يَصِحُّ في كلِّ عينٍ يَجوزُ بَيْعُها، حتى الْمُكَاتَبِ، مع الْحَقِّ وبَعْدَه بدَيْنٍ ثابتٍ، ويَلْزَمُ في حقِّ الراهنِ فقط،
استثنى المؤلف قال: (إلا بني آدم) فإنه يصح بيعه، والمراد الأرقة منهم.
(ولا يصح قرضه) يعني: ما يصح أن آتي إليك وأقول: أقرضني عبدك، لكن يصح أن آتي إليك وأقول: أقرضني شاتك، ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، لماذا؟ لأنه يصح بيعه.
يصح أن آتي إليك وأقول: أقرضني قلمك؟ يصح؛ لأنه يصح بيعه، كل شيء يصح بيعه فإنه يصح قرضه إلا بني آدم.
طالب: الحر أم العبد؟
الشيخ: لا، الحر يُبَاع!
طالب: العبد؟
الشيخ: ما فيه شك أنه العبد، أما الحر ما هو بيباع، (إلا بني آدم) يعني: إلا الأرقة من بني آدم فإنه يصح بيعهم ولا يصح قرضهم.
ما هو التعليل على عدم صحة قرض العبيد؟
يقولون: لئلا يؤدي إلى أن يستقرض أَمَة فيجامعها ويتمتع بها، ثم يردها.
وهل جائز أن يرد الإنسان ما استقرضه؟
[ ١ / ٤٧٠٤ ]
إي نعم، جائز، لو استقرضتُ منك شيئًا، ثم بعد يوم أو يومين استغنيت عنه ورددته عليك بعينه إذا لم يحصل فيه التغير يجب عليك قبوله، قالوا: فلو أجزنا إقراض بني آدم لكان يؤدي إلى أن يستقرض الإنسان أمة، فيستمتع بها ما شاء الله ثم يردها.
وبناء على هذا التعليل، إذا أقرضت أمة لامرأة ينتفي التعليل ولَّا لا؟
الطلبة: ينتفي.
الشيخ: ينتفي التعليل؛ ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انتفت هذه العلة جاز القرض، فلو أقرضت رجلًا لرجل فلا بأس، ولو أقرضت أنثى لأنثى فلا بأس، ولو أقرضت امرأة لرجل؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يجوز، ولو أقرضت رجلًا لامرأة؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: لا، ما يجوز أيضًا، يمكن تستقرض هذا العبد؟ نعم؛ لأنه جائز لها، وتفعل الفاحشة معه، ثم ترده، وإن كان العبد ما يجوز أن يطأ سيدته، ولكن هي ما هي مبالية.
وظاهر كلام المؤلف في قوله: (ما يصح بيعه) أنه يصح قرض المنافع؛ لأن المنافع يجوز بيعها، أو ما يجوز بيعها؟
طالب: ويش المنافع؟
الشيخ: المنافع يعني: دون الأعيان، منفعة الشيء هل يجوز بيعها؟
طالب: لا.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: يجوز، مثل أيش؟
الطالب: مثل الإجارة.
الشيخ: لا، الإجارة ما هي بيع. الممر في دار -مر علينا في نفس الكتاب هذا- كالممر في الدار يجوز بيعه، أملك المنفعة في هذا الممر، لكن ما أملك الممر، فبيع المنافع جائز.
فهل يجوز إقراض المنافع؟
المذهب: لايجوز إقراض المنافع، واختار شيخ الإسلام جواز ذلك؛ بأن أقول: أقرضني نفسك اليوم لتساعدني على الحصاد، إذا صار اليوم الثاني أوفيك، ويش لون أوفيك؟ أحصد معك، ويجب في هذا الحال إذا أوفيته، ألَّا أقصر () أضجع، وكلما حصد () اضجعت، هذا ما يصح لازم أن أوفي الحق كاملًا.
[ ١ / ٤٧٠٥ ]
والصحيح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ أنه يجوز إقراض المنافع؛ لأنه لا دليل على المنع، والناس فيما بينهم كانوا يتعارفون بذلك، كان الناس فيما سبق يجتمع الفلاحون عند واحد منهم وينهون زرعه، ثم في اليوم الثاني يذهبون إلى الآخر، وينهون زرعه، وهكذا ..
صار الضابط الآن: أن كل ما يصح بيعه صح قرضه إلا بني آدم، ونستثني أيضًا وإلا المنافع. ولكن قد يقول قائل: إنها غير داخلة في قوله: (ما صح بيعه)؛ لأن المراد بما صح بيعه من الأعيان، وحينئذٍ فلا تدخل المنافع أصلًا حتى نحتاج إلى استثنائها.
قال: (ويُمْلَك بقبضه) (يُمْلَك) الضمير يعود على المُقرَض؛ يعني: على المال المُقرَض، يُمْلَك بمجرد القبض، ومن الذي يَملكه؟ الذي يَملكه المُقترِض، بمجرد ما يقبضه مَلَكَه.
فلو أنه استقرض مني مالًا، قال: اتفضل هذه عشرة ريالات قرضًا، ثم في نفس المكان قلت: هات، أعطني إياها، يلزم رد عينه ولَّا لا؟ قال المؤلف: (فلا يلزم رد عينه) لو قال: أعطني مالي، أقول: لا، أنت أقرضتني إياه، فأنا أملكه؛ لأنه انتقل منك على سبيل التمليك، فأملكه بالقرض.
قال: (فلا يلزم رد عينه، بل يثبت بدله في ذمته حالًّا، ولو أجله) في ذمة مَن؟ المقترِض، (حالًّا) يعني: بدون تأجيل، (ولو أجله) فإنه لا يتأجل؛ لأنه ليس عقد معاوضة حتى يُؤجَّل، فهو موضوعه الحلول، فإذا أجَّله خرج به عن موضوعه.
فلو قال قائل: أقرضني -يا فلان- عشرة آلاف ريال إلى سنة؛ لأني محتاجهن ولا عندي دراهم، لكن بعد سنة سيأتيني مال، فقال: أهلًا وسهلًا، هذه عشرة آلاف ريال إلى سنة رُحْ الله يبيحك.
[ ١ / ٤٧٠٦ ]
يقول المؤلف: إن القرض يثبت حالًّا، فأنا أعطيتك إياها أمس، لي أن أطالبك بها اليوم، طيب ألست قد أجلته؟ قال: نعم، لكنه لا يتأجل؛ لأن القرض موضوعه أيش؟ الحلول، فإذا أجَّلناه خرجنا به عن موضوعه، فخالفنا مقتضى العقد، وكل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه باطل؛ لأنه يخرج بالعقد عن موضوعه الشرعي فيكون مخالفًا لكتاب الله ﷿، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. هذا هو تقرير هذه المسألة على المذهب.
وقول المؤلف: (يثبت بدله) كلمة (بدل) تشمل المِثْل إن كان مثليًّا، والقيمة إن كان متقومًا؛ لأن القرض قد يكون مثليًّا، وقد يكون متقومًا، فالحيوان على المذهب مثلي ولَّا متقوم؟
طالب: متقوم.
الشيخ: متقوَّم؛ لأنه ما هو مكيل ولا موزون. فإذا أقرضتك شاة، يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأنها يصح بيعها، يجوز، لكن ما يثبت في ذمتك شاة، وإنما يثبت في ذمتك قيمة الشاة وقت القرض، سلَّفتك الشاة هذه تسوى مئتين، فلما أردت أن أوفيك شاة مثلها أو أقيم منها، وإذا الغنم قد نزلت فصارت الشاة ما تسوى إلا مئة، ما الذي يلزمك على المذهب؟ يلزمك مئتان؛ وذلك لأن الحيوان ليس مثليًّا فالواجب أيش؟ الواجب قيمته، متى؟ وقت القرض، فنقول: الشاة لما أعطيتك إياها ذاك اليوم تساوي مئتين، واليوم نظيرها ما يساوي إلا مئة، أنا أريد منك مئتين، ولكن الصحيح -كما سبق لنا- أن الشاة وشبهها من الأمور المثلية.
وقول المؤلف -نرجع إلى قوله-: (ولو أجَّله) كلمة (ولو أجَّله) إشارة خلاف، الخلاف أن بعض أهل العلم -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- يرى أنه إذا أجَّله يكون مؤجَّلًا ولا يملك المطالبة به، انتبه، مثال ذلك ..، المثال الأول قلنا: أقرضتك عشرة آلاف ريال؟
الطالب: ().
الشيخ: مؤجَّلًا إلى سنة، طيب، هل لي أن أطالبك في اليوم الثاني أو الثالث؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ٤٧٠٧ ]
الشيخ: على المذهب لك أن تطالبني، للمُقرِض أن يُطالب المقترِض في ثاني يوم، أما على رأي شيخ الإسلام فيرى أنه يتأجَّل إذا أُجِّل، قال: وهذا الأجل لا ينافي مقتضى العقد، بل هو من تمام مقتضى العقد؛ لأن المقصود بالقرض ما هو؟ الإرفاق والإحسان، وإذا أجَّلته صار ذلك من تمام الإنفاق والإحسان.
أيما أحسن للمقترِض أن يُطالَب فور الإقراض أو أن يتأجل إلى سنة أو سنتين، حسب ما يتفقان عليه؟
الثاني أرفق به، فيقول شيخ الإسلام: إن هذا من تمام الإرفاق والإحسان، فليس خارجًا عن مقتضى العقد، بل هو موافق له غاية الموافقة، هذا من وجه، من وجه آخر أن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١)، وهذا شرط لا يخالف الشرع، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذا عقد على صيغة معينة، فيجب الوفاء به، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، والمقرِض الذي أجَّله قد تعهد لك بألَّا يطالبك إلا بعد انتهاء الأجل، فيكون هذا العهد مسؤولًا عنه عند الله، وقال النبي ﵊: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» منها: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (٢)، وأنت قد وعدتني ألَّا تطالبني إلا بعد سنة، فإذا طالبتني قبل ذلك فقد أخلفتني.
فإذن دلالة الكتاب والسنَّة والمعنى كلها متفقة على أن التأجيل في القرض جائز، وأنه مُلزِم ولا بد منه.
[ ١ / ٤٧٠٨ ]
ثم إن القول بجواز المطالبة بالمؤجَّل قد يترتَّب عليه ضرر، كيف الضرر؟ أنا عندما أقترض هذه العشرة آلاف ريال إلى سنة، كنت قد أعددت نفسي ألَّا أُطَالب بها إلا بعد السنة، مثلًا افرض أني اشتريت سيارة بعشرة آلاف ريال، واستقرضت من هذا الرجل إلى مدة سنة، فإذا جاء يطالبني بعد يوم أو يومين معناه أنه غرني، لو علمت أنه سيطالبني بعد يوم أو يومين هل أشتري السيارة؟ ما أشتريها فأتعب مع مطالبة هذا الرجل، فأحيانًا يكون في هذا تغرير للمقترِض إذا أُجل، ثم طُولِب به، وقيل: إن الأجل هذا لاغٍ. فالصواب أنه إذا أُجِّل القرض فإنه يتأجَّل ويلزم التأجيل، ولا يجوز للمقرِض أن يُطالب به قبل ذلك.
طالب: ()؟
الشيخ: يقول: لأنه ليس معاوضة، كيف نلزم هذا الرجل المحسن ألَّا يطالب إلا بعد الأجل؟ فيقال: ما ألزمناه، هو الذي ألزم نفسه، وهو الذي رضي بهذا الشيء.
قال: (فإن رده المقترض لزم قبوله) (إن رده) الضمير في (رده) يعود على أيش؟
الطلبة: المقرَض.
الشيخ: العين المقرضة؛ يعني: إن ردَّ المقترض ما أقرضه المقرِض، إن رده بعينه لزم قبوله، لكن بشرط ألَّا يتغيَّر، فإن تغيَّر لم يلزمه قبوله.
لو أنه استقرض مني شيئًا مثليًّا، ولو () على المذهب تجب القيمة، لكن استقرض مني شيئًا مثليًّا؛ استقرض مني بُرًّا، أخذه مني؛ لأنه سيأتيه ضيوف، وسوف يطبخه له، لكن الضيوف تأخَّروا، فابتلَّ هذا البُر، فرده إليَّ بعينه، هل يلزمني قبوله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه تغير.
الشيخ: ويش اللي تغير؟
الطلبة: البر.
الشيخ: بالبلل؟
طالب: صفته.
الشيخ: طيب، ما دام أنه البلل هذا، ما () عجنه، نحن الآن () عشان يثبت عجنه، ولَّا لا؟
طالب: لا؛ لأنه قد يكون كثيرًا، وأثناء عجنه يدوب في عجنه.
الشيخ: ما يخالف، لنفرض أنه مُد، وأن المد يكفيني أنا وعيالي.
طالب: لكن قد تكون ما تريد أن تعجنه تريد أن تأكله.
طالب آخر: لو كان يريد عجنه، ما أبقاه.
[ ١ / ٤٧٠٩ ]
الشيخ: ما أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، الجواب السليم أن نقول: إن البلل عيب؛ ولهذا لو اشتريت حبًّا -يعني: برًّا أو رزًّا- ووجدته مبلولًا فلك أن ترده؛ لأن هذا عيب، وكذلك لو استقرض مني شاة، وقلنا بالقول الصحيح: إنها مثلية، ثم ردها عليَّ بعد يوم أو يومين، ولكنها فيها عرج حدث عنده، يلزمني قبوله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: إذن فقول المؤلف: (فإن رده المقترض لزم قبوله) هو ما لم يتغير، هذا واحد، وما لم يكن متقوَّمًا، فيُسْتَثْنى إذن شيئان: إذا يتغير ولو كان مثليًّا، والثاني: إذا كان متقوَّمًا، لماذا لا يلزم قبول عينه إذا كان متقوَّمًا؟ يقول: لأنه لمَّا أقرضه ثبتت القيمة في ذمته، فيقول: أصلًا أنا ما وجب ليَّ المثل، وإنما وجبت ليَّ القيمة، فأعطني القيمة.
طالب: لو رده معيبًا مع الأرش؟
الشيخ: ما يلزمه القبول؛ لأنه ما هو معاوضة.
طالب: شيخ، لأنه معيب ولَّا لأنه ليس مقتضى الشرط؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أخذ القرض، ثم رجعه فيه عيب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أنت قلت: على أنه فيه عيب لا يلزمني قبوله.
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: طيب، ما نقول: لأنه أيضًا يخالف مقتضى الشرط، على أنه ما سلمه مثلما أخذ؟
الشيخ: لا، لو كان أطيب مما أخذه لزمه القبول، والسبب لأنه عيب.
قال: (وإن كانت مكسَّرة أو فلوسًا، فمنع السلطان المعاملة بها فله القيمة وقت القرض) (إن كانت مكسَّرة) المكسَّرة هي: الأجزاء من الدراهم أو من الدنانير؛ يعني مثل: ربع، نصف، ثمن، وما أشبه ذلك، فالمكسَّرة معناه: أجزاء الدراهم أو الدنانير، عندنا المكسَّرة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما عندنا مكسَّرة، كان بالأول عندنا مكسَّرة، أما الآن ما عندنا، كان فيه في الأول ريال عربي له نصف وله ربع، من الفضة نفسها، هذه المكسرة.
وأما الآن اللي عندنا فلوس القرش هذا اللي عن قرشين أظن، وقرش عن خمسة قروش، وقرش عن عشرة قروش، هذا ما يُسَمَّى المكسرة، هذا يُسمى فلوسًا.
[ ١ / ٤٧١٠ ]
(إن كان مكسرة أو فلوسًا، فمنع السلطان المعاملة بها) يعني: ألغاها، ولم يقل المؤلف: إن كانت نقودًا، فمنع السلطان المعاملة بها؛ لأن النقود ما كان من عادة السلاطين أن يغيروها، إنما يغيرون المكسرات أو الفلوس، فإذا كانت مكسَّرة؛ يعني مثل أنا أقرضتك أربعة أرباع ريال، ثم إن السلطان منع المعاملة بهذه الكسور؛ ألغاها نهائيًّا، أو أبدلها بكسور أخرى، كما لو جعل الكسر جزءًا من خمسة أجزاء، وجعل للدرهم أخماسًا لا أرباعًا، الفلوس هي اللي نسميه عندنا القروش، منع السلطان المعاملة بها، ومثل ذلك الأوراق النقدية؛ الأوراق النقدية أحيانًا يمنعون المعاملة بها، ولَّا لا؟ ما هم قد منعوا المعاملة عندنا بها؟
طالب: أيوه.
الشيخ: فيه فلوس تتغير، إذا منع السلطان المعاملة بها أصبحت ما لها قيمة، فماذا يصنع؟ يقول المؤلف: (فله القيمة وقت القرض) فالبحث الآن: هل الفلوس أو المكسرات مِثْلية ولَّا متقوَّمَة؟ هي مِثْلية؛ ولهذا لو بقيت () ممنوعة يرد مثلها أو يردها بعينها إن بقيت، لكن إذا منع السلطان المعاملة بها فإنَّ رَدَّ عينِها ممتنع؛ لأني لو رددتها على المقرِض فقد فسدت ما ينتفع بها.
فماذا نصنع؟
يقول المؤلف: (له القيمة وقت القرض) يشاوش قيمة هذه المكسرة في وقت القرض يسددها عند الوفاء، مثلًا إذا قدَّرنا أن الفلوس عشرة ريالات ومُنِعت، كم يرد عليه؟
طالب: عشرة.
الشيخ: ما عنده عشرة، ممنوعة.
طالب: ريال.
الشيخ: يرد عليه ريالًا، ولو كانت الفلوس الآن ما تساوي -يعني: العشرة- نصف ريال مثلًا، يرد عليه ريالًا كاملًا، حتى لو فُرِضَ أن الفلوس غلت فإنه يرد ريالًا، لو فُرِض أنها لما مُنِعَت صارت غالية؛ لأنها تُشْتَرى على أنها متاحف، فإنه لا يلزمه القبول، لكن له القيمة متى؟ وقت القرض، وهذا هو المذهب؛ أن المعتبر قيمتها وقت القرض.
[ ١ / ٤٧١١ ]
القول الثاني أن المعتبر قيمتها وقت المنع. ووجه هذا القول يقولون: لأن الواجب للمقرِض نفس هذه الفلوس إلى أن مُنِعَت، فيكون المعتبر قمتها وقت المنع.
والقول الثالث أن له قيمتها وقت الوفاء؛ لأنها واجبة في ذمة المقترضِ بأعيانها إلى أن يُوفِي، فيكون عليه القيمة وقت الوفاء.
فالأقوال في هذه المسألة ثلاثة، ما أدري أنتم فاهمين ولَّا لا؟ يبدو أكثركم يرى أنها ().
طالب: () أوجه يا شيخ؟
الشيخ: ما بعد وصلنا للتصحيح، خلينا نشوف التصور الآن، بعد التصور نحكم، فاهم أنت؟ خليك أنت المقياس، الآن فاهم هذه القضية، كيف هي؟
طالب: () ثلاثة أقوال.
الشيخ: لا، دعنا ويش هي أصل المسألة، أصل المسألة: أقرضتك فلوسًا.
الطالب: إي نعم، مكسرة.
الشيخ: فلوس ما ()، المكسرة أجزاء الدراهم من الفضة، ولكن () هذه المكسرة، الفلوس مستقلة؛ يعني مثل القروش الآن هذه فلوس.
الطالب: إي نعم، إحنا نتكلم عن المسائل الأخيرة تصح ولَّا ..
الشيخ: إلا، أعطني -بارك الله فيك- الفلوس، أقرضتك -مثلًا- عشرة قروش.
الطالب: مُنِعَت.
الشيخ: مُنِعَت.
الطالب: منعها السلطان.
الشيخ: نعم.
الطالب: هي على ثلاثة أقوال.
الشيخ: إذا مُنِعَت الآن هل أطالبك بها ولَّا لي القيمة؟
الطالب: لك القيمة.
الشيخ: لي القيمة، أحسنت. متى تعتبر قيمتها؟
الطالب: على ثلاثة أقوال.
الشيخ: نعم.
الطالب: القول الأول، أنها وقت القرض، القيمة وقت القرض.
الشيخ: صح، أحسنت.
الطالب: كم كانت قيمتها وقت القرض؟
الشيخ: تمام.
الطالب: القول الثاني أن القيمة وقت المنع.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: والثالث أن القيمة وقت القضاء.
الشيخ: أحسنت، تمام، واضح، طيب الآن نشوف الأمثلة عشان تتضح، لما أقرضتك عشرة فلوس كانت قيمتها وقت القرض درهمًا واحدًا، كذا؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ٤٧١٢ ]
الشيخ: وقت المنع كانت العشرة تساوي نصف درهم، وقت القضاء كانت العشرة تساوي درهمين، طيب عندنا الآن درهم، ونصف درهم، ودرهمان، أو لا؟ طيب، عند الإقراض تساوي العشرة درهمًا؛ لأن هذه قيمتها المعتبرة، عند المنع رخصت الفلوس؛ صارت العشرة ما تساوي إلا نصف درهم؛ يعني: الدرهم فيه عشرون، عند الوفاء لما فُقِدَت الفلوس بين الناس صارت آثارًا، وصار الناس يشترونها بغالي الثمن يجعلونها متاحف، صارت العشرة هذه تساوي درهمين، فعلى المذهب تعطيني كم؟
طالب: المذهب مثلها.
الشيخ: لا، تمامًا.
الطالب: نفسها تمامًا.
الشيخ: طيب، المذهب يقول: له القيمة وقت القرض، كم تعطيني؟
الطالب: يعني درهمًا.
الشيخ: درهمًا واحدًا، صح.
القول الثاني: القيمة وقت المنع، كم تعطيني؟
الطالب: نصف درهم.
الشيخ: نصف درهم، صح.
القول الثالث: القيمة وقت الوفاء، تعطيني درهمين، أيهم أحب إليك أنت؟
طالب: الدرهمين.
الشيخ: لا، أنت بتعطيني أنا.
الطالب: آه، لا، أعطيك درهمًا واحدًا .. لا، أعطيك ().
الشيخ: جزاك خيرًا، هذا ورع. لكن لو كنت طماعًا تقول: بعطيك القيمة وقت المنع، أعطيك نصف درهم.
طالب: أي الأقوال أقرب؟
الشيخ: أقرب شيء أن القيمة وقت المنع؛ وذلك لأنه ثابت في ذمتك لي عشرة فلوس إلى أن مُنِعَت؛ يعني: قبل المنع بدقيقة واحدة لو طلبتك تعطيني كم؟ عشرة فلوس تقول: ما عندي غيرها، وهي ما تساوي غير نصف درهم.
طالب: لو أن مثلًا () ..
الشيخ: () منع السلطان بلحظات، لكان الواجب قبوله على المقرِض، فإذا كان كذلك فإننا نقدرها وقت المنع؛ لأنها ما زالت باقية في ذمة المقترِض إلى أن منعها السلطان.
وأما الذين قالوا: إن هذا وقت التسليم، فإننا نقول لهم: نعم، هذا وقت التسليم، لكن لما منع السلطان المعاملة بها كنقد ثبتت القيمة من حين المنع.
[ ١ / ٤٧١٣ ]
(يَردُّ المثل في المثليات) يرد مَن؟ المقترِضُ المِثْلَ في المثليات، والقيمة في غيرها، ذكرنا فيما سبق أن المثليات على المذهب كل مكيل أو موزون، لا صناعة فيه مباحة، بل يصح السلم فيه، فخرج بذلك كل ما ليس بمكيل ولا موزون، فليس بمثلي وإن تماثلا، فالأقلام من صنعة واحدة يقولون: ليست مثلية، والسيارات من صنعة واحدة، ما هي مثلية، والفناجيل من صنعة واحدة، ما هي مثلية، وهكذا ..، ولكنه سبق لنا أن القول الراجح في المثليات أن كل ما له مثيل أو نظير حتى ولو كان حيوانًا فإنه مثلي.
قال: (والقيمة في غيرها) يرد القيمة في غيرها؛ أي: في غير المثليات، مثل -على المذهب- الحيوان؛ استقرضت منك شاة، على القول الراجح أرد عليك شاة مثلها؛ ولهذا الرسول ﷺ استقرض بَكْرًا، فرد عليها رباعيًّا (٣)، من جنسها، ولكنه خير منها.
هم يقولون: إذا استقرضت شاة من شخص، فالواجب عليَّ قيمتها، قيمتها متى؟ وقت القرض، من يوم استقرضتها منه أذهب إلى أهل الخبرة في السوق وأقول: كم تساوي هذه الشاة؟ فإذا قالوا: تساوي -مثلًَا- مئتين، صار الواجب عليه الآن مئتا ريال، ما يجب عليه شاة، يجب عليه مئتا ريال؛ لأنها القيمة؛ ولهذا قال: (يرد القيمة في غيرها).
متى تعتبر القيمة؟ هذا ما ذكره المؤلف، متى تعتبر؟ تعتبر وقت القرض، انتبه، تعتبر وقت القرض، وقيل: إنها تعتبر وقت القرض، إلا في الجواهر ونحوها مما يتغير بسرعة فإن المعتبر قيمته وقت القبض، ولكن الصحيح أن المعتبر القيمة وقت القرض؛ لأنه هو الوقت الذي ملكت فيه ما أقرضني.
فإذا قال: أقرضتك هذه الجوهرة، والجواهر ما هي من المثليات؛ لأجل تعذر المماثلة فيها، ولكنها بقيت بيده ولم أستلمها إلا بعد العصر مثلًا، فالمعتبر قيمتها وقت القرض الذي هو الضحى. أما القول الثاني فيفرقون بين الجواهر ونحوها.
[ ١ / ٤٧١٤ ]
فإن أعوز المثل؛ يعني: استقرضت مثليًّا ولكن أعوز المثل، ومعنى (أعوز) أي: تعذر أو تعسر، تعذر المثل أو تعسر، أما تعذره فأن يُفْقَد، ما يوجد، هذا يُسَمَّى تعذرًا، وأما التعسر فأن يكون بعيد المنال أو بعيد المكان؛ يعني -مثلًا- يوجد، لكن أين يوجد؟ قالوا: يوجد في الصين الشيوعية، ويش هذا؟
طالب: بعيد المنال.
الشيخ: بعيد المنال؟ لا، بعيد المكان الظاهر أو لا؟ هو رخيص هناك، لكنه بعيد المكان.
بعيد المنال؛ موجود لكن بدل ما كانت قيمته مئة صار الآن قيمته ألفًا؛ يعني غلا غلاءً عظيمًا، هذا بعيد بعيد المنال.
وقد يكون بعيد المنال والمكان؛ مثل لو كان في مكان بعيد وغالٍ جدًّا، وما هو متعذر، موجود، لكن في ()؛ ولهذا المؤلف قال: (إن أعوز المثل) ليشمل التعذُّر والتعسُّر.
(فإذا أعوز المثل فالقيمة إذن) ويش معنى (إذن)؟ أي: وقت الإعواز.
فإذا قال: واللهِ الآن فُقِدَ من الأسواق، سُحِب ما هو موجود؟
نقول: العبرة بقيمته وقت إعوازه؛ يعني: قبل أن يُعْدَم؛ لأنه إذا تعذر الأصل رجعنا إلى البدل، فلما تعذر المِثْل رجعنا إلى القيمة.
***
ثم قال المؤلف: (ويحرم كل شرط جرَّ نفعًا) (يحرم كل شرط) يحرم؛ يعني: على المقرِض، (كل شرط جر نفعًا) نفعًا لمن؟ نفعًا للمقرِض حرام، وإذا كان حرامًا على المقرِض فهو حرام على المقترِض؛ لأنه من باب الإعانة على الإثم، فكل شرط يجر نفعًا للمقرِض فهو حرام؛ لأنه إذا دخله الشرط الذي يجر النفع صار من باب المعاوضة، فصار ربًا؛ ولهذا عبَّر بعضهم بقوله: كل شرط جر نفعًا فهو ربًا.
مثال ذلك: أقرضتك عشرة آلاف ريال على أن تعطيني معها ساعة إلكترونية عند الوفاء، صار المقصود بالقرض فاسد؛ المنفعة الدنيوية، فيكون ربًا؛ لأنك أعطيتني ما أعطيتك وزيادة، فيكون ربًا، أقرضتك عشرة آلاف ريال على أن تعطيني السيارة أَصِل بها إلى بُريدة وأرجع بعد ساعتين، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
[ ١ / ٤٧١٥ ]
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه جرَّ منفعة للمقرِض، كل شرط جر منفعة للمقرض فإنه حرام؛ لأنه يُخْرِج القرض عن موضوعه الأصلي؛ وهو الإرفاق والإحسان، وقد ورد لكنه حديث ضعيف: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا» (٤)، لكنه ضعيف، أما معناه فصحيح.
يقول المؤلف: (وإن بدأ به بلا شرط) من اللي بدأ به؟ المقترِض، (بدأ به) أي: بما فيه المنفعة، (بلا شرط) فإنه يجوز، لكن بشرط أن يكون بعد الوفاء.
مثاله: لما أقرضت هذا الرجل مئة ألف ريال وأوفاني إياها، بعد ذلك أرسل بهدية، فهل هذا جائز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه بعد الوفاء، هذا معنى قولهم: بدأ بلا شرط.
(أو أعطاه أجود) يعني: أجود مما استقرض، استقرض منه بُرًّا وسطًا، فأوفاه بُرًّا جيدًا، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، ودل على ذلك حديث أن النبي ﷺ استسلف بَكْرًا فرد خيارًا رباعيًّا (٣). هذا جائز.
فإن أعطاه أكثر، ما هو أجود؛ يعني: أفضل بالكمية لا بالكيفية، يجوز ولَّا لا؟ المذهب لا يجوز؛ يعني: أقرضه ألفًا فأوفاه ألفًا ومئة بدون شرط فإنه لا يجوز على المذهب، والصحيح أن ذلك جائز، ما دام هذا بلا شرط فإنه يجوز.
لكن قد تقول لي: إذا جوَّزت هذا لزم أن تجوِّز الفوائد البنكية؛ لأنك تعطي البنك -مثلًا- مئة ألف، ويعطيك بعد سنة مئة وعشرة، فهذا أكثر عددًا؟
[ ١ / ٤٧١٦ ]
فالجواب على هذا: أن البنك تعتبر زيادته هذه مشروطة شرطًا عرفيًّا ولَّا لفظيًّا؟ شرطًا عرفيًّا، والشرط العرفي كالشرط اللفظي؛ يعني: هذا معلوم من تعامله، لكن من أخذ في حروف أقوال أهل العلم قال: إنه يجوز أخذ الفوائد البنكية؛ لأن الإنسان حينما أعطاهم الدراهم ما اشترط عليهم أن يوفوه أكثر، مع أن المذهب -كما تعلمون المذهب الحنبلي- يرون أنه لا يجوز قبول الأكثر، يجوز قبول الأجود دون الأكثر، فيكون الفضل في الكيفية جائز، والفضل في الكمية غير جائز، لكن على القول بالجواز لا ترد علينا مسألة البنوك؛ لأنها مشروطة شرطًا عرفيًّا، فهو إذا قال لك: تريد أن يكون حسابًا جاريًا أو حسابًا بنكيًّا؟ تقول: أبغي حسابًا بنكيًّا، أيش معنى ذلك؟
طالب: يريد الفوائد.
الشيخ: أنك تريد الفوائد، فهذا شرط عرفي، ما مشروط بلفظ.
(أو أعطاه هدية بعد الوفاء) أعطاه مَن؟ المقترِض، (هدية بعد الوفاء) لكن بلا شرط، فإن ذلك جائز.
لو قال: أنا أعطيك قرضًا مئة ألف على أن تزوجني ابنتك، شو؟ يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: قال: أنا ما شرطت مالًا، شرطت أتزوج البنت وبعطيها مهرًا، ما تقول؟ هذا ما يجوز؛ لأن فيه منفعة، وصار معاوضة، صار ما أراد به وجه الله، أراد به امرأة يتزوجها.
قال: أنا بقرضك مئة ألف على أن تأجرني بيتك لمدة سنة، لكن لاحظ إذا قال: على أن تؤجرني بيتك لمدة سنة وأنا بعطيك إيجارًا كاملًا، البيت بمئة ألف، أعطيك مئة ألف؛ يعني: بعشرة آلاف أعطيك عشرة آلاف كاملة، ما أنقصك ولا قرشًا، وبيتك الآن متعطل وأنا محتاج إليه؟
طالب: قرض جر نفعًا.
الشيخ: ويش المنفعة؟
الطالب: لأنه قد يكون ما يريد يأجرها عليه، يصبر يضطر يتسلم من واحد ما يرضاه.
طالب آخر: قد تكون قيمة البيت أربعين؛ قيمته الحقيقية.
الشيخ: لا، هو البيت الآن يساوي عشرة آلاف، أنا بعطيك أحد عشر ألفًا؛ لأني في حاجة.
طالب: ().
[ ١ / ٤٧١٧ ]
الشيخ: هي على المذهب ما تجوز، ما فيها شيء؛ لأنها إن لم تكن منفعة فهي شرط عقد في آخر.
طالب: لماذا لا يصح هذا العقد؟
الشيخ: هو ذات نفسه ما فيه إشكال، لكن الكلام إذا قاله بشرط، نقول كما قال الأخ: لأنه لولا أنه لا يريد أن يؤجره ما جعل التأجير شرطًا في القرض، ولَّا لا؟ هو سوف يضغط على نفسه بتأجير هذا الرجل وإن كان يكره أن يؤجره؛ من أجل القرض.
يقول المؤلف ﵀: (وإن تبرَّع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز) تبرَّع مَن؟ المقترِض تبرَّع لمقرضه بشيء لم تجر عادته به قبل الوفاء فهو ما يجوز، وبعد الوفاء جائز، كما سبق في الهدية، أما قبل الوفاء فلا يجوز.
هذا رجل استقرض مني عشرة آلاف ريال، وكان يسافر يمينًا وشمالًا ويقدم من السفر، ولا أعرفه ولا يعرفني إذا قدم من السفر، أقرضته عشرة آلاف ريال، وسافر بعد ذلك، ولما رجع قدَّم إليَّ هدية للأولاد؛ كيس حلوى وسيارة صغيرة () ومجرار، وما أشبه ذلك، قال: هذه هدية للأولاد يفرحون بها، أيش تقولون في هذا؟
طالب: الله أعلم.
الشيخ: تبرع، ما أوفى إلى الآن؟
طالب: لا يجوز.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه ما هي بعادة، كل النهار يجي ويروح ويسافر ما عمره أعطانا شيئًا للأولاد، أعطاني الهدية للأولاد بعد القرض، نقول: هذا لا يجوز.
(إلا أن ينوي مكافأته) أن ينوي المقرض مكافأته على ذلك، (أو احتسابه من دين) يعني: قبله، لكن نيته أنه يكافئه على هذا أكثر مما أعطى ()، هذا اللي أعطاه للأولاد يساوي عشرين ريالًا، أخدته أنا حتى لا أكسر قلبه برد الهدية، لكن من نية أنني أعطيه أكثر؛ يعني: أعطيه مثلما أعطاني؛ يعني أن أهدي إليه شيئًا يساوي عشرين ريالًا، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
(أو احتسابه من دينه) بأن أنظر كم تساوي هذه الهدية، وأسقطها من الدين، أخصمها من الدين، هذا لا بأس به أيضًا؛ لأني الآن هل أخدت نفعًا لنفسي؟
الطلبة: لا ().
[ ١ / ٤٧١٨ ]
الشيخ: وقدَّمها لي وقال: من كان يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، أيش تقولون؟
الطلبة: ().
الشيخ: نعم؟
الطلبة: () ما جرت العادة.
الشيخ: لا، ما جرت العادة، لا أصلًا هو ما ..، أنا الآن رايح للصديق؛ يعني لو أني استضفته قبل أن أقرضه يمكن يضيفني ما يتركني، يقول الفقهاء: تُحسَب الضيافة من الدَّيْن، ويَعُدُّ كم أكلت من تمرة؟ وأهل اليمن يبيعون التمر بالعدد، كم أكلت من تمرة؟ كم أكلت من خبزة؟ برتقالة؟ يحسبها جيدًا ويُسقَط من الدَّين، هذا هو المذهب.
لكن ذكر صاحب الفروع أنه يتوجه ألَّا يُحْسَب ذلك من الدين، الضيافة ما جرت العادة بأنها تعتبر هدية، إلا إذا كان الرجل المقرِض تعمد ذلك؛ بأن كان البلد فيه فنادق وفيه محلات للأكل والشرب، لكن قال: بدل ما أروح أخسر في الفندق ثلاث مئة ريال أو مئتين ريال، هروح أنزل على اللي أنا أمس محسن عليه بالقرض، فإذا تعمد ذلك فربما نقول: إن هذا لا يجوز؛ لأنه الآن جرَّ إلى نفسه نفعًا بوقاية ماله من الضرر، الذي سيدفعه للفندق.
طيب، الدعوات ما هي ضيافة، دعوات؛ يعني هذا الرجل حصل عنده مناسبة -المقترِض- وليمة عرس، أو وليمة قدوم غائب، أو وليمة ختان، أو ما أشبه ذلك، فدعاني كما يدعو الناس، هل أجيبه، ولَّا أقول: والله أنا مقرضك ولن أجيبك؟
الطلبة: يجيبه.
الشيخ: هذه أجيبه، حتى على المذهب يقولون: هو في الدعوات كغيره؛ ولهذا القاضي إذا دعاه أحد من أهل البلد التي هو قاطن فيها يقول: واللهِ أنا قاضٍ ما أجيب دعواك، أخشى تكون هذي رشوة، أو يجيب؟
طالب: يجيب.
الشيخ: يجيب، إي نعم.
يقول: (وإن أقرضه أثمانًا فطالبه بها ببلد آخر لزمته) إن أقرضه أثمانًا فطالبه بها ببلد آخر لزمته، لزمت مَن؟
طالب: المقترض.
[ ١ / ٤٧١٩ ]
الشيخ: المقترِض؛ يعني: أقرضته دراهم في بلدنا هنا، واتفقت معه في مكة، وطالبته بها، يجب عليه يوفيني ولَّا لا؟ يجب عليه يوفيني، هذا إذا كان معه شيء، أما إذا لم يكن معه شيء فهو معسِر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فإن قال هذا المقرِض: نعم، والآن ما معه شيء، ما معه إلا مقدار نفقته فقط، لكنه غني يستطيع أن يذهب إلى أي دكان ويقول: أقرضني، هل يجوز لي أن أطالبه؟ أما فهمتهم الصورة؟
أنا أقرضته ألف ريال هنا في بلدي، واتفقت معه في مكة حجاجًا وقلت له: أعطني ألف ريال، قال: والله ما عندي إلا نفقتي التي تؤديني إلى بلدي، قلت له: أنت غني تستطيع تروح لأي محل من المحلات وتقول: أقرضوني، هل يجوز لي مطالبته؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنني إذا طالبته فسوف لا يوفيني إلا بعد إثقال ذمتي، فهو الآن معسر، لكن إذا كانت الدراهم معه، معه دراهم وطالبته بالقرض ببلد آخر، قال: والله أنا استلفت منك في بلدي، ما أوفيك إلا في البلد الذي أقرضتني فيه، لي الحق أن ألزمه؛ ولهذا قال: (لزمته) بخلاف ما سبق في باب السَّلَم، باب السَّلَم أين يكون الوفاء؟
الطلبة: في موضع العقد.
الشيخ: في موضع العقد، والفرق بينهما: أن السلم من باب المعاوضات، وهذا من باب الإحسان، فأنا الآن محسن إليك، وأنت الآن ما عليك ضرر أن تعطيني الدراهم في البلد الآخر، أعطني إياها؛ ولهذا يُفَرَّق هنا بين الدين القرض ودين السلم.
طالب: وأيش المحظور منه؟ إذا الإنسان اللي أقرض وُجد الإحسان ولَّا ما وُجد، ما () في المسألة، وهذه إن كان () الإحسان () المذهب؟
الشيخ: يقول: إذا أوفيت ().
الطالب: فيه دليل؟
[ ١ / ٤٧٢٠ ]
الشيخ: إي، فيه، الدليل أنه قرض جر منفعة؛ لأنه ربما إذا أعطاك هدية ربما تنظره من أجل هديته، كلما خاف أنك تطلب منه جابلك هدية، لنفرض أنك () الفرَّان، الفرَّان كل يوم يجيب لك لفة خبز هدية علشان ما تطالبه، إذن صار شبه ربًا، أو -مثلًا- أقرضت الجزار، كل يوم يجيب لك كيلو لحم من أطيب لحم الغنم.
طالب: ما () ما عندي ()؟
الشيخ: كيف () هذه نيته نظن أو نعلم علم اليقين هذه نيته، وأنت قلت: طبيعة الإنسان النفوس البشرية، لكن هذا واحد يحسن إليك، كل يوم يجيب لي هدية، أروح أطالبه أنا! بل ربما إذا كأني بخيل، أقول: الحمد لله، جاب الله لي واحد ما يكفيني شراء اللحم كل يوم، الحمد لله، خلِّ يبقى عشر سنين ما دام بيكفني أكل لحم أو عيش وخبز.
طالب: شيخ، () أحسن إليه؟
الشيخ: وين؟
الطالب: هذا الرجل بالنسبة للصورة اللي ذكرتم () ما جزار ولا عطار.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وأحضر هدية ما هي تكون بسيطة، ما أنا بقول: أنا بحسن إليك وما عندي كذا ()؟
الشيخ: إي نعم، نقول: كل شيء قبل الوفاء جر منفعة، أنت -الحمد لله- ما عليك طلبه، بدل ما أنك طالبته وتكسر خاطره، نقول: أقبلها، ولكن احتسبها من الدين وقل: إنك كافأته، أما بعد فلا بأس؛ لأن الكل يخشى، كل العلماء يخشون من أنه يتمدد عدم المطالبة من أجل ملاحظة هذه الهدايا.
طالب: نحن نرفق بالقرض؟
الشيخ: إيوه قرض، كيف يسمونه؟
طالب: نحن نرفق بالقرض؟
الشيخ: كيف ترفقون به؛ لأن القرض قد يكون الإنسان محتاجًا وقد يكون غير محتاج، حتى الغني يجوز يقترض، القرض ينتفع به، كيف لا ينتفع؟
الطالب: كيف يكون الإرفاق؟
الشيخ: الإرفاق يعني بدل ما يكون عنده مليون وأعطيه أنا مليون صار عنده مليونين، يروح يراضيه يصيبه التجارة، هذا الإرفاق.
طالب: هذا مالي، نقول: لا يجوز؛ يعني: على أنه تبرع.
الشيخ: إن تبرع لمقرضه لم يجز للمقترض.
الطالب: إلا أن ينوي المقرض.
الشيخ: إلا أن ينوي المقرض.
[ ١ / ٤٧٢١ ]
الطالب: النية مسقطة؟
الشيخ: إي، عندنا الآن لم يجز للمقترض ذلك؛ يعني: ولا يجوز للمقرض قبوله، إلا أن ينوي المقرض، فعبارة المؤلف فيها شيء من الركاكة؛ لأن اختلاف الضمائر فيها، اختلاف الضمائر يجب أن العبارة تقدر على وجه سليم، فيقول: لا يجوز للمقترض أن يتبرع لمقرضه بشيء إلا إذا نوى المقرض، أو نقول أيضًا: وإن تبرع لمقرضه بشيء قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز للمقرض قبوله، إلا أن ينوي مكافأته.
طالب: لو أن رجلًا أحسن إلى رجل ()؟
الشيخ: القرض الأصلي، طيب ونحن نريد الآن () نناقش بعد، وسبق لنا أنه إذا أعطاه أجود مما أخذ فليس به بأس، وأنه إذا أعطاه أكثر مما أخذ، المذهب لا يجوز، وأن الهدية إن كانت قبل الوفاء فحرام، إلا أن ينوي مكافأته، أو احتسابه من دينه، وإن كانت بعد الوفاء فلا بأس بها؛ لأنها من باب المكافأة، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ» (٥).
وسبق أنه إذا أقرضه أثمانًا فطالبه بها بالبلد الآخر فإنه يلزمه تسليمها، وذكرنا الفرق بينه وبين دين السَّلَم؛ لأن دين السلم لما كان معاوضة صار الواجب أن يوفى في محل العقد، بخلاف القرض فإنه إحسان وتبرع محض، فإذا طلبه صاحبه ولو في بلد آخر لزمه، ولكنا قلنا: ينبغي أن يقيِّد ذلك بما إذا لم يكن عليه ضرر، وبما إذا لم يكن معسرًا، أما إذا كان معسرًا فقد ذكرنا دليله أمس.
وأما إذا كان يلزمه الضرر فدليله قوله ﵊: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ» (٦)، الضرر مثل أن يكون المستقرض أتى بمال إلى هذا البلد ليشتري به سلعًا ليتكسب بها، هذا الرجل لما رأى أنه إذا اشترى سلعًا بيجي مكسب جيد، فطلب () علشان يضره ما يشتري، نقول: هذا أيضًا لا يجوز.
[ ١ / ٤٧٢٢ ]
قال المؤلف: (وفيما لحمله مؤونة قيمته) (فيما) أي: في الذي لحمله مؤونة قيمته؛ قيمة ذلك المحمول، ويش معنى هذا؟ معنى ذلك أنه إذا كان المقرَض -يعني الذي أُقرض- لحمله مؤونة فإنه لا يلزم المقترِضَ إلا قيمته.
مثال ذلك: كنت قد أقرضته مئة صاع بُر، فلما وصلنا إلى مكة طالبته بها، مئة صاع البُر لحملها مؤونة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، هي ما تُحمل إلا بأجرة كبيرة، فأنا إذا طالبته ما يلزمه أن يوفيني، كأنه يقول: هذه لها مؤونة حملها، فماذا يجب؟
يقول المؤلف: تجب قيمته لا مثله، وهذه كالمستثناة مما سبق في قوله: (يرد المثل في المثليات)، لكن قال: (إن لم تكن ببلد القرض أكثر) هو عندنا (أنقص)، لكن صوابها (أكثر)، (إن لم تكن في بلد القرض أكثر)؛ لأنه إن لم تكن في بلد القرض أنقص من باب أولى أن تجب القيمة؛ لأن المقرِض لا ينتقص بذلك؛ يعني -مثلًا- مئة الصاع طالبته إياها بمكة، تساوي في مكة مئتي درهم، وتساوي في بلد القرض مئتين وخمسين، لو أعطاه القيمة الآن يتضرر ولَّا لا؟ يتضرر؛ لأنها في بلد القرض مئتين وخمسين، وفي البلد الثاني بمئتين، ففيها نقص عليه، فإذا كان في بلد القرض أكثر فإنه لا يلزم المقرِض قبول القيمة، أما إذا كانت ببلد القرض أنقص هو بيقبل القيمة ولَّا لا؟ يقبلها من باب أولى؛ لأن إذا كانت ببلد القرض مئة الصاع تساوي مئتين، وفي بلد الوفاء تساوي مئتين وخمسين، أخذت مئتين وخمسين، فيها ضرر ولَّا لا؟ فيها ضرر على المقرض ولَّا ما فيها؟
طالب: لا.
الشيخ: ما فيها ضرر، ليس فيها ضرر على المقرِض.
[ ١ / ٤٧٢٣ ]
فإذا قال المقترِض: أنا أريد أن أوفيك هنا، ولكن القرض لحمله مؤونة، وقال له: طيب أجل إذن آخذ القيمة، وكانت القيمة في البلد الذي فيه الوفاء بمئتين وخمسين، وفي بلد القرض مئتين، ففي هذه الحال يُلزم ذلك بأخذ القيمة؛ وذلك لأنه أربح له، أما لو كانت أنقص بدلالة القرض، فيقول: ما يمكنني أخذه بمئتين، وأنا ما أجده في بلدي إلا بمئتين وخمسين.
والحاصل أن المقترِض إذا أراد أن يُوفي في غير محل القرض فإن المقرِض يُلزم بذلك، إلا فيما لحمله مؤونة فلا يُلزم، ولكن يُعطى القيمة إن لم تكن ببلد القرض أكثر، فإن كانت أكثر فإنه لا يلزمه أخذ القيمة؛ لما عليه من الضرر.
وقول المؤلف: (أنقص) نبَّه الشارح على أنها خطأ، وأن الصواب: (إن لم تكن ببلد القرض أكثر).
***
[باب الرهن]
(باب الرهن)
الرهن في اللغة: الحبس والثبوت والدوام، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي: مرتهنة محبوسة، والحبس يلزمه الثبوت والدوام، هذا في اللغة، أما في الشرع فإنه: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، توثقة دين بأيش؟
طالب: بعين.
الشيخ: بعين، يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.
مثال ذلك: في ذمتي لك ألف ريال فأرهنتك سيارة، لا بل أرهنتك مسجلين، الآن اللي وثَّقناه؟
طالب: عين.
الشيخ: لا، اللي وثَّقته الدين وموثَّق به العين، هذه العين يمكن استيفاء الدين من بعضها؛ لأن المسجل يساوي مئة ريال، فيمكن استيفاء الدين من بعضه، فإذا كان الرهن أكثر من الدين فإنه يمكن استيفاء الدين من بعضه، وإذا كان الدين أكثر منها من العين المرهونة صار يمكن استيفاء بعضه منها، وإذا كان الدين بقدر العين صار استيفاؤه كله منها كلها، فالأقسام إذن ثلاثة: إما أن تكون العين المرهونة أكثر من الدين، أو يكون الدين أكثر من العين، أو يكونا متساويين.
[ ١ / ٤٧٢٤ ]
إذا كانت العين أكثر من الدين صار يمكن استيفاؤه كله من بعضها، وإذا كان الدين أكثر من العين صار يمكن استيفاء بعضه منها، وإذا كان مثلها صار يمكن استيفاؤه كله منها كلها.
ثم على أن الرهن أحد الطرق التي يكون بها توثقة الحق، وهي ثلاثة: الشهادة، والرهن، والضمان، ومنه الكفالة أيضًا، وكلها موجودة في القرآن؛ أما الشهادة فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِه﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأما الرهن فقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وأما الضمان فقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أي: كفيل وضامن.
فهذه الأمور الثلاثة يكون بها توثُّق صاحب الحق لحقه أو لا؟ ولهذا من التفريط أن تتعامل مع شخص بدون شهادة ولا رهن ولا ضمان، تكون مفرطًا.
حكم الرهن جائز بالنص والإجماع، والنص من الكتاب ومن السنة، فلنقول: بالنص والإجماع والنظر الصحيح، فأدلته أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح.
أما من القرآن فعرفتموه؛ قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وأما من السنة فهي أيضًا قولية وفعلية؛ قولية: قال النبي ﷺ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (٧)، وأما الفعل: فقد ثبت أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند يهودي (٨).
وأما الإجماع فالمسلمون مجمعون على ذلك، وهو معلوم.
وأما النظر الصحيح وهو القياس: فلأن الإنسان في حاجة إلى ذلك، الناس يحتاجون إلى هذا الأمر، وما احتاج الناس إليه ولم يكن فيه خلل في عبادتهم كان القياس أنه أيش؟ جائز ولَّا ممنوع؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: أنه جائز، ومن أجل مصلحة الرهن للطرفين، وليس فيه ما يُخِلُّ بالعبادة أو بالعقل أو بالمال، الحيثيات المعروفة عندهم فهو جائز.
[ ١ / ٤٧٢٥ ]
بقينا في التعريف: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، من هذا التعريف نعرف أنه لا يصح الرهن بالمنافع ولا يصح الرهن بالدين.
مثال الرهن بالمنافع: أن أقول: رهنتك منافع هذا البيت -مثلًا- فإنه لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس بعين، بل نقول: ارهنه البيت، فإذا قال البيت: وقف لا يمكن بيعه، أنا برهن المنافع؛ استغلاله، نقول: ما يصح، هذا على التعريف اللي ذكرنا.
الدين؛ مثل أن يقول: رهنتك ديني الذي في ذمة فلان لي، رهنتك إياه، واذهب إلى فلان، تذهب إلى فلان تقول: ترى الدين اللي في ذمتك مرهون لفلان، وإذا () فإنه لا يتمكن من إيفائه حتى يأذن المرتهن، لكن هل يصح هذا ولَّا ما يصح؟ على التعريف اللي ذكرنا لا يصح، والصحيح أنه يصح الرهن في الدين والمنفعة؛ لأن المقصود التوثقة، وهي حاصلة بهذا وبهذا.
يقول: (يصح في كل عين يجوز بيعها) (في كل عين) خرج به الدين والمنافع فلا يصح رهنهما، ولا حجة لهم في ذلك، إلا أنهم يقولون: لأن الاستيفاء الكامل لا يكون إلا بالعين؛ لأن الدين الذي على فلان الذي رهنته إياه فأنا لا أستفيد منه، كما أني أطالبك بدينك، والثاني إذا رهنتني دينه أطالبه به، إذن ما استفدت شيئًا، كل من الدينين في ذمة المطلوب.
ولكن نقول ردًّا على هذه الشبهة: إن توثقة الدين بالدين نافعة للدائن، وأيش () النفع؟ قد يكون رجائي لحصولي على الدين من فلان أقوى من رجائي من حصوله منك أو لا؟ مثلًا أنا بعت عليك هذا الشيء بمئة ألف ريال وأنت معسر، لكن لك دين على فلان الموسر، فرهنتني إياه، هل استفدت من هذا الرهن ولَّا لا؟
طالب: نعم، استفدت.
[ ١ / ٤٧٢٦ ]
الشيخ: استفدت بأنه إذا حل الأجل ولم توفني أذهب إلى فلان وأطالبه وهو موسر بكل سهولة يعطيني هذا الدين، أما المنافع فكذلك أيضًا، صحيح أن المنافع بها أعيان، لكن أنا أنتفع إذا رهنت لي منفعة هذا البيت أنتفع بها؛ أؤجره وآخذ الأجرة تكون رهنًا، ففيه فائدة، وليس هذا من باب المعاوضة، حتى نقول: إن المنفعة مجهولة، بل هذا من باب التوثقة؛ لأنني حصلت على شيء، وإلا رجعت على مَن؟
طالب: على الأصل.
الشيخ: على الأصل الذي رهنني هذا الشيء.
وقول المؤلف: (يجوز بيعها) أفادنا أنه لا يصح رهن ما لا يجوز بيعه، فلو أن ذميًّا رهن مسلمًا خمرًا، يصح ولَّا لا؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه ما يجوز بيعها.
الشيخ: لأنه لا يجوز بيعها، وإذا لم يجز بيعها فما الفائدة من الرهن؟ ما فيه فائدة، فلا يصح رهن ما لا يجوز بيعه.
طيب، رهنتك ما في بطن هذه الشاة؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، السبب: لأنه ما يجوز بيعه، ولكن الصحيح أنه يصح رهنه؛ لأن الرهن -كما قلنا- ليس هو عقد معاوضة حتى نقول: لا بد من تحريره وعلمه، هذا الحمل الذي في البطن لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون أكثر مما توقعت، أو يكون أقل، أو يموت، أو يكون مساويًا، أربع حالات.
إذا كنت أعطيتك حاجة بعشرة ريالات ورهنتك ما في بطن هذه الشاة، وكنا نتوقع أنه لا يوجد في بطنها إلا سخلة واحدة بعشرة ريالات، فماتت السخلة؛ خرجت ميتة، أو خرجت مريضة بحيث لا تساوي عشرة، هل ضاع حقي؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما ضاع، غاية ما هنالك أن الوثيقة التي كنت أؤمل عليها نقصت أو عُدمت، ولكن حقي باقٍ.
طيب، لو صار الحمل هذا ..، لو خرج سخلتان زاد عن الحق، ويجوز أن أرهن عينًا أكثر من الدين، فما دامت المسألة توثقة فقط والحق باقٍ لن يضيع، والصحيح أنه جائز، والرسول ﵊ إنما نهى عن بيع الغرر (٩).
[ ١ / ٤٧٢٧ ]
وفرق بين البيع الذي يقصد فيه التحري في مقابلة العوض بالعوض وبين شيء لا يُقْصَد فيه إلا التوثقة؛ إن حصلت فهي كمال، وإن لم تحصل حقي باقٍ.
أما مسألة الخمر، فنعم الخمر لا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يصح عليه العقد بإطلاقه.
لو رهنتك مُلك زيد، أنت تبغي تعطيني -مثلًا- قرضًا عشرة آلاف ريال، كتب لي رهنًا، قال: أبغي أرهنك بيت أخوي، ولا بيني وبينه شراكة، بيت أخي، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ليش ما يجوز؟ لأني ما أملكه، ما أملك العقد عليه، إذا قال الراهن للمرتهن: أنا برهنك بيت أخوي ()؟ نقول: نعم، كلمة () هذه شيء غير كلمة () ما كل هذا الشيء، إذا صرت () عليه فأروح أنا وإياك إلى أخيك، وإذا وافق () نشوف.
(يجوز بيعها حتى المكاتب) (حتى) هذه إشارة خلاف، وقد ذكر بعض المحشين أن العلماء إذا قالوا: (حتى) فهو خلاف ضعيف، وإذا قالوا: (لو) فهو خلاف قوي، وإذا قالوا: (إِنْ) فهو متوسط، ولكن هذا غير قاعدة، ما هي مطردة.
(حتى المكاتب) من المكاتَب؟ المكاتَب هو: العبد الذي اشترى نفسه من سيده، مثاله؟
طالب: لو عنده عبد، العبد هذا قادر على أن يتعيش، يشتغل مثلًا، فيقول لسيده: كاتبني حتى أعمل وأعطيك العوض.
الشيخ: وأكون حرًّا.
الطالب: إي، هذا جائز.
الشيخ: هذا جائز، المكاتب هو: العبد الذي اشترى نفسه من سيده، مثاله: أن يقول العبد لسيده: أنا أحب أن أتحرر، ولا أحب لك الخسارة، أبغي أشتري نفسي منك بمئة ألف مؤجلة خمس سنوات، فيقول السيد: نعم، يجوز هذا ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، أنا الآن لي مكاتب، فاستقرضت من شخص مئة ألف درهم ورهنته مكاتَبِي، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: يجوز.
[ ١ / ٤٧٢٨ ]
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا المكاتَب يجوز بيعه، ولأن المرتهن سينتفع بهذا الرهن؛ لأن هذا المكاتب إن عجز عاد رقيقًا وأمكنني بيعه، وإن قدر فإن كسبه في هذه المدة يكون رهنًا، وهذا مما يؤيد القول بجواز الرهن إذا كان منفعة؛ لأن المكاتب الآن ليس لي سبيل إلى أن يقول: ببيعك الآن () ما يمكن، إلا إذا إذا عجز، أما ما دام قادرًا ويوفي الآجال اللي عليه يمكن أن أبيعه، لكن هذه الآجال وهذه الدراهم التي يعطينا إياها تكون رهنًا؛ لأنه مغلة الرهن.
يقول المؤلف: (يصح مع الحق ويصح أيضًا بعده) فيه قسم ثالث: أن يكون قبل الحق، فقبل الحق لا يجوز، وبعد الحق جائز، ومع الحق فيه خلاف، والصحيح الجواز قبل الحق؛ مثل أن يقول لشخص: أنا ببيع عليك البيت، ولكن أريد ترهن لي بيتك، فيقول: رهنتك بيتي بثمن البيت الذي سأشتريه منك، فهذا ما يصح؛ لأن الرهن فرع عن ثبوت الدين، وما دام لم يثبت دين على الراهن فإن الرهن لا يصح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فهذا يدل على أن الرهن يكون متى؟ يكون بعد الحق.
ويصح أيضًا مع الحق؛ مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء بمئة درهم على أن ترهنني بيتك، فيقول: قبلت، هذا العقد الآن تضمن بيعًا ورهنًا، يجوز الرهن هنا؛ لأنه صادف ثبوت شيء في ذمة الراهن، فالاقتران هنا جعله مصادفًا لثبوت شيء في ذمة الراهن فصح.
حكم الرهن، يقول المؤلف: إنه يجوز، وليس بواجب، وليس بمستحب، وليس بحرام، ولكنه جائز. وهل يجوز في الحضر والسفر؟
طالب: فيه خلاف.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي في المدينة (٨).
[ ١ / ٤٧٢٩ ]
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فلأن الحاجة هنا تدعو إلى الرهن أكثر مما إذا كان في الحضر ووجد كاتبًا؛ لأنه إذا كان في الحضر ووجد كاتبًا توثق به لحقه، بماذا؟ بهذا الكاتب، فإذا كان على سفر ولم يجد كاتبًا فإنه يحتاج إلى الرهن أكثر؛ ولذلك الذين قالوا: إن الرهن لا يصح إلا في السفر تناقضوا؛ قالوا: يصح في السفر ولو مع وجود الكاتب، مع أن الله يقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولهذا الصحيح ما ذهب إليه المؤلف الجواز مطلقًا.
قال: (يصح بدين ثابت، ويلزم في حق الراهن)، (بدين ثابت) يعني: أن الرهن لا يصح إلا إذا كان الدين الذي وُثِّق ثابتًا على المدين.
مثاله: اشتريت منك هذا البيت بمئة ألف، وأنا ما عندي دراهم ورهنتك أرضًا لي، يصح هذا ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن الدين ثابت، الدين ثبت بمقتضى البيع، فإن كان الدين غير ثابت فإنه لا يصح؛ مثل الدين الذي على العاقلة، الدين اللي على العاقلة غير ثابت، الدين اللي على المكاتب غير ثابت.
فلو أن أحدًا جاء إلى عاقلة في شخص قاتل خطأ، وقال: أعطوني الدية، قالوا: الدية مؤجَّلة، قال: أعطوني بها رهنًا، وإلا حبستكم الآن، فإن رهنه هنا لا يصح، لماذا؟ لأن الدية ليست دينًا ثابتًا؛ إذ إنها لا تجب إلا على العاقلة إذا كانوا أغنياء في وقت الدفع، وهذا أمر غير محقق.
كذلك المكاتب إذا اشترى نفسه من سيده، وقال السيد: أنا أريد أن ترهنني شيئًا، فإنه لا يصح؛ لأن الدين اللي على المكاتب غير ثابت، بدليل أنه لو أعجز نفسه قال: والله أنا ما أقدر، الآن ما أقدر أوفي، هل يلزمه السيد؟ لا، ولكنه يعود إلى الرق.
وقول المؤلف: (بدين ثابت) ظاهره أن الرهن بالعين لا يصح؛ يعني معناه: إذا كان المرهون له عينًا فإنه لا يصح.
[ ١ / ٤٧٣٠ ]
مثل: جاءني رجل وقال: أعطني السيارة أتجول عليها -مثلًا- فقلت: نعم، لكن أريد أن ترهنني شيئًا، يصح ولَّا ما يصح؟ ما يصح؛ لأن هذا ليس دينًا ثابتًا.
وكذلك لو أنني استعرت من شخص كتابًا وقال: لا أعيرك إلا إذا رهنتني شيئًا فإنه لا يصح؛ لأنه ما ثبت عليَّ دين حتى أرهنه، ونقول خلاف هذا القول: الصحيح أنه يصح أن الإنسان يأخذ رهنًا بالأعيان؛ لأن ذلك عقد جائز لا يتضمن شيئًا محظورًا، جاءني رجل يقول: بتعيرني السيارة لمدة يومين، أقول: ما أنا معيرك إلا إذا أرهنتني شيئًا، هل في هذا ضرر؟ أبدًا، ليس فيه ضرر.
وليس هذا كالتأمين؛ لأن التأمين يدفع المؤمِّن الدراهم على كل حال سواء حصل نقص أم لم يحصل، أما هذا فإني رهنت منه هذا الشيء؛ إن حصل على السيارة تلف فأنا آخذ من الرهن، وإن لم يحصل تلف فالرهن لصاحبه.
وكذلك أيضًا في المثال الثاني؛ إذا استعرت منه كتابًا وقال: لا أعيرك هذا الكتاب حتى ترهنني كتابك -الكتاب الثاني- ورهنته فإن هذا لا بأس به؛ لأن هذا الرهن الذي أخذته إن تلف بفعلي استفاد المرتهن من الكتاب الذي رهنته إياه، ويش فائدته؟ يبيعه ويستوفي ثمنه، أو يقدِّر ثمنه ويعوِّض به عما تلف، ففيه فائدة.
يقول: (بدين ثابت، ويلزم الرهن في حق الراهن فقط).
طالب: ()
طالب آخر: الشرح.
الشيخ: شرح، نعم.
(ويلزم في حق الراهن فقط) (يلزم) يعني: أنه يجب الوفاء به، (في حق الراهن فقط) من هو الراهن؟ الراهن هو الذي أعطى الرهن، والمرتهن هو الذي أخذ الرهن، فعندنا إذن راهن ومرتهن.
[ ١ / ٤٧٣١ ]
ولنضرب لذلك مثلًا: أنا في ذمتي لك مئة درهم، أعطيتك هذا الكتاب رهنًا بها، أنا أُسمَّى راهنًا، وأنت مرتهن، هل الرهن لازم لا يجوز فسخه بالنسبة لي أو بالنسبة لك، أو بالنسبة لنا جميعًا؟ بيَّن المؤلف الحكم، قال: (يلزم في حق الراهن فقط) اللي هو أنا؛ لأن الحق عليَّ للمرتهن، وإذا كان حقه عليَّ لغيري فإنني لا يمكن أن أستقل به، وفي حق المرتهن جائز ولَّا لا؟
طالب: جائز.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: جائز، لو قال المرتهن بعد أن أخذ الرهن رجع علي وقال: والله أنا عرفت أنك تحتاج هذا الشيء، فأنا ألغيت الرهن، يجوز؛ لأن الحق لمن؟
طالب: للمرتهن.
الشيخ: الحق له؛ أي: للمرتهن، فإذا رضي بإسقاطه سقط، وأفاد المؤلف في هذا أن العقود ثلاثة أقسام: عقد لازم في حق الطرفين، وعقد جائز في حق الطرفين، وعقد لازم من جهة غير لازم من جهة.
مثال العقد الجائز من الطرفين: الوكالة؛ وكلتك على أن تشتري لي كذا وكذا، فهذا عقد جائز من الطرفين، لي أن أفسخ الوكالة، ولك أن تفسخ الوكالة، ولكن العقد الجائز من الطرفين ذكر أهل العلم أنه إذا -وهو () كما سيأتينا- إذا تضمن ضررًا على أحد الطرفين صار لازمًا في حق الطرف الآخر، جائزًا في حق من عليه الضرر.
ومثال اللازم من الطرفين: البيع، قال النبي ﷺ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» (١٠) ..
[ ١ / ٤٧٣٢ ]
ويَلْزَمُ في حقِّ الراهنِ فقط، ويَصِحُّ رَهْنُ الْمَشاعِ، ويَجوزُ رَهْنُ الْمَبيعِ غيرِ الْمَكِيلِ والموزونِ على ثَمَنِه وغيرِه، وما لا يَجوزُ بيعُه لا يَصِحُّ رَهْنُه، إلا الثمرةَ والزرعَ الأَخْضَرَ قبلَ بُدُوِّ صلاحِهما بدونِ شَرْطِ الْقَطْعِ، ولا يَلزَمُ الرهْنُ إلا بالْقَبْضِ، واستدامتُه شَرْطٌ، فإن أَخْرَجَه إلى الراهنِ باختيارِه زالَ لُزومُه، فإن رَدَّهَ إليه عادَ لُزُومُه إليه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ واحدٍ منهما فيه بغيرِ إِذْنِ الآخَرِ، إلا عِتْقُ الراهنِ فإنه يَصِحُّ مع الْإِثْمِ، وتُؤْخَذُ قِيمتُه رَهْنًا مَكانَه، ونَماءُ الرَّهْنِ وكَسبُه وأَرْشُ الْجِنايةِ عليه مُلْحَقٌ به، ومُؤْنَتُه على الراهنِ وكَفَنُه وأُجرةُ مَخْزَنِه، وهو أمانةٌ في يدِ الْمُرْتَهِنِ إن تَلِفَ من غيرِ تَعَدٍّ منه فلا شيءَ عليه، ولا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ من دَيْنِه، وإن تَلِفَ بعضُه فباقِيهِ رَهْنٌ بجميعِ الدَّيْنِ، ولا يَنْفَكُّ بعضُه معَ بقاءِ بعضِ الدَّيْنِ، وتَجُوزُ الزيادةُ فيه دونَ دَيْنِه،
حقًّا لشخص على شخص فهو جائز في حقِّ مَنْ له الحق ولازم في حقِّ مَنْ عليه الحق.
قال: (ويلزم في حقِّ الراهِنِ فقط، ويصحُّ رَهْنُ المُشاع)، (يَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ) (المشاع) ما هو؟
يعني: ما فيه مساهمة على الشيوع؛ شركة على الشيوع يصح رهن الجزء المشترك؛ فإذا كان هذا البيت بيني وبين زيد نصفين، ثم إنني اشتريت من شخص سلعة، ورهنته نصيبي من هذا المشترَك، جائز ولَّا لا؟ نعم، جائز، بخلاف ما لو رهنت الجميع فإن الرهن يصح ولَّا لا؟ يصح في حقي فقط؛ فرهن المشاع جائز.
رهن المشترك غير المشاع؛ يعني المشترك المعيَّن، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، كما مضى لنا في السلطة في باب الزكاة؛ مثلًا بيني وبينك غنم لي منها عشرون معينة ولك منها عشرون معينة، رهنت نصيبي منها جائز ولَّا غير جائز؟ هذا جائز ولا إشكال فيه.
[ ١ / ٤٧٣٣ ]
لكن الإشكال في المشاع؛ لأن المُشاع يحتاج بعد حلول الدين إلى المطالبة بماذا؟ بالقسمة أو البيع؛ فنقول: وليكن ذلك، يطالِب بالقسمة أو البيع، ويكون المرتهن قائمًا مقام الراهن.
() راهن، ومرتهن، ومرهون، وصيغة؛ ()، والراهن هو المطلوب، والمرتهن الطالب ().
فالرهن لازم في حق المطلوب اللي أعطى الرهن.
طالب: () كلمة لازم في حق؟
الشيخ: لازم بمعنى لا يتمكن من ()، وأما المرتهن فهو غير لازم، يتمكن منه.
طالب: ().
الشيخ: ().
وهذا اللزوم ما هو بلزوم تكليفي، إذا قلنا مثلًا: يلزم فعل الصلاة جماعة؟ تكليفي، لكن الرهن لازم؟ هذا واضح.
يقول المؤلف: إنه (يَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ) ().
قال: (ويجوز رَهْنُ المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره) (يجوز رهن المبيع)؛ يعني: أنك إذا بعت شيئًا فلك أن ترهنه على ثمنه وغيره، سواء قبضت أم لم تقبض، إذا بعت شيئًا فإنه يجوز أن ترهنه على ثمنه وعلى غيره أيضًا، سواء قبضته أم لم تقبضه؛ مثال ذلك: بعتك هذا الكتاب بعشرة دراهم لمدة ستة أشهر بشرط أن ترهنني الكتاب، الآن رهنته على أيش؟
رهنت المبيع على ثمنه، أنا البائع رهنت على ثمنه.
وقوله: (وغيره) يعني: كما لو كان عند المشتري لي دَيْن سابق، فقلت: أبغي أبيع عليك هذا الشيء، وبعته رهنًا بدينك السابق، جائز ولَّا ما هو جائز؟ هذا جائز، وهذا رهن بعد الحق ولَّا قبله، ولَّا معه؟ الدين السابق، إذا رهنته بالدين السابق؟
طالب: قبل الحق.
الشيخ: لا، بعد الحق؛ يعني: أنا أطلب هذا الرجل، أطلب مئة ريال، فهمت؟ فبعت عليه هذا الكتاب بمئة ريال، وسلَّمني مئة ريال، كم باق اللي عنده؟
مئة ريال الدين السابق، فقلت له: أبغيك ترهني هذا الكتاب بدينك السابق، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ هذا معنى قوله: () (وغيره)؛ (على ثمنه) في الصورة الأولى، (وغيره) في الصورة الثانية. هل يجوز رهن على ثمنه وغيره جميعًا؟
[ ١ / ٤٧٣٤ ]
نعم، يجوز؛ أنا بعت مثلًا هذا الكتاب على هذا الشخص بعشرة ريالات ثمن مؤجل، وعنده لي من قبل عشرة ريالات، فقلت: أريد أن آخذ هذا الكتاب رهنًا بثمنه، على ثمنه وعلى الدين السابق. يجوز ولَّا لا؟ يجوز، وفائدتي أنا، أنك إذا أوفيتني عشرة ريالات، هل ينفك الرهن ولَّا يبقى مرهونًا بالدين السابق؟
يبقى مرهونًا بالدين السابق؛ فيجوز إذن رهن المبيع على ثمنه وغيره، سواء قبض الراهن أم لم يقبضه.
وقول المؤلف: (غير المكيل والموزون) هذا إنما يستثنى فيما إذا رهنه قبل القبض؛ إذا رهنته قبل قبضه، وهو لا يجوز في المكيل والموزون؛ لأن المكيل والموزون لا يجوز بيعهما إلا بعد القبض، وقد سبق لنا أن الرهن يصحُّ في كل عين يجوز بيعها، وهذا لا يجوز بيعه؛ فلا يصح رهنه؛ مثاله: بعت عليك مئة صاع من هذا البُر، فهنا لا يجوز أن أرهن هذا المبيع قبل أن أكيل لك وتقبض؛ لأنك لو أردت أن تبيعه وأنت المشتري، تبيع هذا الذي ما كيل، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز.
بيع المكيل لا يجوز حتى يكال؛ إذن رهن المكيل لا يجوز حتى يكال؛ أيضًا بعتك عليك هذا السكر، كيس من السكر بعته عليك، كل كيلو بكذا وكذا، فهل يجوز أن أرهن هذا الكيس بثمنه، ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟
لأنه لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه؛ فالموزون لا يجوز بيعه ممن ()، لا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه حتى يزنه ويقبضه؛ إذن لا يجوز أن يرهنه حتى يزنه. هل مثل ذلك المعدود؟
[ ١ / ٤٧٣٥ ]
نعم؛ لأنه سبق لنا أنه لا يجوز التصرف في المعدود حتى يعده. هل مثل ذلك المزروع؟ مثله؛ إذن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، فكل مبيع يرهنه الإنسان على ثمنه إن كان بعد القبض فلا بأس به إطلاقًا بدون تفصيل، وإن كان قبل القبض نظرت؛ فإن كان يصح بيعه قبل قبضه جاز رهنه قبل قبضه، وإن كان لا يصح بيعه إلا بعد قبضه فإنه لا يصح رهنه إلا بعد قبضه؛ لأن الرهن فرع على البيع، كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وكل ما حَرُمَ بيعُه حرُم رهنه.
كلام المؤلف: (ويجوزُ رهنُ البيعُ غير المكيل والموزون) متى نحتاج إلى هذا الاستثناء؟
إذا كان الرهن قبل القبض، أما إذا كان الرهن بعد القبض فإنه يجوز سواء كان مكيلًا وموزونًا، أو غيرهما، ولنضرب لهذا أمثلة؛ بعت عليك هذا الكيس من البُّر؛ كل صاع بدرهم، فقبضته أنت، وكلناه، وتمَّ كلُّ شيء، فقلت: أرهني هذا البر بثمنه، ولا () الآن، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: ().
الشيخ: المؤلف يقول: (غير المكيل والموزون)؟
طالب: ().
الشيخ: نقول: هذا قبل القبض، أما بعد القبض فيجوز ولو كان مكيلًا أو موزونًا؛ بعت عليك هذا الكيس من البُر بعشرة دراهم، وقلت لك: أعطني الدراهم وإلَّا أريد الرهن هذا الشيء، وهو إلى الآن ما كيل. ما يجوز؟ لماذا؟ لأنه ما قبض، وما لم يقبض لا يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، هذا هو المذهب.
والقول الثاني: أنه يصح؛ يصح رهنه ولو قبل قبضه حتى بالمكيل والموزون؛ وحجة هؤلاء القائلين؛ قالوا: لأن هذا المكيل الآن لما رهنه توثق بشخص، بخلاف البيع، فقد نهي عن البيع لئلا يتوالى الضمانات، ولئلا يربح كما هو الغالب فيما لم يضمن، وأما هذه المسألة فهي عقد توثقة، ما فيه معاوضة ولا محظور؛ وعلى هذا فنقول: يجوز رهن المبيع على ثمنه وغيره مطلقًا، سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان مكيلًا وموزونًا ومعدودًا ومزروعًا، أو غير ذلك.
[ ١ / ٤٧٣٦ ]
يقول: (وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه) صح، ما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه؛ لماذا؟
لأن فائدة الرهن الاستيثاق؛ بحيث إذا حلَّ الدين ولم توف بعنا هذا الرهن، إن كان من غير جنس الدين بعنا هذا الرهن واستوفينا الثمن؛ هذه فائدة الرهن الذي لا يجوز بيعه، هل تتحقق هذه الفائدة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: ().
الشيخ: تحقق فيه الفائدة؟
طلبة: ().
الشيخ: ما يتحقق؛ هذا إنسان عنده وقف، فرهنه عند شخص بدين استدانه منه، حل الأجل، أجَّل الدين، فقال الطالب: أوفني. قال: ما عندي شيء، هل يمكن أن يباع الوقف ليستوفي؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: ما يمكن، إذن ويش الفائدة من الرهن؟ لا فائدة.
طالب: أجره.
الشيخ: لا، التأجير هذا رهن منفعة، فيه اختلاف، لو () الرقبة؛ نقول: هذا لا يمكن، ليش؟ لأنه إذا حل الدين وامتنع المدين من الوفاء لم ينتفع الدائن بهذا الرهن فيكون لغوًا () العقود اللغوية لا يجوز.
أم الولد على المذهب لا يجوز بيعها، ويش أم الولد؟ يعني زوجتك إذا جابت ولد؟ !
لا، الأمة إذا أتت من سيدها بولد، صارت أم ولد، والمذهب لا يجوز بيعها، فهل يجوز رهنها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لا فائدة من ذلك، لكن على القول بجواز رهن المنفعة وهو الصحيح، يجوز أن يرهن منفعة الذي لا يجوز بيعه؛ لأن منفعته تملك، ويستفيد منها المرتهن.
استثنى المؤلف، قال المؤلف: (إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بُدُوِّ صلاحهما بدون شرط القطع) يستثنِي هذين الأمرين؛ الثمرة والزرع الأخضر قبل بُدُو صلاحهما بدون شرط القطع، يجوز رهنهما، وبيعهما لا يجوز، هل بيعهما لا يجوز؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: نعم، سبق لنا أنه لا يجوز؛ هذا إنسان عنده زرع أخضر ما بدا صلاحه حتى الآن ولم يشتدَّ، فاستدان من شخص دراهم ورهنه هذا الزرع، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: يجوز الرهن، لكن لو باع الزرع، هل يجوز؟ لا يجوز.
[ ١ / ٤٧٣٧ ]
إذن هذا مستثنى؛ فالزرع الأخضر لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع، ويجوز رهنه بدون شرط القطع؛ وعليه فهذا شيء جاز رهنه ولا يجوز بيعه، يقال: هذا مستثنى، والسبب في وجه الاستثناء أن حق المرتهن لا يضيع؛ لأنه سينتظر حتى يصلح هذا الزرع ويبيعه.
الثمرة أيضًا؛ رجل رهنني ثمرة نخله، الآن النخل ما بعد ()، فاستدان مني شيئًا ورهنني ثمر النخل، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ما يجوز إلا بشرط القطع؛ وهذا يجوز -أي الرهن- بدون شرط القطع.
القاعدة الآن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه؛ التعليل لأن العقد هنا لا فائدة فيه، والعقود التي لا فائدة فيها لغو، وليست على شرط الله ورسوله فلا تصح، هل يستثنى من هذه القاعدة شيء؟ نعم، ما هو؟
الزرع الأخضر، والثمر قبل بدو صلاحه بدون شرط القطع، وعُلِمَ من قول المؤلف: (بدون شرط القطع) أنه لو كان بشرط القطع إذا كان جاريًا على القاعدة لأن بيع الزرع الأخضر بشرط القطع كما لو اشتراه ليكون علفًا جائز، فرهنه إذن جائز؛ (بدون شرط القطع).
ثم قال: (ولا يلزم الرهن إلا بالقصد) (لا يلزم) وأيهما الذي يلزم في حقه؛ الراهن ولَّا المرتهن؟
طلبة: المرتهن.
طلبة آخرون: الراهن.
الشيخ: الراهن، المرتهن، الراهن؟ ثبتوا عليها الآن.
طالب: أي نعم.
الشيخ: الراهن، ما الفرق بينهما؟
الطالب: المرتهن هو الذي أخذ المال، والراهن هو الذي أعطى.
الشيخ: صح؟ صحيح؟
طلبة: لا.
طالب: العكس باين.
الشيخ: المرتهن هو الذي أخذ الرهن، والراهن هو الذي أعطى الرهن، صح؟
طالب: لا
طالب آخر: نعم
الشيخ: ()؟
طالب: () قولك لم يقله.
الشيخ: تتفق مع ما أقوله؟
طالب: أي نعم.
الشيخ: على كل حال، يلزم في حق الراهن، لكن يقول المؤلف: (لا يلزم إلا بالقبض) يعني: لا يلزم بالعقد، لا يلزم بمجرد العقد؛ فإذا رهنتك بيتي ولم تستلمه فالرهن في حقي ليس بلازم، يجوز أبيعه.
[ ١ / ٤٧٣٨ ]
رهنتك سيارتي وأنا أكُدُّها؟ الرهن ليس بلازم، يجوز أن أبيعها؛ لأيش؟ لأنه ما يلزم إلا بالقبض؛ فإذا رهنتك شيئًا ولم تقبضه لا أنت ولا وكيلك، فأنا حر؛ لو شئت بعته وإذا بعته بطل الرهن، ما هو الدليل؟
الدليل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] شوف ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾؛ إذن الرهان اللي هي ما مقبوضة ما تنفع، هذا وجه الدليل، أيضًا دليل آخر: قول النبي ﷺ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (١)، فإن الحديث واضح أنه في صورة ما إذا قبض المرتهن الرهن يركبه ويسلم العلف، وكذلك اللبن.
الدليل الثالث أن الرسول ﷺ لما رهن دِرْعَه لليهودي (٢) أقبضه إياه، فإذا كان كذلك فإنه لو لم يقبضه لم يكن الرهن لازمًا. هذا هو الدليل. والقول الثاني في المسألة ..
طالب: الدليل الأخير ().
الشيخ: إن الرسول أقبضه إياه، أقبضه الدرع.
والقول الثاني في المسألة: إنه لا يشترط للزومه القبض؛ لأننا متفقون على أن الرهن يثبت بالعقد، أو لا، نعم ولَّا لا؟
يثبت، ما هو يلزم، يثبت بالعقد، فإذا اتفقنا على أنه يثبت بالعقد فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذا يشمل الرهن قبل قبضه؛ لأنه عقد.
وأيضًا، فإننا لو قلنا بعدم اللزوم لكان في ذلك فتح باب لكل المتحيلين؛ يتحيَّل عليه بعدم القبض، ثم إذا كمل العقد والرهن كل شيء ذهب فباعه، وما كان ذريعة إلى الباطل فهو باطل.
[ ١ / ٤٧٣٩ ]
وأما الجواب عن الآية فإننا نقول: إن الآية دليل عليكم وليست دليل لكم، اقرأ الآية كلها حتى يتبين، قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإن آخر الآية يدل على أنه إذا حصل الائتمان بيننا، فإننا يجب علينا أن نعتمد على أداء الأمانة، سواء حصل القبض أو لم يحصل، وإلا لكانت هذه الجملة لا معنى لها.
أيضًا أنتم لا تقولون بالآية؛ لأن الآية لو أخذنا بظاهرها لكانت لا تجيز الرهن إلا في حال السفر، وأنتم ترون أنها تجوز في الحضر وفي السفر، وهو الحق. إذن ما الفائدة من قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؟
الفائدة أنه لا تحصل تمام التوثقة إلا بالقبض؛ لأننا الآن مسافرون، وليس معنا كاتب، وتبغي ترهن مالك، إذا لم أستلمه أنا فإنه من الجائز أن تغدر بي؛ لأن من جاز أن يغدر إذا لم يكن هناك شاهد ولا كاتب فإنه يجوز أن يغدر إذا أرهنني، ولم ()، فبيَّن الله ﷿ أنه لا تحصل تمام التوثقة في هذه الصورة، أي في حال السفر وعدم الكاتب إلا بالقبض.
أما إذا لم أقبض وأمَّنتك فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وأما قول الرسول: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ»، «وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ» (١)، فليس فيه دليل على أن ذلك لازم، إنما دليل على أن ذلك واقع، ونحن لا ننكر وقوعه.
[ ١ / ٤٧٤٠ ]
وكذلك نقول في المسألة الثانية؛ وهي رهن النبي ﷺ درعه عند اليهودي (٢)، وهذا القول الأخير هو الصواب بلا شك؛ لأن الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] تدل على وجوب الوفاء بعقد الرهن، ثم إن العمل عندنا على هذا، وهو خلاف المذهب؛ يعني عمل الناس الآن تجد الرجل الفلاح يستدين من هذا الشخص، ويرهنه أيش؟ مزرعته، وهو باقٍ في المزرعة.
يستدين صاحب السيارة -تاكسي مثلًا أو الحماليات- يستدين من شخص ويرهنه السيارة، والسيارة بيد صاحبها، وكل يعرف أن هذا المرهون لا يمكن أن يتصرف فيه الراهن، وأن الرهن لازم، عرفتم؟
في البيوت المرهونة، () العقارية عندنا؛ على المذهب هل الرهن لازم ولَّا غير لازم؟
طالب: لازم.
طلبة: غير لازم.
الشيخ: غير لازم؟ السبب؟
طالب: لأنه غير مقبوض.
الشيخ: لأنه ما قُبِضَ، بأيدي الراهنين، لكن قد يقال: إن الرهن لازم، ما هو بمقتضى الرهن، بمقتضى الشرط المشروط على المستفيد؛ لأن من بنود الشرط () ألا يتصرف فيه بنقل ملكه لأي واحد من الناس، ونفس المستفيد مُوَقِّع على هذا الشرط.
وعلى هذا فنقول: حتى على المذهب لا يجوز بيعها؛ لأن هذا الرجل التزم على نفسه ألا ينقل ملكها لأحد، فهي مرهونة بشرط، أما () الأخير، أخيرًا رخصوا للإنسان أن يبيعها لكن بشروط، بشروط معروفة؛ أن يكون له خمس سنوات، وألا يبيعها إلا لشخص لم يستفد من الصندوق.
طالب: شيخ، يعني الآن.
الشيخ: الصندوق.
طالب: الصندوق؟
طالب: عنده.
الشيخ: إي، ما يكفي () بله واشربه.
() وعدم من جواز ().
والصحة معناه: ()، هذا الفرق بينهما؛ فكل لازم صحيح، وليس كل صحيح لازمًا؛ الرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، وبعد القبض صحيح لازم.
مثال ذلك: استقرضت منك ألف درهم، ورهنتك سيارة، ولكن السيارة معي، الرهن صحيح غير لازم؛ لأنه ما قبض، فلا يلزم إلا بالقبض.
[ ١ / ٤٧٤١ ]
استقرضت منك ألف درهم، وأرهنتك سيارة زيد؟
طلبة: ().
الشيخ: ليس صحيحًا.
طالب: ولَّا لازم.
الشيخ: ولَّا لازم.
استقرضت منك ألف درهم، ورهنتك سيارتي وسلمتها إليك.
طالب: صحيح لازم.
الشيخ: صحيح.
طالب: لازم.
الشيخ: لازم، لا يلزم الرهن إلا بالقبض؛ فلو رهنتك شيئًا وهو معي، فالرهن ().
فيجوز لي أن أبيعه وأخسر فيه، وليس لك الحق في معارضتي، () هو في حقي جائز، ما هو الدليل؟
يقولون: إن لنا دليلًا وتعليلًا؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، صحيح.
دليل ثانٍ من السنة أن النبي ﷺ رَهَن درعَه عند يهوديٍّ وسلمه له. (٢)
دليل ثالث أيضًا من السنة؛ أيش؟ «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (١).
هذه ثلاثة أدلة؛ التعليل لا يتم الاستيثاق إلا بقبض الرهن؛ لأنني قبل أن أقبضه على وَجَلٍ؛ فإن صاحبه قد يتصرف فيه بأخذ شيء منه أو بيعه أو ما أشبه ذلك، وحينئذ فلا يلزم الرهن، وهذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني أن الرهن يلزم بالعقد إذا صح، لكنه يلزم في حق مَنْ؟ () لأن الحق له.
يلزم بمجرد العقد، وأن القبض من تمام الرهن، وليس من الأمر الذي لا بد منه؛ دليل ذلك من القرآن ومن السنة ومن النظر؛ من القرآن يقول الله ﷿: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وأنا إذا ارتهنت منك شيئًا وأبقيته عندك مؤتمنًا إياك فواجب عليك أن تؤدي الأمانة، وهذا يعني: أن الرهن لازم في حقك ما تتصرف فيه، بل هو لي، أنا الذي أستحق بيعه إذا حل الأجل ولم توف.
[ ١ / ٤٧٤٢ ]
وأما الدليل من السنة فقول الرسول ﵊: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (٣).
ومن المعلوم أن المرتهن إنما ارتهن هذا الشيء من أجل الاستيثاق بحقه، فقد شرط عليك شرطًا حكميًّا ألا تتصرف فيه بما يضره فيكون لازمًا عليك.
ومن الأدلة -وهو من القرآن- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيش؟
طالب: ﴿أَوْفُوا﴾.
الشيخ: ﴿بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وكلنا متفقون على أن الرهن يصح بالعقد؛ بمجرد العقد، فإذا صح بمجرد العقد لزم أن أوفي بما اقتضاه وهو حفظ هذا الرهن للمرهن، أما أرهنك وأروح () وأبيع وأخسر الرهن فليس هذا وفاءً بالعقد.
وأما العلة أو النظر فلأن المرتهن إنما ارتهن هذا الشيء لحفظ حقه وأبقاه عندك ائتمانًا بك، فإذا كان كذلك فإن مقتضى هذه الأمانة أن تؤدي الأمانة إلى من ائتمنك، وألا تخونه فيها.
وأما الجواب عن الآية الكريمة وعن الحديث () فنقول: إن الله ﷾ إنما ذكر الرهان المقبوضة؛ لأنه لا يتم الاستيثاق في هذه الحال التي في الآية إلا بماذا؟
طالب: بالقبض.
الشيخ: إلا بالقبض؛ لأن المتعاملين على سفر، وليس عندهما كاتب، فإذا ارتهن شيئًا ولم يقبضه فإنه عرضة لسقوط هذه الوثيقة، لماذا؟ لأن ما فيه كاتب، وأيضًا على سفر، ما معه أحد يشهد من الناس، ثم نقول لهم: أنتم لا تقولون بالآية؛ لأنكم ترون القبض شرطًا حتى في الحضر وحتى مع وجود الكاتب.
فالآية الكريمة إنما ذكرت الرهان المقبوضة فيما إذا كنا على سفر ولم نجد كاتبًا، () الآية، ثم نقول: إن في الآية في آخرها ما يدل على فقدان الاستدلال بها على ما ذكرتم وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإذا ائتمن المؤتمن الراهن فمقتضى () أنه يجب على الراهن أن يؤدي الأمانة، فيبقى الرهن سليمًا سالمًا لصاحبه.
[ ١ / ٤٧٤٣ ]
وأما فعل الرسول ﵊ فمعلوم أننا نقول معه بأن من تمام الاستيثاق أيش؟ () لا ننكره أنه من تمام الاستيثاق، أما أن نقول: إنه من شرط الاستيثاق فلا.
فالصواب إذن أن الرهن يلزم بمجرد العقد ()، والعمل عندنا من أزمنة متطاولة على هذا () فإن الفلاح يرهن الفلاحة وهي في قبضته، أو لا؟ فصاحب السيارة يرهن السيارة وهي في قبضته يكدُّها؛ فالعمل إذن في هذه المسألة ماشٍ على قول صحيح، وهو أنه يلزم بمجرد العقد؛ تفريعًا على ذلك قال المؤلف: (واستدامته شرط أيضًا) استدامة القطع شرط لأيش؟ للصحة ولَّا للزوم؟ للزوم؛ يعني: يجب أن يبقى معه؛ فمجرد قبضه ثم الرد يبطل اللزوم، لا بد أن يبقى معه؛ فلو أن الراهن أقبضني الرهن ثم رددته إليه لا يلزمه؛ لأنه يشترط الإقباض في ().
طالب: والاستدامة.
الشيخ: والاستدامة، فالاستدامة شرط لبقاء اللزوم؛ ولهذا قال: (استدامته) أي: القبض شرط للزوم القضاء، ليس المراد أن تقبضه ثم () تسترجعه؛ فإن المراد تقبضه إياه ثم يبقى.
قال المؤلف تفريعًا على ذلك: (فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإن ردَّه إليه عاد اللزوم إليه).
(إن أخرجه): الفاعل مَنْ؟ المرتهن (أخرجه إلى الراهن)، المرتهن الذي له الدين، واستوثق بهذه العين؛ إذا أخرجها إلى الراهن باختياره زال اللزوم، إذا زال اللزوم صار للراهن أن يتصرف كما شاء، حتى لو باع كل شيء.
ولكن المؤلف اشترط قال: (باختياره)، (فإن أخرجه إلى الراهن باختياره)، فإنه يزول اللزوم، فإن أخرجه إلى الراهن مُكْرَهًا على ذلك فاللزوم باقٍ؛ مثاله: () الراهن إلى المرتهن بعد أن سلَّمه الرهن، وقال له: لتعطيني رهني أو لأقتلنك، فقال المرتهن: إذا وصل الحال إلى هذا الحد خذه؛ خذ الرهن، وهو قادر على تنفيذ ما هدده به هل يبقى اللزوم؟
طالب: لا.
طالب آخر: ().
الشيخ: () اللزوم، لأيش؟
طالب: لأنه مُكْرَه.
[ ١ / ٤٧٤٤ ]
الشيخ: لأنه مكره، لو أن المرتهن قال له أبوه: يا ولدي، أعط الراهن ()، فمن أجل بره بوالده أعطى الراهن ()، يبقى اللزوم ولا ما يبقى؟
طالب: ما يبقى.
طالب آخر: يبقى.
الشيخ: لا يبقى؟ اثنان مختلفان، ما يبقى اللزوم؛ لأن والده لم يكرهه.
طالب: () اختياره.
الشيخ: إيه اللي باختياره كيف؟ باختياره ()، لو قال: يا أبت، أنا إذا أعطيته السيارة زال لزوم الرهن يتصرف فيها كما شاء وراح حقي، يمكن يقدر على الولد.
لكن في المسألة الأولى اللي جاء الراهن إلى المرتهن بالسيف قال: هات الرهن، وإلا شوف أجيب راسك قدامك، ويش يكون هذا؟ إكراه ولَّا لا؟
طالب: لا ().
الشيخ: رجل ارتهن من شخص سيارة، فذهب الشخص إلى أمير ظالم؛ قال له: فلان أخذ سيارتي بالرهن وعطلني، وأنا أبغي سيارتي () انتفع بها، وإن كان أجرتها ()، لكن () فجاء الأمير الظالم إلى المرتهن، وقال لك: أعط فلان سيارته، وكان يعلم أنه لو خالفه لحبسه أو ضربه، فأعطاه السيارة، ما تقولون؟ هل يبقى اللزوم أو يزول اللزوم؟
طالب: يبقى اللزوم.
الشيخ: رَدَّها على الراهن ().
طالب: مَنِ الذي ردَّها؟
الشيخ: المرتهن.
طالب: لكن بإكراه ().
الشيخ: وين الإكراه؟
طالب: من الأمير.
الشيخ: مَنْ هذا الأمير الظالم؛ هذا الأمير الظالم لو () بالحبس، أو يأخذ مني مالًا أكثر، أو يضعفني، إذن هذا إكراه، فالمؤلف قال: إن رده باختياره؛ لو فرض أن المرتهن أراد أن يسافر، فرد الرهن إلى الراهن على أنه وديعة عنده، وأنه نائب المنافع؟ ما تقولون؟
طالب: يبقى اللزوم.
الشيخ: ما ردَّه إليه على أنه له، ولو ردَّه إليه على أنه له، قد نقول: وجيه، لكن رده على أنه وديعة عنده، هل يزول اللزوم ولَّا لا؟
طالب: ().
طالب آخر: يبقى اللزوم.
الشيخ: يبقى اللزوم؟
طالب: () كلام المؤلف.
الشيخ: كلام المؤلف يقول: إن أخرجه باختياره. هذا الرجل أخرجه باختياره؟
طالب: يبقى.
[ ١ / ٤٧٤٥ ]
الشيخ: يبقى اللزوم؛ يعني: أنا ارتهنت من هذا الرجل سيارته، حطتها عندي في الجراج، جراج ()، وأردت أن أسافر فخشيت على السيارة، فذهبت بها إلى صاحبها، وقلت: خذ، احرسها حتى أرجع نيابة عني، هل يزول اللزوم أو لا يزول؟
طالب: ما يزول، يبقى اللزوم.
الشيخ: لا، يزول، رأي المؤلف: يزول اللزوم، يا إخوان. كلام المؤلف يقول: إن ردَّه إلى الراهن. الآن رددته إلى الراهن، ولَّا لا؟
طالب: وديعة.
الشيخ: المؤلف أطلق، ما اشترط إلا شرطًا واحدًا وهو الاختيار، فأنا الآن رددته إليه، فيزول اللزوم؛ وعلى هذا نقول: يزول اللزوم، ولو كان نيابة عن المرتهن.
طالب: هل () اللزوم إلى ()؟
الشيخ: لا؛ لأنه ملكه، يبقى الملك غير صحيح؛ اللزوم وغير اللزوم، لكن المودع يجب أن يحفظ الوديعة، لكن ().
المهم أعطيته السيارة وأنا سافرت، ولما رجعت انتهت الوديعة ()، ويش نقول للراهن؟ أثم؟ أثم ولَّا لا؟ على رأي المؤلف: لم يأثم؛ بيعها حلال، وثمنها حلال وهذا الرجل المسكين اللي ما راح () وجهه، أو () ثاني حتى عن صاحبها؛ لأنها أحفظ لها، نقول: ()، يبقى دينه في ذمة الراهن، يجب () اللزوم، ()، أفهمتم الآن؟ هذا مما يدل على بطلان هذا القول؛ لأن () إذا لزم منه شيء ينكر دل ذلك على بطلانه.
هذا الرجل الذي أحسن إلى السيارة وإلى الراهن بكونه يؤديها إليه ليحفظها، نقول: جزاؤه جزاء سِنِمَّار.
كما قال الشاعر:
جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغَيْلَانِ عَنْ كِبَرٍ
وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُ
أبو الغيلان هذا الشاعر يدعو الله ﷿ أن أبناءه يجازونه إذا كبر وأحسن إليهم، ()، إما أن يتكسر عندما يبني وإلا يموت، فصعد به إلى السطح، وبينما هم واقفون دفعه حتى سقط على الأرض، هذا سنمار، ويش كان جزاؤه على هذا القصر المشيد الطيب الزين، ويش جزاؤه؟ الموت، أو التكسر.
[ ١ / ٤٧٤٦ ]
فالحاصل من () أن هذا الرجل المرتهن الطيب () الذي جاء بالرهن عند صاحبه وديعة حتى يرجع من السفر، ويش صار جزاؤه؟
جزاء ()، ما بقي إلا بالذمة بينما كان () بالذمة وقت الرهن، هذا أصبح بذمة هذا الرجل الذي قد يكون () في يوم من الأيام؛ إذا أتى إلى صاحب ().
قال المؤلف: (فإن رَدَّه إليه عاد لزومه إليه) (فإن ردَّه) الفاعل مَنْ؟
طالب: الراهن.
الشيخ: الراهن.
(إليه): إلى مَنْ؟
طالب: المرتهن.
الشيخ: إلى المرتهن.
(عاد اللزوم) أي: لزوم الرهن.
(إليه) () هذا الرجل الراهن بعدما أعطاه مثلًا الرهن، بقي عنده يوم أو يومين، رده إليه، هل يحتاج لزومه مرة ثانية () العقد؟
طالب: لا يحتاج.
الشيخ: لا، يعود لازمًا بمجرد رده إلى المرتهن؛ فصار هذا الرهن يوم السبت لازم، ويوم الأحد غير لازم، ويوم الاثنين لازم، ويوم الثلاثاء غير لازم، ويوم الأربعاء لازم، ويوم الخميس غير لازم. ويش آخر أيام الأسبوع؟ يوم الجمعة، ويش صارت يوم الجمعة؟
لازم، أصبح عندي الآن ()؛ يعني: صار الآن هذا الرهن يمكن نجعله كلتا اللازم و() الثانية غير لازم، إن أعطيناه ملكه إن أخرجناه، أخذه الراهن؟
طالب: صار غير لازم.
الشيخ: صار غير لازم؛ المؤلف -﵀- يقول: (إن أخرجه إلى الراهن)، وقال: (وإن ردَّه إليه) أي: الرهن إلى المرتهن؛ لو أخرجه المرتهن إلى غير الراهن، هل يزول اللزوم؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعني: لو أودعه ثقة يزول اللزوم ولَّا لا؟
طالب: لا.
طالب آخر: لا يزول.
الشيخ: ما يزول، لكنه لا يمكن أن يودعه أحدًا إلا بموافقة الراهن؛ لأن الراهن له حق ()، والمرتهن له حق ()، إنه يكون عند مَن اتفقا عليه، الراهن أخرجه إلى غير المرتهن، ما ردَّه للمرتهن ()، يعود اللزوم، ولَّا لا؟
طالب: لا يعود.
الشيخ: أنا أخرجت للراهن ()، الراهن أعطاه الشق الآخر.
طالب: ما يعود.
الشيخ: يعود اللزوم ولَّا لا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٤٧٤٧ ]
الشيخ: لا يعود اللزوم، ليش؟ لأن المؤلف يقول: (إن رده إليه)؛ إلى المرتهن، وهذا يقبل ()، نعم لو كان هذا الشخص وكيلًا للمرتهن، وردَّه الراهن إليه.
طالب: يعود اللزوم.
الشيخ: يعود اللزوم، أو لا؟
المؤلف في المسألة الأخيرة قال: (فإن ردَّه إليه عاد اللزوم إليه)، ولم يقل: باختياره، فما قولكم فيما لو ذهب المرتهن إلى الراهن، وقال: أعطني الرهن، () الآن زال اللزوم. قال: أعطني الرهن وإلا فعلت وفعلت حتى خاف منه فرده إليه، هل يعود اللزوم ولَّا لا؟
طالب: نعم، يعود اللزوم.
الشيخ: لأن هذا الإكراه بحق؛ لأن حقي ما زال موجودًا في هذا الرهن، فأنا ما أكلتك على أمر ليس من حقي، هذا ظاهر كلام المؤلف، لكن قد يقال: إن المؤلف () أن يكون اختياريًّا.
***
يقول: (ولا يَنْفُذ تصرُّف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر) لا ينفذ تصرُّف واحد منهما بغير إذن الآخر؛ الراهن لا ينفذ تصرفه في المرهون، والمرتهن لا ينفذ تصرفه في المرهون أيضًا إلا بإذن الآخر، فإذا أذن الثاني جاز؛ لماذا؟
أما عدم نفوذ تصرف المرتهن في الرهن؛ فلأنه ليس بمالك ولا قائمًا مقام المالك، () استسلفت منك مئة ريال، وأعطيتك هذا المسجل رهنًا، المسجل الآن في يد مَنْ؟
المرتهن، المرتهن لا يمكن أن يبيع المسجل، لماذا؟ لأنه ليس مالكًا له، صح؟
طلبة: ().
الشيخ: ولا قائمًا مقام المالك؛ الراهن اللي هو أنا ينفذ التصرف فيه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما ينفذ؛ لتعلُّق حق المرتهن به، فتصرفي فيه يستلزم إبطال حق المرتهن، وحق المرتهن ثَبَت باختياري أنا، فلا يحل لي أن أبطل هذا الحق الذي التزمت به أمام المرتهن.
فصار المرتهن لا يملك التصرف فيه، لماذا؟ ليس بمالك ولا قائم مقام المالك، والراهن لا ينفذ تصرفه فيه لتعلق حق المرتهن به الذي التزمه نفس الراهن، فيجب عليه الوفاء به.
[ ١ / ٤٧٤٨ ]
قول المؤلف: (لا ينفذ تصرف) ظاهره سواء كان هذا التصرف نقلًا لملكية عَيْنٍ، أو لمنافعها، صح؟ أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: يعني معناه: الراهن ما يبيع المرهون، ولا يؤجره، هكذا جاء كلام المؤلف؛ فلو أنني استسلفت منك شيئًا وأرهنتك البيت يبقى هذا البيت أنا لا أؤجره وأنت لا تؤجره، ولا أسكنه ولا تسكنه. صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ يبقى معطلًا حتى نتفق على التصرف فيه، هذا ما يقتضيه كلام المؤلف.
والصحيح في هذه المسألة أنه لا يحل أن يبقى معطلًا، إذا طلب مالكه أن يؤجره؛ لأن تأجيره فيه مصلحة لمن؟
طالب: للراهن والمرهون.
الشيخ: ()، للراهن والمرتهن؛ فإذا كان هذا البيت الذي يساوي عشرة آلاف في السنة، فهذه العشرة () لكل من الطرفين؛ إلى الراهن اللي هو مالك البيت يستعين بها على سداد الدين، وإلى المرتهن يزداد وثيقة؛ لأن () تبعًا للرهن، لا يتصرف فيه الراهن، فينتفع كل من الطرفين، وتفويت منفعته لسنة أو سنتين أو أكثر من باب إضاعة المال الذي نهى عنه الرسول ﷺ (٤)؛ ولهذا الصحيح أنه إذا كان يمكن الانتفاع بالرهن فإن الممتنع منهما يجبر على استغلال هذا النفع، سواء كان الراهن أو المرتهن.
لو فرضنا () الراهن فأنا أتوقف في إجباره؛ يعني ()، وهنا قد يتوقف الإنسان لأن الراهن مالك، وهو يقول: ربما إذا فاجأه شخص أن يدمر البيت به، وكثيرًا ما تدمر البيوت من المستأجرين حتى إن الأجرة لا تكفي () أحيانًا.
يقول المؤلف: (إلا عتق الراهن فإنه يصحُّ مع الإثم) (إلا عتق الراهن): كيف عتق الراهن؟ الراهن هو عبد؛ (عتق الراهن): هو (الراهن) عبد حقيقة؟
طالب: لا، الراهن، ().
الشيخ: إذن (عتق) مصدر مضاف إلى الفاعل؛ يعني: (إلا عتق الراهن) المرهون (فإنه يصح)، لكن (مع الإثم) تؤخذ قيمته من الراهن رهنًا مكانه، تؤخذ قيمة الرهن مكانه. فعندنا الآن تصرف الراهن والمرتهن في الرهن فاسد ولَّا صحيح؟
[ ١ / ٤٧٤٩ ]
حرام وفاسد إلا مسألة واحدة؛ وهي إذا أعتق الراهن المرهون فإنه يصح مع الإثم؛ فيتعلق بعتق الراهن المرهون ثلاثة أحكام؛ النفوذ، والتحريم، وأن تؤخذ قيمته من الراهن فتكون رهنًا؛ مثاله: استقرضت من شخص ألف درهم، ورهنته العبد، عبدًا لي () أخذ العبد؛ قبضه، الرهن لازم ولَّا غير لازم؟
طالب: لازم.
الشيخ: الرهن لازم.
ولكني ذهبت إلى كاتب العبد وقلت: اكتب بأني أعتقت عبدي فلانًا المرهون. فِعْلي هذا حرام؛ أناقض فأذهب إلى المرتهن، وأقول: () العبد رهن، هذا أفضل، أعتقته () عليه ولَّا لا؟ عليه، لكن يأتي المرتهن إليه يقول: () عبد، اضمن لي من الآن، ثمن العبد، وقَوِّم العبد، كم يسوى؟ وأعطاني القيمة رهنًا؛ ولهذا قال المؤلف: (وتؤخذ قيمتُه رهنًا مكانه) يعطيه القيمة رهنًا مكانه؛ الراهن قال -لما طلبت منه قيمة- قال: القيمة الرجل؛ أعتقت العبد والقيمة، يعني: ما عندي دراهم، ويش يقول المرتهن؟
طالب: ().
الشيخ: يضيع حقه، ().
إذن المؤلف يقول: عتق الراهن صحيح، عتق الراهن حرام، يؤخذ من المعتِق -وهو الراهن- قيمة هذا العبد؛ بمعنى أنه يقدره كم يساوي وتؤخذ قيمته، إن لم يوجد عنده مال فقد حق المرتهن؛ لماذا؟ كيف يصح عتق العبد ولا يصح بيعه؟ ! لو أراد الراهن أن يبيع العبد اللي عند المرتهن ما يستطيع، ما يمكن، لا يصح ()، فكيف صح العتق؟ !
قالوا: لأن العتق مبني على الاضطرار والتغليب، ولأن الشارع متشوف للعتق ويحض عليه ويرغِّب فيه، التعليل يهم ولَّا لا؟ ما فيه دليل، لكن فيه تعليل؛ أنه مبني على الاضطرار والتغليب.
وفيه أيضًا أن الشارع يتشوف للعتق وتحرير الرقاب؛ فلهذا نفذناه مع التحريم، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
[ ١ / ٤٧٥٠ ]
والقول الثاني أنه لا يصح عتقه، () لماذا؟ لأن فيه إسقاطًا لحق المرتهن الذي التزم به الراهن، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذا القول هو الصحيح المتعين الذي لا يجوز سواه، والغريب أن الفقهاء ﵏ يقولون: يصح مع الإثم، وكيف يُتَقَرَّب إلى الله بمعصيته، () وأيش نقول؟ والعتق عبادة ولَّا لا؟ العتق عبادة من أجلِّ العبادات؛ ولهذا جاء تارة في ()، تارة في الظهار، تارة في اليمين، تارة في الجِماع في نهار رمضان، فهو من أعظم العبادات، فكيف نتقرب إلى الله تعالى بما هو معصية له؟ هذا فيه تناقض، والصواب أن عتقه حرام وغير نافذ، والرهن باقٍ بحاله.
لو قال قائل: أنا أبغي توفق بين القولين، ويقول: إن كان عند الراهن قيمة الرهن نفذنا العتق وأخذنا القيمة؛ فإن كان معسرًا أو () لم ينفذ العتق.
لو قال قائل بهذا القول الوسط لم يكن بعيدًا؛ لأن هذا القول فيه ضمان للحقوق مع نفوذ العتق، لكنه قد يضعفه أن يقال: ما دام العتق حرامًا، فالحرام لا يمكن أن يكون نافذًا؛ لأنه مر علينا في القواعد أن التحريم إذا عاد إلى ذات العمل، قيل إنه، أيش؟
طالب: يكون ().
الشيخ: يكون ().
كل تحريم يعود إلى أصل العمل ما يمكن أن يكون صحيحًا؛ لأن التحريم معناه منع الناس منه، فإذا صححناه فقد نفذناه؛ فصار عندنا الآن في هذه المسألة قولان؟
طالب: القول الأول أن يصح الرهن، يصح ().
الشيخ: وإلا فلا، يكون هذا فيه جمع بين تنفيذ العتق وحماية حق المرتهن.
طالب: شيخ، الجواب؟
الشيخ: الجواب أن نقول: إن الشارع يتشوف إلى العتق، لكن بشرط أن يكون في طاعة الله، أما أن يتشوف إلى العتق في معصية الله، فإن الشارع لا يتشوف له.
[ ١ / ٤٧٥١ ]
وأما قوله: إن بيع السيارة في الطريق، () كان حلالًا، أما إذا كان حرامًا فإنه يأثم؛ ولهذا لو أن أحدًا من الناس أعتق عبدًا مشتركًا؛ أعتق كل العبد، وهو الآن () حصة شركائه، فإن ذلك لا يجوز، ولا () عتقه، لكن إذا كان على سبيل المباح فنعم، هو مبنيٌّ على اضطراره.
ولذلك لو قال قائل لعبده حينما كتب هذا العبد؛ كتب كتابًا، فلما قرأه السيد وجده كتابًا جميلًا من أجمل الخطوط ()؛ قال: هذا كتابك؟ قال: نعم. بماذا كتبته؟ قال: كتبته بالأصابع الثلاثة؛ الإبهام، والوسطى، والسبابة. قال: إذن أعتقت إبهامك وسبابتك والوسطى. كل الثلاثة ().
طالب: لا يصح.
الشيخ: أيش يصير؟ ()، يعتق كله.
نقول له: يا أخ جزاك الله خيرًا؛ لأنك أعتقت العبد كله، قال: يا جماعة ما أعتقت إلا الثلاثة () تقدر تقطعها ().
لكن في مرة من المرات جاء إلى جاريته مملوكة، ووجد شعرها جميلًا، مصفصفة للشعر على وجه جميل فأعجبه، فقال: إن شعرًا كهذا لا ينبغي أن يكون مسترقًّا، فأنا الآن أعتقت شعرك، تعتَق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: لأنه يقطع.
الشيخ: لا، هذا في حكم المنفصل ().
***
المرهون فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا في اللغة العربية؛ كما في قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٥) أي: مردود، وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، و﴿الْأَحْمَالِ﴾: جمع حمل، بمعنى: محمول؛ فالرهن بمعنى المرهون.
نماء الرهن يعني: ما يحصل منه من ثمر ودرٍّ ونسل؛ هذا النماء ما يحصل منه من ثمر، متى يكون ذلك؟ إذا كان المرهون أشجارًا. ونسلًا إذا كان حيوانًا، ودرًّا إذا كان الدر -اللبن يعني- حيوانًا أيضًا، حيوان يباح لبنه؛ فنماء الرهن ملحق به؛ يعني: يكون رهنًا معه.
[ ١ / ٤٧٥٢ ]
مثال ذلك: رجل رهن شاةً لمدة سنة، وفي هذه المدة حملت الشاة وولدت، فجاء صاحبها يطالب بالولد ويقول: أنا آخذ الولد وأبيعه. نقول: لا؛ لأن هذا نماء للرهن، والنماء فرع، والفرع تابع للأصل؛ فيكون ولدها رهنًا معها.
لبنها الذي يسمنها، إذا بيع في السوق، فهل تكون قيمته رهنًا؟
الجواب: نعم؛ لأنه نماء، كذلك نخل رهنه شخص وأثمر النخل في هذه المدة، فقال الراهن: أنا أريد أن أبيع ثمر نخلي، وقال المرتهن: بل الثمر تبع للشجر. ماذا نقول؟
نقول: هو تبع للشجر؛ فيكون رهنًا معها.
كذلك أيضًا يقول المؤلف: (نماء الرهن وكسبه)؛ كسب الرهن وهذا فيما إذا كان الرهن يكسب؛ مثل: لو كان رقيقًا يتكسب ويتجر فإن كسبه يكون لسيده، لكنه رهن، وكذلك لو فرض أن هذه البعير يَحْمِل عليها ويؤخذ لها أجرة؛ فإن الأجرة تكون رهنًا أيضًا؛ لأنها كسب.
يقول المؤلف: (وأرش الجناية عليه) (أرش الجناية)، ويش الأرش؟
الأرش يعني ما يؤخذ عن الجناية؛ مثل هذا العبد، جنى عليه شخص، وأتلف أصبعًا من أصابعه، وأخذنا قيمة لهذا الأصبع، فالقيمة تكون تبعًا للرهن.
أو هذه بقرة مثلًا مرهونة، فجنى عليها جانٍ فأتلف عينها، وضمناه التلف، هذا الضمان يكون رهنًا؛ فأرش الجناية عليه معناه ما يؤخذ أيش؟ بسبب الجناية على الرهن، فإنه يكون تبعًا له؛ لأنه فرع والفرع يتبع الأصل.
قال المؤلف: (ملحق به)، هذه خبر المبتدأ، خبر (نماء) وما عطف عليه.
(ومَؤُونَتُه على الراهن وكفنه وأجرة مخزنه) (مؤونته) ويش معنى المؤونة؟ يعني: ما يُنْفَق عليه، هذه على الراهن، من الراهن؟ المدين ولَّا الدائن؟
طلبة: المدين.
طلبة آخرون: الدائن.
الشيخ: الراهن معطي الرهن، كيف يكون؟ المدين يا إخواني؛ الراهن هو المدين؛ لأنه هو الذي أعطى الرهن، والمرتهن: الذي أخذ الرهن وهو الدائن؛ المرتهن هو الدائن، والراهن: المدين، إذن مؤونته على الراهن.
[ ١ / ٤٧٥٣ ]
أنا مثلًا أعطيتك ألف ريال قرضًا، كذا؟ أي نعم، اشهدوا عليه يا جماعة! () ألف ريال، فأعطيتني أنت رهنًا، الآن أنت الراهن.
طالب: ().
الشيخ: لا، أنت الراهن؛ لأنك أعطيتني هذا الرهن؛ يقال: رهنه عنده، فهو راهنه.
طالب: يعني ().
الشيخ: لا، أعطيتني إياه، أعطيتني الرهن؛ أعطيتني مثلًا مسجلًا رهنًا، فأنت الراهن، وأنا المرتهن؛ أخذته، ارتهنته، فإذن الدائن هو المرتهن، والمدين هو الراهن. مؤونة الرهن على من؟ على الراهن، لماذا؟ لأنه ملكه، فأنا ليس علي ذنب.
ولو قلنا: إن مؤونة الرهن على المرتهن لكان ربما مؤونته تستوعب الدين وزيادة، فمؤونة الرهن على من؟ على الراهن؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ؛ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (٦)؛ فغرم الرهن إذن على الراهن، كذلك كفنه.
مات العبد المرهون، فالكفن على مَنْ؟ على الراهن ولَّا على المرتهن؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: على الراهن؛ لأنه سيده؛ قال الراهن للمرتهن: أنت اللي تكفنه، وعليك أجرة تغسيله، وعليك أجرة حمله إلى المقبرة، وأجرة القبر، أنت؛ لأنك رهنته. فيقول المرتهن للراهن: لكن هذا الرهن ملك لك، فلك غنمه، وعليك غرمه.
(كفنه، وأجرة مخزنه) لو فرض أن الرهن يحتاج إلى مخزن، مثل أيش؟
طالب: الحبوب.
الشيخ: كالحبوب مثلًا، أو السيارات، أو المواشي؛ فأجرة المكان الذي تحفظ فيه هذه الأشياء تكون على الراهن؛ لأنها من المؤونة؛ فإذا قدر أن هذا الرجل رهنني سيارات، أعطاني رهنًا سيارات، السيارات تحتاج إلى جراج، أجرة الجراج، جراج السيارات هذه على من؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: على الراهن؛ لأنها ملكه؛ قال: (وهو أمانة في يد المرتهن) (وهو) أي: الرهن (أمانة في يد المرتهن)؛ لأننا نعلم الآن أن الرهن يكون عند المرتهن يُعْطَى إياه؛ قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإذا قبضه المرتهن صار أمانة في يده، لماذا صار أمانة؟
[ ١ / ٤٧٥٤ ]
لأنه قبضه بإذن صاحبه؛ صاحبه هو الذي أعطاه إياه، وإن كانت المصلحة الآن للمرتهن لكن قبضه بإذن صاحبه، وكل مَنْ قبض المال بإذن من الشارع أو إذن من المالك فإن المال بيده يكون أمانة، وهذه قاعدة مهمة وهي أن مَنْ قبض المال بإذن من الشارع، أو إذن من المالك فإنه يكون عنده أمانة؛ بإذن من الشارع كولي اليتيم؛ فإن ولي اليتيم يَْقِبض مال اليتيم ويتصرف فيه بالتي هي أحسن بإذن ممن؟ من الشارع أو إذن من المالك: كالوكيل مثلًا؛ الوكيل يقبض المال بإذن من صاحبه فهو إذن أمين.
فالقاعدة في هذا كل مَنْ قَبَض مالًا بإذن من الشارع أو إذن من المالك فهو أمانة عنده ضد ذلك الغاصب؛ فإن الغاصب المال في يده ليس أمانة؛ ولهذا يضمنه مطلقًا.
أما هذا فيقول: (وهو أمانة في يد المرتهن، وإن تلف)؛ يعني: ينبني على هذا قوله: (وَإِنْ تَلَفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ولا تَفْرِيط فلا شيء عليه).
(إن تلف) أي الرهن (من غير تعدٍّ ولا تفريط فلا شيء عليه)، وإن تلف بتعدٍّ أو تفريط فعليه الضمان، ما الفرق بين التعدي والتفريط؟
التعدي أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط أن يترك ما يجب، هذا الفرق بينهما؛ مثال ذلك: هذا رجل رهن سيارة عند شخص؛ يعني: اقترض من شخص عشرة آلاف ريال، وقال: خذ سيارتي هذه رهنًا عندك؛ أخذ السيارة دخَّلها في الجراج، وأغلق عليها الباب، وقفلها، الآن: مفرِّط ولَّا غير مفرِّط؟
طلبة: غير مفرط.
الشيخ: غير مفرِّط؛ لأنه ما ترك الواجب؛ الواجب عليه حِفْظُ السيارة؛ وحفظها الآن، دخلها في الجراج، وأقفل الباب، فهو الآن غير مفرط.
لكنه في كل مساء يركب هو وأهله هذه السيارة ليخرج يتمشى عليها، يروح ()، ويروح للمزارع، حصى وأودية، ()، رجع عليها، ويش يكون هذا؟ متعد ولَّا لا؟
طلبة: متعد.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنه فعل ما لا يجوز، لا يجوز أن يستعمل مال غيره إلا بإذنه، فهذا الرجل نقول: إنه متعدٍّ.
[ ١ / ٤٧٥٥ ]
لو حصل على هذه السيارة تلف ولو كانت في الجراج، يضمن ولَّا لا؟ يضمن؛ لأنه متعدٍّ؛ ولهذا يقول: (إن تلف من غير تعدٍّ منه) فهو يضمن؛ لأنه متعدٍّ.
رجل آخر ارتهن سيارة من شخص، وحطها عند الباب، ولم يقفل بابها، باب السيارة مفتوح، ووضع مفتاح السيارة على الدريكسون، ودخل ينام، لكنه محترم للسيارة، ما عمره ركبها أبدًا، فجاء شخص من الليل ووجد هذه السيارة أبوابها غير مغلقة، والمفتاح على الدريكسون، فركبها وشغل ومشى، يضمن ولا ما يضمن؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنه مفرِّط، كيف التفريط؟ ترك ما يجب؛ لأن الواجب أن يحفظ هذه السيارة في مثلها حفظًا لا يتعدى عليها أحد.
إذا تلفت هذه السيارة ومثلًا وراحت خربت ولَّا أُتْلِفَت فالضمان على مَنْ؟ على المرتهن؛ لأنه فرَّط؛ فالمؤلف يقول: (إن تلف من غير تعدٍّ ولا تفريط فلا شيء عليه)، لماذا؟ لأنه أمين؛ حيث حصل هذا المال بيده بإذن ممن؟ من صاحبه.
يقول: (ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه) (ولا يَسْقُط بهلاكه) أي: بهلاك الرهن (شيء من دين): أي من دين المرتهن، الضمير في (هلاكه) يعود على الرهن، والضمير في (دينه) يعود على المرتهن؛ أي أنه: لو هلك الرهن أو بعضه فإنه لا يسقط ما يقابله من الدين؛ لأن الدين ثابت في الذمة، والرهن ما هو إلا توثقة فقط.
مثاله: استدان شخص من آخر على سبيل القرض ألف ريال، ورهنه -أي المقترض- رهن المقرض عشرة شياه، كل شاة بمئة ريال، والدين كم؟ ألف ريال، أخذ الشياه وحفظها في حفظ مثلها، وقام عليها بما يجب وتلف نصف هذه الشياه، تلف كم؟ خمس شياة. هل يسقط من دينه خمس مئة؟ لا، ولا قرش واحد؛ لأن الرهن في يده أمانة، ولم يتعدَّ ولم يفرط، والدين ثابت في ذمة المدين.
[ ١ / ٤٧٥٦ ]
ولهذا قال: (ولا يسقط بهلاكه شيء) (شيء) هذه نكرة في سياق النفي؛ يعني: ما يسقط من الدين لا قليل ولا كثير إذا هلك الرهن كله أو بعضه، والعلة كما سمعتم؛ لأن الدين ثابت في الذمة، والمرتهن لم يتعدَّ ولم يفرط.
(وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين) معلوم، إن تلف بعض الرهن فباقيه رهن بجميع الدين، لا بما يقابل الباقي منه، بل هو رهن بالجميع.
لا نقول: إنه لما تلف البعض، بقي بعض الدين المقابل بدون رهن، بل كل الدين يكون رهنًا، يكون به رهن، واضح؟
مثال ذلك: رجل استقرض من شخص ألف درهم، ورهنه عشرة مسجلات، كل مسجل قيمته مئة ريال، صار الآن الألف يقابل عشرة مسجلات، تلف من هذه المسجلات خمسة بدون تعدٍّ ولا تفريط، هل الألف درهم كله يكون به رهن بما بقي، أو نقول: خمس مئة درهمٍ بقيت ليس بها رهن؟
طلبة: الأول.
الشيخ: نعم، الأول.
بمعنى أن المدين لو جاء لهذا الشخص وقال: الآن تلف من رهنك نصفه، وهذه الخمس مئة درهم مقابل الرهن الموجود اللي ما تلف وأعطاه رهنه، يطيعه ولَّا ما يطيعه؟
لما تلف نصف الرهن جاء الراهن إلى المرتهن وقال: نصف الرهن تلف، وأنا الآن أوفيك نصف الدين في مقابل ما بقي من الرهن، وأريد أن تفك الرهن عن هذا الموجود الباقي. فقال المرتهن: لا، الباقي رهن حتى توفي جميع الدين. أيهما الذي نأخذ بقوله؟
بقول المرتهن؛ ولهذا قال: (إن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين)، أظن واضح جدًّا؛ يتبقى الرهن بجميع الدين.
(ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين) هذه توكيد لما سبق؛ يعني: لا ينفك بعض الرهن مع بقاء بعض الدين، فإن بقي كل الدين؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، فإن أوفى الدين كله انفك الرهن، كذا؟
على كل حال ما دام قد بقي من الدين درهم واحد فإن الرهن بحاله يشمل جميع المرهون.
قال: (وتجوز الزيادة فيه دون دينه) تجوز الزيادة في الرهن، ولا تجوز الزيادة في دين الرهن. أيش معنى العبارة؟
[ ١ / ٤٧٥٧ ]
(تجوز الزيادة في الرهن) يعني: أنني لو استقرضت منك ألف درهم وأعطيتك فيها رهنًا، أعطيتك مثلًا سيارة، ثم إني رأيت أن السيارة قليلة؛ لأن السيارة ما تساوي إلا مئتين.
طالب: ().
الشيخ: () ما تساوي إلا مئتين، فرجعت إليك وقلت لك: أنا بأعطيك سيارة أخرى بالدين الذي لك عندي، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟
لأنه زيادة توثقة، وجزاه الله خيرًا، يمكن () وقال: هذه سيارتين () ما يكفي، فأعطيك ثالثة، إي نعم، ورابعة، ما فيه مانع؛ لأن هذا لا يضر، لكن دين الرهن لا تجوز الزيادة فيه؛ بمعنى: أنني إذا رهنت شيئًا بدين فإنني لا أزيد على الدين، ولو بغرض الرهن؛ مثاله: استقرضت منك ألف درهم، وأعطيتك هذه السيارة رهنًا؛ الآن السيارة رهن بماذا؟ بألف درهم.
جئتك مرة أخرى وقلت: أقرضني خمس مئة درهم. فقلت: نعم، أقرضك، لكن أعطني رهنًا. قلت: دخلها في الرهن الأول، يجوز ولَّا ما يجوز؟
ما يجوز؛ لأن هنا زدنا في الدين، فلا يجوز أن ندخله في الرهن السابق، لماذا؟ قالوا: لأن الرهن السابق مشغول بالدين الأول؛ لأن الدين الأول يشمل جميع الرهن؛ فجميع الرهن الآن مشغول بالدين الأول، والمشغول لا يشغل.
أرأيت لو رهنتني هذه السيارة، ثم استدنت من شخص آخر ورهنته إياها، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: استدنت منك ألف درهم ورهنتك هذه السيارة، وذهبت إلى رجل آخر، واستدنت منه ألف درهم ورهنته السيارة نفسها، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنها مشغولة بالرهن الأول؛ كذلك إذا استدنت منك أنت، وأضفت هذا الدين إلى الدين السابق في الرهن؛ قالوا: لا يصح، لأنها مشغولة بماذا؟ بالدين الأول، فلا يصح.
طالب: شيخ، وإن رضي؟
الشيخ: وإن رضي، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن بعض العلماء يقول: إنه تجوز الزيادة في دينه بشرط أن يكون باتفاق من الطرفين.
[ ١ / ٤٧٥٨ ]
وهذا هو الصحيح، ولا فرق بين أن تكون العين المرهونة تساوي الدينين جميعًا، أو لا تساوي إلا أحدهما، لا فرق ما دام رضينا فلا حرج؛ يعني مثلًا: لو رهنتك سيارة تساوي عشرة آلاف ريال بألف درهم، وجئت واستقرضت منك ألف درهم أخرى وأرسلناها في الرهن، الرهن يتحمل، أو لا؟ لأنه يساوي كم؟
طالب: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف ريال، والآن ما أخذنا منهم إلا ألفين، واستدنت ثانيًا، وثالثًا، ورابعًا، وخامسًا إلى العاشر؟
يجوز، ما دام الرهن يتحمل، بل نقول: يجوز، وإن لم يتحمل الرهن؛ حتى لو استدنت منك مثلًا زيادة عشرة آلاف ريال، وهو ما يسوى إلا خمسة، فلا حرج ما دمنا اتفقنا على هذا.
وقولهم: إن المشغول لا يُشْغَل، صحيح، المشغول لا يُشْغَل إذا كان الشاغل أجنبيًّا، أما إذا كان الشاغل هو الشاغل الأول ورضي بذلك، فما المانع؟ ولهذا عمل الناس على جواز الزيادة في الدين، يعني خلاف المذهب، ()، عمل الناس عندنا يأتي الفلاح ويستدين من التاجر، ويقول: أرهنك الفلاحة بالدين الحاضر اللي أعطيتني، ثم يأتي المرة الثانية ويستدين منه ويقول: هذا الدين داخل في الرهن الأول، ويمشي على هذا، والقضاة يحكمون بصحة ذلك، فعمل الناس عندنا على خلاف المذهب؛ أي أنهم: يزيدون في دين الرهن، ويعتبرون هذا أمرًا لازمًا ثابتًا، وهذا هو الصحيح.
الخلاصة الآن أن الرهن تجوز الزيادة فيه ..
وإن رَهَنَ عندَ اثنينِ شيئًا فوَفَّى أحدَهما أو رَهَنَاهُ شيئًا فاسْتَوْفَى مِن أحدِهما انْفَكَّ في نَصيبِه، ومَتَى حَلَّ الدَّيْنُ وامْتَنَعَ من وَفائِه فإنْ كانَ الراهنُ أَذِنَ للمُرْتَهِنِ أو العَدْلِ في بيعِه باعَه وَوَفَّى الدَّيْن، وإلا أَجْبَرَه الحاكِمُ على وَفائِه أو بيعِ الرهنِ، فإن لم يَفْعَلْ باعَه الحاكمُ ووَفَّى دَيْنَه.
(فصلٌ)
[ ١ / ٤٧٥٩ ]
ويكونُ عندَ مَن اتَّفَقَا عليه، وإن أَذِنَا له في البيعِ لم يَبِعْ إلا بنَقْدِ البلَدِ، وإن قَبَضَ الثمَنَ فتَلِفَ في يدِه فمِن ضَمانِ الراهنِ،
*
وإن ادَّعَى دَفْعَ الثمنِ إلى الْمُرْتَهِنِ فأَنْكَرَه ولا بَيِّنَةَ ولم يكنْ بحُضُورِ الراهنِ ضَمِنَ كوكيلٍ، وإن شَرَطَ إلا يبيعَه إذا حَلَّ الدَّيْنُ، أو إن جاءَه بحَقِّه في وَقتِ كذا، وإلا فالرهنُ له لم يَصِحَّ الشَّرْطُ وحْدَه، ويُقبلُ قولُ الراهنِ في قَدْرِ الدَّيْنِ والرهنِ، ورَدِّه، وفي كونِه عصيرًا لا خَمْرًا، وإن أَقَرَّ أنه مَلَكَ غيرَه، أو أنه جَنَى قبلُ على نفسِه، وحَكَمَ بإقرارِه بعدُ فَكَّه إلا أن يُصَدِّقَه الْمُرْتَهِنُ.
(فصلٌ)
ولِلْمُرْتَهِنِ أن يَرْكَبَ ما يَركبُ ويَحْلُبُ ما يَحْلُبُ بقَدْرِ نَفَقَتِه بلا إِذْنٍ، وإن أَنْفَقَ على الرَّهْنِ بغيرِ إذنِ الراهنِ معَ إمكانِه لم يَرْجِعْ، وإن تَعَذّرَ رَجَعَ ولو لم يَستأْذِن الحاكمَ،
(وإن رهن عند اثنين شيئًا فوفى أحدهما، أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه).
(رهن عند اثنين شيئًا فوفى أحدهما) يعني أن هذا الرجل استدان من زيد وعمرو، ورهنهما سيارة، فهنا استدان من شخصين ورهنهما شيئًا واحدًا، أوفى أحد الشخصين، هل يبقى جميع الرهن رهنًا بدين الثاني أو ينفسخ بنصيبه؟
يقول المؤلف: (انفك في نصيبه) فيكون الآن هذا الرهن نصفه مرهونًا فقط، وليست هذه كالمسألة الأولى؛ لأن المسألة الأولى الحق فيها لشخص واحد، فإذا أوفى بعض الدين فإن باقي الرهن يكون رهنًا بجميع الدين، أما هنا فإذا أوفينا بعض الدين فإنه لرجل آخر غير الرجل الذي بقي حقه، فينفك في نصيبه، وصورة المسألة أظنها واضحة لكم.
الصورة مرة ثانية: استدنت من زيد ألف درهم، ومن عمرو ألف درهم، وأرهنتهما هذه السيارة؛ صار الآن الرهن واحدًا والراهن اثنين، ثم إني أوفيت عمرًا دينه، فهل ينفك الرهن في نصيبه أو يبقى الرهن رهنًا لزيد؟
[ ١ / ٤٧٦٠ ]
يقول المؤلف: إنه (ينفك في نصيبه)، والفرق بينه وبين المسألة السابقة بالأمس أنه في المسألة السابقة أن صاحب الرهن في المسألة السابقة واحد، وهنا اثنان، وعليه فإذا أوفى أحدهما انفك في نصيبه، وبقي الرهن مرهونًا نصفه فقط، مرهون نصفه.
(أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه)؛ يعني جاءني رجلان يطلبان مني قرضًا فأقرضتهما ألف درهم، واحد خمس مئة وواحد خمس مئة، ورهن كل واحد منهما بيته عندي، فأوفى أحدهما حقه، ينفك الرهن ولَّا لا؟
طلبة: ينفك الرهن.
الشيخ: ينفك (أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه)، وكذلك لو رهناه شيئًا بينهما فإنه ينفك.
طالب: في نصيبه.
الشيخ: في نصيبه، رهن عند اثنين شيئًا، ويش مثاله؟ يعني استدان من زيد وعمرو، ورهنهما سيارة واحدة؛ وهي المسألة الأولى، أو رهناه شيئًا، وهي عكس المسألة الأولى بأن يكون اثنان بينهما شيء مشترك، واستدان من زيد ورهناه هذا الشيء المشترك، فأوفى أحدهما فإنه ينفك الرهن في نصيبه؛ لأن الرهن هنا صار بين اثنين فيكون كأنه عقدان. الصورة الثانية واضحة ولَّا لا؟
طلبة: واضحة.
الشيخ: يقول ﵀: (ومتى حَلَّ الدَّيْن وامتنع من وفائه) انتبه الآن نتيجة الرهن وفائدته هي هذه (متى حل الدين وامتنع من وفائه فإن كان الراهن) إلى آخره.
إذا حل الدَّيْن على مَنْ؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: على الراهن، فإنه يُطالَب بوفاء الدين، ويقال: أوفِ دينَك، فإذا امتنع رجعنا الآن إلى الرهن؛ ولهذا يقول: (فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفى الدين وإلا) إلى آخره.
إذا حل الدين فالمرحلة الأولى أن نقول للمدين أيش؟
طالب: أوفِ دينك.
الشيخ: أوفِ دينك، فإذا امتنع انتقلنا إلى المرحلة الثانية، فنقول: هل الراهن -وهو الْمَدِين- أذن للعدل أو المرتهن في بيعه؟ إن قلنا: نعم.
طالب: باعه.
[ ١ / ٤٧٦١ ]
الشيخ: باعه ووفى الدين، وإن قلنا: لا، ولم يأذن لهما رجعنا إلى المرتبة الثالثة، وسنذكرها.
قال المؤلف: (أذن للمرتهن أو العدل)، المرتهن مَنْ هُو؟
طلبة: صاحب الدَّيْن.
الشيخ: الذي أخذ الرهن، الذي له الدَّيْن. (أو العدل) العدل هو الوكيل الذي جعلا الرهن تحت يده؛ لأنه يجوز أن يتفق الدائن والمدين أو الراهن والمرتهن، يجوز أن يتفقا على أن يكون الرهن في يد فلان، نسمي هذا الذي جُعل الرهن في يده عدلًا، فإذا كان الراهن قد قال للمرتَهِن: إذا حل ديني فبِعْه، واستوفِ منه، أو قال للعدل: إذا حلَّ دَيْن فلان فبِع الرهن وأوفه، فالأمر واضح، إذا حل الدين ولم يُوفِ بعناه واستوفينا الدَّيْن منه.
بعد بيعه إما أن تكون قيمته أكثر من الدَّيْن، هذا واحد، أو أقل، أو مساوية؛ إن كانت قيمته أكثر من الدَّيْن أخذنا ديْن المرتهن والباقي نرده.
طلبة: للراهن.
الشيخ: على الراهن، على صاحبه؛ لأنه حقه؛ لأن الرهن ملك للراهن كما سبق، وإن كانت قيمة الرهن أقل من الدَّيْن أعطيناها المرتهن، وصار بقية الدَّيْن في ذمة.
طالب: الراهن.
الشيخ: الراهن، مرسلًا أو مضمونًا؟
مرسلًا؛ لأن ما فيه شيء يأخذه، وإن كانت بقدْر الدَّيْن؟ أعطيناها المرتهن، ولم يبقَ لأحد على أحد شيء. إذا كان الرهن من جنس الدَّيْن، هل نبيعه؟
لا، ما حاجة لنبيعه، إذا كان من جنس الدَّيْن فلا حاجة أن نبيعه، لكن هذا أمر نادر؛ لأنه يندر أن يأتي شخص ويقول: أقرضني صاع بُرٍّ، وهذا صاع بُرٍّ رهن، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
هذا ما يمكن، اللهم إلا في مسألة واحدة؛ لأنه يجوز أني أقول لشخص: أعطني مالك أرهنه عند فلان بدَيْن، يجوز، فهنا ربما آتي إلى شخص وأقول: والله أنا أبغي آخذ من فلان بُرًّا وأبغيك تعطيني -جزاك الله خيرًا- برًّا أرهنه عنده، ويبقى ملك المعِير على هذا الرهن، ما يزول ملكه، هذا ممكن، لكنه بعيد أيضًا.
[ ١ / ٤٧٦٢ ]
على كل حال يقول العلماء: إذا كان الدَّيْن مِن جنس الرهن فلا حاجة لبيعه أو لا؟ بل نقول للمرتَهِن: خذ الرهن إن كان بقدْر مالك؛ فالأمر ظاهر، وإن كان أقل أتممنا لك الحق، وإن كان أكثر أخذْنا منك الزائد.
إذا أبى لم يوفِ ولم يأذن ببيع الرهن، يقول المؤلف ﵀: (وإلا أجْبَرَه الحاكم على وفائه أو بيع الرهن)، الحاكم من؟
طلبة: القاضي.
الشيخ: القاضي. المدِين الذي هو الراهن أبى أن يُوفي الدَّيْن، وأبى أن يأذن في بيع الرهن، نرفع القضية إلى.
طلبة: القاضي.
الشيخ: إلى الحاكم محكمة، الحاكم يُجبره على أحد أمرين؛ إما وفاء الدين وإما بيع الرهن، وفاء الدين، قال: ما عندي فلوس، نقول: بِع الرهن، أو ائذن في بيعه، فإن أبى وعيَّ لا يُوفي، ولا يبيع، ولا يأذن؟
طالب: باعه الحاكم.
الشيخ: يقول المؤلف: (باعه الحاكم ووفَّى دينه)، فالمراتب إذن أربعة: نأمره بوفاء الدين، فإن امتنع بعنا الرهن إن كان قد أذن، فإن لم يأذن أجبره الحاكم على الوفاء أو بيع الرهن، فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفى دينه، وفي هذا دليل على أن أهل العلم -﵏- يرون أن تصرف الإنسان في ملك غيره لا يكون إلا في دائرة ضيقة؛ يعني عند الضرورة القصوى نتصرف في ماله، شوف الآن متى تصرفنا فيه وبعناه بدون إذنه؟ بعد ثلاث مراتب؛ يعني ما هو على طول نيجي نقول للراهن: يلَّا أوفِ الدَّيْن وإلا بعناه، لا، نقول: أوفِ الدَّيْن، ائذن في بيع الرهن، نجبره على بيعه، إذا لم يمكن كل هذه الثلاثة، فإن الحاكم يبيعه ويوفي دينه.
***
ثم قال رحمه الله تعالى: (فصل ويكون عند من اتفقا عليه)، (يكون) أي الرهن، (عند من اتفقا عليه) الفاعل اثنان، مَنْ هما؟
طلبة: الراهن والمرتهن.
الشيخ: الراهن والمرتهن، فإذا اتفقا على أن يكون الرهن عند زيد، يكون الرهن عند زيد، إذا اتفقا أن يكون الرهن عند المرتهن يكون عند المرتهن، إذا اتفقا على أن الرهن يكون عند الراهِن.
[ ١ / ٤٧٦٣ ]
طالب: يكون عند الراهن.
الشيخ: يكون عند الراهن، لكن المذهب.
طالب: غير صحيح.
الشيخ: يزول اللزوم، لا يكون لازمًا؛ فللراهن أن يتصرف فيه، والصحيح أنه يكون عند الراهن، ويكون لازمًا؛ لأن الصحيح أن القبض ليس بشرط للزوم كما سبق.
يقول المؤلف: (وإن إذنا له في البيع لم يبِع إلا بنقد البلد) متى يأذنا له في البيع؟
طلبة: إذا لم يوفِ.
طلبة آخرون: ().
الشيخ: إذا لم يوف، إذا حل الدَّيْن ولم يوفِه، قالوا له: بع، إذا باعه فهو ما يبيع إلا بنقد البلد، لا يبيع بنقد آخر، فمثلًا إذا كان في السعودية يبيعه بماذا؟
طلبة: بالريال.
الشيخ: بالريالات الورقية، إذا كان في الكويت يبيعه بالدينار، إذا كان في مصر؟
طلبة: بالجنيه.
الشيخ: يبيعه بالجنيه، إذا كان في البحرين؟
طلبة: بالدينار.
الشيخ: يبيعه بالدينار، إذا كان في سوريا؟
طلبة: بالليرة.
الشيخ: بالليرة، وهكذا؛ يعني لو يبيعه مثلًا في سوريا بالدراهم السعودية، قلنا: هذا حرام، لا تبع إلا بنقد البلد. فإن باعه بجنس الدين يجوز ولَّا لا؟ نعم، يجوز، كيف بجنس الدين؟ افرض أن الراهن قد استقرض من المرتَهِن دولارات وهو في السعودية، هل هذا هو نقد البلد؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس نقد البلد، ولكنه -في الحقيقة- من جنس الدَّيْن، وهذا أخسر من أن يبيعه بنقد البلد، ثم يذهب ويشتري دولارًا، هذا أسهل، يبيعه من الأصل بالدولارات.
إذا تعدد النقد في البلد مثل اللي عندنا الآن متعددة هنا.
طالب: فيها ريال ورق.
الشيخ: فيه ريال ورق، وفيه ريال معدن حديد؟ أو لا؟
طلبة: ().
الشيخ: يقول: (إذا تعدد فبجنس الدين) على رأي المؤلف، فإن كان الدَّيْن يعد جنسهما فبأكثرهما رواجًا، وأكثرها رواجًا عندنا الورق، فإن تساويا خُيِّر.
والمهم أنه إذا أذن الراهن والمرتهن للعدل في بيعه فهو لا يبيعه إلا بنقد البلد، والصحيح أنه يبيعه أولًا بجنس الدين، ثم بنقد البلد.
[ ١ / ٤٧٦٤ ]
يقول: (وإن قبض الثمن فتلف في يده، فمن ضمان الراهن)، (إن قبض) الضمير يعود على من؟
طلبة: ().
الشيخ: العدل الذي اتفق الراهن والمرتهن على أن يكون الرهن عنده، هو باع الرهن الآن، واستلم الثمن، وبقي عليه أن يوفي المرتهن، لكنه تلف في يده، فجاء المرتهن إلى الراهن وقال: أوفني، فقال الراهن: إن العدل قد باع الرهن، واستلم الثمن، فتلف الثمن عليك أنت؛ لأنه بيع لمصلحتك فيكون التلف عليك أنت، فقال المرتهن: أبدًا، أنا ما وصل إلى يدي شيء؛ فالضمان عليك أنت أيها الراهن، ماذا نقول؟
نقول: نعم، إذا تلف فمن ضمان الراهن؛ لأنه لم يصل إلى المرتهن حتى الآن، فكيف نقول: إنه ضمان المرتهن؟ واضحة المسألة ولَّا لا؟
طالب: واضحة؟
الشيخ: واضحة لكم جميعًا. صورتها: استدان زيد من عمرو عشرة آلاف ريال، وأرهنه السيارة، وقال: تكون السيارة عند فلان، عند صاحب المعرض حتى يحل الدَّيْن، فبقيت عند صاحب المعرض حتى حل الدين، ولما حل الدين أذن كل منهما له أن يبيعها بدراهم ليستوفي منها مَنْ؟ المرتَهَن، فباعها الرجل بالدراهم، الدراهم سرقت الدراهم، هل نقول: إنها على حساب المرتهن أو على حساب الراهن؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: على حساب الراهن؛ لأن المرتهن يقول: إلى الآن ما وصلني شيء، وعلى هذا فتكون من ضمان الراهن كما قال المؤلف، يقول: (فمن ضمان الراهن)، نقول: عاد بالنسبة إذا كانت من ضمان الراهن، وأنها على حسابه، فهل الراهن يرجع على العدْل أو ما يرجع؟
نقول: إن كان قد تعدَّى وفرَّط رجع عليه وإلا فلا؛ لأنه أمين، فإذا كان هذا العدل لما باع السيارة وضع الدراهم على ماصة المكتب، والمكتب كلنا ندخله؛ صغير، كبير، أمين، غير أمين، فلما رجع ليأخذ الثمن من الماصة وجد أنه قد سُرق، هل يرجع الراهن على العدل في هذه الحال ولَّا لا؟
طلبة: نعم، يرجع.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه فرط.
[ ١ / ٤٧٦٥ ]
الشيخ: لأنه مفرط، حيث ترك ما يجب؛ وهو حفظها في حرز مثلها، وكذلك لو أن العدل لما باعه كان عنده ضيوف، فذهب فاشترى بهذه الدراهم ذبيحة وطعامًا وفواكه حتى نفدت الدراهم، ثم جاء لص فسرق كل هذا؛ سرق الذبايح، والطعام، والفواكه ورحل، من ضمان مَنْ؟
طلبة: العدل.
الشيخ: العدل، من ضمان العدل؛ لأنه تعدى، ما فرط، تعدى حيث فعل ما لا يجوز له؛ لأنه لا يحل له أن يتصرف في قيمة الرهن، فهذا الرجل تعدى، ولكن -سبحان الله العظيم- ما من يد ظالم إلا وفوقه أظلم منه، هذا الذي هيأ الطعام وطبخه ولا بقي إلا أن يقول: تفضلوا، جاءه ناس جوعانين () راح.
فالحاصل أن نقول: إن الدراهم هذه التي هي ثمن الرهن تبقى في يد العدل أيش؟ أمانة، إن تلفت بغير تعد منه ولا تفريط، فلا ضمان عليه، وإن تلفت بتعد أو تفريط فعليه الضمان. لكن المرتهن يرجع على مَنْ؟
طالب: على الراهن.
الشيخ: يرجع على الراهن؛ لأن هو صاحبه، والرهن يرجع على العدل الراهن. (إلى المرتهن فأنكره ولا بينة ولم يكن بحضور الراهن ضمن)، (إن دفع) الضمير يعود على مَنْ؟ على العدل؛ يعني بعد أن باع الرهن، وأخذ ثمنه، ودفعه إلى المرتَهِن، يقول: (فأنكره)، من أنكره؟
الطلبة: المرتَهِن.
الشيخ: أنكره المرتهن، قال: ما وصلني شيء؛ فإنه يضمن، من اللي يضمن؟ العدل، لكن يضمن بشرطين: ألا يكون الدفع ببينة أو بحضور الراهن، مثال ذلك: العدل الذي بيده الرهن لما باع أخذ الثمن، وذهب به إلى بيت المرتَهِن، وقال له: خذ دَيْنك، فشكر له المرتهن هذا، وأخذ الدَّيْن، وبعد مُضي مدة قال المرتَهِن للراهن المطلوب: أعطني حقي، قال: قد أعطاك إياه العدل، فقال: لم يعطني إياه، هل يضمن العدل الدَّيْن الذي دفعه إلى المرتهن أو لا يضمن؟
طلبة: يضمنه.
الشيخ: يضمن إلا في حالين: إذا كان ببينة، وإذا كان بحضور الراهن، كيف ببينة؟
[ ١ / ٤٧٦٦ ]
يعني أن العدل لما باع الرهن، وأخذ الثمن، وأعطاه المرتهن أشهد عليه، قال لاثنين: اذهبا معي لأُسَلِّم الدَّيْن إلى المرتَهِن بحضوركما، فذهبا معه وشهدا، يضمن ولَّا لا؟
الطلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن، لماذا؟
الطلبة: ببينة.
الشيخ: لأنه دفعه ببينة، فلم يفرط، رجل دفع الحق ببينة إلى صاحبه ما () ذلك شيء.
البينة الآن إن كانت باقية، فستشهد بأنه دفع الثمن، وسيبرأ الراهن من دينه؛ لأن البينة شهدت بذلك، لكن قد تموت البينة فحينئذٍ يرجع المرتهن على الراهن، ولا يرجع الراهن على العدل، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الدين في ذمة الراهن، والبينة قد ماتت، ما عندنا أحد يشهد الآن أنه برأ منه، وأما العدل فقد أدى ما يجب عليه حيث أدى ذلك بماذا؟ ببينة.
المسألة الثانية التي تستثنى من قولنا: إنه يضمن العدل: إذا كان بحضور الراهن؛ يعني لما قبض الثمن ذهب إلى الراهن، وقال: تفضل أذهب أنا وإياك إلى مَنْ؟ المرتهن؛ الدائن لنسلمه حقه، فذهبا جميعًا فأداه إليه، ثم بعد مدة أنكر المرتهن، قال: ما جاءني شيء، فهل يرجع على الراهن، ولا ما يرجع؟
طالب: ما يرجع.
الشيخ: المرتَهِن يا جماعة؟ !
طلبة: ما يرجع.
الشيخ: هل يرجع على الراهن أو لا يرجع؟
طلبة: ما يرجع.
الشيخ: على الراهن؟ !
الطلبة: يرجع.
الشيخ: يرجع على الراهن، أنتم فاهمين دي؟
طالب: لا.
الشيخ: يرجع على الراهن، وأما العدل فلا ضمان عليه، أعيد المثال مرة ثانية، ذهب العدل، وما المراد بالعدل؟
الذي اتفق الراهن والمرتهن على أن يكون الرهن عنده، ذهب العدل بثمن الرهن هو والراهن إلى مَنْ؟
إلى المرتهن، وسلمه دينه وانصرفا، وبعد مضي مدة قال المرتهن: إن ديني لم يصلني يلَّا أعطني الدَّيْن، له المطالبة بذلك ولَّا لا؟ ظاهرًا له المطالبة، أما في الآخرة إن كان كاذبًا فليس له ذلك، قال الراهن: أعطني حقي، قال: قد دفعناه إليك، قال: هات الشهود.
[ ١ / ٤٧٦٧ ]
قال المرتهن للراهن: أدِّني حقي، قال: أديته إليك، قال: هات بينة، ما عنده بينة.
طيب هل يرجع المرتَهِن بدينه على الراهن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كذا؟
طالب: عند الراهن.
الشيخ: صح؛ لأن الدين ثابت، ولم يثبت قضاؤه. هل يرجع الراهن على العدل؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يرجع، الراهن يقول للعدل: أنت ما جبت شهود، فيقول له: أنت حاضر، لماذا تفرط في حقك؟ انتبه وحينئذٍ لا يرجع الراهن على العدل؛ لأن الدين قضي في حضوره فيكون التفريط منه.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم ثابت مطلقًا، لكن قد يكون الراهن غريرًا ما يدري عن الأمور، يحس أنه إذا ذهب هو والعدل وأوفى المرتَهِن أنه يبرأ، فهل يكون ذلك عذرًا فنضمن العدل أو نقول: إنه هو الذي جنى على نفسه؛ لأنه لم يعرف الحكم؟
الجواب: الثاني، إلا إذا غرر به العدل وقال له الراهن: خلِّ نروح معنا باثنين يشهدون، قال: لا، ما حاجة، هذا رجل طيب وابن حلال ما يمكن، ينكر وهو يظن ما يلزمنا هذا الشيء، لكن غرر به وخدعه فحينئذٍ يضمن.
حاصل هذه المسألة الآن أن العدل إذا باع الرَّهْن، وأوفى المرتَهِن حقه، ثم أنكر المرتهن الوفاء؛ فالضمان على مَنْ؟
الطلبة: على الراهن.
الشيخ: لا.
الطلبة: على العدل.
الشيخ: الضمان على العدل إلا في مسألتين؛ الأولى؟
طلبة: إذا كان ببينة.
الشيخ: إذا كان ببينة، إذا قضاه ببينة، والثانية إذا قضاه بحضرة.
الطلبة: الراهن.
الشيخ: الراهن، أما الأول فظاهِر حيث قلنا: إنه لا يضمن إذا قضاه ببينة؛ لأن الرجل لم يُفرِّط وأشهد على القضاء، وأما الثاني فلأن التفريط حصل مِنْ؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: من الراهن، لماذا لم يذهب معه بشهود يشهدون على أداء الحق؟
[ ١ / ٤٧٦٨ ]
قال المؤلف: (ولم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل)؛ يعني كما يضمن الوكيل، ويش معنى (كوكيل)؟ يعني كوكيل في قضاء الدين فلو قلت لشخص: إن فلانًا يطلبني عشرة آلاف ريال، قال: خذ أعطها إياه، الوكيل أخذ الدراهم وراح للرجل الطالب وقال: تطلب من فلان عشرة آلاف ريال؟ قال: نعم، قال: تفضَّل، هذه عشرة آلاف ريال، ثم انصرف، وبعد مضي مدة قال الدائن للمدين: أعطني عشرة آلاف ريال، أنا أطلبك. قال: نعم، تطلبني، لكني أرسلتها لك مع زيد، قال: أبدًا، ما جاءني شيء، فذهبنا إلى زيد، وقلنا له: أنت أعطيت فلانًا الدراهم؟ قال: نعم، أعطيته إياهم، قلنا: الآن يقول: ما جاءني شيء، اضمن الدراهم عشرة آلاف ريال، يضمنها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يضمنها، كيف يضمنها وهو محسِن؟ رجل محسن أعطيته الدراهم يوصلها لشخص يطلبه وراح وأعطاها إياه.
طالب: ().
الشيخ: نعم، نقول: هو محسِن مسيء، هو محسن من وجه، ولكنه مسيء من وجه؛ مسيء؛ لأنه فرط، كان الواجب عليه أن يأخذ إقرارًا من الطالب بأنه وصله الدراهم أو يُشهد اثنين، فإذا لم يُشهد ولم يأخذ استلامًا، أو لم يأخذ وثيقة الدين، ويكتب التوصيل تحتها، ويطمسها فإنه يُعد مفرطًا فيضمن.
هذه مشكلة، هل يمكن أن نفرق بين الكثير والقليل، وبين الثابت بسند والثابت بغير سند؟ يعني مثلًا لو أعطيك عشرة ريالات قلت: خذ هذه، أعطها صاحب المكتبة، اشتريت منه أقلامًا ودفاتر بعشرة ريالات، خذ هذه الدراهم، أعطِ صاحب المكتبة عشرة ريالات، وهذه مئة ريال، أعطها العياش، اشتريت منه عشرة أصواع بر بمئة ريال، الجميع مئة وعشرة، وخُذ هذه ألف ريال من فلان، اشتريت منه سكرًا، الجميع ألف ومئة وعشرة، فذهب لصاحب المكتبة وقال: خُذْ عشرة ريالات، وذهب للعياش وقال: خذ مئة ريال، وذهب لصاحب السكر، وقال: خذ ألف ريال بدون شهود، ورجع، فأنكر الثلاثة أنهم وصلهم شيء، أنكروا يضمن ولَّا لا؟
طالب: يضمن الثالث.
الشيخ: الثالث فقط؟ ليش؟
[ ١ / ٤٧٦٩ ]
الطالب: لأنه () الأول () منه لا يقبل السلم عشرة ريال ()، والثالث: يضمن؛ لأنه في كل ().
الشيخ: ويش تقولون؟ أما كلام المؤلف فظاهره أنه يضمن حتى فيما لم تجرِ العادة بأخذ البينة به، ولكن ما قال الأخ وجيه جدًّا، فيقال مثلًا: إنه لم تجرِ العادة؛ بأن الرجل إذا ذهب إلى شخص وقال () هذه نقول: يلَّا، اكتب سندًا، ولا شهِّد الشهود، بل لو تقول لواحد من الناس، لاثنين من الناس: تعالوا يا جماعة، اشهدوا معي أني أعطيت هذا الرجل عشرة دراهم قيمة دفاتره وأقلام، ويش يقولون؟ أيش تكون ها الشهادة؟ ! هذا مجنون هذا، وصاحب المكتبة ما عاد يبيع عليك أبدًا عقب اليوم، شهد عليه بعشرة () ما يصلح هذا.
مئة ريال قد تكون مقبولة، ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه يُرجع في هذا إلى العرف، فما عده الناس تفريطًا ثبت به الضمان، وما لم يعدوه تفريطًا لم يثبت الضمان؛ لأن الوكيل يبغي يقول للموكل، اللي قال: خذ، أعطِ لفلان الدراهم، يبغي يقول: أنت لو رحت بهم ما شهدت عليه، صح ولَّا لا؟ أليس كذلك؟ أنت بنفسك لو تروح () لصاحب المكتبة ما شهدت عليه، كيف تلزمني أن أشهد؟ ولهذا الصحيح أن هذه المسألة ترجع إلى أي شيء؟
طلبة: العرف.
الشيخ: إلى العرف، فما عده الناس تعديًا أو تفريطًا ثبت الحكم بمقتضاه، وما لم يعدوه تعديًا ولا تفريطًا فإنه لا يضمن، وهذا كما أنه عرف الناس الآن فإنه هو الموافق للمروءة، ليس من المروءة أن شخصًا من الناس يأخذ منك عشرة ريالات يكفيك الذهاب إلى صاحب المكتبة، ثم تضمه إياها ليس من المروءة، ربما لو قال لك: والله أنا ما بأخذها ما بأعطيه لفلان، ويش يعده الناس؟ شو يقولون لهذا الرجل أيش؟ ما فيه مروءة، صح ولَّا لا؟
[ ١ / ٤٧٧٠ ]
قليل المروءة، فهذا الرجل الذي أخذ مني عشرة ريالات ليؤديها إلى صاحب المكتبة، ولنفرض أنه في شرق الرياض اللي عليها الطلب في شرق الرياض، وصاحب المكتبة في غربي الرياض، أخدت أنا من شرق الرياض () إحسان هذا ولَّا لا؟
لو قلت: لا، بياخد تاكسي بخمسين ريالًا يوديه صاحب المكتبة، الآن وفرت عليه خمسين ريالًا، ثم بعدين إذا أنكر صاحب المكتبة أو نسي نقول: اضمن العشرة ريالات، هذا صعب، فالصواب إذن أن يُرجع في ذلك إلى.
طالب: العرف.
الشيخ: إلى العرف، فما عده الناس تفريطًا وإساءة، فإنه يثبت به الحكم، وما لم يعدوه تفريطًا ولا إساءة؛ فإننا لا نلزم عباد الله بشيء، فنقطع باب المروآت وباب الإحسان.
طالب: كذلك لما في السند يا شيخ؟
الشيخ: كذلك لما في السند، لكن إذا كان كثيرًا، لا حتى وإن لم يكن في سند؛ لأن المطلوب قد يقر بإمكانه إذا ما فيه سند أنه ينكر، لكن قد يقر، يكون يخاف الله ﷿، يقول: نعم، أنا عندي له فلوس، لكن أرسلت الفلوس له مع فلان، فالمدار في ذلك إلى أهمية هذا الشيء وخطره، فإذا كان ذا أهمية وخطر فلا بد من الإشهاد، أو أخذ سند بالإيصال.
﵀ يقول: (وإن شرط ألا يبيعه إذا حل الدَّيْن، أو إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده)، (إن شرط ألا يبيعه إذا حل الدين) فإن هذا الشرط فاسد، ويفسد العقد ولَّا لا؟ ما يفسد العقد، يفسد الشرط وحده، لماذا؟ لأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد؛ إذ إن المقصود بعقد الرهن التوثق في مالي، فإذا قلت: إذا حل الدَّيْن فإنك لا تبيع الرهن، فما الفائدة من الرهن إذن؟ ويش الفائدة فيه فائدة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٤٧٧١ ]
الشيخ: ما فيه فائدة؛ لأن الفائدة أنه إذا حل الدَّيْن وامتنع المدين من وفائه أبيع الرهن وأستوفي، فإذا شرط ألا يبيعه إذا حل الدين فإن الشرط فاسد، لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد؛ يعني ينافي المقصود بالعقد، كما لو بعت عليك دارًا، وقلت: شرط ألا ترهنها، ولا توقفها، ولا تبيعها، ولا تهبها؛ يصح هذا الشرط ولا ما يصح؟ ما يصح؛ لأنه ينافي المقصود بالعقد، المقصود بعقد البيع أن أملك السلعة ملكًا تامًّا، والمقصود بعقد الرهن أن أستوفي حقي من ثمنه أو من قيمته إذا تعذَّر الوفاء من الراهن.
شَرَط إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له؛ فإنه لا يصح الشرط، قال: خذ هذا رهنًا عندك، إذا هل هلال ذي الحجة، وأنا لم آتِ بحقك فهو لك؛ يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: يقول المؤلف: لا يصح، لكن ما الذي لا يصح، هل هو الرهن ولَّا الشرط؟
طلبة: الشرط.
الشيخ: الشرط، ويكون الرهن صحيحًا، فإذا حل الدَّيْن، ولم يوفه بِعْنا الرهن واستوفينا منه، وهذه المسألة مرت علينا من قبل، ولَّا لا؟
طالب: مرت.
الشيخ: ما هو الدليل في هذه المسألة؟ يقولون: إن الدليل قول النبي ﷺ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (١). والمرتهن إذا أخذه بعد مضي الأجل فقد أغلقه من صاحبه وأخذه منه.
[ ١ / ٤٧٧٢ ]
ولكننا نقول: ليس في هذا الدليل دليل لكم؛ لأن الحديث: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»؛ يعني لا يُؤخذ منه قهرًا، أما إذا كان باختياره، فهذا لا بأس به، ولا يقال: إنه أغلق منه، لكن كانوا في الجاهلية إذا رهنوا الشيء، وحل الأجل، ولم يُوفِ استملكوه وأخذوه ملكًا لهم، رضي الراهن أم لم يرضَ، فهذا لا شك أنه إغلاق للرهن، وأنه تملك له بغير حق، أما إذا كان هو الذي أذن لي بذلك، وقال: خذ هذا الرهن عندك، إذا مضى كذا وكذا من الأيام، ولم آتِ به فهو لك، ما فيه شيء، لا فيه ظلم، ولا فيه جهالة. هنا أيهما الغانم الراهن أو المرتهن، الغانم؛ يعني أيهما الغانم؟
طلبة: المرتهن.
الشيخ: المرتهن ولَّا الراهن؟
طلبة: إذا كان ..
الشيخ: إذا كان الرهن أقل من الدين؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: فالراهن هو الغانم، وإذا كان أكثر؟
طلبة: المرتهن.
الشيخ: فالمرتهن، أفهمتم؟
لو قال قائل: لماذا لا نفصل -ما دامت المسألة فيها غنم وغرم- في الموضوع ونقول: إن كان الرهن أكثر من الدَّيْن، ولا سيما إذا كان الفرق كثيرًا فإنه ينبغي ألا يصح؛ لأننا نعلم أن الراهن في هذه الحال لا يمكن أن يتأخر عن الوفاء إلا مكرهًا بغير اختياره؛ لأنه ليس من المعقول أن يرهن شيئًا يساوي عشرة آلاف ريال بألف ريال، ثم يتخلف؟
فقد يقال مثلًا: إنه ينبغي في ذلك التفصيل؛ فإذا كان الرهن يزيد على الدَّيْن زيادة كبيرة نعلم أن الراهن لا يسمح فيها إلا بغير اختياره؛ فإنه لا يصح، لماذا؟ لأنا نعلم أن تخلف الراهن عن الوفاء في هذه المدة باختياره ولَّا بغير اختياره؟
طلبة: بغير اختياره.
الشيخ: بغير اختياره، قد يكون مرِض، سافر، ضلَّ الطريق وما أشبه ذلك، أما إذا كان قيمة الرهن مقاربة للدَّيْن، فهنا نقول بالصحة، أو كانت قيمة الرهن أقل من الدين فإننا نقول بالصحة، لو رهنه شيئًا يساوي عشرة بالمئة، وحل الأجل ولم يأتِ، واضح أن الراهن تخلف باختياره، ولَّا بغير اختياره؟
[ ١ / ٤٧٧٣ ]
طلبة: باختياره.
الشيخ: لا، باختياره ويفرح، هو استقرض منه مئة درهم، وقال: خذ هذا الكتاب رهن عندك، إن جئت فبحقك قبل عشرين يومًا، وإلا فالرهن لك عوضًا عن حقك، قال: ما يخالف، يكفي، فأخذه، وذَهَبت المدة، ولم يأتِ الراهن، يجوز أخذه حينئذٍ ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز أخذه؛ لأنا نعلم أن الراهن الآن غانم ولا غارم؟
طلبة: غانم.
الشيخ: غانم بلا شك؛ لأنه سقط عنه تسعون ريالًا مثلًا.
وقد ذكروا عن الإمام أحمد -﵀- أنه رهن نعليه عند بقال، وقال له: إن جئتك بحقك في وقت كذا، وإلا فهما لك، وهذا يدل على أن عن الإمام أحمد رواية في الصحة خلاف المذهب.
طالب: ويجوز هذا؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: على ()؟
الشيخ: إذا كان راضيًا بذلك ما فيه مانع. يقول: (ويُقبَل قول الراهن في قدْر الدَّيْن)؛ يعني إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدْر الدَّيْن ولا بينة فإنه يُقبل.
طالب: الراهن.
الشيخ: قول الراهن، مثال ذلك: رهنتك سيارة تساوي عشرة آلاف ريال، ثم بعد مدة أتيتني بخمسة آلاف ريال، وقلت: هذا دينك، أعطني السيارة، فقال المرتهن: الدَّيْن عشرة آلاف ريال، وقال الراهن: بل خمسة آلاف ريال، فهنا اتفق الطرفان على أن الدَّيْن خمسة، على أن خمسة من العشرة دين ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: اتفق الطرفان الراهن والمرتهن على أن خمسة آلاف دَيْن، ما فيها إشكال فتثبت الخمسة، العشرة اختلفا فيهما، ادعاها من؟
الطلبة: المرتهن.
الشيخ: المرتهن، وأنكرها؟
الطلبة: الراهن.
الشيخ: الراهن، فإذا مشينا على القاعدة العامة: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، قلنا للمرتهن: هاتِ بينة على أن الدين عشرة وإلا فالقول قول الراهن، فيحلف الراهن فيقول: والله ما دَيْنك بعشرة، ولكنه.
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة، يحلف، وحينئذٍ يكون الواجب على الراهن، كم؟
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة آلاف ريال، هذا معنى قول المؤلف: (ويُقبل قول الراهن في قدْر الدَّيْن).
[ ١ / ٤٧٧٤ ]
في قدر المرهون، من القول قوله؟
طالب: الراهن.
الشيخ: المرتهن، القول قول المرتهن بأن يقول الراهن: إني رهنتك عشرة من الغنم ().
وظاهر كلام المؤلف في قدْر الدَّيْن أنه لا فرق بين أن يكون الدَّيْن قريبًا من قيمة الرهن أو بعيدًا؛ وذلك أن الرهن بالنسبة للدَّيْن؛ إما أن يكون أكثر منه بكثير، أو أقل منه، أو مقاربًا له، إما أن يكون قيمة الرهن أكثر بكثير من الدَّيْن، هذا واحد، أو أقل أو مقاربًا.
فإذا كان الدَّيْن أكثر من قيمة الرهن، فلا شك أن القول قول الراهن، بل إن قوله: إنه كذا، وهو أكثر من قيمة الرهن، دليل على صدقه، مثال ذلك: رهنتك مسجلًا قيمته مئة ريال، وعندما أتيت لأوفيك أعطيتك مئة وخمسين ريالًا، فقلت: إن الدَّين مئتا ريال، فعندنا الآن قيمة الرهن كم؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة، والذي أقر به الراهن مئة وخمسون، والذي ادعاه المرتهن؟
طلبة: مئتان.
الشيخ: مئتان، أليس كذلك، من القول قوله هنا؟
الطلبة: الراهن.
الشيخ: قول الراهن بلا شك، بل إننا نقول: إن كون الراهن يقول: إن الدَّيْن مئة وخمسين، والرهن ما يساوي إلا مئة دليل على صدقه، فيكون هنا القول قول الراهن، كذلك لو أن الراهن رهن هذا المسجل بمئة ريال قيمته مئة ريال، وأتى بمئة وعشرة، وقال: هذا هو الدين، فقال المرتهن: بل هو مئة وخمسون، فهنا القول قول الراهن، وكذلك لو قال: إن الدَّيْن تسعون ريالًا، والرهن يساوي مئة، فالقول قول الراهن.
لكن لو رهنه بيته الذي يساوي مئة ألف، ثم جاء إليه بعشرة ريالات، الراهن جاء بعشرة أريلة، وقال: هذا دينك عشرة أريلة فك الرهن، فقال: كيف عشرة أريلة؟ أنا أطلبك مئة ألف ريال، أو مئة وخمسين ألف ريال، قال: أبدًا، ما يمكن إلا عشرة ريالات، هذا الذي أُقر به، من القول قوله؟
الطلبة: الراهن.
[ ١ / ٤٧٧٥ ]
الشيخ: قول الراهن، على المذهب القول قول الراهن؛ لأن ما زاد على العشرة متنازع فيه، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، أليس كذلك؟ في هذه الحال العُرْف يشهد بأن القول.
طلبة: المرتهن.
الشيخ: قول المرتهن؛ إذ ليس من المعقول أن ترهن بيتًا يساوي مئة ألف ريال، بكم؟
الطلبة: بعشرة.
الشيخ: بعشرة ريالات، هذا ما معقول، ولهذا كان القول الثاني في هذه المسألة أن القول قول المرتَهِن إن شهد له العرف والعادة، وإلا فالقول.
طلبة: قول الراهن.
الشيخ: قول الراهن بناءً على الأصل، وهذا القول هو المتعيِّن، وفي المسألة قول ثالث؛ أن القول قول المرتَهِن مطلقًا، لكنه ضعيف، فالقول بأن القول قول الراهن مطلقًا ضعيف، والقول بأن القول قول المرتهن مطلقًا ضعيف، والصواب في ذلك التفصيل، وأن القول قول من يشهد العرف له، لماذا؟
لأن الظاهر إذا قوي غُلِّب على الأصل، انتبه لهذه القاعدة المهمة في الدعاوى، إذا قوي الظاهر غُلِّب على الأصل؛ يعني إذا وُجِد قرينة قوية تدل على رجحان من ادعاها غُلِّب على الأصل، وله أمثلة منها هذا المثال: رجل مدِين رَهَنَ بيته الذي يساوي مئة ألف، ثم أتى إلينا بعشرة ريالات، وقال: هذا هو الدين اللي به الرهن، فقال المرسل: بل هو مئة ألف، فعندنا هنا أصل، وعندنا ظاهر، ويش الأصل؟
طالب: عشرة آلاف.
الشيخ: الأصل أنه لا يجب على الراهن أكثر مما أقر به وهو؟
طالب: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف ريال، لكن الظاهر ويش الظاهر؟ الظاهر أنه لا يمكن أن الإنسان يرهن بيتًا بمئة ألف ريال، وينحبس عن منفعته ومصلحته علشان؟
طلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف ريال، فهنا نقدم أيش؟
طالب: الظاهر.
الشيخ: نقدم الظاهر. هذا رجل معه خاتم امرأة، تنازع هو وامرأته في هذا الخاتم، قالت المرأة: إن الخاتم لي، وقال هو: إن الخاتم لي، عندنا أصل، وعندنا ظاهر، ويش الأصل؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، الأصل أن الخاتم لمن هو معه.
طلبة: للمرأة.
[ ١ / ٤٧٧٦ ]
طلبة آخرون: للرجل.
الشيخ: الأصل أن الخاتم لمن هو معه، وهو؟
الطلبة: للمرأة.
الشيخ: الرجل، الآن الخاتم بيد الرجل يقول: هذا لي، والمرأة تقول: هذا لي، المدَّعي الآن المرأة هي مدعية، صح ولَّا لا؟ هي تقول: () لي، وهو يقول: أبدًا، هذا لي، لكن الظاهر مع من؟
الطلبة: مع المرأة.
الشيخ: الظاهر مع المرأة، فنقول هنا: نقبل قول المرأة إذا حلفت بأنه لها، كذلك لو كان معه قرص الذي يُعلَّق بالأذن، وقال: هذا لي وهي تقول لي مثلها.
كذلك مثلًا لو فرضنا واحد مع الأخ ما عليه غطرة، وفيه واحد أمامه يركض عليه غطرة وبيده غطرة ثانية، ياسر يقول: هات غطرتي، وذاك يقول: ما هي لك، هذه بيدي، عندنا الآن مدَّعٍ ومُدّعًى عليه، من المدعي؟
طلبة: ياسر.
الشيخ: ياسر، يقول: هذه لي، والمدعى عليه اللي بيده، يقول: هذه لي، الظاهر مَع مَنْ؟
الطلبة: مع ياسر.
الشيخ: الظاهر مع ياسر، وذاك معه الأصل، أيهما الذي نقدم؟
طلبة: الظاهر.
الشيخ: هنا نقدم الظاهر، ونقول: الغطرة اللي بيدك لياسر، وأنت سروق أخدتها من رأسه وهربت.
طالب: ().
الشيخ: لا، إحنا نتكلم عن () الغطرة. يحتاج يمين ولَّا لا؟
طلبة: لا يحتاج.
الشيخ: يحتاج إلى يمين، كل من قلنا: القول قوله في حقوق الآدميين، فلا بد فيه من اليمين، هذه قاعدة عند أهل العلم، كل من قلنا: إن القول قوله في حقوق الآدميين، فهو لا بد من اليمين.
إذن هذه القاعدة التي ذكرناها الآن، إذا تعارض الأصل والظاهر، وكان الظاهر أقوى من الأصل غُلِّب الظاهر، فإن تساويا فالأصل، ففي هذه المسألة في مسألة مطل الدَّيْن اللي فيه الرهن، إذا كان الظاهر مع المرتهن، مَنِ القَوْل قوله؟
طلبة: المرتهن.
الشيخ: قول المرتهن، وقد ذكرنا أن نسبة الدَّيْن الذي به الرهن لها ثلاث حالات: إما أن تكون؟
طلبة: أكثر.
الشيخ: كثيرة، زائدة، عن قيمة الرهن، وإما أن تكون أقل، وإما أن تكون.
طالب: مقاربة.
[ ١ / ٤٧٧٧ ]
الشيخ: مقاربة، المساوية قد تتعذر، لكن تكون مقاربة، والله أعلم. ()
***
قال المرتهِن: رهنتني شيئين، وقال الراهن: قد رهنتك شيئًا واحدًا، فالقول قول الراهن، لماذا قال المرتهن: إنك رهنتني شيئين؟ ليكون زيادة استيثاق، وقال الراهن: بل رهنتك شيئًا واحدًا فالقول؟
طالب: الراهن.
الشيخ: قول الراهن لماذا؟ لأن الأصل عدم الزيادة.
مثال ذلك: قال المرتهن إنك رهنتني البيتين؛ بيتيك جميعًا بخمس مئة ألف، وقال الراهن: بل رهنتك بيتًا واحدًا، فمن القول قوله؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: القول قول الراهن، وعلى هذا فيكون البيت الثاني طلقًا لا رهنًا، للراهن أن يتصرف فيه كما يشاء، ووجه ذلك ما سبق من الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢)، فالراهن والمرتهن اتفقا على أن البيت رقم واحد مرهون، واختلفا في البيت رقم اثنين، فقال المرتهن: إنه مرهون لي، وقال الراهن: ليس بمرهون، إذن البيت رقم اثنين فيه مُدَّعٍ ومنكِر، منِ المدَّعي؟
الطلبة: المرتهن.
الشيخ: المرتهن، والمنكر الراهن، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرْق بين أن يكون هذا الاختلاف يشهد العرف لقول أحدهما: أو لا يشهد، فمثلًا إذا أقرضتك مئة ألف، ثم ادعيت أنك رهنتني البيت رقم واحد، والبيت رقم اثنين، وكلاهما لا يساوي مئة ألف، كل الاثنين، كل واحد يساوي ثلاثين ألفًا مثلًا، وادعيت أنت أيها الراهن أنك لم ترهني إلا البيت رقم واحد، أينا أقرب إلى الصواب؟
طلبة: قول المرتهن.
[ ١ / ٤٧٧٨ ]
الشيخ: المرتهن أقرب؟ نعم، المرتهن أقرب، ليش؟ لأني أنا قلت: إني رهنت البيتين بمئة ألف، وهم بيساوي ستين ألفًا، فكوني أرهن اثنين أقرب من كوني أرهن واحدًا ما يساوي إلا ثلاثين ألفًا، وعلى هذا فنقول: القول الثاني في المسألة أن القول قول من يشهد له العرف، فإذا كان قول أحدهما تدل القرينة على صدقه كان أوْلى، أما المذهب فيطردون القاعدة على أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. كذلك يُقبل قول الراهن في رده.
طالب: ورده؟
الشيخ: إي، ورده أقول: يقبل قول الراهن في رده رد الرهن؛ يعني أن المرتهن لما أوفاه الراهن، ثم قال: أعطني الرهن، قال: رددتها عليك، فتنازعا عند القاضي، فقال المرتهن: قد رددت الرهن عليه. وقال الراهن: ما رددته عليَّ، من القول قوله؟
طلبة: قول الراهن.
الشيخ: قول الراهن، لماذا؟ لأن الأصل عدم الرد؛ ولأننا اتفقنا على كونه في يدك، واختلفنا في انتقاله عن يدك، والأصل ().
رهنتني مسجلًا بعشرة ريالات، وأوفيتني العشرة، ثم بعدئذٍ قلت لي: أعطني المسجل، فقلت: قد رددته عليك، تنازعنا إلى القاضي، مَنِ القول قوله؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: الراهن؟
طالب: نعم.
الشيخ: وقولي أنا غير مقبول؟ لو كان أنا ثقة وقلت: رددته عليك، ويش أقول؟
طالب: ولو كنت.
الشيخ: ولو كنت ثقة، البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وقد اتفقنا على أن الرهن كان في يدك، واختلفنا هل انتقل أو لم ينتقل، والأصل عدم الانتقال ظاهر ولَّا لا؟
ننتقل عن الرهن إلى المسألة الثانية: لو أودعتني شيئًا، قلت: هذه -جزاك الله خيرًا- أمانة، ضعها عندك حتى أحتاجها وآجي عندك وآخذها، ثم جئت إليَّ يومًا من الأيام فقلت لك: إني قد رددتها عليك ()، وقلت: أعطني الأمانة اللي عندك، قلت: رددتها عليك، من القول قوله؟
طلبة: المودع.
[ ١ / ٤٧٧٩ ]
الشيخ: أنتم فاهمين المسألة؟ أعطيتني كتابًا، قلت: خذ هذا الكتاب احفظه عندك، أخذته وحفظته عندي، ثم بعدئذٍ جئت إليَّ، وقلت: أعطني كتابي الذي أودعتك إياه، فقلت: إني قد رددته عليك.
طلبة: قول المودع.
الشيخ: من القول قوله؟
طلبة: قول المدعي.
الشيخ: قولي أنا المودع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولَّا قول المودع؟
طلبة: المودع.
الشيخ: يعني القول قول صاحب الكتاب ولَّا اللي عنده الكتاب؟
طلبة: اللي عنده الكتاب.
الشيخ: اختلفتم على، اختلفتم.
طلبة: القاعدة.
طلبة آخرون: الذي عنده الكتاب.
الشيخ: نشوف الآن، ما هو الأصل؟ الأصل بقاؤه عنده ولَّا لا؟
طلبة: البقاء.
الشيخ: نعم، الأصل البقاء، اتفقنا على أنه عندك، ثم اختلفنا في الرد، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وعلى هذا فلا نقبل قولك بالرد إلا ببينة، هذا مقتضى القاعدة.
لكن العلماء -﵏- قالوا في هذه المسألة: إن القول قول المودع، فإذا قال المودَع: إني رددتها عليك فالقول قوله، لكن يحلف، القول قوله بيمينه يحلف، كيف خرجت هذه عن الأصل؟ قالوا: لأن المودَع مُحسِن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
وكثيرًا ما تحصل مثل هذه الأمور بدون إشهاد، لو أعطاني ماله، وقال: خذ هذه الوديعة عندك، وجاء يوم يطلبها، أقول: ما أعطيك إياه إلا بشهود، سيقول لي: أنا أعطيتك إياه بلا شهود، كيف تقول: ما أعطيك إياه إلا بشهود، هل أنا شهدت عليك يوم ما أعطيتك إياه وديعة؟ ما شهدت عليك، كيف تقول: ما أعطيك إياه إلا بشهادة؟ !
فلما كان العرف يقتضي عدم الإشهاد، وكان هذا الرجل محسنًا لم يكن عليه سبيل؛ لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وبناءً على ذلك قسموا العلماء -﵏- قسموا القول بالرد إلى ثلاثة أقسام، فقالوا: إن مدعي الرد إما أن يكون قد قبض المال لحظ صاحبه، أو قبض المال لحظه هو، أو قبض المال لحظهما جميعًا، كم الأقسام؟
[ ١ / ٤٧٨٠ ]
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ يعني مال الغير اللي بيدي أنا، قد يكون بيدي لمصلحتي أنا الخاصة، وقد يكون لمصلحة مالكه، وقد يكون لمصلحتنا جميعًا؛ مثال الذي لمصلحة مالكه أيش؟
طلبة: الوديعة.
الشيخ: الوديعة، فمالك عندي وديعة لك، إذن المصلحة لك أنت، ما هي لي أنا، قالوا: فمن قبض المال لمصلحة مالكه، فالقول قوله في الرد، ليش؟ لأنه.
طالب: محسِن له.
الشيخ: محسن، ومَنْ قبضه لمصلحته هو؛ أي القابض لم يقبل قوله إلا ببينة، مثل؟
طالب: العارية.
الشيخ: المستعير، أنا مثلًا استعرت منك كتابًا لمراجعته، ثم ادعيت عليك أني رددته عليك؛ فالقول قولك أنت؛ لأني أنا قبضته لمصلحتي، فلست بمحسن في قبضه، بل إنني لي حظ في قبضه.
القسم الثالث: أن يكون لحظهما معًا مثل؟
طالب: الرهن.
الشيخ: الرهن، ومثل المستأجَر العين المؤجرة، فإن العين المؤجَرة في يد الأجير لمصلحة مَن؟ لمصلحتهما جميعًا هو ينتفع باستيفاء المنفعة المعقود عليها وصاحبها ينتفع بالأجرة، فالذي لمصلحتهما جميعًا كالذي لمصلحة القابض تغليبًا لجانب الحماية، وعلى هذا فلا يُقبل قول المستأجر في رد العين المؤجرة إلا ببينة. انتبه لهذه القاعدة، فصار من ادعى الرد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
إما أن يكون قبضه لمصلحته، أو لمصلحة مالكها، أو لمصلحتهما جميعًا، فيُقبل قوله في الرد إذا قبضها أيش؟ لمصلحة مالكها؛ لأنه محسِن. هذا في الرد، في التلف يقبل قوله في التلف الذي في يده العين.
كل من بيده العين، هذه مرت علينا يا إخوان، كل من كانت بيده العين بإذن من مالكها أو من الشرع فقوله في التلف مقبول، إلا أن يدعي التلف بسبب ظاهر، فإنه يُلزم في إقامة البينة على هذا الظاهر، ثم يُقبل قوله في أن هذا المال تلف من جملة ما تلف، واضح؟
طالب: لا.
الشيخ: ولا لغة إنجليزية؟
الطالب: ما هو واضح.
الشيخ: ما هو بواضح، القاعدة الأصلية: كل من حصل المال بيده بإذن من الشارع أو بإذن من مالكه.
طالب: قوله مقبول.
[ ١ / ٤٧٨١ ]
الشيخ: فإن قوله مقبول في التلف، إذا ادعى أن المال تلف يُقبل قوله، ولكن بيمينه، فمثل الأجير الذي أخذ العين المستأْجَرة، إذا تلفت العين بيده، وقال: والله العين تلفت، يُقبل قوله ولَّا لا؟ يُقبل؛ لأنه أخذها بإذن من صاحبها.
وولي اليتيم إذا ادعى أن مال اليتيم تلف يقبل قوله ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لأنه حصل المال بيده بإذن من الشرع، واضح الآن؟ قلنا: إلا إذا ادعى التلف بسبب ظاهر فإنه يُكلَّف إقامة البينة على ذلك السبب، ثم يُقبل قوله في التلف، مثلًا لو قال: والله المال احترق الدكان واحترق معه، الآن ادعى التلف ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: بسبب ظاهر بَيِّن، ما يخفى على الناس، نقول: أقم البينة على أن الدكان احترق، فهمت؟ فإذا أقام بينة على أن الدكان احترق حينئذٍ نقبل قوله، ما نقول: هات بينة أن مالي بالدكان الذي احترق، نقول: لا، ما دام الرجل أمينًا فإنه يقبل قوله في التلف.
أما إذا حصل المال بيده بغير إذن من الشارع، ولا من مالكه؛ فإنه ضامن بكل حال، والله أعلم.
يقول: (ويقبل قوله أيضًا في كونه عصيرًا لا خمرًا)، (في كونه عصيرًا لا خمرًا)، كيف هذا؟
يعني أنه إذا ادعى المرتهن أن هذا الشراب كان خمرًا، وقال الراهن: بل هو عصير لم يتخمر، مَنِ القول قوله؟
طلبة: قول الراهن.
الشيخ: القول قول الراهن، لكن الآن اللي بأيدينا خمر، كيف نقول: القول قول الراهن؟ اللي بين أيدينا خمر؟
طلبة: تخمَّر.
الشيخ: يمكن تخمر بعد، ويش الفائدة إذن؟ ويش الفائدة للمرتهن إذا قال: إنه خمر؟
طلبة: ().
[ ١ / ٤٧٨٢ ]
الشيخ: الفائدة إذا كان هذا الرهن مشروطًا في بيع بأن قال: بعتك داري بشرط أن ترهنني هذا العصير، فإنه إذا كان خمرًا صار الرهن فاسدًا؛ لأن رهن الخمر فاسد، وإذا كان الرهن فاسدًا، فإن للمرتهن الخيار في فسخ البيع. انتبه، للمرتهن الخيار في فسخ البيع، ليش؟ لأنه باعه بشرط الرهن، والرهن تبين أنه فاسد؛ ولهذا هذه المسألة ما تتصور فائدتها إلا في هذه الحال.
أعيد المثال مرة ثانية: بعت عليك كتابًا بعشرة ريالات، وقلت: أعطني رهاني. قلت: والله، ما عندي إلا جرة العصير هذه، أنا شاري، () من جماعة، ولكن ما دام المسألة كبيرة ()، ما لزوم () هذا العصير هو الرهن، فهمت الآن؟ أخذه المرتهن، ثم جاء وقال: أنا بعت عليك كتابًأ بشرط الرهن، وقلت: الرهن هذا العصير، والعصير خمر، وإذا صار خمرًا ما صح الرهن، وإذا لم يصح الرهن صار للمرتهِن أيش؟
طالب: الخيار.
الشيخ: الخيار؛ يعني له أن يفسخ البيع؛ لأنه يقول: إني بعتك بشرط لم يتحقق، وعلى هذا فلي الفسخ، أفهمتم الآن؟
قال الراهن: أنا لما رهنتك إياه كان عصيرًا، لماذا قال هذا الشيء؟
لأجل أن يكون الرهن صحيحًا، ولا يكون للمرتهن.
طالب: خيار.
الشيخ: خيار في فسخ البيع، لماذا نقبل قول الراهن؟ لأن الأصل السلامة، وعدم التخمر، فلا نقبل قوله في هذه الحال؛ أي: لا نقبل قول المرتهن، بل القول قول الراهن.
(وإن أقر) الضمير يعود على الراهن (أنه) أي: الرهن (ملك غيره) قبل، ولكن هل يبطل الرهن؟
نقول: إن إقرار الراهن الآن تضمن حقًّا للغير عليه، وحقًّا على الغير لغيره، أنتم فاهمين؟
طالب: لا، ما فاهمين.
الشيخ: هذا الرجل رهنني مسجلًا، واستقرض مني مئة ريال، أخذت مئة أنا، ثم بعدئذٍ قلت له: المسجل ليس ملكًا لي، وإنما هو ملك لفلان إذا ثبت أنه ملك فلان صح الرهن ولَّا ما صح؟
طلبة: ما يصح.
[ ١ / ٤٧٨٣ ]
الشيخ: ما يصح معلوم؛ لأن ما لي حق أرهن ملك غيري، فأنا الآن أقررت بأن الرهن ملك لفلان، هل يصح إقراري ولَّا لا؟ نقول: هذا الإقرار تضمن حقًّا عليَّ لفلان ولَّا لا؟ وحقًّا على فلان للمرتهن أو لا؟
أقول: في هذه الحال يُقبل قولي على نفسي، ولا يقبل قولي على غيري، كيف يُقبل على نفسي لا على غيري؟
نقول: الآن اعترافي بأن هذا المسجل لفلان يكون له، واعترافي بأن هذا المسجل لفلان لأجل نفي الرهن ما يمكن، إذن ماذا نصنع؟ نقول: الرهن يبقى على حاله، وإذا انفك الرهن أخذنا المسجل وأعطيناه.
طالب: لصاحبه.
الشيخ: صاحبه، الذي أقر الراهن بأنه له؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (ويقبل القول بأنه ملك غيره، وإن أقر أنه ملك غيره حُكِم بإقراره بعد فكه)، (حكم بإقراره بعد فكه) بإقرار من؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: الراهن، (بعد فكه)، أي فك؟
طلبة: الرهن.
الشيخ: الرهن، نقول: الآن يبقى الرهن على ما هو عليه، فإذا فُكَّ الرهن بالوفاء أخذنا الرهن، وأعطيناه الذي أقررت أنه له.
قال المؤلف: (إلا أن يصدقه المرتهن)، فإن صدقه وقال: صحيح أن هذا ما هو ملكه، أنا الآن تبين لي أنه ليس ملكه، إذا صدقه المرتهن ماذا يكون؟
يُرد إلى صاحبه، ويبطل الرهن، كذلك إذا أقر أنه جنى، من اللي أقر أنه جنى؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: الراهن، قال: والله العبد اللي أنا رهنتك كان جانيًا على فلان، وقد سبق لنا أنه إذا جنى العبد تعلق أرش جناية في ماذا؟
في رقبته، فالآن لما أقررت بأنه جنى على فلان؛ فإن فلانًا الآن له الحق بأن يأخذ هذا الرهن ويبيعه، ويأخذ أرش جناية. في هذه الحال إذا أقررت أنه جنى فإنه لا يُقبل الإقرار على الرهن؛ لأنه يتضمن إبطال حق الغير، لكن إذا فُكَّ الرهن فإنه يُحكم بمقتضى الإقرار؛ لأنه زال المانع، والله أعلم.
***
(فصل: وللمرتهن أن يَرْكب ما يُركب، ويحلب ما يحلب بقدر نفقته بلا إذن)
[ ١ / ٤٧٨٤ ]
(للمرتهِن) الذي بيده الرهن أن ينتفع بالرهن فيما ذكر (يَرْكب ما يُركب) مثل: البعير والحمار والبقرة والشاة.
طالب: ().
الشيخ: لا، والشاة من باب أولى، إذن مثل البعير والحمار والفرس؟
طالب: والبغل.
الشيخ: والبغل، لا، السيارة ما تحتاج إلى نفقة (يركب ما يُركب بقدر نفقته)، (بقدر نفقته)، فإذا كانت نفقته مثلًا مئة فله أن يركبه بما تكون أجرته مئة (بقدر نفقته)، وكذلك له أن يحلب ما يحلب مثل: البقرة، والبعير، والشاة، والجاموس، وهو من البقر، إذن له أن يحلب ما يحلب لكن بقدر النفقة، كيف بقدر النفقة؟ بحيث يكون هذا اللبن بمقدار النفقة، أما إذا كان بأكثر؛ فإنه يحتفظ بالزائد لصاحبه، مثال ذلك: لو كان هذا اللبن يساوي مئة، اللبن اللي بياخده منه باليوم يساوي مئة، وهو لا ينفق إلا خمسين، صار اللبن الآن أيش؟
طلبة: أكثر.
الشيخ: صار اللبن أكثر، فيلزمه أن يحتفظ بالخمسين للراهن، ولكنها تبقى رهنًا، الدليل قول النبي ﷺ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (٣). هذا الدليل.
فإن قلت: يشكل على هذا أن القاعدة الشرعية: ألا ينتفع الإنسان بملك غيره إلا بإذنه، فكيف جاز لهذا أن ينتفع؟
فالجواب أن هذا المرهون يحتاج إلى نفقة؛ لأنه حيوان، هذه النفقة واجبة على مَنْ؟ واجبة على الراهن؛ لأنه ملكه، واستئذان الراهن في النفقة أو التردد إليه ليسلمها أمر شاق، فمن أجل ذلك جَعل الشرع للمرتهن أن ينتفع، لكن بقدر النفقة.
ما هو الدليل على أنه بقدر النفقة؟
يعني لو قال قائل: وأهل الحديث أنه ينتفع به يركب ما يركب سواء كان أجرة الركوب مثلما أنفق أو أقل أو أكثر، أليس كذلك؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٤٧٨٥ ]
الشيخ: انتبهوا للحديث، يُركب بنفقته، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته، فظاهر هذا الحديث أن اللبن في مقابِل النفقة، وأن الركوب في مقابل النفقة سواء كان أكثر أو أقل.
فالجواب أن هذا ليس ظاهر الحديث، الحديث يقول: «بِنَفَقَتِهِ»، فإما أن تجعل الباء للعوض، وإما أن تجعلها للسببية، إن جعلتها للعِوض؛ فالأمر ظاهر في أنه لا يأخذ أكثر من النفقة، وإن جعلتها للسببية فكذلك؛ لأن السبب لا يتجاوز موضعه، فيقال: إن الباء هنا للسببية، والسببية لا تتجاوز موضع المسبَّب، وعلى كل تقدير فإن الركوب والحلْب يكون بقدْر النفقة. إن زاد بأن كان يأخذ من اللبن أكثر من قيمة النفقة، فالزيادة لِمَن؟
طلبة: للراهن.
الشيخ: لصاحبه؛ أي للراهن، فيجب أن تُحفظ، وتكون مع الرهن، وإن نقص صار اللبن الذي يُحصِّله يساوي خمسين، والنفقة مئة، فماذا نصنع؟
نقول: يرجع بالزائد على الراهن؛ لأن الراهن عليه النفقة.
(وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه) هذا بمستثنى، بل هو زائد على ما سبق، الذي يُركب أو يُشرب فعليه نفقته في حلبه وبركوبه، أما ما سوى ذلك فإنه ليس للمرتهِن أن ينتفع به أبدًا، فلا يسكن الدار، ولا يستعمل السيارة، ولا يقرأ في الكتاب، ولا يكتب بالقلم، بل يبقيه لصاحبه؛ لأن الأصل في مال الغير أنه مُحترم، لا يجوز الانتفاع به، استثني هذه المسألة -اللي هي ركوب ما يُركب وحلب ما يُحلب- لأن الحاجة تدعو إلى ذلك كما أسلفنا قبل قليل.
السيارة لو قال: أنا أركبها وعليَّ قيمة البنزين والزيت، وما يحصل من خلل بالاستعمال يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا؛ لأن السيارة ليست كالبعير والحمار ونحوهما؛ إذ إن السيارة يمكن أن تعيش بدون أن تركبها وتستأجرها، وأما البعير والحمار ونحوهما فهو لا يمكن أن يعيش إلا بنفقة.
[ ١ / ٤٧٨٦ ]
قال: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع) أنفق على الرَّهْن، وهو يتمكن من أن يستأذن الراهن فإنه لا يرجع عليه، السبب: لأنه لم يأذن في الإنفاق عليه، وإذنه غير متعذر، ولا متعسر، يمكنه.
مثال: هذا أرهنني بيته، فجاء المطر فخر السقوف فذهبتُ إلى البنَّاء، وطلبت منه أن يأتي لإصلاح السقوف فجاء فعلًا، هل أرجع على الراهن بما سلمته للبنَّاء؟
طلبة: لا.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان يمكن استئذانه فلم تفعل؛ لم ترجع، وإذا كان لا يمكن؛ فلك الرجوع، فإذا قُدِّر أن الراهن في محل بعيد، ولا يصله التلف، والمطر الآن ينزل، ولو تركناه تشققه الأمطار لفسد ودمر، فهنا لي أني أرجع ولَّا لا؟
نعم، لي أن أرجع، كذلك لو كان الرهن حيوانًا، الحيوان يحتاج إلى نفقة، لكنه لا يُركب ولا يستدر، فهل أرجع على الراهن إذا أنفقتُ عليه؟
فيه تفصيل؛ إن كان يمكن استئذانه فأنا لا أرجع، وإن كان لا يمكن فأنا أرجع، مثال هذا: أرهنني حمارًا يُركب ولَّا ما يُركب؟
الطلبة: يُركب.
الشيخ: إذن أُنفق عليه بركوبه. أرهنني شاة ليس فيها لبن يمكن ركوبها؟
طلبة: لا.
الشيخ: يمكن درها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن، ما فيها لبن، تحتاج إلى إنفاق ولَّا ما تحتاج؟
طلبة: تحتاج.
الشيخ: تحتاج إلى إنفاق، فصرت أنفق عليها بالعلف، والتدفئة، وجلب الماء، وما أشبه ذلك، هل أرجع على صاحبها؟
فيه تفصيل؛ إن أذِن وقال: أنفِق عليها؛ رجعت، إن لم يأذن، فإن كان يمكنني استئذانه لم أرجع، وإن كان لا يمكنني رجعت، لو كان يمكنني استئذانه، وأنفقت بنية الرجوع أرجع ولَّا ما أرجع؟
طالب: لا.
الشيخ: لا أرجع؛ لأن استئذانه ممكن وقريب.
[ ١ / ٤٧٨٧ ]
يقول ﵀: (مع إمكاني لم أرجع)، العلة لأنه إن لم ينوِ الرجوع فهو متبرع، إن أنفق بدون نية الرجوع فهو متبرع، والمتبرع لا يرجع في تبرعه؛ لأن رجوعه في تبرعه رجوع في الهبة، وإن كان قد نوى الرجوع فإنه مُفرِّط، لماذا؟ لأنه لم يستأذن المالك، فهو مفرط لوجوب الاستئذان عليه، فلم يفعل، فصار على كلا .. يعني سواء نوى الرجوع أو لم ينوِ؛ لأنه إن لم ينوِ الرجوع فهو أيش؟
متبرع، والمتبرع لا يرجع في تبرعه، فإن رجوعه في تبرعه رجوع في الهبة، وهو حرام، وإن كان قد نوى الرجوع لم يرجع أيضًا؛ لأنه مفرط، ما هو التفريط الذي حصل منه؟ حيث أمكنه أن يستأذن الراهن فلم يفعل.
إذا قُدِّر أن الإنفاق عليه وقع في حالٍ تستدعي الفورية قبل أن أستأذنه، مثل أن يكون الرهن سقط في بئر، لو أبقينا الأمر حتى نذهب ونستأذن الراهن هلك، وإذا أتينا بإنسان يستخرجه من البئر في الحال فإنه لا يهلك، يسلم، فهل أرجع ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أرجع؛ لأن في ذلك إنقاذًا لمال الغير من الهلاك، وكل من أنقذ مال غيره من الهلكة فله الرجوع بمثل عمله.
يقول ﵀: (وإن تعذَّر رجع) لكن بشرط أن ينوي الرجوع، (تعذر) ويش اللي تعذر؟ استئذان الراهن، فإن المرتَهِن الذي أنفق على الرهن يرجع، بشرط أيش؟
أن ينوي الرجوع، هذا ما ذكره الشارح ﵀، وظاهر كلام الماتِن أنه يرجع ما لم ينوِ التبرع؛ لأن الماتن ما اشترط نية الرجوع، وعلى هذا فيرجع ما لم ينوِ التبرع.
الماتن ما قال: بشرط أن ينوي الرجوع، والشارح قال: بشرط أن ينوي الرجوع. نقول: الظاهر مع الماتن، والصواب مع المتن، وأنه يرجع ما لم ينوِ التبرع، فإن نوى التبرع لم يرجع؛ لأن رجوعه مع نية التبرع رجوع في الهبة وهو حرام.
وحاصل ذلك أن من أنفق على الرهن، فإن كان بإذن الراهن رجع بكل حال، وإن كان بإذن الشارع. إذا أنفق بإذن الشارع رجع إلا إذا كان ينتفع بالرهن في مقابل النفقة، وذلك في المركوب والمحلوب.
[ ١ / ٤٧٨٨ ]
الثالث: إذا كان ليس هناك إذن من الشارع ولا من الراهن؛ فإننا نقول: إن أمكن استئذانه فلم يستأذنه.
طلبة: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع، وإن تعذر استئذانه.
طالب: يرجع.
الشيخ: رجع، لا في هذه الحال التي يرجع فيها، هل يُشترط أن ينوي الرجوع أو يشترط ألا ينوي التبرع؟
الصواب أنه يشترط ألا ينوي التبرع فقط، ولا يُشترط أن ينوي الرجوع، وعلى ما قاله الشارح يُشترط أن ينوي الرجوع، هل هناك فرق بين القولين؟ إي نعم.
وكذا وَديعةٌ ودَوَابُّ مُستأْجَرَةٌ هَرَبَ رَبُّها، ولو خَرِبَ الرهنُ فعَمَّرَه بلا إذنٍ رَجَعَ بآلَتِه فقطْ.