ثم قال المؤلف ﵀: (فصل تسن العقيقة) إلى آخره.
العقيقة (فَعِيلة) بمعنى (مَفْعُولة)، فهي عقيقة بمعنى معقوقة، والعَقُّ في اللغة: القطع، ومنه عق الوالدين أي: قطع صلتهما، والمراد بالعقيقة هنا الذبيحة التي تُذبح عن المولود سواء كان ذكرًا أم أنثى، وسميت عقيقة؛ لأنها تقطع عروقها عند الذبح، وهذه التسمية لا تشمل كل شيء؟
لأنه لو قال قائل: والذبيحة العادية تقطع عروقها، فهل يصح أن تسمى عقيقة؟
نقول: لا، لكن مناسبة التسمية، لا تنسحب على جميع ما وجد فيه هذا المعنى، ولهذا نسمي مزدلفة أيش؟
طالب: جمعًا.
الشيخ: جمعًا، ولا نسمي عرفة جمعًا، ولا نسمي منى جمعًا، فما سمي لمعنى من المعاني فإنه لا يقاس عليه ما شاركه في هذا المعنى، فيسمى بهذه التسمية، ولهذا لا نقول: مثلًا الأضحية عقيقة، ولا الهدي عقيقة، ولا ذبيحة الأكل عقيقة مع أن سبب تسمية العقيقة بذلك موجود في هذه.
وعندنا في لغتنا هنا في القصيم -وأظن في كل المملكة فيما أعلم- يسمون العقيقة تميمة، يقولون: لأنها تتمم أخلاق المولود، وأخذوا هذا من قوله في الحديث: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» (٧)، فإن المعنى أنه محبوس ما هو عن شفاعة والديه كما ذكره الإمام أحمد ﵀، ولكن محبوس عن الانطلاق والانشراح، وكذلك عن الحماية من الشيطان. إذن العقيقة ما تعريفها شرعًا؟ الذبيحة عن؟
طلبة: المولود.
الشيخ: عن المولود ذكر أو أنثى. وقوله: (تُسن) تُسن لمن؟ للأب للأم، لمن؟ هي سنة في حق الأب، فإن لم يكن الأب موجودًا، فهل تسن في بقية العصبة أو في حق الأم؟
الظاهر أنها إذا لم يكن الأب موجودًا كما لو مات وهو حمل؛ يعني مات وابنه حمل، فإن الأم تقوم مقام الأب في هذه المسألة.
[ ١ / ٤١٦٧ ]
وقول المؤلف: (تسن العقيقة) هل يشترط في ذلك القدرة أو حتى للفقير؟ نقول: إذا كانت الواجبات الشرعية -وهي واجبات- يشترط فيها القدرة فالمستحبات من باب أولى، فالفقير لا نلزمه ونقول: اذهب واقترض، لكن إذا كان الإنسان لا يجد الآن إلا أنه في أمل الوجود كموظف ولد له ولد في نصف الشهر، وراتبه على قدر حاجته فهو الآن ليس عنده دراهم، لكن في آخر الشهر يجد الدراهم، هل نقول: اشترِ العقيقة أو اقترض ثمنها واشترِ به؟ يعني اشترها دينًا، أو اقترض ثمنها، واشترِ به حتى يأتيك الراتب، أو نقول: انتظر حتى يأتي الراتب؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني أحسن؛ لأنه يحصل به إبراء الذمة، ولا يدري الإنسان ربما فيما بين ولادة الشخص وبين حلول الراتب ربما يحصل أشياء تستلزم الأموال، يجي مرض، يجي لأهله مرض ينكسر عليه السيارة، وما أشبه ذلك، فالأولى أن يقال: لا تقترض حتى وإن رجوت الوفاء عن قرب انتظر في العقيقة ما هو لازم في اليوم السابع أو الرابع عشر أو الحادي والعشرين ما هو لازم.
ثم قال: (عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة) الغلام الذكر شاتان، وعن الجارية شاة، هكذا جاءت السنة عن النبي ﷺ بالتفريق بين الذكر والأنثى، وهذا أحد المواضع التي يفضل فيها الذكر على الأنثى بالضعف.
وقوله: (عن الغلام شاتان) ينبغي أن تكون الشاتان متقاربتين سِنًّا وحجمًا وشبهًا وسِمنًا، كلما كانتا متقاربتين فهو أفضل، فإن لم يجد الإنسان إلا شاة واحدة أجزأته، وحصل بها المقصود، لكن إذا كان الله قدرنا فالثنتان أفضل.
(وعن الجارية شاة) الأنثى، وهذا أحد المواضع التي يكون الرجل فيها ضعف المرأة، فيه موضع آخر؟
طلبة: الفرائض.
الشيخ: الفرائض.
طالب: الدية.
الشيخ: الدية.
طالب: الشهادة.
الشيخ: الشهادة، الصلاة.
طلبة: ().
[ ١ / ٤١٦٨ ]
الشيخ: ذكرنا () الصلاة؛ لأن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، هذا المشهور عند أكثر العلماء، فإذا كانت امرأة تحيض أكثر الحيض كم لها من الصلاة؟
طلبة: ().
الشيخ: في كل شهر نصف شهر، يزيد الإنسان عليها بنصف شهر. كذلك أيضًا في العطية، إذا أعطى الإنسان أولاده فإنه يُعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
طالب: العتق.
الشيخ: العتق أيضًا ورد به الحديث، أن عتق الذكر عن عتق جاريتين (٨)، ثم قال: (تُذبح يوم سابعه) يعني يسن أن تذبح في اليوم السابع، فإذا وُلد يوم السبت فتذبح.
طالب: يوم الأحد.
الشيخ: لا، يوم الأحد كيف؟ هذا التاسع؟ !
طلبة: الجمعة.
الشيخ: تُذبح يوم الجمعة؛ يعني قبل يوم الولادة بيوم، هذه القاعدة، إذا ولد في الخميس فهي يوم.
طلبة: يوم الأربعاء.
الشيخ: الأربعاء، وهلم جرًّا. والحكمة من أنها تكون في اليوم السابع؛ لأن اليوم السابع تختم به أيام السنة كلها، أليس كذلك؟ إذا وُلد يوم الخميس مر عليه الخميس والجمعة والسبت والأحد والإثنين والثلاثاء أيش؟ والأربعاء، فبمرور هذه الأيام أيام السنة يتفاءل هذا الطفل ويطول عمره.
فلهذا كانت في اليوم السابع، وبناءً على هذا التعليل إن صح والعلة الشرعية لو مات الطفل قبل اليوم السابع فإنها تسقط العقيقة؛ لأن الرسول ﵊ قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ» (٧)، ولكن هذا التعليل قد يكون الإنسان في شك منه، ويقول: إن الرسول اختار اليوم السابع؛ لأن فيه أشياء كثيرة معلقة بالسبعة، ولنا بهذه الحكمة أولى، ولهذا تُسنُّ العقيقة ولو مات قبل اليوم السابع.
ولكن هل يُشترط أن يخرج حيًّا، أو يشترط أن تُنفخ فيه الروح فقط؟
من العلماء من قال بالأول، وقال: إذا نفخت فيه الروح، ثم خرج من بطن أمه ميتًا فإنه لا عقيقة له.
[ ١ / ٤١٦٩ ]
ومنهم من قال: بل يعق عنه وإن خرج ميتًا إذا خرج بعد نفخ الروح؛ لأنه بعد نفخ الروح سوف يبعث؛ فهو إنسان، ترجى شفاعته يوم القيامة بخلاف من كان قبل نفخ الروح، فإنه لا يُعق عنه؛ لأنه ليس بإنسان، ولهذا لا يُبعث يوم القيامة، الجنين إذا سقط قبل نفخ الروح فيه فإنه لا يبعث؛ لأنه ليس فيه روح حتى تعاد إليه يوم القيامة. إذن عندنا الآن ثلاث مراتب، بل أربع: خرج قبل نفخ الروح فيه؟
طلبة: لا عقيقة له.
الشيخ: فلا عقيقة له، خرج ميتًا بعد نفخ الروح؟
طلبة: فيه قولان.
الشيخ: فيه قولان للعلماء. خرج حيًّا ومات قبل اليوم السابع، فيه أيضًا قولان، لكن القول بالعق أقوى من القول بالعق في المسألة التي قبلها. بقي إلى اليوم السابع ومات في اليوم الثامن.
طلبة: يُعق عنه.
الشيخ: يُعقُّ عنه قولًا واحدًا.
ذكر المؤلف الشارح أنه يسمى في هذا اليوم، يوم السابع، ومحل ذلك ما لم يكن الاسم قد هُيِّئ قبل الولادة، فإن كان قد هيئ قبل الولادة فإنه يُسمى في يوم الولادة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل ذات يوم على أهله فقال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» (٩)، فسماه من حين ولادته؛ لأنه قد هيأ الاسم.
طالب: قال الرسول ﷺ: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ» (٦) والأمر قلنا: إذا كان من باب الآداب فهو للاستحباب إلا بقرينة، ما هي القرينة التي جعلت الأمر للتحريم؟
الشيخ: النهي، ذكرنا أن التأكيد: «لَا يَأْخُذَنَّ» يدل على ذلك، ثم إن هذا من باب التعبد؛ لأن تركك إياها امتثالًا لأمر الله تعبد بخلاف الآداب التي تكون بين الناس من أجل احترام الناس بعضهم لبعض وما أشبه ذلك، فالأقرب التحريم، وإن كان الكراهة محتملة.
طالب: هل يسن أن يذبح الإنسان عقيقة عن نفسه إذا ما عق عنه والداه؟
الشيخ: إي، تأتي إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٤١٧٠ ]
طالب: شعر المسلم الأصل فيه جواز إزالته أو لا؟
الشيخ: الشعور ثلاثة أقسام: ما يحرم إزالته، وما يُشرع إزالته، وما سُكت عنه، فالذي يشرع إزالته الشارب، ويش بعد؟
طالب: والإبط.
الشيخ: والإبط.
طالب: والعانة.
الشيخ: والعانة. والذي تحرم إزالته اللحية.
طالب: والحاجبين.
الشيخ: لا، ما تحرم، اللي يحرم النمص الذي هو النتف، وما سُكت عنه فهو ما سوى ذلك، فقال بعض العلماء: إنه لا تجوز إزالته؛ لأنه من تغيير خلق الله، والأصل في تغيير خلق الله، أيش؟
طلبة: التحريم.
الشيخ: التحريم؛ لأنه من أوامر الشيطان ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. وقال بعض العلماء: إن هذا مما سُكت عنه، وإنه لا يدخل في الآية، والدليل على أنه لا يدخل في الآية أن الشارع قسَّم أخذ الشعر إلى أقسام، أمر بأخذ الشارب والعانة والإبط، مع أنه من تغيير خلق الله، وأباح حلق الرأس، النص: احْلقه كله أو اتركه كله (١٠). ونهى عن حلق اللحية، فدل ذلك على أن أخذ الشعر لا يُعد من تغيير خلق الله، وعلى هذا فيقال: الأولى ألا يُزال، وأن يبقى على ما هو عليه إلا أن يكون في ذلك تشويه؛ لأنه يوجد مثلًا بعض النساء يكثر معها الشعر في الذراعين أو في الساقين، ولا ترغب ذلك، هذه نقول: لا بأس تأخذ، ما فيها شيء.
طالب: إذا وكل شخصًا ليذبح الهدي أو الأضحية، فهل هذا الموكل يلزمه ألَّا يأخذ من شعره؟
الشيخ: الوكيل عنه؟
الطالب: إي الوكيل.
الشيخ: لا، ما يلزمه، إذا وكَّل شخصًا يذبح له الأضحية، أو يشتريها ويذبحها أيضًا فلا يتعلق به الحكم؛ لأنه وكيل محض.
طالب: بارك الله فيكم، بالنسبة للترديد خلف المؤذن.
الشيخ: متابعة المؤذن.
الطالب: متابعة المؤذن، هل الأفضل أن يسمع الإنسان جميع الأذان أم يكفي أن يسمع البعض؟
الشيخ: الظاهر أنه إذا سمع البعض، قال ما سبق، ثم تابع.
الطالب: يا شيخ، والحديث يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ» (١١).
[ ١ / ٤١٧١ ]
الشيخ: نعم، هذا سمع المؤذن، سمع آخر الأذان.
طالب: هل يجزئ يا شيخ غير الشاة في العقيقة؟
الشيخ: يعني يقول: هل يجوز أن أعق ببعير؟ نقول: نعم، يجوز، لكن الشاة أفضل، لكنها البعير لا تجزئ إلا عن واحد، ما تجزئ عن سبع عقائق. ()
***
يسأل، يقول: رجل قتل الآخر، وكانت زوجة المقتول من أقرباء القاتل، فطلب أولياء المقتول القصاص، وطلبت هي الدية، فهل يُنفَّذ به القصاص أم الدية؟ إحنا ما ذكرنا هذه؟
طلبة: نعم، ذكرناها.
الشيخ: ذكرناها وقلنا لكم: إن الله يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء﴾ [البقرة: ١٧٨] وشيء نكرة في سياق الشرط، وقلنا لكم: لو أنه لا يستحق من الميراث إلا واحدًا من ألف، وعفا سقط القصاص.
طالب: هي متهمة يا شيخ؛ لأنها من أولياء القاتل.
الشيخ: ولو اتهمت ما علينا، حتى لو صرحت قالت: عفوت ليسقط عنه القصاص ما فيه بأس.
أيش تسأل يقول: التكبير في الصلاة، هل يكون فعل التكبير أولًا أو النطق بالتكبير، وأيش الفرق بين فعل التكبير والنطق بالتكبير؟
طالب: هل يكون قبل النطق أم بعده؟
الشيخ: التكبير قبل النطق! ! التكبير هو النطق.
طلبة: رفع اليدين يا شيخ.
الشيخ: إي، رفع اليدين، رفع اليدين هذا له ثلاث صفات: تكبر ثم ترفع، أو ترفع ثم تكبر، أو يكون الرفع مع التكبير، كلها جاءت بها السنة.
***
[ ١ / ٤١٧٢ ]
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا ومحمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبق لنا بيان حكم العقيقة، وأنها سُنَّة مؤكدة، حتى إن الإمام أحمد ﵀ قال: يقترض إذا لم يكن عنده مال، وأرجو أن يخلف الله عليه؛ لأنه أحيا سُنَّة، ولكن الصحيح -كما سبق- أنه إذا كان يرجو الوفاء عن قرب فلا بأس كموظف ليس عنده في الوقت الحاضر دراهم يقترض حتى يأتي الراتب، هذا لا بأس، وأما رجل لا يرجو الوفاء عن قُرب، وليس له مورد فلا ينبغي أن يقترض، وسبق لنا أنها عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، وسبق أن وقت ذبحها هو اليوم السابع، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي واحد وعشرين، ثم لا تعتبر الأسابيع بعد ذلك، وسبق لنا أنها تطبخ أفضل منها نية بخلاف الأضحية، وذلك أنها طعام، فإذا أعطي صاحبه وهو جاهز مطبوخ كان أحسن، وسبق لنا أنه لا يُكسر لها عظم، وقد ورد فيه حديث، لكنه من مراسيل أبي داود ضعيف إلا أنه وردت آثار عن الصحابة أنه لا يُكسر لها عظم، وسبق لنا أنها كالأضحية في الأكل، والشرب، وغير ذلك؛ ولهذا قال المؤلف: وحكمها كالأضحية.
[ ١ / ٤١٧٣ ]
إذا كانت كالأضحية فإنها لا تُجزئ إلا من بهيمة الأنعام، فلو عق بفرس لم يجزئ، ولا تجزئ حتى تبلغ السن المعتبر شرعًا، هذا الشرط الثاني، وهو في الضأن ستة أشهر، وفي الماعز سنة، وفي البقر سنتان، وفي الإبل خمس سنين، ولا تجزئ إلا سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء، مثل: العور البين، والمرض البين، والعرج البين والهزال، ولكن في الأضحية سبق أن الإبل أفضل إذا أخرجها كاملة، أما في العقيقة فإن الأفضل شاة أو شاتان؛ شاة للأنثى، وشاتان للذكر أفضل من البعير أو البعيرين؛ لأن ذلك هو الذي وردت به السنة، وفي هذا الحكم تخالف الأضحية، وسبق أيضًا أنها تخالفها في أنها تُوزع بعد الطبخ، وتنزع جدولًا، كذلك أيضًا تخالف الأضحية في قولهم (إلا أنه لا يجزئ فيها شِرْك في دم)، (إلا أنها) -أي العقيقة- (لا يجزئ فيها شرك في دم)، يعني فلا تجزئ البعير عن اثنين، ولا البقرة عن اثنين، وإذا لم تجزئ عن اثنين لا تجزئ عن ثلاثة، ولا عن أربعة من باب أولى.
قال العلماء: ووجه ذلك، أولًا: أنه لم يرد التشريك فيها، والعبادات مبنية على التوقيف.
ثانيًا: أنها فداء، والفداء لا يتبعض؛ لأنها فداء عن النفس، فإذا كانت فداء عن النفس، فلا بد أن تكون نفسًا، والتعليل الأول لا شك أنه هو الأصوب؛ لأنه لو ورد التشريك فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على أيش؟
طالب: على النص.
الشيخ: على عدم ورود ذلك.
[ ١ / ٤١٧٤ ]
قال: (ولا تُسنُّ الفرَعة ولا العتيرة)، هاتان ذبيحتان معروفتان في الجاهلية، وقد اختلفت الأحاديث في إثباتهما أو نفيهما، ومن ثم قال المؤلف: (لا تسن الفرعة) الفرعة هي ذبح أول ولد للناقة، إذا ولدت الناقة أول ولد، فإنهم يذبحونه لآلهتهم تقربًا إليها، ومعلوم أن الإنسان لو ذبح على هذا الوجه لكان شِرْكًا أكبر، ما فيه إشكال، لكن لو ذبحها شكرًا لله على نعمته لكون هذه الناقة ولدت، فيذبح أول نتاج لها شكرًا لله ﷿ من أجل أن يبارك الله له في النتاج المستقبل، فهنا لا شك أن النية تُخالف ما كان أهل الجاهلية يفعلونه تمامًا، ولكنها توافق ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في الفعل، وإن اختلفت النية، فهل يقال: إنها من أجل ذلك ينهى عنها كما نهي عن الذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله، لكن هذا هو التعليل الصحيح؛ أنها مكروهة لولا أنه ورد في السنة ما يدل على الجواز.
وعلى هذا فنقول: إن ذبح الإنسان الفرَعة بقصد كقصد أهل الجاهلية فهو شرك محرم لا إشكال فيه، وإن ذبحها من أجل أن يكون ذلك شكرًا لله على هذا النتاج الذي هذا أوله، ولتحصل البركة في المستقبل، فهذا لا بأس به، ولكن هل هو سُنَّة؟ يقول المؤلف: (لا تُسنُّ الفرعة).
كذلك: (ولا العتيرة) (العَتِيرة) (فعِيلة) بمعنى (مفْعُولة) من العَتْر، وهي ذبيحة تُذبح في أول شهر رجب، وكانوا في الجاهلية يعظمون رجبًا؛ لأن رجبًا أحد الأشهر الأربعة الحرم التي هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا يُعظِّمون هذا الشهر، وكانوا يخصونه بالعمرة أيضًا؛ فلذلك لهم عبادات في هذا الشهر؛ منها العتيرة، يذبحونها في أول رجب.
والمؤلف يقول: (لا تُسنُّ)، واستدل بالحديث المتفق عليه (١٢) وهو قول الرسول ﵊: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» وفي رواية للنسائي: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ فِي الْإِسْلَامِ» (١٣). وتخصيص ذلك بالإسلام يوحي بأنها من خصال.
طلبة: الجاهلية.
[ ١ / ٤١٧٥ ]
الشيخ: الجاهلية، ولهذا كره بعض العلماء، كره العتيرة بخلاف الفرعة؛ لأنه وردت بها السنة، أما العتيرة فكرهها وهي جديرة بأن تكون مكروهة. لا، يعني الذبيحة في أول رجب لا سيما وأنه إذا ذُبح في أول رجب وقيل للناس: إن هذا لا بأس به، فإن النفوس ميَّالة إلى مثل هذه الأفعال، فربما يكون شهر رجب كشهر الأضحية، كشهر ذي الحجة، ويتكاثر الناس على ذلك، ويبقى مظهرًا ومشعرًا من مشاعر المناسك، وهذا لا شك أنه محظور، فالذي يترجح عندي أن الفرعة لا بأس بها لورود السنة بها، وأما العتيرة فإنها أقل أحوالها الكراهة؛ لأن الرسول ﵊ نفى ذلك وقال: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ». وبهذا انتهى باب الأضاحي، وباب الهدي، وبه يتبين لنا أن الدماء المشروعة ثلاثة أقسام: هدي، وأضحية، وعقيقة.
هذه هي الدماء المشروعة، وأما وليمة العرس كقول النبي ﵊: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (١٤)؛ فإنها لا تختص ببهيمة الأنعام، تكون وليمة بهذا، وتكون وليمة بغير ذلك.
الذبائح المسنونة هي الهدي والأضاحي والعقيقة، وأما الوليمة التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، فهذا ليس خاصًّا ببهيمة الأنعام تكون وليمة بهذا، وتكون بالطعام، وتكون بالتمر، وبالحيس الذي يُخلط التمر وأقط وسمن، فهي لا تختص بهذا، لكن إذا أولم بشاة فلا بأس.
ما يفعله بعض الناس إذا نزل بيتًا جديدًا ذبح ودعا الجيران والأقارب، هذا لا بأس به ما لم يكن مصحوبًا بعقيدة فاسدة كما يُفعل في بعض الأماكن إذا نزل أول ما ينزل البيت يأتي بشاة، ويذبحها على العتبة -عتبة الباب- حتى يسيل الدم على العتبة، ويقول: إن هذا يمنع الجن دخول البيت، هذه عقيدة فاسدة، ليس لها أصل، لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور، فهذا لا بأس به.
[ ١ / ٤١٧٦ ]
أيضًا ما يفعله بعض الناس الآن إذا كان في رمضان، ذبحوا ذبائح، وقالوا: هذا عشان الأب، عشان الجد، عشان الأم، عشان الخالة، عشاء الوالدين جميعًا، هذا أيضًا ليس بمشروع إلا إذا ذبح الإنسان هذا من أجل اللحم، لا من أجل أن يتقرب إلى الله بالذبح، فإن كان هذا الثاني فإنه لا بأس به، قد يقول: أنا لا أريد أن أذهب إلى المجزرة، أريد أن أذبح الشاة عندي، وآكل لحمها فقط، لا تقربًا إلى الله بالذبح، ولا افتخارًا فيقال: ذبح عن أبيه شاة أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به.
الهدي منه واجب، ومنه تطوُّع، الواجب هدي المتعة والقران، والتطوع أن يتقرب الإنسان إلى الله ﷿ بذبح شاة أو بقرة أو بعير في مكة ليتصدق بها على الفقراء بدون سبب، وأما الدم الواجب لفعل محظور أو ترْك واجب، فهذا يسمى فدية، ولا يأكل منه صاحبه شيئًا.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
[مدخل]
(كتاب الجهاد)
(الجهاد) مصدر (جَاهَد) الرباعي، وهو بذل الجهد في قتال العدو، هذا الجهاد، وينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارزين المعاندين، أما الأول -وهو جهاد النفس- فهو إرغامها، ومخالفتها في معصية الله؛ أي: إرغامها على طاعة الله ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة؛ فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حرمات الله، وحتى يدع ما أوجب الله عليه، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حينما رجع من غزوة تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» يعني جهاد النفس، لكن هذا الحديث غير صحيح.
[ ١ / ٤١٧٧ ]
أما النوع الثاني فهو جهاد المنافقين، وجهاد المنافقين يكون بالعلم لا بالسلاح؛ لأن المنافقين لا يُقاتَلون؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استؤذن أن يقتل المنافقون الذين عُلم نفاقهم، فقال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَضْحَابَهُ» (١٥) وهم لهم جهاد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، ولكن جهادهم بالعلم، ولهذا يجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر الشبهات والشهوات والبدع، ولا يستطيع أحد أن يردعها.
الثالث: جهاد المبارزين المعاندين المحاربين وهم الكفار الذين أعلنوا، وصرحوا بالكفر، وهذا يكون بماذا؟
يكون بالسلاح، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. قد يقال: إنه يشمل النوعين؛ جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكن قول الرسول ﵊: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (١٦) يؤيد أن المراد بذلك؟
طالب: السلاح.
الشيخ: السلاح في المقاتلة، الجهاد يقول المؤلف: (فرض كفاية)، وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وصار في حقهم سنة، وهذا حكمه، أما مرتبته في الإسلام فقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ذُرْوَة سَنَامِ الْإِسْلَامِ» (١٧)، ذروة سنامه، والسَّنام: هو الشحم النابت فوق ظهر الجمل، وذروته أعلاها، وإنما جعله النبي ﵊ ذروة سنام الإسلام؛ لأنه يعلو به الإسلام، ويرتفع به الإسلام، كما أن سنام البعير كان فوق مرتفعًا فهو له مرتبة، وله حكم، حكمه؟
طلبة: فرض كفاية.
الشيخ: ومرتبته؟
طلبة: ذروة سنام ..
الشيخ: أنه ذروة سنام الإسلام.
[ ١ / ٤١٧٨ ]
وقوله: (هو فرض كفاية) لا بد فيه من شرط؛ وهو الكفاية؛ أي بأن يكون عند الإنسان أو عند المسلمين قدرة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم بالقتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يُوجب الله ﷾ على المسلمين القتال وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكونوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط أن يكون عند المسلمين قوة يستطيعون بها الجهاد وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذن لا بد من القدرة.
قال: (ويجب) يعني يجب الجهاد (إذا حضره) يعني يكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦].
وقد أخبر النبي ﵊ أن التولي يوم الزحف من الموبقات، حيث قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» (١٨) وذكر منها التولي يوم الزحف إلا أن الله تعالى استثنى حالين:
الأولى: أن يكون متحرفًا لقتال؛ بمعنى أن يذهب لأجل أن يأتي بقوة أكثر.
والثاني: أن يكون منحازًا إلى فئة؛ بحيث يُذكر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تنهزم، فيذهب من أجل أن يتحيز إليها تقويةً لها، وهذا الأخير يشترط فيه ألا يخاف على الفئة التي هو فيها، فإن خاف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى.
[ ١ / ٤١٧٩ ]
إذن يكون في هذه الحال إذا حضر أيش؟
طالب: واجبًا.
الشيخ: واجبًا فرض عين، لا يجوز عنه الانصراف.
الثاني: إذا حصر بلده العدو يجب عليه القتال دفعًا عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حصر البلد فلا بد من الدفاع؛ إذ إن العدو سيمنع الخروج من هذا البلد، وسيمنع الدخول إلى هذا البلد، وسيمنع ما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذا الحال يجب أن يُقاتل أهل البلد دفاعًا عن بلدهم.
الثالث: قال: (أو استنفره الإمام) استنفر؛ أي: قال: انفروا، والإمام هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يُشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت منذ أزمان متطاولة، والنبي ﵊، قال: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرْ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» (١٩). فإذا تأمر إنسان على جهة ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، وأنتم تعلمون أنه مِنْ عَهْد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مرْوان في الشام، والمختار بن عبيد وغيرهم في العراق، تفرَّقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يَدِينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة، وبهذا نعرف ضلال مَنْ؟
ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد، نسأل الله العافية، وهؤلاء لا أدري هل يريدون أن تكون الأمور فوضى، ليس للناس قائد يقودهم؟ ! هل يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟ !
[ ١ / ٤١٨٠ ]
هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية والعياذ بالله؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحية من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها فهو إمام؛ إمام فيها، وقد نص على ذلك العلماء، مثل صاحب سبل السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن في البلاد التي في ناحية واحدة تجدهم يجعلون انتخابات، ويحصل صراع على السلطة، ويحصل رشاوى، وبيع ذمم، وإلى غير ذلك، فإذا كان البلد الواحد لا يستطيعون أن يولوا عليهم واحدًا إلا بمثل هذه الانتخابات المزيفة، فكيف بالمسلمين عمومًا؟ ! هذا لا يمكن.
إذن نقول: (إذا استنفره الإمام) وإمام كل ناحية من كان واليًا عليها الذي له السلطة العليا في هذه الناحية، إذا استنفره الإمام وجب عليه الخروج؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩] وقال النبي ﷺ: «إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (٢٠). هذا من ناحية أدلة سمعية.
دليل عقلي: لأن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام؛ إذ إن العدو سوف يقدم، ويتقدم إذا لم يجد من يقاومهم ويدافع.
[ ١ / ٤١٨١ ]
بقي مسألة رابعة أو صورة رابعة: إذا احتيج إليه صار فرض عين عليه، كيف يحتاج إليه؟ يعني مثلًا هذا الرجل عندنا دبابات أو طائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، حينئذٍ يجب عليه أن يقاتل؛ لأن الناس محتاجون إليه، وهذا ربما نقول: إن هذه الصورة الرابعة أو المسألة الرابعة تُؤخذ من قولنا: إنه فرض كفاية؛ لأنه إذا لم يقم به أحد واحتيج إلى هذا الرجل، فهذا هو فرض الكفاية، يكون فرض عين عليه، والحاصل أن الجهاد يجب في أربع مسائل، يجب وجوب عين في أربع مسائل:
المسألة الأولى: إذا حضر القتال.
والثاني: إذا حصر بلده العدو.
والثالث: إذا استنفره الإمام.
والرابع: إذا احتيج إليه.
وما عدا ذلك فهو فرض كفاية. ثم هل الجهاد يكون بالنفس أو بالمال أو بهما؟
طالب: بهما.
الشيخ: يكون بهما؛ تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب على البدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليًّا وبدنيًّا، وكما تقرؤون القرآن، يذكر الله ﷿ الجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، وربما يقدم الجهاد بالمال في الآيات كلها، أو أكثرها يقدم الجهاد بالمال؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال.
يقول: (وتمام الرباط أربعون يومًا) أفاد المؤلف أن هناك رباطًا، فما هو الرباط؟
الرباط مصدر رابط والرباط هو لزوم الثغر، الثغر: هو المكان الذي يُخشى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين، وأقرب ما يقال فيه بالنسبة إلى واقعنا أنه الحدود، هذه الثغور، الثغور هي الحدود التي بين الأراضي الإسلامية والأراضي الكفرية.
[ ١ / ٤١٨٢ ]
يُسن للإنسان أن يرابط؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وأول ما يدخل في الآية الرباط على الثغور، يرابط الإنسان ليحمي بلاد المسلمين من دخول الأعداء، ويجب على المسلمين أن يحفظوا حدودهم من الكفار؛ إما بعهد وأمان، وإما بسلاح ورجال حسب ما تقتضيه الحال.
الرباط أقله ساعة؛ يعني لو ذهب الإنسان بالتناوب مع زملائه ساعة واحدة، حصل له أجره وتمامه أربعون يومًا، هكذا جاء في الحديث الذي يقول: رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، لكن لو زاد على الأربعين، هل له أجر؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، له أجر لا شك، ثم هل يذهب بأهله إلى هذه الثغور ليسكنوا معه أو الأوْلى ألا يذهب بهم خوفًا عليهم؟
طالب: الثاني.
طالب آخر: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان الثغر مخوفًا، فلا ينبغي أن يذهب بأهله، وإذا كان غير مخوف؛ فالأولى أن يذهب بهم ليزداد طمأنينة؛ لأن الإنسان إذا كان بعيدًا عن أهله فإنه سوف يكون مشوش البال بالنسبة لحال أهله.
وتمام الرباط أربعون يومًا، إذن ما هو الرباط؟
طلبة: لزوم الثغور.
الشيخ: لزوم الثغور؛ أي الحدود بين المسلمين والكفار.
(وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما) (إذا كان أبواه) أي أبوا الشخص؛ يعني أمه وأباه، وأطلق عليهما الأبوان من باب؟
طلبة: التغليب.
الشيخ: التغليب كما يقال: القمرانِ للشمس والقمر، ويقال: العمران لأبي بكر وعمر ﵃، فإذا كان الإنسان له أبوان مسلمان، وأراد الجهاد تطوعًا فإنه لا بد من إذنهما، فإن أذِنا له وإلَّا حرم عليه الجهاد.
[ ١ / ٤١٨٣ ]