وهو عَقْدٌ على مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بثَمَنٍ مقبوضٍ بمَجْلِسِ الْعَقْدِ، ويَصِحُّ بألفاظِ البيعِ والسَّلَمِ والسلَفِ بشُروطٍ سَبعةٍ:
(أحدُها): انضباطُ صِفاتِه بِمَكِيلٍ ومَوزونٍ ومَذروعٍ، وأمَّا المعدودُ الْمُخْتَلِفُ كالفواكِهِ والبقولِ والْجُلودِ والرؤوسِ والأوانِي الْمُختَلِفَةِ الرؤوسِ، والأوساطِ كالقَمَاقِمِ والأسطالِ الضَّيِّقَةِ الرؤوسِ، والجواهِرِ والحاملِ من الحيوانِ، وكلِّ مَغشوشٍ وما يَجْمَعُ أَخْلَاطًا غيرَ مُتَمَيِّزَةٍ كالغالِيَةِ والْمَعَاجينِ فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، ويَصِحُّ في الحيوانِ والثيابِ المنسوجةِ من نَوعينِ، وما خَلَطَه غيرَ مَقصودٍ كالْجُبْنِ وخَلِّ التمْرِ والسَّكنْجَبِينَ ونحوِها.
(الثاني): ذِكْرُ الجنْسِ والنوعِ وكلِّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ ظاهرًا وحَدَاثَتُه وقِدَمُه، ولا يَصِحُّ شَرْطُ الْأَرْدَأِ أو الأَجْوَدِ، بل جَيِّدٌ ورَديءٌ، فإنْ جاءَ بما شَرَطَ أو أَجْوَدَ منه من نوعِه
أخذ () آلاف ريال.
طالب: عليه ().
الشيخ: إي معلوم، لكن قلت لك: بقسط من الثمن، ما هو من القيمة، ما يقول المشتري: النصف التالف الآن يساوي ثلاثة آلاف ريال، أعطني ثلاثة آلاف ريال، ما يقول هذا.
طالب: () إذا كان ().
[ ١ / ٤٦٤٥ ]
الشيخ: إي نعم، إلا أن بعض العلماء قال: الشيء اليسير الذي جرت به العادة كشمراخ أو شمراخين، فإن هذا لا يرجع به؛ لأن هذا من جنس ما يُتقابَل به، أما قول مالك: الثلث. فهذا لا، ضعيف.
بقينا إذا تلف بسبب من المشتري، إذا تلف أو نقص بسبب من المشتري، فهل يرجع على البائع؟
طالب: لا يرجع.
الشيخ: ما يرجع؛ لأنه هو الذي تسبب له، مثل هذا: الرجل اشترى ثمر نخلة فأرسل صبيَّه يخرفه، وجرت العادة أنه إذا كان الخرَّاف غير جيد، وشلَّق الشماريخ أن يفسد الثمر، يسمونه (ينصفق)، وكلمة ينصفق ما أدري هي عربية ولَّا غير عربية، ولهذا نكلف الأخ في مراجعتها، هل معنى انصفقت الثمرة يعني فسدت؟
طالب: ().
الشيخ: انصفقت. معروف عند الناس الآن الصفق؛ يعني أن يكون التمر حشفًا، الحشف لغة عربية، ولَّا لا؟ وتسمعون مثل: أحشفًا وسوء كِيلة.
إذا أتلفه، هذا الإنسان أرسل صبيه وخرف النخلة، وشلَّق الشماريخ، فصار الثمر حشفًا، هل يرجع على البائع؟
الطلبة: لا يرجع.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: هو المتسبب.
الشيخ: هو المتسبب.
يقول: (وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان)
قلنا: القاعدة أنه لا يُباع الثمر حتى يبدو صلاحه. فهل لا بد من أن يكون الصلاح شاملًا لكل حبة، لكل تمرة، أو إذا صلح بعض الشجرة فهو صلاح لجميعها؟
هو هذا، إذا صلح بعض الشجرة صلاح لجميعها، تُباع، ما رأيكم لو أننا شككنا في هذه الثمرة، هل بدا صلاحها أم لا؟ فصعد إليها رجل فأتى منها ببسرة ملونة، ما وجد فيها إلا واحدة ملونة ونزل بها، هل تُباع الآن؟
الطلبة: تباع.
الشيخ: الآن، إذا صعدنا ما وجدنا فيها لون؛ لأن اللون اللي فيها، نزله هذا الرجل، هل تباع ولَّا ما تُباع؟
الطلبة: تُباع.
الشيخ: نقول: تُباع نعم؛ لأنه بدا صلاحها، هذا الذي نزل به هذا صلاحها، فتباع.
[ ١ / ٤٦٤٦ ]
يقول المؤلف: (صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان)، ما قال: ولسائر البستان، (لسائر النوع الذي في البستان) إذا كان البستان أنواعًا، فهو صلاح لهذه النخلة، وصلاح لسائر النوع الذي في البستان، وهل هو صلاح لبقية الأنواع؟
لا، لنفرض أن هذا البستان فيه نخيل من أنواع متعددة، والأخ، تعرف أنواع النخيل؟
الطالب: ما أعرف.
الشيخ: ما تعرف، طيب عبد الرحمن، تعرف أنواع النخيل؟
الطالب: ما أعرف أنوعه.
الشيخ: ما تعرف أنواعه؟
الطالب: نعم، السكرية.
الشيخ: هذا السكرية.
الطالب: والرثان.
الشيخ: والرثان ..
الطالب: والحلية.
الشيخ: والحلية؛ يعني الحلوة
الطالب: ().
الشيخ: هذه الحلية أنا ما أعرفها.
طالب: فيه () على ().
الشيخ: الشقرا.
الطالب: والخظي.
الشيخ: الخظي.
الطالب: والمفطوم.
الشيخ: والمفطوم.
الطالب: أمهات خشب.
الشيخ: أمهات خشب، طيب هذه الأنواع، مثلًا عندنا خمسة أنواع، من كل نوع خمس نخلات، فهمتم؟ صلح من هذا النوع رقم (١) نخلة، يكون صلاحًا لها ولأربع النخلات الأخرى اللي من نوعها، صلح من رقم (٢) نخلة يكون صلاحًا لها وللأربع الباقيات من نوعها وهكذا.
وظاهر كلام المؤلف أنه سواء بيعت النخلة وحدها، أو بِيعت مضمومة إلى نوعها، أو لا؟
شوف كلام المؤلف: (صلاح بعض الثمرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان) وعلى هذا فإذا لوَّن من هذا النوع من النخل، إذا لون واحدة فهو صلاح لها ويش بعد؟ (ولسائر النوع) أنا عندي مثلًا أمهات خشب مئة نخلة، لوَّن منها واحدة فقط يكون هذا الصلاح لها وللتسع والتسعين الباقيات.
بعت هذه النخلة وحدها، بقيت تسع وتسعون نخلة ما فيها ولا حمراء ما لوَّنَت، يجوز بيعها ولَّا ما يجوز؟
طالب: يجوز.
[ ١ / ٤٦٤٧ ]
الشيخ: على ظاهر كلام المؤلف يجوز، لكن هذا الظاهر فيه نظر، وهو خلاف المذهب، والصواب أن هذه النخلة إذا بدا صلاحها، فإن صلاحها صلاح لها ولنوعها بشرط أن تشمل الصفقة جميع النوع؛ انتبه، أنت بِعْت هذه أمهات خشب، وفيه أربع نخلات أمهات خشب ما بعد لوَّن، إن بعت الخمس جميعًا، يجوز ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز، على رأينا وعلى رأي المؤلف، بل على المذهب وعلى رأي المؤلف، إن بعت الملوَّنة وحدها، وبعت هؤلاء كل واحدة وحدها، فعلى رأي المؤلف يجوز، وعلى المذهب -وهو الصحيح- لا يجوز؛ لأني لما أفردت النخلة الأولى بالبيع أردت الآن بيع الثانية، هل بدا صلاحها؟
طالب: لا.
الشيخ: ما بدا، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه (١). الآن هذه ذهبت بصفقتها، هذه الثانية اللي ما فيها لون، ولا هي من النوع الأول، إذا أردت أن أبيعها، وليس فيها لون فقد وقعت فيما نهى عنه الرسول ﷺ.
إذا قال قائل: كيف تجيز بيع الجميع ولم يُلوِّن إلا واحدة؟
فالجواب: لأن الصفقة واحدة، فكأن هذه النخلات الخمس نخلة واحدة؛ لأن العقد وقع عليها جميعًا.
وعلى هذا فنقول: إذا أفردنا كل نخلة بعقد، فالواجب اعتبار كل نخلة على حِدة، وإن بعنا جميعًا -النخل جميعًا- صفقة واحدة، فإنه إذا لوَّن من كل نوع واحدة، صار صلاحًا لها ..
طالب: ولسائر النوع ..
الشيخ: ولسائر النوع الذي في البستان. هل يكون صلاحًا للنوع الآخر؟
لا، على كلام المؤلف، ويحتمل أن يكون صلاحًا للنوع الآخر أيضًا، إذا بِيع صفقة واحدة، وذلك لأن التمر جنس ..
طالب: واحد.
[ ١ / ٤٦٤٨ ]
الشيخ: واحد، فإذا وردت الصفقة على جميع النخل -جميع البستان- ووجدنا فيها نخلة واحدة مُلوَّنة جاز بيع الجميع، لكن المذهب لا يعتبرون ذلك، يعتبرون النوع، يقولون: كل نوع على حدة، والمذهب أحْوط، وإن كان القول الثاني، بأنه إذا بدا صلاح نخلة واحدة وبِيع البستان جميعًا، ولو كان من أنواع فإنه جائز، هذا قول قوي جدًّا؛ لأن الصفقة الآن واحدة، واختلاف الأنواع لا يخرجها عن الجنس، والتمر جنس واحد كما في حديث عبادة بن الصامت: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (٢). فلما اعتبره النبي ﵊ شيئًا واحدًا قلنا: إنه إذا بِيع جميعًا وقد لوَّن منه واحدة كفى.
ثم قال: (بدو صلاح الثمر ..) إلى آخره. () إذا أتلفه المشتري نفسه، فماذا يصنع؟
طالب: عليه.
الشيخ: على المشتري، هذا على المشتري، واضح، وكأن المؤلف لم يذكرها لوضوحها.
طالب: ذكرتها.
طالب آخر: ذكرتها البارحة ().
الشيخ: إذا كان ..
الطلبة: ().
الشيخ: فليس له شيء، مثل أن يكون المشتري لا يعرف أن يخرف النخل، فيحصل بذلك فساد الثمر بسبب عدم معرفته للخرف، فهنا يكون المشتري لا شيء له؛ لأنه هو الذي أفسده.
ذكرنا أنه يُستثنى من ذلك ما إذا أهمل المشتري وأخَّرها عن وقت الجذاذ، فإنه لا ضمان على البائع حينئذٍ؛ لأن المفرِّط مَنْ؟ المشتري.
(وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تحمر أو تصفر)؛ لأن ذلك علامة على نضجها، (تحمر) إذا كانت من ذات اللون الأحمر، و(تصفر) إذا كانت من ذات اللون الأصفر، هل فيه لون آخر غير الأحمر والأصفر.
طالب: لونين ().
الشيخ: الأخضر ..
الطالب: والأبيض.
الشيخ: وأبيض! !
الطالب: ().
الشيخ: طيب الأخضر، ما هو أصله أخضر.
الطالب: لا، أخضر يعني شكله أخضر ().
الشيخ: إذا كان شكله أخضر، هو من الأصل أخضر ..
الطالب: لا، ثاني، لما يخضر بيصير يعني مايع كذا ()؛ يعني المهم زي السمن ..
الشيخ: رطب يعني؟
الطالب: إي نعم.
[ ١ / ٤٦٤٩ ]
الشيخ: هو على كل حال إذا صار رطبًا لا شك أنه بدا صلاحه.
الطالب: إي نعم، هو أخضر ().
الشيخ: يمكن، على كل حال، هذا الأخضر، كيف نعرف بدو الصلاح فيه؟ نعرف بدو الصلاح فيه إذا تمر.
طالب: أو الطعم ..
الشيخ: أو الطعم، يعرف الطعم أو بالرطب.
طالب: أو بالنظر؟
الشيخ: بالنظر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا شيء ما نعرفه. فيه شيء بين الأحمر والأصفر، إذا ظهر اللون الذي بين الأصفر والأحمر، يكون هذا بدو الصلاح.
(وفي العنب أن يتموَّه حلوًا)، (يتموه) يعني يلين، ويكون ماءً؛ لأن العنب قبل أن يستوي ما يكون ماءً، يتكسر تكسرًا، لكن إذا استوى صار ماء، إذا غمزتها ظهرت ماء، وأيضًا اشترط المؤلف مع التموه أن يكون (حلوًا)، وهو قبل التموُّه يكون حامضًا، فإذا وصل إلى الحلاوة مع التموه فهذا بدو الصلاح فيه.
(وفي بقية الثمر أن يبدو فيه النضج، ويطيب أكله)، ويش غير بقية الثمر؟ مثل أيش؟
طالب: مثل البرتقال ..
الشيخ: مثل البرتقال، والخوخ، والتفاح، وغير ذلك. إذا بدا فيه النضج وطاب أكله فهذا بدو صلاحه، فتبين إذن أن بدو الصلاح يختلف باختلاف الأشجار، ففي النخل أن يتلوَّن أحمر أو أصفر، وفي العنب أن يتموَّه حلوًا، وفي بقية الثمار أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله، وإنما نهى النبي ﷺ عن بيعه قبل أن يبدو صلاحه؛ لأنه يكون عُرضة للعاهات والفساد، فإذا بدا صلاحه فإنه صار قابلًا؛ لأن يُجنى من الآن ويُؤخَذ.
ويستفاد من هذا أن الشارع ينهى عن كل ما يُوجب الخصومة والبغضاء والعداوة؛ لأنه إذا حصل خلاف، وحصلت منازعات صار هناك عداوة وبغضاء وخصومة، فلهذا نهى عنه النبي ﷺ، من يسأل؟
طالب: العنب أحيانًا يحمر، ورسول الله جعل العلم بالسواد ..
الشيخ: لا، حتى يسود؛ لأنه الغالب إذا اسود يطيب أكله، أما عندما يقول بعض الناس إنه يغش، إنه يضع فيه جذع العنب، أحدهم يقول: حطه في ()، وواحد يقول: حط له الرماد ويسود.
[ ١ / ٤٦٥٠ ]
قال: (ومن باع عبدًا له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المشتري) مناسبة ذكر هذه المسألة في باب بيع الأصول والثمار؛ لأن العبد أصل والمال فرع، فماله كالثمرة وهو نفسه كالأصل، فلهذا ذكروه في هذا الباب.
(من باع عبدًا له مال فماله لبائعه) ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (٣) هذا لفظ الحديث.
وقوله: (فماله لبائعه) قد تقول: إن في هذا تناقضًا، ففي الأول أضاف المال إلى العبد، ثم قال (لبائعه)، والجواب أن الإضافة الأولى للاختصاص فقط، كما تقول: السَّرْج للدابة، والفِناء للدار، ومعلوم أن الدابة لا تملك، وأن الدار كذلك لا تملك، لكن هذا من باب الاختصاص.
وفي قوله: (فماله لبائعه) العموم والشمول. كل ما يملك فهو لبائعه، وظاهر كلام المؤلف حتى ما مُلِّكه العبد، مثل أن يأتي شخص إلى العبد ويقول: خذ هذا لك وليس لسيدك فإنه ملك للسيد، فلو أن هذا العبد أُعطِي هدية من فاكهة أو ثياب أو نحوها، وأراد سيده أن يأخذ ذلك منه، له ذلك ولَّا لا؟
الطلبة: له ذلك.
الشيخ: نعم، له ذلك؛ لأن ملكه لبائعه.
وظاهر كلام المؤلف أن العبد لا يملك بالتمليك، وهذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن العبد يملك بالتمليك، ومنهم من قال: إنه يملك بتمليك سيده لا بتمليك غيره، تمليك سيده مثل أن يقول له: خذ هذا لك، فيملكه العبد، ويتصرف فيه كما شاء بدون إذن السيد، وأما إذا كان من غيره فإنه يكون لسيده، وقد ذكر ابن رجب ﵀ في القواعد هذه المسألة، وفرَّع عليها مسائل كثيرة، وهو اختلاف العلماء في كون العبد يملك بالتمليك أو لا يملك.
[ ١ / ٤٦٥١ ]
قال: (إلا أن يشترطه المشتري) فإن اشترطه فهو له؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والأمر بالإيفاء بالعقد يشمل أصل العقد، وما شرط فيه؛ ولقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (٤)، وهذا لا يحل حرامًا ولا يُحرِّم حلالًا.
ثم قال المؤلف: (فإن كان قصده المال) (إن كان قصده) الضمير يعود على المشتري، (إن كان قصده المال) يعني إذا اشترط المشترط المال، فلا يخلو إما أن يكون المال قصده، أو قصده العبد، ولكن يريد أن يتبعه المال.
(إن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط البيع)، علم أيش؟ علم المالك (وسائر شروط البيع).
مثال ذلك: لنفرض أن السيد أعطى العبد هذا الدكان، بقالة كما يقولون، هذا العبد بدأ يبيع ويشتري ويتجر، ونما المال عنده، وصار عنده محل كبير، اشتراه شخص واشترط أن يكون هذا المال تابعًا له، ننظر، قد يكون قصده المال، وقد يكون قصده العبد، كيف يكون قصده المال؟ يقول: نعم، أنا أشتري هذا العبد، وأشترط أن المال تبع له، وإذا اشتريته أبيع العبد، وأكون أنا في الدكان.
هذا معلوم أن قصده المال، إذا كان قصده المال فإنه يشترط فيه العلم؛ يعني لا بد أن يعلم هذا المال وسائر شروط البيع أيضًا، فإذا قدَّرنا أن المال الذي بيد العبد صرافة؛ يعني دراهم ودنانير، فإنه يُشترط التقابض، ويشترط أيضًا التماثل، والتماثل متعذِّر، وعلى هذا فلا بد أن يُفرد المحل بعقد، والعبد بعقد آخر، حتى لا ترد علينا مسألة: مُد عجوة.
أما إذا كان ما قصده المال، وإنما قصده العبد، لكنه اشترط المال لأجل أن يبقى العبد على عمله، ولا أهمية للمال عنده.
[ ١ / ٤٦٥٢ ]
يقول المؤلف: (وإلا فلا)، يعني (وإلا) يكن قصده المال، (فلا) يشترط علمه، ولا سائر شروط البيع. أيهما الغالب، أن يكون المشتري حينما يشترط أن المال تابع له؟ أيهما الغالب، أنه يريد المال، أو يريد العبد والمال تبع؟
الطلبة: يريد المال.
الشيخ: والله ننظر، إذا كان المحل كبيرًا، وفيه تجارة كبيرة، فالظاهر أنه أراد ..
طالب: المال.
الشيخ: المال، وإذا كان شيئًا يسيرًا، مثل هذا العبد يبسط الفصفص، وأوراق كتابة، وظروف، وأقلام ناشفة، فالغالب أنه يريد ..
الطلبة: العبد.
الشيخ: العبد، لكن جعل شرط المال لأجل أن يبقى العبد على ما هو عليه، على طبيعته.
طالب: وإن كان يريدهما جميعًا؛ العبد والمال؟
الشيخ: إي، إذا كان يريدهما جميعًا فلا بد من العلم بالمال، لا بد من علمه وسائر شروط البيع.
يقول: (وثياب الجمال للبائع، والعادة للمشترى)، هذه مسألة دقيقة جدًّا، العبد له ثياب، هل تتبعه أو لا تتبعه؟
فيه تفصيل؛ أما ثياب الجمال فإنها لا تتبعه، تكون لمن؟
للبائع، وأما ثياب العادة؛ يعني ثياب المهنة التي لا بد منها فهي للمشتري تبعًا للعبد. طيب إذا كان العبد مثلًا معه قلم، وبيده ساعة، نعم، لمن تكون؟
طالب: للبائع.
الشيخ: للبائع.
الطلبة: إلا إذا كان ().
الشيخ: لا، الظاهر أنه للبائع؛ لأن هذه الظاهر من ثياب الجمال، أو على الأقل نقول: إنها ليست من الثياب، ولكنها من المال، فالظاهر أنها تكون للبائع.
طالب: ولو كانت عادية؟
الشيخ: ولو كانت عادية، إي نعم؛ لأن هذا خارج عن اللباس، وكذلك القلم، معناه: نجرد هذا العبد من كل شيء إلا من ثياب العادة. والله أعلم.
طالب: ألا نقول: الضروري يا شيخ؟
الشيخ: هذا لا نقول ().
***
[باب السلم]
(السلم) ويقال: (السلف)، والسلم لغة الحجاز، والسلف لغة العراق. وكلاهما معناه صحيح.
[ ١ / ٤٦٥٣ ]
أما السلف فإنه مأخوذ من التقديم، وأما السلم فهو مأخوذ من التسليم، وكلاهما صحيح من حيث المعنى؛ لأن السَّلَم كما قال المؤلف: السَّلَم في اللغة اسم بمعنى التسليم، والسلف كذلك اسم بمعنى التسليف، فأما التسليف فهو التقديم، وأما التسليم فهو الإعطاء، وكلاهما ينطبق على السَّلَم، كما سيذكر في تعريفه.
قال: (وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن) قوله: (بثمن) متعلق بعقد. (بثمن مقبوض بمجلس العقد).
هذا التعريف: (عقد على موصوف في الذمة، مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد).
فقوله: (عقد على موصوف) خرج به العقد على معين فليس بثمن، مثال العقد على معين أن أقول: بعتك هذه الحقيبة، هذا معين، ما يكون سلف، ولا يصح السَّلَم في الْمُعَيَّن.
أيضًا يقول: (موصوف في الذمة) احترازًا من الموصوف المعين، مثل أن أقول: بعتُ عليكَ سيارتي التي في جراشي، وصفتها كذا وكذا وكذا، بثمن قدره كذا وكذا، هذا موصوف، لكنه معين، فلا يصح السَّلَم في موصوف معين، لا بد أن يكون موصوفًا في الذمة.
وقوله: (مؤجل) لا بد أن يكون إلى أجل، فإن كان حاضرًا غير مؤجل لم يصح سَلَمًا.
(عقد على موصوف في الذمة مؤجل) هذه ثلاثة شروط (بثمن مقبوض بمجلس العقد) لا بد أن يقبض الثمن كاملًا بمجلس العقد.
مثال ذلك: أن أعطي هذا الرجل مئة ريال على أن يعطيني بعد سنة مئة كيلو من الرز، عرفتم؟ الآن الثمن مقبوض بمجلس العقد، والْمُثْمَن ..
الطلبة: مؤجل.
الشيخ: مؤجل وموصوف في الذمة. فإن قلت: هذه مئة ريال بمئة كيلو من الرز اللي عندك في البيت.
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، لماذا؟
الطلبة: لأنه معين.
الشيخ: لأنه معين، ولا بد أن يكون في الذمة، فلو قلت: أسلمت إليك مئة ريال بمئة كيلو رز إلى سنة، لكني ما أعطيتك الثمن، لم يصح؛ لأنه لا بد أن يكون مقبوضًا بمجلس العقد. هذا هو تعريف السَّلَم اصطلاحًا، وهو جائز بالسُّنَّة الصحيحة الصريحة.
[ ١ / ٤٦٥٤ ]
قال ابن عباس ﵄: قدِم النبي ﷺ المدينة فوجدهم يُسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (٥). وهذا نص صحيح صريح.
وقال بعض العلماء: إن السَّلَم جوازه على خلاف القياس، وأن الأصل المنع، لكننا لا نستطيع أن نخالف النص، ولكن الصواب أن السَّلَم جوازه على وفق القياس؛ لأن فيه مصلحة، لمن؟ للبائع وللمشتري؛ أما المشتري فإن مصلحته أن الغالب أنه يحصل على أكثر، وأما البائع فمصلحته أنه يتعجل له الثمن.
ولنفرض أن هذا رجل فلاح احتاج إلى دراهم، فجاء إلى هذا التاجر، وقال: أنا أبيع عليك مئة كيلو من التمر بمئة ريال نقدًا تعطينيها الآن، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
إذن صارت مصلحة لمن؟ للبائع وللمشتري؛ أما البائع فظاهر، أخذ الدراهم وانتفع بها، وأما المشتري فإن مئة كيلو من التمر بمئة ريال لو أننا بعناها حاضرًا لكانت ثمانين كيلو من التمر بمئة ريال، لأن المشتري سوف ينتفع بزيادة المبيع، ليس الشيء الذي يُباع نقدًا كالشيء الذي يُباع مؤجلًا. فيحصل نفع البائع والمشتري. وهل في ذلك غرر؟ ليس في ذلك غرر.
هم يقولون: إن في ذلك غررًا؛ لأنك بعت شيئًا معدومًا، ولكن أنا أقول لهم: إننا ما بِعْنا شيئًا معدومًا؛ لأن العقد لم يقع على شيء معين حتى نقول: إنه معدوم، ولكنه على شيء موصوف في الذمة، أطالَب به، وهذا الذي أنا أطالبه إذا حل الأجل يعطيني من أي مكان، بخلاف المعيَّن.
قال المؤلف: (ويصح بألفاظ البيع) بأن أقول: بِعتُك مئة كيلو من التمر بعد سنة بمئة درهم.
ويصح أيضًا بألفاظ (السَّلَم)، فيقول: أسلمت إليك مئة ريال بمئة كيلو بعد سنة،
وبلفظ (السلف)، فيقول: أسلفت إليك مئة ريال بمئة كيلو بعد سنة.
[ ١ / ٤٦٥٥ ]
والصواب أن جميع العقود تنعقد بما دل عليه اللفظ عرفًا، وأنه لا يتقيد بشيء، لأن هذه الأمور لم يرد الشرع بتعيينها وتقييدها، وليست من أمور العبادة التي يتقيد الإنسان فيها باللفظ، فكل ما دل على معنى من المعاني عرفًا فله الحكم.
لكن (بشروط سبعة).
وهذه الشروط منها ما يدخل في شروط البيع السابقة، ومنها ما هو زائد عليها؛ ولهذا قال بعضهم: إن شروط السَّلَم أربعة عشر شرطًا؛ لأن شروط البيع سبعة، وهذا شروطه سبعة، فيكون الجميع أربعة عشر، ولكن الصحيح أن الشروط أقل من أربعة عشر؛ لأن بعضها داخل في شروط البيع السابقة.
(أحدها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومزروع): معنى انضباط الصفات معناه أن نضبط صفته؛ إما بالكيل، أو بالوزن، أو بالزرع، ينضبط ولَّا لا؟
الطلبة: ينضبط.
الشيخ: ينضبط، مئة صاع من البر، مئة كيلو من السكر، عشرون ذراعًا أو مترًا من الخام مثلًا من الحبال، وما أشبه ذلك.
المهم أن الكيل والوزن والزرع تنضبط به الصفة. (أما المعدود) فيختلف كما قال المؤلف. ويأتي إن شاء الله تعالى () السَّلَم تعريفه، عرِّف ().
الطالب: ().
الشيخ: يكون مقدورًا على تسليمه، فيكون جوازه على خلاف القياس، فهل هذا صحيح بالنسبة للسَّلَم نفسه؟ وهل هو صحيح بالنسبة للأحكام عامة؟ بمعنى: هل في الشريعة ما يخالف القياس؟
ليس في الشريعة ما يخالف القياس أبدًا، كل الشريعة على وفق القياس، لكنه قد يخفى دخول ذلك في القياس على بعض الناس، فيظن أنه مخالف للقياس، فمثلًا يقولون: إن السَّلَم على خلاف القياس؛ لأنه بيع مجهول، والأصل أن بيع المجهول باطل، لا يصح، لكن جُوِّز هذا للمصلحة.
ويقولون في المضاربة، المضاربة أن أعطي الإنسان دراهم يتجر بها، وله نصف الربح.
[ ١ / ٤٦٥٦ ]
يقولون: إن هذا أيضًا على خلاف القياس؛ لأن هذا العامل قد يعمل مدة شهرين، ثلاثة، أربعة، ثم لا يربح، فيكون عمله ذهب سُدًى، ففيه جهالة، وقد يربح أكثر مما نتوقع، قد نتوقع أنه يربح مثلًا في عشرة آلاف ألفًا، فيربح عشرة آلاف، فيكون هذا العقد غررًا، فهو إذن على خلاف القياس.
نحن نقول: ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس.
ونقول فيما ادُّعي أنه على خلاف القياس، نقول: هذا على وفق القياس ونبين ذلك، أو نقول: خالف القياس لمصلحة راجحة، والمحظور الشرعي إذا قابلته مصلحة راجحة أرجح منه صار جائزًا بمقتضى ترجُّح المصلحة، وإذا كان الشرع يُحرِّم الشيء لأن إثمه أكبر؛ فإنه يبيح الشيء إذا كانت مصلحته أكبر، ولهذا العبارة المشهورة: درء المفاسد أوْلَى من جلب المصالح. هذه يجب أن تكون مقيدة بما إذا تساوت المفاسد والمصالح، أو غلب جانب المفاسد، وإلا فإنه قد يكون في بعض الأشياء مصلحة ومضرة فترجح المصلحة، فيُحلَّل من أجل هذا الرجحان.
نذكر الآن باب السَّلَم، فنبين أولًا أنه ليس على خلاف القياس؛ لأن الجهالة أو بيع المعدوم فيما إذا كان معينًا، إذا كان معينًا مثل أن أقول: بعتُك حمْل ما تحمله هذه الشاة، هذا معدوم، ومُعيَّن ولَّا غير معين؟
الطلبة: معين.
الشيخ: معين بمكان خاص، ولهذا لو أسلمت إليه في ثمر بستاني المعين صار السَّلَم حرامًا؛ لأنه بيع معدوم، السَّلَم ليس بيعَ معدوم، وإنما هو التزام الشخص بما تم العقد عليه في ذمته، ما يتعلق بشيء معين، وبهذا زال المحظور والغرر.
ثانيًا: نقول: وعلى تقدير أن يكون من باب بيع المعدوم فإن فيه مصلحة تربو على مفسدته، ما هي المصلحة؟
[ ١ / ٤٦٥٧ ]
انتفاع البائع بالثمن المقدم، وانتفاع المشتري بالْمُثْمن المؤجل؛ لأنه لا بد أن يزيد المثمن إذا كان مؤجلًا؛ فمثلًا إذا كان الصاع بدرهم نقدًا، فسآخذ منه صاعًا ومُدًّا إذا كان مؤجلًا، فهو انتفع بالنقد، وأنا انتفعت بالتأجيل، فمن أجل هذه المصلحة الراجحة أُحِلَّت هذه المعاملة، وهكذا نقول: في كل شيء ادَّعى بعض الناس أنه على خلاف القياس، فالجواب عنه من أحد وجهين:
إما بمنع أن يكون مخالفًا للقياس، ونُبيِّن وجه امتناعه، ويش بعد؟ الوجه الثاني: أو التسليم بأنه مخالف للقياس، لكنه خالفه لمصلحة اقتضت ذلك.
وإذا سلكنا هذا المسلك تبيَّن لنا أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، حتى الذي خالف القياس لمصلحة اقتضت ذلك فهو في الواقع موافق للقياس؛ لأن القياس هو المصلحة.
السَّلَم له شروط، يقول المؤلف: (بشروط سبعة) هذه الشروط شروط للصحة ولَّا للزوم؟
الجواب: شروط للصحة؛ لأن شروط اللزوم إنما هي الشروط في العقد، أما شروط العقد فهي شروط لصحته، هذه الشروط، هل هي زائدة على شروط البيع السابقة، أو هي متداخلة، لكنه يُتحرَّى فيها أكثر؟
الجواب: منها شيء زائد، ومنها شيء بمعنى ما سبق، لكنه يتحرى فيه أكثر.
فمثلًا الشرط الأول: (انضباط صفاته)، ومعنى (انضباط صفاته) أن يكون الْمُسْلَم فيه مما يمكن ضبط صفاته، فأما ما لا يمكن انضباطه فإن السَّلَم لا يصلح فيه؛ لماذا؟ لوجود الغرر، لو أنني أسلمت إليك في جواهر ولآلئ، هذه ما يمكن ضبطها؛ لأن الجوهرة قد تختلف عن الأخرى، بما يعادل مئات الدراهم من أجل صفة فيها، فالإسلام في الجواهر وشبهها مما لا يمكن انضباطه جائز ولَّا لا؟ ليس بجائز؛ لأنه يؤدي إلى الغرر كثيرًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر (٦).
إذن معنى (انضباط صفاته) أي أن يكون الْمُسْلم فيه مما يمكن (انضباط صفاته)، خرج بذلك ما لا يمكن انضباط صفاته، مثل؟
الطلبة: الجواهر ..
[ ١ / ٤٦٥٨ ]
الشيخ: الجواهر واللآلئ وما أشبه ذلك؛ يعني ما هذا حصر، كل شيء لا يمكن انضباط صفاته فإن السَّلَم لا يصح فيه؛ لأنه يؤدي إلى الجهالة والغرر.
وقول المؤلف: (بمكيل) قال في الشرح: أي كمكيل، فجعل الباء بمعنى الكاف، ولكنه عندي لا يحتاج إلى هذا؛ لأن إتيان الباء بمعنى الكاف في اللغة العربية، لا نعلم له نظيرًا، ولكن الأوْلَى أن نقول: إنه متعلق بمحذوف، والتقدير: بأن يُسلِم بمكيل، ونجعل الباء بمعنى (في)، أي بأن يكون الإسلام في مكيل.
المكِيل يمكن انضباطه ولَّا لا؟
الطلبة: يمكن انضباطه.
الشيخ: يمكن، يعني بُر، رز، شعير، دخن، ذرة، وما أشبه ذلك، يمكن. كذلك الموزون يمكن أو لا؟ يمكن لأنه أفقطه بالكيل والوزن في المكيل والموزون، وفي حديث ابن عباس ﵄: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (٥)، في كيل فيما يكال، ووزن فيما يوزن.
وقوله: (بمكيل وموزون ومذروع) أي ما يُقدَّر بالذرع، مثل أيش؟
طالب: كالأقمشة.
الشيخ: كالأقمشة والحبال وما أشبهها، فإن هذه تُقدَّر بالذَّرْع، وتُعلم، إذا قيل مثلًا: مئة ذراع، مئتا ذراع، خمس مئة ذراع وما أشبهها، وإذا قدرناها بالأمتار؟ يصلح؛ لأن الذراع حل محله في الوقت الحاضر المتر.
والعد، ومعدود، ولا ما نقول: معدود. (المعدود) فيه تفصيل، إن كان لا يختلف صح التقدير به، وإن كان يختلف لم يصح التقدير به، فلو قلت: أسلمتُ إليكَ مئة درهم، بألف برتقالة بعد سنة، يصلح؟
طالب: لا يصلح.
الشيخ: يصلح؟ ألف برتقالة؟
الطلبة: لا يصلح.
الشيخ: ويش الصفة؟
الطالب: لأنه فيه كبيرة وفيه صغيرة ..
الشيخ: نعم، يختلف، فيه كبير وصغير، يمكن تجيب لي برتقالة من الصغار هذا مرة، وتجيب لي من الكبار، ولَّا لا؟ طيب، بألف بيضة؟
الطلبة: يختلف.
[ ١ / ٤٦٥٩ ]
الشيخ: يختلف؟ متأكدون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يختلف، فالمعدود إن كان لا يختلف صح السَّلَم فيه، وإن كان يختلف لم يصح. قوت بألف فنجان ().
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز ولَّا لا؟ أسلمت إليك ألف ريال بألف فنجان () بعد سنة، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: ().
طالب: إن كان جديدًا.
الشيخ: لا، هو على كل حال جديد معروف، ما هو مستعمل، يجوز هذا، يعني هذه الفناجين معروفة ولا تختلف.
ولهذا قال المؤلف: (وأما المعدود المختلف كالفواكه) يعني فلا يصح السَّلَم فيه () بالوزن أو بالكيل، طيب لو أسلمت في المكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا، سيأتينا -إن شاء الله- في كلام المؤلف أنه لا يصح، وأن الصحيح الجواز.
قال المؤلف ﵀: (كالفواكه والبقول).
البقول: جمع (بَقْل)، وهو الذي ليس له ساق من الزروع، مثل البصل والكراث، وما أشبهها، قلت مثلًا: أسلمت إليك مئة درهم بألف حزمة بقل، يصلح؟
الطلبة: ().
الشيخ: ويش السبب؟
الطلبة: ().
الشيخ: لأن الحزم تختلف، ما يصح، لكن لو جعلتها وزنًا، صح؛ لأنها لا تختلف.
يقول: (والجلود) الجلود: أسلمتُ إليك ألف درهم بمئة جلد شاة بعد سنة، أيش تقولون؟
طالب: الله أعلم.
الشيخ: ما يصح، لماذا؟ لأنه يختلف، فيه جلد كبير، وفيه جلد صغير، فلا يصح.
وقال بعض الفقهاء: إنه يصح في الجلود، إذا قال مثلًا: جلود رباعية، جلد ثنية، وعيَّن السن، فإن هذا لا بأس به؛ لأن الاختلاف فيه يسير، والتعيين قربه وضبطه.
طالب: شكلها إيه الرباعية؟
طالب آخر: رباعية كيف ()؟
الشيخ: لا، معروف، نجدية، نقول: نجدية، بربرية، أسترالية، وما أشبه ذلك .. يعني يصفها.
طالب: تكون معينة ..
الشيخ: ما هو مُعيَّن.
الطالب: لو عيَّن ..
الشيخ: ما تبطل، مثلًا لو عندي مئة شاة، قلت: أسلمت إليك مئة ألف ريال بجلود هذه الغنم بعد سنة ما يصح هذا الْمُعَيَّن.
كذلك أيضًا (الرؤوس)، أسلمتُ إليك ألف درهم بمئة رأس شاة بعد سنة ..
[ ١ / ٤٦٦٠ ]
طالب: كما يقال في ..
الشيخ: كما يقول في الجلود، الخلاف فيها كالخلاف في الجلود، المذهب لا يصح؛ لأن الرؤوس تختلف، بعض الشياه، بعض الغنم ()، يكون رأسها كبيرًا، أو لا؟ وبعضها دبشة يكون رأسها صغيرًا، أو كلها دبشة، صح؟ لكنها تختلف في الكِبر والصِّغر؟ تختلف، ولهذا يقولون: إنه لا يصح.
طيب، لو بعتها وزنًا، يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: يجوز؛ لأن الوزن يضبطها.
قال: (والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط كالقماقم) مثل (القماقم) نوع من الأواني يكون أسفلها واسعًا، وأعلاها ضيقًا، أو بالعكس، لكن الأصناف هي التي بالعكس، يكون أسفلها واسع، وأعلاها ضيِّق، هذا لا يصح السَّلَم فيه، مثل أن أقول: أسلمت إليك ألف درهم في مئة قمقم.
طالب: ويش ارتباط؟
الشيخ: أوانٍ معروفة ..
الطالب: لإيه؟
الشيخ: يحط فيها مثلًا، إن كان من النحاس، يُطبخ فيها، ويُشرب فيها، وما أشبه، هذا لا يصح، لماذا؟ لأنه ما يمكن ضبطه، إذا قلت لك مثلًا: سعتها، كم نقول؟ شبر، ما نعرف تقديراتكم الأخيرة، سنتيمتر هذه أيش؟ هذه ما نعرف؟ شبر، إذا كان أعلاها شبر، وهي في الأسفل متسعة كم نقول أسفلها؟ لنقل: إن أسفلها شبرين، لكن المسافة اللي بين أعلاها وبين أسفلها تختلف في التقدير؛ لأنها تتسع شيئًا فشيئًا فيحصل الجهل، يقولون: ما يصح.
وربما يكون الصانع غير مُجِيد للصنعة، فيجعل الاتساع في آخرها بالمرة، وربما يجعل الاتساع في أعلاها؛ فلهذا لا يصح.
[ ١ / ٤٦٦١ ]
لكن في الوقت الأخير لما كانت الصناعة مضبوطة تمامًا، حتى لو اختلفت أوساطها أعلاها وأسفلها فإنه يصح، في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط، ولَّا لا؟ لأن الآن الصناعة جوَّدت الشيء، لو تقول مثلًا: أسلمت إليك ألف درهم بمئة إبريق من نوع كذا وكذا، الأباريق مختلفة ولَّا لا؟ مختلفة الرؤوس والأوساط، لكنها مضبوطة بالصنعة، ما تختلف أبدًا، تجد الإبريق الموجود هذا العام هو الإبريق الذي سيوجد بعد سنة، وكذلك بالنسبة للأسطال، الأسطال الآن محكمة مضبوطة، فإذا قلت: أسلمت إليك ألف درهم بمئة سطل من نوع كذا وكذا، فإنه جائز؛ لأن الغرر منتفٍ.
قال: (والأسطال الضيقة الرؤوس) فإن كانت الأسطال سعتها في أعلاها وأسفلها واحدة، فهو جائز؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنك بتقدِّر سعتها في أعلاها، وهو سعتها في أسفلها، ولكن كما قلت لكم، هذا بناءً على أن هذه الأسطال إنما تُصنع بماذا؟ باليد، والصنعة باليد ربما تختلف بحسب حذق الصانع، لكن ما دامت الصنعة الآن بالمكاين والآلات التي لا يمكن اختلافها فإنه يصح السَّلَم في الأسطال.
قال: (والجواهر) الجواهر ما يصح السَّلَم فيها، والسبب؛ لأنها تختلف اختلافًا بعيدًا، فلا يصح السَّلَم فيها للجهالة والغرر.
والحامل (من الحيوان) ما يصح السَّلَم فيه أيضًا، لماذا؟
طالب: للجهالة.
الشيخ: للجهالة، ويش هي الجهالة؟
الطلبة: ().
الشيخ: أليس يجوز أن أبيع الحيوان الحامل؟
طالب: بلى.
الشيخ: يجوز.
طالب: تبعًا.
طالب آخر: يثبت تبعًا.
الشيخ: طيب، وهذا يثبت تبعًا.
طالب: لا، الاستقلال.
الشيخ: أبدًا ما هو الاستقلال، ما بيثبت عليك حمل الحيوان؟ أسلمتُ إليك في شاة حامل؟
طالب: معين.
الشيخ: في شاة حامل، تجيبها بعدين، شاة أصفها بصفاتها.
طالب: قد تكون ..
طالب آخر: () هذه ().
الشيخ: ويش السبب؟
الطالب: ().
[ ١ / ٤٦٦٢ ]
الشيخ: لا، هم يقولون: العِلَّة في ذلك لنُدرة اتفاق الصفة في الحامل؛ لأنه مثلًا إذا قلت: في شاة حامل لها أربعة أشهر في حملها، هذه يعني بعيد أن تجد حاملًا لها أربعة أشهر، هو ما هو مُتعذِّر، لكن بعيد، فيؤدي ذلك إلى المشاكل، إذا حل الأجل، قال: يلَّا أعطني الشاة؟ جاب له شاة لها ثلاثة أشهر، قال: لا، أنا أبغي لها أربعة أشهر، دوَّر، لقي شاة لها خمسة أشهر، قال: لا، أنا أريد أربعة أشهر، هذا يقول: إنه نادر؛ يعني يندر الجمع بين الصفة والمعَيَّن في الحيوان الحامل، هذه هي العِلَّة، وإلا فإن بيع الحامل جائز، ويدخل الحمل تبعًا.
() صيغ العقود ليست من الألفاظ المتعبَّد بها حتى نُحافظ عليها، وذكرنا أنه يُستثنى من ذلك على المذهب عقد النكاح؛ فإنه لا يصح إلا بلفظ إنكاح وتزويج، أو قول السيد لأمته: أعتقتكِ، وجعلتُ عتقكِ صداقكِ، ولكننا بينا أن الصواب أن جميع العقود تنعقد بماذا؟ بكل ما دل عليها من قول أو فعل.
شروط السَّلَم سبعة:
الأول: انضباط صفته؛ يعني كل شيء أُدخل فيه من غير جنسه للغش، فإن ذلك لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الذي أُدخل فيه غير معلوم، ولا يمكن ضبطه، فإذا قيل: إن هذا المعدن، ولنفرض أنه معدن من المعادن الغالية جدًّا، مثل ..
طالب: الماس.
الشيخ: مثل الماس، وجدنا أن هناك نوعًا من الماس كالخواتم مثلًا فيه غش؛ يعني قد أُدخل فيه أشياء من غير الماس، فأسلم إليه مثلًا ألف ريال، بمئة خاتم من الماس من هذا النوع المغشوش، فالسَّلَم هنا لا يجوز؛ لأننا لا ندري ما مقدار الغش، أما لو فُرض أننا نعلم مقدار الغش بأن قال أهل الخبرة: إن الغش الذي فيه يساوي العُشْر أو الخمس، فإن الإسلام فيه جائز؛ لأن العِلَّة هي الجهالة، فإذا انتفت انتفى الحكم.
قال: (وما يجمع أخلاطًا غير متميزة كالغالية والمعاجين).
[ ١ / ٤٦٦٣ ]
الذي (يجمع أخلاطًا غير متميزة) لا يصح السَّلَم فيه؛ لأن هذه الأخلاط مجهولة مثل الغالية، الغالية يقولون: إنها نوع من النِّد، نوع من الطيب يجمع أخلاطًا لكنها غير متميزة؛ يعني بمعنى أننا لا نعرف أن نسبة هذا إلى الكل كذا وكذا، فإن تميزت بأن عُلِمت النسبة جاز.
يعني لو علمنا أن هذا الطِّيب مخلوط من ستة أنواع على وجه السواء، هل فيه جهالة؟ ما فيه جهالة؛ لأنا نعلم الآن أن نسبة كل واحد من هذه الأجزاء السدس، فلا يكون فيه جهالة، أما إذا كانت الأخلاط غير معلومة، فإنها مجهولة، فلا يصح.
وهل مثل ذلك لو أننا أسْلَمنا في مئة صاع مخلوط من الحمص والحلوى والكِشْمِش والفصفص، وما أشبه ذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثله، غير متميز، ما نعرف نسبة هذا من هذا، أما لو علمنا النسبة فلا بأس. بأن قال: أسلمتُ إليك في مخلوط من الحمص والحلوى والكِشْمِش والفصفص، وما أشبه ذلك، ونسبة كل واحد إلى المجموع السدس، فهذا لا بأس به؛ لأنه معلوم.
والحاصل أن البيع في الصفة أضيق من البيع بالرؤية، يجوز أن أبيع عليك هذا الزنبيل اللي فيه أخلاط من الحمص والحلوى والكِشْمِش، وما أشبهها، وأنت تعلمه بالرؤية، لكن لا يجوز بالصفة؛ لأن البيع بالصفة أضيق من البيع بالرؤية.
وقوله: (المعاجين)، هذه معاجين تُجعل في الغالب للمرضى، تكون معاجين من أدوية متعددة، وأعشاب متعددة تُجمع وتُخلط وتُعطى المريض، وأنا أذكر أن الناس يستعملونها في أيش؟
طالب: في الجدري.
الشيخ: في الجُدَرِي، الجدري إذا أصاب الإنسان أول ما يصيبه يجمعون له من كل من نوع مما يمكن أن يطعمه، يجمعون له في تمرة أو شبهها، ويعطونه -هذا المجدور- الأكل فيما بعد، أو أكل هذا الطعام لا يستنكره؛ لأن المجدور -نسأل الله العافية- إذا بدأ الجدري، أو صار في طور الشفاء، إذا أكل شيئًا يستنكره ما أكله من قبل، يعود عليه الجدري، مما قد يُهلكه ..
طالب: والحصبة.
[ ١ / ٤٦٦٤ ]
الشيخ: والحصبة أيضًا، إي نعم، هذه يستعملها الناس -هذه المعاجين- للمرضى، فالمعاجين على هذا ما يصح السَّلَم فيها؛ لأنها مجهولة، ولكن الصحيح أنها يصح السَّلَم فيها؛ لأنه وإن كانت النسبة مجهولة، لكن النسبة قليلة، والغرض من ذلك منفعتها.
الطالب: () الجدري إذا كان ()؟
الشيخ: في الجمر، ويُبخِّره بها؛ لأجل ألا يستنكر من الرائحة في المستقبل.
قال: (فلا يصح السَّلَم فيه، ويصح في الحيوان والثياب المنسوجة من نوعين).
يصح السلم في الحيوان، كيف في الحيوان؟ يعني بأن أقول: أسلمت إليك ألف درهم بعشر شياه، ولكن لا بد من أن يُذكر نوع هذه الشياه، ووصفها، حتى لا يحصل اللبس في المستقبل.
الدليل أن النبي ﷺ استسلف من رجل بَكْرًا (٧)، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص قد أمره النبي ﵊ أن ينفذ جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة (٨).
وهذا دليل على جواز السَّلَم في الحيوان، ولكن لا بد من ذكر الجنس والنوع، وكل وصف يحتاج إليه السَّلَم.
ويصح أيضًا في (الثياب المنسوجة من نوعين)، مثل القطن والصوف، يجوز أن يُسْلم في ثياب منسوجة من القطن والصوف، أو من القطن والحرير وما أشبه ذلك، لماذا؟ مع أنها أخلاط متعددة؟
طالب: تميز ..
الشيخ: لأنها معلومة ومتميزة.
كذلك يصح السَّلَم فيما (خِلطه غير مقصود) فيه خليط، لكن هذا الخليط غير مقصود، كالخبز فيه الملح، و(الجبن) فيه الإنفحَّة، والإنفحَّة معلومة لكم أظن؟
الطلبة: ().
الشيخ: ليست بمعلومة، طيب، الإنفحة هي ما يكون في بطن الرضيع، الحيوان الرضيع أول ما يسقى اللبن، إذا ذُبح، وهو قد سقى اللبا، فإن هذا اللبا الذي في بطنه في () يكون جبنًا، يعني لو تأخذ جزءًا قليلًا من هذا الذي في بطنه وتضعه في لبن صار جبنًا تجبَّن، وتعرفون الجبن، ولَّا فيه إشكال بعد؟
طالب: لا، مجرَّب.
[ ١ / ٤٦٦٥ ]
الشيخ: مجرَّب، والدليل على ذلك أن الصغير من الضأن إذا ذُبح في أول يوم، ثم طُبِخ، فإن المرق إذا برد يكون جامدًا، يتجمد مع أن المرق كثير بالنسبة لما في ()، لكن هذا الجبن -سبحان الله العظيم- لها تأثير قوي، فالجبن يكون فيه أيش؟ الإنفحة، يعني جزء يسير من هذا اللِّبا الذي في هذا الطفل من الحيوان، إذا ذُبِح يُجعل في اللبن يكون جبنًا، هذا لا يضر؛ لأنه كالملح في الطعام.
أيضًا (خلِّ التمر)، ويش فيه؟ خلِّ التمر فيه التمر، فأفادنا المؤلف أنه يجوز الإسلام في الخل، بأن تقول: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من الخل بعد سنة، يجوز؟ إي نعم، يجوز، وهنا خُذ بمئة صاع من الخل. ليش قدرناه بالكيل دون الوزن؟ لأنه مائع، وكل مائع فهو مكيل، يُقدَّر بالكيل. هل يجوز الإسلام في الشاهي؟
طالب: واقع ..
الشيخ: لا، الشاهي المطبوخ.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، فلو قلت مثلًا: أسلمتُ إليك مئة درهم بعشرة أباريق شاهي إلى سنة، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز ..
الشيخ: انتبهوا، عشرة أباريق؟
الطلبة: لا، ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنها مجهولة، حتى بالوزن ما يجوز أيضًا، لكن أُقدِّرها بالصاع، أسلمت إليك مئة درهم بعشرين صاعًا من الشاهي؟
طالب: ما ينبغي.
الشيخ: لا، ينبغي
الطالب: ().
الشيخ: لا، أنا أُقدِّر يعني مثلًا كثرة الورق فيه أو قلته، الحلى أو قلته، هذا شيء مُقدَّر، لكن بمئة صاع، هذه لو تقولها عند العامة يمكن يطلقون عليك وصف مجنون، كيف مئة صاع شاهي؟ ما يصير!
لكن نقول: نعم، ما يقدر الشاهي إلا بالأصواع، وكيفية ذلك أن نأتي بإناء يسع صاعًا، فإذا كان مئة صاع يكون ملء هذا الإناء مئة مرة، أو يُوزن الصاع مثلًا، ويشاف قدره من الكيلو، ثم تُوزن البقية على هذا المقدار.
المهم أن الشاهي يجوز الإسلام فيه؛ لأن الورق الذي يكون فيه مقصود ولَّا غير مقصود؟
الطلبة: غير مقصود.
الشيخ: غير مقصود، فهو كخل التمر.
[ ١ / ٤٦٦٦ ]
وأما (السكنجبين) فلا أعرفه، ولكن على كل حال، هذا يظهر لي -والله أعلم-أنه نوع من الحلوى يُوضع فيه أشياء أجزاء غير مقصودة.
والمهم أن كل خِلْط متميز أو غير مقصود فإنه لا يمنع من جواز السَّلَم، وكل خِلْط لا يتميز وهو مقصود فإنه يمنع جواز السَّلَم.
وعلى هذا فلو ورد عليك سؤال: هل يجوز الإسلام في الأشياء المختلطة؟ فما الجواب؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل على النحو التالي:
إذا كان الخلط غير مقصود جاز، مثاله: الإنفحة في الجبن، والتمر في الخل، وورق الشاهي في الشاهي، و() القهوة في القهوة، وما أشبه ذلك، هذا غير مقصود.
ثانيًا: إذا كان مقصودًا لكنه متميز، ما تقولون؟ جائز ولَّا غير جائز؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: جائز، مثل الثياب المنسوجة من نوعين، فإن هذا النسيج مقصود، لكنه متميز معلوم.
الثالث: إذا كان الخلط مقصودًا غير متميز فلا يجوز الإسلام فيه؛ وذلك للجهالة، ودليل هذا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر (٩). فلا يكون جائزًا.
قال المؤلف ﵀ ..
طالب: الخل، التمر في الخل ()؟
الشيخ: الخل هو أن يوضع التمر في الماء، يُوضع تمر في ماء، ويبقى لمدة يوم أو يومين، فيكتسب الماء من حلاوة التمر، يمتصه، ويبقى التمر ما له قيمة بعد هذا، ومثله أيضًا خل العنب مثله، ومثل خل العصير، كل شيء غير مقصود فلا يضر.
طالب: هذا النبيذ يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: هذا النبيذ.
الشيخ: إي، خل التمر هو النبيذ.
قال المؤلف: (الثاني) يعني من الشروط، (ذِكْر الجنس والنوع، وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا)
يُشترط في السَّلَم أن يذكر الجنس والنوع والوصف، والقدْر سيأتي أيضًا أنه شرط، ذكر الجنس والنوع والوصف والقَدْر، وسيأتي ذكر القَدْر في شرط مستقل.
(ذكر الجنس والنوع والوصف) مثال ذلك: البُرُّ جنس، والحنطة ..
طالب: نوع.
[ ١ / ٤٦٦٧ ]
الشيخ: نوع، رديء متوسط وصف، فإذا أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع، فلا بد أن أقول: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البُرِّ حنطة جيد، أو أقول: رديء أو متوسط.
لو قلت: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع حنطة جيد، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنني لم أذكر الجنس، ما ذكرت الجنس، أنا قلت: بمئة صاع حنطة، فذكرت النوع، ولم أذكر الجنس.
لو قلت: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع بُرٍّ جيد ..
طالب: لا يجوز.
الشيخ: السبب؟
الطالب: النوع ..
الشيخ: لأني ما ذكرت النوع، مئة صاع بر، ربما يجيب لي القيني، ربما يجيب المير، ربما يجيب الحنطة، ربما يجيب المكسباي، ربما يجيب .. ما أدري.
فإذا لم يُذْكر النوع، فلا شك أنه لا يجوز للجهالة الواضحة، وإن ذُكِر النوع دون الجنس فظاهر كلام المؤلف ..
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن المؤلف يقول: (ذِكْر الجنس والنوع).
إذا أسلمتُ إليك في تمر، أسلمتُ إليكَ مئة درهم بمئة صاع من التمر، فلا بد أن أقول: من التمر البَرحي الجيد، فلو قلت: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البرحي الجيد، يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: على كلام المؤلف لا يجوز.
والقول الثاني في المسألة: أنَّ ذكر النوع كافٍ عن ذكر الجنس؛ لأن النوع أخص، والأخص يدخل فيه الأعم، فلا حاجة من ذكر الأعم، وهذا القول هو الراجح، بل هو ظاهر المذهب؛ لأن صاحب المنتهى، وهو العمدة في مذهب الإمام أحمد عند المتأخِّرين لم يذكر ذِكر الجنس، فعلى هذا نقول: القول الراجح في المسألة أن ذكر النوع كافٍ.
ذكر النوع يكفي؛ لأنه إذا قلت: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البرحي الطيب، فيه إشكال ولَّا ما فيه إشكال؟ ما فيه إشكال، لكن بمئة صاع من التمر الطيب فيه إشكال.
طيب إذا قلت: أسلمتُ إليك ألف درهم بخمسين رأسًا من الغنم، طالما وقع (منفرد)، يعني خمسين رأسًا؛ يعني خمسين شاة، بخمسين رأسًا من الغنم، يجوز ولَّا لا.
الطلبة: لا يجوز ..
[ ١ / ٤٦٦٨ ]
الشيخ: ليش؟ لأن الغنم يشمل الماعز والضأن، فهو جنس، لا بد أن أقول: من الغنم الضأن، وأذكر الوقت؛ رباع، ثنِيّ، جيد رديء، المهم على كل حال، الكلام على الجنس والنوع، فلو أقول: أسلمتُ إليك ألف درهم بخمسين رأسًا من الغنم ما صح، بخمسين رأسًا من الضأن؟
الطلبة: على رأي المؤلف.
الشيخ: على رأي المؤلف ..
الطلبة: لا يجوز ..
الشيخ: لا يصح حتى يقول: من الغنم الضأن، وعلى القول الراجح يصح؛ لأن ذكر الأخص يستلزم ذكر الأعم، ولا عكس إذن.
وقال المؤلف: (وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا).
طالب: طيب العرف، عندنا العرف في الحنطة البُر؛ يعني الحنطة تشمل جميع الأنواع ..
الشيخ: جميع أنواعه. تكون الحنطة جنسًا، فلا بد من ذكر النوع.
قال المؤلف: (وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا).
(كل وصف يختلف به الثمن) اختلافًا (ظاهرًا) مثل الجودة والرداءة، والسن في الحيوان وشبهه، والقِدَم والحداثة، وما أشبه ذلك، كما ذكر المؤلف، (كل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا وحداثته وقدمه).
(حداثته) يعني كونه جديدًا (وقِدَمه) كونه قديمًا، أيهم أحسن القديم أو الجديد؟
طالب: يختلف.
الشيخ: يختلف، كيف يختلف؟
الطالب: () الطريقة.
الشيخ: متى يأخذ ()، علِّل؟
الطالب: ().
الشيخ: متى يكون أحسن؟
الطالب: مثل السيارات، ممكن يكون موديل قديم أحسن.
الشيخ: يقولون: إن البُر الجديد أقل رغبة من البُر القديم؛ يعني مثلًا البر اللي من العام الماضي أرغب عند الناس من البر الذي من هذه السنة؛ لأنه عند العجن، وعند الطبخ يكون أحسن وأكثر شربًا للماء.
[ ١ / ٤٦٦٩ ]
على كل حال إذا كان الوصف بالقِدم أرجح يَذْكُر الوصف بالقدم، إذا كان الوصف بالحداثة، الجِدَّة، أرجح يذكر ذلك، إذا لم يكن أحدهما أرجح من الآخر، هل نحتاج إلى ذكر ذلك ولَّا لا؟ ما نحتاج، ما دام أنه ما يختلف فيه الثمن، فإنه لا حاجة إلى ذكر الحداثة والقدم؛ لأن المعتَبر الوصف الذي يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا. طيب، الألوان، يختلف بها الثمن ولَّا لا؟
الطلبة: لا ..
الشيخ: قد يختلف اختلافًا بعينه، وقد لا يختلف، ولَّا لا؟ قد يكون مثلًا بعض الناس، بعض الألوان تُرغب رغبة تزيد بها القيمة، وقد تكون بالعكس، فكل وصف يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا فلا بد من ذِكْره، وأما ما لا يختلف به الثمن إلا اختلافًا يسيرًا تجري العادة بالتسامح فيه فليس بشرط.
قال المؤلف: (ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود، بل جيد ورديء).
يعني ما يقول: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البر حنطة أجود ما يكون، هذا ما يجوز، السبب؟
الطلبة: ().
الشيخ: لتعذُّر الإحاطة بهذا الوصف، إذ ما من جيد إلا وفيه أجود منه. أجود ما يكون، وفيه أجود ما في السوق، أقول له: لا، روح البريدة () بها أجود من عنيزة، راح البريدة، وجاب أجود ما في البريدة، أقول له: لا، يمكن بالرياض أجود، راح، وجاب لي أجود ما في الرياض، أقول: يمكن في مكة، يمكن هذا ولَّا لا؟ يمكن، وفي مكة أجود من اللي بالرياض، جاب اللي في مكة، قلت: لا، يمكن في القاهرة، يمكن ولَّا ما يمكن؟
يمكن يكون في القاهرة، وجاب لنا القاهرة، قلت: يمكن يكون في واشنطن، ولَّا لا؟ فإذا جاب من واشنطن، أقول: يمكن يكون في موسكو، يروح على عواصم العالم هذا؟
ولهذا يقولون: لا يصح شرط الأجود، شرط الأجود ما يصح؛ لأنه ما في شيء جيد إلا وفيه أجود منه، ومن يحيط بالأجود؟
طيب (الأردأ) يصح؟ ما يصح، فإذا قال مثلًا: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بُر حنطة أردأ ما يكون؟
طالب: () أيش () الأردأ؟
[ ١ / ٤٦٧٠ ]
الشيخ: هذا اللي قال () الغنم، قال: أردأ ما يكون، ليش أردأ ما يكون؟ قال: نعم؛ لأنه لو جه بشيء زين، أخشى أني ما أعطيه غنمي، أنا رجل شحيح، ما شوفت () أردأ شيء يلَّا أعطيه له، يمكن يريد الأردأ، هذا أيضًا ما يصح؛ لأنه لو جاب () أردأ ما في البلد، أقول له: روح دوِّر في بلد آخر؛ لأنه يجيب له أردأ ما يكون. هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقيل: يصح شرْط الأجود، ويُحمل على الأجود في البلد، أطيب شيء، ويصح الأردأ، ويحمل على أردأ ما في البلد.
وقيل: يصح الأردأ دون الأجود؛ لأن الأجود مطلوب، والأردأ في الغالب غير مطلوب؛ يعني ما فيه واحد تجيب له شيء رديء، ويقول: روح دوِّر لي على شيء أردأ منه. هذا نادر، لكن جيد يمكن يقول: دوِّر لي أجود منه، فالمسألة إذن فيها ثلاثة أقوال:
قول: أنه لا يصح شرط الأردأ والأجود مطلقًا، وهذا هو المذهب، وعِلَّته أن هذا الوصف لا يمكن تحقيقه، إذ ما من شيء أجود إلا وفيه أجود منه، وما من شيء أردأ إلا وفيه أردأ منه، ومثلًا نتحقق أننا وصلنا إلى القمة أو إلى الصفر.
القول الثاني: يصح شرط الأردأ دون الأجود؛ لأن الأردأ ما من أحد إذا جئت له برديء يقول: هات أردأ منه إلا نادرًا، والنادر لا حكم له.
والقول الثالث: يصح شرط الأردأ والأجود، ويُحمَل على أردأ ما يكون في البلد وأجود ما يكون في البلد، وهذا أحسن شيء، وهذا هو الذي عليه العمل في الأصل، وهذا هو الذي عليه العمل عند الناس.
[ ١ / ٤٦٧١ ]
مثلًا: بُر أطيب ما يكون؛ يعني أطيب ما يُوجد في البلد، ومعلوم عند الناس جميعًا أنه لا يمكن أن يكون المراد أن يُلزم بأن يطلب الأردأ والأجود من كل بقاع العالم، ولهذا قال: (بل جيد ورديء)، أيش معنى (جيد ورديء)؟ يعني يصح أن يكون الوصف (جيد) أو (رديء). بأن يقول: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بر حنطة جيد، يجوز؛ لأن هذا الوصف يمكن الإحاطة به، وكذلك رديء، يجوز؛ لأن هذا الوصف يمكن الإحاطة به، وكذلك المتوسط؛ لأن هذا الوصف يُمكن الإحاطة به.
والحاصل أنه لا بد من ذكر الجنس -على رأي المؤلف- الجنس، والنوع، والوصف الذي يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا، أما ما لا يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا إلا شيئًا يسيرًا يُتغابن به، فإن هذا لا يلزم.
وكل هذا التحرير لنتفادى الوقوع في الغرر الذي نهى عنه النبي ﵊، فقد نهى عن بيع الغَرَر (٦)، وإذا لم تتحقق هذه الأوصاف فإن الغرر سوف يتحقق ..
طالب: نقول: إن المذهب أفضل يعني ()؟ لا يشترط أفضل شيء ()؟
الشيخ: لكن لو وقع هذا الأمر؛ يعني مثلًا قبل أن نعقد العقد ممكن نوجه الناس ونقول: لا تقولوا أردأ شيء، وأطيب شيء، لكن إذا وقع العقد على هذه الصفة؟ على المذهب يكون باطلًا، ما يصح، ونُلغيه، لكن على القول الثاني يصح.
(فإن جاء بما شرط، أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله ولا ضرر قي قبضه لزمه أخذه).
(إن جاء بما شَرَط) أو أصح (إن جاء بما شُرِط) أو (إن جاء بما شرط) عليه المسلم، فاعل جاء يعود على، على مَنْ؟
طالب: الْمُسْلَم إليه.
الشيخ: إي، الْمُسْلَم إليه، يعود على الْمُسْلَم إليه، (بما شرَط) أي بما شَرطَ الْمُسلِم، أو (بما شُرِط) أي (بما شُرِط) في العقد.
[ ١ / ٤٦٧٢ ]
إذا (جاء بما شُرط) لزم الْمُسلِم (أخذه)؛ لأنه وفَّى بما عليه، وهذا يقول المؤلف: (أو أجود منه من نوعه) يلزمه (أخذه)، فإذا كان شرط من النوع الرديء من التمر، فجاء بنوع ذلك التمر، لكنه أجود مما شُرط يلزمه (أخذه) ولَّا لا؟
طالب: يلزمه.
الشيخ: يلزمه؛ يعني لو قال: أسلمت إليك مئة درهم بعشرين صاعًا من السُّكري الوسط، وسط يعني ما هو جيد، فجاء إليه بعشرين صاعًا من السكري الجيد، يلزمه (أخذه) أو لا؟
الطلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه (أخذه)، لماذا؟ لأنه زاده خيرًا، لكن يُشترط ألا يكون عليه ضرر في قبضه، في أخذ الجيد؛ فإن كان عليه ضرر لم يلزمه.
ما هو الضرر الذي يمكن أن تتوقعوه في هذا؟
الطلبة: المنة.
الشيخ: المنة، إي نعم، يمكن هذا الذي أتاني بالجيد في يوم من الأيام يُذكِّرني بذلك، إذا حصل معه أدنى مخالفة، كان هذا الجزاء، أني راح أعطيك جيد عن الرديء وأسوي بكذا وكذا، فإذا كان يخشى المنة عليه فله أن يرد، وإذا كان لا يخشى المنة كما لو عُرف بأن هذا الرجل الْمُسْلَم إليه رجل، نعرف أنه ليس بمنان؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- منان، والمنان -كما تعرفون- لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، إذا عُرف بأنه ليس بمنان، وأن هذا لا يمكن أن يطرأ على باله أبدًا، فإنه يلزم الْمُسلِم قبوله؛ لأن هذا مصلحة له، وامتناعه من قبوله نعلم أنه إنما أراد بذلك أيش؟
الإعنات والإشقاق على صاحبه، ومن قصد الإعنات والإشقاق على صاحبه بدون مصلحة له، فإنه يُمنَع من ذلك، وقد مر عليكم حديث أبي هريرة: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ» (١٠). ماذا قال أبو هريرة؟
الطلبة: ما لي أراكم ..
[ ١ / ٤٦٧٣ ]
الشيخ: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم، أي لأرمين بالخشب بين أكتافكم، وليس المعنى (لأرمين بها) أي بهذه السُّنَّة، أو بهذه المقالة بين أكتافكم؛ لأن هذا لا يمكن أن يقع من أبي هريرة أن يجعل حديث رسول الله ﷺ خلف الظهر، لكن المعنى أن أبا هريرة كان أميرًا على المدينة فقال: لأرمين بها بين أكتافكم، أجعلها على كتفكم، وهذا كقول عمر بن الخطاب ﵁ لمحمد بن مسلمة أو جاره، لما أراد محمد بن مسلمة أن يُجري الماء في أرض جاره إلى أرض أخرى وراءه فامتنع الجار، فقال عمر: لأجرينه ولو على بطنك (١١).
لأن في هذا مصلحة لك، أنت إذا مر الماء من أرضك فيه مصلحة، اغرس عليه، ازرع على جوانبه، فأنت في مصلحة، وصاحبك في مصلحة، والمهم أن هذا الذي جاء بأجود مما شُرط عليه إذا لم يكن على الْمُسْلِم ضرر، والمراد بالْمُسلم ضد الكافر؟
الطلبة: لا.
الشيخ: الْمُسلِم من دفع الفلوس، إذا لم يكن عليه ضرر لزمه الأخذ، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه.
وقول المؤلف: (أو أجود منه من نوعه) أفادنا أنه لو أتى بنوع آخر لم يلزم قبوله ولو كان أحسن، مثاله؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، ما يلزمه أن يقبل، وإن كان السكري أحسن وأكثر قيمة ما يلزم، ولكن لو أخذه، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لو أخذه جاز، فإن جاء بجنس آخر؛ أسلم إليه في تمر، فجاء بِبُر؟
الطلبة: ().
الشيخ: هذا مُخالِف في الجنس.
الطلبة: ().
الشيخ: ويجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: المذهب لا يجوز، والقول الثاني: يجوز؛ وهو الصحيح، وعلى هذا فالمسألة لها ثلاث حالات:
إذا أتى به من نوعه ..
ولو قُبِلَ مَحَلُّه ولا ضَرَرَ في قَبْضِه -لَزِمَه أَخْذُه.
(الثالثُ): ذِكْرُ قَدْرِه بكيلٍ أو وَزنٍ أو ذَرْعٍ يُعْلَمُ، وإن أَسْلَمَ في الْمَكيلِ وَزْنًا أو في الموزونِ كَيْلًا لم يَصِحَّ.
[ ١ / ٤٦٧٤ ]
(الرابعُ) ذِكْرُ أَجَلٍ معلومٍ له وَقَعَ في الثَّمَنِ، فلا يَصِحُّ حالًا ولا إلى الْحَصادِ والْجِذاذِ ولا إلى يَوْمٍ، إلا في شيءٍ يَأْخُذُه منه كلَّ يومٍ كخُبْزٍ ولَحْمٍ ونحوِهما.
(الخامسُ): أن يُوجَدَ غالبًا في مَحَلِّه، ومكانِ الوَفاءِ، لا وقتَ الْعَقْدِ، فإن تَعَذَّرَ أو بعضُه فله الصبْرُ أو فَسْخُ الكُلِّ أو البعضِ، ويَأْخُذُ الثمَنَ الْمَوجودَ أو عِوَضَه.
(السادسُ): أن يَقْبِضَ الثمنَ تامًّا، معلومًا قَدْرُه ووَصْفُه قبلَ التَّفَرُّقِ، وإن قَبَضَ البعضَ ثم افْتَرَقَا بَطَلَ فيما عَداهُ، وإن أَسْلَمَ في جِنْسٍ إلى أَجَلَيْنِ أو عَكْسَه صَحَّ إن بَيَّنَ كلَّ جِنْسٍ وثَمَنَه وقِسْطَ كلِّ أَجَلٍ.
(السابعُ): أن يُسْلَمَ في الذِّمَّةِ فلا يَصِحُّ في عينٍ، ويَجِبُ الوَفاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ، ويَصِحُّ شَرْطُه في غيرِه، وإن عُقِدَ بِبَرٍّ أو بَحْرٍ شَرَطَاهُ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، ولا هِبَتُه، ولا الْحَوَالةُ به، ولا عَلَيْهِ، ولا أَخْذُ عِوَضِه، ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ والكَفيلُ به.