(النقدين) تثنية (نقد)؛ بمعنى منقود؛ لأن النقد هو الإعطاء، والذهب والفضة ليسا إعطاء، ولكنه معطًى، فالنقد بمعنى المنقود، والمراد به الذهب والفضة، وعلى هذا فالفلوس ليست نقدًا في اصطلاح الفقهاء؛ لأنها ليست ذهبًا ولا فضة، ومن ثم اختلف العلماء هل فيها ربًا أو ليس فيها ربًا؟ وهل فيها الزكاة مطلقًا، أو هي عروض؛ إن نوى بها التجارة ففيها الزكاة، وإلا فلا؟
فهاهنا مسألتان عظيمتان مهمتان، الأولى: هل فيها الزكاة مطلقًا، وأنها في حكم النقد، أو لا ما لم يعدها للتجارة؛ لأنها عروض؟ هذه مسألة.
المسألة الثانية: هل يجري فيها الربا أو لا يجري فيها الربا؟ وكلاهما مسألتان عظيمتان يحتاجان إلى تحليل عميق. ومن المعلوم أن الأوراق النقدية تعتبر من الفلوس أو من النقدين؟ من الفلوس.
(باب زكاة النقدين)
يَجِبُ في الذَّهَبِ إذا بَلَغَ عشرينَ مِثقالًا، وفي الفِضَّةِ إذا بَلَغَتْ مائَتَيْ دِرهمٍ ربعُ العُشْرِ منهما، ويُضَمُّ الذهَبُ إلى الفِضَّةِ في تكميلِ النِّصابِ، وتُضَمُّ قِيمةُ العُروضِ إلى كلٍّ منها، ويُباحُ للذَّكَرِ من الفِضَّةِ الخاتَمُ
هذا التفصيل إن كان صاحب الأرض استأجره ليحفر عنه فهو لصاحب الأرض، وإن كان استأجره ليحفر بئرًا ثم وجده هذا العامل فهو للعامل «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١).
[ ١ / ٢٩٩٢ ]
طالب: الراجح ()؟
الشيخ: الراجح أنه يصرف مصرف الفيء، وإحنا ذكرنا ثلاثة أوجه تدل على أن الراجح قول من يقول: إنه يصرف مصرف الفيء.
***
[باب زكاة النقدين]
(باب زكاة النقدين) النقدين: تثنية نقد بمعنى منقود؛ لأن النقد هو الإعطاء، والذهب والفضة ليس إعطاء ولكنه معطى، فالنقد بمعنى المنقود، والمراد به الذهب والفضة، وعلى هذا فالفلوس ليست نقدًا في اصطلاح الفقهاء؛ لأنها ليست ذهبًا ولا فضة، ومن ثم اختلف العلماء هل فيها ربا أو ليس فيها ربا؟ وهل فيها الزكاة مطلقًا أو هي عروض؛ إن نوى بها التجارة ففيها الزكاة وإلا فلا؟
فهاهنا مسألتان عظيمتان مهمتان:
الأولى: هل فيها الزكاة مطلقا وأنها في حكم النقض أو لا، ما لم يعدها للتجارة؛ لأنها عروض؟ هذه مسألة.
المسألة الثانية: هل يجري فيها الربا أو لا يجري فيها الربا؟ وكلاهما مسألتان عظيمتان يحتاجان إلى تحرير عميق، ومن المعلوم أن الأوراق النقدية تعتبر من الفلوس أو من النقدين؟
طلبة: من الفلوس.
الشيخ: من الفلوس؛ لأنها عوض عن النقدين تصرف بها النقدان، فمن قال: إن الفلوس عروض قال: لا تجب الزكاة فيها ما لم تعد للتجارة، وعلى هذا فلو كان عند الإنسان مليون قرش أو مليون المليون من القروش فليس عليه زكاة، ولو أنه أبدل عشرة بعشرين من هذه الفلوس فهو جائز، سواء قبضها في مجلس العقد أو تأخر قبضها، كما لو أبدل ثوبًا بثوبين فإنه جائز، ولو تأخر القبض.
لكن هذا القول لو قلنا به لكان مشكلًا، لكان أكثر التجار اليوم الذين عندهم سيول الدراهم لا زكاة عليهم، ولكانت البنوك ليست ربوية؛ لأنها غالب ما تتعامل به هو بهذه الأوراق النقد العملة الموجودة. وقد قرأت رسالة عنوانها: إقناع النفوس بإلحاق عملة الأنواط بعملة الفلوس، الأنواط هي الورق، لكن هذا القول لا أظن أن قدم عالم يستقر عليه؛ لما يلزم فيه من هذا اللازم الباطل؛ أن لا ربا بين الناس اليوم؛ لأن غالب تعاملهم بأيش؟
طلبة: بالأوراق.
[ ١ / ٢٩٩٣ ]
الشيخ: بالأوراق النقدية، وأن لا زكاة على من يملك مليون الملايين من هذه الأوراق، ما لم يعدها في التجارة.
القول الثاني: أنها -أي هذه الفلوس- بمنزلة النقد في وجوب الزكاة، وأنه لا بد من زكاة؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، والأموال المعتمدة الآن هي هذه الأموال، وقول النبي ﵊ لمعاذ بن جبل: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ» (٢)، فهي مال، والناس جعلوها بمنزلة النقد، ولا تختلف عن النقد في شيء، فالزكاة فيها واجبة لا إشكال فيها. بقي عندنا مسألة الربا، من قال: إنها عروض ماذا يقول؟
طلبة: ().
[ ١ / ٢٩٩٤ ]
الشيخ: لا يجري فيها الربا، لا ربا الفضل ولا ربا النسيئة، كما أن العروض تبديل الثوب بالثوبين أو بالثلاثة أو بالعشرة، والبعير بالبعيرين ليس فيه بأس، سواء تعجل القبض أو تأجل، فكذلك هذه الدراهم العملات بعضها ببعض ليس فيها ربا، يجوز أن آخذ منك مئة دولار بأربع مئة ريال إلى سنة، أو ألف ريال بألف ومئتين إلى سنة؛ لأنه لا يجري فيها الربا، وهذا القول أيضًا فيه نظر؛ لأن الناس الآن يرون أن هذه العملات بمنزلة أيش؟ النقد، لا يفرقون فيها إلا تفريقًا ضئيلًا، ومنهم من يرى أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، فيقول: إن أبدلت بعضها ببعض مع تأخر القبض فهذا حرام، سواء أبدلتها بالتماثل أو بالتفاضل، وإن أبدلت بعضها ببعض نقدًا تقبضها في مجلس العقد فهذا جائز مع التفاضل ومع التساوي، وهذا هو أقرب الأقوال في هذه المسألة، لا سيما مع خلاف الجنس، كصرف الريالات من المعدن بالريالات من الورق، فإن نفسي طيبة بجواز ذلك، وليس عندي في ذلك إشكال بأنه جائز، وقد اختلف فيه علماؤنا المعاصرون هل يجوز أو لا؟ فذهب بعضهم إلى التحريم، وقال: إن الريال المعدن هو ريال الورق، لا فرق بين هذا وهذا، وقال آخرون: بل بينهما فرق؛ لأن الجنس مختلف حقيقة وقيمة، وتسويتهما في القيمة باعتبار تقويم الدولة. قال: والدليل على ذلك لو جئت بمئة كيلو من هذا المعدن، ومئة كيلو من الورق، هل تختلف القيمة فيهما أو لا؟
طلبة: تختلف.
[ ١ / ٢٩٩٥ ]
الشيخ: تختلف، الحديد يشترى لذاته، والورق ليس له قيمة لولا تقدير الدولة له لم يكن له قيمة إطلاقًا. قالوا: فلما اختلف الجنس واختلفت الحقيقة واختلفت القيمة فإنه لا بأس به؛ لقول النبي ﵊: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٣)، وبعض علمائنا يقول بالتحريم؛ لأن المقصود فيهما واحد، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، والدولة جعلت قيمتهما اعتبارية متساوية.
وكان الشيخ عبد العزيز بن باز -وفقه الله ورحمنا وإياه- مع اللجنة الدائمة قد أصدروا فتوى بالتحريم، ثم إن الشيخ حدثنا في جلسة هيئة كبار العلماء في الطائف هذه الأيام قال: كنت أقول بالتحريم ولكني توقفت فيه، توقفت هل يحرم أو لا يحرم؟ أما أنا فإن نفسي طيبة بجوازه، وليس عندي فيه شك.
وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي -﵀- يجوِّز ذلك، بل يجوز أكثر من هذا، يرى أنه يجوز التفاضل مع تأخر القبض، بشرط ألا يشترط أجلًا معينًا، يعني مثلًا لو أعطيتك مئة () مدة عوضًا عنها أو أكثر فإن ذلك لا بأس به، بشرط ألا يشترط الأجل، فيقول: أعطيتك مثلًا مئة بمئة وعشرة إلى سنة، فإن هذا ممنوع عند شيخنا عبد الرحمن، لكن الذي يظهر لي أنا أن تأخير القبض ممنوع، سواء بتأجيل أو بغير تأجيل، وأما التفاضل فلا بأس به.
إذن نعود إلى مسألة الزكاة، القول الراجح في هذه العملات أن الزكاة أيش؟
طلبة: واجبة.
الشيخ: واجبة فيها مطلقًا، سواء قصد بها التجارة أو
لا، وعلى هذا لو كان الإنسان عنده مال يجمعه ليتزوج به فهل عليه الزكاة فيه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من هذه النقود؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، أو عنده مال من النقود يشتري به بيتًا، نعم تجب عليه الزكاة، أو يقضي به دينًا تجب عليه الزكاة إلا على قول من يقول: إن الدين () الزكاة بقدره، لو كان يجمع دراهم من أجل أن يحج بها عليه زكاة؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٢٩٩٦ ]
الشيخ: عليه زكاة لو كان يجمع دراهم من أجل أن يزكيها.
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: نعم من باب أولى، الرجل هذا قصد الزكاة جزاه الله خيرًا، وهنا نسأل هل يجب على الإنسان أن يجمع الدراهم ليزكي؟ هذه مسألة عارضة، هذه جملة معترضة، هل يجب أن يجمع الأموال ليزكيها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل يجب عليه إذا تم الحول على نصاب من الدراهم أن يزكي؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما الفرق؟ يقولون: الفرق أن ما لا يتم الوجوب إلا به.
طلبة: فهو واجب.
الشيخ: فليس بواجب، لا، ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فتحصيل المال ليزكي هذا تحصيل لتجب الزكاة، ومثله أيضًا الحج هل نقول: يجب على الإنسان أن يجمع ليحج أو نقول: إذا كان عنده مال فليحج؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، أما الأول ما يجب.
طالب: ().
الشيخ: للركاز.
الطالب: ().
الشيخ: لكن ما أودع في الأرض فليس تبعًا لها.
الطالب: ().
الشيخ: لا.
الطالب: ما هو ().
الشيخ: ما () لأن المودع في الأرض منفصل عنها لا يتبعه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل ترى وجوب الزكاة في البترول؟
الشيخ: إي، هل نملك البترول؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أنا أملكه؟
الطالب: لا، ما نملكه () في أرضنا.
الشيخ: من يملكه؟
الطالب: الحكومة أصلًا.
الشيخ: الحكومة هي تقول هذا ليس لي، هذا للمصالح العامة، انتهى. الذي من المصالح العامة ما فيه زكاة.
الطالب: فإذا كان بعض العلماء أوجبه يا شيخ في الحديد والكبريت والبترول.
الشيخ: ما يخالف، المعادن هذه اللي تكون في ملكه الخاص.
الطالب: هل يتصور () بيته بترول؟
الشيخ: يتصور، كيف لا يتصور؟ أنا أخشى أن يأتي يوم من الأيام يقول: لا تبن هذا البيت حتى تراجع وزارة البترول، يمكن يصير.
الطالب: ().
الشيخ: أما الآن شوف الآن الأملاك الكبيرة هذه المزارع الآن صدر قرار أخيرًا بأنه ما يمكن أحد يعطى ورقة إحياء إلا بعد مراجعة وزارة البترول.
[ ١ / ٢٩٩٧ ]
الطالب: () يخافون () نفط.
الشيخ: إي يخافون نفط أو غيره ما ندري ().
طالب: ()؟
الشيخ: ما فيه شيء.
الطالب: ()
الشيخ: من؟
الطالب: ().
الشيخ: أنت الآن يصلح منك أنت؟
الطالب: لا يا شيخ، ().
الشيخ: تقول إذا قال: أنا أراه أنه ليس بربا فقل: بارك الله لك في بيعك، ادعوالله له.
طالب: إذا كان يا شيخ () في الجاهلية وكان صاحبه قد () صاحبه أسلم؟
الشيخ: يعني معلوم صاحبه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، هو إذا علم صاحبه فهو له، إلا إذا كان صاحبه حربيًّا.
الطالب: نعم.
الشيخ: أما إذا أسلم فهو له.
الطالب: وإذا كان كافرًا؟
الشيخ: إذا كان كافرًا حربيًّا فليس له.
الطالب: ().
الشيخ: إذا كان له عهد فهو له.
طالب: ().
الشيخ: لكن أمريكا الآن هل تعتبر دولة حربية الآن ولّا لا؟
طلبة: ().
الشيخ: لا أبدًا ما هي دولة حربية.
طالب: ().
الشيخ: لا ما فيها خلاف متفق عليه، لا ما نعتبرها حربية حقيقة، إحنا نعتبرها عدوة لا شك، ولكن ما نعتبر أنها حربية، الله المستعان، ما هو بالرسول عاهد قريش وهم أعداء له، مخرجونه من بلده وعاهدهم وصاروا معاهدين.
طالب: () الصرب؟
الشيخ: الصرب حربيون، لا شك اللي يحارب جزءًا من المسلمين () المسلمين كلهم.
الطالب: بس بيعنوهم هم يا شيخ.
الشيخ: ما ().
الطالب: () الحرب الباردة يا شيخ.
الشيخ: نعم يا أخي.
طالب: بالنسبة () والأوراق النقدية هذه قمتها الشرائية واحدة.
الشيخ: ما يخالف ما فيه مانع الكلام على قيمتها الذاتية.
الطالب: حتى يا شيخ أكرمك الله إن الأوراق ما تشترى لذاتها حتى () يا شيخ لو كان حديدة ().
الشيخ: لا، لو فرضنا حديدة ما صار لها هذه القيمة الشرائية لكن يصير لها قيمة غير قيمة الأوراق، الآن طن الحديد مثلًا ما هو مثل طن الورق، لو () ورق طن () يسوى؟
الطالب: أقل بكثير.
الشيخ: ما هو بشيء، لكن لو جبت طن حديد ولو () يسوى.
[ ١ / ٢٩٩٨ ]
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، الآن هذا مأمور به الآن، الآن مثلًا عندنا الريال السعودي أظنه بألف.
الطالب: بسبع مئة.
الشيخ: بسبع مئة من.
الطالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: ().
الطالب: ().
الشيخ: وأيش اللي قالوا ().
الطلبة: () الأفغاني.
الشيخ: الأفغاني؟
الطلبة: إي نعم ().
الشيخ: المهم على كل حال هذا دول () أو بسبعين يزيد وينقص الآن يجوز، ما فيه شك.
طالب: ().
الشيخ: إي ثبته هذا.
الطالب: ().
الشيخ: إي أنت على كل حال ما لنا من دليل من () أبدًا إن ثبت هذا فهو الصواب.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، ما هو بصحيح، كلام صاحب الفروع في هذا المكان جيد.
طالب: ().
الشيخ: لا في وقت أخذه فقط، ثم بعد ذلك ينظر عاد هل هو مال زكوي كالذهب والفضة فتقرر زكاته كل سنة؟ زكاة ذهب وفضة هل هو مال غير زكوي كالحديد مثلًا فليس بشيء.
الطالب: ().
طالب آخر: ().
الشيخ: هذا جيد، لكن هذا جعل بدل الذهب والفضة، العروض التجارة ما جعلت بدل الذهب والفضة.
طالب: الذين قالوا بعدم وجوب الزكاة في العسل استدلوا بالآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] هل يا شيخ الآية صح فيها دليل عليهم؟
الشيخ: لأيش؟
طالب: العسل هو من طيبات الكسب؟
الشيخ: لا، هو ما كل كسب، الكسب المراد به التجارة هي محل الاكتساب.
الطالب: يعني بيروحوا يكتسبون، ويروحوا يبيعوا طبعًا.
الشيخ: لا، ما يسمى اكتسابًا هذا، لغةً ما يسمى اكتسابًا.
طالب: ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: () صار () حديد يعطيه عشر ريالات ورق، ويعطيه تسع ريالات حديد، طيب يا شيخ الآن () حتى لا يدخلوا في الربا؛ لأن الناس ما يفهمون هذه المسألة، يعني الترجيح، أو كذا يفهمون أن هذا يعني يا شيخ تجوز لبعض المعادن هذه فهمه الناس حتى بعضهم يقول: هذا ربا.
[ ١ / ٢٩٩٩ ]
الشيخ: والله طيب هذا يعني إذا منع هذا، ومنع قبله البنوك فهذا طيب، أما أن يمنع هذا وتقر البنوك فهذا شيء يقضى منه العجب.
طالب: () الركاز () يقولون بأنه خارج من الأرض ().
الشيخ: إي لأنه يشبه الخارج من الأرض لكونه خرج من جوف الأرض يشبه هذا أنسب ما كان له.
طالب: شيخ لو كان الأرض الخراجية اللي بيزرعها هو اللي بيدفع الخراج هل يدفع الزكاة والخراج معا؟
الشيخ: إي نعم، يعني لو كان المالك هو الذي زرع وجب عليه الخراج باعتباره مالكا للأرض ووجب عليه العشر أو نصفه باعتباره مالكا للزرع.
طالب: ().
الشيخ: هم لا يفرقون بين هذا وهذا، الذين أوجبوا فيما أعلم أنهم لم يفرقوا بين ما كان بمؤونة أو بغيره.
متى يجب العشر في الحبوب والثمار؟
طالب: إذا سقي بغير مؤونة.
الشيخ: إذا سقي؟
الطالب: بغير مؤونة
الشيخ: إذا سقي بغير مؤونة.
الطالب: إذا كان بغير مؤونة.
الشيخ: إذا كان بغير مؤونة، يعني أيش؟
الطالب: إذا سقى بالماء بغير مؤونة فيه العشر.
الشيخ: يعني إذا سقي بغير مؤونة.
الطالب: ().
الشيخ: بغير مؤونة، ما تقول فيما يستخرج من مكان بمؤونة كم فيه؟
الطالب: فيه نصف العشر.
الشيخ: نصف العشر.
وما تقول فيما سقي بالمركز؛ ركز ارتوازي فيه؛ يعني ينبع، حفرنا بئرًا فظهر الماء فبدأنا نسقي من الأرض.
طالب: فيه نصف العشر.
الشيخ: فيه نصف العشر، أنت فاهم السؤال زين؟ حفرنا بئرًا ارتوازيًّا فصار الماء يخرج منه نبعًا، ونسقي به الأرض.
طالب: ثلاث أرباع.
الشيخ: ثلاث أرباع، لماذا؟
الطالب: لأن هذا دخلت فيه مؤونة وغير مؤونة.
الشيخ: دخل فيه مؤونة وغير مؤونة، حين السقي هل فيه مؤونة؟
الطالب: () العبرة () المؤونة وغير المؤونة ().
الشيخ: لكن حين السقي الآن المزارع يفجر الماء تفجيرًا فقط.
الطالب: لا، حين السقي ما فيه مؤونة، لكن في الحفر المؤونة.
الشيخ: الحفر فيه مؤونة، شق النهر أو الجدول من النهر مؤونة ولا غير مؤونة؟
[ ١ / ٣٠٠٠ ]
الطالب: لا غير مؤونة.
الشيخ: شق الجدول من النهر؟
الطالب: مؤونة.
الشيخ: كيف؟ يحتاج إلى عمال ومساحٍ وتنقية الممر.
الطالب: موجود أصلًا.
الشيخ: موجود، الموجود إيه؟
الطالب: هذا النهر موجود أصلًا.
الشيخ: والماء في باطن الأرض؟
الطالب: الماء في باطن غير موجود غير ظاهر أصلًا.
الشيخ: إي لكن موجود.
الطالب: إي بس غير.
الشيخ: غاية ما هنالك حفرنا عليه وطلع.
الطالب: () باطن الأرض.
الشيخ: من قال بهذا التفريع بين الذي يرى والذي لا يرى.
الطالب: ما أنا حققت.
الشيخ: ما حققت.
الطالب: ().
الشيخ: () لأن العبرة بالسقي لا باستخراج الماء، ولهذا لو حفر جدولًا من النهر على أرض له وصار يوزع الماء فهو بلا مؤونة، وكذلك الذي يضرب نواصيه في الأرض ويخرج ماؤه نبعًا فإن السقي بلا مؤونة، ولهذا قال المؤلف: (فيما سقي بلا مؤونة) ولم يقل: فيما لا يحتاج إخراج الماء فيه إلى مؤونة، هنا الآن المؤونة مقطوعة، حفرنا وانتهى كل شيء، فحفر البئر بمنزلة فتح الطريق للماء من النهر إلى الأرض، بخلاف المكائن، المكائن تشتغل ما يذهب قطرة من الماء إلا بمؤونة. إذا كان يسقي نصف العام بمؤونة ونصف العام بلا مؤونة؟
طالب: نصف العام بمؤونة؟
الشيخ: نصف العام بمؤونة، ستة أشهر بمؤونة وستة أشهر بلا مؤونة، فما الواجب؟
الطالب: لا من أكثر ..
الشيخ: ستة أشهر بالضبط.
الطالب: بمؤونة.
الشيخ: ستة وستة.
الطالب: العشر.
الشيخ: العشر ().
الطالب: ثلاثة أرباع العشر.
الشيخ: ثلاثة أرباع العشر، إذا تفاوتت ثمانية أشهر وأربعة أشهر؟
طالب: ().
الشيخ: () أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: نفعًا، إي، أنا أريد غيرك، لكن ما يخالف، إذا جهلنا؟
الطالب: تعجلنا.
الشيخ: العشر لماذا؟
الطالب: لأنه أحوط وأبصر.
[ ١ / ٣٠٠١ ]
الشيخ: لأنه أحوط، وسلوك الاحتياط مطلوب، فصار الآن ما نعلم أنه سقي بلا مؤونة، وما نعلم أنه سقي بمؤونة، وما سقي بمؤونة وغيرها متساويًا، وما سقي بمؤونة وغيرها متفاوتًا، هذه أربعة أشياء.
الطالب: ثم الجهل.
الشيخ: لا، الجهل في هذا القسم الأخير، فما علمنا أنه بلا مؤونة فالعشر أو بمؤونة.
طلبة: فنصف.
الشيخ: فنصف أو متفاوتًا.
طلبة: فبالأكثر نفعًا.
الشيخ: فبالأكثر نفعًا، أو متفاوتًا، ولا نعلم أيهما أكثر نفعًا.
طلبة: العشر.
الشيخ: فالعشر. أو متساويًا.
طلبة: فثلاثة ..
الشيخ: فثلاثة أرباع العشر. ما معنى قول المؤلف: (ويجب العشر على مستأجر الأرض دون مالكها)؟
الطالب: ().
الشيخ: صورة المسألة.
الطالب: واحد استأجر أرضًا فزرعها فالعشر عليه، ليس على الأرض.
الشيخ: استأجر أرضًا فزرعها فالعشر.
الطالب: عليه.
الشيخ: عليه، لا على المالك؛ لأنه هو مالك الزرع، تمام، هل في العسل زكاة؟
الطالب: اختلف العلماء فيها، من العلماء؛ ضرب عمر ﵁ العشر (٤)، ومنهم من قال: إنه في اجتهاد، ومنهم من قال: له زكاة، وألحقوه بالخارج من الأرض، فأثبت فيه العشر؛ لأنه بلا مؤونة، والمذهب أنه فيه زكاة ().
الشيخ: المذهب وجوب الزكاة فيه إذا بلغ؟
الطالب: مئة وستين رطلًا.
الشيخ: مئة وستين رطلًا عراقيًّا، هذا هو النصاب عندهم، وفيه خلاف في النصاب، والقول الراجح؟
الطالب: الصحيح أنه لا زكاة فيه.
الشيخ: الصحيح أنه لا زكاة فيه، وأن عمر إنما أخذه على سبيل الاحتياط، أو على سبيل حماية محلات النحل المعاسل وليس بواجب؛ لأن هذا لو كان واجبًا لاشتهر وتبين بالسنة بيانًا ظاهرًا.
أخذنا أظن النقدين.
طالب: المقدمة.
الشيخ: مقدمة، ما يخالف. ما المراد بالنقدين؟
الطالب: الذهب والفضة.
الشيخ: الذهب والفضة، لماذا سميا نقدين؟
الطالب: لأنه كان منقدًا.
الشيخ: منقدان في البيع والشراء، هل يلحق بهما النقود المعدنية أو لا؟
[ ١ / ٣٠٠٢ ]
الطالب: ذكرنا في هذا خلاف () وذلك لأن النقود المعدنية قائمة مقام الذهب والفضة ().
الشيخ: ذكرنا أن الزكاة تجب في النقود المعدنية؛ لأنها تقوم مقام الذهب والفضة، فثبت لها حكمها، أما من جهة الربا فقد ذكرنا أن القول الراجح أنه لا يجري فيها ربا الفضل لاختلاف.
طالب: الجنس.
الشيخ: الجنس بينها وبين الذهب والفضة، لا يجوز أن يبيع ريال فضة بألف ريال من المعادن أو بأقل أو بأكثر؛ لأنه لا ربا فيها، لا يجري فيها ربا الفضل، وأن هذا هو القول الوسط، الذي يقول: يجري فيها الربا مطلقًا والذي يقول: لا يجري فيها مطلقًا.
***
يقول ﵀: (باب زكاة النقدين: يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا، وفي الفضة إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر منهما)، فاعل (يجب) هو قوله: (ربع) يعني يجب ربع العشر، وهو واحد من أربعين، وفائدة معرفتنا بربع العشر أنه واحد من أربعين من أجل أن يسهل استخراج الزكاة من النقدين؛ لأنك إذا أردت أن تستخرجها من النقدين فاقسم ما عندك على أربعين، فما خرج بالقسمة فهو الزكاة، فعندك مثلًا أربعون مليونًا كم زكاتها؟
طلبة: مليون.
[ ١ / ٣٠٠٣ ]
الشيخ: مليون، يعني أربعين، يخرج فيها واحد، فالطريق إلى استخراج الزكاة هو هذا، ولكن نقول في الذهب: إذا بلغ عشرين مثقالًا لحديث علي بن أبي طالب -﵁- أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ عِنْدَكَ ذَهَبٌ -أَوْ قَالَ: دَنَانِيرُ- فَبَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ» (٥). والدينار الإسلامي زنته مثقال، وكل عشرة دراهم إسلامية سبعة مثاقيل، وقد حررناه فبلغ خمسة وثمانين جرامًا من الذهب الخالص، فإن كان فيه خلط يسير فهو تبع لا يضر تجب الزكاة فيه، وإن كان فيه شيء يسير من غير الذهب؛ لأن الذهب لا بد أن يجعل معه شيء من المعادن من أجل أن يقويه ويصلبه، وإلا لكان لينًا يعرك، لكن من أجل أن يصلبه يضيفون إليه شيئًا من المعادن، لكن هذه الإضافة يقول العلماء: إنها يسيرة تابعة، فهي كالملح في الخبز أو في الطعام لا تضر.
(وفي الفضة إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر منهما) المؤلف ﵀ اعتبر الذهب بالوزن، واعتبر الفضة بالعدد، فهل هذا مقصود أو ليس بمقصود؟
جمهور العلماء على أن هذا ليس بمقصود، ولكنه تنوع عبارة، وأن المقصود بمئتي درهم خمس أواق من الفضة، يعني أن الاعتبار بالوزن وأن الإنسان إذا ملك مئة وأربعين مثقالًا من الفضة وتبلغ خمس مئة وخمسة وتسعين جرامًا فإن فيها الزكاة، سواء بلغت مئتي درهم أم لم تبلغ، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ مستدلين بقول الرسول ﵊: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (٦)، فاعتبر الفضة بماذا؟
طالب: بالوزن.
[ ١ / ٣٠٠٤ ]
الشيخ: بالوزن، وقال شيخ الإسلام: العبرة بالعدد، لحديث أبي بكر الصديق أن النبي ﷺ كتب فيما كتب من الصدقات «وَفِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعُونَ وَمِئَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» (٧). ووجه الاستدلال من هذا الحديث عنده أن النبي ﵌ قدرها بالعدد، وفي عهد الرسول ليست الدراهم متفقة في الوزن، بل بعض الدراهم أزيد من البعض الآخر، وقد حددها النبي ﷺ بالعدد مع اختلافها في الوزن، فدل ذلك على أنه هو المعتبر؛ لأن الدراهم لم توحد إلا في زمن عبد الملك بن مروان، وحدها على هذا المقدار أن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وبناء على قول الشيخ ﵀ لو كانت مئتا الدرهم أي المئتان لو كانت مئة مثقال فقط ففيها الزكاة، وعلى قول من يعتبر الوزن ليس فيها زكاة، مئة وثلاثون مثقالًا ولكنها مئتان من الدراهم عددًا، ففيها الزكاة عند الشيخ، وليس فيها زكاة عند الجمهور، وعلى هذا فنقول: هل الأحوط أن نعتبر العدد أو الأحوط أن نعتبر الوزن؟
طلبة: الوزن، على حسب.
الشيخ: لا، ما هو الوزن.
طلبة: العدد.
الشيخ: ولا العدد؛ لأن إن كانت الدراهم ثقيلة الوزن فاعتبار الوزن أحوط، وإن كانت خفيفة فاعتبار؟
طلبة: العدد.
الشيخ: إذا كان زنتها ثقيلة فاعتبار الوزن أحوط؛ لأن خمسين درهما تبلغ خمس أواق مثلًا إذا كانت ثقيلة، وإن كانت خفيفة فاعتبار العدد.
طلبة: أحوط.
[ ١ / ٣٠٠٥ ]
الشيخ: أحوط؛ لأنه إذا كان الدرهم مثلًا لا يبلغ إلا نصف مثقال فلا شك أن العدد أحوط، ولكن الأحاديث كما ترون متعارضة: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» طاهره سواء بلغت في العدد مئتي درهم أم لم تبلغ، وحديث أبي بكر الذي كتبه في الصدقات: «فِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ»، وهو منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم كما هو معروف في أصول الفقه، ولو ذهب ذاهب إلى أن المعتبر الأحوط فإن كان اعتبار العدد أحوط وجبت الزكاة، ومتى يكون اعتبار العدد أحوط؟
طلبة: ().
الشيخ: إذا كانت خفيفة، وإذا كان الوزن أحوط وجبت الزكاة، وذلك فيما إذا كانت ثقيلة، لو ذهب ذاهب إلى ذلك لم يكن بعيدًا من الصواب، والآن ومنذ زمن بعيد العدد لا حظ فيه للفقراء؛ لأن زنة النصاب ستة وخمسون ريالًا سعوديًّا من الفضة، ستة وخمسون لو اعتبرنا العدد كان يزيد عن الربع قليلًا عن ربع النصاب لو اعتبرنا العدد لقلنا: لا تجب الزكاة إلا في أيش؟ مئتي درهم، وكذلك نقول في الذهب لو اعتبرنا العدد عشرين دينارًا لقلنا: لا زكاة إلا في عشرين جنيهًا، وإذا اعتبرنا الوزن قلنا: الزكاة في عشر جنيهات؟
طالب: وخمسة وثمانون.
الشيخ: وخمس وثمانون جرامًا، تبلغ عشر جنيهات ونصًّا تقريبًا، فإذا اعتبرنا العدد قلنا: لا تجب إلا في عشرين جنيهًا، وإذا اعتبرنا الوزن قلنا: متى بلغت عشرين مثقالًا وجبت فيها الزكاة، سواء كانت عشرين دينارًا أو أقل أو أكثر، فعليه نقول: الذي يريد الاحتياط يأخذ؟
طالب: الأحوط.
الشيخ: بالأحوط، يقول: ربع العشر منهما، ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، لكن هل يضم بالأجزاء أو بالقيمة؛ يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب بالأجزاء أو بالقيمة؟
[ ١ / ٣٠٠٦ ]
الآن نبحث في ثلاثة أشياء: أولا: هل يضم الذهب إلى الفضة أو لا؟ والثاني: إذا ضم هل يضم بالأجزاء أو يضم بالقيمة؟ فهذه ثلاثة أمور: الأول: هل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب؟ في هذا قولان لأهل العلم: القول الأول: الضم، والقول الثاني: عدم الضم، القول الأول ليس له دليل لا من القرآن ولا من السنة ولا من الإجماع أنه يضم ولا من القياس الصحيح، والقول الأول: أنه يضم، يقولون: لأن مقصود النقدين واحد الدنانير يقصد بها الشراء، والفضة يقصد بها الشراء، فهي قيم الأشياء فمقصودها واحد، وعلى هذا يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، ولكن القول الصحيح هو الأول بدلالة السنة على ذلك، ودلالة القياس الصحيح على ذلك أيضًا، والإجماع ليس فيه إجماع لا هذا ولا هذا، دليل السنة أن الرسول ﵊ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ». وهذا يشمل ما إذا كان عنده من الذهب ما يكمل خمس الأواقي وما لا يكمل، وكذلك قال في الدنانير إذا كان عندك عشرون دينارًا، وهذا يشمل ما إذا كان عنده دون عشرين وما إذا كان عنده عشرون، يعني معناه ما إذا كان عنده دون عشرين فلا زكاة عليه، سواء كان عنده من الفضة ما يكمل به أم لا.
وأما القياس فنقول: إن الشعير لا يضم إلى البر في تكميل النصاب، فلو كان عند الإنسان من الشعير نصف نصاب، ومن البر نصف نصاب لم يضم أحدهما إلى الآخر، مع أن المقصود منهما ولا سيما في عهد الرسول ﵌ واحد، وهو أنه موقوت، ومع ذلك لا يضم أحدهما إلى الآخر حتى على من رأى ضم الذهب إلى الفضة، فالقياس الصحيح إذن أنه لا يضم الذهب إلى الفضة، فإذا كان عنده عشرة دنانير ومئة درهم.
طالب: فلا نصاب.
[ ١ / ٣٠٠٧ ]
الشيخ: فلا زكاة عليه، فليس عليه زكاة؛ لأن الذهب وحده والفضة وحدها، أما على القول بالضم فهل يضم بالأجزاء أو بالقيمة؟ المذهب أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة، ويظهر الخلاف بالمثال: فإذا كان عند الإنسان ثلث نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، وقيمة ثلث النصاب من الذهب تساوي نصف نصاب من الفضة، فهل يضم الذهب إلى الفضة على قول من يقول: إنه يضم بالأجزاء؟
طلبة: لا، يضم.
الشيخ: تصوروا يا إخوان، عنده ثلث نصاب من الذهب يساوي نصف نصاب من الفضة -يعني قيمته مئة درهم- وعنده مئة درهم -يعني نصف نصاب من الفضة- وقلنا: إنه يضم الذهب إلى الفضة بالأجزاء، فهل يضم أو لا؟
الطلبة: لا يضم.
الشيخ: لا يضم، لماذا؟ لأن عنده ثلث نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، المجموع نصاب إلا سدسًا، لم يبلغ النصاب، وعلى هذا فلا زكاة عليه على المذهب، وأما من قال: المعتبر القيمة فإنه يضم الذهب إلى الفضة الآن ويكمل النصاب؛ لأن قيمة ثلث النصاب من الذهب تساوي مئة درهم، فيكون عنده الآن مئتا درهم فيزكيهما.
والصواب الأول أنه لا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، ثم الصواب من القول بأنه يضم أن يضم بالأجزاء لا بالقيمة، إلا –لاحظوا- يستثنى من المسألة هذه أموال الصيارف فإنه يضم فيها الذهب إلى الفضة، لا ضم جنس إلى الجنس، ولكن لأن المراد بهما التجارة، فهما عروض تجارة، فيضم الذهب إلى الفضة في أموال الصيارف؛ لأن الصيارف يريدون بالذهب والفضة أيش؟
الطلبة: التجارة.
الشيخ: التجارة.
***
[ ١ / ٣٠٠٨ ]
يقول ﵀: (وتضم قيمة العروض إلى كل منهما)، ولكن بأي قيمة نعتبر العروض؟ هل بالذهب أو بالفضة؟ فمثلًا إذا كان عنده ثلث نصاب من الذهب، وثلث نصاب من الفضة، وعروض، إن اعتبرته بالفضة بلغ ثلث نصاب، وإن اعتبرته بالذهب لم يبلغ ثلث نصاب، فهل نعتبر قيمته بالذهب أو قيمته بالفضة؟ قال أهل العلم: إن عروض التجارة تعتبر بالأحظ للفقراء، فإذا كانت تبلغ نصابًا من الفضة لا نصابًا من الذهب قومت؟
طالب: بالفضة.
الشيخ: بالفضة، وإذا كانت تبلغ نصابًا من الذهب لا نصابًا من الفضة قومت بالذهب، فتضم قيمة العروض إما من الذهب إن كان أحظ للفقراء، أو من الفضة إن كانت أحظ للفقراء إلى كل منهما.
ولكن الصحيح في هذه المسألة مبني على الصحيح فيما سبق، وهو أنه تضم قيمة العروض إلى أحد النقدين، الأحظ للفقراء، ولا يضم أحد النقدين إلى الآخر ما لم يكن مال صيرفي لأنه تجارة، الخلاصة الآن قيمة العروض تضم أو لا؟
طلبة: تضم.
الشيخ: تضم على القول الصحيح، والمذهب أيضًا، لكن هل تضم للذهب أو للفضة؟
الطلبة: الأحظ للفقراء.
الشيخ: الأحظ للفقراء، تضم إلى الأحظ للفقراء من الذهب أو الفضة، إذا قلنا بضم نصاب الذهب إلى الفضة وقيمة العروض إلى الفضة أو إلى الذهب، فهل نخرج من كل جنس زكاته منه أو من أحدهما؟ المذهب لا بد أن نخرج زكاة كل جنس منه فنخرج من الذهب ذهبًا، ومن الفضة فضة، واضح؟ لأن الحديث ربع العشر «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» عشر أيش؟
طلبة: الرقة.
الشيخ: عشر الرقة، عشرها يعني، وكذلك في الحديث الذهب فيه نصف دينار، أي من الذهب، فتخرج الزكاة من كل جنس منه، كما قالوا في الحبوب والثمار، تخرج من كل نوع منه، والصحيح أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين، يعني بالقيمة، هذا هو الصحيح.
طالب: () إذا قلنا بضم الذهب إلى الفضة نصف نصاب ذهب ونصف نصاب فضة، هل إذا أخرجنا () نصف نصاب الذهب () نصف نصاب فضة.
[ ١ / ٣٠٠٩ ]
الشيخ: يعني ضممنا الذهب إلى الفضة؟
الطالب: إي نعم، إخراج الزكاة؟
الشيخ: الصحيح عدم الضم.
الطالب: على القول بالضم.
الشيخ: على القول بالضم تخرج زكاة الذهب من الذهب وزكاة الفضة من الفضة.
الطالب: ().
الشيخ: هذا المذهب.
الطالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأن العشرة جنيهات تساوي خمسًا وثمانين جرامًا.
الشيخ: لا، النصاب خمس وثمانون جرامًا.
الطالب: لكن () عشر جنيهات؟
الشيخ: والله فيها عشر ونص.
الطالب: طيب يا شيخ عشرة في () ثمانية وثمانين جرامًا؛ لأن الجنيه عشرة جرامات، والعلماء الآن يقولون: عشر جنيهات ثلاثة أسباع.
الشيخ: لا، بعضهم يقول: إحدى عشرة ثلاثة أسباع.
الطالب: إحدى عشرة أسباع يعني أحد عشر في ثمانية، ثمان وثمانون أكثر من ثلاث وثمانين؛ لأن الجنيه () جرامات منين تحط الجنيه في الميزان يطلع عشرة جرامات، فالعشرة جنيهات تساوي ثمانين.
الشيخ: والله إحنا حسبناها بالجرامات، بلغ خمسة وثمانين جرامًا، والجنيهات ما ندري عنها كم تبلغ الجنيه؟
الطالب: الجنيه الآن عشرة جرامات.
الشيخ: عشرة جرامات، كم يصير إذا صار خمسًا وثمانين؟
طلبة: عشر جرامات ().
الشيخ: لا، الجينهات.
طالب: ثمان ونص.
الشيخ: ثماني جنيهات ونصف.
الطالب: هو بيكون عشرة.
الشيخ: أحد يقول: عشرة وواحد يقول: إحدى عشرة وثلاثة أسباع، وإحنا كنا نقول هذا وكتبناها في كتابنا وجوب زكاة الحلي، لكن قالوا لي الصاغة: إنما تبلغ إلا هذا.
طالب: سم؟
الشيخ: الصاغة قالوا لنا: إنها لا تبلغ إلا خمسة وثمانين جرامًا.
الطالب: العشرة جنيهات.
الشيخ: لا، عشرين مثقالًا.
طالب: كم صار يا شيخ؟
الشيخ: ما ندري () كم من الجنيه.
الطالب: لو () سعودي هذا، هذا سعره صار مئة وأربعين ريالًا.
الشيخ: الكلام يوزن كم يجي من مثقال، الأحسن إن أنت أظنك لك صلة بأهل الذهب.
الطالب: ما أعرف يا شيخ كم يجي من مثقال لكن أعرف كم يجي بالجرام.
[ ١ / ٣٠١٠ ]
الشيخ: لا، اسألهم كم يجي من مثقال أحسن.
طالب: المثقال كم جرام يا شيخ؟
الشيخ: ما ندري ويش المثقال؟
الطالب: هو يا شيخنا () مباشرة يعني.
الشيخ: لا، نعرف وما فيه إشكال.
طالب: المعتبر في نصاب زكاة النقدين هل هو الفضة أو الذهب؟
الشيخ: كيف المعتبر؟ كل له حكمه، كل شيء له حكمه.
الطالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: الذهب إذا بلغ النصاب، والفضة إذا بلغ النصاب.
الطالب: لا، الأوراق النقدية.
الشيخ: المعتبر فضة.
الطالب: ليش يا شيخ؟
الشيخ: لأن الأوراق النقدية هذه بدل عن الريالات الفضة.
الطالب: في بعض البلدان تكون بدلًا عن جينهات ذهب.
الشيخ: هذا ما أدري () عندنا السعوديين هكذا.
الطالب: إذا كانت بدلًا عن الذهب؟
الشيخ: تعتبر بالذهب.
طالب: قلنا: بعض العلماء قال: المعتبر الوزن، وبعضهم قال: المعتبر العدد، وقلنا إحنا: إذا كان الوزن هو ().
الشيخ: من الأولى لو قيل باتباع الأحوط لكان طيبًا.
الطالب: لكن لو نقول يا شيخ كمان من وجه آخر: إنه ما كان منقودًا فالمعتبر فيه العدد، وما كان موزونًا فالمعتبر فيه الوزن، مثل الحلي وغيره.
الشيخ: لا، دعنا من الحلي، الكلام على المنقود، الرسول ﵊ يتعامل بالنقد ويتعاملون بالوزن أيضًا، أحيانًا يتعاملون بالوزن، يقول مثلًا: اشتريتها منك بمئة درهم يعني أوقيتين ونصفا، ولهذا جاء في الحديث «زِنْ وَأَرْجِحْ» (٨).
طالب: المعدود مثلًا جاء الحديث مثلًا بمئتي درهم، وجاء خمس أواق، فما كان موزونًا يكون على الحديث خمس أواق يكون في الوزن، وما كان منقودًا فيكون في العدد على الحديث.
الشيخ: لا، ما رأينا أحدًا قال بهذا.
طالب: شيخ، بالنسبة إلى المكتبات هل يعني أن الإنسان يبيع ما عنده هل يحسبها على ..
الشيخ: هذه بيجينا في زكاة العروض إن شاء الله.
طالب: ().
الشيخ: طيب لا دام ما تم الوقت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: انتهى.
الطالب: يعني سؤالات تطبق على عهد الرسول ().
[ ١ / ٣٠١١ ]
طلبة: هو محروم يا شيخ، يعني هروب من محروم.
الشيخ: إي لا ما دمت محرومًا لا.
طالب: شيخ، القول الراجح في باطن في الأرض؟
الشيخ: ويش لون باطن؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم صحيح.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لقوله ﵊: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا طَوَّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٩).
الطالب: لماذا كان الركاز للعامل وليس للمالك؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: فيه سؤال لو استأجرت رجل ليحفر مثلًا بئرًا في بيتك، فحصل على هذا الركاز، فهل هو لصاحب البيت ولَّا للعامل؟ كان الجواب أنه للعامل.
الشيخ: نعم، إلا من استأجر للحفر.
الطالب: لكن أليس بباطن الأرض؟
الشيخ: إي لكن الركاز منفصل عن الأرض.
الطالب: طيب والمعادن؟
الشيخ: لا، المعادن من الأرض بأصل الخلقة، أما هذا ما لكل صاحب فهو مودع. هذا اللي قلت لكم عنها الأشاعرة أنهم يخالفون أهل السنة في كثير من المسائل، إي نعم.
الموضوع أن كثيرًا من الإخوان يظنون أن الأشاعرة لا يخالفون أهل السنة إلا في مسألة الصفات، ووجدناهم يخالفون في أشياء كثيرة حتى في إثبات وجود الله، إي نعم.
طالب: هذا البحث خاص فيهم.
الشيخ: هذا البحث للشيخ الدكتور سفر الحوالي الرابع الإيمان الخامس القرآن.
طالب: ().
الشيخ: لا الأشاعرة معروف.
طالب: ().
الشيخ: السابع: السببية وأفعال المخلوقات، الثامن: الحكمة والغائية، التاسع: النبوات، العاشر: التحسين والتقبيح، الحادي عشر: التأويل.
طالب: ().
الشيخ: الثاني عشر: السمعيات، الثالث عشر: التكفير، الرابع عشر: الصحابة والإمامة، الخامس عشر: الصفات.
[ ١ / ٣٠١٢ ]
يقول: وليس هناك مذهب أكثر تناقضًا من مذهب الأشاعرة، اللهم إلا مذهب الرافضة، لكن الرافضة كما قال الإمام أحمد: ليست الرافضة من الإسلام في شيء، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الرافضة قوم لا عقل لهم ولا نقل. أما هؤلاء فيدعون العقل ولكنهم خلطوا وركبوا فتناقضوا واضطربوا. وإليك أمثلة سريعة للتناقض ومكابرة العقل، قالوا: إنه يجوز أن يرى الأعمى بالشرق البقلة بالأندلس.
طالب: شيخ، ويش الفرق بينهم وبين الماتريدية؟
الشيخ: فيه كتيب عندي رسالة الفرق بينهم وبين الماتريدية، لكن على كل حال إذا شئت تصوره.
طالب: هم أفضل ولا الماتريدية؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: هم أحسن حالا من ..؟
الشيخ: من كان أقرب إلى السنة فهو أفضل.
هذا يقول: كثرت الذنوب وقست القلوب فلم أفهم شيئًا من الدرس السابق فصبر جميل، وادع الله لي أن يرزقني فهما كفهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وحفظا كحفظ الإمام البخاري.
***
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين: (باب زكاة النقدين)، (النقدين) هما الأثمان من الذهب والفضة، وسمي بذلك لأنها تنقد عند البيع والشراء، قال الشاعر:
تَنْفِي يَدَاها الْحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ
نَفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ
يمدح ناقته يقول:
تَنْفِي يَدَاها الْحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الهاجرة: شدة الحر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ
يعني نقدهم إياها بسرعة، فالنقدان هما الأثمان من الذهب والفضة، تسمى من الذهب دنانير وتسمى من الفضة دراهم.
يقول: (يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا وفي الفضة إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر)، (ربع) هذه يقول فاعل (يجب) و(ربع العشر) واحد من؟
طالب: أربعين.
[ ١ / ٣٠١٣ ]
الشيخ: أربعين، وعلى هذا فإذا أردت أن تعرف زكاة الذهب والفضة فاقسم ما عندك على أربعين، فما خرج بالقسمة فهو زكاته، وقوله: (إذا بلغت مئتي درهم) بين المؤلف أن الذهب عشرون مثقالًا، فما هي نسبة الفضة في المثاقيل؟ نقول: كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وعلى هذا فتكون مئتا الدرهم تكون مئة وأربعين مثقالًا، أليس كذلك؟
مئة وأربعون مثقالًا تضربها في أربعة جرامات وربع تبلغ خمسمئة وخمسة وتسعين جرامًا، يقول -نقرأ الشرح الآن-: فاعل (يجب) هو قوله: (ربع)، يعني يجب ربع العشر، وهو واحد من أربعين. وفائدة معرفتنا بربع العشر أنه واحد من أربعين من أجل أن نسهل استخراج الزكاة من النقدين؛ لأنك إذا أردت أن تستخرجها من النقدين فاقسم ما عندك على أربعين، فما خرج في القسمة فهو الزكاة، فعندك مثلًا أربعون مليونًا، كم زكاتها؟ الجواب: مليون واحد، عشان لا يختلف تحصل بقسمة أربعين على واحد، أربعين فيها واحد ما لها داع طبعًا، مليون واحد فقط، فالطريق إلى استخراج الزكاة هو هذا، ولكني أقول: في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا؛ لحديث علي بن أبي طالب أن النبي ﵌ قال: «إِذَا كَانَ عِنْدَكَ ذَهَبٌ أَوْ دَنَانِيرُ فَبَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ». والدينار الإسلامي زنته مثقال، وكل عشرة دراهم إسلامية سبعة مثاقيل، وقد حررناه فبلغ خمسة وثمانين جرامًا من الذهب الخالص، فإن كان فيه أيش؟
طالب: خلط.
الشيخ: فإن كان فيه خلط يسير فهو تبع لا يضر تجب الزكاة فيه، وإن كان فيه شيء يسير من غير الذهب؛ لأن الذهب لا بد أن يجعل معه شيءٌ من المعادن؛ لأجل أن يقويه ويصلبه، وإلا لكان لينا يعرك، لكن من أجل أن يصلبه يضيفون إليه شيئًا من المعادن، لكن هذه الإضافة يقول العلماء: إنها يسيرة تابعة، فهي كالملح في الطعام لا تضر.
[ ١ / ٣٠١٤ ]
(وفي الفضة إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر منهما) المؤلف ﵀ اعتبر الذهب بالوزن واعتبر الفضة بالعدد، فهل هذا مقصود أو ليس بمقصود؟ جمهور العلماء على أن هذا ليس بمقصود، ولكنه تنوع عبارة.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: المؤلف.
الطالب: ().
الشيخ: مؤلف المتن يقول: (يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا، وفي الفضة إذا بلغت مئتي درهم) عرفت؟
الطالب: لكن يا شيخ () كلام المؤلف يعني خلاف هذا ().
الشيخ: المؤلف قال: (يجب في الذهب إذا بلغ).
الطالب: (عشرين مثقالًا).
الشيخ: وفي الفضة؟
الطالب: (مئتي درهم).
الشيخ: اعتبر الذهب؟
طالب: بالوزن.
الشيخ: والفضة؟
طالب: بالعدد.
[ ١ / ٣٠١٥ ]
الشيخ: هذا هو، فهل هذا المقصود بمعنى أننا نعتبر الوزن بالذهب والفضة بالعدد؟ الجواب: جمهور العلماء على أن هذا ليس بمقصود، ولكنه تنوع عبارة، وأن المقصود بمئتي درهم خمس أواقٍ من الفضة، يعني الاعتبار بالوزن وأن الإنسان إذا ملك مئة وأربعين مثقالًا من الفضة وتبلغ خمسمئة وخمسة وتسعين جرامًا فإن فيها الزكاة، سواء بلغت مئتي درهم أم لم تبلغ، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم، مستدلين بقول الرسول ﵌: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»، فاعتبر الفضة بماذا؟ الجواب: بالوزن، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العبرة بالعدد؛ لحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ كتب بما كتب الصدقات: «وَفِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ رُبُعُ الْعُشُرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعُونَ وَمِئَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا». ووجه الاستدلال من هذا الحديث عنده أن النبي ﵌ قدرها بالعدد، وفي عهد الرسول ﵌ ليست الدراهم مرتبطة بالوزن، بل بعض الدراهم أزيد من البعض الآخر، وقد حددها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعدد مع اختلافها في الوزن، فدل ذلك على أنه هو المعتبر أنه أيش؟
طلبة: الوزن، العدد.
الشيخ: العدد. فدل ذلك على أنه هو المعتبر؛ لأن الدراهم لم توحد إلا في زمن عبد الملك بن مروان، وحدها على هذا المقدار، أي أن كل عشرة دراهم سبعة تقريبًا، وبناء على قول الشيخ ﵀ لو كانت مئتا الدرهم مئة مثقال فقط ففيها الزكاة، وعلى قول من يعتبر الوزن ليس فيها زكاة، مئة وثلاثون مثقالًا، ولكنها مئتان من الدراهم عددًا، ففيها زكاة عند الشيخ، وليس فيها زكاة عند الجمهور.
[ ١ / ٣٠١٦ ]
وعلى هذا فنقول: هل الأحوط أن نعتبر العدد أو الأحوط أن نعتبر الوزن؟ الجواب: لا الوزن ولا العدد؛ لأنه إن كانت الدراهم ثقيلة الوزن فاعتبار الوزن أحوط.
طالب: أو العدد يا شيخ
الشيخ: إن كانت الدراهم ثقيلة الوزن.
طالب: فاعتبار العدد.
الشيخ: لا، فاعتبار العدد وإحنا ذكرناها أظن في الأخير.
الطالب: الناس اختلفت.
الشيخ: لأنه إن كانت الدراهم ثقيلة الوزن نعم فاعتبار العدد أحوط.
طلبة: ().
الشيخ: طيب ما يخالف إذا كانت ثقيلة فلا بد أن تكون مئة وأربعين مثقالًا دون المئتين، أليس كذلك؟ إذا كانت ثقيلة يمكن خمسة دراهم تكون مئة وأربعين مثقالًا.
طالب: ().
الشيخ: لا، باعتبار العدد أحوط.
طالب: إذا كانت ثقيلة قيل: الوزن أحوط.
الشيخ: الوزن أحوط لمن ما يخالف، يمكن الاختلاف فيما بين أحوط لمن؟
طالب: للفقراء.
الشيخ: أحوط للفقراء صحيح، طبعًا الوزن أحوط للفقراء، لكن بالنسبة لإيجاب الزكاة على هذا الرجل بدون أن نتأكد أنه بلغ النصاب عنده لأن الحقيقة أحوط هل هو الأشد أو الأتبع للسنة؟ أنا أوافقكم على أنه إذا كنتم تريدون أنها أحوط للفقراء فالصواب ما في الأصل، اعتبار الوزن أحوط؛ لأنه قد يكون يبلغ خمس أواق خمسة دراهم يمكن كل دراهم مثل أوقية، صح؟ وعلى رأي الشيخ باق علينا مئة وخمس وتسعون، نخليها تبقى على ما هي عليه وأنا أتنازل عن رأيي أن الأحوط عدم الإيجاب، كذا؟ فاعتبار لأنها إن كانت دراهم ثقيلة الوزن فاعتبار الوزن أحوط.
طالب: للفقراء.
الشيخ: أحوط للفقراء. وإن كانت خفيفة فاعتبار العدد أحوط، كيف إذا كانت خفيفة فاعتبار العدد أحوط، لمن؟
طلبة: للفقراء.
الشيخ: للفقراء؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ليش؟
طلبة: () العدد.
[ ١ / ٣٠١٧ ]
الشيخ: لأن العدد يمكن مئتي درهم ما يبلغ خمس أواق، ما دامت خفيفة يمكن يبلغ أربع أواق، فاعتبار العدد أحوط، يعني على العكس من ذلك هذا ما () لأن خمسين درهمًا تبلغ خمس أواق إذا كانت ثقيلة، وإن كانت خفيفة فاعتبار العدد أحوط؛ لأنه إذا كان الدرهم لا يبلغ إلا نصف مثقال فلا شك أن العدد أحوط، ولكن الأحاديث كما ترون متعارضة «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»، ظاهره سواء بلغت في العدد مئتي درهم أم لم تبلغ، وحديث أبي بكر الذي كتبه في الصدقات: «فِي الرِّقَةِ إِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ»، وهو منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم كما هو معروف في أصول الفقه، ولو ذهب ذاهب إلى أن المعتبر الأحوط فإن كان اعتبار العدد أحوط وجبت الزكاة، وإن كان الوزن أحوط وجبت الزكاة.
طالب: ().
الشيخ: فلو ذهب ذاهب إلى ذلك لم يكن بعيدًا من الصواب.
طالب: ().
الشيخ: عن أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: ولهذا أنا أرجو السلامة ().
طالب: ().
الشيخ: لا، تصحيحه على كل حال هو ما يتم عليه وجوب الزكاة، يعني ما يتم عليه الحول لو جاي إن شاء الله.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
***
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا، وفي الفضة إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر منهما) إذا بلغ عشرين مثقالًا، والمثقال قلنا: إنه؟
طلبة: أربع جرامات.
الشيخ: أربع جرامات.
طلبة: وربع.
[ ١ / ٣٠١٨ ]
الشيخ: وربع يجب فيه ربع العشر في الفضة إذا بلغت مئتي درهم، وقلنا: إن مئتي الدرهم مئة وأربعون مثقالًا، اضرب مئة وأربعين بأربعة وربع يبلغ خمس مئة وخمسا وتسعين جرامًا، إذا بلغت هذا المبلغ وجب ربع العشر منهما؛ لأن هذا هو النصاب، أقل نصاب الذهب والفضة هو هذا، وليعلم أن الذهب والفضة ليست كالماشية، بل ما زاد بحسبه، الماشية سبق لنا أن فيها وقصا فما بين الفرضين، ليس فيه شيء، أما هذه لو زاد حبة واحدة فإن الزكاة تجب فيها إذا بلغ النصاب، ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، فإذا كان عنده نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة وجب عليه الزكاة، فيخرج من الذهب ربع عشره، ومن الفضة ربع عشرها، وإذا كان عنده ثلثا نصاب من الذهب وثلث نصاب من الفضة فكذلك تجب عليه الزكاة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، وعللوا ذلك بأن مقصود النقدين واحد، وهو أن يكون قيم الأشياء، فقيمة الأشياء إما ذهب وإما فضة، فلما كان المقصود منهما واحدًا وجب أن يضم أحدهما إلى الآخر، ولكن الصحيح أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر، ووجه ذلك أن السنة دلت على أن زكاة الذهب غير واجبة حتى يبلغ عشرين مثقالًا، وأن زكاة الفضة غير واجبة حتى تبلغ خمس أواق، «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» صريح في الذهب.
قال: إذا بلغ عشرين دينارًا صريح أيضًا، وتعلليهم بأن المقصود منهما واحد منقوض هو أولًا قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار، والثاني أنه قياس منقوض بماذا؟ بالبر مع الشعير، فإن البر مع الشعير مقصودهما واحد، وهو القوت، ومع ذلك لا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، كذلك أيضًا منقوض بالمواشي، لو كان عند الإنسان نصف نصاب من الضأن ونصف نصاب من البقر فهل يكمل أحدهما بالآخر؟
طالب: لا.
[ ١ / ٣٠١٩ ]
الشيخ: لا، مع أن المقصود واحد، هذا رجل عنده بقر وعنده ضأن ينميهما، ومع ذلك لا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، وبهذا عرفنا ضعف هذا القول الذي ذهب إليه المؤلف ﵀، وهو ضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، أولًا لأنه مخالف للسنة، وما خالف السنة فهو قياس فاسد، والثاني أنه منقوض، بماذا؟ بأنهم لم يقولوا بضم الشعير إلى الحنطة، ولا بضم الضأن إلى البقر مثلًا، فالجنس لا يضم إلى جنسه، النوع صحيح يضم إلى نوعه كأنواع الثمار وأنواع النخيل يضم بعضها إلى بعض، على القول بالضم هل يضم بالأجزاء أو يضم بالقيمة؟ هذه مسألة نقولها لكم من أجل العلم، وإلا فلا تفريع عليها، لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنها ضعيفة ملغاة، لكن من أجل العلم هل يضم بالقيمة أو يضم بالأجزاء؟ فيه خلاف بين القائلين بالضم، فالمذهب يضم بالأجزاء، فإذا كان عنده عشرة دنانير وعنده مئة درهم، فإنه يضم بعضها إلى بعض، وإذا كان عنده ثمانية دنانير تساوي مئة درهم، وعنده مئة درهم فهل يضم أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه لا يبلغ النصاب، ثمانية دنانير أقل من نصف نصاب، مئة درهم نصف نصاب، فيكون عنده الآن أقل من النصاب فلا ضم.
ثم قال: (وتضم قيمة العروض إلى كل منهما) يعني إذا كان عند الإنسان عروض تجارة، وعروض التجارة ليست مخصوصة بمال معين، كل ما أعد للتجارة فهو عروض تجارة، ولا تخص بمال معين، لو كان عند الإنسان ثياب يبيعها وجبت فيها الزكاة إذا كان يريدها للتجارة، لو كان عنده عقارات يريدها للتجارة يتجر بها يبيعها أو يشتري فيها، فهذه عروض تجارة، هذه تضم في تكميل النصاب إلى الذهب أو إلى الفضة، فإذا كان عنده مئة درهم من الفضة وعنده عروض تساوي مئة درهم وجبت عليه الزكاة فيما عنده من العروض وفيما عنده من الفضة.
[ ١ / ٣٠٢٠ ]
فإذا قال قائل من الناس: ليس عنده من الفضة نصاب، وليس عنده من العروض نصاب، قلنا: لكن المراد بالعروض القيمة، وإنما الأعمال بالنيات، صاحب العروض لا يريد هذه العروض؛ لأن يبيعها اليوم ويشتري غيرها غدًا، إنما يريد أيش؟ يريد القيمة، فلذلك تضم قيمة العروض إلى ما عنده من النقدين في تكميل النصاب، واضح هذا ولّا لا؟ رجل عنده ثمانون درهمًا وعنده ثياب للبيع للتجارة تساوي مئة وعشرين درهمًا تجب عليه الزكاة أو لا؟
طلبة: تجب عليه.
الشيخ: تجب؛ لأنه تضم قيمة العروض إلى الذهب أو الفضة.
***
ثم قال المؤلف: (ويباح للذكر من الفضة الخاتم)، (الخاتم) هو نائب الفاعل، يباح الخاتم،
والمباح هو ما كان فعله وتركه على السواء، يعني ما لا يترتب على فعله عقاب ولا ثواب إن فعله الإنسان لم يعاقب ولم يثب، وإن تركه لم يعاقب ولم يثب، ولكن استطرادًا نقول: المباح أصله على الإباحة، إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل، لكن قد يكون وسيلة إلى شيء فيعطى حكم ذلك الشيء، وأضرب مثلًا بالبيع، البيع حلال ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، هذا الأصل، لكن لو بعت بعد أذان الجمعة الثاني وأنت ممن تجب عليك الجمعة صار البيع حرامًا؛ لأنه وسيلة إلى ترك الصلاة، لو بعت سلاحًا في زمن فتنة وقتال بين المسلمين صار حرامًا؛ لأنه إعانة على الإثم، لو بعت عنبًا لمن يصنعه خمرًا لكان هذا حرامًا، لو احتجت إلى ماء للوضوء صار الشراء؟
طالب: واجبًا.
[ ١ / ٣٠٢١ ]
الشيخ: واجبًا، إذن فالمباح في الحقيقة هو في أصله مباح، ولكن إذا كان وسيلة إلى شيء أعطي حكم ذلك الشيء، إن كان وسيلة إلى مأمور به أمر به، وإن كان وسيلة إلى منهي عنه نهي عنه. وقول من قال من الأصوليين: إنه لا وجود للمباح، أولًا: لأنه ليس فيه التكليف، وثانيًا: إنه لا بد أن يكون له أثر أقل ما فيه إذا كان مباحًا أنه يضيع الوقت، وتضييع الوقت مكروه، يعني إذا اشتغل به بالإنسان، ولكن الصحيح بلا شك أن فيه المباح، الله يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، الصواب بلا شك أن الإباحة قسم من أقسام الأحكام الشرعية.
يقول: (يباح للرجل من الفضة الخاتم)، (الخاتم) هل (أل) هنا للجنس فيشمل الخاتم والخاتمين والثلاثة والأربعة والخمسة أو أن (أل) للواحدة؟
طالب: للواحدة.
الشيخ: هذا هو الظاهر أن الإنسان يباح له واحد من الخاتم، هذا هو ظاهر كلام المؤلف ﵀، والثاني مما يباح قبيعة السيف، قبيعة السيف يعني ما يجعل على رأس السيف من الفضة، والحكمة من ذلك أن فيه إغاظة للعدو.
قَبيعةُ السيْفِ وما دَعَتْ إليه ضَرورةٌ كأَنْفٍ ونَحْوِه، ويُباحُ للنساءِ من الذهَبِ والفِضَّةِ ما جَرَتْ عادَتُهنَّ بلُبْسِه ولو كَثُرَ، ولا زكاةَ في حُلِيِّهِما الْمُعَدِّ للاستعمالِ أو العاريَّةِ، وإن أُعِدَّ لِلْكِرَى أو النفقةِ أو كان مُحَرَّمًا ففيه الزكاةُ.
يقول: (يباح للرجل من الفضة الخاتم).
(الخاتم) هل (أل) هنا للجنس فيشمل الخاتم والخاتمين والثلاثة والأربعة والخمسة، أو أن (أل) للوحدة؟
طالب: للوحدة.
الشيخ: هذا هو الظاهر أن الإنسان يباح له واحد من الخاتم، هذا هو ظاهر كلام المؤلف ﵀.
[ ١ / ٣٠٢٢ ]
والثاني مما يباح (قبيعة السيف)، قبيعة السيف يعني ما يجعل على رأس السيف من الفضة. والحكمة من ذلك أن فيه إغاظة للعدو، ولهذا جاز للمقاتل أن يلبس ثوب الحرير، وجاز للمقاتل أن يمشي مشية الخيلاء، يختال في مشيته بين الصفين: صف الكفار والمسلمين؛ لأن في ذلك إغاظة، فمسفدة الكبر ومفسدة الترف الحرير يقابلها مصلحة إغاظة الأعداء، فإغاظة الأعداء أكبر مصلحة من انتهاك الحرير أو الكبرياء، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا.
طالب: ()؟
الشيخ: استطراد، وإنه في باب اللباس، لكن استطرادًا لأنه يتفرع عليها الزكاة في الحلي هل تجب أو لا تجب.
طالب: هل يقاس في جواز لبس الخاتم أن يجاز أن يلبس الرجل السوار ..
الشيخ: بيجينا جزاك الله خيرًا () المسألة فيها قول ثان أوسع مما تتصور.
طالب: ألا يلزم ضم العروض إلى ().
الشيخ: لا، ولهذا قلنا: إن النصابين الذهب والفضة إذا قَصد بهما التجارة كأموال الصيارف يضم بعضه إلى بعض.
طالب: شيخ، حفظكم الله، الأوقية هذه وزن يا شيخ ولا كيف؟ المثقال وزن، الأوقية () أواق.
الشيخ: يعني الأخ يقول: هل الأوقية لتقدير الحجم أو لتقدير الثقل؟ الثقل.
الطالب: مثال للكلمة يا شيخ؟
الشيخ: خمس أواق خمس مئة وخمس وتسعون غرامًا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نصاب الريال السعودي كم يطلع؟
الشيخ: الريال السعودي يقول: ستة وخمسون ريالًا من الفضة، ما هو من الأوراق هذه.
الطالب: من الأوراق؟
الشيخ: من الأوراق تختلف ما دام اعتبرنا الفضة جعلناها هي الأصل، يمكن تزيد الفضة مثل الوقت الحاضر الآن، الفضة أكثر من قيمة الريال، الريال الفضة أكثر من الورق، يعني مثلا إذا قدرنا أن قيمة الريال الفضة عشر ورق كم تصير؟
طالب: خمس مئة وستين.
الشيخ: خمس مئة وستين، إي نعم.
طالب: يا شيخ، ضم العروض إلى النقدين، ما الدليل على ذلك، رغم أن صاحب المغني يقول: لا أعلم فيه خلافًا؟
الشيخ: ويش لا يعلم فيه خلافًا؟
[ ١ / ٣٠٢٣ ]
الطالب: ضم العروض إلى النقدين يعني بالإجماع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما الدليل؟
الشيخ: الدليل لأن المقصود فيها النقدان، المقصود فيها هو القيمة.
الطالب: على هذا نصحح قول الضم ضم الذهب إلى الفضة لأن المقصود فيه واحد؟
الشيخ: لا، ما هو المقصود القيمة، ولهذا لو كان مقصود فيهما القيمة كأموال الصيارف قلنا بالضم، رجل عنده يحب يقتني ذهب ويقتني فضة، ما قصده الاتجار فيها ولا شيء، يبغي نفس الذهب ونفس الفضة، وهذه ترد، ما هو علشان يمكن الدراهم والدنانير قد يكون الإنسان يبيع ويشتري فيها، لكن يجينا مسألة الحلي إذا كان عند المرأة ثمانون غرامًا وعنده مثلًا من الفضة ألف ريال، الزكاة لا تجب عليه.
طالب: يا شيخ، المثقال هو نفس الدينار؟
الشيخ: إي نعم، الدينار الإسلامي مثقال.
***
طالب: قال: وما دعت إليه ضرورة، كأنف ونحوه، ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر، ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال، أو للعارية، وإن أعد للكرى أو للنفقة، أو كان محرَّمًا ففيه الزكاة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل عنده نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، هل عليه زكاة؟
طالب: الراجح لا.
الشيخ: الراجح أن لا زكاة عليه، وكلامك هذا يدل على أن هناك قولًا مرجوحًا.
الطالب: أن عليه زكاة.
الشيخ: أن عليه الزكاة، على أي شيء بني القولان؟
الطالب: إذا كان () عليه زكاة.
الشيخ: بني القولان على أنه هل يُضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب أو لا يُضم،
فإن قلنا: يُضم؟
طالب: ().
الشيخ: لا، فإن قلنا: يضم هل تجب الزكاة أو لا؟
الطالب: تقول: إذا ضممنا الذهب إلى الفضة؟
الشيخ: في تكميل النصاب.
الطالب: ().
الشيخ: وإذا قلنا: لا يُضم لا تجب الزكاة، صح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الضم هو () أو بالقيمة؟
[ ١ / ٣٠٢٤ ]
طالب: كلاهما.
الشيخ: لا، ليس بكليهما.
طالب: ().
الشيخ: () والقول الثاني؟
الطالب: في القيمة.
الشيخ: ما الفرق بينهما؟ يعني صور لي صورة يتبين الفرق بين القولين.
الطالب: عند نصف نصاب من الذهب وفيه النصاب من الفضة إذا قلنا بالقيمة فأصبح مقدار الذهب في النصاب هذا يساوي يكمل قيمة الفضة ..
الشيخ: يعني يساوي ثلثي نصاب من الفضة.
الطالب: أصبح () وإذا قلنا () لا يمكن.
الشيخ: لا تجب، صحيح كلامه؟
الطلبة: صح.
الشيخ: صح، طيب والصحيح أنه لا تضم.
ما هو الدليل المرجح لهذا القول الصحيح؟
طالب: قول الرسول ﵊: ليس بأقل من خمسة أواق ..
الشيخ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» (١).
طيب، استمر هذا واحد، هذا دليل.
طالب: قول رسول الله ﷺ: «إِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهِ الصَّدَقَةُ» (٢).
الشيخ: هذا في الذهب والفضة عرفناها قالها الأخ.
طالب: وكذلك دليل القياس؛ لأنه القياس الصحيح هو الذي لا يضم البر إلى الشعير، وكذلك الشاء إلى البقر مع أنهما من كلاهما، المقصود واحد إن استدل بمقصود واحد نحن نقول من هذا ..
الشيخ: مقصود واحد ومع ذلك لا يُضم.
الطالب: () من جنس إلى جنس، وهذا هو الجنس لا يضم إلى الجنس الآخر.
الشيخ: بارك الله فيك، إذن الدليل نص وقياس.
ما هو دليل القائلين بالضم؟
طالب: () على بعض لأنه واحد.
الشيخ: والمقصود فيها واحد، طيب وقد رددنا على هذا القول.
قيمة العروض هل تضم إليهما؟
طالب: قيمة العروض تضم بالاقتصاد بين هذا وذاك إلى قيمة الذهب والفضة.
الشيخ: لماذا تضم؟
الطالب: لأن العروض يراد بها النقد أصلًا.
الشيخ: صح لأن العروض لا يراد بها أعيانها، بدليل أنها تباع وتشترى، يشتريها بالصباح ويبيعها بآخر النهار، فتُضم قيمة العروض إلى كل منهما.
رجل عنده ثلث النصاب من الذهب، وثلث النصاب من الفضة، وثلث النصاب من العروض عليه زكاة؟
[ ١ / ٣٠٢٥ ]
طالب: نعم عليه زكاة.
الشيخ: على القول الراجح؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: توافقونه؟ ثلث النصاب من الذهب، ثلث النصاب من الفضة، وثلث النصاب من العروض، يقول: عليه الزكاة على القول الراجح.
الطالب: عليه الزكاة إذا كان الذهب والفضة عروضًا.
الشيخ: ما هي عروض.
الطالب: ما هي عروض.
الشيخ: ما هي عروض، ذهب وفضة ممكن تبقى عنده.
الطالب: ما عليه شيء إذا لم تكن عروضًا ما عليه شيء، عليه يكون الذهب والفضة ليست عروضًا فننظر فيها.
الشيخ: هذه لا تنظر، منظور الآن ثلث نصاب ذهب، ثلث النصاب فضة، وثلث نصاب عروض.
الطالب: والذهب والفضة عروض.
الشيخ: ما هي عروض.
الطالب: يباع ويشترى ..
الشيخ: لا، أبدًا، إنسان يحب جمع الذهب والفضة ()؟
الطالب: فيها زكاة.
الشيخ: فيها زكاة، على القول؟
الطالب: على القول الراجح.
الشيخ: على القول الراجح، أما على القول المرجوح فلا زكاة فيها.
الطالب: () الإجماع ().
الشيخ: بالإجماع ().
طالب: ().
الشيخ: لا نريد على القول الراجح.
الطالب: الراجح ليس فيها زكاة لأنه ().
الشيخ: وعلى القول الثاني اللي يقول ضم؟
الطالب: القول الراجح فيها زكاة.
الشيخ: فيها زكاة، أي القولين أصح؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، والآن نطالبك بنقل الإجماع، وإلا فلا عبرة بإجماع خارج ().
***
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (ويباح للذكر من الفضة الخاتم).
(الخاتم): نائب فاعل.
يعني (يباح): أي أن الله أباح ذلك، وليُعلم أنه إذا أُضيف أو إذا حُذف الفاعل في باب التشريع، أو في باب الخلق، فإنما يحذف للعلم به؛ لأن الخالق هو الله، والمشرع هو الله.
[ ١ / ٣٠٢٦ ]
فهنا (يباح): من الذي يبيح ويحرم؟ الله ﷿، إذن أباح الله له (للذكر من الفضة الخاتم)، (الخاتم) لأن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق (٣). أي: من فضة، ومعلوم أن لنا في رسول الله ﵌ أسوة حسنة، ولا يقول قائل: إن هذا خاص به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، فمن ادعى الخصوصية في شيء فعله الرسول ﵌ فعليه الدليل. إذن يباح له الخاتم.
وظاهر كلام المؤلف: سواء اتخذ الخاتم لحاجة، أو لتقليد، أو لزينة؛ لإطلاقه.
أما الذي يتخذه لحاجة: فكمن له شأن في الأمة، كالحاكم، والأمير، والوزير، والمدير، وما أشبه ذلك الذي يحتاج الناس إلى ختمه، فهذا اتخذه لحاجة؛ لأن بقاءه في أصبعه أحفظ من جعله في جيبه؛ لأن جعله في جيبه ربما يسقط أو يسرق، بخلاف ما إذا كان في الأصبع، وأما الذي اتخذه تقليدًا فكما يفعل كثير من الناس الآن؛ يتخذ صاحبه خاتمًا فيوافقه في ذلك تقليدًا، ولا يريد الزينة، ولكن جرت عادة أهل بلده باتخاذ الخاتم فاتخذه.
وأما الذي يتخذه زينة فمعروف، يريد أن يتزين به، ولهذا يختار أحسن الفضة لونًا ولمعانًا وشكلًا، فهذا للزينة.
فظاهر كلام المؤلف أنه جائز على كل الصور الثلاثة: الحاجة، والعادة، والزينة.
وقال بعض العلماء: إنه للزينة لا يحل؛ لأن الله جعل التحلي بالزينة للنساء فقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف ١٨]، وما كان من خصائص النساء فإنه لا يجوز للرجال. ولكن القول الراجح العموم، أنه جائز للحاجة، والعادة، والزينة. هذا الصحيح، بل إنه لا يوجد نص صحيح في تحريم لباس الفضة على الرجال، لا خاتم ولا غيره، ما فيه حديث، لا يوجد نص يدل على تحريم الفضة للرجال، بل جاء في السنن: «وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا» (٤). يعني اصنعوا ما شئتم.
[ ١ / ٣٠٢٧ ]
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء: الأصل في لباس الفضة هو الحل. هذا الأصل، ليس الأصل التحريم، ثم يباح ما استثني في الخاتم، ولكن الأصل الحل حتى يقوم دليل على التحريم.
وهذا القول أصح؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فإذا جاء الإنسان، لو أن شخصًا اتخذ غير الخاتم مما يُتزين به كأن يتخذ مما يسمونه بالكَبَك اتخذه من فضة لا نقول: هذا حرام على القول الراجح؛ لأن الأصل الحل، ما فيه نص عام يدل على تحريم الفضة على الرجال.
أما السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك، فهذه قد نحرمها من وجه آخر، وهو التشبه بالنساء والتخنث، وربما يُساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره، لا لذاته.
وقول المؤلف: (يباح للرجل الخاتم) أفادنا ﵀ أن اتخاذ الخاتم من الفضة من القسم المباح يعني: ليس حرامًا، فهل هو مشروع؟ أي: هل يُسن أن يتخذ الإنسان خاتمًا؟
الصحيح لا، أن لبس الخاتم ليس بسنة إلا لمن يحتاجه؛ لأن النبي ﵌ لم يتخذه حتى قيل له: إن الملوك لا يقبلون كتابًا إلا مختومًا. فاتخذ الخاتم (٥).
فهو ليس بسنة، لكن إذا جرت العادة -عادة أهل البلد- بلباسه فالبسه، ولا حرج عليك، إذا لم تجر فلا تلبسه؛ لأنه يكون لباس شهرة يتحدث الناس به؛ لأن يتحدثون يقولون: ما شاء الله، فلان شوفت ماذا ويش صار؟ ويش اللي صار؟ قال: عليه خاتم فصه كبر التمرة. ويتخذونه سخرية، فأنت اتبع ما جرت به العادة.
وهذه مسألة ينبغي أن يتفطن لها، وهي أن موافقة العادات في غير المحرم هو السنة؛ لأن مخالفة العادات يجعل ذلك شهرة، والنبي ﵊ نهى عن لباس الشهرة، فيكون منهيًّا عنه.
وبناءً على ذلك نقول: هل من السنة أن يتعمم الإنسان ويلبس إزارًا ورداءً؟
نقول: إن كنا في بلد يفعلون ذلك فهو من السنة، إذا كنا في بلد لا يألفون ذلك ولا يعرفونه فليس من السنة.
[ ١ / ٣٠٢٨ ]
فالصحيح في هذه المسألة -في مسألة اتخاذ الخاتم- أنه ليس بسنة إلا عند الحاجة، لكنه مباح.
طيب يقول: أين يوضع الخاتم؟ هل هو في الخنصر، أو البنصر، أو السبابة، أو الوسطى، أو الإبهام، عندنا خمسة أصابع؟
الطلبة: في الخنصر.
الشيخ: في الخنصر أفضل، وما هو الخنصر؟
الطلبة: الصغير.
الشيخ: الصغير المتطرف، ويليه البنصر، الوسطى، السبابة، الإبهام.
الفقهاء يقولون ﵏: إن الخنصر أفضل، بحثها أيضًا نسأل هل يُسن في اليسار أو في اليمين؟
قال الإمام أحمد: اليسار أفضل؛ لأنه أكثر، ولكن يجوز اليمين.
والصحيح أنه سنة في هذا وهذا، يعني أن تلبس في اليمين وفي اليسار، كل هذا سواء. لكن بعض العلماء يقول: إذا كان قد خُتم عليه اسم الله فلا ينبغي أن يكون في اليسرى؛ تكريمًا لاسم الله، ولأنه يحتاج إلى اليسرى في الاستنجاء والاستجمار، وحينئذٍ إما أن يتكلف بإخراج الخاتم، وإما أن يستنجي والخاتم عليه، وهذا فيه نوع من الإهانة.
ويؤخذ من هذه المسألة أن وضع الساعة في اليد اليمنى ليس أفضل من وضعها في اليد اليسرى؛ لأن الساعة أشبه ما تكون بالخاتم، فإذا كانت السنة وردت بهذا وهذا فإنه لا فرق بين أن تضع الساعة في اليمين أو الساعة في اليسار، لكن أيهما أيسر للإنسان: اليسار أو اليمين؟ الصواب اليسار أيسر بلا شك، خصوصًا اللي تتملى بالزمبلة فهي قليلة، لكن اللي تتملى ما يصلح إلا باليسار؛ لأنك إذا حطيتها باليمين وجيت () عكست وإلا عكست يدك.
لكن في اليسار أيسر، لكن يقول الأخ: الآن ما فيه زمبلة، الآن إلكتروني، نقول: هي أيضًا أسهل بالنظر لها، ثم هي أسلم في الغالب؛ لأن الغالب أن اليمنى أكثر حركة، فهي أسلم. على كل حال هذه تعليلات تمشي إحالة لكن أهم شيء ألا نقول: إن من السنة أن تلبسها في اليمين؛ نقول: الأمر في هذا واسع، والسنة جاءت في اليمين واليسار في الخاتم، وهي أشبه شيء به.
طالب: هل تصير مخالفة؟
[ ١ / ٣٠٢٩ ]
الشيخ: لا، ما فيه مخالفة، أكثر المسلمين الآن على أنهم يلبسونها في اليسار، أكثر المسلمين.
الأصبع الخِنصر والبِنصر هذا الأفضل، والخنصر أفضل، أما السبابة والإبهام فقالوا: إنه يكره أن يوضع في الوسطى والسبابة، أما الإبهام فألحقه بعضهم بالسبابة والوسطى، وبعضهم قال: إنه مباح، فصارت الأصابع ثلاثة أقسام: قسم وضعه فيها مستحب: الخنصر والبنصر، قسم مكروه: السبابة والوسطى. وقسم مباح، وهو الإبهام، وبعضهم ألحقه بالسبابة والوسطى.
قول المؤلف: (يباح الخاتم) هل المراد خاتم واحد أو جنس الخاتم؟
قال بعضهم: لا بأس بلباس الخاتمين ما لم يكن إسرافًا. وقال آخرون: لا، يُكره أن يلبس أكثر من واحد ويكفي واحد، والزائد مكروه. والله أعلم.
[ ١ / ٣٠٣٠ ]
ويباح (قبيعة السيف وحلية المِنطقة) السيف أظنكم تتصورونه له مقبض يقبض به، القبيعة تكون في طرف المقبض، فيجوز أن تُحل هذه القبيعة بالفضة؛ لماذا؟ لآثار وردت في ذلك بعضها مرفوع وبعضها موقوف، ولأن السيف من آلة الحرب، وفي تحليته إغاظة للعدو، ولهذا جازت الخيلاء في الحرب، وجاز لباس الحرير في الحرب، وكل شيء يغيظ الكفار فإن الإنسان له فيه أجر، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] الأوصاف هذه لمن؟ لمحمد رسول الله والذين معه ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فدل ذلك على أن إغاظة الكفار مرادة لله ﷿ وأن فيها أجرًا.
إذن فأنا أغيظ الكفار لأمرين: لموافقة مراد الله. والثاني للأجر، العمل الصالح. ولكن هذا لا يعني ألا ندعوهم إلى الإسلام، نحن نفعل ما يغيظهم وندعوهم إلى الإسلام.
يقول: (وحلية المنطقة)؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك، المِنطقة ما يُشد به الوسط، العمال في الحرث، والاحتطاب وشبهه، يتخذون مناطق لتشدهم وتقويهم من وجه، ولترفع ثيابهم من وجه آخر، فهذه المنطقة يجوز أن تُحلّى بالفضة؛ لورود ذلك عن الصحابة، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ من أن التحلي بالفضة الأصل فيه الجواز.
وقوله: (ونحوه) يعني: نحو ما ذكر.
[ ١ / ٣٠٣١ ]
مثل عندي بالشرح يقول: (كحلية الجوشن، والخوذة، والخف، والران، وحمائل السيف. قالوا: لأن هذا يشبه المنطقة، وإذا جاز ذلك في المنطقة عن الصحابة فهذه مثلها).
انتهى الكلام على الفضة. بقي هل نقول: يجوز للرجل أن يشرب في إناء الفضة؟ نقول: الأصل فيها الحل، لكن هنا ورد النص بتحريم الأكل والشرب في آنية الفضة، فلا يجوز للإنسان أن يتخذ ملعقة من فضة يشرب بها أو يأكل بها.
هل يجوز أن يتخذ قلمًا فيه فضة؟
نقول: لا بأس، بشرط ألا يستعمله لباسًا، إن قلنا بتحريم اللباس ما عدا المستثنى.
أما إذا قلنا: الأصل الحل نقول: لا بأس أن يتخذ الإنسان قلمًا غطاؤه من فضة أو جرابه كله من فضة؛ لأن الأصل فيه الحل.
(ويباح من الذهب) يعني يباح لمن؟ للذكر من الذهب قبيعة السيف، قبيعة السيف ما هي؟ رأس مقبض السيف، يباح أن يكون فيه ذهب، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه اتخذ ذهبًا على مقبض السيف (٦).
ونقول أيضًا في العلة: إنه من آلات الحرب ففي اتخاذ ذلك إغاظة للكفار.
(قبيعة السيف وما دعت إليه ضرورة، كأنف ونحوه) يعني: ويباح له ما دعت إليه ضرورة كالأنف، الأنف كيف يُتخذ يعني نلبسه ذهبًا؟ لا، لكن لو قُطع واحتاج الإنسان إلى أن يزيل التشوه بهذا الأنف فلا بأس.
فإن قال قائل: لماذا لا يُتخذ من فضة؟ قلنا: لأن الفضة تُنتن، فإن عرفجة بن أسعد ﵁ قُطع أنفه فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن، ثم اتخذ أنفًا من ذهب (٧).
وهل يُشترط أن يُضطر إلى الذهب، بمعنى أنه لو أمكن أن يركب غير الذهب حرم عليه الذهب؟
قول المؤلف: (ما دعت إليه ضرورة) يقتضي أنه لا بد أن يُضطر إلى عين الذهب، لا إلى وضع الأنف، إلى عين الذهب.
[ ١ / ٣٠٣٢ ]
وبناء على ذلك فإنه في وقتنا الحاضر يمكن أن يقوم مقامه شيء آخر، الآن يفعلون عمليات ينقلون من بعض أجزاء الجسم شيئًا يضعونه على الأنف، يكون الكلام في الطبيعي من اللحم، وهذا أحسن من كونه من ذهب، فإذا أمكن أن يُجعل من مادة أخرى غير الذهب فإنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ضرورة؛ لأن جواز الذهب للضرورة.
وقول المؤلف: (ونحوه) مثل السن. رجل انكسر سنه، واحتاج إلى رباط من الذهب، أو إلى سن من الذهب، فإنه لا بأس به ولا حرج عليه في ذلك.
ولكن يرد علينا السؤال اللي أوردنا قبل: إذا كان يمكن أن نجعل له سِنًّا من غير الذهب، كالأسنان المعروفة الآن، فالظاهر أنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه الآن ليس بضرورة، ثم إن غير الذهب وهي المادة المصنوعة الآن أقرب إلى السن الطبيعي من سن الذهب.
هل يجوز للرجل أن يلبس ساعة محلاة بالفضة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، على القول الراجح يجوز أن يلبس ساعة محلاة بالفضة؛ لأن الأصل في الفضة الحل. هل يجوز أن يلبس ساعة محلاة بالذهب؟ لا يجوز؛ لأن الذهب حرام على الرجال.
ولكن إذا كانت الساعة مطلية بالذهب، والذهب فيها مجرد لون فقط فهي جائزة، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يلبسها لوجهين:
الوجه الأول: أنه يُساء به الظن أنه لبس ساعة من ذهب؛ لأن الناس لا يدرون.
والثاني: أنه ربما يُقتدى به، كما هو معروف الآن الناس يقتدي بعضهم ببعض.
فنقول للإنسان: إذا أتاه ساعة من ذهب هدية أو نحو ذلك نقول: الأفضل ألا تلبسها، وإن لبستها فلا حرج، لكن الأفضل ألا تلبسها.
لكن العلماء اشترطوا في المطلية بالذهب أن يكون له -أي للذهب- جسم، بحيث يخرج منه شيء لو عُرض على النار يعني قشرة، يكون له قشرة، فأما مجرد اللون فلا بأس، أما إذا كان فيه قشرة فلا.
فإن قال قائل: إذا كانت الساعة ليست ذهبًا ولا مموهة به، لكن في آلاتها شيء من الذهب فهل تجوز؟
[ ١ / ٣٠٣٣ ]
نقول: نعم لا بأس بذلك؛ لأنه إن كان في الآلات الداخلية فإنه لا يُرى ولا يُعلم به، وإن كان من الآلات الخارجية كالعقرب مثلًا فإنه يسير تابع فلا يضر. ولكن يبقى النظر: هل يجوز للإنسان أن يشتري ساعة فيها قطع من الذهب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: إن قلتم: لا، قلنا: لا، وإن قلتم نعم قلنا: لا، ما هو التفصيل؟ إذا كان لُبس مثله لها يُعتبر إسرافًا دخل في حد الإسراف، وقلنا: لا يجوز، هذا ليس لباس مثلك، وإذا كان لا يعد إسرافًا فالأصل الجواز، هذا ما لم يرخص فيه، الأصل الجواز.
ولهذا بعض الناس الآن () بعض الساعات يشريها بألف ريال، كيف؟ !
الطلبة: ().
الشيخ: لا.
طالب: فيه بثلاثين ألفًا.
الشيخ: أبدًا ما نوافقكم، هل أحد يشتري بأكثر من ألف ريال؟
الطلبة: ().
طالب: بثلاثين ألفًا، موجود.
الشيخ: عجيب.
طالب: بتسعين ألفًا جايبها أنا بإيدي.
الشيخ: أعوذ بالله، ثمن سيارة يا شيخ.
الطالب: بتسعين ألفًا هذا مع الرأفة بعد.
الشيخ: على كل حال هذا أنا أظنه إسرافًا، حتى لو هو غني، ستة وتسعون ألفًا يعني هذه لو تطيح من إنسان راحت كل اللي عليه، إسراف، ما هو صحيح.
المهم على كل حال الآن خلونا مع الوسط، وسط الناس إذا كان يعد إسرافًا قلنا: لا تلبسها لأنها إسراف، وقد قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وإذا كان ممن جرت العادة بلبسها في يده فهو جائز.
فيه أيضا مشكلة يقولون: إن هذا اللي في مشلحي هذا القصب، يقولون: إنه ذهب، والرجل يحرم عليه لباس الذهب إلا ما دعت إليه الضرورة كالأنف ونحوه، فما رأيكم في هذه المسألة؟
الطلبة: إذا ثبت ..
الشيخ: المذهب إذا ثبت أن هذا ذهب أنه حرام؛ لأنه محلى بالذهب، وفي بعض المشالح أيضًا فيه خياطة على هذا، بعضه إصبعان وبعضه ثلاث، وبعضهم أربع.
[ ١ / ٣٠٣٤ ]
فالمذهب أن هذا حرام ولا يجوز لبسه، وذكروا لي أن الشيخ الشنقيطي محمد ﵀ الأمين أول ما قدم المملكة كان عليه لباس مثل هذا فيه الزري هذا، قالوا: يا شيخ حرام، هذا ذهب. فخلعه في الحال واشترى شيئًا مزرى بالحرير، قصبه حرير، والحرير جائز، الحرير اليسير لا بأس به.
لكن المسألة هذه يعتورها أمران:
الأمر الأول: أننا لا نسلم أن هذا ذهب، وقد حدثنا شيخنا عبد العزيز بن باز عن شيخه محمد بن إبراهيم ﵀ أنهم اختبروا هذا فوجدوا أنه ليس بذهب، وعلى هذا فالمسألة غير واردة من الأصل، ونلبسها نحن دفئًا في الشتاء وتجملًا في الصيف ولا يكون في نفوسنا شيء.
القول فيه رأي آخر: لو فرضنا أنها ذهب فإن حبر زمانه، وإمام أهل وقته ومن بعد وقته شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: يجوز من الذهب التابع ما يجوز من الحرير التابع؛ لأن النبي ﷺ جعل حكمهما واحدًا فقال: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهِمْ» (٨) فجعل الشيئين حكمهما واحدًا.
وعلى هذا فالذي يوجد في المشالح هذه لا يصل إلى درجة التحريم؛ لأن المحرم من الحرير على الرجال الخالص وما أكثره حرير، وما كان زائدًا على أربعة أصابع، أما إذا كان علمًا دون أربع أصابع فإنه لا بأس به من الحرير، وعلى رأي الشيخ: ولا من الذهب.
ولكن لاحظوا ما أشرنا إليه أولًا أننا إذا قلنا بجواز شيء فهو جائز لذاته، فإذا كان محرمًا من وجه آخر صار حرامًا. مثل: لو قدرنا أن رجلًا لو يلبس الذهب خالصًا يجعله مرصعًا في بشته لقالوا: هذا مسرف أو مجنون، فحينئذٍ نقول أيش: يحرم من أجل الإسراف، وهذه القاعدة في كل حلال، كل مباح إذا اشتمل على محرم صار حرامًا.
طالب: بالنسبة إلى هذه () بموضع أصبع أو أصبعين ()؟
الشيخ: شيخ الإسلام قاسه عليه.
الطالب: القياس في مقابل ما أدري ..
الشيخ: ما هو مقابل نص.
الطالب: الحرير الآن جاء نص.
[ ١ / ٣٠٣٥ ]
الشيخ: إي وهو يقول: مثله، يرى أنه يقاس عليه.
طالب: النبي ﷺ لبس ثوبًا فيه زرار ذهب في البخاري.
الشيخ: زرار ذهب أيضًا يسيرٌ تابع ما يضر.
طالب: الساعة يا شيخ اللي يكون فيها ألماس.
الشيخ: ما يضر، ولهذا يجوز أن أشرب بإناء من ألماس لأنه حلال.
طالب: يا شيخ ما يكون خاصًّا بالإسراف؟
الشيخ: بس من باب الإسراف يعني لكن ليس حرامًا لذاته، من باب الإسراف يحرم.
طالب: ().
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: ().
الشيخ: النجفات دول آه كريات. والله أنا أرى أن فيها إسرافًا، ثم هي أيضًا هي تعطي زيادة نور؟
الطالب: ().
الشيخ: أبدًا الآن لو هذه لو ما فيها أمامنا الآن الثريا اللي أمامنا لو ما فيها هذه الزجاجات كان أقوى نورًا من هذا.
طالب: إي بس تعطيك جمالًا.
الشيخ: والله على كل حال الدراهم إذا كثرت تضيق على الواحد، يدور شيء يمشي نفسه.
طالب: ().
الشيخ: يجينا إن شاء الله.
طالب: بمناسبة دخول هذه المسائل ما ذكرت () اللباس؟
الشيخ: إي هذه بعض العلماء جعلها في اللباس، وبعضهم جعلها هنا لمناسبة الزكاة علشان الزكاة هل فيها زكاة أو ما فيها زكاة.
طالب: عفا الله عنك، السيف و() إن الإنسان () فيه مصلحة.
الشيخ: طيب هذه من أوجه الجواز.
طالب: أحسن الله إليك، ما يوضع من الذهب في قبيعة السيف هل لها حد أو ما ().
الشيخ: مهما () ألا تكون إسرافًا، وعن الإمام أحمد ﵀ رواية تقيده باليسير، لكن إذا كان قبيعة سيف النبي ﵊ ثمانية مثاقيل كثيرًا.
طالب: ().
الشيخ: سؤال يقول: إذا استعمل أنفًا من ذهب أو سنًّا من ذهب مع وجود البديل، هل نلزمه بخلعه إذا لم يكن عليه ضرر يخلعه، أما إذا كان عليه ضرر فلا.
طالب: ما دليله ().
الشيخ: فعل الرسول ﵊.
الطالب: () السنية.
الشيخ: إي، مجرد الفعل يدل على السنية ولا يدل على الوجوب.
طالب: فرش الحرير؟
[ ١ / ٣٠٣٦ ]
الشيخ: فراش الحرير للرجال لا يجوز، وللنساء فيه قولان للعلماء، فمنهم من قال: إنه يجوز لعموم: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي» (٨).
ومنهم من قال: لا يجوز، والذي يظهر لي أنه لا يجوز أن تفترش المرأة الحرير؛ لأن هذا لا يتعلق بلباسها الذي أبيح لها فيه الحرير من أجل التجمل للزوج.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني جاء دليل الآن في تحريم اللباس ولكن ما جاء دليل تحريم ..
الشيخ: الافتراش؟ لا، عموم حرم على ذكورها عامة.
الطالب: الذهب ().
الشيخ: حتى أيش؟
الطالب: استعماله.
الشيخ: إي نعم، يَحرم حتى استعماله. الذهب على الرجال إي نعم، لكن شيخ الإسلام يقول: ما دام أُبيح من الحرير مقدار أصابع أربع أصابع فما دون، وما كان يسيرًا تابعًا فهذا مثله.
الطالب: () لو فرقنا بين اتخاذه واستعماله.
الشيخ: هو يستعمله الآن.
الطالب: غير اللباس ..
الشيخ: ().
الطالب: ().
الشيخ: الشرب حرام على الرجال والنساء الذهب والفضة.
الطالب: واللباس؟
الشيخ: واللباس يجوز للمرأة الذهب والحرير ولا يجوز للرجل.
الطالب: غير اللباس الذهب ().
الشيخ: يحرم على الرجال وعلى النساء أيضًا.
طالب: يا شيخ، ما الذريعة في كراهة الفضة في الوسطى والسبابة.
الشيخ: الظاهر أن فيه نهيًا عن هذا، ما استطرد الأدلة، لكن الظاهر أن فيه نهيًا.
طالب: في صحيح مسلم يا شيخ () ﷺ، فنضع خاتمين هذه وهذه، وأشار إليه.
الشيخ: إي نعم.
طالب: يجوز أخذ مقدار أخذ () حرير، هناك نص آخر: ما حرم كثيره فقليله حرام. لماذا () الذهب ولا () هذا؟
الشيخ: سمعتم، يقول: الخمر ما حرم كثيره فقليله حرام.
الطالب: ().
الشيخ: المسكر حرام، فقليله حرام، هكذا تقول؟ هذا الذي تريد؟
الطالب: ().
الشيخ: هذا الذي تريد.
الطالب: ().
الشيخ: إلا ما استثني.
الطالب: لماذا () الذهب تابع للحرير ولا ..
[ ١ / ٣٠٣٧ ]
الشيخ: هو يقول: شيخ الإسلام يقول: لأن الباب واحد، قال: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِير لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٨) كذا؟ ما () العموم أبيح من الحرير ما كان تابعًا، كأربعة أصابع فما دون، وكالزرار من الحرير وشبهه، قال: هذا مثله قياسًا.
الطالب: وماذا نذكر تحت هذا الحديث؟
الشيخ: أين؟
الطالب: ما حرم كثيره فقليله حرام.
الشيخ: ما هو هذا، ما هو بحديث، هذا ما أسكر كثيره فقليله حرام في الشراب.
الطالب: () الأشياء التي حرمت العلة موجودة وهو كسر قلوب الفقراء ().
الشيخ: وكل ما كسر قلوب الفقراء فهو حرام؟ أسألك أجبني، هذه علة عليلة باطلة، والله لو يجي واحد () وسيارة () وقصر مشيد يكسر قلوب الفقراء أشد من كونه يلبس خاتم ذهب ()، لا، الحكمة أن الذهب إذا لبسه الذكر صار يميل إلى التخنث، يعني طبيعة الذهب تؤدي إلى هذا، أن الإنسان ينزل بنفسه، وكل شيء يؤدي إلى هذا ما فيه شك أنه مفسدة.
***
طالب: باب زكاة النقدين: ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه، ولو كثر، ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال أو العارية، فإن أعد للكرى، أو للنفقة، أو كان محرمًا، ففيه الزكاة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الرجال والنساء يشتركون في تحريم الذهب والفضة في؟
طالب: في الأكل والشرب.
الشيخ: فلا يجوز لا للرجال ولا للنساء الأكل أو الشرب في آنية الذهب أو الفضة.
استعمالها في غير الأكل والشرب سبق لنا أن الصحيح جواز ذلك؛ لأن النهي إنما هو عن الأكل والشرب، وأن أم سلمة كان عندها جلجل من فضة حفظت فيه شعرات من شعرات النبي ﵌ (٩)، مع أنها هي التي روت الحديث الذي فيه النهي (١٠).
[ ١ / ٣٠٣٨ ]
وفي باب اللباس ذكرنا أن الرجل بالنسبة للفضة يجوز له؟ ذكرنا في ذلك قولين، ما هما؟
طالب: قول يقول بالتحريم إلا ما دعت إليه الضرورة.
الشيخ: لا.
طالب: القول الأول أنه يباح للرجل لبس الفضة فيما دل عليه دليل، والأصل التحريم.
والقول الثاني أنه الأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه.
الشيخ: تمام، هذا هو الصحيح، الثاني هو الصحيح؛ لأنه ما فيه أدلة على هذا. بالنسبة للذهب؟
طالب: نعم يحرم لباس الرجل ويباح للمرأة.
الشيخ: يحرم على الرجل لباس الذهب الخالص ويباح للمرأة.
ما هي الحكمة في التفريق بينهما؟ في التفريق بين الرجل والمرأة في جواز لباس الذهب للمرأة دون الرجال؟
طالب: الحكمة أن الذهب للمرأة للتجمل.
الشيخ: أعطيتني الحكم، هذا الحكم، ما هي الحكمة؟
طالب: خوفًا من أن يميل إلى التخنث.
الشيخ: طيب والمرأة؟
الطالب: المرأة يباح لها.
الشيخ: إي، ما الحكمة من التفريق بين الرجال والنساء؟
الطالب: لأنه يميل إلى تخنث الرجل ..
الشيخ: والمرأة تميل إلى التخنث.
الطالب: المرأة أصلها مباح.
طالب: المرأة تحتاج إلى تجمل وتزين، أبيح لها ما يكمل نقصها.
الشيخ: صح.
الطالب: أما الرجل ..
الشيخ: فلا، طيب إذن إباحة الذهب للمرأة رحمة بها أو بزوجها؟
طالب: ().
الشيخ: وبزوجها أيضًا؛ لأن ذلك يسره فصارت الحكمة راجعة للطرفين.
طيب الفضة، ما تقول في لباس المرأة للفضة؟
طالب: ().
الشيخ: يعني يجوز، إذن لباس الفضة للرجال والنساء جائز، لباس الذهب حرام على الرجال جائز للنساء، هذا الخالص، طيب التابع؟
طالب: يجوز للرجال.
الشيخ: مثل؟
الطالب: يكون مخلوطًا مع ().
الشيخ: لا.
طالب: اليسير التابع يجوز للرجال.
الشيخ: قولًا واحدًا ولَّا فيه خلاف؟
الطالب: فيه خلاف، القول الثاني لا يجوز إلا للضرورة.
الشيخ: قول: لا يجوز إلا للضرورة، وقول آخر: يجوز؟
الطالب: إذا كان يسيرًا ..
[ ١ / ٣٠٣٩ ]
الشيخ: إذا كان يسيرًا تابعًا. الذين قالوا بالجواز في اليسير التابع ما دليلهم؟
طالب: دليلهم نص وقياس، أما النص فإن النبي ﷺ ورد عنه أنه لبس حلة فيها أزرار من ذهب.
الشيخ: أنه روي عن النبي ﵊ أنه لبس حلة زرارها من ذهب، هذا واحد، والقياس؟
الطالب: وأما القياس فقياسًا على الفضة.
الشيخ: لا.
الطالب: أو على الحرير.
الشيخ: على الحرير.
الطالب: لأن الحرير يستباح منه جزء يسير، وهو ما كان يقع أربع أصابع للرجل.
الشيخ: أربع أصابع فما دون.
الطالب: فعليه أتى شيخ الإسلام بالجواز.
الشيخ: بالجواز؛ لأن الرسول ﵊ قرن تحريم الذهب والحرير في حديث واحد: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٨).
خاتم الذهب للرجل؟
طالب: خاتم الذهب جائز.
الشيخ: جائز لأنه يسير.
الطالب: مباح.
الشيخ: () مباح.
الطالب: () فضة.
الشيخ: ما هي الفضة، ذهب.
خاتم الذهب للرجل؟
الطالب: ().
الشيخ: أسألك هل هو جائز ولَّا لا؟
الطالب: جائز.
الشيخ: جائز، خاتم الذهب لماذا؟
الطالب: ().
الشيخ: أقول لك: الذهب يا أخي من زمان، دعنا من الفضة الله يهديك.
الطالب: حرام.
الشيخ: حرام، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل قول الرسول ﵊: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلنِّسَاءِ وَحُرِّمَ عَلَى الرِّجَالِ» (٨).
الشيخ: لكن إذا قال قائل: هذا يسير تابع، الخاتم يسير، تابع للأصبع، أيش نقول؟
الطالب: نقول: إنه محرم لأنه غير تابع.
الشيخ: غير تابع مستقل، بخلاف الأزرار لأنه تابع للثوب.
هل يجوز للرجل أن يلبس ساعة من الذهب؟
طالب: لا يجوز لأنه ليس تابعًا.
الشيخ: نعم، وهو من باب اللباس، طيب لو وضعها في ()؟
طالب: لا بأس به.
الشيخ: إي لا بأس به، ما دامت ما هي ملبوسة لا بأس به.
يقول المؤلف: إنه يجوز من الذهب قبيعة السيف. ما هي قبيعة السيف؟
[ ١ / ٣٠٤٠ ]
طالب: قبيعة السيف رأس السيف.
الشيخ: إذن مقبض السيف محل قبضة اليد؛ لأن رأسه آخره، الدليل؟
الطالب: الدليل لأنه ليغيظ الكفار به، قال الله ﵎.
الشيخ: هذا تعليل هذا.
الطالب: والثاني: يجوز الفضة مطلقة، استعمال الفضة مطلقة الأصل فيه الحل.
الشيخ: ما هي فضة، قبيعة السيف من ذهب.
الطالب: لعله () ﵎ ().
الشيخ: هذه تعليل، العلة إغاظة للكفار، لكن ما هو الدليل على المسألة هذه؟
طالب: ().
الشيخ: وكذلك ذكر الإمام أحمد أن قبيعة سيف الرسول كانت من ذهب وزنها ثمانية مثاقيل.
***
ثم قال المؤلف: (ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه، ولو كثر): (يباح) يعني يحل، الإباحة بمعنى الحل، والمبيح هو الشارع.
وقوله: (ما جرت عادتهن): (ما) هذه اسم موصول في محل رفع نائب فاعل، يعني الذي جرت عادتهن بلبسه على أي وجه كان، سواء كثر أو قل فإنه مباح بشرط ألا يخرج عن العادة، وإنما قيدنا ذلك -أي ألا يخرج عن العادة- لأن ما خرج عن العادة إسراف، والإسراف حرام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] فالإسراف حتى في المباح يكون حرامًا.
وقوله: (ما جرت عادتهن) العادة تختلف باختلاف البلدان، واختلاف الأزمان، واختلاف الأحوال، ثلاثة: فاختلاف البلدان: قد يكون في هذا البلد جرت العادة أن يلبس النساء هذا النوع من الذهب، بخلاف البلد الآخر.
اختلاف الأزمان كذلك يكون الناس في زمان رخاء تكثر الأموال عندهم، فيلبس النساء من الذهب شيئًا كثيرًا، أو بالعكس، فيكون الجائز في الزمن الأول غير جائز في الزمن الثاني.
الأحوال: هذه امرأة فقيرة، وهذه امرأة غنية، وهذه امرأة ملك، وهذه امرأة وزير، وهذه امرأة رئيس، الأحوال تختلف، هل نقول: إن امرأة الفقير التي لا تملك إلا دراهم قليلة كامرأة الملك؟
[ ١ / ٣٠٤١ ]
الجواب: لا، حتى العادة لو أنها اتخذت من الذهب أو من حلي الذهب ما يكون مثل حلي امرأة الملك لقال الناس: هذه مجنونة، إذن ما جرت به العادة، فصارت العادة تختلف باختلاف البلدان والأزمان والأحوال.
وقول المؤلف: (ولو كثر) هذه إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: يشترط ألا يزيد على ألف مثقال، أو ما أشبه ذلك، المهم بعض العلماء حدد ذلك، والصواب أنه لا تحديد، ما جرت به العادة فهو مباح، ودليله عموم قوله ﵌: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٨).
يقول في الشرح: ويباح لهما - أي الذكر والأنثى - تحل بجوهر ونحوه، مثل الماس، وكره تختمهما بحديد وصُفر ونُحاس ورَصاص.
أما الأول الإباحة فواضح دليلها عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، واللام في قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل، وإذا كان مخلوقًا من أجلنا فلا بد أن يكون مباحًا لنا، أفهمتم الآن أن اللام للتعليل أو للإباحة؟ للتعليل؛ لأن التعليل يستفاد منه الإباحة، ويستفاد منه زيادة وهي رحمة الله بالخلق، وأنه خلق لنا من أجلنا ما في الأرض من المنافع، فالتعليل في الآية أولى بلا شك من القول بأنها للإباحة، لكن قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] هذه اللام للإباحة لا شك، يعني فيباح لكم رؤوس أموالكم في الربا.
أما قوله: (كره تختمهما بحديد) فهذا موضع خلاف بين أهل العلم:
فمنهم من قال: إنه حلال؛ لقول النبي ﵌: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (١١)، والحديث في الصحيحين.
[ ١ / ٣٠٤٢ ]
ومنهم من قال: إنه مكروه؛ لأن رجلًا جاء إلى النبي ﵌ وعليه خاتم من شَبَه، فقال: «أَمَا إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الْأَصْنَامِ». فطرحه، ثم جاءه وعليه خاتم من حديد، فقال: «مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ». فطرحه (١٢). قال الخطابي: أي زي الكفار، وهم أهل النار.
فهذه المسألة مسألة خلاف، بعضهم قال: إن هذا الحديث ضعيف وشاذ؛ لأنه مخالف لما هو أوثق منه، ما هو الأوثق؟ ما في الصحيحين: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (١٣).
وهذا في سنده نظر، وفي متنه نظر، ومن المعلوم أن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة، ثم إننا ينبغي أن نقول: إذا صححنا الحديث وجعلناه حجة فإنه يحرم لباس الحديد؛ لأن التحلي بحلية أهل النار لا يجوز.
لكن لهم أن يجيبوا عن هذا فيقولوا: إننا لا نجزم بالتحريم؛ لعدم جزمنا بثبوت الحديث، لكن قلنا بالكراهة من باب الاحتياط.
فقد ذهب إلى هذا بعض الفقهاء والمحدثين وقالوا: إن الحديث إذا لم يكن مردودًا فإنه يُولِّد شُبهة، وإذا ولد شبهة كان في منزلة بين منزلتين، إن كان أمرًا فهو في منزلة بين المنزلتين؛ بين الإيجاب وبين براءة الذمة، فيكون الأمر للاستحباب، وإن كان نهيًا فهو في منزلة بين المنزلتين هما التحريم والإباحة، فيكون مكروهًا.
على كل حال، هذه قاعدة قد تؤخذ من قوله ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١٤).
ثم قال: (ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال أو العاريَّة).
(لا زكاة في حليهما)، حلي مَن؟ الذكر والأنثى، ولكن لا بد من قيد وهو المباح؛ لأن المؤلف قال في آخر الكلام: (أو كان محرمًا ففيه الزكاة) لا بد أن يكون في حليهما المباح (المعد للاستعمال أو العارية).
يعني شرطين، تسقط زكاة الحلي بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون مباحًا.
[ ١ / ٣٠٤٣ ]
والشرط الثاني: أن يكون معدًّا للاستعمال، أو العارية، سواء استعمل وأعير أم لم يستعمل ولم يعر، المهم أنه معد للاستعمال أو العارية.
أما القيد الأول وهو المباح فلأن سقوط الزكاة عن الحلي من باب الرخصة، ومستعمل المحرم ليس أهلًا لها، أي للرخصة.
مثاله: لو اتخذ الرجل خاتمًا من ذهب لوجبت عليه الزكاة في هذا الخاتم إذا بلغ النصاب، أو كان عنده ما يكمل به النصاب؛ لماذا؟ لأنه محرم.
أو اتخذت امرأة حليًّا على شكل ثعبان أو شكل فراشة أو ما أشبه ذلك، فإن عليها فيه الزكاة، ليش؟ لأنه محرم؛ إذ يحرم على الإنسان ما فيه صورة حيوان، أو صنع على صورة حيوان.
الشرط الثاني: يقول: (المعد للاستعمال أو العارية)، الاستعمال الشخصي أو العارية، من باب الإحسان إلى الغير؛ لأن العارية هي بذل العين لمن ينتفع بها ويردها، وهو إحسان محض.
وقولنا: إن العارية بذل العين لمن ينتفع بها ويردها يخرج به الإجارة، والرهن، وما أشبه ذلك، ولهذا نقول: إن المستعير لا يملك أن يعير غيره، والمستأجر يملك أن يؤجر غيره بشروط معروفة عند العلماء؛ لأن المستعير مالك للانتفاع، والمستأجر مالك للمنفعة، فمالك المنفعة يتصرف فيها، ومالك الانتفاع لا يتصرف، ينتفع ولَّا يترك.
(المعد للاستعمال أو العارية) ليس فيه زكاة. وفي هذا ثلاثة أدلة على سقوط الزكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية: دليل من السنة ودليل من الآثار عن الصحابة ودليل من التعليل من العلة والحكمة، فاجتمع فيه ثلاثة أوجه من الأدلة: السنة، وأثر الصحابة، والنظر.
ما هي السنة؟ السنة أنه يُروى عن النبي ﵌ أنه قال: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» (١٥) هذا دليل نفي.
ثانيًا: أما الآثار فيقول عندي () وهو قول أنس، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء، كم؟ خمسة من الصحابة مؤيد قولهم بهذا المروي مرفوعًا.
[ ١ / ٣٠٤٤ ]
أما النظر فلأن هذا الحلي معد للحاجة الخاصة، حاجة الإنسان الخاصة، وقد قال النبي ﵊: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (١٦) وهذا مثل العبد، والفرس، متخذ للحاجة الخاصة، فلا زكاة فيه.
وكذلك الثياب، لا زكاة فيها، فيكون القياس ألا تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية. وهذا المذهب ذهب إليه الإمام أحمد ﵀، ومالك، والشافعي على خلاف بينهم في بعض المسائل، لكن في الجملة اتفقوا على عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية.
وعن الإمام أحمد رواية أخرى؛ أن الزكاة واجبة في الحلي، وهو مذهب أبي حنيفة، واستدل هؤلاء بحديث، بل بعدة أحاديث مرفوعة إلى النبي ﵌:
منها ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، وَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (١٧).
وهذا عام، ما من صاحب ذهب ولا فضة، والمرأة التي عندها الحلي، سواء حلي فضة أو ذهب، صاحبة ذهب أو فضة، فهذا العموم يشمل الحلي وغير الحلي، ومن قال: إن الحلي خارج فعليه الدليل، وقد ذُكرت الأدلة ولكن سيُجيب عنها أهل هذا القول.
[ ١ / ٣٠٤٥ ]
واستدلوا أيضًا بما رواه أهل السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت إلى رسول الله ﵌ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسَكَتَانِ غليظتان من ذهب، فقال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟». قالت: لا. قال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟». فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﵌» (١٨).
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح، وهو ما ذكرناه أولًا، وله شاهد أيضًا في غير الصحيح من حديث عائشة وأم سلمة ﵄، ولا شك أن هذه الأدلة أقوى من أدلة من قال بعدم الوجوب.
فإن قال قائل: بماذا نجيب عن أدلة القائلين بعدم الوجوب؟
قلنا: نجيب: أما الحديث: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» (١٥) فإنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، فضلًا عن أن يعارَض به عموم الحديث الصحيح. ثم إن المستدلين به لا يقولون بموجبه؛ إذ لو أخذنا بموجبه لكان الحلي لا زكاة فيه مطلقًا، وهم لا يقولون بذلك، يقولون: إن الحلي المعد للإجارة أو للنفقة فيه الزكاة، وهذا معناه أننا أخذنا بالحديث من وجه، وتركناه من وجه آخر، هذا لو صح الحديث.
وأما ما رووا عن الصحابة الخمسة، فهو لا يقاوم عمومات الأحاديث، ولا سيما أن هناك دليلًا خاصًّا في الموضوع، وهو حديث المرأة التي معها ابنتها، هذا نص في الموضوع، ولا عبرة بقول أحد مع قول رسول الله ﵌.
وأما القياس فهو قياس مع الفارق وقياس متناقض: أما كونه قياسًا مع الفارق فلأن الأصل في الذهب والفضة أيش؟ الوجوب، وجوب الزكاة، ولا أصل في الفرس، والعبد، والثياب، يوجب الزكاة، وكيف نقيس هذا على هذا والأصل في الخيل عدم الزكاة؟
[ ١ / ٣٠٤٦ ]
والأصل في العبيد عدم الزكاة إذا لم يكونوا للتجارة، والأصل في الثياب عدم الزكاة، فكيف نقيس ما أصله الزكاة على شيء الأصل فيه عدم الزكاة؟ ثم هو متناقض، لو كان له عبد قد أعده للأجرة فهل فيه زكاة؟ يقولون: لا. لو كان له خيل أعدها للأجرة، هل فيها زكاة؟ يقولون: لا. لو كان عنده حلي أعده للأجرة، فيه الزكاة؟ إذن تناقض، فلم يصح القياس.
فلما تبين أن الحديث المرفوع فيه نظر وأن الآثار الموقوفة معارضة بالنصوص المرفوعة، وأن القياس غير صحيح ومتناقض تبين انهدام أدلة القائلين بعدم الوجوب، بقي علينا إشكالات في أدلة القائلين بالوجوب: أولا: قالوا: يرد على قولكم: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ» (١٩) أنه للعموم، يرد على هذا أن الرسول ﵊ قال: «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشُرِ» (٢٠).
والرقة هي الفضة المضروبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] فالرقة هي الدراهم، فيُحمل قوله: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ» على الفضة المضروبة، والذهب المضروب.
فالجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نُسلم أن المراد بالرقة السكة المضروبة؛ لأن ابن حزم ﵀ يقول: الرقة اسم للفضة مطلقًا، سواء ضُربت أم لم تُضرب.
فإن قلنا: إن ابن حزم حجة في اللغة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: إنه ليس بحجة قلنا: إن الرسول قال: «فِي الرِّقَةِ فِي مِئَتَيْ دِرْهَمٍ رُبُعُ الْعُشْرِ» (٢١)، وقال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» (٢٢) أو قال: «مِنَ الْفِضَّةِ»، فهذا دليل على أن المعتبر مجرد الفضة.
ثم نقول: هب أن المراد بالورق الفضة، فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يعتبر تخصيصًا. أرأيت لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم محمدًا وهو منهم، فهل هذا العام يكون مخصصًا؟ لا. يكرم الجميع، ويكون لمحمد مزية خاصة في الإكرام.
[ ١ / ٣٠٤٧ ]
أوردوا على هذا أن حديث المرأة وابنتها لا يستقيم من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نعلم هل بلغ النصاب أم لا.
الوجه الثاني: كيف يقول: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» (١٨) وهي لا تعلم، جاهلة، والجاهل لا يُهدد. أعرفتم الآن؟
فالجواب، أجاب عن هذا أهل العلم القائلون بالوجوب:
أما عن الأول وهو أنه لم يبلغ النصاب فقال سفيان الثوري: تضمه إلى ما عندها، ومعلوم أن الذهب القليل إذا ضم لكثير بلغ النصاب. هذا قول.
قول ثانٍ، إي يعني الجواب الثاني: قالوا: نحن نوجب الزكاة في الحلي، سواء بلغ النصاب أم لم يبلغ؛ لظاهر هذا الحديث.
الجواب الثالث: قالوا: إن في بعض ألفاظ الحديث: مَسَكَتان غليظتان. والمسكتان الغليظتان تبلغ النصاب، فتُحمل الروايات الأخرى على هذه الرواية، من أجل أن توافق اشتراط النصاب.
الإشكال الثاني: قال: كيف يتوعدها بالنار وهي جاهلة؟ فأجابوا عن ذلك بأن المقصود تثبيت الحكم بقطع النظر عن المعين، وهذا الجواب عميق جدًّا جدًّا، يجب أن تنتبهوا له، المقصود أيش؟ إثبات الحكم بقطع النظر عن الحكم على هذا المعين، وهو أن من منع زكاة الحلي فإنه يسور بهما يوم القيامة بسوارين.
الوجه الثاني قالوا: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللهُ بِهِمَا بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» إن لم تُؤَدِّ زكاتها، فيكون الحديث على تقدير شرط معلوم من الشريعة، وهو أن الوعيد إنما هو على من لم يؤد الزكاة، أما من أدى فلا وعيد عليه.
لكن الوجه الأول اللي أنا قلت لكم: إنه عميق مهم جدًّا، وهو أن المراد إثبات الحكم بغض النظر عن هذا المعين، ومنه يعني من أمثلة هذه القاعدة المفيدة أن النبي ﷺ مر على رجلين في البقيع أحدهما يحجم الآخر، فقال النبي ﵌: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٢٣).
[ ١ / ٣٠٤٨ ]
يقول ابن القيم ﵀: إنه أورد على شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية قال: كيف نقول: إن الجاهل لا يفطر، والرسول ﵊ قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»؟
فأجاب الشيخ ﵀ قال: هذا المراد به إثبات الحكم بقطع النظر عن هذين الشخصين المعينين، فإذا ثبت الحكم نظرنا عاد في الشخص المعين، وطبقنا عليه شروط لزوم مقتضى هذا الحكم.
وهذه في الحقيقة قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ لأن الشرع ليس شرعًا لزيد وعمرو فقط، بل للأمة جميعًا.
وهذه المسألة نرجع إلى مسألة الحلي وزكاته؛ هذه المسألة اختلف فيها الناس كثيرًا، وظهر الخلاف في الآونة الأخيرة؛ حيث كان الناس في نجد، وأظن حتى في الحجاز لا يعرفون إلا المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ وهو عدم وجوب الزكاة، والناس سائرون على هذا، ثم لما ظهر القول بوجوب الزكاة في الحلي على يد شيخنا: عبد العزيز بن باز ﵀ ووفقه وأعانه، صار طلبة العلم يبحثون في هذه المسألة، وينظرون فيها بجد، وكثر القائلون بها وشاعت، والتزم ولله الحمد الناس بهذا القول، إلا من كان عنده شيء من التقليد أو من قرأ بعض الرسائل التي أُلفت أخيرًا في تأييد القول بعدم الوجوب، ولكن من تدبر هذا الرسائل وجد أنه ليس فيها ما يدل على نفي الوجوب، وسنقرأ إن شاء الله في الدرس القادم الرسالة الصغيرة التي ألفناها في وجوب زكاة الحلي من أجل مناقشتها، والإنسان إن شاء الله مراده الحق، وربما نقول: إننا نحب أن نخفف عن الناس، يعني لو خيرنا بين قولين: قول يثقل على الناس وقول يخف عليهم لاخترنا ما يخف عليهم، إلا إذا خالف الدليل.
طالب: شيخ قول الشارح () ونحوه الظاهر أنه يباح للرجل التحلي بالجوهر مثل المرأة ..
الشيخ: لا، المماثلة ما يجوز لرجل أن يتحلى بما يماثل تحلي المرأة، مأخوذ من كلام آخر أنه لا يجوز للرجل أن يتشبه بالمرأة ولا المرأة أن تتشبه بالرجل.
طالب: () الراجح في () بالذهب ().
[ ١ / ٣٠٤٩ ]
الشيخ: الراجح عدم الكراهة.
الطالب: يعني الجواز.
الشيخ: نعم الجواز.
الطالب: يعني جوازها سواء حديد ولا رصاص ..
الشيخ: إي نعم.
طالب: الذين قالوا: لأن الوجوب يا شيخ () ما أعلوا الحديث () بالانقطاع.
الشيخ: أبدًا ما أُعِل، صاحب بلوغ المرام يقول: إسناده قوي، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده من أَعل روايته بالانقطاع فهو غير صحيح، يعني الأئمة كالبخاري، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم كلهم يحتجون به، حتى إن بعض المحدثين قال: إذا صح السند إلى عمرو فإن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كمالك عن نافع عن ابن عمر، يعني أنه سلسلة الذهب، لكن هذه مبالغة.
طالب: فيه سؤال يا شيخ، عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن أبيه ..؟
الشيخ: هذه محتملة الضمائر، لكن كلها لو سواء هذا أو هذا فهو متصل السند.
طالب: شيخ، اسأل القائلين بالوجوب ما يردون على الحديث الصحيح الذي يقول ﷺ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِحَلْيِكِنَّ» (٢٤)؟
الشيخ: ما فيه دليل.
الطالب: لو كان في زكاة ما أخذ ..
الشيخ: لا؛ لأن الحلي هذا المفروض أنه مزكى وأن الباقي بأيديهم قد أُديت زكاته، هذا هو المتوقع من الصحابة، ثم إنه لو قلت مثلًا: تصدق ولو مما أعددته لنفقتك من الدراهم والدراهم تبلغ النصاب، هل معنى ذلك أن الدراهم ما فيها زكاة لأن قلت: ولا من الدراهم؟
الطالب: فيها زكاة
الشيخ: فيها زكاة هذه هي، الحلي فيها زكاة، وهذا لا يدل على سقوط الزكاة، المعنى: حتى من حاجاتكن الخاصة تصدقن.
طالب: هو من كمال البلاغة، لو كان فيه زكاة ما ذكرها.
الشيخ: ().
الطالب: لو كان في الحلي زكاة.
الشيخ: ليش ما ذكرها ().
الطالب: لأن الأصل فيها الزكاة.
الشيخ: () واجبة.
من هنا توقف الشيخ -﵀- عن شرح متن الزاد إلى شرح رسالته في زكاة الحلي، وسوف يستغرق شرحها هذا الدرس وجزء من الذي بعده، فليتنبه.
يحيى بن معين وغيرهم كلهم يحتجون به.
طالب: () من قال.
[ ١ / ٣٠٥٠ ]
الشيخ: حتى إن بعض المحدثين قال: إذا صح السند إلى عمرو فإن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كمالك عن نافع عن ابن عمر، يعني: إنه سلسلة الذهب، لكن هذه مبالغة.
طالب: فيه سؤال يا شيخ، عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب؟
الشيخ: هذه محتملة الضمائر، لكن كلها سواء هذا أو هذا شبه متصل السند.
طالب: شيخ، هل القائلين بالوجوب ما يردون على الحديث الصحيح الذي يقول فيه ﷺ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِحُلِيِّكُنَّ» (١)؟
الشيخ: ما فيه دليل.
الطالب: لو كان فيه زكاة ما أخذ.
الشيخ: لا؛ لأن الحلي هذا المفروض أنه مُزَكًّى، وأن الباقي بأيديهن قد أُدِّيَ زكاتُه، هذا هو المتوقع من الصحابة.
ثم إنه لو قلت مثلًا: تصدق ولو مما أعددته لنفقتك من الدراهم، والدراهم تبلغ النصاب، هل معنى ذلك أن الدراهم ما فيها زكاة؟ لأني قلت: ولو من الدراهم، أجب.
الطالب: فيها زكاة.
الشيخ: فيها زكاة، الحليُّ فيها زكاة، وهذا لا يدل على سقوط الزكاة.
المعنى: حتى من حاجاتكن الخاصة تَصَدَّقْنَ.
طالب: هو من كمال البلاغة؛ لو كان في الحليِّ زكاة ما ذكرها.
الشيخ: ليش ما ذكرها؟
الطالب: لأن الأصل فيها الزكاة.
الشيخ: هذه واجبة وهذا تطوع، والزكاة الواجبة منتهًى منها، الآن لو كان عندك -مثلت لك- دراهم تعدها للنفقة ما تبغي يروح منها قرش، فقلت: تصدق ولو من نفقتك، هل معنى ذلك سقوط الزكاة فيها؟
الطالب: لا.
الشيخ: هذا بالمثل، هذا ما دل على السقوط.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
ما تقول في امرأة عندها حُلِيٌّ، كلما احتاجت أنفقت منه، هل عليها فيه الزكاة أو لا؟ حُلِيٌّ وضعته في الصندوق، وكلما احتاجت باعت؟
طالب: عليها زكاة.
الشيخ: ليش؟
الطالب: تلبسه هي ولّا لا؟
الشيخ: ما تلبسه أو تلبسه، ولكن () محتاج، وكلما احتاجت باعت.
الطالب: ليست عليها ().
طالب آخر: فيه خلاف.
[ ١ / ٣٠٥١ ]
الشيخ: المذهب؟
الطالب: ليس فيه زكاة ().
الشيخ: إذا أُعِدَّ للبس، فإن أُعِدَّ للنفقة؟
الطالب: للنفقة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ما فيه زكاة.
الشيخ: ما فيه زكاة، المذهب فيه الزكاة، إذا أُعِدَ للكِراء؟
طالب: إذا أعد ليكون مستأجَرًا؟
الشيخ: تأجير.
الطالب: فيه الزكاة -يا شيخ- على القول في المذهب.
الشيخ: حتى على المذهب؛ امرأة عندها حليٌّ كالثعبان، هل فيه الزكاة؟
طالب: إذا كان معدًّا للاستعمال؟
الشيخ: لا، تستعمله كل يوم.
الطالب: المذهب لا، ما فيه زكاة.
الشيخ: ما فيه زكاة.
طالب: نعم، فيه -يا شيخ- زكاة.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه مُحَرَّم.
الشيخ: لأنه محرم، المحرم فيه الزكاة.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه رسالة في زكاة الحلي لشيخنا -حفظه الله- قرر قراءتها في درس الفقه بمناسبة مرورنا في باب الزكاة في كتاب زاد المستقنع فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
الشيخ: قول المؤلف: (ونتوب إليه) هذا هو ما درج عليه العلماء والذين رأيناهم يبدؤون كتبهم في هذه الخطبة، لكني ما رأيتها في الحديث، في الحديث لم أر (ونتوب إليه)؛ نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله، إن زادها الإنسان فلا بأس، وإن حذفها فهو أحسن ليطابق الحديث، أما ما يزيده بعض الناس اليوم: نستهديه، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وما أشبه ذلك، فهذا يظهر لي -والله أعلم- أنهم لا يريدون بهذا أن ينقلوا الخطبة بالنص.
[ ١ / ٣٠٥٢ ]
الطالب: ونعوذ بالله من شرور أنفسها ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن الله إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا أما بعد: فهذه رسالة في بيان حكم زكاة الحليِّ المباح، ذكرت فيها ما بلغه علمي من الخلاف والراجحَ من الأقوال وأدلةَ الترجيح.
فأقول -وبالله التوفيق والثقة وعليه التكلان وهو المستعان-: لقد اختلف أهل العلم ﵏ في وجوب الزكاة في الحلي المباح على خمسة أقوال:
أحدها: لا زكاة فيه، وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد إلا إذا أُعِدَّ للنفقة، وإن أُعِدَّ للأُجرة ففيه الزكاة عند أصحاب أحمد، ولا زكاة فيه عند أصحاب مالك والشافعي، وقد ذكرنا أدلة هذا القول إيرادًا على القائلين بالوجوب وأجبنا عنها.
الثاني: فيه الزكاة سَنَةً واحدة وهو مرويٌّ عن أنس بن مالك ﵁.
الثالث: زكاتة عاريته، وهو مرويٌّ عن أسماء وأنس بن مالك أيضًا.
الرابع: أنه يجب فيه إما الزكاة وإما العارية، ورجحه ابن القيم ﵀ بالطرق الحُكْمِيَّة.
[ ١ / ٣٠٥٣ ]
القول الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصابًا كل عام، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وأحد القولين في مذهب الشافعي، وهذا هو القول الراجح، لدلالة الكتاب والسنة والآثار عليه، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥] والمراد بكنز الذهب والفضة عدم إخراج ما يجب فيهما من زكاة وغيرها من الحقوق، قال عبد الله بن عمر ﵄: كل ما أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض (٢).
قال ابن كثير ﵀: وقد رُوِيَ هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا.
الشيخ: () أن الكنز ما لا تُؤَدَّى زكاتُه، وما أديت زكاته فليس بكنز، ولا عبرة بكونه مدفونًا أو ظاهرًا.
الطالب: والآية عامة في جميع الذهب والفضة لم تُخَصِّصْ شيئًا دون شيء، فمن ادَّعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل، وأما السنة فمن أدلتها:
أولًا: ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ» الحديث (٣).
والمتحلِّي بالذهب والفضة صاحب ذهبٍ وفِضَّةٍ، ولا دليل على إخراجه من العموم، وحَقُّ الذهب والفضة من أعظمه، وأوجبُه الزكاة.
قال أبو بكر الصديق -﵁-: الزكاة حق المال (٤).
[ ١ / ٣٠٥٤ ]
ثانيًا: ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له، قال: حدثنا أبو كامل وحميد بن مسعدة المعنى، أن خالد بن الحارث حدثهم، قال: حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنةٌ لها وفي يد صابنتها مَسَكَتَان (٥) غليظتان من ذهب فقال لها: «أُتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا» قالت: لا، قال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ، وقالت: هما لله ورسوله (٦).
قال في بلوغ المرام: وإسناده قويٌّ، وقد رواه الترمذي من طريق ابن لَهِيعَة.
الشيخ: والشيخ عبد العزيز بن باز قال: إنه صحيح كان له رسالة، قال: إنه صحيح.
الطالب: قد رواه الترمذي من طريق ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح ثم قال: إنهما يُضَعَّفَان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب شيء.
لكن قد رُدَّ قولُ الترمذي هذا برواية أبي داود لهذا الحديث من طريق حُسَيْن المعلم، وهو ثقة احتج به صاحبا الصحيحين: البخاري ومسلم، وقد وافقهم الحجاج بن أرطاة، وقد وثقه بعضهم، وروى نحوه أحمد عن أسماء بنت يزيد بإسناد حسن.
طالب: () ابن باز.
الشيخ: يقول: إن الحديث صحيح، الحافظ قال: إن إسناده قوي، والشيخ قال: إنه صحيح.
الطالب: ثالثًا: ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازيُّ، قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة ﵂ فقالت: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ فرأى في يَدَيَّ فَتَخَاتٍ (٧) من وَرِقٍ فقال: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» فقلت: صنعتهن أتزين لَكَ يا رسول الله فقال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟» قلت: لا، أو ما شاء الله. قال: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ» (٨).
[ ١ / ٣٠٥٥ ]
قيل لسفيان: كيف تُزَكِّيه؟ قال: تَضُمُّه إلى غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي، والدارقطني (٩) وقال في التلخيص: إسناده على شرط الصحيح، وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين، يعني البخاري ومسلمًا، وقال ابن دقيق: إنه على شرط مسلم.
الشيخ: هذا الحديث كما رأيتم تصحيح العلماء له، لكنه فيه إشكال، لأن الفتخات ما تأتي نِصابًا، الفضة نصابها خمس مئة وخمسين جرامًا، والفَتَخَة ما تأتي هكذا.
أجاب عن هذا الإشكال سفيان الثوري ﵀ قال: تَضُمُّه إلى غيره، وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث.
وقال بعض العلماء: بل هذا يَدُلُّ على أنه لا يشترط النصاب في الحلي، وأن الحلي قَلَّ أو كَثُرَ فيه الزكاة، ولكن الجواب الذي قاله سفيان أولى لأن إيجاب الزكاة على ما دون النصاب في القلب منه شيء، والأصل براءة الذمة.
الطالب: رابعًا: ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا عَتَّاب -يعني ابن بشير-، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة قالت: كنت ألبَس أَوْضَاحًا (١٠) من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُه فَزُكِّيَ؛ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» (١١).
وأخرجه أيضًا البيهقي والدارقطني والحاكم، (١٢) وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه وصححه أيضًا الذهبي، وقال البيهقي: تفرد به ابن عَجْلان، قال في التنقيح: وهذا لا يضر؛ فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقول عبد الحق فيه: لا يُحْتَجُّ بحديثه، قول لم يقله غيره، قال ابن دقيق: وقول العُقَيْلِي في ثابت بن عجلان: لا يُتابَع على حديثه، تحامل منه.
فإن قيل: لعل هذا حين كان التحلي ممنوعًا، كما قاله مسقطو الزكاة في الحلي.
فالجواب: أن هذا لا يستقيم فإن النبي ﷺ لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان التحلِّي ممنوعًا لأمر بخلعه وتوعد على لبسه.
[ ١ / ٣٠٥٦ ]
الشيخ: واضح، هذا أحد الأجوبة التي أجاب بها مَن قال: إنه لا زكاة.
قال: هذه الأحاديث محمولة على ما قبل التحريم؛ يعني: حين كان التحلِّي حرامًا، وهذا يحتاج إلى أمرين كما تعملون؛ يحتاج إلى إثبات أنه وقع التحريم أولًا، ثم إلى إثبات النسخ، فإذا ثبت هذا، فيمكن أن يجاب به، ثم إن هذا الحديث لا يدل على التحريم؛ لأن النبي ﷺ أقر اللبس، وإنما أوجب الزكاة وَتَوَعَّدَ على مَنْ لم يزكِ، فلا يستقيم هذا الجواب.
الطالب: ثم إن النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال، ثم لو ..
الشيخ: (ذلك) المشار إليه: النسخ، لا يثبت بالاحتمال، يقال: يُحْتَمل إنه منسوخ، طيب، ما يكفي هذا، لا بد أن نعلم تأخر الناسخ؛ لأن للنسخ شرطين لا بد منهما:
الأول: تَعَذُّر الجمع، فإن أمكن الجمع بأي وجه من وجوه الجمع، كالتخصيص مثلًا أو التقييد أو ما أشبه ذلك فإنه لا يُصار إلى النسخ؛ لأن النسخ أمره عظيم؛ إذ إنه إثبات رد أحد النصين، ما هو هين، النسخ معناه أنك لغيت أحد النصين، أهدرته ورددته، وهذا يحتاج إلى ثبوت هذا الأمر، فلا بد من شرط آخر وهو معرفة أن هذا بعد هذا؛ يعني أن ما ادُّعي أنه ناسخ يكون بعد ما كان منسوخًا، فإن لم نعلم فإنه لا نسخ، لكن ماذا يكون موقفنا إذا لم يثبت النسخ وتعذر الجمع؟
نرجع إلى طريق آخر قبل التوقف؛ الترجيح، ننظر أيهما أرجح، وطرق الترجيح معروفة عند الأصوليين وعند المحدثين، فإن لم يتبين الترجيح، فحينئذ يجب التوقف، فنقول: الله أعلم.
ولكن هذا عمليًّا قد يكون مشكلًا؛ لأن العاميَّ ما يرضيه أن تقول أنا متوقف، يقول: أفتنا.
فماذا نعمل في هذه الحال؟
الظاهر -والله أعلم- أننا نلجأ إلى الاجتهاد ونأخذ بالاحتياط، أو بما يطابق الشريعة، فالذي يطابق الشريعة هو الأسهل، والاحتياط هو الأثقل.
[ ١ / ٣٠٥٧ ]
فهنا لا بد، على أن الوصول إلى درجة التوقف لا تمكن باعتبار النسخ لكنها تمكن باعتبار المستدل، أما باعتبار الدليل لا يمكن، لكن باعتبار المستدل بحيث تعارض عنده النصوص هذا ممكن، ويكون ذاك إما بسبب قصوره أو تقصيره أو سوء قصده أو رداءة فهمه.
الطالب: التحلي به، بل أقرَّه مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان التحلي ممنوعًا لأمر بخلعه وتَوَعَّد على لبسه، ثم إن النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال، ثم لو فرضنا أنه كان حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط، وإباحته إباحة مطلقة أي بدون زكاة.
الشيخ: هنا أجبنا عن ذلك، على قول من قال: إن الوعيد حينما كان التحلي ممنوعًا، أجبنا بأن هذا لا يستقيم؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان حرامًا لتوعد على لبسه ومنعه، وحينئذ لا يستقيم هذا الجواب.
وأيضًا النسخ إذا قيل: إنه كان ممنوعًا ثم نسخ إلى الإباحة فإنه يحتاج إلى دليل بحيث نعلم المتأخر، ويتعذر الجمع؛ لأن للنسخ شرطين لا بد منهما: الأول: تعذر الجمع، والثاني: العلم بالمتأخر.
ثم لو فرضنا أنه كان حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة حديث المرأة مع ابنتها تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، وحينئذ نقول: لنفرض أن هذا كان حين التحريم فإن الأدلة الدالة على الجواز تُقَيِّدُه بإخراج الزكاة ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط وإباحته، إي إباحة التحلي إباحة مطلقة، وبهذا سقط هذا التقدير، أي أن ذلك كان حين التحريم.
الطالب: فإن قيل: ما الجواب عما احتج به مَنْ لا يرى الزكاة في الحلي، وهو ما رواه ابن الجوزي بسنده في التحقيق عن عافية بن أيوبٍ عن الليث بن سعد.
الشيخ: ابن أيوبَ.
الطالب: عن عافية بن أيوبَ عن الليث بن سعد.
الشيخ: ما المانع من الصرف؟
الطالب: العلمية والعجمة.
[ ١ / ٣٠٥٨ ]
الشيخ: العلمية والعجمة.
الطالب: عن عافية بن أيوبَ، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» (١٣) ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار؟
قيل: الجواب على هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: أن البيهقي قال فيه: إنه باطل لا أصل له، وإنما يُرْوَى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به كان مغررًا بدينه، انتهى.
الثاني: أننا إذا فرضنا توثيق عافية كما نقله ابن أبي حاتم عن أبي زرعة فإنه لا يعارض أحاديث الوجوب، ولا يقابل بها لصحتها ونهاية ضعفه.
الثالث: أننا إذا فرضنا أنه مساوٍ لها، ويمكن معارضتها به فإن الأخذ بها أحوط، وما كان أحوط فهو أولى بالاتباع؛ لقول النبي ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١٤) وقوله: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (١٥).
وأما الآثار فمنها.
الشيخ: إذن الجواب من ثلاثة أوجه:
أولًا: أنه قد طُعن في الحديث وفي راويه.
والثاني: أنه لو فُرِضَ رفع الطعن في الراوي فإنه لا يعارض الأحاديث -أحاديث الوجوب-، والمعارضة لا بد أن يكون المعارِض مقاومًا للأحاديث التي عارضها حتى يمكن أن يعارض به.
والثالث: أنه لو فرض التعارض والتساوي والتفاضل فالأخذ بالوجوب أحوط وأبرأ للذمة، ولهذا ذهب بعض العلماء كالشيخ الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان إلى أن القول بالوجوب أحوط، فيكون من باب الاحتياط.
الطالب: وأما الآثار فمنها:
أولًا: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى: أن مُرْ مَنْ قِبَلَكَ من نساء المسلمين أن يَصَّدَّقن من حُلِيِّهن (١٦).
[ ١ / ٣٠٥٩ ]
قال ابن حجر في التلخيص: إنه أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق شعيب بن يسار وهو مرسل قاله البخاري، قال: وقد أنكر ذلك الحسن فيما رواه ابن أبي شيبة عنه قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال في الحلي زكاة، انتهى.
لكن ذكره مرويًا عن عمر صاحب المغني، والمحلَّى، والخطابي.
ثانيًا: عن ابن مسعود -﵁-: أن امرأة سألته عن حُلِيٍّ لها؟ فقال: إذا بلغ مئتي درهم ففيه الزكاة (١٧) رواه الطبراني، والبيهقي، ورواه الدارقطني من حديثه مرفوعًا وقال: هذا وهم، والصواب موقوف.
الشيخ: فيه فرق بين المرفوع والموقوف؛ أن المرفوع: ما كان عن النبي ﵌، والموقوف ما كان عن الصحابة، والمقطوع عن التابعي فمن بعده، والمنقطع ما سقط من سنده واحد أو أكثر في موضعين.
الطالب: ثالثًا: عن ابن عباس ﵄ حكاه عنه المنذري والبيهقي، قال الشافعي: لا أدري يثبت عنه أم لا.
رابعًا: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يأمر بالزكاة في حُلِيِّ بناته ونسائه (١٨)، ذكره عنه في المحلى من طريق جرير بن حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
خامسًا: عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أُعْطِيَ زكاته (١٩) رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة، لكن روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حَجْرِها لهنَّ الحلي، فلا تُخْرج من حُلِيِّهِن الزكاة (٢٠).
[ ١ / ٣٠٦٠ ]
قال ابن حجر في التلخيص: ويمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها ولا ترى إخراج الزكاة مطلقًا عن مال الأيتام، انتهى، لكن يُرَدُّ على جمعه هذا ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة (٢١) قال بعضهم: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموال اليتامى واجبًا فتخرج تارة، ولا تخرج أخرى كذا قال.
وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر وهو: أن عدم إخراجها فعل والفعل لا عموم له، فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، فلا يعارض القول، والله أعلم.
الشيخ: هذا الأثر ينبغي أن يتخذ منه قواعد في باب المناظرة؛ أن عائشة ﵂ قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أُعْطِيَ زكاته (١٩) فدلَّ هذا على أنه لا بد من إعطاء الزكاة، ولكن روى مالك في الموطأ بإسناد أصح من ذلك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة (٢٠)، ولو كانت ترى الوجوب لأخرجت؛ لأن الولي يجب عليه إخراج الزكاة عن المولى عليه.
ولهذا قال العلماء: والمجنون والصبي يُخْرِج عنهما وليهما.
قال ابن حجر في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير وهو كتاب حسن جيد، يساوي أو يقارب كتاب الزيلعي نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية وكلاهما جيد في موضوعه.
[ ١ / ٣٠٦١ ]
قال ابن حجر في التلخيص: ويمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها -أي في الحلي- ولا ترى إخراج الزكاة مطلقًا من مال الأيتام بناء على أنه يشترط لوجوب الزكاة: البلوغ والعقل كما هو مذهب أبي حنيفة، والأيتام لم يبلغوا؛ فعلى هذا تكون لا تخرج زكاة الأيتام اللاتي في حجرها، لأنها لا ترى وجوب الزكاة على الصغير، وهذا الجواب لا شك أنه سديد، إلا أنه يرد عليه ما رواه مالك في الموطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة (٢٠).
وهذا يدل على أنها ترى وجوب الزكاة في مال الأيتام، وأنه لا يُشْتَرط لوجوبها البلوغ والعقل، وأجاب بعضهم فقال: يمكن أن يُجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموال اليتامى واجبًا فتُخْرِج تارة، ولا تخرج أخرى، كذا قال.
وهذا الجواب فيه نظر؛ لأنها لو كانت لا ترى إخراج الزكاة واجبًا في مال الأيتام ما جاز لها أن تخرج منها؛ لأنها إذا كانت تطوعًا فالتطوع لا يجوز إخراجه من مال الأيتام لأنه تبرع وليس للولي حق التبرع في مال مَنْ وَلِيَ عليه، ولهذا مر فيما سبق أنا قلنا: هناك فرق بين جواز التبرع وجواز التصرف، أيهما أضيق؟
طلبة: التبرع.
الشيخ: جواز التبرع؛ لأن كل من جاز تبرعه جاز تصرفه ولا عكس، فالوليُّ يجوز أن يتصرف في مال المولى عليه ولا يجوز أن يتبرع منه.
على كلٍّ هذا الجواب فيه نظر؛ لأنها لو كانت لا تراه واجبًا وإنما تراه تطوعًا لم تخرج من أموال اليتيم.
[ ١ / ٣٠٦٢ ]
وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر؛ وهو أن عدم إخراجها فعل، والفعل لا عموم له، وهذا ما يعبر عنه أحيانًا بقولهم: إنها قضية عَيْن، فإذا كان فعلًا فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، ربما يكون عليها دين مثلًا، والدين عند بعض العلماء يمنع وجوب الزكاة، وربما أنها تخرج ذلك خفية ولم يطلع عليه أحد، المهم أن الفعل ليس له عموم، فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، فلا تخرج الزكاة.
طالب: () عن مالك هذا عام في كل المال، وأما عدم إخراجها في الحلي فهو خاص () جميع المال إلا الحلي.
الشيخ: لكن نقول: لا ترى إخراج الزكاة من أموال اليتامى واجبًا، الجواب الثاني.
الطالب: () يقال: إن الأثر الثاني أَثَرٌ عن مالك عامٌّ في كل الأموال، أما الأول.
الشيخ: فكانت تخرج الزكاة من أموالنا.
الطالب: إي نعم، عام في كل الأموال إلا الحلي فلا تخرج على الأثر الأول.
الشيخ: لكن هي رُوِيَ عنها أمران: الأمر الأول قالت: في الحلي زكاة، وهذا قول، وعدم إخراج زكاة الحلي لا يعارض القول لأنه فعل، والفعل قد يكون له -كما قلنا في الأخير- قد يكون له أسباب تمنع من الوجوب.
طالب: () القياس؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: في.
الطالب: ().
الشيخ: لماذا أيش؟
الطالب: ().
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، الأجوبة عن القياس.
طالب: شيخ () الجواب الثاني الأحسن للجمع.
الشيخ: الأحسن أن يجاب بوجه آخر وهو: أن عدم إخراجها الزكاة في حلية اليتامى فعل، فلا يعارض القول؛ لأن هي تقول بوجوب الزكاة.
الطالب: فإن قيل: ما الجواب عما استدل به مسقطو الزكاة فيما نقله الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة: أنس بن مالك، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء.
[ ١ / ٣٠٦٣ ]
فالجواب: أن بعض هؤلاء روي عنهم الوجوب، وإذا فرضنا أن لجميعهم قولًا واحدًا، أو أن المتأخر عنهم هو القول بعدم الوجوب، فقد خالفهم مَنْ خالفهم من الصحابة، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد جاء فيهما ما يدل على الوجوب كما سبق.
فإن قيل: قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» (٢٢) وهذا دليل على عدم وجوب الزكاة في الحلي؛ إذ لو كانت واجبة في الحلي لما جعله النبي ﷺ مضربًا لصدقة التطوع.
فالجواب على هذا أن الأمر بالصدقة من الحلي ليس فيه إثبات وجوب الزكاة ولا نفيه عنه، وإنما فيه الأمر بالصدقة حتى من حاجيات الإنسان، ونظير هذا أن يقال: تصدق ولو من دراهم نفقتك ونفقة عيالك، فإن هذا لا يدل على انتفاء وجوب الزكاة في هذه الدراهم.
الشيخ: نحن ذكرنا فيما سبق في أول الرسالة أننا سنجيب عن أدلة القائلين بعدم الوجوب اعتراضًا ثم نرد عليهم، فهنا استدل القائلون بعدم الوجوب بأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» فجعل الصدقة المأمور بها وهي التطوع في الحلي جعلها مضربًا.
والجواب كما سمعتم أن يُقال: إن الأمر بالصدقة من الحلي لا يدل على إثبات وجوب الزكاة في الحلي ولا نفيه كما لو قلت: تَصَدَّقْ ولو من ثيابك التي تلبسها، تصدق ولو من دراهم نفقتك، هذا من باب المبالغة أنك تصدق حتى من الحاجيات، فلو قلت: تصدق ولو من دراهم نفقتك. فهل يعني ذلك أن الدراهم لا تجب فيه الزكاة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن وجوب الزكاة فيها من وجه آخر، كذلك هذا الحلي وجوب الزكاة فيه من وجه آخر غير هذا الدليل، فهذا الدليل لا يدل على النفي ولا على الإثبات، إنما يدل على الأمر بالصدقة والحث عليها حتى فيما يحتاجه الإنسان.
طالب: شيخ () إجماع الصحابة ().
[ ١ / ٣٠٦٤ ]
الشيخ: هذه لا بد؛ لأنه تعرف العلماء إذا اختلفوا، كل واحد يجيب ما عنده من الأدلة، فلا بد أن نجيب على الأدلة هذه.
الطالب: () الرسول ﷺ ().
الشيخ: إذا اختلف الصحابة كلٌّ له اجتهاده، والسنة تحكم بين الجميع، لكن نحن قلنا مرارًا وتكرارًا: إن الإنسان إذا رجح قولًا على قول فلا بد من أمرين:
الأول: إثبات دليل الترجيح.
والثاني: الإجابة عن قول الآخر.
ما تبقى أدلة قول الآخر معلقة لا بد من الإجابة عليها.
طالب: شيخ، ما معنى المضرب؟
الشيخ: مضربًا للمثل؛ لأنه قال: «وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» يعني: حتى الأشياء التي تدخل تحت الحاجة تَصَدَّقْنَ منها.
الطالب: () مثل؟
الشيخ: إي نعم، مثل القلة أو المبالغة.
الطالب: () يشير إلي أن الحلي مما لا زكاة فيه؟
الشيخ: ليش؟
الطالب: () لا زكاة فيها.
الشيخ: لا، فيها زكاة، إي نعم، ولو من دراهم نفقتك، إنسان عنده مثلًا دراهم معدة للنفقة، عنده مثلًا ألف ريال يأخذ منها النفقات؛ من دراهم النفقة، يعني: من الدراهم التي أعدها للنفقة.
الطالب: فإن قيل: إن في لفظ الحديث: «وَفِي الرِّقَةِ فِي مِئَتِي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ» (٢٣) وفي حديث عَلِيٍّ: «وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا» (٢٤) والرِّقَة هي الفضة المضروبة سِكَّة، وكذلك الدينار وهو السِّكَّة، وهذا دليل على اختصاص وجوب الزكاة بما كان كذلك، والحلي ليس منه.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ لا يخصون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه، قال في الحاشية: والتبر ما كان من الذهب والفضة غير مصوغ وإن لم يكن مضروبًا وهذا تناقض منهم وتحكم؛ حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم، وأخرجوا منه نظير ما أدخلوه من حيث دلالة اللفظ عليه.
الشيخ: اقرأ، فالجواب.
الطالب: فالجواب من وجهين:
[ ١ / ٣٠٦٥ ]
أحدهما: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ.
الشيخ: ويش اللفظ؟
طالب: ().
الشيخ: وما هو اللفظ؟
الطالب: ().
الشيخ: مثل: في الرِّقَة، في قولهم: في الرقة، وفي قولهم: دينار، يقول: الرقة والدينار هي السكة المضروبة.
الطالب: لا يَخُصُّون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه، وإن لم يكن مضروبًا، وهذا تناقض منهم.
الشيخ: التبر، معروف عندكم؟ قطعة من الذهب أو من الفضة ليست مصوغة ولا مضروبة نقدًا، وإنما هي أكوام من الذهب والفضة.
طالب: ().
الشيخ: إي، غير مسوغة.
الطالب: وهذا تناقض منهم وتحكم؛ حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم.
الشيخ: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ لا يخصون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه وإن لم يكن مضروبًا.
الطالب: وهذا تناقض منهم وتحكم؛ حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم.
الشيخ: ما هو الذي لا يشمله اللفظ على زعمهم؟
طالب: ().
الشيخ: لا، التبر؛ التبر ونحوه يقولون: التبر تجب فيه الزكاة مع أنهم يستدلون على نفي الزكاة في الحُلِيِّ بقوله؛ أيش؟ في الرِّقَة والدينار.
نقول: أنتم أوجبتم الزكاة في التبر مع أنه ليس رِقَة ولا دينارًا على كلامكم.
الطالب: وأخرجوا منه ما هو نظير ما أدخلوه من حيث دلالة اللفظ عليه أو عدمها.
الثاني: أننا إذا سلمنا اختصاص الرِّقَة والدينار بالمضروب من الفضة والذهب فإن الحديث يدل على ذكر بعض أفراد وأنواع العام بحكم لا يخالف حكم العام، وهذا لا يدل على التخصيص كما إذا قلت: أكرِم العلماء، ثم قلت: أكرِم زيدًا، وكان من جملة العلماء، فإنه لا يدل على اختصاصه بالإكرام، فالنصوص جاء بعضها عامًا في وجوب زكاة الذهب والفضة، وبعضها جاء بلفظ الرقة والدينار، وهو بعض أفراد العام، فلا يدل ذلك على التخصيص.
[ ١ / ٣٠٦٦ ]
فإن قيل: ما الفرق بين الحلي المباح وبين الثياب المباحة إذا قلنا بوجوب الزكاة.
الشيخ: فيه جواب ثالث ذكره ابن حزم اطلعنا عليه أخيرًا، وهو قوله: إن الرِّقَة اسم للفضة مطلقًا سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة وعلى هذا فقوله «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» يدل على العموم، وفي قوله: «فِي مِئَتَيْ دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ» دليل على مقدار النصاب، لكن هذا مخالف لأكثر مَنْ تكلم في هذا الباب حيث قالوا: إن الرقة هي السكة المضروبة، وهذا أقرب،؛ يعني القول بأن الرقة هي السكة المضروبة أقرب لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] معلوم إنها دراهم.
الطالب: فإن قيل: ما الفرق بين الحلي المباح وبين الثياب المباحة إذا قلنا: بوجوب الزكاة في الأول دون الثاني؟
فالجواب: أن الشارع فرق بينهما؛ حيث أوجبها في الذهب والفضة من غير استثناء، بل وردت نصوص خاصة في وجوبها في الحلي المباح المستعمل كما سبق، وأما الثياب فهي بمنزلة الفرس وعَبْدِ الخدمة اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (٢٥) فإذا كانت الثياب للبس، فلا زكاة فيها وإن كانت للتجارة ففيها زكاة التجارة.
الشيخ: واضح هذا، يعني: بعض القائلين بعدم الوجوب قالوا: هذه كالثياب، هذه من حاجيات الإنسان يلبسها، يحتاج إليها، حينئذ نقول: لا بد أن نجيب عن هذا القول، بماذا؟
بالتفريق، فنقول: الحلي أوجب الشرع الزكاة فيه، والثياب لم يوجب فيها الزكاة، هذا هو الفرق، نعم لو كان الأصل في الذهب والفضة عدم الوجوب لقلنا: إنه لا زكاة في الحلي، كما نقول: إن الأصل في الثياب عدم الوجوب، فهذا قياس مع الفارق.
الطالب: فإن قيل: هل يصحُّ قياس الحلي المباح المُعَدّ للاستعمال على الثياب المباحة المعدة للاستعمال، كما قاله مَنْ لا يوجبون الزكاة في الحلي؟ فالجواب.
[ ١ / ٣٠٦٧ ]
الشيخ: قبل أن نتجاوز الأول وهو أن الشارع إذا فرق بين شيئين، فإنه لا نسأل عن الحكمة بينهما؛ لأنه لولا أن بينهما فرقًا، لم يفرق بينهما، وهذا كالأمور القدرية إذا جاءت على خلاف سنة الله ﷿ ما يُسْأَل عنها، ما يقال: لِمَ، ولهذا لما قال زكريا: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]؛ يعني: ومثلي لا يولد له، ماذا قال الله له: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ سلم للسنن الكونية وكذلك للسنن الشرعية.
ولما قيل لعائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢٦).
فإذا فرَّق الشرع بين شيئين فليس من حقنا أن نجادل ونقول: لماذا يكون هكذا هنا وهكذا هنا؟ لأن الله يفعل ما يشاء في الخلق والتقدير، ويَحْكُم بما يشاء في الشرع والتدبير.
الطالب: فالجواب لا يصح القياس لوجوه؛ الأول: أنه قياس في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فهو قياس فاسد؛ وذلك لأنه يقتضي إبطال العمل بالنص، ولأن النص إذا فَرَّق بين شيئين في الحكم، فهو دليل على أن بينهما من الفوارق ما يمنع إلحاق أحدهما بالآخر، ويوجب افتراقهما، سواء علمنا تلك الفوارق أم جهلناها، ومن ظن افتراق ما جمع الشارع بينهما أو اجتماع ما فرق الشارع بينهما فظنه خطأ بلا شك، فإن الشرع نَزَل من لدن حكيم خبير.
الشيخ: يُسَمِّي الأصوليون هذا القياس فاسد الاعتبار؛ يعني غير معتبر، كل قياس في مقابلة النص فإنه قياس فاسد؛ لأن هذا القياس يقتضي إبطال النص.
[ ١ / ٣٠٦٨ ]
قالوا: وأول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس، فكل من قاس قياسًا فاسدًا فهو مِنْ وَرَثَتِه؛ لأن الله لما أمره بالسجود قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] والقياس يقتضي أن لا يسجد الخير لمن دونه، القياس يقتضي أن الأصغر يسجد للأكبر، فكأن إبليس يقول: أنا أحق أن يُسْجَدَ لي من أن أسجد له، فهذا القياس لم ينفعه.
الطالب: الثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا، فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة، فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا.
الشيخ: عندكم () بعد (سبحان الله) (والثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد كالذهب والفضة على زعمهم، إن قصدت الحلي سقطت وإن قصدت شيئًا آخر لم تسقط، فكان مقتضى القياس عدم وجوب الزكاة فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا وهو وجوب الزكاة، سواء قَصَد به التحلي أو لا) ولَّا عندكم أيش؟
طالب: وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة.
الشيخ: (الثاني أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا) أيش بعدها؟
طالب: فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة سواء أعدَّه للبس أو لغيره.
الشيخ: بعد () (وهو عدم وجوب الزكاة) اكتبوا: (فكان مقتضى القياس).
طالب: بعد أيش؟
الشيخ: بعد قوله: (عدم وجوب الزكاة).
طالب: في السطر الثاني (بحسب القصد).
الشيخ: عندكم أنتم القول: (بحسب القصد)، أقرأ عليكم:
(الثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا، فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة، فكان مقتضى القياس وهو عدم وجوب الزكاة فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا وهو وجوب الزكاة سواء أعده للبس أو لغيره).
[ ١ / ٣٠٦٩ ]
الطالب: فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا وهو وجوب الزكاة سواء أعدّه للبس أو لغيره، كما أن الثياب حكمها واحد لا زكاة فيها، سواء أعدها للبس أو لغيره ولا يرد على ذلك.
الشيخ: يعني: بمعنى أن نرد كل واحدٍ منهما إلى أصله، فنقول: الثياب الأصل فيها عدم الزكاة، فكان الحكم فيها واحدًا سواء أعدت للبس أو لغيره، الحلي الأصل فيه الزكاة فكانت واجبة فيه سواء أعده للبس أو لغيره.
الطالب: ولا يرد على ذلك وجوب الزكاة فيها إذا كانت عروضًا؛ لأن الزكاة حينئذ في قيمتها.
الثالث: أن يقال: ما هو القياس الذي يُراد الجمع به بين الحلي المعد للاستعمال والثياب المعدة له أهو قياس التسوية أم قياس العكس؟
الشيخ: عندكم كذا؛ (ما هو القياس الذي يراد أن يجمع به) وعندكم (يراد الجمع)؟
طلبة: (يراد الجمع).
الشيخ: أظن أن المعنى واحد.
الطالب: فإن قيل: هو قياس التسوية قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب تجب فيها الزكاة قبل إعدادها للبس والاستعمال، ثم سقطت الزكاة بعد إعدادها ليتساوى الفرع والأصل في الحكم، وإن قيل: هو قياس العكس قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب لا تجب فيها الزكاة إذا لم تُعَد للبس، وتجب فيها إذا أعدت للبس، فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي عند المفرقين بين الحلي المعد للبس وغيره.
الشيخ: نعم، فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي.
الطالب: فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي عند المفرقين بين الحلي المعد للبس وغيره.
الشيخ: (الثالث: أن يقال: ما هو القياس الذي يُرَاد أن يُجْمَع به بين الحُلِيِّ المُعَد للاستعمال والثياب المعدة له أهو قياس التسوية أم قياس العكس؟ لأن القياس ينقسم إلى قسمين:
قياس تسوية: يُسَوِّي بين الفرع والأصل في الحكم.
وقياس عكس: يُعْطِي الفرع نقيض حكم الأصل.
[ ١ / ٣٠٧٠ ]
وقد ثبت قياس العكس بقول النبي ﵊: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (٢٧)، فهذا يُسَمَّى قياس العكس.
فنقول: ماذا تريدون؟ إن قلتم: قياس تسوية قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب تجب فيها الزكاة قبل إعدادها للبس والاستعمال، ثم سقطت بعد إعدادها ليتساوى الفرع والأصل في الحكم، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك). استعن بالله.
طالب: هذه المسألة -يا شيخ- التي قلتم: يراجع الكتاب مغرَّرًا بدينه أو بذنبه، هذا الذي ذكرناه في المسألة هذا، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به كان مُغَرَّرًا بدينه؛ يقول في الأصل في إكمال ما ذكرت: داخلًا فيما نعيب به المخالفين في الاحتجاج برواية الكذابين والله يعصمنا من أمثاله، وقال في الحاشية: (في ص)؛ يعني: في نسخة ص: (بذنبه)، وفي نسخة أخرى: معذر بذنبه.
الشيخ: شو عندك؟ وعافية بن أيوب.
الطالب: يقول: وعافية بن أيوب مجهول فمن احتج به كان مُغَرَّرًا بدينه، انتهى، وذكر في الأصل في معرفة السنن والآثار: داخلًا فيما نعيب به المخالفين.
الشيخ: أحسنت إذن بدينه، هذا هو ().
الطالب: فقط؟
الشيخ: فقط، كان مغررًا بدينه.
الطالب: نواصل القراءة يا شيخ؟
الشيخ: إي، نواصل.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال حفظه الله تعالى: الرابع:
الشيخ: الرابع مِنْ أي شيء؟
طالب: من ().
الشيخ: من بيان أن القياس لا يصح.
الطالب: الرابع: أن الثياب والحلي افترقت عند مسقطي الزكاة في الحُلِي في كثير من المسائل، فمن الفروق بينهما:
[ ١ / ٣٠٧١ ]
أولًا: إذا أُعِدَّ الحلي للنفقة وأعد الثياب للنفقة؛ بمعنى أنه إذا احتاج للنفقة باع منهما واشترى نفقة، قالوا في هذه الحال: تجب الزكاة في الحلي ولا تجب في الثياب، ومن الغريب أن يقال: امرأة غنية يأتيها المال من كل مكان، وكلما ذكر لها حليٌّ معتاد اللبس اشترته برفيع الأثمان للتحلي به غير فرار من الزكاة، ولما افتقرت هذه المرأة نفسها أبقت حليها للنفقة وضرورة العيش، فقلنا لها في الحال الأولى: لا زكاة عليك في هذا الحلي، وقلنا لها في الحال الأخيرة: عليك الزكاة فيه، هذا هو مقتضى قول مسقطي الزكاة في الحلي المباح.
الشيخ: إذنْ، هذا مما يُفارِق فيه الحليُّ الثيابَ حتى عند الذين يرون أنه ليس فيه زكاة، يقولون: إذا أُعِدَّ الحلي للنفقة ففيه الزكاة، وإذا أعد الثياب للنفقة فلا زكاة فيه، فأين القياس؟ فهمتم الصورة التي تعد للنفقة، كيف هي؟
طالب: تبقى عندها؟
الشيخ: يقول: امرأة عندها حلي، كلما احتاجت باعت وأنفقت على نفسها، وأخرى عندها ثياب كثيرة، كلما احتاجت باعت، الأولى: عليها الزكاة، والثانية لا زكاة عليها، أين القياس؟ مقتضى القياس أنه إما أن يجب على الجميع أو لا يجب على الجميع.
قالوا: الفرق بينهما أن الحلي الأصل فيه الزكاة لأنه ذهب وفضة، بخلاف الثياب فإنها عروض فالأصل فيها عدم الزكاة.
قلنا: إذا اعترفتم أن الأصل في الذهب والفضة هو الزكاة فمن الذي أسقطها، أين الدليل على إسقاطها؟
الطالب: ثانيًا أن الحنابلة قالوا: إنه إذا أُعِدَّ الحُلِيُّ للكراء وجبت فيه الزكاة، وإذا أعدت الثياب للكراء لم تجب.
الشيخ: ومقتضى القياس أن تجب في الجميع، أو لا تجب في الجميع، أما أن نقول: إذا أعد الحلي للكراء وجبت الزكاة، وإذا أعددت الثياب للكراء لم تجب، فكيف يصلح القياس؟
[ ١ / ٣٠٧٢ ]
وهنا قلنا: إن الحنابلة، إشارة إلى أن غير الحنابلة كالشافعية قالوا: إذا أعد للكراء فليس فيه زكاة كالإبل العوامل والبقر العوامل الإبل اللي يتحمّل عليها والبقر اللي يتحمّل عليها، أو تؤجر ما فيها زكاة، وإن كان الأصل هو وجوب الزكاة لكن إذا صارت للتأجير فلا زكاة، فالشافعية طردوا الباب قالوا: ما دام هذا الحلي لا زكاة فيه، فإنه إذا أعد للكراء فلا زكاة فيه.
أما الحنابلة فقالوا: إذا أعد للكراء ففيه الزكاة.
ونحن الآن نخاطب الجميع نقول: كيف تقيسونها أولًا على الثياب، ثم تقولون: إذا أعد الثياب للكراء فلا زكاة، وإذا أعد الحلي للكراء ففيه الزكاة؟
الطالب: ثالثًا: أنه إذا كان الحلي محرمًا وجبت الزكاة فيه، وإذا كانت الثياب محرمة لم تجب الزكاة فيها.
الشيخ: وهذا تناقض يعني: لو أن امرأة عليها حُلِيٌّ محرم كسِوار على هيئة ثعبان فعليها الزكاة، ولو كان رجل عليه ثياب من حرير لم تجب الزكاة، فيقال: مقتضى القياس الطرد، إما أن توجبوا الزكاة في الجميع أو لا توجبوا الزكاة في الجميع.
يقولون: الفرق بينهما أن الزكاة سقطت في الذهب والفضة في الاستعمال المباح المأذون فيه، أما المحرَّم فلا تسقط لأنه غير مأذون فيه فيكون إعداده للبس ليس معتبرًا شرعًا، فيقول: الآن أقررتم بأن الأصل في الحلي الزكاة، فأين الدليل على إسقاطها؟
الطالب: رابعًا: لو كان عنده حلي للقِنْيَة ثم نواه للتجارة صار للتجارة، ولو كان عنده ثياب للقِنْيَة ثم نواها للتجارة لم تَصِر للتجارة، وعللوا ذلك: بأن الأصل في الحلي الزكاة فقويت النية بذلك بخلاف الثياب، وهذا اعتراف منهم بأن الأصل في الحلي وجوب الزكاة، فنقول لهم: وما الذي هدم هذا الأصل بدون دليل؟
[ ١ / ٣٠٧٣ ]
الشيخ: صح، إذا كان عنده حلي للقِنْيَة؛ يعني: للاستعمال ثم نواه للتجارة صار عروض تجارة، وإذا كان عنده ثياب في القِنْيَة، ثم نواها للتجارة لم تكن للتجارة، عرفتم هذا؟ لأن عروض التجارة على المذهب يشترط فيها أن يملكها بفعله بنية التجارة.
فإذا كان عنده ثياب اشتراها للاستعمال ثم طرأ له أن يتجر بها فنواها للتجارة فلا زكاة فيها، بخلاف ما إذا كان عنده حلي ذهب ثم نواه للتجارة ففيه الزكاة، والفرق عندهم أن الأصل في الحلي الزكاة فقويت نية العروض بهذا الأصل، فنقول: هذا اعتراف منكم بأن الأصل في الحلي الزكاة فأين الدليل على إسقاطها؟
الطالب: خامسًا: قالوا: لو نوى الفرار من الزكاة باتخاذ الحلي لم تسقط الزكاة، وظاهر كلام أكثر أصحاب الإمام أحمد أنه لو أكثر من شراء العقار فرارًا من الزكاة سقطت الزكاة، وقياس ذلك لو أكثر من شراء الثياب فرارًا من الزكاة سقطت الزكاة؛ إذ لا فرق بين الثياب والعقار، فإذا كان الحلي المباح ..
الشيخ: فهمتم المسألة هذه؟ إنسان عنده أموال كثيرة، فقال: أشتري بها ذهبًا حليًّا للاستعمال من أجل إسقاط الزكاة لأن الحلي للاستعمال ما فيه زكاة.
قالوا: إنها لا تسقط الزكاة؛ لأنه اتخذ الحلي فرارًا من الزكاة فلا تسقط عنه، ولو اشترى ثيابًا كثيرة باهظة الثمن، لأجل أن يسقط الزكاة، سقطت الزكاة، كما قال الفقهاء ﵏: لو كان الإنسان عنده ملايين واشترى عقارات كثيرة فرارًا من الزكاة فإنها تسقط، وإن كان هذا إن شاء الله يأتي الكلام عليه وفيه نظر، لكن هذا كلامهم نحن نتكلم معهم فيما يقرون به.
فنقول: سبحان الله، ما الفرق؟ !
قالوا: لأن الأصل في الحلي الزكاة، فلا ينفعه الفرار منها؛ لأنه فَرَّ من الذهب والفضة واشترى به الحلي، وهو مما تجب فيه الزكاة، فنقول: إذنْ هذا فرار من وجوب الزكاة فأرونا الدليل على إسقاطها.
[ ١ / ٣٠٧٤ ]
الطالب: فإذا كان الحلي المباح مفارقًا للثياب المعدة للبس في هذه الأحكام، فكيف نوجب أو نجوز إلحاقه بها في حكمٍ دلَّ النص على افتراقهما فيه؟
إذا تبين ذلك فإن الزكاة لا تجب في الحلي حتى يبلغ ..
الشيخ: كيف نوجب إلحاقه بها في حكمٍ دلَّ النص على افتراقهما فيه؟ هؤلاء أوجبوا أن نلحق أيش؟ الحلي في الثياب، أو نجوز يعني معناه أننا لا نجوز أن نلحق الحلي بالثياب فنوجب الزكاة فيه بدون دليل، فنحن لا نرى جواز ولا وجوب إلحاقه بالثياب؛ لأنه لا يصح القياس.
الطالب: إذا تبين ذلك فإن الزكاة لا تجب في الحلي حتى يبلغ نصابًا لحديث أم سلمة السابق: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»، فنصاب الذهب عشرون دينارًا ونصاب الفضة مائتا درهم.
فإذا كان حلي الذهب ينقص وزن ذهبه عن عشرين دينارًا، وليس عند صاحبه من الذهب ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه.
وإذا كان حلي الفضة ينقص وزن فضته عن مئتي درهم، وليس عند صاحبه من الفضة ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه.
والمعتبر وزن ما في الحلي من الذهب أو الفضة، وأما ما يكون فيه من اللؤلؤ ونحوه، فإنه لا يحتسب به في تكميل النصاب، ولا يُزَكَّى ما فيه من اللؤلؤ ونحوه؛ لأنه ليس من الذهب والفضة، والحلي من غير الذهب والفضة لا زكاة فيه إلا أن يكون للتجارة.
لكن هل المعتبر في نصاب الذهب الدينار الإسلامي الذي زنته مثقال، وفي نصاب الفضة الدرهم الإسلامي الذي زنته سبعة أعشار مثقال.
الشيخ: الآن الدرهم الإسلامي أقل من الدينار في الوزن ولّا لا؟
طالب: لا، سبعة أعشار.
الشيخ: الدينار مثقال، والدرهم سبعة أعشار، يعني: كل عشرة دراهم إسلامية سبعة مثاقيل، وعشرة دنانير كم؟ عشرة مثاقيل، يعني معنى ذلك أنه في عهد الرسول ﵌ الدرهم قليل جدًّا أقل من الدينار، أما نحن الآن في عرفنا فالدرهم أكبر بكثير من الدينار.
[ ١ / ٣٠٧٥ ]
الدينار هو النقد من الذهب، والدرهم هو النقد من الفضة، الدينار يُسَمَّى عندنا جنيهًا، والدرهم يُسَمَّى ريالًا، إي نعم.
طالب: () الحج.
الشيخ: إي معلوم ()، عندنا الآن وكذلك في عهد الرسول ﷺ، لكن الدراهم صغيرة في عهد الرسول ﷺ، الدرهم أقل وزنا من الدينار.
طالب: ()؟
الشيخ: هذا عندنا أكثر بكثير.
طالب: الجنيه السعودي ولا ()؟
الشيخ: كلها واحد، الجنيه السعودي و() زنته واحد.
الطالب: لكن هل المعتبر في نصاب الذهب الدينار الإسلامي الذي زنته مثقال، وفي نصاب الفضة الدرهم الإسلامي الذي زنته سبعة أعشار مثقال أو المعتبر الدينار والدرهم عرفًا في كل زمان ومكان بحسبه سواء قل ما فيه من الذهب والفضة أم كثر.
الجمهور على الأول، وحُكِيَ إجماعًا، وحقق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الثاني، أي: أن المعتبر الدينار والدرهم المصطلح عليه في كل زمان ومكان بحسبه، فما سُمِّيَ دينارًا أو درهمًا ثبتت له الأحكام المعلقة على اسم الدينار والدرهم، سواء قلَّ ما فيه من الذهب والفضة أم كثر وهذا هو الراجح عندي لموافقته ظاهر النصوص، وعلى هذا فيكون نصاب الذهب عشرين جنيهًا ونصاب الفضة مئتي ريال، وإن احتاط المرء، وعمل بقول الجمهور فقد فعل ما يثاب عليه إن شاء الله.
الشيخ: أيهما أحوط؟
طلبة: قول الجمهور.
الشيخ: أيهما أحوط؟ إن قلتم: الأحوط قول الجمهور، قلنا: خطأ، وإن قلتم: المعتبر كل وقت بحسبه، قلنا: خطأ.
طالب: تفسير يا شيخ.
الشيخ: لا، الأحوط صحيح، الأحوط أن نأخذ بالأقل؛ يعني بمعنى: ما كان يبلغ النصاب أولًا، فمثلًا إذا قَدَّرنا أن مئتي درهم لا تبلغ مئة وأربعين مثقالًا؛ لأن النصاب بالوزن رأي الجمهور مئة وأربعين مثقالًا، فإذا قَدَّرْنا أن مئتي درهم لا تبلغ مئة وأربعين مثقالًا، فما هو الأحوط؟
طالب: ().
[ ١ / ٣٠٧٦ ]
الشيخ: لا، هذا هو القول الثاني؛ العدد، لأن مئتي درهم بلغت العدد، الوزن دون، وإذا قدرنا أن مئتي درهم تزيد على مئة وأربعين مثقالًا؛ يعني تكون مئتي مثقال، الأحوط رأي الجمهور.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، مثل الدرهم.
الطالب: ().
الشيخ: لا، من الذهب باعتبار الدينار، ومن الفضة باعتبار الدرهم، هذه موزعة.
الآن النصاب -باعتبار الوزن- ستة وخمسون ريالًا، وباعتبار –العدد- مئتان يعني معناه أنه قريب الربع؛ يعني: النصاب بالوزن قريب الربع بالعدد، ستة وخمسين نسبتها إلى المئتين تزيد عن الربع قليلًا.
على كل حال الاحتياط أن نعمل ما فيه الأحوط لمستحقي الزكاة، إن بلغ النصاب باعتبار العدد قبل الوزن أخذنا بقول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه أحوط، وإن بلغ النصاب بالوزن قبل بلوغه بالعدد أخذنا بقول الجمهور، لأنه أحوط.
طالب: ستة وخمسون ريالًا تعادل مئة وأربعين مثقالًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الوزن؟
الشيخ: الوزن.
الطالب: ولو كَبُرَ حجم الريال؟
الشيخ: لا، الريال معروف، لو كبر صارت أقل، الآن الريال الفرنسي، تعرفون الريال الفرنسي؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الريال الفرنسي، النصاب فيه ثلاث وعشرون وثلثان؛ لأن فيه من الفضة كثير، إي نعم.
طالب: (..) وحكي إجمالًا () إجماع يا شيخ، () سقط القول؟
الشيخ: لا، بس هل كل من حكى الإجماع يكون حقيقة الإجماع؟ يعني () ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة ذكر أكثر من عشرين مسألة حكى فيها الإجماع، وليس فيه إجماع، وحكى الإجماع أيضًا عن أئمة كالشافعي ونحوه، وليس فيه إجماع.
وأنا قد نقلت لكم سابقًا أن بعضهم قال: أجمعوا على رد شهادة العبد، وقال الثاني: أجمعوا على قبول شهادة العبد.
[ ١ / ٣٠٧٧ ]
الطالب: فإذا بلغ الحلي نصابًا خالصًا عشرين دينارًا إن كان ذهبًا، ومئتي درهم إن كان فضة ففيه ربع العشر؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَتْ لَكَ مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ -يَعْنِي: فِي الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ َلكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ» (٢٨) رواه أبو داود.
الشيخ: إذنْ، زكاة الذهب والفضة، كم؟ ربع العشر؛ لأن نصف دينار من عشرين؟
طلبة: ربع العشر.
الشيخ: ربع العشر، العشر اثنان والنصف ربعه، وقد صرَّح بحديث أبي بكر الذي رواه البخاري وغيره: «وَفِي الرِّقَةِ؛ في مِئَتَيْ دِرْهَمٍ ربع العشر».
الطالب: وبعد: فإن على العبد أن يتقيَ الله ما استطاع، ويعمل جهده في تحري معرفة الحق من الكتاب والسنة، فإذا ظهر له الحق منهما وجب عليه العمل به، وألَّا يُقَدِّمَ عليهما قولَ أحد من الناس كائنًا مَنْ كان، ولا قياسًا من الأَقْيِسَة، أيّ قياس كان.
وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فإنهما الصراط المستقيم والميزان العدل القويم؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] والرد إلى الله هو الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول ﷺ هو الردُّ إلى سنته، وهديه حيًّا وميتًا.
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
[ ١ / ٣٠٧٨ ]
فأقسم الله تعالى بربوبيته لرسوله ﷺ التي هي أخص ربوبية قسمًا مؤكدًا على أن لا إيمان إلَّا بأن نُحَكِّمَ النبي ﷺ في كل نزاع بيننا.