تَصِحُّ بكلِّ قولٍ يَدُلُّ على الإِذْنِ، ويَصِحُّ القَبولُ على الفَوْرِ والتراخِي بكلِّ قولٍ أو فِعْلٍ دال عليه، ومَن له التَّصَرُّفُ في شيءٍ فله التَّوكيلُ والتوكُّلُ فيه،
لكنه ما بعد بلغ، هو الآن في الثالثة عشرة من عمره، قال: إني شايف إني ما بلغت، ما تَمِّيت خمس عشرة سنة، ولا احتلمت، ولا نبتت عانتي، قال: طيب، فذهب إلى الأطباء، وقال: أعطوني دُهنًا ينبت الشعر، فأعطوه ذلك، فجاء إلى وليه، وقال: تفضل، الآن بلغت، أعطني إياه، هل يُعطَى ماله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه أنبت بعلاج، والمؤلف يقول: (أو نَبَت حول قُبُلِه)، نَبَت، فإذا أُنْبِتَ بعلاج فلا عبرة به، لو نبتت لحيته لا عانته؟
طالب: لا عبرة.
[ ١ / ٤٩٠٢ ]
الشيخ: لا عبرة من باب أولى، نقول: لا عبرة لو نبت له لحية، لكن ما نبت له عانة، ولم يتم له خمس عشرة سنة، ولم يُنزِل فإنه ليس ببالغ؛ فالعبرة هي نبات العانة.
وقول المؤلف: (شعر خشن) احترازًا من الشعر الناعم الرقيق، فهذا ليس بعلامة على البلوغ؛ لأنه يكون في الإنسان من صغره فلا عبرة به، والله أعلم.
() أَنْزَلَ يعني أَنْزَل مَنِيًّا؛ لكن بشرط أن يكون بشهوة إلا من نائم؛ لأن النائم لا يحس به، فإذا أنزل مَنِيًّا يقظةً أو منامًا بشهوة حُكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، والإنسان يبلغ النكاح إذا أنزل، يعني صالح الآن للتزوُّج حيث يُنجب بهذا الإنزال.
إذن العلامة الثالثة وهذه الأخيرة بإجماع المسلمين أنها علامة على البلوغ، وأما العلامتان السابقتان ففيهما خلاف بين أهل العلم؛ ولكن الإنزال علامة بالاتفاق، فإذا أنزل فقد بلغ، لو أنزل بمحاولة الإنزال، بمعنى أنه عالج نفسه وحرَّك بدنه حتى أنزل، يعني بدون احتلام، يحصل بلوغ ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يحصل البلوغ، وكذلك لو قَبَّل امرأة أجنبية حرامٌ عليه تقبيلُها فإنه إذا أنزل بهذا يكون بالغًا، المهم أن وسيلة الإنزال لا يُشْتَرَط أن تكون مباحة، فمتى وُجِدَ الإنزال صار بالغًا.
قال المؤلف -﵀-: (أو أنزل، أو عَقَلَ مجنونٌ) انتهى الكلام على الصغير، فصار الصغر يزول بواحد من أمور ثلاثة: تمام خمس عشرة سنة، إنبات الشعر الخشن حول القُبُل، الثالث الإنزال، ويكون هذا للرجال والنساء.
() (أو عَقَلَ مجنونٌ) يعني ارتفع عنه الجنون، فإنه مع الرُّشد يزول عنه الْحَجْر، كيف نعرف عقله؟
طالب: بتصرفه.
الشيخ: بتمييزه وتصرفه.
[ ١ / ٤٩٠٣ ]
قال المؤلف: (ورَشَدَا) الفاعل يعود على الصغير وعلى المجنون.
طالب: فيها ألف؟
الشيخ: نعم فيها ألِف (ورَشَدَا)، أي: الصغير والمجنون، من أين نأخذ أنه للصغير وللمجنون؟ لأنه قال: (وإن تم لصغير خمس عشرة سنة)، ثم عطف عليه، ثم قال: (أو عَقَل مجنون ورشَدَا) أي: الصغير الذي بلغ، والمجنون الذي عَقَل.
الدليل على أنه لا بد من الرُّشْد قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، هذا الدليل: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، إذن إذا لم نُونِس الرُّشد ولم نَرَه فإننا لا ندفع إليهم الأموال؛ ولهذا اشترط المؤلف -﵀- أن يَرْشُد، قال: (أو رَشَد سفيهٌ)، هنا قال: سفيه، ولم يقُل: أو بلغ؛ لأن المحجور عليهم كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: صغير، ومجنون، وسفيه، فمعنى (رَشَدَ سفيهٌ) يعني أن يكون رجلًا بالغًا عاقل، لكنه سفيه من حيث التصرف، هذا ما نقول: إذا بلغ، ولا نقول: إذا عقل، لماذا؟ لأنه بالغ عاقل، ولكن نقول: إذا رشَدَ، فصار الصغير لا يزول حَجْرُه إلا بشرطين: البلوغ والرُّشد، والمجنون لا يزول حَجْره إلا بشرطين: العقل والرُّشد، والسفيه يزول حَجْره بشرط واحد وهو الرُّشد؛ لأنه هو بالغ عاقل.
قال: (زال حجرهم بلا قضاء) (زال) هذه جواب (إن) في قوله: (وإن تم لصغير خمس عشرة سنة)، هذا جوابه (زال حجرهم بلا قضاء) قضاء أيش؟ قضاء الْحَجْر؛ لأن هذا الصغير اللي كان ماله عند وليه بلغ ورشد بأنه يزول الْحَجْر، نحتاج أن نذهب إلى القاضي ونقول: فك الحجر عنه؟ لا، عَلِّل؛ لأن هذا الْحَجْر ثبت بدون القاضي، فزال بدونه، بخلاف الحجر السابق؛ الحجر على المفلِس بحظ غيره، فإنه لا يثبت إلا بحكم القاضي ولا يزول إلا بحكم القاضي.
[ ١ / ٤٩٠٤ ]
قال: (وتزيد الجارية في البلوغ بالحيض)، والمؤلف -﵀- قال فيما سبق: (وإن تم لصغير خمس عشرة سنة) وهو عامٌّ في الذكر والأنثى، لكن تزيد الجارية الأنثى في البلوغ بالحيض؛ لأنها إذا حاضت صارت صالحة للحمل وصار رحمها قابلًا له؛ لأن هذه الإفرازات الدموية تكون من الرحم إذا صار قابلًا لتلقي الماء من الرجل، ونشوء الحمل فيه، وعليه فإذا حاضت صارت بالغة؛ ولأن النبي ﷺ قال: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضِ إِلَّا بِخِمَارٍ» (١)، والحائض بمعنى التي بلغت بالحيض.
قال المؤلف -﵀-: (وإن حملت حُكِم ببلوغها) لم يقل المؤلف: إن الحمل من علامات البلوغ، وإنما قال: (إن حملت حُكِم ببلوغها)، لماذا؟؛ لأن الحمل لا يكون إلا عن إنزال، وإذا أنزلت صار البلوغ بإنزالها لا بحملها، شوف دقة العبارة مع أنها إذا حملت فهي بالغة قطعًا؛ لكننا لا نقول: إن حملها هو الذي حصل به البلوغ؛ لأن بلوغها حصل بماذا؟
طلبة: بالإنزال.
الشيخ: بالإنزال السابق على الحمل، فيكون الحمل قطعًا بعد الإنزال، ولهذا نحكم ببلوغها منذ إنزالها السابق، مثال ذلك: امرأة جامعها زوجها في أول ليلة من الشهر وسافر، وبعد نصف الشهر تبيَّن حملها، لو جعلنا الحمل علامة البلوغ لم تبلغ إلا من نصف الشهر، لكن نقول: لا، البلوغ منذ الإنزال السابق على الحمل، إذن من أي وقت بلغت هذه المرأة؟
طالب: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر وعلى هذا فتصرُّفها فيما بين أول الشهر ونصفه تصرف صحيح؛ لأنها بالغة.
قال: (ولا ينفك قبل شروطه) ولا ينفك الْحَجْر قبل شروطه، وهي في الصغير: البلوغ والرُّشد، وفي المجنون: العقل والرُّشد، وفي السفيه: الرُّشد، فإذا تمت الشروط زال الْحَجْر بلا قضاء، أما ما دامت الشروط لم تتم فإن الحجر لا يزول.
[ ١ / ٤٩٠٥ ]
ثم قال المؤلف: (والرُّشد الصلاح في المال) لا في الدِّين، الدِّين ما هو شرط، لا يُشترط صلاح الدين في هذا الباب؛ لأن الكلام في هذا الباب عن التصرف في المال، الرُّشد هو الصلاح في المال، لو كان في دينه غير صالح، وفي ماله صالح؟
طالب: يُدفَع له المال.
الشيخ: فهو رشيد يُدفع إليه المال، لو كان هذا الرجل بلغ؛ تم له خمس عشرة سنة، لكنه حالق للحيته، مُسْبِل لثوبه، عاقٌّ لأمه، قاطع لرحمه، مغتاب لعباد الله، نَمّام بينهم، شارب للخمر، سارق للأموال، كل شيء فيه من العيوب، هل يزول عنه الْحَجْر ولَّا لا؟ إي نعم.
إذن الرُّشد في كل موضع بحسبه، فقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] هذا الراشدون في ماذا؟
طلبة: في الدِّين.
الشيخ: في الدين، وسبق لنا أن الولي للنكاح يُشْتَرَط أن يكون رشيدًا، لماذا؟ رشيدًا في معرفة الكفء ومصالح النكاح وإن كان سفيهًا في ماله، هنا رشيد في المال، فالرُّشد في كل موضع بحسبه.
قال المؤلف في تفصيل رشد مع صلاح المال، قال: (بأن يتصرف مرارًا فلا يُغبَن غالبًا)، هذا الرُّشد (يتصرف مرارًا).
كلمة (مرارًا) تصلح بثلاث فأكثر؛ لأن (مرار) جمع فلا تفيد مرتين، مرارًا، هذا الرجل تصرف ثلاث مرات، أو أربع، أو خمس، ووجدنا أنه لا يُغبَن، غالب تصرفاته تصرفات سليمة ما فيها غَبْن، لا في البيع ولا في الشراء، نقول: هذا رشيد.
فإن تصرف مرة واحدة ولم يُغبن فليس دليلًا على رشده؛ لأن هذه قد تكون مصادفة، مرتين؟ فليس دليل على الرُّشد، ثلاث مرات؟ فهو دليل على الرُّشد.
رجل، أو صغير، أو بالغ، لكن ما بنعطيه المال، الآن تصرف عشر مرات، لكنه يبيع ما يساوى مئة بخمسين، ويشتري ما يساوي خمسين بمئة.
طالب: يُغبَن.
الشيخ: رشيد ولَّا غير رشيد؟
طالب: غير رشيد.
[ ١ / ٤٩٠٦ ]
الشيخ: غير رشيد، ليش؟ لأنه يُغبَن، قال: ما دام أكثر تصرفاته يُغبَن فيها فليس برشيد.
يقول: (بأن يتصرف مرارًا فلا يُغبَن غالبًا)، هذا ().
(ولا يبذل ماله في حرام)، (لا يبذل ماله) يحتمل أن يكون قوله: (ماله) يُراد به الجنس ليشمل بعض المال، ويحتمل أن يُراد بكلمة (ماله) جميع ماله، وهذا وارد، انتبه، إذا قلنا بالاحتمال الأول ألَّا يبذل شيئًا من ماله في حرام فهذا مشكل غاية الإشكال؛ لأنه يلزم منه أن هؤلاء الذين يشربون الدخان كلهم سفهاء غير مرشدين؛ لأنهم يبذلون شيئًا من مالهم في محرَّم، ولما كان هذا اللازم باطلًا كان الملزوم باطلًا، وعليه فيُراد بقوله: (ماله) أي كل ماله، أو أكثره، هذا الرجل كل المال اللي عنده يروح يشتري به آلات لهو؛ عود، طنبور، كمنجة، ربابة، كل ما ().
طلبة: ().
الشيخ: نعم () هذا سفيه ولَّا رشيد؟
طالب: سفيه.
الشيخ: هذا سفيه ولَّا لا؟ هذا حرام، خمر، يبذل ماله في الخمر، كلما أُعْطِي راح -والعياذ بالله- إلى خانات الخمور واشترى وشرب، هذا سفيه لا شك، وكذلك لو صرفه في البغاء فهو سفيه ()، إذا صرف ماله في حرام فهو سفيه.
(أو في غير فائدة) وهو عندي أنا كغناء ونفط، والمراد بالغناء غير المحرَّم؛ لأن الغناء المحرَّم محرَّم من القسم الأول؛ لكن الغناء غير المحرَّم، كيف غناء غير محرَّم؟ يعني مثل غناء مسجل على أشرطة غير محرَّم؟ ! لكنه غناء اقتداء الإبل، غناء العمال على عملهم، غناء اقتداء الإبل جائز ولَّا لا؟ جائز؛ لأن الرسول –﵊- أقره، غناء العمال على عملهم ليستعينوا بذلك على العمل، جائز ولَّا لا؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأن الرسول -﵊- كان يتغنى وهو يحفر الخندق في بشعر عبد الله بن رواحة (٢):
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
حتى أنه إذا وصل آخرها يمد صوته: أبينااا
[ ١ / ٤٩٠٧ ]
وكذلك الصحابة ينتظرون عنده يقولون:
لَإِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلْ
لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلْ
فيجيبهم، فالبناؤون مثلًا الذين يستعينون على البناء بالأغاني؛ أرجوزة، أو مثلًا مطوَّلة من الطويل والبسيط، وما أشبه ذلك من بحور الشعر، فإن هذا لا بأس به.
هذا الرجل أعجبه حُدَاء هذا الإنسان للإبل () نقول: هذا لا شك أنه سفيه، ولَّا لا؟
ونفط، ليشتري بماله النفط، نقول: هذا سفيه؟ النفط المعروف هذا.
طالب: أيش هو؟
الشيخ: إي نعم، البترول يسمى نفط، موجود من زمان، من عهد الرسول أو قبله، نقول: ما ندري كلام المؤلف ما هو على ظاهره، إلا لو اشترى نفطًا يَطَّلِي به () لكان رشيدًا، لكن اشترى نفطًا لأجل يوقِد به النار، يحطه في قوارير، ولَّا يضعه في () يَصُفُّهم مثلًا صَفًّا هندسيًّا، ثم يبدأ يشعل الكبريت ويحطه في واحد علشان يشوف أيش لون ارتفاع اللهب، أو إذا كان في ريح مثلًا يشوف الريح تميله يمينًا وشمالًا، ويطرب بهذا ويستأنس الرجل، يستأنس بهذا الشيء، ماذا نقول، سفيه ولَّا لا؟
طالب: سفيه.
الشيخ: هذا سفيه لا شك، المهم هو أن هذا مثالٌ ما هو للحصر، كل من يبذل ماله في غير فائدة دينية أو دنيوية فهو سفيه فلا يُعطَى المال.
يقول المؤلف: (ولا يبذل ماله في حرام، أو في غير فائدة) لو كان يبذل ماله في مستحب، كلما أعطيناه شيئًا راح للفقراء وقسمه عليهم ()، هل تقولون: هذا رشيد ولَّا غير رشيد؟
طالب: ().
الشيخ: () يعني إذا كان أهله محتاجين وراح يعطي الناس فهو سفيه، كذا؟ وإن كان أهله غير محتاجين وراح يعطي الناس فليس بسفيه، ويش تقولون؟
[ ١ / ٤٩٠٨ ]
لاحظوا الآن هذا الرجل، له الآن ست عشرة سنة، بالغ، قال لوليه: أعطني المال، قال: () راح سوق الفقراء ووزَّعه عليهم ورجع، قال: أعطني مالًا، أنا رشيد، قال: أعطيك مالًا وتروح تعطيه الناس؟ ! قال له: أنا أتصدق به () أَبَى أن يعطيه، وذهبنا إلى القاضي، وقال القاضي: يجب تعطيه ولَّا ما يجب؟
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: واحد بذل ماله في الخير، بفائدة ولَّا غير فائدة؟
طالب: تصرَّف في ماله.
طالب آخر: تصرُّف ما فيه غبن.
الشيخ: ما فيه غبن.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، كلام المؤلف: (أو في غير فائدة).
طلبة: ().
الشيخ: في هذه الحال ليس برشيد، نعم لو تصدق بالشيء اليسير اللي جرت العادة بمثله فهذا يعتبر رشيدًا، والدليل على ذلك أن الفقهاء يقولون: إن الصبي أصلًا لا يصح أن يتبرع بشيء من ماله، لكن يصح أن يوصي بشيء من ماله.
وعَلَّلُوا ذلك بأنه إذا أوصى بشيء من ماله فإنه سوف يدفع بعد موته بعد أن تزول حاجته، بخلاف ما إذا تبرع، على كل حال الظاهر لي أن هذا الرجل لا يُدْفع إليه المال؛ لأنه يبذله بذلًا ليس ()، ولكن الكلام في رجل بالغ، ما رأيكم الآن لو جاءنا رجل بالغ وقال: أنا أريد أن أتصدق بجميع مالي، تُبْطِلُون عليه؟
طلبة: لا، ().
الشيخ: (ولا يدفع إليه) الضمير يعود على الْمَحْجُور عليه لِحَظِّه من صغير، أو مجنون، أو سفيه.
(ولا يدفع إليه حتى يُختبر قبل البلوغ) بماله، (يُختبر) المعنى هنا ما هو الامتحان، معناه الوصول إلى العلم بباطن الحال؛ لأنه من الخبرة، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، وهي عند الناس الآن بمعنى الامتحان.
[ ١ / ٤٩٠٩ ]
قال المؤلف: (قبل بلوغه) يعني لا بد أن يكون الاختبار قبل البلوغ، لماذا؟ لأجل إذا بلغ، فمن حين بلوغه ندفع إليه المال؛ لأن الأصل في بقاء المال في يد الولي التحريم؛ لأنه لا بد ألَّا يستولي على المال أحد، فالأصل التحريم، ولهذا نقدِّم الاختبار قبل البلوغ من أجل أن ندفع إليه ماله فور بلوغه إذا علمنا رشده.
قال الله -﷿-: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾، قال: ﴿ابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾؛ ولكن لا بد أن يكون قبل البلوغ، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، إذن فالاختبار قبل أن يبلغوا النكاح ولَّا بعد؟
طلبة: قبل.
الشيخ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ بعد بلوغ النكاح ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، هذا الدليل على ما ذكره المؤلف ﵀.
وقوله: (بما يليق به) أفادنا -﵀- أن اختبار هؤلاء ليس على حد سواء، بل يُختبر بما يليق به، فالمرأة لا نختبرها بالبيع والشراء، ليش؟ لأنها ليست من أهل البيع والشراء، نختبرها بما يليق بها في شؤون البيت، إذا عرفنا أنها مُصْلِحة للبيت، مُدَبِّرة في الطعام والشراب والأواني، وما أشبه ذلك، عرفنا أنها رشيدة، أما إذا كانت لا تعرف تدبير هذا الشيء، إذا أرادت أن تُخرِج طعامًا لثلاثة أخرجت طعامًا يكفي ثلاثين، وطبخته والباقي يُلْقَى، هذه رشيدة ولَّا غير رشيدة؟
طلبة: غير رشيدة.
الشيخ: غير رشيدة؛ لأنها بذلت مالًا في غير محله، كذلك إذا عرفنا أنها () ما تبالى هذا الشيء، هذه رشيدة ولَّا غير رشيدة؟
طالب: غير رشيدة.
الشيخ: غير رشيدة، لا تنظف الأواني، ما يهمها يبقى الفنجان لا يُغسل شهرًا، هذه رشيدة ولَّا غير رشيدة؟ غير رشيدة،؛ لأن الرشيدة هي اللي تُحْسِن التصرف.
[ ١ / ٤٩١٠ ]
إذا كان هذا الرجل أو هذا الصغير ابنًا لتاجر، فبماذا نختبره؟ بالتجارة بالبيع والشراء، وما أشبه ذلك، ابنًا لفلاح؟ بشؤون الفلاحة.
المهم أن المؤلف يقول: (بما يليق به)، لا نطالب ابن الفلاح أن يكون عارفًا للبيع والشراء والأخذ والعطاء؛ لأن هذا ليس من شؤونه ()، لكن لا يعرف شيئًا، لكن نقول: هل () الفلاحة تمامًا ولَّا لا؟ يعني ننظر () الأحواض، يعني لو حتى يتقطع وبنى الأحواض لحد النص والباقي ماشي، قلنا: ليش يا ولد هذا؟ قال: كله واحد ()، هذا يحسن التصرف ولَّا ما يحسن؟
طالب: ما يحسن التصرف.
الشيخ: ما يحسن التصرف.
على كل حال المؤلف أعطانا قاعدة، قال: (حتى يُخْتَبَر قبل بلوغه بما يليق به)، ثم انتقل المؤلف بعد أن ذكر حكم الْحَجْر على هؤلاء، وبماذا يزول، وما هي الطريق إلى إزالته، بيَّنَ مَن وَلِيُّهم حال الْحَجْر.
يقول: (وولِيُّهُم حال الحجر الأب)، (الأب) خبر المبتدأ، (الأب) المراد به الأب الصلب دون الجد، فهذا وَلِيُّه.
(ووكيله يقوم مقامه) كما لو سافر الأب وأقام عليهم وكيلًا فإنه يقوم مقامه.
(ووَصِيّه)، قال المؤلف: (ثم وَصِيّه)، وصيه هو الذي وَكَّلَه عليهم بعد موته؛ لأن النائب عن المالك ذكرنا أنهم أربعة أصناف: وَلِيّ، ووَصِيّ، ووكيل، ونائب، فإذا أقام الإنسان مَن ينوب عنه في ولده الصغير فإن كان في حياته فهو وكيل، وإن كان بعد موته فهو وَصِي.
إذن وليهم (الأب، ثم وصيه، ثم الحاكم)، الحاكم يعني القاضي، الحاكم هو القاضي، فصار أولياء المحكوم عليهم الْحَجْر ثلاثةً، وإن شئت فقل: اثنان، وإن شئت فقل: أربعة.
نقول: اثنان، باعتبار الأصول، وهم الأب، والحاكم، وأربعة باعتبار الفروع، وهي: الأب، ومَن ينوب منابه مِن وكيل أو وصي، والحاكم ومَن ينوب منابه كالوكيل، عرفتم الآن؟
[ ١ / ٤٩١١ ]
فصار أولياء هؤلاء كم؟ اثنان أصالةً، وأربعة باعتبار نُوَّابِهم، فهو الأب والحاكم، أو مَن يُنِيبُه الأب من وكيل، أو وصي، والفرق بين الوكيل والوصي؟
طالب: ().
الشيخ: يوصِي به، يعني يُوَلِّيه، يعني يُوَكِّله؟
الطالب: يوصِي به بما بعد ..
الشيخ: بعد الموت، والوكيل؟
الطالب: والوكيل ما أعرفه.
الشيخ: ما عرفته؟
الطالب: أنت ما عرَّفْتَه ().
الشيخ: الجد، هل له ولاية على أولاد ابنه؟ لا، الأخ الشقيق له ولاية على إخوته؟ لا، الأم لها ولاية على أولادها؟ لا، هذا على المذهب، المذهب ما فيه ولاية في المال إلا هؤلاء: الأب ومَن ينوب منابه، والحاكم ومَن ينوب منابه، هذا في المال، الابن يكون وَلِيًّا على أبيه؟
طالب: لا.
الشيخ: أنا قصدي الأب وصل إلى درجة لا يُحْسِن التصرف لكِبَر، أو مرض، هل يكون ابنه وليًّا له؟ المذهب لا، لا يكون وليًّا له، فإذا وجد أنه رجل كبير السن ولا يحسن التصرف في ماله وله ابن عاقل رشيد عَدْل وبَارّ ومن أحسن الناس تصرفًا، نقول: ما يجب تستولي على مال أبيك، ولا تتصرف في مال أبيك، مَن يقول بهذا؟ القاضي هو الذي يملك الولاية، إن شاء ولَّاك، وإن شاء وَلَّى غيرك، هذا ما ذهب إليه المؤلف -﵀- وهو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أن الولاية تكون لأولى الناس به، ولو كانت الأم إذا كانت رشيدة؛ لأن المقصود حماية هذا الطفل الصغير، أو حماية المجنون، أو السفيه، فإذا وجد مَن يقوم بهذه الحماية من أقاربه فهو أولى من غيره، وهذا الذي ذكرناه هو الحق، إن شاء الله تعالى.
وعليه فالجد أبو الأب يكون وليًّا لأولاد ابنه، والأخ الشقيق وليّ لأخيه الشقيق الصغير، والأم إذا عدم العَصَبَة تكون وليَّة لابنها.
نعم إذا قُدِّر أن أقاربه ليس فيهم الشفقة والْحُنُوّ والعطف فحينئذ نلجأ إلى الحاكم ليولي مَن هو أحلم.
قال المؤلف -﵀-: (ولا يتصرف لأحدهم وَلِيُّه إلا بالأحظ)، أيش إعراب (وَلِيُّه)؟
[ ١ / ٤٩١٢ ]
طالب: فاعل.
الشيخ: فاعل، (لا يتصرف لأحدهم وَلِيُّه) لأحدهم، أي: هؤلاء الثلاثة، وهم: الصغير والمجنون والسفيه، إلا بالأحظ، وما الأحظ؟ يعني الأفضل والأحسن.
دليل ذلك: أثرٌ ونظرٌ؛ أما الأثر فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وأما النظر فلأن هذا الولي يتصرف لغيره، فوجب عليه أن يأخذ بالأحظّ، لو كان الإنسان تصرف بنفسه فهو حُرّ، لكن يتصرف لغيره؟ لا بد أن يأخذ بالأحَظّ، وهذا شامل في الولايات الدينية والولايات الدنيوية، لا يتصرف الولي على أحد، سواء كانت الولاية دينية أو دنيوية إلا بالأحسن، ولهذا قال النبي -ﷺ-: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (٣)، لماذا؟ لأنه إذا كان إمامًا فهو ولي، وإذا كان يُصلي وحده فهو أمير نفسه، ومِن ثَمَّ أيضًا نقول: لا يجوز للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعلَ ما يجب، ويُكْرَه أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يُستحب، ويطيل؛ لأنه يحرم عليه أن يخالف السنة.
لو قيل بذلك لكان له وجه، لا سيما إذا علمنا أن المأمومين يودون تطبيق السنة، فمثلًا إذا أراد أن يصلي الفجر بقصار المفصَّل على المذهب هذا جائز،؛ لكن لو قيل بأنه ليس بجائز؛ لأنه خلاف السنة، لا سيما إذا علمنا أن أهل المسجد يرغبون أن يفعل السنة فيهم، لو قيل أنه غير جائز لكان له وجه؛ لأنه قال: إن مَن يتصرف لغيره فإنه يجب عليه أن يعمل بالأحسن.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فمثلًا هذا الرجل الولي نقول: لا تتصرف إلا بما هو أَحَظّ، فإذا أردت أن تشتري سلعة وأمامك سلعة أخرى، السلعة الأولى فُرِضَ أنها تربح عشرة بالمئة، والثانية تظن أنها تربح عشرين بالمئة، أيهما تأخذ؟
طالب: الثانية.
الشيخ: الثانية، وجوبًا ولَّا جوازًا؟
طالب: وجوبًا.
[ ١ / ٤٩١٣ ]
الشيخ: وجوبًا؛ لأن هذا هو الأحسن، لكن لو كنت تتصرف لنفسك وعُرِضَت عليك سلعتان، والأولى تربح عشرة بالمئة والثانية عشرين بالمئة، وأخذت بالعشرة في المئة، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن تتصرف لغيرك لا يجوز، لو عُرِض عليك أن يبيع العقار أو يبقيه، أيهما أحسن؟
طالب: ينظر المصلحة.
الشيخ:؛ ينظر المصلحة، لكن الغالب أن بقاء العقار أنفع، لا سيما العقار المغِلّ الذي يأتي بغَلَّة، ولهذا قال بعض العلماء: أنه لا يبيع العقار إلا إذا كان هناك ضرورة أو غبطة.
وقد جرت المحاكم عليه الآن، فالعقار لا يُباع إلا بواسطة المحكمة؛ لأن العقار ثابت وباقٍ، والدراهم عُرْضَة للتلف والزوال، فيحتاط الإنسان في العقار أكثر ما يحتاط في غيره.
قال: (ويَتَّجِر له مجانًا)، وأيش معنى يَتَّجِر؟ يعني يبيع ويشتري بماله بالتجارة مجانًا بدون مقابل، لماذا؟ لأنه نائب مَنَاب المالك، والنائب مَنَاب المالك لا يتصرف بما فيه حَظٌّ لنفسه، فإذا اتَّجَر له بدراهم أو بسهم فقد تصرَّف تصرفًا يعود نفعه إلى نفسه، وهذا لا يجوز.
مثال ذلك: رجل () ويشتري بمال هذا الصغير، نقول: ليس لك شيء من المال أبدًا، لماذا؟ السبب لأنه يتصرف لغيره بنفسه، ومَن تصرف لغيره بنفسه لا يأخذ على ذلك أجرًا، هذا ما مشى عليه المؤلف -﵀- أن الولي يتَّجِر له مجانًا، ومعلوم أننا إذا قلنا للولي أنه يجب عليك أن تَتَّجِر له مجانًا فلا تأخذ شيئًا، لو قلنا له هذا هل يكون حريصًا على الاتجار بالمال؟ أسألكم ولا تجيبوا إلا باليقين.
طالب: لا، لا يحدث.
[ ١ / ٤٩١٤ ]
الشيخ: غالبًا لا يحدث، يقول: أنا مثلًا أتعب وأنا ما آخذ شيئًا، لا، فأنا بريّح نفسي، ويأتي بالمذهب المشهور عند العامة الذي يقول: احفظ للناس ولا تُصْلِح لهم، كلمة مشهورة عند العامة، احفظ للناس ولا تُصْلِح لهم، أنا حافظ المال الآن، ولا أتصرف فيه، ما دام ما أنا آخذ شيئًا، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أنه إذا اتَّجَر فله أن يأخذ أقل مما يأخذه غيره.
يُقال: لو أن غيرك اتَّجر بهذا المال، كم يُعطَى منه؟ قال: يُعطَى الرُّبع، أو الْخُمُس، نقول: خذ الْخُمس، يعني أقل ما يمكن أن يُعطَى، لماذا؟ لأن تصرف هذا الإنسان في مال هذا الصغير ليس باختيار منه، ولكنه بولاية من الشرع، فهو في الحقيقة إنما يتصرف تصرفًا شبه مُجْبَر عليه، فله أن يَتَّجِر ويأخذ من الربح، لكن بأقل مما يأخذه مَن يَتَّجِر بهذا المال.
يقول: (وله دفع ماله مضاربةً بجزء من الربح)، (مضاربة) ويش معناها؟
طالب: ().
الشيخ: () المضاربة دفع المال لمن يَتَّجِر به بجزء مشاع معلوم من الربح، هذه المضاربة، انتبه، بجزء لا بِكُلّ، مشاع لا معيَّن، معلوم لا مجهول، من الربح لا من رأس المال، كم الشروط؟
طالب: أربعة.
الشيخ: عدهم.
طالب: أن يكون بجزء، مشاع، معلوم.
طالب آخر: من الربح.
الشيخ: من الربح، بجزء لا بكل، فلو أعطيتك المال وقلت: خذ هذا المال اتَّجِر به ولك جميع الربح، هل هو مضاربة؟
طالب: لا.
الشيخ: هذا () ولو قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به ولك من ربحه مئة درهم؟
طالب: غير مضاربة.
الشيخ: غير مضاربة، نحن قلنا: جزء مشاع، وهذا جزء معين، معلوم، لو قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به ولك بعض ربحه، ما يصح، ليش؟ لأنه غير معلوم، ولو قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به ()، أعطيتها زيدًا يَتَّجِر بها وله نصف الربح، جائز ولَّا لا؟ جائز.
[ ١ / ٤٩١٥ ]
عندي مئة ألف ريال () أعطيتها رجلًا يَتَّجِر بها مضاربة بجزء من الربح، قلت: خذ هذا المال اتَّجِر به مضاربة ولك نصف ربحه، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن بشرط أن أرى أن هذا هو أحسن ما يكون في مال هذا الصبي، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
إذا كان هذا الرجل يأخذ النصف، ولكن جاء رجل آخر يقول: يكفيني ثلث الربح، يجوز أُعْطِي الأول؟ إن قلتم: لا، قلنا: خطأ، وإن قلتم: نعم، قلنا: خطأ.
طالب: إذا كان الأول أحسن خِبْرَة () نعطيه.
الشيخ: إذن فيه تفصيل، جاءني رجلان قال أحدهما: أنا آخذ مئة ألف بالمضاربة بثلث الربح، وآخر قال: آخذها بنصف الربح، مَن نعطيها؟ لو تساوى الرجلان في الأمانة وفي التصرف والمعرفة والحرص وجب أن نعطِي الأقل اللي يقول: يكفيني الثلث، لكن إذا كان الذي طلب النصف أقوى أمانة من الآخر، يعني: أكثر أمانة وأقوى، أو كان أعرف وأحسن تصرفًا، فالواجب أن نعطي الأخير، ولو كان السهم الذي طلبه أكثر من السهم الذي طلبه الآخر، والآية الكريمة يقول الله -﷿- فيها: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فأنت تنظر إلى الأحسن واتبعه، والله أعلم. ()
(الفقير من مال موليه الأقل من كفايته، أو أجرته مجانًا)، مجانًا يعني بلا عِوَض، يأكل الولي الفقير، أفادنا المؤلف أنه لا يجوز للولي الغني أن يأكل، وإنما يأكل الولي الفقير فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، يعني من كان غنيًّا ووليًّا على مال اليتامى فليستعفف عنه ولا يأكل منه شيئًا، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، أي: بما جرى به العُرْف من غير إسراف ولا نقص، والأفضل أن يستعفف.
[ ١ / ٤٩١٦ ]
فقوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، اللام للأمر المقابل للأمر بالترك، فيكون المراد بالأمر هنا الإباحة؛ لأن الأمر في مقابلة النهي للإباحة، أي: ومن كان فقيرًا فلا بأس أن يأكل، ولكن يأكل بالمعروف، أي بما جرى به العرف، ولكن ما هو المعروف؟ قال المؤلف: (الأقل من كفايته، أو أُجْرَتِه)، هذا المعروف، هذا رأي المؤلف.
فإذا قيل: هذا الرجل كفايته في الشهر مئة ريال، يبغي غداء، وعشاء، وفطورًا، وغسيل ثياب، وما أشبه ذلك، هذا يكفيه مئة ريال، وأُجْرَة مثله، يعني لو أننا استأجرنا شخصًا يتولى مال هذا اليتيم صارت ثمانين ريالًا، ويش يأخذ؟
طالب: ثمانين ريالًا.
الشيخ: ثمانين ريالًا؛ لأنها أقل من مئة، بالعكس كفايته ثمانون؛ ولكن أجرته مئة، ويش يأخذ؟ يأخذ ثمانين، أجرته مئة وكفايته مئة، يأخذ أيش؟
طالب: يأخذ مئة.
الشيخ: على أنها أجرة، أو على أنها كفاية؟
طالب: الاثنين؛ على أنها أجرة وكفاية.
الشيخ: يأخذ مئة، سَمِّهَا أجرة، أو سَمِّها كفاية، وظاهر الآية الكريمة أنه يأكل بالمعروف مطلقًا، سواء كان الأكل أكثر من أجرته أم أقل، لكن العلماء -﵏- وفقهاءنا يقولون: نعامله بالأبَرّ، من أجل مصلحة اليتيم.
ولكن مَن ذهب إلى ظاهر الآية قال: إننا لا نقيس هذا الرجل الولي الذي عنده من الْحُنُوّ والشفقة ما ليس عند غيره، لا نقيسه بالأجنبي، يعني لو فرضنا أن غيره لو قام على هذا المال لكفاه ثمانون، وهذا كفايته مئة، نقول: هذا يمتاز عن الأجنبي، بماذا؟ بالحنو، والشفقة، وأنه يعطف على هذا اليتيم، ويحرص على حماية ماله، فهو أعظم من الأجنبي.
لكن مَن سلك سبيل الورع فلا شك أن الورع ما ذهب إليه الفقهاء -﵏- وألَّا يأخذ أكثر من كفايته، وأن يأخذ الأقل من كفايته، أو أجرته مجانًا.
(ويُقبَل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة، والضرورة، والغبطة، والتلف، ودفع المال)، هذه عدة أشياء، أولها: قد يُقبل قول وليه في النفقة.
[ ١ / ٤٩١٧ ]
لما فُك الْحَجْر، وكان هذا اليتيم قد ورث من أبيه مئة ألف، لما بلغ أعطاه الولي خمسين ألفًا، قال: وين الخمسون الباقية؟ قال: أنفقتها عليك هذا المدة، مَن القول قوله؟ القول قول الولي، إذا قال هذا اليتيم الذي بلغ: أنت ما أنفقت إلَّا ثلاثين ألفًا، وقال الولي: بل أنفقت خمسين، فالقول قول الولي، لماذا؟ لأنه مؤتَمَن، والأمين قوله مقبول؛ ولكن لا بد من اليمين، ويُشترط في قبول قول الولي ألا يخالف العادة، فإن خالف العادة فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة، مثلًا بقي المال بيده أي بيد الولي ثلاث سنوات، وهو ينفق على هذا الصغير، وبلغ بعد ثلاث سنوات، وقال: أنفقت عليك في هذه السنوات ستة وثلاثين ألفًا، أي: كل سنة اثني عشر ألفًا، يعني كل شهر ألف ريال، إذا نظرنا إلى معدل النفقة في هذه المدة وجدنا أنه لا يستغرق أكثر من خمس مئة ريال، وعليه فيكون العادة أن مثل هذه المدة ينفق عليه كم ريال؟
طالب: النصف.
الشيخ: ثمانية عشر ألف ريال، وهذا قال: أنفقت عليك ستة وثلاثين، فهل يُقبَل قول الولي حينئذ؟ لا؛ لأن هذا يخالف العادة، والفرق كثير،؛ لكن لو قالوا: العادة أن ينفق عليه خمسة وثلاثين ألفًا، وهو ادعى ستة وثلاثين ألفًا، أيش نقول؟
طالب: ().
الشيخ: أحسنت، هو قال: ستة وثلاثين، والناس قالوا: إن مثل هذا الزمن ينفق عليه خمسة وثلاثين، يُقبَل ولَّا لا؟ يُقبَل قول الولي؛ لأن واحدًا من ستة وثلاثين أمر مقبول، يمكن يأتي حالات مثلًا تزيد المعيشة، أو هذا الصبي يحتاج إلى دواء مثلًا، أو ما أشبه ذلك، أما شيء يخالف العادة والعرف فهذا لا يُقْبَل.
ويقول: (في النفقة).
والثاني: (في الضرورة والغبطة)، الضرورة والغبطة متى تكون؟ تكون في بيع العقار؛ لأنه سبق لنا أنه لا يجوز للولي أن يبيع العقار إلا لضرورة، أو غبطة، الضرورة مثل أن يحتاج اليتيم إلى نفقة، وما عندنا فلوس، ما فيه إلا أن نبيع العقار ونأخذ النفقة، ويش تكون هذه؟ ضرورة.
[ ١ / ٤٩١٨ ]
الغبطة أن يساوي هذا العقار ثمنًا زائدًا كثيرًا، فهذا غبطة، بمعنى أننا لو بعناه لاشترينا مثله مرتين، فهذه غبطة، فإذا بلغ الصبي وقال للولي: ليش تبيع عقاري؟ العقار أبقى من الدراهم، الدراهم تطير، تروح، والعقار ثابت، ليش تبيعه؟
قال: بعته لأني اضطررت إلى هذا، ما عندي نفقة، ماذا أصنع؟ يقدر يقول الصبي: اثبت ذلك ببينة؟ لا، نقول: يُقبَل قول الولي بذلك، لكن لا بد من أن يبيع.
كذلك الغبطة، قال: ليش تبيع عقاري؟ قال: لأنه جاب، هو يساوي مئة وبعته بمئتين، هذا غبطة ()، هذه لولا أن جارك احتاج إلى عقارك () شيء أبدًا، فيُقبَل قول الولي ولَّا لا؟ يُقْبَل.
كذلك يُقبَل قول الولي في التلف؛ تلف المال، كان هذا اليتيم قد خلَّف له أبوه خمس مئة ألف، وهذا الرجل قد وضع الخمس مئة ألف في صندوق محكَم وراء الأبواب، والأغلاق الوثيقة، وجاءت اللصوص تحتمل الصندوق ومشوا، قال له: أين الدراهم؟ يقول: أخذها اللصوص، يُقْبَل ولَّا لا؟ يُقْبَل.
خلَّف له والده غَنَمًا مئة رأس، ولما بلغ قال للولي: أين غنمي؟ يقول: غنمك أكلها الذئب، () وهلكت الماشية، ماذا نقول؟ يُقبَل قوله؟ إي نعم.
لكن إذا ادعى التلف بسبب ظاهر، وهذا قاعدة عامة، إذا ادعى بسببٍ ظاهر فإنه لا يُقبَل حتى يُقيم بينةً بذلك السبب، ثم بعد ذلك نقبل القول بأنه تلف، فمثلًا إذا قال: والله مالك احترق، شبَّ حريقٌ في البيت واحترق، نقول: جيب بيِّنَة على أن بيتك احترق، ثم بعد ذلك () نقبل قولك.
قال: والله المال انهدم عليه البيت، جاءت أمطار غزيرة وانهدم عليه البيت وراح، محتاج لبينة أم لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن السبب ظاهر، إذن التلف يُقبَل إلا إذا ادَّعَاه بسبب ظاهر فلا بد من إقامة البينة على هذا السبب، ثم يُقْبَل قوله بالتلف.
[ ١ / ٤٩١٩ ]
ويُقبل قوله في دفع المال إلى اليتيم، () والمجنون، والسفيه، هذا الصغير الذي بلغ، بلغ مثلًا قبل شهرين، ثم جاء إلى الولي، قال: أعطني المال، قال: مالك قد أعطيتك إياه، أعطيتك إياه قبل شهر، قال: جيب شهودًا، يُقبَل قول الولي أم لا؟ يُقبَل قوله في دفع المال، نقول: يُقبَل قول الولي، لكن على كل حال بيمين، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والقول الثاني: أنه لا يُقبَل قوله في دفع المال؛ لأن الله قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، فيُقال لهذا الولي: قولك غير مقبول؛ لأنه لو كان قوله مقبولًا لم يحتج إلى إشهاد.
فإن قلت: إن الله ذكر الإشهاد ليفتدي الإنسان يمينه بالشهود، يعني علشان إذا ادَّعَى عليه الصغير أنه لم يعطِه قال: هذا الشهود، وإذا أقام الشهود يحتاج إلى يمين ولَّا لا؟ ما يحتاج يمينًا، يعني لو قلت لي: إن الله أمر بالإشهاد، لا لأن قول الولي لا يُقبَل، ولكن من أجل أن يفتدي يمينه بالشهود علشان ما يحتاج إلى يمين، فأرشده الله إلى ذلك.
قلنا: ولنفرض أن الأمر كما قلت، فإن مخالفة الإنسان هذا لأمر الله يُعَدّ تفريطًا، لماذا لم يسترشد بإرشاد الله؟ ومعلوم أن المفرِّط لا يُقْبَل قوله، وهذا القول هو الراجح، ويؤيده أيضًا من حيث القواعد العامة أن الأصل عدم الدفع.
فإن قلت: إن الأصل عدم الدفع، لماذا لم تقل: إن الأصل عدم التلف، وأنت قلت الآن: أنه يُقبل قولُه بالتلف، قلنا: الفرق أن مُدَّعِي الدفع يدعي فعلًا مُرَكَّبًا من فعل نفسه وفعل غيره؛ لأن الدافع يحتاج إلى مدفوع إليه، بخلاف التلف، فظهر الفرق بينهم.
إذن فالصواب أن قول الولي في دفع المال إلى الصغير غير مقبول، الدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
[ ١ / ٤٩٢٠ ]
والتعليل أن الأصل عدم الدفع،؛ ولأن الدافع يَدَّعِي أن المدفوع إليه قد قبض، سواء قد ادعى على غيره فعلًا وقع منه والغير ينكر ذلك، والبينة على المدَّعِي، واليمين على مَن أنكر. ()
***
(وما استدان العبدُ لزم سيدَه إن أذِن له)، (ما استدان) هذه شرطية، و(لزم) جواب الشرط، يعني أن العبد إذا استدان شيئًا بإذن سيده لزم سيدَه.
مثاله: ذهب العبد بإذن سيده إلى صاحب الدكان، وقال: أعطني السلعة الفلانية، فأعطاه السلعة الفلانية مثلًا بقيمة تبلغ ألف ريال، مَن الذي يدفع الألف ويطالَب به؟ السيد، هو الذي يُطالَب بالألف ويُلزم بدفعها؛ لأنه إنما استدان بإذن سيده، فلزم السيد.
فإن قال السيد: أنا لم آذن لك، قلنا: إما أن يأتي العبد بالبينة، وإلَّا تعلق برقبته؛ برقبة العبد، الفرق بين التعلق بالرقبة والتعلق بذمة سيده أنه إذا تعلَّق بذمة السيد لزمه وفاؤه مهما بلغ، حتى لو كان أكثر من قيمة العبد عشر مرات يلزمه بكل حال.
يقول المؤلف: (وما استدان العبد لزم سيدَه إن أذِن له وإلا ففي رقبته)، يعني: وإلّا يأذن له ففي رقبته، (إلّا) هذه حُذِفَ منها شيء، فعل الشرط، يعني: وإلَّا يأذن ففي رقبته، أي: رقبة العبد، وإذا تعلق برقبته فإنه يُخيَّر السيد بين أن يسلِّم عنه الدَّيْن، وبين أن يبيعه ويدفع ثمنه في الدَّيْن، وبين أن يسلِّمه إلى صاحب الدَّيْن، كم هذه؟ ثلاثة، يُخيَّر بينهم؛ إذا تعلق الدَّيْن برقبة العبد فإنه يُخيَّر السيد بين ثلاثة أمور؛ إما أن يفديه، يعني يسلِّم الدَّيْن عنه، ويبقى العبد للسيد، أو يسلِّم العبد إلى مَن له الدَّيْن، يقول: هذا العبد اللي استدان ما أبغاه، خذوه، أو يبيعه على إنسان آخر ويسلِّم ثمنه لصاحب الدَّيْن.
[ ١ / ٤٩٢١ ]
أما المسألة الأولى واضحة؛ أن السيد يدفع الدَّيْن عن العبد، ويبقى العبد للسيد، لكن المسألة الثانية والثالثة ما الفرق بين كونه يسلمه إلى صاحب الدَّيْن، أو يبيعه ويسلِّم ثمنه؟ الفرق () يكون صاحب الدَّيْن رجلًا سيئ الأخلاق غير أمين على العبد، ما هو أمين، فحينئذٍ أُرَجِّح أي شيء؟ أرجح أن يبيعه على إنسان موثوق، وآخذ الثمن وأعطيه لصاحب الدَّيْن، وقد يكون الأمر بالعكس، يكون صاحب الدَّيْن رجلًا أمينًا ثقة، وأخلاقه طيبة، فأسلِّم إليه العبد، هذا التخيير الذي يكون للسيد هل هو تخيير تَشَهٍّ، أو تخيير مصلحة؟ هذا تَشَهٍّ، بمعنى أن السيد مُخَيَّر اللي يرى أن يفعله يفعله، التخيير يكون تخيير مصلحة إذا كان الإنسان يتصرف لغيره، فإنه يكون تخيير مصلحة، أما اللى يتصرف لنفسه فهو تخيير تَشَهٍّ.
ولهذا السيد هنا ماذا يختار؟ هل يختار أن يفديه بأن يسد الدَّيْن عنه، أو يختار أن يسلمه لصاحب الدَّيْن، أو ماذا؟ ()
إذا كان الدَّيْن أقل من قيمة العبد يختار أن يفديه، إذا كان الدَّيْن أكثر من قيمته يختار أن يسلِّمه، أو أن يبيعه، واضح؟ لكن في المسألتين () أي بيعه، أو تسليمه لصاحب الدَّيْن قد نقول: إن التخيير هنا يجب أن يكون تخيير مصلحة، يُنْظَر فيه إلى مصلحة العبد.
قال: (وإلا ففي رقبته)، وإذا كان في رقبته ماذا يقول؟ يُخيَّر بين أمور ثلاثة: (كاستيداعه) يعني أن أضع عنده الوديعة فيتصرف فيها ويتلفها، يعني رجل وَضَعَ عند هذا العبد وديعة، العبد جاب له الدراهم ألف ريال ()، بدي أشتري أشياء، أو يذهب إلى مباريات، أو ما أشبه ذلك؛ لأن العبد يهوى الرياضة، فصار ينفق هذه الدراهم في هذه الأشياء.
صاحب الوديعة جاء يطلبها، الدراهم صرفناها () ذهب يتفرج على المصارعين وما أشبه ذلك، ماذا يقول صاحب ()؟ نقول: الآن هذا الدَّيْن يتعلق في رقبته، أي: رقبة العبد، ويُخيَّر سيده بين الأمور الثلاثة.
[ ١ / ٤٩٢٢ ]
قال: (وأَرْش جنايته)، أرش الجناية أيضًا يتعلق برقبة العبد، ويش معنى أرش؟ أي: قيمة الجناية.
مثاله: عبدٌ جرح رجلًا في رأسه حتى أوضح العظم، كم فيه من الإبل؟ فيها خمس من الإبل، يتعلق الأرش هنا برقبة العبد، فنقول لسيده: سَلِّم خمسة إبل ()، أو يبيعه ويسلِّم الثمن لِمَن جنى عليه، هذا معنى قوله: (أرش جنايته).
(وقيمة مُتْلَفِه)، يعني ما أتلفه فإنه يتعلق برقبته.
مثال هذا: رجل أتلف على إنسان طعامه، عبد أتلف على إنسان طعامه، يتعلق ذلك برقبته، أتلف له سيارة () يتعلق برقبته، قتل بعيره يتعلق برقبته، والذي يتعلق برقبته فإنه كما قلنا: يخيَّر السيد بين أمور ثلاثة.
[باب الوكالة]
ثم قال المؤلف: (باب الوكالة).
الوكالة يُقال: وَكالة، ووِكالة، كما يُقال: وَلاية، ووِلاية، وهي في اللغة التفويض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] أي: كفى به مفوَّضًا إليه الأمور.
والوَكالة لغةً: التفويض، وأما شرعًا: فهي استنابة جائزِ التصرفِ مثلَه بما تَدْخُلُه النيابة، فيُشْتَرَط أن يكون الموكِّل جائز التصرف، وأن يكون الوكيل كذلك التصرف، وأن يكون وكيله كذلك جائز التصرف، وأن يكون العمل مما تَدْخُلُه النيابة، ولهذا نقول: استنابة جائز التصرف مثلَه، أي: شخص جائز التصرف، بما تَدْخُله النيابة.
لو أن صغيرًا وكَّل إنسانًا في بيع ماله، تصلح هذه الوَكالة؟ لا تصلح، ليش؟ لأنه غير جائز التصرف.
لو أن شخصًا بالغًا عاقلًا رشيدًا وكَّل صغيرًا في شيء من الأشياء فإنه لا تصح؛ لأنه ليس جائز التصرف، لو وكَّل إنسانًا يصلِّي عنه، لا تصح، لماذا؟ ما تدخله النيابة.
وكّله يتوضأ عنه ويصلي، قال: توضأ عني، وأنا أصلي، لا يصح هذا، ليش؟ ما تدخله النيابة.
وكّله أن يصوم عنه؟ ما يصح، لكن إذا مات وعليه صيام صام عنه وكيله.
[ ١ / ٤٩٢٣ ]
وكَّله أن يحج عنه؟ فيه تفصيل؛ إن كان في واجب والإنسان الموكِّل غير قادر، ولا يُرْجَى أن يقضي في المستقبل فإنه يصح، وإلا فلا.
وكَّله أن يُخْرِج الزكاة عنه، جائز، وكَّله أن يَذْبَح الهدي عنه، جائز؛ لأنه تدخله النيابة.
إذن العمل الذي تدخله النيابة يجوز التوكيل فيه، والذي لا تدخله النيابة لا يجوز فيه التوكيل.
ثم قال المؤلف: (تصح لكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل يدل عليه).
الوَكالة من أوسع العقود، يصح بها الإيجاب بالقول وبالفعل، والقبول بالقول وبالفعل.
مثال القول، أقول: وكَّلْتك في بيع كذا وكذا، هذا إيجاب بالقول، ومثاله في الفعل: رجل صاحب دكان يبيع للناس التمر والخضار، وما أشبه ذلك، فجاء الفلاح ووضع التمر على عتبة دكانه، أو وضع الخضار على عتبة دكانه، هذا توكيل ولَّا لا؟
طالب: توكيل.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: بالفعل.
الشيخ: بالفعل، هذا توكيل بالفعل، القبول كذلك يصح بالقول وبالفعل، مثل قلت: وكَّلْتُك أن تبيع هذا لي، فقال: قبلت، هذا قبول بالقول، بالفعل؛ قلت: وكَّلتك أن تبيع هذا لي، فأخذته أنت من يدي، وذهبت وبعته، هذا قبول بالفعل.
وتصح الوكالة أيضًا مقيَّدة ومطلقة؛ مقيدة بشيء معين، ومطلقة عامة، وتصح مؤقتة ومؤبَّدة، المهم أنها من أوسع العقود، والله أعلم.
() القرآن، والسنة، والقياس، يعني النظر، أما القرآن فقال الله تعالى عن موسى ﵊، قال لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾، هذه وَكالة، وكَّل سليمان الهدهد: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ، ثم تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وما ذكره الله في القرآن عمن سبق فهو عبرة لنا وشرع.
[ ١ / ٤٩٢٤ ]
أما السنة فالأحاديث في هذا كثيرة، وكَّل النبي ﵊ عروة بن الجعد أن يذبح له أضاحي، ووكَّل علي بن أبي طالب أن يذبح ما تبقى من الهدي في حجة الوداع، ووكّل أُنَيْسًا -رجل من الأنصار- أن يذهب إلى المرأة التي زنت، وقال: إن اعترفت فارجمها، والأحاديث في هذا كثيرة.
أما القياس والنظر فإنه يقتضي حِلَّها وجوازها، لماذا؟ لأن الإنسان قد لا يتمكن من فعل الشيء بنفسه، فإذا لم يتمكن من فعل الشيء بنفسه فإما أن تفوت مصلحة هذا الشيء، وهذا ضرر على بني آدم، وإما أن يتجرأ على إقامة غيره مقامه مع التحريم، وهذا أيضًا مضرة؛ لأنه في الأول تفوته مصلحته الدنيوية، وفي الثاني تحصل له العقوبة الأخروية.
فكان من حكمة الشرع أن أجاز الوكالة فيما تدخله النيابة، وَجْه النظر؛ وجه دلالة النظر على جواز الوكالة؟
طالب: أن فيها منفعة للموكِّل ().
الشيخ: فكان من حكمة الشرع الحكيم أن أباح الوكالة.
الوكالة لها صيغة، صيغة العقد وهي: إيجاب، وقبول، الإيجاب هو اللفظ الصادر من الموكِّل، يعني أقول: وكَّلت فلانًا في كذا.
يقول المؤلف: (تصح الوكالة بكل قولٍ يدل على الإذن)، لو قلت: وكَّلتك أن تبيع هذا الشيء، انعقد، كذا؟ خذ هذا الشيء بعه، فأنا أعطيتك ما وَكَّلْتُك، لكن لما قلت: بعه، هذه الصيغة تدل على التوكيل.
(بكل قولٍ يدل على الإذن) هل له صيغة معينة شرعًا؟
الجواب: لا، وفي هذا الباب مشى الفقهاء -﵏- على القول الراجح؛ من أن العقود تنعقد بما دَلَّ عليها، وهذا هو القول الراجح المتعيِّن؛ أن العقود كلها تنعقد بما دل عليها، ولا ترتبط بلفظ معين، وعلى هذا فإذا قال الرجل للإنسان المتزوج: جَوَّزْتُك بنتي، فقال: قَبِلت، يصح العقد ولَّا لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: على القول الراجح، أما على المذهب فلازم تقول: زَوَّجْتُك، أو أَنْكَحْتُك، أما جَوَّزْتك ما يصح، لكن الصحيح أنه يصح.
[ ١ / ٤٩٢٥ ]
لو قال: مَلَّكْتك بنتي، يصح على القول الراجح.
فالمهم () ذكروا أنه يصح بكل قول يدل عليه، هل تصح بالفعل؟ يعني هل يكون الإيجاب بالفعل؟
الجواب: ذكرنا أمس أنه يصح بالفعل، وضربنا لذلك مثلًا لرجل أَعَدَّ مكانًا لتلقي السلع ليبيعها، فجاء أصحاب السلع ووضعوها في هذا المكان، يُعْتَبَر هذا إيجابًا بالفعل، وقلنا: إن هذا يقع كثيرًا في أسواق الخضر، وبيع التمر، تجدهم مثلًا عندنا يجيبون التمر يضعونها في محل هذا الرجل الدلَّال ويبيع، نقول: هذا توكيل بالفعل.
لكن لننظر كلام المؤلف الآن: (تصح بكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول بكل قول وفعل)، فإن كلام المؤلف يدل على أن الإيجاب لا يصح إلا بالقول؛ لأنه قال: (بكل قول)، وفي القبول قال: (بكل قولٍ أو فعل).
الآن نقول: كلام المؤلف يدل على أن الإيجاب لا يصح إلا بالقول، بخلاف القبول؛ فهو يصح بالقول أو بالفعل، والصحيح أن الإيجاب والقبول كلاهما يصحان بالقول وبالفعل.
قال: (بكل قول يدل على الإذن، ويصح القبول على الفور والتراخي)، يعني يصح أن يقبل الموكَّل، أو بعبارة أصح الوكيل، يصح أن يقبل الوكيل بكل قول، فإذا قال: وكَّلتك تبيع هذا الشيء، قال: قبلت، هذا قول، الفعل؛ قال: وكّلتك تبيع هذا الشيء، فأخذه الوكيل وباعه بدون أن يقول: قبلت، يصح ولّا لا؟ يصح.
يقول المؤلف: (على الفور والتراخي)، يعني يصح أن يقبل فورًا () أو على التراخي، بأن يقول له: بع هذا الشيء، سكت الوكيل ما قال شيئًا، يعنى لم يقل: قبلت، فلما كان من الغد باعه، هذا قبول على التراخي ولَّا على الفور؟
طلبة: على التراخي.
[ ١ / ٤٩٢٦ ]
الشيخ: على التراخي، ويصح القبول بالقول والفعل، فوريًّا كان أم متراخيًا، فإن قلت: أتُصَحِّحُون القبول على التراخي؟ أفلا يمكن أن يكون الموكِّل قد عدل عن توكيله؟ يعني مثلًا هو قال لي: خذ هذا بِعْه ()، وفي الصباح جئت به، ألا يمكن أن يكون صاحب الشيء هذا وهو الموكِّل قد عدَلَ عن رأيه؟ نقول: نعم يمكن، لكن الأصل عدم ذلك، فيكون تصرفه مبنيًّا على الإذن السابق.
(بكل قول أو فعل يدل عليه)، وعرفتم القول والفعل؛ القول بأن يقول: قبلت، والفعل: أن يسكت، ولكن يتصرف حسب الموقف.
ثم قال المؤلف قاعدة: (ومَن له التصرف بشيء فله التوكيل والتوكل فيه)، (مَن له) (مَن) شرطية ولَّا موصولية؟
طلبة: شرطية.
الشيخ: انتبهوا يا إخوان، الشرطية معروف أنها لا بد تدخل على الفعل، ما تدخل الشرطية إلا على فعل، نقول: إذا جعلناها شرطية نحتاج أن نُقَدِّر فعل الشرط، ونمتنع عن تصرف الشيء، وإذا جعلناها موصولة ما نحتاج إلى تقدير، وإذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدمه، إذن نجعلها موصولة.
وأما الفاء في قوله: (فله)، فإنه قد سبق لنا مرارًا بأن الاسم الموصول يجوز أن يقترن بخبره الفاء؛ لأنه يشبه الشرط في العموم ()، إذن هي موصولة.
(مَن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه)، يعني: ومَن ليس له التصرف فليس له التوكيل ولا التوكُّل، هذه القاعدة ليست على إطلاقها؛ لأن المراد بقوله: (في شيء)، أي: مما تدخله النيابة، فأما ما لا تدخله النيابة فإنه لا يصلح أن يوكِّل به ولا أن يتوكل، ثم إنه حتى فيما تدخله النيابة أشياء مُستثناة.
سنبدأ أولًا فيما إذا وكَّل شخصًا في أمرٍ ليس له التصرف فيه، مثل: قال: وكَّلتك في بيع بيت فلان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ().
[ ١ / ٤٩٢٧ ]
الشيخ: ()، قال: وكَّلتك أن تبيع بيت فلان، هذا الوكيل () قال: وكّلتك في طلاق فلانة، وهو بعد ما تزوجها، ثم تزوجها، الرجل الموكِّل تزوج المرأة التي وكَّله في طلاقها، يصح التوكيل ولا ما يصح؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأنه حين التوكيل لم يتزوجها.
وكّلتك في عتق هذا العبد، وهو إلى الآن ما ملكه؟ لا يصح؛ لأنه هو إذا اعتقه يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، هذا الذي ليس له لما كان الموكِّل لا يتصرف هذا التصرف ما صح أن يوكِّل عليه.
يُسْتَثْنَى من ذلك توكيل الأعمى بصيرًا في شراء ما يُشْتَرَط لصحة بيعه الرؤية، الأعمى إذا اشترى شيئًا لا يصح شراؤه إلا برؤية، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لأنه مجهول له.
ومَن له التَّصَرُّفُ في شيءٍ فله التَّوكيلُ والتوكُّلُ فيه،
ويَصِحُّ التوكيلُ في كلِّ حقِّ آدَمِيٍّ من العُقودِ والفُسوخِ، والعِتْقِ والطلاقِ، والرَّجعةِ وتَمَلُّكِ الْمُباحاتِ من الصيدِ والحشيشِ ونحوِه، لا الظِّهارِ واللعانِ والأَيْمَانِ وفي كلِّ حقٍّ للهِ تَدْخُلُه النيابةُ من العِباداتِ والحدودِ في إثباتِها واستيفائِها، وليس للوَكيلِ أن يُوَكَّلِ فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يُجْعَلَ إليه. والوَكالةُ عَقْدٌ جائزٌ، وتَبْطُلُ بفَسْخِ أحدِهما ومَوْتِه وعَزْلِ الوَكيلِ وحَجْرِ السفيهِ، ومَن وُكِّلَ في بيعٍ أو شِراءٍ لم يَبِعْ ولم يَشْتَرِ من نفسِه ووَلَدِه، ولا يَبيعُ بعَرَضٍ ولا نَسَاء ولا بغيرِ نقْدِ البَلَدِ، وإن باعَ بدونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أو دونِ ما قَدَّرَه له أو اشترى له بأكثرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ أو مما قَدَّرَه له صَحَّ، وضَمِنَ النقصَ والزيادةَ،
الشيخ: فقير.
طالب: الموكّل.
الشيخ: الموكّل اللي معي، لكن أنا واثق من هذا الرجل، أليس يجوز أن أوكل شخصًا في شراء شيء غائب عني ولو اشتريته أنا وهو غائب عني؟
طلبة: ما يجوز.
[ ١ / ٤٩٢٨ ]
الشيخ: ما يجوز، لكن يجوز إني أوكل، فمعنى هذا إني لو باشتري ذراعًا () مدة، معناه على كلامك ما يجوز؛ لأني ما شفته، لكن يجوز إني أوكل واحدًا يشتريها لي، إذن هذا مستثنى.
رجل ما يشم الرائحة، يبغي يشتري طِيبًا، قطعًا اللي ما يشم يمكن يجيبوا له خبيزة أسود، وجابوا له مثلًا ..
طالب: دهن عود.
الشيخ: لا، دهن العود فيه سواد شوي، لكن ماء الورد أبيض، قالوا: هذا خبيزة، هذا دهن عود طَيِّب، وهو أسود مر، وهذا () ويش اللي يشتري؟
طالب: يشتري خبيزة.
الشيخ: نعم، بيشتري خبيزة، هذا الرجل قال: ما أشتري، أبغي أوكل واحدًا بيشم علشان يشتري لي طِيبًا، يجوز ولّا لا؟
طلبة: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، على هذا إذن هذه مستثناة من قوله: (ومن له التصرف في شيء فله التوكيل فيه). نقول: يُسْتَثْنَى من ذلك ما يُشْتَرَط لعلمه الرؤية، فإن الأعمى يجوز أن يوكِّل فيهم بصيرًا يشتري له، وما يشترط لصحة بيعه الشم فلمن لا يشم أن يوكِّل، وما يُشْتَرَط لصحة بيعه العلم به، هو لا يعلم بهذه الأشياء، لكن وَكَّلَ شخصًا في ذلك فإنه جائز، المهم أن مثل هذه المسائل تجوز؛ لأن هذه من الْحِكَم، ().
(وله التوكُّل فيه)، يعني مَن له التصرف في شيء فله أن يتوكَّل فيه، فمن ليس له أن يتصرف في شيء فليس له التوكل، هذه قاعدة عامة ولا يُسْتَثْنَى منها شيء؟
طالب: يُسْتَثْنَى منها.
الشيخ: يُسْتَثْنَى منها شيء؛ من ليس له التصرف في شيء فليس له أن يتوكل فيه، لكن يُسْتَثْنَى من هذا شيء، مثلًا فقير وَكَّلَ غنيًّا في قبض الزكاة له، الغني يجوز يأخذ الزكاة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن لو وَكَّلَه الفقير في قبض الزكاة له يجوز، إذن هذا جاز أن يتصرف لغيره بالوكالة، ولا يجوز أن يتصرف لنفسه، امرأة يجوز أن تطلِّق نفسها؟
طالب: لا.
الشيخ: وكَّلها زوجها بطلاق نفسها.
طالب: يجوز.
[ ١ / ٤٩٢٩ ]
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأن هذا لمعنى يتعلق بالزوج، والزوج قد أذن فيه، بخلاف ما إذا طلقت هي نفسها، فصارت القاعدة هذه يُسْتَثْنَى منها شيء، ثم قال المؤلف (ويصح للتوكيل).
طالب: التوكيل والتوكل ويش معناه؟
الشيخ: التوكيل هو الصادر من الموكِّل، والتوكُّل الصادر من الوكيل، يعني أتوكل أكون وكيلًا لك، أُوَكِّل يعني أقيم غيري مقامي.
يقول المؤلف: (ويصح التوكيل في كل حقِّ آدميٍّ من العقود والفُسُوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظِّهار).
حقوق الآدميين تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يصح التوكيل فيه مطلقًا.
وقسم لا يصح مطلقًا.
وقسم يصح عند العذر.
القسم الذي يصح مطلقًا، يقول: (يصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود)، سواء كانت العقود عقود تبرعات، أو معاوضات، أو أنكحة، أو توثيقات، أو غير ذلك، مثال عقود المعاوضات: وكَّلْتك تبيع لي شيئًا أو تشتري، أو لا؟
الدليل؛ أولًا: قلنا إن الأصل في العقود الحل، فلا يطالَبَنَا أحد بالدليل؛ لأن المانع هو الذي عليه الدليل، وعلى هذا فنقول: الدليل هو عدم الدليل، فإذا قال لنا قائل: ما هو الدليل على الحل؟ نقول؟
طالب: الدليل عدم الدليل.
الشيخ: الدليل عدم الدليل، أي: عدم الدليل على المنع؛ لأن الأصل في العقود الحل؛ هذه العقود.
قال: (والفسوخ)، كيف أُوَكِّل في الفسخ، الفسوخ مثل الْخُلع، الْخُلع فسخ للنكاح، مَن الذي يُوَكِّل في الخلع؟ الزوج أو الزوجة؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: أن يقول الزوج: أنا موكلك على الطلاق بالنسبة ().
الشيخ: لا، هذا طلاق.
الطالب: الْخُلع.
الشيخ: الْخُلع غير الطلاق.
الطالب: الْخُلع اللي هي يخلع الطلاق.
الشيخ: يخلع الزوجة يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، يخلعها بأيش.
الطالب: بالطلاق. ()
[ ١ / ٤٩٣٠ ]
الشيخ: فيذهب الوكيل إلى الزوجة ويقول: إن زوجك قد وَكَّلَنِي في خلعك، فكم تفديني من الدراهم مثلًا؛ لأن الخلع هو فراق الزوجة بعِوَض، قالت: أنا بعطيك مثلًا عشرة آلاف ريال، قال: هاتيها، فيكتب الوكيل: خالعت زوجة موكلي فلان فلانة على عِوَض قدره كذا وكذا.
هنا التوكيل منين؟ من الزوج، ولا بد أن نقول: هذا زوجة موكلي فلان فلانة، يسميها.
يكون أيضًا التوكيل من الزوجة، كيف؟ تقول لإنسان: وكلتك تخالعني من زوجي بعشرة آلاف ريال، فيذهب هذا الوكيل إلى الزوج ويقول: إن زوجتك وكلتني في مخالعتك، فخالعها، فيقول الزوج: خالعت زوجتي فلانة على عِوَض قدره كذا وكذا، سلَّمَني إياه وكيلُها، وإذا لم يكن سلَّمها الوكيل ما فيه مانع، المهم أنه يجوز التوكيل في الخلع من الزوج ومن الزوجة، الإقالة يجوز التوكيل فيها ولّا لا؟
طالب: ويش الإقالة؟
الشيخ: ويش الإقالة؟ الإقالة هي فسخ عقد البيع أو الإجارة أو غيرها، مثاله: اشتريت منك سيارة، ثم إن السيارة ما جزتني، فرجعت إليك وأنت البائع، وقلت: السيارة ما جزتني، ودِّي تقيلني البيع، فقلت: نعم أقيلك، هذه الإقالة، لو وَكَّلْت إنسانًا يقيلني في الإقالة يجوز ولّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: سواء من البائع أو من المشتري، هذا فسخ، هذا نسميه فسخًا، ما الفرق بين العقد والفسخ؟
العقد هو إيجاد العقد، والفسخ إزالة العقد، فالعقد إيجاد، والفسخ إزالة، والله أعلم.
().
يقول المؤلف ﵀: (العتق)، يعني أن أُوَكِّل فلانًا يعتق عبدي فلانًا، ما فيه مانع، وكَّلْت العبد نفسه في عتق نفسه، يجوز ولّا لا؟
طالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز كذلك أيضًا الطلاق، يجوز أن أوكِّل شخصًا يطلق زوجتي مثلًا، حتى الزوجة؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٤٩٣١ ]
الشيخ: حتى الزوجة يجوز أن أوكلها في طلاق نفسها، مثل أن تقول مثلًا المرأة لزوجها: طلِّقْنِي، أتعبتني وفعلت وفعلت وفعلت، فقلت لها: أنت وكيلة في طلاق نفسك، متى شئت طَلِّقِي نفسك، فيجوز، وماذا تقول عند إيقاع الطلاق؟ تقول: طلقت زوجي فلانًا؟
طلقتُ نفسي من فلان، كذا؟
طالب: من زوجي.
الشيخ: من زوجي فلان.
طالب: أو موكلي.
الشيخ: أو موكلي فلان، لكن لا تقول: طلقت فلانًا، ما يصلح؛ لأن الطلاق إنما يقع من الزوج على زوجته.
والثالث: (والرجعة)، الرجعة يكون رجل قد طلق زوجته طلاقًا فيه رجعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما هو الطلاق اللي فيه الرجعة، فوكَّل إنسانًا يراجع زوجته، قال لرجل: أنت ذاهب إلى البلد الفلاني الذي فيه زوجتي، فأنت وكيلي في مراجعتها، فيذهب الوكيل إلى الزوجة ويقول: قد راجعتك بالوكالة عن زوجك، تصح ولّا ما تصح؟ تصح، هذه الرجعة.
(وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه)، وكَّلت إنسانًا في تملُّك المباحات من الصيد، ورأيت صيدًا شارعًا على ماء، يعني قد وقع على الماء يشرب منه، فقلت لشخص: خذ هذه البندقية واذهب اصطده بالوكالة عني، فذهب الرجل وصاد الصيد، يصح ولّا لا؟
في ماء للطيور أو للأسماك، إذا كان في البحر فقلت لشخص جالس على الماء اللي فيه الشبكة، قلت: إذا جاء صيد من طيور أو سمك فأنت وكيلي في إمساكه، فجلس هذا الرجل عند الشبكة، فإذا جاء الصيد أمسكه بالشبكة، أو الحيتان أمسكها بالشبكة، يجوز ولّا لا؟ يجوز؛ لأن هذا فعلٌ مباح اسْتَنَبْتُ فيه غيري، فهو جائز.
كنت أريد أن أحش حشيشًا؛ لأنه قال: (من الصيد والحشيش)، حشيشًا لإبلي، ولكن عندي شغل بعد الظهر، فقلت لشخص: وكَّلتك أن تحش عشاء إبلي، يجوز ولّا لا؟ يجوز، وإذا حش الحشيش يكون لي ولّا له؟ يكون لي؛ للموكِّل، فإذن يجوز التوكيل في تملُّك المباحات؛ الحشيش.
[ ١ / ٤٩٣٢ ]
وقول المؤلف: (المباحات) يعني بالمباحات هي التي لم تكن على ملك الغير، يعني اللي تأتي من الله ما هي بعلى ملك الغير، أما مثل الدجاج لفلان، والظباء لفلان، والعلف الذي يسقى لفلان، فهذا هو مباح، لكن لا يسمى عند العلماء مباحات، المباح هو الذي حصل من غير صنع آدمي، مثل الكلأ اللي هو الحشيش، أو الصيد؛ سواء كان الصيد بريًّا أو بحريًّا، عرفتم المباحات ما هي؟
ويش هي المباحات؟ الذي ليس فيها صنع آدمي، إنما هي من الله ﷿، يقول: (تملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه)، مثل إحياء الموات، معلوم إن الأرض الموات اللي ما لها مالك لا يملكها الإنسان إلا بإحيائها، فوكَّلت إنسانًا يحييها عني، يعني يضع عليها جدارًا أو يزرعها، هذا جائز ولّا لا؟ هذا جائز.
قال: (لا الظِّهار واللِّعان والأيمان)، الظِّهار لا يصح فيه التوكيل، مثاله: رجل عنده زوجة سيئة العِشْرة، فقال لشخص آخر: يا فلان، جزاك الله خيرًا، هذه المرأة أتعبتني، وَكَّلْتُك في أن تظاهِر عني منها، الظِّهار أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، فقال الرجل الوكيل: نعم، ثم ذهب إلى الزوجة فقال لها: أنت على زوجك كظهر أمه، يصلح ولّا ما يصلح؟
طالب: ما يصلح.
الشيخ: هذا لا يصلح؛ لأن الظهار مما يتعلق بنفس الشخص، كاليمين والقسم بين الزوجات، وما أشبه ذلك.
اللعان أن توكِّل شخصًا يلعن شخصًا، تقول: يا فلان، من فضلك روح العن فلانًا عني، يصلح ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يصلح؟
طالب: ليس هذا.
[ ١ / ٤٩٣٣ ]
الشيخ: ليس هذا المراد، المراد باللعان ما يكون بين الزوج وزوجته، وهي أيمان مؤكَّدة بشهادات سببها قذف الزوج زوجته بالزنا، يعني إذا قال رجل لزوجته -والعياذ بالله-: زنيتِ، هذا قذف بالزنا، يقال له: الآن إما أن تأتي ببينة، أو تُقِرّ المرأة بالزنا، أو نجلدك ثمانين جلدة، أو تلاعِن، يُخَيَّر بين أمور أربعة، يعني لا بد من واحد من أحوال أربعة؛ إما أن يأتي ببينة بأنها زنت، فماذا نصنع؟
أجب على هذا السؤال.
طالب: ماذا نصنع؟
الشيخ: إي.
الطالب: ().
الشيخ: لا لا.
الطالب: الملاعنة.
الشيخ: انتهينا من التخيير.
الطالب: هو اختار الملاعنة؟
الشيخ: ما أدري، أجب عن سؤالي.
الطالب: تُرْجَم المرأة.
الشيخ: تُرْجَم المرأة إن كان قد جامعها، وإن كانت بكرًا فإنها تُجْلَد وتُغَرَّب، المهم يقام عليها الحد، نقول: إذا أتى بالبينة وهي التي سألت عنها يقام عليها الحد، إذا أقرَّت.
طالب: إذا أقرَّت يقام عليها الحد.
الشيخ: يقام عليها الحد، صح، إذا لاعن سقط الحد عنه وعنها، إن أبى أن يلاعن جُلِدَ ثمانين جلدة؛ حد القذف، المهم أن هذا الزوج قذف زوجته ولم يأتِ ببينة، ولم تُقِرّ الزوجة، واختار اللعان، اللعان يقول: أشهد بالله أن زوجتي فلانة قد زنت، أربع مرات، ويقول في الخامسة: وأن لَعْنَة الله عليه إن كان من الكاذبين، فقال لرجل من الناس، وكان هذا الزوج في نفسه رفيعًا وشريفًا، قال: ما أنا برايح للقاضي علشان فلانة اللي فيها ما لا فيها، ولكن يا خادم روح لاعن عني، هذه ما هي بكفء إني أنا أحضر عند القاضي من أجلها، روح أنت لاعن عني، الخادم يأبى ولّا يمشي، يمشي، خادم، يجوز ولّا ما يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأن اللعان يتعلق بالإنسان نفسه، الخادم اللي بيقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؟ ! ما يقول هذا، والخادم أيضًا ما قذف فلا يجوز أن يوكَّل في اللعان.
[ ١ / ٤٩٣٤ ]
المرأة؛ المرأة قالت لأبيها: أنا أستحيي أن أذهب إلى القاضي، وأنت وكيلي يا أبي في الملاعنة عني، يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟ لأن هذا يتعلق بالشخص نفسه، يهودي عليه جزية، أو نصراني عليه جزية، وكان موعد أخذ الجزية من النصارى في يوم الاثنين، تعرفون كيف نأخذ الجزية منهم؟ عن يد وهم صاغرون، فقال اليهودي لخادمه، أو النصراني قال لخادمه: اذهب أَعْطِ المسلمين الجزية، أنا ما يمكن أذهب إليهم، اذهب أنت، فذهب الخادم وأعطى الجزية، يصح التوكيل ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ هذا يتعلق بالإنسان نفسه، ولهذا إذا جاء بها لا بد أن يسلِّمها عن يد، يعني من يده أو عن يد، أي عن قوة منا عليه، وهو أيضًا صاغر، لو جاء يعطي الجزية على سيارة كاديلك، والخدم بين يديه، وربما نقول: يضربون الطبول أمامه، يقول الناس: تفرقوا عن سيدنا، تفرقوا عن سيدنا، وعلى رأسه ريشة النعام، حتى جاء ووقف على الوالي أو الجابي للجزية، وقال في أنف شامخ: خذ يا ولد، يجوز ولّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز طبعًا، ما نُمَكِّنُه من هذا أبدًا، العلماء يقولون: يأتي إلينا ليسلم الجزية، ولا نأخذها على طول، خليه يبقى واقفًا، حتى نعلم أنه تعب من الوقوف، نطوّل وقوفه حتى لو ما عندنا شغل، ثم إذا أخذناها منه ما نأخذها بسهولة، نأخذها ونجر إيده حتى ربما تملكَنْ إيده من كتفه، لماذا؟ يقولون: هذا معنى عن يد.
لا بد يكون عندنا قوة، ونريه أننا أعزة، لكن لا وَكْس ولا شطط، لا نقول بالأول اللي جاء يزمر علينا بسياراته وخدمه وفخمه، ولا نقول بالثاني، المهم أن يأتي بها ذليلًا ويسلمها إلينا، هذا المهم، ونسأل الله تعالى أن يعيد للمسلمين هذا المجد الذي فقدوه بفقدهم كثيرًا من دينهم.
إذن نقول: الجزية لا يجوز فيها التوكيل؛ لأنها تتعلق بمن؟ بنفس الشخص.
(والأيمان) أيضا ما فيها توكيل، ويش معنى الأيمان؟
[ ١ / ٤٩٣٥ ]
الأيمان اليمين، سواء كانت في خصومة أو في غير خصومة، اليمين لا بد من نفس الحالف، فلو ادعى رجل عند القاضي على شخص بمئة درهم، قال القاضي للمدَّعِي: ألك بينة؟ قال: لا، ماذا يقول للخصم؟ يقول: عليك اليمين، إذا رضي الخصم بيمينه يحلف، قال: علي اليمين؟ قال: عليك اليمين. قال: فأنا وكلت فلانًا يحلف عني، يصلح؟
طلبة: ما يصلح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنها ما تتعلق به.
الشيخ: لأن هذا يتعلق بشخص الإنسان؛ لأن اللي بيحنث أو يَبَرّ باليمين هو الحالف الذي تتعلق به بشخصه، فلا يجوز أن يوكّل في الأيمان.
القاعدة في هذا: كل شيء يتعلق بشخص الإنسان أو بنفس الإنسان شخصيًّا فإنه لا يجوز أن يوكّل فيه، رجل عنده زوجتان، وكانت الليلة لفلانة، فقال لأخيها: أنا عندي شغل، واذهب الليلة لها بدلًا عني، طبعًا في غير الفراش؛ لأن القسم ما هو لازم الفراش، القسم المهم أن يبقى عندها، فقال: اذهب لأختك بدلًا عني، يجوز ولّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، نعم لو قال مثلًا: أنا عندي شغل واذهب لأختك لإزالة الوحشة عنها فقط، لا باعتبار أنه عن القسم، فإن هذا لا بأس به، وأنا الآن ما وكلته عني، ولكنني طلبت منه أن يتفضل بأن يذهب إلى أخته ليؤنسها فقط، إي نعم.
قال: (وفي كل حق لله تَدْخُلُه النيابةُ من العبادات).
(كل حق لله) قيَّدَه المؤلف بقوله: (تَدْخُلُه النيابةُ)، أما في الأول فقال: (في كل حقِّ آدميٍّ)، وقسم المؤلف حق الآدمي إلى قسمين: قسم تدخله النيابة، وقسم لا تدخله، فما يتعلق بشخص الإنسان لا نيابة فيه، ولا وكالة فيه، وما لا ففيه الوكالة.
حق الله أيضا ينقسم لا إلى قسمين، بل إلى ثلاثة أقسام:
قسم تدخله النيابة مطلقًا.
وقسم لا تدخله مطلقًا.
وقسم تدخله بتفصيل، ولننظر، قال:
[ ١ / ٤٩٣٦ ]
(وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات)، فالضابط أن كل العبادات المالية تدخلها النيابة، كتفريق زكاة، وصدقة، وكفارة، هذه كلها تدخلها النيابة، العبادات المالية تدخلها النيابة؛ تفريق زكاة؛ وكَّلت إنسانًا أن يفرِّق الزكاة، جائز ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جائز أن أوكِّله لتفريق الزكاة؛ لقبض الزكاة، فقير وكَّل شخصًا يقبض الزكاة له؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، كفارة، إنسان عليه كفارة يمين؛ إطعام عشرة مساكين، نقول: يجوز أن توكِّل مَن يطعم عشرة مساكين.
القاعدة إذن أو الضابط: جميع الحقوق المالية تدخلها النيابة، يعني جميع العبادات المالية تلحقها النيابة،
العبادات البدنية لا تصح فيها الوكالة، مثل الصلاة والصيام والوضوء والتيمم، وما أشبهها، هذه عبادة بدنية تتعلق ببدن الإنسان فلا يمكن أن تدخلها النيابة.
أقول: كل عبادة بدنية لا تدخلها النيابة، مثل: الصلاة، الطهارة، والصوم؛ لأن هذه تتعلق بنفس الفاعل، عبادة تكليفية يكلَّف بها الفاعل نفسه، فلا تصح أن يقوم بها غيره، لو قلت لشخص مثلًا: اذهب فَصَلِّ عني، هذا لا يُقْبَل ولا يصح، تَطَهَّر عني وأنا أصلي، لا يصح؛ لأن هذه عبادة بدنية، والعبادة البدنية لا يصح فيها التوكيل.
لو وكَّلت شخصًا يستفتي عني، هذا لا بأس به؛ لأن هذا نقل علم، وهو يقصد به الإخبار فقط، ولذلك كان الصحابة ﵃ يوكِّل بعضهم بعضًا في استفتاء النبي ﷺ. (١)
فإن قلت: يرد على هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٢)، فإن هذا يدل على أن العبادة البدنية تكون فيها نيابة؟
[ ١ / ٤٩٣٧ ]
فالجواب: إن هذا ليس عن طريق التوكيل، ولكن هذا تشريع من النبي ﵊، فهو في الحقيقة أصيل وليس بوكيل، ولهذا يصوم الإنسان عن ميته، سواء أوصى به أم لم يُوصِ به، فالمسألة هنا ليست من باب الوكالة، لكنها من باب القيام مقام الشخص بأمر من الشرع.
القسم الثالث من العبادات هو الذي يصح فيه التوكيل على التفصيل، وهو العبادة المركَّبة من البدن والمال، مثل الحج، الحج يجوز فيه التوكيل في الفرض للذي لا يستطيع أن يحج، يعني معناه أنه عاجز عن الحج عجزًا مستمرًّا، هذا يجوز أن يوكِّل في فرض الحج، فإن كان غير عاجز فإنه لا يجوز أن يوكِّل، ولولا أن الحديث ورد بذلك ما أجزناه حتى في العاجز، الحديث الوارد في هذا، في جواز توكل الإنسان في الحج عن العاجز.
طالب: () المرأة الَّتِي استفتت النبي ﷺ على أن والدها لا يستطيع أن يركب الراحلة () ﷺ. (٣)
الشيخ: إي نعم، فصارت الحقوق كلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم تجوز فيه الوكالة مطلقًا، وضابطه في العبادات المالية.
وقسم لا يجوز مطلقًا، وضابطه في العبادات البدنية.
وقسم يجوز على تفصيل في ذلك، وهو العبادة المركَّبة كالحج، على أن الحج مَرَّ علينا أن القول الراجح أنه من العبادات البدنية، أما الذي يكون عبادة بدنية ومالية فهو الجهاد، فإن الله تعالى أمر بالجهاد بالمال وبالنفس، أما الحج فإنه عبادة بدنية في الواقع، والمال ليس شرطًا به ولا ركنًا، بدليل أنه يمكن للإنسان أن يحج على قدميه، سواء من مكة أو من بلده، فإن من الناس من يحج على قدميه من بلده حتى يرجع إليهم.
().
[ ١ / ٤٩٣٨ ]
ويصح التوكيل في الحدود، الحدود سبق لنا قريبًا تعريفها، وقلنا: إنها جمع حد، وهو في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: عقوبة مقدَّرة شرعًا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها، وتكفِّر ذنب صاحبها، كحد الزنا مثلًا، فيصح أن توكِّل شخصًا في حضورك في إثباتها واستيفائها؛ في إثباتها بأن يقول الحاكم لشخص: اذهب إلى فلان ليُقِرَّ بما يقتضي الحد، هذا في إثباتها، واستيفاؤها يكون المذنب قد اعترف وثبت الحد، فيوكِّل مَن يقيم هذا الحد، نقول: هذا لا بأس به.
الدليل قول النبي ﷺ لأنيس -رجل من الأنصار-: «اذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٤)، هذا فيه توكيل في إثبات الحدود وفي استيفائها؛ «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ» هذا إثبات، «فَارْجُمْهَا» هذا استيفاء، إذن يجوز أن يُوَكَّل في الحدود لإثباتها واستيفائها.
في القصاص؛ لو أن أهل الميت الذين وجب لهم القصاص وَكَّلُوا شخصًا يقتص منه، يجوز ولّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن أولياء المقتول هم الذين يباشرون قتل القاتل، ما هو الحاكم، الحاكم والسلطان يباشر قتل القاتل في الحدود، لكن في الحقوق الذي يباشر هو صاحب الحق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، ﴿فَلَا يُسْرِفْ﴾ الضمير يعود على مَن؟
طالب: الولي.
الشيخ: الولي، إذن هو اللي بيقتل، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
هل يجوز الاستيفاء؛ استيفاء الحدود في غيبة الموكِّل؟ قلنا: لا بد من حضور الموكِّل، يجوز في غيبة الموكل؛ لأن الوكيل يقوم مقام موكله، وهو ظاهر الحديث الذي أشرنا إليه آنفًا، حيث قال: «إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٤)، ولم يقل: فأت بها، أو فَآذِنِّي حتى أحضر، فدل ذلك على جواز الاستيفاء بحضرة الموكِّل وغيبته.
[ ١ / ٤٩٣٩ ]
ثم قال: (وليس للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يجعل إليه)، الوكيل هو مَن أَذِنَ له في التصرف، إذا كان تصرف الوكيل معتمدًا على الإذن وموقوفًا عليها فإنه لا يجوز أن يتصرف الوكيل في أمر لم يؤذَن له فيه، وعلى هذا فليس له أن يُوَكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجْعَل إليه.
مثال ذلك: وَكَّلْتُكَ أن تبيع لي هذا الكتاب، ليس لك الحق في أن تأخذ مني الكتاب وتُوَكِّل شخصًا آخر، إلا إذا جعل ذلك إليه، ويش معنى جعل إليه؟ بأن قال له: ولك أن تُوَكِّل مَن شئت.
فإذا قال: ولك أن تُوَكِّل، جاز أن يُوَكِّل، لماذا لا يجوز؟ لأن تصرف الوكيل موقوف على أيش؟
طالب: إذن الموكِّل.
الشيخ: على الإذن، فوجب أن يتقيَّد فيما أذن له فيه وألَّا يتعداه، وأنا عندما قلت: خذ بِعْ هذا () يستثنى من ذلك، إذا كان الشيء كثيرًا يعجزك، إذا كان شيء كثير يُعْجِز الوكيل فله أن يستعين بغيره يقوم فيه.
مثل: لو وَكَّلَه في بيع هذه الأموال، وقال: لا تغب الشمس إلا وقد بعتها، وهذه الأموال لا يتمكن من بيعها بنفسه في يوم واحد، فهنا يجوز أن يوكِّل غيره ولّا لا؟ نعم يجوز؛ لأن كون الموكِّل يقول: بِعْ هذا قبل أن تغيب الشمس، وهي أموال كثيرة يعرف أنني لا أستطيع أن أقوم ببيعها وحدي، معناه أنه قد أذن لي في أن أُوَكِّل غيري، فيكون هنا الإذن معلومًا من قرينة الحال، هذا في المسألة الثانية تُسْتَثْنَى.
الثالثة: إذا كان مثله لا يتولاها، إذا كان مثل الوكيل لا يتولى هذا العمل فله أن يوكِّل.
مثال ذلك: قلت لشخص: يا فلان، وَكَّلْتُك تنظف المجاري، مجاري بيتي، وكان هذا الوكيل وزيرًا، المراد أن هذا الوكيل يأخذ المكنسة وينظف المجاري؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: ما يتولاها.
[ ١ / ٤٩٤٠ ]
الشيخ: لا يتولاها مثله، مثل هذا العمل اللي وكلته فيه ما يمكن يتولاه، إذن وَكَالَتِي تتضمن أن يأمر مَن ينظف هذه المجاري، فإذا كان مثله لا يتولاه فإنه بالضرورة سوف يقيم غيره مقامه، فصار الوكيل لا يُوَكِّل غيره إلا في ثلاث مسائل؛ الأولى: أن تُجْعَل إليه، والثاني؟
طالب: الضرورة.
الشيخ: أن يعجز عنه، وهذا ضرورة، والثالث: أن يكون مثله لا يتولى هذا العمل، ففي هذه الأحوال الثلاث يجوز للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّلَ فيه.
يقول: (إلا أن يجعل إليه، والوكالة عقد جائز) إلى آخره، اعلم أن الجائز يراد به الحكم التكليفي، ويراد به الحكم الوضعي، يعني الأحكام الشرعية قسمان: تكليفية ووضعية، الجائز الذي يراد به الحكم التكليفي يقابله الحرام، وهي الأحكام الخمسة التي تعرفونها: واجب، وحرام، ومكروه، ومستحب، وجائز، مباح.
الجائز باعتبار الحكم التكليفي هو الذي ليس بحرام، وأما الجائز باعتبار الحكم الوضعي فهو الذي ليس بلازم؛ لأن العقود باعتبار الأحكام الوضعية ثلاثة أقسام: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، وجائز من طرف لازم من طرف.
مثلًا البيع هل هو جائز ولّا لا يجوز؟
طالب: لا يجوز.
طلبة آخرون: جائز.
الشيخ: جائز؟
طالب: لازم من الطرفين.
الشيخ: إن قلت: جائز، فهو خطأ، وإن قلت: لازم، فهو خطأ.
طالب: تفصيل.
الشيخ: وإن قلت: فيه تفصيل فهو خطأ، نقول: جائز باعتبار الحكم التكليفي، يعني ليس بحرام، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لازم باعتبار الحكم؟
طلبة: الوضعي.
الشيخ: الوضعي، فلو سألت أي واحد: ما تقول في البيع، أجائز هو أم لا؟
إن قلت: جائز؛ أخطأت، لازم؛ أخطأت، جائز باعتبار ولازم باعتبار، هذا صح، لكن أنا أقول: عندما تسأل أي إنسان عن البيع هل هو جائز أم لا، سوف يتبادر إلى ذهنه أنه الحكم؟
طالب: التكليفي.
[ ١ / ٤٩٤١ ]
الشيخ: التكليفي، صفة شرعية، لكن هذا تكليفي، وهذا وضعي، قلت: إن الوكالة عقد جائز باعتبار الحكم التكليفي أو الوضعي؟
طلبة: التكليفي.
الشيخ: لا يا أخي، الوضعي.
طالب: ويش الفرق بين الوضعي؟
الشيخ: لأن التكليفي سبق في أوله تصح بكل قول.
طالب: () الفرق بين التكليفي والوضعي؟
الشيخ: التكليفي هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، والوضعي وصف للعقد نفسه هل هو من العقود اللازمة أو الجائزة أو ما أشبه ذلك، الشروط مثلًا والموانع والأسباب كلها؟
طالب: أحكام وضعية.
الشيخ: أحكام وضعية، فالأحكام التكليفية هي التي يُثَاب عليها الإنسان أو لا يثاب، يعاقَب أو لا يعاقَب، فهي تعود إلى نفس العامل، أما هذه فتعود إلى نفس العقد، فالوكالة مثلًا باعتبار كون الإنسان مُثَابًا عليها أو غير مثاب.
طالب: حكم تكليفي.
الشيخ: حكم تكليفي، جائزة بهذا الاعتبار، فتكون الأحكام تكليفية باعتبار هل هي عقد لازم أو عقد جائز؟
طالب: جائز، حكم وضعي.
الشيخ: هذه باعتبار الحكم الوضعي، أقول: العقود باعتبار الحكم الوضعي تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث الجواز وعدمه: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، ولازم من أحدهما جائز من الآخر، فاللازم ما لا يمكن فسخه إلا برضا الآخر، ما هذا؟
().
فقد وجب البيع () الرهن لازم من أحد الطرفين، في حق مَن لازم؟
طالب: الراهن.
الشيخ: في حق الراهن، جائز في حق المرتهن، الضمان؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: الكذلكة في مقام الإجابة لا تنفع، كذلك يعني؟
الطالب: الضامن.
الشيخ: إي، باعتبار الضامن، لازمة باعتبار المضمون له، باعتبار الضامن لازمة؛ ما ينفع يتخلص الضامن، باعتبار المضمون له جائز؛ لو شاء المضمون له لقال للضامن: أبرأتك من الضمان.
الوكالة عقد جائز من الطرفين، فيجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة، فيذهب إلى الموكِّل ويقول: والله أنا توكلت، يعني: على هذا العقد، لكن فسخت، ما أبغي تتوكل، يجوز ولّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٤٩٤٢ ]
الشيخ: يجوز، ويجوز أيضًا للموكِّل يفسخ الوكالة، فيذهب للوكيل ويقول: والله أنا وكَّلْتُك بالأمس، ولكن الآن فسخت الوكالة، ولهذا قال المؤلف: الوكالة عقد جائز، يعني من الطرفين، التعليل، لماذا؟ لماذا كانت عقدًا جائزًا؟ نقول: لأنها من جهة الموكل إذْن، ومن جهة الوكيل بذْل نفس، وكلاهما جائز، ما فيه معارضة.
وبناء على ذلك إذا كانت الوكالة بعِوَض فهل تكون عقدًا لازمًا لأنها إجارة، أو يُنْظَر إلى أصلها؛ لأنها وكالة؟ مرت علينا هذه في القواعد قبل أيام قليلة.
إذا تضمن الفسخ ضررًا على أحد الطرفين فإن العلماء يقولون: إن العقود الجائزة تنقلب لازمة درءًا للضرر. ()
الأول قال: (تبطل بفسخ أحدهما)، إذا فسخ أحدهما الوكالة فإنها تبطل، سواء كان الموكِّل أو الوكيل، فإذا وكلتك أن تبيع سيارتي مثلًا ثم بعد يوم أو يومين فسخت الوكالة، قلت: إني فسخت وكالتك، يجوز ولّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، وكذلك لو أن الوكيل رجع إلى الموكِّل في المثال اللي ذكرنا وقال: أنا والله توكَّلْت في بيع سيارتك، ولكني هوَّنْت، فسخت الوكالة، يجوز ولّا لا؟ يجوز، وظاهر كلام المؤلف أن الفسخ جائز، سواء تضمن ضررًا على الآخر أم لا.
ولكن هناك قول آخر: إنه إذا تضمن ضررًا فإما أن نقول بعدم الجواز، ونلزمه بإتمام العمل، وإما أن نقول بالجواز مع ضمان الضرر، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنا قلنا قبل: الوكالة عقد جائز، افسخها، لكن إذا تضمن ضررا فعليك ضمان هذا الضرر.
مثال ذلك: وَكَّلتُ شخصًا في أن يبيع سيارتي في الموسم، فقال: نعم أبيعها لك، ثم إنه بعد ذلك فسخ الوكالة، وجاء إليّ وقال لي: فسخت الوكالة، معناه: إنه فوَّت عليّ، ويش فَوَّت؟
طلبة: الموسم.
[ ١ / ٤٩٤٣ ]
الشيخ: الموسم، على المذهب تنفسخ الوكالة ولا عليه شيء، ولكن الصحيح أنها تنفسخ وعليه ضمان الضرر؛ النقص الذي حصل، وقال: تباع اليوم وتُقَدَّر قيمتها في الموسم، فيضمن النقص؛ لأن النبي ﵊ يقول: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» (٥)، وعمل هذا الرجل كم هو ضَرَّنِي، هذا غَرَّني قبل الوكالة، ولما ذهب وقت الموسم جاءني وقال: لقد فسخت وكالتك مِن قِبَلِك.
وقول المؤلف: (تبطل بفسخ أحدهما)، ظاهره سواء عَلِم الوكيل أم لم يعلم، فإذا وَكَّلْت هذا الرجل على أن يبيع بيتي، ثم في اليوم الثاني أشهدتُ رجلين بأني فسخت الوكالة، ثم باع البيت في اليوم الثالث ولم يعلم، على المذهب البيع غير صحيح، لماذا؟
وَكَّلْته يوم الأحد، وعزلته يوم الاثنين، وباع يوم الثلاثاء، وهو معنا، على المذهب أن البيع غير صحيح؛ لأني فسخت وكالته قبل أن يبيع، فباع وهو لا يملك العقد عليه فلا يصح.
القول الثاني: أنه لا ينفسخ إلا بعد العلم، ليش؟ لأن تصرفه مستنِد إلى إذن سابق لم يعلم زواله، فكان تصرفًا صحيحًا، وهذا القول هو الصحيح، ويقال للموكِّل: أنت الذي فرَّطت، لماذا لم تُخْبِره بفسخ الوكالة من فَوْرِها، أو من فَوْرِك؟ فأنت المفرِّط، فعلى نفسها جنت براقش، وهذا القول هو الراجح، لا سيما وأنه في هذه الحال تعلق به حق أيش؟
طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري، وهو طرف ثالث، فلا يمكن أن يبطل حقه، فإن باع قبل العزل فالبيع صحيح، البيع صحيح على كل حال.
وقول المؤلف: (تبطل بفسخ أحدهما) يشمل الفسخ بالقول والفسخ بالفعل؛ الفسخ بالقول مثل أن يقول: فسخت وكالة فلان على كذا وكذا.
الفسخ بالفعل أن يفعل فعلًا ينافي تصرف الوكيل، مثل: وكلتك أن تبيع عبدي، وبعد أن ذهبت تحرج على العبد، أعتقت العبد، إعتاقي إياه يتضمن فسخ التوكيل في البيع؛ لأنه لا يمكن بيعه بعد عتقه، وحينئذ نقول: هذا فسخ بالقول ولّا بالفعل؟
طلبة: بالفعل.
الشيخ: بالفعل، وكلتك في طلاق امرأتي.
[ ١ / ٤٩٤٤ ]
ثم إن الموكل جامع زوجته بعد أن وكَّله في طلاقها، فهذا فسخ بماذا؟ بالفعل؛ لأن وطأه إياها معناه العدول عن الطلاق، وكلتك أن تبيع بيتي، ثم أَجَّرْتُه إنسانًا لمدة سنة؟
طالب: ما تنفسخ.
الشيخ: وكلتك لتبيع بيتي، ثم أجرته سنة بعدما وكلت على بيعه؟
طالب: ما تنفسخ.
الشيخ: فنقول: هذا ليس فسخًا للوكالة، لماذا؟ لأن عملي هذا لا يقتضي بطلان ما وكلته فيه، فإن بيع المؤجَّر جائز ولّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، فلما لم يفعل التنافي بين وَكَالَتِي وبين فعلي لم يكن ذلك فسخًا.
رهنته بعد أن وكلتك في البيع، تنفسخ ولّا ما تنفسخ؟
طلبة: تنفسخ.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه مرتهن.
الشيخ: لأن بيع المرهون لا يصح، فلما رهنته أنا عُلِمَ بذلك أني عدلت عن بيعه؛ إذ إن بيع المرهون لا يصح.
الخلاصة الآن أن الوكالة تبطل بفسخ أحدهما القولي والفعلي، والقولي مثل أن يقول: فسخت وكالة فلان، الفعلي مثل أن يتصرف تصرفًا يتنافى مع ما وكَّله فيه، ما رأيكم في العزل بالكتابة، هل هو من الفسخ القولي أو الفعلي؟
طالب: القولي.
طالب آخر: قولي وفعلي.
الشيخ: واحد كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، لقد وَكَّلت فلانًا في بيع بيتي، وإني فسخت هذه الوكالة، وأرسل، هذا؟
طلبة: قولي.
الشيخ: إي نعم، هذا قولي مُؤْذِن بالفعل وهو الكتابة، هذا الفسخ.
قال: (وموته) ليش إذا مات الوكيل أو الموكل انفسخت الوكالة؟ لأنه إن مات الموكِّل بطل تصرفه في ماله؛ لأن المال ينتقل إلى مَن؟
طلبة: إلى الورثة.
الشيخ: إلى الورثة، وهم ما وَكَّلُوه، وإن مات الوكيل فإن الموكِّل لم يوكِّل إلا إياه، ولّا لا؟ ما تنتقل لورثته، والله ما وَكَّلْت هؤلاء، أنا مُوَكِّل هذا الرجل، فتنفسخ إذن بموت الموكِّل وموت الوكيل.
لو أن الورثة -ورثة الوكيل- كان عندهم علم بأن مُوَرِّثهم قد وُكِّلَ في بيع هذا الشيء فباعوا بعد موته، فما حكم البيع؟ غير صحيح؛ لأن الوكالة بطلت بموت الوكيل.
[ ١ / ٤٩٤٥ ]
قال المؤلف: (وتبطل أيضًا بعزل الوكيل)، ويش معنى عزل الوكيل؟ يعني أني أعزله، ما أقول: فسخت الوكالة، أكتب إليه وأقول: قد عزلتك، بهذا اللفظ، فإذا عزله انفسخت الوكالة، ونقول: وعزل الموكِّل ولّا لا؟ ما يمكن يعزل الموكِّل؛ لأن الموكِّل هو صاحب الحق الأصلي.
طالب: هذا للوكيل.
الشيخ: هذا الوكيل يقول: عزلت فلانًا، ما يقول: فسخت الوكالة.
الطالب: الثاني اختلاف لفظي.
الشيخ: اختلاف لفظي، لكن المعنى واحد، لكن لو عزلت الوكيل () قد عزلتك؟ قال: لا، يمكن ولّا ما يمكن؟
طالب: جائز هذا.
طالب آخر: ما ينفسخ.
الشيخ: أنا قلت لهذا الرجل: يا فلان وكلتك أن تبيع لي هذا الشيء، ولكن عزلتك الآن، قال: أبدًا ولا () يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؛ لأنه ما يعتبر رضاه، كما أن الرجل لو قال لزوجته: طلقتك، قالت: لا، قبول، يمكن ولّا ما يمكن؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؛ لأن هذا لا يُشْتَرَط فيه رضا العاقد الآخر، انتبه، فنحن نقول: ينعزل، سواء رضي أم لم يَرْضَ.
قال: (وبِحَجْر السَّفَه) يعني تبطل أيضًا إذا حُجِرَ عليه حَجْرَ سَفَهٍ، على مَن؟ على الموكِّل أو على الوكيل، وقوله: حَجْر السفه، لم يقل: حَجْر الصِّغَر ليش؟ لأن الكبير ما يصغر، ولّا لا؟ لكن الرشيد يمكن يسفه ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن يكون بالأول يحسن التصرف، ثم بعد ذلك تصيبه آفة لا يحسن التصرف، حجر الجنون يمكن ولّا ما يمكن؟
طالب: يمكن.
[ ١ / ٤٩٤٦ ]
الشيخ: يمكن، لكن الجنون نوعان: مُطْبِق وغير مُطْبِق، فتبطل بدون المطبِق، يعني معناه الدائم، أما الذي يُجَنّ ساعة من نهار فهذا لا تنفسخ الوكالة في حقه، إنما تنفسخ بالجنون المطبق، فالحجر إما للصغر أو للجنون أو للسفه، السفه وارد على كل حال، ولّا لا؟ الصغر غير وارد على كل حال، ليش؟ لا يمكن للكبير إنه يصغر، لكن أنا أقول: يمكن للكبير أن يصغر، يمكن عمره بالتابعية خمسون، لكن الحقيقة لم يبلغ الأربعين، لكن زود ستين في التابعية، صغر ولّا ما صغر؟
طالب: لا، ما صغر.
الشيخ: مكتوب العمر في التابعية، تعرفون التابعية؟ العمر خمسون سنة، نعم مولود عام سبع وخمسين، عرفتم هذا في التابعية، وهو لم يولد إلا سبع وستين، صغر ولّا ما صغر؟
طالب: صغر.
طالب آخر: في الظاهر.
الشيخ: أجيبوا.
طلبة: ما صغر.
الشيخ: هل صغر ولّا ما صغر؟ لأن حقيقة عمره ليس هو المكتوب في التابعية، حقيقة عمره ما أمضاه في الدنيا بعد ولادته، إذن الحجر للصغر غير وارد أبدًا، الحجر للجنون وارد ولّا غير وارد؟ فيه التفصيل؛ إن كان مطبِقًا انفسخت الوكالة، وإن كان غير مطبِق فإنها لا تنفسخ، انتبهوا، فثلاثة أسباب للحَجْر تنقسم هذا التقسيم الثلاثي؛ سفه يمكن؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: بكل حال تنفسخ به الوكالة بكل حال، صغر؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن بكل حال، جنون فيه تفصيل؛ إن كان مطبِقًا انفسخت الوكالة وإلا فلا.
وقول المؤلف: (حجر السفه) احترازًا من الحجر لحظ الغير، وهو حجر الفلس، فإن الوكالة لا تنفسخ به إلا إذا كانت الوكالة في أعيان مال الموكِّل، فإنها تنفسخ إذا حجر على الموكِّل.
حجر الفلس وهو الحجر للفقر، لا تنفسخ به الوكالة، إلا إذا كانت الوكالة في أعيان ملك الموكِّل وحُجِر على الموكِّل فإنها تنفسخ الوكالة.
مثال ذلك: وكَّلْتُ شخصًا أن يبيع سيارتي، فافتقر الوكيل، افتقر وحُجِرَ عليه في ماله، تنفسخ الوكالة ولّا لا؟
طلبة: ما تنفسخ.
[ ١ / ٤٩٤٧ ]
الشيخ: لا تنفسخ، إذن الحجر على الوكيل لفلس لا تنفسخ الوكالة على كل حال، حجر على الموكِّل فيه التفصيل؛ فإن كانت الوكالة في أعيان المال انفسخت الوكالة، إن كانت في ذمته لم تنفسخ، وكَّلْتُك أن تبيع سيارتي، ثم حُجِر عَلَيّ لفلس، تنفسخ الوكالة ولّا ما تنفسخ؟ تنفسخ، ما يمكن تبيع سيارتي الآن؛ لأني أنا شخصيًّا لا أتمكن من بيعها، ووكيلي فرع عني، فإذا لم يتمكن الأصل لم يتمكن الفرع، واضح يا جماعة؟
أما لو قلت: وكَّلْتُك أن تشتري لي سيارة، ثم حُجِرَ علَيَّ لفلس، فإن الوكالة لا تنفسخ؛ لأن هذا ليس تصرفًا في مالي، ولكنه تصرف في ذمتي.
إذن الْحَجْر نوعان؛ حجر لقصور المحجور عليه؛ وهو المحجور عليه لحظه، وحجر لحق الغير؛ وهو الحجر لأيش؟
طالب: لفلس.
الشيخ: لفلس، الحجر لأمر يعود إلى المحجور عليه قلنا: إنه ثلاثة أشياء؛ حجر لسفه، وحجر لصِغَر، وحجر لجنون، الحجر للصغر غير وارد، للجنون فيه تفصيل؛ إن كان مطبِقًا انفسخت الوكالة وإلا فلا.
الحجر لسفَهٍ يَرِد ولّا ما يَرِد؟ يَرِد في كل حال، كل إنسان يمكن أن يكون سيئ التصرف بعد أن كان رشيدًا، هذا الأخير إذا وُجِدَ السفه بعد الرشد سواء من الوكيل أو من الموكِّل فإنها تنفسخ.
الحجر لفلس إن كان المحجور عليه الوكيل، أجيبوا؟
طلبة: لا تنفسخ.
الشيخ: لم تنفسخ مطلقًا، وإن كان المحجور عليه الموكِّل ففيه تفصيل؛ إن كانت الوكالة في أعيان ماله انفسخت، وإلا فلا هذا خلاصة البحث.
[ ١ / ٤٩٤٨ ]
قال المؤلف ﵀: (ومن وُكِّل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه)، إذا وُكِّل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه، وإذا وُكِّلَ في شراء فإنه لا يشتري من نفسه، لماذا؟ لأنني إذا وَكَّلْتُك أن تبيع لي هذا لو كنت أريد أن أبيعه عليك لقلت: اشتر مني هذا، بدل ما أقول: بِعْه، أقول: اشتر مني، فكوني أقول: وَكَّلْتُك في بيعه، يعني أني لا أريد أن تشتريه أنت، لو كنت أريد أن تشتريه أنت لقلت: اشتر مني هذا، واستغنيت عن الوكالة، هذا تعليل.
العلة الثانية: أن بيع الإنسان على نفسه محل اتهام، كيف محل اتهام؟ يعني لأن الإنسان إذا أراد أنه بيشتري السلعة هو سوف لا يستقصي في طلب الزيادة، ولّا لا؟ لأنه يحابي نفسه، فمثلًا قلت له: بع هذا الكتاب، ما يجوز إنك تشتريه أنت؛ لعلَّتين:
العلة الأولى: أن مقتضى الوكالة ألَّا تشتريه أنت؛ لأني لو أردت أن تشتريه لقلت: اشتر مني الكتاب، فكوني وَكَّلْتُك معناه لا أريد أن تشتريه أنت، هذه واحدة.
ثانيًا: أنك مُتَّهَم في محاباة نفسك، بحيث لا تستقصي في طلب الزيادة، فربما هذا الذي وكَّلْته في بيع الكتاب يحرج عليه عند الناس مَن يشروه، قال: واحد بعشر، قال الثاني: بأحد عشر، قال الثالث: باثنى عشر، قال هو: بأربعة عشر، بس خلاص بعناه، وقف وخلّيه عليّ، بينما لو رد () لكان يمكن يصل إلى أكثر من ذلك، إلى عشرين وثلاثين، ولّا () هذا وارد، خصوصًا إذا كان الإنسان ما ().
كذلك لا يشتري من نفسه، يعني: وكَّلْتُك أن تشتري لي كتابًا، وكان هذا الكتاب عندك، فقيَّدته عليَّ بقيمته، نقول: هذا لا يجوز للعلَّتين السابقتين، لو كنت أريد أن تبيع أنت عليَّ لقلت: بِعْ عليَّ كذا وكذا، ما أقول: اشتر لي.
ثانيا: أنك متهم، ربما تقيد علي الشيء الذي لا يساوي عشرة بكم؟ بعشرين، وأنا ويش يدريني، فإذن لا تبِع على نفسك إذا وكَّلتك في البيع، ولا تشتري منها إذا وكلتك؟
طالب: في الشراء.
[ ١ / ٤٩٤٩ ]
الشيخ: في الشراء، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون ذلك في المزاد العلني أو لا، ولا بين أن أزيد على الثمن في مسألة البيع ولا أن أنقص منه في مسألة الشراء.
يعني مثلًا إذا قلت: بِع هذا الشيء وكانت قيمته عشرة، فقيدته على نفسي بعشرين، يصح ولّا لا؟ على كلام المؤلف لا يصح، في المزاد العلني حَرَجْت عليه من () قيل: بعشرة، بعشرة، بعشرة، مَن يزيد مَن يزيد، ما زاد أحد، روحت يمين ويسار في السوق ما زاد أحد، فقلت: آخذه بأحد عشر، أو زدت على السائم الأول اللي بيقول: عشرة، قلت: بأحد عشر، قال: بأحد عشر ونصف، قلت: باثني عشر، قال: باثني عشر ونصف، خمسة عشر () علشان أقف، لما وصل لخمسة عشر، قال: خلاص ما لي رغبة، دَوَّرْنا أحد يزيد ما لقينا، قيدته لنفسي بخمسة عشر، يجوز ولّا ما يجوز؟
طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: على رأي المؤلف لا يجوز، مع أن المصلحة الآن لمن؟ للموكِّل، لو رجعنا إلى الناس لكان ما زاد على اثني عشر ونصف، لكنهم يقولون: لا، نمنع ذلك سَدًّا للباب، ولئلا يؤدي إلى النزاع.
بالعكس لو وَكَّلَنِي في الشراء، فذهبت إلى المكاتب بشراء كتاب، ذهبت للمكاتب، كل المكاتب ما نقصت عن عشرة، وأنا قيدته لي من عندي بخمسة، فيه مصلحة له ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه مصلحة، لكن مع ذلك على المذهب لا يصح، لماذا؟ سَدًّا للباب.
ويزول المحظور على المذهب بشيء واحد، وهو أن أقول له عندما وَكَّلَنِي: أرأيت لو كان هذا من عندي تقبل؟ فإذا قال: نعم ما فيه مانع، حينئذ يجوز أن أبيع عليه إذا وَكَّلَنِي في الشراء، وأن أشتري منه إذا وَكَّلَنِي في البيع، ولا حرج في ذلك.
()
مطلقًا ولو في المزاد العلني، ولو زاد على الثمن الذي انقطع به السعر؛ لأن كلامه عامّ، لكن يُسْتَثْنَى من ذلك:
أولًا: إذا قال له: اشترِ ولو من نفسك، أو بِعْ ولو من نفسك، يعني إذا أَذِنَ في ذلك.
[ ١ / ٤٩٥٠ ]
ثانيًا: إذا قطع الثمن، يعني الموكِّل قطع الثمن بأن قال: بِعْهُ بعشرة مثلًا، وحرج عليه والناس ساموا وساموا، حتى وقف على عشرة عليه هو نفسه، يجوز ولّا لا؟ قال العلماء: إنه يجوز إذا عَيَّن الثمن، يجوز أن الإنسان يشتريه لنفسه؛ لأن أصل منع بيع الإنسان على نفسه وشرائه منها خوف المحاباة التي تضر الموكِّل، فإذا عَيَّن الموكِّل الثمن زال هذا المحذور.
إذا عيَّن الثمن ورأى الوكيل أن السلعة تزيد على هذا، وذلك بأن يكون الموكِّل خِبْرَتُه بالأثمان قليلة، أو كان يحضرها من زمان، فهل يجوز للوكيل في هذا الحال أن يبيع بما قدر أو لا يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: الجواب: لا يجوز، وسيأتي في كلام المؤلف.
قال: (ولا يبيع من ولده)، ما يبيع من ولده، يعني ولا يَشْتَرِ منه.
وَكَّلْتُكَ أن تبيع هذا الكتاب، فذهبت بعته على ولدي، على ولدك أنت، يجوز ولّا لا؟ يقول المؤلف: لا يجوز.
حتى ولو في المزاد العلني؟ نعم، ولو في المزاد العلني، لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان متهم في حق ولده، ويش لون متهم، كيف يكون متهمًا.
أقول: هذا رجل قال له شخص: خذ هذا الكتاب فبعه، فباعه على ولده، يجوز ولّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، يبيع على ولده ليش؟ لأنه متهم في حقه، قد لا يحتاط في طلب الزيادة؛ لأن ولده هو الذي اشتراه، أليس كذلك؟
مثاله: أعطاني الكتاب، ولقيت في السوق مَن يَسُوم الكتاب، وقال واحد: بعشرة، قال واحد: بخمسة عشر، قال واحد: بعشرين، قال ابني: باثنين وعشرين، على طول بعت عليه، يمكن هذا ولّا ما يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: لا، أقول: يمكن يقع ولّا ما يمكن؟
طلبة: يقع.
الشيخ: يمكن يقع كثيرًا، إذا سام ولده ما راح يجيب آخرين؛ لأنه يحابي ولده، لهذا لا يجوز أن يبيع على ولده.
على ولد ولده؟
طالب: كذلك.
الشيخ: ولد بنته؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: إي نعم، مثل ولد البنت كولد الابن؛ لأنه أيضًا يُخْشَى أن يحابيهم، ولو كان أبا الأنثى.
[ ١ / ٤٩٥١ ]
إذن لا يبيع على ذريته من قِبَل أبنائه أو من قِبَل بناته، ما يبيع لأنه متهم.
هل يبيع على والده؟ نقول: لا، البيع على الوالد كالبيع على الولد، بل أشد، ربما يحابي والده أكثر مما يحابي ابنه؛ لأنه يهاب والده، فإذا زود أبوه بأن زاد في الثمن على طول باع عليه؛ لأنه يخاف من أبيه، فلهذا لا يبيع على والده ولا جده ولا جده من قِبَل أمه، إذن لا يبيع على الأصول ولا على الفروع؛ لأنه متهم، لكن يُسْتَثْنَى من ذلك ما إذا عَيَّن الموكِّل؟
طالب: الثمن.
الشيخ: الثمن؛ لأنها تزول التهمة حينئذ، وكذلك قال بعض العلماء: إن الصواب أنه يبيع على ولده، ويبيع على والده، وعلى أمه وجدته وبنته وبنت بنته، وغير ذلك، إلا إذا ظهرت المحاباة، وإلا فإنه يبيع؛ لأني وَكَّلْتُه في البيع، ولم أقل: لا تبع على ولدك، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء.
وهذا القول هو الصحيح؛ أنه يجوز البيع على ولده، وعلى والده، إلا إذا كان شريكًا لهم، فإذا كان شريكًا لهم فلا؛ لأن حقيقة الأمر أنه باع على مَن؟ على نفسه.
هل يبيع على إخوته؟
طالب: لا.
الشيخ: نعم يبيع على إخوته وأعمامه وبني إخوته، ما لم يكن شريكًا لهم.
طالب: على المذهب يا شيخ.
الشيخ: لماذا نفرق بين الأب والأخ؟ قالوا: لأن الأب أصل، والأخ ليس أصلًا ولا فرعًا، ولكن قد يقال: إن بعض الإخوة يحابيه الإنسان أكثر مما يحابي والده، ولّا لا؟ يكون أخًا أكبر منه شقيقًا شفيقًا رفيقًا به، فيحبه أكثر، فالتهمة لا تزال موجودة.
وهذا القول هو الصحيح؛ أن الحكم يدور مع علَّته، فإذا وُجِدَت التهمة مُنِعَ البيع، وإذا لم توجَد لم يُمْنَع البيع، هذا هو الصواب.
[ ١ / ٤٩٥٢ ]
قال المؤلف: (ولا يبيع بعَرَض)، العَرَض ما سوى النقد، يعني ولا يبيع أيضًا بعَرَض، فإذا وَكَّلْتُك على أن تبيع سيارتي هذه، فذهبت إلى المعرض ووجدت هناك سيارة أحسن، فبعت السيارة بالسيارة، وجئت إليك بهذه السيارة أقودها، قرعت الباب: السلام عليكم، وعليكم السلام، وإذا الرجل قد تأهب وأتى بالكيسة ليجعل فيها الدراهم، فقلت له: افتح باب الكراج لأدخل السيارة، يجوز هذا ولّا لا؟
طالب: هذا تصرف فضولي.
الشيخ: هذا تصرف فضولي، ما يجوز، على المذهب نقول: هذا لا يجوز؛ لأني إنما وَكَّلْتُك أن تبيع، والعادة أن الوكالة تنصرف إلى النقد، ما هو إلى العَرَض، فلا يصح.
طالب: ولو رَضِي الموكِّل؟
الشيخ: لو رضي، إلا على القول بجواز تصرف الفضولي.
(ولا يبيع نَسَاءً)، ويش معنى (نَسَاء)، أي: بثمن مؤخَّر، سواء كان مؤجَّلًا أو غير مؤجَّل، فهو لا يبيع نَسَاء أي: بثمن مؤخَّر، سواء كان مؤجَّلًا أم غير مؤجَّل، فإذن الوكيل لا يبيع إلا نقدًا، فإذا وَكَّلْتُك أن تبيع هذه السيارة، بعتها بعشرين ألفًا، لازم تأخذ الثمن نقدًا، لا تبعها نَسَاءً، فإن بعتها مؤجَّلَة بثمن مؤجَّل فإن ذلك لا يصح، ولو كان الثمن المؤجَّل أكثر، فلو قلت: بعها بعشرة آلاف، فذهبت إلى السوق وبعتها بخمسة عشر ألفًا مؤجَّلة، صح البيع ولّا لا؟ خمسة عشر ألف ().
السؤال مرة ثانية: قلت: بع هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فذهبت إلى السوق وبعتها بخمسة عشر ألف ريال، يصح ولّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأن المؤلف يقول: (ولا يبيع نَسَاءً)، أي مؤخَّر القبض.
(ولا بغير نقد البلد)، نحن الآن في السعودية، قلت: خذ هذه السيارة بعها، فبعتها بدولارات، وجئت بالدولارات، يصح البيع ولّا لا؟
طالب: سهل يحوِّلها.
[ ١ / ٤٩٥٣ ]
الشيخ: ما هو بسهل يحوِّلها، المهم جاء لي بالدولار، قلت: هذه قيمة السيارة دولارات، ما أذنت إنك تبيعها بدولار، قال: يا مسكين، هذا الدولار عملة صعبة، كل الناس يبغونها، ويش الجواب؟
نحن الآن لسنا في أمريكا، ولكننا في البلاد السعودية، ونقدنا هو النقد السعودي، فأنت الآن بعت بغير ما ينصرف الإطلاق إليه، وهو النقد السعودي، فالبيع إذن لا يصح.
أعطيتك هذه السيارة تبيعها هنا في السعودية، فأتيت إليّ بدل الورق بدراهم فضة سعودية؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟
طالب: لا يعد نقدًا يا شيخ.
الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعدَّد النقد اعتبر أكثره رواجًا، والأكثر رواجًا الآن هو هذه الأوراق ().
قال: (ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو بدون ما قدَّره له أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة) هذه أربع مسائل.
أولًا: باع بدون ثمن المثل، وَكَّلْتُك أن تبيع هذه السيارة، وثمن مثلها عشرون ألفًا، فبعتها بخمسة عشر ألفًا، البيع صحيح، ولكن تضمن النقص، ما هو النقص؟ خمسة آلاف، لماذا كان البيع صحيحًا؟
كان البيع صحيحًا لأنه تعلَّق به حق امرئ ثالث وهو المشتري، فلا نبطل حقه بسوء تصرف غيره، ويضمن النقص؛ لأنه دون ثمن المثل، ومن المعلوم أن الإذن المطلَق ينصرف إلى ما يتعارفه الناس، وهو ثمن المثل.
وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن مطلقًا، حتى وإن اجتهد وتصرف تصرفًا تامًّا، لكن تبيَّن أن السلع قد زادت وهو لا يعلم، ظاهر كلام المؤلف أنه يضمن حتى في هذه الحال.
والصحيح أنه لا يضمن في هذه الحال؛ لأنه مجتهد غاية الاجتهاد، وحريص، وكون السلع تزيد وهو لا يعلم هو معمول فيه، وهذا يحدث أحيانًا، أحيانًا تأتي الزيادة طفرةً، الغالب أن الزيادة تكون شيئًا فشيئًا، لكن أحيانًا تأتي طفرة ()، فمثل هذا الرجل كيف نضمنه؟ نفس الموكِّل لو باع في هذه الحال لعذر نفسه، ولّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٤٩٥٤ ]
الشيخ: عذر نفسه، فهكذا أيضًا الوكيل، ولو قلنا بأنه يضمن في هذه الحال ما استقامت الوكالة أبدًا؛ لأن كل وكيل يقول: يحتمل أن تكون الأمور قد زادت وأنا ما دريت، فإذن ما أتصرف، فإذا كان الرجل قد اجتهد وتحرى، ولكن أتى أمر بغير اختياره ولا بسبب التفريط، فالصواب أنه لا ضمان عليه.
أما المسألة الثانية: إذا باع بدون ما قدَّرَه له، هذا لا شك أنه يضمن بكل حال، قلت: خذ هذه السيارة بعها بعشرين ألفًا، خذها، حَرَج عليها يومين ثلاثة أربعة، عشرة، ما قدر الثمن إلا خمسة عشر ألفًا، فقال () تزيد ببيعها بخمسة عشر ألفًا، وباع، يصح البيع؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: البيع يصح يا إخوان، قلنا: إن البيع يصح؛ لأن الطرف الثالث وهو المشتري ما أذن، هو معذور، ولكن يضمن النقص، كم يضمن في المثال؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: يضمن في هذا المثال خمسة آلاف.
لو أنه باعها بما قدَّره الموكِّل، ولكن السلع قد زادت حتى صارت تساوي خمسة وعشرين، والموكِّل ما علم، فهل يضمن أو لا يضمن؟
طالب: لا يضمن.
طالب آخر: يضمن.
أو اشترى له بأكثرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ أو مما قَدَّرَه له صَحَّ، وضَمِنَ النقصَ والزيادةَ، وإن باعَ بأَزيدَ، أو قالَ: بِعْ بكذا مُؤَجَّلًا، فباعَ به حالًا، أو: اشْتَرِ بكذا حالًا، فاشْتَرَى به مُؤَجَّلًا ولا ضَررَ فيهما صَحَّ وإلا فلا.
(فصلٌ)
[ ١ / ٤٩٥٥ ]
وإن اشْتَرَى ما يُعْلَمُ عيبُه لَزِمَه إن لم يَرْضَ مُوَكِّلُه، فإن جَهِلَ رَدَّه، ووَكيلُ البيعِ يُسْلِمُه ولا يَقْبِضُ الثمَنَ بغيرِ قَرينةٍ، ويُسَلِّمُ وَكيلُ الْمُشترِي الثمَنَ، فلو أَخَّرَه بلا عُذْرٍ وتَلِفَ ضَمِنَه، وإن وَكَّلَه في بيعٍ فاسدٍ فباعَ صَحيحًا، أو وَكَّلَه في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ أو شِراءٍ ما شاءَ أو عَيْنًا بما شاءَ ولم يُعَيِّنْ لم يَصِحَّ، والوكيلُ في الْخُصومةِ لا يَقْبِضُ والعكسُ بالعكسِ، واقْبِضْ حَقِّي من زَيْدٍ لا يَقْبِضُ من وَرَثَتِه، إلا أن يَقولَ الذي قِبَلَه، ولا يَضْمَنُ وكيلٌ الإيداعَ إذا لم يُشْهَدْ.
(فصلٌ)
والوَكيلُ أَمينٌ لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بيدِه بلا تَفريطٍ، ويُقْبَلُ قولُه في نفيِه والهلاكِ مع يَمِينِه، ومَن ادَّعَى وَكالةَ زيدٍ في قَبْضِ حَقِّه مِن عمرٍو لم يَلْزَمْه دَفْعُه إن صَدَّقَه ولا اليمينُ إن كَذَّبَه،
خمسة عشر، عشرين، وهو يعرف أنها تساوي خمسة وعشرين، فباعها بعشرين، قال: ما دام جابت اللي قدَّر له أبيت في الحرم، وباعها بعشرين، هل يضمن أو لا يضمن؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: ما يضمن؟
طلبة: ما يضمن.
طلبة آخرون: يضمن.
الشيخ: أنتم الآن بين قياسيِّين وظاهريِّين، الظاهريون يقولون: لا يضمن، ما يضمن الظاهر، وصاحبها يقول: بِعْها بعشرين، بعتها بعشرين، أنا اتبعت ظاهر اللفظ، والقياسيون يقولون: يضمن؛ لأن صاحبها لما قال: بعها بعشرين يظن أن هذا أعلى ما تبلغ، صح ولَّا لا؟
ولو ظن أنها تبلغ خمسة وعشرين أو ثلاثين لقال: بعها بثلاثين، صح ولَّا لا؟ لكن هو لما يقول: بعها بعشرين خاف أن الرجل يتهاون في بيْعِها، فقال: بِعْها بعشرين وهو في تلك الساعة يظن أن هذا أعلى سعر لها.
[ ١ / ٤٩٥٦ ]
فنقول: من طلب العشرين فهو يطلب الخمس وعشرين، وأنا مع القياسيِّين في هذه المسألة، ولكن في هذه المسألة نقول: يلزمك أحد أمرين؛ إما أن تراجع صاحبك، وتقول: هذه السلعة تساوي أكثر مما قَدَّرْت، فإن قال: بعها ولو بما قدرت فهي على ما قَدَّر، وإن قال: اجتهد، باعها بما تساوي.
وحُكي لنا أن بعض أهل الورع السابقين أعطى ابنه مساويك، وقال له: بِعْ كل واحد بقرش، الابن راح ()، وصار يبيع المسواك بقرشين، فرجع إلى أبيه وقد زاد الثمن الضعف، قال له: منين جاء هذا؟ قال: والله بعتها على قرشين، قال: أنا قلت لك: بعها على قرش، ليش تبيع على قرشين؟ ! وجعل يؤنبه، قال: يلَّا عاد رُوح، دوِّر اللي شرى منك، وأعطهم على قرش رُدَّ عليهم الزائد، وألزمه بذلك، ما تقولون في هذا؟
طالب: خطأ من هذا الأب.
الشيخ: خطأ منين؟
الطالب: من الأب.
الشيخ: نعم، خطأ من الأب، إلا إذا علمنا أن الوكيل غبن المشتري، ما هو قد يكون الثمن حقيقة كما قدَّره الموكِّل، لكن هذا أخذ بغُرَّة الناس، وزوَّد عليهم مثل ما يُوجد الآن، الآن يوجد ناس يأخذون بغرة الإنسان تجد يبيع عليه الشيء بعشرة وهو يبيعه بخمسة، فإذا علمنا أن القيمة هو ما قدره الموكل، وأن هذا أخذ بغرة الناس ويبيع عليهم بزيادة فحينئذٍ لا بد أن ترد.
طالب: يرد عليه حديث الرسول ﷺ.
الشيخ: وهو؟
الطالب: اللي وكل رجلًا يشتري شاة وباع الشاة.
الشيخ: إي هذا تاجر، هو اشترى شاتين بدينار هذا ()؛ لأنه جاء واحد وأخذ شاة واحدة بدينار؛ لأنه محتاج، لكن الثمن العام هو اللي ().
إذن نقول: إذا عيَّن الموكل ثمنًا، وكانت تساوي أكثر مما عيَّن وجب على الوكيل ألَّا يتقيد بالثمن الذي عيَّنه، فإن باعها بالثمن الذي عيَّنه وهو دون ثمن المثل ضمن النقص.
[ ١ / ٤٩٥٧ ]
إلا في حال واحد: إذا قال: بعها على فلان بعشرين، وأدتها له خمسة وعشرين، فهنا لا يتعدى ما قُدِّر له؛ لأنه لما قال: بِعْها على فلان وعيَّنه فإن فيه احتمالًا قويًّا أنه يريد أيش؟
طالب: أن يضره.
الشيخ: أن يضر مَنْ؟
الطالب: أن يضر المشتري.
الشيخ: المشتري، فيه احتمال كبير للمحاباة، قد عرف أن فلانًا يحتاج لهذه السيارة، وأنه رجل ليس ذا مال كثير، وقال: شوف، اعرضها على فلان، وبِعْها عليه بعشرين ألفًا، فذهب الرجل وجدها تسوى خمسة وعشرين، يبيعها على هذا الرجل بكم؟
طلبة: بعشرين.
الشيخ: بعشرين، ويضمن ولَّا ما يضمن؟
طلبة: ما يضمن.
الشيخ: لا يضمن؛ لأنه ما دام عيَّن الرجل معناها أنه يريد محاباة الرجل.
قال المؤلف: الصورة الثالثة قال: (أو اشترى بأكثر من ثمن المثل) أعطيت رجلًا قلت: خذ اشترِ لي مسجلًا، فذهب واشترى مسجلًا كم () كم؟
طالب: ().
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: ().
الشيخ: اشترى بأيش؟
الطالب: اشترى بمئة ().
الشيخ: ما قدَّر، قلت: اشترِ لي مسجلًا صفته كذا وكذا، () كذا وكذا، فذهب فاشترى المسجل بمئتي ريال ()؟
طلبة: ().
الشيخ: بأربع مئة ريال، وهو يساوي مئتين، يصح الشراء ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه تعلَّق به حق ثالث، ولكن يضمن الزيادة، يضمنها مَنْ؟ الوكيل، يقول الموكل: أنا وكَّلتك تشتري لي مسجلًا، كيف تشتريه بأكثر من ثمن المثل؟ ! قال: والله ودي () البائع، البائع رجل طيب وحبيب، واشتريت المسجل بأربع مئة؛ لأنه (). أقول: نعم، أنا الآن ()، لكن ما قلت: تشتريه بأكثر فيضمن أيش؟
طلبة: الزيادة.
الشيخ: الزيادة مئتا ريال.
الصورة الرابعة: أو اشترى بأكثر مما قدَّره له، قال: خُذْ، اشترِ لي شاة بأربع مئة، فذهب واشترى لي شاة بثماني مئة، يصح الشراء؟
طلبة: يصح.
[ ١ / ٤٩٥٨ ]
الشيخ: ولكن يضمن الزيادة وهي أربع مئة، واضح؟ فكيف () الثمن مثله، وهذا ما قدَّره له، فإن قال مثلًا: هذه شاة طيبة وزينة وتسوى ثماني مئة، ويش يقول له؟ يقول: لكني ما قدرت لك إلا أربع مئة، وإذا ترى بتسوى ثمان مئة كما تقول: خُذْها وبِعْها بثمان مئة وجب لي أربع مئة. المهم أنه يضمن الزيادة التي زاد بها على ما قدَّره له.
يقول: (صح وضمن النقص والزيادة) ضمن النقص في مسألة البيع، وضمن الزيادة في مسألة الشراء.
إذا قال: بِعْه بالنقد الفلاني فباعه بنقد آخر أكثر منه، قال: خُذْ هذا بِعْه بدرهم، وراح باعه بدولار؛ يعني بريال، وباعه بدولار، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
طلبة آخرون: ما يصح.
الشيخ: أي أزْيَن؟
طلبة: الدولار.
الشيخ: الدولار، أو قال: خذ بِعْه بدرهم، فباعه بدينار، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: يقول: إنه يصح هنا؛ لأنه زاده خيرًا، إذا قال: والله أنا ما أبغي الدينار، أبغي الدرهم، قال: هات، وارح وصرفه دراهم، الدينار بأربع مئة ريال، كيف () أربع مئة ريال؟ يجب له ريال واحد، ويرجع للوكيل ثلاث مئة وتسعة وتسعون، لكن في ظني أن هذا لا يمكن ()، لكن ما يمكن أن يقع، يعني لا يمكن لأحد أن يقول: بِعْ هذا بدرهم، وإذا باعه بدينار قال: والله ما أبغي ().
طالب: () وكَّله في السعودية، وجاب له دولارات، والدولارات يصرفها هنا وتصير فيها زيادة.
الشيخ: لا، هو باعه بدولار بقيمة الدراهم.
الطالب: يعني؟
الشيخ: يعني ما قلت: بِعْه () دولارات.
الطالب: وكَّلته مثلًا الحاجة، هذه بأربع مئة ريال اللي أنا وكَّلته عليها () السعودية، لكن جاب دولارات إذا صرفناها صارت خمس مئة.
الشيخ: ما يخالف، إذا جاب دولارات تكون أكثر لا بأس، لكن إذا جاب دولارات مساوية؛ يعني باعها بدولارات تساوي أربع مئة فقط ما يجوز، ما يصح ().
[ ١ / ٤٩٥٩ ]
(ثمن المثل أو دون ما قدره له) فالبيع صحيح، والزيادة لمن؟ الزيادة للموكِّل، مثاله: قلت: يا فلان، خُذْ هذا الكتاب بِعْه بعشرة، فذهبت وبِعْته بأحد عشر، يصح البيع ولَّا لا؟ يصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: والزيادة؟
طلبة: للموكِّل.
الشيخ: الزيادة للموكل معلوم؛ لأنه ملكه، فإذا قلت: بعْ هذا الكتاب وأطلقتَ، وكان الكتاب يساوي عشرة، فباعه بأحد عشر؛ يعني بأزيد من ثمنها، يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: والزيادة؟
طلبة: للموكِّل.
الشيخ: للموكل.
قال المؤلف: (إن باع بأزيد أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا فباع به حالًّا) أيهما أحسن؟
طلبة: الحال.
الشيخ: الحال؟ تقول: مثلًا بِعْ بكذا مؤجلًا، أعطيتك كتابًا وقلت: بِعْ هذا الكتاب بعشرين درهمًا مؤجَّلة إلى سنة، فباعه بعشرين درهمًا نقدًا، فإن البيع يصح؛ لأنه زاده خيرًا، لو باعه بخمسة عشر نقدًا؟
طلبة: يضمن النقص.
الشيخ: يضمن النقص؟
طلبة: ().
الشيخ: هو قال: بِعْه بعشرين مؤجَّلة، فباعه بخمسة عشر نقدًا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، ويضمن النقص.
يقول المؤلف: (أو) قال: (اشترِ بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلًا) اشترى به أي بالذي قدَّر.
(مؤجلًا) صح.
(ولا ضرر فيهما) كذا عندكم؟ قال له: اشترِ لي كتابًا بعشرة دراهم نقْدًا، قال: طيب، ذهب واشترى له كتابًا بعشرة دراهم مؤجلة إلى سنة، يصح ولَّا لا؟
طلبة: ().
الشيخ: يصح، إي نعم، يصح، لماذا؟ لأنه زاده خيرًا، الآن اشترى له الكتاب، وبقي الدراهم عند الموكل ينتفع بها إلى نصف السنة، ربما هذه الدراهم إذا باع أو اشترى ربما إذا باع بعد السنة تكون العشرة عشرين أو مئة، حسب السوق، فهنا زاده خيرًا.
الصور الآن عندنا أربعة: صورتان في البيع، وصورتان في الشراء.
باع بأزيد من ثمن الْمِثل، أو بأزيد مما قدره له، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ باع بالشيء الذي قال: بِعْه مؤجلًا، باعه بالحال، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح.
الشيء الذي قال: اشتراه حالَّا اشتراه مؤجلًا.
[ ١ / ٤٩٦٠ ]
يقول المؤلف: (ولا ضرر فيهما) أيهما؟ المسألتان ()، وهو بِعْ لي كذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، اشترِ بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلًا، إذا ما فيه ضرر يصح؛ لأنه زاده خيرًا.
فإن كان فيهما ضرر فإنه لا يصح، كيف يكون الضرر فيما إذا قال: بِعْه بكذا مؤجلًا فباع به حالًّا، يكون الضرر فيما لو قُدِّر أن الموكِّل لا يُحب أن يقبض الثمن الآن؛ لأنه يخشى عليه من اللصوص، أو يخشى عليه من تنفيذه فيما لا ينبغي، هو يقول: إذا بقي في ذمة المشتري لمدة سنة كان أحسن، أو ما يمكن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن إذن فيه ضرر، () الحمد لله، شوف أنت قلت: بِعْه بعشرة آلاف مؤجَّلة إلى سنة، والآن جبت لك عشرة آلاف نقْدًا، احمد ربك على ها النعمة، هو جاب شيئًا نقدًا وأنت تريد مؤجلًا، يقول: لا يا أخي، ما أريده نقدًا، أولًا: ما عندي مكان أحفظه فيه الآن، إذا جعلته في بيتي أخشى عليه من السراق، من اللصوص.
أو أنا رجل كثير الإنفاق، لو جعلته عندي أنفقته، ما يأتي آخر السنة إلا وقد ذهب، أنا ما أبغيها الآن، ظاهر كلام المؤلف أن البيع لا يصح؛ لأنه اشترط ألا يكون فيهما ضرر، فإن كان فيهما ضرر فإنه لا يجوز.
في مسألة الشراء قال: اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجَّلًا، ويش الضرر؟ ويش سبب الضرر؟
طالب: ().
[ ١ / ٤٩٦١ ]
الشيخ: إي نعم، هو قال له مثلًا: اشترِ الآن لي سيارة بعشرة آلاف نقدًا، ذهب الرجل واشترى السيارة، لكن بعشرة آلاف مؤجلة، وجاء إليه وقال: اشتريتها مؤجَّلة بعشرة آلاف، خلِّ العشرة آلاف عندك هذه بِعْ بها واشترِ، إذا جاء السنة القادمة يمكن يسوى عشرين ألفًا. أقول: لا يا أخي، ما يصح، أنا علي ضرر، إذا بقيت العشرة عندي الآن ربما تُصرف ولَّا لا؟ ربما أني أنا أتصرف فيها بإتلاف، أنا رجل الدراهم ما ()، إذا صار عندي دراهم عزمت الناس على ذبيح من أول النهار وذبيح من آخر النهار، ولا يأتي الشهر إلا ()، أنا ما أبغي هذا، ولَّا لا؟
أو يقول أيضًا: أنا إذا صار عندي عشرة آلاف ريال، عندي زوجة مُتعبة تقول: يلَّا أعطني عشرة آلاف ريال، اليوم أشتري طوق ذهب، وغدًا قرط، والثاني ثوب، والرابع ثوب ثاني جديد وما أشبه ذلك ولَّا لا؟ () الشنطة ما فيها شيء، إذن فيه ضرر ولَّا لا؟
لكن قد يقول قائل: أنه مثلًا: الضرر هذا يزول بأن يرجع الوكيل إلى المشتري، يقول: إنه () الدراهم خليهم عندك، نقول: هذا ممكن ()، لكن المشكلة أن المشتري أيضًا قد يمنع ()، ما أريده هذا إذا باقي عندي بيروح أو يصرف، أنا ما أريده، أو ما يُقال هذا؟
طلبة: يُقال.
الشيخ: يُقال؛ إذن: يجب أن نقول: ولا ضرر فيهما أذكر نوع الضرر فيما إذا باع؟
طالب: ().
الشيخ: () هو الآن الموكل يقول: إن الدراهم إذا بقيت عندي الآن صارت عُرضة للتلف؛ إما بسرقة، أو بإتلاف مني أنا لأني أنا متلاف، أنا كثير الرماد طويل العماد صح؟ كناية عن؟
طالب: عن الكرم.
الشيخ: يعني الكرم، كثير الرماد يعني كريم؛ لأن الكريم يأتيه الضيوف، والضيوف يحتاجون إلى طعام، والطعام يحتاج إلى طبْخ، والطبخ يحتاج إلى نار، حطب والحطب يصير رمادًا، فكثرة الرماد تدل على الكرم.
[ ١ / ٤٩٦٢ ]
طويل العماد أيضًا يعني معناها أن الخيمة عمودها طويل؛ لأن رئيس القوم يجعل له خيمة طويل عمودها لأجل يشتهر، ومن رآه من الضيوف من بعيد جاء إليه، فهو يقول: الضرر اللي حصل لي هو أني إذا بقى عندي المال أتلفته.
صورة أخرى في مسألة الشراء: نفس الشيء وهو أنا الآن عندي دراهم، لكن إذا بقيت عندي إلى السنة القادمة ربما تتلف أو تُسرق أو ما أشبه ذلك.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: وإن اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرضَ مُوكِّله، فإن جهل رده)
هذا حكم تصرف الوكيل في بيع أو شراء. الوكيل يجب عليه إذا وُكِّل في الشراء أن يتقي الله ﷿ فيما يشتريه، وفي ثمنه، فإذا رأى شيئًا بأنقص لم يجب أن يشتريه بأكثر، وإذا رأي طيِّبًا بثمن ورديئًا بذلك الثمن نفسه لم يجب أن يشتري الرديء، وإذا رأى معيبًا وسليمًا لم يجب أن يشتري ..
فإن اشترى معيبًا فلا يخلو من حالين:
إما أن يكون عالمًا بعيبه أو جاهلًا به، فإن كان عالمًا بعيبه؛ فإنه يلزمه العقد يلزم منْ؟ الوكيل؛ لأنه دخل على بصيرة، فلا حق له في الرد بالنسبة للبائع؛ إذ إنه لو رجع وقال: والله، أنا ما أريد الشيء هذا؛ لأنه معيب، ماذا يقول له البائع؟ يقول: قد علمت به.
مثال ذلك: وكَّلته في شراء سيارة، فذهب إلى المعرض، واشترى لي سيارة فيها عيب قد أعلمه صاحب المعرض به، قال: هذه السيارة فيها عيب وهو هذا النوع من العيب وعيَّنه له، قال: ما يخالف، أنا قابل. ثم ذهب بها إلى الموكل، قال: اتفضل هذه السيارة، فقال الموكِّل: هذه فيها عيب، لا أريدها، فهل للوكيل أن يردها على البائع؟
طلبة: ما يردها.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه قد علم العيب، ودخل على بصيرة فلا يمكن أن يردها. هل تلزم الموكِّل؟
طلبة: لا تلزمه.
الشيخ: لا تلزمه؛ لأنه ما وكَّله على أن يشتري معيبًا، الوكالة تقتضي السلامة، فحينئذٍ تلزم مَنْ؟
طلبة: الوكيل.
[ ١ / ٤٩٦٣ ]
الشيخ: تلزم الوكيل، لكن لو قال الوكيل للبائع: أنا وكيل لفلان بشرائها ولا أدري أيرضى بها معيبة أم لا، ثم ذهبنا بها إلى الموكل، وقال الموكل: لا أريدها، له الرد ولَّا لا؟
طلبة: له الرد.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنه أعلمه، أعلم البائع، فدخل على بصيرة.
وقول المؤلف: (إن لم يرضَ موكله) فإن رضي مُوكِّله؟
طلبة: فلا بأس.
الشيخ: فلا بأس؛ لأن الحق له إن رضي، إن جئت إليه بالسيارة، وقلت: هذه السيارة لكن ترى فيها العيب الفلاني قال: أنا راضٍ؛ فإنه يلزم الموكل.
فإن قلت: كيف يرضى الموكِّل بالعيب؟ فالجواب: أنه يمكن يرضى بالعيب لأسباب متعددة؛ منها: أنه يُحابِي الوكيل، يقول: ما دام اشتراها لي ما أود () أمام الناس أنا راضي، وهذه محاباة لمن؟
طلبة: للوكيل.
الشيخ: للوكيل، ومنها: أن تكون السيارة رخيصة؛ يعني أنها بالنسبة لعيبها رخيصة؛ إذ إنها لو كانت سليمة من هذا العيب لكانت تساوي خمسة عشر، والآن أخذها بعشرة، والعيب لا ينقصها إلا ثلاثة، معناها أنها تساوي الآن كم؟
طلبة: اثنتي عشر.
الشيخ: اثنتي عشر، فأخذتها بعشرة فأقبله. ربما تكون معيبة بعيب عندي له جواب، قطعة غِيار مثلًا، فيها قطع غيار، لكن عندي لها قطعة الغيار، قطعة الغيار تُساوي في السوق مثلًا خمسين، واللي عندي ما تهمني إذا ذهبت، فأرضى بذلك لهذا السبب.
المهم أن الموكِّل إذا رضي بالسلعة معيبة لزمته، هل يمكن أن نأخذ من هذا دليلًا على القول الراجح في جواز تصرف الفضولي؟
طلبة: ().
الشيخ: () إي نعم، يؤخذ منه، ولهذا كان القول الراجح أن جميع تصرفات الفضولي إذا أُجيزت فهي جائزة ولازمة.
قال: (فإن جهل ردَّه) أيش جهل؟
طلبة: العيب.
الشيخ: إن جهل العيب ردَّه، فإن رضيه الموكِّل؟
طلبة: لزمه.
الشيخ: يرده ولَّا لا؟
طلبة: لا يرده.
[ ١ / ٤٩٦٤ ]
الشيخ: هو بعد أن ذهب إلى الموكل وأعطاه السيارة وجد العيب وهو ما يدري بها عيب، قال الوكيل: إذن أنا برده. قال الموكل: أنا راضٍ. قال: أنا برده. قال: أنا راضٍ، مَنْ نقبل؟
طلبة: الموكِّل.
الشيخ: الموكل، لكن الوكيل يقول: أنا برده لأجل أني ما أعلم هذا الدلال أو هذا البائع، ما أخليه يتجرأ على بيع المعيب، هذا غرر ولَّا ما هو غرر؟
طالب: غرر.
الشيخ: غرر صحيح، لكن إذا قال: ما أعرف السيارة ()، فمن نأخذ بقوله؟
طلبة: الموكل.
الشيخ: بقول الموكل؛ لأن الوكيل اشتراها له، فهو من حين اشتراها دخلت في ملكه، وإذا رضي بها معيبة فالحق له.
طالب: ().
الشيخ: الحق له إن شاء أخذ ()، وإن شاء رضي بها معيبًا.
يقول المؤلف ﵀: (ووكيل البيع يسلمه ولا يقبض الثمن) (وكيل البيع يسلمه) يسلم أيش؟
طلبة: المبيع.
الشيخ: يسلم المبيع ولا يضمنه؛ يعني وكَّلتك في أن تبيع هذا الكتاب فبعته، هل تملك تقديره ولَّا لا؟ هل تملك تقدير الكتاب ولَّا لا؟
(ووكيل البيع يسلمه) أي: يُسلِّم المبيع.
إذا قال قائل: هو قد وكَّله في البيع ولم يُوكِّله في التسليم؟
فالجواب: هذا من اللازم أن يُسلِّم المبيع، وإلا ما اسمه توكيل ولَّا لا؟ هل يستلم الثمن؟
يقول: (ولا يقبض الثمن) وكيل البائع ما يقبض الثمن، فمثلًا إذا أعطيتني هذا الكتاب، وقلت: خذ هذا الكتاب بِعْه، فبعته، ثم قلت للمشتري: أعطني الثمن. قال: ما أعطيك إياه، أنت وكيل في البيع، ولست وكيلًا في قبض الثمن. أعطني الوكالة، يقول: قد وكلت فلانًا على بيع كذا وكذا، ولم يقل في قبض الثمن يروح للمشتري ولَّا لا؟ مشكلة ولَّا لا؟ أقول: يروح بلا تسليم ولَّا ما يروح؟
[ ١ / ٤٩٦٥ ]
على كلام المؤلف يروح بلا تسليم، حتى لو كان أجنبيًّا من غير البلد هو معروف، لكنه من بلاد بعيدة، كيف؟ أنا ما وكَّلته لتسلم الثمن، ولهذا قال: (ولا يقبض الثمن) انتبه! ولكن عمل الناس اليوم أنه يقبض، بل أنا أطالبه أن يقبض؛ يعني لو قال: إنه ما قبض عند العقد () الدراهم، وأطالبه بذلك، وهذا هو الصحيح.
لكن يقول المؤلف: (بغير قرينة)، فإن وُجدت قرينة فإنه يقبض الثمن.
مثال القرينة: وكَّلتك أن تبيع هذه السلعة في الرياض وأنت الآن في عنيزة، ورحت بعتها ويش القرينة تقتضي؟
أنك تقبض الثمن، ما دام ما هو في بلدي، أنا ما راح أسافر أو أوكل واحد آخر يقبض، هذه قرينة على قبض الثمن.
هذا الذي مشى عليه المؤلف هو الصحيح، هو أحد الأقوال؛ لأن الأقوال ثلاثة:
قول: بأنه يقبض الثمن مُطلقًا.
والقول الثاني: لا يقبضه مطلقًا إلا بتوكيل خاص.
والقول الثالث: يقبضه بالقرينة، ومعلوم أن هذا القول يتضمن القول الثاني: أنه بالتوكيل الخاص يقبضه.
المذهب: لا يقبضه إلا بإذنٍ خاص، فلو أعطاني هذا الشيء قال: خُذْ بِعْه بالرياض وهو في عنيزة وبعْته بالرياض ورجعت، ترانا بعنا هذا الشيء على فلان بن فلان، معروف، دكانه في الصفا، الدكان الثالث في أول شارع على يدك اليمنى إذا دخلت الصفا، وهو فلان بن فلان، الآن حصر الرجل ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معروف الآن، عُرِف بالاسم والوَصْف، () والله ما وكَّلتني ()، وأيش نقول على المذهب؟
عمله صحيح، تصرف صحيح؛ لأنه ما وكله في قبض الثمن.
إذن المسكين الموكَّل الآن يحتاج إلى وكيل ثانٍ، يروح ويقبض الثمن، على كلام المؤلف هل يقبض الثمن ولَّا لا؟
يقبض الثمن؛ لأنه قرينة معلومة، وكلت وكيل في غير بلادي معناه أنه لازم يجيب الثمن.
على القول الثالث: نشوف هذا رجل وكَّل شخصًا يبيع هذا الشيء ببلده، وباعه في السوق على فلان وفلان معروف، هل يملك استلام الثمن أو لا على القول الثالث؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤٩٦٦ ]
الشيخ: نعم، يملكه وهذا القول هو الراجح وعليه العمل: أن الوكيل وكيل بالبيع وفي القبض، فهمتم ولَّا لا؟
كذلك أيضًا: إذا وكَّلتك في شراء أن تشتري لي شيئًا، هل تملك تسلُّمه؟ قلت: يا فلان، خذ هذه عشرة ريالات اشترِ لي رز، ذهبت إلى صاحب الدكان واشتريته، وخليته عندي جيت للموكل، وقلت: يا فلان، ترى اشتريت لك () أنا عندي ظروف الآن، عندك دكان وصاحب دكان، () صاحب الدكان غلق الدكان ما يفتح إلا بالليل، فات المقصود ولَّا لا؟ فات المقصود.
هل نقول: إن صاحب الشراء لا يستلم المبيع؟ يقول: لا، الشراء يستلم المبيع، شوف الفرق عندهم: الوكيل في الشراء يستلم المبيع أو المشترَى على الأصلح، يستلم ويفرقون بين ذلك وبين مسألة البيع.
يقولون: لأن الوكيل في الشراء لا يريد الموكل إلا أن يأتي له بما وكَّله فيه، واضح ما هو يقولك: اشترِ () الدكان، ما أحد يقول هذا، إيه الفائدة؟ إلا إذا أراد، إذا كان له غرض بأن قال: اشتره لي، وخلُّوه عنده لأني باشتري أغراض أخرى في السوق، ودي أحمل عليه الجميع، فهذا يمكن إي نعم، والله أعلم.
طالب: البائع كذلك يا شيخ.
الشيخ: هو في الواقع أن القول الراجح فيهم كلهم أنه يستلم هذا وهذا.
طالب: ووجه التفريق بينهم؟
الشيخ: ما هو بشيء إلا أن يكون هذا هو ما جرت به العادة.
طالب: ().
الشيخ: أعطيتك مئة درهم لتشتري لي بها حاجة فاشتريته، تسلم الثمن ولَّا لا؟ تُسلِّم الثمن؛ لأن إعطائي إياك الثمن إذْنٌ في تسليمه، أعطيتك مئة درهم وقلت: خُذْ هذه، اشترِ لي بها حاجة فاشتريت الحاجة، تُسلِّم الثمن ولَّا لا؟
طلبة: تُسلِّمه.
الشيخ: تُسلِّم الثمن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش الدليل أو التعليل؟ لأن إعطائي إياك الثمن إذنٌ في تسليمه بلا شك.
أما الدليل: فحديث عروة بن الجعد أن رسول الله أعطاه دينارًا ليشتري به أضحية فاشترى أضحيتين، وباع واحدة بدينار، وجاء بأضحية ودينار، فهمنا القصة هذه؟
[ ١ / ٤٩٦٧ ]
فقال الرسول ﵊: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي بَيْعِكَ». فكان لا يبيع شئيًا إلا ربح فيه حتى لو باع ترابًا لربح فيه (١).
هل وكيل المشتري يستلم المبيع ولَّا لا؟ الخلاف في استلامه المبيع كالخلاف في استلام الثمن بالنسبة للوكيل في البيع.
فالصحيح أنه يستلمه، هذه تصورتوها ولَّا اللغة أعجمية؟
طالب: تصورناها.
الشيخ: قلت: خذ هذه مئة درهم اشترِ لي بها، ماذا نطلب؟
طالب: مسجل.
الشيخ: مسجل، اشترِ بها مسجلًا، ذهبت إلى صاحب المعرض واشتريت المسجل وسلمته النقود، هل تقبض المسجل ولَّا لا؟
المذهب: لا تقبضه إلا بإذن، ولَّا بالكتاب؟
طالب: بالقرينة.
الشيخ: قرينة، والصحيح أنك تستلمه مطلقًا.
ولكن العرف عندنا الآن أنني إذا وكَّلتك في شراء الشيء، فإن ذلك يتضمن الإذْن في قبضه، بل لو أني اشتريت هذه الحاجة من صاحب الدكان وأعطيته الدراهم ورجعت بدون استلام السلعة، ماذا يعُدني الناس؟ مفرطًا بلا شك، كيف تعطيه الدراهم ولا تستلم السلعة؟ !
إذن نقول: إن استلام الوكيل في السلعة المشتراة أقوى من استلام الثمن بالنسبة للوكيل في البيع، ومع ذلك فالصحيح أن العُرف يقتضي استلام الثمن في الوكيل في البيع واستلام الثمن في الوكيل في الشراء.
قال المؤلف: (فلو أخَّره بلا عُذر وتلف ضمنه) لو أخَّر تسليم الثمن بلا عذر ضمنه، ويش يضمن؟ يضمن الثمن سواء تلف بتعدٍّ أو غير تعدٍّ.
مثال ذلك: أعطيتك مئة ريال لتشتري لي بها مُسجِّلًا فذهبت واشتريت المسجل، وأخذته من صاحب المحل، وأنا سلمته لك، والثمن () بدون إذن في أثناء الرجوع سُرِق مني، أو سقط في السوق وضاع ثمنه، تضمنه ولَّا لا؟ تضمنه؛ لأنه كان يجب عليك أن تُسلِّم الثمن فورًا بدون تأخير، فإذا أخَّرت فأنت ضامن؛ لأنك متعدٍّ بالتأخير، وما ترتب على التعدي فهو مضمون.
[ ١ / ٤٩٦٨ ]
قال: (فلو أخَّره بلا عُذْر) فإن أخَّرته لعذر بأن اشتريت المسجل، لكن يوم () الثمن ما هو معي، نسيته في البيت، ثم ذهبت لتأتي به، وفي أثناء الطريق سُرق منك.
طالب: لا ضمان.
الشيخ: لا ضمان، لماذا؟ لأنني أخَّرته لعذر.
قال: (وإن وكَّله في بيع فاسد فباع صحيحًا) لم يصح، (وكله في بيع فاسد فباع صحيحًا) فإنه لا يصح.
مثاله: قال: خُذْ هذا العصير لا تبِعه إلا على الخمار، وكَّله في بيع صحيح ولَّا فاسد؟
طلبة: فاسد.
الشيخ: فاسد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: باعه على شخص غير خَمَّار، يبغي يشرب العصير الآن قبل أن يتخمَّر، يصح البيع ولَّا ما يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، طيب باعه على الخمَّار؟
طلبة: يصح.
الشيخ: لا يصح، كيف يصح؟ فبيعه الأول لا يصح لمخالفته إذن الموكل، وبيعه الثاني لا يصح لمخالفته إذْن الشارع.
إذن نبحث بحثًا آخر: هل يجوز للوكيل أن يتوكَّل على هذه الصورة ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، من الأصل لا يجوز، فالوكالة إذن غير صحيحة، فما ترتب على غير الصحيح فليس بصحيح.
وكَّله في شراء بيت فلان، قال: شوف لا تشترِ منه إلا إذا أذَّن لصلاة الجمعة الأذان الثاني، إذا سمعت المؤذن يُؤذِّن الثاني لصلاة الجمعة فاشترِ البيت منه، أيش تقولون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: اشتراه قبل الأذان برُبع ساعة؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طلبة: لمخالفته إذن الموكِّل.
الشيخ: لمخالفته إذْن الموكِّل. طيب بعد الأذان؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح لمخالفته إذْن الشارع، وبالتالي نقول: الوكالة من أصلها؟
طلبة: فاسدة.
الشيخ: غير صحيحة؛ لأنها وكالة في عقد فاسد، هذه واحدة.
ثانيًا: يقول: (وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحًا أو وكله في كل قليل وكثير) قال: أنت وكيل عني في كل شيء، كل قليل أو كثير يتعلق بي فأنت وكيل عني فيه، ما يصح، ليش؟
[ ١ / ٤٩٦٩ ]
لأن هذا خطر عظيم يمكن يروح مثلًا، أنا عندي زوجة يروح يعقد لي على ثلاث زوجات، هذا مشكل يمكن عندي أربع زوجات يروح يطلقهم جمعيهم، ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، يمكن يروح يشتري لي أشياء بملايين ()، كيف تشتري هذا بملايين؟ قال: نعم؛ لأنك وكلتني في كل قليل وكثير؛ عندي خمسة أعْبُد؛ واحد في الفلاحة، وواحد في السيارة، وواحد في البيت، وواحد في الدكان، هذا الرجل جاء وأعتقهم جميعًا، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: ويش يقول؟ قال له: أنت ليش تعتقهم؟ قال: أنت وكلتني في كل قليل وكثير؛ عندي بيوت أستغلها، فإذا هو قد ذهب إلى كاتب العدل وكتبها كلها أوقافًا، يصح هذا؟
ولهذا إذا وكَّله في كل قليل وكثير من شؤونه يعتبر هذه الوكالة فاسدة؛ لأن فيها ضررًا وغررًا وخطرًا كبيرًا.
أما لو قال: بِعْ من مالي ما شئت فهذا صحيح؛ لأن الوكالة الآن محصورة؛ بِعْ من مالي ما شئت، ما يقدر يتصرف في عبيدي، ولا يتصرف في وقْف، ولا رهن ولا شيء.
(أو) وكَّله في (شراء ما شاء) قال: أنت وكيل عني في الشراء، طيب ويش اشتري؟ قال: اللي تبغي، أنت وكيل عني في شراء ما شئت، يصلح؟
طلبة: ما يصلح.
الشيخ: ما يصلح، السبب؛ لأنه قد يشاء ما لا أشاء؛ صح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ربما يشتري لي مثلًا سيارات، وأنا لا أريد السيارات، يشتري لي () وأنا لا أريده، يشترى لي أشياء من الأمتعة كالأواني والثياب وما أشبه ذلك، وأنا لا أريدها، فإذا قلت: اشترِ ما شئت ما يصلح.
إذا قلت: اشترِ ما تراه رابحًا، مثلًا أنا صاحب تجارة، وجاء لي إنسان بيسافر إلى بلد وأعطيته دراهم، قال: ويش تبغي أشتري لك من السلع؟ قلت: اشترِ لي ()، فذهب إلى البلد واشترى ما يراه رابحًا، هذا لا بأس به، لكن هنا يقول: (شراء ما شاء).
(أو عينًا بما شاء ولم يُعيِّن؛ لم يصح) يعني ما عيَّن الثمن ولا قدَّر؛ فهو ما يصح.
(عينًا بما شاء) كيف عينًا بما شاء أيش؟
[ ١ / ٤٩٧٠ ]
قلت: اشترِ لي سيارة وعيَّنت السيارة، السيارة الفلانية بما شئت، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ ليش ما يجوز؟
طلبة: ().
الشيخ: لأني لو قلت: اشترِ لي سيارة بما شئت يمكن يحابي البائع وهى تساوي خمسة يشتريها بعشرة، وإذا جاءني، وقال: أنا اشتريتها بعشرة، قلت: ما أعطيك عشرة، ما تساوي إلا خمسة. قال: لكني قلت: اشترِ بما شئت، وهذا الذي شئت، هكذا. قال الفقهاء: إن فيه غررًا، والغرر أنه قد يشتريها بما شاء، ولكن كان ثمنها كثيرًا، كذا؟ ربما أيضًا ما دمت قلت: اشترِ عينًا بما شئت، يمكن يشتريها بالبيت ولَّا لا؟ جاء إلى بائع السيارة تساوي خمسين ألفًا. قال: كيف تبيع عليَّ السيارة؟ قال: نعم (). قال: عندي ليك فيلا في المكان الفلاني ووصفها له، أو راح وراها إياه، اشتريت السيارة بهذه الفيلا، يثبت اللفظ ولَّا ما ما يثبت؟
طلبة: يثبت.
الشيخ: لأنه قال: بما شاء، فيثبت اللفظ، هذا فيه ضرر، لكن الصحيح في هذه المسألة أننا نرجع إلى العرف في ذلك، وأنا إذا قلت: اشترِ بما تبغي ليس معناه أنني أريد منك أن تشتري ما يساوي خمسة ريال بعشرة، المقصود أني أريد أن تشتري بما تشاء من الثمن الذي تراه مناسبًا.
أيضًا عندما أقول: اشترِ بما شئت، ليس معناه أنني أريد أن تشتري بعرض، تروح تشتري سيارة بالسيارة اللي عندي أو البيت أيش قصدي تشتري بأيش؟ بنقد، فالصحيح في هذه المسألة أن الوكالة صحيحة، ولكنها تتقيَّد بما يدل عليه العُرف، وهنا نقول: الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فكأني قلت لك: اشترِ بنقد البلد بالقيمة المناسبة، وهذا واضح.
[ ١ / ٤٩٧١ ]
يقول: (والوكيل في الخصومة لا يقبض، والعكس بالعكس) (الوكيل في الخصومة) ويش هو معناه؟ يعني يكون بيني وبين زيد دعوة ادعيت على زيد بأن في ذمته لي ألف درهم، فقال زيد: لا، ما عندي لك درهم، أنا ما أعرف أخاصم، أو ما أريد أن أذهب إلى القضاة وأجلس عندهم، فوكَّلت إنسان يخاصم عني، خاصم وكيلي عند القاضي، وثبت الحق على المدَّعى عليه، هل يقبض ولَّا لا؟
يقول المؤلف: ما يقبض الوكيل في الخصومة لا يقبض، لماذا؟ لأن اللفظ لا يتناول القبض، أنا وكَّلتك تخاصم، ما وكلتك تقبض؛ ولأنني قد أرتضِي للخصومة من لا أرتضيه في القبض صح ولَّا لا؟
إذن اللفظ لا يتناوله، والمعنى لا يقتضيه، اللفظ أني وكَّلتك في الخصومة، والمعنى لأنني قد أرتضي في الخصومة من لا أرتضيه للقبض، أليس كذلك؟
وفُهم من كلام المؤلف أنه يجوز التوكيل في الخصومة، يجوز أن أُوكِّل شخصًا يخاصم عني أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولكن هل يجوز أن أتوكل لشخص في خصومة؟
هنا مسألتان؛ المسألة الأولى: هل يجوز أن أُوكِّل شخصًا يخاصم عني؟ وهل يجوز أن أتوكَّل لشخص في الخصومة؟
أما الأول: فيجوز أن أُوكِّل شخصًا يُخاصم عني بشرط ألا يكون هذا الشخص معروفًا بالأحاجيج الباطلة، فإن كان معروفًا بذلك فإنه لا يجوز أن أوكِّله؛ لأن مثل هذا يمكن أن يوكلني ما لا أستحق، يمكن يخاصم، ويحسم الخصم ()، فيأتي إليَّ بهذا الأمر، وآكله وهو حرام عليَّ. هل يجوز أن أتوكل في الخصومة؟
الجواب: إن كان الذي وكَّلني أعرف أنه مُحِق، فيجوز أن أتوكَّل عنه، وإن كنت أعلم أنه مُبطِل فلا يجوز أن أوكل عنه؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. فإن لم أعرف حاله، فإما أن يغلب على ظني أنه مُحِقٌّ أو أنه مبطِل أو أتردد، إذن كم حالة له؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: خمس حالات، تكون الحالات خمس: إما أن أعلم أنه محق، أو أعلم أنه مُبطِل، أما الأولى؟
طلبة: جائز.
[ ١ / ٤٩٧٢ ]
الشيخ: فجائز، والثانية؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: حرام، يغلب على ظني أنه محق؟
طلبة: جائز.
الشيخ: يجوز، يغلب على ظني أنه مُبطِل؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، أشك؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: يتوكل.
الشيخ: يجوز، هو يتوكل نعم، يجوز أن أتوكل؛ لأن الأصل البراءة، لكن قال بعضهم: إن التنزه أوْلَى.
(الوكيل في الخصومة لا يقبض والعكس بالعكس) يعني الوكيل في القبض وكيل في الخصومة، ما الفارق؟ قالوا: لأن القبض قد لا يتأتَّي إلا بخصومة؛ يعني وكلتك تقبض ديني من زيد، كذا؟ ذهب الوكيل إلى زيد، وقال: أعطني حق فلان. قال: ما عندي بحق، هنا لا يمكن أن أقبض إلا بأيش؟
طلبة: بخصومة.
الشيخ: إلا بخصومة، إذن أُخاصم، فالوكيل في القبض له أن يُخاصم، والوكيل في الخصومة ليس له أن يقبض، لماذا؟ ما الفرق بينهما؟
وكَّلتك في الخصومة؛ يعني مثلًا قلت لك: خاصِمْ عني فهدًا، خاصمته حتى ثبت الحق عليه ما تقبض منه الحق؛ لأني ما وكَّلتك في القبض، وكَّلتك تقبض حقي اللي عند فهد لما ذهبت إلى فهد، قال فهد: ما عندي لك حق، تخاصمه ولَّا ما تخاصمه؟ تخاصمه ويذهب وياك للقاضي، روح تثبت الحق، واضح الآن يا جماعة؟
(واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته) ().
(اقبض حقي من زيد) يعني وكَّله أن يقبض حقه من زيد، لكن الصيغة صيغة الوكالة يقول: اقبض حقي من زيد. أو يقول: وكَّلتك قي قبض حقي من زيد.
وكلمة: (زيد) هذا على سبيل المثال لا يُراد به زيد معين. وفهمنا الآن أن زيدًا ما شاء الله يتنازعه الفقهاء والنحويون.
يقول: (اقبض حقي من زيْد لا يقبض من ورثته) هذا الرجل قال لشخص: أنت وكيل عني كي تقبض ديني من زيد، أو حقي من زيد، ذهب إليَّ زيد فوجده قد مات، وانتقل المال إلى مَنْ؟
طلبة: الورثة.
[ ١ / ٤٩٧٣ ]
الشيخ: إلى الورثة، يقول المؤلف: (لا يقبض من ورثته) علَّل؛ لأنه لم يُؤْمر بذلك، ولا يقضيه العُرْف، لم يُؤمر بذلك، ما قلت: يقبض منه أو الورثة، والعرف أيضًا لا يقتضيه، أما الأول فهو قوله: لأنه لم يؤمره بذلك فهذا مُسلَّم ولَّا غير مُسلَّم؟
طلبة: مُسلَّم.
الشيخ: مُسلَّم، وأما قوله: ولا يقتضيه العُرف، فهذا قد يكون غير مُسلَّم؛ لأنني أنا عندما أقول لك: اقبض حقي من فلان، هل أنا أريد أن تقبضه منه بعينه، أو أريد أن تقبض الحق الذي من قِبلِه؟ لأنه هو المراد، الثاني هو المراد، لكن مع ذلك إذا وجدته قد مات فالأمر بسيط، أتصل بموكلي وأقول: إني وجدت الرجل قد مات فيقول هو: اقبض من ورثته، وقد يقول: لا تقبض من ورثته؛ لأن ورثته قُصَّار، فأحب أن يبرئهم من الدَّيْن الذي على والدهم ربما يقول هذا.
قال المؤلف: (إلا أن يقول الذي قبله) (إلا أن يقول) الضمير يعود على الموكِّل (الذي قِبله) يعني: اقبِض الحق الذي قِبله أي: من جهته، فإذا قال: اقبض الحق الذي لي من قِبل زيد، من قِبله؛ أي: من جهته، وذهب إلى زيد ووجده قد مات، هل يقبض من الورثة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه قال: قِبله يعني جهته، وهذا يشمل ما إذا كان حيًّا، وإذا كان ميتًا؛ لأنه قال: من قِبله، لكن إذا ذهب إلى الورثة، وقال: أعطوني حق مُوكِّلي. فقالوا: لم يُخلِّف الميت تركة، فهل يلزمهم القضاء؟
الجواب: لا، ما يلزمهم، يعني لا يلزم الورثةَ قضاءُ الدَّيْن عن المورث إلا إذا خلَّف تركة؛ لأن الله قال في المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فإذا كان ليس هناك مال يُقضى منه، فإن الورثة لا يلزمهم أن يقضوا دينه، ولكن إن قضوه فهم على خيْر.
طالب: شيخ.
الشيخ: ما فيه سؤال يا أخي.
الطالب: ما هو سؤال، الجملة التي ذكرت ما يلزمهم.
الشيخ: وين؟
الطالب: من ورثته إلا أن يقول الذي؟
الشيخ: إي، الذي قِبَله.
الطالب: قبل أنت ذكرت كذا.
[ ١ / ٤٩٧٤ ]
الشيخ: هذا تمثيل من عندي. من ورثته إلا أن يقول الذي قِبله، يعني ويش معنى إلا أن يقول الذي قبله؟ يعني إلا أن يقول: اقبِض حقي الذي قبله، فإذا قال ذلك قبضه ورثته.
قال: (ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يشهد) الحقيقة أن هذه الجملة ينبغي أن تكون في باب الوديعة، لكن صارت في باب الوكالة؛ لقوله: (ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يشهد) ويش معنى وكيل الإيداع؟ يعني أعطيتك شيئًا وقلت: خُذ هذا أعطِه فلانًا وديعة عنده، فذهبت أنت إلى فلان وقلت: هذه وديعة عندك، خذ هذه وديعة عندك لفلان، ثم إن المودَع بالفتح فيما بعد أنكر قال: أبدًا ما عندي وديعة لأحد، فهل يضمن الوكيل في الإيداع ولَّا ما يضمن؟
يقول المؤلف: إنه لا يضمن، السبب؟ قال: لأن المودَع يُقبَل قوله في الرد، فإنه إذا جاء صاحب الحق الذي له الوديعة وقال للمودَع: أعطني وديعتي، فقال: رددتها عليك؛ يُقبل قوله. قول مَنْ؟
طلبة: المودَع.
الشيخ: المودَع، لكن بيمينه، فلما كان يُقبل قولُه لم يلزم الوكيل أن يُشهِد، فإذا لم يُشهِد كان غير مُفرِّط؛ والوكيل إذا كان غير مُفرِّط لا ضمان عليه، هذه المسألة واضحة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الصورة ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يشهد؟ قُل يا أخ ما هي الصورة؟
طالب: الصورة أنه أودع الأمانة ولم يُشهِد عليها.
الشيخ: من اللي أودعها؟
الطالب: أودعها الوكيل.
الشيخ: الوكيل.
الطالب: إذا أشهد عليها لا يضمن.
الشيخ: هل إذا أشهد ما () إذا لم يُشهد المؤلف يقول؟
الطالب: إذا لم يُشهد ..
الشيخ: فلا ضمان.
الطالب: إذا لم يُشهِد ().
الشيخ: الوكيل ما أشهد، قلت: يا أخي، خُذْ هذه وديعة وأوْدِعها إنسانًا أمينًا، فأخذها وراح للشخص وقال: خُذْ هذه وديعة تراها لفلان، ولكن ما أشهد، ثم إن المودَع -بالفتح- أنكر، قال: أبدًا يا جماعة، ما عندي وديعة لأحد، هل يضمن الوكيل ولَّا ما يضمن؟ أنت يا أخ.
طالب: نعم، لا يضمن.
الشيخ: ما يضمن، ها عندك مخالفة؟
[ ١ / ٤٩٧٥ ]
طالب: يضمن؛ لأنه مفرط.
الشيخ: المؤلف يقول: (لا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشهد)، أنتم قلتم الآن الصورة ولَّا الحكم، وبعدين نبحث للتعليل، ونبحث أيضًا في الحكم المبني على هذا التعليل، أنتم فاهمون الصورة الآن ولَّا لا؟
أعطيت رجلًا ألف ريال، قلت: أنا أبغي أسافر، خُذْ هذا أعطه إنسانًا أمينًا يكون وديعة عنده إلى هنا مفهوم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أخذها الوكيل، ثم ذهب إلى رجل أمين وقال: يا فلان، هذه الوديعة ألف ريال، تراها لفلان، ما هي لي، لفلان، أخذها منه، ثم رجع الموكِّل اللي وكَّله في الإيداع، وقال له: من أودعتَ دراهمي؟ قال: أودعت دراهمك فلانًا. فذهب الموكِّل إلى الْمُودَع وقال له: أودعك فلان ألف ريال لي، قال: أبدًا، ما عندي لأحد شيء. أنكر، فذهب الموكِّل إلى الوكيل، وقال له: الرجل يقول: ما أعطاني شيئًا. قال: أنا مُعطيه. قال: هل لك شهود؟ قال: ما أشهدت أحدًا. يضمن ولَّا ما يضمن؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى على قول ياسر؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: حتى على قول ياسر؛ لأن ياسرًا رجع الآن، أجاب كما أجبتم. طيب لماذا لا يضمن؟ أفلا يعد مفرطًا، يقول: لا يضمن. ليش؟ قالوا: لأن المودَع لو ادَّعى الرد قُبِل، صح ولَّا لا؟
المودَع لو قال لصاحب الدراهم: والله نعم، هو أعطاني الوديعة، لكن رددتها يُقبل قوله. إذن لا فائدةَ من الإشهاد؛ لأنه إذا أراد أن يتخلَّص المودع أيش يقول؟
طلبة: ().
الشيخ: لو جاء بشهود أنه مودعه إياه، والله تمام، لا يمكن، لكن رددته عليه يُقبل ولَّا لا؟
طلبة: يُقبل.
الشيخ: يُقبل. قالوا: فلما كان يُقبل قوله في الرد صار الإشهاد غير واجب، ليش؟ لأنه لو ثبتت الوديعة عند هذا الرجل، لو ثبتت عنده ماذا يقول؟
طلبة: رددتها.
الشيخ: رددتها. إذن ترك الإشهاد ليس بتفريط، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهذا هو التعليل.
[ ١ / ٤٩٧٦ ]
ولكن هناك قول آخر يقول: إنه يضمن، كيف ذلك؟ يقول: لأنه مُفرِّط. وقولكم: إنه يُقبل قوله في الرد، نقول: هذا صحيح، لكن قد لا يدَّعي المودَع الرد، قد يدعي عدم الإيداع، يقول: ما أودعني. يقول: نعم، لو ثبت أنه أودعني أنا ما رديت شيئًا، أنا أعطيك، لكن ما أودعني، وحينئذٍ يحتاج إلى إثباتها ببينة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا قال: ما أودعني يحتاج إلى إثبات الوديعة ببينة ولَّا ما يحتاج؟
طلبة: يحتاج.
الشيخ: يحتاج ولَّا لا؟ هذه واحدة. الآن صرنا نحتاج إلى الإشهاد في صورة أيش؟ في صورة الرد ولَّا الإنكار؟ في صورة الإنكار.
ثانيًا: نقول: قد يموت هذا الرجل، وينتقل ماله إلى ورثته، وورثته قد لا نَقبل قولهم في الرد؛ لأنهم غير مودعين، وحينئذٍ نحتاج إلى البَيِّنة.
ثالثًا: أن المودَع قد يدعي الرد صح، ويُقبل قوله، لكن إذا كان عليه شهود قد لا يُقدِم على دعوى الرد، ليش؟ لأن من العلماء من يقول: ما ثبت بقول وببينة لا يُقبل قوله إلا ببينة حتى المودَع الْمُحسِن إذا ادعى الرد فإننا لا نقبل قوله، وهذا القول أصح كما مر علينا، فإن ما ثبت ببينة لا يرتفع إلا ببينة، وقد نتحاكم إلى قاضٍ لا يرى قبول قول المودع في الرد وحينئذٍ ().
الأمر الرابع: أن نقول: إن الناس لا يشُكُّون في أن من أودع عند إنسان مليون ريال بدون إشهاد لا يشكون أنه مُفرِّط أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني يجي الواحد تعطيه مليون ريال () أيضًا، واحد وكَّلته في الإيداع، تعطيه مليون ريال ولا تشهد عليه، كل يعرف أن هذا تفريط.
وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح أن الوكيل في الإيداع يَضمن إذا عد الناس ذلك تفريطًا أو مطلقًا؛ يعني معناها أن القول الراجح أنه يضمن إما مطلقًا وإما فيما عدَّهُ الناس تفريطًا، وعليه فلو قلت: أنا بأسافر، وهذا قال الناس: حطه وديعة عند فلان، وحطه وديعة عند فلان بدون شهود.
طالب: ليس مفرطًا.
الشيخ: يكون مفرط ولَّا لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٤٩٧٧ ]
الشيخ: هل تعرف الآن أن واحدًا قال الناس () يعطيه واحد وديعة، ثم يقول: أبغي أشهد عليه؟
طلبة: لا.
الشيخ: يمكن لو يقول: أبغي أشهد عليه () درهم وهو ريال.
المهم أنه لو ثبت التفريط بين ما له خطر من الأموال الكبيرة، وما ليس له خطر لكان له وجه، وحينئذٍ يكون أمامنا ثلاثة احتمالات:
إما القول بأنه لا يضمن مطلقًا، وهذا هو المذهب، القول بأنه يضمن مطلقًا، وهذا قول ذكره صاحب الرعاية، والقول الثالث: التفريق بين ما يعد عدم الإشهاد عليه تفريطًا وما لا يعد، فما عُدَّ تفريطًا وجب عليه الضمان، وما لم يُعدَّ لم يجب.
الوكيل في قضاء الدَّيْن هنا يعني لو ذكر هنا لكن ذُكر في باب الرهن. سبق لنا في باب الرهن أن الوكيل في قضاء الدَّيْن؛ أنه إذا لم يُشهِد فعليه الضمان مُطلقًا على المذهب، وقلنا فيمن سبق: إنه ينبغي أن يُرجَع في ذلك إلى العُرف، فما عدَّه الناس تفريطًا ضمن، وما لم يعدوه تفريطًا لم يضمن، فمثلًا إذا قلت لي: فلان يطلبني ()، فذهبت وأعطيته إياه بدون إشهاد، ثم إنه نسي أو اعتدى، المهم أنه أنكر القضاء تضمن ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تضمن ليش؟ لأن هذا ما جرت العادة بالإشهاد عليه أبدًا، كل الناس الآن يشترون حوائجهم من البقالات، ومن المكتبات () أليس كذلك؟ غاية ما هنالك أنه إذا كان صاحب الدكان يكتب ويقيد قال له: اشطب عليه () شهود لا، بخلاف الأشياء الكبيرة، فإن الناس يشهدون على قضائه.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط) الوكيل من هو؟
إحنا ذكرنا أن هناك أربعة ينوبون عن المالك؛ إما بإذن من الشرع، أو بإذن من المالك، مَنْ هم الأربعة الذين ينوبون عن المالك؟
طالب: ولي الأمر، الوالي.
الشيخ: هذه ولاية عامة، نحن نريد الولاية الخاصة.
طالب: الوكيل، والوصي، وناظر الوقْف، وولي اليتيم.
[ ١ / ٤٩٧٨ ]
الشيخ: والولي، ولي اليتيم، كذا ولي اليتيم أحسن ليعم، هؤلاء الأربعة ينوبون عن المالك، الوكيل، والوصي، والناظر، والولي.
الولي من قِبل الشرع، والوكيل والناظِر والوصي من قِبل الإنسان؛ ما الفرق بين الوكيل والوصي؟
طالب: الوكيل () بعد الموت.
الشيخ: () بعد الموت.
الطالب: أما الوكيل ففي الحياة.
الشيخ: ففي الحياة، لو قال لك قائل مريض، قال: أبغيك تكتب وصية، وكتبت الوصية، وقال: اكتب الوكيل على ذلك فلان وفلان، أيش تقول؟
طالب: أقول: والوصي.
الشيخ: تقول: والوصي، لاحظوا الآن أن كثيرًا من الكتابات حتى اللي يكتبوها الآن أئمة مساجد، يكتب: أوصيت بكذا وكذا والوكيل فلان، هذا خطأ؛ لأننا لولا أننا نعلم المراد من الوصية لقلنا: إن الوصي بطلت؛ لأن الوكالة تفسد بالموت، لكن نعلم أن هؤلاء الموصين يريدون بذلك الوصي، لكن الخطأ ممن؟ الخطأ من الكاتِب.
ولهذا أنتم طلبة ينبغي أن تبينوا هذا للناس، تقولون: يا جماعة، هناك فرق بين الوكيل وبين الوصي.
الناظر على الوقْف بأن يقول: وقفت هذا البيت على الفقراء والوكيل عليه فلان ولَّا والناظر عليه فلان؟
طلبة: الناظر.
الشيخ: الناظر عليه، يشمل ما بعد الموت وفي الحياة.
الولي هو الذي ولَّاه الشرع على السفهاء من الأيتام ونحوهم، والوكيل الذي وكَّله الإنسان للتصرف في حال الحياة.
طالب: () ويش يترتب على الفرْق بين الوصي والوكيل؛ لأن معروف ().
الشيخ: الوكيل إذا مات الموكِّل انفسخت الوكالة، أما مرت علينا هذه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أو لا؟ الوصي ما أن تكتب الوصية إليه بموت الموصي، هذا فرق، فرْق آخر؛ الوكيل يملك التصرف الآن في الحياة، والوصي لا يملك ذلك، لا يملك إلا بعد الموت.
الطالب: () العرف.
[ ١ / ٤٩٧٩ ]
الشيخ: العرف، نقيد العرف هذا، إذا كان الرسول يقول: «لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكِمُ؛ الْعِشَاءِ» (٢). كيف؟ هذا لفظ يختلف فيه المعنى؛ فلهذا يجب أن نعدل ها الشيء، نقول: بالوصف ترى الناس إذا علموا وتداولوا الكلام، عرفوه وفهموه.
الطالب: ولكن أقول: هذا ().
الشيخ: نحن الآن نُنكِّر كلمة الوكيل، نجعلها بمعنى الوصي، ما فيه إشكال، لكن نقول: ينبغي لنا أننا نُعوِّد الناس على الكلمات المعروفة المحمودة شرْعًا علشان أنهم يصدقون هذا الشرع.
الطالب: لكن يعني أقول: () المتعارف عليه عند العلماء.
الشيخ: لا، هذا واضح حتى في الشرع، أو قال فلان يعني بعد الموت ().
(فصل: والوكيل أمين) (أمين) أي: مُؤتَمَن، فهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي مؤتمن؛ وذلك لأن المال حصل بيده بإذن مالكه، فكان أمينًا عليه.
يترتب على ذلك قوله: (لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط)، فما تلف بيده مما وكل فيه فإنه لا يضمنه، لكن بشرط، قال: (بِلا تفريط) أي ولا تعدٍّ، وإنما لم يذكر المؤلف التعدي؛ لأنه إذا كان يضمن بالتفريط فضمانه بالتعدي من باب أولى، ولكن مع هذا الأولى أن يذكر بلا تفريط ولا تعدٍّ، فما الفرق بين التفريط وبين التعدي؟
الفرق بينهما: التفريط ترك ما يجب، والتعدي فعل ما يحرُم، هذا الفرق بينهما،
مثال ذلك رجل أعطاه شخص بهيمة ليبيعها فلم يسقها، ولم يطعمها، فماتت؟
طلبة: مُفرِّط.
الشيخ: هذا مُفرِّط؛ لأنه ترك ما يجب، وآخر أعطاه شخص بعيرًا ليبيعه، فجعل يكُد البعير، يُحمِّل عليه، ويركبه لحاجته، هل يضمن ولَّا لا؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه متعدٍّ.
الشيخ: نسمي هذا متعديًا؛ لأنه فعل ما يحرم. فإذا تعدى أو فرَّط انتقلت يده من الأمانة إلى الخيانة، وصار خائنًا، لكن هل تنفسخ الوكالة أو لا تنفسخ، ستأتينا إن شاء الله تعالى في القاعدة الخامسة وأربعين ().
[ ١ / ٤٩٨٠ ]
يقول: (ويُقبل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه) (يُقبل قوله) أي قول: الوكيل (في نفيه) أي: نفي التفريط، فإذا قال له الْمُوكِّل: أنت فرطت، ما سقيت البهيمة، ما أطعمتها. قال: أبدًا، ما فرطت، من نقبل قوله؟
طلبة: قول الوكيل.
الشيخ: قول الوكيل، لكن بيمينه؛ لأن كل إنسان قلنا: القول قوله فيما يتعلق بحق العباد فلا بد فيه من اليمين، هذا ضابط عند الفقهاء، وإن كان يُستثنى منه بعض الشيء، لكنه ضابط يُعتبر ضابطًا صحيحًا، كل من قلنا القول قوله في حقوق العباد فلا بد فيه من اليمين.
ويقبل قوله أيضًا في الهلاك مع يمنيه، أيش معنى في الهلاك؟ يعني في التلف مع يمنيه مثل أن يقول: السلعة التي أعطيتنيها تلفت، قال الموكل: ما تلفت، فمن يُقبل قوله؟
طلبة: الوكيل.
الشيخ: الوكيل، لكن مع يمنيه. لماذا نقبل قوله؟ لأنه أمين، وقد سبق أنه إذا ادَّعى التلف بسبب ظاهر فلا بد من إقامة البينة على ذلك السبب، ثم يُقبل قوله بأن هذا الشيء تلف به.
مثال السبب الظاهر: الحريق والفيضان، والجنود، العدو، لو قال: جاء عدو وأخذ البعير أو السيارة، وما أشبه ذلك عدو يعني جيش، ما هو واحد، ما هو سبب ظاهر، لكن غزوا، هذا سبب ظاهر لا بد من إقامة البينة عليه، ثم يُقبل قوله في التلف.
ثم قال: (ومن ادَّعى وكالة زيد في قبْض حقه من عمرو) هذا المثال زيد وعمرو مأخود منين؟
طلبة: من النحويين.
الشيخ: من النحويين.
(من ادَّعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو) أنا عندي من عمرو من عمرو بالواو صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: متى تُكسر الواو في عمرو؟
طالب: ما عندي الواو.
الشيخ: ما عندك واو؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا.
الطالب: عندنا ولد.
الشيخ: إذن نقول: متى تكسر الواو في عمرو؟
الطالب: إذا وقفنا عليها.
الشيخ: لا.
طالب: إذا دخل عليها حرف الجر أو الوصل.
الشيخ: لا.
طالب: إذا كان مرفوعًا أو مجرورًا.
الشيخ: صح؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤٩٨١ ]
الشيخ: صحيح، إذا كان مرفوعًا أو مجرورًا ليش؟ لأجل الفرْق بينه وبين عمر. ولماذا لا تُكتب إذا كان منصوبًا؟ لأن يُغني عنها الألف يعني منصوبة يحط فيها ألف فيغني عنها.
(من ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه) (لم يلزمه) أي عمرًا، (دفعه) أي دفع ذلك الحق، (إن صدقه) أي: صدق مدعي الوكالة (ولا اليمين إن كذبه).
مثال ذلك: جاء رجل إلى عمرو، وكان عمرو يطلبه زيد ألف درهم، فقال الرجل لعمرو: قد وكلني زيد في قبض ألف الدرهم منك، يُطالب الدَّيْن لم () الدين. قال: وكلَّني زيد في قبضه منك. قال: ما أعطيك إياه. قال: ما تصدقني؟ قال: بلى، أصدقك، وأنت عندي من أصدق عباد الله، لكن ما أنا معطيك. أفهمت؟ هو يقول: نعم، أنت صادق أن زيد وكَّلك في قبض حقه مني، ولكني () هل يلزمه الدفع ولَّا لا؟
طلبة: ما يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه إلا إذا جاء الوكيل ببينة تشهد بأنه وكَّله، إذا جاء ببيِّنه تشهد بأنه وكله يلزمه الدفع، لكن مجرد كلامه لا يلزمه الدفع، ولو كان قد أقر بأنه وكَّله، الآن المطلوب أن يقر يقول: نعم، أنا أُقر بأني وكلك وأصدقك ولا شك في هذا، وكلامك عندي يعدل ()، لكن ما أنا معطيك، لكن لو يجيب له شهود اثنين أنه يوكله يلزمه إعطاؤه.
قال له -أي عمرو المطلوب- قال للوكيل: أنت كاذب، ما وكلته، هل يلزم عمرًا أن يحلف للوكيل يقول: والله ما وكَّلته ولَّا ما يلزمه؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه أن يحلف، لماذا؟ الآن عندنا مسألتان، ونحب أن نعرف التعليل فيهما:
المسألة الأولى: إذا صدَّقه؛ لم يلزمه الدفع.
المسألة الثانية: إذا كذَّبه؛ لم يلزمه اليمين.
المسألة الأولى لماذا؟ لأنه من الجائز أن الطالب وهو زيد يُنكر أن يكون وكل هذا؛ قال: ما وكلته، ما يمكن هذا ولَّا يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن أن يُنكِر، وإذا أنكر الوكالة أُلزِم المطلوب بالدفْع، فيدفع كم مرة؟
طلبة: مرتين.
[ ١ / ٤٩٨٢ ]
الشيخ: مرتين، يلزم بالدفع؛ لأنه يقول: أنا ما وكلته، عندك شهود أني موكلك. قال: ما عندي شهود. قال: إذن ما وكَّلتك (). واضح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن عمرو المطلوب لما امتنع من تسليم الوكيل صار معذورًا ولَّا غير معذور؟
طلبة: معذور.
الشيخ: معذورًا؛ لأنه إذا أنكر الموكِّل أُلزم بالدفع، لكن لو قال قائل: ثم إذا ألزم بالدفع فسيرجع على مدعي الوكالة ولَّا ما يرجع؟
طلبة: يرجع.
الشيخ: يرجع، لكنه يقول: ما له لزوم أدخل مع الناس في مشاكل ارجع، لا ترجع، خاصم، لا تخاصم، أنا بأريح نفسي.
المسألة الثانية: إذا كذَّبَه لم يلزمه اليمين، لماذا؟
لأن اليمين إنما تلزم مَنْ إذا نكل عنها حُكِم عليه؛ على اليمين، اليمن لا تلزم إلا من إذا نكل عنها حُكِم عليه، وهذا الرجل عمرو المطلوب لو نكل عن اليمين، هل يُلزم بالدفع؟
طلبة: ما يلزم.
الشيخ: لا، إذن ويش الفائدة من تحليفه؟ ما له فائدة، واضح التعليل ولَّا ما هو واضح؟
طالب: () يا شيخ.
الشيخ: ().
طالب: اليمين من الموكَّل ولَّا من عمرو؟
الشيخ: اليمين من المطلوب، ما يلزمه إذا قال: تكتب ما وُكِّلت ما يقول الوكيل: احلف أني وكَّلتك، ما يقول هكذا.
طالب: التعليل يا شيخ مرة ثانية.
الشيخ: التعليل مرة ثانية؛ لأن عمرًا لو نكَل لم نلزمه بالدفع، وكل شخص لا يُقضى عليه بالنكول إذا حلف فإنه لا يحلف.
طالب: () إذا نكل؟
الشيخ: إذا نكل، إذا امتنع، نكل؛ يعني امتنع عن اليمين.
المثال مرة ثانية: عندنا حمد بن الطيبي، وعندنا ياسر بن عبد الرحمن، وعندنا سامي بن محمد، الطالب حمد الطيبي، والذي ادعى الوكالة ياسر، والمطلوب سامي، فجاء ياسر إلى سامي، وقال له: إن حمد مُوكِّلني في أن أقبض الدَّيْن الذي له عليك، وليس عندي بينة. قال: عندك شهود. قال: لا، ما عندي شهود. قال: ما أني بأعطيك اللي يقول من؟
طلبة: سامي.
الشيخ: سامي هو المطلوب. قال ياسر: ليش ما تعطيني؟ قال: لا أُصدِّقك.
[ ١ / ٤٩٨٣ ]
فإن دَفَعَه فأَنْكَرَ زيدٌ الوَكالةَ حَلَفَ وضَمِنَه عمرٌو، وإن كان المدفوعُ وَديعةً أَخَذَها، فإن تَلِفَتْ ضَمِنَ أيَّهما شاءَ.