ثم قال المؤلف: (باب الربا والصرف) الربا بالألف ولَّا بالياء.
الطلبة: بالألف.
الشيخ: بالألف، والزِّنى بالألف ولَّا بالياء؟
طالب: بالياء.
طالب آخر: بالألف.
الشيخ: زنا؟
طالب: الصحيح بالياء يا شيخ.
الشيخ: الصحيح؟ ! وغير الصحيح؟
الآن الربا بالألف؛ لأنه مأخوذ من ربا يربو بالواو، وإذا كان الفعل واويًّا؛ صار مقصورًا بالألف مثل دعا بالألف، أما زنى فهي بالياء، ولهذا؛ نقول: الزنى يكتب بالياء ولا يكتب بالألف؛ لأنه يائي.
والربا في اللغة الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥].
وأما في الاصطلاح: فالربا زيادة في أشياء، ونسأ في أشياء، نشوف الآن هذا التعريف، هذا تعريف الفقهاء، هل تصورتموه الآن؟ زيادة في أشياء ونسأ في أشياء، تصورتم هذا ولَّا ما تصورتموه؟ والحد على الأقل لا بد أن يكون مُعطى للصورة، فالحدود تُصور الأشياء؛ ولذلك لو قيل: إن الربا هو التفاضل في بيع كل جنس بجنسه مما يجري فيه الربا، تصورتموها الآن ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: التفاضل مثلًا بُر بِبُرٍّ، أعطيتك صاعًا بصاعين،، هذا ربا، لكني أعطيتك صاعًا من البر بصاعين من الشعير هذا ربا ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لأنه ما هو من جنسه، هذا ربا الفضل.
ربا النسيئة، نقول: أو تأخير القبض فيما يجري فيه الربا، تصورتموها الآن كما لو بعتُ عليك صاعًا من شعِير بصاع من بُرٍّ، ولكن مع تأخر القبْض، فإن هذا يكون ربا، يسمى ربا نسيئة.
وأما الصرْف فهو في اللغة الصَّوْت، ومنه ما جاء في حديث المعراج: حتى بلغا مكانًا سمعا فيه صريف الأقلام (٥). يعني صوتها.
[ ١ / ٤٥٦٧ ]
والصرف: بيْع نقْد بنقد. واضح التعريف ولَّا لا؟ بيع نقد بنقد تبيع مثلًا ذهبًا بفضة أو فضة بفضة؛ يعني دراهم بدراهم، أو دراهم بدنانير، هذا صرف ولَّا لا؟
صرف، وسُمِّي صرْفًا؛ لأنهم كانوا يزنون الدراهم والدنانير، يتبايعون بالوزن عندما نضعها في الميزان يصير لها صريف ولَّا لا؟ إي نعم، يكون لها صريف؛ أي صوت؛ ولهذا سُمِّي صرف، تعريف الصرف إذن: بيع نقد بنقد، بعتُ دولارًا بدراهم سعودية؟
طالب: صرف.
الشيخ: صرْف، إي نعم، صرف، وبعت دراهم بدنانير، ودراهم بدراهم؟
طالب: صرف.
الشيخ: صرف، هذا الظاهر.
الربا مُحرَّم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين، ولهذا من أنكر تحريمه وهو عائش بين المسلمين فإنه كافر؛ لأنه أنكر تحريم شيء عُلِم تحريمه بالضرورة من دِين الإسلام، أين تحريمه في كتاب الله؟
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وهذا لفظ صريح واضح، وقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ [البقرة: ٢٧٥].
[ ١ / ٤٥٦٨ ]
وأما السنة فإنها طافحة في تحريمه، ومنها ما ثبت في الحديث الصحيح؛ حديث جابر أن النبي ﷺ لعن آكل الربا، ومُوكِلَه وشاهِديه، وكاتِبَه وقال: «هُمْ سَوَاءٌ» (٦).
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه إبطال التحليل أنه جاء من الوعيد في الربا ما لم يأتِ في أي ذنب آخر سوى الشرك والكفر، وهذا مما يدل على شدة تحريم هذه المعاملة.
والمسلمون مُجمِعون على تحريم الربا في الجملة، وإن كانوا يختلفون في بعض التفاصيل، لكنهم في الجملة مُجمعون على تحريم الربا، كما نقول: إنهم مجمعون على وجوب الزكاة في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض الأشياء، هل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة.
الربا ينقسم إلى قسمين: ربا فضْل، وربا نسيئة.
ربا الفضل: هو الزيادة، يعني أن يكون الربا بالزيادة، كما لو بعت عليك صاعين من البر بكم؟ بثلاثة أصواع من البُرِّ، وربا النسيئة وهو القسم الثاني: هو أن أبيع عليك شيئًا ربويًّا بشيء ربوي مع تأخير القبض فيهما؛ مثل أن أبيع عليك صاعًا من البر بصاعٍ من الشعير مع تأخير القبْض، هذا يسمى أيش؟ ربا نسيئة، واعلم أن هذين القسمين قد ينفردان، وقد يجتمعان، فإذا بعتُ عليكَ عشرة دراهم بدينار مع تأخير القبض هذا ويش فيه؟ هذا ربا نسيئة ولَّا لا؟ لأني أخرت القبض.
وإذا بعتُ عليك صاعًا من البُرِّ بصاعين من البُرِّ مع القبض في مجلس العقد، هذا ربا فضْل، وإذا بعتُ عليك صاعًا من البُرِّ بصاعين منه مع تأخير القبض اجتمع فيه ربا النسيئة وربا الفضل، وإذا بعتُ عليك صاعًا من البُرِّ بصاعٍ من البُرِّ مع التسليم؛ انتفى ربا الفضل وربا النسيئة، فصار ربا الفضل وربا النسيئة قد يجتمعان وقد يرتفعان، وقد ينفرد أحدهما عن الآخر.
يقول المؤلف: (يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه) مكيل مثل أيش؟
طالب: التمر.
الشيخ: التمر مكيل؟ !
طالب: إي نعم، كان مكيلًا.
[ ١ / ٤٥٦٩ ]
الشيخ: إي، في عهد الرسول ﷺ كان مكيلًا، ولنُمثِّل بمكيل إلى الآن موجود.
طالب: الذرة.
الشيخ: الذرة، إي نعم، الذرة البيضاء والسوداء، أيش؟
طالب: الزبيب.
الشيخ: والزبيب.
طالب: ().
الشيخ: نمثل بمثال آخر يتفق فيه البلدان، مثل؟
طالب: الرز.
الشيخ: الرز، البر.
طالب: البر موزون؟
الشيخ: لا يا أخي، البر مكيل، يُباع بالكيل، إذا بعنا بُرًّا ببُرٍّ يحرم فيه ربا الفضل ولَّا ما يحرم؟
طالب: يحرم.
الشيخ: نعم، يحرم، لا يجوز أن نُفضِّل أحدهما على الآخر، ولو حبة واحدة، لا بد يتساويان في الكيل. إذا بعت نوعًا من البُرِّ بنوع من البُرِّ؟
الطلبة: كذلك.
الشيخ: الكذلكة ويش معناها؟ كذلك يعني في الجواز ولَّا كذلك في التحريم؟ !
طالب: في الاثنين.
الشيخ: في التحريم؛ لأن المؤلف يقول: (بيع بجنسه)، وهنا يجب أن نعرف الجنس والنوع والشخص:
الجنس: ما له اسم خاص يشمل أنواعًا.
والنوع: ما له اسم خاص يشمل أفرادًا.
والشخص أو الفرد ما له اسم خاص بعينه، فمثلًا كلمة حيوان؛ حيوان جنس ولَّا نوع؟ جنس، تشمل أنواعًا، تشمل مَنْ؟
طالب: الحيوان.
الشيخ: الحيوان يشمل الحيوان؟ ! بأنواعه تشمل الإبل، والبقر، والغنم، والوحوش، والطيور، والإنسان.
طالب: لا، الإنسان ما بحيوان.
الشيخ: الإنسان حيوان، لكنه ناطق.
طالب: ().
الشيخ: لا، حيوان ما فيه شك، لكنهم يقولون: حيوان ناطق مع العلم أنك لو تقول للعامي: أنت حيوان ناطق ().
طالب: حيوانات ناطقة.
الشيخ: إي نعم، المهم الناطق هو اللي يعبر، الآن عندهم في علم المنطق أن الإنسان قسم من الحيوان؛ لأن الحيوان هو كل ما فيه حياة فهو حيوان.
إذن هذا الجنس، البُرُّ ويش ترون فيه جنس ولَّا لا؟
طالب: جنس.
الشيخ: البُرُّ جنس؛ لأنه يشمل أنواعًا، من أنواع البر؟ البر أعطنا أنواعه؟ الجيمي، والحنطة، والمعية، والجريبة.
طالب: والسندية.
[ ١ / ٤٥٧٠ ]
الشيخ: والسندية، والمكسباك؛ ستة أنواع، اللي إحنا نعرف، يمكن فيه أنواع كثيرة غيرها، لو تسأل المزارعين يمكن تجد عندهم أنواعًا، يقول: هذا جنس.
يقول المؤلف: كل مكيل بِيع بجنسه يحرم فيه التفاضل، إذا بعت الجيمي بمعية، يعني تعيه، طيب إذا بعت الجيمي بمعية صاعًا بصاعين حرام ولَّا لا؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، كذا؟ النوع قلنا: إنه يشمل أفرادًا، ما له اسم خاص يشمل أفرادًا، النوع تجد مثلًا معيه تشمل هذا الكيس، وهذا الكيس، وهذا الكيس، وهذا الكيس، كلها معية، لكن أفراد، الإنسان نوع من الحيوان يشمل أفرادًا، يشمل زيدًا، وعمرًا، وخالدًا، وبكرًا، وعيسى، وموسى، وما أشبه ذلك.
كل مكِيل بِيع بجنسه فهو حرام، كل موزون بِيع بجنسه فهو حرام، أعني التفاضل فيه حرام، مثاله: اللحم موزون، فإذا بعتُ عليك لحم شاة بلحم خروف مع التفاضل حرام ولَّا لا؟
طالب: حرام.
الشيخ: حرام؛ لأن الجنس واحد، وإن بعت عليك لحم إبل بلحم ضأن مع التفاضل؟
طالب: كذلك.
الشيخ: لا، ما هو كذلك، فهو حلال؛ لأن الجنس اختلف، هذا إبل وهذا غنم.
ما هو الدليل على أن ربا الفضل يجري في كل مكيل أو موزون؟
ما هو الدليل على أن ربا الفضل يحرُم في بيع كُلِّ مكِيل أو موزون بجنسه؟
الدليل حديث عبادة بن الصامت، أن الرسول ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ» (٧) كم دولا من صنف؟ ستة «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ» هذا هو الدليل.
ولننظر الآن هل الدليل يُطابق المدلول أو المدلول أعم؟ معلوم أنه إذا كان المدلول أعم؛ فإنه لا يصح الاستدلال؛ لأن الدليل الأخص يُخرج ما عدا الخصوص، وإذا كان الدليل أعم استدللنا به على أخص، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٤٥٧١ ]
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأن الأخص فرد من أفراد العموم، فالآن هذه قاعدة في الاستدلال، متى كان الدليل أخص فإنه لا يصح الاستدلال به على الأعم، والعكس بالعكس، الآن الرسول ﷺ عيَّن أشياء؛ الذهب، الفضة، البر، التمر، الشعير، الملح. الرز مذكور؟
طلبة: لا.
طالب: ما ذكر.
الشيخ: الذرة ما ذُكرت، أشياء كثيرة ما ذكرت؛ زبيب ما ذُكِر، فهنا إذا استدللنا بالحديث على كل مكيل أو موزون فقد استدللنا بماذا؟ بالأخص على الأعم، وهذا غير صحيح، ومِنْ ثَمَّ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على نحو من ستة أقوال:
فقال بعض العلماء: إن الربا لا يجري إلا في هذه الأصناف الستة فقط، وعلى هذا أهل الظاهر الظاهرية، قال: ما يجري الربا إلا في الأصناف الستة فقط. ليش؟
قال: لأن الرسول ﷺ حصرها، والرسول ﵊ قد أُعطِي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصارًا، لو كان أن الربا يجري في كل مكيل أو موزون لقال: المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون مثلًا بمثل سواء بسواء، يدًا بيد أو لا؟ لأن هذا أعم وأخصر وأوضح، فلما عيَّن ما نتعدى اللي هو قال، وعلى هذا ..
فهمتم الآن استدلال الظاهريين؟ استدلال قوي في الواقع؛ يعني كلام قوي جدًّا، إذن على رأي هؤلاء، لو بعت صاعًا من الرز بصاعين من الرز.
الطلبة: يجوز.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه ما ذُكر أنه من الأصناف الستة.
طالب آخر: ليس من الأصناف الستة.
الشيخ: ليس من الأصناف الستة جائز، لكن أكثر أهل العلم خالفوهم في ذلك لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال ابن عقيل، وهو من أصحاب الإمام أحمد، وهو من غير الظاهرية، بل من أهل المعاني والقياس قال: إنه لا يجري الربا إلا في الأصناف الستة، لا لأنني ظاهري آخُذ بالظاهر، لكن لأن العلماء اختلفوا في العِلَّة، فلما اختلفوا تساقطت أقوالهم، فنرجع إلى القول الفصْل، وهو تخصيص الربا بهذه الأصناف الستة.
[ ١ / ٤٥٧٢ ]
وعلى هذا فابن عقيل يرى أن الربا لا يجري إلا في الأصناف الستة، لكن مأخذه غير مأخذ الظاهرية، يقول: أنا أعتبر المعاني وأعتبر القياس، لكن لما اختلف القياسيون في العِلَّة من الربا، لما اختلفوا في ذلك تساقطت أقوالهم، وإذا تساقطت أقوالهم نرجع إلى الأصل.
وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان خلاف العلماء في عِلَّة هذه الأصناف، هل هو الكيل والوزن، أو الكيل والطعم، أو الطعم وحده أو القوت؟ على خلاف بينهم ().
على المنع قام الدليل على المنع في هذه الأشياء، فيبقى ما عداها على الأصل على الحِلِّ.
والذين قالوا: إنه معلل يعني محدود لا معدود اختلفوا بماذا يحد؛ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يُحد بالكيل والوزن، قالوا: لأن هذه الأشياء إما مكيلة، وإما موزونة كالبر، والتمر، والشعير، والملح، هذا مكيل، والذهب والفضة موزون، فقالوا: يجري الربا في بيْع كل مكيل أو موزون بِيع بجنسه.
انتبه وهذا هو المذهَب؛ ولهذا يقول المؤلف ﵀: (يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه).
هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ فالعلة عندهم هي الكيل أو الوزن، فما كان مكيلًا أو موزونًا جرى فيه الربا، وما لم يكن كذلك لم يجرِ فيه الربا.
وهل يُشترط أن يكون مطعومًا؟ لا، حتى وإن كان غير مطعوم، لو كان ما يؤكل فإنه يجري فيه الربا، وعلى هذا فالإشنان، وهل تعرفون الإشنان؟ الإشنان شجر أو ورق شجر يُدَقُّ وتُغسل به الثياب، وكان الناس يستعملونه في الأول قبل أن يفتح الله عليهم في هذه المنظفات، الإشنان يُكال، لكنه يؤكل ولَّا لا؟
لا يُؤكل، فيجري فيه الربا؛ لأنه يُكال عرفت، طيب البرتقال، والفاكهة فيها ربا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما هي تُكال ولا تُوزن.
طالب: تُوزن.
[ ١ / ٤٥٧٣ ]
الشيخ: خلِّ العُرف، عُرفنا تُوزن، لكن الكلام على الأصل؛ لأن مرد الكيل والوزن إلى عهد النبي ﵊، فهذه ما يجري فيها الربا، ولهذا يجوز أني أعطيك برتقالة واحدة وتعطيني ثنتين، ما فيه مانع، أعطيك مثلًا باذنجانة واحدة وتعطيني اثنتين؛ لأنها ما هي مكيل ولا موزون، هذا قول لبعض العلماء.
وقال بعض أهل العلم: إن العبرة بالأكل، فما كان مأكولًا فإنه يجري فيه الربا وما لا فلا.
وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي، فيرون أن العلة هي الطعم، فما كان مطعومًا مأكولًا فإن فيه الربا، وما لا فلا، وعلى هذا الرأي نقول: إن الفواكه يجري فيها الربا أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: والبيض؟
طالب: نعم، يا شيخ.
طالب آخر: يجري فيه الربا؟
الشيخ: يجري فيها الربا؛ لأنه مأكول. وأما الإشنان ونحوه مما يُكال، ولا يُطعم فعلى هذا الرأي لا يجري فيه الربا.
ويش الدليل؟ قالوا: لأن هذه الأشياء اللي ذكرها الرسول ﷺ كلها تُؤكل. قيل لهم: قفوا، الملح ما هو بيؤكل، فيه أحد يأكل الملح؟ ! يعني ينهمه مرة يأخد من الكيس جزءًا ويأكله ولَّا لا؟
لا، لكن أجابوا بأن الملح يُصلَح به الطعام ولَّا لا؟ يُصلح به الطعام فهو تابِع له، فهذا رأي آخر.
الرأي الثالث يقول: إن العِلَّة مُركَّبة من وصفين؛ الطعم والكيل، فلا بد أن يكون الشيء مطعومًا مكيلًا. على هذا القول يجري الربا في البيض والبرتقال وشبهه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه ما جمع العلتين.
الشيخ: ما جمع العلتين؛ لأنه صحيح مطعوم، لكن ليس بمكيل، ويجري الربا في الإشنان وشبهه؟ لا؛ لأنه وإن كان مكيلًا، لكنه ليس بمطعوم، وإذا تأملت هذه الأقوال الثلاثة وجدتَ أقربها إلى الصواب هذا القول.
هذا أقرب للصواب، ووجه ذلك أننا إذا تأملنا الأصناف الستة التي بينها الرسول ﷺ وجدنا أنها مطعومة مكِيلة.
ثانيًا: أن الأصل في البيع والشراء الحل ولَّا التحريم؟
الطلبة: الحل.
[ ١ / ٤٥٧٤ ]
الشيخ: الحل، فلا يمكن أن نُحرم على الناس ما الأصل فيه، الحل حتى يتبين لنا ذلك على وجه بيِّن، وما دام لم يتبين إلا ما اجتمع فيه العلتان، وهما الطعم والكيل فإننا نقول: ما عدا ذلك باقٍ على الأصل، والآن نُمثِّل بأمثلة نشوف الأشياء اللي تتفق فيها الأقوال، بعت عليك سيارة بسيارتين، ويش تقولون؟
طالب: ليست ربًا.
الشيخ: ما فيها ربا؟
الطلبة: على كل الأقوال.
الشيخ: على كل الأقوال؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كل الأقوال؟
طالب: إلا المذهب.
الشيخ: إلا المذهب، من يقول إلا المذهب؟
طالب: لا، كل.
الشيخ: كل الأقوال؛ لأنها لا هي مكيل ولا مطعوم. بعتُ عليكَ بيضة ببيضتين؟
طالب: لا يجوز، على مذهب الشافعي لا يجوز.
طالب آخر: عند الشافعي فقط.
الشيخ: عند الشافعي لا يجوز كذا؟ وعند مالك والإمام أحمد جائز، فمالك يقول: هذه مطعومة، لكن غير مكيلة، والإمام أحمد ويش يقول؟ يقول: هذه غير مكيلة يكفي؛ لأن العلة عنده هي الكيل.
طيب بعت عليك صاعًا من الإشنان بصاعين منه؟
طالب: المذهب لا يجوز.
الشيخ: مذهب الإمام أحمد لا يجوز؛ لأنه مكيل، ومذهب الشافعي ومالك يجوز، أما الشافعي فيقول: لأنه غير مطعوم، وأما مالك فيقول: لأنه غير مطعوم، ولا مكيل، لكن يقول: غير مطعوم؛ صح ()، في هذا.
وأقرب الأقوال ما قلت لكم: هو مذهب مالك، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه على أنه لا ربا إلا فيما اجتمع فيه الوصفان؛ وهما الكيل والطعم، وإلا فلا () مطعوم وقوت؛ لأن هذه الأشياء كلها قوت.
طالب: القول الثاني والثالث أهملنا الجنسين الأولين الذهب والفضة ..
[ ١ / ٤٥٧٥ ]
الشيخ: إي نعم، كل الأقوال الذهب والفضة ما تكلمنا عليها، الذهب والفضة اختلفوا في عِلَّة الربا فيهما، فقيل: إن العلة الوزن، وقيل: إن العلة الثمنية، والصحيح أن العلة الثمنية يعني أنهما ثمن الأشياء، ولا يرد على هذا مسألة الحلي؛ لأننا نعتبر الأصل، فالحلي أصله ذهب وفضة، فباعتبار أصله يكون مما يجري فيه الربا.
طالب: ما يرجع ..؟
طالب آخر: الظاهرية قولهم قوي جدًّا.
الشيخ: إي نعم، نشوف الآن نحن نقول: إن الشارع لا يمكن أن يُفرِّق بين المتماثلين، فأي فرْق بين بُرٍّ بِبُرٍّ، ورز برز؟
طالب: ().
الشيخ: أي فرْق؟ قد نقول: الرز في عهد الرسول ﵊ ما كان موجودًا، وإذا كان موجودًا فهو في جزيرة العرب غير موجود.
فالشارع لا شك أنه لا يفرق بين المتماثلين، لكننا نحصر العلة على أضيق نطاق؛ لأن الأصل الحل، أما أن نقول: ما يجري الربا إلا في هذا، ونحن نعرف أن الرز الآن بالنسبة لطعام الناس، وقوتهم: مثل البر في عهد الرسول ﵊، بل إن البر في عهد الرسول قليل بعد.
طالب: الرسول () طعام بطعام؟
الشيخ: هو يمكن أن الرسول يذكر هذا على سبيل التمثيل؛ لأنه هو الموجود بأيديهم مثل ما ذكر في صدقة الفطر، صاعًا من بُرٍّ، أو صاعًا من شعير مع أن فيه أشياء أخرى.
طالب: () حديث ().
الشيخ: لا، في حديث أبي سعيد (٨): كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والشعير والزبيب والأقط.
طالب: الرسول قال: والزبيب وهذا ما ذكرها ().
الشيخ: إي، ما ذكرها، لكن كان من طعامهم، هذا مما يدل على أن الرسول إذا ذكر شيئًا فقد يذكره على سبيل التمثيل، ولما ذكر صاعًا من بُرٍّ، حديث ابن عمر: فرض رسول ﷺ صدقة الفطر صاعًا من بر، أو صاعًا من شعير (٩). ولا ذكر الزبيب والأقط.
[ ١ / ٤٥٧٦ ]
فالحاصل أن القول اللي يظهر لي هو أنه ما دامت العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأشياء الستة فلنأخذْ بها؛ لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلين.
طالب: العلة تقوى يعني كل ما ().
الشيخ: إي نعم، تقوى؛ لأن في الحقيقة أنك إذا رأيت بُرًّا ببر، ورزًّا برز، ما تجد فرقًا أبدًا، وإن شاء الله للبحث بقية ونكمله في المستقبل ()
(في مكيل وموزون بيع بجنسه) هذه القاعدة يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه؛ بر ببر يحرم فيه ربا الفضل ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: شعير بشعير؟
طالب: نعم.
الشيخ: تمر بتمر، ملح بملح يحرم ربا الفضل فيه، ذهب بذهب؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يحرم ربا الفضل فيها، فضة بفضة يحرم ربا الفضل فيها. وكل ما حرُم فيه ربا الفضل حرم فيه ربا النسيئة ولا عكس، وعلى هذا فيحرم ربا الفضل والنسيئة في كل مكيل وموزون بيع بجنسه، والأمثلة -كما شرحنا لكم- أن يبيع بُرًّا ببر، أو شعيرًا بشعير، أو تمرًا بتمر، أو ملحًا بملح، أو ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة، ما هو الدليل على ذلك؟
الدليل قول الرسول ﵊: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (٧). «مَنْ زَادَ» بدل الزيادة. «اسْتَزَادَ» أخذ الزيادة. «فَقَدْ أَرْبَى» أي: وقع في الربا، والربا حرام بالإجماع.
يقول المؤلف ﵀: (ويجب فيه الحلول والقبض) شوف يجب القبض، إذا وجب القبض حرُم النَّساء، لكن المؤلف اشترط الحلول والقبض، الحلول ضدها التأجيل والقبض ضده التأخير القبض؛ فالتأجيل مُحرَّم ولو قبض، وتأخير القبض مُحرَّم، كيف يكون تأجيل قبض، هل يمكن هذا؟
[ ١ / ٤٥٧٧ ]
يمكن أبيع عليك صاعًا من البر بصاع منه إلى سنة، وأعطيك الصاع اللي أنا بعت عليك، أقول: خُذْه عندك وديعة، فإذا دارت السنة فهو لك تصرف فيه، فالآن ويش وُجِد؟ وُجد القبض دون الحلول، والمؤلف اشترط الحلول والقبض، فصار إذن إذا بيع الربوي بجنسه وجب فيه أمران؛ التساوي ويش بعد؟
والثاني: الحلول والقبض كما قال المؤلف: (الحلول والقبض)، لكن جاءت النصوص بالقبض؛ لأن الغالب أن المؤجل لا يُقبض، هذا الغالب، والصورة اللي ذكرناها صورة نادرة، لكن لما قال المؤلف: يجب الحلول لا بد أن نبين كيف يمكن تأجيل مع قبض؟ نقول: يمكن، اضبطوا القاعدة هذه عشان تُنزِّلون عليها كل أفراد المسائل، إذا بِيع الربوي بجنسه وجب فيه أمران، هما؟
طالب: التساوي والحلول.
الشيخ: التساوي والحلول والقبض نعم.
ثم قال: (ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلًا ولا موزون بجنسه إلا وزنًا) هذه تضيف إلينا زيادة قيد في قولنا: التساوي، نضيف إليها قيدًا بناءً على العبارة الأخيرة اللي قال المؤلف؛ وهي التساوي بالمعيار الشرعي، وهو كيلًا فيما يُكال، ووزنًا فيما يُوزن.
الآن نحرر الشروط: إذا بِيع الربوي بجنسه اشتُرط فيه شرطان: أولًا: التساوي -أضف- بالمعيار الشرعي؛ بمعنى أن يتساويا كيلًا إذا كانا من المكيل ووزنًا إذا كانا من الموزون.
الشرط الثاني: الحلول والقبْض، فإذا بعتُ عليكَ عشرة كيلوات من البُرِّ بعشرة كيلوات منه ما تقولون؟ ما يجوز.
طالب: حال.
الشيخ: حال وقبْض. ما يجوز بارك الله فيكم؛ لأن قلنا: التساوي بالمعيار الشرعي بحيث يكون كيلًا في المكيل ووزنًا في الموزون؛ ولهذا يقول المؤلف: (ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلًا، ولا موزون بجنسه إلا وزنًا) انتبهوا للتطبيق يُشترط التساوي بماذا؟ بالمعيار الشرعي، ما هو المعيار الشرعي؟
أن يكون بالكيل فيما يُكال، وبالوزن فيما يُوزن، تمام ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٤٥٧٨ ]
الشيخ: الآن إذا بعتُ عليك عشرة كيلوات من البُرِّ بعشرة كيلوات من البر ما تقولون؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، كِفَّتا ميزان أبد ما زاد أحدهما على الآخر.
طالب: مكيل.
الشيخ: ما يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه مكيل.
الشيخ: لأن هذا مكيل، وهذا مكِيل، ما يجوز التساوي إلا بالكيل. إذا فرغناهما من الميزان، وأتينا بإناء وقِسْناهما فيه، وكانا سواء، يجوز ولَّا لا؟ يجوز باعتبار الوزن الأول ولَّا باعتبار الكيل الثاني؟ باعتبار الكيل الثاني.
طيب الموزون، اللحم موزون، بعتُ عليك صاعًا من اللحم بصاع منه؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: تساويا في الضبط، ما يجوز؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه يُوزن.
طالب آخر: موزون.
الشيخ: لأنه موزون وإحنا الآن اشترطنا أن يكون مساويًا له في المعيار الشرعي، والموزون ما يُباع كيلًا. طيب عندنا الآن التمر يُباع كيلًا ولا وزنًا؟
طالب: موزون.
طالب آخر: كيل.
الشيخ: والله اللي يقول: كيل، هذا ما يدري عن السوق.
طالب: يُباع وزنًا.
الشيخ: يُباع وزنًا لا شك، حتى التمر اللي ييبس يُباع وزنًا، ما هو يُكال، لو بعتُ عليك عشرين وزنة، أو عشرين كيلو من التمر بعشرين كيلو من التمر؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه لا بد من الكيل. وقال بعض أهل العلم: إنه إذا بِيع المكيل وزنًا وتساويا جاز بخلاف ما إذا بيع الموزون كيلًا، وبناءً على هذا القول يجوز أن أبيع عليك عشرة كيلوات من التمر بعشرة كيلوات منه.
وعلى القولين جميعًا إذا كِلنا هذه الكيلوات، وكانا سواءً على القولين جميعًا يكون البيع صحيحًا. يقول: (لا يُباع مكيل بجنسه إلا كيلًا، ولا موزون بجنسه إلا وزنًا، ولا بعضه ببعض جزافًا) يقال: جُزافًا بالضم، وجِزافًا بالكسر، وجَزافًا بالفتح؛ فهي مُثلَّثة؛ يعني بالحركات الثلاث أو لا؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٤٥٧٩ ]
الشيخ: أحيانًا يقولون: مُثلَّث اللام، مُثلَّث العين، وأحيانًا يقولون: بالمثلثة بينهم فرق؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: نعم، بينهم فرق، إذا قالوا: بالمثلثة يعني الثاء اللي فيها ثلاث نقاط، وإذا قالوا: مثلث الفاء فيعنون بالحركات فيفرقون بين المثلث؛ الفاء مثلًا، أو العين واللام، وبين قولهم بالمثلثة، هنا جُزافًا نقول: بالمثلثة، ولا نقول: مثلث الفاء؟
مثلث الفاء إذا اعتبرت الصرف، أو مثلث الجيم إذا اعتبرت اللفظ. ما معنى الجُزاف؟
الجزاف الذي يكون بدون تقدير، ولهذا الإنسان الذي يتكلم بكلام ما يُوزن ما هو موزون يخربط في الكلام، ويش يقول؟ تكلم معي جُزافًا يعني بدون تقدير، الجُزاف معناه أن هذه كومة من التمر وهذه كومة من التمر، قلت: بعت عليك هذه الكومة بهذه الكومة، هذا أيش؟
هذا جُزاف، يجوز ولَّا ما يجوز؟ لا يجوز. إذن المكيل لا يُباع إلا كيلًا، والموزون لا يُباع إلا وزنًا، فإن بعت مكيلًا وزنًا أو موزونًا كيلًا؛ لم يصح، وإن بعت بعضه ببعض جزافًا؛ لم يصح أيضًا.
يقول: فإن اختلف الجنس جاز في الثلاثة، إن اختلف الجنس مثل أن أبيع بُرًّا بشعير جازت الثلاثة، ما هي الثلاثة؟ الوزن، والكيل، والجزاف، لماذا؟
لأنه هنا لا يُشترط التساوي، إذا اختلف الجنس جاز الكيل، والوزن، والجزاف، علل؟
لأن التساوي غير شرط، ويدل لذلك قول النبي ﷺ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٧). واضح يا إخوان؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: بعت عليك عشرة كيلو من البر بعشرة كيلو من الشعير؟
طالب: نعم، يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: يا إخواني، البر مكيل ولَّا موزون؟
طالب: مكيل.
الشيخ: والشعير؟
طالب: مكيل.
الشيخ: إحنا بِعناه بالوَزْن الآن.
طالب: يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: حجاج يقول: لا يجوز، صواب ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ليس بصواب، لماذا؟
الطلبة: اختلف.
[ ١ / ٤٥٨٠ ]
الشيخ: لاختلاف الجنس، والنبي ﷺ يقول: «إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» (٧).
إذن يجوز أن أبيع عشرة كيلو من البُرِّ بعشرة كيلو من الشعير، تمام؟ لاختلاف الجنس.
بعتُ عليك صاعًا من لحم البقر بصاع من لحم الإبل؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: واجد اللي قال: لا يجوز ها المرة، يجوز يا إخوان، يجوز إلا إذا جعلتم البقر بعيرًا والبعير بقرًا.
طالب: لحم.
طالب آخر: ما يطلق عليه اللحم؟
الشيخ: ما هو جنس اللحم واحد، اللحم أجناس باختلاف أصوله.
طالب: يعني ما ينظر يا شيخ إلى اللحم ..
الشيخ: إذن يجوز أن أبيع صاعًا من لحم الإبل بصاعٍ من لحم البقر، واللحم موزون ولَّا مكيل؟
طالب: مكيل.
طالب آخر: موزون.
الشيخ: لا مكيل؟ ! موزون، لماذا جاز أن نبيعه كيلًا هنا.
طالب: لاختلاف الجنس.
الشيخ: لاختلاف الجنس، والرسول ﵊ يقول: «إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ».
زائد، ناقص، مكيل، موزون ما يهم لكن بشرط إذا كان يدًا بيد، ولهذا المؤلف يقول: (إن اختلف الجنس جازت الثلاثة)، ما يعني بالثلاثة؟
طالب: الكيل والوزن.
الشيخ: الكيل، والوزن، والجزاف؛ يعني أن تبيع المكيل وزنًا، أو الموزون كيلًا، أو تبيعه جزافًا.
الدليل: قول الرسول ﷺ: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٧). اتضح المقام؟
طالب: يا شيخ، ما يعتبر اختلاف الجنس بين الطعام والتمر؛ لأن البُرَّ والشعير طعام، وهذا تمر.
الشيخ: التمر ما هو بطعام؟
الطالب: إي طعام، لكن معنى الحديث ما يعتبر اختلاف الجنس () الحنطة ..
الشيخ: كم ذكر الرسول من أجناس؟ ذكر البُر، والتمر، والشعير، والملح، إذا اختلفت هذه الأصناف ومنها التمر والشعير.
الطالب: إي نعم، يعني لأن جنس التمر غير جنس ().
الشيخ: ومنه الشعير والبر ولَّا لا؟ نفس الشيء.
[ ١ / ٤٥٨١ ]
طالب: يبيعوا التمر بعدد.
الشيخ: ويش هو؟
الطالب: التمر ().
الشيخ: (الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعًا كبُرٍّ ونحوه) حطوا بالكم لكلام المؤلف: (الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعًا) مثل بر، كلمة بُر، هذا جنس يشمل أنواع؛ الأنواع في البر ويقول لنا الأخ ويش أنواع البر عندكم؟ ()
ما هو الاسم الخاص هنا بُر يشمل أنواعًا، الإبل مثلًا فيها إبل عربية، وفيها بخاتي، وفيها إبل ذات سنمين ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا جنس تحته أنواع وكذلك البقر، وكذلك الغنم ضأن ومعز، المهم أن الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعًا، والنوع ما له اسم خاص يشمل أفرادًا؛ يعني نوع مثل رجل، كلمة رجل اسم جنس يشمل أفرادًا ولا أنواعًا؟
الطلبة: أفرادًا.
الشيخ: أفرادًا؛ لأنه نوع واحد، البشر الرجل نوع واحد، أما أنه مثلًا هذا تركي، وهذا أفريقي، وهذا سعودي، وهذا كذا، ما هذا اختلاف بالنوع.
واعلم أن الجنس قد يكون نوعًا باعتبار ما فوقه وجنسًا باعتبار ما تحته، الجنس إحنا في جنس أخص وفي جنس أعم؛ الجنس قد يكون نوعًا باعتبار ما فوقه، ويكون جنسًا باعتبار ما تحته، مثلًا البُر باعتبار ما تحته جنس، باعتبار ما فوقه نوع؛ لأن البُرَّ نوع من الحبوب، الحبوب تشمل البر وغير البر، فيكون البُرُّ باعتبار الحبوب نوعًا وباعتبار ما تحته جنسًا، وهنا المراد الجنس الأعم ولَّا الجنس الأخص؟
الطلبة: الأخص.
الشيخ: الجنس الأخص الذي هو نوع باعتبار ما فوقه وجنس باعتبار ما تحته (الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعًا كبُرٍّ ونحوه) ويش نحو البر؟
الطلبة: الشعير.
الشيخ: التمر، فلنأتِ بالذي جاء به الحديث، التمر أنواع ولَّا لا؟
إي نعم أنواع؛ جيد ورديء، دقل، وبرني، وصيحاني أو صحياني، أنواع متعددة، عندنا نحن هنا يُعرف، نشوف الأنواع نعدها؟
طالب: برحي.
الشيخ: برحي.
طالب: شجرة.
الشيخ: شجرة.
طالب: سكّري.
الشيخ: سكري.
طالب: أم حمام.
الشيخ: أم حمام، وتسمى () في بعض اللغات.
[ ١ / ٤٥٨٢ ]
طالب: شجرة.
الشيخ: قلناها.
طالب: ().
طالب آخر: أم الخشب.
الشيخ: ومكتوم، وأم الخشب؛ يعني أنواع ما شاء الله كثيرة.
طالب: ().
الشيخ: طيب، والخضري، ويقول: ميت الخضري شهيد، المهم كثير، أنواع كثيرة، هذه أنواع نقول: هي أنواع والتمر جنس.
قال المؤلف ﵀: وفروع الأجناس كالأدقة، والأخباز، والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، فروع الأجناس أجناس باعتبار أصولها كالأدِقَّة جمع دقيق.
إحنا ذكرنا الشعير جنس، والبر جنس؛ يعني ما دام حَبًّا واضح، فإذا طُحن الشعير وطُحِن البر فاللي عندنا الآن دقيق، فدقيق الشعير جنس، ودقيق البُرِّ بُرٌّ؛ لأنه يقول: الأدِقَّة وفروع الأجناس أجناس باختلاف أصولها، واضح؟ طيب كذلك أيضًا يقول: (الأخباز)، الأخباز أجناس باختلاف أصولها، كيف؟
عندنا خبز شعير، وخبر بُرٍّ، هذه أجناس، جنسان، لو أعطيتك خبزتين من الشعير بخبزة من البر.
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لاختلاف الأجناس.
الشيخ: لاختلاف الجنس، ولو أعطيتك خبزة من البر بخبزتين منه لا يجوز؛ لأن الجنس واحد.
قال: (والأدهان) الأدهان أيضًا أجناس لاختلاف أصولها، وعلمنا من كلام المؤلف الآن أن الدهن ربوي، بأي شيء نلحقه؟
نلحقه على المذهب؛ لأنه مكيل، الدهن يُباع بالكيل في عهد الرسول ﷺ، وكل مائع فإنه مكِيل، كل مائع كالدهن والزيت وغيره فهو مكيل. طيب إذن الأدهان أجناس باختلاف أصولها، هذا رجل عنده صاع من دهن الغنم، وصاع من دهن البقر، كم جنس هذه؟
الطلبة: جنسان.
الشيخ: جنسان، فباع صاعًا من دهن الغنم بصاعين من دهن البقر، يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: طيب باع صاعًا من دهن الغنم بصاعين من دهن الغنم؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن الجنس واحد، كذا؟ طيب باع كيلو من دهن البقر بكيلوين منه.
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟
الطلبة: نعم.
طالب: لأنه مكيل.
[ ١ / ٤٥٨٣ ]
الشيخ: لأنه مكيل، لا، وفيه علة ثانية؟
طالب: عدم التساوي.
الشيخ: وعدم التساوي، طيب فإن بِعْت كيلو من دُهْن البقر بكيلو من دهن البقر؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟
الطلبة: لأنه مكيل.
الشيخ: لأنه مكيل، وأنا بعتُه بالوزن إلا على الرأي الثاني. طيب اللحم أجناس والأدهان.
(واللحم أجناس باختلاف أصوله)، اللحم أجناس أيضًا باختلاف الأصول؛ لحم البقر جنس، ولحم الغنم جنس، ولحم الإبل جنس، ولحم البغال؟
طالب: ما يدخل.
الشيخ: كيف؟
طالب: والخيل؟
الشيخ: ما يدخل؟ ليش؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: لأنه حرام نعم، لكن ترى بعض الطلبة يمشي مع المدرس ولا ينتبه. طيب لحم الخيل؟
الطلبة: جنس.
الشيخ: جنس، هي حلال إن شاء الله تعالى؛ لأن حديث أسماء في البخاري (١٠) صريح. طيب لحم الخيل جنس؟ بعت عليك كيلو من لحم الخيل بكيلوين من لحم البقر؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: السبب؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يجوز، لاختلاف الجنس كيلو من لحم الخيل بكيلوين من لحم البقر جائز؛ لأنه مختلف الجنس (اللحم أجناس باختلاف أصوله)، والله أعلم.
(وكذا اللبن) أجناس باختلاف أصوله، فلبن الإبل جنس، ولبن البقر جنس، ولبن الغنم جنس، وعلى هذا فيجوز أن أبيع عليك صاعًا من لبن الإبل بنصف صاع من لبن البقر، لكن بشرط، ما هو الشرط؟ التقابض قبل التفرق؛ لأنه إذا اختلف الجنس واتفقا في العلة فلا بد من التقابض.
طيب (وكذا اللبن واللحم والشحم والكبد أجناس) ما قال المؤلف: باختلاف أصوله قال: (اللحم والشحم والكبد أجناس).
نحن نعرف أن الحيوان فيه لحم هبر، وفيه شحم، وفيه كبد، وفيه أمعاء، وفيه كرش، وفيه رئة، هذه كلها أجناس، وإن كانت من حيوان واحد، فلو بعت عليك كيلو من الكبد بكيلوين من اللحم من نفس الضأن يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز.
طالب: مع التقابض.
الشيخ: مع التقابض.
طالب: لا يجوز يا شيخ.
الشيخ: يجوز.
الطالب: ما هو المعيار الشرعي؟
الشيخ: إي وزنه، اللحم وزن.
[ ١ / ٤٥٨٤ ]
الطالب: ().
طالب آخر: كيلو.
الشيخ: كيلو الكيلو.
طالب: وزن.
الشيخ: الكيلو وزن؛ لأن الإخوان جِبْنَا لهم الرطل، وقالوا: ما نعرف الرطل. إذن نقول: يجوز أن أبيع النصف كما قلنا في المثال.
طالب: نصف كيلو.
الشيخ: نصف كيلو من الكبد بكيلو من اللحم، لكن لا بد من التقابض. بعت عليك كيلو من الكرش بنصف كيلو من الكبد؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طالب: لكن مع التقابض.
الشيخ: لكن مع التقابض طيب. قال ..
الطالب: الكرش واللحم؟
الشيخ: نفس الشيء، جاز.
الطالب: يعتبر لحم؟
الشيخ: لا؛ ولذلك عند الفقهاء ما ينقض الوضوء في لحم الإبل. طيب يقول المؤلف: (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه ويصح بغير جنسه) انتبه لهذا، بيْع اللحم بالحيوان ورد النهي عنه في حديث مرسل، واختلف العلماء فيه، فقيل: إن بيْع اللحم بالحيوان لا يجوز مطلقًا، وقيل: إنه يجوز مطلقًا ما لم يقصد اللحم، ما لم يقصد الذي اشترى الحيوان اللحم، فإن قصد اللحم، فإن كان من جنس اللحم الذي اشتراه به فهو حرام، وإن كان من غير جنسه فهو حلال. وقيل: إذا اختلف الجنس جاز مطلقًا.
والمؤلف نشوف رأي المؤلف، يقول: (ولا يصح بيْع حيوان من جنسه، ويصح بغير جنسه) ظاهر كلامه سواء أراد اللحم أم لم يُرده، مثال ذلك: عندي كوْمة من اللحم لحم الضأن، فأتيت إلى إنسان وقلت: تعالَ أنت عندك هذه الشاة تبغي تذبحها اليوم للضيوف، أنا عندي لحم خروفين أبغي أعطيك إياه وأعطني الشاة، ويش تقولون على كلام المؤلف؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ ما يجوز مع أن الذي اشترى الشاة ما قصد اللحم، قصد الحيوان، لكن المؤلف يقول: ما يجوز.
طيب أتيت إلى صاحب حمار، قلت له: تعالَ، عندي لك زنبيل من لحم الضأن تعرف الزنبيل؟
طالب: لا.
الشيخ: سبحان الله! وين أنت عايش فيه؟ ! تعرفون الزنبيل أنتم ولَّا لا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما هو الزنبيل؟ الزنبيل؟
طالب: الزنبيل تمر.
[ ١ / ٤٥٨٥ ]
الشيخ: لا، معناه وعاء مخصوف من خوص النخل، تعرف القِدْر هذا ما هو خوص، تعرف القدر؟
طالب: أعرفه.
الشيخ: هذا يُخصف من سعف النخل، يخصف ويكون مثل القدر، يتحط فيه التمر.
طالب: عندنا يسمى جوال يا شيخ.
الشيخ: جوال؟
الطالب: إي، بعضهم يقول: زنبيل.
الشيخ: إذن جوالة، نُكلِّمك بلغتك، طيب هذا واحد عنده جوال من لحم الضأن، أتى إلى صاحب حمار، وقال له: أبغي أشتري منك الحمار بهذا الجوال، ويش تقولون؟
الطلبة: يجوز.
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: اختلاف الأجناس.
الشيخ: يجوز؛ لأنه اختلف الجنس.
طالب: الحمار.
الشيخ: الحمار، ويش فيه، ما هو بيُشترى بالدراهم؟ الآن أنا ما عندي دراهم، عندي لحم، ممكن هذا ولَّا لا؟ لكن أتينا بالحمار لأجل نُبعد المجانسة. طيب فإن اشترى هذا اللحم بلحم بقر؟
طالب: جاز.
الشيخ: ببقرة قصدي اشترى؛ يعني اشترى بقرة بهذا اللحم؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: اشترى بقرة بهذا اللحم، اللحم لحم بقرة؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: اشترى به بقرة جائز؛ لأنه من غير الجنس. إذن القاعدة عند المؤلف إذا سُئلنا: هل يجوز بيع اللحم بالحيوان؟
الجواب: إن كان من جنسه لا يجوز، إن كان من غير جنسه جاز، ولا عِبرة بالنية، هل أراد اللحم ولَّا أراد الحيوان؟ ما فيه عبرة، العبرة بماذا؟ باختلاف الجنس إن اختلف الجنس جاز، وإن اتفق لم يجز.
يرى بعض أهل العلم أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان مطلقًا سواء من جنسه أو من غير جنسه، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الحديث الوارد فيه ضعيف، والأصل في البيع الحل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ويرى آخرون أنه إذا كان من جنسه، وأراد به اللحم فهو حرام، وإن لم يرد اللحم، بل أراد أن يقتني هذا الحيوان فهو جائز، وهذا القول هو أقرب الأقوال، أما إذا كان من غير الجنس فهو جائز مطلقًا.
[ ١ / ٤٥٨٦ ]
هذا القول يقول: إذا اشترى لحمًا بحيوان، فإن كان من غير جنسه فهو جائز مطلقًا، وإن كان من جنسه، فإن كان نيته اللحم فغيْر جائز، وإن كان نيته غير اللحم؛ أي كونه بيقتني هذا الحيوان فهو جائز.
مثال ذلك: عندي في جوال أو زنبيل، عندي لحم ضأن مُكوَّن من شاتين، لكن ما فيه رؤوس، فأتاني ضيوف، وتعرفون أن بعض الناس، بعض الضيوف إذا لم تذبح له ذبيحة ويشوف الرأس على الطعام فأنت ما أكرمته، أنا الآن عندي لحم شاتين، لكن رؤوس ما فيه رؤوس، لو أحطهم للضيف كل الشاتين يعتبرها كرامة ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: بعض الناس ما يعتبرها كرامة، ماذا أصنع؟ بتروح لفلان عنده غنم أشتري منه شاة بهذا اللحم، ويش نيتي بالشاة.
الطلبة: اللحم.
الشيخ: اللحم لأجل أن شاة فيها رأس أحطها للضيف يقول: أكرمني، أو لا؟ هذا حرام ولَّا لا؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز؛ لأنه قصد اللحم فكأنه بيع لحم بلحم مع التفاضل، فلا يجوز، أما إذا كان عندي هذا اللحم، وذهبت إلى فلان عنده غنم، واشتريت بهذا اللحم شاة لأجل أن أقتنيها للحلب والنسل.
ولا يَجوزُ بيعُ حبٍّ بدَقيقِه ولا سَوِيقِه ولا نِيئِه بِمَطْبُوخِه وأَصْلِه بعصيرِه وخالِصِه بِمَشوبِه ورَطْبِه بيَابِسِه،
ويَجوزُ بَيعُ دَقيقِه بدَقيقِه إذا اسْتَوَيَا في النُّعومةِ ومَطبوخِه بِمَطبوخِه وخُبْزِه بخُبْزِه إذا اسْتَوَيَا في النشافِ، وعصيرِه بعصيرِه ورَطْبِه برَطْبِه، ولا يُباعُ ربَوِيٌّ بجِنْسِه ومعَه أو معَهما من غيرِ جِنْسِهما، ولا تَمْرٌ بلا نَوًى بما فيه نَوًى، ويُباعُ النَّوَى بتَمْرٍ فيه نَوًى، ولَبَنٌ وصُوفٌ بشَاةٍ ذاتِ لَبَنٍ وصُوفٍ، ومَرَدُّ الكَيْلِ لعُرْفِ المدينةِ والوزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ زَمَنَ النبيِّ ﷺ، وما لا عُرْفَ له هناك اعْتُبِرَ عُرْفُه في مَوْضِعِه.
(فصلٌ)
[ ١ / ٤٥٨٧ ]
ويَحْرُمُ رِبا النَّسِيئَةِ في بيعِ كلِّ جِنسينِ اتَّفَقا في عِلَّةِ رِبَا الفضلِ ليس أحدُهما نَقْدًا كالْمَكِيلَيْنِ والْمَوْزونَيْنِ، وإن تَفَرَّقَا قبلَ القبْضِ بَطَلَ، وإن باعَ مَكيلًا بِمَوزونٍ جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، والنَّسَاء وما لا كَيلَ فيه ولا وَزنَ كالثيابِ والحيوانِ يَجوزُ فيه النَّسَاء، ولا يَجوزُ بيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ.
(فصلٌ)
ومتى افْتَرَقَ المتصارِفانِ قَبلَ قَبْضِ الكلِّ أو البعضِ بَطَلَ العَقْدُ فيما لم يُقْبَضْ، والدراهمُ والدنانيرُ تَتعيَّنُ بالتعيينِ في العَقْدِ، فلا تُبْدَلُ وإن وَجَدَها مَغصوبةً بَطَلَ، ومَعيبةً من جِنْسِها أَمْسَكَ أو رَدَّ، ويَحْرُمُ الربا بينَ المسلِمِ والحربيِّ
ففيه تفصيل؛ إن أراد اللحم لم يجز، وإن أراد الحيوان جاز.
ما الفرق بين هذا القول وقول المؤلف؟
أن المؤلف يقول: إذا كان من جنسه لا يجوز مطلقًا، أو لا؟ وإذا كان من غير جنسه جاز مطلقًا.
يقول: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بدقيقه) ليش؟
طالب: لعدم التساوي.
الشيخ: لعدم التساوي، أنا بأعطيك صاعًا من الحب بصاع من الدقيق متساوٍ ولَّا لا؟
طلبة: غير متساوٍ.
الشيخ: أيهما أكثر؟
طالب: الحب.
الشيخ: الحب أكثر؟ !
طالب: الدقيق أكثر.
الشيخ: أو الدقيق أكثر؟
طالب: الحب أكثر.
الشيخ: الحب -يا إخواني- تعرفون أنه إذا تراكب يكون بينهم فجوة.
طالب: الدقيق أكثر.
الشيخ: يعني: صاع من الدقيق هل يساوي صاعًا من الحب؟
طالب: لا يساوي.
الشيخ: أيهما أكثر؟
طالب: الدقيق.
[ ١ / ٤٥٨٨ ]
الشيخ: الدقيق أكثر، لا، خطأ، الحب أكثر، مع أنه قد يتبادر للإنسان أن الدقيق أكثر، والواقع أن الحب أكثر ربما يزيد عليه بالثلث أو بالربع، ليش؟ لأنه إذا طحن انتشرت أجزاء الحبة ولَّا لا؟ كانت الحبة في الخلقة أجزاؤها منضم بعضها إلى بعض تمامًا، انضمام كامل، لكن الآن انتشرت أجزاء الحبة، فصار الحب أكثر من الدقيق؛ يعني: صاع من الحب يساوي تقريبًا صاعًا وثلثًا من الدقيق.
واعتبروا ذلك بالأرض، وإن كان يعني على سبيل التقريب، إذا حفرت حفرة وأخذت التراب ثم رددت هذا التراب إلى الحفرة، يزيد ولَّا لا؟
طالب: يزيد.
الشيخ: يزيد، وهذا وإن كان على سبيل التقريب، ولَّا ضغط الحبة أعظم، سبحان الخلاق العليم! فلهذا نقول: لا يجوز بيع الحب بدقيقه.
إذا قال: أنا بأبيع عليه الصاع من الحب بصاع من الدقيق، وأعتبر الزيادة في مقابلة الطحن، أنا بعدما وديته للطحان ما طحنه لي إلا بثلث ريال أعتبره في مقابلة الطحن، ما تقولون؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: نقول: لا يجوز؛ لأن الزيادة بالصنعة كالزيادة بالصفة، وقد منع النبي ﵊ من التفاضل مع اختلاف الصفة.
الدليل أنه جيء إليه بتمر جيد، تمر جنيب طيب، فقال: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قالوا: لا، يا رسول الله، لكن نأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: «لَا تَفْعَلْ» (١)، هذا عين الربا، هنا زاد القدر لنقص الصفة، وقلَّ القدر باعتبار الطيب لجودة الصفة.
فنقول: إن جودة الصفة زيادة في وصف خلقه الله، والزيادة من أجل الصنعة زيادة في وصف من فعل الآدمي، فإذا كان لا يجوز فيما فعله الله فلا يجوز فيما فعله الآدمي، وهذا القول هو الراجح، وإن كان بعض العلماء يقول: إنه إذا زاد بقدر الصنعة تمامًا فإنه لا بأس به.
طالب: يذكر عنه أن ابن جواد كان يبيع الورق نقدي مئة ريال مثلًا بخمس وتسعين ريالًا من المعدن مقابل الصنعة، الفرق؟
[ ١ / ٤٥٨٩ ]
الشيخ: الفرق ما هو مقابل الصنعة، لا، مقابل الجنس؛ لأن حقيقة الأمر أن هذا جنس مقصود بنفسه وذاك جنس مقصود بنفسه أيضًا، وكوننا نقول: إن الريال هذا الورق يقابل الريال هذا قيمته النظامية، لكن قيمته الحقيقية لا؛ ولذلك أستغرب من الناس كيف يستغربون هذه الفتوى، وهي طبعًا ما هي مني أنا، أنا أرى أنها صواب، وغيري قد سبقني إلى ذلك، فالمذهب الجواز، واختيار الشيخ عبد الرحمن بن السعدي الجواز أيضًا، الشيخ عبد الرحمن يزيد على هذا أكثر يجوز حتى النسء فيه إذا لم يكن على سبيل التأجير، وهم الآن الناس يجوزون أن يبيع الإنسان ثماني ورقات بريال واحد من الفضة مع أن الورق هذه معتبرة.
طالب: نفس الريال.
الشيخ: الريال فضي، الآن لو تذهب إلى الصيارف قال: ما نبيع عليك الريال الفضة إلا بثماني ورقات، الآن يبيعون بثماني ورقات وثمانية قروش، إي نعم، هذه مثلها.
طالب: ما الفرق بينها وبين اللحم؟
الشيخ: أيش اللحم؟
الطالب: يبيع لحم () بشاة تامة حية.
الشيخ: هذا لأن المقصود واحد، الذين يقولون بالمنع إذا كان المقصود واحدًا فهو كأنه اشترى لحمًا بلحم، غاية ما هنالك أن هذا لحم مذبوح وهذا لحمٌ ما ذُبِحَ.
طالب: بس -يا شيخ- القيمة واحدة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: القيمة ().
الشيخ: (ولا يجوز بيع حَبٍّ بدقيقه ولا سَوِيقِه) يعني: ولا يجوز بيع حب بسويق، ما الفرق بين الدقيق والسويق؟ السويق هو المحموص؛ يعني: يُحَمَّص الحب ويُدَق، فلا يجوز أن يباع؛ سواء دُقَّ أو لم يُدَقَّ، فلا يجوز بيعه بهذا، لماذا؟ لأنه عندما يُصْهَر بالنار ويحمص بالنار يختلف، فلا يجوز أن يُبَاع الحب بالسويق.
ولا يجوز أيضًا بيع (نيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ) النيئ بالمطبوخ ما يجوز، حتى لو قُدِّر أنهما تساويا من قبل فإنه لا يجوز.
مثاله: رجل أخذ صاعًا من الدقيق وعجنه وطبخه، ثم أراد أن يستبدل به صاعًا من الدقيق غير معجون ولا مطبوخ، نقول: هذا يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز.
[ ١ / ٤٥٩٠ ]
كذلك في اللحم؛ أعطاه كيلو من اللحم المطبوخ بكلويين من اللحم غير المطبوخ يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
طالب: إذا كانا من جنس.
الشيخ: إي، لا بد نقيد؛ إذا كان اللحم من جنس واحد فلا يجوز، وإن كان من جنسين فإنه يجوز.
قال: (وَأصْلِهِ بِعَصِيرِهِ) يعني: لا يجوز بيع الأصل بالعصير.
مثال هذا: إنسان عنده عنب وإنسان آخر عنده عصير عنب، فقال: أبيع عليك كيلو من العنب بكيلو من العصير، يقول المؤلف: إنه لا يجوز؛ لأن العصير يختلف عن الأصل، فالأصل فيه قشور وفيه حب، وربما يكون فيه أعناق، وأما ذاك فهو خالٍ، فيختلف، والجنس شيء واحد، وأما إذا كان من غير جنسه فلا بأس به.
طالب: ولو عصر مع العصير شيء غيره؟
الشيخ: إي نعم، ولو كان هذا سيأتينا بعد قليل.
قال: (وَخَالِصِهِ بِمَشُوبِهِ) المشوب يعني: المخلوط، والخالص اللي ما خُلِط.
مثاله: باع عليه صاعًا نصفه شعير ونصفه بر مخلوط بصاع من البر يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لأنه الآن كأنه باع نصف صاع من البر بشيء مجهول من الصاع؛ لأننا لا ندري ماذا يقابل نصف الصاع من البر بالنسبة للصاع من البر، وهذا أيضًا فيها خلاف، وسيأتي -إن شاء الله- بعد قليل.
وأما إذا كان المشوب قد شِيبَ بشيء تابعٍ لا يُقْصَد؛ كما لو جُعِل فيه زورات أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي لا تقصد فإن ذلك لا يضر؛ لأنه غير مقصود.
قال المؤلف: (وَرَطْبِهِ بِيَابِسِهِ) ما يجوز بيع رطبه بيابسه، لماذا؟
لاختلافهما قدرًا؛ ولهذا سئل النبي ﷺ عن بيع التمر بالرطب فقال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟»، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (٢)، وعلى هذا فلا يجوز بيع الرطب باليابس؛ لأنه لا بد أن يختلفا.
قال: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة) بيع دقيق أيش؟ دقيق الربوي بدقيقه بشرط أن يستويا في النعومة؛ مثل أن أبيع عليك صاعًا من دقيق الحنطة بصاع من دقيق () يجوز ولَّا لا؟ يجوز بشرط أن يستويا في النعومة.
[ ١ / ٤٥٩١ ]
إذا كان () قد جُرِش جريشة، وهذاك قد طُحِن طحنًا، فبعت صاعًا من هذا بصاع من هذا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لعدم تساويهما في النعومة، أيهما أكثر لو بعت عليك صاعًا من الجريش بصاع من الدقيق؟
طلبة: الجريش.
الشيخ: الجريش أكثر، إي نعم، صح.
قال المؤلف: ويجوز أيضًا بيع (مطبوخه بمطبوخه، وخبزه بخبزه إذا استويا في النَّشَاف) مثلًا أنا طبخت رزًّا في قِدْرٍ، وأنت طبخت رزًّا في قِدْرٍ، وهما متساويان، يجوز أني أبيع عليك الرز هذا بالرز هذا؟
نقول: إذا استويا في النشاف؛ بحيث يكون كل واحد منهما مساويًا للآخر في النشاف، فإن كان أحدهما أكثر ماء لم يصح.
كذلك الخبز؛ عندي خبزة من البر وعندك خبزة من الفينة، تعرفون الفينة؟
طالب: ويش الفينة هذه؟
الشيخ: هذا مشكل.
طالب: نعم، أعرفها.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: هو خبز من الدقيق، بس مأخوذ من السكر ().
الشيخ: ومأخوذ منها القشرة، هذا الخبز الأبيض الذي تشاهدون هذا يسمى خبز فينة، والخبز الأحمر هذا خبز بُرٍّ، فأنا عندي خبزة من البر وأنت عندك خبزة من الفينة يجوز أن نتبادل؟
طالب: إذا كان هذا ..
الشيخ: إذا استويا في النَّشَاف، ولكن ما هو المعيار هنا؛ هل هو الكيل مكيال الخبزة هذه بمكيال الخبزة هذه؟ لا، ما يمكن الكيل.
طالب: بالوزن.
الشيخ: في الخبز، العبرة هنا بالوزن؛ لأن الكيل متعذر، اللهم إلا لو كانا يابسين يبوسًا كاملًا ودققناهما، فحينئذٍ يمكن نكيل، وأما أن الخبزة باقية فلا.
لكن لو كانت خبزة البر أحسن من خبزة الفينو وقلت: بأعطيك ثنتين وأعطني واحدة؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ ولو هو أحسن؟
طالب: ولو هو أحسن.
الشيخ: ولو هو أحسن؛ لأن مسائل الربا لا يُنْظَر فيها للحسن وعدم الحسن؛ ولهذا لما قيل للرسول ﵊: إننا نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، ويش قال؟ قال: «هَذَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ» (٣).
[ ١ / ٤٥٩٢ ]
(وعصيره بعصيره) يجوز أن نبيع عصير الربوي بعصيره، ومثاله؟
طالب: عصير برتقال بعصير برتقال.
الشيخ: عصير برتقال بعصير برتقال يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وهل هو مكيل ولَّا موزون؟
طالب: موزون.
الشيخ: كل مائع مكيل، إذنْ أعطيتك كأسًا من عصير البرتقال الحلو بصاع من عصير البرتقال المز، تعرف المز؟
طالب: إي نعم، الحامض.
الشيخ: اللي حامض حلو.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فأنا عندي عصير من برتقال وعندك أنت عصير من برتقال، لكن الذي عندك مز والذي عندي حلو يجوز أن نتبادل بشرط أن يتساويا في الكيل، كيف يتساويا بالكيل؟
نأخذ كأسًا من هذا بكأس من هذا، هذا معنى التساوي في الكيل.
بعت عليك كأسين من عصير العنب بكأس واحد من عصير البرتقال؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز؟ لماذا؟
طلبة: لاختلاف الجنس.
الشيخ: لاختلاف الجنس.
لكن يبقى عندنا مسألة البرتقال وعصير البرتقال تراه ينبني على الخلاف هل يجري فيه الربا أم لا، ومذهبنا؟
طلبة: لا يجري.
الشيخ: لا يجري فيه الربا، لكن الزبيب وشبهه العنب فيه الربا.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
قال: (وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ) يعني: ويجوز بيع الرطب بالرطب، لكن بشرط أن يستويا أيضًا في الرطوبة، فأما إذا كان أحدهما أكثر رطوبة فإنه لا يجوز.
ثم قال المؤلف: (وَلا يُبَاعُ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُ أوْ مَعَهُمَا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمَا) انتبهوا لهذه المسألة وبماذا تلقب عند أهل العلم، هذه المسألة تلقب عند أهل العلم بـ (مُدُّ عجوةٍ ودرهمٍ)، بمُدٍّ يعني: ربع الصاع، والعجوة ما هي؟
طلبة: التمر.
الشيخ: التمر، والدرهم معروف؛ واحد الدراهم، يسمونها مد عجوة ودرهم.
[ ١ / ٤٥٩٣ ]
مثاله: بعت عليك مُدَّ عجوة ودرهمًا بمُدَّيْن من العجوة يجوز ولَّا لا؟ ما يجوز، هذا لا يجوز؛ لأنني بعت عليك تمرًا بتمر مع التفاضل؛ مد من التمر بمدين من التمر، وهذا تفاضل ولا يجوز، ونحن ربما نجعل درهمًا مع المد، ولكن هذا الدرهم لا يساوي إلا ربع مد، فيكون كأني بعت عليك مُدًّا وثلاثة أرباع بمُدٍّ واحد، هذا وجه المنع فيها.
مرة ثانية أعيد، نقول: هذه المسألة تلقب عند أهل العلم بماذا؟ بمُدٍّ عجوة ودرهم؛ يعني بالتمثيل بها بمثاله.
مثاله: أن أبيع عليك مُدَّ عجوة ودرهمًا بمُدَّيْن من العجوة، والعجوة نوع من التمر، نقول: هذا لا يجوز، السبب؟
لأنه ربما يُتَّخذ حيلة على الربا، الآن إذا كان مُدُّ عجوة ودرهم يساويان مُدَّيْن من العجوة، فيه ربًا ولَّا لا؟ مُدَّيْن من العجوة بمُدٍّ عجوة ودرهم، ومد العجوة والدرهم يساوي قيمة مُدَّيْن من العجوة، هذا ما فيه ربًا؛ لأنا نجعل الدرهم في مقابلة المد، ونجعل المد في مقابلة المد الآخر، لكن ربما يُتَّخذ حيلة؛ بحيث يكون هذا المد الذي مع الدرهم يعني يساوي مُدًّا ونصفًا؛ لأن الدرهم لا يساوي إلا نصف مُدٍّ، وحينئذٍ أكون بعت عليك مُدًّا ونصفًا بمدين، وهذا لا يجوز.
شنو باقي عاد، كلام المؤلف (لا يُبَاعُ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ) مثاله: بُرٌّ بِبُرٍّ، (ومعه أو معهما من غير جنسهما) (معه) أي: مع أحد الطرفين من غير الجنس، (أو معهما) أي: مع الطرفين من غير الجنس فلا يجوز؛ لأنه يُتَّخذ حيلة على الربا، كما قلت لكم.
مثال بيعه ومع أحدهما من غير الجنس أن أبيع عليك مُدًّا ودرهمًا بمدين، أو أبيع عليك مُدًّا ودرهمًا بمُدٍّ واحد؛ لأن المد اللي عندك أطيب، حرام ولَّا لا؟ حرام؛ لأن مع أحد الطرفين من غير الجنس.
لو قُدِّرَ أن مُدًّا ودرهمًا يساويان مُدَّيْن تمامًا في القيمة يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، المؤلف أطلق عدم الجواز حتى لو تساويا في القيمة.
[ ١ / ٤٥٩٤ ]
ومثال ما يكون معهما من غير الجنس أن أبيع عليك مُدًّا ودرهمًا بمُدٍّ ودينار، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، أو مُدًّا ودرهمًا بمُدٍّ ودرهم، يجوز ولَّا لا؟ المؤلف يقول: ما يجوز، ولو تساوت القيم.
بعت عليك مُدًّا من البر من () ودرهم بمُدٍّ من () ودرهم.
طالب: () هذا المد.
الشيخ: أنت لو طلعت هذا وبعته لحاله لا بأس، لكن بعت الجميع صفقة واحدة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يقول المؤلف: لا يجوز.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمن العلماء من يقول: إذا كان معهما من غير الجنس فلا حرج؛ لأننا نجعل المُدَّ والدرهم، نقول: الدرهم اللي مع ذاك في مقابلة المد، فكأنه باع عليه مُدًّا من البر بدرهم، ونجعل المد اللي مع الآخر في مقابلة الدرهم الذي مع الآخر، وحينئذٍ ليس فيه ربًا.
ومنهم من قال: إنه إذا كان مع أحد الطرفين من غير الجنس وكان المفرد يساوي في القيمة ما معه غيره فإنه يصح؛ يعني بحيث يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره.
مثال ذلك: بعت عليك مُدَّيْن من البر بمُدٍّ ودرهم، يقول: هذا جائز، لأننا نجعل مُدًّا في مقابلة مُدٍّ، ونجعل المد الثاني في مقابلة الدرهم، لكن على هذا القول يجب أن نقيده فنقول: بشرط أن يكون الزائد يساوي الدرهم، فإن كان الزائد أقل من الدرهم أو أكثر فهذا ربًا ولا يجوز.
(ولا يُبَاعُ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ) وأيش مثاله: بُرٌّ بِبُرٍّ، و(معه) أي: مع الربوي أو معهما جميعًا من غير الجنس.
مثال الأول: بعت عليك مُدًّا من البر ودرهمًا بمُدَّيْن من البر هنا الذي معه من غير الجنس، الجميع ولَّا أحدهما؟
طالب: أحدهما.
الشيخ: أحدهما.
ومثال اللي معهما جميعًا: بعت عليك مُدًّا ودرهمًا بمُدٍّ ودرهم، كلتا الصورتين لا تجوز، لماذا؟ قالوا: لأنه ربما يُتَّخَذ حيلة على الربا.
[ ١ / ٤٥٩٥ ]
ولكني قلت لكم الآن: إن المسالة فيها خلاف؛ فإن من أهل العلم من يقول: إذا كان معهما من غير الجنس جاز ولا حرج؛ لأنا نجعل الجنس مقابلًا لغير جنسه، ونَسْلَم من الربا.
مثل: بعت عليك مُدًّا ودرهمًا بمُدٍّ ودرهم، هذا ما فيه محظور؛ لأنك إن جعلت المد مقابل المد فقد تساويا، وإن جعلت المد مقابل الدرهم فليس بينهما ربًا.
كذلك يقول: إذا كان مع أحدهما من غير الجنس فهو جائز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره.
مثل: بعت عليك مُدَّيْن من البر بمُدٍّ ودرهم، يقول: هذا جائز؛ لأنا نجعل مُدًّا من المدين في مقابلة المد، ونجعل المد الثاني في مقابلة الدرهم، وهذا لا بأس به، لكن قلت لكم: بشرط أن يكون ما زاد على المد مثلًا مساويا للدرهم، فإن كان أقل أو أكثر فإنه لا يصح؛ لأنه ربًا.
إذن ما هي مسألة مد عجوة ودرهم التي يعبر عنها الفقهاء؟ نقول: هي أن يبيع ربويًّا بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما.
طالب: نقول: خاصة بالنقود ولَّا حتى لو كان مُدَّ بُرٍّ ومُدَّ شعيرٍ؟
الشيخ: إي، كله واحد ليس خاصًّا بالنقود.
طالب: مثلًا مُد ().
الشيخ: (ولا تَمْرٌ بلا نوًى بما فيه نوًى) قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٤)، فـ (نوى) هنا فعلٌ ماضٍ (وَلا تَمْرٌ بلا نوًى)؟
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ، وأيش هو النوى؟
طالب: شيء جوا التمر صغير جدًّا، وعليها لفافة ().
الشيخ: وأيش اسمها الخاص؟
الطالب: النوى.
الشيخ: نوًى عندكم، تعرفونها بهذا التعبير؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، إحنا نسميه؟
طالب: عَبَسَ.
الشيخ: عَبَسَ، ونسميه أيضًا فُصَم.
طالب: ونسميه نوًى أيضًا.
الشيخ: تسمونه نوًى.
المهم يقول المؤلف ﵀: (ولا يُبَاعُ تَمْرٌ بلا نوًى بما فيه نوًى) ممكن هذا تمر بلا نوى؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٤٥٩٦ ]
الشيخ: إي نعم، يُنْزَع النوى منه، فلا يجوز أن نبيعه بتمر فيه نوى، لماذا؟ لعدم التساوي؛ لأنك إن كِلْتَ أو وزنت فإنه لا يمكن التساوي، وعلى هذا فالعبيط اللي تعرفونه يسمونه عندنا عبيطًا، لو أردت أن تبيع كيلوين من العبيط بكيلوين من التمر اللي فيه النوى فإن ذلك لا يجوز؛ لعدم التساوي.
قال المؤلف: (وَيُبَاعُ النوى بِتَمْرٍ فيه نَوى) النوى يجوز أن نبيعه بتمر فيه نوى؛ يعني بمعني أنني أعطيك صاعًا من النوى بصاع من تمر فيه نوًى يجوز.
ما الفرق بين هذه وبين التي قبلها؟ يقولون: لأن النوى في التي قبلها غير مقصود، وأما التمر هنا فهو مقصود، أنا عندما أبيع عليك نوًى بتمر فيه نوًى، ويش قصدي؟ التمر ولَّا النوى؟ ويش تقولون؟
طلبة: التمر.
الشيخ: التمر؛ لأنه لو كان قصدي النوى ما أعطيتك النوى المساوي للتمر والنوى كان ()، ما دام قصدي النوى، والنوى عندي الآن، وأكثر من نوًى تمرك، فعلى هذا يكون؛ لأن المقصود فيما إذا اشترى تمرًا بنوى المقصود أيش؟
طلبة: التمر.
الشيخ: التمر، والنوى الذي في جوفه يكون تابعًا له، وبهذا نعرف أنه إذا كان مع الربوي شيء من الجنس لكنه غير مقصود فإنه لا يؤثر؛ مثل الأبازير وما أشبه ذلك مما يصلح به الطعام فإنه لا يضر، والله أعلم.
() ودليلها قوله ﵊ حين سئل عن بيع التمر بالرطب قال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟» (٢)، وأنه نهى ﵊ أن تباع الصُّبرة من الطعام لا يُعْلَم كيلها بكيل معلوم من الطعام نهى عن ذلك (٥)؛ لأن هذا جهل بالتساوي.
يقول المؤلف: (وَيُبَاعُ النوى بتمرٍ فيه نوى، وَلَبَنٌ وصُوفٌ بِشَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ وَصُوفٍ) يُبَاع اللبن والصوف بشاة ذات لبن وصوف، أين الربا الذي معنا الآن؟ الربا في اللبن؛ فأنا مثلًا أتيت بخمسين كيلو لبن، وقلت: أريد منك أن تبيع هذه الشاة عليَّ بهذا اللبن والشاة فيها لبن يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
[ ١ / ٤٥٩٧ ]
الشيخ: يجوز، مع العلم بأنني بعت لبنًا بلبن وشاة، ولكننا نقول: إن اللبن الذي في الشاة تابع غير مقصود، هل أنا حينما أعطيتك هذه الكمية الكبيرة من اللبن أريد اللبن الذي في الشاة؟ لو كنت أريد اللبن ما أعطيتك هذا اللبن الكثير بلبن قليل جدًّا بالنسبة لك، إذنْ فأنا أريد؟
طالب: الشاة.
الشيخ: الشاة، وعلى هذا فالعلة في ذلك إذا قيل: ما هي العلة؟
نقول: لأن العلة أن المقصود بهذه الصفقة هو الشاة، فاللبن الذي فيها يسير تابع لا يؤثر على العقد.
طالب: وإذا قصد اللبن بأن يتجدد كل يوم وهذا لبن ()؟
الشيخ: المعدوم غير موجود، وربما أنه يتجدد، وربما تصاب بمرض لا يتجدد.
ثم قال: (وَمَردُّ الكَيْلِ لعُرفِ المَدِينَةِ، والوَزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ زَمَنَ النبي ﷺ) معناه أننا عرفنا فيما سبق أن الربا يجري على المذهب في كل مكيل وموزون، وأن ما كان مكيلًا فمعياره الشرعي الكيل، وما كان موزونًا فمعياره الشرعي الوزن، فإلى أين نرجع في كون هذا مكيلًا أو لا؟ هل نرجع إلى عرف الناس وأن ما تعارف الناس عليه فهو على حسب ما تعارفوا عليه؛ إذا كانوا يبيعون هذا بالكيل فهو مكيل، وإذا كانوا يبيعونه بالوزن فهو موزون، أم ماذا؟
يقول المؤلف: مرد الكيل لعرف المدينة في عهد النبي ﵊، فما كان مكيلًا في ذلك الوقت فهو مكيل إلى يوم القيامة، والوزن لأي شيء؟ لعرف مكة في عهد النبي ﷺ، فما كان موزونًا في عهد الرسول ﵊ في مكة فهو موزون إلى يوم القيامة، حتى لو اختلف العرف مع ما كان موجودًا في عهد النبي ﷺ فإننا نرجع إلى ما كان على عهد النبي ﷺ.
وقد ذكر أهل العلم ﵏ ضوابط للمكيل والموزون؛ منها ما سبق في أن كل مائع مكيل.
[ ١ / ٤٥٩٨ ]
ومنها أن ما تعذر كيله يعتبر بالوزن كالخبز والتمر المكنوز المجبن وما أشبه ذلك فإنه يعتبر بالوزن، لكنه لا يخرج عن كونه مكيلًا.
وهذه المسألة ما ذكره المؤلف ﵀ هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وقال بعض أهل العلم: إن المرد إلى العرف إلا في الأصناف التي حصرها النبي ﵊؛ وهي الذهب، والفضة، والتمر، والشعير، ويش بعد؟ والبر، والملح، قالوا: فالأربعة مكيلة، والذهب والفضة موزونان، وما عدا ذلك فيرجع فيه إلى العرف.
وقال بعض أهل العلم: المرجع إلى العرف مطلقًا، فما كان مكيلًا عند الناس فهو مكيل، وما كان موزونًا فهو موزون، فصارت الأقوال الآن ثلاثة:
القول الأول: أن المرجع إلى ما كان في عهد النبي ﷺ، لكن الوزن لمكة والكيل للمدينة.
والقول الثاني يقول: الأصناف الستة تبقى على ما كانت عليه البر والتمر والشعير والملح أيش هي؟ مكيلة، والذهب والفضة موزونان، وما عدا ذلك فيرجع فيه إلى العرف، إلى عرف الناس إن كانوا يتبايعونه بالكيل فهو مكيل، وإن كانوا يتبايعونه بالوزن فهو موزون.
والقول الثالث: أن المرجع في ذلك إلى العرف مطلقًا؛ لأنه أي العرف هو الذي يكون به التساوي أو النقص أو الزيادة.
وبناءً على هذا عرف الناس اليوم في البر والرز وشبهه الكيل أو الوزن؟
طلبة: الوزن.
الشيخ: الوزن فيكون موزونًا، وعرف الناس في اللبن والدهن وما أشبهها؟
طلبة: الوزن.
الشيخ: الوزن.
طلبة: كل شيء الوزن.
الشيخ: كل شيء الوزن الآن؟
طالب: فيه مكيل.
الشيخ: لا، غير مكيل.
الطالب: السمن.
الشيخ: السمن مكيل؟
الطالب: والزيت.
الشيخ: والزيت؟
طالب: ().
الشيخ: لا، ظاهر عندكم.
الطالب: عندنا التمر بالعدد، لكن السمن عندنا ..
الشيخ: بالكيل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: عجيب، لا، عندنا بالوزن، الظاهر كل شيء بالوزن الآن، الوزن في الحقيقة أضبط، الوزن في الغالب أنه أضبط.
[ ١ / ٤٥٩٩ ]
لكن سبق لنا هل يباع المكيل وزنًا أو الموزون كيلًا؟ سبق فيه الخلاف، وذكرنا أن بعض أهل العلم يقول: إنه إذا كان الشيء من جنس واحد كالأدهان وما أشبه ذلك يجوز أن تباع وزنًا؛ لأنها لا تختلف.
طالب: الراجح فيها يا شيخ؟
الشيخ: والأحوط ما ذكره المؤلف هو أحوط، وإن كان ما ترجح عندي كثيرًا، ثم لو قيل بأن الأرجح من حيث الدليل القول الثاني الوسط، الذي يقول هذه الأشياء مكيلة وموزونة، وما عدا ذلك يرجع فيها إلى العرف.
طالب: قولهم: الوزن يرجع فيه إلى ().
الشيخ: لأنه ورد في هذا حديث؛ وهو قول الرسول ﵊: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ» (٦)، ولكن الحديث فيه ضعف أيضًا.
طالب: الرجوع بالأشياء إلى العرف هل هي القول الثالث؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بالنسبة للقول الثاني ().
الشيخ: لا، التمر عندهم عدد إذا صار شوية.
الطالب: لا، حتى لو () بالنسبة للبلح الجديد هذا.
الشيخ: إي.
الطالب: البلح.
الشيخ: إي، البُسْر.
الطالب: ().
الشيخ: سبحان الله! إذا صار الإنسان عنده مئة نفر ضيوف ويبغي لهم تمرًا.
الطالب: يروح يجيبوا كثيرًا، ما دام كل واحد عنده أخت، والذي عنده عم، والذي عنده عمة ().
الشيخ: مالك أنه المكيل إذا كان يقتات، أما ما لا يقتات فلا؛ لأن هذه الحقيقة البر والتمر والشعير والملح كلها قوت، ما هو مجرد الطعام فقط.
طالب: متى كانت قوتًا؟
الشيخ: أيها؟
طالب: الشعير.
الشيخ: في عهد الرسول ﵊.
الطالب: تختلف العلة؟
الشيخ: إي نعم، تختلف.
طالب: الآن يباع () هذه.
الشيخ: ().
الطالب: بس كلها رطب.
الشيخ: ولو كان، بعضها أنشف من بعض، ثم إن بعضها قد يكون فيه بسر كثير وبعضها قليل.
طالب: ما هي مظبوطة يا شيخ.
الشيخ: ولا هي مظبوطة، مثلما قال الأخ، مهما كانت () ما تكون منضبطة.
طالب: لأن الحجم واحد.
[ ١ / ٤٦٠٠ ]
الشيخ: إي نعم، لكنها تختلف؛ ولهذا إذا أردت شيئًا فبع اللي معاك واشترِ غيره.
قال المؤلف: (وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِرَ عُرْفُهُ في موضعه) إذا وجدنا شيئًا ليس له عرف في مكة والمدينة فإنه يعتبر عرفه في موضعه، وهذا هو الصحيح، وقيل: يعتبر بقرب شبهه من المكيل في المدينة، ومن الموزون في مكة، لكن المذهب هو ما ذكره المؤلف.
***
ثم قال:
فَصْلٌ
ويحرم ربا النَّسِيئَةِ في بيع كل جنسين اتَّفَقَا في علة ربا الفَضْلِ
انتبه للقاعدة (وَيَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ) ما معنى النسيئة؟ التأخير؛ يعني: تأخير القبض عن مجلس العقد، (في بيع كل جنسين) شوف (كل جنسين) لا بد من اختلاف الجنس، (اتَّفَقَا في علة ربا الفَضْلِ) ليس أحدهما نقدًا.
مثال ذلك: بُرٌّ بشعير، الجنس مختلف ولَّا لا؟ إذا كانا مختلفين فإن التفاضل جائز، لكن يجب أيش؟
طالب: التقابض.
الشيخ: التقابض، الحلول والقبض، كما قال المؤلف فيما سبق.
ما هي علة ربا الفضل التي اتفقا فيها؟
طالب: الكيل.
الشيخ: الكيل، على المذهب.
إذا بعت عليك رطلًا من رصاص برطلٍ من نحاس؟
طالب: الوزن.
الشيخ: هذا موزون، على المذهب يجب التقابض قبل التفرق.
وهل يشترط التساوي؟ لا؛ لاختلاف الجنس.
إذا بعت عليك لحم إبل بلحم بقر يشترط التقابض ولَّا لا؟
طلبة: يشترط.
الشيخ: يشترط التقابض؛ لأنهما اتفقا في علة ربا الفضل؛ وهي الوزن.
قال المؤلف: (ليس أحدهما نقدًا) هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، (ليس أحدهما نقدًا) يعني: ليس أحدهما ذهبًا أو فضة نقدًا؛ يعني: دراهم أو دنانير، فإذا كان أحدهما نقدًا فلا بأس بتأخير القبض وإن اتفقا في العلة، ما هي علة النقد على المذهب؟ الوزن، فإذا اشتريت منك مئة رطل من النحاس بمئة درهم ولم أستلم، جائز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن المؤلف استثنى قال: (ليس أحدهما نقدًا).
ما هو الدليل على هذا الاستثناء؟
[ ١ / ٤٦٠١ ]
حديث ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ وهم يُسْلِفُون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (٧).
وجه الدلالة من الحديث: أن السَّلَم لا بد فيه من تقديم الثمن وتأخير المثمن، وهذا نسيئة، وقد أقره النبي ﵊، وقال: «فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
لو قال قائل: إذا لم نستثنِ فقد وافقنا الحديث «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٨)؛ فإن ظاهر الحديث أنك إذا بعت برًّا بذهب فلا بد فيه من التقابض؛ لأنها اختلفت الأصناف، والرسول ﵊ يقول: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» نقول: إن الذي يخرج هذا ما هو؟
طالب: النص.
الشيخ: ما هو النص؟
الطالب: حديث السَّلَم.
الشيخ: حديث السَّلَم، حديث ابن عباس فإنه يدل على أنه إذا كان أحدهما نقدًا فلا حرج من تأخير القبض.
لو أنني بعت عليك رطلين من الرصاص ().
وقول المؤلف: (ليس أحدهما نقدًا) لم يقل المؤلف: ليس أحدهما ذهبًا ولا فضة؛ لأنه إذا كان أحدهما ذهبًا أو فضة فلا بد من التقابض في مجلس العقد، فلو بعت عليك درهمًا بدينار فلا بد من التقابض في مجلس العقد، كما جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ.
ولو بعت عليك حُلِيًّا من الذهب بشيء من النحاس لا بد فيه من التقابض؛ لأن المؤلف يقول: (ليس أحدهما نقدًا)، ولم يقل: ليس أحدهما ذهبًا أو فضة.
مثاله: (كَالْمَكِيلَيْنِ وَالمَوزُونَيْنِ) يعني: من جنسين؛ المكيلين من جنسين، والموزونين من جنسين.
مثاله: بعت عليك صاعًا من البر بصاعين من الشعير يجوز؟
طلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز بشرط التقابض.
[ ١ / ٤٦٠٢ ]
بعت عليك صاعًا من البر برطل من النحاس يجوز وإن لم نتقابض.
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يجوز وإن لم نتقابض.
الطالب: على المذهب ما يجوز؟
الشيخ: حتى على المذهب، بعت عليك صاعًا من البر برطل من الحديد يجوز؛ سواء تقابضنا أو لم نتقابض؛ لأنهما اختلفا في علة ربا الفضل، وأيش العلة في البُرِّ؟
طلبة: الكيل.
الشيخ: الكيل. وفي النحاس؟
طلبة: الوزن.
الشيخ: الوزن، فإذا اختلفت العلة فإنه يجوز التقابض ويجوز عدم التقابض.
(وإن تَفَرَّقَا قبل القبض بَطَلَ)، (إن تفرقا) أي: المتبايعان، (قبل القبض) من الطرفين فإن العقد يبطل؛ لأن من شرطه القبض.
طالب: ().
الشيخ: (وإن تَفَرَّقَا قبل القبض بَطَلَ) لماذا؟ لفوات شرط الصحة؛ وهو التقابض في مجلس العقد.
(وإن باع مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ جاز التفَرُّقُ قبل القبضِ والنَّسَاءُ)، (النَّسَاء) يعني: التأخير، إذا باع مكيلًا بموزون، لماذا؟ لاختلافهما في علة ربا الفضل وفي الجنس أيضًا، فصار عندنا الآن إذا باع جنسًا بجنسه فلا بد فيه من شرطين: التساوي بالمعيار الشرعي، والحلول والقبض.
إذا باع مكيلًا بمكيل من غير جنسه فلا بد من؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، من التقابض، ولا يشترط التساوي.
إذا باع مكيلًا بموزون جاز كل شيء؛ ما يجب عليك لا تقابض ولا تساوٍ.
فصارت الآن الأقسام ثلاثة؛ إذا باع ربويًّا بجنسه اشترط فيه أيش؟
طالب: التساوي والحلول.
الشيخ: الحلول والقبض والتساوي بالمعيار الشرعي.
إذا باع ربويًّا بغير جنسه لكن يتفق معه في العلة؟
طلبة: التقابض.
الشيخ: وجب التقابض، وجاز التفاضل.
إذا باع مكيلًا بموزون -يعني ربويًّا بغير جنسه ولا يوافقه في العلة- فإنه يجوز التقابض والتفرق، ويجوز الزيادة والنقص.
طالب: قاعدة دائمًا؟
الشيخ: هذه قاعدة دائمًا.
[ ١ / ٤٦٠٣ ]
انتبهوا تعليل الفقهاء يقول: لو منعنا هذا لانسد باب السَّلَم في باب الموزونات غالبًا؛ هم يقولون: (في الموزونات) احترازًا من إيه؟ المكيلات، ما ينسد فيها باب السَّلَم؛ لأنها لا تتفق مع النقدين في العلة، و(غالبا) لأنه ربما يسلم غير الدراهم؛ يمكن يشتري -مثلًا- تمرًا ويسلم ثيابًا أو يسلم حيوانًا أو ما أشبه ذلك.
يقول: (اتَّفَقَا في علة ربا الفَضْلِ) ما هي علة ربا الفضل؟
طالب: ().
الشيخ: (وما لا كيل فيه ولا وزن؛ كالثياب والحيوان يجوز فيه النَّسَاء) اللي ما فيه الكيل ولا وزن؛ يعني ليس مكيلًا ولا موزونًا يجوز فيه النساء، والتفاضل؟
طلبة: يجوز التفاضل.
الشيخ: من باب أولى؛ لأنه كل ما جاز النساء جاز التفاضل ولا عكس، أو لا؟ يعني كل ما جاز النساء -يعني التأخير- جاز التفاضل ولا عكس؛ يعني: ليس كل ما جاز التفاضل جاز النساء؛ ولهذا صاع من البر بصاعين من الشعير جائز، لكن لا بد من التقابض.
مثاله: يقول: (كالثياب) بعت عليك ثوبًا بثوبين يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، ويجوز أن نستلم في مجلس العقد، ويجوز أن نؤخر الاستلام؛ لأنه ليس مكيلًا ولا موزونًا.
(الحيوان) بعت عليك شاة بشاتين جائز ولَّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، ولو لم نقبض؟ إي نعم، ولو لم نقبض.
فأقول مثلًا: أنا الآن محتاج إلى شاةٍ، نزل بي ضيف وليس عندي شيء، فجئت إلى رجل وقلت: أعطني شاة وأعطيك من غنمي شاتين، يجوز هذا ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز، والدليل على ذلك أن عبد الله بن عمرو بن العاص أمره النبي ﷺ أن ينفذ جيشًا، نفدت الإبل، فكان يأخذ على قلائص الصدقة البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة (٩)، فهذا دليل على أنه لا ربًا في الحيوان بعضه ببعض.
طالب: ما معني قلائص؟
الشيخ: (القلائص) جمع (قلوص)؛ وهي الناقة المُسِنَّة.
[ ١ / ٤٦٠٤ ]
وقوله: (ولا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن) هذا له صور في الحقيقة ما هي صورة واحدة:
أولًا: بيع الدين بالدين؛ إما أن يكون على من هو عليه، أو على غير من هو عليه، فإن كان على غير من هو عليه فإنه لا يصح مطلقًا على المذهب.
مثال ذلك: أنا أطلب زيدًا مئة صاع بُرٍّ في ذمته، فجاءني رجل وقال: أريد أن تبيع عليَّ البر الذي لك في ذمة فلان فبعته عليه، فهذا لا يجوز مطلقًا على المذهب؛ لأنه باع الدَّيْن على غير من هو عليه.
وما هي العلة؟ لماذا نقول: إنه إذا باع الدين على غير من هو عليه لا يصح البيع؟
يقول: لأنه قد لا يتمكن من استيفائه، فيكون معجوزًا عنه، فيدخل في الغرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر (١٠).
وقال بعض أهل العلم -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية-: يجوز أن يبيع الدين على غير من هو عليه بشرط أن يكون المشتري قادرًا على أخذه، هذه واحدة، وألَّا يربح فيه البائع؛ بمعنى ألَّا يبيعه بأكثر من ثمنه، وقال: إن الغرر ما دام المشتري قادرًا على أخذه فالغرر منتفٍ.
ثم إذا عجز عن أخذه ماذا يكون؟ هل يضيع حقه؟ لا، إذا عجز المشتري عن أخذ الدين فله الفسخ.
واشترطنا ألَّا يربح البائع في ذلك؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يُضْمَن (١١)، والدَّيْن الذي لك في ذمة أحد ما دخل في ضمانك حتى الآن حتى تربح فيه، ولأن النبي ﷺ حين سأله عبد الله بن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير، وبالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فقال النبي ﷺ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (١٢)، الشاهد قوله: «بِسِعْرِ يَوْمِهَا»، إذا بيع الدين على غير من هو عليه صار في المسألة كم؟
طلبة: قولان.
الشيخ: في المسألة قولان.
قول: لا يصح، وعللوا ذلك بماذا؟
طلبة: بالغرر.
[ ١ / ٤٦٠٥ ]
الشيخ: بالغرر؛ لأنه غير مقدور على تسليمه يقينًا؛ فقد يماطل صاحب الدَّيْن، وقد ينكر.
والقول الثاني: إنه جائز، لكن بشرطين، ما هما؟ أن يكون المشتري قادرًا على أخذه واستيفائه، والثاني: ألَّا يربح البائع فيه.
أما الشرط الأول فدليله أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر (١٠)، وإذا كان غير مقدور عليه فهو من الغرر.
وأما الشرط الثاني فدليله حديثان ذكرناهما؛ أولًا: أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يُضْمَن (١١)؛ أي: ما لم يدخل في ضمانك، وهذا لم يدخل في ضمانك.
والثاني: حديث ابن عمر حين سأل النبي ﵊ عن كونهم يبيعون الإبل بالدراهم ويأخذون الدنانير، وبالعكس، فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (١٢).
وهذا يمكن نزيد شرطًا ثالثًا أيضًا؛ وهو ألَّا يكون بين الثمن وبين الدَّيْن ربا نسيئة، فإن كان بينهما ربا نسيئة فإنه لا يحل؛ مثل أن أبيع عليه مئة صاع من التمر في ذمة فلان بمئتين صاع من الشعير، فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه يجري فيه ربا النسيئة وأنا ما قبضت العوض، أنا المشتري ما قبضت العوض من ذمة فلان، إذن الشروط كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
أما القسم الثاني فأن يبيع الدين على من هو عليه، فهذا جائز على القول الراجح، لكن بشروط؛ إذا كان هذا الدين الذي بعته على من هو عليه إذا بعته بما يجري فيه ربا النسيئة فإن الواجب أيش؟
طالب: التقابض.
الشيخ: فإن الواجب التقابض؛ لقول الرسول ﵊ لابن عمر: «مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (١٢).
فإذا كان رجل في ذمته لي مئة صاع من البر وجئت إليه، وقال: واللهِ، البر ما عندي شيء، لكن عندي تمر، تبغي تمرًا أهلًا وسهلًا، البر ما عندي شيء، وبعت عليه البر الذي في ذمته بالتمر يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: يجوز، لكن بشرط التقابض.
[ ١ / ٤٦٠٦ ]
الشرط الثاني: ألَّا يربح فيه البائع، فإن ربح فيه فهو حرام؛ لقول النبي ﵊ لابن عمر: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخَذَهَا بِسْعَرٍ يَوْمِهَا»، ولنهيه عن ربح ما لم يُضْمَن.
فإذا قُدِّر أن مئة صاع من التمر يساوي تسعين صاعًا من الشعير وأنا أخذته بمئة صاع من الشعير، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأني ربحت الآن في شيء ما دخل في ضماني.
طالب: ()؟
الشيخ: هذا -مثلًا- مئة صاع من التمر في ذمة فلان، جئت إليه أطلب منه مئة صاع من التمر، قال: ما عندي شيء، عندي من الشعير -إحنا عكسنا المثال، لكن لا بأس- عندي من الشعير، فقلت له: أعطني شعيرًا، قال: أعطيك بدل مئة صاع من التمر مئة صاع من الشعير، لكن قيمة مئة صاع من الشعير أكثر من قيمة مئة صاع من التمر، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه الآن ربحت في شيء لم يدخل في ضماني فلا يجوز.
إذا بعت عليه الدين بشيء لا يجري فيه ربا النسيئة يجوز ولَّا لا؟
يجوز، ولو لم يحصل القبض، لكن بشرط ألَّا يربح، فإن ربح فلا يجوز؛ لما سمعتم.
يشترط لبيع الدَّيْن بالدَّيْن على من هو عليه أيضًا ألَّا يتخذ حيلة على الربا، فإن اتخذ حيلة على الربا فهو حرام؛ مثل أن يبيع الدَّيْن الذي حل يبيعه بدين أكثر مؤجلًا، فيقول: عندك الآن مئة صاع من البر وحل، ولكن ليس عندك، أبيعه عليك بمئة صاع من التمر مؤجلًا، ومئة صاع من التمر أكثر قيمة من مئة صاع من البر، فهذا لا يجوز؛ لئلا يتخذ حيلة إلى قلب الدين.
فتبين بهذا أن إطلاق قول المؤلف: (لا يصح بيع الدين بالدين) ليس صحيحًا، بل لا بد في هذا من التفصيل؛ فبيع الدين بالدين إن تضمن محظورًا شرعيًّا فهو حرام، وإن لم يتضمن محظورًا شرعيًّا فهو حلال، إلا أن بيع الدين على غير من هو عليه على المذهب لا يجوز مطلقا؛ لأنه فيه جهالة.
طالب: كيف التقابض؟
الشيخ: التقابض أني أقبض منك العوض.
الطالب: والثاني يا شيخ؟
[ ١ / ٤٦٠٧ ]
الشيخ: الثاني مقبوض، ما دام في ذمتك فقد قبضته، إي نعم.
طالب: هل يا شيخ يبيع الإنسان ()؟
الشيخ: يعني لو أن أحدًا غصب مني سيارتي، وأنا ما أقدر آخدها منه، فجاءني رجل فقال: بعْها عليَّ، فبعتها عليه وهو قادر على أخذها منه، فإن هذا جائز، نص عليه الفقهاء أيضًا، فيقول شيخ الإسلام: هذا من جنسه، فإذا كان أن الرجل المدين قادرًا على الوفاء غير مماطل، وهذا الذي اشترى الدَّيْن الذي عليه قادر على استيفائه منه، فما المانع؟ وليس عليه خسارة؛ لأنه إذا تعذر أخذ الدَّيْن منه فسوف يرجع بما أعطاني.
طالب: لكن ما ورد في هذا حديث: «وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (١٣)؟
الشيخ: هذا صحيح.
الطالب: ما يكن هذا الدليل المراد في الحديث؟
الشيخ: المراد «مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» يعني: أن تبيع ما لا تملكه.
طالب: يبيعون السيارات وهي في بلد الشام () ويأخذ من الناس عرابين ويجيبها لهم.
الشيخ: لكنه ما يبيع شيئًا معينًا، يبيع سيارة موصوفة في ذمته.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيها بأس، تمام.
***
فصل
ومتى افترق المتصارفان قبل قبض -الكل أو البعض- بطل العقد فيما لم يُقْبَض.
(المتصارفان) هما المتبايعان، نقدًا بنقد، فالصرف هو بيع نقد بنقد، وسمي صرفًا؛ لأن لها صوتًا في الميزان، صريفًا؛ أي: صوتًا في الميزان.
فإذا (افترق المتصارفان قبل قبض -الكل أو البعض- بطل العقد فيما لم يُقْبَض) إن كان الكل لم يُقْبَض بطل العقد في الجميع، إن كان البعض لم يُقْبَض بطل العقد في ذلك البعض.
مثال ذلك: صرفت منك عشرة دنانير بمئة درهم، فقبضت من المئة خمسين درهمًا وأعطيتك الدنانير العشرة، ما تقولون في هذا؟
طلبة: يبطل العقد.
الشيخ: يبطل العقد في؟
طالب: خمسين.
الشيخ: خمسين.
طالب: في خمسة.
الشيخ: في خمسين من الدراهم، وفي خمسة من الدنانير؛ لأن النصف لم يقبض، فإن لم يسلمني شيئًا من الدراهم إطلاقا؟
طالب: بطل العقد.
الشيخ: بطل العقد في الجميع.
[ ١ / ٤٦٠٨ ]
وهذه المسألة نظيرها إذا اشترى الإنسان حُلِيًّا؛ حلي ذهب من شخص بعشرة آلاف ريال، وسلَّمه خمسة آلاف ريال فقط، والباقي قال: أجيبه لك -إن شاء الله- العصر ولَّا بكرة، فما الذي يصح فيه العقد؟
طلبة: النصف.
الشيخ: النصف فقط، والباقي ما دخل في ملكه ولا يصح فيه العقد، فإن لم يعطه شيئًا، ما أعطاه شيء أبدًا قال: اشتريت منك هذا الحلي بعشرة آلاف ريال، وإن شاء الله بعد العصر أجيبه لك، أعطني إياه أنا الآن، وأجيب لك الدراهم بعد العصر.
طلبة: بطل العقد.
الشيخ: بطل العقد في الجميع، فإن جاء إلى الصاغة أو إلى بائع الحلي وقال: أنا ما معي دراهم، وبأشتري منك الحلي بعشرة آلاف ريال، قال: أنا أسلفك، واشترِ مني، قال: جزاك الله خيرًا، فسلفه عشرة آلاف ريال أخذهم منه وردهم عليه، ما تقولون؟
طلبة: لا يجوز ذلك.
الشيخ: لا يجوز؟
طلبة آخرون: جائز.
الشيخ: جائز، ولَّا يجوز؟
طلبة: لا، جائز.
الشيخ: هل هذا حيلة ولَّا لا؟
طلبة: نعم، حيلة.
الشيخ: حيلة بلا شك، كل واحد إن يقدر يبيع ذهب بفضة ويقول: سلفني، وربما أيضًا صاحب الدكان ما يجيب الفضة بيده ويسميه إياه، ويقول: ردها عليَّ، ربما صاحب الدكان يقول: تراه سلفتك رح () سلف خذ هذه الحلي () سلف، هذا واضح ولكنه لا يجوز؛ لأن مفاسد المحرمات لا تزول بالحيل عليها، بل إن الحيل لا تزيد المفاسد إلا مفاسد.
طالب: لو سلفه جاره () صاحب الدكان؟
الشيخ: لا بأس به؛ لأن المطالب أولًا هو.
الطالب: اللي استلف صاحب الدكان.
الشيخ: إي، ما يضر؛ لأن الجار الآن من اللي بيطالب؟ اللي بيطالب صاحب الدكان ولَّا بيطالب الأول؟
الطالب: اللي يطالب، لكن لو امتنع ().
الشيخ: ما يضر؛ لأن هذا الامتناع أمرًا ثانويًّا.
طالب: ()؟
الشيخ: سواء قلنا: العلة الثمنية أو العلة الوزنية.
الطالب: ()؟
[ ١ / ٤٦٠٩ ]
الشيخ: لا، ما تؤثر، إنما تؤثر عند بعض العلماء فيما لو اشتريت ذهبًا بذهب وأحدهما مصنوع، فإنه يجوز أن تزيد الذي لم يصنع مقابل الصنعة، هذه جوزها بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن الراجح أنها لا تجوز أيضًا، وأن الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ سواءً بسواءٍ.
طالب: الريالات؟
الشيخ: الريالات بالريال.
() ألَّا يكون مؤجلًا؛ يعني: ألَّا يبيع ما في ذمته بشيء مؤجل، لماذا؟ لأنه يخشى أن يؤدي إلى قلب الدين والزيادة؛ لأنكم تعرفون أن اللي يبيع المؤجل بيزيد في المؤجل، وحينئذٍ يؤدي إلى أكل الربا أضعافًا مضاعفة.
مثال ذلك: لو أن شخصًا عنده لي مئة ريال حال، فقلت: أبيعها عليك بعشرة أصواع من البر مؤجلة إلى سنة، هل يمكن أن تكون عشرة أصواع قيمتها مئة؟ أو ستكون قيمتها أقل حتى أربح، بل بالعكس أن تكون قيمتها أكثر لأجل أن أربح؛ يعني مثلًا إذا كان مئة ريال تسعة أصواع حاضرة، وأنا جعلتها بعشرة أصواع مؤجلة إلى سنة، صار معنى ذلك أنني ربحت بسبب التأجيل، وهذا يؤدي إلى أنه كلما جاءت السنة الثانية قلبناه إلى جنس آخر وربحنا فيه، إذن الشروط كم؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ الأول: أن تكون بسعر يومها لا بأكثر؛ لئلا يربح.
والثاني: أن يحصل التقابض إن جرى بينهما ربا النسيئة.
إذا كان على غير من هو عليه؟
طالب: على المذهب لا يجوز مطلقًا.
الشيخ: وعند شيخ الإسلام؟
الطالب: جائز.
الشيخ: جائز، إذا باعه على شخص قادر على استيفائه.
مثال ذلك: أنا أطلب فلانًا مئة صاع بُرٍّ، فجاءني رجل فبعته عليه، فعلى رأي شيخ الإسلام إذا كان صاحب الدين الذي عليه الدين قادرًا على الوفاء فالبيع جائز وصحيح، ثم إن تمكن المشتري من قبضه فذاك، وإن لم يتمكن فإنه له أن يرجع.
ما معنى قول المؤلف: (ومتى افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يُقْبَضْ)؟
طالب: يريد به التقابض.
الشيخ: التقابض. والتفاضل جائز ولَّا لا؟
[ ١ / ٤٦١٠ ]
طالب: إذا كان الدَّيْن مختلفًا.
الشيخ: إي نعم، دولار وريال سعودي.
الطالب: إي نعم، يجوز التفاضل.
الشيخ: يجوز التفاضل، إي نعم، ولكن لا بد من التقابض، وهذا القول هو القول المتوسط.
وبعض العلماء يقول: يجوز التفاضل، ويجوز عدم التقابض، بشرط ألَّا يكون مؤجلًا، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀؛ أنه يجوز بيع النقود هذه بعضها ببعض، ولو متفاضلًا، ولو تأخر القبض، لكن بشرط ألَّا يكون مؤجلًا؛ بأن أقول: بعت عليك -مثلًا- دولارًا بأربعة آلاف ريال إلى سنة، هذا ما يجوز عنده، فلو قلت: بعت عليك مئة دولار بأربع مئة ريال ولا تقابضنا فهو صحيح عنده؛ عند شيخنا عبد الرحمن لكنه فيه نظر؛ لأنه مبني على أن هذا كالفلوس، والفلوس ليس بها ربًا، خذ القروش هذه ما فيها ربًا على المذهب؛ لا ربا نسيئة، ولا ربا فضل.
لكن في المسألة قول آخر في الفلوس أنه يجري فيها ربا النسيئة دون الفضل، وهذا هو الأقرب؛ لأن الفلوس الحقيرة قيمتها قيمة رسمية فقط، فالأوراق هذه مثل الفلوس، وقد قرأت كتابًا في إقناع النفوس بإلحاق عملة الأوراق بعملة الفلوس، وذكر فيها نحو ستة أقوال لأهل العلم، ورجح هذا أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، وهذا قول وسط.
فيه قول ثانٍ يحرم فيها ربا النسيئة وربا الفضل.
فيها قول ثالث أنه لا يجوز التعامل بها مطلقًا، وأن التعامل بها حرام، ليش؟ قال: لأنها دين على الحكومة، فأنت إذا اشتريت بها أو بعت فقد بعت دينًا بدين، وبيع الدين بالدين حرام، وأيش نسوي إحنا؟ قالوا: تتعامل بها للضرورة.
وبناءً على هذا فأنا إذا صار يمكن أشتري سيارة بألف ريال ولَّا سيارة بألفين ريال، كم أشتري به؟
طالب: بألف ريال.
الشيخ: بألف ريال، بغيت أشتري ثوبًا بعشرة ريالات، ووجدت ثوبًا بخمسة ما أشتري إلا بخمسة، أردت أني أشتري شاة للضيف، والضيف يكفيه نصف شاة أو ربع شاة يجوز أشتري له شاة؟
طلبة: لا يجوز.
[ ١ / ٤٦١١ ]
الشيخ: ما يجوز؛ لأنها ضرورة فتتقدر بقدرها.
المهم أن العلماء اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا في هذه المسألة، لكن أرجح ما يكون عندي هو أنها يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، فلا يجوز أن نتفرق إلا بالقبض، إي نعم.
طالب: الآن إذا البنوك () الحالية يودعون فيها كمبيالات خمسة آلاف ريال ويعطيك قيمتها من الدولارات، لكن أحيانًا يعتبر شيكات هل هذا يعتبر قبضًا؟
الشيخ: لا.
الطالب: ما تستلم أموالًا، لكن يعطيك شيكًا قيمته كذا وكذا، إذا رُحت البلد الفلاني تعطيهم هذا الشيك ويعطونك القيمة، يعطونك الدولارات.
الشيخ: لا، ما يعطونك، تحويل فقط، فيه شيك عندهم يسمونه الشيك.
طالب: ().
الشيخ: غير () له اسمه، ما أدري -واللهِ- أيش.
طالب: يسمى الحوالة.
الشيخ: لا.
طالب: ().
الشيخ: إي.
طالب: ().
الشيخ: () لأيش؟
الطالب: () الشيك.
الشيخ: واللهِ ما أدري، على كل حال هذا الشيك يقولون: إنك أي مكان تشتري منه الشيء يرد عليك.
طالب: إي نعم.
الشيخ: فهذا بمنزلة النقود، أنا عندي أن هذا لا بأس به إذا حوله لك، لكن شيك مثل الشيكات اللي عندنا مجرد شيك بس؛ تحوله على البنك، أو على الرصيد اللي لك في البنك، هذا تحويل، ما هو قبض.
طالب: يعني ما يعتبر قبضًا؟
الشيخ: ما يعتبر قبضًا.
الطالب: يعتبر حرامًا؟
الشيخ: إي نعم، يعتبر حرامًا.
طالب: () في الدراهم هذه () في الفضة أو في الذهب؟
الشيخ: لا، هي الفضة مكتوب عليها: عوض ريال.
الطالب: طيب، ومثلًا الدنانير تلحق ..
الشيخ: أي الدنانير؟
الطالب: دنانير الكويت ()؟
الشيخ: ما أدري واللهِ، هو مكتوب عليها جنيه، دينار، لكن مكتوب عليها: جنيه.
طالب: ()؟
الشيخ: ما أدري واللهِ، أنا ما أعلم، على كل حال ينظر إلى قيمتها عند الدولة؛ إن كانت قيمتها فضة فهي تلحق بالفضة، وإن كانت قيمتها ذهب فهي تلحق بالذهب.
طالب: أقول: يجوز التفاضل بينها وبين الدراهم؟
[ ١ / ٤٦١٢ ]
الشيخ: إي نعم، يجوز، مثلًا أعطيك ورقة بخمس مئة وتعطيني أربع مئة وتسعين، ما يخالف.
الطالب: صار كلها فضة.
الشيخ: كلها فضة، لكن هذه قيمة مثلما قلت: قيمة رسمية، ما هي حقيقية؛ ولذلك الآن الريال الفضة يبيعونه الآن بتسعة ريالات من الورق هذا.
طالب: ().
الشيخ: على كل حال يمكن يزيد وينقص، آخر ما سمعت بتسعة ريالات.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، إلا إذا كان -مثلًا- وأنت عند مكان البائع ذهبت على البنك المحول عليه وقلت له -مثلًا-: أنا محال عليك من فلان بكذا وكذا، وقال: نعم، عندي له رصيد، قلت: قيده لي، قيد لي هذا المبلغ عندك برصيدي، فحينئذٍ أكون استلمت.
الطالب: يكون تسليمًا؟
الشيخ: يكون تسليمًا، نعم؛ لأنه الآن انتقل من ذاك إلى رصيدي، فأنا قبضته، والبنك يعتبر وكيلًا عني.
طالب: طيب، لو ما كان لي رصيد يكفي؟
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: ().
الشيخ: لا بأس، ما يخالف، إذا قلت: هذا أول حسابنا.
الطالب: إي.
الشيخ: إي، ما فيه مانع.
***
قال المؤلف ﵀: (والدراهم والدنانير)، (الدراهم) جمع (درهم)؛ وهي النقود من الفضة، (والدنانير) جمع (دينار)؛ وهي النقود من الذهب.
(تتعين بالتعيين بالعقد) إذا اشتريت منك شيئًا بدراهم؛ فإما أن أعينها، وإما أن أقول: اشتريت منك بعشرة، ثم أخرج البوق وأعطيك عشرة، هاتان صورتان؛ الصورة الأولى: التعيين. والصورة الثانية: عدم التعيين.
التعيين مثل أن أقول: اشتريت منك هذا الكتاب بهذه الدراهم، عينتها.
وعدم التعيين: اشتريت منك هذا الكتاب بعشرة ريالات فقط، ثم أدخل يدي في جيبي وأعطيك عشرة، العشرة هذه معينة ولَّا غير معينة؟
طلبة: غير معينة.
[ ١ / ٤٦١٣ ]
الشيخ: غير معينة، هذه العشرة غير معينة، إذا كانت الدراهم غير معينة فإنها لا تتعين بالعقد، فإذا سلمتها للشخص ووجد بها عيبًا أو تبين أنها مغصوبة أو مسروقة فالعقد بحاله، ويلزمني ببدل هذه الدراهم، لماذا؟ لأن الثمن ثبت أول ما ثبت في ذمتي، ثم نقضته مما في جيبي، تعرفون الجيب يعني؟
طلبة: المخباة.
الشيخ: المُخْبَاة أو المخَبِّئَة، هي مُخْبَاة ولَّا مُخْبَأَة ولَّا مُخَبِّئَة؟
طالب: مُخَبِّئَة.
الشيخ: الظاهر أنها مُخَبِّئَة؛ تخبئ اللي بوسطها.
طالب: المخبأة اللي من الداخل مخباة اللي من الخارج.
الشيخ: إي نعم، صح، يمكن هذا الأصل؛ أنهم كان في الأول يحطون المخبأة من الداخل.
أقول: إذا اشتريت منك هذا الكتاب بعشرة دراهم، ثم نقضتها مما في جيبي، هل الدراهم الآن معينة بالعقد ولَّا غير معينة؟
طلبة: غير معينة.
الشيخ: غير معينة، صحيح مقدرة عشرة، لكنها غير معينة.
لو أن هذه الدراهم اللي أعطيتك وجدت فيها عيبًا؛ وجدت فيها شقوقًا، تبين أنها مسروقة، تبين أنها مغصوبة فالعقد بحاله، ويطالب البائعُ المشتريَ بإبدالها، لماذا؟ لأن العقد لم يقع على عينها، وإنما وقع في الذمة، وقع على ما في الذمة ونُقِدَ منها. هذه الحال الأولى؛ أن أشتري بدراهم بدون تعيين.
الحالة الثانية أن أعينها في العقد فأقول: اشتريت منك هذا الكتاب أو اشتريت منك -مثلًا- شرح ابن عقيل أو زاد المستقنع بهذه الدراهم، عينتها، فهل تتعين بالتعيين أو لا تتعين؟
طلبة: نعم، تتعين.
الشيخ: نعم، المؤلف يرى أنها تتعين.
[ ١ / ٤٦١٤ ]
والمسألة فيها خلاف بين العلماء أو بين الفقهاء، نبدأ أولًا برأي المؤلف يقول: إنها تتعين إذا كانت تتعين، فإذا تم العقد انتقلت ملكيتها من المشتري إلى البائع، كما أن المثمن اللي هو المبيع يتعين بالتعيين ولَّا ما يتعين؟ اشتريت منك هذا الكتاب تعين، هذا ملكي، من يوم يتم العقد يدخل ملكي، هذه الدراهم لما عينتها من حين ما تم العقد دخلت في ملكك، أنت البائع، فلو قلت: اشتريت منك هذا الكتاب بهذه الدراهم العشرة، وقلت: قبلت، هو نصيبك، ثم بعدين قلت: اصبر، أبغي أبدل القروش هذه بقروش ثانيات، هذه الأمهات عشرة، بأعطيك () أملك ذلك ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما أملك؛ لأن البائع ملكها بالعقد؛ ولهذا قال: (تتعين بالتعيين بالعقد، فلا تُبَدَّل).
فإن جرى تبديل فهو عقد جديد؛ يعني: كأني اشتريتها منك مشترى جديدًا؛ لأنها تعينت بالتعيين، فيتفرع على ذلك الفروع التالية:
(لا تُبَدَّل) هذا فرع، فإن بُدِّلَت فهو عقد جديد على الدراهم الجديدة.
الثاني: (وإن وجدها مغصوبة بطل) يعني: إن تبين أن هذه الدراهم مغصوبة بطل العقد؛ ليش؟ لأن العقد وقع على ما لا يصح العقد عليه؛ إذ إن من شرط صحة العقد أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه، وهنا المشتري ليس مالكًا لهذه الدراهم؛ لأنها ظهرت مغصوبة، إذن فيبطل العقد.
كما لو اشتريت منك سيارة فتبين أنها مغصوبة، هل يصح العقد؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا، إذن ما دمنا نقول: تتعين، فإنه إذا تبين أنها مغصوبة بطل العقد.
الفرع الثالث قال: (ومعيبةً من جنسها أمْسَكَ أو رَدَّ) إن وجدها معيبة من جنسها فله الخيار بين الإمساك وبين الرد، ولا أرش له؛ لأنه لو أخذ الأرش لكان هناك زيادة، وربا الفضل ممنوع بين ما بيع بجنسه.
هذا ما ذكر المؤلف مما يتفرع على هذه المسألة، وابن رجب ﵀ في القواعد ذكر أكثر من هذا.
[ ١ / ٤٦١٥ ]
القول الثاني: أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالعقد، قالوا: لأنه لا فرق بين هذا الدينار والدينار الآخر، ولا سيما في الوقت الأول؛ في الوقت الأول الدراهم واحدة، لا فرق بينها إطلاقًا، الآن يمكن يوجد فرق، مثلًا بين فئة مئة، وفئة خمسين، وفئة عشرة، وفئة خمسة، وفئة واحد، وفئة خمس مئة، يمكن يوجد فرق.
لكن فيما سبق لا فرق، فيقول مثلًا: إذا اشتريت منه هذا الكتاب بهذه الدراهم العشرة فإنها لا تتعين، ولا كان تبدلها بعشرة أخرى؛ رضي البائع أم لم يرضَ، لماذا؟ يقول: لأن الدراهم لا تختلف، فهذا التعيين غير مراد؛ إذ لا فرق بين العشرة التي عينت الآن والعشرة اللي في جيبك، كلاهما سواء، فهي لا تتعين بالتعيين، وبناء على ذلك فتُبَدَّل ولَّا لا؟
طلبة: تبدل.
الشيخ: تبدل، وإذا وجدها مغصوبة لم يبطل العقد، لكن يُلْزَم المشتري بدفع دراهم أخرى، وإذا وجدها معيبة من جنسها أيضًا فإنه يردها ويأخذ عوضًا عنها، هذا القول الثاني في هذه المسألة.
أيهما أقرب إلى الصواب في غير نقدنا الحاضر؟ أما نقدنا الحاضر لا شك أن بينها فرق؛ فئة المئة وفئة عشرة ما هي مثل واحد، لكن فيما سبق لما كان الدرهم هو الدرهم لا يختلف.
طلبة: الأخير أقرب.
الشيخ: الأخير أقرب؛ لأن تعيين المشتري لها غير مقصود بلا شك، أما إذا اختلف الغرض بين هذه الفئات -كما هو الشأن في حاضرنا اليوم -فإنها تتعين بالعقد.
طالب: الدراهم ()؟
الشيخ: الدراهم؟
الطالب: إي نعم، فإن قيل: زياد يبيع، ومحمد يبيع.
الشيخ: لا، هو مرادهم بالدراهم المتفقة، أما إذا صارت من جنسين فهي لا شك أنها تختلف، مرادهم -مثلًا- ريال عربي ريال فرنسي وما أشبه ذلك.
طالب: لكن يا شيخ الآن مثل بعض العشرة مثل العشرة.
الشيخ: العشرة مثل العشرة صحيح.
الطالب: والمئة مثل المئة.
الشيخ: لكن العشرة ما هي مثل () الواحد.
الطالب: طيب لو عين ..
الشيخ: المئة أيضًا ما هي مثل المئة الآن، أو لا؟
طالب: ().
[ ١ / ٤٦١٦ ]
الشيخ: المئة الأخيرة أرغب للناس؛ لأن المئة الأولى كبيرة شوي، ولو حطيتها في البوق اتخرب، وهذه صغيرة وخفيفة.
الطالب: إذا بدلها من جنسها يا شيخ؟
الشيخ: لا بأس، أنا قصدي لما قلَّت الدراهم الآن إذا عينت مئة ريال على ريال واحد وبغيت أعطيك مئة ريال ورقة واحدة، إي نعم.
طالب: () معيبة من جنسها.
الشيخ: إي نعم، معيبة من جنسها؛ يعني: فضة فيها فضة رديئة، أما لو كان فضة فيها نحاس فإن العقد يبطل؛ لأن الفضة إذا صار فيها نحاس صارت من باب (مُدُّ عجوةٍ ودرهمٍ).
يقول المؤلف: (ويحرم الرِّبا بين المسلم والحربي) ذكرنا أن أصناف غير المسلمين أربعة أصناف: ذمي، ومعاهد، ومستأمن، وحربي ولَّا لا؟ لكن الحربي غير معصوم، والثلاثة الأولون ..
وبينَ المسلِمَيْنِ مُطْلَقًا بدَارِ إسلامٍ وحَرْبٍ.