أَفْضَلُها إِبِلٌ، ثم بَقَرٌ، ثم غَنَمٌ، ولا يُجْزِئُ فيها إلا جَذَعُ ضَأْنٍ، وثَنِيٌّ سِوَاهُ، فالإِبِلُ خَمْسٌ، والبَقَرُ سَنَتَانِ، والْمَعْزُ سَنَةٌ، والضأْنُ نِصْفُها، وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحدٍ، والبَدَنَةُ والبقرةُ عن سبعةٍ، ولا تُجْزِئُ العَوراءُ والعَجْفاءُ والعَرجاءُ
للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟ الأول التخفيف، فإيجاب ما لم يجب بلا دليل أشد من إسقاط ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قول على الله بلا علم، وفيه إشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب، والمراد ليس إسقاط عن عمد، لكن إسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجبًا، لكن هل فيه التكليف على العباد؟
طالب: ما فيه.
[ ١ / ٤٠٦٦ ]
الشيخ: ما فيه، فأقول مرة ثانية: إيجاب ما لم يجب أشد من إسقاط ما وجب؛ يعني: إذا لم يكن هناك نص يدل على الوجوب بحيث يواجه الإنسان به ربه فإن إسقاط ما وجب -أي: ما يمكن أن يكون واجبًا- أهون.
وكذلك نقول في التحريم والتحليل: تحريم ما كان مباحًا أشد من إباحة ما عسى أن يكون حرامًا.
نقول: ما هو الدليل على وجوب الدم لمن ترك واجبًا؟
نقول: الدليل على هذا قول صحابيٍ جليل وهو ابن عباس ﵄؛ حيث قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (١)، ومبنى هذا الاستدلال على أن مثل هذا القول لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع؛ لأن الصحابي إذا قال قولًا أو فعل فعلًا لا يقال بالرأي ولا يفعل بالرأي حُمِلَ على أنه مرفوع حكمًا.
ولا يَرِدُ على هذا القول الشبهة التي أثيرت حول ما يخبر به عبد الله بن عباس ﵄ عن بني إسرائيل، وأنه ممن عرف في التساهل بالنقل عنهم، مع أن الأمر ليس بصحيح، بل هو يشدد في النقل عنهم، كما مر علينا في البخاري في عدة مواضع.
لماذا لا يَرِد؟ لأن هذا حكم وليس خبرًا، فعليه نقول: هذا الحكم صدر من عبد الله بن عباس وأيش؟
طلبة: له حكم الرفع.
الشيخ: وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يُقَال بالرأي.
ثانيًا: على فرض أن مثله يقال بالرأي، وأن ابن عباس ﵄ اجتهد، فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف، فكان أولى بالقبول من قول غيره، وهذا الاحتمال على تقدير أنه لم يثبت له حكم الرفع وأنه قاله بالاجتهاد.
كيف يكون بالاجتهاد؟ لأنه ﵁ قال: إن ترك ما يجب كفعل ما يحرم؛ كلاهما انتهاك لنسك، وفعل ما يحرم ثبت بالنص القرآني أن فيه نسكًا، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
[ ١ / ٤٠٦٧ ]
وابن عباس ﵄ اختار أكمل الثلاثة فقال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا، فيكون هذا الرأي مبني على أيش؟ على اجتهاد؛ وهو قياس انتهاك النسك بترك الواجب على انتهاكه بفعل أيش؟
طالب: محرم.
الشيخ: بفعل محظور، فوجب الدم.
ونحن نقول: إن ثبت هذا من جهة النظر؛ يعني: إن سلم الدليل من جهة النظر وأن في ترك الواجب دمًا فذاك، وإن لم يسلم وقيل: الأصل براءة الذمة وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس فإننا نقول في إيجاب الدم بترك الواجب مصلحة؛ وهي حفظ الناس عن التلاعب.
أنت لو قلت: ليس في ترك الواجب دم أكثر الناس لا يهتمون به بأنه واجب وأن في تركه الاستغفار والتوبة ما يهمه، يقول: إذا شئت أن أملأ لك أجواء مكة كلها وإلى المدينة استغفارًا وتوبة فأنا ما عندي مانع، لكن لا تجعلني أخسر ولا خمسين ريالًا، تقول له: تُبْ إلى الله، قال: ما يخالف، كم مرة؟ ! ما عندي مانع، لكن لا تلزمني بشاة؛ يعني: كثير من الناس -ما نقول: إن أكثرهم، إن شاء الله- كثير من الناس لا يهمه، يهمه المال أكثر مما يهمه انتهاك النسك.
لو قيل: إن هذا واجب ومن تركه فهو آثم وعليه التوبة والاستغفار، فهل يحترم الناس هذا النسك كما لو قلنا: إن فيه الدم تذبحه ولو كنت في بلدك، وكل من يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء؟
الجواب: لا يكون نظر الناس إلى الواجب سواءً؛ لهذا نرى إلزام الناس بذلك، وإن كان ثبوته من حيث النظر والاستدلال فيه مناقشة وفيه اعتراض، فنقول: إن هذا من باب التربية؛ تربية المسلمين على التزامهم بالواجب، وما دمنا مستندين إلى قول صحابي جليل دعا له النبي ﷺ أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل فإننا نرجو أن نكون أبرأنا ذمتنا بذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.
لهذا نحن نفتي بأنه يجب على من ترك واجبًا أن يذبح فدية يوزعها على الفقراء في مكة؛ لهذا النظر الذي ذكرناه.
[ ١ / ٤٠٦٨ ]
لكن إذا لم يجد هديًا إذا لم يجد دمًا فما الواجب؟
المذهب الواجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يتمكن من صيامها في الحج صامها ببلده، ولكن هذا القول لا دليل عليه؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس، ليس هناك دليل على أن من عدم الدم في ترك الواجب يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس؛ لأن قياس ذلك على دم المتعة قياس مع الفارق؛ لأن دم المتعة دم أيش؟
طالب: شكران.
الشيخ: شكران، وأما دم الواجب فدم جبران؛ لذلك نرى أن القياس غير صحيح، وحينئذٍ نقول لمن ترك واجبًا: اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء بنفسك أو بمن تثق به من الوكلاء، فإن كنت غير قادر فتوبتك تجزئ عن الصيام، تُبْ إلى الله يكفي، هذا هو الذي نراه في هذه المسألة.
طالب: أحسن الله اليك، الفرق بين ()؟
الشيخ: نعم.
الطالب: () يمكن فيه احتمال الاجتهاد؟
الشيخ: كيف الاجتهاد؟
الطالب: ممكن يجتهد الصحابي.
الشيخ: كيف يجتهد؟ على أي شيء نقيسه؟
الطالب: بالعموم.
الشيخ: أي عموم؟
الطالب: عموم ..
الشيخ: هل هناك عموم أن الإنسان كلما كبَّر يرفع يديه؟
الطالب: في كل ().
الشيخ: ما فيه عموم؛ ولهذا رفع ابن عمر يديه في كل تكبيرة في صلاة الجنازة ثابت عنه موقوفًا (٢)، بل ومرفوعًا، كما رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشيته على الفتح قال: إنه صحيح؛ لأن السبب في تضعيفه مرفوعًا الاختلاف في أحد الرواة؛ لأن اسمه مشترك بين ضعيف وثقة؛ فمنهم من حمله على الضعيف فقال: الحديث مرفوعًا ضعيف، ومنهم من حمله على الثقة وقال: الحديث مرفوعًا صحيح، وهذا هو الظاهر؛ لأن ابن عمر ما كان ليرفع يديه في كل تكبيرة إلا مستند إلى مرفوع.
طالب: بالنسبة للطواف يا شيخ، المحمول الذي يطاف به أحيانًا أنه يعني لا يؤشر عند الحجر وأحيانًا يكون نائمًا، هل نقول: لا يصح طوافه أم ماذا؟
[ ١ / ٤٠٦٩ ]
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ يقول: بعض الناس الذين يُحملون في الطواف والذين يركبون العربية في السعي يجد الراحة والهز، فينام () فينام هل يجزئه الطواف؟
نقول على القول بأن النية شرط: إذا نوى في ابتداء الطواف، ثم نام، فطوافه صحيح، وإن نام قبل أن يبتدئ -وهذا في الظاهر لا يكون- فإن طوافه ليس بصحيح.
طالب: شيخ، بالنسبة لمن ذبح في عرفة أَلَا يشكل عليه أن الرسول ﷺ ما عذر الصحابي الذي ذبح قبل الوقت يوم العيد وهذا مجتهد وسليم القلب حينما ذبح؟
الشيخ: هذا يقول: إذا كان النبي ﵊ لم يعذر الصحابي الذي ذبح الأضحية في غير الوقت، أفلا نقول: إن من ذبحها في المكان الذي لا يذبح فيه ولو كان معذورًا بجهل تلزمه الإعادة، وهذا لا شك أنه إيراد قوي؛ لأن المخالفة في المكان كالمخالفة في الزمان، لكن الذي يمنع من إلحاق هذه بهذه أنه ليس هناك نص على أن الذبح لا بد أن يكون في الحرم إذا كان المقصود نفع الفقراء، لو كان هناك نص ما في المسألة إشكال.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا يدل على أن فجاج مكة كلها منحر، وفجاج مكة طريق ومنحر، لكن لا يدل إلا بالمفهوم على أن غيرها ليس بمنحر.
على كل حال نحن نقول: هذه المسألة ما دامت وقعت وفيها خلاف فإننا لا نلزمه، لكن نقول: لا تعودوا ولا تعيدوا، ثم يجب على طلبة العلم أيضًا أن ينبهوا الناس على هذه المسألة.
كان الناس في الأول مِنَى ما فيها زحمة، ولا أحد يفكر أن يذبح في عرفة أو يذبح في الشرايع مثلًا، لكن الآن من أجل الزحمة صار الناس قد يضطرون إلى ذلك؛ فلهذا أنا أرى أن الواجب على طلبة العلم أن ينبهوا على هذا؛ لأنها مهمة.
طالب: شيخ، لو قال قائل: ندرك القاعدة على قول ابن عباس ونقول: من ترك واجبًا فعليه دم في غير الحج؟
الشيخ: في غير الحج؟
الطالب: إيوه، يعني لو ترك واجبًا.
[ ١ / ٤٠٧٠ ]
الشيخ: يعني حتى مثلًا لو ترك التشهد الأول في الصلاة قلنا: عليك دم، مشكل، لا، هذا لم يقل به أحد.
طالب: شيخ، دم التمتع هل هو دم شكران أم دم جبران () فيه أم غيره؟
الشيخ: دم التمتع دم شكران، وإذا قلنا: دم جبران فإنه لا يأكل منه؛ لأن دم الجبران يجبر ما فات، وإذا أكل منه لم يجبر، إي نعم.
طالب: قلنا القول الراجح في العمرة: إن طواف الوداع فيها واجب، وقلنا أيضًا () إن طواف الوداع في الحج ليس بواجب؟
الشيخ: لا.
الطالب: في الحج.
الشيخ: كلا، لكن قلنا: ليس من واجبات الحج، إي، فرق بين قلنا: ليس بواجب، وليس من واجبات الحج، فالإنسان لو حج وبقى في مكة ما عليه طواف وداع، لكن لو قلنا: إنه واجب للحج لقلنا: يجب، على أننا اعترضنا هذا الرأي ويش قلنا؟ قلنا: قد يكون واجبًا في الحج بشرط أن يغادر مكة، وحينئذٍ يصح أن يُعَد من واجبات الحج.
طالب: بارك الله فيكم، على ما رجحنا لو أتانا آتٍ وهو ترك واجب، ولكن لو عرف أنه أذنب لكان أكبر عليه أن يفدي بشاة، هل نقول بالتوبة فقط؟ وهل يجزئ بالهدي؟
الشيخ: نقول بالتوبة والفدية.
الطالب: شيخ، المسألة ليس فيها دليل صريح والتعليل منتهٍ؟
الشيخ: لا، نأخذ القاعدة؛ لأن أيضًا هذا يوجب التشويه على العامة؛ فلان أوجبتم عليه وفلان ما أوجبتم، ويش الفرق؟ وربما يكون الذين قلنا: لا يجب عليك ربما يكون غنيًّا فيحصل مشكلة.
الطالب: القول في مزدلفة أنه يكفي فرض الوقت في الصلاة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: أنه يكفي نية فرض الوقت المسافر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن -يا شيخ- إذا قصر الصلاة وأتى المسجد تصح الصلاة في كل حال؟
الشيخ: في كل أيش؟
الطالب: في كل حال نوى الصلاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولكن يا شيخ ..
الشيخ: لا، نوى الفريضة.
الطالب: نوى الفريضة، ولكن يا شيخ () وهو مسافر جمعوا بين الظهر والعصر ودخل معهم ولم ينوِ التعيين.
الشيخ: نعم، على نيته هو.
الطالب: هو لم ينوِ التعيين.
[ ١ / ٤٠٧١ ]
الشيخ: على نيته، لو سألناه بعدما سلم ويش نيتك؟ ويش قال؟ ما نوى شيئًا؟
الطالب: نوى الصلاة، نوى الفريضة.
الشيخ: إي، لكن هو جامع، هو ربما ينسى، قد يكون نسي أنه جامع؛ يعني: تقصد؟
الطالب: أو ().
الشيخ: إذا قصد أنه جامع، ففي نيته التي في قلبه أنه سيبدأ بالأولى.
الطالب: وأين المقبول نية فيها؟
الشيخ: أما إذا قال: واللهِ لا ما أدري، واللهِ ويش نويت ونسيت أني ما جمعت، نقول له: أعد هذا؛ لأنه ما نوى.
طالب: شيخ.
الشيخ: سألت يا شيخ ما أكملت؟
الطالب: لا ما أكملت.
الشيخ: ليش ما سألت.
طالب: يا شيخ، ما هو القول الراجح في () ليس بواجب في الميقات ()؟
الشيخ: وهو.
الطالب: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت.
الشيخ: نجيب عنها باللفظ الثاني؛ كان الناس ينصرفون من كل وجه فقال النبي ﵊: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (٣).
الطالب: النية المعينة التفريق، لو قال قائل: إن التفريق بين الصلاة والحج بأن الحج تتجزأ بعض أفراده والصلاة لا تتجزأ بعض أفرادها؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني الحج ممكن يطوف الإنسان كطواف مستقل، لكن الصلاة لا يمكن أن ..
الشيخ: لا، لا بد أن ينوي الطواف لهذا النسك؛ يعني: لو فرضنا أنه نواه عن طواف مطلق ما أجزأه.
طالب: لا بد من التعيين.
الشيخ: لا بد على الأقل ينوي الطواف بدون أن يقول: هذا طواف نافلة مثلًا، لو نوى أنه طواف نافلة ما صح.
***
[باب الفوات والإحصار]
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى:
باب الفوات والإحصار
من فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة ويقضي، ويُهدي إن لم يكن اشترط، ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حَلَّ، فإن فقده صام عشرة أيام، ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عرفة تحلل بعمرة، وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط.
[ ١ / ٤٠٧٢ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد سبق الكلام على الأركان والواجبات والسنن وبيان حكم كل منها، وأن من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه، وسبق بيان الأدلة على ذلك.
وقد توهم بعض الناس في مسألة الواجبات فظن أن الإنسان مخير بين أن يأتي بالواجب أو يأتي بالدم، حتى سمعنا أن بعض الناس إذا وقف بعرفة وبات بمزدلفة إلى نصف الليل نزل، ثم طاف وسعى وحل التحلل كله، ثم بقي في بيته وقال: أذبح فدية عن المبيت بمنى وعن رمي الجمرات، فيظن أن المسألة على التخيير وليس كذلك، ولكن من ترك الواجب لعذر أو نحو ذلك فإنه يجب عليه أن يفدي، أما أن الإنسان مخير بين هذا وهذا فإن هذا لا شك إخلال بهذه النسك العظيم.
يعني لو قال إنسان: أنا أقف بعرفة إلى غروب الشمس وبمزدلفة إلى منتصف الليل، ثم أنزل إلى مكة وأطوف وأسعى، ثم أرجع إلى أهلي، متى يرجع إلى أهله؟ في ليلة العيد، ويوكل من يرمي عنه، ومن يذبح عنه، عن طواف الوداع، وعن المبيت، هذا تلاعب بأحكام الله.
فقول الفقهاء ﵏: (من ترك واجبًا فعليه دم) يعني أن ذلك جبرٌ لما ترك، وليس المراد به التخيير، وإلا لقالوا: يخير بين هذا وبين الدم.
أما السنة فمن تركها فلا شيء عليه؛ لأن السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فلو ترك الإنسان الوقوف بعد الجمرة الأولى أو بعد الجمرة الوسطى فلا شيء عليه، وكذلك لو ترك الاضطباع في الطواف أو الرمل فلا شيء عليه، فالقاعدة أن من ترك سنة فلا شيء عليه.
ثم قال المؤلف: (باب الفوات والإحصار) هذا الباب يتضمن مسألتين؛ المسألة الأولى الفوات، والمسألة الثانية الإحصار.
[ ١ / ٤٠٧٣ ]
أما الفوات فهو مصدر (فَاتَ يَفُوتُ فَوْتًا وفَوَاتًا)، ومعناه: أن يُسبق فلا يدرك، يقال: فاتني الشيء؛ أي: سبقني فلم أدركه، هذا هو الفوات سبقٌ لا يدرك.
أما الإحصار فهو من: حصره؛ إذا منعه، فالإحصار بمعنى المنع؛ يعني: أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك، والفوات: أن يفوت الإنسان شيء من النسك.
وسيأتي في هذا الباب أن من الأركان ما له وقت محدد، ومنها ما ليس له وقت محدد، فالوقوف -الذي هو الحج كما قال النبي ﵊: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٤) - له وقت محدد، حده متى؟
طلبة: طلوع الفجر.
الشيخ: طلوع الفجر يوم النحر، فيقول المؤلف في حكم ذلك: (من فاته الوقوف فاته الحج)، وإذا فاته الحج فماذا يصنع؟
يُنظر؛ إن كان الإنسان قد اشترط عند إحرامه أن محله حيث حبس فإنه يحل ولا شيء عليه؛ يعني: يخلع ثياب الإحرام ويلبس الثياب ويرجع إلى أهله؛ لأنه قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا حابس.
وقد سبق هل الأولى أن يشترط أو الأولى ألَّا يشترط؛ إما مطلقًا، أو بتفصيل، وذكرنا أن الصواب ألَّا يشترط إلا إذا كان يخاف من عدم إتمام النسك.
قال: (فاته الحج وتحلل بعمرة) يعني: إذا فاته الوقوف وطلع الفجر قبل أن يصل إلى عرفة تحلل بعمرة؛ ذهب وطاف وسعى وحلق أو قصر، وإن شاء أن يبقى على إحرامه إلى الحج القادم فله ذلك، ولكن أيهما الذي يختار؟
طلبة: الأول.
الشيخ: سيختار الأول بلا شك، لكن الفقهاء يقولون: إن اختار أن يبقى على إحرامه إلى أن يأتي الحج الثاني فلا بأس، ولكن يقال: الأولى أن يتحلل؛ لأن ذلك أيسر وأسهل، وكيف يمكن للإنسان أن يدع محظورات الإحرام لمدة سنة كاملة؟ ! هذا بعيد، ومشقة شديدة.
[ ١ / ٤٠٧٤ ]
قال: (ويقضي ويُهدى إن لم يكن اشترط) (ويقضي) يعني: يقضي هذا الحج الفائت، وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي؛ سواء كان الحج واجبًا، أم تطوعًا؛ لأنه إن كان واجبًا فوجوب القضاء ظاهر؛ سواءٌ كان واجبًا بأصل الشرع بأن يكون هذا فريضة الإسلام، أو واجبًا بالنذر فإن قضاءه أمر واضح أنه يجب عليه القضاء، ولكن إذا كان تطوعًا فهل يجب القضاء؟
نقول: نعم، يجب القضاء؛ وذلك لأن الإنسان إذا شرع في النسك صار واجبًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة؛ أن نفلهما يجب المضي فيه بخلاف غيرهما، فهو لما شرع وأحرم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجبًا في حقه كأنما نذره نذرًا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وعلى هذا فيجب القضاء؛ سواء كان ذلك تطوعًا، أو واجبًا بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي ﵌: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (٥).
وقول المؤلف: (إن لم يكن اشترط) فإن كان اشترط فلا قضاء عليه ولا هدي عليه، إلا إذا كان الحج واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فإنه يلزمه القضاء ولو كان اشترط.
وعلى هذا فيكون قوله: (إن لم يكن اشترط) فيما إذا كان الحج نفلًا، أما إذا كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فيلزمه القضاء، وعلى كل حال لأنه قد وجب عليه قبل أن يشرع فيه.
تعرَّض المؤلف ﵀ إلى مسألة إذا أخطأ الناس في يوم الوقوف؛ بأن وقفوا، ثم ثبت ثبوتًا شرعيًّا أن وقوفهم كان في غير يوم عرفة فهل حجهم صحيح أو حجهم باطل؟ أنتم فاهمين؟ وعلى كل حال في الوقت الحاضر هذا شيء قد يكون متعذرًا، لكن فيما سبق ربما يكون وقف الناس، ثم ثبت ببينة أن وقوفهم كان في اليوم العاشر، وأن الهلال هلَّ قبل أن يراه الناس في مكة، فهل يلزمهم القضاء؟
[ ١ / ٤٠٧٥ ]
الجواب: لا يلزمهم القضاء؛ لأن الهلال اسم لما اشتهر عند الناس، ولأنهم فعلوا ما أُمروا به؛ فإن النبي ﵌ قال: «إِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (٦)، فهؤلاء غم عليهم هلال ذو الحجة، فيلزمهم أن يتموا ذا القعدة ثلاثين يومًا، ومن فعل ما أمر به على وجه أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين.
وإن وقف يسير منه فأخطؤوا فإن حجهم غير صحيح، بل نقول: إنهم إذا وقف اليسير منهم فهم مخطئون بكل حال؛ لأن الواجب عليهم الرجوع إلى ما كان عليه الجماعة، فلو تعنت أناس وقالوا: ما يمكن أن يكون الهلال هلَّ البارحة، منازل الهلال ضعيفة ولا نقبل أن يكون اليوم التاسع عند هؤلاء هو اليوم التاسع، بل هو اليوم الثامن، وسنقف في اليوم العاشر، العاشر عند الناس التاسع على زعمهم.
فإننا نقول لهؤلاء: إن حجهم غير صحيح، يقول: إن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فاته الحج.
قال: (ومن أحرم فصده عدو) انتقل المؤلف الآن إلى الإحصار، فصار الفوات حكمه سهلًا، نقول: إذا فات الوقوف فات الحج، وأنت الآن بالخيار بين أن تبقى على إحرامك إلى العام القادم وبين أن أيش؟
طلبة: تتحلل بعمرة.
الشيخ: تتحلل بعمرة، هذه واحدة، ثانيًا: هل عليه القضاء؟
نقول: إن كان نفلًا وقد اشترط عند ابتداء الإحرام أن محله حيث حبس فلا شيء عليه؛ لا هدي، ولا قضاء، وإن كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر أو تطوعًا ولم يشترط فعليه القضاء من العام القادم.
(ويهدي) والهدي يكون وقته في القضاء؛ لأنه الآن فاته الحج، فيكون الهدي في القضاء.
[ ١ / ٤٠٧٦ ]
ثم تكلم المؤلف عن الإحصار فقال: (ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حل) من صده عدو عن البيت؛ يعني: عن الوصول إلى البيت سواءٌ في عمرة أو في حج فإنه يهدي؛ يعني: يذبح الهدي، ثم يحل؛ لقول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فعليكم ما استيسر من الهدي، ولأن النبي ﵌ أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلوا (٧)، (أهدى ثم حل).
وقوله: (من صده عدو) (مَنْ) اسم شرط أو اسم موصول؟
طالب: اسم موصول.
الشيخ: يجوز أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وعلى كل تقدير فهي للعموم، فيعم ما إذا كان الصد عامًّا أو كان خاصًّا؛ العام أن يُصد كل الحجيج، لا قدَّر الله ذلك، والخاص أن يُصد واحدٌ من الناس أو جماعة من الناس، فماذا يصنعون؟
لنفرض أن أناسًا تسللوا وجاؤوا بلا جواز فمنعوا هؤلاء، نقول: أُحصروا، لكن لا ينطبق على قول المؤلف هنا؛ لأن المؤلف يقول: (من حصره عدوٌّ) فيرى أن الحصر خاص بالعدو، وأن الحصر بغير العدو ليس له حكم الحصر بالعدو، وسنتكلم على هذا إن شاء الله.
يقول: (أهدى ثم حل، فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل) إن فقد أيش؟
طلبة: الهدي.
الشيخ: الهدي، (صام عشرة أيام ثم حل)، ما هو الدليل؟
الدليل القياس على هدي التمتع، وهذا القياس فيه نظرٌ من وجهين:
الوجه الأول: أن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي ﵌ وهم ألف وأربع مئة نفر أن فيهم الفقراء، ولم يرد أن الرسول قال لهم: من لم يجد الهدي فليصم عشرة أيام، والأصل براءة الذمة.
وأما الوجه الثاني: فلأن الهدي الواجب في التمتع هدي شكران للجمع بين النسكين، أما هذا فهو عكس التمتع؛ لأن هذا حرم من نسكٍ واحد، فكيف يقاس هذا على هذا؟ فلذلك لا يصح القياس ونقول: من لم يجد هديًا إذا أُحصر فإنه يحل ولا شيء عليه.
[ ١ / ٤٠٧٧ ]
وظاهر كلام المؤلف ﵀ هنا أنه لا يجب الحلق ولا التقصير؛ لأنه لم يذكره، بل قال: (أهدى ثم حل)، ولكن الصحيح أنه يجب الحلق أو التقصير؛ لأن النبي ﵌ أمر بذلك، بل إنه غضب لما توانى الصحابة في عدم الحلق (٧)، والصحيح أن الحلق واجب على من؟ على من أحصر، بدلالة القرآن أو بدلالة السنة؟
طلبة: السنة.
الشيخ: بدلالة السنة، القرآن ليس فيه إلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا بد من حلق؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، لكن السنة صرَّحت بذلك؛ بأنه لا بد من الحلق أو التقصير.
إذن الإحصار: منع الإنسان من إتمام النسك، ولكنه على المشهور من المذهب خاص بمنع العدو، وأما غير العدو فإنه لا إحصار فيه؛ كضياع النفقة والمرض ونحو ذلك.
ولكن من حبس بغير حق فهل هو كمن حصر بعدو؟ يقولون: إنه كَمَنْ حُصِرَ بالعدو؛ وذلك لأن هذا الذي حبسه بغير حق اعتدى عليه، فيكون كالذي منعه العدو.
قال: (وإن صُد عن عرفة تحلل بعمرة) إن صُدَّ عن عرفة من أحرم بالحج تحلل بعمرة، والكلام في الأول من صُد عن أيش؟
طلبة: عن البيت.
الشيخ: عن البيت؛ لأن من صد عن البيت لا يمكن أن يتحلل بعمرة؛ لأن العمرة لا بد فيها من طواف، لكن من صُدَّ عن عرفة فقط؛ بأن يكون في عرفة عدوٌّ يمنع الناس من الوصول إليها فهنا يتحلل، يقول: (تحلل بعمرة) يتحلل بعمرة، ولا شيء عليه؟
نقول: إن كان قبل فوات وقت الوقوف فلا شيء عليه، وإن كان بعده -بعد فوات الوقوف- فإنه يقضي؛ لأنه فاته الحج، والأول الذي حصر عن عرفة، ثم لما رأى أنه لا يمكن أن يقف جعلها عمرة لا شيء عليه.
[ ١ / ٤٠٧٨ ]
وعللوا ذلك بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر ما لم يقف بعرفة أو يسق الهدي، كما مر علينا في التمتع، هكذا قالوا ﵏ بأنه إذا صد عن عرفة تحلل بعمرة قبل فوت الوقوف، فإن لم يتحلل إلا بعده صار كمن فاته الوقوف يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم.
(وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) إن حصره مرض، أحرم وهو صحيح يستطيع أن يكمل النسك، فمرض ولم يستطع إكمال النسك، نقول: تبقى محرمًا إلى أن تبرأ من المرض، ثم تكمل، لكن إن فاتك الوقوف فتحلل بعمرة.
وكذلك إذا حصره ذهاب نفقة؛ رجل سرقت نفقته ولم يتمكن من إتمام النسك فإنه يبقى على إحرامه حتى يجد نفقة، ويتمم النسك إذا كان يمكن إتمامه، وإن كان حجًّا وفاته الوقوف فقد فاته الحج.
وكذلك لو ضل الطريق -ضل الطريق؛ يعني: ضاع- فلم يهتد إلى عرفة فإنه يكون كما قال المؤلف: يبقى، أو لا يكون محصرًا إذا فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا حُصِرَ بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني عن أيش؟ عن إتمامهما ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو.
وأما قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فهذا ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وهذه القاعدة أظن مرت علينا: إذا ذُكِرَ حكم عام، ثم عُطِفَ عليه حكمٌ يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص؛ ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هل هذا الحكم يشمل كل المطلقات أو بعضًا منهن؟
طلبة: بعضًا.
الشيخ: من هي؟
طلبة: الرجعية.
[ ١ / ٤٠٧٩ ]
الشيخ: الرجعية، مع أن المطلقة طلاقًا رجعيًّا أو غير رجعي تتربص ثلاثة قروء، فذِكْرُ حكمٍ لبعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص.
لكن هذه القاعدة تنتقض على المذهب بمثال آخر؛ وهو قول جابر ﵁: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة (٨)، الحديث أوله عام ولَّا لا؟
طلبة: عام.
الشيخ: في كل ما لم يقسم؛ كل مشترك لم يقسم ففيه الشفعة، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، هذا حكم لا يتعلق بكل شيء وإنما يتعلق بالعقار، الفقهاء ﵏ خصوا الشفعة بالعقار ولم ينظروا إلى عموم أول الحديث، وهذا ينتقض عليهم في مسألة المطلقات.
في الحصر خصوا الحصر بالعدو؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهذا إشارة إلى أن الحصر في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يراد به الحصر؛ حصر العدو، ولكن الصحيح أنه يشمل الحصر عن إتمام النسك بعدوٍ أو بغير عدو فإنه كما سمعتم.
إذا حُصِرَ عن واجب -ما هو عن ركن- كأن يُمْنَع من الوقوف في مزدلفة فهل يتحلل؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه يمكن جبره بالدم، فلا حاجة إلى التحلل، نقول: تبقى على إحرامك وتجبر الواجب بدمٍ.
ثم قال: (بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) فإن اشترط بأن قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، يحل بدون شيء.
طالب: في مسألة العدو لو قالوا: إن المراد لأن العدو لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى البيت بينما غير ذلك، فإذا انكشف الضلال عن مكة أو وجد نفقة يمكن الوصول إلى البيت؟
الشيخ: إي، لكن إذا فاته الحج؟
الطالب: يتحلل بعمرة، على أساس أن هذا سيتحلل بعمرة.
الشيخ: هو إذا حُصِرَ عن شيء لا يفوت ما يهم.
الطالب: لا يفوت، لا بعد ..
الشيخ: مثل الطواف والسعي لو حُصِرَ عنهما أمكنه أن يقضيهما بعد فوات الحصر.
الطالب: أنا أقصد فاته الوقوف بعرفة، فالآن العدو حصره فلا يمكن أن يصل ..
[ ١ / ٤٠٨٠ ]
الشيخ: حصره أيش؟
الطالب: عن الدخول إلى مكة، فلا يمكن أن يأتي إلى البيت ليطوف للعمرة، بينما لو كان ضالًّا أو ضاعت النفقة، ثم وجدها بعد الوقوف ..
الشيخ: لا، هو على كل حال اللي ما له وقت مسألة الضلال أو المرض الخفيف، هذا يمكن تداركه، لكن إذا كان المرض ثقيلًا.
الطالب: بعمرة يعني؟
الشيخ: بعمرة أو لطواف وسعي الحج، نعم ().
طالب: ()؟
الشيخ: إي، بس هذا غير صحيح.
الطالب: ()؟
الشيخ: أقول: لأن الرسول ﵊ حُصِرَ في الحديبية وذبح في الحديبية (٧).
الطالب: لكن يقول هو ما () استطاع.
الشيخ: من؟
الطالب: ما استطاع بمثل ذلك.
الشيخ: إي، يعني ما أنه يرى أنه إذا استطاع فإنه يجب أن يوصله هذا له وجه؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا فيمن ساق الهدي فحصر فلا بد أن يصل الهدي إلى محله؛ لأنه ساقه للحرم.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، هو الآن -الحمد لله- يعني الحصر هذا قليل.
طالب: الحصر ()؟
الشيخ: إن حصر إذا أمكن في الحرم ما فيه شك أنه أفضل.
طالب: الذي فاته حج التطوع لماذا لا يقاس على الحصر ولا يقضي؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ما يقضي.
الشيخ: لا، هذا قد يكون بتفريطٍ منه.
الطالب: ()؟
الشيخ: حتى بدون تفريط! كيف يكون بدون تفريط؟
الطالب: ().
الشيخ: إذن هذا ينبني على أنه هل هناك حصر بغير العدو؟
طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: يقول: الإمام فاته الوقوف بعرفة وهو في تطوع لماذا لا نجعله حصرًا؟
طالب: ().
الشيخ: يتحلل بعمرة أو ().
الطالب: () الحاج إذا حصر يبرأ قبل يوم النحر.
الشيخ: قبل يوم النحر ولَّا قبل عرفة؟
الطالب: لا، قبل يوم عرفة وقبل يوم النحر.
الشيخ: يعني بعدما انصرف من عرفة حُصِر؟
الطالب: لا، قبل ما حُصِرَ ما وصل مكة () حال.
الشيخ: إي.
الطالب: أرجح ().
الشيخ: في مكان حصره.
الطالب: لو قبل يوم عرفة وقبل ..
[ ١ / ٤٠٨١ ]
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا الهدي عن الإحصار، حتى لو لم يكن معه هدي فإنه لا بد من هدي.
الطالب: ولو قبله، بس أنا اللي يشكل عليَّ الوقت؛ يعني: يوم النحر ويوم عرفة.
الشيخ: لا، هذا دم الإحصار حيث وجد سببه؛ من زمان، أو مكان.
طالب: إذا بدأ في طوافه من المروة.
الشيخ: في طوافه من المروة أو في سعيه؟
الطالب: في السعي.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: من المروة.
الشيخ: يلغى الشوط الأول.
الطالب: () جاهل ما يدري إلا بعدما وصل.
الشيخ: معناه ما طاف إلا ستة أشواط فقط.
الطالب: لا بد أن يتم؟
الشيخ: إي، يلزمه أن يرجع فيتم السعي من أوله.
طالب: شيخ، () من أحرم لحج أن يحرم لعمرة ما لم يقف بعرفة؟
الشيخ: لا، أن يجعله عمرة ما لم يقف بعرفة.
الطالب: طيب إذا كان () وهو محرم () يذهب إلى مكة ويطوف ويسعى.
الشيخ: لا، هذا ما يجوز إلا إذا أراد أن يحج؛ يعني: إن فسخ الحج إلى العمرة جائز بشرط أن يحج.
الطالب: أن يحج، كيف هذا؟
الشيخ: إي، أن يكون متمتعًا؛ يعني: لا يجوز لإنسان أن يفسخ نية الحج إلى عمرة وقد أحرم به إلا إذا كان يريد التمتع.
***
طالب: () والإبل خمسة، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن نصفها، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هو الإحصار؟
طالب: الإحصار: أن يُحْصَر عن دخول مكة؛ يمنع من دخول مكة.
الشيخ: لا.
طالب: الإحصار هو: مانع صاحبه أن يتعرض للحج ..
الشيخ: لا.
طالب: المنع من إتمام النسك.
الشيخ: نعم، منع الإنسان من إتمام النسك، هذا الإحصار، سواء بعدو.
طالب: أو بغيره.
الشيخ: أو بغير عدو، ولا فرق بين أَحْصَرَه وحَصَرَه.
إذا حصل إحصارٌ فما العمل؟
طالب: في الحج إذا حصل إحصار إن اشترط تحلل.
الشيخ: تحلل مجانًا بلا شيء.
الطالب: وليس عليه هدي، أما إذا كان لم يشترط فعليه الهدي.
[ ١ / ٤٠٨٢ ]
الشيخ: نعم، إذا لم يشترط فعليه الهدي.
وهل عليه الحلق؟
الطالب: لا، ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه الحلق، فأمر النبي ﷺ به وغضبه على تأخر الصحابة (٧) لا يدل على الوجوب؟
الطالب: لا، غضب النبي ﷺ على الصحابة؛ لأنهم لم يحلقوا يدل على الوجوب.
الشيخ: طيب، إذن يجب الهدي، ويجب أيضًا الحلق أو التقصير.
هل إذا أُحْصِر وتحلل هل يجب عليه القضاء أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: أُحْصِر ما هو فات، أُحْصِر وتحلل هل يلزمه قضاء النسك الذي أُحْصِر فيه وتحلل منه؟
طالب: لا، ما يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه.
الطالب: إن كان فاته.
الشيخ: ما فاته، بارك الله فيك، افرض أنه أحرم بعمرة الآن في هذا الشهر وأُحْصِر وتحلل هل يلزمه القضاء؟ لا يلزمه، ولا فيه خلاف؟ ولا فيه دليل؟
طالب: () في حال الصحابة () عن النبي ﷺ فإنهم أحصروا ولم يقضوا (٧).
الشيخ: أليس الرسول قضى من العام القادم؟
الطالب: ولكن الصحابة لم يقضوا.
الشيخ: كلهم ما قضوا؟
الطالب: بعضهم، ولو كان وجوبًا لقضوا كلهم.
الشيخ: إي، طيب هذا القول الذي ذهب إليه، ويش تقول؟ يقول: إنه لا يجب القضاء، والدليل أن النبي ﵌ لم يأمر من كانوا معه في الحديبية أن يقضوا.
الطالب: هذا قول يا شيخ.
الشيخ: هذا قول.
الطالب: وهو الراجح.
الشيخ: وهو الراجح.
الطالب: وهناك قول يقول: إنه يجب القضاء.
الشيخ: يجب القضاء.
الطالب: نعم؛ لقول الله ﷾: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فإن حُصِرَ يهدي ويستكمل القادم ().
الشيخ: القول الثاني وجوب القضاء؛ لأنه لما تلبس به صار كالنذر؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فيجب عليه القضاء.
طالب: التفصيل، الحج أو العمرة واجب بأصل الشرع أو بإلزام نفس النذر يجب عليه القضاء إن كان.
[ ١ / ٤٠٨٣ ]
الشيخ: لكن هل يسمى هذا قضاءً، أو يسمى هذا أداءً بالخطاب الأول؟
الطالب: لا، هو يسمى أداء بالخطاب الأول.
الشيخ: طيب، وإن لم يكن واجبًا؛ إن كان تطوعًا ففيه الخلاف الذي سمعتم، والصحيح أنه لا يجب القضاء كما قلنا، الصحيح أن القضاء ليس بواجب، وأن عمرة القضاء ليس معناها العمرة المقضية، وإنما معنى القضاء: المقاضاة؛ وهي المصالحة التي حصلت بين النبي ﷺ وبين قريش، هذا دليل.
الدليل الثاني ولم نذكره أثناء الشرح، وهذا من الإضافات الذي أشار بعضكم تو إلى أنها تفيد، الدليل الثاني: أن الله لم يفرض الحج والعمرة إلا مرة في العمر، فلو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا عليه العمرة أو الحج مرتين أو ثلاثًا أو أكثر.
بماذا يكون الفوات فوات الحج؟
طالب: العمرة لا يتصادف فيها فوات، أما الحج يفوت.
الشيخ: أنا سألتُ: متى يفوت الحج؟
الطالب: بطلوع فجر يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة.
الشيخ: إذا طلع فجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة.
ما هو الدليل على أن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة؟
طالب: قول النبي ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: كمِّل.
طالب: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: إي، «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وقف يوم عاشر صار الحج عرفة، «مَنْ وَقَفَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ» (٤)، هذا هو الشاهد.
إذا فاته الوقوف ماذا يصنع؟
طالب: () اليوم () الليلة.
الشيخ: طلع الفجر وهو ما وصل عرفة وهو محرم بالحج ماذا يصنع؟
الطالب: ().
الشيخ: ماذا يصنع الآن؟
الطالب: يتم الحج.
الشيخ: يتم الحج؛ يعني: يمشي مع الناس؛ يعني: يذهب إلى منى، ويرمي الجمرات، ويبيت في منى؟ !
طالب: يتحلل بعمرة.
الشيخ: نعم، يتحلل بعمرة يعني؟
الطالب: يحجب الحج بعمرة
الشيخ: إي، وماذا يصنع؟
الطالب: يعمل عمل العمرة.
الشيخ: يعمل عمل العمرة فيطوف.
طالب: ويسعى.
[ ١ / ٤٠٨٤ ]
الشيخ: يطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر، طيب وهل يلزمه القضاء؟
طالب: تفصيل؛ إن كان واجبًا فعليه القضاء، وإن كان ..
الشيخ: إن كان واجبًا فعليه القضاء بالخطاب الأول أو قضاء ما فات؟
الطالب: بالخطاب الأول.
الشيخ: طيب، صحيح، كالإحصار.
وإن لم يكن واجبًا؟
الطالب: إن لم يكن واجبًا فليس عليه قضاء، على القول الراجح.
الشيخ: فليس عليه القضاء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: على القول الراجح، ولا فيه تفصيل قبل هذا الكلام؟
طالب: قيل: إنه يبقى على إحرامه.
الشيخ: لا، قبل هذا.
الطالب: القول الثاني: أنه يبقى على إحرامه للعام القادم.
الشيخ: لا، إن اختار، لكن هو ما اختاره.
طالب: إن كان الحج واجبًا.
الشيخ: انتهينا منه، إن كان واجبًا فعليه القضاء بالخطاب الأول. إن كان تطوعًا؟
الطالب: ليس يجب عليه القضاء.
طالب آخر: إن كان واجبًا يجب عليه.
الشيخ: قضينا من هذه لا تجيبونها.
الطالب: وإن كان نفلًا؛ فإن لم يكن اشترط لزمه أن يقضي ..
الشيخ: فإن كان قد اشترط؟
الطالب: لزمه القضاء.
الشيخ: فإن كان قد اشترط؟
الطالب: لا يلزمه القضاء.
الشيخ: نعم، تحلل، ولا شيء عليه. وإن لم يشترط؟
الطالب: فعليه.
الشيخ: فعليه القضاء.
طالب: نعم، صحيح، عليه القضاء.
الشيخ: إذن لا فائدة من الشرح، اتفقتم على هذا؟ إذا كان لم يشترط فقلنا: إن فيه قولين؛ المذهب: وجوب القضاء، والقول الثاني: لا قضاء عليه، ويقال في تعليله ما قيل في تعليل الإحصار؛ أن النبي ﵊ لم يلزم الناس بقضاء العمرة، ولأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه الحج أكثر من مرة.
وبناءً على هذا التعليل ينبغي أن يقال: إن فاته بتفريطٍ منه فعليه القضاء، وإن فاته بغير تفريط منه -كما لو أخطأ في دخول الشهر فظن أن اليوم الثامن وهو التاسع ولم يعلم بثبوته- فإنه لا قضاء عليه.
[ ١ / ٤٠٨٥ ]
وهذا القول الذي الآن فصلنا فيه قولٌ وسط بين قول من يقول: يلزمه القضاء ومن يقول: لا يلزمه القضاء، إذن المذهب وجوب القضاء، والقول الثاني: لا قضاء، وهو الذي قدمه الموفق في المقنع، والقول الثالث الوسط الذي ذكرناه؛ وهو إن كان الفوات بتفريطٍ منه فعليه القضاء، وإن كان بغير تفريط فلا قضاء عليه، وهذا هو القياس التام مع الإحصار، هذا هو القياس التام على الإحصار؛ لأن المحصر مُنع من إتمام النسك بدون اختياره.
هل يكون الحصر بغير العدو؟
طالب: نعم، يكون بضياع النفقة.
الشيخ: يعني بمعنى أنه إذا حُصِرَ بغير العدو يتحلل.
الطالب: نعم.
الشيخ: يتحلل، فإذا حُصِرَ بغير العدو هل يتحلل؟
الطالب: لا.
الشيخ: إلى متى؟
الطالب: متى يزول الرجوع ().
الشيخ: يعني يقف بعرفة في تاسع محرم.
الطالب: لا، إذا كان في فترة الطواف يكون له الرجوع، أما إذا لم يطف فإذا زال عذره أتمه.
الشيخ: إذا زال عذره وأمكنه إتمام الحج أتمه، وإلا صار حكمه حكم ما فاته الحج، أما العمرة فليس لها وقت يبقى محرمًا حتى يجد النفقة أو ما أشبه ذلك، ثم يتم.
القول الصحيح أنه كالإحصار بالعدو؛ إذا حصر بمرض أو ذهاب نفقة فإنه كالإحصار بالعدو يتحلل ويذبح الهدي.
[باب الهدي والأضحية]
ثم قال المؤلف ﵀: (باب الهدي والأضحية) الهدي: كل ما يهدى إلى الحرم من نَعَمٍ أو غيرها؛ يعني: قد يهدي الإنسان نعمًا إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، وقد يهدي غيرها كالطعام، وقد يهدي اللباس.
فالهدي أعم من الأضحية؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام كما سيأتي، وأما الهدي فيكون من بهيمة الأنعام ومن غيرها فهو كل ما يهدى إلى الحرم.
والأضحية: ما يذبح في أيام النحر تقربًا إلى الله ﷿، هذه الأضحية، وسميت بذلك؛ لأنها تذبح ضُحًى حيث تذبح بعد صلاة العيد.
[ ١ / ٤٠٨٦ ]
ثم قال المؤلف: (أفضلها إبل) ولم يبين ﵀ حكم الأضحية، ولكن الأضحية سنة، أجمع المسلمون على مشروعيتها، وهي في كل ملة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].
فهي مشروعة في جميع الملل، وهي سنة بإجماع المسلمين، لكن هل هي واجب، أو سنة يكره تركها، أو سنة لا يكره تركها؟
في هذه أقوال للعلماء؛ المذهب أنها سنة ويكره للقادر أن يدعها، والقول الثاني: أن الأضحية واجبة، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ حيث قال: إن الظاهر وجوبها، وإن من قدر عليها فلم يفعل فهو آثم؛ لأن الله ﷾ ذكرها مقرونة بالصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وأبدى فيها وأعاد في ذكر أحكامها وفوائدها ومنافعها في سورة الحج، وشيء هذا شأنه ينبغي أن يكون واجبًا، وأن يُلزم به كل من قدر عليه، ويكون التارك آثمًا بذلك.
وهو في نفس الوقت أيضًا مع كونه واجبًا -على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- هي أيضًا من نعمة الله على الإنسان أن يشرِّع الله له ما يشارك به أهل موسم الحج؛ لأن أهل موسم الحج لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية.
ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيبًا مما لأهل المناسك، مثل اجتناب الشعور؛ الأخذ من الشعر، والأخذ من الظفر في أيام العشر؛ من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله تعالى بترك الأخذ من هذه الفضلات، ولأجل أن يشاركوا أهل الحج بالتقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي؛ لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها أيش؟
طلبة: بدعة.
[ ١ / ٤٠٨٧ ]
الشيخ: بدعة، ولنُهِيَ الإنسان عنه، لكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة، فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة، أما العاجز الذي ليس عنده إلا مؤونة أهله أو المدين فإنه لا تلزمه الأضحية، بل إن من عليه الدين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية.
ثم هل الأضحية مشروعة عن الأموات أو عن الأحياء؟
الجواب: الثاني؛ مشروعة عن الأحياء؛ إذ لم يرد عن النبي ﵊ ولا عن الصحابة -فيما أعلم- أنهم ضحوا عن الأموات استقلالًا، فإن رسول الله ﵌ مات له أولاد من بنين وبنات في حياته ومات له زوجات ومات له أقارب يحبهم ولم يضحِّ عن واحدٍ منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة، ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أبنائه، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه الرسول ﵊ في سنته قولًا أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.
أما إدخال الميت تبعًا فهذا قد يستدل عليه بأن النبي ﷺ ضحى عنه وعن أهل بيته (٩)، و(أهل بيته) يشمل زوجاته اللاتي متن واللاتي في قيد الحياة، وكذلك ضحى عن أمته (١٠)، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن استقلالًا لا أعلم لذلك أصلًا في السنة؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عن الميت استقلالًا بدعة يُنْهَى عنها.
ولكن القول بالبدعة قولٌ صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عن الميت، وإن كان الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها أو الانتفاع بلحمها؛ ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧]، ولكن أهم شيء فيها التقرب إلى الله بالذبح، هذا أهم شيء، وذكر اسم الله على هذا الذبح.
ثم قال المؤلف في بيان ما تكون به الأضحية؛ يعني: بأي شيء يضحي، هل بكل شيء أو بأشياء خاصة؟ نقول: الأضحية لا بد فيها من شروط.
[ ١ / ٤٠٨٨ ]
الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، فلا بد أن تكون من بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، فلو ضحَّى الإنسان بحيوانٍ آخر أغلى منها لم يجزئ، لو ضحَّى بفرسٍ تساوي عشرة آلاف ريال عن شاة تساوي ثلاث مئة ريال لم يجزئه؛ لأنه لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم.
ثم أيها أفضل الإبل أو البقر أو الغنم؟ أما الهدي فالأفضل فيه الإبل بلا شك؛ لأن النبي ﷺ أهدى إبلًا.
كم أهدى؟ أهدى مئة بعير، وأشرك عليًّا ﵁ في هديه (١١).
وأما الأضاحي فقال المؤلف: إن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ومراده إن أخرج كاملًا فالبعير أفضل من الشاة، أما لو أخرج بعيرًا عن سبع شياه، فسبع شياه أفضل من البعير، لكن إذا أخرج كاملًا فالبعير أفضل، وعللوا ذلك بأنها أكثر نفعًا، إلا في العقيقة فالشاة أفضل من البعير؛ لأنها التي وردت بها السنة، فتكون أفضل من الإبل.
وعلى هذا فالدماء التي يُتقرب بها إلى الله الهدي والأضحية والعقيقة، أما الهدي فأفضله الإبل بلا شك؛ لأن الرسول ﷺ أهدى إبلًا كما أهدى غنمًا (١٢)، أيضًا وأهدى غنمًا بعث بها من المدينة، لكن في حجة الوداع أهدى إبلًا.
الأضحية نقول: الأفضل فيها الإبل إن أخرج؟
طلبة: كاملًا.
الشيخ: كاملًا؛ لأنها أكثر نفعًا، أما إذا ضحى بسبع بدنة أو بقرة فالشاة أفضل، أما في العقيقة فالأفضل الشاة، حتى لو ذبح بعيرًا كاملة فالأفضل الشاة؛ لأنها هي التي جاءت بها السنة.
[ ١ / ٤٠٨٩ ]
(أفضلها إبل، ثم بقر، ثم غنم) والغنم يشمل الضأن والمعز، ثم قال (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن) وهذا الشرط الثاني من شروط الأضحية؛ أن تكون قد بلغت السن المعتبر شرعًا، فإن كانت دونه لم تجزئ؛ لقول النبي ﵌: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (١٣)، فقوله: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً» أي: مثنية ثنية، «إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ»، هذا شرط أن تبلغ أيش؟ السن المعتبر شرعًا.
فإن كان دون ذلك فإنها لا تجزئ؛ ولهذا لما قال أبو بردة بن نيار ﵁: يا رسول الله، إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (١٤)، والعناق هي: الصغيرة من المعز التي لها نحو أربعة أشهر، قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، وهذا يدل على أنه لا بد من بلوغ السن المعتبر شرعًا.
وهذا يدلنا –يعني: اشتراط أن تكون من بهيمة الأنعام وأن تبلغ السن المعتبر شرعًا- على أنه ليس المقصود من الأضحية مجرد اللحم/ وإلا لأجزأت للصغير والكبير، فما هو السن في الإبل؟
قال المؤلف: (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن وثني سواه) ودليله ما ذكرته آنفًا حديث جابر أخرجه مسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ».
فالإبل يعني السن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين، فما دون الخمس لا يجزئ؛ لأن الإبل لا تثني إلا إذا تم لها خمس سنين.
(ولبقر سنتان ولمعز سنة ولضأنٍ نصفها) يعني: نصف سنة؛ ستة أشهر، فهل يجزئ لو سألك سائل: هل يجزئ من الغنم ما له ثمانية أشهر؟
طلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟
طالب: إن كان من الضأن.
الشيخ: إن كان من الضأن فنَعَمْ.
الطالب: () من المعز.
[ ١ / ٤٠٩٠ ]
الشيخ: وإن كان من المعز؟
طلبة: فلا.
الشيخ: فلا؛ لأنه لا بد أن تكون ثنية.
وذكر بعض العلماء أن من علامات إجزاء الضأن أن ينام الشعر على الظهر؛ لأن الخروف الصغير يكون شعره واقفًا، فإذا بدأ ينام فهذا علامة على أنه صار جذعًا.
فإذا قال قائل: إذا كان الإنسان هو الذي ولَّد هذه البهائم فسيعلم المدة، لكن إذا كان الذي ولَّدها غيره واشتراها من السوق، فهل يكتفي بقول البائع أو لا بد أن يقول للبائع: ائتِ بشهود؟
طلبة: الأول.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إن كان البائع ثقة فإن قوله مقبول؛ لأن هذا خبرٌ ديني، كالخبر بدخول وقت الصلاة أو غروب الشمس في الفطر، وما أشبه ذلك.
وإن كان غير ثقة وهو من البدو الجفاة الذي يقول: أُقسم بالله أن لها سنة وشهر المعز، وأتى بالشهر؛ للدلالة على الضبط وليكون أقرب للتصديق، لكننا لا نثق به فإنه لا يُصَدَّق، لا سيما إذا وجدت القرينة تدل على كذبه؛ كصغر البهيمة.
فصار إخبار البائع عن بلوغ السن المعتبر شرعًا إن كان البائع ثقة قَبِلْنَاه؛ لأنه خبر ديني يقبل فيه خبر الواحد، وإن لم يكن ثقة فإننا لا نقبل، ولكن لو كان الإنسان نفسه يعرف السن بفر أسنانها والاطلاع على أسنانها أو ما أشبه ذلك فإنه كافٍ، كم شرطًا ذكرنا؟
طلبة: اثنان.
الشيخ: شرطين؛ الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، والثاني: بلوغ السن المعتبر شرعًا. والشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء. والشرط الرابع في الأضحية: أن تكون في وقت الذبح. الشروط في الأضحية أربعة.
أما الهدي فإنه لا يشترط له وقت معين إلا من ساق الهدي في الحج فإنه لا يذبحه قبل يوم النحر، وأما من ساق الهدي في العمرة فيذبحه حين وصوله.
قال المؤلف: (وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة) (تجزئ الشاة عن واحد) يعني: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزئ عنه وعن أهل بيته أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته.
[ ١ / ٤٠٩١ ]
وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، ما هو الدليل للأول؟
الدليل للأول: أن النبي ﵌ كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته (١٥).
والدليل للثاني: حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: نحرنا في عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (١٦).
وقول المؤلف: (عن سبعة) أي: سبعة رجال، فإذا كان الإنسان يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فإنه يضحي بالسُّبع عنه وعن أهل بيته؛ لأن هذا تشريك في الثواب، والتشريك في الثواب لا حصر له، فها هو النبي ﵊ ضحَّى عن كل أمته، وها هو الرجل يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ولو كانوا مئة، أما التشريك في المُلك فلا تزيد على سبعة؛ يعني: لو اشترك ثمانية في بعير قلنا: لا يجوز، لا بد أن يخرج واحد منكم، ولكن بماذا يخرج؟
إن رضي أحد منهم أن يخرج فهذا هو المطلوب، وإلا فالأخير هو الخارج، فإن لم يُعلم الأخير فالقرعة، لكن لو ذبحوها فبانوا ثمانية فماذا يصنعون؟ قيل: يذبحون شاة واحدة لتكمل للثامن.
ويحتمل أن يقال: يقترعون، فمن خرج بالقرعة خرج وذبح شاة وحده.
البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة رجال أو تجزئ عن سبع شياه؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإذا قلنا بالثاني قلنا: إذا كانت الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته في الثواب فكذلك يجزئ سبع البدنة وسبع البقرة عنه وعن أهل بيته.
وقوله: (البدنة والبقرة عن سبعة) يستثنى من ذلك العقيقة، فإن البدنة لا تجزئ فيها إلا عن واحد فقط، ومع ذلك فالشاة أفضل، لماذا؟ قالوا: لأن العقيقة فداء نفس، والفداء لا بد فيه من التقابل والتكافؤ، فتفدى نفس بنفس.
ولو قلنا: إن البدنة عن سبعة لفديت النفس بسبع نفس؛ ولهذا قالوا: لا بد من العقيقة بها كاملة، وإلا فلا تجزئ.
وإذا كان عند الإنسان سبع بنات وكلهن يحتجن إلى عقيقة فذبح بدنة عن السبع؟
طلبة: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لا تجزئ، ولكن هل تجزئ عن واحدة؟
[ ١ / ٤٠٩٢ ]
طلبة: نعم.
الشيخ: أو نقول: هذه عبادة غير مشروعة لهذا الوجه، فتكون بعير لحم، ويذبح عقيقة لكل واحدة؟
الثاني هذا أقرب؛ أن نقول: إنها لا تجزئ عن الواحدة منهن؛ لأنها على غير ما وردت به الشريعة، فيذبح عن كل واحدة شاة، وهذه البعير التي ذبحها تكون ملكًا له؛ له أن يبيع لحمها؛ لأنه تبين أنها لم تصح على أنها عقيقة.
ذكرنا الشرط الثالث السلامة من العيوب المانعة في الإجزاء، فما هذه العيوب؟
قال: (ولا تجزيء العوراء ولا العجفاء ولا العرجاء ولا الهتماء ولا الجداء ولا المريضة ولا العضباء) كم هذه؟ سبع، ومعلوم أن رفع الإجزاء عن البهيمة يحتاج إلى دليل؛ لأن البهيمة إذا توافرت فيها أوصاف القبول فإننا لا نرفع حكم هذه الأوصاف -وهو القبول- إلا بوجود مانع من الشارع صحيح، فلننظر قوله: (لا تجزيء العوراء ولا العجفاء ولا العرجاء ولا المريضة) أسقطنا الهتماء، هذه الأربع عيوبها نص عليها النبي ﵊؛ فقد سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فقال: أربع، وأشار بأصابعه؛ العوراء (١٧)، لكن النبي ﵌ قيدها بأنها بينة العور العوراء البين عورها، وهل هناك عورة غير بين عورها؟ نعم، لو فرضنا أنها لا تبصر بإحدى عينيها، ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة.
ولا تُجْزِئُ العَوراءُ والعَجْفاءُ والعَرجاءُ والْهَتْمَاءُ والْجَدَّاءُ والمريضةُ والعَضْبَاءُ بل الْبَتْرَاءُ خِلْقَةً والْجَمَّاءُ وخَصِيٌّ غيرُ مَجبوبٍ وما بأُذُنِه أو قَرْنِه قَطْعٌ أَقَلُّ من النِّصْفِ.
و(السُّنَّةُ) نَحْرُ الإبِلِ قائمةً مَعْقُودَةً يَدُها الْيُسْرَى فيَطْعَنُها بالْحَرْبَةِ في الْوَهْدَةِ التي بينَ أَصْلِ العُنُقِ والصدْرِ، ويَذْبَحُ غَيْرَها، ويَجوزُ عَكْسُها، ويقولُ " باسمِ اللهِ واللهُ أَكْبَرُ،
[ ١ / ٤٠٩٣ ]
فلننظر قوله: (لا تجزئ العوراء، ولا العجفاء، ولا العرجاء، ولا المريضة) أسقطنا الهتماء، هذه الأربع عيوبها نص عليها النبي ﵊، فقد سُئل ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعٌ»، وأشار بأصابعه (١).
(العوراء) لكن النبي ﵌ قيَّدها بأنها بَيِّنة العور، «الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا». وهل هناك عوراء غير بَيِّن عورها؟ نعم، لو فرضنا أنها لا تبصر بإحدى عينيها، ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة، فهذه عوراء ولم يتبيَّن عورها.
(فتجزئ) لكن السلامة من هذا العور أولى، وهل يقاس عليها العمياء؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، لأنه إذا كان فقد العين الواحدة مانعًا ففقد العينين الاثنتين من باب أولى.
وقال بعض العلماء -أهل الاستحسان بالعقول- قالوا: إن العمياء تجزئ، وإن كانت العوراء لا تجزئ؛ لأن العوراء إنما مُنع منها لكون رعيها ناقصًا ترعى من جانب واحد، أليس كذلك؟ وأما العمياء فإن صاحبها سوف يُغدق عليها العلف فلا يلحقها نقص فتكون كالبصيرة.
وهذا قياس غريب، ومعنى عجيب، يقال: هل هذه الشاة مثلًا؟ هل هي معيبة أو غير معيبة؟
طلبة: معيبة.
الشيخ: كل الناس يقولون: معيبة، بعيب أقبح من العور أو دون العور؟
الطلبة: أقبح.
الشيخ: أقبح، انتهى هذا قياس أوْلى؛ يعني تامًّا فيه أركان القياس. فالصواب: أن العمياء لا تجزئ.
(ولا العجفاء) وهذه جاء بها النص، العجفاء هي الهزيلة التي لا مُخَّ فيها، عرفتم؟ المخ مع الهزال يذوب، ويبقى داخل العظم أحمر ما فيه مخ، هذه لا تجزئ؛ لأنها ضعيفة البنية كريهة المنظر؛ فلا تجزئ.
الهزيلة التي فيها مخ؛ يعني إلى الآن لم يصل الهزال إلى ما داخل العظم، هزيلة، لكن فيها مخ، تجزئ أو لا؟ نعم، تجزئ؛ لأن الرسول ﵊ قال: «وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (١)، قال العلماء: معنى (لا تنقي) أي ليس فيها نِقيٌ، والنِّقْي المخ.
[ ١ / ٤٠٩٤ ]
يقول أهل الخبرة: إنه إذا جاء الربيع بسرعة، وكانت الغنم هزالًا ورَعَت من الربيع فإنها تبني شحمًا قبل أن يتكون فيها المخ، فهل هذه التي بنى الشحم عليها دون أن يكون لها مخ، هل تجزئ؟
طالب: لا، ما تجزئ.
الشيخ: إن النبي ﷺ قال: «الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي». وهذه الآن ليست عجفاء، هي سمينة الآن، لكن لم يدخل السمن إلى داخل العظم حتى يتكون المخ، فنقول: إن النبي ﵊ وصفها بوصفين: عجفاء، وليس فيها مخ، وهذه ليست بعجفاء فتجزئ.
(ولا العرجاء) ().
***
هذا أعطاني السؤال يقول بالنسبة للصدقة هكذا؟
طالب: الصدقة عن الأموات ..
الشيخ: عن الأموات عندنا في السودان تخصيص يوم كذلك.
الطالب: يخصص لها يوم.
الشيخ: إي نعم، يخصص لها يوم كذلك آخر جمعة من رمضان، فهل يشرع هذا؟
لا، هذا غير مشروع؛ لأنك لا تخصص يومًا أو مكانًا لعبادة إلا بدليل.
طالب: شيخ، السن في الضأن.
الشيخ: أيش؟
الطالب: السن المجزئ في الضأن لحديث المغيبة للعذر، وهنا أطلق هنا ..
الشيخ: إي، هذا إشكال جيد، لكن قال العلماء: إنها تقيدها بعسر من جهة الأفضل، أن الثنية أفضل، ولو كانت الجذعة ليست محلًّا قابلًا للأضحية، ما أجزأت عند العسر، ولهذا لو كان عند الإنسان أقل من الجذع وهو مُعسِر لم يجزئه، فقالوا: إن تقييدها بالإعسار هو من باب الأفضلية فقط.
الطالب: إذا كان غير معسر يجزئه؟
الشيخ: يجزئه، لكن الأفضل الثنية.
طالب: في الحج والعمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا مجرد ().
الشيخ: لا، إذا اشترط ما فيها شيء يتحلل مجانًا في الإحصار، وفي الفوات.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا لو شخص يريد أن يشتري ضأن غنم، لا بد أن ننظر للبائع، ولكن في هذا الزمان مستحيل، هذا الشرط يكون في مشقة على الناس.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: قلما نجد الآن ثقة في البائع، يعني يكون فيه مشقة على الناس؟
الشيخ: يعني الإخبار بالسن؟
[ ١ / ٤٠٩٥ ]
الطالب: إي نعم، يكون فيه مشقة في هذا الزمان.
الشيخ: ليش؟
الطالب: أقول: يكون فيه مشقة.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: إلا من رحم الله نجد الآن ثقة.
الشيخ: يعني مشقة الثقة بس؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، إذا كان شككت في ثقته، فإن كان عندك خبرة أنت فافتح فمها وتعرفها.
الطالب: ولكن لو كان الشخص ما عنده خبرة؟
الشيخ: لا يمكن أن تعتمد على قول ليس بثقة أبدًا.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: هذا قول أن يراد به سنة، إذا اجتمع () في بدنة.
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في بدنة، هل يشرع ()؟
الشيخ: لا.
الطالب: إذا أخذه على أنه سُنة.
الشيخ: أيوه، الأضحية سُنة؛ لأن الأضحية لها شروط، من شرطها أن تكون في العدد المحدد.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ذكرت هزيلة، ولو ما خرجت، قلت: تجزئ؟
الشيخ: ما تجزئ.
الطالب: ما تجزئ؟
الشيخ: لا.
الطالب: ذكرت ()، لكن تجزئ الهزيلة؟
الشيخ: تجزئ.
الطالب: أليس عيبًا الهزل؟
الشيخ: لا، الهزال عيب في البيع والشراء، وليس عيبًا في الشرع في التضحية، ولذلك تجد العور عيب في الشراء، العور اللي غير بين عيب في الشراء، وليس عيبًا في الأضحية.
طالب: في بعض البلدان الإسلامية قبل أداء الأضحية يزينون الشاة كجعل الحناء على رأسها، وكذا.
الشيخ: يزينون أيش؟
الطالب: الشاة مثلًا يزينونها بالحناء وبعض اللون.
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: هل يجوز هذا يا شيخ؟
الشيخ: ويلبسونها الحلي؟
طالب آخر: الحناء فقط.
الطالب: ما حكم هذا يا شيخ؟
الشيخ: هذه -بارك الله فيك- تُفعل عندنا على أنها للتمييز، إذا اجتمعت أضاحٍ لزيد وعمرو وبكر وخالد، وضعوا الحناء للتمييز فقط، هذا ما فيه بأس، أما للتجميل لا، ما هو مشروع.
الطالب: يزينون الأضحية لهذا يعني؟
الشيخ: لا، غير مشروع.
طالب: شيخ، إذا وصَّى الميت؟
الشيخ: إذا وصى الميت بها فإنه يُضحى له.
الطالب: ولم يترك مالًا؟
الشيخ: لا، ما يلزمهم شيء.
طالب: إذا () فلا بأس.
[ ١ / ٤٠٩٦ ]
الشيخ: لا، كما قلت لك، يُضحي عن نفسه وأهل بيته ومنهم الميت هذا.
طالب: العوراء -يا شيخ- ذهاب الرؤية هنا بالعين؟
الشيخ: البين عورها؟ البين عورها هي التي تكون عينها ناتئة أو غائرة.
الطالب: إن كانت موجودة يا شيخ، لكن لا ترى.
الشيخ: هذه عوراء، لكن ليس عورها بينًا.
طالب: الأضحية هي الناتئة، والتي لا مخ لها، كيف يتبين لنا؟
الشيخ: الناتئة، كيف الناتئة؟
الطالب: التي لا مخ لها.
الشيخ: إي، العجفاء، اللي ما فيها مخ، يتبين، لا يمكن أن تتبين إلا بعد الذبح، لكن الغالب أن التي لا مُخَّ فيها وهي هزيلة، الغالب أنك تجدها ضعيفة مشيها رديء وكأنها مريضة.
الطالب: ممكن يظن أن هي هزيلة.
الشيخ: هي هزيلة، ما فيها لحم، ما فيها إلا جلد على عظم، لكن هي اللي ما فيها مخ، تكون نفسها أيضًا، ما تمشي وتعبانة دائمًا.
طالب: وهو شكلها شكل المريض ().
الشيخ: ويش تقولون فيها؟
طلبة: ().
الشيخ: يقول: هل الحولاء كالعوراء؟
طالب: الحولاء؟
الشيخ: إي، الحولاء.
الطالب: ليست كالعوراء.
الشيخ: لا، ما هي كالعوراء.
طالب: لو كان الاثنتين.
الشيخ: لو الاثنتان نعم، إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: أولًا: ما أظن بتثبت لي أن شاةً حولاء!
طالب: شيخ -بارك الله فيك- حتى لو انخسفت، لكنها ترى؟
الشيخ: ترى وانخفست؟
الطالب: لا، ناتئة أو منخسفة؟
الشيخ: هذه ليست عوراء؛ لأنها ترى بعينيها.
الطالب: ألسنا نميز بعدم الرؤية؟
الشيخ: لكن الحديث قيدها: «الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا» (١).
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
[ ١ / ٤٠٩٧ ]
ولا تجزئ العوراء، والعجفاء، والعرجاء، والهتماء، والجداء، والمريضة والعضباء، بل البتراء خِلقة والجماء، وخصي غير مجبوب، وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف، والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ويذبح غيرها، ويجوز عكسها ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد سبق أن للأضحية شروطًا: الأول؟
طالب: الأول تكون من بهيمة الأنعام.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي الإبل، والبقر، والغنم، وتشمل الماعز والضأن.
الشيخ: نعم، هل تجزئ الأضحية بالفرس؟
طالب: لا، ما تجزئ.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنها ليست من بهيمة الأنعام.
الشيخ: هل هناك دليل على أنها إذا لم تكن من بهيمة الأنعام لا تجزئ؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ولكلٍّ جعلنا.
الشيخ: حديث عائشة أصل من أصول الدين: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا».
الطالب: «لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا».
الشيخ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢)، الشرط الثاني؟
طالب: السلامة من المرض، وما أشبه ذلك.
الشيخ: السلامة من المرض، وما أشبه ذلك، ما يكفي هذا.
الطالب: أقول: ما ثبت فيها عن السن المحدد لها شرعًا.
الشيخ: عدلت عن الشرط هذا؟ عن السلامة، نحن نريد أن نأخذها شرطًا شرطًا.
الطالب: نقول: السن المحدد لها شرعًا.
الشيخ: أيش ما؟
الطالب: يعني.
الشيخ: الشرط الثاني أن تبلغ.
الطالب: السن المحدد لها شرعًا.
الشيخ: نعم، ما هي؟
الطالب: أربعة، لها ستة أشهر.
الشيخ: كمِّل.
الطالب: والمسنة.
الشيخ: لها سبعة شهور.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، والثَّنيَّة لها تسعة شهور.
الطالب: لا.
الشيخ: كم؟ سنة.
الطالب: سنة.
الشيخ: أن تبلغ السن المعتبر شرعًا.
[ ١ / ٤٠٩٨ ]
طالب: وهو ما كان للظأن ما بلغ ستة أشهر؛ يعني الجذع من الضأن، وفي البقر.
الشيخ: والثني مما سواه.
الطالب: إي نعم، والبقر.
الشيخ: طيب الإبل؟
الطالب: الإبل ما كان له أو ما تم له خمس سنين.
الشيخ: والبقر؟
الطالب: سنتان.
الشيخ: والمعز؟
الطالب: سنة.
الشيخ: تمام، والضأن نصف سنة، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: قول الرسول ﷺ إلى أن ().
الشيخ: لا، نريد أمر الرسول، أول الحديث.
الطالب: ().
الشيخ: ويش هو الحديث؟ وأين المستثنى منه: «إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ»، هذا استثناء، أين المستثنى منه؟
طالب: قول النبي ﷺ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً» (٣).
الشيخ: «جَذَعَة» منين؟
الطالب: «مِنَ الضَّأْنِ».
الشيخ: نعم، الشرط الثالث؟
طالب: تكون خالية.
الشيخ: أن تكون سالمةً.
الطالب: سالمةً من العيوب المانعة.
الشيخ: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء شرعًا. هل هناك ارتباط بين العيب العرفي والشرعي في هذه المسألة؟
طالب: لا، ليس هناك ارتباط.
الشيخ: لا ارتباط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: مَثِّل بمثال يتضح به الافتراق.
الطالب: مثل العور قد تكون الشاة عوراء عرفًا التي يكون في عينها بياض قليل، ولكنها ليست عوراء شرعًا، لكنها ترى.
الشيخ: العوَر الذي ليس بِبيِّن عيب عرفي تُرد به البهيمة، وليس عيبًا.
الطالب: شرعيًّا.
الشيخ: شرعيًّا، فتقبل فيه البهيمة، تمام.
العيوب المانعة من الإجزاء هو الشرط الثالث، الشرط الرابع؟
طالب: أن تكون في الوقت المحدد.
الشيخ: أن تكون في الوقت المحدد للأضحية، وما هو؟
الطالب: للأضحية، الوقت المحدد شرعًا.
الشيخ: إي، ما هو الوقت؟
الطالب: تكون بعد الصلاة.
الشيخ: من بعد صلاة عيد الفطر.
الطالب: عيد الأضحى.
الشيخ: عيد الأضحى، طيب إلى؟
الطالب: أيام التشريق.
الشيخ: إلى آخر أيام التشريق، هذا الصحيح.
[ ١ / ٤٠٩٩ ]
نرجع الآن إلى العيوب التي تَمنع من الإجزاء: العوراء البَيِّن عورها، متى يكون العور بيِّنًا؟
طالب: إذا كانت العين، إما ناتئة أو غائرة.
الشيخ: طيب، فإن كانت قائمة، لكن لا تُبصر بها.
الطالب: ليس بيِّنًا.
الشيخ: فتجزئ؟
الطالب: تجزئ في الأضحية.
الشيخ: نعم، لكن غيرها أكمل منها. (العجفاء) ما معناها؟
طالب: الكبيرة.
الشيخ: الكبيرة؟
الطالب: هرمة.
الشيخ: الهرمة؟
الطالب: التي لا مخ فيها، الهزيلة!
الشيخ: الهزيلة.
الطالب: التي لا مخ فيها.
الشيخ: التي لا مخ فيها، طيب أحسنت، هل المراد لا مخ في رأسها أو في قوائمها؟
طالب: في عظمها.
الشيخ: القائمة، والرأس؟
الطالب: إن لم يكن في قوامها، ففي رأسها من باب أولى!
الشيخ: لا، ما يصح، ما تقولون أنتم؟ في القوائم ولا في الرأس؟
طلبة: في القوائم.
الشيخ: في القوائم؛ لأنه لا يمكن أن يخلو الرأس من المخ، لو خلا من المخ لهلكت.
إذا كانت سمينة ولا مخ فيها، وهذا يحدث -كما يقول أهل الخبرة- فيما إذا أجدبت الأرض، ثم جاء الربيع بسرعة؛ فإنها إذا أكلت الربيع بنت الشحم، ولكن يبقى عظمها خاليًا من المخ، هل تجزئ أو لا؟
طالب: تجزئ.
الشيخ: تجزئ، الدليل من الحديث.
الطالب: من اشترى شاة عجفاء، لكن لا مخ فيها، هذه ليست عجفاء، ليس ().
الشيخ: قال التي: «الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (١) طيب، وهذه؟
الطالب: هذه ليست عجفاء.
الشيخ: ليست عجفاء، هي لا تُنقي صحيحة، لكنها ليست عجفاء، أحسنت.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا العرجاء)، ولكن النبي ﵌ اشترط أن يكون عرجها بينًا، وما هو الضابط للعرج البين؟
قال العلماء: إذا كانت لا تطيق المشي مع الصحيحة، فهذه عرجها بَيِّن، أما إذا كانت تهمز، لكنها تمشي مع الصحيحة، فهذه ليس عرجها بينًا، لكن كلما كملت فهو أحسن.
[ ١ / ٤١٠٠ ]
إذن العرجاء ليس على إطلاقها كما قال المؤلف، المراد: العرجاء البَيِّن ظلعها بحيث لا تطيق المشي مع الصحيحة. والحكمة من ذلك أن البهيمة إذا كانت على هذه الصفة فإنها قد تتخلف عن البهائم في المرعى، ولا تأكل ما يكفيها، ويلزم من ذلك أن تكون هزيلة في الغالب.
قال: (ولا الهتماء) (الهتماء) هي التي ذهبت ثناياها من أصلها، أسنانها ذهبت من أصلها الثنايا فقط؛ وذلك لأنها إذا ذهبت ثناياها من أصلها تشوهت خلقتها من وجه، وصارت غير مستطيعة لخرط الورق من الشجر؛ لأنها ليس لها ثنايا فلا تكاد تأخذ حظها من الرعي، وما ذهب إليه المؤلف في الهتماء قول مرجوح.
والصواب أنها تجزئ، لكن كلما كانت أكمل فهو أفضل، ووجه إجزائها أن النبي ﵌ سئل: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعٌ». وأشار بيده أربع (١)، وليست هذه -أعني الهتماء- من الأربع، ولا بمعنى واحدة منها، وعليه فالصواب الإجزاء، لكن كلما كانت أكمل فهي أفضل، وقبل أن نذهب بعيدًا ننظر إلى أن نُفرِّع على العرجاء، العرجاء لا تجزئ، لكن مقطوعة إحدى القوائم، أتجزئ؟
طلبة: لا تجزئ من باب أولى.
الشيخ: نعم، لا تجزئ من باب أولى، الزمنى تجزئ؟
طلبة: لا تجزئ.
الشيخ: الزمنى؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: الزمنى التي لا تستطيع المشي إطلاقًا.
طالب: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ، لكن يقال فيها ما يقال في العمياء، فالذين قالوا بإجزاء العمياء -وقولهم ضعيف جدًّا- يقولون بإجزاء الزمنى؛ لأن الزمنى يؤتي إليها بعلفها، فلا يكون عليها قاصر، لكن هذا قول ضعيف، وخلاف القياس الصحيح؛ لأن الرسول ﵊ ينبه بالأدنى على ما هو أعلى منه، فإذا كانت العرجاء لا تجزئ، إذا كان عرجها بينًا، فمقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين، أو الزمنى التي لا تمشي إطلاقًا من باب أولى، أما كون السهل تجزئ معه الأضحية فلأن هذا لا يسلم منه غالبًا شيء فسُمح فيه.
[ ١ / ٤١٠١ ]
قال المؤلف: (ولا الجداء) الجداء لا تجزئ أيضًا، والجداء: هي التي نشف ضرعها، يعني مع الكبر صار لا يُدر، فضرعها ناشف فلا تجزئ، وإن كان الضرع باقيًا بحجمه لم يضمر فإنها لا تجزئ.
ولكن هذا القول مرجوح أيضًا؛ لأنه لا دليل على منع التضحية بها، وإذا لم يكن على ذلك دليل فالأصل الإجزاء، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أنها تُجزئ.
(ولا المريضة) (المريضة) لا تُجزئ، ولكن هذا الإطلاق مقيد بما إذا كان المرض بيِّنًا، وبيان المرض إما بآثاره وإما بحاله؛ أما آثاره فأن تظهر على البهيمة آثار المرض من الخمول، والتعب السريع، وقلة شهوة الأكل، وما أشبه ذلك، هذا مرض بَيِّن، هذه آثار، وأما الحال فأن يكون المرض من الأمراض البينة كالطاعون وشبهه، وإن كانت نشيطة فإنها لا تُجزئ.
ولهذا قال العلماء -علماء الحنابلة-: إن الجرب مرض، مع أن الجرب لا يؤثر تأثيرًا بَيِّنًا على البهيمة، ولا سيما إذا كان يسيرًا، لكنهم قالوا: إنه مرض بَيِّن، ثم إنه مفسد للحم فلا يجزئ.
وعدم إجزاء المريضة بالنص والمعنى؛ النص: قول الرسول ﵊: «الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا» (١)، والمعنى: لأن اللحم لحم المريضة يُخشى على الإنسان من أكله أن يتأثر به. المبشومة، هل تجزئ أو لا؟ المبشومة تجزئ؟
طلبة: نعم، تجزئ.
الشيخ: هل تعرفون المبشومة، ما هي؟
طالب: التي تأثرت بالأكل.
الشيخ: صحيح، بعض الغنم إذا أكل التمر انبشم، انتفخ بطنه، ولم تخرج منه الريح، ولا يُعلم أنه سلم من الموت إلا إذا ثلط؛ يعني إذا تبرز، ولهذا نقول: المبشومة مرضها بَيِّن ما لم تثلط.
من أخذها الطلق، هل مرضها بَيِّن؟
الظاهر أنها ليست ببين؛ لأن هذا الشيء معتاد، اللهم إلا أن تصل إلى حالة خطِرة كأن تتعسر الولادة، ويُخشى من موتها، فحينئذٍ تُلحق بذات المرض البَيِّن.
المغمى عليها، سقطت من أعلى فأُغمي عليها؟
طالب: لو أفاقت تجزئ.
[ ١ / ٤١٠٢ ]
الشيخ: إذا أفاقت لم تكن مغمى عليها، لكن ما دامت في إغمائها فإنها لا تجزئ؛ لأن مرضها بَيِّن.
قال المؤلف: (ولا العضباء) العضباء: هى التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، هذه هي العضباء؛ يعني: ما ذهب أكثر أذنها طولًا أو عرضًا أو قرنها كذلك فإنها لا تجزئ؛ لأن النبى ﷺ نهى عن أعضَب الأُذُن والقَرْن (٤)، والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء، فإذا ضحى بعضباء -عضباء الأذن أو عضباء القرن- فإنها لا تجزئ.
وقال بعض العلماء: إنها تجزئ، لكنها مكروهة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن في صحة الحديث نظرًا، والأصل عدم المنع حتى يقوم دليل على ذلك، إلا أنها تكره؛ لأن النبى ﷺ أمر أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بالمقابلة، ولا المدابرة، ولا الخرقاء (٥).
يقول: (ولا العضباء، بل تجزئ البتراء خِلقة) أو مقطوعًا أنا عندي (خلقة) بالمتن، أو مقطوعًا بالشرح.
تجزئ البتراء التي ليس لها ذنب، لكن الماتن قيدها بأن يكون ذلك خلقة؛ يعني خُلقت بلا ذَنب فإنها تجزئ، ومفهوم كلام الماتِن أنه لو قطع فإنها لا تجزئ قياسًا على مقطوعة الأذن، بل أوْلى من قطع الأُذن؛ لأنها تستفيد من الذيل أكثر مما تستفيد من الأذن، وإن كان لكل منهما مصلحة ومنفعة، لكن الذيل له منفعة كبيرة، فلهذا فرق بعض العلماء بين ألا يكون لها ذنب خلقة أو مقطوعًا.
وقال: أما ما ليس لها ذنب خلقة فإنها تجزئ كما تجزئ الصمعاء -وهى صغيرة الأذن- والجماء وهي التي ليس لها قرن، فكذلك البتراء خلقة، وأما ما قطع ذنبها فلا تجزئ.
ولكن الصحيح أنها تجزئ البتراء التي لا ذنب لها خلقةً أو مقطوعًا كالأذن تمامًا.
فأما مقطوع الأَلْية فإنه لا يجزئ؛ لأن الألية ذات قيمة ومرادة مقصودة، وعلى هذا، فالضأن إذا قطعت أليته لا يجزئ، والمعز إذا قطع ذنبه يجزئ.
[ ١ / ٤١٠٣ ]
ولكن هنا إشكال؛ وهو أن بعض أهل الخبرة يقولون: إن قطع الألية من مصلحة البهيمة؛ لأن الشحم التي يتكدس في الألية إذا لم يكن لها ألية عاد إلى الظهر، وانتفعت البهيمة به مع الخفة؛ خفة البهيمة وعدم تعرضها للتعب؛ لأن بعض البهائم -الضأن تكبر أليتها كبيرة جدًّا حتى تنفعص -كما يقول أهل الخبرة- تدمر رجلاها من ثقل هذا الشحم، ولكن ظاهر كلام الفقهاء أنها لا تجزئ مطلقًا، أعني مقطوعة الألية، وبناءً عليه نسأل عن الأسترالي، الأسترالي تعرفونه ليس له ألية مقطوعة، هل يجزئ أو لا؟
طالب: يجزئ.
الشيخ: كيف يجزئ؟ قررنا الآن أن مقطوع الألية لا يجزئ.
طلبة: هذا خلقته.
الشيخ: لا، ما هو خلقه.
طالب: الذيل يا شيخ.
الشيخ: هذا هو الواقع، الواقع أن الأسترالي ليس له ألية، له ذيل كذيل البقرة، ليس به يعني شيء مراد فيشبه ما قاله الفقهاء من البتراء؛ أنها تجزئ خلقة كانت أو مقطوعة، وقد شاهدنا ذلك، شاهدناه من وجهين:
الوجه الأول: إنه أحيانًا يرد فيما يرد ما لم يُقطع ذيلها من الأستراليات، وأحيانًا يكون فيه أنثى أسترالية فينزو عليها الذكر من الضأن هنا، وتلد ولدًا ليس له ألية، وإنما له ذيل فقط، وهذا يدل على أنه ليس لها ألية خلقة، وإنما لها ذيل.
يقول: (والجماء) أيضًا تجزئ، الجماء: هي التي لم يخلق لها قرن، لكن أيهما أفضل ذات القرن أو الجماء؟
طالب: ذات قرن.
الشيخ: ذات القرن، ولهذا جاء في الحديث فيمن تقدم إلى الجمعة: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ» (٦)، ولولا أن وصف القرَن مطلوب لكان الأقرن وغيره سواء.
قال: (والجماء) التي لم يُخلق لها قرن.
[ ١ / ٤١٠٤ ]
(وخَصِيّ غير مجبوب)، الخصي: ما قُطعت خصيتاه فيجزئ مع أنه ناقص الخلقة، وحينئذٍ يُطلب الفرق بين الخصي وبين مقطوع الأذن، فإن مقطوع الأذن -كما عرفتم- على المذهب لا يجزئ، فلماذا أجزأ الخصي مع أن الخصيتين فيهما منافع كثيرة، وهو الإنجاب والفحولة في البهيمة، ولهذا تجد الفرق بين الفحل والخصي؟
قالوا: لأن ذهاب الخصيتين من مصلحة البهيمة؛ لأنه أطيب للحم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ضحَّى بكبشين موجوءين (٧) أي: مقطوعي الخصيتين.
فإن قُطع الذكر مع الخصيتين، فقد قال المؤلف ﵀: (غير مجبوب) خصي غير مجبوب؛ أي: غير مقطوع الذكر، وذلك أن قطع الذَّكَر لا يفيد في زيادة اللحم وطيبه، وهو قطع عضو فيشبه قطع الأذن.
والخصي بواحدة يجزئ أو لا؟
طلبة: يجزئ من باب أولى.
الشيخ: يجزئ من باب أولى، وعلى هذا فما قُطعت خصية واحدة منه أجزأ، وخصيتان أجزأ، ومع الذكر لا يُجزئ؛ لأنه قال: (خصي غير مجبوب).
فإذا قال قائل: هل يمكن أن تحيا البهيمة مع الخصاء؟
فالجواب: نعم، يمكن، وهذا كثير، لكن بشرط أن يكون المباشر لذلك من أهل الخبرة؛ لأنه قد يُباشر الخصاء من ليس من أهل الخبرة فتهلك البهيمة، لكن إذا كان من أهل الخبرة فإنها لا تموت، وسبحان الله هذا الأمر موجود من قبل أن تظهر وسائل الراحة الحديثة؛ كالبنج وشبهه، لكن بالتجارب، أما الآن فالأمر أسهل، يمكن أن تخصى البهيمة بدون أن تشعر بألم إطلاقًا.
قال: (وخصي غير مجبوب، وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف) ما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف فإنه يجزئ، لكن مع الكراهة؛ لأن النبي ﷺ أمرنا أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابلة، أو مدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء (٤).
وقول المؤلف: (أقل من النصف) مفهوم كلامه أنه لو كان النصف فإنه لا يُجزئ.
[ ١ / ٤١٠٥ ]
فإذا قال إنسان: أليس في كلامه تناقض؛ لأنه قال بالأول: (ولا العضباء) وهنا قال: (وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف)؟
فنقول: لا تناقض في كلامه؛ لأن العضباء في كلامه الأول؛ تعني: التي قطع منها النصف فأكثر -على كلام المؤلف- وما دون النصف فإنه مجزئ، ولكن المذهب لا يرون ذلك، يرون أن النصف مجزئ، وأن الذي لا يجزئ هو إذا ذهب أكثر الأذن وأكثر القرن.
لننظر الآن أي القولين أرجح؟ نقول: نحن رجحنا في الأول أن العضباء مجزئة، لكن على القول بأنها لا تجزئ، أيما أرجح قول من يقول: إن ما ذهب نصف قرنها أو نصف أذنها غير مجزئة، أو قول من قال: إنها مجزئة؟
نقول: ننظر للأصل، ما الأصل هل هو الإجزاء أو عدمه؟ الإجزاء، وما هو الحكم؟ هل هو للأغلب أو للأقل؟
طلبة: للأغلب.
الشيخ: للأغلب، فإذا كان أكثر الأذن موجودًا فإنه لا يمنع من الإجزاء، وإذا كان أكثر الأُذن معدومًا فإنه يمنع من الإجزاء، وهذا لا إشكال فيه.
بقينا إذا كان النصف ذاهبًا والنصف الثاني باقيًا، فهنا تعارض أمران؛ إن نظرنا إلى وصفها بالعضباء قلنا: لا يصح؛ لأنه لم يذهب أكثر الأذن أو القرن، وإن نظرنا إلى السلامة قلنا: لن تسلم؛ لأن السلامة لا بد أن يكون الأكثر هو السليم، فتعارض أصلان، لكن نقول: أحد الأصلين مؤيد بأصل، وهو أن الأصل الإجزاء حتى يقوم دليل على عدم الإجزاء، فيكون الصحيح خلاف ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة.
وتبين الآن أن المؤلف -﵀- خالف المذهب في مسألتين: المسألة الأولى: البتراء التي قُطع ذنبها، فالمذهب تجزئ، وعلى رأي المؤلف: لا تجزئ، المسألة الثانية: العضباء بالنصف على المذهب تجزئ، وعلى كلام المؤلف: لا تُجزئ.
(وما بأذنها أو قرنها قطع أقل من النصف) ثم قال: (والسنة نحر الإبل) وعلى كل حال الآن ينبغي أن نقسم العيوب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما دلت السنة على عدم إجزائها، وهي أيش؟
طالب: أربعة.
[ ١ / ٤١٠٦ ]
الشيخ: أربعة: العوراء البَيِّن عورها، والمريضة البَيِّن مرضها، والعرجاء البَيِّن ظلعها، والعجفاء التي لا تُنقِي.
هذه أربع منصوص على عدم إجزائها، ويُقاس عليها ما كان مثلها أو أوْلَى منها، أما ما كان مثلها فإنه يقاس عليها قياس مساواة، وأما ما كان أوْلى منها فيقاس عليها قياس أولوية.
القسم الثاني: ما ورد النهي عنه دون عدم الإجزاء؛ وهو ما في أذنه أو قرنه، بل ما في أذنه أخص ما يكون الأذن عيب من خرق، أو شق طولًا، أو شق عرضًا، أو قطع يسير دون النصف، هذه ورد النهي عنها في حديث علي بن أبي طالب ﵁، ولكن هذا النهي يُحمل على أيش؟
طلبة: الكراهة.
الشيخ: يُحمل على الكراهة لوجود الحديث الحاصر لعدم المجزئ بأربعة.
القسم الثالث: عيوب لم يرد النهي عنها، لكنها تنافي كمال السلامة، فهذه لا أثر لها، ولا تكره التضحية بها ولا تحرم، وإن كانت قد تُعد عند الناس عيبًا، مثل: العوراء التي عورها غير بَيِّن، ومثل مكسورة السِّن في غير الثنايا، وما أشبه ذلك، ومثل العرجاء عرجًا يسيرًا، كل هذه عيوب، لكنها لا تمنع الإجزاء، ولا تُوجب الكراهة لعدم وجود الدليل والأصل البراءة.
ولكن ما رأيكم فيما لو فُقدت جميع أسنانها العليا، أتجزئ أم لا؟
طلبة: ().
الشيخ: جميع الأسنان العليا مفقودة، ما هو بس الثنايا فقط، ما تقول؟ الأخ سؤال خاص.
طالب: تجزئ مع الكراهة.
الشيخ: أقول: جميع أسنانها العليا مفقودة، طبعًا إلا الأضراس، لكن الثنايا والرباعيات كلها مفقودة، تجزئ؟ الثنايا من الأسفل لا تجزئ، ومن أعلى تجزئ؟ ما تقول؟
طالب: تجزئ.
الشيخ: لماذا تجزئ؟
الطالب: لأن طحن الطعام يكون أشد بالأسفل.
الشيخ: لأن طحن الطعام في الأسفل أكثر، الظاهر أن هذا تعليل عليل يعني!
طالب: ما لها أسنان.
الشيخ: ما لها أسنان، لها أضراس وليس لها.
الطالب: أسنان.
الشيخ: ولا أضراس.
الطالب: ().
الشيخ: اللي فوق.
الطالب: ().
[ ١ / ٤١٠٧ ]
الشيخ: معروف أنها ما لها أضراس فوق.
طالب: لها أضراس بس ما لها ثنايا.
الشيخ: لها أضراس وليس لها ثنايا ولا رباعيات، وهذه مسألة يمكن يلغز بها، أما الأخ فعلَّل تعليلًا جيدًا لو كان مصيبًا، يقول: لأن طحن الطعام في الأسفل أقوى، لكن أصلًا ما لها شيء.
وأنا قد أجبت بجواب الأخ أنها لا تجزئ حينما سألنا شيخنا -﵀- عبد الرحمن السعدي فقلت له: إنها لا تجزئ بناءً على أن ما سقطت ثناياه فإنه لا يجزئ، فقلت: لا فرق بين الثنايا العليا والسفلى، لكني أخطأت في أن لها ثنايا، لو كان لها ثنايا لكان لها فرق، لكن ليس لها ثنايا.
طالب: ما وضحت.
الشيخ: ما وضحت؟
الطالب: ما وضحت.
الشيخ: ليس لها أسنان، لها أضراس، وليس لها أسنان، كيف تقول: ما وضحت؟
الطالب: شيخ، تقول: أسنان والأضراس والثنايا، ما هي الأسنان، وما هي الأضراس، وما هي الثنايا؟
الشيخ: إي: قل ما تعرفه.
الطالب: الثنايا هي المقدمة.
الشيخ: السنتان المتجانبتان هذه ثنايا.
الطالب: في المقدمة هذه.
الشيخ: وما وراءها رباعيات، أربعة وأربعة، البهائم ما لها رباعيات؛ يعني بهيمة الأنعام؛ الإبل، والبقر، والغنم ما لها رباعيات، ولا لها ثنايا إلا من أسفل، أما من أعلى فلها أضراس، وكذلك من أسفل، الآن لو فريت فم البعير أو البقرة أو الضأن والمعز لم تجد ثنايا، ولا رباعيات فوق، لكن تجد في شفة البعير شقًّا في الشفة العليا، لماذا؟ لأنها تمسك الشجرة وتدخلها بهذا الشق، ثم تجلب الورق تسرد السرد في هذا الشق.
طالب: قلنا في تعليلنا عن عدم الإجزاء في مقطوعة اليد إنها مرغوبة، وأنها تطلب.
الشيخ: أنها أيش؟
الطالب: أنها مرغوبة في البهيمة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: قلنا: إن المذهب ما تجزئ، ذكرنا أن المذهب لا تجزئ.
الطالب: والراجح؟
الشيخ: والله أنا أتوقف فيها.
[ ١ / ٤١٠٨ ]
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، ذكرتم أن الأصل الإجزاء؛ ولذلك كانت، فلما كان ذهب نصف أذنها أو أقل لما يعني كان الأصل الإجزاء، لما ما يقال مثلًا: أن الأصل في كل عيب يعني صغيرًا أو كبيرًا عدم الإجزاء؟
الشيخ: ما دام الرسول قال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ» (١)، وسئل: ماذا يتقى؟ قال: «أَرْبَعٌ» (٨)، صار ما عدا ذلك؛ فالأصل فيه الإجزاء.
طالب: قلنا: يا شيخ الراجح في قطع الأذن ()، والمجبوب لا يجزئه هذا، قطع الأذن يجزئ () للحديث، والمجبوب ليس أيضًا، ولا يصلح.
الشيخ: المجبوب يقولون: لأن هذا قطع عضو مهم جدًّا؛ لأنه هو آلة التناسل، الذَّكَر آلة التناسل، فكان قطعه مؤثرًا في البهيمة بخلاف الأذن.
الطالب: ().
الشيخ: صحيح، ما تجزئ، لكن يقال: إذا كانت العرجاء البين ضلعها، والمريضة، وما أشبه ذلك هذه من جنسها، أو العوراء البين عورها.
الطالب: يعني تقاس ().
الشيخ: إي نعم، لا، هو ما ذكر في الحديث.
طالب: يحدث تناسل إذا كان مجبوبًا يحدث تناسق إذا كان في الخصي.
الشيخ: أحيانًا وهو نادر، لكن الخصى يفتر، ويقلل الرغبة في النكاح.
طالب: أحسن الله إليك، ذكرتم فيما سبق في أن الأضحية في الإبل أفضل؛ لأنها أكثر نفعًا للإنسان.
الشيخ: إذا أخرج كاملة.
الطالب: إذا أخرج كاملة، ما الجواب عن أضحية النبي ﵊ بكبشين؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: النبي ﵊ ضحى بكبشين (٩) ولم يضحِّ بالإبل، أقول: ما الجواب عن هذا مع أننا في العقيقة قلنا: إن الشاة أفضل من الإبل؛ لأن النبي ﷺ؟
[ ١ / ٤١٠٩ ]
الشيخ: لا، الفرق بينهما ظاهر؛ ضحى بكبشين النبي ﵊، ولم يضحِّ ببعير، وهذه قضية عين، ما ندري ويش السبب، وأما العقيقة فقال: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ» (١٠)، نص على ذلك، على أن في النفس شيئًا في كون البعير أفضل من الشاة حتى في الأضحية، في الهدي ثبت أن الرسول أهدى إبلًا وأهدى غنمًا، والإبل أفضل يعني أنفع للفقراء، ولهذا أمر علي بن أبي طالب أن يتصدق بلحمها (١١)، لكن في الأضحية متردد، يعني قد يكون الإنسان مترددًا في ذلك؛ لأن يحتمل أن الرسول ترك الأضحية بالبعير؛ يعني لعدم كثرة المال في يده، ولهذا مات ودرعه مرهونة (١٢)، ويحتمل أنه ترك ذلك تشريعًا للأمة، أما العقيقة فواضح لأنه أَمَر: عن الغلام شاتان.
طالب: ذكرنا أن من بها قطع يسير في الأذن تجزئ مع الكراهة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما بها قطع يسير في الأذن أقل من النصف تجزئ مع الكراهة، وأن النهي للكراهة بدليل الحصر في قول النبي ﷺ: «أَرْبَعٌ» (١)، وكنا ذكرنا قبل ذلك أن النبي ﷺ أحيانًا يذكر الحصر، ولا يراد به حصر.
الشيخ: لا، هذا يُراد به الحصر؛ لأنه قال: سئل ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعٌ».
طالب: بالنسبة في الإبل والبقر هذا يراعى فيه -يا شيخ- الذكر والأنثى؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: هل يراعى الذكر والأنثى يجب أن يكون الإبل ذكرًا، أو ماذا يسن فيه؟
الشيخ: قال العلماء: الأفضل في الأضحية، كلما كان أكبر وأسمن وأبهى وأحسن لونًا وجمالًا فهو أفضل ().
***
طالب: وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ويذبح غيرها، ويجوز عكسها، ويقول: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها أو يوكل مسلمًا ويشهدها.
[ ١ / ٤١١٠ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تقدم لنا أن من شروط الأضاحي: أن تكون البهيمة سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء، وأن العيوب التي تمنع من الإجزاء هي التي جاءت في حديث البراء بن عازب ﵁ وهي أربعة فقط، وما كان مثلها أو أولى منها فإنه يحكم له بحكمها، كالعمياء مثلًَا؛ فإنها أوْلى بعدم الإجزاء من العوراء، وكمقطوعة اليد أو الرجل فإنها أوْلى بعدم الإجزاء من العرجاء البَيِّن ظلعها، وكذلك العجفاء التي لا تُنقِي، وكذلك المريضة البين المرض، وما عدا ذلك فإنه إن كان عيبًا نُص على النهي عنه فهو مكروه، وإن كان فوات كمال فغيره أفضل منه، ولا كراهة فيه.
ثم قال المؤلف ﵀: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى)
هذه السنة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] وجبت يعني سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة؛ لأن الذابح سوف يأتيها من الجهة اليمنى، وسيمسك الحربة بيده اليمنى، ولو عقلت اليد اليمنى لضربت الناحر بركبتها إذا أحست تضربه بركبتها، ويكون عليه خطر، لكن إذا كان المعقول هو اليسرى واليمنى قائمة فإنها لا تستطيع أن تتحرك باليد اليمنى، ولذلك نقول: يأتيها من الجانب الأيمن، وتكون اليد اليسرى معقولة، فإذا نحرها فهي سوف تسقط على أي الجنبين؟
طلبة: الأيسر.
الشيخ: على الجنب الأيسر الذي به اليد معقولة، هذا هو السنة، ولكن إذا كان الإنسان لا يستطيع ذلك كما هو المعروف عندنا الآن في بلادنا هذه لا يعرفون هذه الطريقة، ولو أنهم فعلوا هذه الطريقة ما استطاعوا، ولكنهم يبركونها ويعقلون يديها ورجليها، ويلوون رقبتها، ويشدونها بحبل على ظهرها، ثم ينحرونها.
[ ١ / ٤١١١ ]
فنقول: إذا لم يستطع الإنسان أن يفعل السنة، وخاف على نفسه أو على البهيمة أن تموت حرجًا فإنه لا حرج أن يعقلها، وأن ينحرها باركةً.
فيقول المؤلف في كيفية النحر: (فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر).
(يطعنها بالحربة) يعني على سبيل التمثيل، وإلا بالحربة، بالسكين، بالسيف، بأي شيء، المهم أن ينهر الدم، يجرح وينهر الدم.
ويقول: (في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر) وهي قريبة أن تكون بين يديها، وهي معروفة، فإذا طعنها جرَّها من أجل أن يقطع الحلقوم والمريء، وفي هذه الحال ..
قال: (والسنة أن يذبح غيرها) أي: غير الإبل، والذبح يكون في أعلى الرقبة لا في أسفلها، والنحر يكون في أسفلها، ولهذا تموت الإبل أسرع من موت الضأن والماعز والبقر؛ وذلك لأن النحر قريب من القلب فيتفجر الدم من القلب بسرعة، ولو أنها ذُبحت الإبل من عند الرأس لكان يعني تتألم من الذبح؛ لأن الدم سيكون مجراه ما بين القلب إلى محل الذبح سيكون بعيدًا، فيتأخر موتها، فكان من الحكمة أن تنحر، ويخرج الدم بسرعة، ثم تموت بسرعة، أما غيرها فإنها تُذبح من عند الرأس.
(ويجوز عكسها) طيب (يذبح غيرها) يعني والسنة أن يذبح غيرها. هنا نقول: يذبحُ أو يذبحَ؟
طلبة: يذبحَ.
الشيخ: يذبحَ، ليش؟
طالب: معطوفة.
الشيخ: على أيش؟
الطالب: ينحر.
الشيخ: ما فيها ينحر.
طالب: على ما يذبح.
الشيخ: ما عندنا نحر؟
الطالب: تكون ().
الشيخ: على النحر؟
الطالب: على نحر.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه ليس مستعملًا.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه مصدر، فإذا عُطف عليه الفعل المضارع فإنه ينصب بـ (أن) مضمرة ليكون عطف مصدر على مصدر.
(فالسنة نحر الإبل ويذبح غيرها)؛ يعني وذبح غيرها، ومنه:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
وتقرَّ عيني.
[ ١ / ٤١١٢ ]
إذن نقول في كلام المؤلف: (ويذبحَ غيرها) ويكون على الجنب الأيسر؛ لأنه أيسر للذابح؛ إذ إن الذابح سوف يذبح باليد اليمنى، فيضجعها على الجنب الأيسر، ثم يضع رجله على رقبتها، ثم يمسك برأسها، ويذبح، هذا هو السُّنة.
ولكن إذا كان الرجل لا يعمل باليد اليمنى، وهو الذي يسمى أعسر؛ فإنه يضجعها على الجنب الأيمن؛ لأن ذلك أسهل له، ثم إن الأفضل أن تبقى قوائمها مطلقة؛ يعني اليدين والرجلين الأفضل أن تبقى مطلقة، لا تقيد ولا يمسك بها؛ وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أنه أريح للبهيمة؛ أن تكون طليقة تتحرك، والثاني: أنه أشد في إفراط الدم من البدن؛ لأنه مع الحركة يخرج الدم كله، ومعلوم أن تفريغ الدم أطيب للحم، ومن ثم صارت الميتة حرامًا؛ لأن الدم يحتقن بها فيفسد اللحم، وكلما تفرَّغ اللحم من الدم فهو أحسن وأكمل.
ويقول المؤلف: (ويقول: باسم الله) وجوبًا (والله أكبر) استحبابًا.
يقول: (باسم الله) وجوبًا؛ لأن من شرط حِلّ الذبيحة أو النحيرة التسمية، وأما (الله أكبر) فهي تُقال: استحبابًا، وكان أحد الخطباء يخطب يوم العيد ويقول: السُّنة أن يقول عند الذبح باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، فذهب العامة، وصار الواحد منهم إذا ذبح يقول: باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، ظن أن هذا هو المشروع، ولهذا ينبغي للخطيب أن يكون عنده انتباه؛ لأن العامة ليسوا كطلبة العلم، يقول: باسم الله والله أكبر، أما باسم الله فواجبة، وأما الله أكبر فمستحبة حتى لا يختلط الأمر على الناس.
[ ١ / ٤١١٣ ]
يقول: (باسم الله) وجوبًا، والتسمية على الذبيحة شرْط من شروط صحة التذكية، ولا تسقط لا عمدًا ولا سهوًا ولا جهلًا، وذلك؛ لأنها من الشروط، والشروط لا تسقط عمدًا ولا سهوًا ولا جهلًا؛ ولأن الله قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فقال: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ولم يُقيِّد ذلك بما إذا ترك اسم الله عليه عمدًا.
وهنا يلتبس على بعض الناس فيقول: أليس الله قد قال: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؟ فنقول: بلى، قال الله ذلك، وعلى العين والرأس، ولكن هنا فعلان: الفعل الأول: فعل الذابِح، والثاني: فعل الأكل، وكل واحدٍ منهما يتميز عن الآخر، ولا يلحق هذا حكم هذا، ولذلك قال النبي ﷺ فيمن سألوه عن قوم حديثي عهد بكفر يأتون باللحم ولا يُدرى أُذكر اسم الله عليه أم لا، قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» (١٣). لأن الإنسان مطالب بتصحيح فعله لا بتصحيح فعل غيره، فإن الفعل إذا وقع من أهله فالأصل السلامة والصحة.
نقول: على العين والرأس ﴿لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. فإذا أكلنا نسيانًا أو جهلًا، فليس علينا شيء ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، لكن عمدًا ونحن نعرف أن هذه الذبيحة لم يُسمَّ عليها لا يجوز.
بقينا في فعل الذابح، إذا نسي التسمية، فقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
فإذا قال قائل: كيف تؤاخذونه وقد نسي؟
قلنا: لا نؤاخذه، نقول: الآن ليس عليك إثم في عدم التسمية، ولو تعمدت ترْك التسمية لكنت آثمًا لما في ذلك من إضاعة المال وإفساده، أما الآن فلا شيء عليك؛ لأنك ناسٍ.
ويظهر ذلك بالمثال الْمُناظِر تمامًا لهذا، أو النظير لهذا تمامًا، لو صلى الإنسان وهو محدِث ناسيًا، فهل عليه إثم؟
[ ١ / ٤١١٤ ]
طلبة: لا، ليس عليه.
الشيخ: وصلاته؟
الطلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، يجب أن تعاد؛ لأن الطهارة من الحدث شرط، وإذا كان من الحدث شرط، فإنها لا تسقط بالنسيان، ولكن يُعذر الفاعل بعدم الإثم، وهذا واضح.
وهذه المسألة -أعني التسمية على الذبيحة أو على الصيد- اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من يرى أن التسمية لا تجب لا على الصيد ولا على الذبيحة، وإنما هي سنة، واستدلوا بحديث موضوع: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا» (١٤) وهذا حديث لا يصح.
وقال بعض العلماء: التسمية واجبة، وتسقط بالنسيان والجهل في الذبيحة والصيد؛ هذان قولان.
والقول الثالث: التسمية شرْط في الذبيحة والصيد، وتسقط سهوًا في الذبيحة، ولا تسقط في الصيد، وهذا هو المشهور عند فقهاء الحنابلة؛ أنه إذا ترك التسمية في الصيد ولو سهوًا فالصيد حرام، وإن ترك التسمية سهوًا في الذبيحة فهي حلال، أيش الدليل؟
قالوا: لأن النبي ﵌ قال لعدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني، قال في إرسال السهم: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (١٥) فجعل لحل الأكل شرطين: القصد، وهو إرسال السهم، والثاني: التسمية، فنقول: وقد قال أيضًا في الذبيحة: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» (١٦). فاشترط شرطين: إنهار الدم، والثاني: التسمية، ولا فرق.
ثم نقول: إذا كنا نعذره بالنسيان على الذبيحة، فعلى الصيد من باب أوْلى؛ لأن الصيد يأتي بغتة، ويأتي بعجلة وسرعة، وأهل الصيود يذهلون إذا رأوا الصيد، يذهل حتى إنه أحيانًا يركب وراه ربما يسقط في حفرة أو يضربه يعني نخلة أو شجرة، وهو لا يشعر يمشي وكأنه يعني سكران من شدة شفقته على الصيد، مثل هذا أحق بالعُذر من إنسان أتى بالبهيمة بتأنٍّ، وأضجعها ونسي أن يقول: باسم الله.
[ ١ / ٤١١٥ ]
القول الرابع: أن التسمية شرط في الذبيحة، وفي الصيد، ولا تسقط بالنسيان والجهل، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الذي تدل عليه الأدلة.
فإن قال قائل: أرأيتم لو نسي أن يسمي على بعير قيمتها خمسة آلاف ريال، وقلنا: لا تحل، كم ضاع عليه؟
الطلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: نعم، خمسة آلاف ريال، وهذا من جملة ما يقدر عن الإنسان أن يضيع عليه.
فإن قال قائل: وبهذا تتلفون أموال الناس؟
قلنا: هذا التقدير كقول من قال: إذا قطعتم يد السارق أصبح نصف الشعب أشل ما عنده يد، مع أننا إذا قطعنا يد السارق قَلَّت السرقة، لم يسرق أحد، كذلك إذا قلنا لهذا الرجل الذي نسي أن يسمي على الذبيحة: ذبيحتك حرام، إذا جاء يذبح مرة ثانية يمكن يسمي عشر مرات، ما ينسى أبدًا؛ لأنه قد اكتوى بنار النسيان، فلن ينسى أبدًا، وبهذا نحمي هذه الشعيرة، وأنه لا بد من ذِكر اسم الله على المذبوح.
بقي علينا لا بأس أن نعرض لشروط الذكاة.
الذكاة من شرطها التسمية، التسمية متى؟ عند إرادة الفعل التسمية، وليس عند شحذ الشفرة -يعني السكين- وليس عند وضع السهم في القوس، وليس عند وضع السطن في البندق، لا، عند الفعل ولهذا جاءت (على) ﴿اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] إشارة إلى أن هذا الفعل هو الذي لا بد أن تكون التسمية عليه.
الثاني: إنهار الدم؛ يعني تفجيره حتى يكون كالنهر؛ يعني يندفع بشدة، وهذا لا يتحقق إلا بقطع الودجين، وهو الذي يعرف عند الناس بأيش؟ بالشرايين أو بالشريان، بعضهم يسميها الأوراد، أوراد الشاة، وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم، معروفان، لا يمكن إنهار تام إلا بهذا، والنبي ﵊ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» (١٦)، ولم يتعرض لذكر الحلقوم والمريء.
[ ١ / ٤١١٦ ]
ولهذا كانالقول الصحيح أنه إذا قطع الودجان حلَّت الذبيحة، وإن لم يقطع الحلقوم والمريء؛ لأنه لا دليل على اشتراط قطع الحلقوم والمريء، بينما قطع الودجين فيه، الدليل: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، وفي حديث أخرجه أبو داود لكن في سنده مقال أن الرسول نهى عن شريطة الشيطان (١٧)، وهي التي تُذبح ولا تُفرى أوداجها، وهذا نص في الموضوع.
وفي الرقبة أربعة أشياء إذا قُطعت كلها، فهذا تمام الذبح؛ الودجان، والحلقوم: وهو مجرى النفس، والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب؛ الحلقوم: مجرى النفس، ولهذا يكون دائمًا مفتوحًا لتسهيل النفس، وجعله الله ﷿ عظامًا لينة لتسهل الحركة؛ حركة الرقبة، وجعلها ﷾ أشقطة مثل: الياي، كذلك لتسهل، ولهذا ترفع رأسك وتنزله، ولا تجد كلفًا، هذا الحلقوم هو مجرى النفس.
المريء: مِن ورائه؛ يعني بينه وبين الرقبة، هذا مجرى الطعام والشراب، وليس كالحلقوم مفتوحًا، بل إن استأذن أحد فتح الباب له، وإن لم يستأذن فالباب مغلق، هذا المريء.
قطْع الأربعة، هذا هو الأكمل، فإن قطع واحدًا لم يُجزئه، وإن قطع اثنين الحلقوم، والمريء أجزأ على ما ذهب إليه الفقهاء والحنابلة -﵏- قالوا: يُجزئ إذا قطع الحلقوم والمريء، وإن لم يقطع الودجين ولا واحدًا منهما يجزئ، ومن المعلوم أنه لو قطع الحلقوم والمرئ ولم يقطع الودجين فإن الدم سوف يكون باقيًا ما يخرج؛ لأن الدم اللي يخرج من الحلقوم والمريء سيكون ضعيفًا جدًّا كما يخرج من أي عرق يكون في اليد أو في الرجل أو ما أشبه ذلك.
والقول الثالث: لا بد من قطع ثلاثة من أربعة.
والقول الرابع: لا بد من قطع الودجين، هما أهم شيء، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأدلة.
لا بد أيضًا أن يكون الذابح عاقلًا، فإن كان مجنونًا فإنه لا تصح تذكيته، ولو سمى؛ لأنه لا قصد له، ليس له قصد.
[ ١ / ٤١١٧ ]
ومن شروطها: أن يكون مسلمًا أو كتابيًّا، المسلم ظاهر، والكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال ابن عباس ﵄ طعامهم: ذبائحهم (١٨)، وهذا متواتر عن النبي ﵊، كان يأكل مما ذبحه اليهود.
واختلف العلماء: هل يشترط في هذا أن يكون كذبح المسلمين؟ أو نقول: ما عدوه ذبحًا وتذكية فهو ذكاة، وإن لم يكن على طريق المسلمين؟
في هذا قولان؛ أحدهما -وهو قول الجمهور-: أنه لا بد أن ينهر الدم -أعني ذبح الكتابي- كما أنه لا بد أن ينهر الدم في ذبح المسلم، وهذا قول جمهور العلماء.
وذهب بعض العلماء -وهو وجه في مذهب مالك- إلى أن ما عدوه ذكاة فهو ذكاة، وإن كان بالخنق؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهذا طعامٌ عندهم فيكون حلالًا.
ولكنا نقول: في الرد على هذا كلمة ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مطلق يقيد بقول الرسول ﵊: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» (١٦). فإذا كان إنهار الدم شرطًا في ذبيحة المسلم، وهو خير من اليهودي والنصراني فكونه شرطًا في ذبيحة اليهودي والنصراني من باب أوْلى، وهذا هو الحق.
ولكن هل يجب علينا أن نعلم أن الكتابي ذبحه على هذا الوجه؟ لا، لا يُشترط.
هل يجب أن نعلم أنه سمَّى عليه؟ لا، والدليل على هذا ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ أن قومًا سألوا النبي ﵌ فقالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم الله؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا». قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر (١٣)، وحديث العهد بالكفر يُشك في كونه يسمي؛ لأنه لم يعرف أحكام الاسلام، ومع ذلك قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا». سموا على الذبح ولا على الأكل؟
طلبة: على الأكل.
[ ١ / ٤١١٨ ]
الشيخ: أو على الذبح؟ الذبح لا يمكن، انتهى كأنه قال: الإنسان لا يُسأل إلا عن فعل نفسه، وفعلكم أنتم هو الأكل؛ فسمُّوا عليه، أما فعل غيركم، فليس عليكم منه شيء.
وقد ترجم المجد بن تيمية -﵀- على هذا الحديث بأن الفعل إذا صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة، ولو أننا كُلفنا أن نبحث عن كيفية الذبح، وهل سمى الذابح أم لا؟ للحقنا في ذلك حرج شديد لا يحتمل حتى المسلم يمكن أنه لم يسمِّ، حتى المسلم يمكن أنه خنق، كل شيء محتمل، لكن الأصل في الفعل الواقع من أهله أنه على السلامة، وبهذا يستريح الإنسان، ويَسلم من القلق الذي يحصل فيما لو ذبح الكتابي اليهودي أو النصراني ذبيحة وأهدى له، نقول: الحمد لله على التيسير ﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
وقد أخبرني بعض الإخوة اللي في أمريكا أنهم الآن رجعوا إلى الشرط الاسلامي؛ وهو إنهار الدم، لكن كيف؟ يقول: إنهم يشقون الودج، ثم يدخلون آلة مع الودج الثاني، وينفخونها بشدة من أجل أن يخرج الدم مندفعًا بشدة من الودج الأول الذي فروه؛ يعني أنهم أشد منا، يتعجلون أن يخرج الدم؛ لأنه إذا جاءه ما يدفعه من أحد الودجين اندفع من الآخر، لكن نحن -ولله الحمد- لا يكلفنا الله ﷿ مثل هذا، ذبحنا يسير، أمر السكين على الودجين وهذا كافٍ.
[ ١ / ٤١١٩ ]
ومن الشروط أيضًا -شروط الذكاة-: ألا يكون الحيوان محرمًا لحق الله، كالصيد في الحرم، أو الصيد في الإحرام، فلو ذبح الإنسان صيدًا، أو صاد صيدًا في الحرم فإنه حرام حتى لو سمى وأنهر الدم؛ لأنه محرمٌ لحق الله، ولهذا قال النبي ﵊ للصعب بن جثامة قال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (١٩)، وهذا يتبين بالتعبير القرآني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يقل: لا تصيدوا الصيد، فدل هذا على أن صيد الصيد والإنسان مُحرِم، ويش يعتبر؟ يعتبر قتلًا لا صيدًا، والقتل لا تحل به المقتولة.
فإن كان مُحرَّمًا لحق الغير كالمغصوب مثلًا، فهل يكون كالمحرَّم لحق الله ويحرم أو لا يحرم؟
الصحيح أنه لا يحرم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة ﵏، وفرقوا بينهما بأن الغير حقه يمكن ضمانه، ويمكن إرضاؤه، ويمكن أن يسمح بخلاف حق الله ﷿، هكذا فرقوا بينهما.
وفيه وجه آخر أو رواية أخرى في المذهب: على أن المحرَّم لحق الغير كالمحرم لحق الله، لا تصح تذكيته، فلو رأينا مثلًا من بعد التعديل والتوجيه أن نقول لمن غصب شاة وذبحها: إن الشاة لا يحل لك أكلها ولا غيرك، وعليك ضمانها، لو رأينا أن هذا من باب التعذير لحرمانه هذا المال الذي تعجله على وجه محرم لكان هذا متوجهًا.
هل يشترط أن يكون الذبح في وقت يحل فيه الذبح بالنسبة للأضاحي؟
طلبة: لا يشترط.
الشيخ: تأنوا.
طالب: ما تكون فيه ().
الشيخ: لا، هو لا يشترط لحل الذبيحة، لكن اللي يشترط لوقوعها أضحية أما لحل الذبيحة فتحل، ولو كانت كذلك.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف يقول: (باسم الله) وجوبًا (والله أكبر) استحبابًا.
لو قال باسم الرحمن، باسم فاطر السماوات والأرض، باسم الخلاق العليم، هل يقوم مقام باسم الله؟
[ ١ / ٤١٢٠ ]
قال بعض أهل العلم: يقوم إذا أضاف الاسم إلى ما لا يصح إلا لله، فهو كما لو أضافه إلى لفظ الجلالة، ولا فرق؛ لأنه يصدق عليه أنه ذكر اسم الله، لو قال: باسم الرؤوف الرحيم، يجزئ أو لا؟
طلبة: لا يُجزئ.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه ().
الشيخ: لأن هذا الوصف يصدق لغير الله، قال الله تعالى في وصف النبي: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، لو قال: باسمك اللَّهُم أذبح هذه الذبيحة، يجزئ ولَّا لا؟ يجزئ نعم؛ لأن هذا مثل قوله: باسم الله.
لم يذكر المؤلف الصلاة على النبي ﷺ ().
طالب: لكن من المعروف الآن يا شيخ أن النصارى -لعنهم الله- لا يذكرون اسم الله، بل يذكرون اسم غير الله، يقولون باسم الصليب القوي أو باسم الآب، فهل يعني ()؟
الشيخ: لا، الأصل يحل حتى نعلم أنهم ذكروا اسم غير الله.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لو ذكر قال: باسم الرؤوف الرحيم، لكن نيته الله ﷾.
الشيخ: نعم، فالأعمال بالنيات، لكن ذِكر الرأفة والرحمة هنا لا تناسب، ولهذا قالوا: لا ينبغي أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم في هذا المقام.
هل يصلي على النبي ﷺ في هذا المقام؟
طالب: لا، بدعة.
الشيخ: لا يصلي على النبي، أولًا: لأنه لم يرد، والتعبد لله بما لم يرد بدعة، والثاني: أنه قد يتخذ وسيلة فيما بعد إلى أن يذكر اسم الرسول على الذبيحة؛ فلهذا كره العلماء أن يصلى على النبي ﷺ على الذبيحة.
طالب: هل يمكن أكل الذبيحة التي تصعق أولًا بالكهرباء، ثم تذبح؟ هذا يعني نحن نقصد إذا لا يشترون بعض الناس لا يستطيعون أن يكون عندهم لحم، لا يستطيع أن يشتري لحمًا من السوق مثلًا، ماذا يمكن أن نفعل؟
الشيخ: فهمتم السؤال؟ يقول: لو كانت تصعق البهيمة أولًا، ثم تنحر، أوتذبح ثانيًا، هل يجزئ أو لا؟
الطالب: يصعق بالكهرباء؟
[ ١ / ٤١٢١ ]
الشيخ: نعم، بالكهرباء، إذا أدركها وفيها حياة حلَّت، وعلامة الحياة أنه إذا ذبح انبعث منها الدم، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ في النهاية ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
ويقولُ " باسمِ اللهِ واللهُ أَكْبَرُ، اللهمَّ هذا منكَ ولكَ " يَتَوَلَّاهَا صاحبُها أو يُوَكِّلُ مُسْلِمًا ويَشْهَدُها، ووَقْتُ الذبحِ بعدَ صلاةِ العيدِ أو قَدْرُه إلى يومينِ بعدَه، ويُكْرَهُ في ليلتِهما، فإنْ فاتَ قَضَى واجِبَه.
(فصلٌ) ويَتَعَيَّنَانِ بقَولِه: " هذا هَدْيٌ أو أُضْحِيَةٌ " لا بالنِّيَّةِ، وإذا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها ولا هِبَتُها إلا أن يُبْدِلَها بِخَيْرٍ منها، ويَجُزُّ صُوفَها ونحوَه إن كان أَنْفَعَ لها ويَتَصَدَّقُ به، ولا يُعْطِي جَازِرَها أُجْرَتَه منها، ولا يَبيعُ جِلْدَها ولا شيئًا منها بل يَنْتَفِعُ به، وإن تَعَيَّبَت ذَبَحَها وأَجْزَأَتْه إلا أن تكونَ واجبةً في ذِمَّتِه قبلَ التعيينِ.
و(الْأُضْحِيَةُ) سُنَّةٌ، وذَبْحُها أَفضلُ من الصدَقَةِ بثَمَنِها، وسُنَّ أن يَأْكُلَ ويُهْدِيَ ويَتَصَدَّقَ أَثلاثًا
الشيخ: يقول: لو كانت تُصْعَق البهيمة أولًا، ثم تُنْحَر أو تُذْبَح ثانيًا هل يجزئ أو لا؟
طالب: تُصْعَق بالكهرباء؟
الشيخ: نعم بالكهرباء، إذا أدركها وفيها حياة حَلَّت.
[ ١ / ٤١٢٢ ]
وعلامة الحياة أنه إذا ذبح انبعث منها الدم؛ ودليل هذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ في النهاية ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وهذه كالمنخنقة تمامًا؛ فإذا ذُكِّيَت وفيها حياة حَلَّت، لكن هل يشترط أن ترفس برجلها أو يدها أو تمصع بذنبها أو لا يُشْتَرط؟
قال بعض العلماء: يشترط؛ لأننا لا نعلم حياتها إلا بذلك، ولكن الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام في هذه المسألة أنه لا يشترط إلا أن يخرج الدم الأحمر المعروف الذي يجري بخلاف الدم الأسود الذي يَخْرُج من الميتة فهذا لا عبرة به.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا رأيتُ شخصًا يذبح ذبيحة في مسمط مثلًا، إذا رأيته لم يسمِّ؟
الشيخ: رأيته لم يسم؟ !
الطالب: ما سمعته يسمي.
الشيخ: ما سمعته، وهل من شرط التسمية الإسماع؟
الطالب: لا، يا شيخ، بس كنت بجواره.
الشيخ: إي، ولو كان، ما هو شرط.
الطالب: كيف ما يسمي؟
الشيخ: نعم، ما هو شرط، لكن لو أنه لم يسمِّ فسميت أنت بدلًا عنه هل يجزئ وأنت صاحب البهيمة؟
الطالب: لا ما يجزيه.
الشيخ: ما يجزيه.
طلبة: ما يجزيه.
الشيخ: ما هو أنت صاحب البهيمة؟ ! وهذا الجزار لا يعرف فلما أَمَرَّ السكين وانفجر الدم قلت أنت: بسم الله.
طلبة: ما يجزيه.
الشيخ: صحيح، لا يجزيه؛ لأنه لا بد أن تكون التسمية من الذابح.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- ذكر صاحب المبدع رواية عن الإمام أحمد بأن الإبل لو ذبحت فإنه يوقف فيها.
الشيخ: نعم.
الطالب: رأيكم؟ أحسن الله إليكم.
الشيخ: لا، رَأْيُنا أنها تحل.
الطالب: تحل.
الشيخ: كما قال المؤلف: (يجوز عكسها)؛ لعموم قوله: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» (١).
[ ١ / ٤١٢٣ ]
طالب: شيخ، إذا كان الغالب فيمن يتولى الذبح لا يُصَلِّي، وأهل البلد يقولون بأن ترك الصلاة ليس بكفر؛ فالإنسان يأكل أم ..؟
الشيخ: يأكل؛ لأن مسائل الاجتهاد ما يُنْكَر فيها، والعامة على دين علمائهم؛ ولهذا لو أن إنسانًا أكل لحم إبل أمام أعيننا، ونحن نرى أنه ينقض الوضوء فقام هذا الرجل وصلى بنا فإننا نصلي خلفه، ولا نقول: والله هذا صلاته باطلة لأن صلاته في نظرنا باطلة، لكن صلاته في نظره صحيحة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- مسألة الصلاة المحرمة في البيت المغصوب على المذهب أنها تصح فكيف هم يقولون في مسألة إن صلى في أرض مغصوبة: فصلاته لا تصح، ومن توضأ في إناء من ذهب أو من فضة فإنها تصح؟ فهنا يتناقض مع هذه القاعدة التي ().
الشيخ: لا، هذه ربما يفرض بأن أصل الفعل إذا سمح فيه صاحبه فإنه يجوز، لكن لو قالوا: هذا ما ينفكون عن الإيراد، الإيراد الذي ذكرت وارد.
الطالب: لو كان صاحب الأرض المغصوبة رضي، على قول المذهب هل ..؟
الشيخ: ما يصح إلا بعد أن يأذن.
الطالب: لو أذن نفسه.
الشيخ: لو أذن بعد ذلك ما يصح، لا بد أن يعيد الصلاة.
الطالب: ().
الشيخ: وهنا يكون صحيح أصلًا صحيح.
الطالب: ().
الشيخ: هل ذكرنا أنه يشترط أن يكون باليد اليمنى؟
الطالب: لا، ().
الشيخ: قلنا: إذا كان الإنسان لا يعرف إلا باليد اليسرى فليضجعها على الجنب الأيمن.
الطالب: ().
الشيخ: ذكرت أنا هذا؛ قلت: إذا كان الإنسان أعسر ما يعمل باليد اليمنى فإنه يضجعها على الجنب الأيمن لأنه أسهل له.
طالب: عفا الله عنكم، يا شيخ، ذكرتم أنه نحن غير مطالبين بأن نسأل هل سَمَّى أو لا، أو حتى هل ذبح أو لا؛ لأن الأصل الحل ..؟
الشيخ: لأن الأصل أن الفعل الصادر من أهله صادر على وجه الصحة.
الطالب: فلو أن إنسانًا اجتهد من عنده، وذهب وتحرى وسافر وأتى بالخبر اليقين بأنها ما ذبحت، فهل نحن ملزمون بقوله؟
الشيخ: بأنها ما ذبحت، ويش لونه؟
[ ١ / ٤١٢٤ ]
الطالب: بأنهم لا يُسَمُّون، وأنها تُقْتَل، وأتى باليقين وأتى بالبراهين.
الشيخ: إي، ما يخالف إذا شهد على هذه بعينها فإنها لا تحل.
الطالب: مثلًا، لو ذهب إلى هذه الشركة المعينة للدجاج؛ قال: هذه الشركة أنا ذهبت إليها ورأيت أنهم يصعقونها، تُدْخَل في ماء ويُدْخَل الكهرباء في الماء ويموت، فهل نحن ملزمون به ولَّا نقول: نحن الأصل الحل؟
الشيخ: لا، هذا عبث، ثبت عندنا أنها بطريقة محرمة، لكن لسنا مُلْزَمين بأن نسأل، والسؤال في هذا من باب التنطع والتشديد على الناس، لكن إذا علمنا أن هذه الدجاجة أو هذه الشاة بعينها لم تُذْبَح ذبحًا شرعيًّا فهي حرام ما فيها شك.
طالب: شيخ، قلنا: إن الذبح الأكبر هو قطع الأربعة، وقلنا: إن القول الذي يقول بأن قطع الودجين هو الأسهل في الدليل، ولكن إذا قطع ودجًا واحدًا من الودجين يسقط عليه ()، فهل نقول بصحة ذبحه؟
الشيخ: هذه () يرى بعض العلماء إذا قطع ودجًا واحدًا مع الحلقوم والمريء حلت، لكن قول رسول الله: «تُفْرَى الْأَوْدَاجُ» (٢)
يدل على وجوب فريها كلها، ثم إنه أيضًا إذا قطع أحد الودجين ما يحصل إنهار الدم الكامل فيما إذا قطع الودج الثاني.
الطالب: السؤال عن الحل يا شيخ؛ لو قطع ودجًا واحدًا؟
الشيخ: ما تحل.
الطالب: ما تحل؟
الشيخ: ما تحل.
الطالب: حديث أبي داود ().
الشيخ: إي ما يخالف، لكن ما أنهر الدم، نقول: لا يمكن إنهار الدم على وجه الكمال إلا بهذا.
طالب: هناك بعض النصارى يهدون إلى الناس من اللحم، وهم يُسَمُّون باسم المسيح والشيء الثاني أنهم لا ()، وإنا نعلم هذا، نأكله أو لا؟
الشيخ: لا، لا تأكل إذا علمت أنه لم يذكر اسم الله عليها لا تأكل سواء ذكروا اسم المسيح أو ذكروا اسم المسيح مع اسم الله أو لم يذكروا شيئًا.
الطالب: طيب، إن هم ذبحوا وهم نصارى، وذبحوا بسم الله، وقالوا: بسم الله.
[ ١ / ٤١٢٥ ]
الشيخ: لكن شوف، لاحظ إنه لا بد تشهد أن هذه الذبيحة بعينها سموا عليها اسم المسيح أو لم يسموا الله عليها.
الطالب: يسموا اسم المسيح أقول.
الشيخ: تشهد أن الشاة هذه ما ..
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا تأكل، حرام عليك.
الطالب: وإذا سموا للمسلمين يقولون: إذا ذبحنا للمسلم نقول: بسم الله.
الشيخ: تحل.
الطالب: بارك الله فيك، أما تكون هذه شبهة؟
الشيخ: وهي؟
طالب: يعني: أتى بعض الناس كما قال الأخ -جزاه الله خير- أن هناك تصعق بالكهرباء، والبعض يقول: لا يُذْكر اسم الله عليها وأتوا وهم شهود عيان، رأوا هذا الأمر، أصبح لنا يلتبس الأمر؛ يعني أصبح فيه شبهة والنبي ﷺ يقول: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (٣). فما رأيكم؟
الشيخ: الذين كانوا حديثي عهدٍ بالكفر وأتوا لنا بلحم ذبحوه، هل فيه شبهة؟
الطالب: كانوا حديثي عهد بالكفر، وأسلموا؟
الشيخ: أسلموا.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي لكن ..
الطالب: هؤلاء غير مسلمين.
الشيخ: أنا فاهم.
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن هؤلاء كالمسلمين في حل الذبيحة، كلهم تحل ذبيحته، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يكلف نفسه بالسؤال، سَمِّ الله وكُل.
الطالب: يعني: آكل يا شيخ كل ..؟
الشيخ: أبدًا، كل.
الطالب: كل اللحوم اللي في السوق.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: حتى المعلبة.
الشيخ: حتى المعلبات؛ لأنهم لا يأتون بالشيء إلا وهم عارفون أن الأمة الإسلامية ما تأكل إلا ما ذبح، وحتى نذكر أن وكلاء وزارة التجارة حضروا إلى مجلس هيئة كبار العلماء وناقشهم المجلس وقالوا: أبدًا ما يمكن، وفيه مراقبين لنا، ما يمكن يأتي شيء إلا مذبوح على الطريقة الإسلامية.
طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- إحنا () لو إنسان سمى فذبح بهيمة، ولم يقطع الودجين ثم أتى آخر وأكمل الذبح؟
الشيخ: ما تحل.
الطالب: ولكننا نبتدأ الذبح.
[ ١ / ٤١٢٦ ]
الشيخ: إي، لكن الثاني ما سمى.
الطالب: هو كان () يا شيخ.
الشيخ: ما سمى.
الطالب: يعني المعتبر بالذبح قطع ..
الشيخ: المعتبر قطع الودجين بالتسمية من الفاعل.
الطالب: ولو سمى.
الشيخ: ما يصح من اللي سمى الثاني؟
الطالب: إي.
الشيخ: الثاني لو سمى وأدرك الحياة يجزي.
الطالب: حتى لو لم يسمِّ الأول.
الشيخ: إي نعم، كل ما أصابه سبب الموت خليها عندك قاعدة كل ما أصابه سبب الموت وأدركته حيًّا فإنه يجوز ()؛ لقوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، ويتولاها صاحبها أو يوكَِّل مسلمًا ويشهدها، ووقت الذبح بعد صلاة العيد، أو قدْره إلى يومين بعده ويكره في ليلتيهما، فإن فات قضى واجبه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل ذبح ناقته ذبحًا ولم ينحرها نحرًا، فما الحكم؟
طالب: جائز، إذا تعسر عليه النحر.
الشيخ: لا لم يتعسر عليه، سهل.
الطالب: لكن إذا حصل المقصود من الذبح أو النحر جاز.
الشيخ: سؤال رجل ذبح بعيره ذبحًا ولم ينحرها نحرًا، فما الجواب هل تحل أو لا؟
الطالب: الرسول ﷺ يقول: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ».
الشيخ: سؤال؛ هل تجزئ أو لا؟ قبل أن تستدل.
الطالب: تجزئ.
الشيخ: تجزئ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، ما الدليل؟
الطالب: قول الرسول ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».
الشيخ: أحسنت، تمام، رجل نحر شاةً؟
طالب: جائزة.
الشيخ: تحل؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الدليل.
الطالب: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».
[ ١ / ٤١٢٧ ]
الشيخ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» تمام.
حكم التسمية على الذبيحة والنحيرة؟
طالب: واجبة ولا تسقط بالنسيان.
الشيخ: واجبة ولَّا شرط؟
الطالب: شرط لأيش؟
الشيخ: شرط للحل.
الطالب: شرط للحل.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل ما قال الرسول ﷺ؛ أن «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلُوا».
الشيخ: تمام.
طالب: وإذا لم يذكر ().
الشيخ: الدليل قول النبي ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» فدل على أن ما لم ينهر الدم أو ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل، فإذا كان لو قتل خنقًا لا يحل ولو جهلًا أو نسيانًا، فكذلك متروك التسمية، طيب ومن القرآن؟
طالب: قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
الشيخ: نعم، قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]
هل التكبير سُنَّة على الذبح والنحر؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الشيخ: هذه في عيد الفطر، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ في عيد الفطر،
الطالب: ورد الحديث عند البزار ﵁.
الشيخ: حديث أنس.
الطالب: قال في حديث عند البزار، أخرجه البزار () الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا ذبح الذبيحة قال: بسم الله، ثم كبر، قال: الله أكبر.
الشيخ: إي، حديث أنس في الصحيحين: أنه «سَمَّى وَكَبَّرَ» (٤)، طيب التكبير واجب أو سنة؟
الطالب: التكبير سنة.
الشيخ: ما هو الدليل؟
طالب: قول النبي ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا».
[ ١ / ٤١٢٨ ]
الشيخ: قوله: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» ولم يقل: وكبر الله عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول) أيضًا: (اللهم هذا منك ولك).
قال: (ويقول): (اللهم هذا منك ولك) (هذا) المشار إليه المذبوح أو المنحور، (منك) عطاءً ورزقًا، (ولك) تعبدًا وشرعًا؛ فهو من الله، هو الذي منَّ به، وهو الذي أمرنا أن نتعبد له بنحره أو ذبحه فيكون الفضل لله تعالى قدرًا والفضل لله تعالى شرعًا، إذ لولا أن الله تعالى شرع لنا أن نتقرب إليه بذبح هذا الحيوان أو نحره لكان ذبحه أو نحره بدعة.
ولهذا نقول: إن الله أنعم علينا بنعمتين: نعمة قدرية ونعمة شرعية؛ أما القدرية فكونه يَسَّرَه لنا وذلله لنا حتى إن الرجل يقود هذه البعيرة الكبيرة ليذبحها لينحرها وتنقاد له، قال الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] ولك إخلاصًا وتعبدًا فيكون الإنسان في هذا الحال متذكرًا لنعمة الله تعالى متقربًا إليه بالتعبد له.
وفي هذه الحال ينبغي أيضًا أن يقول: اللهم تقبل مني، اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، وتكون تسمية المضحي له عند الذبح.
وأما ما يفعله بعض العامة عندنا يسميها في ليلة العيد ويمسح ظهرها من ناصيتها إلى ذنبها وربما يكرر ذلك؛ هذا عني، هذا عني، هذا عني، هذا عن أهل بيتي، هذا عن أمي، هذا عن أبي، وما أشبه ذلك، فهذا من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﵌ وإنما كان يسمي من هي له عند الذبح.
قال: (ويتولاها صاحبها أو يوكل مسلمًا ويشهدها)
[ ١ / ٤١٢٩ ]
(يتولاها صاحبها) الضمير في (ها) يعود على الأضحية؛ يعني: أن الأفضل أن يتولاها صاحبها، والمهم من ذلك هو نحرها أو ذبحها، أما بقية العمل -عملية الذبح- فهذه ليست مهمة، فإذا ذبحها وأعطى آخر ليكمل سلخها وتوزيعها فقد حصل على السنة، ولكن المهم أن يذبحها أو ينحرها بنفسه وهذا مشروط بما إذا كان قادرًا، أما إذا كان عاجزًا أو جاهلًا لما يجب في الذبح فلا ينبغي أن يخاطر ويذبح بل يُوَكِّل غيره؛ ولهذا قال: (أو يوكل مسلمًا ويشهدها).
(يوكل مسلمًا) يذبح هذه الأضحية، (ويشهدها) أي: صاحبها فيكون حاضرًا عنده، ومن الذي يسمي صاحبها أو الذابح؟
الطلبة: الذابح.
الشيخ: الذابح؛ لأنه فعله فهو يسمي على فعله.
وقول المؤلف: (أو يوكل مسلمًا) عُلِمَ منه أنه لا يصح أن يوكل كتابيًّا مع أن ذبح الكتابي حلال، لكن لما كان ذبح هذه الذبيحة أو نحر هذه النحيرة لما كان عبادة لم يصح أن يوكل فيه كتابيًّا؛ وذلك لأن الكتابي ليس من أهل العبادة والقربة لأنه كافر ولا تقبل عبادتهم، أما لو وَكَّل كتابيًّا يذبح له ذبيحة أو ينحر له نحيرة للأكل فإن ذلك لا بأس به، لكن للتضحية أو الهدي لا يجوز وذلك لأنه ليس أيش؟
طالب: من أهل العبادة.
الشيخ: ليس من أهل القُرْبَة، فإذا كان لا يصح ذلك منه لنفسه فلا يصح منه لغيره، ولهذا اشترط المؤلف أن يوكل مسلمًا.
(ويشهدها)، ثم قال المؤلف: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قدره إلى يومين بعده)
(وقت الذبح) يعني الوقت الجائز فيه الذبح يوم العيد بعد الصلاة بعد صلاة العيد، (أو قدره) أي: قدر زمن الصلاة لمن ليس عندهم صلاة عيد، إلى آخر يومين بعده، فتكون أيام الذبح ثلاثة فقط؛ يوم العيد ويومان بعده.
وليس في المسألة دليل على أن الذبح يكون في يومين بعد العيد، لكن إما أن نقول: إن الذبح يوم العيد فقط أو أيام التشريق كلها.
[ ١ / ٤١٣٠ ]
أما وجه الأول الذي يقول: لا نحر إلا يوم العيد فلأن الذي يسمى من هذه الأيام يوم النحر هو يوم العيد فيختص النحر به، وقد قال بذلك بعض أهل العلم أن يوم الذبح هو يوم العيد فقط.
وأما من قال: إنها أيام التشريق بالإضافة إلى يوم العيد فتكون أيام الذبح أربعة فله دليل سنذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وأما تخصيصه بيومين فلا أعلم في ذلك أصلًا من السنة، لكنه ورد عن الصحابة ﵃ تخصيصه بيومين بعد العيد.
نرجع الآن إلى قوله: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد) وعُلِمَ من كلامه ﵀ أنه لو ذبح قبل الصلاة فإن ذلك لا يجزئ لأنه قبل الوقت، فكما أنه لو صلى الظهر قبل زوال الشمس لم تجزئه عن صلاة الظهر، كذلك لو ضحى قبل الصلاة فإنه لا يجزئه لأنه قبل الوقت، وقد ثبت عن النبي ﷺ الحديث العام الذي يعتبر قاعدة عظيمة في الشريعة «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٥)، وثبت في هذه المسألة بخصوصها أن «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ وَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» (٦)، ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ وأعلنه في خطبة صلاة عيد الأضحى.
[ ١ / ٤١٣١ ]
وقد أورد عليه أبو بردة بن نيار ﵁ أورد عليه قصة وقعت له، وهو أنه أحب أن يكون بيته يأكل اللحم قبل أن يصلي في أول النهار فذبح أضحيته قبل أن يصلي، فسأل النبي ﵌ عن ذلك فقال له: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍِ» (٧) مع أن الرجل جاهل، لكن الأوامر لا يعذر فيها بالجهل بخلاف النواهي؛ فالنواهي إذا فعلها الإنسان جاهلًا عذر بجهله، أما الأوامر فلا، ولهذا لم يعذره النبي ﷺ، بل قال: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ»، وقال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى» (٨) فقال أبو بردة: إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين - والعناق الصغيرة من المعز - لها نحو أربعة أشهر، يعني فهل أذبحها وتجزئ عني؟ قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (٩) مع أن هذه العناق لا تجزئ في الأضحية، ما الذي فات منها؟
الطلبة: السن.
الشيخ: السن المعتبر شرعًا، لكن النبي ﷺ أذن له، وقال: «إِنَّهَا لَا تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، فهذا هو الدليل على أنه لا بد أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، فإذا كان في مكان ليس فيه صلاة عيد فليعتبر ذلك بمقدار صلاة العيد ولا يعتبر ما حوله.
يعني: لو فرض أنه في بادية قريبًا من عنيزة مثلًا، فهل نقول: المعتبر صلاة عنيزة؟ لا، المعتبر قدر الصلاة؛ لأنه في مكان لا يُصَلَّى فيه العيد فيعتبر قدر الصلاة.
فإذا كانت صلاة العيد تحل بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح، وعيد الأضحى يُسَنُّ فيها التبكير في الصلاة فليقدر بعد ارتفاع الشمس قدر رمح نحو ربع ساعة لأن ربع ساعة تتم فيها الصلاة، وإذا كان ارتفاع الشمس قدر رمح مقداره ثلث ساعة أو ربع ساعة فيكون ابتداء الذبح بعد طلوع الشمس بنحو نصف ساعة أو خمس وثلاثين دقيقة.
يقول: (إلى يومين بعده) يعني: إلى آخر يومين، ودليل ذلك ما روي عن بعض الصحابة ﵃ أنهم حددوا الوقت بذلك.
[ ١ / ٤١٣٢ ]
وقال بعض أهل العلم: إن وقت الذبح يوم العيد فقط؛ لأنه اليوم الذي يُسَمَّى يوم النحر، وقال بعض العلماء: بل أيام التشريق الثلاثة تبعًا ليوم العيد، وقال آخرون: بل شهر ذي الحجة كله وقت للذبح، فالأقوال إذن؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أو ثلاثة؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: الأول.
الطلبة: يوم العيد.
الشيخ: يوم العيد. والثاني؟
الطلبة: يومان بعده.
الشيخ: يوم العيد ويومان بعده. والثالث؟
الطلبة: يوم العيد ..
الشيخ: يوم العيد وثلاثة أيام بعده. والرابع؟
الطلبة: شهر.
الشيخ: كل شهر ذي الحجة.
ولكن أصح الأقوال أن أيام الذبح أربعة؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده، والدليل على هذا أمور:
أولًا: أنه قد رُوِيَ عن النبي ﵊ أنه قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (١٠)، وهذا نص في الموضوع، ولولا ما أُعِلَّ فيه من الإرسال والتدليس لكان فصلًا في النزاع.
ثانيًا: قول النبي ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ ﷿» (١١)، فجعل حكمها واحدًا أنها أيام أكل -يعني: مما يذبح فيها- وشرب وذكر لله ﷿.
ثالثًا: أن هذه الأيام الثلاثة كلها تتساوى في تحريم صيامها لقول عائشة وابن عمر ﵃: لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصمْن إلا لمن لم يجد الهدي (١٢).
رابعًا: أن هذه الأيام كلها أيام للرمي؛ لرمي الجمرات، فلا يختص الرمي بيومين بعده، بل كل الأيام الثلاثة.
[ ١ / ٤١٣٣ ]
خامسًا: أنها كلها يُشْرَع فيها التكبير المطلق والمقيد، أو المقيد على قول بعض العلماء، ولم يفرق أحد من العلماء فيما نعلم بين هذه الأيام الثلاثة في التكبير فهي مشتركة في جميع الأحكام، وإذا كانت كذلك فلا يمكن أن نُخْرِج عن هذا الاشتراك وقت الذبح، بل نقول: إن وقت الذبح يستمر من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، وهذا هو القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀.
هل يجزئ الذبح من حين الصلاة أو لا بد من الخطبة وذبح الإمام؟
الصحيح أنه يكتفي بالصلاة، ولكن الأفضل أن يكون الذبح بعد الخطبة وبعد ذبح الإمام، وهذا إن فعل الإمام السنة في الذبح؛ وهو أن يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها في مصلى العيد؛ لأن هذا هو السنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه كان يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ويذبحها هناك إظهارًا للشعيرة وتعميمًا للنفع؛ لأنها إذا كانت هناك في مصلى العيد حضرها الفقراء وحضرها الأغنياء أيضًا، فيعطى الفقراء منها صدقة ويعطى الأغنياء منها هدية.
لكن عمل الناس اليوم أن الإمام وغير الإمام لا يذبح في المصلى، وعلى هذا فتكون مراعاة ذبح الإمام مشقة عظيمة يعني: يحتاج إلى أن نزهم على الإمام إذا رجع إلى بيته، ونقول: هل ذبحت؟ إن قال: نعم. ذبحنا، وإن قال: لا. انتظرنا استحبابًا لا وجوبًا، لكن هذا في الوقت الحاضر فيه مشقة.
وقد يُنازَع في استحبابه؛ لأن تأخر الذبح عن ذبح الإمام فيما إذا أعلنه الإمام وتبين للناس، ولكن مراعاة انتهاء الخطبة أمر سهل، فيقال للناس: لا تذبحوا حتى تنتهي الصلاة والخطبة؛ لأن هذا هو الأفضل، وكما قد جاء في بعض روايات الحديث أن الرسول ﵊ أمر بانتظار الخطبة.
[ ١ / ٤١٣٤ ]
قال المؤلف: (ويُكْرَه في ليلتهما) أي: ليلتي أيام التشريق، لكن المؤلف يرى أن أيام الذبح يومان؛ ولهذا جاءت بالتثنية (في ليلتهما) أي: ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر يكره أن يذبح، لماذا؟
قالوا: لأن الرسول ﷺ قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»، وقال: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ ﷿»، وهذا يدل على أن محل الذبح هو اليوم، وعلى هذا فيُكْرَه الذبح في الليل، ولأن الذبح في الليل ربما يعمد إليه البخلاء من أجل أَلَّا يتصدقوا فلهذا كُرِه.
وقيل في علة الكراهة: خروجًا من الخلاف؛ أي: خلاف من قال من العلماء: إنه لا يجزئ الذبح ليلًا لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].
والتعليل بالخلاف فيه خلاف، والصحيح أنه لا تعليل في الخلاف، ولو أننا أخذنا بهذا القول -أي: بالتعليل بالخلاف- ما بقي مسألة مباحة؛ لأنه لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف.
فإذا قلنا: إن مراعاة الخلاف لازمة، وإنه يجب أن ندع ما فيه الخلاف من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك لم يبق مسألة إلا وهي مكروهة، فالصواب أنه لا تعليل في الخلاف.
ولكن يقال: إن كان الخلاف له حظ من النظر -أي من الدليل- فإننا نراعيه، لا لكونه خلافًا ولكن لما يقترن به من الدليل الموجب للشبهة، وهذا هو الصحيح، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأنكر التعليل بالخلاف، وما ذكره صحيح؛ فإن الخلاف إذا لم يكن له حظ من النظر فإنه لا عبرة به، ولهذا قيل:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرا
إِلَّا خِلَافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ
فما هو الصواب إذن؟ الصواب أنَّ الذبح في ليلتهما لا يُكْرَه إلا أن يُخِلَّ ذلك بما ينبغي في الأضحية، فيُكْرَه من هذه الناحية لا من كونه ذبحًا في الليل.
[ ١ / ٤١٣٥ ]
(فإن فات) أي: وقت الذبح (قضى واجبه) وفعل به كالأداء، إن فات الذبح؛ وذلك بغروب الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق على ما ذهب إليه المؤلف، أو بغروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق على ما رجحناه.
(قضى واجبه) واجب أيش؟ واجب الهدي والأضحية، والمراد: ما وجب قبل التعيين.
مثال ذلك: رجل قال: لله عليَّ نذر أن أضحي هذا العام، ولكنه لم يضحِّ حتى غابت الشمس، فنقول: اقض هذه الأضحية.
ولكن الصواب في هذه المسألة أنه إذا فات الوقت، فإن كان تأخيره عن عمد فإن القضاء لا ينفعه ولا يؤمر به لقول النبي ﵌: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
وأما إذا كان عن نسيان أو جهل أو انفلتت البهيمة وكان يرجو وجودها قبل فوات الذبح حتى انفرط عليه الوقت، ثم وجد البهيمة ففي هذه الحال يذبحها؛ لأنه أَخَّرها عن الوقت لعذر، فيكون ذلك كما في قول النبي ﵌: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» (١٣).
وإذا كانت وصية ليست له، فهل تدخل في عموم قوله: (قضى واجبه)؟
فالجواب: لا، الوصية تُعْتَبر تطوعًا من الموصي، والواجب على الموصى إليه هو التنفيذ، والآن نقول: إن الموصى إليه قائم مقام الموصي، والموصي لو أَخَّرها إلى ما بعد غروب الشمس إلى ما بعد فوات الوقت فإنه لا يلزمه القضاء لأنها في حقه تطوع وليست بواجبة.
وعلى هذا فإذا قُدِّر أن الوصيَّ لم يضحِّ هذا العام لعذر مثلًا قلنا له: أَخِّرْها إلى العام القادم واذبحها في أيام الذبح؛ فيذبح على هذا أضحيتين: أضحية قضاءً عن العام الماضي، والثانية أداءً لهذا العام.
طالب: شيخ، هل نقول: الأَولى لغير الإمام في الأضحية أن يُضَحِّي في المصلى أو في الأسواق أو في البيوت؟
[ ١ / ٤١٣٦ ]
الشيخ: في الوقت الحاضر نقول: لا تضحِّ في المصلى إلا إذا ضحى الإمام، ولا تضحِّ في الأسواق؛ لأنك إذا ضحيت في الأسواق لوَّثتها على الناس وصار في ذلك قذر ونجاسة.
طالب: شيخ، كثير من العلماء يستدلون بقول الله ﷿: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] على استحباب التكبير. أيش وجهه؟
الشيخ: () هذه الآية في أي عيد؟
طالب: في الحج، ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
طالب: في رمضان.
الشيخ: قلناها: في الأول، أكثر ما تَحَدَّث الله تعالى عن التسمية أو عن ذكر الله على الذبيحة في سورة الحج. تأملها.
طالب: عفا الله عنك، إذا كان الإنسان غائبًا، وما حضر هذا الذبح إلا بعد أن انقضى أيام التشريق في الليل يجب أن يذبح ولّا لا؟
الشيخ: ما يذبح، فات الوقت.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ما فيها دليل على اسم الله؟
الشيخ: إي نعم، ﴿صَوَافَّ﴾، وفي قراءة ﴿صَوَافٍ﴾، وهي التي رفعت إحدى قوائمها.
طالب: شيخ، بعض الناس إذا أراد أن يضحي وهو ليس في الحج؛ يعني: في بلده، ما يقص شيئًا من شعره ولا من أظفاره إلى أن يذبح الذبيحة في الوقت، يعني: بعدما يذبح، هل هذا من السنة؟
الشيخ: صحيح، هذا من الواجب؛ «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُضَحِّيَ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا ظُفْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» حتى يضحى. هذا ثبت في صحيح مسلم (١٤) عن أم سلمة ﵂.
واختلف العلماء في هذا النهي؛ هل هو للتحريم أو للكراهة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه للتحريم.
طالب: بارك الله فيك، رجل يسكن في مكان بين مسجدين، المسجد هذا يبعد عن المسجد هذا كيلو مترات، وهذا المسجد انتهى من الصلاة وهذا لم ينتهِ، يذبح على هذا ولا ذاك؟
الشيخ: يذبح على الأول.
الطالب: الأول؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بارك الله فيك.
[ ١ / ٤١٣٧ ]
طالب آخر: إذا كان الإنسان حاجًّا سواء كان متمتعًا أو مفردًا، فهل يضحي عن أهل بيته إذا كانوا في بلدٍ آخر، وأهل بيته في بلدهم؟
الشيخ: في بلدهم، نقول: وَصِّ أهل البيت ليضحوا عن أنفسهم.
طالب: لا، إذا كان عنده هدي، هل يضحي ويهدي ولّا لا؟
الشيخ: لا، الصحيح أنه يُهْدِي فقط.
طالب: فتكون تجزئ كأضحية مع الهدي.
الشيخ: لا، هذه هدي إن كان تمتعًا أو قرانًا فهو هدي واجب، وإن كان إفرادًا فهو هدي تطوع، أما الأضحية فتكون في غير مكة.
طالب: يعني: تسقط في حق الحاج أو حق أهل بيته؟
الشيخ: في حق الحاج نعم، في حق الحاج ما هو في حق أهل مكة.
طالب: لا، أهل بيته.
الشيخ: لا، نقول: مُرْهُم فليضحوا، إذا كان عندهم مال يأمرهم فيضحوا.
طالب: شيخ، دليل مَنْ قال إن () وهو في سفر.
الشيخ: الظاهر أن دليلهم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فجعل الله تعالى كل الأشهر وقتًا للحج، والأضحية من جنس الحج كلها عمل يذكر عليه اسم الله.
طالب: () صحيح؟
الشيخ: إي، لأن الرسول أخبر بأنه لا أضحية قبل الصلاة.
طالب: شيخ، هل ذكاة السكران صحيحة؟ وهل يُسأل عن حاله حين الذبح إذا لم تُعلم؟
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل ذكاة السكران حلال تحل الذبيحة؟
الجواب: لا، لأنه لا قصد له.
طالب: وهل يُسأَل عن حاله؟
الشيخ: ولا يُسأَل، الأصل الحل.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- في حديث أبي بردة عن الرسول ﷺ قال: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» بَعْدِيَّة الحالية أم بعدية الشخصية؟
الشيخ: إي، هذا سؤال مهم، هل المراد بقوله: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» يعني: عينًا وشخصًا؟ أم المراد: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» حالًا؟
أكثر العلماء على الأول، والصحيح الثاني، وأن من وقع له مثل ما وقع لأبي بردة فلا حرج أن يذبح
العناق
[ ١ / ٤١٣٨ ]
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم قبل قليل بأن البعدية بعدية حال، وعلى هذا فمن حصل له مثل ما حصل لأبي بردة فإن له أن يذبح عناقًا، لكن قول النبي ﵊: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». أقول: قول النبي ﷺ: «لَنْ تُجْزِئَ»، كيف قلنا () بأنها تجزي إذا قلنا بأن البعدية بعدية حال؟
الشيخ: إي، يعني: بعدك بعد حالك، مثلما تقول ما بعد ها لحال شيء، وذلك أن القاعدة الشرعية أن التكاليف لا تتعلق بالشخص لشخصيته؛ لأن الله تعالى لا يحابي أحدًا، وإنما تعلق الأحكام بالمعاني والعلل، حتى خصائص الرسول ﵊ ليست خصائص له شخصية لكن من أجل أنه رسول ولا يتصف بهذا الوصف سواه.
وهذا الذي نراه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الحق، كيف الله يَخُصُّ هذا الإنسان بخصيصة من بين سائر الناس؟ ! الأحكام الشرعية معلقة بالأوصاف والمعاني لا بالأشخاص.
الطالب: لكن أحسن الله إليكم، الإشكال عندي أن النبي قال لأبي بردة: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
الشيخ: إي، ويش معنى بعدك؟ البعدية قد تكون بعدية حال وبعدية زمن، فهذه بعدية حال، وإنما عَدَلْنا عن ظاهر اللفظ إلى هذا؛ لأن القاعدة الشرعية أن العبادات لا يمكن أن تعلق أو أن تعلل بالشخص، لا بد أن يكون هناك علة أوجبت هذا الحكم فالناس في حكم الله سواء.
الطالب: هو -أحسن الله إليكم- هذا واضح لا غبار عليه، لكن الإشكال عندي أن النبي ﷺ يعني تركيبة بعدية الحال هذا مع قوله «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»؟
الشيخ: بعدك؛ يعني: بعد حالك، المعنى لن تجزئ عن أحد.
الطالب: بعد حالك مثلك.
الشيخ: مثلك.
طالب: طيب، كيف نقول: لمن لم يجد عناقًا لمن لم يجد شاةً اذبح.
الشيخ: نقول: إذا كان الإنسان ذبح شاةً قبل صلاة العيد جاهلًا، ثم ليس عنده إلا عناق، ما عنده دراهم يشتري، فنقول: اذبح العناق وتجزئ عنك.
[ ١ / ٤١٣٩ ]
طالب: شيخ، حتى لو كان ما يكون () العناق.
الشيخ: لا، أيش؟
طالب: ().
الشيخ: هذا إيراد جيد؛ يقول: حتى لو كانت العناق ليست غالية عنده؛ لأن أبا بردة يقول: عندنا عناق هي أحب إلينا من شاتين، فيقول: إذا كان عنده عناق، لكن ما يحبها، ما يهمه، العناق يعني: العنزة الصغيرة والكبيرة عنده سواء، فهذا قد يقال: إنه محل نظر، هل إننا نقول: إنه لكون هذه العناق قيمتها في قلب أبي بردة تساوي شاتين هو الذي برر أن يذبحها أو نقول: إن محبة الإنسان للشيء لا ترفعه إلى أن يجزئ وهو على وصف لا يجزئ؛ ولهذا لو كان الإنسان عنده عناق ولم تحدث له هذه الحالة وقال: إن هذه العناق أحب إلي من شاتين. نقول: لا تجزئ، فليس العلة هي كونه يحب، هذا وصف طردي لا يؤثر في الحكم.
طالب: شيخ، إذا كان –مثلًا- رجل يرى أن التسمية بعد الذبيحة () فالابن –مثلًا- لا يرى هذا فهل إذا أمر والده ()؟
الشيخ: ما مر علينا هذا! () سأله بعض الإخوة، وقلنا: العبرة بما يراه الذابح.
طالب: يعني: يجوز هذا؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: إن نذر أن يضحي هذا العام، ثم ترك الأضحية حتى خرج الوقت متعمدًا، فهل الواجب عليه كفارة يمين أم يقضيها من العام القادم؟
الشيخ: العلماء يقولون: يجب عليه أن يذبح الأضحية التي نذر، لكن مو بهذا العام على القول الراجح، ويجب عليه لتركه الوقت كفارة يمين.
طالب: يجب الأمرين؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ذكرنا في باب صلاة العيدين إذا أنه صلى العيد في المسجد، وذكرنا حديث الرسول ﷺ أن الإمام يجوز له أن يضحي في المصلى، فلو قال قائل: هل نُجَوِّز للإنسان أن يذبح في المسجد شاة؟
الشيخ: يقول: قوله: إن الرسول نحر بالمصلى، هل يجوز أن ينحر الإنسان بالمصلى فيلوث المسجد؟
[ ١ / ٤١٤٠ ]
لا، ومعنى أنه ذبح بالمصلى أي: هناك خارج حدود المسجد، مثلما تقول مثلًا، لو أحد خرج بأضحيته وذبحها أمام مصلى العيد أو عن يمينه أو شماله؛ قيل: ذبح بالمصلى لقربه منه وليس في نفس المصلى؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْقَذَرِ» (١٥) وهذا أذى وقذر.
طالب: () كما قال الرسول ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَذَبْحٍ».
الشيخ: «وَذِكْرٍ».
طالب: «وَذِكْرٍ»، بالنسبة يا شيخ، هذا التقييد الرسول ﷺ () قيد أيام التشريق بثلاثة أيام.
الشيخ: لا ويش معنى «ذِكْر»، قال: أيش؟
الطالب: ذبح ..
الشيخ: على الذبائح.
الطالب: نعم التي بعد ثلاثة أيام التشريق، فكأن الشيخ يؤيد هذه الأيام، يعني ما في دليل على سوى هذا؟
الشيخ: أصلها الذكر؛ الذكر على الأضحية ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ في أيامٍ معلومات ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الَْانْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].
الطالب: ().
الشيخ: يشمل حتى على الأضاحي، ثم الحديث الذي ذكرنا اللي فيه محمد بن إسحاق أُعِلَّ بالتدليس قال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»، ثم إن أيام التشريق متفقة في جميع الأحكام، فما الذي يُخْرِج هذا عنه، ما في دليل يخرج هذا.
***
الطالب:
فصل
ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية لا بالنية، وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إلا أن يبدلها بخير منها، وَيَجُز صوفَها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق، وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها.
الشيخ: (ولا يعطى جازرها) ما قرأتها، (ولا يعطى جازرها أجرته منها ولا يعطى جلدها ولا شيئًا منها بل ينتفع به)، ألحقها بعد.
[ ١ / ٤١٤١ ]
الطالب: وسُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف في زاد المستقنع: (ويتعينان) أي: الهدي والأضحية بقوله: هذا هدي بالنسبة للهدي، أو أضحية بالنسبة للأضحية.
يتعينان بالقول ولا يتعينان بالنية ولا بالشراء؛ يتعينان بالقول بقوله: هذا هدي بالنسبة للهدي، أو هذه أضحية بالنسبة للأضحية، ولا يتعينان بالنية، فلو اشترى شاة بنية أن يضحي بها فإنها لا تتعين ما دامت في ملكه، إن شاء باعها وإن شاء فسخ النية، وإن شاء تصدق بها، وإن شاء أهداها، المهم أنها لا تتعين إلا بالقول.
كذلك لو اشترى شاة يريد أن تكون هديًا كهدي متعة مثلًا، اشتراها وفي أثناء الطريق قبل أن يقول: هي هدي، أراد أن يبيعها فلا بأس، وهنا فرق بين أن يقول: هذا هدي أو هذه أضحية على سبيل الإخبار وبين أن يقول: هذا هدي أو أضحية على سبيل الإنشاء، ويظهر الفرق بينهما بالمثال؛
فرجل يجر شاة فقال له مَن رآه: ما هذه؟ قال: هذه شاة للأضحية؛ يعني: أنها شاة يريد أن يضحي بها، هذا خبر وليس بإنشاء.
بخلاف ما إذا قال: هذه أضحية لله، وأنشأ أن تكون أضحية فإنها حينئذ تتعين.
وعُلِمَ من كلام المؤلف أنها لا تتعين بالفعل، أي: لا يتعين الهدي ولا الأضحية بالفعل، ولكن في هذا نظر، فإنهم نصوا على أن الهدي إذا قلده أو أَشْعَره بنية أنه هدي فإنه يكون هديًا وإن لم ينطق به.
والتقليد هو أن يُقَلِّد النعال وقِطَع القرب والثياب الخَلِقة وما أشبه ذلك في عنق البهيمة؛ فإنه إذا عَلَّق هذه الأشياء في عنقها فَهِمَ من رآها أنها لمن؟ أنها للفقراء.
وهذا كان معتادًا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعهد من بعده، حتى تضاءل سَوْق الهدي بين الناس، وصار لا يُعْرَف هذا الشيء.
[ ١ / ٤١٤٢ ]
إنما التقليد إذا قال: ما هو التقليد؟
أن يُقَلِّد في عنق البهيمة شيئًا يدل على أنها للفقراء، قالوا: مثل أنها قطع النعال القديمة، أو قطع القرب القديمة، أو الثياب الخلقة حتى يعرف من رآها أنها للفقراء؛ هدي.
وأما الإشعار فإن الإشعار هو أن يشق سنام البعير حتى يخرج الدم ويسيل على الشعر، فإن من رآه يعرف أن هذا مُعَدٌّ للنحر.
فالآن نقول: الهدي يتعين بالقول وبالفعل مع النية؛ القول قوله: هذا هدي، والفعل الإشعار أو التقليد مع النية، يكون هديًا بذلك، ويترتب على التعيين وعدمه مسائل ستذكر فيما بعد.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه إذا اشتراه بنية الأضحية أو بنية الهدي أنه يكون هديًا أو يكون أضحية، وأنه لا يُشْتَرط لذلك لفظ؛ لأن المقصود أن يتعين هذا أضحية أو هديًا وهذا يحصل بالنية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لُكِلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٦).
ولكن الأظهر ما ذهب إليه المؤلف ﵀ المشهور من المذهب أنه لا بد من القول، وأما النية فلا يحصل بها التعيين؛ بدليل أن الإنسان لو اشترى عبدًا ليعتقه في كفارة أو غيرها فهل يعتق؟
لا، أو اشترى بيتًا ليوقفه على الفقراء أو المساكين أو طلبة العلم أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يكون البيت وقفًا بمجرد الشراء حتى يفعل ما يختص بهذا الشيء، ولهذا قلنا في الهدي لما كان يشرع تقليده أو إشعاره قلنا: إن تقليده أو إشعاره بالنية يعتبر تعيينًا.
يقول المؤلف: (لا بالنية)؛ يعني: لا يتعين بالنية، كما لو أخرج الإنسان دراهم ليتصدق بها فهل تتعين صدقة؟
لا، لا تتعين إن شاء أمضاها وإن شاء أبقاها؛ لأنه لم يدفعها للفقراء.
[ ١ / ٤١٤٣ ]
فالحاصل أننا إذا سئلنا بماذا تتعين الأضحية؟ قلنا: بالقول. وبماذا يتعين الهدي؟ قلنا: بالقول وبالفعل، وإنما زاد الهدي بالفعل لأن له فعلًا خاصًا وهو التقليد أو الإشعار، أما الأضحية فليس لها فعل خاص، ولهذا لا تكون أضحية إلا بالقول.
ثم قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها) هذه الأحكام التي تترتب على تعينها؛ إذا تعينت لم يجز بيعها لأنها صارت صدقة لله؛ كالوقف لا يجوز بيعه، وكالعبد إذا أعتق لا يجوز بيعه، فلا يجوز بيعها بأي حال من الأحوال، حتى لو ضعفت وهزلت فإنه لا يجوز له بيعها، ولكن لا بد من الشروط السابقة شروط الأضحية.
(ولَا هِبَتُهَا) ولا يجوز أن يهبها لأحد، والفرق بين البيع والهبة أن البيع بعوض، والهبة تبرع بلا عوض.
وهل يجوز أن يتصدق بها؟
لا؛ يعني: ولا يجوز أيضًا أن يتصدق بها، لا بد أن يذبحها، ثم بعد ذبحها إن شاء وهبها وتصدق بما يجب التصدق به، وإن شاء أبقاها، وإن شاء تصدق بها كلها، لكن لا بد أن يتصدق منها بجزء كما سيأتي إن شاء الله ذكره.
المهم إذا تعينت يترتب على ذلك أحكام:
أولًا: تحريم بيعها وهبتها والصدقة بها، وينبني على ذلك وجوب ذبحها ولا بد، وعلى هذا فلو أن الإنسان يقود هَدْيَه فلقي فقراء وقالوا: أعطنا إياه فأعطاهم إياه، فهل يجزئه عن الهدي؟
لا، لا يجزئه، فإن قالوا: نذبحه لك، ووكلهم في ذلك، فهل يجزئ؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: لا، فيه التفصيل؛ إن كان يثق بهم وأنهم سوف يذبحونه فلا بأس ويكونون وكلاء له، أما إذا لم يثق بهم بحيث يخشى أنهم يأخذونه ثم يذهبون يبيعونه فهذا لا يجزئه.
قال المؤلف: (إلا أن يبدلها بخير منها) فيجوز؛ قال: (إلا أن يبدلها بخير منها)، والإبدال نوع من البيع، لكن الغالب أن البيع يكون بنقد ثم يشتري بدلها أضحية.
[ ١ / ٤١٤٤ ]
لكن إذا أبدلها بخير منها مثل أن يكون عَيَّن هذه الشاة أضحية، ثم وجد مع شخص آخر شاة خيرًا منها في السمن والكبر والطيب، وأراد أن يبدلها بخير منها، فإن ذلك لا بأس به؛ لأنه زاد خيرًا ولم يتهم برد شيء من ملك هذه الأضحية إلى نفسه؛ وربما يستدل لذلك بحديث الرجل الذي قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أُصَلِّيَ في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَا هُنَا» فأعاد عليه، قال: «صَلِّ هَا هُنَا» -يعني: في مكة لأن مكة أفضل من بيت المقدس- فأعاد عليه الثالثة، فقال في الثالثة أو الرابعة: «شَأْنَكَ إِذَنْ» (١٧).
فدل ذلك على أن الإنسان إذا أبدل العبادة بما هو خير منها فإن ذلك جائز ولا بأس به، وعلى هذا فإذا أبدلها بخير منها فلا حرج؛ أولًا: للدليل الأثري والدليل النظري؛ الدليل الأثري: قصة الرجل الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس، فقال له النبي ﵌: «صَلِّ هَاهُنَا».
وأما النظري: فيقال: إنه زاد خيرًا، زاد خيرًا لأن هذه أفضل وأنفع للفقراء وأثمن في الغالب.
وعُلِمَ من قوله: (إلا أن يبدلها بخير منها) أنه لو باعها ليشتري خيرًا منها فإن ذلك لا يجوز؛ لأن المؤلف استثنى مسألة واحدة وهي الإبدال، وعلى هذا فلو قال: أنا أريد أن أبيعها ثم أشتري خيرًا منها، قلنا: لا يجوز.
وقال بعض العلماء: يجوز؛ لأن الأعمال بالنيات، وهذا الرجل باعها بنية أن يبدلها بخير منها فيكون جائزًا، كما لو أبدلها رأسًا بخير منها.
ولكن الأَوْلى سد الباب وأن لا يتصرف فيها ببيع؛ لأنه ربما يتصرف فيها ببيع ليشتري خيرًا منها ثم لا يتيسر له أن يشتري أو يأخذه الطمع أو ما أشبه ذلك، وعليه فلا يُسْتَثْنَى إلا أيش؟
طلبة: الإبدال.
الشيخ: إلا الإبدال فقط.
[ ١ / ٤١٤٥ ]
ثم قال المؤلف: (ويجز صوفها ونحوه) هذا أيضًا مما يترتب على التعيين؛ أنه لا يأخذ منها شيئًا لا صوفًا ولا لبنًا إذا كان لها ولد يضره أخذ اللبن؛ لأنها الآن أصبحت خارجة عن أيش؟ عن ملكه، فلا يجز الصوف.
لو قال: أنا أريد أن أجز صوفها؛ لأني سأذبحها، فأجز الصوف لأنتفع به.
قلنا: لا يجوز إلا إذا كان أنفع لها، إذا كان أنفع لها فلا بأس، وكيف يمكن أن يكون أنفع لها؟
يمكن إذا كان عليها صوف كثير يؤذيها، وكان في جزه راحة لها، أو نبت فيها جرح وجز الشعر من أجل إبراز الجرح للهواء حتى ينشف ويبرد، المهم إذا كان جز الصوف أنفع فإنه يجزه، وإن كان أضر؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: فلا يجوز؛ لأن المؤلف استثنى، ذَكَر إذا كان أنفع.
وقوله: (صوفها ونحوه) ما الذي نحو الصوف؟
طلبة: الشعر.
الشيخ: الشعر والوبر؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] الشعر يكون للبقر وللإبل وأيش؟
طالب: الغنم.
الشيخ: الإبل لها الأوبار، والضأن لها الأصواف، والماعز والبقر الشعر.
(ويتصدق به) يتصدق بهذا الذي جزه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا ينتفع به، وأنه يجب أن يتصدق به، فلو قال: أريد أن أجعله ثيابًا أو أجعله حبالًا. قلنا: لا يجوز، بل يجب أن تتصدق به.
وقال بعض العلماء: لا يجوز أن ينتفع به؛ لأنه إذا كان له أن ينتفع بالجلد كاملًا فالشعر من باب أولى، وهذا هو الصحيح أنه لا يجب عليه أن يتصدق به، لكن يجب أن نلاحظ الشرط الأول وهو أنه لا يجزه إلا إذا كان ذلك أنفع لها، فإذا كان أنفع لها وجزه فنقول: إن شئت تصدق به، وإن شئت فهبه، وإن شئت فانتفع به؛ لأن انتفاعك بالجلد والصوف بل وبالشحم واللحم والعظام جائز ولا يلزمك أن تخرج إلا ما يصدق عليه اسم اللحم كما سيأتي.
قال: (ولا يعطي جازرها أجرته منها، ولا يبيع جلدها ولا شيئًا منها)
[ ١ / ٤١٤٦ ]
لا يعطي الجازر أجرته منها، من الجازر؟
طلبة: الذي يذبح.
الشيخ: الذابح والناحر، الناحر للإبل والذابح لغيرها لا يعطيه أجرته منها؛ لأن هذا الجازر نائب عنه، وهو ملزم بأن يذبحها هو بنفسه، فإذا كان ملزمًا بأن يذبحها من أجل أن تكون قربة فإنه لا يمكن أن يعطي الجازر منها أجرته وهو وكيل عنه.
قد يقول قائل: ألستم تجيزون أن يُعْطَى العامل على الزكاة من الزكاة، فلماذا لا يجوز أن نعطي الجازر؛ جازر الأضحية والهدي من الهدي كما نعطي العامل على الزكاة؟
قلنا: الفرق ظاهر؛ لأن هذا الجازر وكيل عمن؟ عن المالك، ولهذا لو وكل الإنسان شخصًا يفرق زكاته، لو وكل شخصًا يفرق زكاته فإنه لا يجوز أن يعطيه من سهم العاملين عليها.
يعني: إنسان أرسل لشخص عشرة آلاف ريال، قال: خذ هذه وزعها زكاة، فهذا الذي أخذ العشرة آلاف لا يجوز أن يأخذ لنفسه منها شيئًا؛ لأن العامل عليها هو الذي يتولاها من قبل وليِّ الأمر، إذن لا يعطي الجازر أجرته منها.
وهل يجوز أن يعطيه شيئًا من الأجرة؟
الجواب: لا، يعني: لو قال: اذبحها لي وكانت تذبح بعشرة ريالات، وقال: أعطيك خمسة من لحمها وخمسة نقدًا، أيجوز؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه في ذلك يكون قد باع ما تَقَرَّب به إلى الله، قد باع اللحم؛ لأن عوض الأجرة بمنزلة عوض المبيع، فيكون قد باع لحمًا أخرجه لله، وهذا لا يجوز.
وهل يجوز أن يعطي الجازر هدية أو صدقة؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز كغيره، يجوز أن يعطيه صدقة، يجوز أن يعطيه هدية؛ إن كان فقيرًا أعطاه صدقة، وإن كان غنيًّا أعطاه هدية.
قال: (ولا يبيع جلدها ولا شيئًا منها) كما سبق أنه لا يبيعها إذا تعينت، فكذلك إذا ذبحت فإنها تتعين بالذبح، هي ذبحت انتهى الأمر تعينت بالذبح، ويحسن أن نضيف هذا أيضًا إلى ما سبق من أنها تتعين بالقول وبالفعل الدال عليه -على التعيين- وبالذبح؛ لأنها إذا ذبحت ما عاد يتصرف فيها، انتهت.
[ ١ / ٤١٤٧ ]
(لا يبيع جلدها) بعد الذبح لماذا؟ لأنها تعينت لله بجميع أجزائها، وما تعين لله فإنه لا يجوز أخذ العوض عليه، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه حمل على فرس له في سبيل الله -ويش معنى حمل؟ يعني: أعطى شخصًا فرسًا يجاهد عليه- ولكن الرجل الذي أخذه أضاعه، أضاع الفرس ولم يهتم به، فجاء عمر يستأذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شرائه؛ حيث ظن أن صاحبه يبيعه برخص، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» (١٨).
والعلة في ذلك أنه أيش؟ أخرجه لله، وما أخرجه الإنسان لله فلا يجوز أن يرجع فيه، ولهذا كان الذي يهاجر من بلد الشرك لا يجوز أن يرجع إلى هذه البلد التي هاجر منها ليسكن فيها؛ لأنه أيش؟ خرج لله من بلد يحبها فلا يرجع فيما يحب إذا كان قد تركه لله ﷿.
قال: (ولا شيئًا منها) يعني: لا يبيع شيئًا منها؛ من أجزائها؛ كيد، أو رجل، أو رأس، أو كرش، أو كبد أو ما أشبه ذلك، والعلة ما سمعتم.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع شيئًا من ذلك ولو صرفه فيما ينتفع به، وعلى هذا يمكن أن يُلْغَز بهذه المسألة يقال: شيء يجوز الانتفاع به، ولا يجوز بيعه ليشتري ما ينتفع به بدله.
الجلد لو أراد المضحي أن يدبغه، ويجعله قِربَة للماء، أيجوز؟
نعم، يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ويشتري بدلًا من القربة وعاءً للماء كالترمس مثلًا فهل يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، كل هذا حماية لما أخرجه لله أن يرجع فيه ولا شيئًا منها، وكذلك أيضًا نعم.
ثم قال: (وإن تعينت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة)، عندكم تعينت ولَّا تعيبت؟
الطلبة: تعيبت.
الشيخ: بالباء ولا بالنون؟
الطلبة: بالباء.
الشيخ: بالباء، إي نعم.
طالب: أيهما صحيح.
الشيخ: لا، الظاهر أن الصواب بالباء.
(وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين)
[ ١ / ٤١٤٨ ]
(إن تعيبت) الفاعل يعود على المتعيِّن من هدي أو أضحية، وهذا مما يترتب على قولنا: إنها تتعين، أنها لو تعيبت بعيب يمنع من الإجزاء فإنه يذبحها وتجزئ.
مثال ذلك: اشترى شاة للأضحية ثم انكسرت رجلها، وصارت لا تستطيع المشي مع الصحاح بعد أن عينها، فإنه في هذا الحال يذبحها وتجزئه؛ لأنها لما تعينت صارت أمانة عنده فإذا تعيبت بغير فعله أو تفريطه لم يلزمه الضمان وأجزأه أن يذبحها، أفهمتم يا جماعة؟ هذا هو تعليل الحكم؛ لأنها لما تعينت صارت عنده أيش؟
طلبة: أمانة.
الشيخ: أمانة كالوديعة، وإذا كانت أمانة ولم يحصل تعيبها بفعله أو تفريطه فإنه لا ضمان عليه فيذبحها وتجزئه.
وربما يستدل لذلك بقصة الرجل الذي اشترى أضحية فعدا الذئب على أليتها فأكلها فأذن له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يضحي بها (١٩)؛ وذلك لأن فقد الألية عيب يمنع الإجزاء، لكنه لما كان هذا العيب بعد التعيين وليس بتفريط منه ولا بفعله فإنه يكون أمينًا ولا ضمان عليه.
إذن قوله: (وإن تعيبت ذبحها وأجزأته) يستثنى من ذلك إذا تعيبت بفعله أو تفريطه بفعله بأن تكون بعيرًا حمل عليها ما لا تستطيع أن تحمله ثم عثرت وانكسرت، ففي هذه الحال يضمنها بمثلها أو خير منها، وكذلك لو كان بتفريطه كأن كانت في ليلة شاتية باردة وتركها أي ترك الأضحية في مكان بارد فتأثرت من البرد، ففي هذه الحال يجب عليه ضمانها بمثلها أو خير منها، لماذا؟
طلبة: للتفريط.
الشيخ: لأنه فرط، فلتفريطه يجب عليه الضمان.
قال: (إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) فهنا يجب عليه البدل.
مثال ذلك: رجل عليه هدي تمتع، هدي التمتع واجب في ذمته أو واجب بالتعيين؟ واجب في ذمته، لكن هدي التطوع لا يجب عليه إلا إذا عينه وجب عليه ذبحه؛ الواجب في الذمة قبل التعيين يطالب به الإنسان كاملًا، والواجب بالتعيين وأصله تطوع فيه هذا التفصيل الذي سمعتم وهو أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون ذلك بفعله أو أو تفريطه.
[ ١ / ٤١٤٩ ]
المثال الواجب قبل التعيين؛ قلت لكم: مثاله هدي التمتع؛ اشترى رجل هدي تمتع وعيَّنه، ثم بعد ذلك عثر هذا الهدي وانكسر، فهل يجزئه أن يذبحه ولو كان منكسرًا؟ لا؛ لأنه قد وجب في ذمته قبل التعيين أن يذبح هديًا لا عيب فيه، وهذا الهدي فيه عيب فليزمه أن يبدله بمثله.
لو أنه عين هذه الأضحية ثم هربت ولم يحصل عليها، فهل يلزمه بدلها؟ إن كانت واجبة قبل التعيين لزمه البدل، وإن لم تكن واجبة قبل التعيين نظرنا؛ إن فرط فعليه ضمان، وإن لم يفرط فلا ضمان عليه.
الهدي؛ اشترى هديًا، ثم هرب الهدي ولم يمسكه وعجز عنه بعد أن عينه، فهل يلزمه الضمان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؟ !
الطلبة: نعم.
الشيخ: هدي، أنا أقول هدي واجب، هدي تمتع؟
الطلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه بدله، لماذا؟
الطلبة: واجب عليه.
الشيخ: لأنه واجب في ذمته قبل التعيين، أما إن كان هدي تطوع فإنه لا يلزمه.
وإذا قلنا: يجب عليه بدله، فاشترى البدل وذبحه، وبعد ذبحه وجد الضال الذي هرب، فهل يلزمه أن يذبحه، أو يُكتفَى بالبدل؟
الطلبة: يكتفى بالبدل.
الشيخ: يكتفى بالبدل، هذا القول هو الراجح أنه في هذه الحال يكتفى بالبدل؛ لأن الرجل ضمن ما هرب وأدى الواجب عليه بدلًا عن الذي هرب، وإذا كان يجوز أن يبدلها بخير منها وهي حاضرة، فكذلك إذا كانت هاربة من باب أولى، ولكن المذهب أنه لا يسترجع الضال إذا وجده بل يذبحه؛ قالوا: لأن هذا الضال تعين بالتعيين فيجب عليه أن يذبحه لأنه عينه، لكن هذا التعليل كما سمعتم عليل، هو تَعَيَّن بالتعيين، ولكن أقام مقامه البدل فبرئت ذمته، فإذا عاد هذا الذي ضل فإنه يعود على ملك صاحبه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.
ثم قال المؤلف ﵀: (والأضحية سُنَّة) الأضحية هي: ما يذبح من النعم في أيام الأضحى تقربًا إلى الله ﷿. هذه هي الأضحية.
[ ١ / ٤١٥٠ ]
فقولنا: (ما يذبح في أيام الأضحى) خرج به ما يذبح في غير أيام الأضحى، فإنه ليس بأضحية حتى ولو ذبح ضحى، فالعقيقة مثلًا إذا ذبحناها في الضحى في غير أيام الأضاحي لا تُسَمَّى أضحية؛ لأن الأضحية إنما تكون في أيام الأضحى.
وقولنا: (تقربًا إلى الله) خرج به ما لو ذبح وليمة عرس في أيام الأضحى فإنها ليست بأضحية، لا بد أن ينوي بذلك التقرب إلى الله ﷿ بهذا الذبح.
قال: (سُنَّة) سنة مؤكدة جدًّا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم داوم عليها وضحى عشر سنوات، وحثَّ عليها صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى قال: «مَنْ وَجَدَ سِعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (٢٠)، وكان يظهرها على أنها شعيرة من شعائر الإسلام، حتى إنه يخرج بأضحيته إلى المصلى ويضحي بالمصلى، ولهذا اختلف العلماء هل هي سنة أو واجبة؟
فذهب أبو حنيفة ﵀ وأصحابه إلى أنها واجبة، وأن القادر يأثم إذا لم يضحِّ، ومال شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا، وأن القادر إذا لم يضح فهو آثم؛ لأنها شعيرة ظاهرة قرنها الله تعالى بالصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
والقول بالوجوب قوي للقادر؛ لكثرة الأدلة الدالة على عناية الشارع بها، واهتمامه بها، ولكن على من تُسَنُّ؟ أعلى الأحياء أم على الأموات؟
[ ١ / ٤١٥١ ]
الجواب: أنها على الأحياء، سنة للأحياء وليست سنة للأموات؛ ولهذا لم يضحِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أحد ممن مات له، لا ضحى عن زوجته خديجة وهي من أحب النساء إليه، ولا عن عمه حمزة وهو من أحب أعمامه إليه، ولا عن أحد من أولاده الذين ماتوا في حياته وأولاده بضعة منه، وإنما ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن أراد أن يدخل الأموات في العموم فإن قوله قد يكون وجيهًا، ولكن تكون التضحية عن الأموات هنا تبعًا لا استقلالًا؛ ولهذا لا يشرع أن يضحى للإنسان الميت استقلالًا لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن ضُحِّي عنه فقيل: تكون أضحية، وقيل: تكون صدقة، والفرق بينهما ظاهر، فإن الأضحية لها أجر أكثر من أجر الصدقة، المهم أن الأضحية سنة لمن؟
طلبة: للأحياء.
الشيخ: سنة للأحياء، أما الأموات فإن أوصوا بأن يُضحى عنهم نفذت الوصية لأنهم أوصوا بمباح، وإذا لم يوصوا بذلك فإنهم إن أراد الإنسان إدخالهم في لفظ أهل البيت فذلك وجيه، وإلا فإنه لا يضحى إلا عن الأحياء.
قال: (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) ذَبْحُ الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها.
فلو قال شخص: أنا عندي خمس مئة ريال، هل الأفضل أن أَتَصَدَّق بها أو أن أضحي بها؟
قلنا: الأفضل أن تضحي بها.
فإن قال: لو اشتريت بها لحمًا كثيرًا أكثر من قيمة الشاة أكثر من الشاة أربع مرات أو خمس مرات، فهل هذا أفضل أو أن أضحي؟
قلنا: الأفضل أن تضحي؛ فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وأفضل من شراء لحم بقدرها أو أكثر يتصدق به؛ وذلك لأن المقصود الأهم في الأضحية هو التقرب إلى الله تعالى بذبحها. هذا هو الأهم قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]
[ ١ / ٤١٥٢ ]
فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مَسْغَبة، وكانت الصدقة بالدراهم أنفع تَسُد ضرورة المسلمين، ففي هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أولى؛ لأن فيها إنقاذًا للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، لكن قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
ثم قال المؤلف: (سُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا) يعني: كيفية توزيع الأضحية.
***
طالب: قلنا بقول: (إن كان أنفع لها ويتصدق بها). قلنا: القول الراجح.
الشيخ: يتصدق بها؛ أي: بالصوف.
الطالب: قلنا: القول الراجح هو مخير إما يتصدق بها أو يأخذها، لو باعها.
الشيخ: لو باع هذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: يجوز ذلك؟
الشيخ: يجوز.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضُحِّيَ عن الميت استقلالًا ألا يقال: إنها بدعة؛ لأنه لم يرد عن الشرع أن النبي ﷺ فعله، فالتقيد بالحديث أولى يا شيخ.
الشيخ: بعض العلماء قال: إنها بدعة، وبعضهم قاسها على الصدقة، فالصدقة قد جاءت بها السنة.
الطالب: هو نوى أضحية يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، هو نوى أضحية، فيكون الأضحية من جملة المقصود بها نفع الفقراء.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- ذكركم باليوم بأنه لا بأس أن يبيع الإنسان صوفها، الفقهاء منعوا بيع الجلد؛ أي: الفرق بين الصوف والجلد.
الشيخ: نعم.
وسُنَّ أن يَأْكُلَ ويُهْدِيَ ويَتَصَدَّقَ أَثلاثًا وإن أَكَلَها إلا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بها جازَ وإلا ضَمِنَها ويَحْرُمُ على مَن يُضَحِّي أن يَأْخُذَ في العَشْرِ من شَعَرِه أو بَشَرَتِه شَيْئًا.
(فصلٌ)
تُسَنُّ العَقيقةُ: عن الغلامِ شاتان وعن الجارِيَةِ شاةٌ تُذْبَحُ يومَ سابعِهِ.
فإن فاتَ ففي أربعةَ عَشَرَ، فإن فاتَ ففي أَحَدٍ وعشرينَ، تُنْزَعُ جُدُولًا ولا يُكْسَرُ عَظْمُها، وحُكْمُها كالأُضْحِيَةِ إلا أنه لا يُجْزِئُ فيها شِرْكٌ في دَمٍ، ولا تُسَنُّ الفَرَعَةُ ولا العَتيرةُ.
(كتاب الجهاد)
[ ١ / ٤١٥٣ ]
وهو فَرْضُ كِفايةٍ، و(يَجِبُ) إذا حَضَرَه، أو حَصَرَ بلدَه عَدُوٌّ، أو اسْتَنْفَرَه الإمامُ، وتَمامُ الرِّباطِ أربعون يَوْمًا، وإذا كان أبواه مُسلِمَيْنِ لم يُجاهِدْ تَطَوُّعًا إلا بإذْنِهِما،
هذا هو الأهم، قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مسغبة، وكانت الصدقة بالدراهم أنفع، تسد ضرورة المسلمين، ففي هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أوْلى؛ لأن فيها إنقاذًا للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، لكن قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل.
ثم قال المؤلف: (وسن أن يأكل ويُهدي ويتصدق أثلاثًا) يعني كيفية توزيع الأضحية، أفاد المؤلف بقوله.
الطالب: قلنا في قوله: إن كان أنفع لها ويتصدق بها.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: القول الراجح.
الشيخ: (يتصدق به) أي بالصوف.
الطالب: إي نعم، قلنا القول الراجح: هو مخير إما يتصدق بها أو يأخذها.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو باعها.
الشيخ: لو باع هذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: يجوز ذلك؟
الشيخ: يجوز نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا ضُحي عن الميت استقلالًا، ألا يقال إنها بدعة، فإنه لم يرد عن الشرع النبي ﷺ أنه فعلها، نتقيد بالحديث أو لا يجوز؟
الشيخ: بعض العلماء قال: إنها بدعة، وبعضهم قاسها على الصدقة، فالصدقة قد جاءت بها السنة.
الطالب: وهو نوى أضحية يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، هو نوى أضحية، فيكون الأضحية من جملة المقصود بها نفع الفقراء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ذكرتم في اليوم بأنه لا بأس بأن يبيع الإنسان صوفها، الفقهاء منعوا بيع الجلد، أي فرق بين الصوف والجلد؟
[ ١ / ٤١٥٤ ]
الشيخ: تعرف أن الفقهاء يقولون: حتى الصوف ما يجوز بيعه. يقول: إذا جز صوفها؛ لأنه أنفع، فهل يجوز أن يبيعه؟ المذهب لا يجوز، يتصدق به، ولا يجوز بيعه، لكن القول الراجح أنه يجوز أن يتصدق به.
طالب: والجلد؟
الشيخ: الجلد جزء من اللحم، تدخله الحياة، وليس في حكم المنفصل بخلاف الصوف فهو يشبه اللبن، لو كان فيها لبن وحلبه فله أن يبيعه، وله أن يتصدق به، وله أن يشربه.
طالب: بارك الله فيكم، قول المؤلف: (ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية)، يخرج منه الهدي الواجب؟ هدي التمتع الواجب؟
الشيخ: لا، يدخل في هذا.
الطالب: لا بد من تعيينه.
الشيخ: كيف لا بد؟ لا، ما هو لا بد، قلنا: كل أضحية أو هدي إذا ذبحها بالنية تعيَّنت.
الطالب: بمجرد الشراء يا شيخ قلنا قبل ..
الشيخ: لا، بمجرد الشراء ما يكون، لا بد أن يعين.
الطالب: قبل التعيين يا شيخ () (وإن تعيبت بعد تعينها ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) مثلنا بالهدي.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: مثلنا بالهدي.
الشيخ: هذا صحيح، هذه واجبة في ذمته؛ يعني معناها أنه في ذمته يجب أن يذبح شاة.
الطالب: بمجرد الشراء؟
الشيخ: لا، ما هي بالشراء، ما هي بالشاة المعينة، أن يذبح شاة غير معينة.
طالب: ()؟
الشيخ: قد يدفع، وقد لا يدفع.
الطالب: يدفع ().
الشيخ: إذا دفع، لا بأس طيب.
الطالب: هذا يعتبر بيع؟
الشيخ: لا، ما باعك، هو دفع للذي أعطاه خيرًا منها.
الطالب: ()؟
الشيخ: إي، لكن ما دخل عليه الآن، ما هو بيع، هذا شراء، اشتراط زائد.
طالب: قلنا: يا شيخ القول الراجح أنه يجوز لصاحب الأضحية أن يبيع صوفها، فهل يعطيه الجزار؟
الشيخ: الجزار؟
الطالب: الجازر.
الشيخ: منين؟
الطالب: من الصوف؟
الشيخ: إي، إذا قلنا: بجواز بيعه ملكه، يعطي الجازر، ويشتري بها خبز زي ما هو ().
[ ١ / ٤١٥٥ ]
طالب: قلنا: يا شيخ، يجوز الانتفاع بالصوف، إذا جاز الانتفاع بالجلد، فبالصوف أوْلى، لكن هذا يا شيخ بعد الموت ما هو قبل الموت.
الشيخ: أيوه.
طالب: والانتفاع بالصوف ..
الشيخ: الصوف أصله ما يُجَز، لا يمكن جزه إلا إذا كان أنفع لها.
الطالب: فإذا كان أنفع لها؟
الشيخ: إذا كان أنفع لها وجزه، وأراد أن يبيعه أو يتصدق به أو ينتفع به فله ذلك.
طالب: الدليل على جواز الانتفاع به؟
الشيخ: أنه جزء منفصل كاللبن كما أنه إذا حلبها بعد التعيين، فإن اللبن له، يتصرف فيه كما شاء.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين، والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وسُن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وإلا ضمنها، ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره وبشرته شيئًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قل لنا بماذا يتعين الهدي؟
طالب: يتعين الهدي أولًا: بالقول، بأن يقول: هذا هدي، ثانيًا: يتعين بالفعل المختص به كالإشعار والتقليد.
الشيخ: إذن يتعين بالقول، وبالفعل الدال عليه، الدال على التعيين، والأضحية، الأخ؟
طالب: الأضحية ..
الشيخ: بماذا تتعين؟ قل بارك الله فيك بماذا تتعين؟
طالب: من الأنعام.
الشيخ: لا، لست أسأل ما الذي يُضحَّى به، أسأل بماذا تتعين الأضحية؟ إنسان عنده شاة متى تكون أضحية لازمة؟
طالب: تتعين بقوله: هذه أضحية.
الشيخ: بقوله: هذه أضحية؛ يعني بالقول، تتعين بالقول، وهل تتعين بالفعل؟
طالب: لا تتعين.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لا إشعار ولا تقليد.
[ ١ / ٤١٥٦ ]
الشيخ: لأنه لا يسن لها إشعار ولا تقليد، لكن لو فُرض أن هناك علامة خاصة في الأضحية يضعها الناس، ويرون أن ما حصل له هذه العلامة فهو أضحية تعيَّنت؛ يعني معناه كل فعل يدل على التعيين فإن التعيين به.
هل يجوز بيع الأضحية؟
طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: إن باعها للانتفاع بثمنها فلا يجوز، أما إن باعها ليشتري خيرًا منها، فهذا جائز.
الشيخ: إي؟
طالب: لا يجوز بكل حال يا شيخ.
الشيخ: لا يجوز بكل حال، على القول الصحيح. هل يجوز إبدالها؟
طالب: يجوز إبدالها بخير منها.
الشيخ: يجوز إبدالها بخير منها. ما هو الدليل على منع البيع؟
طالب: الدليل من الأثر والنظر، فأما النظر بأنه زاد ()، وأما الأثر ..
الشيخ: هذا الدليل على إبدالها بخير منها. ما الدليل على تحريم بيعها؟
الطالب: الدليل على تحريم بيعها بأنها تعينت لله ﷿.
الشيخ: أخرجها لله فلا يجوز له الرجوع فيها.
الطالب: كمن هاجر لله من مكان من بلاد كفر، فلا يجوز له أن يرجع إلى هذا البلد ..
الشيخ: ولا فيه دليل؟
الطالب: نعم، يوجد دليل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الدليل قول النبي ﷺ لعمر لا، عندما ..
الشيخ: حين حمل على فرس ..
الطالب: حين حمل على فرس في سبيل الله فقال له: «لَا تَشْتَرِهْ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ ()» (١).
الشيخ: والبيع نوع؟
الطالب: من العود.
الشيخ: نوع من الرجوع في الصدقة، إبدالها بخير منها، ما هو الدليل على جوازه؟
طالب: عندما قال أحد الصحابة للرسول ﷺ: لئن فتح الله على يديك بيت المقدس.
الشيخ: لا، فتح الله عليك؟
الطالب: أيوه، بيت المقدس.
الشيخ: الرسول ما فتح له بيت المقدس.
الطالب: بلاد الشام.
الشيخ: ولا بلاد الشام.
طالب: لأصلين في بيت المقدس.
[ ١ / ٤١٥٧ ]
الشيخ: قال: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة، فماذا قال له؟
الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: «صَلِّ هَاهُنَا». كمل.
الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: فأعاد فقال؟
الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا».
الشيخ: فأعاد ثلاثًا فقال: «شَأْنكَ» (٢). هل يجوز أن يعطي الجازر شطره منها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، كيف؟ ! ما هو الدليل أو التعليل؟
طالب: التعليل بأنها معاوضة؛ ولأنها لله خالصة.
الشيخ: وإعطاؤه أجرته منها نوع من البيع؛ لأنه كأنه باعها في الواقع، باعها بالمنفعة التي انتفعها من هذا الجزار. هل يجوز أن يُهدي له؟
طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: يجوز الهدية إن كان غنيًّا يهدي، وإن كان فقيرًا فلا يجوز، استحق عليه الإثم.
الشيخ: بشرط ألا ينقص ذلك من الأجرة شيئًا، كذا؛ لأنه اشترط ألا ينقص من الأجرة من أجل هديته أو صدقته.
يترتب على قولنا: إنها تتعين بالتعيين ما سمعتم أنه لا يجوز بيعها، ولا إبدالها إلا بخير منها، ولا يجز صوفها إلا إذا كان أنفع لها، ومما يترتب عليه لو تعيبت؟
طالب: التعيب فيها فيه تفصيل، إذا كان التعيب بإهمال منه فإنه يضمنها.
الشيخ: إذا كان بفعله أو تفريطه.
الطالب: بفعله أو تفريطه يضمنها؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان تركها في يوم بارد بدون مأوى يقيها من البرد، والثاني: تعيبت بغير فعله.
الشيخ: ولا تفريطه.
الطالب: ولا تفريطه، فإنه لا يضمنها، وتجزئه حتى لو اختل شرط من شروط الأضحية.
الشيخ: لماذا يكون بالأول يضمنها، وفي الثاني لا يضمنها؟
طالب: لأن الأول يضمنها؛ لأنها بتفريطه وبفعله واختياره، والثاني لا يضمنها؛ لأنها بغير إرادته.
الشيخ: وهي عنده أمانة، هي عنده بمنزلة الأمانة. لو كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، هل تجزئ إذا تعيبت؟
طالب: لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ، لماذا؟
الطالب: لأنها واجبة من الأصل.
[ ١ / ٤١٥٨ ]
الشيخ: لأنها واجبة في ذمته سليمة، فيجب أن يذبحها سليمة، إذا ذبح بدلها، فهل له أن يسترجعها هي؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: وما هو الصحيح؟
الطالب: الصحيح أن له أن يستفيد منها.
الشيخ: أن له أن يسترجعها، صحيح، وكذلك لو ضاعت فإنه يذبح بدلها إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، فإن رجعت فهي ملكه على القول الراجح.
يقول المؤلف: إن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، فلماذا؟
طالب: لأن في ذبح الأضحية تقرب إلى الله ﷿ بإظهار شعيرته.
الشيخ: بالذبح. وإذا تصدق بثمنها هل يجزئ عن الأضحية؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا يجزئ، أحسنت؛ لأن ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
***
قال: (وسُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا)
(سُنَّ) أي شرع، لا على وجه الوجوب، بل على وجه الاستحباب، أن يقسمها -أي الأضحية- أثلاثًا، فيأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، والفرق بين الهدية والصدقة، أن ما قُصد به التودد والألفة فهو هدية، لما جاء في الحديث: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (٣)، وما قُصد به القربة إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني.
وقوله: (أثلاثًا) أي ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة؛ لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية، يعني يكون الانتفاع بهذه الأضحية شاملًا لجميع الطبقات، وقدَّم الأكل؛ لأن الله قدمه، فقال: ﴿كُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨].
[ ١ / ٤١٥٩ ]
وقول المؤلف: (يُسن أن يأكل)، ظاهره أنه لو تصدق بها كلها فلا شيء عليه، ولا إثم عليه، وهذا بناء على أن الأكل من الأضحية سُنَّة كما هو قول جمهور العلماء، وقال بعض أهل العلم: بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛ لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة، فجعلت في قدر فطُبخت، فأكل من لحمها، وشَرب من مرقها (٤).
قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مئة بعير مئة قطعة، تطبخ في قدر، ويأكل منها تدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله ﷿، فيدخل في قوله: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ ﷿» (٥).
وعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته، واستحب بعض العلماء أن يأكل من كبدها، وعلل ذلك بأن الكبد أسرع نضوجًا؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كبير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها، صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيه، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر.
[ ١ / ٤١٦٠ ]
وقول المؤلف: إنه يُهدي ويتصدق ويأكل أثلاثًا، هو ما اختاره أصحاب الإمام أحمد ﵏، وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، ولم يذكر الله تعالى الهدية، والهدية من باب جلب المودة، وتحصل بهذا أو بغيرها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن والسنة، لكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعًا أعظم مما لو أعطيته ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذه المصلحة فهي مطلوبة، لكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السنة، وقد عرفتم أن الرسول ﵊ كان يتصدق، بل تصدق بكل لحم الإبل في الهدي إلا القطع التي اختارها ﷺ أن تجمع في قدر وتطبخ.
وقوله: (يسن أن يأكل ويهدي ويتصدق) ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم في كل أضحية، حتى الواجبة بالنذر، فإنه يأكل منها ويُهدي ويتصدق، وهو صحيح بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبرانًا، ويأكل منه إذا كان شكرانًا، فدم الهدي التمتع والقِران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفَّارة، والأول شكر؛ فلذلك أكل النبي ﵊ من هديه وهو واجِب بالقِران، إذن الأضحية يأكل منها سواء كانت واجبة بالنذر، أو غير واجبة، وأما الهدي ففيه التفصيل.
ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه أيش؟
طلبة: لا يأكل ..
[ ١ / ٤١٦١ ]
الشيخ: لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة، وما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران فإنه يأكل منه كما جاءت بذلك السنة، أما التطوع فلا شك، ولا إشكال فيه؛ أنه يأكل منه، ويتصدق ويهدي.
ظاهر كلام المؤلف أيضًا أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق. وقال بعض العلماء: إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به، ولكن الصحيح أنه متى قلنا بجواز الأضحية في حق اليتيم فإنه يُعمل فيها ما جاءت به الشريعة فيُؤكل منها ويُهدى ويُتصدق، ولكن هل يُشرع أن نُضحي من مال اليتيم؟
في هذا تفصيل: إن جرت العادة بأنه يُضحَّى من أموال اليتامى، وأنه لو لم يُضَحَّ من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أيش؟ أن يُضحَّى من ماله كما أننا نشتري له للعيد ثوبًا جديدًا مع أن عنده ثوبًا يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يواسي غيره من الناس؛ فهي إذن -أعني الأضحية- من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فليضحِّ ولو من ماله، وهذا يقع في الصورة التالية؛ مثلًا إذا قلنا: هذا البيت أيتام، ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم، أو من أعمامهم، أو من أي إنسان، المهم عندهم مال، فهل نضحي من أموالهم لهم وندفع إليهم الأضحية ليضحوا بها، ويفرحوا بها مع الناس أو نقول: هذه أموال يتامى لا يجوز أن نتبرع منها بشيء؟ أيهما؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى، لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس لانكسرت قلوبهم؛ فإنه يُضحَّى عنهم من مالهم.
ثم قال المؤلف: (وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز) (إن أكلها): الضمير يعود على الأضحية؛ يعني أكلها كلها، ولم يتصدق بمقدار أوقية.
[ ١ / ٤١٦٢ ]
فإنه يضمن الأوقية، والأوقية معيار معروف من الكيلو أو نحو ذلك، المهم أنه معيار؛ يعني صنجة يُوزن بها، وهي أقل ما يكون من التقدير في الموزونات، وعبَّر بعض العلماء بقوله: وإن تصدق بها إلا أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ فإنه لا حرج عليه، لكن لو أكلها جميعًا فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم، مثال ذلك: رجل ضحى بشاة، وجعلها في الثلاجة كلها، وأكلها، ماذا نقول له؟ نقول: يجب عليك الآن أن تتصدق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، اشترِ اللحم من السوق، وتصدَّق به من أجل حق مَنْ؟
طلبة: الفقراء.
الشيخ: الفقراء (فإن أكلها إلا عضدها أجزأه ذلك)؛ لأن العضد يقع عليه اسم اللحم.
يقول ﵀: (ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئًا) قال المؤلف: (يحرم على من يضحي).
طالب: وإلا ضمنها.
الشيخ: إي نعم، ذكرناها (وإلا ضمنها) ومثَّلنا بها، قلنا: (وإلا ضمنها) أي ضمن الأوقية على تقدير المؤلف أو أقل ما يقع عليه اسم اللحم، على ما ذكرنا.
قال: (ويحرُم على من يضحي أو يضحى عنه) إلى آخره. الحرام: هو الذي يُثاب تاركه لله، من تركه لله أُثيب، وإن فعله أيش؟
طالب: عُوقب.
الشيخ: استحق العقاب على فعله.
وقوله: (يحرم على من يضحي)، إذا قال: ما هو الدليل؟ نقول: الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ بَشَرِهِ، وَلَا مِنْ ظُفُرِهِ شَيْئًا» (٦).
فقال: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ». والأصل في النهي التحريم، هذا الدليل.
[ ١ / ٤١٦٣ ]
لكن ما هي الحكمة؟ الحكمة أن الله ﷾ برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لهذا النسك -أعني نسك الحج- محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أُثيب عليها، الذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شُرع لهم أن يضحوا في مقابل أيش؟
طالب: الهدي.
الشيخ: في مقابل.
طلبة: الهدي.
الشيخ: الهدي، وشُرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة؛ لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئًا؛ يعني لا يترفه. فهؤلاء أيضًا مثله، وهذه من عدل الله ﷿ وحكمته، كما أن المؤذن يُثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، شرع له أن يتابع.
إذن الدليل الحديث: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ»، والتعليل أن يعطى أهل الأمصار شيئًا مما يعطاه أهل المشاعر.
وقول المؤلف: (يحرم) هذا أحد القولين في المسألة، والقول الثاني أنه يكره، وليس بحرام، ولكن الذي يظهر أن التحريم أقرب؛ لأنه الأصل في النهي؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد النهي بقوله: «فَلَا يَأْخُذَنَّ» والنون هذه للتوكيد؟
وقول المؤلف: (على من يُضحِّي)، يفهم منه أن من يُضحَّى عنه، فلا حرج عليه أن يأخذ من ذلك، وهذا هو ظاهر الحديث أن التحريم خاص بمن؟
طالب: بمن يضحي؟
الشيخ: بمن يضحي، وعلى هذا فيكون التحريم مختصًّا برب البيت، وأما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك، وهذا القول هو الراجح، ودليله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علق الحكم بمن؟
طلبة: بمن يضحي؟
الشيخ: بمن يضحي؟ فمفهومه أن من يضحى عنه لا يثبت له هذا الحكم، ودليل آخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يضحي عن أهل بيته، ولم ينقل أنه كان يقول لهم: لا تأخذوا من شعوركم وأظافركم وأبشاركم شيئًا، ولو كان حرام عليهم ذلك لنهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه.
فإن قال قائل: ما وجه قول من يقول: إنه يحرم على من يُضحي أن يضحى عنه؟
[ ١ / ٤١٦٤ ]
قلنا: وجهه أنهم قاسوا الْمُضحَّى عنه على المضَحِّي لاشتراكهم في الأجر، قالوا: كما أن المضحي يؤجر فالْمُضَحَّى عنه يؤجر أيضًا، فلما اشتركا في الأجر اشتركا في الحكم، فيقال: هذا القياس لا يصح؛ لأنه في مقابلة؟
طلبة: النص.
الشيخ: النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه فاسد الاعتبار؛ يعني غير معتبر ولا يُرجع إليه، ثم إن التساوي ممنوع؛ فإنهما وإن أُجِرا على هذه الأضحية فإن أجر من بذل المال، وتعب في ذبحها لا يساويه أجر من ضُحِّي عنه فقط، بل من بذل المال أكثر أجرًا ممن لم يبذله.
وقول المؤلف: أن يأخذ في العشر، ما المراد بالعشر؟ عشر ذي الحجة، إلى متى؟ إلى أن يضحي، فإن ضحى يوم العيد انفك ذلك عنه يوم العيد، وإن تأخر إلى اليوم الثاني أو الثالث لم ينفك عنه ذلك إلا في اليوم الثاني أو الثالث، المهم حتى يضحي.
وقول المؤلف: «مِنْ شَعْرِهِ أَوْ بَشْرَتِهِ». الشعر معروف، وهو شامل للشعر المستحب إزالته والمباح إزالته، فلا يأخذ منه شيئًا. مثال المستحب إزالته أيش؟
طلبة: الشارب.
الشيخ: الشارب، الإبط، العانة، لا يأخذ منها شيئًا في هذه الأيام، والمباح إزالته؟
طالب: الرأس.
الشيخ: كالرأس، فلا يحلق رأسه، ولا يقص منه شيئًا حتى يضحي.
وقوله: (أو بشرته) يعني جلده، لا يأخذ منه شيئًا، وهل يمكن للإنسان أن يأخذ من جلده شيئًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف يأخذ؟
طالب: ().
الشيخ: نعم.
طالب: ().
الشيخ: نقول: يمكن يأخذ إذا كان لم يختن، وأراد الختان في هذه الأيام، ماذا نقول له؟
طالب: لا ().
الشيخ: نقول: لا تختتن؛ لأنك ستأخذ من بشرتك شيئًا.
[ ١ / ٤١٦٥ ]
ثانيًا: بعض الناس يكون عنده غفلة، فتجده يأخذ من جلده، يقطع من جلده من عقب الرجل، هذا كثيرًا ما يكون، والإنسان الذي يعتاد هذا الشيء لا بد أن يصاب بتشقق العقب، فإن تركه سكن، وإن حارشه فتن عليه؛ يعني إن حركت هذا الجلد -جلد العقب- فثق بأنه سيتشقق، وإن تركته حتى ولو كان فيه جلد ميت، اتركه حتى لا يتشقق ويزيد.
سكت المؤلف عن شيء جاء به الحديث؛ وهو الظفر، ولا أعلم أن أحدًا من العلماء أهمل حكمه، ولعل المؤلف -﵀- تركه اختصارًا؛ يعني ذكر شيئين مما جاء به الحديث وأسقط الثالث، ولكن الحكم واحد، فلا يأخذن من ظفره شيء، لو أنه انكسر الظفر وتأذى به، فهل يجوز أن يزيله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كل الظفر، أو ما يحصل به الأذية؟
طلبة: ما يحصل به الأذية.
الشيخ: ما يحصل به الأذية، ولا شيء عليه، وكذلك لو سقط في عينه شعرة، بعض الناس ينبت في داخل الجفن شعر، وتتأذى به العين، فيؤخذ بالمنقاش، فهل هذا حرام أو جائز؟
طالب: جائز.
الشيخ: لأنه لدفع أذاه، وعلم من كلام المؤلف أنه إذا أخذ شيئًا من ذلك، فلا فدية عليه، وهو كذلك، ولا يصح أن يُقاس على المحرم؛ لأن الاختلاف ظاهر، فالمحرم لا يحرُم عليه إلا أخذ الرأس، وما سواه فإنهم بالقياس، وهذا الحديث عام الرأس وغير الرأس.
ثانيًا: المحرِم، لا يحرم عليه أخذ شيء من بشرته، وهذا يأخذ.
ثالثًا: المحرِم عليه محظورات أخرى غير هذا؛ فالإحرام أشد وأوكد؛ فلذلك وجبت الفدية فيه، أما هذا فإنه لا فدية فيه، وهل لو أخذ الإنسان وتجاوز، هل تقبل أضحيته؟
طالب: نعم، تقبل.
الشيخ: نعم، تقبل، لكنه يكون عاصيًا، وأما ما اشتهر عند العوام أنه إذا أخذ الإنسان من شعره أو ظفره أو بشرته في أيام العشر فإنه لا أضحية له، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا علاقة بين صحة التضحية، والأخذ من هذه الثلاثة. وإذا قُدِّر أن الرجل لم ينوِ الأضحية إلا في أثناء العشر، وقد أخذ من شعره وبشرته وظفره، فهل يصح؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤١٦٦ ]
الشيخ: نعم، يصح، ويبتدئ تحريم الأخذ من حين نوى الأضحية.