[ ١ / ٣٦٣٠ ]
ومِيقاتُ أَهْلِ المدينةِ ذو الْحُلَيْفَةِ، وأهلِ الشامِ ومصرَ والمغربِ الْجُحْفةُ، وأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمُ، وأهلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهلِ المشرِقِ ذاتُ عِرْقٍ، وهي لأهلِها ولمَنْ مَرَّ عليها من غيرِهم، ومَن حَجَّ من أهلِ مَكَّةَ فمنها،
() فهل نقول هذا قادر؟ لا، لا يكون قادرًا إلا بعد قضاء الديون والكفارات وغيرها.
فإذا قال قائل: لو أن صاحب الدين أَذِن له أن يحج، فهل يكون قادرًا؟
الجواب: لا؛ لأن المسألة ليست مسألة إِذْن أو عدم إذن، المسألة شَغل الذمة أو عدم شَغْلها.
ومن المعلوم أن صاحب الدين إذا أذن للمدين أن يحج فإن ذمته لا تبرأ من الدين؛ يبقى الدين في ذمته.
إذن فنقول: الحج الآن ليس واجبًا عليه، اقض الدين أولًا ثم حُجَّ، وأنت لو لاقيت ربك قبل أن تحج ولم يمنعك من ذلك إلا قضاء الدين فإنك تلاقي ربك كامل الإيمان؛ لأن الحج في هذه الحال لم يجب عليك؛ فكما أن الفقير لا تَجِب عليه الزكاة، ولو لقي ربه للقي ربه على إسلامٍ تام، فكذلك هذا المدين الذي لم يتوفر لديه مال يَقْضي به الدين ويحج به يلقى ربه وهو تام الإسلام.
طيب، وما يفعله أو ما يظنه بعض المدينين الآن من أن العلة هي عدم إذن الدائن فإنه لا حقيقة له ولا أصل له؛ ليست العلة أن الدائن يأذن أو لا يأذن؛ العلة أن الذمة تبقى مشغولة أو تبرأ هذه العلة.
ومعلوم أنه لو أذن له أن يحج فهل يَبْرَأ من شيء من الدين؟ أبدًا.
طيب، فإذا قال قائل: لو أنه أمكنه أن يحج بمصلحة له مالية، بحيث يُعْطَى أجرة؛ يعني يكون الرجل هذا عاملًا جيدًا، فيستأجره أحد من الناس ليحج معه، إما بقافلة، وإما بالأهل، ويعطيه مثلًا ألف ريال في الشهر أو بعشرة أيام، وهو لو بقي في البلد لم يستفد ألف ريال، لا بالشهر ولا بعشرة أيام، فهل له أن يحج هنا؟ نعم، له أن يحج، ولا يمنع الدَّيْن وجوب الحج إذا كان الدين أقل مما سيعطى، أمّا إذا كان أكثر فإنه لا يزال باقيًا في ذمته، فيمنع الوجوب.
[ ١ / ٣٦٣١ ]
طيب، لو فرضنا أنه وَجَد من يحج به مجانًا ولا يعطيه شيئًا، فهل هذا يضره لو حج بالنسبة للدين أو لا يضره؟
طالب: فيه التفصيل يا شيخ.
طالب: ().
الشيخ: فيه تفصيل؛ التفصيل هو أنه إذا كان لو بقي لَعَمل وحصَّل أجرة فبقاؤه خير من الحج، وإذا كان لا يحصِّل شيئًا ولو بقي فهنا يتساوى في حقه الحج وعدمه.
وعلى كل تقدير فإن الحج لا يجب عليه ما دام يبقى في ذمته درهم واحد.
وكذلك نقول في الكفارات: لو كان عليه عتق رقبة وعنده عشرة آلاف ريال إما أن يعتق الرقبة بعشرة آلاف ريال وإما أن يحج؟
قلنا له: لا تحج، أعتق الرقبة الكفارة التي عليك؛ لأن وجوبها سبق وجوب الحج، والحج لا يجب إلا بالاستطاعة، ولا استطاعة لمن عليه دين في ذمته.
الثاني مما لا بد أن يتوافر قبل وجوب الحج النفقاتُ الشرعية؛ يعني: التي يقرها الشرع ويبيحها، النفقة له ولعياله على وجه لا إسراف فيه؛ فإذا كان عنده عشرة آلاف ريال، إن حج بها نقصت النفقة، وإن أنفق تعذر الحج، فهل يحج ولو نقصت النفقة أو لا يحج؟
طلبة: لا يحج.
الشيخ: لا يحج، ولكن المؤلف اشترط أن تكون النفقات شرعية، فإن كانت غير شرعية وهي نفقة الإسراف أو النفقة على ما لا حاجة فيه فإنه لا عبرة بها والحج مقدم عليها؛ كرجل مثلًا نفقته الشرعية التي تليق بحاله عشرة آلاف ريال، وعنده الآن خمسة عشر ألف ريال يمكن أن يحج منها بخمسة، لكنه يقول: أنا أريد أن أنفق نفقة الملوك، أو نفقة الأغنياء الذين هم أكثر مني غنًى لأني في وسط حيٍّ كل مَنْ فيه وزراء وأغنياء، فأحب إذا كانت سيارتي واقفة عند بابي أن تكون مثل سياراتهم، مع أنه يمكن أن يستغني بسيارة أقل بكثير، فهل هنا نقول: إن النفقة التي ينفقها نفقة شرعية؟
لا، بل هي نفقة إسراف في حقه، ولا عبرة بها، فنقول: ما زاد عن النفقة التي تليق بك يجب عليك أن تحج بها.
المؤلف يقول: (فاضل عن النفقات الشرعية).
[ ١ / ٣٦٣٢ ]
وإلى كم نُقَدِّر هذه الشرعية؟ يعني: النفقات الشرعية التي تكفيه في حجه ورجوعه؟ أو في سنته؟ أو على الدوام؟ أو ماذا؟
الفقهاء يقولون ﵏: لا بد أن يكون بعد النفقات التي تكفيه وتكفي عائلته على الدوام، فهمتم؟ تكفيه وتكفي عائلته على الدوام.
طالب: ().
الشيخ: لو قلنا بهذا القول لما وجب الحج على أحد؛ لأن الإنسان لو كان عنده مال قارون لا يستطيع أن يقول: هذا المال يكفيني على الدوام؛ لأن الأحوال تتغير، ربما تزيد الأجور أو نفقات المعيشة وتطول أعمارهم، يمكن يُقدِّر عمره خمسين سنة ويجعل الله عمره مئة سنة؛ معناه يحتاج إلى ضِعْف ما كان يتوقع.
لكن قالوا: معنى قولنا: على الدوام. ليس ما تتصورون من أنه لا بد أن يكون عند الإنسان نقد يكفيه إلى الدوام؛ المراد بالدوام ما كان ناتجًا عن صنعة، أو عن أجرة عقار، أو ما أشبه ذلك؛ بحيث يقول: صنعتي أكتسب منها ما يكون على قدر النفقة تمامًا ولا يزيد، أو عقاراتي أستثمر ما يكون منها على قدر النفقة لا يزيد.
الآن النفقة على الدوام ولَّا لا؟ على الدوام، بناءً على أن هذا الاستثمار سوف يبقى على ما هو عليه وكذلك الصنعة. هذا هو المراد.
ليس المراد أن يكون عنده نقد أو متاع يكفيه على الدوام؛ لأن هذا لا يمكن ضبطه، ولو قلنا به ما بقي على أحد حجٌّ واجب، لكن المراد بالدوام هو ما يكون من استثمار عقار أو أجور صنعة أو ما أشبه ذلك.
فإذن اتضح معنى قولهم ﵏: على الدوام.
وقال بعض العلماء: ما يكفيه وعائلته إلى أن يرجع من الحج، فإذا كان عنده من النفقة ما يكفيه ويكفي عائلته حتى يرجع من الحج، وزاد على ذلك شيء يكفيه للحج وجب عليه الحج؛ لأنه إذا رجع إلى أهله، فالرزق عند مَنْ؟ عند الله ﷿ يرزق، ما دام الآن يمكن أن يحج ويبقي عند أهله النفقة التي تكفيهم إلى رجوعه فهذا قادر.
[ ١ / ٣٦٣٣ ]
ولو أن قائلًا يقول: نُقدِّر النفقة بالسِّنَة كما قدَّروها في باب الزكاة؛ أن الفقير مَن لا يجد كفايته سَنَة؛ الفقير والمسكين، لو قال قائل بهذا لم يكن بعيدًا بأن نقول: إذا كان عنده من النقود ما يكفيه وعائلته لسنة، فزاد على ذلك شيء فإنه يلزمه أن يَحُج، وإن كان دون ذلك فإنه لا يلزمه؛ وذلك لأنه لا يخرج عن كونه فقيرًا إذا لم يكن عنده إلا دون ما يكفيه السنة.
الثالث: يقول: (الحوائج الأصلية)؛ لا بد أن يكون ما عنده زائدًا عن الحوائج الأصلية؛ الحوائج الأصلية يعني: التي يحتاجها الإنسان كثيرًا لأن هناك حوائج أصلية وحوائج فرعية؛ مثال الحوائج الأصلية: الكتب، أقلام، ساعات، سيارة، وما أشبه ذلك، هذه من الحوائج الأصلية، هي غير ضرورية، لكنها أصلية لا بد لحياة الإنسان منها.
فمثلًا طالب العلم عنده كتب يحتاجها للمراجعة والقراءة، فلا نقول له: بع كتبك وحُج، طيب لو كان عنده نسختان فهل نقول: بع إحدى النسختين لتحج أو لا؟
نعم نقول: بع إحدى النسختين، فإن كانتا مختلفتين قلنا: اختر ما تراه أنسب لك، وبع الأخرى؛ لأن ما زاد على النسخة الواحدة لا يعتبر من الحوائج الأصلية، فإذا كانتا مختلفتين قلنا: انظر ما تختاره فأبقيه والباقي بِعْه.
عنده أيضًا سيارتان لا يحتاج إلا واحدة، نقول: بع واحدة وحج بها وأبقِ الأخرى، فإن كانتا مختلفتين فليبع إحداهما، الذي يختار لنفسه يبقيه والذي لا يختار لنفسه يبيعه.
طيب، الصانع هل يبيع آلات الصنعة ليَحُج بها؟
لا يلزمه، لكن لو كان عنده آلات كبيرة يمكن أن يقتات بآلات أصغر منها، فهل يلزمه أن يبيع؟
[ ١ / ٣٦٣٤ ]
نقول: يلزمه أن يبيع ما يزيد على نفقته إلا إذا قلنا بأن الحج لا يجب على الفور، فهنا له أن يبقي هذه الآلات الكبيرة ويحج مِنْ استثمارها؛ لأن الآلات الكبيرة يكون استثمارها كثيرًا، فحينئذ له أن يحج، حتى لو قلنا أيضًا: إن الحج على الفور فالذي يتوجه عندي أن له أن يُبْقِي الآلات الكبيرة لأن استثمارها أكثر، ولأنه ربما يظن أن الآلات الصغيرة كافية في هذا الوقت، ثم يأتي وقت آخر لا تكفي، فيكون في ذلك ضرر عليه، وآلات الصانع تُعْتَبر من أصول المال التي يحتاج إليها.
فالذي يظهر أنه إذا كان عنده آلتان؛ آلة كبيرة يستثمر منها أكثر وآلة صغيرة تكفيه لقوته، فإننا لا نقول له: بع الآلات الكبيرة، واشترِ الصغيرة، بل نقول: أَبْقِها ولا حرج، واستثمارها سيكون كثيرًا، ويمكن إذا لم تحج هذا العام أن تحج في العام القادم.
ثم قال المؤلف ﵀: (وَإِنْ أعْجَزَهُ كِبَرٌ، أوْ مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عنه ويَعَتَمِرُ).
(إن أعجزه كبر)؛ يعني: مع توافر المال لديه، فهو قادر بماله غير قادر ببدنه؛ ولهذا قال: (أعجزه كبر)، ولم يقل: (أعجزه فقر)، بل قال: (كبر)، فهو رجل غني لكن لا يستطيع أن يحج بنفسه لأنه كبير، لا يستطيع أن يحج بنفسه لأنه مريض، لكنْ مرض لا يُرْجَى برؤُه، فإنه يلزمه أن يُقِيم مَنْ يَحُج ويعتمر عنه.
وفُهِمَ من قوله: (لا يُرْجَى برؤُه) أنه لو كان يرجى برؤُه فإنه لا يلزمه أن يقيم مَنْ يحج عنه، لكن هل يلزمه أن يَحُجَّ بنفسه؟ لا؛ لأنه يعجزه، لكن مرضه يرجى برؤه فيجوز أن يؤخر الحج هنا لأنه تسقط عنه الفورية لعجزه، ويلزمه أن يحج بنفسه.
[ ١ / ٣٦٣٥ ]
ونظير ذلك ما قلنا في الصوم: المريض مرضًا لا يرجى برؤُه ماذا يصنع؟ يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا، والمريض مرضًا يُرْجَى بُرْؤه ينتظر ويقضي. هذا أيضًا مثله: المريض مرضًا لا يرجى برؤه نقول: أقم مَن يحج عنك ويعتمر، والذي يرجى برؤه نقول: انتظر حتى يعافيك الله ﷿ وتستطيع أن تحج بنفسك.
يقول: (لزمه أن يقيم مَن يحج ويعتمر عنه من حيثُ وجبا).
يقول: (أن يقيم مَن يحُج)، (مَن) هذه اسم موصول تشمل كل مَن يصح حجه، ولكن لا بد أن يكون على الصفة التي يجزئه فيها حج الفرض، فلو أقام عنه صبيًّا لم يجزئه؛ لأن الصبي لا يصحُّ حجه الفرض عن نفسه، فعن غيره أولى. لو أقام رقيقًا -على القول بأن الحج لا يجزئه- لم يجزئه أيضًا.
إذن فيكون قوله: (مَنْ يحُج) عامًّا أريد به الخاص، والمعنى: يُقيم مَن يحج عنه ممن يجزئه الحج لو حج عن نفسه.
ويُشْتَرط لهذا المُقام الذي أقيم عن الغير يشترط ألا يكون عليه فرض الحج، فإن كان عليه فرض الحج فإنه لا يجزئ أن يكون نائبًا عن غيره، فلو أقام فقيرًا يحج عنه أجزأ أو لا؟
طالب: أجزأ.
طالب آخر: لا يجزئ.
الشيخ: أقام فقيرًا.
طالب آخر: إن حج عن نفسه.
طلبة: ().
الشيخ: لو أقام فقيرًا، العبارة التي قلت: يُشْتَرط أن يكون النائب الذي أقامه الرجل ليس عليه فرض الحج، فإذا أقام فقيرًا يحج عنه؟
طلبة: ().
الشيخ: نعم.
طالب: يجوز يا شيخ؛ لأن الفقير لم يجب عليه فرض الحج.
الشيخ: إي، ما فهمتم العبارة جيدًا، يُشْتَرط لمن يقيمه ألا يكون عليه فرض الحج، والفقير الذي ليس عنده مال ليس عليه فرض الحج، وعلى هذا فلو أناب فقيرًا لم يؤد الحج لأجزأه؛ لأن هذا الفقير لم يجب عليه الحج، فهو كالغني الذي أدى الحج عن نفسه.
[ ١ / ٣٦٣٦ ]
فإن أقام عنه غنيًّا لم يُؤَدِّ الفرض عن نفسه فإنه لا يجزئه، والدليل حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌: سمع رجلًا يُلَبِّي يقول: لبيك عن شبرمة، فقال له النبي ﵌: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قال: لا، قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرَمَةَ» (١)، وفي بعض ألفاظ الحديث: «اجْعَلْهَا لِنَفْسِكَ» (٢)، وفي بعض ألفاظ الحديث: «هَذِهِ لِنَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (٣).
وهذا الحديث اختلف العلماء في رفعه ووقفه، واختلفوا في تصحيحه وتضعيفه؛ فمنهم من قال: إنه ضعيف لأنه مضطرب لاختلاف ألفاظه؛ ففي بعضها: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ»، وفي بعضها: «هَذِهِ لِنَفْسِكَ»، وفي بعضها: «اجْعَلْهَا لِنَفْسِكَ»، قالوا: وهذا اضطراب يتغير به الحكم.
وقال بعضهم: إن رفعه خطأ وإنه لا يصح إلا موقوفًا على ابن عباس ﵄، وقالوا: إنه لا وجه للمنع، أي: مَنْع مَنْ لم يحج عن نفسه من أن يحج عن غيره؛ يعني: لا وجه أن نمنعه من أن يحج عن غيره؛ بدليل أن الإنسان لو أَدَّى الزكاة بالوكالة عن غيره قبل أن يؤدي زكاة نفسه لكان ذلك جائزًا، فما المانع؟ ! ولكن نقول: لا شك أن الأَوْلى والأليق بالمرء ألا يكون نائبًا عن غيره فيما هو فرض عليه حتى يؤديَ فرضه أولًا.
سواء صح هذا الحديث مرفوعًا أو صحَّ موقوفًا أو لم يصح، فإن النظر يقتضي أن يقدم الإنسان نفسه على غيره لعموم: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» (٤)، ونفسك أحق من غيرك، لكن على المذهب يشترط هذا الشرط: أن لا يكون النائب لم يُؤَدِّ فرض الحج، فإن أقام من لم يؤدِّ فرض الحج فإن ذلك لا يصح.
طيب لو فرضنا أن هذا الذي أُقِيم وهو لم يؤدِّ فرض الحج حج وقال: لبيك عن فلان؛ عن الذي وكله، فماذا يكون العمل؟
[ ١ / ٣٦٣٧ ]
نقول: تكون الحجة لهذا الرجل الذي حج، ويرد النفقة؛ أي: الدراهم التي أعطاها مَنْ وَكَّلَهُ يردها عليه؛ لأن ذلك العمل الذي وكله فيه لم يصح له، فيرد عوضه.
يقول المؤلف ﵀: (لَزِمَه أن يُقيم من يَحُجُّ ويعتمر عنه)، وعموم كلامه ﵀ يدل على أنه يجوز أن يقيم الرجل امرأة، وأن تقيم المرأة رجلًا، من أين نأخذها؟ من عموم الاسم الموصول (مَنْ). وعلى هذا فللرجل أن يوكل امرأة وللمرأة أن توكِّل رجلًا.
ويدل لذلك حديث ابن عباس ﵄: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا كبيرًا لا يَثْبُت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» (٥)، فأَذِنَ لها أن تحج عن أبيها، وهي امرأة؛ فدل ذلك على أنه يجوز أن تحج المرأة عن الرجل، ومن باب أولى أن يحج الرجل عن المرأة.
لكن قال المؤلف: (من حيثُ وجبا)؛ أي: مِنَ المكان الذي وجب على المستنيب أن يحج منه؛ فمثلًا: إذا كان من أَهْل المدينة ووجب عليه الحج وهو في المدينة، يجب أن يقيم النائب من المدينة ولا بد، فلو أقام نائبًا من رابغ من الميقات فإن ذلك لا يجزئ.
لو أقام نائبًا من مكة فهو من باب أولى، يجب أن يقيمه من البلد الذي وجب عليه الحج فيه، وهذا وجب عليه الحج وهو في المدينة.
وبناء على هذا لو أن صاحب المدينة وَكَّل شخصًا في مكة يحج عنه لم يصح؛ لأن الواجب أن يقيم من المكان الذي وجب عليه الحج فيه. ما هي العلة؟ قالوا: لأن هذا الرجل لو أراد أن يحج لنفسه من أين ينطلق؟ من مكانه؛ من المدينة، فكذلك نائبه.
وهذا القول ضعيف؛ لأن المنيب إنما يلزمه أن ينطلق من بلده؛ لأنه لا يتمكن أن يقفز خطوة واحدة ويصل إلى مكة، أليس كذلك؟
ولهذا لو أن هذا المنيب في مكة قد سافر إليها لغرض غير الحج، إمّا لدراسة أو غيرها، ثم أراد أن يحرم بالفرض من مكة، هل نبيح له ذلك أو نقول: اذهب إلى المدينة لأنك من أهل المدينة، والحج واجب عليك في المدينة؟
[ ١ / ٣٦٣٨ ]
الأول، نقول: لا بأس أن يُحْرِم بالحج من مكة.
إذن، لا بأس أن يحرم النائب من مكة، والسعي من المدينة إلى مكة ليس سعيًا مقصودًا لذاته، وإنما هو سعي مقصود لغيره لعدم إمكان الحج إلا بالانطلاق من المدينة.
فالقول الراجح أنه لا يلزمه أن يقيم مَنْ يحج عنه من مكانه، وله أن يقيم من يحج عنه من أيش؟ من مكة، ولا حرج عليه في ذلك.
***
طالب: شيخ يقول: (أو مرض لا يرجى برؤه) قلنا: فبما أنه لو كان يرجى برؤه لا يجزئه، لو أقام؟
الشيخ: ما أدري.
الطالب: يكون عن المنيب؟
الشيخ: يكون عن المستنيب.
الطالب: عن المستنيب؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، لو حج الإنسان عن نفسه فرضًا ثم مات قبل يوم عرفة، هل يقاس على هذه المسألة يا شيخ كما لو أناب عن غيره فرضًا فمات المنيب قبل الإنابة، تسقط عنه الفريضة؟
الشيخ: يعني: مات المنيب وهو في بلده ولَّا النائب؟
الطالب: مات النائب في مكة قبل أن يسقط عنه ..؟
الشيخ: قبل الحج؟
الطالب: نعم، قبل الحج، قبل يوم عرفة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل يسقط عنه حجه؟
الشيخ: لا، لا يسقط عنه.
الطالب: لم يا شيخ؟
الشيخ: لأنه ما تم؛ ولهذا نقول: لو مات النائب فإنه يستناب مَن يكمل عنه حتى يقع الحج صحيحًا عن المستنيب.
الطالب: هو مات في يوم عرفة.
الشيخ: في يوم عرفة أو قبله، فإن لم يوجد فإن الثاني المستنيب الذي جعله نائبًا يؤدي الفريضة مرة ثانية ويرجع إن أمكن بما أعطاه هذا الرجل وإذا لم يمكن سقط عنه.
طالب: شيخنا، طالب العلم إذا كان له نسختان () يبيع نسخة، ولو كان يا شيخ () تكون إحداهما محرفة () الحواشي؟
الشيخ: إذا كان لكل واحدة ميزة يحتاج إليها فإنه لا يلزمه بيعهما.
طالب: شيخ، هل يجوز للنائب ()؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا مما يختلف فيه القصد، أنا قد أرضى أن يكون هذا نائبًا عني ولا أرضى أن يكون غيره نائبًا.
الطالب: ولو كان أفضل منه؟
[ ١ / ٣٦٣٩ ]
الشيخ: ولو كان أفضل، حتى لو كان أفضل أنا يمكن لا أختاره، ثم إنه يكون مفتاحًا لباب سيئ يستعمله بعض الناس، بعض الناس يأخذ نيابات متعددة بدراهم كثيرة، سمعت أن بعض الناس يأخذ مثلًا من دول الخليج نيابات، فيعطونه يظنون أنه هو الذي يريد أن يحج، فيأخذ عشرة عشرين بأجور باهرة، ثم إذا وصل مكة شاف من إخوانه الفقراء وأعطاهم يمكن عُشر ما أخذ، وربما يكون ما يعرف عن حالهم ولا عن دينهم ولا عن علمهم، فهذا يفتح بابًا سيئًا.
طالب: طيب، إن فعل؟
الشيخ: إن فعل لا يجزئه، ويضمن المال للذي أنابه.
طالب: () ما يستفيد () من جهة ().
الشيخ: إي، لكن أصلها كل إنسان أراد أن يتبرع لشخص بالحج به فإنه لا يلزم الإنسان أن يَقْبَل، لا يلزمه القبول؛ لأن هذا يكون فيه مِنَّة عليه في المستقبل، ربما يأتي يومًا من الأيام يقول: هذا جزاء أني حجيت بك وتفعل بي ها الفعل.
طالب: () إذا أذن للمدين أن يحج حج الفرض، وهذا حج نفل، هل يصح منه هذا الحج؟
الشيخ: الظاهر أنه يصح الحج، لكنه يكون آثمًا؛ لأن هذا الحج يؤدي إلى تأخر قضاء الدين.
طالب: أحيانًا ما يؤثر يا شيخ، تكلفته قليلة؛ الحج؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: أحيانًا تكون التكلفة قليلة جدًّا حتى إنه ..؟
الشيخ: كم تكون التكلفة؟
الطالب: مئتان ريال أو ثلاث مئة ريال.
الشيخ: ثلاث مئة ريال، والدين كم؟
الطالب: الدين مثلًا عشرون ألفًا ثلاثون ألفًا.
الشيخ: ثلاثة ملايين، الدين ثلاثة ملايين، إذا وفر ثلاث مئة ريال صار الدين ثلاثة ملايين إلا ثلاث مئة ريال.
الطالب: بس الواقع -يا شيخ- أن هذه النسبة بسيطة.
الشيخ: لا، غلط، هذا () قطرة مع قطرة تأتي غديرة، هذا من جهل بعض الناس؛ يستخف لكن لو أنه كلما حصل الريال أعطى الدائن لكان ينتهي، أما يقول: والله هذا يسير، هذه ثلاث مئة ريال بسيطة، والمرة الثانية تجيء ثلاث مئة ريال بسيطة، هذا ما هو صحيح.
***
[ ١ / ٣٦٤٠ ]
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجزئ عنه وَإِنْ عُوفِي بَعْدَ الإِحْرَامِ.
وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ عَلَى المَرْأةِ وَجُودُ مَحْرَمِهَا؛ وَهُوَ: زَوْجُها أوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأبِيِد بِنَسَبٍ أَوْ سَببٍ مُباح، وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَاهُ أُخْرِجَا مِن تَرِكَتِهِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن من عجز عن الحج والعمرة لعارض فإنه ينقسم إلى قسمين؟
طالب: إذا كان لا يرجى برؤه.
الشيخ: لا يرجى زواله.
الطالب: زواله، فإنه يلزم أن يقيم مَنْ يحج عنه.
الشيخ: إذا كان لا يرجى زواله يلزمه أن يقيم؟
الطالب: من يحج عنه.
الشيخ: وإن كان يرجى؟
الطالب: يتربص حتى يُشْفَى.
الشيخ: ينتظر حتى يزول المانع ثم يحج. ما الذي يُشْتَرط في النائب؟
طالب: الذي يشترط في النائب أن يكون قد حَجَّ عن نفسه الفريضة.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: وأن يصح عنه الفرض.
الشيخ: أن يكون قد حج عن نفسه الفرض؛ هذه واحدة، والثاني؟
طالب: أن يَصِحَّ حجه عن نفسه.
الشيخ: أن يصح حجه عن نفسه احترازًا من أيش؟
الطالب: احترازًا () من العبد والصبي على المذهب.
الشيخ: نعم، أن يكون يجزئ الحج عن نفسه احترازًا من الصبي والعبد، فلا يصح أن ينيب عبدًا أو صبيًّا.
طالب: المريض يا شيخ؟
الشيخ: لا يصح؛ يصح أن يحج عن نفسه وعن غيره. طيب، من أين ينطلق النائب؟
طالب: على المذهب من حيث وجب الحج على المنيب.
الشيخ: يعني: يجب أن يقام عليه من حيث؟
الطالب: من حيث وجب عليه.
الشيخ: من حيث وجب على المنيب.
الطالب: والصحيح أنه من أي مكان، لا يشترط أن ينيب من حيث وجب عليه () لا يشترط ذلك.
الشيخ: مثِّل؟
طالب: () وجب عليه الحج في المدينة؛ على المذهب لا بد أن يحرم من المدينة.
الشيخ: أن ينطلق من المدينة.
[ ١ / ٣٦٤١ ]
الطالب: والصحيح أنه يجوز ().
الشيخ: طيب، ما حجة المذهب؟
طالب: حجة المذهب أن هذا المكان هو الذي وجب على المنيب ..
الشيخ: حجة المذهب أن هذا المكان هو الذي وجب على المنيب أن يحج منه، فوجب على نائبه أن يحج منه. ما حجة القول الصحيح؟
طالب: الصحيح ().
الشيخ: إي، لكن ما حجة القول الصحيح؟
الطالب: لأن طريق المنيب ليس مقصودًا لذاته، وإنما مقصود لغيره.
الشيخ: لأن الطريق مقصود لغيره لا لذاته، والمقصود الحج، فمتى حصل أجزأ. هل له دليل في حق المنيب أو قياس؟
طالب: نعم؛ حديث الرسول ﷺ عندما حج أن شخصًا يطوف بيقول: لبيك اللهم حجًّا عن شبرمة، فقال الرسول ﷺ: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» فقال له: لا، فقال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ».
الشيخ: حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي قال: لبيك عن شبرمة، فقال الرسول ﵊: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟»، فقال: لا، قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرَمَةَ» (١). طيب، قياس؟
طالب: القياس أن المنيب لو () ثم بدا له أن يحرم من مكة جاز له الإحرام ولا يلزم بالرجوع.
الشيخ: تمام، قياس نقول: لو أن المنيب ذهب إلى مكة لحاجة لغير النسك ثم بدا له من هناك أن يحرم لصح، فإذا كان هذا في الأصل ففي الفرع من باب أولى.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام).
(يجزئ) الضمير يعود على الحج.
(عنه) الضمير يعود على المنيب.
(وإن عوفي) الضمير يعود على المنيب أيضًا.
(بعد الإحرام) أي: بعد إحرام النائب.
يعني: لو أن المنيب الذي كان مريضًا، وكان يظن أن مرضه لا يرجى برؤُه، عافاه الله ﷿ بعد أن أحرم النائب، فإن الحج يجزئ عن المنيب، يجزئ فرضًا. لماذا؟ نقول: لأن المنيب أتى بما أُمِرَ به من إقامة غيره مقامه، ومن أتى بما أُمر به برئت ذمته مما أُمِرَ به، وهذا واضح.
[ ١ / ٣٦٤٢ ]
وفُهم من كلام المؤلف أنه إن عوفي قبل الإحرام فإنه لا يجزئ عن المنيب، لماذا؟
نقول: لأنه لم يَشرع في النسك الذي هو الواجب، فصار وجوب الحج على المنيب بنفسه قبل أن يشرع هذا في النسك الذي أنابه فيه فلزمه أن يحج بنفسه.
ولكن يبقى عندنا إشكال؛ هذا النائب الآن قد تكلف وسافر إلى مكة ووصل إلى الميقات، ولكنه لم يُحْرِم بعد، ماذا تكون حاله بالنسبة للنفقة ذهابًا وإيابًا؟ ثم إن هذا الرجل -أعني النائب- سوف يقول في إحرامه: لبيك عن فلان.
نقول: جواب هذا الإشكال: إذا علم النائب بأن المنيب قد عوفي قبل أن يُحرِم فما فعله بعد ذلك فهو على نفقته؛ لأنه علم أنه لا يجزئه حجه عن منيبه، وأما ما عمله قبل ذلك من النفقات فإنه على المنيب.
مثال ذلك: لنفرض أنه أنفق منذ سافر من البلد إلى أن وصل إلى الميقات ألف ريال، ثم عوفي صاحبه قبل أن يحرم؟
نقول: الآن لا يجزئ أن يحرم عنه، فعلى المنيب كم؟ ألف ريال؛ لأن هذا أنفقها بأمره قبل أن ينفسخ أو قبل أن تنتهي مدة نيابته، ما بعد ذلك يكون على النائب إن استمر في السير.
أما إذا رجع فالرجوع على من؟ نفقة الرجوع على المنيب؛ لأن هذا النائب إنما سعى من البلد لمصلحة المنيب، فما غرمه فإنه يكون على هذا المنيب، وبذلك يزول الإشكال.
فإن قُدِّر أن النائب لم يعلم بشفاء صاحبه واستمر، وأدى الحج، فماذا يصنع الآن؟
نقول: هذا الحج لا يجزئ عن المنيب، لكنه يكون نفلًا في حقه، وتلزمه النفقة أو الأجرة التي قدرها للنائب، تلزم المنيب؛ لأن هذا النائب لم يعلم، وتصرُّف الوكيل قبل علمه بانفساخ الوكالة أو زوالها يكون صحيحًا نافذًا، كما لو وكلت شخصًا يبيع لك شيئًا، ثم عزلته عن الوكالة ولم يعلم بالعزل حتى تصرف فإن تصرفه يكون صحيحًا استنادًا على الوكالة الأولى التي لم يعلم بأنها فسخت.
قال: (ويُشْتَرَط لوجوبه على المرأة وجود محرمها)، الضمير في قوله: (لوجوبه) يعود على الحج، وكذلك العمرة.
[ ١ / ٣٦٤٣ ]
(يشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها)، أي: أن يوجد لها محرم موافق للسفر معها؛ يعني: لا يكفي أن يوجد محرم، بل لا بد من وجود محرم يوافق على أن يسافر معها.
وفُهِمَ من كلام المؤلف أن وجود المحرم شرط للوجوب؛ لأن وجوده داخل في الاستطاعة التي اشترطها الله ﷿ لوجوب الحج، وهذا العجز -أعني عجز المرأة التي ليس لها محرم عن الوصول إلى مكة- عجز شرعي، وليس عجزًا حسيًّا، فهي كعادمة المال فلا يجب عليها الحج.
فإن ماتت وعندها مال كثير، لكن لم تجد محرمًا يسافر بها، فهل يخرج الحج من تركتها أو نقول: إنه لا شيء عليها؟
الثاني؛ لأن هذا شرط للوجوب.
وقال بعض العلماء: إن المحرم شرط للزوم الأداء لا للوجوب، وعلى هذا القول نقول: هذه المرأة إن وجدت محرمًا في حياتها وجب عليها أن تحج بنفسها، وإن لم تجد فإنها إذا ماتت يُحج عنها من تركتها؛ لأن وجود المحرم شرط لأيش؟ لوجوب الأداء بنفسها، وليس شرطًا للوجوب.
لكن المذهب أصح أنه شرط للوجوب؛ وذلك لأن هذه المرأة عاجزة عن الوصول إلى المشاعر عجزًا شرعيًّا، فلا يلزمها الحج.
وعلى هذا فنقول: إن المؤلف لما قال: (يُشْتَرط لوجوبه)، دل هذا على أن المرأة التي لا تجد محرمًا يسافر معها لا يجب عليها الحج، وأنها لو ماتت لم تمت آثمة ولا يخرج من تركتها شيء يؤدى به الحج.
القول الثاني في هذا أنه شرط للزوم الأداء؛ يعني: شرط للزوم الأداء بنفسها، وليس شرطًا للوجوب.
وبناء على ذلك نقول: إنها إذا ماتت يجب إخراج الحج من تركتها؛ لأنه واجب عليها.
يقول: (ويُشترط لوجوبه على المرأة وجودُ مَحْرَمِها، وهو -أي المحرم- زوجها أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مُباح).
المحرم هو الزوج (أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسبٍ) أي: بقرابة (أو سببٍ مُباح) والسبب المباح ينحصر في شيئين:
الأول: الرضاع.
والثاني: المصاهرة.
[ ١ / ٣٦٤٤ ]
أما النسب؛ فالمَحْرَّم هو الأب، والابن، والأخ، والعم، وابن الأخ، وابن الأُخت، والخال. كم هؤلاء؟ هؤلاء سبعة؛ الأب، والابن، والأخ، والعم، والخال، وابن الأخ، وابن الأُخت. هؤلاء سبعة، هؤلاء محارم بالنسب، هؤلاء يحرمون على التأبيد أو إلى أمد؟ على التأبيد.
السبب المباح قلنا: ينحصر في شيئين: المصاهرة والرضاع؛ فالرضاع، المحرَّم من الرضاع كالمحرم من النسب سواء، فيكون محرمها من الرضاع أباها من الرضاع، ابنها من الرضاع، أخاها من الرضاع، عمها من الرضاع، خالها من الرضاع، ابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع. سبعة من الرضاع وسبعة من النسب، هؤلاء كم؟ أربعة عشر.
المحارم بالمصاهرة أربعة أنواع: أبو زوج المرأة، وابن زوج المرأة، وزوج أم المرأة، وزوج بنت المرأة.
لكن ثلاثة يكونون محارم بمجرد العقد؛ وهم أبو زوج المرأة وابن زوج المرأة وزوج بنت المرأة، أما زوج أمها فإنه لا يكون محرمًا لها إلا إذا دخل بأمها.
وقول المؤلف: (بسبب مباح) خرج منه ما ثبت التحريم به بسبب مُحَرَّم؛ مثل: أم المزنيِّ بها، وأم الملوط به وبنتها، على القول بأن ذلك يوجب التحريم.
يعني: رجل زنا بامرأة، فهل يكون محرمًا لأمها؟ لا. أمها حرام عليه؟ حرام عليه على التأبيد؛ أمها حرام عليه على التأبيد.
بنتها حرام عليه على التأبيد. ومر علينا هذا في المحرمات بالنكاح.
[ ١ / ٣٦٤٥ ]
ولكن القول الراجح أن أم المزني بها ليست حرامًا على الزاني، وأن بنت المزني بها ليست حرامًا على الزاني؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وفي قراءة أخرى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولم يذكر الله ﷿ أم المزني بها وبنتها، وإنما قال: ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ومعلوم أن المزني بها ليست من نسائه قطعًا؛ لأن نساءه زوجاته، فهي ليست من نسائه، فإذا لم تكن من نسائه فإنه لا يصح أن يُلْحَق السفاح بالنكاح الصحيح.
فالقول الراجح أن أم المزني بها وبنت المزني بها ليست حرامًا على الزاني، فإذا تاب من الزنا جاز أن يتزوج أم المزني بها وبنتها.
الموطوءة بشبهة، هل تدخل في ذلك أو لا؟ بمعنى: لو وطئ امرأة بشبهة؛ شبهة عقد، أو شبهة اعتقاد، فهل هو محرم لأمها؟
المذهب: لا؛ لأن هذه المرأة الموطوءة بشبهة لا تحل له في باطن الأمر، فتحريم أمها أو بنتها بسبب غير مباح. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارمه؛ قال: لأنه حين وطئ هذه المرأة يظنها من حلائله، فيترتب على هذا الوطء ما يترتب على الوطء المباح.
وعلى هذا فمن وَطِئ امرأة بشبهة فإن أمها تكون حرامًا عليه وهي من محارمه أيضًا، وبنتها كذلك تكون حرامًا عليه وهي من محارمه؛ فصار المذهب: التسوية بين المزني بها والموطوءة بشبهة في أن أمها وبنتها ليستا من محارم الواطئ. والصحيح التفريق بينهما، وأن أم الموطوءة بشبهة وبنتها من محارم الواطئ؛ لأنه وطئ وهو يظن أنه وطء حلال.
[ ١ / ٣٦٤٦ ]
ولنضرب لهذا مثلًا؛ رجل تزوج امرأة، ثم بعد ذلك تبين أنها أخته من الرضاع، وطؤه إياها؟ بشبهة؛ لأنه لا يعلم التحريم حين الوطء. فهل نقول: إن أم هذه الزوجة حرام عليه؟ نقول: نعم، هي حرام عليه لا إشكال في هذا، لكن هل هي من محارمه؟ الجواب: نعم، هي من محارمه؛ لأنه حين وطئ المرأة التي تزوجها يعتقد أنها حلال له. فهذا وطء شبهة.
والخلاصة أن المحرم مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، والسبب شيئان: الرضاع والمصاهرة.
هل المرأة التي تحرم عليه إلى أمد من محارمه كأخت زوجته مثلًا؟
ليست من محارمه؛ لأنها ليست على التأبيد، على أننا نبهناكم حين شرح المحرمات وقلنا: إن أخت الزوجة ليست حرامًا على الزوج، الحرام هو الجمع؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، وقال النبي ﵌: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (٦).
من هو المحرم؟ مَحْرَم المرأة من؟
طالب: زوجها، أو من تحرم عليه بسبب مباح.
الشيخ: أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد لنسب أو سبب مباح. هل يشترط للمحرَم شروط؟
الجواب: نعم، يشترط أن يكون مسلمًا، فإن كان كافرًا فليس بمحرَم، وظاهر كلام الأصحاب أنه ليس بمحرم، سواء كانت المرأة موافقة له في الدين أو مخالفة، وبناء على ذلك يكون الأب الكافر ليس محرمًا لابنته الكافرة، ويكون الأب الذي لا يصلي غير محرم لابنته التي تصلي، لماذا؟ لأن من شرط المحرم أن يكون مسلمًا، وغير المسلم ليس بمحرم.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الإنسان محرم لمن يوافقها في الدين، فأبو المرأة الكافرة إذا كان كافرًا يكون محرمًا لها، ولا نمنعه من السفر هو وابنته مثلًا.
الأب الكافر يكون محرمًا للمسلمة؟
نقول: يكون محرمًا لها لكن بشرط أن يُؤمَن عليها، فإن كان لا يؤمن عليها فليس بمحرم ولا تُمكَّن من السفر معه.
[ ١ / ٣٦٤٧ ]
يشترط أيضًا أن يكون بالغًا، فالصغير لا يكفي أن يكون محرمًا؛ ووجه ذلك أن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل منه ذلك.
يشترط أن يكون عاقلًا؛ فالمجنون لا يصح أن يكون محرمًا ولو كان بالغًا؛ لأنه لا يحصل بالمجنون حماية المرأة وصيانتها وكفايتها.
يقول: (وهو زوجُها أو مَنْ تَحْرُم عليه).
الشروط الآن كم صارت؟
ثلاثة: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا. هذه شروط المحرم، أما إذا فُقد المحرم البالغ العاقل المسلم، فإنه لا يجب عليها الحج، أو وجد لكن أبى أن يسافر معها، فإنه لا يجب عليها الحج. فإذا بذلت له النفقة وقالت: حُجَّ معي وأنا أضمن جميع النفقة التي تنفقها في هذا الحج، فهل يلزمه أن يحج معها؟
لا يلزمه؛ لأن ذلك واجب لغيره.
وقال بعض العلماء: بل يلزمه؛ لأن النبي ﵌ قال للرجل الذي قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، قال: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (٧)، فأمره أن ينطلق، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأنه إذا كانت المرأة ستتكفل بجميع النفقة لا ضرر عليه في الغالب، ولا سيما إذا كان لم يؤدِّ حج الفريضة؛ فإنه في هذه الحال قد نقول: إنه يجب عليه من وجهين: لأداء الفريضة، ولقضاء حاجة هذه المرأة.
والذي يظهر أنه لا يجب عليه الموافقة، ولا يلزمه السفر معها.
وأما الحديث فإن النبي ﵌ أمره أن يحج مع امرأته؛ لأن المرأة الآن قد شرعت في السفر، ولا طريق إلى الخلاص من ذلك إلا أن يسافر معها.
قال: (وإن مات مَنْ لَزِمَاه أُخْرِجا من تَرِكَتِه).
[ ١ / ٣٦٤٨ ]
(من لزماه) يعني: من تمت الشروط في حقه؛ وجوب الحج أو العمرة، ثم مات فإنهما تخرجان (من تركته). قبل الإرث؟ قبل الإرث. وقبل الوصية؟ نعم؛ لأن ذلك دَيْن لقول النبي ﷺ: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (٨)، فيؤخذ من تركته ما يكفي للحج، وما بقي فإنه للوصية والورثة.
وهل يشترط أن يوصي بذلك أو يُخْرج من تركته سواء أوصى أو لم يوصِ؟
الجواب: الثاني؛ أنه يخرج من تركته سواء أوصى أو لم يوص، كما أنه لو كان عليه دين أخرجناه من تركته سواء أوصى به أم لم يوص به.
***
[باب المواقيت]
ثم قال المؤلف ﵀: (بَابُ المَوَاقِيْتِ).
(المواقيت) جمع ميقات، وهو مأخوذ من الوقت، وهو زماني ومكاني؛ يعني: قد يراد بالميقات الوقت الزمني، وقد يراد به المكان، وهو هنا يراد به الزمان ويراد به المكان.
قال المؤلف: (وميقات أهل المدينة ذو الحليفة).
(ميقات) مبتدأ و(ذو) خبر، و(الحليفة) تصغير الحِلْفَاء، وهو شجر بري معروف، وسمي هذا المكان بهذا الاسم لكثرته فيه، تبعد عن المدينة ستة أميال أو سبعة، وتبعد عن مكة عشرة أيام، وعلى هذا فهي أبعد المواقيت عن مكة.
(وأهل اليمن وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفةُ).
ما الذي جاء بأهل مصر والمغرب إلى الجحفة؟
لأنه لم تكن هناك قناة السويس، كانت القارة الأفريقية والآسيوية يمكن العبور من واحدة لأخرى عن طريق البر؛ يعني ليس فيه قناة السويس، فيأتي أهل الشام من طريق البر، وكذلك أهل المغرب من طريق البر ويمرون بالجحفة.
والجحفة قرية قديمة اجتحفها السيل واجترفها وزالت، وكذلك أيضًا حَلَّ بها الوباء الذي دعا النبي ﷺ أن ينقله من المدينة إلى الجحفة فقال: «اللَّهُمَّ انْقُلْ حُمَّاهَا -أي حمَّى المدينة- إِلَى الْجُحْفَةَ» (٩)، لأنها كانت إذ ذاك بلاد كفر، أو أهلها غالبهم كفار، فدعا النبي ﷺ أن ينقل الله حمى المدينة إليها.
[ ١ / ٣٦٤٩ ]
لما خَربت الجحفة وصارت غير مكان مناسب للحجاج، جعل الناس بدلها رابغًا، ولا يزال الآن موجودًا، وهو أبعد منها قليلًا عن مكة. وعلى هذا فمن أحرم من رابغ فقد أحرم من الجحفة وزيادة.
بينها وبين مكة نحو ثلاثة أيام، الفرق بينها وبين المدينة كم؟ سبعة أيام.
(ولأهل اليمن يلملم)، ميقات أهل اليمن (يلملم)، و(يلملم) قيل: إنه مكان، وقيل: إنه جبل؛ يعني: مكان يسمى يلملم، وقيل: إنه جبل يسمى يلملم، والميقات عند هذا الجبل، وأيًّا كان فهو معروف.
(ولأهل نجد قرنُ المنازل) المؤلف يقول: (قرن)، ويقال: قرن المنازل، وقيل: إنه يقال له: قرن الثعالب.
ولكن الصحيح أن قرن الثعالب غير قرن المنازل.
(ولأهل المشرق ذاتُ عِرْق)، وسُمِّي هذا المكان بذات عرق؛ لأن فيه عرقًا وهو الجبل الصغير.
هذه الثلاثة؛ يلملم وقرن المنازل وذات عرق متقاربة، هي عن مكة نحو ليلتين، وذات عرق أبعد من قرن المنازل.
وهل هذه الأسماء باقية إلى الآن في هذه المواقيت؟
الجواب: لا، فذو الحليفة تُسْمَّى أيش؟ أبيار عليٍّ، والجحفة صار بدلها رابغًا، يلملم صار يُسمَّى السعدية، قرن المنازل يُسمَّى السيل، ذات عرق تسمى الضَّريبَة، ولكن الأمكنة -والحمد لله- ما زالت معلومة مشهودة للمسلمين لم تتغير.
***
طالب: أبو الزوج من الرضاعة هل يكون مَحْرمًا لزوجته؟
الشيخ: يقول: أبو الزوج من الرضاع هل يكون محرمًا لزوجته؟ ما الجواب؟
أما ما عليه الجمهور فهو محرم، وأما على القول الراجح فليس بمحرم؛ لأن النبي ﷺ قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (١٠)، وأبو الزوج وابن الزوج محرمان من الرضاع.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليكم- لو أن العبد أو المرأة؛ الزوجة نذرت أو العبد نذر أن يحج ()، فلو نذر وأحرم بغير إذن سيده، وكذلك الزوجة أحرمت بغير إذن زوجها () فهل يجوز للزوجة ().
[ ١ / ٣٦٥٠ ]
الشيخ: إذا أحرم العبد بلا إذن سيده فلسيده أن يحلله، وإذا أحرمت الزوجة بنفل دون إذن زوجها فله أن يحللها.
طالب: شرعًا () فعلمت أنه لا يجوز.
الشيخ: وهي مسافرة؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، ففي هذه الحال تستمر للضرورة؛ لأنها الآن لو رجعت إلى بلدها سترجع بسفر وتكون مسافرة بلا محرم، فنقول: من أجل الضرورة تستمر، كما لو مات محرمها في الطريق؛ لو مات محرمها في الطريق فإن كان قريبًا من البلد رجعت، وإن كان بعيدًا خُيِّرَت بين الرجوع وبين الاستمرار.
طالب: ولو بعد الإحرام؟
الشيخ: ويش لونه؟
الطالب: يعني: أحرمت ()؟
الشيخ: لا، بعد الإحرام ما يمكن ترجع؛ لأنها إن رجعت فإما أن نحكم بأنها محصرة وحينئذ يفوتها الحج، وإما أن نقول: تبقى لأنها شرعت فيه فيلزمها الإتمام.
طالب: النساء خروجهن بعضهن مع بعض للحج هل يعتبر ()؟
الشيخ: ركوبهن مع بعض؟
الطالب: خروج النساء للحج بعضهن مع بعض ()؟
الشيخ: هؤلاء ليس معهن محارم.
الطالب: لا ().
الشيخ: لا، ما يجوز، الصحيح أنه لا فرق بين المرأة الآمنة وغير الآمنة، حتى الآمنة التي معها نساء ولا تخشى على نفسها لا يحل لها أن تسافر؛ لأن الرسول ﵊ لم يقل: هل امرأتك آمنة أو غير آمنة.
طالب: بالنسبة () يدخل فيه البدعة والسنة؟
الشيخ: اختلاف الدين لا يدخل فيه البدعة إلا إذا كانت البدعة مكفرة، إذا كانت البدعة مكفرة فنعم لا يكون الكافر محرمًا للمسلمة.
الطالب: بالنسبة للرافضة؟
الشيخ: الرافضة طبقات، بعضهم كافر وبعضهم غير كافر، يختلفون.
طالب: ذكرتم من المحارم التي تكون محرمًا بالمصاهرة ذكرت أبو الزوج () إذا كان امرأة زوج ابنتها، فهل هم من المحارم؟
الشيخ: زوج ابنتها؛ تكون المرأة أم زوجته، ولّا لا؟ وأم الزوجة حرام ولّا غير حرام؟ حرام ما فيه شك، فتدخل في هذا الضابط.
[ ١ / ٣٦٥١ ]
طالب: إذا كان الفقير حج وكان نائبًا وبرئ المنيب قبل الإحرام، لماذا لا يقع الحج على الفقير فرضًا وتكون الأجرة يتحملها أي يؤديها للمنيب إذا برئ المنيب قبل الإحرام؟
الشيخ: إذا عوفي المنيب قبل الإحرام، هذا النائب سيحج على أنه لزيد الذي أنابه، ما هو عن نفسه.
الطالب: هو ما حج عن فرض يا شيخ؛ حديث شبرمة (١).
الشيخ: لم يجب عليه الفرض؛ هذا الرجل الآن لم يجب عليه الفرض لأنه معسر.
طالب: ما رأيك -يا شيخ- في أصل توكيل الناس لأداء الحج عمن أدى الفريضة عن نفسه، ولكن يريد أن يحج مرة أخرى وهو غير قادر () يوكل غيره، ما رأيك؟
الشيخ: يعني: هل تجوز الاستنابة في حج النفل؛ قصدك؟
الطالب: إي، في حج النفل، ما رأيك في هذا؟
الشيخ: إنسان أدى الفريضة ويريد أن يُوَكِّل من يحج عنه حج تطوع؟
من العلماء من يقول: يجوز إذا جاز أن ينيب في حج الفريضة؛ يعني بأن كان هذا المنيب مريضًا مرضًا لا يُرْجَى برؤه أو كبيرًا أو ما أشبه ذلك، أما الإنسان الصحيح فإنه لا يجوز أن ينيب عنه أحدًا في النفل، وهذا هو الصحيح.
الطالب: ورأيك يا شيخ؟
الشيخ: هذا هو الصحيح، أما المذهب فيجوز للإنسان القادر أن يتفق مع شخص بأن يحج عنه، والصحيح أنه لا يجوز لأنه لم يرد إلا في العاجز.
طالب: أحسن الله إليك، اشتهر عند الناس أنه إذا كانت هناك مرأة لا محرم لها أنه يجوز أن تحج مع نساء لهن محارم في قافلة واحدة، هل هذا صحيح؟
الشيخ: هذا ليس بصحيح إلا على رأي من يرى أن المرأة إذا كانت آمنة فإنها تسافر، ويقول: إن العلة في وجوب المحرم الخوف على المرأة، فإذا كانت آمنة فلا خوف عليها. ولكن ظاهر حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قال للرجل: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (٧) دون أن يستفصل أنه لا يجوز أن تسافر المرأة بدون محرم سواء كانت آمنة أم غير آمنة.
***
[ ١ / ٣٦٥٢ ]
الطالب: وهي لأهلها ولمن مَرَّ عليها من غيرهم، ومن حجَّ من أهل مكةَ فَمِنْها وعمرتُه من الحِلِّ، وأشهرُ الحجِّ شوال وذو القعدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
سبق لنا أن المواقيت عشرة؟ !
طالب: لا، خمسة.
الشيخ: عشرة.
الطالب: خمسة.
الشيخ: خمسة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وذات عرق، وقرن المنازل.
الشيخ: نعم، خمسة. ذو الحليفة ميقات لمن؟
طالب: لأهل المدينة.
الشيخ: لأهل المدينة. الجحفة؟
طالب: الشام ومصر والمغرب.
الشيخ: يلملم؟
طالب: أهل اليمن.
الشيخ: قرن المنازل؟
طالب: قرن المنازل؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لأهل نجد.
الشيخ: لأهل نجد. ذات عرق؟
طالب: لأهل المشرق.
الشيخ: لأهل المشرق. هذه المواقيت هل وقَّتَها الرسول ﵊ أم هي باجتهاد من الصحابة؟
طالب: ثبت في الصحيحين عن الأربعة ..
الشيخ: السؤال: هل هذه وقتها الرسول أم هي باجتهاد من الصحابة؟
الطالب: لا، أربعة متفق عليها أنها ..
الشيخ: أنها من الرسول؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم، وذات عرق مختلف فيها.
الشيخ: نعم، هل هو ..؟
الطالب: ورد في صحيح مسلم (١١) أن النبي ﷺ وقتها، ولكن في رفعه شك، يعني: شك الراوي في رفعه.
الشيخ: نعم.
الطالب: وورد في غيره ..
الشيخ: وصح عن عمر أنه؟
الطالب: وَقَّتها.
الشيخ: وقتها. ما اسم ذي الحليفة في العرف؟
طالب: أبيار علي.
الشيخ: أبيار علي. الجحفة ما اسمها في العرف؟
طالب: ().
الشيخ: اسمها رابغ الآن؟
الطالب: لا، ().
الشيخ: نقلت إلى رابغ؛ لأنها خربت فنُقِلَت إلى رابغ. يلملم اسمه؟
طالب: السعدية.
الشيخ: السعدية لأهل اليمن. قرن المنازل؟
طالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: السيل الكبير.
الشيخ: السيل الكبير، صح. ذات عرق؟
طالب: الضريبة.
الشيخ: ما هي أبعد المواقيت عن مكة؟
[ ١ / ٣٦٥٣ ]
طالب: ذو الحليفة.
الشيخ: ذو الحليفة. ثم؟
طالب: ثم الجحفة.
الشيخ: ثم الجحفة، والثلاث الباقية؟
الطالب: متقاربة.
الشيخ: متقاربة.
***
يقول قائل: لماذا هذا التفريق بين هذه المواقيت فبعضها بعيد وبعضها قريب؟
والجواب على هذا السؤال: أنه لا ينبغي إيراده؛ لأن هذا السؤال نظيره أن يقول قائل: لماذا كانت الظهر أربعًا والعصر أربعًا والمغرب ثلاثًا والفجر اثنتين؟ لماذا لم تكن الظهر ثمانية والعصر كذلك والعشاء كذلك والمغرب خمسًا والفجر أربعًا؟
فالعبادات المقدَّرة لا يَرِد السؤال عنها؛ لأن موقف الإنسان منها أن يقول: سمعنا وأطعنا، لكن مع ذلك لا حرج على الإنسان أن يلتمس الحكمة؛ لأن الاطلاع على الحكمة مما يزيد الإنسان طمأنينة.
الحكمة -والله أعلم- أنه بَعُد ميقات أهل المدينة من أجل أن تقرب خصائص الحرمين بعضهما من بعض، فالمدينة حرم ومكة حرم، وحرم مكة محدود، لكن الإحرام بالنسك من خصائص أيش؟ حرم مكة، فكان من الحكمة ألا يخرج الإنسان من حدود حرم المدينة إلا قليلًا حتى يدخل فيما يختص بحرم مكة؛ هذا -والله أعلم- هو الحكمة.
أما البقية فلعلها -والله أعلم- أن الجحفة في ذلك الوقت هي أعمر قرية كانت حول طريق أهل الشام، وأما الثلاث الباقية فمتقاربة.
ثم هذه المواقيت وقَّتها النبي ﵊ لأهلها ولمن مَرَّ عليهم من غيرهم؛ ولهذا قال المؤلف: (وهي لأهلها).
(هي) الضمير يعود على المواقيت.
(لأهلها) أي: أهل هذه الأماكن المذكورة؛ المدينة، الشام، اليمن، نجد، المشرق. هذه المواقيت لأهل هذه البلاد.
(ولمن مَرَّ عليها من غيرهم)، إذا مَرَّ أحد من أهل نجد بميقات أهل المدينة فإنه يُحْرِم منه، ولا يكلَّف أن يذهب إلى ميقات أهل نجد.
[ ١ / ٣٦٥٤ ]
وإذا مر أهل اليمن من ميقات أهل المدينة فإنهم لا يُكَلَّفون الذهاب إلى يلملم لما في ذلك من المشقة؛ فكان من تسهيل الله ﷿ أن مَن مر بهذه المواقيت فإنه يحرم من أول ميقات يمر به؛ فإذا كنت من أهل نجد ومررت بميقات أهل المدينة فأمامك بين يديك ميقات آخر: وهو الجحفة، أمامك الجحفة؛ لأن الجحفة من بعد ذي الحليفة، فهل تؤخِّر إلى الجحفة أو لا بد أن تحرم من ذي الحليفة؟
نقول: لا بد أن تُحْرِم من ذي الحليفة؛ لأن النبي ﵊ قال: «وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ» (١٢)، فإذا وصلت إلى هذا الميقات وأنت تريد الحج أو العمرة وجب عليك الإحرام منه.
واختلف العلماء فيما إذا مر الشاميُّ بميقات أهل المدينة، هل له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة التي هي الأصل في ميقات أهل الشام؟
اختلفوا في ذلك على قولين: فالجمهور على أنه ليس له أن يؤخر، وأنه يجب أن يحرم من ذي الحليفة.
وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يحرم من الجحفة، معللًا ذلك بأن هذا الرجل مرَّ بميقاتين يجب عليه الإحرام من أحدهما فرعًا، ومن الثاني أصلًا.
ما هو الأصل؟ الجحفة، وميقات أهل المدينة فرع، فهو للتسهيل والتيسير على الإنسان، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: للشامي إذا مر بذي الحليفة أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة.
ولكن الأحوط الأخذ برأي الجمهور؛ لعموم قول النبي ﷺ: «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (١٢)، فوقَّت هذا لمن أتى، فيكون هذا الميقات الفرعي كالميقات الأصليِّ في وجوب الإحرام منه، والقول بهذا لا شك أنه أحوط وأبرأ للذمة.
هذه المواقيت الخمسة عَيَّنها الرسول ﵊ قبل أن تُفْتَح، فالشام في عهده لم يفتح، اليمن في عهده لم يفتح إلا جزء يسير منه، العراق لم يفتح.
[ ١ / ٣٦٥٥ ]
قال العلماء: وهذا من معجزات الرسول ﷺ، (من معجزات) والأصح أن نقول: من آيات الرسول، هذا من آيات الرسول ﵌؛ لأن توقيتها لأهل هذه البلاد إشارة إلى أن هذه البلاد سوف تُفْتَح ويحج أهلُها ويصيرون مسلمين، بعد أن كانوا كفارًا.
***
ثم قال المؤلف: (وَمَنْ حَجَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَمِنْهَا، وَعُمْرَتُهُ مِنْ الحِلِّ).
(من حج من أهل مكة فمنها) أي: من مكة، أي: فيُحْرِم من مكة؛ لقول النبي ﷺ حين وقَّت المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (١٢). وهنا ينبغي أن نأخذ من الحديث أن مَن كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه؛ فمثلًا أهل الشرايع في طريق أهل نجد إذا أرادوا أن يحرموا هل نقول: ارجعوا إلى قرن المنازل فأحرموا منه، أو نقول: أحرموا من مكانكم؟ من مكانكم.
أهل جدة نقول: أحرموا من مكانكم، ولا حاجة أن تذهبوا إلى الجحفة ولا أن تذهبوا إلى ذي الحليفة. من كان دون هذه المواقيت أحرم من حيث أنشأ.
وانظر إلى هذا التعبير النبوي، قال: «مِنْ حَيْثُ أَنْشَأ»، ولم يقل: من بلده؛ لأنه قد يكون دون مواقيت بلده، ولكنه هو في مكان آخر غير بلده، فينشئ النية؛ نية العمرة أو الحج، فنقول: أحرم من حيث أيش؟ من حيث أنشأت.
أهل مكة في الحديث: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فيحرم أهل مكة من مكة.
وقول المؤلف: (من حج من أهل مكة فمنها) ليس له مفهوم -أعني قوله: (من أهل مكة) - فإن من حج من مكة من أهلها وغيرهم فإحرامه من مكة، فلا مفهوم للعبارة، ولو كانت العبارة: (ومن حج من مكة فمنها) ..
وعُمرتُه من الْحِلِّ، وأَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالٌ وذو القَعدةِ وعشْرٌ من ذي الْحِجَّةِ.