفَا وبَطَلَ الْبَيْعُ، وإن أَبَى كلٌّ منهما تَسليمَ ما بيدِه حتى يَقْبِضَ الْعِوَضَ - والثمَنُ عينٌ - نُصِّبَ عَدْلٌ يَقْبِضُ منهما ويُسَلِّمُ الْمَبِيعَ ثم الثَّمَنَ، وإن كان دَيْنًا حالًّا أُجْبِرَ بائعٌ ثم مُشْتَرٍ إن كان الثمَنُ في الْمَجْلِسِ، وإن كان غائبًا في البلَدِ حُجِرَ عليه في الْمَبيعِ وبَقِيَّةِ مالِه حتى يَحْضُرَه، وإن كان غائبًا بعيدًا عنها والْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ فللبائعِ الفَسْخُ، ويَثْبُتُ الخيارُ للخُلْفِ في الصفةِ ولتغييرِ ما تَقَدَّمَتْ رؤيتُه.
(فصلٌ)
[ ١ / ٤٥٢٨ ]
ومَن اشْتَرَى مَكيلًا ونَحْوَه صَحَّ ولَزِمَ بالْعَقْدِ ولم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيه حتى يَقْبِضَه، وإن تَلِفَ قبل قَبضه فمِن ضَمانِ البائِعِ، وإن تَلِفَ بآفَةٍ سَماوِيَّةٍ بَطَلَ البيعُ، وإن أَتْلَفَه آدميٌّ خُيِّرَ مُشْتَرٍ بينَ فَسْخٍ وإمضاءٍ ومُطالبَةِ مُتْلِفِه ببَدَلِه وما عداه يَجوزُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فيه قبلَ قَبْضِه، وإن تَلِفَ ما عدا الْمَبيعَ بكيلٍ ونحوِه، فمِن ضَمانِه ما لم يَمْنَعْه بائعٌ من قَبْضِه، ويَحْصُلُ قبضُ ما بِيعَ بكيلٍ أو وَزْنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ بذلك،
بعشرة آلاف ريال وجنى عليه إنسان جناية، فأخذت أرشًا لهذه الجناية، فهنا إذا أردت أن أبيعه أُخبِر برأس المال، وأُخبِر بما أُخذ من أرش الجناية عليه؛ لأنه لما جُني عليه نقص ولَّا لا؟ نقص، أنا اشتريته سليمًا بعشرة آلاف ريال، فلما جُني عليه وقدرت الجناية بألف ريال فلا بد أن أخبر، هذه الجناية نقص في الحقيقة في المبيع، فلا أقول: اشتريته بعشرة وأسكت، بل أقول: إنني اشتريته بعشرة، ولكنه جُني عليه، ونقص بالجناية وأخذت الأرش، كما نقول أيضًا في مسألة العيب.
والحاصل أنه لا بد أن أُخبِر بكل ما جرى، وإلا فإني أكون غاشًّا؛ ولهذا، قلت لكم في أول هذه الجلسة: إن بيع المساومة أبرأ للذمة وأسهل؛ لأن هذا لا بد أن تذكر كل ما جرى، وهذا قد يكون صعبًا على بعض الناس، وقد ينساه بعض الناس أيضًا.
طالب: ولو لم ينقص هذا المبيع، مثلًا اجتني عليه، يعني: جرح بسيط ()، ثم بيع زي ما هو ما جرى عليه ولا أي شيء.
الشيخ: ولو كان، لا بد.
الطالب: ما جرى عليه ولا أي شيء ..
الشيخ: ولو ما جرى عليه، ما دام إن فيه جناية قُدرت، أما لما جُني عليه وأردنا أن نقدر هذه الجناية قالوا: هذه ما تسوى شيئًا.
طالب: يعني مثلًا هذه، تعتبر عيبًا مثلًا، جرح هنا () تعتبر عيبًا في يده.
[ ١ / ٤٥٢٩ ]
الشيخ: إي، ما دام أخذ له أرشَا لا بد أن يبين، أما إذا لم يأخذ مثل لما أردنا أن نقومه عند ذوي الخبرة، قالوا: هذا جرح بسيط ما يساوي شيئًا فحينئذ لم آخذ أرشًا حتى أبينه.
طالب: ولو سمح بالأرش، يعني: صاحب هذا العقد؟
الشيخ: إذا سمح بالأرش، فإن كان هذه الجناية قد أثرت في المبيع فلا بد أن يبينه؛ لأنها عيب، وإن لم تُؤثِّر فلا يحتاج إلى بيانه.
طالب: شيخ، إذا استعمل ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: مثلًا إخراج سيارة استعملها ()، ولا بين شيء، قال: أبيعه ().
الشيخ: ظاهر كلامهم أنه لا يلزمه الإخبار، كما لو كان مثلًا قد سكن هذا البيت لمدة ثلاث سنوات أو أربع، ما يلزمه، أو مثلًا: أَجَّره وأخذ الأجرة، فإنه لا يلزم؛ لأنه ملكه.
طالب: شيخ، نقص ولَّا لا؟ () بعض العيوب ().
الشيخ: إذا كان يُنقَّص هو ما يكون من باب التخبير بالثمن، يكون من باب التدليس، أو العيب. نقول: يجب عليك إنك تبين بأنك اشتريته مثلًا بعشرة آلاف ريال، وأنك استعملته لمدة كذا وكذا سنة، مع أنه إذا كان تاريخ الثمن أو تاريخ الشراء موجودًا فلا حاجة إلى أن تقول: استعملته؛ لأن الأصل أنه ما دام في ملكك أنك تستعمله، فلا حاجة إلى بيانه.
طالب: فيه فرق بين البيت وبين السيارة؛ لأن السيارة كلما قَدمت سنة يعني: تقدم وتتعب، والبيت زي ما هي ما يجرى عليها ولا شيء.
الشيخ: لا، ولا صار بها الطين والمطر كثير.
طالب: ولو من مطر، حتى لو () لا ينقص ..
الشيخ: لا، لا بد أن ينقص.
طالب: إذا المشتري اشترى بالمساومة ().
الشيخ: (في مدة خيار أو يؤخذ أرشًا لعيب أو جناية عليه يُلحق برأس ماله ويُخبر به وإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يلحق به) (إن كان ذلك) يعني: الزيادة في الثمن أو النقص منه، إن كان بعد، بعد لزوم البيع وانتهاء أجل الشرط، أو خيار المجلس فإنه لا يلزم الإلحاق به.
[ ١ / ٤٥٣٠ ]
لكن يقول المؤلف: (وإن أخبر بالحال فحسنٌ)؛ ومن ذلك: ما لو اشترى ثوبًا بعشرة، وغسله ونظَّفه بدرهم، كم صار الجميع؟ أحد عشر، فإذا باعه تولية وقال: إنه تحصل عليَّ بأحد عشر درهمًا، فإن ذلك لا يجوز. بل لا بد أن يببن، فيقول: اشتريته بعشرة وغسله ونظفته بدرهم، حتى يكون المشتري على بصيرة من الأمر.
فعلى هذا: كل شيء يتغير به الحال في باب التولية فلا بد من بيانه. والله أعلم.
طالب: شيخ ()
الشيخ: (لاختلاف المتبايعَيْنِ) وهذا في الجملة، ليس في كل صورة اختلاف يكون خيار، لكن في الجملة، يثبت الخيار باختلاف المتبايعين، والمراد بـ (المتبايعين): البائع والمشتري، لكن ذُكِرَ ذلك على سبيل التغليب.
والاختلاف أنواع: اختلاف في قدر الثمن، واختلاف في عين المبيع، واختلاف في أجلٍ أو شرط.
أما الأول فيقول المؤلف: (فإذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا) (اختلفا في قدر الثمن): قال المشتري: اشتريته بمئة. وقال البائع: بعته بتسعين. كذا؟
طالب: ().
الشيخ: إي، انتبهوا، قال البائع: بعته بمئة، وقال المشتري: اشتريته بتسعين. اختلفا الآن في قدر الثمن؛ فإن كان هناك بينة تشهد لأحدهما بما قال؛ فالأمر واضح يحكم بما قالت البينة، وإن لم يكن بينة: فإنهما يتحالفان؛ يحلف البائع أولًا، ثم المشتري ثانيًا، فلو حلف المشتري أولًا لم يُعتد به، بل لا بد أن يكون بعد حَلِف البائع، لماذا؟ لأن البائع يريد أن يثبت والمشتري نافٍ، يريد أن ينفي. والنفي لا يكون إلا بعد الإثبات، فيحلف البائع أولًا، ثم إن الحلف لا بد أن يشتمل على إثبات ما ادعاه ونفي ما ادعاه خصمه، لا بد أن يشتمل على الأمرين، لا يكفي أن يقول: والله لقد بعته بعشرة، بل لا بد أن يحلف على الإثبات وعلى نفي ما ادعاه خصمه، وبأيهما يبدأ؟ بنفي ما ادعاه خصمه، أو بإثبات ما ادعاه هو؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، بالنفي؛ ينفي أولًا ما ادعاه خصمه، ثم يثبت.
طالب: يتعارض مع ().
[ ١ / ٤٥٣١ ]
الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأن الأول بين طرفين، أما هنا فهو واحد، لا بد أن ينفي ما ادعاه خصمه حتى يبقى المكان بارحًا، ثم يثبت ما ادعاه هو؛ ولهذا قال: (فيحلف بائع أولًا: ما بعته بكذا) هذا نفي لأيش؟ لما ادعاه الخصم، فيقول: والله ما بعته بتسعة (وإنما بعته بكذا) يعني: وإنما بعته بعشرة، فينفي ما ادعاه خَصمه ويثبت ما ادعاه هو لنفسه؛ والله ما بعته بتسعة، وإنما بعته بعشرة، فلو قال: والله ما بعته إلا بعشرة، فهنا نفي وإثبات، ولكن مع ذلك يقولون: ما يصح، لا بد أن يقول: ما بعته بتسعة، وإنما بعته بعشرة، ولكن الصحيح: أنه يجوز أن يقتصر على الحلف على ما ادعاه فقط؛ لأن إثبات ما ادعاه يستلزم نفي ما ادعاه خصمه.
فإذا قال: والله لقد بعته بعشرة، فالصواب: أنه كافٍ؛ لأن قوله: لقد بعته بعشرة مع دعوى صاحبه أنه بتسعة يستلزم نفي ما ادعاه صاحبه، ثم بعد أن يحلف البائع على المذهب، البائع قال: والله ما بعته بتسعة وإنما بعته بعشرة، بعد ذلك يحلف المشتري: والله ما اشتريته بعشرة وإنما اشتريته بتسعة، عكس كلام البائع؛ فينفي أولًا كلام البائع، ثم يثبت ما ادعاه، يقول: والله ما اشتريته بعشرة وإنما اشتريته بتسعة، حلف كل منهما، أيهما الصادق؟ ما نعلم، أحدهما صادق والثاني كاذب بلا شك. لكن أيهما؟ ما نعلم.
فنقول الآن: لكل واحد منكما الفسخ، إلا أن يرضى بقوله صاحبه، وإلا فلكل منكما الفسخ.
فإذا قال المشتري: أنا لا أرضى بقول البائع، وقال البائع: أنا لا أرضى بقول المشتري. نقول: يفسخ البيع.
طالب: شيخ، ويش الفائدة ()؟
الشيخ: أيش الفائدة؟
لأنه ما يمكن نفسخ البيع إلا بهذا؛ لأنهما إذا حلفا ارتفع العقد، فإن كان المشتري راغبًا للسلعة وحلف البائع ثم حلف هو وكان عنده رغبة في السلعة له أن يأخذ بما قال البائع، فإذا رأى أن البائع قد صمم على أن هذا هو الثمن، وعنده رغبة في السلعة قال: خلاص أنا آخذ بقولك، له ذلك.
[ ١ / ٤٥٣٢ ]
لكن لو قال البائع: أنا حلفت وأنت حلفت، وارتفع العقد، لو رضيت ما أنا ببائع عليك.
طلبة: ().
الشيخ: لا، ليس له ذلك.
ولهذا قال: (لكل) واحد منهم (الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر)، فإن رضي فلا فسخ.
ومثل البائع لو أنه لما رأى المشتري مصممًّا على ما ادعاه، قال: خلاص، أعطني تسعة ().
قال: لا، ما أعطيك تسعة، ما دام أنك حلفت وأنا حلفت فسخنا البيع. أيهما يؤخذ بقوله؟
طلبة: البائع.
الشيخ: يؤخذ بقول البائع، فيقال للمشتري: ما دام الرجل الآن صدقك وأخذ بقولك فلا عذر لك.
طالب: طيب، وإذا حلف () بعد ما () ولم يحلف.
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: ().
الشيخ: إي، يبقى البيع بحاله.
قال: (فإن كانت السلعة تالفةً رَجَعا إلى قيمةِ مثلِها) السلعة قد تلفت مثل: أنا اشتريت منه شاةً بمئة ريال، وذبحتها لضيوف عندي، ولما أتيت لأسلمه قال: إني قد بعت عليك بمئة وعشرة. يا ابن الحلال! قال: أبدًا، بمئة وعشرة. تحالفنا وفسخنا البيع. السلعة الآن ما هي موجودة حتى أردها؟ !
يرجعان إلى قيمة مثلها، فيقال: الآن البيع انفسخ، والثمن زال، فنرجع إلى قيمة السلعة، كم تساوي هذه الشاة في ذلك اليوم الذي جرى فيه البيع؟ قالوا: تساوي مئة وخمسين. مئة وخمسين: يلزم المشتري بمئة وخمسين. قالوا: تساوي خمسين: لا يلزم المشتري إلا خمسون؛ لأنه لما فسخ البيع رجعنا إلى قيمة المثل.
(فإن اختلفا في صفتها) هذه مشكلة بعد؛ قال البائع: إنها شاة رباعية، سمينة، طيبة. وقال المشتري: إنها شاة عقاء القارح، عجوز، هزيلة، تجسس بقرونها، وآذانها مقطعة. ويش تقولون؟ مَنِ القول قوله؟
يقول: (إن اختلفا في صفتها فقولُ مشترٍ) وترى التمثيل بتقطيع الآذان والقرون غير وارد؛ لأن هذا عيب، لكن المشتري يقول: رديئة. وذاك يقول: جيدة وطيبة. فالقول قول المشتري، لماذا؟ لأن من القواعد المقررة أن القول قول الغارم.
[ ١ / ٤٥٣٣ ]
إذا اختلفا شخصان في شيء فالقول قول الغارم، لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (١)، وإذا كان الإنسان غارمًا ولم يقر إلا بشيء معين، فما زاد على ذلك الشيء الذي أقر به يكون مدعًى به عليه، وقد قال النبي ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
ولهذا قال الفقهاء -﵏- من جملة قواعد الفقه: أن من كان غارمًا فالقول قوله بيمينه؛ لأنه مدعى عليه، والمدعى عليه إذا لم يكن بينة فالقول قوله باليمين.
في هذه الحال يقول البائع: إنها طيبة، والمشتري يقول: لا، ما هي طيبة، متوسطة. فمن القول قوله؟
طالب: المشتري.
الشيخ: القول قول المشتري. علل؟
الطالب: لأنه غارم.
الشيخ: لأنه غارم. وكل غارم فالقول قوله.
طالب: ().
الشيخ: يعني: هو اللي بيدفع الشيء، كل من كان غارمًا فالقول قوله؛ لأنه يدعى عليه بشيء لم يقر به، وقد قال النبي ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
(وإذا فُسِخَ العقدُ انفسخ ظاهرًا وباطنًا) إذا فسخنا العقد في اختلاف المتبايِعينِ انفسخ ظاهرًا وباطنًا.
(ظاهرًا) في الدنيا والحكم، (وباطنًا) عند الله وفي الآخرة، فلا حق لأحدهم على الآخر ولو كان كاذبًا؛ مثال ذلك: اختلف البائع والمشتري في قيمة السلعة؛ فقال البائع: عشرة، وقال المشتري: تسعة. وتحالفا وفُسخ البيع. يقول المؤلف: إن البيع ينفسخ ظاهرًا وباطنًا؛ يعني: في الحكم وهو في الدنيا، وكذلك في الباطن في الآخرة، فلا يطالب أحدهما الآخر لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى الكاذب منهما؟ حتى الكاذب.
[ ١ / ٤٥٣٤ ]
ولكن القول الثاني في المسألة: أن الكاذب منهما لا ينفسخ العقد في حقه باطنًا؛ فإذا علم الله ﷿ أن الثمن عشرة خلاف ما يقوله المشتري، والمشتري يقول: تسعة، وفسخ البيع، فإن البيع لا ينفسخ عند الله في الباطن؛ والسبب: لأن هذا المشتري يعلم أنه كاذب، وأن الثمن عشرة، وعلى هذا فإنه لا ينفسخ باطنًا فيما بينه وبين الله ﷾.
وكذلك بالعكس: لو كان البائع يعلم أنه باعها بتسعة لا بعشرة، ولكنه طمع وادعى أنها بعشرة، وقلنا بالتحالف، فإنه في هذه الحال على المذهب ينفسخ العقد ظاهرًا وباطنًا.
فالصواب: أنه لا ينفسخ باطنًا في حق من علم أنه كاذب؛ لأنه الله سيحاسبه على ما يعتقده.
طالب: وما يدرينا أن ().
الشيخ: هذا فيما بينه وبين الله، نفس البائع مثلًا يقول: أنت تعلم أن البيع بتسعة، والآن ادعيت أنه بعشرة وفسخت العقد، وأنت لا حق لك في فسخه؛ لأنك تعلم أن القول الصحيح ما قاله المشتري، فكيف تذهب وتفسخ البيع، وأنت تعلم أنه ما لك حق فيه، فلا ينفسخ في حقه باطنًا، يعني: في يوم القيامة يحاسب على ذلك.
طالب: معروف ().
الشيخ: لا، ما هو معروف. المذهب ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، حتى في الآخرة لا يطالبه به.
الطالب: فنقول كيف () والكلام ده؛ لأن هذا عند الله، إن الله يحاسب الخلائق ..
الشيخ: لا، قالوا ذلك؛ لأنه يقولون: ما يروا أنه يحاسب، يرون أنه لا يحاسب في الآخرة.
طالب: أيش ()؟
الشيخ: يستندون أنه انفسخ العقد، فلما فسخ العقد ما صار لأحد حق على الآخر، ولكنهم قولهم ضعيف -﵏- في هذه المسألة.
لأنه سيأتينا في باب الصلح: أنهما إذا اصطلحا وأحدهما يعلم كذب نفسه، فإن الصلح في حقه لا ينفذ باطنًا فيما بينه وبين الله، وهذا مثله، لكنهم هنا يقولون: لما انفسخ العقد عملنا بالظاهر وقلنا: ينفسخ ظاهرًا وباطنًا.
[ ١ / ٤٥٣٥ ]
(وإن اختلفا في أجلٍ أو شرط فقول مَن ينفيه) (اختلفا في أجلٍ): بأن قال المشتري: إن الثمن ألف مؤجل إلى سنة، وقال البائع: إن الثمن ألف لا تأجيل فيه، فمن القول قوله؟ يقول: (قول من ينفيه) المشتري يدعي أنه مؤجل، والبائع ينفي الأجل، فالقول إذن: قول البائع، وإنما كان القول قول من ينفيه؛ لأن الأصل معه، الأصل عدم وجود الأجل.
كذلك أيضًا لو قال: اختلفا في شرط؛ تبايعا هذه الدار، وجاء المشتري إلى البائع وقال: سلمني البيت. فقال: قد اشترطت عليك أن أسكنه سنة. من القول قوله؟
طالب: قول المشتري.
الشيخ: قول المشتري؛ لأنه ينفي، يقول: أبدًا ما شرط عليَّ أن تبقى سنة. وكل هذا إذا لم يكن هناك بينة؛ فإن كان هناك بينة فالعمل بما قالت البينة.
وقول المؤلف فالقول (قولُ مَن ينفيه) ظاهره بلا يمين، ولكن ليس مرادنا، بل قول من ينفيه بيمينه؛ فيقول مثلًا: والله ما بعته مؤجلًا، وإنما بعته حالًّا، ويقول الآخر: والله ما اشتريته حالًّا، وإنما اشتريته مؤجَّلًا. أنتم معي؟
طالب: نعم.
الشيخ: صوابٌ كلامي؟
طالب: لا.
الشيخ: نعم.
طالب: إذا نفى () نفى () يكفي ().
الشيخ: إي، ما حاجة يحلف الثاني؛ فإذا قال: والله ما بعته مؤجلًا وإنما بعته حالًّا. نقول: القول قولك، ولا حاجة يحلف الثاني؛ لأنهما إذا اختلفا في أجل فالقول قول من ينفيه، إذا اختلفا في شرط فكذلك القول قول من ينفيه، لماذا؟ لأن الأصل عدم شرط الأجل، وعدم الشرط الآخر.
طالب: شيخ، إذا اختلفا في أجل ذلك ().
الشيخ: كان الأمر ظاهرًا، إن القرينة تؤيد قول الآخر؛ يعني: إذا علمنا يقينًا أن هذا لو بِيع بثمن نقد يباع بخمس مئة ألف، وبثمن مؤجل يباع بثمان مئة، والآن الثمن ثمان مئة، فهنا القرينة تشهد بما يقوله مدعي الأجل الذي هو المشتري، فلو قيل بهذا لكان له وجه، كما يقال في غيره من القرائن.
[ ١ / ٤٥٣٦ ]
طالب: كيف يعتبرون القرعة في بعض الأمور المجهولة، ولا يعتبرون الدين مع أنه أقوى من القرعة.
الشيخ: لا، ما يعتبرونه؛ لأن مسائل الدعاوى ما ينظر فيها إلى أديان، ينظر فيها كما قال الرسول: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (٢)، ولو أنه هو الأدين لكان في ذلك مشاكل كثيرة؛ يقال: ليش حكمت لفلان ولم تحكم لي؟ أنا ما عندي دين، يعني: في قضية أخرى غير هذا، فإبقاء الناس في الدعاوي على ظاهر الحال هذا هو الواجب.
يقول المؤلف ﵀: (وإنِ اختلفا في عين المبيع تحالفا، وبطل البيعُ).
طالب: الشرط.
الشيخ: الشرط ذكرناه؛ مثل أن يقول: إني اشترطت عليك أن أسكنه سنة بعد البيع، ويقول المشتري: ما اشترطتَ ذلك، (إن اختلفا في عين المبيع) فقال المشتري: بعت عليّ هذا المسجل. وقال البائع: إنما بعت عليك هذا المسجل. فأيهما نقبل؟ يتحالفان. فيقول البائع: والله ما بعت عليك هذا المسجل، وإنما بعت عليك هذا. ويقول المشتري: والله ما اشتريت هذا المسجل، وإنما اشتريت هذا. فإذا تحالفا هذا التحالف فسخ البيع، فإن رضي أحدهما بقول الآخر بعد التحالف بقي البيع بحاله، لكن إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر فإن البيع يفسخ؛ ولهذا قال المؤلف: (تحالفا، وبطل البيع).
وظاهر كلامهم: وإن كان هناك قرينة تشهد لقول أحدهما كما لو علمنا إن هذا المسجل يساوي مئة، والثمن مئة متفقون عليه، والمسجل الآخر يساوي خمسين، فإن ظاهر الحال أن القول قول من يقول: إنه هذا الذي يساوي مئة، ومع ذلك لا يعتبرون هذه القرينة، والله أعلم.
طالب: إذا قال: ما فسخ البيع ().
[ ١ / ٤٥٣٧ ]
الشيخ: والله لقد بعت بكذا، كفى. القول الثاني في المسألة ما ذكرته لكم أمس: أنهما إذا اختلفا في قدر الثمن فالقول قول البائع بيمينه، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: لأن البائع إنما أقر بالبيع على هذا الوجه فلا نلزمه بقول غيره، فنقول: يحلف البائع، فيقول: والله ما بعته إلا بكذا، أو والله لقد بعته بكذا، ثم يقال للمشتري: إما أن تقبل ما قاله البائع وإلا رده عليه، ولا حاجة للتحالف، وما قاله شيخ الإسلام قول قوي جدًّا تعليله، على أن نقول: القول قول البائع أو يترادان، أما أن نحلف هذا ويش الفائدة منه؟ يعني حتى النتيجة إذا حلفناه ما هي؟ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر فالفسخ. فصار () بلا فائدة.
طالب: الحديث: «اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ».
الشيخ: إي نعم، «فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (٣).
طالب: يترادان إذا لم يحلف البائع؟
الشيخ: إذا حلف البائع فالقول قوله، فيلزم المشتري بما قال، فإن لم يحلف يترادَّان، يقول: إن اختلفا في قدر الثمن وتحالفا، وكانت السلعة تالفة فكيف نصنع؟ () ألزمت بمثله؛ لأنك ما دخلت على أنك أخذت عنه عوضًا، بخلاف هذه المسألة؛ يقول المؤلف: (وإذا فُسخ العقدُ انفسخ ظاهرًا وباطنًا) ما معنى هذا؟
طالب: ظاهرًا يعني في الدنيا ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما يطالبه في الآخرة.
الشيخ: لا يطالب في الآخرة. ما رأيك نحو هذا القول؟ ()
القول قوله فلا بد من اليمين، إذن يحلف يقول: والله ما بعته بثمن مؤجل، وإنما بعت بثمن حالٍّ، فإذا قال ذلك؛ ما يحتاج المشتري يحلف، يقول: أعط الثمن. إذا اختلفنا في شرط؟
طالب: القول قول ().
الشيخ: ويش مثاله؟
الطالب: قال المشتري ().
الشيخ: في عين المبيع.
طالب: أخذناه.
الشيخ: أخذناه؟
طالب: نعم.
الشيخ: من يأتي لي بمثال إذا اختلفنا في عين المبيع؟
طالب: إنما تبايعا حيث قال ().
***
[ ١ / ٤٥٣٨ ]
الشيخ: (إن أَبَى كل منهما تسليمَ ما بيده حتى يقبضَ العوض) يعني: البائع قال: ما أسلمك المبيع () الثمن. والمشتري قال: ما أعطيك الثمن حتى تعطيني المبيع. ما الحامل لهما على ذلك؟ عدم الثقة؛ البائع يقول: لو أعطيته المبيع أخاف يأخذه ويهرب، والمشتري كذلك يقول: لو أعطيه الثمن أخذه ومضى أو أنكر.
يقول المؤلف في هذه المسألة: (إن أبى كل) واحد (منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض، والثمن عين) (عَيْنٌ) يعني: معيَّن؛ لأن الثمن قد يكون في الذمة وقد يكون معيَّنًا؛ فإذا قلت: اشتريت منك هذه السيارة بهذه الدراهم فالثمن عين.
وإذا قلت: اشتريت منك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال فالثمن دين وليس بعين، فإذا كان الثمن عينًا (نُصِبَ عَدْلٌ يَقْبِضُ منهما ويسلِّم المبيع ثم الثمن) (نُصِبَ) من الذي أنصبه؟ القاضي، الحاكم الشرعي، يروحوا للمحكمة، والحاكم ينصب رجلًا عدلًا، يقول له: استلم المبيع والثمن، فإذا استلمهما يقول: (يسلم المبيع ثم الثمن) كذا؟ تنحل المشكلة الآن.
لكن مشكلتنا أننا يمكن نروح للمحكمة ونجد أن القاضي مشغولًا، وينتهي الدوام وهو لم ينته شغل، ونأتي في اليوم الثاني نجده مشغولًا، والمسألة ويش هي؟ المسألة () ولَّا يعني ..
طالب: دجاجة.
الشيخ: دجاجة ولَّا ما أشبه ذلك، يمكن يمضي ثلاثة أيام، أربعة أيام حتى يشتري المبيع، يقول: ما في إلا هذا.
طالب: أو يقول: بعد شهر تجوني.
الشيخ: أو بعد شهر، فالمهم أن الفقهاء ﵏ يقولون: هكذا الطريق؛ يروحون للقاضي وينصِّب عدلًا يقبض منهما جميعًا ويسلم المبيع ثم الثمن.
طالب: ().
الشيخ: والحقيقة هذه بدل من أن ينصب العدل ويذهبون للقاضي يمكن أن يذهبوا إلى رجل ثقة، وكل واحد منهما يسلم العوض، ثم ذاك يسلمهما، مع أن الغالب أن هذه المسألة قليلة الوقوع، أنا لا أذكر أنها وقعت، لكن الفقهاء يفرضونها وربما توجد في بعض البلدان الذين ليس عندهم أمانة.
[ ١ / ٤٥٣٩ ]
(وإن كان دينًا حالًّا أُجْبِر بائع ثم مشترٍ إن كان الثمن في المجلس)؛ إذا كان الثمن دينًا فإما أن يكون حالًّا وإما أن يكون مؤجلًا. والمراد بالدين أيش؟ ويش المراد بالدين؟ يعني: ما ليس بمعين. فأنا إذا قلت: اشتريت منك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال يعتبر هذا دينًا، وإن كان حالًّا فهل الدين يقول المؤلف: (إن كان حالًّا) فإما أن يكون في المجلس أو في غير المجلس. إن كان معه دراهم الآن المشتري.
(يجبر بائع ثم مشترٍ). (يجبر بائعٌ) على أيش؟ على تسليم المبيع.
(ثم مشترٍ) على تسليم الثمن؛ وذلك لأن الثمن هنا غير معين، بل هو في ذمة المشتري. فنقول للبائع: سلم المبيع أولًا، ثم نقول للمشتري: سلِّم الثمن، هذا إذا كان في المجلس.
يقول: (وإن كان غائبًا في البلد) كان الثمن غائبًا، ما هو معه في المجلس، لكنه في البلد، في الدكان، فماذا نصنع؟ قال: (حُجِرَ عليه في المبيعِ وبقيَّةِ مالِه حتى يُحْضِرَه) اشترى منه سيارة بعشرة آلاف ريال، الثمن دَيْنٌ ولَّا عين؟ دين، الدراهم عشرة آلاف ريال ما هي معه، موجودة في الدكان، في البلد، ماذا نصنع؟ نقول للبائع: سَلِّم السيارة، ثم نحجر على المشتري، نحجر عليه في المبيع يعني في السيارة ما يتصرف فيها، ونحجر عليه في بقية ماله أيضًا، حتى دكانه ما يمكن يبيع منه شيء، ولا يُتَصَرَّف فيه حتى يوفي؛ ولهذا قال: (حُجِر عليه في المبيعِ وبقيةِ ماله حتى يحضره).
[ ١ / ٤٥٤٠ ]
(وإن كان غائبًا بعيدًا عنها) يعني: غائب بعيد عن البلد (فللبائعِ الفسخُ)؛ يعني: اشترى منه سيارة بعشرة آلاف ريال، والثمن ليس معه وليس في البلد، بل هو في محل بعيد، لنفرض أنه اشتراه في مكة، اشتراه المشتري في مكة، والثمن ما عنده شيء في مكة، لكن ثمنه في محله في المدينة، نقول: للمشتري الفسخ، له أن يفسخ المبيع؛ لأنه يتعطل عليه متى يذهب إلى المدينة ومتى يأتي بالثمن البائع له الفسخ؛ لأنه يتعطل عليه الثمن، فللبائع الفسخ، وفي هذه الحال لو قال المشتري: لماذا تفسخون البيع، أنا مستعد للتسليم؟
نقول: لكنك ستؤخر التسليم وهذا إضرار بالبائع، فيكون له الفسخ، لكن إذا علم البائع أنه ليس مع المشتري ثمن، وأن الثمن في البلد الآخر، فهل له الفسخ في هذه الحال؟ لا؛ لأنه دخل على بصيرة، وهو يعلم أن هذا الرجل ليس معه قيمة السلعة، وإنما قيمتها في البلد الثاني، فنقول: ليس لك الفسخ؛ لأنك داخل على بصيرة كما لو كان مؤجلًا، وإذا كان مؤجلًا -ما ذكر المؤلف- قال: (وإن كان دينًا حالًّا).
إذا كان مؤجَّلًا؛ اشتريت هذه السيارة بعشرة آلاف بعد سنة، فماذا نصنع؟ يلزم البائع بتسليم المبيع وعدم المطالبة حتى يحل، فصارت الآن إذا أبى كل منهما تسليم ما بيده فلا يخلو من ثلاث حالات؛ أن يكون الثمن عينًا، أن يكون دينًا حالًّا في المجلس، أن يكون دينًا حالًّا في البلد، أن يكون دينًا حالًّا بعيدًا عن البلد، أن يكون دينًا مؤجلًا. كم الأقسام؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة، إذا كان الثمن معينًا، فما الحكم؟ ينصب عدل يقبض منهما فيسلم المبيع ثم الثمن، إذا كان دينًا حالًّا في المجلس؟
طالب: يُجبر البائع ..
[ ١ / ٤٥٤١ ]
الشيخ: يجبر البائع على التسليم، ثم المشتري على تسليم الثمن، إذا كان دينًا حالًّا في البلد يُجبر البائع على التسليم، ويُحجر على المشتري في المبيع، وفي بقية ماله حتى يحضره، إذا كان غائبًا بعيدًا عن البلد فللبائع الفسخ، إذا كان مؤجلًا -وهي الحالة الخامسة- يجبر البائع على التسليم وعلى الانتظار حتى يحل الأجل؛ لأنه دخل على بصيرة.
طالب: من يُحجر على المشتري؟
الشيخ: الحاكم هو اللي يتولى الحجر.
الطالب: إذا لم يرفعها إلى الحاكم؟
الشيخ: لا بد من الرفع لأنهم متخاصمون.
الطالب: يعني: الكلام هذا في حال المخاصمة؟
الشيخ: أي نعم، كل هذا في حال المخاصمة. أما إذا لم يكن الخصومة فالمسألة واضحة ما فيها إشكال.
قال المؤلف: (أو ظهر أن المشتري مُعسر فللبائع الفسخ)؛ لأن إعسار المشتري فيه إضرار على البائع، ويش الإضرار؟ أنه لا يمكن أن يطالبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعُلم من قوله: (أو ظهر أن المشتري معسر): أنه لو كان المشتري معسرًا وحاله معلومة عند البائع.
طالب: إذا ظهرت يا شيخ ().
الشيخ: لا، هي ما عندي، لكن في الشرح أظنها.
طالب: نعم، أو ظهرت.
الشيخ: إذا كان البائع قد علم أن المشتري معسر، فهل له المطالبة؟ لا، وليس له الفسخ؛ لأنه دخل على بصيرة، لكن لو كان لا يدري إذ جاءه رجل عليه لباس جميل وهيئة حسنة فظن هذا، أن هذا الرجل من أغنى عباد الله، قال: ()، كم؟ قال: اللي تبغي، المال واجد الحمد لله. قال له: أبغي أبيعه عليك بخمس مئة ألف. لحية الطماع برجل المفلس، كما يقولون. قال: أبيعه عليك بخمس مئة ألف. قال: قبول، أهلًا وسهلًا. بعد ذلك تبين إن هذا الرجل معسر، وأن هيئته وشكله، إنما تبع ذلك لأجل أن يغر الناس. ويش تقولون؟ له الفسخ؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤٥٤٢ ]
الشيخ: إي نعم، له الفسخ؛ لأن هذا إضرار به، وذاك خدعه، فأما إذا كان يعلم أن هذا الرجل فقير: فإنه لا فسخ له؛ لأن دخل على بصيرة، إن تبين أن المشتري مماطل؟ ما هو معسر لكنه مماطل، فهل له الفسخ؟ المذهب: لا، ما له الفسخ؛ لأن المماطل دواؤه الشكاية، اشكه على الأمير ودبر لك حقك، وعلى هذا فنقول: إذا كان مماطلًا لا تمكن مطالبته فهو كالمعسر له الفسخ؛ مثل أن يكون أميرًا أو وزيرًا أو أبًا للإنسان أو ما أشبه ذلك، ففي هذه الحال له الفسخ؛ لأن المماطل الذي لا تمكن مطالبته كالمعسر سواء، أما إذا كان مماطلًا ممن تمكن مطالبته فإنه لا فسخ له؛ لأننا نقول له: إذا شئت فاشتكه، وإذا اشتكيته أعطيت الحق.
طالب: () يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، أو عندي.
طالب: طيب، يا شيخ، وإذا ما، لو اشتكيته ()؟
الشيخ: إذا كان من المطالبة إذا كنت في بلد الحكم فيه ضعيف، لو شكيته ما حصلت مطلوبك، فهذا كما لو كان مماطلًا لا تمكن مطالبته.
قال: (ويثبت الخيار للخُلْفِ في الصفة ولتغيُّر ما تقدمت رؤيته). هذا هو السابع ولَّا الثامن؟ الثامن (الخِيَارُ للْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ) وذلك فيما إذا بِيع الشيء بصفة، فاختلفا في الصفة التي وقع عليها العقد، مثل أن يبيعه سيارته، سيارته التي عنده في ()، ويقول: صفتها كذا وكذا، يجوز هذا ولَّا لا؟ يجوز، يجوز بيع المعين بالصفة ولا حرج.
لما أراد أن يستلمها اختلفا في الصفة فقال: إنك قلت: إنها موديل كذا، وكذا، وفيها من المميزات كذا، وكذا. فقال البائع: ما قلت هذا. فنقول: لكل منهما الخيار، لمن فات غرضه الخيار، كذلك لو تغيرت رؤية ما تقدمت رؤيته.
[ ١ / ٤٥٤٣ ]
سبق لنا في باب الشروط في البيع أنه يجوز أن يباع الشيء بالرؤية المتقدمة، فإذا تغير عن رؤيته المتقدمة فللمشتري الفسخ؛ مثال ذلك: أنا قد رأيت عندك سيارة منذ شهر، رأيتها بعيني وعرفت أوصافها، فقلت: اشتريتها منك بكذا وكذا ()، كم يؤجر هذا البيت أو كم يسكن هذا البيت؟ () بكم؟ قال: بكذا وكذا. يعطيه إياه، من الخيار ()
***
وهو صح، ولزِم بالعقد مَن اشترى ولَّا من شَرى؟
طلبة: اشترى.
الشيخ: ولا يصلح من شرى؟ ما يصح؛ لأن شرى بمعنى باع، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يعني: يبيعها، وكما قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه.
(ومن اشترى مكيلًا ونحوه) (مكيلًا ونحوه): نحو المكيل الموزون والمعدود والمزروع. فتكون الأنواع؟ أربعة؛ المكيل، والموزون، والمعدود، والمزروع، وأيضًا قال: (ومن اشترى مكيلًا ونحوه): يعني بالكيل لا جزافًا، اشترى مكيلًا بالكيل، أو موزونًا بالوزن، أو مزروعًا بالزرع، أو معدودًا بالعدِّ؛ مثل أن يقول: اشتريت منك هذه الصُّبرة كل صاع بدرهم، هذا بعت مكيلًا بالكيل، ولَّا لا؟ بخلاف ما لو قلتُ: بعتُ عليك هذه الصُّبرة-ترى الصبرة معناها: الكومة من الطعام-
بعت عليك هذه الصبرة ولم أقل: كل صاع بكذا. هذا الأخير يُسمَّى جُزافًا، أو جِزافًا، أو جَزافًا.
كلام المؤلف هنا يريد الجَزاف ولَّا يريد ما بيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو زرع؟
طالب: ().
الشيخ: يريد الأخير.
يقول: (صَحَّ) يعني: صحَّ الشراء، وإن لم يُكَل، وإن لم يوزن، وإن لم يُعَدَّ، وإن لم يزرع، قال: (صح ولزم بالعقد): أي: صار لازمًا بمجرد العقد، لكن هذا ليس على إطلاقه، ولكنه يصل لازمًا إلا إذا كان فيه خيار، إذا كان فيه خيار فإنه لا يلزم إلا بعد انتهاء؟
طالب: الخيار.
الشيخ: أجيبوا يا إخواني.
طلبة: بعد انتهاء الخيار.
[ ١ / ٤٥٤٤ ]
الشيخ: إلا بعد انتهاء الخيار؛ ولذلك إذا اشتريت منك شيئًا وأنا وأنت في مجلس العقد ما تفرقنا، هل البيع لازم؟ لا، لنا الخيار، أو اشتريته بشرط الخيار إلى أسبوع أو إلى شهر فإن البيع لا يكون لازم، والحاصل أنه لا يلزم بالعقد إلا إذا لم يكن فيه خيار.
قال: (ولم يصح تصرُّفُه فيه حتى يقبضه) هذا عاد يترتب على المكيل والموزون والمعدود والمزروع، إذا بيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو زرع يترتب عليه أمور:
أولًا: هل يصح العقد عليه قبل أن يُكال، أو قبل أن يستوفى ولَّا لا؟ هل يصح العقد عليه ولا ما يصح؟
طلبة: ().
الشيخ: لا إله إلا الله. يصح يا إخواني، صح بالعقد وإن لم يكل أو يوزن، وين أنتم؟ !
أقول: إذا باع مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا أو مزروعًا بكيل أو وزن أو عد أو زرع يترتب عليه الأمور -نسأل عنها الآن-:
أولًا: هل يصح العقد عليه قبل أن يُكال أو يوزن؟ يصح، فالعقد عليه صحيح.
ثانيًا: هل يلزم العقد؟ يلزم إلا أن يكون فيه خيار، كذا؟ هذا معنى قوله: (صح ولزم بالعقد).
ثالثًا: هل يصح أن يتصرف فيه قبل أن يقبضه؟ لا؛ ولهذا قال المؤلف: (لم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه) بماذا يقبضه؟ سيأتينا في آخر الكلام: هل يحصل قبض ما بيع بكيل بكيله؟ فـ (حتى يقبضه) حتى يكيله إن اشتراه بكيل، حتى يزنه إن اشتراه بوزن، حتى يزرعه إن اشتراه بزرع، حتى يعده: إن اشتراه بعدد، وقول المؤلف: (لم يصح تصرفه فيه) ظاهره أيُّ تصرف يكون، وليس ذلك على إطلاقه حتى على المذهب؛ فمثلًا: لو بعته قبل أن أكيله، اشتريته بكيل قبل أن أكيله، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: لا يصح.
[ ١ / ٤٥٤٥ ]
الشيخ: اشتريته ثم بعته قبل أن أكيله ما يصح؛ لقول النبي ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» (٤) فإذا بعته أنا وأنا ما كلته فإنه لا يصح البيع، لا بد من الكيل، كذا ولَّا لا؟ وهبته لزيد، طبعًا اشتريت من فلان هذه الصبرة من الطعام، (): وهبتك إياها، وبعدين بيكيله وبيحاسبني، أنا الواهب. تصح الهبة ولا ما تصح؟
طلبة: ما تصح.
الشيخ: ما تصح؟ !
نشوف كلام المؤلف: (لم يصحَّ تصرفه): هل الهبة تصرف؟ نعم. ما يصح التصرف فيه ما يصح أن يبيع، أن يهبه. باعه على مَن باعه عليه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن هذا تصرف. باعه تولية، يصح ولا ما يصح؟
طالب: ().
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه تصرُّف.
الشيخ: لأنه تصرُّف. أعتقه؟
طلبة: ().
الشيخ: كيف؟
طالب: ().
الشيخ: لا، إن كان ()، ما يفعل ().
في العدد، يمكن في العدد أو لا؟ يمكن يسري عليه عبيد في العدد، يقول: بعت عليك كومة العبيد كل عبد بمئة ريال، ما يمكن هذا؟ يمكن. الفقهاء يقولون: يصح عتقه؛ يقول: لأن العتق له ()، والشارع يتطلع إليه، ولكن الصحيح أن جميع التصرفات جائزة، إلا تصرفًا واحدًا وهو البيع؛ لأن النهي إنما ورد في البيع، والأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على المنع، والرسول ﵊ يقول: «فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (٥)، ولم يقل: فلا يتصرف فيه، وهو يعلم كيف يقول: لو كان المنع عامًّا، وعلى هذا فالمنهي عنه هو البيع فقط، وأما لو وهبته، أو أوقفته إذا صح وقفه، أو ما أشبه ذلك فإنه لا بأس به؛ لأن الرسول ﷺ إنما نهى عن البيع فقط، أما بقية التصرفات فلا نهي عنها.
[ ١ / ٤٥٤٦ ]
لكن لو باعه تولية: تعلمون بيع التولية؟ ما هو؟ أن يبيعه برأس ماله، فالمذهب لا يصح. وقال شيخ الإسلام: إنه يصح، أيهما أصح؟ المذهب أصح؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «فَلَا يَبِعْهُ»، وهذا عام، أما شيخ الإسلام فإنما أجاز البيع تولية؛ قال: لأنه إنما نهي عن البيع قبل قبضه في حال الربح؛ لئلا يندم البائع أو يتحيل لفسخ البيع.
فأما إذا بيع تولية بدون ربح، أو باعه لبائعه فعنده -﵀- إنه لا بأس بذلك، ولكن عموم حديث الرسول ﵊ يشمل بيعه تولية، والذي ينبغي لنا أن نأخذ بماذا؟ بعموم الحديث، وقد سبق لنا أن العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص العموم؛ لأنه من الجائز أن تكون العلة هذه خطأً وأن استنباطنا لها ليس بصواب، فلا نخصص بها عموم الكتاب والسنة بمجرد أن نقول: إن الحكم مبني على هذه العلة.
وعلى هذا فيكون هذا من المواضع التي يُخالَف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مع أنه ﵀ غالب اختياراته أقرب إلى الصواب من غيره، كل ما اختاره إذا تأملته وتدبرته وجدت أن ما يختاره أقرب إلى الصواب من غيره، لكنه ليس بمعصوم، لدينا نحو عشر مسائل أو أكثر كلها نرى أن الصواب في خلاف كلامه -﵀- لأنه كغيره من الناس يخطئ ويصيب.
ومع ذلك فإذا جزمنا بأن الصواب في خلافه فلسنا على يقين من ذلك؛ قد نكون نحن المخطئين وهو المصيب، لكن الإنسان ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لا يُكلَّف غير ما يستطيع هو بنفسه، فإذا رأى أن الحق في قول فلان أو فلان فواجب عليه اتباعه.
وإن كنا والله نرى أن لشيخ الإسلام ﵀ من العلم والفضل والأجر العظيم -الذي نسأل الله تعالى أن يوفيه كاملًا- ما لا يوجد لدى كثير عند علماء المسلمين، لكن مع ذلك لا نرى أنه معصوم، نرى أنه كغيره يخطئ ويصيب.
طالب: ().
[ ١ / ٤٥٤٧ ]
الشيخ: يقول: لأن النهي خوفًا من أن يبيعه بربح فيندم البائع، فيتحسر ويحزن، أو ربما يحاول أن يجد طريقًا إلى فسخ البيع.
طالب: () وزنه ().
الشيخ: ما وزنه ولا () قال: اشتريت منك هذه الصبرة كل صاع بكذا، هذا ما اشترى مكيلًا بكيل.
الطالب: ().
الشيخ: ما () إلى الآن، اشتريت الصبرة هذه كلها، صبرة من الطعام، كيس من الطعام، اشتريت كل صاع بكذا، هذه هي.
طالب: ().
الشيخ: نعم، لا يوزن مئة أو مئتين صاع ما يهم، المهم اشتريت منك هذا الكيس، أو هذه الصبرة كل صاع بكذا.
طالب: إذا لم يقل: () يعني () ما هو معين.
الشيخ: لا، هذا ما هو معين. ما يصح بيعه حتى إنه يعين، هذا المبيع بصفة، بيجينا إن شاء الله. أما لو يقول: أعطني مئة صاع من هذه الكومة، سبق لنا أن المذهب ما يجوز، والصحيح: أنه يجوز، كما تقدم.
طالب: ما في () البيع ().
الشيخ: إلا ما في معنى البيع، يُلحق به؛ يعني مثل: هبة على عوض، والصلح بمعنى البيع، هذا يلحق به.
يقول المؤلف: (ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه).
الحكم الرابع فيما يترتب عليه؛ قال: (وإن تلف قبلَ قبضِه فمِنْ ضمان البائع). انتبه يا أخ! كم الأحكام الآن؟
صحة العقد، لزومه إلا أن يكون فيه خيار، عدم صحة التصرف فيه.
الرابع: إذا تلف قبل قبضه -أي: قبل كيله- فمن ضمان البائع؛ مثل: هذه الكومة من الطعام اشتريتها بمئة، كل صاع بكذا، فجاء سيل جارف اجترفها، تلفت، من ضمان مَن؟ من ضمان البائع؛ لأنه لم يستوف حتى الآن، وقد قال النبي ﵊: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (٦)، فكما أن الشارع منعني من بيعه والكسب فيه فإن ضمانه على من هو في ملكه أولًا.
[ ١ / ٤٥٤٨ ]
وهذا قد يشكل عليك من جهة أن الملك انتقل بالعقد إلى من؟ إلى المشتري، لكن هذا لما كان يحتاج إلى حق توفية، منع الشرع من التصرف فيه، وجعل ضمانه على البائع، فإن كان البائع قد عرضه على المشتري، وقال: تعال خذ حقك يا أخي، تعال ضيقت عليَّ، وهذا كله يمتنع ويماطل، فهل يكون الضمان عليه ولا على البائع؟
طلبة: على المشتري.
الشيخ: أقول: هل يكون على المشتري ولا على البائع؟
طلبة: على المشتري.
طالب: ظاهره () البائع.
الشيخ: أما ظاهر كلام المؤلف فهو من ضمان البائع، ولكنه لا شك أن هذا الكلام ليس على ظاهره، وأن البائع إذا قال للمشتري: تعال خذ حقك، وهذاك يماطل؛ فإنه من ضمان مَن؟ من ضمان المشتري؛ لأن البائع، ويش ذنبه؟ يمكن البائع يقول: أخِّره عن مخازني أنا أريد أن آتي بطعام غيره، ولكن ذاك يماطل، وربما إن ذاك والله أعلم قد يكون نيته سيئة، وده يجيب الله بشيء يصرفه علشان يقول: إنه من ضمان البائع، ففي هذه الحال يكون الضمان على المشتري؛ لأنه هو الذي تأخر بقبض حقه، لكن يجب أن نعلم أنه لا بد من إمهال المشتري زمنًا يتمكن فيه منين؟ من النقل، لو كان الطعام كثيرًا، وقال: يلَّا ما يؤذن الظهر إلا أنتم نخلصوا هذا. يا رجل ما عندي شيء! هذا يحتاج إلى جلابيات وشوالات وما أشبه ذلك، أنا ما عندي شيء، قال: ما فيه! أذن الظهر وهو ما شال من شيء. ويش تقولون؟ الضمان على من؟
طالب: على البائع.
الشيخ: البائع؛ لأن المشتري ما يقدر، لا بد أن يمهله زمنًا يتمكن فيه من القبض، هذه أربعة أحكام.
الحكم الخامس: (وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع، وإن أتلفه آدمي خيِّر مشتر بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله).
قد نقول: إن هذين الحكمين تفصيل لقوله: (إن تلف قبله فمن ضمان البائع) إذا تلف هذا المبيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو زرع:
فإما أن يتلف بآفة سماوية؛ والآفة السماوية ما لا صنع للآدمي فيها، وإن شئت فقل: ما لا يمكن فيها تضمين.
[ ١ / ٤٥٤٩ ]
(بآفة سماوية) كأمطار، ورياح، وصواعق أحرقت هذا الشيء. هذا بآفة سماوية ولَّا لا؟ هل يمكن فيها تضمين المتلف؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن، أتلفه جراد، جراد نزل على هذا الحب وأكله. سماوية؟ الجراد أرضي.
طالب: ().
الشيخ: لا صنع لآدمي فيه، ولا يمكن تضمينه أيضًا، قالوا: ومن ذلك لو أتلفها الجند؛ جند العساكر نزلوا بهذا الأرض ورأوا هذه الكومة من الطعام، قالوا: يلَّا، كلوا. هل يمكن تضمينهم؟ يقول: ما يمكن تضمينهم، مَنِ الجندي اللي أكلها؟
ثم الجنود عساكر السلطان قد لا يتمكن الإنسان من تضمينهم، في هذه الحال انفسخ البيع. ويرجع المشتري على مَن؟ يرجع على البائع؛ لأنه يقول: أنا ما أقدر الجراد لا يمكن ألاحق الجراد، وأقول: تعالوا أعطوني حقي، والسيول كذلك وجنود السلطان كذلك، ولا يمكن. إذن يرجع على من؟ على البائع.
(إن أتلفه آدمي) معين يمكن تضمينه، (إن أتلفه آدمي) يقول: (خُيِّر مشترٍ بين فسخ): وإذا فسخ البيع يعود على مَن؟ على البائع؛ يعني: رجل سطا على هذا الطعام الذي اشتريته بكيل، سطا عليه بالليل وأخذه، معروف، فلان يقول: فلان.
أنا أيها المشتري إن شئت ذهبت للبائع وقلت: هونت، أعطني فلوسي. كيف تهون علىَّ، الضمان عليك أنت. تقول: لا، إلى الآن ما بعد استوفيت، فالضمان عليك.
من أطالب؟ روح طالب اللي أخذه. صحيح ولَّا لا؟ إلَّا صحيح، أنا أفسخ البيع، وأنت البائع، دور حقك عند اللي أخذه.
لي الخيار أيضًا أنا أيها المشتري أن لا أفسخ البيع وأن أطالب المتلف؛ ولهذا قال: (وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله)؛ لأن ما هونت ولَّا أروح للبائع، أطالب المتلف بالبدل. أيهم أحسن لي؟
طلبة: أطالب البائع.
الشيخ: ما ندري.
طالب: فيها تفصيل.
الشيخ: إي، فيها تفصيل؛ إذا كان البائع فقيرًا أو مماطلًا ما يمكن استخراج الحق منه، والمتلف غني وباذل، بمجرد ما أقول: خف الله وأعطني حقي، يقول: تفضل. أيهم أحسن لي؟
طالب: مطالبة المتلف.
[ ١ / ٤٥٥٠ ]
الشيخ: نعم، إمضاء البيع ومطالبة المتلف، كذلك ربما يكون الشيء قد زاد، ربما أنا شارٍ صاعًا مثلًا بعشرة، والآن يساوي عشرين، لو فسخت البيع كم بيأخذ الصاع؟ بعشرة فقط، ثمن اللي دفعته، وإذا أبقيت البيع وأمضيته، أبغي أطالب المتلف بالبدل، البدل الآن يسوى الصاع عشرين ولَّا لا؟ فصار الخيار، ما دام الخيار للمشتري فهو سينظر ما هو أصلح، هل الأصلح أن يفسخ البيع، ويأخذ دراهمه من البائع، والبائع يذهب يطالب المشتري؟ أو الأحسن أن يطالب مَن؟ أن يطالب المتلف ويبقي البيع، يبقي البيع على ما هو عليه ويذهب ويطالب المتلف، يقول: أنا أبغي تعطيني بدل ما أتلفته، وهذا عام في المكيل والموزون والمعدود والمزروع، هادول الأربعة أشياء، وسيأتي -إن شاء الله- أشياء ثانية ما ذكرها المؤلف.
طالب: يطالب بالقيمة عليه يقول له: أعطيك قيمة ().
الشيخ: لا، يطالبه بالبدل، إذا كان ()، المبيع بالصفة هذا أيضًا يحتاج إلى حق توفير.
والثالث: المبيع برؤية متقدمة على العقد بزمن لا يتغير به المبيع ظاهرًا، فالجميع الآن ستة، كلها تحتاج إلى حق توفير. كملها، أَعِدْها لنا.
طالب: المعدود والمزروع.
الشيخ: المعدود إذا بيع؟
طالب: بعد ().
الشيخ: صحة العقد، بمجرد العقد عليه، وثانيًا؟ لزومه ما لم يكن فيه خيار، وهذان الحكمان يوافقهما، أو يوافقون ما بيع بغير ذلك؛ يعني: ما بيع بغير ذلك أيضًا يثبت فيه بمجرد العقد، ويلزم بمجرد العقد إلا أن يكون له خيار.
الحكم الثالث: أنه لا يصح التصرف فيه قبل قبضه.
والحكم الرابع: أنه من ضمان البائع إذا تلف، إلا إذا بذل التسليم وأبى المشتري، فإنه حينئذ يكون من ضمان المشتري.
طالب: ().
الشيخ: نعم؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم؛ معناه أنه ما يمكن يتم البيع والتصرف فيه إلا إذا استوفيته بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بالزرع أو بالرؤية الحاضرة فيما بيع برؤية أو صفة.
طالب: ().
[ ١ / ٤٥٥١ ]
الشيخ: هذا ما يساوي شيئًا، كلته، بعت عليك هذه الصبرة كل صاع بعشرة، ما تستوفيها أنت حتى تكيلها، إذا كلتها فهذا الاستيفاء.
طالب: () أشرت ().
الشيخ: كيف؟ ().
(بين فسخ ومطالبة متلفه ببدله) كلمة (ببدله) ويش تعني؟ تعني: مثله إن كان مثليًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا. هذا المراد بالبدل؛ يعني: فإذا كان مثليًّا فإنه يضمنه بمثله، وإن كان متقوَّمًا فإنه يضمنه بقيمته.
هل يشارك المبيع الذي يحتاج إلى حق توفية هل يشاركه غيره في كون الضمان على البائع؟
الجواب: أقول الآن: إحنا عرفنا الأقسام الستة أنها إذا تلفت قبل التوفية فهي من ضمان من؟ البائع، هل يشارك هذه الأشياء الستة غيرها في كونه إذا تلف فهو من ضمان البائع؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: () البائع وسلمه.
الشيخ: لا () في الحال، ما ذكرناه، وهي ما إذا -الثمرة على الشجرة- تلفت بآفة سماوية فهي من ضمان البائع؛ مثل: اشترى مني رجل ثمرة نخلة فجاءها آفة فأتلفتها، فهنا ينفسخ البيع؛ لأن النبي ﵊ يقول: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» (٧). أضف هذا إلى الست السابقة، كم يكون؟ سبع؛ إذا منعه البائع من قبضه وتلف فمن ضمانه، لكن هذا قد لا ندخله في المسائل السبع؛ لأننا قد نقول: إن ضمان البائع له في هذه الصورة ضمان غصب، وليس بمقتضى العقد، وحينئذ ما حاجة إلى إدخالها، فصارت الأشياء التي لا يصح التصرف فيها كم؟ ما هي الأشياء التي لا يصح التصرف فيها قبل القبض؟
طالب: المكيل.
الشيخ: شرطٌ إذا بيع بالكيل. إذن تقول: ما بيع بكيل.
الطالب: أو وزن، أو زرع، أو عدٍّ.
الشيخ: نعم. أيش بعد؟
الطالب: أو صفة.
الشيخ: أو صفة.
الطالب: ().
الشيخ: أو صفة.
الطالب: أو برؤية متقدمة.
[ ١ / ٤٥٥٢ ]
الشيخ: أو برؤية متقدمة. هذه الستة ما يصح التصرف فيها حتى تستوفى. ما الذي يكون مضمونًا على البائع في المبيعات؟ نقول: كلها، الصور الست اللي ذكرنا مضمونة على البائع قبل أن تستوفى، ويزيد حق ثالث وهو: الثمر على الشجر فإنه من ضمان البائع، ومع ذلك لو باعه المشتري يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لو باع المشتري الثمر على الشجر جاز، يصح التصرف فيه، لكن ضمانه على البائع؛ وبهذا علمنا أن الضمان وعدم التصرف غير متلازمين؛ إذ قد يكون الضمان على البائع ويصح التصرف، وقد يصح ..
طالب: ().
الشيخ: طيب، خلاص.
الطالب: ().
الشيخ: أيهم؟
الطالب: () برؤية سابقة ().
الشيخ: يتم القبض بتسليمه، بتسليمه إلى المشتري.
طالب: ().
الشيخ: ما () حتى يسلمه.
يقول المؤلف ﵀: (وما عداه يجوز تصرُّف المشتري فيه قبل قبضه) (ما عداه): ويش الضمير اللي يعود عليه؟ يعني: ما عدا ما بيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو زرع، وزدنا على كلام الماتن أو صفة أو رؤية سابقة، ما سوى هذا يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، ويش الدليل؟ قالوا: إن الدليل على ذلك حديث ابن عمر، قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير، ونبيعها بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فسألْنا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذُهَا ِبسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (٨). واضح الدليل ولا ما هو بواضح؟
طالب: وجه الاستدلال.
[ ١ / ٤٥٥٣ ]
الشيخ: هذه، وجه الاستدلال عليكم أنتم، الآن الحكم الذي نريد أن نستدل له ما هو؟ أن ما عدا المبيع بكيل أو نحوه يصح التصرف فيه؛ الدليل: حديث ابن عمر؛ كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير، إذن باعوا الدراهم ولَّا لا؟ باعوها بدنانير وأخذوا بدلها، ونبيع بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، هذا ما هو بيع، بيع قبل القبض، وهذا الدليل على أنه يجوز أن يتصرف المشتري بما عدا ما بيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو زرع يتصرف قبل القبض، ولكن شيخ الإسلام ﵀ يقول: إن كل مبيع لا يصح التصرف فيه قبل قبضه، حتى ما بيع جزافًا فإنه لا يصح التصرف فيه قبل قبضه؛ مثال ذلك: رجل عنده كومة من الطعام، صبرة، فباعها بألف درهم على رجل. جزافًا ولا بكيل؟ جزافًا. المذهب: يجوز للمشتري أن يبيع هذه الصبرة قبل أن يقبضها؛ السبب لأنها ما بيعت بكيل ولا وزن ولا عدٍّ ولا زرع ولا رؤية سابقة ولا صفة، فيجوز أن يبيعها قبل قبضها، ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يبيعها قبل قبضها؛ لحديث ابن عمر ﵁ وعن أبيه، قال: كان الناس يتبايعون الطعام جزافًا في أعلى السوق- يتبايعونه جُزافًا. ويجوز جِزافًا، ويجوز جَزافًا. مثلثة الجيم- يبيعونه جزافًا على عهد النبي ﷺ فنهاهم أن يبيعوه حتى ينقلوه (٩)، هذا حديث ابن عمر.
وحديث حكيم بن الحزام أعم منه؛ حيث قال: إن الناس كانوا يتبايعون على عهد النبي ﷺيعني: الأشياء كلها- فقال ﵊: «مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» (١٠)، وهذا عام.
فالصواب ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن كل شيء تشتريه لا يجوز لك أن تبيعه حتى تقبضه، حتى السيارة لا يجوز أن تبيعها حتى تقبضها.
[ ١ / ٤٥٥٤ ]
يقول: (وما عدا ذلك يجوز) كيف نجيب عن حديث ابن عمر إذا قلنا بأنه لا يجوز أن يتصرف الإنسان في شيء اشتراه حتى يقبضه سواء بيع بكيل أو وزن أو عد أو زرع أو غير ذلك؟ فما هو الجواب عن حديث ابن عمر؟
طالب: () الإبل.
الشيخ: إي نعم؛ كنا نبيعها بالدراهم فنأخذ الدنانير (٨).
الطالب: ().
الشيخ: لا.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هو باعه بدنانير، راحوا ثم رجعوا، بقي ما عندي دنانير عندي دراهم، قال: خذ أعطني دراهم. أجابوا عن ذلك بأن قصة حديث ابن عمر أن الذين يشترون الإبل لا يشترونها بدراهم معينة، يعني: ما يقول: اشتريت منك هذه البعير بهذه الدراهم، وإنما يشتري البعير بدراهم في ذمته، فيثبت في ذمته للبائع دراهم، فإذا جاء عند المقاصة والقبض قال له: خذ بدل الدراهم دنانير، فيكون من باب بيع الدَّيْن على من هو عليه، وبيعُ الدَّين على من هو عليه جائز إذا لم يتضمن محظورًا شرعيًّا؛ ولهذا حديث ابن عمر لو أخذناه بظاهره لكان فيه رد حتى على مذهب الذين يقولون: إنه لا يجوز أن يباع الشيء الذي بيع بكيل أو وزن أو عد أو زرع حتى يكال أو يوزن أو يُعَد أو يزرع؛ لأن حديث ابن عمر ليس فيه أنهم كانوا يعدون الدراهم ثم يشترونها.
والخلاصة أن المذهب لا يجوز التصرف في كم صورة؟ فيه ست صور؛ وهي: ما بيع بكيل، أو وزن، أو عدٍّ، أو زرع، أو رؤية سابقة، أو صفة، هذه لا يجوز التصرف فيها قبل القبض، وما عدا ذلك على المذهب: يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه.
وقلت لكم: إن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب الشافعي ووجه في مذهب أحمد وهو مذهب ابن عباس ﵄ أنه لا يجوز أن يُباع أي شيء حتى يُقبض، والحكمة من ذلك أنه لا يباع حتى يقبض أن ما كان عند البائع فهل أنت قادر على تسليمه لمن تبيعه عليه على كل حال؟
طالب: لا.
[ ١ / ٤٥٥٥ ]
الشيخ: لماذا؟ لأن البائع قد يمانع ويماطل في تسليمه، ولا سيما إذا رأى أنك قد ربحت، فإذا رأى أنك قد ربحت فإنه سوف يماطل أكثر، وربما يتحيل على فسخ البيع، ويكون هناك عداوات وحزازات؛ فمن أجل هذا ().
إلى حق توفية، وقال ابن عمر: مضت السُّنة أن ما أدركته الصفقة حَبًّا مجموعًا -أو قال: حيًّا مجموعًا- فمن ضمان المشتري (١١)؛ يعني: ما أدركته الصفقة غير محتاج إلى أن يُستوفى فهو من ضمان المشتري. هل كلام المؤلف هنا على ظاهره لأنه لم يستثن إلا ما بيع بكيل ونحوه ولَّا لا؟
الجواب: ليس على ظاهره؛ ليش؟ لأنه يقول: وإن تلف ما عدا ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو زرع أو صفة أو رؤية سابقة، أو ثمر على الشجرة، فصار المؤلف ﵀ أسقط كم؟ ثلاث مسائل.
وعليه فيكون قوله: (ما عدا المبيع بكيل ونحوه) فيه شيء من القصور، وأن الصواب أن يقال: أن يزاد أيش؟ ثلاثة أشياء: المبيع برؤية سابقة، أو بصفة، والثمر على الشجر.
قال: (وإن تلف ما عدا المبيعِ بكيل ونحوه فمن ضمانه) أي: ضمان المشتري، (ما لم يمنعه بائع من قبضه) فإن منعه من قبضه فعلى البائع، ويضمنه ضمان غصب؛ مثال ذلك: باع عليَّ رجل سيارة قبل أن يسلمها لي تلفت، مِن ضمان مَن؟
طلبة: البائع.
الشيخ: سبحان الله! قبل أن يُسَلِّمَها لي تلفت؟
طلبة: البائع.
الشيخ: من ضمان المشتري يا إخواني، هذه ما بيعت بكيل ولا وزن ولا عدٍّ ولا زرع ولا رؤية سابقة ولا صفة، وليست ثمرًا على الشجرة!
طالب: ما استلم المشتري.
الشيخ: ما استلمها، لكن ما منعها البائع؛ باع عليه وقال: اتفضل () تأخذها، فتلفت السيارة، مِن ضمان مَن؟
طلبة: المشتري.
الشيخ: من ضمان المشتري، إن منعه البائع من القبض بأن جاء إليه وقال: أعطني السيارة. قال: لا ما أعطيك إياها إلا بعد أسبوع. يا ابن الحلال أعطني إياها. قال: لا، ما أنا أعطيك إياها إلا بعد أسبوع. في أثناء هذه المدة تلفت السيارة، فعلى مَن؟
الطلبة: البائع.
[ ١ / ٤٥٥٦ ]
الشيخ: فعلى البائع ضمان غصب؛ بمعنى: إن البائع يضمن السيارة بمثلها إن كان لها مثل، وبقيمتها وقت التلف إن لم يكن لها مثل، ويضمن أجرة السيارة أيضًا مدة منعه إياها إذا كانت السيارة تُؤَجَّر للتاكسي. هي تكسي ولَّا تاكسي؟
طالب: تاكسي.
طالب آخر: أجرة.
الشيخ: أجرة؟
طالب: تاكسي.
الشيخ: بالألف؟
طالب: تاكسي بالإنجليزي.
الشيخ: تاكسي بالإنجليزي؟ لا ما نبغيها، نقول: أجرة، سيارة أجرة، منعه إياها لمدة أسبوع، فتلفت في آخر الأسبوع، نقول: إنه يضمنها ضمان غصب وعليه فيلزمه -أي: البائع- أجرتها منذ منعه، فإذا كانت تؤجر كل يوم بمئة ومنعها خمسة أيام، كم يضمن؟ خمس مئة لصاحبها.
طالب: () يا شيخ، إذا اتفقوا على التأخير ().
الشيخ: لا، إذا اتفقوا ما فيه إشكال، من ضمان المشتري.
طالب: () المشتري، ولو كانت ().
الشيخ: ولو كانت أيش؟
الطالب: ولو كانت غير ().
الشيخ: ما يخالف، الكلام على أنه، إن هذه السيارة لو أُجِّرَت لصار كذا وكذا.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، معلوم إذا كانت هذه السيارة يمكن تأجيرها، لكن تجيء سيارة ما يمكن تأجيرها. لا، () يمكن تأجيره.
الطالب: ليس ().
الشيخ: ولو كان، يقال: يفرض لهذه السيارة أجرة المثل، وتختلف عادة الأجور ولو كانت واقفة؛ لأن الغصب، الغاصب يعامل بأشد الأمور.
يقول: (ما لم يمنعه بائع من قبضه) وسبق لنا عكس هذه المسألة في (ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو زرع): إذا أخَّر المشتري قبضه من يكون لضمانه؟ من ضمان المشتري.
إذا قال: () تعال () مخزن، خذ سلعتك. قال: طيب إن شاء الله، وصار يتماهل يقول: بكره، بعد بكره. فهنا إذا تلف فمِن ضمان المشتري.
[ ١ / ٤٥٥٧ ]
قال: (ويحصل قبضُ ما بيع بكيل أو وزن أو عدٍّ أو ذرع بذلك) (يحصل قبض ما بيع بكيل) (بذلك) أي: بكيل؛ فإن قبضته ولكن ما كلته، أخذت مثلًا كيسًا، اشتريت منه كيسًا من القمح كل صاع بعشرة، وأخذت الكيس وحطيته عندي في البيت، وقلت لك: إن شاء الله بتأتي بعد الظهر من أجل أن نكيله، فتلف قبل الظهر، أيش تقولون؟ من ضمان مَن؟ من ضمان البائع؛ لأنه إلى الآن ما قبض، متى يقبض؟ يقبض بالكيل إذا كيل، وكذلك نقول في الوزن وفي العد وفي الزرع.
وظاهر كلام المؤلف ﵀ وغيره من الفقهاء أنه إذا حصل الكيل أو الوزن أو العد أو الزرع فهو قبض وإن كان في محل البائع، ولكن ظاهر النصوص أنه لا بد أن يُحمل؛ لحديث ابن عمر أو زيد بن ثابت.
وفي صُبْرَةٍ وما يُنْقَلُ بنقلِه وما يُتناولُ بتناوُلِه، وغيرُه بتَخليتِه.
و(الإقالةُ) فَسْخٌ. تَجوزُ قبلَ قَبْضِ الْمَبيعِ بِمِثْلِ الثمنِ، ولا خِيارَ فيها ولا شُفْعَةَ.
(بابُ الرِّبَا والصرْفِ)
يَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ في مَكيلٍ ومَوزونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ، ويَجِبُ فيه الْحُلولُ والقَبْضُ، ولا يُباعُ مَكيلٌ بجِنْسِه إلا كَيْلًا، ولا موزونٌ بجِنْسِه إلا وَزْنًا، ولا بعضُه ببعضٍ جُزَافًا، فإن اخْتَلِفَ الجنْسُ جَازَت الثلاثةُ. والجِنْسُ ما لَه اسمٌ خاصٌّ يَشْمَلُ أنواعًا كَبُرٍّ ونحوِه، وفروعِ الأجناسِ، كالأَدِقَّةِ والأخبازِ والأَدْهَانِ، واللحمُ أَجناسٌ باختلافِ أُصولِه، وكذا اللَّبَنُ، واللحم والشحْمُ والكبِدُ أَجناسٌ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ لحمٍ بحيوانٍ من جِنْسِه، ويَصِحُّ بغَيرِ جِنْسِه،
بعد أو قبل اللي يأتي به إلى رحله، فظاهر النصوص أن القبض لا يكون بمجرد العدد، بيفرض أني اشتريت منك هذا القطيع من الغنم، كل شاة بعشرة، وعددتها وبقيت في مراحك، هل هذا قبض؟ حقيقة الأمر أنه ما هو قبض؛ لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك، وهذا ما دام عند البائع فليس في قبضتك.
[ ١ / ٤٥٥٨ ]
ومن هنا نعلم أن ما يصنعه المحتالون على الربا الذين يبيعون أكياسًا من القهوة، أو من ()، أو طرائق من الثياب يبيعونها على المتدين، ثم يجي ويعدها واحد، اتنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، إلى آخره، وهي في مكان البائع. نقول: هذا ليس بقبض؛ لأن الرسول ﷺ فسر القبض بقوله: «حَتَّى يَأْخُذَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» (١). فتكون في قبضتهم، لكن إن احتاجت إلى عد فلا بد من عدها، أو إلى كيل فلا بد من كيلها، أو إلى وزن فلا بد من وزنها، أو إلى ذرع فلا بد من ذرعها.
لو أن يأتيني بمثال لما بيع بذرع، وبما يحتاج إلى ذرع؟
طالب: من الأرض.
الشيخ: لا، غير الأرض.
طالب: قماش.
الشيخ: قماش، حبال يعني؟
الطالب: قماش ().
الشيخ: ممكن؟
الطالب: لا.
الشيخ: إي يمكن، يكون مثلًا يسموه الطور ولا أيش؟
الطلبة: الطاقة.
الشيخ: طاقة مثلًا بعت عليك هذه الطاقة كل ذراع أو كل متر بكذا وكذا، هذا إذن قد بِيع بماذا؟
طالب: بالذرع.
الشيخ: بالذرع إي نعم.
يقول المؤلف في ذلك: (وفي صُبرة) القبض في الصُّبرة يحصل بنقله.
ما هي الصبرة؟ الكومة من الطعام، بعت عليك هذه الكومة من الطعام، أو هذا الكيس من الطعام بمئة، فبماذا يكون القبض؟
الطلبة: بالنقل.
الشيخ: بالنقل، تنقلها من مكانها هذا صُبرة (وما يُنقل بنقله)، ويش اللي ينقل؟ أما قلنا: الصبرة الكومة من الطعام؟ اللي يُنقل غيره من الأشياء التي تُباع جزافًا كما لو باع عليه سيارة، السيارة مما ينقل، فيكون بنقلها يلَّا شغل السيارة ومَشِّ، هذا قبض.
(وما يُتناول بتناوله) يعني ما يتناول بالأيدي يكون بتناوله مثل؟
طالب: ().
الشيخ: لا، مثل الأشياء الثمينة؛ الذهب، والجواهر، واللآلئ وما أشبه ذلك، هذه ما نقول: إذا تبغي تقبضها يلَّا روح جيب حمَّال يشيله، عادةً أنها تتناول بالأيدي.
[ ١ / ٤٥٥٩ ]
كذلك الطيب مثلًا، بعت عليه جرار طِيب، يقوم يقول: يلَّا روح جيب الحمال يجيب حمار يشيلها، ولَّا هذه تتناول باليد؟
طالب: باليد.
الشيخ: باليد، فالذي يتناول يكون بتناوله. ويقول: (وغيره) يعني وقبض غيره (بتخليته)، بعت عليك بيتًا، كيف يقبض ها البيت؟ يقول: شيل البيت ولَّا لا؟ ما يمكن يشال، هذا يكون بماذا؟
الطلبة: بالتخلية.
الشيخ: بالتخلية، ومعنى التخلية أن تُخلِّي بين المشتري وبين هذا المبيع، يقول: اتفضل هذه المفاتيح خلاص، أنا ذهبت، خليت بينك وبينه. نعم، فالحاصل إذن أن القبض يختلف باختلاف المعقود عليه، فما بِيع بكيل، أو وزْن، أو عد، أو ذرع فقبضه بالكيل، أو الوزن، أو العد، أو الذرع، وما يُتناول بتناوله، وما يُنقل بنقله، وما سوى ذلك بتخليته حسب ما تقتضيه أعراف الناس.
الطالب: شيخ، مثل السيارة يكون القبض باستلام المفتاح ().
الشيخ: البيت، فهذا شيء آخر.
الطالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، نقول: بيع بالوَزْن.
الطالب: يكفي الوزن.
الشيخ: إي، يكفي نعم.
الطالب: طيب والآن أصحاب () الآن يضعون أكياس () خمسين، أو خمسة وأربعين كيلوجرامًا ()؟
الشيخ: الفقهاء ما يرون هذا قبضًا؛ يعني لو وضع أكياس كل كيس خمسين جرامًا مثلًا أو أكثر يقولون: هذا ما يكون قبضًا.
الطالب: لازم يكيله؟
الشيخ: لازم يكيله، إذا باعها بالكيل، لكن الناس الآن اختاروا الوزن؛ لأنه أسهل.
الطالب: لا، الآن تُباع يعني معدودة.
الشيخ: إذن بالعد، ما علينا من هذا، إذا صار بالعد ما علينا منه، ما يحتاج كيلة، يحتاج إلى عد.
قال المؤلف: (والإقالة فسْخ). ونسأل أولًا: ما هي الإقالة؟
الإقالة: هي أن يرضى أحد المتبايعين بفسخ العقْد إذا طلبه صاحبه.
[ ١ / ٤٥٦٠ ]
مثاله: اشتريتُ منكَ بيتًا بمئة ألف، ثم طابت نفسي من هذا البيت، وبدا لي أن أدعه، وجئت إليكَ وطلبت الإقالة. قال: والله بدا لي في هذا البيت، ولا أريده، أبغيك تقلني، فأقاله البائع وقبِل البيت وأعطاه الثمن، هذه هي الإقالة، الإقالة سُنَّة ومطلوبة؛ لقول النبي ﵊: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). وهذا لا شك أنه ترغيب في الإقالة؛ ولأن الإقالة إحسان إلى مَنْ؟
الطلبة: إلى المشتري.
الشيخ: إلى المقايِض -المشتري أو البائع إلى المقايض- والله تعالى يقول: ﴿أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ولأن في الإقالة إدخال سرور على الْمُقال وتفريجًا لكربته، لا سيما إذا كان الشيء كثيرًا وكبيرًا، فيكون داخلًا في قول الرسول ﵊: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٣).
ولأن الغالب -بإذن الله- أن الإقالة تكون من مصلحة المقيل، فكم من إنسان أقال أخاه المسلم، ثم تكون العاقبة لمن؟ للمقيل، وهذا لو أنكم تدبرتم الواقع لوجدتموه كثيرًا، تجده مثلًا يقبل الإقالة، ثم ترتفع الأسعار، يقبل الإقالة، ثم يأتي إنسان محتاج يزيد في السلعة، فعلى هذا نقول: إن الإقالة مع ما فيها من المصلحة الشرعية فإن فيها مصلحة دنيوية، ثم الإقالة هل هي فسخ أو إبطال؟
يقول المؤلف: إن الإقالة فسْخ، وليست إبطالًا، عندنا ثلاثة أمور في الواقع: إبطال، وفسْخ، وعقْد، فهل هي عقْد أو فسْخ أو إبطال؟ الجواب؟
الطلبة: فسخ.
الشيخ: المؤلف يقول: فسخ، وأنتم ستقولون: فسخ سواء عرفتم الفرق ولَّا ما عرفتم الفرق؟
طالب: ().
[ ١ / ٤٥٦١ ]
الشيخ: الفرق إذا قلنا: إنها إبطال صار معناه أن العقد الأول بطل، أبطلناه، وإذا قلنا: إنها فسخ؛ صار العقد الأول ثابتًا، ويكون الفسخ من حين الإقالة، وعلى هذا فما حصل من نماء بين الإقالة والعقد يكون منه لِمَنْ؟ للمشتري.
وما حصل من عيْب يكون على المشتري؛ لأن الإقالة فسْخ وليست إبطالًا، إذا قلنا: إنها عقد ترتَّب عليها شروط العقد؛ يعني كأنها تكون بيعًا جديدًا، وإذا كانت بيعًا جديدًا فإنه لا بد من أن تُراعى شروط البيع، ولكن الصواب أن الإقالة فسخ؛ لأنها قبل الإقالة على مُلك مَنْ؟
على ملك المشتري، وبعد الإقالة ليس إبطالًا للعقد الأول، ولا عقدًا جديدًا، أنا ما عقدت معه عقدًا جديدًا، لو أردت أن أعقد لقلت: تعالَ، أنا ما أنا مقيلك، لكن أنا بشتري منك مشترى ولَّا لا؟
يعني جاء رجل اشترى مني سيارة، ثم جاء يطلبني الإقالة، والله السيارة مصلحة أبغيك -جزاك الله خيرًا- تفكها منا، تفسخ البيع.
إن فسخت البيع فهي إقالة، لكن إن قلت: لا، ما أنا فاسخ البيع، أنا أشتري منك الآن مشترى من جديد، أنت اشتريتها مني بعشرة آلاف ريال، ونقصت الثمن، والآن أبغى أشتريها منك بثمانية آلاف ريال، هل هذه إقالة ولَّا عقد بيع جديد؟ ()
ما هو الذي يكون من ضمان البائع، وما هو الذي يجوز التصرف فيه قبل قبضه ولَّا لا؟ الذي يكون من ضمان البائع سبع مسائل: ما بِيع بكيل، أو وَزْن، أو عَدٍّ، أو ذرع، أو صفة، أو رؤية سابقة، والثمر على الشجر؛ سبعة، كلهم من ضمان البائع.
وما لا يصح التصرف فيه قبل قبضه ستة: هو ما بيع بكيل، أو وزن، أو عَدٍّ، أو ذرع، أو رؤية سابقة، أو صفة. إذن الثمر على الشجر يجوز بيعه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، يجوز بيعه، الثمر على الشجر يجوز بيعه.
[ ١ / ٤٥٦٢ ]
ذكرنا أيضًا فيما سبق أن البائع إذا منع المشتري قبضه صار من ضمانه، لكنه يضمنه ضمان غصب حتى وإن كان غير مكيل أو موزون؟ نعم، حتى لو كان غير مكيل، أو موزون، حتى لو كان بيتًا، أو سيارة، أو ثيابًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يكون بذلك غاصبًا، وسبق لنا هل يجوز للبائع حبس المبيع على ثمنه أو لا؟ ولَّا لا؟ هل يجوز للبائع أن يحبس المبيع على ثمنه؟
سبق (وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض) تقدم لنا، وبينا أن القول الراجح أنه يجوز للبائع أن يحبسه على ثمنه؛ يعني قال المشتري: ما آمن، أعطني الثمن () وأعطيك المبيع.
فيه أيضًا سبق لنا في الفصل ماذا يحصل به القبض؟ قلنا: ما بِيع بكيل بكيله، وبوزن بوزنه، وبعدٍّ بِعدِّه، وبذرع بذرعه، وما ينقل بنقله، وما يُتناول بتناوله، ويش بعد؟
طالب: وغيره.
الشيخ: وغيره أو يحصل قبْض غيره بتخليته.
طالب: ().
الشيخ: مثل غيره، هذا القَبْض اللي أنتم عرفتم سينفعكم في مواضع كثيرة، ينفعكم في كل ما يُعتبر فيه القبض شرْطًا لصحته أو شرْطًا للزومه، كل ما يُعتبر فيه القبض شرطًا لصحته كمسائل الربا، أو شرطًا للزومه كمسألة الرهن والهبة فإنه على المذهب ما يلزم إلا بالقبض.
المهم ألا تقولوا: إن هذه المسألة مسألة هينة؛ يعني معرفة ما يحصل به القبض أمْر لا بد منه؛ لأنه سيمر بك في مواضع كثيرة من الفقه.
طالب: الراجح يا شيخ من أحكام القول الراجح؟
الشيخ: أيهم؟
طالب: ذكرنا أن فيه رأيًا أن القبض في هذه الأشياء راجع إلى العرف؟
الشيخ: إي، لكن ما يحتاج إلى حق توفية لا بد من توفيته، يعني ما بِيع بكيل، أو وزن، أو عَدٍّ، أو ذرع لا بد من أن يستوفى. كون المذهب أن هذه الأشياء الستة هي التي لا يجوز التصرف فيها قبل القبض، وما عداها يجوز التصرف فيها قبل القبض، وبينا -فيما سبق- أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو مذهب ابن عباس- أن كل شيء بِيع فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه.
الإقالة ما هي؟
[ ١ / ٤٥٦٣ ]
طالب: الإقالة هي فسْخ البيع، يعني إذا جاء يطالب المشتري بأن يرد السلعة.
طالب آخر: () أحد المتعاقدين بفسخ البيع.
الشيخ: بدون سبب.
الطالب: بسبب وبدون سبب.
الشيخ: لا، بسبب بيرضى على كل حال كما لو كان فيه عيب مثلًا .. يعني بدون سبب؟
طالب: لعُذر صاحبه.
الشيخ: لعذر ولَّا غير عذر مثلما طلب صاحبه، المهم أن يرضى المتبايعان بفسخ المبيع بدون سبب بل برضاهما، هل الإقالة واجبة أو سُنَّة؟
طالب: دعا إليها الرسول ﷺ، قال: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
الشيخ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وهذا للترغيب فيها، ومن جهة التعليل؟
طالب: من جهة التعليل أنها فيها ().
الشيخ: وقد جاء في الحديث عن النبي ﵊: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» (٤). فيكون هذا سببًا للدخول في دعاء النبي ﷺ بالرحمة.
هل الإقالة عقد أو إبطال أو فسخ؟ ()
لكن قبل أن يكيله استقال من البائع فأقاله، ما تقولون؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: جائز؟ لو أنه ما بعد كاله؟ إي نعم؛ لأنها ليست بيعًا، بل هي فسْخ، وكذلك لو كان المبِيع غير مكيل أو نحوه فإنه تجوز الإقالة، ولو كان قبل القبض؛ لأنها فسْخ، ولكن المؤلف يقول: (بمثل الثمن)؛ يعني لا بأنقص ولا بأزيد، بمثل الثمن، فلا يجوز أن يقيله بثمن آخر، ولا أن يقيله بأقل من الثمن ولا بأكثر منه، فإذا كان اشترى هذه السلعة بدنانير، تعرفون الدنانير؟ ما هي؟
طالب: الفضة.
الشيخ: غلط، ما هي الفضة.
طالب: الذهبية.
[ ١ / ٤٥٦٤ ]
الشيخ: النقد من الذهب يُسمَّى دنانير، اشترى هذه السلعة بعشرة دنانير، ثم جاء يطلب الإقالة وقال له البائع: أنا أقيلك، لكن بمئة درهم، أعطيك بدل العشرة دنانير اللي أعطيتني مئة درهم، ما تقولون؟ تصح الإقالة ولَّا ما تصح؟
ما تصح؛ لأنها ليست بمثل الثمن، وعلى هذا فيكون مثل هذا النوع يكون بيعًا.
اشترى مني هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، وسلَّمني العشرة، ثم جاء إليَّ في آخر النهار طالبًا الإقالة، فقلت له: أنت إذا رددت السيارة فإن من علم بذلك سوف ينقص من ثمنها أو لا؟
قال: ليش إنها رُدَّت عليه لولا أن فيها بلاءً ما ردوها، ولكن أنا أخذت منك عشرة آلاف ريال إذا كان يكفيك تسعة آلاف ريال، وتعطيني سيارتي ما فيه مانع ويش تقولون؟ على المذهب لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون بمثل الثمن. طيب هل يمكن يكون بأكثر من الثمن؟
طالب: إي نعم.
طالب آخر: حين يستقيل البائع.
الشيخ: إي، يكون البائع هو الذي يستقيل، فيقول المشتري: والله ما أنا مقيلك إلا إذا كان أنت بتعطيني بدل العشرة آلاف اللي أعطيتك كم؟ أحد عشر ألفًا وإلا ما أوافق.
هذا أيضًا لا يجوز، لكن الصحيح أن ذلك جائز إذا كان من جنس الثمن، إذا كان من جنسه؛ يعني أعطيته عشرة آلاف ريال، وقلت: نعم، أقيلك، لكن بألف ريال، آخذ الألف، ولك تسعة، أو مثلًا البائع استقال، وقال: نعم، أنا أقيلك، لكن تعطيني أحد عشر ألفًا بدل عشرة، فالصواب أن ذلك جائز، وعمل الناس اليوم على هذا، عمل الناس على هذا؛ لأنه ما فيه محظور كما قال ابن رجب ﵀، قال: إن محظور الربا في هذه المسألة بعيد جدًّا، وليس هذا من باب بيع الدراهم بالدراهم.
طالب: ماذا يسمون الإقالة بأقل أو أكثر، هل يسمونها بيعًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أم لا يجيزونها؟
الشيخ: لا يجيزونها، يقول: إما أن يُقيل بمثل الثمن، وإلا فلا يقيل.
طالب: لماذا لم يعدوها إبطالًا أو عقدًا جديدًا في الواقع؟
[ ١ / ٤٥٦٥ ]
الشيخ: هو إذا كان عقدًا جديدًا لا بأس ما تكون إقالة، لكن العقد الجديد يحتاج إلى شروط البيع، ومنها ألا يقيله في مكيل ونحوه حتى يكيله ويستلمه، فإذا قلنا: إنها عقد بيع فلا بد فيه من شروط البيع، أما إذا قلنا: فسْخ، فهذه ما تحتاج إلى شروط البيع؛ لأن غاية ما هنالك أن العقد الأول فُسخ وانتهى، ورجع كل منا إلى ما سلَّمه.
طالب: ما يُشترط في الثمن أن يكون حاضرًا، يكون معينًا لو كان ().
الشيخ: يعني على القول الراجح ما هو شرط.
طالب: ().
الشيخ: لا، ما في هذا.
طالب: يعطيه من ماله، ويأخذ أقل منه ثم .. ()
الشيخ: في الإقالة، فلو جاء المشتري إلى البائع، وقال: أريد أن تقيلني فأقاله، ثم في أثناء المجلس قال: هوَّنْت، يقولها البائع اللي أقال، والله هوَّنت، ما تقولون في هذا؟
لا يُقبل الرجوع؛ لأن البيع انفسخ، وليس هذا عقد بيع حتى نقول: إن له الخيار فيه. طيب ولا شفعة، كيف الشفعة؟
الشفعة هي انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه بعِوض مالي، مثاله: بيني وبين شخص أرض أنصافًا، فباع شريكي نصفه أو أرضه، باعها على شخص ثالث فلي أنا أن آخذ هذا النصيب من الذي اشتراه، آخذه منه غصبًا عليه ولا برضاه؟ غصبًا عليه، ويسمى هذا شُفعة، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيانها وشروطها.
الإقالة الآن كيف يتصور فيها الشفعة؟ مثل: بعتُ عليك نصيبي من هذه الأرض بعشرة آلاف درهم، ثم إن شريكي علم بذلك، ووافق على البيع، وقال: الله يربحه، أنا مالي شفعة، الآن ما فيه شفعة، لماذا؟ لأن الشريك أسقطها برضاه بعد أن تم البيع جاء المشتري إليَّ وقال: أقلني فأقلته، فهل لشريكي أن يأخذ نصيبي الذي رجع إليَّ بالإقالة؟ هل له أن يأخذه بالشفعة أم لا؟ الجواب: لا.
قال: (ولا شفعة) لماذا؟ لأن رجوعه إليَّ ليس بطريق البيع، ولكنه بطريق الإقالة، ولهذا قال المؤلف: (لا خيار فيها ولا شفعة) أعرفتم؟
طيب (لا خيار فيها)، هل يشمل حتى خيار العيب؟
طالب: ().
[ ١ / ٤٥٦٦ ]