[ ١ / ٣٨٦٣ ]
يُسَنُّ مِن أَعلاها والمسجدُ من بابِ بني شَيْبَةَ، فإذا رأى البيتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ ما وَرَدَ، ثم يَطوفُ مُضْطَبِعًا، يَبْتَدِئُ الْمُعْتَمِرُ بطَوافِ العُمرةِ، والقارِنُ والْمُفْرِدُ للْقُدُومِ، فيُحَاذِي الحَجَرَ الأسودَ، بِكُلِّه ويَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه، فإن شَقَّ قَبَّلَ يَدَه، فإنْ شَقَّ اللَّمْسُ أشارَ إليه ويَقولُ ما وَرَدَ، ويَجعلُ البيتَ عن يَسارِه ويَطوفُ سَبْعًا
الرجال حرَّمنا عليهم القفازين، ما هو قياسًا على النساء، قياسًا على الجوارب وعلى العمامة.
طالب: قَدَم المرأة في الحج ()؟
الشيخ: قدم المرأة عورة في الحج وغير الحج على المشهور من مذهب الحنابلة، والمسألة فيها خلاف؛ بعض العلماء يرى أن الكف والقدم ليسَا من المحرَّم كشفه، إلا إذا وُجِدَ فتنة فهذا شيء آخر.
طالب: على قول الإمام مالك ().
الشيخ: إذا مروا بالمدينة؟
الطالب: إي نعم ().
الشيخ: على رأي شيخ الإسلام﵀- يجوز لأهل جدة إذا قصدوا جدة أن يتجاوزوا ذا الْحُلَيْفَة ولا حرج، ونحن نقول به أيضًا إذا كان ما قصدهم الحج، رجل يقول: أنا أبغي أذهب إلى أهلي، وإذا جاء وقت الحج حججت، هذا ما فيه إشكال أنه ما عليه شيء.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، في التمتع متى وقت العدم ..
الشيخ: متى وقت أيش؟
الطالب: وقت عدم الْهَدْي، الواحد لا يجد هَدْيًا يصوم، ذكرتم يا شيخ فيه خلافًا ولم تُرَجِّحُه؟
الشيخ: الأقرب، والله أعلم، أنه فجر يوم العيد هذا الأقرب.
طالب: شيخ، مَن قتل جرادًا يا شيخ وهو مُحْرِم في الحرم ماذا عليه؟
الشيخ: جاهلًا أو عالمًا؟
الطالب: عالِمًا.
الشيخ: عالِمًا الحرام؟
الطالب: قتلها خطأ يا شيخ؟
الشيخ: خطأ ما عليه شيء.
الطالب: النائب حال الدعاء في الحج يدعو لنفسه أم لمن وكله؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: هل النائب في الحج يدعو لنفسه أو يدعو للذي أنابه؟ نسأل هل الدعاء شرط في صحة الطواف أو السعي أو الوقوف؟
[ ١ / ٣٨٦٤ ]
طلبة: لا.
الشيخ: ليس بشرط، لكن لا شك أن هذه الأفعال ما جُعِلَت إلا للذِّكر والدعاء، فالذي ينبغي أن يُقال: كل ذِكْر ذكرته وهو مشروع للنسك فثوابه لمن؟
طلبة: ().
الشيخ: للمحجوج عنه، وكل دعاء دعوتَ به فينبغي أن تدعو لصاحبك؛ لأن النسك له، لكن لو دعوت لنفسك ولم تدعُ له فلا إثم عليك، لكن الذي ينبغي أن تدعو لنفسك ولمن أعطاك النائبة.
طالب: شيخ، إذا طلع فجر يوم النحر ولم يجد هديًا المتمتِّع وغير مستطيع الإطعام نقول: هل يجب عليه الصيام؟
الشيخ: كيف الإطعام؟ ما فيه إطعام.
طالب: نعم، الصيام، ما يستطيع الصيام لمرض وخرج وقت الحج وهو مرض يُرْجَى برؤه، هل يقضي؟
الشيخ: يقضيه كرمضان.
طالب: النائب ما له من أجر؟
الشيخ: حسب نيته، إذا كان ناب تطوعًا لأخيه، فيُرْجَى أن يكون له أجر الحج كله، وإذا كان حج بأجر فله من الثواب بقدر نيته.
طالب: شيخ، إحلال الصيد يدل على أكله؟
الشيخ: إي، متى حل الصيد جاز أكله.
طالب: الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] ()؟
الشيخ: طعام البحر؟
طالب: ().
الشيخ: إي، قال ابن عباس: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾: ما أُخِذَ حَيًّا، ﴿وَطَعَامُهُ﴾: ما وجد ميتًا (١) هكذا قال.
طالب: ذكر شيخ الإسلام في فتواه بأن الإهلال بالحج على ثلاثة أنواع؛ إما أن يُهِلّ بحج، وإما أن يُهِلّ بحج وعمرة قارِنًا، وإما أن يُهِلَّ بعمرة، وقال: إذا أَهَلَّ الحج إفرادًا أن يُدْخِل عليه العمرة، لكن لا يجوز العكس.
الشيخ: الظاهر أنه بالعكس، أنك فاهم غلط.
الطالب: نعم، إذا أحرم بالعمرة كما فعل النبي ﷺ أدخل عليه الحج؛ لأنه أفضل منه، ولا يجوز العكس، وهو إدخال العمرة على الحج، فما دليله في ذلك؟
[ ١ / ٣٨٦٥ ]
الشيخ: هذا هو المشهور عند الحنابلة -﵏- يقولون: لأن ذلك لم يَرِد، والأنساك مبناها على التوقيف، ولأنه إذا أدخل العمرة على الحج لم يستفد إلا إسقاط أعمال العمرة فقط، بخلاف القارِن، ولكن ذكرنا لكم فيما سبق أن هذا أحد وجهين في القِرَان، وأنه قوي، لا سيما إذا قلنا: إن الرسول ﷺ أَحْرَم أولًا بالحج، ثم قيل له: قُلْ: عمرة في حجة (٢)، وأن الإنسان لو فعل هذا فلا بد أن يكون صحيحًا.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب صيد الحرم:
يحرُم صيده على المحرِم والحلال، وحكم صيده كصيد المحرِم، ويحرُم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر.
ويحرم صيد المدينة، ولا جزاء، ويباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه، وحرمها ما بين عير إلى ثور.
باب: دخول مكة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا حكم الدم الواجب أين يكون، ومتى يكون، ولمن يكون، هذه ثلاثة أسئلة لا بد منها، فالواجب لفعل المحظور أين يكون؟
طالب: فعل المحظور؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يكون إما بالحرَم أو في المكان الذي فعل فيه ذلك المحظور.
الشيخ: أحسنت، يكون إما في الحرم أو في المكان الذي فعل فيه ذلك المحظور، ويُسْتَثْنَى من ذلك شيء واحد؟
طالب: نعم، جزاء الصيد.
الشيخ: جزاء الصيد، فيكون؟
طالب: فيكون في الحرم.
الشيخ: دم الإحصار أين يكون؟
طالب: الإحصار في الموضع الذي يُحْصَر فيه.
الشيخ: حيث كان الإحصار. الدم الواجب في المتعة والقِرَان أين يكون؟
طالب: في الحرم.
الشيخ: يكون في الحرم، الدم الواجب لترك واجب أين يكون؟
طالب: في الحرم.
الشيخ: يكون في الحرم، متى يكون ذبح الدم الواجب لمتعة أو قِرَان؟
طالب: في أيام التشريق.
[ ١ / ٣٨٦٦ ]
الشيخ: في يوم العيد وأيام؟
الطالب: وأيام التشريق.
الشيخ: وأيام التشريق، ولا يجوز قبله؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو الذي يأكل منه من هذه الدماء؟
طالب: هَدْي المتعة والقِرَان.
الشيخ: هَدْي المتعة والقِرَان، كيف يأكل منه وهو واجب؟
طالب: لأنه دم شُكْرَان.
الشيخ: لأنه دم شُكْرَان لا جبران، هذا التعليل.
أما الدليل فلأن الرسول ﷺ أكل من هَدْيِه وهو قارِن (٣).
وسبق لنا أيضًا أن الصوم لا يختص بمكان؛ لأنه يتعلق بذات الشخص نفسه، ففي أي مكان صام أجزأه.
وسبق لنا: جزاء الصيد تعيين المثل حسب ما قضت به الصحابة -﵃- وبَيَّنَّا أن ما قضت به الصحابة فإنه لا خيار فيه ولا مناقشة، وأما ما لم تقضِ به الصحابة فيُرْجَع فيه إلى قول عَدْلَيْن خبيرين يحكمان في ذلك.
وسبق لنا: أن صيد الحرَم حرام على المحرِم والحلال، وأن دليل ذلك قول الرسول ﵊ في مكة: «إِنَّهُ لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (٤)، وإذا نُهِيَ عن التنفير فالقتل من باب أولى.
وسبق لنا: أن صيده على ما ذهب إليه المؤلف كصيد المحرِم، وعلى هذا فالصيد البحري في الحرم ليس بحرام.
وهذا هو القول الراجح، أما المذهب فيقولون: إن الصيد البحري في الحرم حرام، ولكن ليس فيه جزاء، والصواب أنه حلال؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
وسبق لنا أنه يحرم قطع شجره وحشيشه.
طالب: لا.
الشيخ: ما سبق، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضَرَيْنِ).
[ ١ / ٣٨٦٧ ]
ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» (٥)، وكل هذا تأكيد لحرمة هذا المكان، وأنه حتى الجماد بل حتى الأشجار محترمة والصيود محترمة، ولولا رحمة الله ﷿ لكانت كل الحيوانات محترمة، لكن هذا فيه مشقة على الناس، فحرم الصيد فقط.
وقول المؤلف: (شجره) هنا الشجر مضاف إلى الحرم، فيفيد أن المحرِم ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي أو بَذَرَه من الحبوب فإنه ليس بحرام، لماذا؟ لأنه ملكه، ولا يضاف إلى الحرم، يضاف إلى مالكه.
وقول المؤلف: (وحشيشه) نقول فيها ما قلنا في (شجره): إن الحشيش مضاف إلى الحرم، فالحشيش الذي نبت بفعل الآدمي ليس بحرام.
وقوله: (الأخضرين) صفة للشجر والحشيش.
والمراد: ما فيهما الحياة والنمو، سواء كانَا أخضرين أم غير أخضرين؛ لأن من الأشجار ما ليس بأخضر، وكذلك من الزروع أو الحشيش ما ليس بأخضر، فالمراد بالأخضر هنا ما فيه الحياة، فخرج بذلك ما كان ميتًا، فإنه حلال، فلو رأيت شجرة قد ماتت فهي حلال، ولو رأيت غصنًا منكسرًا تحت الشجرة فهو حلال؛ لأنه انفصل وهلك.
ولكن قال العلماء: ما قطعه الإنسان من أشجار الحرم فإنه حرام؛ لأنه أخذ بغير حق.
وقول المؤلف: (إلا الإذخر) والإذخر نبت معروف يستعمله أهل مكة في البيوت، والقبور، والحدادة.
أما الحدادة: فلأنه سريع الاشتعال، فيشعلون به النار من أجل أن تشتعل في الفحم والخشب.
وأما في القبور: فإنهم يجعلونه فيما بين اللبنات؛ ليمنع من تسرب التراب إلى الميت.
وأما في البيوت: فيجعلونه فوق الجريد؛ لئلا يتسرب الطين من بين الجريد فيختل السقف.
[ ١ / ٣٨٦٨ ]
فالناس في حاجة إليه، وسبب الاستثناء العباس بن عبد المطلب -﵁- فإن النبي ﷺ لما حرَّم حشيشها قال: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لبيوتهم وقبورهم. وفي لفظ: لبيوتهم وقينهم (٤)، أي: حدَّادِيهِم.
فقال: «إلا الإذخر»، فاستثنى الإذخر، وعلى هذا فيُسْتَثْنَى من الشجر والحشيش الأخضر يستثنى الإذخر.
الكمأة، والعساقل، وبنات الأوبر، وما أشبهها كالذي يسميه الناس الفطيطر، هل هو حرام أو ليس بحرام؟
نقول: هل هو من الشجر؟
الجواب: لا، ليس من الأشجار، ولهذا يجوز جني الفقع في حرم مكة، والذي ذكرته ثلاثة أنواع: الكمأة، والعساقل، وبنات الأوبر، وهي أنواع داخلة تحت جنس واحد، وهو الفقع، هذا حلال؛ لأنه ليس بأشجار ولا بحشيش، فلا يدخل في التحريم.
ويقول: (ويحرم صيد المدينة).
وسكت المؤلف -﵀- عن جزاء هذه الأشجار أو الحشائش، فهل أسقطها اختصارًا أو اقتصارًا؟
نقول: بما أن المؤلف من أصحاب الإمام أحمد -﵀- من الحنابلة، فالظاهر أنه أسقطها اختصارًا لا اقتصارًا.
لكن يحتمل أنه ذكرها اقتصارًا، أي: أن التحريم مقصور على القطع والحش، وليس فيه جزاء.
[ ١ / ٣٨٦٩ ]
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ فمن العلماء من قال: إن هذه الأشجار أو الحشائش ليس فيها جزاء، وهذا القول مذهب مالك وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم، وهو الحق؛ لأنه ليس في السُّنَّة دليل صحيح يدل على وجوب الجزاء فيه، وما ورد عن بعض الصحابة -﵃- فيحتمل أنه من باب التعزير، رأوا أنه يعزَّر مَن قَطَعَ هذه الأشجار، بناء على جواز التعزير بالمال، ولو كان هذا -أعني الجزاء- واجبًا لبَيَّنَه النبي ﵌؛ إذ لا يمكن أن يدع أمته بلا بيان لما يجب عليهم، وبوفاة النبي ﵌ انقطع التشريع، وليس هذا من باب القياس حتى يقال: لعله يقاس على الصيد؛ لأن هنا فرقًا بين الصيد وبين الأشجار، فالأشجار نامية، لكن ليس بها الحياة التي في الصيود، فالصحيح أنه ليس فيه شيء، وأن الإنسان إذا قطع شجرة أو غصنًا منها، أو حش حشيشًا فإنه يأثم، ولكن لا جزاء عليه لا قليلًا ولا كثيرًا.
بقي أن يقال: لو كانت الأشجار في الطريق، فهل يجوز إزالتها من أجل الطريق؟
نقول: إن كان هناك ضرورة بحيث لا يمكن العدول بالطريق إلى محل آخر فلا بأس بقطعها، وإن لم يكن ضرورة فالواجب عدل الطريق عنها؛ لأنه يحرم قطعها بلا ضرورة.
فإن قال إنسان: إذا كانت الشجرة خارج الطريق لكن أغصانها ممتدة إلى الطريق وتؤذي المارة في شوكها وأغصانها، فهل تقطع؟
لا تقطع؛ لأن الرسول ﵊ قال: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» (٤)، والشوك مؤذٍ، ومع ذلك نهى عن عضده، أي: قطعه، وبإمكان الإنسان أن ينزل رأسه حتى لا تصيبه الأغصان.
فإن قال قائل: إذا وطئ الإنسان على الحشيش بلا قصد، فهل عليه شيء؟
[ ١ / ٣٨٧٠ ]
الجواب: لا، كما لو انفرش الجراد في طريقه ومر عليه فإنه ليس عليه شيء، ومن ذلك ما لو احتاج الإنسان إلى فرش أو إلى وضع فراش على الأرض في مِنى أو مزدلفة وكان فيها نبات، فإنه لا يحرم عليه وضع الفراش على الأرض، وإن أدى ذلك إلى تلف ما تحته من الحشيش أو من أصول الشجر؛ لأن ذلك غير مقصود، ومن المعلوم أن الرسول ﵊ وأصحابه كانت إبلهم تمشي على الأرض، ولم يقل: تَوَقَّوا المشي على الأرض، وفرق بين ما قصد وبين ما لم يقصد.
قال: (ويحرم صيد المدينة) صيد حَرَم المدينة حرام، لكن حرمته دون حرمة حرَم مكة؛ وذلك لأنه ثابت، أعني تحريم صيد مكة ثابت بالنص والإجماع، وأما حرم المدينة فمختلَف فيه، ولكن القول الصحيح أن المدينة لها حرَم، وأنه لا يجوز الصيد في حرم المدينة، ولكن هل فيه جزاء؟
يقول المؤلف -﵀-: (ولا جزاء فيه)؛ لأن النبي ﷺ لم يجعل فيه جزاء، وإذا لم يجعل فيه الجزاء فالأصل براءة الذمة وعدم الوجوب.
وقال بعض أهل العلم: وهو رواية عن أحمد: إن فيه الجزاء، وهو سلب القاتل، يعني: أخذ سلبه من ثوبه وغترته، وما أشبه ذلك؛ لحديث ورد في ذلك أخرجه مسلم (٦).
والقائلون بعدم وجوب الجزاء يجيبون عن هذا الحديث بأنه من باب التعزير لا من باب الضمان، ولهذا لا يختلف هذا التعزير بين الصغير والكبير، ولا يختلف فيما إذا كانت السلب جديدًا أو مستعملًا.
والصواب: أنه ليس فيه جزاء، لكن إن رأى الحاكم أن يعزِّر مَن تعدى على صيد في المدينة بأخذ سلبه، أو بتضمينه مالًا، فلا بأس.
ثم قال: (ويباح الحشيش للعلف، وآلة الحرث ونحوه)؛ لأن النبي ﷺ رخَّص في ذلك (٧)، يباح الحشيش للعلف، يعني يباح أن تحش الحشيش لتعلف بهائمك.
[ ١ / ٣٨٧١ ]
وكذلك يباح لآلة الحرث، يعني قطع الأغصان لآلة الحرث، السواني، بأن يقطع الإنسان شجرة لينتفع بخشبها في المساند والعوارض، وما أشبه ذلك مما يحتاجه أهل الحرث، وبهذا عُلِمَ أن تحريم حرم المدينة أخف من تحريم حرم مكة.
الرعي: هل يجوز في حرم المدينة الرعي؟ يعني لو أطلق الإنسان سائمته لترعى هل يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: وفي مكة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يجوز أيضًا، الرعي يجوز في مكة وفي المدينة؛ لأن الرسول ﵊ كان معه الإبل قد ساقها إلى مكة وكانت بلا شك ترعى لم يكمِّم أفواهها.
قال: (ولا جزاء فيه) بهذا نعرف أن بين حرم مكة وحرم المدينة فروقًا نذكرها الآن.
قال: (ويباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه)
(وحرمها ما بين عير إلى ثور) حرم المدينة بريد في بريد، يعني مسافة بريد في بريد مربع ما بين عير إلى ثور، وثور جبل معروف بها، وعير جبل صغير يقولون: إنه خلف أُحُد من الناحية الشمالية.
أما من الشرق إلى الغرب فما بين لَابَتَيْهَا فهو حرام، وهو معروف حرم المدينة عند أهل المدينة.
لننظر الآن ما الفرق بين حرم مكة وحرم المدينة:
الفروق؛ أولًا: أن حرم مكة ثابت بالنص والإجماع، وحرم المدينة مختلَف فيه.
الثاني: أن صيد حرم مكة فيه الإثم والجزاء، وصيد حرم المدينة فيه الإثم ولا جزاء.
الثالث: أن الإثم المترتب على صيد حرم مكة أعظم من الإثم المترتب على صيد حرم المدينة، من وجهين:
الوجه الأول: أن حرم مكة أَوْكَد من حرم المدينة؛ لأن مضاعفة الحسنات في مكة أكثر من المدينة، وعِظَم السيئات في مكة أعظم من المدينة، فصار تحريم الصيد فيها أشد.
[ ١ / ٣٨٧٢ ]
الرابع: أن مَن أدخلها -أي: المدينة- صيدًا من خارج الحرم فله إمساكه، ولا يلزمه إزالة يده المشاهدة، وعلى هذا تحمل قصة أبي عمير الذي كانت معه طير صغير يلعب به يقال له: النُّغَيْر، فمات هذا الطير، فحزن الصبي لموته، فكان النبي ﷺ يقول لهذا الصبي -من باب الممازحة-: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» (٨). وهذا الحديث استدل به من يرى أنه لا يحرُم صيد حرَم المدينة؛ قال: لأن الرسول أقر هذا الصبي.
والذين حرَّمُوه وهم الجمهور قالوا: إن هذا يُحْمَل على أن هذا النُّغَيْر أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: جلب إلى الحرَم، وليس من صيد الحرم.
الخامس: أن حرم مكة يحرُم فيه قطع الأشجار بأي حال من الأحوال إلا عند الضرورة، وأما حرم المدينة فيجوز ما دعت الحاجة إليه، كالعلف وآلة الحرث، وما أشبه ذلك.
السادس: أن حشيش وشجر حرم مكة فيه الجزاء على المشهور من المذهب، وأما حرم المدينة فلا جزاء فيه.
[باب ذكر دخول مكة]
ثم قال المؤلف –﵀-: (باب: ذكر دخول مكة).
يقول -﵀- في الشرح: (وتستحب المجاورة بمكة وهي أفضل من المدينة)، مكة أفضل من المدينة بلا شك، وقد قال النبي ﵊ حين أخرج منها: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (٩).
ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن المجاورة في المدينة أفضل من المجاورة في مكة؛ لأن النبي ﷺ حث على سكنى المدينة أكثر من حثه على سكنى مكة، وقال: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» (١٠).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: المجاورة في أي بلاد يقوى فيها إيمانه وتقواه أفضل من غيرها؛ لأن ما يتعلق بالعبادات والعلوم والإيمان أحق بالمراعاة مما يتعلق بالمكان.
[ ١ / ٣٨٧٣ ]
وما ذهب إليه الشيخ -﵀- هو الصواب؛ ولهذا نزح كثير من الصحابة -﵃- إلى الشام والعراق واليمن ومصر؛ لأنهم نزحوا إلى هذه الأماكن لأن إفادتهم فيها أكثر من بقائهم في المدينة.
قال في الفنون: الفنون كتاب لابن عقيل -﵀-، وسُمِّيَ فُنُونًا لأنه جمع فيه الفنون كلها، وهو كتاب رأينا شيئًا منه، يعني لا بأس به، لكنه ليس ذاك الكتاب الذي فيه التحقيق الكامل في مناقشة المسائل، إنما هو ينفع طالب العلم بأن يفتح له الأبواب في المناقشة.
يقول: (الكعبة أفضل من مجرد الحجرة)، يعني: حجرة قبر النبي ﷺ، وهذا لا شك فيه، والحجرة ليس فيها فضل إطلاقًا؛ لأنها بناء، ثم هذا البناء الحجرة المعهودة الآن بناء محدَث على قبر النبي ﵊.
لكن لنقل: إن مراده بقوله: (الحجرة) يعني حجرة عائشة، وهو البيت الأول الذي دُفِنَ فيه الرسول ﵊ فالكعبة أفضل من البيت الذي كان الرسول ﵊ ساكنه، ودُفِنَ فيه.
قال: (فأما والنبي ﷺ فيها -أي في الحجرة- فلا والله، ولا العرش وحملته ولا الجنة).
يعني أن الحجرة اللي فيها قبر النبي ﵊ أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش، وأفضل من حملة العرش، وأفضل من الجنة، لماذا؟ لأن بالحجرة جسدًا لو وُزِنَ به لرجح، وهذا التعليل عليل، هو لو قال: إن الجسد أفضل لكان فيه نوع من الحق، أما أن يقول: الحجرة أفضل؛ لأن فيها هذا الجسد، فهذا خطأ منه -﵀-.
والصواب: أن هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافَق عليه، وأن الحجرة هي الحجرة، ولكنها شرفت بمقام النبي ﷺ فيها في حياته وفي موته.
وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم -﵀- أنه لا يعادلها الكعبة، ولا العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة، فهذا وهم لا شك خطأ.
ثم قال: (تضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل) تضاعف بالكم أو بالكيف؟
[ ١ / ٣٨٧٤ ]
أما الحسنة فبالكم وبالكيف، وأما السيئة فبالكيف لا بالكم؛ لأن الله تعالى قال في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ولم يقل: نضاعف له ذلك، بل قال: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فيكون مضاعفة السيئة في مكة أو في المدينة مضاعفة كيفية.
ثم قال المؤلف -﵀-: (باب: دخول مكة)، يعني: للحاج، كيف يدخل مكة؟ ومن أين يدخلها؟ ومتى يدخلها؟
يقول المؤلف -﵀-: (يُسَنُّ من أعلاها والمسجد -يعني ودخول المسجد- من باب بني شيبة).
ذكرنا أنه متى يدخلها؟
الأفضل أن يدخلها نهارًا في أول النهار؛ لأن النبي ﷺ دخلها ضحى (١١)، ولكن إذا لم يتيسر له ذلك فليدخلها على الوجه الذي يتيسر.
وقوله: (من أعلاها) أي: من أعلى مكة من الحجون، وهل هذه سنة مقصودة أو سنة وقعت اتفاقًا؟
بمعنى هل إن الإنسان يتعمد أن يذهب من هناك ليدخل من أعلاها، أو نقول: إذا كان طريقه من أعلاها، فالأفضل ألا يعدل عنه إلى مكان آخر؟
ظاهر كلام المؤلف الأول أنه يُسَنُّ قصد الدخول من أعلاها.
ولكن الذي يظهر أنه يُسَنُّ إذا كان ذلك أرفق لدخوله، ودليل هذا أن النبي ﵌ لم يأمر أن يدخل الناس من أعلاها.
(المسجد) يُسَنُّ دخوله من باب بني شيبة، وباب بني شيبة الآن عفا عليه الدهر، ولا يوجد له أثر الآن، لكننا أدركنا عقدًا حوالي مقام إبراهيم، قريبًا منه يقال: إن هذا هو باب بني شيبة.
[ ١ / ٣٨٧٥ ]
وكان الإنسان الذي يدخل من باب يقال له باب السلام يتجه إلى الكعبة يدخل من هذا الباب، وهل الدخول أيضًا من باب بني شيبة، لو قدر وجوده أو إعادته هل هذا من باب السنن المقصودة أو التي وقعت اتفاقًا؟ يقال فيه ما يقال في دخول مكة.
(فإذا رأى البيت رفع يديه، وقال ما ورد).
(إذا رأى البيت) أي: الكعبة؛ لقول الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
فإذا رأى الكعبة رفع يديه يدعو، وعلى هذا فيقف ويرفع يديه، ويدعو بالدعاء الوارد، والأحاديث الواردة في ذلك -أي في رفع اليدين وفي الدعاء- أحاديث فيها نظر، أكثرها ضعيف، ولهذا لم يذكر ذلك جابر -﵁- في سياق حج النبي ﷺ.
عندي أنا: (ومنه) أي: مما ورد: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا» (١٢) إلى آخره.
فإن صحت هذه الأحاديث -ولكنها لا تصح- عُمِلَ بها، وإن لم تصح فإنه لا يجوز العمل بالخبر الضعيف؛ لأن العمل بالخبر الضعيف إثبات سنة بغير دليل صحيح.
وعلى هذا -إذا قلنا بعدم صحة هذه الأحاديث، وأنه لا عمل عليها- فإنه يدخل باب المسجد كما يدخل أي باب من أبواب المساجد، يقدِّم رجله اليمنى، ويقول: بسم الله، اللهم صَلِّ على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ويتجه إلى الحجر الأسود فيطوف.
يقول المؤلف: (ثم يطوف مضطبعًا).
والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر.
وقول المؤلف: (ثم يطوف مضطبعًا).
[ ١ / ٣٨٧٦ ]
يستفاد منه: أنه لا يفعل الاضطباع إلا إذا شرع في الطواف، وهو كذلك، والعجب من جهل كثير من الناس اليوم أنهم يضطبعون من حين أن يحرموا، ويستمرون إلى أن يَحِلُّوا، وهذا من الجهل وعدم تنبيه العامة، وإلا فلو نبِّه العامة على ذلك لكان العامة يريدون الخير.
قال: (ثم يطوف مضطبعًا، يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة، والقارِن والمفرِد للقدوم).
يبتدئ المعتمر سواء كان متمتعًا أم غير متمتع، فغير المتمتع الذي يأتي في غير أشهر الحج، والمتمتع الذي يأتي في أشهر الحج قاصدًا الحج.
أما القارِن والمفرِد فظاهر طوافهما للقدوم وليس للعمرة؛ لأن المفرِد لم يُرِد العمرة أصلًا، والقارِن دخلت أعمال العمرة في الحج فيكون طواف الإفاضة الذي بعد الوقوف طوافًا للعمرة وللحج.
ولهذا قال: (والقارِن والمفرِد للقدوم).
طواف القدوم سنة وليس بواجب، والدليل على أنه سنة حديث عروة بن مضرس -﵁-: أنه وافَى النبي ﵌ في صلاة الفجر في مزدلفة، وأخبره أنه جاء من طيئ (١٣)، وأنه وقف عند كل جبل، ولم يقل: إنه ورد مكة وطاف بها، ولم يسأله النبي ﷺ هل ورد مكة وطاف بها، فدل ذلك على أن طواف القدوم أيش؟ ليس بواجب.
وسُمِّيَ طواف القدوم؛ لأنه يقع أول ما يقدم الإنسان إلى مكة، فالمراد إذن بالقدوم قدوم مكة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- المذهب الوقت المعتبَر في وجوب الهدي وعدمه فجر يوم النحر، وهم مع ذلك يقولون أيضًا بأنه إذا لم يجد الهدي فإنه يبدأ في صيام الثلاثة أيام من اليوم السابع حتى التاسع، فكيف يتأتى أحسن الله إليكم؟
الشيخ: سؤال يقول: إذا قلنا بأن وقت وجوب الهدي على المتمتع والقارِن هو طلوع فجر يوم النحر، فكيف يصح أن يقال: إنه يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة من حين الإحرام بالعمرة؟
[ ١ / ٣٨٧٧ ]
والجواب أن يقال: إن هذا الرجل الذي قلنا له: صُمْ، كان عارفًا بنفسه أنه لن يجد الهدي، أما من كان عنده احتمال بوجود الهدي فإنا نقول: أَخِّرِ الصوم إلى أيام التشريق.
طالب: شيخ ().
الشيخ: إي، هذا أيضًا يحتاج إلى التنبيه، الثمر؛ ثمر شجر الحرم، البذر أو غيره، هل نقول: إنه كالشجر؟
الجواب: لا، فلو أن تفاحة، شجرة تفاح نبتت في الحرم بدون فعل آدمي ثم أثمرت وأخذ الإنسان ثمرتها، فإن ذلك لا بأس به.
طالب: شيخ ().
الشيخ: المهم البذر، هذا قلنا: لا بأس به.
طالب: بَيَّنَّا حكم الحشيش وشجر الحرم ()؟
الشيخ: أما المباني فلا أتصور أن أحدًا يحملها معه إلا إذا كان () يهدمها.
طالب: بيعها.
الشيخ: البيع شيء آخر، بيع دور مكة هذا يأتي إن شاء الله في البيع، والمسألة فيها خلاف طويل عريض بين العلماء.
طالب: شيخ () إذا أراد الإنسان أن يحرث الأرض يذهب وليس () حكم الذي ()؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: إذا أردت أن أحفر مكانًا لقضاء الحاجة في منى وكان فيه شجر، كل الأرض مملوءة بالشجر، فماذا أصنع؟ هل أقول: يجب أن نضع إناء نقضي فيه الحاجة؟ هذا سؤالك ولّا لا؟
طالب: ().
الشيخ: هذا لا بأس أن الإنسان يحفر ما يحتاج إلى حفره سواء لقضاء الحاجة أو لوضع حفرة يضع فيها النار، إذا أراد أن يوقد النار أو ما أشبه ذلك، أو يحفر لعمود الخيمة، كل هذا لا بأس به ولا يضر.
طالب: اللي عندهم أرض يزرعونها لا يستطيعون أن يزرعوا حتى يحرثوا الأرض ويكون فيها حشيش شجر؟
الشيخ: الحشيش هذا الذي نبت بفعلهم لا بأس به، يعني لو فرضنا أن فيها حشيشًا كان من فعلهم هم من قبل هذا لا بأس به، أما إن كان من فعل الله فإن اضطروا إلى ذلك فلا حرج أن يزيلوه.
طالب: () حرم المدينة () قبل الرسول ﷺ ولّا بعد الرسول؟
[ ١ / ٣٨٧٨ ]
الشيخ: لا، حرَّمها الرسول ﵊ قال: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ» (١٤).
طالب: شيخ، الغصن اليابس في الشجرة الخضراء هل يجوز ()؟
الشيخ: يسأل عن الغصن اليابس في شجرة خضراء هل يجوز قطعه أو لا؟
نقول: نعم، يجوز ما دمنا نعلم أنه يابس يبس موت؛ لأن بعض الأشجار تيبس أغصانها، لكن ليس يبس موت، بمعنى إذا جاء الصيف نَمَتْ هذه لا يجوز أخذها.
طالب: ذكرتم أن السيئة تضاعف بالكيف، ما الدليل على ذلك؟ هذا ما يخالف ظاهر الآية: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟
الشيخ: هو قد يخالف ظاهر الآية، لكن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] يدل على أن العذاب أليم شديد، وهذه الكيفية.
طالب: اللي مقيم داخل الحرم؟
الشيخ: آدمي ولَّا صيد؟
طالب: ساكن.
الشيخ: أقول: آدمي ولَّا صيد؟
الطالب: آدمي.
الشيخ: نعم.
الطالب: احتاج إلى الحطب.
الشيخ: هي مشته.
طالب: يصلح طعامه () ضرورة؟
الشيخ: لا، في مكة لا، يخرج خارج الحرم ().
طالب: ().
الشيخ: يشتري، سهل أمره.
طالب: كان فيه زحمة يحازي الحجر الأسود، فما استطاع أن يحازي ()؟
الشيخ: سيأتينا، اصبر.
طالب: عفا الله عنك، إن كان الذي عليه صيام ثلاثة أيام في الحج ما صامها أيام التشريق يعني ..
الشيخ: لعذر ولّا لغير عذر؟
طالب: لغير عذر.
الشيخ: لغير عذر؟
طالب: إن وقتها ما يجوز صيامها في غيرها ()؟
الشيخ: على المذهب يلزمه القضاء ويلزمه دم لتأخيره.
طالب: هو ما عنده دم () يا شيخ؟
الشيخ: فإذا كان ليس عنده دم على كلامهم يلزمه صيام عشرين يومًا؛ عشرة لعدم الدم، وعشرة للمتعة.
[ ١ / ٣٨٧٩ ]
ولو قال قائل: إنه لا يلزمه دم إذا أخَّر؛ لأنه لو كان عنده دم لذَبَحَهُ، لكن هم يقولون: يبقى في ذمته، فنقول: في هذه الحال إنه إذا أخَّرها تكاسلًا يجب عليه قضاؤها مع الإثم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، العبادات باعتبار الاستطاعة أول وقتها أم آخره؟
الشيخ: وقت الوجوب.
الطالب: أول وقتها ..
الشيخ: أول وقت الوجوب.
الطالب: يعني آخر وقتها.
الشيخ: أول الوقت كيف آخر الوقت؟
الطالب: يعني مثلًا الصلاة، رجل لا يستطيع القيام في أول الوقت هل يعتبر في أول الأذان أنه غير مستطيع، أم أنه ربما في أثناء الوقت يستطيع أن يقوم؟
الشيخ: إي نعم، له أن يصلي قاعدًا من أول الأذان؛ لأنه غير مستطيع، لكن لو كان يعلم من نفسه أن الوعكة هذه تأتيه في أول الوقت وتزول في آخره فهنا يؤخّر.
طالب: الهدي الدم باعتبار أول الوقت من ()؟
الشيخ: وقت الوجوب طلوع الفجر لأنه اليوم الذي ينحر فيه.
الطالب: ولا يجوز في الثلاثة أيام؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: التشريق.
الشيخ: يجوز، لكن وقت الوجوب إحنا قلنا: وقت الوجوب هو أول وقت العبادة، ولهذا المرأة لو كانت طاهرًا ثم حاضت في أثناء الوقت وجب عليها قضاء الصلاة.
طالب: لو استطاع ().
الشيخ: فهو مخيَّر، إن شاء ذبح الهدي، وإن شاء أتم الصيام؛ لأنه وقت الوجوب غير قادر.
طالب: () منتصف الطريق () ماذا يفعل يا شيخ؟ هل يقطع الشجرة يا شيخ؟
الشيخ: ما ذكرنا هذه؟
طالب: نعم.
الشيخ: ذكرنا أن اليبس نوعان: يبس موت، فما يبس يُبْسَ مَوْتٍ فهذا لا حرمة له، وما يبس من أجل الفصل وأن هذا ليس وقت () فهذا حكمه حكم الأخضر.
طالب: شيخ، نخلة نبتت () فأراد أن يأخذها إلى البيت ليستفيد من ثمرها هل يجوز ..
الشيخ: نبتت بنفسها ولَّا هو اللي غرسها؟
الطالب: لا، نفسها.
الشيخ: نعم هذه مثل الأشجار الأخرى.
الطالب: يريد ينقلها إلى بيته؟
الشيخ: ما يجوز.
[ ١ / ٣٨٨٠ ]
طالب: شيخ، ذكرنا أمس أن هَدْي التمتع إذا أراد أن يطعم منه لا بد أن يكون لمساكين الحرم ليتصدق منه، شيخ الآن الذي يفعله الناس ما هو هذا، هو يرسلها إلى الخارج الهدايا يذبحونها ويرسلونها إلى الخارج؟
الشيخ: إلى خارج الحرم؟
الطالب: إي خارج المملكة.
الشيخ: ربما إلى خارج المملكة نعم، هذه نقول في الجواب عنها: إن قبض ولي الأمر كقبض الفقير؛ لأن ولي الأمر نائب عن الفقراء، ولذلك إذا أديت زكاتك إلى ولي الأمر وتلفت عنده، هل تبرأ ذمتك أو لا؟
طالب: تبرأ.
الشيخ: تبرأ، فيقال: إن قبض ولي الأمر كقبض الفقير، وإذا رأى أن يصرفها هنا وهناك فلا حرج.
طالب: () خارج الحرم يا شيخ؟
الشيخ: () على كل حال؛ لأن الهدايا العظيمة الآن اللي تكون هذه السنوات ما يتسع لها فقراء الحرم، لكن في الحقيقة فيها شيء من التفريط، وإلا لو وزعت بانتظام لكان الفقراء الذين من أهل مكة والذين من الآفاق كثيرين جدًّا.
طالب: شيخ، حملات من جدة تذهب يوم ثمانية ويكون معهم متمتِّعون، فهم يرون بفتوى بعض المشايخ جواز التمتع، بعض الناس اللي يكونون معهم يرون أن التمتع يكون قبل يوم ثمانية، فقد دفعوا مالًا فماذا يفعلون؟
الشيخ: أيش؟
طالب: دفعوا فلوسهم.
الشيخ: على؟
طالب: على الحملة.
الشيخ: الواجب على الحملة أن تبين، وأن تقول: نحن لا ننطلق إلا في يوم ثمانية ليكون الناس على بصيرة، ولو أن الحملة انطلقت يوم سبعة لكان طيب.
طالب: أحسن الله إليك، ما نقل عن بعض السلف استحباب تقبيل الحجرة النبوية كما نقل صاحب جامع الاختيارات ذلك؟
الشيخ: لا، لا أصل له، هذا إذا نقل عن بعضهم فإن هذا عمل ليس بصواب؛ لأنه بدعة.
طالب: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] هل مراد الآية حال الإحرام أم في مكان الحرم؟
الشيخ: يشمل هذا وهذا، أنتم حُرُم متلبِّسون بالإحرام أو داخلون في أرض حرام.
[ ١ / ٣٨٨١ ]
طالب: بعض الناس يا شيخ رأينهم يذبحون الهدي قبل يوم العيد، وعندما نبهناهم قالوا: إن هناك عندنا العلماء أفتونا بهذا، فما رأيكم؟
الشيخ: هذا صحيح، بعض العلماء يقول: إنه يجوز ذبح هدي التمتع والقِرَان من حين الإحرام بالعمرة أو من حين فراغ العمرة كما يجوز الصوم، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأنه لو جاز ذلك لفعله النبي ﷺ حين رأى من أصحابه -﵃- تلكؤًا في عدم الحِلّ، وهو يقول: «لَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (١٥)، ولو كان النحر جائزًا قبل يوم العيد لنحر تطييبًا لقلوب أصحابه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] هل المراد بالإرادة هنا عمل القلب، أو المراد التلبس بالعمل، القول الصحيح يا شيخ؟
الشيخ: المراد العزيمة.
الطالب: القلب عزم ..
الشيخ: أن يعزم عزمًا مؤكدًا.
طالب: أحسن الله إليك، يعتبر من الفروق بين حرم مكة والمدينة أنه مضاعف؟
الشيخ: هذا نبهنا على شيء منها أن المعاصي في حرم مكة أعظم.
طالب: ().
الشيخ: لا، دم القِرَان يجوز الأكل منه والصدقة منه، ولا يهديه، لكن الصدقة منه يجب أن تكون لفقراء الحرم.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، من أعطاه شخصًا يظنه أهلًا فتبين أنه ليس بأهل فإنه يجزئه كالزكاة.
طالب: ما رأيكم في قوم () اليوم السابع ()؟
الشيخ: ما رأيكم؟ يقول: ما رأيك فيمن يذهب إلى منى في اليوم السادس أو السابع، أو قبل ذلك ليحجز الأماكن؟
طالب: قد تكون هذه ضرورة أحيانًا للحاج.
طالب آخر: () إحرام.
الشيخ: إي نعم، الإحرام، لا بأس تحرم بالحج من أشهر الحج من دخول شهر شوال، لكن الكلام على هل يجوز التحجر في منى أو لا؟
[ ١ / ٣٨٨٢ ]
الذي نرى أنه ما دام الناس يعملون هذا العمل فلا حرج عليك؛ لأنك لو لم تفعل ما وجدت مكانًا أبدًا في منى، فإذا كان الناس الآن لا ينكرون التحجر ويحجرون فلا بأس، ولهذا نرى أن من لطف الله ﷿ ورحمته بالناس الآن أن يَسَّرَ هذه الحملات؛ لأن هذه الحملات يذهبون ويأخذون من الجهات المسؤولة أراضٍ معينة.
طالب: () نائم وقد غطى رأسه ()؟
الشيخ: نقول: لا يقنع، لكن يكشف رأسه.
طالب: لو أدى هذا إلى إيقاظه؟
الشيخ: ما فيه بأس، لكن لعله إن شاء الله من أصحاب ثقيل النوم.
طالب: () لقول الله ﷿ () لكن الحديث هنا ما ().
الشيخ: يقول السؤال: قصة الخثعمية التي قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخ لا يَثْبُتُ على الراحلة (١٦)، ما فيه أنه عنده مال أو ليس عنده مال، هذا يستفاد من قوله: فريضة الله؛ لأنه لو لم يكن عنده مال ما وجب عليه الحج؛ إذ يصبح عاجزًا بماله وبدنه، والعاجز بماله وبدنه لا يستطيع إليه سبيلًا.
طالب: أحسن الله إليك شيخ، وجه آخر ما فيه؟
الشيخ: ما هو؟
الطالب: وهو قولها: أفأحج عنه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: قولها للنبي:: أفأحج عنه؟ دليل على أنها تستطيع أن تحج عنه.
الشيخ: معلوم هي تستطيع، الآن هي في مكة.
طالب: من ماله ما يشعر بأنها ..
الشيخ: لا ما يشعر بأنه من ماله.
طالب: يا شيخ، ذكرتم الذي يجامع زوجته قبل التحلل الأول يترتب عليه خمسة أمور: منها أنه وجوب المضي والقضاء من العام المقبل، وهذا من حكم الصحابة ()، هذا واجب، وفي جزاء الذي قطع حشائش الأشجار قلتم: إن في الجزاء خلافًا، وأما ما ذكره الصحابة من أنه يجب عليه، فهذا قد يكون من باب التعزير، ما الفرق يا شيخ؟ هذا حكم صحابة، وهذا حكم صحابة () أمر النبي؟
الشيخ: لكن بينهما فرق، هذا فيه احتمال أنه من باب التعزير، وأما ما ذكرت ليس فيه هذا الاحتمال.
[ ١ / ٣٨٨٣ ]
طالب: شيخ، لو مر رجل بالميقات وهو عنده نية بالحج لكن ما هو مسافر للحج، في هذا السفر هل نُلْزِمُه بالإحرام؟
الشيخ: لا، ما نلزمه.
طالب: يا شيخ، إذا أراد الإحرام بعد ذلك نُلْزِمُه بالميقات اللي مر منه أم ميقات بلده؟
الشيخ: من حيث أنشأ.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الحملات () وغالب مَن في هذه المخيم يكون أغنياء ليسوا فقراء لأخذ اللي ..
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟
طلبة: ().
الشيخ: يقول: بعض الحملات تأتي بالهدي هدي المتعة والقِرَان ويذبحونه في المخيم ويأكلونه؟
طالب: ما يجوز هذا.
الشيخ: فيَقِي صاحب الحملة ماله بهذا الهدي، بدل ما يشتري له عشرة خرفان بكذا وكذا من المئات يقول: نكتفي بهذا الهدي، وهذا خطأ، فيقال: إذا ذبحوا لا بد أن يأخذوا من كل شاة قطعة من اللحم يتصدقون بها على الفقراء.
طالب: شيخ، في مضاعفة السيئات بمكة، الدليل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وهذا مجرد الإرادة، ألَّا يكون بمكة مجرد إرادة يأثم، يعني يعذب، أما في غيرها فلا يعذب، فلا يكون هناك مضاعفة يعني فقط ذنب يأثم عليه؟
الشيخ: ما دام عذاب أليم في الإرادة فكيف بالفعل؟
طالب: فكيف؟
الشيخ: بالفعل.
الطالب: يعني هو من باب التخويف.
الشيخ: لا، من باب الحق، من باب تحقيق هذا الشيء، ولهذا اختلف العلماء، قالوا: مجرد الإرادة ما يكون فيها إثم، لكن لا بد إرادة بعزم، ولهذا تعدى بالباء ولم يقل: ومن يُرِد فيه إلحادًا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا اشترك جماعة في قتل صيد هل يكفيهم جزاء واحد، أو لكل واحد واحد؟
الشيخ: إي نعم، كم الذي قتلوا؟
طالب: قتلوا صيدًا واحدًا وهم خمسة ().
الشيخ: وهم خمسة () ما مثله؟
طالب: ().
الشيخ: لا أسألك ما مثله، إذا كان مثلية كالحمامة مثلًا شاة أو خمسة شياه شاة واحدة.
طالب: والمقوَّم ما هو مثلي يعني.
[ ١ / ٣٨٨٤ ]
الشيخ: الذي يلزم مثل الشيء، لا يلزمهم إلا قيمته فقط.
طالب: ().
الشيخ: العلماء يقولون: إن الواجب من اللحم فيما يجب للفقراء أقل ما يقع عليه اسم اللحم، هذا هو الواجب.
طالب: عفا الله عنك، بالنسبة لأيام التشريق إذا كان الإنسان يختار الصوم ()؟
الشيخ: يختار الصوم؟
طالب: ().
الشيخ: الجمرات يكون بالليل ما فيه مانع.
طالب: ().
الشيخ: يعينه الله.
طالب: يعني ما فيه يعني ..
الشيخ: فيه أنه يقدِّمها قبل أن يخرج إلى الحج، يقدمها من يوم يُحْرِم بالعمرة أو من حين ما ينتهي من العمرة، وإذا كان في البلد سيجد ما يخفف عنه الحر.
طالب: شيخ، الهدي الواجب لفعل محظور إذا الإنسان مثلًا ذبح خارج مكة ما فيه فقراء أو مساكين يتصدق عليهم ()؟
الشيخ: إي نعم، يذبحه هناك وينقل اللحم إلى الفقراء.
الطالب: داخل مكة؟
الشيخ: داخل مكة، وفي المكان اللي حولها.
طالب: إن كان ما حوله مساكين يجوز () على من شاء؟
الشيخ: لا، لازم فقراء.
طالب: رجل لا يستطيع الخروج من بلده مثلًا لمانع لديه وهو عنده مال يريد ..
الشيخ: إذا كان يرجو زوال هذا المنع مثل إنسان ممنوع من الخروج من البلد وعنده مال، إذا كان يرجو زوال هذا المانع فلينتظر، وإذا كان لا يرجو فليقم من يحج عنه.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، في سنة من السنوات إحدى الحملات في المخيم خارج منى والجو في الحج يا شيخ من أشد ما يكون حرارة، فمن كان بدينًا لا يستطيع يتحمل الحر ويتعب كثيرًا يا شيخ، وكان بعض الناس يؤثرون النوم في المخيم اللي هو خارج منى، مع أن الخيام مجاورة لنا، قد ذهب الناس في اليوم الثاني عشر والثالث عشر وانصرفوا، وكان بعض الإخوان يخرجون يبيتون في مكان اللي هو داخل منى، وهؤلاء داخل المخيم اللي هو خارج منى في المكيف حتى يتقووا به على ما بقي عليهم من أعمال الحج؟
الشيخ: إي نعم، يعني معناه أنهم غير قادرين على أن يذهبوا إلى منى؟
الطالب: قريب المكان.
[ ١ / ٣٨٨٥ ]
الشيخ: أقول: غير قادرين ولَّا يقدرون؟
الطالب: يقدرون، لكن المشكلة يا شيخ في أن الجو شديد الحرارة.
الشيخ: يعني ما يتحملون المشقة؟
الطالب: ما يتحملون، وهذا يدعوهم إلى السهر في الليل، وإذا سهروا في الليل لا يستطيع يقوم بأعمال الحج الباقية عليه؟
الشيخ: الذي يظهر أن هذا لا بأس يبقون في مكانهم في المكيف؛ لأن الذي يظهر أن المبيت في منى ليس محتم الوجوب، بدليل أن الرعاة والسقاة رُخِّصَ لهم.
طالب: أحكام التعزير () اختصاص الحاكم أم اختصاص ()؟
الشيخ: لا، من اختصاص الحاكم، والحاكم يجب عليه أن ينظر ما هو الأصلح في باب التعزير، يجب أن ينظر ما هو الأصلح.
طالب: كيف أطلق على جزاء الصيد أنه من باب التعزير، والنبي ﷺ () للصحابة: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ» () وسعد بن أبي وقاص لم يكن واليًا على المدينة، فوجد رجلًا يصيد في المدينة فسلبه (١٧).
الشيخ: إي، لكن فيه وال غير والي المدينة في ذلك الوقت من هو؟
طالب: طيب سعد بن أبي وقاص ..
الشيخ: الرسول ﵊ أعظم والٍ.
طالب: سعد بن أبي وقاص بعد النبي ﷺ، ووجد رجلًا يصيد في المدينة ..
الشيخ: إي نعم نعم، هو يعتبر أن قول الرسول ﵊ هذا إما تشريع أو أنه ﵊ شرع هذا للتعزير، فإن كان للتعزير فلا، للحاكم أن يسقطه.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف -رحمه الله تعالى-: في باب دخول مكة:
قال: ثم يطوف مضطبعًا يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة، والقارِن والمفرِد للقدوم، فيحاذي الحجر الأسود بكله، ويستلمه ويقبِّله، فإن شق قبَّل يده، فإن شق اللمس أشار إليه ويقول ما ورد، ويجعل البيت عن يساره ويطوف سبعًا، يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثًا، ثم يمشي أربعًا يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة.
[ ١ / ٣٨٨٦ ]
ومن ترك شيئًا من الطواف أو لم يَنْوِه أو نسكه أو طاف على الشاذروان أو جدار الحجر أو عريان أو نجسًا لم يصح.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق أن المؤلف -﵀- ذكر أنه يُسَنُّ دخول مكة من أعلاها؛ لأن النبي ﵌ دخلها من أعلاها، وأن العلماء اختلفوا هل هذا الدخول مقصود أو وقع اتفاقًا؟ فمنهم من قال: إنه مقصود، وإن الإنسان لو أتى من الغرب من مكة فإنه يدور حول مكة حتى يدخل من الشرق.
ومنهم من قال: بل وقع هذا اتفاقًا؛ لأنه أيسر لدخوله ﵊، وليس هذا ببعيد، فهذا القول أقرب إلى الصواب من القول الأول.
كذلك أيضًا نقول: يدخل المسجد من باب بني شيبة، وهو معروف، ويقال فيه ما يقال في دخول مكة من أعلاها، هل هو مقصود أو وقع اتفاقًا؟
فإن قلنا: إنه مقصود، صار الإنسان يطوف على المسجد حتى يحاذي هذا الباب فيدخل من هناك، وإذا قلنا: ليس بمقصود وإنما وقع اتفاقًا، لم يشرع ذلك.
وسبق أن الإنسان إذا دخل البيت يطوف مضطبعًا، وأن الاضطباع هو أن يجعل وسط ردائه تحت كتفه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر.
والحكمة من ذلك: إظهار القوة والنشاط؛ لأن هذا أنشط للإنسان، مما إذا التحف والتف بردائه، وقبل هذه الحكمة أن الرسول ﵌ فعله (١٨) بالنسبة لنا، لكن لماذا فعله؟ لأنه يدل على النشاط والقوة والْجَلَد.
يطوف مضطبِعًا، آخر ما وقفنا عليه، (يبتدئ المعتمِر بطواف العمرة).
وهذا يشمل المعتمِر عمرة تمتع، والمعتمِر عمرة مفردة، فالمعتمر عمرة مفردة هو الذي يعتمر في أي شهر من شهور السنة، والمعتمِر عمرة تمتع هو الذي يعتمر في أشهر الحج ناويًا الحج من عامه، هذا هو المتمتِّع فإن اعتمر في أشهر الحج وهو لا يريد الحج، ثم طرأ له بعد أن يحج فليس بمتمتع، بل هو معتمر.
[ ١ / ٣٨٨٧ ]
وقوله: (يبتدئ المعتمر بطواف العمرة) ظاهره أنه لا يصلي تحية المسجد، وهو كذلك، فإن مَن دخل المسجد الحرام للطواف أغناه الطواف عن تحية المسجد، ومَن دخله للصلاة أو الذِّكْر أو القراءة أو ما أشبه ذلك فإنه يصلي ركعتين، كما يصلي إذا دخل أي مسجد آخر.
قال: (والقارِن والمفرِد للقدوم) يعني: يطوف القارِن والمفرِد للقدوم، وليس هذا بواجب، أعني طواف القدوم.
ودليل ذلك حديث عروة بن مضرس: أنه أتى النبي ﵌ وهو يصلي الفجر في مزدلفة، وأخبره أنه ما ترك جبلًا إلا وقف عنده، فقال النبي ﵌: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (١٩)، ولم يذكر طواف القدوم، فدل هذا على أنه ليس بواجب.
وسُمِّيَ طواف القدوم؛ لأنه جاء عند قدوم الإنسان إلى مكة، ولهذا ينبغي أن يبتدئ الإنسان به قبل كل شيء قبل أن يحط رحله؛ فإن النبي ﷺ إذا دخل مكة عمد إلى البيت وأناخ راحلته وطاف.
ولكن إذا شق على الإنسان هذا العمل، وأراد أن يذهب إلى مكان سكناه، ويحط رحله فلا حرج، المسألة مبناها على السنية فقط.
قال: (فيحاذي الحجر الأسود بكله).
(يحاذي) أي: يوازي، يكون حذوه، الحجر الأسود هو الذي في الركن الشرقي الجنوبي من الكعبة، ويوصف بالأسود لسواده، ويخطئ من يقول: الحجر الأسعد، فإن هذه تسمية بدعية، فإن اسمه الحجر الأسود.
ويُذْكَر عن النبي ﵌ أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، ولكنه سوَّدَتْه خطايا بني آدم (٢٠)، فإن كان الحديث صحيحًا فلا غرابة فيه أن يكون نازلًا من الجنة، وإن لم يكن صحيحًا -وهو الأقرب أنه ضعيف- فلا إشكال فيه.
قال: (ويحاذي الحجر الأسود بكله).
[ ١ / ٣٨٨٨ ]
وقوله: (بكله) يعني: بكل بدنه، لا بد أن يحاذي الحجر بكل البدن، فلو وقف أمام الحجر وبعض بدنه خارج الحجر فإن طوافه ليس بصحيح، لا بد أن يحاذي الحجر الأسود بكله.
وقول المؤلف: (يحاذي الحجر الأسود بكله).
يدل على أنه لا يبنغي أن يتقدم نحو الركن اليماني فيبتدئ من قبل الحجر فإن هذا بدعة؛ لأن النبي ﵌ ابتدأ الطواف من الحجر، فكونك تتقدم بين يدي الرسول ﵊ وتبتدئ من قبل الحجر هذا من البدع ومن التنطع في دين الله، فلا ينبغي أن يخطو الإنسان خطوة واحدة قبل الحجر الأسود، بل يبتدئ من الحجر، إلا أنه لا يجب أن يلاحظ أنه لا بد من محازاته بكل البدن، ولهذا قال: (يحاذي الحجر الأسود بكله).
(ويستلمه) يعني: يمسحه بيده، هذا هو الاستلام، واستلام كل شيء بحسبه، فاستلام النقود من المشتري يعني قبضها باليد، أما استلام الحجر الأسود أو الركن اليماني فالمراد به أن يمسحه، وذلك لفعل النبي ﵌ (٢١).
وقد ورد حديث لا يصح عن النبي ﵌: «إِنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّ مَنْ صَافَحَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللهَ ﷿» (٢٢)، وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﵌، لكنه ذكر عن ابن عباس من قوله، وابن عباس -﵄- ممن عرف بالأخذ عن الإسرائيليات، فلا يعول على قوله في مثل هذا؛ لأن العلماء ذكروا من شرط كون الخبر مرفوعًا حكمًا إذا أخبر به صحابي ألا يكون الصحابي معروفًا عنه الأخذ من بني إسرائيل.
قال: (ويقبله)؛ لأنه ثبت عن النبي ﵌ أنه كان يقبِّله، لكن يقبِّله محبة له لكونه حجرًا، أو تعظيمًا لله ﷿؟
[ ١ / ٣٨٨٩ ]
الثاني بلا شك، لا محبة له من حيث كونه حجرًا، ولا للتبرك به أيضًا، كما يصنعه بعض الجهال يمسح يده بالحجر الأسود، ثم يفيضها على بدنه، أو يمسح بالحجر الأسود، ثم يمسح به صبيانه الصغار تبركًا به، فإن هذا من البدع، وهو نوع من الشرك.
ولهذا قبَّل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الحجر الأسود وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، حجر من الأحجار، ولولا أني رأيت النبي ﵌ يقبِّلك ما قبَّلتك (٢٣)، فأفاد ﵁ بهذا أنه مجرد تعبُّد واتباع للرسول ﷺ، أنَّا رأينا النبي ﵌ يقبِّله فقبَّلناه، لكننا نعلم أننا نقبِّله تعظيمًا لله ﷿ ومحبة له، وقد قال مجنون ليلى:
أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى
أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي
وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
فهذا المجنون وهو مجنون جنون عشق يمر على ديارها فيأتي إلى بيتها ويقبِّله جدارًا جدارًا، يقول: ما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب مَن سكن الديار.
فالإنسان إذا أحب شخصًا أحب مسكنه وأحب القرب منه، فلذلك كان تقبيلنا للحجر الأسود محبة لله ﷿ وتعظيمًا له ومحبة للقرب منه ﷾.
يقول: (يحاذي الحجر الأسود بكله ويستلمه ويقبِّله، فإن شق قبَّل يده) يعني: بعد استلامه (إن شق) أي: شق الاستلام والتقبيل فإنه يستلمه بيده ويقبِّل يده، ولهذا قال: (قبَّل يده) يعني: بعد أن يستلمه ويمسحه لا أنه يقبِّل يده بدون مسح وبدون استلام، فإن شق اللمس أشار إليه، وإذا أشار إليه فإنه لا يقبّله.
[ ١ / ٣٨٩٠ ]
كل هذه الصفات وردت عن النبي ﵌، وهي مُرَتَّبَة حسب الأسهل، فأعلاها استلام وتقبيل، ثم استلام بلا تقبيل، إذا شق التقبيل ولكن يقبِّل يده الثنتين، ثم إشارة، إذا لم يمكن استلامه بيده يشير، وفي هذه الحال لا تقبيل، فالمراتب ثلاث.
أعلاها: استلام وتقبيل، ثم استلام بلا تقبيل ولكن يقبِّل اليد، ثم إشارة بلا تقبيل؛ لأنه لا تقبيل مع الإشارة؛ إذ إن يدك لم تمس الحجر حتى تقبِّلها فإن شق أشار إليه.
(ويقول ما ورد) يعني: ما ورد عن النبي ﵌، ومنه في ابتداء الطواف: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﵌ (٢٤)، كما كان ابن عمر يقول ذلك.
أما في الدورات الأخرى فإنه يكبِّر، كلما حاذى الحجر كَبَّر اقتداء برسول الله ﵌.
بقي أن يقال: كيف الإشارة؟ هل الإشارة كما يفعل العامة أن تشير إليه كأنما تشير في الصلاة، أي: ترفع اليدين هكذا: الله أكبر؟
لا، الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح يكون باليد اليمنى، تشير، ولكن هل تشير وأنت ماشٍ والحجر على يسارك، أم تستقبله؟
روي عن عمر ﵁ أن النبي ﵌ قال له: «إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، فَلَا تُزَاحِمْ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إِنْ وَجَدْتَ فُرْجَةً فَاسْتَلِمْ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» (٢٥)
قال: «وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ»، وهذا هو الظاهر أنه عند الإشارة يستقبله؛ لأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبِلًا له بالضرورة، فالظاهر أنه يستقبله.
لكن إن شق أيضًا مع كثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشٍ.
(ويقول ما ورد) إذن الحجر له سُنَّتَان: سنة فعلية وسنة قولية.
[ ١ / ٣٨٩١ ]
قال: (ويجعل البيت عن يساره)، إذا طاف يجعل البيت عن يساره؛ لأن النبي ﵌ طاف هكذا، أي جعل البيت عن يساره، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٢٦)، هذا هو الدليل.
التعليل: لأن الإنسان إذا وقف أمام الحجر فسوف ينصرف، وقد حث النبي ﵊ على تقديم الأيمن، وهو إذا انصرف الآن ينصرف إلى اليمين، أو لليسار؟
طلبة: إلى اليمين.
الشيخ: إلى اليمين، وإذا انصرف إلى اليمين لزم أن تكون الكعبة عن يساره.
وأيضًا باب الكعبة من المشرق، شرقًا، والباب هو وجه الكعبة وخلفه دبر الكعبة، فإذا انصرف عن يمينه وجعل الكعبة عن يساره فقد قدَّم وجه الكعبة على أيش؟ على دبرها.
هذا وجه ثان، وهي حكمة مناسبة لا شك.
فيه وجه ثالث: أن الحركة إذا جعل البيت عن يساره يعتمد فيها الأيمن على الأيسر، إن لف هكذا يعتمد الأيمن على الأيسر، فيكون هذا أولى؛ أن يعتمد الأيمن على الأيسر فيعلو على الأيسر، بخلاف ما لو اعتمد الأيسر على الأيمن فإن الأيسر يكون هو الأعلى.
فيه حكمة رابعة ذكرها بعض العلماء قال: إن القلب باليسار، وهو بيت تعظيم الله ﷿، محل تعظيم الله ﷿ ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل البيت عن يساره؛ ليقرب محل ذكر الله وعبادته وتعظيمه من البيت المعظم، فيكون القلب مواليًا للبيت إذا جعل الكعبة عن يساره، فهذه أربعة أمور، أعلاها بالنسبة لنا ما هو؟ اتباع السنة، هذا أعلاها، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟
نقول له: هذه الأوجه الأربعة.
يقول: (ويطوف سبعًا) (يطوف) يعني: يتردد بدوران على الكعبة، كما فعل النبي ﵌.
يَرْمُلُ الأُفُقِيُّ في هذا الطوافِ ثَلاثًا ثم يَمْشِي أربعًا يَستلِمُ الحَجَرَ والركْنَ اليَمَانِيَّ كلَّ مَرَّةٍ، ومَن تَرَكَ شيئًا من الطوافِ أو لم يَنْوِهِ أو نَكَسَه أو طافَ على الشاذروانِ أو جِدارِ الْحَجَرِ أو عُريانًا أو نَجِسًا لم يَصِحَّ،
[ ١ / ٣٨٩٢ ]
إن الحركة إذا جعل البيت عن يساره يعتمد فيها الأيمن على الأيسر، إن لَفَّ هكذا يعتمد الأيمن على الأيسر، فيكون هذا أولى؛ أن يعتمد الأيمن على الأيسر فيعلو على الأيسر، بخلاف ما لو اعتمد الأيسر على الأيمن فإن الأيسر يكون هو الأعلى.
فيه حكمة رابعة ذكرها بعض العلماء، قال: إن القلب باليسار، وهو بيت تعظيم الله ﷿، محل تعظيم الله ﷿ ومحبته، فصار من المناسب أن يجعل البيت عن يساره؛ ليقرب محل ذكر الله وعبادته وتعظيمه من البيت المعظم، فيكون القلب مواليًا للبيت إذا جعل الكعبة عن يساره.
فهذه أربعة أمور، أعلاها بالنسبة لنا ما هو؟
طلبة: الاتباع.
الشيخ: اتباع السنة، هذا أعلاها، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟ نقول له هذه الأوجه الأربعة.
يقول: (وَيَطُوفُ سَبْعًا) يطوف يعني يتردد بدوران على الكعبة، كما فعل النبي ﵌، وسبعًا كاملة لا تقل، فلو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح، كما لو نقص شيئًا من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، أو الثنائية، فإنها لا تصح لا بد أن يطوف سبعًا.
يقول: (يَرْمُلُ الأفُقِي فِي هَذا الطَّوَافِ ثَلاَثًا ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعًا) يرمل الأفقي، الأفقي قال العلماء: هو الذي أحرم من بعيد عن مكة، من الميقات أو ما دونه إذا كان بعيدًا.
فمثلًا: مَن أَحْرَمَ مِن قَرْن المنازل، أو يَلَمْلَم، أو ذات عرق، أو الجحفة، فإنه يرمل. ومَن أَحْرَمَ مِن ذي الحُلَيْفَة فإنه يرمُل من باب أولى لأنه أبعد، ومَن أَحْرَم دون ذلك ولكنه يعتبر بعيدًا عن مكة فإنه يرمُل، حتى لو كان من أهل مكة ودخل مكة وأحرم من مكان بعيد فإنه يرمل في هذا الطواف؛ طواف القدوم، ثلاثًا، أي في ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعًا.
[ ١ / ٣٨٩٣ ]
وذلك لفعل النبي ﵌، وسبب هذا الفعل أن النبي ﷺ لما قدم مكة في عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة قالت قريش: إنه يقدم عليكم قوم وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يثرب، وَهَنَتْهُم يعني: أَضْعَفَتْهُم، ويثرب هي المدينة، والحمى مرض معروف، وكانت الحمى في المدينة شديدة حتى دعا النبي ﷺ ربه ﷿ أن ينقل حُمَّاهَا إلى الْجُحْفَة، ففعل ﷾.
لكن قريش أعداء، والعدو يحب الشماتة بعدوه، فقالوا: اجلسوا ننظر هؤلاء الذين قدموا عليكم وقد أضعفتهم الحمى، وجلسوا نحو الْحِجْر، أي في الجهة الشمالية من الكعبة، لأجل أن يَطَّلِعُوا على ما زعموه من ضعف النبي ﷺ وأصحابه، فأمر النبي ﷺ أصحابه لذلك أن يرملوا في الأشواط الثلاثة.
والرمل ليس هزيز الكتفين كما يفعله بعض الْجُهَّال، الرمَل المشي بقوة ونشاط، بحيث يسرع، لكن لا يمد خطوه، والغالب أن الإنسان اللي يسرع يمد خطوه لأجل أن يتقدم بعيدًا، لكن في الطواف لا نقول: أسرِع بدون أن تمد الخطو بل تقارب الخطى.
فلما رأت قريشٌ رسول الله ﷺ وأصحابه يرملون هذا الرمَل قالوا: إنهم أشد جريًا ومشيًا من الغزلان، يعني الظباء، فغاظهم ذلك وحزنوا، حيث كانوا يتوقَّعُون في الأول أنهم ضعفاء، فتبين أنهم أقوياء (١).
ولكن كان الرمَل في عمرة القضاء من الْحِجْر إلى الركن اليماني، ثم يمشون ما بين الركنين؛ لأنهم إذا انحرفوا من عند الركن اليماني غابوا عن أنظار قريش، فأراد النبي ﷺ أن يُبْقِي على قوتهم، وأن يمشوا مشيًا فيما بين الركنين، فلطف بهم النبي ﵊ من وجهين؛ الوجه الأول: أنه خص الرمَل بالأشواط الثلاثة الأولى فقط، والثاني: أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين؛ الركن اليماني والحجر الأسود.
[ ١ / ٣٨٩٤ ]
فهذا أصل مشروعية الرمَل، هذا هو أصله، ولكن هل يقال: إنه بعد فتح مكة وعز الإسلام يرتفع هذا الحكم لارتفاع سببه، أو نقول: إن هذا الحكم باقٍ؟
فالجواب: الثاني، فإن عمر ﵁ أَوْرَدَ على نفسه هذا الإيراد، وقال: فيمَ الرمَل الآن وقد أَعَزَّنَا الله؟ ثم أجاب على نفسه: شيء فعله النبي ﷺ لا بد أن نفعله (٢).
مع أنَّا نقول في حجة الوداع: قد زال السبب، وهو إغاظة المشركين؛ لأنه ليس هناك مشرك حتى يُغَاظَ، ومع هذا أبقاه النبي ﵌، ثم إنه أبقاه بزيادة على الرمَل في عمرة القضاء، حيث كان الرمَل في حجة الوداع من الركن إلى الركن، أي في كل الأشواط الثلاثة، حتى ما بين الركنين رمَل فيه النبي ﷺ، وفي عمرة القضاء من الركن إلى الركن اليماني فقط، فدل ذلك على بقاء المشروعية.
فإن قال قائل: كيف تبقى المشروعية وقد زال السبب؟ والحكمة تقتضي أنه بزوال السبب يزول المسبَّب، أي بزوال العلة يزول المعلول؟
فالجواب: أن العلة وإن كانت إغاظة المشركين، ولا مشركين الآن، لكن ليتذكر الإنسان أن المسلم يُطْلَب منه أن يغيظ المشركين، فحينئذ ينبغي لك أن تشعر عند الرمَل في الطواف وكأن أمامك المشركين لأجل أن تغيظهم؛ لأن غيظ المشركين مما يقرِّب إلى الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].
[ ١ / ٣٨٩٥ ]
إذن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى كلها، ويمشي في الباقي، فإن لم يتيسر له الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى لزحام المكان، ولكن تيسر له في الثلاثة الباقية الأخيرة لخفة الزحام، فهل يقضي الرمل الذي كان في الأشواط الثلاثة الأولى؟ لا يقضي؛ لأن الرمل سُنَّة في الثلاثة الأشواط الأولى، وقد فات محلها، ولأنه لو رمل في الأشواط الثلاثة الأخيرة لخالف السنة؛ إذ السنة في الأخيرة المشي دون الرمل.
فإن قال قائل: لماذا لم يكن الرمل في الأشواط الأربعة؟
قلنا: الحكمة من ذلك؛ أولًا: التخفيف على الناس، على الطائفين.
وثانيًا: من أجل أن ينقطع على وِتْر؛ لأن الطواف كله مبني على وِتْر، فلو قلنا: في الأربعة الأولى، لانقطع على شفع، ولو قلنا: في الخمسة، لكان فيه مشقة، فلهذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون في الأشواط الثلاثة الأولى، كما فعل النبي ﵌.
فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب، فأيهما نقدِّم؟
نقول: قَدِّم الأول، ارمل، ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من المراعاة المتعلقة بزمانها أو مكانها، قاعدة.
طالب: نكتبها؟
الشيخ: لأن .. قُلْهَا.
الطالب: لأن ..
الشيخ: مراعاة ..
الطالب: مراعاة الفضيلة المتعلقة ..
الشيخ: لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة.
الطالب: أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بالمكان أو بالزمان.
الشيخ: تمام، وهذه القاعدة لها أمثلة:
لو أن رجلًا حين دخل عليه وقت الصلاة كان حاقنًا أو بحضرة الطعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها، أو العكس؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، فهنا راعينا نفس العبادة، وألغينا مراعاة أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبِلًا على صلاته فهنا كانت الصلاة أكمل.
[ ١ / ٣٨٩٦ ]
في المكان؛ لو أن شخصًا أراد أن يصلي في مكان لكن المكان حوله ضوضاء وتشويش، إلا أنه فاضل، المكان فاضل لكن حوله تشويش، أو حوله رجل له رائحة كريهة؛ في الصف الأول مثلًا، ما وجدت مكانًا إلا عند باب المسجد الذي يُشَوِّش عليك مَن في السوق، أو لم تجد إلَّا مكانًا إلى جنب شخص ذي رائحة كريهة، وأردت أن تصُفَّ في الثاني، أو أن تَصُفَّ في الأول مع التشويش أو مع الرائحة الكريهة؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، يعني أَصُفُّ في الصف الثاني وأدع الأول؛ لأنه يتعلق بذات العبادة.
الرمَل قال العلماء: أولى من الدنو من البيت؛ لأنه يتعلق بذات العبادة، والدنو من البيت يتعلق بمكان العبادة.
قال المؤلف ﵀: (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ كُلَّ مَرَّةٍ)؛ لأن النبي ﵌ كان يستلمهما في كل مرة من طوافه (٣).
في آخر مرة هل يستلمهما في آخر طوفة؟
طالب: لا.
الشيخ: إن قلتم: لا، أخطأتم، وإن قلتم: نعم، أخطأتم، يستلم الركن اليماني، ولا يستلم الحجر الأسود؛ لأنه إذا مَرَّ بالركن اليماني مَرَّ وهو في طوافه، وإذا انتهى إلى الحجر الأسود انتهى طوافه، ولهذا لا يستلم الحجر الأسود.
ولا يُكَبِّر أيضًا في آخر شوط؛ لأن التكبير تابع للاستلام، ولا استلام الآن، والتكبير في أول الشوط، وليس في آخر الشوط، وعلى هذا فإذا انتهى آخر شوط انصرف بدون أن تستلم أو تقبِّل أو تشير أو تكبِّر.
يقول: (يَسْتَلِمُ الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمَانِيَ كُلَّ مَرَّةٍ)، الحجر معروف، الركن اليماني لماذا سُمِّيَ يمانيًا؟ لأنه من جهة اليمن، ويُطْلَق عليه هو والحجر اسم الركنين اليمانِيَيْن، والكعبة ذات أركان أربعة، الحجر، والركن اليماني، الشمالي، الغربي، فيستلم الحجر والركن اليماني، ولا يستلم الشمالي والغربي.
[ ١ / ٣٨٩٧ ]
وقد طاف أمير المؤمنين معاوية ﵁ ذات يوم، فجعل يستلم الأركان الأربعة، فأنكر عليه ابن عباس، ابن عباس ينكر على الخليفة، نعم ينكر، فقال له معاوية: إنه ليس شيء من البيت مهجورًا، فعلَّل بعلة عقلية، والعلة العقلية قد تكون ساقطة.
فقال له ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ولم يستلم النبي ﷺ من البيت إلَّا الركنين اليمانيين، فقال: صدقت (٤)، وكفَّ عن استلام الركن الشمالي والغربي؛ لأن الصحابة يريدون الحق أينما كان، فكفَّ وصار يستلم الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأن النبي ﵌ لم يستلم إلا هذين الركنين.
فإن قال قائل: ما الحكمة في أنه لم يستلم الأركان الأربعة؟
فالجواب: أن الركن الشمالي والغربي ليسَا على قواعد إبراهيم، فلذلك لم يستلمهما رسول الله ﵌، إذ إن البيت كان ممتدًّا نحو الشمال من قبل، لكن لما عمرته قريش قصرت بهم النفقة، فرأوا -وهو رأي سديد- أن يحطِّموا الجزء الشمالي من الكعبة؛ لأنه لا سبيل لهم إلى حطم الجزء الجنوبي، لماذا؟ لأن فيه الحجر الأسود، ولا إلى الركن اليماني والركن الغربي، ليش؟ لأنهما لو حطمَا الكعبة من هناك لصارت الكعبة مستطيلة طولًا لا يتناسب مع العرض.
وإلَّا فالركن اليماني سيبقى ركنًا يمانيًا، حتى لو حطم من الجهة الغربية فسيبقى الركن هو الركن، لكن تبقى غير كعبة في الواقع؛ لأن الكعبة هي البناء المربع، أو القريب من التربيع، فإذا صارت مستطيلة ما صارت كعبة، فهذا هو الحكمة في أنه لم يستلم النبي ﵌ إلا الركنين اليمانِيَيْنِ.
لم يذكر المؤلف ﵀ ماذا يقول في طوافه بعد أن ذكر التكبير عند الحجر، لم يذكر ﵀ ماذا يقول عند استلام الركن اليماني، فماذا يقول؟
نقول: إنه لا يقول شيئًا، يستلم بلا قول لا تكبيرًا ولا غيره؛ لأن ذلك لم يَرِد عن النبي ﵌.
[ ١ / ٣٨٩٨ ]
والقاعدة الفقهية الأصولية الشرعية أن كل ما وُجِدَ سببه في عهد الرسول ﷺ ولم يفعله فالسنة تركه، وهذا قد وُجِدَ سببُه، الركن اليماني كان الرسول ﵌ يستلمه، ولكنه لا يكبِّر، وعلى هذا فلا يُسَنُّ التكبير عند استلامه.
في بقية الطواف ماذا يقول؟
يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
قال شيخ الإسلام ﵀: والمناسبة في ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط، وكان النبي ﵌ يختم دعاءه غالبًا بهذا الدعاء. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وما تسمعون من المطوفين: (وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار)، فهذا لم يَرِد عن النبي ﷺ، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذه تعبُّدًا لله، لكن لو دعا ما ينكَر عليه؛ لأن هذا محل دعاء، لكن كونه يجعله مربوطًا بهذه الجملة: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، غلط، فالعامة يظنون أن هذا مستحب، وليس كذلك.
رُوِيَ عن النبي ﵊ أنه يقول أيضًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ» (٥)، ولكنه حديث ضعيف.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، () باب السلام ()؟
الشيخ: باب السلام يقولون: إنه كان يحاذي باب بني شيبة، ولّا ما له أصل، لكن من أجل المحاذاة فيكون أسهل.
طالب: أحسن الله إليك، السجود على الحجر ورد عن ابن عباس؟
الشيخ: إي نعم، ورد عن ابن عباس أنه يسجد عليه، لكنني لا أحفظه مرفوعًا إلى الرسول على وجه صحيح.
الطالب: لكن يا شيخ هل يُعْمَل به؟
الشيخ: والله هو فعل صحابي، وابن عباس ﵄ ما يتعبد بشيء إلا وهو مشروع.
[ ١ / ٣٨٩٩ ]
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة لحديث ابن عمر ﵁ لما خرج من الكعبة مُلَطَّخًا بالطيب، ما يكون الناس الذين يستلمون الحجر الأسود مرخَّصًا لهم فيه؟
الشيخ: ما صح عن ابن عمر.
طالب: ما صح.
الشيخ: لا، فيه ضعف، ما صح إلا عن عطاء، وقوله ﵀ لا شك أنه أرفق بالناس من أن يقال: إنك تلزم بأن تغسله، خصوصًا إذا كنت جاهلًا، أما العالم بأن فيه طيبًا يعلق بالإنسان فإنه لا يُعْذَر.
طالب: ().
الشيخ: يقول: هل إذا لم يستطع استلام الركن اليماني هل يشير إليه أم لا؟
الجواب أنه لا يشير إليه؛ لأن ذلك لم يَرِد.
طالب: ما ورد عن عمر أنه كان يسجد على الحجر؟
الشيخ: عمر لا، عن ابن عباس هذا المعروف.
الطالب: ورد عن عمر يا شيخ.
الشيخ: أقول اللي نعرف عن ابن عباس.
الطالب: وقوله: إنك حجر لا تضر ولا تنفع (٢).
الشيخ: إذا صح عنه يكون مشروع السجود.
طالب: شيخ، إنهم وضعوا الطيب في الْحَجَر، فهل ()؟
الشيخ: لا.
الطالب: الإشارة في كل طواف؟
الشيخ: الإشارة في كل شوط.
طالب: قال الرسول ﷺ: «وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (٦)، والحشيش في اللغة هو العشب اليابس، إحنا قلنا: إن اليابس الميت لا عبرة به، كيف الجمع؟
الشيخ: ما هو الجمع، هذا من يقول اليابس فقط، من قاله؟
الطالب: إذا عم ما الذي يخص ..
الشيخ: لأنه لا ينمو؛ لأنه ليس بنام.
طالب: لا () من عموم الحديث.
الشيخ: هذا نخرجه؛ لأنه ليس بنامٍ، ما له حرمة، هذا يذهب ترابًا.
طالب: ().
الشيخ: يقول: إن الْحَمَام يعيش في البيت ويتنامى، فأين التوحُّش؟
طالب: أصله.
الشيخ: نقول: الأصل، ولذلك قلنا لكم: إذا استأنس متوحِّش فهو متوحِّش، وإذا توحَّش مستأنس فهو أهلي، العبرة بالأصل.
طالب: وجه تخصيص أن غير الآفاقي لا يرمُل؟
الشيخ: نعم، التخصيص لأن أهل مكة يطوفون في الكعبة ولا يرمُلون.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا كان معتمر ()؟
[ ١ / ٣٩٠٠ ]
الشيخ: إذا كانوا معتمِرين وأحرموا من التنعيم فإنهم لا يرمُلون.
طالب: شيخ، ثبت عن النبي ﷺ أنه كلما أتى الْحَجَر استلمه، أو يشير إليه إذا لم يستطع، أو يستلمه بالمحجن (٧)، فما التخصيص () الستة دون السابع، النبي ﷺ كلما جاء الحجر كان يستلمه.
الشيخ: هو كم استلمه؟
طالب: لم يَرِد، كان ﷺ إذا جاء الحجر استلمه.
الشيخ: إي، كم يستلمه؟ سبع مرات.
طالب: أيش التخصيص يا شيخ بالسبع؛ لأن النبي ﷺ كان كلما جاء ().
الشيخ: إي نعم هو سبعة، سبعة أشواط، كل شوط له استلام، بدأ بالأول، ثم بالثاني، ثم بالثالث، ثم بالرابع، ثم بالخامس، ثم بالسادس، ثم بالسابع.
الطالب: هي عبادة مستقلة، استلام الْحَجَر.
الشيخ: لا.
الطالب: ثم إنه يا شيخ ثبت في البخاري أنه بعد أن يشرب من زمزم إذا طلع يستلم الْحَجَر. (٨)
الشيخ: نعم صحيح، هذا بعد صلاة الركعتين تقدم إلى الركن فاستلمه.
الطالب: بعد أن يشرب يا شيخ.
الشيخ: بعد أن صلى ركعتين وشرب من زمزم.
الطالب: إي نعم، هذا يا شيخ يرد قياسنا أنه سبع الطواف.
الشيخ: هو سبع، بارك الله فيك.
طالب: هذا غير ..
الشيخ: الآن لو استلمه في آخر واحدة لاستلمه ثمانِ مرات.
طالب: وليكن ..
الشيخ: لا، ما هو وليكن، راح يصير، هو لا يمكن؛ لأنه حين محاذاة الحجر انقطع طوافه، انتهى طوافه، ما فيه طواف.
طالب: أليست عبادة مستقلة هذه؟
الشيخ: ما هي بعبادة مستقلة، ولا ورد أن الرسول يستلمه في كل شوط، والشوط السابع انتهى قبل الْحَجَر.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يستلمه بِمِحْجَن ويُقَبِّل الْمِحْجَن، ويستلمه بيده ويُقَبِّل يده (٩)، فالذي يمس الحجر يُقَبَّل.
طالب: () ثم نقول في الْحَجَر من الاستقبال أو تقبيل اليد؟
[ ١ / ٣٩٠١ ]
الشيخ: هو ما يمكن يستلمه الإنسان، لا، التقبيل الركن اليماني ما فيه التقبيل، لا تقبيل اليد التي مَسَّتْه، ولا تقبيل الركن نفسه، ولا فيه إشارة أيضًا، إن استطعت أن تستلمه استلمه، وإلا فَامْشِ ولا ..
طالب: الاستقبال.
الشيخ: ما تستقبله.
طالب: الطائف يا شيخ، حينما يكون في الْمَطَاف يرى بعض المنكَرات، فهل يشتغل في الإنكار على أصحاب المنكَرات على اختلاف أنواعها أم يشتغل بذكر الله ﷿ الذي من أجله شُرِعَ الطواف.
الشيخ: أما الشيء المنكَر الظاهر فالإنكار من ذكر الله لا شك، لكن إذا شغله الإنكار عن طوافه فلا بأس أن يسكت، وإذا انتهى من طوافه ينكِر على هؤلاء؛ لأنه بإمكانه إذا انتهى من الطواف.
طالب: زحمة يا شيخ ما يقدر.
الشيخ: إذا أمكن حتى في الزحمة وقوفه مع هؤلاء يتحدث مع هذا صعب.
طالب: وهم يمشون.
الشيخ: يمشون، ينكِر عليهم، مثل لو امرأة متبرِّجة أو متطيِّبة ينكِر عليها.
طالب: شيخ، حفظكم الله، ذكرتم في القاعدة أن مراعاة الفضيلة المتعلِّقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة في مكانها وزمانها، مثال اللي ذكرتموه الصف، لو كان إنسان مثلًا فيه واحد رائحته غير طيبة، فلو تركته سوف يأتي إنسان آخر.
الشيخ: إحنا نقول: كريهة، ما قلنا: طيبة.
طالب: غير طيبة يا شيخ، أنا قلت: غير طيبة.
الشيخ: كريهة، قل؛ لأن غير طيبة أيضًا تشمل ما ليس طيبًا ولا غير طيب.
الطالب: كريهة جدًّا، سوف يأتي آخر يا شيخ ثم يتأذى بها، والنبي ﵊ قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١٠)، فلماذا لا أتحمل أذاه؟
الشيخ: سبحان الله! حتى الثاني نقول له: رُوح، إذا كنت تتأذى انصرف عنه.
الطالب: لا بد يأتي آخر.
الشيخ: إي، لو جاء آخر ثالث، رابع، عاشر، إلى تمام المئة والألف.
طالب: في الصف الأول مثلًا لا بد يُغْلَق.
الشيخ: كيف؟
طالب: لا بد الصف الأول يكمل.
[ ١ / ٣٩٠٢ ]
الشيخ: ما هو بلازم، إذا صار أني إذا جلست جنب هذا الرجل ما أدري ما أقول في صلاتي من شدة الرائحة الكريهة أذهب إلى مكان آخر، ولهذا قلنا لكم فيما سبق: إن ذا الرائحة الكريهة لا يَحِلُّ له أن يأتي المسجد أصلًا، ولنا أن نخرجه كما كان الصحابة يُخْرِجون مَن أكل البصل أو الثوم.
طالب: يصلي منفرِدًا يا شيخ؟
الشيخ: من؟
طالب: هو منفرِد خلف الصف.
الشيخ: مَن اللي منفرد.
طالب: هو اللي جاء.
طالب آخر: صاحب الرائحة.
الشيخ: صاحب الرائحة الكريهة؟
طالب: لا، الذي جاء وأراد يصف الصف الثاني مثلًا.
الشيخ: نعم، هذا إن قلنا بأن صلاته لا تصح مع إمكان الصف الأول فنقول: لا، إذا كان منفردًا لا يصُفّ، لا بد يبقى، ولو تَحَمَّل الرائحة الكريهة، وفي هذه الحال يمكن يتلثَّم، إذا تَلَثَّم يخف عليه الأمر.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، قد ذكرت في الفروق بين حرم مكة وحرم المدينة بأن حرم مكة متَّفَق عليه، وحرم المدينة مختلَف فيه، ما بَيَّنْتَ وجه الاختلاف، هل تحديد الحرم أو التحريم أصلًا؟
الشيخ: لا، في التحريم أصلًا.
الطالب: والأحاديث الصريحة في ذلك؟
الشيخ: إي نعم، لكن فيه الخلاف.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، الحديث الوارد في بداية الطواف الذي رواه ابن عمر، وما يفعله العامة الآن يكبِّرُون ثلاث مرات، هل لذلك أصل؟
الشيخ: ما له أصل، لا أعلم له أصلًا، إنما يكبِّر مرة واحدة.
يقول السؤال: ثبت أن استلام الحجر يحط الخطايا حَطًّا، هل استلامه بالْمِحْجَن يحط الخطايا حطًّا؟ هذا أيش.
طالب: هذا ما يساعد على أنها عبادة مستقلة أنها تَحُطُّ الخطايا.
الشيخ: إي، يحط الخطايا حيث شُرِع.
طالب: وأيضًا إذا استلمه أول مرة يحط الخطايا لأول مرة، المرة الأخرى ..
[ ١ / ٣٩٠٣ ]
الشيخ: رفعة الدرجات، مثل غيره من الأشياء اللي يكون فيها تكفير الذنوب، ومع ذلك يُسَنُّ للإنسان أن يزيد منها، ثم إننا نقول: أحيانًا يأتي مثلًا مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَن صامه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، فمثلًا إذا قال: أنا لا أقوم؛ لأني أصوم فيُغْفَر لي ما تقدم من ذنبي، فما الذي يبقى من الذنوب؟
طالب: لا يوافَق.
الشيخ: لا يوافَق؛ لأننا نقول: ترتيب الثواب على الأعمال قد يتحقق وقد لا يتحقق، قد لا يتحقق من أجل فعل العبد لا من أجل وعد الله، سوف يتحقق حسب وعد الله، لكن قد يكون في فعلك خلل لا يستطيع هذا الفعل أن يترتب عليه الثواب المرتَّب عليه، فإن قيل: إذا فرضنا أنه كان كاملًا بحيث يترتب عليه الثواب المرتَّب عليه؟ فالجواب أن نقول: يبقى الآخر زيادة في الحسنات.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة للمتمتِّعين بما أن الحملات تتأخر إلى اليوم الثامن، فبعضهم يتمتَّع في نفس اليوم الثامن، ثم يُهِلُّ بالحج، هل نقول: الأفضل له أن يفرِد؟
الشيخ: إذا قَدِم إنسان في اليوم الثامن فالأفضل القِرَان أو الإفراد؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والحج يبدأ في اليوم الثامن، فلا مكان للعمرة الآن، ثم إن الحج أفضل من العمرة، فاشتغالك بالعمرة في وقت يُسَنُّ أن تكون فيه متلبِّسًا بالحج يعني أنك قَدَّمْتَ المفضول على الأفضل، فالزمن الآن منذ ضُحَى يوم الثامن الزمن للحج، فكيف تشغله بالعمرة؟ ثم أين التمتع الذي سيكون إنسان أتى بالعمرة وطاف وسعى وقصَّر ثم أحرم بالحج؟
فلذلك نرى وإن كنت ما رأيت أحدًا تكلم في هذا، لكن أرى أن الإنسان إذا جاء في اليوم الثامن في الوقت الذي خرج فيه الحجاج إلى مِنى ألَّا يتمتع، أن يُحْرِم بالعمرة والحج جميعًا، أو بالحج وحده.
طالب: التمتع هذا صحيح.
[ ١ / ٣٩٠٤ ]
الشيخ: والله ربما نقول: صحيح؛ لأنه ما فيه دليل على بطلان العمرة أو بطلان الحج.
طالب: لأنه ما حصل التمتع يا شيخ.
الشيخ: ما حصل، لكن على كل حال حصل الحل.
طالب: لو وكل بالتمتع يا شيخ.
الشيخ: هذا يقول عند ..
الطالب: عند الاستلام لمن شرب، يقول: باسم الله، ولّا يقول: باسم الله والله أكبر، وفي الشوط الثاني يقول: الله أكبر فقط، ولا ().
الشيخ: إي، هذا هو أصل البسملة، عند أوله، إنما هو مِن فعل ابن عمر، والباقي تكبير فقط.
طالب: حديث عمر كَبَّر وهَلَّل ().
الشيخ: بس الحديث هذا ضعَّفَه أهل العلم، ولا يدل على أنك تقول: الله أكبر، لا إله إلا الله، تُكَبِّر وتُهَلِّل.
طالب: من ناحية أكل البصل والثوم، إذا كان يعرف أنه لن تكون منه رائحة، هل النهي مُنْصَبٌّ على الرائحة نفسها؟
الشيخ: إي، الرائحة، ولهذا قال في الحديث: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا» (١١)، يعني يطبخهما حتى تذهب الرائحة.
طالب: إذا تمكَّن من موضع الرائحة () تمنع رائحة البصل والثوم رائحة طيبة ()؟
الشيخ: تغطيها يعني؟
طالب: نعم.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: نثبت العلة.
الشيخ: هو على كل حال، ظاهريًّا، ينفع إذا صارت الرائحة قوية جدًّا تغطي رائحة البصل والثوم، لكن قد يتجشَّأ الإنسان في أثناء صلاته وتغلب الرائحة الكريهة على الطَّيِّب.
طالب: ما دليل التصدق ()؟
الشيخ: دليل التصدق قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] هذا عامٌّ في كل ما يُذْبَح تقرُّبًا إلى الله.
طالب: شيخ () أشار بيده () ما يعتبر دليلًا؟
الشيخ: لا، إذا قيل: الركن، عند الإطلاق فهو الذي فيه الْحَجَر.
طالب: شيخ، بالنسبة للاضطباع والرمَل من خصوصيات طواف القدوم، أو يشترك مع طواف الإفاضة ..؟
[ ١ / ٣٩٠٥ ]
الشيخ: لا، هو في طواف القدوم فقط، لكن إذا قدرنا أن الرجل خرج إلى منى أو قصد منى من الأول ولم يدخل مكة ويطوف للقدوم، ثم عاد بعد عرفة ومزدلفة إلى مكة، فالاضطباع في حقه ليس بمشروع؛ لأنه قد حَلَّ، يبقى الرمل هل يُسَنُّ الرمَل؟ قال بعض العلماء: يُسَنُّ الرمَل؛ لأن هذا الطواف يُعْتَبَر بالنسبة له طواف قدوم؛ إذ إن هذا أول مرة يطوف بالبيت في هذا الحج.
طالب: شيخ بارك الله فيك، مسألة ذكرها صاحب الروض ولم تتكلم فيها.
الشيخ: وهي؟
الطالب: قول المؤلف: صاحب الروض يقول: بالنسبة لنقل تراب مكة يُكْرَه إلَّا ماء زمزم، الدرس الماضي ما تكلمت ..
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما ذكروا لا دليلًا ولا ..
الشيخ: نحن لسنا ندرس الروض، نحن ندرس زاد المستقنع في اختصار المقنع.
طالب: ما تقول في هذه المسألة؟
الشيخ: إي، إذن لا بأس، هذا السؤال صحيح الآن، نقول فيها: الصحيح أنه لا يُكْرَه إخراج تراب الحرم؛ لأن التراب شيء جامد لا ينمو، ولا يضر وجوده بالحرَم أو غير الحرم.
طالب: سد الذريعة، الناس تبركًا فيها.
الشيخ: لا، دعنا من مسألة التبرك، التبرك شيء آخر، حتى لو تَبَرَّك به في نفس مكة قلنا: هذا بدعة.
طالب: قلت: إن الركن اليماني سُمِّي يمانيًا؛ لأنه من جهة اليمن ()، لماذا لا نقول: لأنه يمين الكعبة نفسها، والدليل على ذلك قول الرسول ﷺ: «الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (١٢)، أي: يمين الكعبة؟
الشيخ: وين يمين الكعبة؟ يمين الكعبة هو الركن الشامي.
طالب: ما تصلح؟
الشيخ: لا، ما تصلح.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كان واحد بيطوف وتلفَّت يتفقد أهله، ما صارت الكعبة عن يساره أثناء الطواف، يضره يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يقول: أحيانًا الإنسان يطوف، فيُكَلِّمُه أحد من الناس، يلتفت ويولي ظهره الكعبة، أو يكون مثلًا أهله خلفه، فيلتفت حتى يولي ظهره الكعبة، فهل طوافه صحيح أو لا؟
طالب: صحيح.
[ ١ / ٣٩٠٦ ]
الشيخ: ظاهر كلام الفقهاء أن طوافه لا يصح، الشوط هذا ما يصح؛ لأنه لم يجعل الكعبة عن يساره في كل الشوط، ولهذا يجب التنبه لهذه المسألة، لكن مع هذا في نفسي من هذا شيء؛ لأن الآن يعتبر هذا الطائف قد جعل الكعبة عن يساره، والالتفات اليسير ما يُخْرِجُه عن كونه جعل الكعبة عن يساره.
طالب: ولو رجع؟
الشيخ: لا، إذا رجع ما فيه إشكال، لو رجع وجعل الكعبة عن يساره من المكان الذي انصرف فيه ما فيه شيء.
طالب: في الزحام ما يمكن الرجوع.
الشيخ: على كل حال، ينبغي أن يتحرز، يقف على الأقل وقوفًا ويلتفت برأسه إلى أهله.
طالب: الصلاة خلف الإمام في الصف العاشر أفضل أم في الصف الأول لكن في () الأسفل؟
الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ يقول: هل الأفضل أن يكون الإنسان في الصف العاشر لكنه بحذاء الإمام، أو في الصف الأول في طرفه بعيدًا عن الإمام؟
طلبة: في الأول.
الطالب: في الصف الأول في الخلوة أسفل.
الشيخ: يعني أيش؟ إذا لم يجد مكانًا في مكان الإمام ينزل.
الطالب: يعني أحيانًا أُخَيَّر بين أن أنزل في الصف الأول أو أكون ..
الشيخ: لا، وجودك في المكان الذي فيه الإمام أفضل.
الطالب: حتى لو ..
الشيخ: ولو في الصف العاشر.
طالب: شيخ، إن كان في الطواف حامل لطفل، والطفل لا شك عند الحمل يستدير، يكون يمينه إلى الكعبة، فهل يصح الطواف؟
الشيخ: أما التكرونيات فيسارها يسار لولدها.
الطالب: من الخلف.
الشيخ: لأنها تعمل من الخلف، ويساره يسار أمه، وأما اللي يحمله كما يحمله أكثر الناس الآن على اليد هو قد يكون يولي الكعبة ظهره إن كان على اليد اليسرى، وقد يولي الكعبة وجهه إذا كان على اليد اليمنى، وقد يمشي حسب الحمل القهقرى.
[ ١ / ٣٩٠٧ ]
فمثل هذه يجب أيضًا مراعاتها، ولا يمكن يتخلص منها إلا إذا حمل الولد على كتفه أو على كتفيه، بحيث يكون رجله اليمنى على الكتف الأيمن، ورجله اليسرى على الكتف الأيسر، ولهذا نقول في مثل هذه المواسم الحج أو العمرة لا ينبغي أن تكلف نفسك تخلي الأولاد يُحْرِمون، دعهم.
طالب: قلنا: إن مَن قصر الطواف خطوة واحدة لا يصح طوافه، قلنا: من بدأ الطواف بعد الخط الأسود الموازي للحجر الأسود بخطوة واحدة ساهيًا هل نقول: إن الطواف غير ..
الشيخ: الشوط الأول يُلْغَى، إذا بدأ من وراء الخط الأسود البني ولو بخطوة واحدة فإن الشوط الأول يُلْغَى.
الطالب: نقول له: الآن أَعِدْهُ؟
الشيخ: متى؟ الآن؟
الطالب: بعدما انتهى من العمرة.
الشيخ: بعدما انتهى من العمرة، إي نعم، نقول: أَعِدْهُ ثم أَعِد السعي.
طالب: قلنا: إن الركنين الشاميين ما يشرع استلامهما؛ لأنهما ليسَا على قواعد إبراهيم، لو فرض يا شيخ أنه بُنِيَت الكعبة على قواعد إبراهيم يُشْرَع استلامهما.
الشيخ: نعم، لو بُنِيَت لسُنَّ استلامهما.
طالب: شخص يا شيخ حج عن أبيه الذي مات تطوعًا، حجه مشروع؟
الشيخ: إي، لا بأس، ما فيه مانع، كما لو تصدق عنه، لكن لو قال: أيما أفضل؛ أن أحج عنه أو أن أدعو له؟ قلنا: الدعاء له أفضل.
طالب: ما الأفضل في الطواف، هل قراءة القرآن، أم الدعاء، أم التسبيح؟
الشيخ: ما تراه أنفع لقلبك فافعله؛ لأن الطواف مكان ذِكْر، فما تراه أنه أنفع لقلبك من الخشوع والخضوع فافعله، إلا ما ورد مثل: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، في محلها أفضل.
***
طالب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمنا الله وإياه: وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، أَوْ نُسُكَهُ، أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان، أَوْ جِدَارِ الحِجْرِ، أَوْ عُرْيَان، أَوْ نَجِسٌ، لَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ خَلْفَ المَقَامِ.
[ ١ / ٣٩٠٨ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا الكلام على طواف القدوم، وأنه يُسَنُّ فيه للرجل شيئان؛ الأول: الاضطباع في جميع الطواف، والثاني: الرمَل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، ولا يُسَنُّ الاضطباع في غير الطواف، وما نشاهده من عامة الحجيج اليوم حيث يضطبعون من حين الإحرام إلى أن يحلوا فإنه ليس مبنيًّا على سُنَّة، ولا على كلام أحد من أهل العلم.
نعم، بعض العلماء قال: يكون الاضطباع في الطواف، ويكون الاضطباع كذلك في السعي بعده، ولكن الصحيح أنه في الطواف فقط، أما كونه من أول أن يُحْرِم حتى يحل فهذا لا أصل له.
وسبق لنا الحكمة من الرمَل، وأن أصله إغاظة المشركين، وسبق أن عمر ﵁ قال: إننا قد أعزَّنَا الله، ففيمَ الرمَل إذن؟ ثم إنه ﵁ استدرك فقال: شيء فعله رسول الله ﵌ لا بد أن نفعله.
وهذا لا شك فيه، فإن الرسول ﵊ رَمَل في حجة الوداع، ورمل جميع الأشواط الثلاثة، بخلاف الرمَل في عمرة القضاء، فإنه رمَل من أين؟ من الْحَجَر إلى الركن اليماني، لكن في حجة الوداع رَمَلَ من الْحَجَر إلى الْحَجَر، وهذا هو الصحيح.
ولا مانع أن يكون الشيء مشروعًا لسبب قد زال، كما شُرِعَ السعي في الوادي في المسعى مع أنه شيء قد زال، كما سيأتينا إن شاء الله.
قال المؤلف ﵀: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، أَوْ نُسُكَهُ، أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان أَوْ جِدَارِ الحِجْرِ، أَوْ عُرْيَانٌ، أَوْ نَجِسٌ، لَمْ يَصِحَّ)، هذه مسائل بَيَّنَ فيها المؤلف أنها كلها تُفْسِد الطواف، الأولى: مَن ترك شيئًا من الطواف، (شيئًا) نكرة في سياق؟
طلبة: الشرط.
[ ١ / ٣٩٠٩ ]
الشيخ: الشرط، مَن تَرَكَ، فتعم، فتشمل لو ترك خطوة واحدة أو شبرًا واحدًا من الطواف فإنه لا يصح.
لكن إذا تركه من شوط، وذكر المتروك في أثناء الطواف، فإنه يُلْغَى الشوط الذي ترك منه ذلك، ويقع ما بعده بدلًا عنه.
وقوله: (وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوافِ) يعني مَنْ تيقَّنَ الترك، أما مَن شك فإنه يُنْظَر؛ إما أن يشك بعد الفراغ والانصراف عن محل الطواف، وإما أن يشك في أثناء الطواف؛ إن شك في أثناء الطواف فهل يبني على اليقين أو على غلبة الظن؟
في ذلك خلاف، كالخلاف فيمن شك في عدد الركعات في الصلاة، فمن العلماء مَن قال: يبني على غلبة الظن، ومنهم من قال: يبني على اليقين.
مثال ذلك: في أثناء الطواف شك هل طاف خمسة أشواط، أو ستة أشواط، فإن كان الشك متساوي الأطراف جعلها خمسة؛ لأنها المتيقَّن، وإن ترجَّح أنها خمسة جعلها خمسة، وإن ترجَّح أنها ستة؛ فمن العلماء من يقول: يَعْمَل بذلك ويجعلها ستة، ومنهم من قال: يبني على اليقين ويجعلها خمسة.
والصحيح أنه يجوز أن يعمل بغلبة الظن كالصلاة، وعلى هذا فيجعلها ستة، ويأتي بالسابع، هذا ما دام متلبِّسًا بالعبادة.
أما بعد أن ينصرف عن مكان الطواف فإن الشك لا يؤثِّر، ولا يُلْتَفَتُ إليه، ما لم يتيقن الأمر.
مثال ذلك: رجل انصرف من الطواف على أنه أتمَّ طوافه، ثم شك هل طاف سبعًا أو ستًّا، نقول له: لا تلتفت لهذا الشك؛ لأن الشيطان ربما يأتي الإنسان بعد فراغه من العبادة ليُلَبِّس عليه دينه، فيُشَكِّكَه، ولو أن الإنسان التفت إلى مثل هذا الشك لفسدت عليه عباداته، وصار دائمًا في قلق، وانفتح عليه باب الوسواس.
[ ١ / ٣٩١٠ ]
أقول: إن الإنسان لا يلتفت إلى الشك بعد الفراغ من العبادة؛ لأن ذلك يفتح عليه باب الوسواس والقلق، والشيطان يحرص على أن يكون الإنسان دائمًا في قلق، دائمًا في حزن، ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُدْخِل عليهم الحزن، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠].
فإن تيقَّنَ أنه ناقص شوطًا، فحينئذ يعمل باليقين، ويرجع ويأتي بالشوط، لكن في الغالب أن هذا لا يقع، الغالب أن الإنسان بعد أن يُتِمَّ الطواف وينصرف ويصلي ركعتين، الغالب أنه لا يتيقن أنه نقص، لكن إذا فرضنا ذلك وجب عليه أن يرجع ويأتي بالشوط السابع.
قال المؤلف: (أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)، يعني: لم يَنْوِ الطواف، وإنما جعل يدور حول الكعبة ليتابع مَدِينًا له يطلبه دينًا، أو لأي غرض من الأغراض، فإنه لا يصح طوافه، لماذا؟ لقول النبي ﵌: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٣)، وهذا لم يَنْوِ الطواف، بل نوى متابعة غريم، أو متابعة إنسان يريد أن يتكلم معه، ويمشي معه حتى ينتهي من طوافه، أو ما أشبه ذلك، نقول هذا لا يصح طوافه؛ لأنه لم يَنْوِهِ.
ولكن لو نوى الطواف مطلقًا دون أن ينويه للعمرة مثلًا، فهل يجزئ؟ في ذلك خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا يجزئ، بل يجب أن ينوي الطواف للعمرة، أو الطواف للحج، أو الطواف للوداع، أو الطواف تطوعًا؛ كطواف القدوم، وأما مجرد الطواف فلا يجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب؛ أنه لا بد أن يعيِّن الطواف.
[ ١ / ٣٩١١ ]
وقال بعض العلماء: إنه لا يُشْتَرَطُ التعيين، تُشْتَرَطُ نية الطواف، لكن لا يُشْتَرَطُ التعيين؛ لأن الطواف جزء من العبادة، فكانت النية الأولى محيطة بالعبادة بجميع أجزائها، وقاسَ ذلك على الصلاة، قال: الصلاة فيها ركوع، فيها سجود، فيها قيام، فيها قعود، فهل يجب أن يَنْوِيَ لكل ركن من أركانها نية مستقلة، أو تكفي النية الأولى؟ النية الأولى تكفي، وعلى هذا فإذا نوى العمرة كانت هذه النية شاملة للعمرة من حين أن يُحْرِم إلى أن يَحِلَّ منها.
فإذا جاء إلى البيت الحرام وطاف، وغاب عن قلبه أنه للعمرة أو لغير العمرة، فعلى هذا القول يكون الطواف صحيحًا، وهذا القول هو الراجح؛ أنه لا يُشْتَرَطُ تعيين الطواف ما دام متلبِّسًا بنُسُك؛ لأن هذا الطواف جزء من العبادة، فدخل في بقيتها.
وهذا في الحقيقة مع كونه الراجح نظرًا هو الأيسر بالناس؛ لأن الإنسان مع الزحام والضنك ربما يغيب عن ذهنه أنه نوى أن يطوف للعمرة مثلًا، فلو قلنا بالقول الأول الذي هو لا بد من تعيين الطواف للنسك المعيَّن لكان في هذا مشقة على الناس، أما إذا قلنا بالقول الراجح؛ أن نية العبادة تنسحب على جميع العبادة بجميع أجزائها، فلا شك أن هذا أيسر للناس.
وهذا نظير مسألة مرت علينا في الصلاة، وهي؟ اذكروها.
طالب: إذا دخل الإنسان في صلاة الظهر ولم يعيِّن هذه الصلاة، فعلى المذهب أنه لا بد التعيين وإلا صلاته تكون باطلة، وأما على القول الثاني فإنها تصح.
الشيخ: يعني لو دخل في صلاة الظهر بنية أنها فرض الوقت، وغاب عن ذهنه تعيين الظهر، فإن القول الراجح أنها تجزئ وتصح؛ لأنك لو سألت هذا الرجل: ماذا أردت بهذه الصلاة؟ لكان الجواب: الظهر، والإنسان قد يَذْهَلُ عن التعيين، وقد يأتي والإمام راكع مثلًا، فيدخل في الصلاة بسرعة، ولا يتمكن من تعيين النية.
[ ١ / ٣٩١٢ ]
قال: (أَوْ نُسُكَهُ)، يعني: أو لم يَنْوِ نسكه لم يصح، كيف نسكه؟ وهل هناك نسك بلا نية؟ نقول: نعم، الحج ينفرد عن العبادات الأخرى بأشياء كثيرة، منها: جواز تغيير النية، ومنها لزوم إتمامه ولو كان نفلًا، وله عدة أشياء يخالف غيره.
يجوز للإنسان أن يُحْرِمَ إحرامًا مطلقًا، فيقول: (لبيك) ولا يعيِّن لا عمرة ولا حجًّا، يقول: لبيك، مع الناس، لكن لا يجوز أن يطوف حتى يعيِّن؛ لأن الإحرام المطلَق صالح للعمرة وحدها، وللحج وحده، ولهما جميعًا، أفهمتم الإحرام المطلَق؟
الإحرام المطلق يقول: لبيك اللهم لبيك، قلنا: ماذا نويت؟ عمرة، حج، حج وعمرة؟ قال: ما نويت شيئًا، نويت الإحرام فقط، فهل إحرامه صحيح وينعقد؟ نعم ينعقد، إحرامه صحيح، وينعقد، يبقى يُلَبِّي، لكن إذا وصل إلى مكة وأراد الطواف فلا بد أن يعيِّن، يعين أيش؟ عمرة، حج، حج وعمرة.
ومن ذلك -أي من الإحرام المطلق- وإن كان فيه شيء من التعيين أن يقول: أحرمت بما أحرم به فلان، أو لبيك بما أحرم به فلان، يعني يكون هذا الرجل عنده شيء من الجهل، ويعرف أن فلانًا من أهل العلم والمعرفة قد حج، فيقول: لبيك بما أحرم به فلان، فهذا يصح، بماذا أحرم فلان؟ لا يدري، قد يكون أحرم بعمرة، أو بحج، أو بحج وعمرة، فنقول: إحرامك هذا صحيح، لكن لا بد أن تعلم بماذا أحرم قبل أن تطوف؛ ليقع طوافك بعد تعيين النسك الذي أردت.
[ ١ / ٣٩١٣ ]
ويدل لهذه المسألة الأخيرة حديث علي بن أبي طالب بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، وكذلك بعث أبا موسى فقدِمَا مكة والرسول ﵊ قد قدم قبلهما للحج، كلاهما قال: أحرمت بما أحرم به رسولك، فلبوا بما أحرم به الرسول ﵌، أما علي فقال له الرسول ﵊: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟»، قال: بما أَهَلَّ به رسول الله، قال: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ» (١٤)، فأشركه في هديه، وقال: لا تحل، ليش لا يحل؟ لأن معه الهدي، قد ساق الهدي، ومَن ساق الهدي لا يمكن أن يَحِلَّ.
أما أبو موسى فقال له: اجعلها عمرة، مع أن إحرامه حين أَهَلَّ بما أَهَلَّ به رسول الله ينعقد قِرَانًا، لكن قال: اجعلها عمرة؛ لأن أبا موسى لم يكن معه هَدْي.
فنأخذ من هذا أن الإنسان يجوز أن يُحْرِم بما أَحْرَم به غيره، ولكن لا بد أن يعيِّن قبل أن يطوف، ليقع طوافه في نسك معلوم، ولهذا قال المؤلف هنا: (أو نسكه)، هذه العبارة الصحيحة.
ولذلك قال المؤلف في الشرح: (بأن أحرم مطلقًا)، رجل أحرم مطلقًا ودخل وطاف على أنه طواف مطلَق، كما أنه إحرام مطلَق، فهل يصح طوافه؟ لا؛ لأنه لم يَنْوِ هذا النسك بعينه، فعلى أي شيء يبني؟ ! إذن لا بد من تعيين النسك قبل الشروع في الطواف، فإن لم يَنْوِ نسكه لم يصح.
[ ١ / ٣٩١٤ ]
(أَوْ طَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَان) الشاذروان هو السوار المحيط بالكعبة، سوار من أحجار من رخام محيط بالكعبة، وكان من قبل مسطَّحًا يمكن أن يطوف عليه الناس، فإذا طاف عليه الإنسان فإنه لا يصح طوافه؛ لأن الشاذروان من البيت من الكعبة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ﴿بِالْبَيْتِ﴾ لم يقل: في البيت، لو قال: في البيت، صح الطواف من دون الْحَجَر وعلى الشاذروان، لكن قال: بالبيت، والباء للاستيعاب، وعلى هذا فإذا طاف على الشاذروان فإن طوافه لا يصح، لماذا؟ لأن الشاذروان من الكعبة، والطواف واجب بجميع الكعبة.
لكن بعض الخلفاء جزاه الله خيرًا جعله مُسَنَّمًا كما تشاهدون الآن، لا يمكن الطواف عليه، من صعد عليه ليطوف زلق؛ لأنه مَزَلَّة، فكفى الله المؤمنين القتال.
لكن لو فُرِضَ أن رجلًا أحمق قال لصاحبه: امش معي وأنا بأعتمد على كتفك، وأطوف على الشاذروان، هل يصح؟ لا يصح؛ لأنه من البيت، وهذا ربما يقع في أيام الزحام، فيطوف الإنسان على الشاذروان ويتكئ على أكتاف الناس، لكنه -والحمد لله- لم يحصل، فيما نعلم أنه لم يحصل؛ لأنه ربما يكون هناك جنود يمنعون من مثل هذه الصورة.
وقال شيخ الإسلام ﵀: بل يصح الطواف على الشاذروان؛ لأن الشاذروان ليس من الكعبة، بل هو كالعتبة تكون على سور البيت، وقد جُعِلَ عمادًا للبيت، فليس منه، وعلى هذا يجوز الطواف عليه.
ولكن في الوقت الحاضر لا يمكن الطواف عليه لما علمتم من صفة بنائه.
(أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ) جدار الحِجْر أو الْحَجَر؟ الْحِجْر.
طالب: ().
الشيخ: الآن الطواف عليه غير ممكن.
طالب: ().
الشيخ: لو أمكن فإذا طاف عليه إنسان وجاء يسأل فيسفتح الله علينا ونرجِّح.
[ ١ / ٣٩١٥ ]
قال: (أَوْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الحِجْرِ)، الْحِجْر معروف؛ هذا البناء المقوَّس من شمالي الكعبة، ويسمى عند العامة حِجْر إسماعيل، وسبحان الله أن يكون حجر إسماعيل وإسماعيل لم يعلم به! وقد بُنِيَ بعده بأزمان كثيرة؛ لأن سبب بنائه كما ثبت في الصحيح أن قريشًا لما بنت الكعبة قصَّرت بهم النفقة، وقد أجمعوا على أن يكون البناء من كسب طيِّب، فقصَّرت بهم النفقة، فقالوا: لا بد أن نبني البعض وندع البعض، فأي شيء يَدَعُونه؟ رأوا أن أنسب شيء يَدَعُونه أن يكون من الناحية الشمالية، ففعلوا، وجعلوا هذا الجدار، وسُمِّيَ الْحِجْر لأنه مُحَجَّر.
وقد قال النبي ﵌ لعائشة: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ لَبَنَيْتُ الْكَعْبَةَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ؛ بابًا يَخْرُجُ مِنْهُ النَّاسُ، وَبَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ» (١٥)، ولكن ترك ذلك خَوْفًا من الفتنة، إلَّا أن الله ﷾ حقَّق ما أراد الرسول ﵊ بدون مَضَرَّة، لو أنها بُنِيَت على قواعد إبراهيم، وجُعِلَ لها بابٌ يدخل منه الناس، وبابٌ يخرج منه، لهلك الناس، ولا سيما في الأزمنة الأخيرة، حيث يتقاتلون على ما هو دون الكعبة بكثير، ما ظنكم لو دخل الناس من هذا الباب، والكعبة مسقوفة وضَيِّقَة، ماذا يكون؟ الناس يُهْلِك بعضهم بعضًا، لكن حصل مراد الرسول ﵊ بهذا الْحِجْر، فجُعِلَ للحِجْر، وهو من الكعبة، جُعِلَ له بابان؛ باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، مع كونه مكشوفًا فضاء لا يضر، وهذا من حكمة الله ﷿ ورحمته.
[ ١ / ٣٩١٦ ]
لما تولى خلافة الحجاز عبد الله بن الزبير ﵁ هدم الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم؛ لأن السبب الذي منع الرسول ﵊ من بنائه على قواعد إبراهيم قد زال، وتوطَّد الإيمان في القلوب، فهدمها ﵁، وجعل يأتي بالناس ويُشْهِدُهم على الأساسات الأولى التي هي على قواعد إبراهيم، وبناها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين؛ بابًا يدخل منه الناس، وبابًا يخرجون منه.
ثم إنها هُدِمَت في عهد عبد الملك بن مروان، وأعيدت على ما كانت عليه في الجاهلية، بعد أن استُشْهِدَ عبدُ الله بن الزبير ﵁، ولما تولى الرشيد أظن أراد أن يعيدها على قواعد إبراهيم، فاستشار بذلك العلماء، فقالوا: لا تجعل بيت الله مَلْعَبَةً للملوك، كلما مَلَك مالك قال: أُغَيِّر إلى كذا، فتركه وبقي على ما هو عليه إلى الآن، والحمد لله.
إذا طاف على جدار الْحِجْر لم يصح، وإن طاف من دون جِدَار الْحِجْر من الداخل من باب أولى.
وظاهر كلام المؤلف أنه لو طاف على جِدَارِ الْحِجْر الذي ليس من الكعبة فإنه لا يصح، هذا ظاهره؛ لأن الْحِجْر ليس كله من الكعبة، ليس من الكعبة إلا مقدار ستة أذرع وشيء، وقرَّبَه بعضهم فقال: إذا ابتدأ الانحناء في الْحِجْر، فمن بداية الانحناء يكون خارج الكعبة، ومن المستوي يكون داخل الكعبة.
وعليه فنقول: إنه لا يصح الطواف على جدار الْحِجْر حتى في الجانب الخارج من الكعبة؛ لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فيكون هذا الزائد تابعًا للأصل.
يقول: (أو طاف عريانٌ) يعني طاف وهو عريان فإنه لا يصح طوافه؛ لأمر النبي ﵌ أن ينادَى في الناس «أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ -يعني العام التاسع- وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (١٦).
[ ١ / ٣٩١٧ ]
وكان الناس في الجاهلية إن حصلوا على ثياب من قريش أخذوها عارية أو شراء أو هدية فطافوا بها، وإلا فلا، على أن بعض العرب أيضًا، وإن كانوا من قريش، يقول: لا نطوف بثيابنا؛ لأنها ثياب عصينا الله فيها، فلا نطوف، نقول: إذا طفتم عراةً فهي ثياب عصيتم الله بها، أي: بخلعها.
وكانت المرأة تأتي تطوف عارية، وتضع يدها على فرجها، وترتجز في الطواف تقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تُشِيرُ إِلَى الْفَرْجِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
صقيعة، يعني: ما بَدَا منه فلا أُحِلُّ لأحد أن ينظر إليه، لا أُحِلُّه، الناس بيطيعونها، الله أعلم، على كل حال هذا من الجهل.
أما الإسلام -ولله الحمد- لا يطوف بالبيت عريان، ومن المعلوم أنه لا أحد يطوف خالعًا ثيابه.
لكن قد يطوف وهو لم يُسْتَر الستر الواجب، ولنفرض أن عليه ثيابًا رقيقة، وعليه سراويل لا تصل إلى الركبة، فيطوف، نقول: هذا الرجل لا يصح طوافه، لماذا؟ لأنه لم يستر عورته؛ إذ لا بد في الستر من السرة إلى الركبة.
يقول: (أو نجس) كيف نجس؟ يعني أصابته نجاسة في ثوبه أو بدنه، فإن الطواف لا يصح؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، وكما لا تصح الصلاة مع النجاسة فكذلك الطواف.
ولأن الله تعالى أمر بتطهير بيته للطائفين، والقائمين، أو العاكفين، والركع السجود، فإذا أمر بتطهير المكان، أي مكان الطائف الذي هو منفصل عنه، فتطهير ملابسه المتصلة به من باب أولى، وعلى هذا فلا يحل أن يطوف بثوب نجس، أو يطوف وهو متنجِّس البدن، بل لا بد أن يغسل النجاسة من ثوبه وبدنه.
قال في الشرح: أو محدِث، يعني: وكذلك لا يجوز أن يطوف وهو مُحْدِث حدَثًا أصغر أو أكبر، وما هو الدليل؟ الدليل حديث ابن عباس المشهور: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» (١٧).
[ ١ / ٣٩١٨ ]
لكن جزم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله ﵌، وإنما هو موقوف عن ابن عباس من قوله.
فإذا قال قائل: وقول ابن عباس ألَّا يكون حجة؟ لأنه إما مرفوعًا وإما موقوفًا؛ إن كان مرفوعًا فهو حجة لرفعه، وإن كان موقوفًا فهو حجة؛ لأنه قول صحابي؟
فالجواب: أن قول الصحابي يكون في حكم الرفع إذا كان ليس فيه مجال للاجتهاد.
طالب: أحسن الله إليك، استدل () بقصة عبد الرحمن بن أبي بكر مع عائشة بأنه بالقياس إذا أرادوا أن يخرجوا أيضًا يخرجون من الحل، مع أن ظاهر القصة أنه للحاجة، فلماذا يا شيخ لا نقول بجواز للقارِن أن يشتري الْهَدْي من مكة، ولا يلزمه أن يسوقه بقصة علي بن أبي طالب لما رجع من اليمن وهو لم يَسُق الهدي، الهدي وُجِدَ مع النبي ﷺ؟
الشيخ: لا، هو معه هدي.
طالب آخر: السؤال يا شيخ.
الشيخ: السؤال يقول: إن علي بن أبي طالب ﵁ لم يَسُق الهدي، فلماذا أمره النبي ﷺ ألَّا يحل، قال: إن معي الهدي، فلا تحل؟ نقول: هو قد أتى ببعض الهدي من اليمن.
طالب: عَلِيّ؟
الشيخ: عَلِيّ، نعم.
طالب: بالنسبة للذي نوى الطواف في أثناء الطواف أحد الأشواط، يعني ما نوى أنه يكون الطواف هذا إلا يتبع غريمًا مثلًا أو شخصًا، أثناء الطواف عرضت له نية أخرى.
الشيخ: ويش النية الأخرى؟
طالب: مثلًا يتبع غريمًا أو يكلِّم شخصًا.
الشيخ: إي، لكن النية الأولى باقية لا بأس، حتى لو نوى الطواف ومتابعة الغريم فلا بأس إذا نواهما جميعًا.
طالب: شيخ، قلنا في أثناء الشرح: إن الحكمة من الاضطباع في الطواف بالبيت أن الإنسان يُظْهِر الجلَد يا شيخ، يعني إظهار الجلد في السعي من باب أولى؛ لأنه أطول وأكثر مشقة، نحن قلنا: لا يضطبع فيه، أليس ()؟
[ ١ / ٣٩١٩ ]
الشيخ: أنا ما أدري هل نحن نُدَرِّس طلبة علم ولا عوَامّ، كانت قريش شمالي الكعبة ليست إلى المسعى، والمقصود من الاضطباع في الطواف هو إظهار الجلَد أمامهم والقوة والنشاط، لما رأوا الأمر هكذا لعلهم غادروا المكان، يمكن غادروا المكان، أو أنهم لا يَطَّلِعُون على أهل المسعى.
طالب: شيخ، الشاذروان ما نقول فيه ()؟
الشيخ: لا، ما نقول فيه على رأي شيخ الإسلام: إذا كان أنه جُعِلَ عمادًا للبيت فقط وليس منه ما يدخل.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو نسي شوطًا ولم يتيقن إلا بعد أن سعى وحلَّ من العمرة؟
الشيخ: تريد المعتمِر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: إذا لم يعلم أنه ترك الشوط إلا بعد أن سعى وحَلَّ نقول: ارجع البس ثياب الإحرام وأَعِد الطواف من الأول، وأعد السعي وقَصِّر مرة ثانية؛ لأن ما وقع بعد الطواف مبني عليه، وقد تَبَيَّن أن الطواف لم يصح، والمبني على الفاسد فاسد.
طالب: ما نقول يعيد شوطًا واحدًا فقط؟
الشيخ: لا، نقول هذا لفوات الموالاة وتداخل العبادات.
الطالب: ولو كان قريبًا يا شيخ تذكِّره بعد السعي مباشرة؟
الشيخ: كيف يكون قريبًا وهو سعى السعي، كم مدته؟ سبعة أشواط طويلة، ثم كما قلت لك الآن: لفوات الموالاة وتداخل العبادات لا يمكن.
طالب: شيخ، قلنا في مسألة مَن لم يَنْوِ نُسُكَه عند الإحرام ما يرجع إلى ما كان في ذهنه قبل أن يصل إلى الميقات.
الشيخ: لا، هو الرجل ما نوى شيئًا أبدًا.
طالب: لا، إذا كان لديه نية قبل الميقات.
الشيخ: إذا كان لديه نية قبل الميقات ولم يفسخها.
الطالب: بس ما استحضرها.
الشيخ: أقول: ولم يفسخها.
الطالب: كيف ولم يفسخها؟
الشيخ: إي نعم () على النية الأولى.
الطالب: لا ما ().
الشيخ: فيبنى على النية الأولى؛ لأن الأصل استصحاب الحكم.
الطالب: أقول يا شيخ: ما يقال إعادة الطواف؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني هو طاف ما استحضر النية.
الشيخ: لكن بنى على أصل لم يثبت زواله.
[ ١ / ٣٩٢٠ ]
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، كثير من الناس اليوم إذا ما () يعني يدخل في الحج ولا ينوي أي شيء، يعني العوام ما يدري هل هو مُفْرِد أو متمتِّع أو ..
الشيخ: هذا أشبه ما له الذي يقول: أحرمت بما أحرم به فلان؛ لأنه يتبع إخوانه اللي مشوا.
الطالب: لا يكون، ما يدري مثلًا ().
الشيخ: الذي نرى أن هذا يُفْتَى بأن إحرامه صحيح؛ لأنه عيَّن ما أراد إخوانه أصحابه اللي معه.
طالب: الطواف أو السعي راكبًا هل لا بد أن يكون من عذر؟
الشيخ: إي نعم، هذا فيه خلاف بين العلماء.
الطالب: الراجح؟
الشيخ: السؤال يقول: هل يجوز الطواف راكبًا أو السعي راكبًا، الركوب متعذر اليوم، لكن يمكن يكون محمولًا أو على عربية، فهذه فيها خلاف بين العلماء.
ثم يُصَلِّي رَكعتينِ خَلْفَ الْمَقامِ.
(فصلٌ) ثم يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ، ويَخْرُجُ إلى الصفا من بابِه فيَرْقَاه حتى يَرَى البيتَ ويُكَبِّرُ ثلاثًا ويَقولُ ما وَرَدَ، ثم يَنْزِلُ ماشيًا إلى العَلَمِ الأَوَّلِ، ثم يَسْعَى شديدًا إلى الآخَرِ، ثم يَمْشِي ويَرْقَى الْمَروةَ ويَقولُ ما قالَه على الصَّفَا، ثم يَنزِلُ فيَمْشِي في مَوْضِعِ مَشْيِه ويَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيِه إلى الصفا يَفعلُ ذلك سبعًا: ذهابُه سَعيةٌ ورُجوعُه سَعيةٌ، فإن بَدَأَ بالْمَروةِ سَقَطَ الشوطُ الأَوَّلُ، وتُسَنُّ فيهُ الطهارة والستارةُ والْمُوالاةُ، ثم إن كان مُتَمَتِّعًا لا هَدْيَ معه قَصَّرَ من شَعْرِه وتَحَلَّلَ، وإلا حَلَّ إذا حَجَّ والْمُتَمَتِّعُ إذا شَرَعَ في الطوافِ قَطَعَ التَّلبيةَ.