وهي اجتماعٌ في استحقاقٍ وتَصَرُّفٍ، وهي أنواعٌ:
فشَركةُ (عَنانٍ) أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما أن يَشترِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِما المعلومِ ولو مُتَفَاوِتًا ليَعْمَلَا فيه ببَدَنَيْهِما، فيَنْفُذُ تَصَرُّفُ كلٍّ منهما فيهما بحُكْمِ الْمِلْكِ في نصيبِه، وبالوكالةِ في نَصيبِ شَرِيكِه، ويُشْتَرَطُ أن يكونَ رأسُ المالِ من النقدينِ الْمَضروبينِ ولو مَغشوشينِ يَسيرًا، وأن يَشْتَرِطَا لكلٍّ منهما جُزءًا من الرِّبْحِ مَشاعًا مَعلومًا، فإن لم يَذْكُرَا الرِّبْحَ أو شَرَطَا لأَحَدِهما جُزءًا مَجهولًا أو دَراهِمَ معلومةً أو رِبحَ أَحَدِ الثوبينِ لم تَصِحَّ، وكذا مُساقاةٌ ومُزارعةٌ ومُضاربةٌ، والوَضِيعَةُ على قَدْرِ المالِ. ولا يُشْتَرَطُ خَلْطُ المالَيْنِ ولا كونُهما من جِنْسٍ واحدٍ.
(فصلٌ)
الثاني: (الْمُضارَبَةُ) لِمُتَّجِرٍ به ببعضِ رِبْحِه، فإن قالَ: والرِّبْحُ بينَنا. فنِصفانِ، وإن قالَ: ولِي أو لك ثلاثةُ أرباعِه أو ثُلُثُه. صَحَّ، والباقِي للآخَرِ، وإن اخْتَلَفا لِمَن الشروطُ فلعامِلٍ، وكذا مُساقاةٌ ومُزارعةٌ، ولا يُضارِبُ بمالٍ لآخَرَ إنْ أَضَرَّ الأوَّلَ ولم يَرْضَ، فإن فَعَلَ رَدَّ حِصَّتَه في الشَّرِكَةِ، ولا يُقْسَمُ مع بقاءِ العَقْدِ إلا باتِّفَاقِهما، وإن تَلِفَ رأسُ المالِ أو بعضُه بعدَ التصرُّفِ، أو خَسِرَ جُبِرَ من الربْحِ قبلَ قِسمتِه أو تَنْضِيضِه.
ممكن نقول: أنا ما وفيت ياسرًا، إذا ما وفيت ياسرًا يأخذ حقه من فهد ولَّا لا؟ يأخد حقه من فهد، وسامي يرجع على ياسر، لكن يقول سامي: لماذا () أنا ما أعطيته.
[ ١ / ٤٩٨٤ ]
طيب، جاء ياسر إلى سامي وقال له: محمد موكلني أقبض الدين الذي له عليك، فقال الأخ سامي: كذبت، ما وكلك، قال ياسر لسامي: افرض أنه ما وكلني ()، عرفت؟ هل يلزم سامي أن يحلف؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه، السبب لأنه لو () لليمين ما هو قضينا عليه بالنكول ()، يلزمك تحلف ولَّا ما يلزمك؟
طلبة: ما يلزمه.
الشيخ: ما يلزمه ()؛ فلهذا نقول: لا يلزمه دفعه إن صدَّقه، علِّل؟ لاحتمال أن ينكر () ولا اليمين إن كذبه؛ لأنه لو امتنع عن اليمين لم نلزمه بالدفع، والقاعدة الفقهية: أن كل من لا يُحْكَم عليه بالنكول فإنه لا يُحَلَّف، هذه القاعدة لهذا المثال.
يقول المؤلف: (فإن دفعه) مين اللي دفع؟ سامي اللي دفع، (إن دفعه) أي: دفع الحق، (فأنكر زيدٌ الوكالة حلف) من اللي يحلف؟
طلبة: الموكل.
الشيخ: اللي يحلف () يحلف أنه ما وكله، ليش يحلف أنه ما وكله؟ لأنه يحتمل أن مدعي الوكالة -وهو ياسر- يحتمله صادق ولَّا لا، فنقول: احلف أنه ما وكلك ().
طيب، قال حمد: أنا بأحلف، لكني سأحلف على نفي العلم أو على نفي الذكر، سأقول: واللهِ لا أذكر أني وكلتك، يصير ولَّا ما يصير؟
طلبة: ما يصير.
الشيخ: ما يصير، نقول: احلف على () فيحلف، فإنه في هذه الحال نقول له: () يقضى عليك بالنكول أو تكون أنت موكل ياسر ()، إي نعم.
قال: (حلف وضمنه عمرو) () طيب حلف حمد قال: واللهِ ما وكلت ياسرًا ()، قال: واللهِ ما وكلت ياسرًا، نقول: خلاص، الآن الوكالة لا تثبت، وخذ حقك من سامي من ().
(حلف وضمنه عمرٌو) وهو المطلوب () ضمنه سامي، فصار () الآن ياسر ظهر () ولزمه الضمان، فإذا قال ياسر: يا جماعة () أنا قد دفعت الحق ()، نقول () ما وفيته ()، هل فهمتهم؟
طيب، أتى ببينة أنه دفعه إليه، نقول لسامي: الآن لك أن ترجع على ياسر أو على حمد؛ إن كان ياسر فقيرًا () حمد، إن كان حمد فقيرًا ().
[ ١ / ٤٩٨٥ ]
قال المؤلف: (وإن كان المدفوع وديعة أخذها) ويش معنى الوديعة؟ تسمى عند الناس الوديعة، تسمى عندهم أمانة، (أخذها) مين اللي يأخذها؟ المودع هو الذي يأخذها ولَّا لا؟ أو الدافع اللي يأخذها؟ الدافع.
(فإن تلفت ضمن أيهما شاء) الآن مثلًا () هذا -مثلًا- حمد أودع سامي ساعة قال: خذ هذه الساعة عندك، ثم إن ياسرًا جاء إلى سامي وقال له: إن حمدًا وكَّلني في قبض السلعة منك وهي وديعة، سامي صدَّق ياسرًا وأعطاه الساعة، وفي اليوم الثاني جاء حمد إلى سامي وقال: أعطني الساعة اللي أنا أودعتك، فقال: إنها أخذها وكيلك، فقال: ما وكلت ياسرًا () سامي ليش أعطى ياسر هذه؟ قال: تصديقًا له وإحسانًا للظن به، حلف حمد أنه ما وكَّل ياسرًا في قبض الساعة، الآن تلزم من؟
طلبة: سامي.
الشيخ: تلزم سامي، لكن الساعة موجودة في بيت ياسر، يقول المؤلف: (وإن كان المدفوع وديعةً أخذها) أخذها أي: حمد.
(فإن تلفت ضمن أيهما شاء) فإن تلفت فلحمد -اللي هو المودِع- أن يضمن أيهما شاء، أي منهم؛ ياسر لأنه قبضها، أو سامي لأنها كانت عنده ().
[مدخل]
الشَّرِكة، ويقال: شِرْكة، ويقال: شَرَكة، فيها ثلاث لغات: شَرِكة، شِرْكة، شَرَكة.
الشركة معناها: الاجتماع في شيء، كل اجتماع في شيء يسمى شركة، لكنها في الاصطلاح يقول المؤلف: (هي اجتماع في استحقاق أو تصرف)، (اجتماع في استحقاق) يعني: أن يجتمع شخصان فأكثر في استحقاق شيء معين، أو اجتماع في تصرف؛ يعني: لا يجتمعان في استحقاق هذا الشيء، لكن يجتمعان في التصرف، وتسمى الثانية شركة عقود، والأولى شركة أملاك. الاجتماع في الاستحقاق: شركة أملاك، والاجتماع في التصرف: شركة عقود.
مثال ذلك: ورث رجلان من أبيهما دارًا، نقول: هذه اجتماع في استحقاق؛ يعني: هما استحقاها من ميراث والدهما، فهما مشتركان في ملكها.
وُهب لرجلين كتابًا، ما نوع الشركة؟ استحقاق، هذه شركة استحقاق.
[ ١ / ٤٩٨٦ ]
وقد تكون في المنافع لا في الأعيان؛ كما لو منحت رجلين الانتفاع بهذا البيت فقلت لهما: انتفعا بهذا البيت ما دمتما في هذا البلد. هذا اجتماع في استحقاق ولَّا في تصرف؟
طلبة: في استحقاق.
الشيخ: في استحقاق؛ لأنهما استحقا منفعة هذا البيت، استحقاه فيكون هذا الاجتماع في الاستحقاق.
إذن كل شريكين في عين أو منفعة على سبيل الملك؛ أي: أن ذلك ملك بينهما نسميه شركة استحقاق. أما شركة التصرف فهي التي تحتاج إلى تعاقد بين الشريكين، وهي التي قسمها المؤلف إلى الأقسام الخمسة الآتية. هذه تسمى شركة العقود؛ لأنها ثبتت بالتعاقد بين الطرفين.
واعلم أن من رحمة الله ﷿ وتوسيعه على عباده أن أباح عقود الشركة؛ وذلك أن الإنسان قد لا يستطيع الاستقلال باستغلال ملكه.
هذا رجل عنده أموال كثيرة، لكنه مشلول، أو زمِن، أو أعمى، أو مريض، فيعطي غيره من هذا المال لينتفع به ويتجر به ويكون الربح بينهما، فالإنسان لما كان قد لا يستطيع الاستقلال بالتصرف في ماله أباح الشارع للعباد جميعًا أن يشتركا بينهما.
وهل المشاركة أفضل أم الانفراد؟
يرى بعض العلماء أن المشاركة أفضل؛ لما فيها من التعاون والتآخي، وكل واحد منهما يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولأن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ» (١). ولأن كل واحد منهما ينتفع بما عند الآخر من مال أو عمل، فكان الاشتراك أفضل.
[ ١ / ٤٩٨٧ ]
ويرى آخرون أن الانفراد أفضل؛ لأن الإنسان إذا انفرد بملكه والتصرف فيه كان حرًّا؛ إن شاء عمل وإن شاء ترك، وإن شاء عمل في هذا النوع من التجارة وإن شاء عمل في غيره، وإن شاء تبرع من المال وإن شاء لم يتبرع، بخلاف الشركة؛ فإنها مقيدة بما يتفق عليه الشريكان، ولا يمكن لأي واحد أن يتبرع بشيء منها، لكن الانفراد الإنسان فيه حر؛ له أن يتبرع بما شاء من ماله، وله أن يبيع برخص، وله أن يشتري بغلاء، أما الشركة فهي مقيدة.
والحقيقة أن كل واحد من الانفراد والاشتراك له مزية على الآخر، لكن المزية التي قد لا يعدلها شيء هي السلامة في مسألة الانفراد، فالإنسان إذا كان منفردًا في تصرفه في ماله أسلم؛ لأن الشريكين يصعب على الإنسان مراعاة واجب الشركة، ولأن الشريكين أيضًا لو جاءك شخص من أقاربك أو من أصحابك يريد أن يشتري منك سلعة مشتركة يجب عليك أن تبيعها بماذا؟ بثمن المثل، لكن لو كنت منفردًا لأمكنك أن تبيعها بأقل.
وكذلك لو اشتريت شيئًا بأكثر من ثمنه محاباةً للبائع؛ فإنك إذا كنت منفردًا تكون حرًّا، إذا كنت مشاركًا لا تكون حرًّا في ذلك، فهي من ناحية السلامة أسلم؛ الانفراد أسلم، أما من ناحية التعاون والتفاعل وما ينتج من الاشتراك فالاشتراك أفضل وأكمل، وعلى هذا فيكون كل واحد منهما أكمل من الآخر من وجه.
ثم قال: (وهي أنواع) ظاهر كلام المؤلف: (وهي) أنه يعود إلى الشركة بقسميها؛ أي: شركة الأملاك وشركة العقود، ولكن هذا غير مراد، وهو إنما يريد شركة العقود؛ يعني (وهي) أي: الاجتماع في التصرف التي هي شركة العقود، (أنواع) والأنواع في الشركة هذه خمسة:
[شركة العنان]
الأول: شركة عِنان؛ وهي اشتراك في المال والعمل، وسميت شركة عنان لأن الشريكين كالمتسابقين، كل واحد منهما قد أمسك بعنان فرسه، وهذه التسمية وإن كانت بعيدة الأخذ لكن المهم أنها عُرفت عند الناس بأنها شركة عنان.
[ ١ / ٤٩٨٨ ]
هي (أن يشترك) يقول: (بدنان بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما)، إذن هي اشتراك في مال وعمل، (يشترك بدنان) أي: رجلان أو امرأتان، (بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما).
مثال ذلك: أنا عندي عشرة آلاف ريال، ورجل آخر عنده عشرة آلاف ريال، واتفقنا على أن نفتح محلًّا أو محلين، ونشتري بضاعة بالدراهم التي اشتركنا فيها، وهي عشرون ألفًا، وصار كل واحد منا يعمل بهذا المحل، نعمل فيه جميعًا، نسمي هذه شركة عنان، لكن يقول المؤلف: لا بد أن يكون المال معلومًا، فإن كان مجهولًا -كما لو قلت: سأشترك أنا وإياك فيما عندي من هذا المال، وهو في صرة مجهول العدد، وفيما عندك من هذا المال، وهو في صرة مجهول العدد- يقول: هذا لا يصح، لماذا؟ لأنه مجهول، والمجهول لا يمكن الرجوع إليه عند فسخ الشركة؛ لأنا إذا فسخنا الشركة فإلى أي شيء نرجع؟ ما ندري إلى أي شيء نرجع، فلا بد أن يكون المال معلومًا.
هل يُشْتَرط أن يكون متساويًا؟ لا يُشْتَرط؛ ولهذا قال: (ولو متفاوتًا) يمكن أن تحضر عشرة آلاف ريال وأحضر أنا عشرين ألف ريال، ونشترك، ويكون الربح بيننا كم؟ نصفين ولَّا ثلث وثلثان؟ إن رجعنا إلى المال فالربح يكون ثلثًا وثلثين، لكن قد نجعله نصفًا ونصفًا، بمعنى أن صاحب الثلثين يجعل الربح أنصافًا؛ لأن صاحب الثلث أقوى منه في العمل وأعرف منه، فيزيد في نسبته من أجل عمله، وهذا ممكن، لكن لو جعلناه بالعكس وقلنا: لصاحب الثلث أقل من الثلث، يصح ولَّا ما يصح؟ هل يصح ولَّا لا؟ يصح، يعني معناه سواء جعلنا نسبة كل واحد منهما من الربح بقدر ماله أو أكثر فلا بأس؛ لأن هذا يعتمد على قوة العمل والتجارة والمعرفة بأحوال التجار، وقد يكون أحدهما أعلم من الآخر.
قال: (ليعملا فيه ببدنيهما) فإن قالا: يعمل فيه أحدنا فقط، أنت تأتي بعشرين ألفًا وأنا آتي بعشرين ألفًا وتعمل فيه أنت؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: يقول في الشرح: إنه من العنان، وظاهر كلام الماتن أنه ليس من العنان.
[ ١ / ٤٩٨٩ ]
والواقع أن هذا فيه شبه من العنان وفيه شبه من المضاربة؛ فبالنظر إلى أن هذا يعمل بماله وبدنه -أحدهما يعمل بماله وبدنه- يكون شبيهًا بالعنان، وبالنظر إلى أن أحدهما لا يعمل ببدنه وإنما العمل في ماله يشبه المضاربة، فيمكن أن نقول: إن هذا جامع بين المضاربة وبين العنان، ولكن يُشْتَرط في هذا النوع أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله؛ لأجل أن يشتمل على شيء من المضاربة.
أتيتَ بعشرة آلاف ريال، وأتيت أنا بعشرة آلاف ريال وقلت لك: اعمل أنت، أما أنا لا أستطيع العمل، ولك من الربح النصف، يصح ولَّا ما يصح؟ ما يصح، لا بد أن يكون له أكثر من ربح ماله؛ يعني لك من الربح الثلثان.
لماذا لا تصح المسألة الأولى؟ لأن الذي دفع المال ولم يعمل يكون أتاه ربح ماله كاملًا، والذي جمع بين المال والعمل لم يأته إلا ربح ماله فقط، فيكون عمله هباء لا ينتفع منه بشيء.
هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، وعندي أنه لا مانع من هذا العمل؛ أن يكون له بمقدار ماله؛ لأن صاحب المال الذي لم يعمل إذا أُعطي ربح ماله كاملًا فهو إحسان من العامل، ومن يمنع الإحسان؟ ! أليس يجوز أن أعطيك مالًا لتعمل فيه ويكون الربح كله لي؟ يجوز، وتكون أنت متبرعًا لي بالعمل، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز أن يُعْطَى من الربح بقدر ماله؛ وذلك لأنه يكون بهذا محسنًا إلى صاحبه.
شركة العنان إذن لها صورتان؛ الصورة الأولى: أن يشترك البدنان بماليهما وبدنيهما، ويكون الربح بينهما على ما اشترطاه.
الصورة الثانية: أن يشترك بدنان بماليهما دون بدنيهما، فيختص أحدهما بالعمل، والثاني لا يعمل.
[ ١ / ٤٩٩٠ ]
في هذه الصورة يُشْتَرط أن يُعْطَى العامل من الربح أكثر من ربح ماله؛ على المذهب، لئلا يضيع عمله هباءً؛ لأننا لو أعطيناه بقدر ماله صار عمله هباء، ما استفاد منه، والصواب أنه لا بأس به؛ لأنه يقول: أنا مستعد أن أتبرع لأخي بعمل بدني، وأكون كأني اشتغلت بماله وجعلت جميع الربح له، وهذا لا بأس به.
يقول المؤلف ﵀: (فينفذ تصرف كل منهما فيهما) أي: في المالين، (بحكم الملك في نصيبه وبالوكالة في نصيب شريكه).
الآن اشتركنا في هذا المال، وبدأنا نبيع ونشتري، إذا كان المال نصفين؛ مني عشرة آلاف، ومنك عشرة آلاف، فإن تصرفي في نصيبي بالأصالة، وتصرفي في نصيبك بالوكالة، وأنت كذلك مثلي، تصرفك في نصيبي بالوكالة وفي نصيبك بالأصالة؛ ولهذا يقول: (بحكم الملك في نصيبه وبالوكالة في نصيب شريكه).
فإذا قال قائل: كيف تقولون: إنه بالوكالة وهو لم يوكله؟
نقول: لأن مقتضى عقد الشركة أن يتصرف في هذا المال المشترك، والوكالة تنعقد بما دل عليها من قول أو فعل، فعلى هذا يغني عقد الشركة عن الإذن الصريح في التوكيل؛ لأنه من لازم عقد الشركة أن يتصرف في المال المشترك بطريق الوكالة في نصيب شريكه وبطريق الأصالة في نصيبه.
(ويُشْتَرط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين) هذا الشرط الأول بالإضافة إلى ما سبق أن يكون المالان معلومين. الشرط الثاني: أن يكونا من النقدين المضروبين، المراد بالنقدين: الذهب والفضة، المضروبين: المجعولين سكة ونقدًا؛ احترازًا مما لو كانت حليًّا من الذهب أو كان تِبرًا من الذهب؛ يعني قطعًا من الذهب أو من الفضة فإن ذلك لا يصح، لماذا؟ لأن القيمة تختلف في غير النقد.
[ ١ / ٤٩٩١ ]
لو أن هذين الرجلين أحضرا سيارات، قال: هذه عشر سيارات داتسون، والآخر جاء عشر سيارات مازدا، واشتركا فيهما، فعلى المذهب لا يصح، لماذا؟ لأن المال المشترك ليس من النقدين، ولأنه من الجائز أن تكون قيمة السيارات عند عقد الشركة متساوية، وعند فسخ الشركة مختلفة، فمثلًا عند عقد الشركة كانت المازدا تساوي عشرين ألفًا والداتسون عشرين ألفًا، هذه ما فيها إشكال، ولَّا لا؟ لكن عند فسخ الشركة كانت المازدا تساوي تسعة عشر والداتسون خمسة وعشرين أو أكثر، أيهما أرغب عند الناس؟
طالب: المازدا.
الشيخ: المازدا.
طالب: على حسب.
الشيخ: على كل حال، عند عقد الشركة قدَّرنا أن الثمن متساوٍ، عند انفساخ الشركة زادت الداتسون على المازدا بخمسة آلاف، كيف نقسم المال إذن؟ هل نقسمه على الأول عند عقد الشركة؛ يعني أنصافًا، أو نقسمه عند فسخ الشركة بحيث يزيد هذا الخمس؟ لذلك قال العلماء: إنه لا يجوز إلا أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين.
وقال بعض العلماء -وهو الصحيح-: يجوز أن يكون رأس المال من العرض؛ يعني: ليس نقدًا، لكنه يُقَوَّم عند عقد الشركة بنقد، ثم عند انفساخ الشركة يحول المال إلى النقد الذي يكون به في ذلك الوقت.
مثال هذا: أتيت أنت بسيارات وأتيت أنا بإبلٍ، بينهما فرق ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، الإبل والسيارات بينهما فرق، لكن على القول الراجح نقدر كم قيمة الإبل وكم قيمة السيارات، قالوا: قيمة السيارات مئة ألف، وقيمة الإبل خمسون ألفًا، إذن نجعل رأس المال مئة ألف لصاحب السيارات وخمسين ألفًا لصاحب الإبل، وعند فسخ الشركة نعود إلى رأس المال هذا، فنقول: لصاحب الإبل الثلث، ولصاحب السيارات الثلثان، وحينئذٍ لا يحصل ضرر.
[ ١ / ٤٩٩٢ ]
صحيح أننا لو قلنا: إنه عند فسخ الشركة نعطي صاحب السيارات سيارات وصاحب الإبل إبلًا، هذا جهل عظيم جدًّا، ليش؟ لأنه ربما تستوعب قيمة السيارات عند فسخ الشركة أكثر من الثلثين، أو بالعكس، وربما تستهلك قيمة الإبل أكثر من الثلث، فصار مجهولًا. هذه الجهالة بماذا تزول؟ تزول بتقويم هذه العروض عند عقد الشركة، فيقال لصاحب الإبل: إبلك تساوي خمسين ألفًا، ولصاحب السيارات: سياراتك تساوي مئة ألف، إذن يكون رأس المال مئة وخمسين ألفًا، منها خمسون ألفًا لصاحب الإبل، ومئة ألف لصاحب السيارات، ويمشون على هذا.
العمل الآن على القول الأول الذي هو المذهب، أو على القول الثاني؟
طلبة: على القول الثاني.
الشيخ: العمل الآن على القول الثاني؛ يعطي الإنسان الشخص أراضي ويقول: خذ هذه الأراضي مضاربة، فيقدر قيمتها -مثلًا- عند العقد بمئة ألف ويقول: رح وبعها، يبيعها -مثلًا- بمئة وخمسين ألفًا، يكون رأس المال مئة ألف لصاحب الأرض يؤخذ من الأصل، والخمسون ألفًا تقسم على حسب ما اشترطاه.
يقول المؤلف ﵀: (أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين) لو جعلنا رأس المال فلوسًا يصح؟ لا، هم يقولون: لا؛ لأن الفلوس عندهم تزيد وتنقص، ما هي مثل وقتنا الآن، الفلوس وقتنا الآن مقررة، كم الريال من قرش؟ عشرون قرشًا؛ يعني: مئة هللة ما تزيد ولا تنقص، فالعروض في وقتنا الحاضر كالنقود لا تزيد، لكن في وقتهم تزيد وتنقص، سلعة، يمكن يكون الدرهم بعشرة فلوس، ويمكن يكون من بكرة بعشرين، أو بأكثر أو بأقل؛ لذلك قالوا: إنه لا يصح أن يكون رأس المال فلوسًا؛ ولهذا قال ابن القيم ﵀: إن الدراهم والدنانير يجوز الاتجار بها، ولا يجوز الاتجار فيها.
طالب: ()؟
الشيخ: بينهما فرق؛ يعني يُتَّجَر بها جائز، يُتَّجَر فيها لا.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، يقول: يُتَّجَر بها ولا يُتَّجَر فيها، ويش الفرق بينهما؟
[ ١ / ٤٩٩٣ ]
طالب: يعني أن تكون السلعة هذا جائز () لا يُبَاع ولا يُشْتَرى.
الشيخ: لا، () يجعلها سببًا للتجارة؛ يشتري بها الأشياء ويبيعها. يتجر فيها: يجعل التجارة فيها هي نفسها، هذا يقول: لا يجوز؛ لأنه يضر بالناس ضررًا عظيمًا، كيف يضر بالناس؟ يأتي تجار النقود في هذا اليوم يقول: يلَّا اشتروا كل اللي في السوق بالنقود، تصبح السلع رخيصة ولَّا غالية؟
طلبة: غالية.
الشيخ: لا، رخيصة؛ لأن الدراهم إذا قلَّت صارت غالية، إذا غلت الدراهم رخصت السلع، فمثلًا إذا أخذوا جميع اللي في السوق تجد اللي يساوي أمس عشرة يؤخذ اليوم بخمسة أو بريالين يتضرر الناس، في اليوم الثاني بعدما أخذوا كل اللي في السوق من الدراهم قال: يلَّا نزِّلوا الدراهم، يتضرر الناس ولَّا لا؟ يعني: تزيد قيمة العشرة ولَّا تنقص؟ تزيد قيمة العشرة؛ لأنهم لما رجعوا الدراهم إلى الأسواق زادت الدراهم؛ زادت بأيدي الناس، إذا زادت بأيدي الناس اشتروا بها السلع بزيادة ولا يهمهم؛ لأن الدراهم موجودة، فتجد لو اتجروا في الدراهم أو اللي اتجروا في النقود صاروا سببًا لإفلاس كثير من الناس ولتضخم كبير في الأموال.
طالب: هذا ما يفعله اليهود الآن.
الشيخ: إي نعم، يفعلون اليهود الآن في الدولارات؛ يلعبون بالناس بالدولارات.
المهم أن ابن القيم ﵀ يقول: إن الدراهم والدنانير يُتَّجَر بها ولا يُتَّجَر فيها، يُتَّجَر بها؛ يعني: تجعل وسيلة للتجارة، أما هي يُتَّجَر فيها لا؛ يعني: ما تجعل شيئًا محل تجارة هي؟
طالب: تجارة العملات.
الشيخ: متاجرة العملات الآن، بالنسبة لنا ما فيه متاجرة الظاهر، الدراهم ثابتة، لكن بالنسبة للدولار فيه متاجرة، وأظن العملات الأخرى أيضًا فيها متاجرة.
فالمهم أن الاتجار في الدراهم والدنانير يضر بالناس إضرارًا كبيرًا، ووجهه كما شرحت لكم.
[ ١ / ٤٩٩٤ ]
لهذا نقول: إن الفلوس لا يجوز أن تُجْعَل رأس مال في الشركة، لماذا؟ لأنها تزيد وتنقص، وهذا بناءً على ما كان معروفًا في عهد العلماء الذين اشترطوا هذا الشرط، أما في وقتنا الآن فإن عشرين قرشًا تساوي ريالًا، ولا يزيد ولا ينقص، لكن على فرض أن الفلوس قد تزيد وتنقص ممكن نحول المسألة إلى القول الراجح؛ أنه يجوز أن يكون رأس المال عرضًا، وتُقَدَّر قيمته عند العقد ليرجع إليها.
قال المؤلف ﵀: (ولو مغشوشين يسيرًا) النقدان الأصل أن الدنانير ذهب خالص وأن الدراهم فضة خالصة، لكن يوجد بعض الناس يغش؛ يخلط مع الذهب معدنًا آخر لا يتغير به لونه، لكن ذات الدينار مخلوطة، وكذلك يقال في الدراهم، فهل يصح أن تُجْعَل الدنانير المغشوشة رأس مال في الشركة؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كان الغش يسيرًا فلا بأس، وإن كان الغش كثيرًا فإنه لا يجوز؛ لأن الدراهم والدنانير المغشوشة تُتَّخَذ سِلعًا يُتَّجَر فيها؛ لأن الناس ما هم مأمونون، فلا يصح أن تكون الدنانير والدراهم مغشوشة كثيرًا، أما اليسير فإنه لا بأس به، قالوا: لأنه لا يخلو الذهب منه ولا الفضة غالبًا؛ لأن الذهب لو جُعِلَ خالصًا ما صار بهذه المتانة، لصار لينًا؛ كل شيء يؤثر عليه، فلا بد أن يُدْخَل معه أجزاء تجعله صلبًا لا يتثنى، كل هذا الذي قاله المؤلف غير موجود عندنا الآن؛ لأن ضبط النقود الآن أقوى بكثيرٍ من ضبطها فيما سبق قديمًا، فإنه قديمًا يدخلها الغش؛ يمكِن أي واحد من التجار يجي ويسك له دنانير أو دراهم يقلد بها الدنانير والدراهم التي في أيدي الناس ويُدخِل فيها الغش، أما الآن فالمسألة مضبوطة، وهذا غير وارد، وهو قوله: (ولو مغشوشين يسيرًا).
(أن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا) هذا يتضمن ثلاثة شروط في الواقع: أن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح، فإن شرط الربح لأحدهما فقط فإنه -على كلام المؤلف- لا يصح.
[ ١ / ٤٩٩٥ ]
لو قال قائل لشخص () مثلًا في ماله، نعمل فيه والربح كله لك، فعلى كلام المؤلف لا يصح، ليش؟ قال: لأن الشركة مبناها على المساواة، وأنت إذا جاءك ربح مالك وربح ماله، وكذلك ربح مالك أنت لهذا الرجل، فليس هناك مساواة، فلا بد أن يكون لكل منكما شيء من الربح.
وأنت إذا نظرت إلى هذا الشرط وجدت أن فواته لا يؤثر من الناحية الشرعية، فمن الجائز أن يقول هذا الرجل: أنا أريد أن أنشط هذا الرجل على العمل، هذا رجل خامل ما يعمل، فقلت: جب مالك وأجيب مالي ونشترك والربح كله لك، فأنا قصدي بهذه الشركة أن أنفع هذا الرجل وأحركه، ولماذا تحولون بيني وبين الإحسان إلى هذا الرجل؟ أنا الآن محسن إليه، بماذا؟ بالربح؛ حيث جعلت ربح مالي له، وربح عملي أيضًا له، ويش المانع من هذا؟
فالذي يترجح عندي أن الأصل في المعاملات الحل، وألَّا يُدخَل عليها شروط إلا إذا دلَّ الدليل على وجوب هذه الشروط.
(مشاعًا) هذا صحيح، لا بد أن يكون الربح مشاعًا؛ يعني: غير معين، المشاع يعني اللي يكون شائعًا في جميع المال، أو في جميع الربح؛ مثل: الثلث، والربع، والخمس، والثلثان، وثلاثة الأرباع، وما أشبهها.
فإن كان غير مشاع؛ بأن قال: لك من الربح مئة درهم، والباقي لي، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز.
قال: لك ربح هذا المال، ولي ربح هذا المال؛ يعني نحن نتجر بالسكر والشاي والقماش، فقال: لك ربح السكر والشاي، ولي ربح القماش، يجوز؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه غير مشاع، ففيه جهالة عظيمة.
لو قال: نحن نتجر الآن في السفر إلى بلاد أخرى نجذب منها الأموال، فلك ربح السفرة الأولى، ولي ربح السفرة الثانية، يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه غير مشاع.
(معلومًا) يعني: لا بد أن يكون هذا المشاع معلومًا؛ كالثلث والربع والنصف، أما لو قلت: لي بعض الربح ولك بعضه، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، ليش؟ لأن البعض قد يكون أقل من النصف، وقد يكون أكثر من النصف، وقد يكون بمقدار النصف، فهو مجهول.
[ ١ / ٤٩٩٦ ]
فصار على كلام المؤلف يشترط أربعة شروط، بل خمسة شروط: أن يكون المالان معلومين، أن يكونا من النقدين المضروبين، أن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح، أن يكون هذا الربح مشاعًا، أن يكون معلومًا. خمسة شروط ().
***
لك ربح السلعة التي تباع في مكة ولي ربح السلعة التي تباع في المدينة؟ لا يصح.
لك ربح الشهر الأول ولي ربح الشهر الثاني، يصح ولَّا لا؟ لا يصح.
لك ربح الطعام، ولي ربح الأواني؟ لا يصح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن لم يَذكرا الربح)، وعندي: (فإن لم يُذْكَر الربح)، لكن الصواب: (فإن لم يَذكرا الربح)، بدليل قوله: (أو شرطا لأحدهما).
إن لم يذكرا الربح فإنها لا تصح الشركة؛ يعني بأن قال: اشتركنا جميعًا شركة عنان، يقول: فإنها لا تصح؛ لأنه يبقى الأمر مجهولًا، فيحصل النزاع والعداوة بين الناس.
(أو شرطا لأحدهما جزءًا مجهولًا) مثل: لك بعض الربح، فإن هذا لا يصح؛ لأنه مجهول، أو شرطا لأحدهما (دراهم معلومة) كعشرة ومئة وألف، فلا يصح، لماذا؟ لأنه ليس مشاعًا، ولأنها ربما لا تربح إلا هذا القدر من الربح، فيكون الآخر مهضومًا حقه.
(أو ربح أحد الثوبين) على التعيين لم يصح، يقول: (لم تصح) العلة في ذلك: لأنه قد ينحصر الربح فيما شُرِطَ لأحدهما دون الآخر، والشركة أصلها مبنية على العدل؛ وهو تساوي المشتركين في المغنم والمغرم، هذه هي قاعدة الشركة الأصيلة؛ أن يشترك الطرفان في المغنم والمغرم، إذا عرفت هذه القاعدة التي تُبنى عليها الشركة فإنه يسهل عليك أن تحكم على كل شيء ورد عليك من أنواع الشركة بأنه صحيح أو فاسد.
[ ١ / ٤٩٩٧ ]
يقول المؤلف: (وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة) (كذا): أي كشركة العنان، (مساقاة ومزارعة ومضاربة) المساقاة: هي دفع الشجر لمن يقوم عليه بجزء من ثمره، وتسمى عندنا الفلاحة، أنا لي بستان ولا أستطيع القيام عليه، فدفعته إلى رجل يعمل فيه بجزء من ثمره، ما الذي يُشْتَرط في هذا الجزء؟ أن يكون مشاعًا ()، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح.
لك ثمرة هذا العام، ولي ثمرة العام المقبل؟ لا يصح.
لك ثمر العنب، ولي ثمر النخل؟ لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون جزءًا مشاعًا معلومًا.
خذ هذا الثمر أو هذا البستان اعمل به ولا شيء لي؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: إي نعم، نقول: لا تصح مساقاة؛ لأنه لم يشترطا الربح لكل منهما.
بالعكس لو قال: خذ هذا البستان اعمل به وليس لك شيء، هذا لا يصح، على أنه من باب الشركة، لكن لو أنه تبرع لك وقال: أنا أريد أن أعمل على هذا البستان مجانًا، لا على أنه من باب المساقاة، فلا بأس به.
المزارعة: دفع أرض لمن يقوم بزرعها بجزء من الزرع، إذن فرق بينها وبين المساقاة؛ المساقاة على شجر، والمزارعة على أرض؛ أدفع له الأرض وأقول: خذ هذه الأرض ازرعها، ولك نصف الزرع أو ربعه أو ما أشبه ذلك. هذا يصح، ولكن لا بد أن يشترطا لكل منهما جزءًا مشاعًا معلومًا، فلو دفعت الأرض إليه وقلت: لك زرع هذا العام ولي زرع العام الثاني؟ لا يصح.
لك زرع الشعير، ولي زرع الحنطة؟ لا يصح.
لك الجانب الشرقي، ولي الجانب الغربي؟ لا يصح.
لا بد أن يكون مشاعًا معلومًا؛ لأنه -كما أسلفنا قريبًا- مبنى جميع الشركات على العدل؛ وهو التساوي في المغنم والمغرم.
وكذلك المضاربة، المضاربة: أن يدفع الإنسان مالًا لشخص يتجر به بجزء من ربحه.
مثاله: أعطيت هذا الرجل مئة ألف وقلت: اعمل بها ولك نصف الربح، جائز ولَّا لا؟ جائز.
[ ١ / ٤٩٩٨ ]
وقد ذكرنا أن هذا من العقود التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وأن فيها مصلحة للناس؛ لأن من الناس من يكون عنده طاقة بدنية ومن الناس من يكون عنده مال، صاحب المال لا يستطيع أن يتصرف، وصاحب الطاقة لا يستطيع أن يتصرف، صاحب المال لأنه زمِن قاصر ضعيف مريض، وما أشبه ذلك، وصاحب البدن قوي لكن ليس بيده مال، كيف يمكن أن ينتفع الطرفان؟ بالمضاربة، يدفع صاحب المالِ المالَ إلى هذا الرجل القوي العامل ويقول: اتجر به ولك نصف الربح، أو ربع الربح، أو ثلثه، حسب ما يتفقان عليه، فجوازها من محاسن الشريعة في الواقع.
إذا قال: خذ هذا المال مضاربة، على أن لك ربح هذا الشهر ولي ربح الشهر الثاني؟ لا يصح.
لك ربح السكر، ولي ربح الشاي؟ لا يصح.
لك مئة درهم من الربح، والباقي لي؟ لا يصح. لا بد أن يكون مشاعًا معلومًا.
قال المؤلف: (والوضيعة على قدر المال) (الوضيعة): يعني الخسارة، (على قدر المال) في شركة أيش؟ الآن نتكلم على أي شركة؟ العنان.
(الوضيعة على قدر المال) يعني: الخسران على قدر المال، بخلاف الربح؛ الربح على ما اشترطاه، والوضيعة على قدر المال، لا يمكن أن يحمل أحدهما خسارة أكثر من قدر ماله، فإذا قدَّرنا أن أحدهما أتى بمئة ألف، والثاني أتى بمئتين، وصارا يتجران، فصار كم اللي معنا من الآلاف؟ ثلاث مئة ألف، وصارا يتجران، وعند التصفية لم يكن لديهما إلا مئة وخمسون ألفًا، كيف نوزع الخسارة؟ نقول: على كل واحد منهما نصفها؟ لا، على قدر المال، أصل المال المشترك ثلاث مئة ألف، وخسر مئة وخمسين، يكون على صاحب المئتين خسارة مئة، وعلى صاحب المئة خسارة خمسين، ولا يمكن أن نقول: إن الخسارة بينهما أنصافًا، لماذا؟ لأننا نحمل الناقص أكثر مما يستحق.
[ ١ / ٤٩٩٩ ]
يقول: (الوضيعة على قدر المال) الربح على ما شرطاه؛ لأن الربح مبني على العمل والقدرة والمهارة، فيكون على ما شرطاه، فإذا أتى أحدهما بمئتي ألف والثاني أتى بمئة، وقالا: الربح بيننا أنصافًا، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ الربح على ما شرطاه.
إذا قال: الربح بيننا؛ لك ربعه، ولي ثلاثة أرباعه، يصح ولَّا لا؟ يصح؛ لأن مبنى الربح على العمل والقدرة والمهارة، بخلاف الخسارة، فصارت الوضيعة -التي هي الخسارة- على قدر المالين والربح على ما شرطاه، سواء كان ذلك أكثر من قدر ماله أو أقل.
علل العلماء ذلك بأنه -أي: الربح- مبني على القدرة والمهارة، وربما يكون أحدهما أقدر من الآخر وأمهر في تسويق السلع وشرائها، فكان الربح على حسب ما اشترطاه.
قال: (ولا يُشْتَرط خلط المالين) في شركة العنان -كما عرفتم- يأتي كل واحد منهما بمال ويكون من كل واحد منهما عمل، أو يأتي كل واحد منهما بمال ويكون العمل من واحد.
هل يُشْتَرط خلط المالين؟
يقول المؤلف: لا يُشْتَرط؛ لأن المقصود هو الربح، وعليه فيجوز أن أتجر أنا بمالي في دكاني وحدي، وأنت كذلك بمالك في دكانك وحدك، ويجوز أن أكون أنا في بلد وأنت في بلد آخر، ويجوز أن أتجر أنا في نوع من المال وأنت في نوع من المال، فخلط المالين ليس بشرط.
وذلك قالوا: لأن المقصود هو الربح لا الخلط، لكن لو خلطناهما جميعًا يجوز ولَّا لا؟ معلوم يجوز من باب أولى؛ لأنه إذا كان خلط المالين ليس بشرط، فليس المعنى أن خلطهما مؤثر، بل إن خلطهما أبلغ في الاشتراك، خلطهما بأن نأتي بالدراهم، ثم نشتري سلعة بهذه الدراهم، ثم نتصرف، فهنا المالان صارا مختلطين.
قال: (ولا كونهما من جنس واحد) فيجوز أن يأتي أحدهما بإبل والثاني بسيارات؟
طالب: لا يجوز.
[ ١ / ٥٠٠٠ ]