الشيخ: () له شروط كغيره من العقود، و() المعتبرة في العقود مما يدلُّ على كمال تنظيم الشريعة وتحديدها للأمور حتى تكون منضبطة؛ لأنه لو جازت الأشياء بدون شروط لأصبحت العبادات فوضى والمعاملات فوضى، كلٌّ يفعل على ما يشاء، فمن حكمة الشريعة ومن كمال الشريعة أن الأشياء لها شروطٌ وحدودٌ وضوابطُ، فالشروط إذن ليست للتضييق على العباد، ولكنها للتنظيم والضبط، حتى يكون () كل الناس يتعامل كما يشاء.
ولهذا نقول: إن الشروط في البيع، والرهن، والوقف، والنكاح، كل المعاملات، وكذلك في العبادات، الشروط لها أهمية عظيمة، وهي ضبط الشريعة وانتظامها حتى تكون شريعةً واحدةً لجميع الناس.
من الشروط:
[ ١ / ٤٣٢٨ ]
الأول: (التراضي منهما) يعني من البائع والمشتري؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ يعني صادرة عن التراضي، ولأنه رُوي عن الرسول ﵊ أنه قال: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (٣)، ولأن هذا مقتضى القياسِ؛ لأننا لو قلنا بجواز البيع بدون تراضٍ أفضى ذلك إلى الشِّجار والنزاع والعدوان، ولَّا لا؟
فإذا قلت: أنا -مَثَلًا- أرغب في السيارة ()، تبيعها عليَّ. يقول البائع: خذها بمليون، ()، ويش يكون؟
طلبة: عداء.
الشيخ: عداوة وبغضاء، ثم إذا اشتريتها منه () سيارتك ()، لكن لا بد من التراضي بدلالة الكتاب والسُّنَّة والقياس الصحيح، وأظن الإجماع؛ ما أظنُّ أحدًا من أهل العلم يُبيح العقد بدون رضًا.
(فلا يصح من مُكْرَهٍ إلا بحقٍّ) لا يصح البيع من مُكرَهٍ سواء أُكْرِهَ على البيع أو الشراء إلا بحقٍّ، فإذا كان بحقٍّ فلا حرج؛ فإن أُكْرِهَ بحقٍّ فلا بأس به والبيع صحيح.
من الإكراه بحق أن يضطر رجلٌ إلى طعام وهو عند هذا الشخص، () لا يبيع، فإنه يجبر على أن يبيع () بالمال، واضطر الإنسان إلى لباسٍ في الشتاء، بَرْد، ما عنده إلا لباسٌ خفيفٌ ما يقيه، ولكن هذا اللباس موجودٌ عند فلان، قال: بع (). يُجبَر على بيعه ولَّا لا؟
الطلبة: يُجبَر.
[ ١ / ٤٣٢٩ ]
الشيخ: يُجبَر. كذلك إنسانٌ عليه دَينٌ، وقد رهن بيتَه لصاحب الدَّين، وحلَّ الدَّين فطالب صاحبُ الرهنِ ()؛ يقول: أستوفي. فقال صاحب البيت: أنا لا أبيع بيتي. يُجبَر ولَّا لا؟ يُجبَر على بيعه لأنه مرهون، وصاحب الرهن له الحق في أن يُباع رهنُه ليستوفي دَينه، فالمهم إذا كان بحقٍّ فإنه يجوز ولو بدون رضًا، لماذا؟ لأجل القيام بحقِّ الغير؛ لأننا لو قلنا: إنه لا يُجبَر عليه مع الحق، أدَّى ذلك إلى ضياع الحقوق، فكما أننا نراعي العاقد فنقول: لا عقد إلا بالتراضي، كذلك نراعي حقوق الناس، وإلَّا لأصبح الناس يأكل بعضُهم بعضًا، فإذا أُكرِهَ الإنسانُ على البيع أو الشراء بحقٍّ جازَ ذلك؛ لأنه لولا هذا لأصبح الناس فوضى.
الشرط الثاني: (أنْ يكونَ العاقِدُ جائزَ التصرُّفِ).
(أن يكون العاقد) أيُّ العاقدَينِ؟ البائع والمشتري، (جائزَ التصرُّف) يعني: يجوز تصرُّفه شرعًا بماله، وهو الحرُّ البالغ العاقل الرشيد، هذا الجائز التصرف الذي يجمع أربعة أمور: أن يكون بالغًا، عاقلًا، حُرًّا، رشيدًا.
طالب: الفرق بين العاقل والرشيد؟
الشيخ: إي، طيب، يجيء إن شاء الله.
أن يكون (بالغًا) والبلوغ يحصل بواحدٍ من ثلاثة بالنسبة للرجال، وبواحدٍ من أربعة بالنسبة للنساء؛ يحصل البلوغ بالنسبة للرجل بالإنزال، ويحصل بالإنبات؛ إنبات شعر العانة، ويحصل بتمام خمس عشرة سنة، وتزيد المرأة بماذا؟
طلبة: بالحيض.
الشيخ: بالحيض؛ فإذا حاضت بلغت.
(عاقلًا) ضده المجنون والمبرسَم والمعتوه وما أشبهَ ذلك، هؤلاء ما يصح تصرُّفهم -بيعُهم ولا شراؤهم- لعدم وجود العقل.
(حرًّا) ضده العبد المملوك، لا يصح تصرُّفه؛ لأنه أولًا لا مال له، والثاني أنه لا يملك التصرُّفَ المطْلقَ لأنه مملوك، ولو جاز له التصرُّفُ المطْلقُ لتنافى مع الملكية.
[ ١ / ٤٣٣٠ ]
الرابع: أن يكون (رشيدًا)، والرشيد هو الذي يُحسِن التصرُّفَ في ماله فيقوم عليه بالحفظ وعدمِ الإضاعة وعدمِ التصرُّف فيما لا فائدة منه، وبهذا عرفْنا الفرق بين العاقل وبين الرشيد.
هذا رجلٌ بالغٌ عاقلٌ، من أحسن ما يكون من العقلاء، متَّزِنٌ، وحُرٌّ، لكن في المال ما يعرف، يبيع الذي يساوي عشرة بريالين، ويشتري الذي يساوي عشرة بكم؟ بعشرين، ويُغبَن دائمًا ولا يُبالي، مِثْل هذا ما هو رشيد، ولا يجوز أن ندفع له المال ولا أن نأذن له بالتصرف.
فصار جائزُ التصرُّفِ من جمع أربعة شروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، حُرًّا، رشيدًا، سواء كان رجلًا أم امرأة، حتى المتزوجة لها أن تتصرَّف في مالها بدون إذن زوجها لأنها جائزة التصرُّف.
قال: (فلا يصحُّ تصرُّف صَبِيٍّ وسفيهٍ بغير إذن وَلِيٍّ).
(صَبِيٍّ) مَن هو الصبي؟ مَن لم يبلغ. والسفيهُ مَن لا يُحسِن التصرفَ في ماله، ما يصح بغير إذن ولِيٍّ، فإنْ أَذِنَ الوليُّ صح، لكن اعلمْ أن إذن الوليِّ تارةً يكون إذنًا خاصًّا في عقدٍ خاصٍّ، وتارةً يكون إذنًا عامًّا، فإن كان إذنًا خاصًّا بحيث يأتي إليه الصبِيُّ ويقول: أنا أحبُّ أن أشتري هذا الكتاب بعشرة ريالات. فقال نعم، اشترِه. هذا أيش؟
طالب: إذنٌ خاص.
الشيخ: إذنٌ خاص، وتارةً يقول له: خذ هذه الدراهم بعْ بها واشترِ. هذا إذنٌ عامٌّ، فلا يجوز بهذا الإذن العامِّ إلا في الشيء اليسير الذي جرتْ به العادة؛ مِثْل أن يقول مثلًا: خُذْ هذه الأربعة ريال رُح اشترِ () بيض دجاج. أمَّا يقول: هذه أربعة ريال رُح بِع واشترِ العقار. يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: يمكن يشتري له عقارًا يساوي مئة ألف بخمس مئة ألف، لكنْ دجاجة وبيضة وما أشبهَ ذلك ما فيه مانع؛ الشيء اليسير.
[ ١ / ٤٣٣١ ]
وأيضًا ما يأذن الولي، ما يجوز يأذن إلا إذا رأى المصلحة في ذلك، فإن رأى عدم المصلحة حَرُم عليه الإذن؛ افرضْ أنه أعطاه مثلًا أربعين درهمًا أو ريالًا فقال: رُح بعْ واشترِ بها الدجاج والبيض والبطيخ وما أشبهَ ذلك، وصار هذا الصبي يأخذ الأربعين ويشتري الدجاجة ()، والبيض () اثنين بريال، يغلط ولَّا لا؟
طلبة: يغلط.
الشيخ: يغلط، ما يجوز يأذن حتى في الشيء اليسير.
فالحاصل أن الإذن للصبيِّ ينقسم إلى قسمين: إذنٌ خاصٌّ في شيءٍ معيَّن وهذا يجوز ولو كَثُر، وإذنٌ عامٌّ؛ هذا ما يجوز إلا في الشيء اليسير الذي جرتْ عادة الصبيان بالتصرُّف فيه.
وقوله: (بغير إذْنِ وليٍّ) مَن هو الولي؟ المذهب أن الولي هو الأبُ، أو وصِيُّه، أو الحاكمُ، أو وكيله من باب أَوْلى؛ أي: أو وكيله أو وصِيُّه أو الحاكم، هذا هو الولي على المذهب، فالجد ليس وليًّا، والأم ليست وليًّا، والأخ ليس وليًّا، إلا إذا وكَّله الحاكم على ذلك، أو وكَّله أبوه، أو أوصى إليه.
الولي على المذهب يختصُّ أو ينحصر في أربعة أشياء، مَن؟ الأب، أو وكيله، أو وصيُّه، أو الحاكم. وعلى هذا فالجدُّ ليس وليًّا ولو من قِبَل الأب، والأم ليست وليًّا، والأخ ليس وليًّا.
إذَن مات رجلٌ عن أبنائه وفيهم مَن هو بالغٌ عاقلٌ رشيدٌ، وكلهم صغار، مَن يتولَّى أموال الصغار هذه؟ يتولاها القاضي.
إذا قال إنسان: القاضي مشغولٌ بقضائه وبالأمور العامة للمسلمين، () المسألة بسيطة، ويش يعمل؟ يأتي مثلًا لأخيهم الأكبر إذا كان صالحا مُصلحًا يقول: تفضل أنت وليٌّ أو وكيلٌ عني بالنظر على إخوانك الصغار. وحينئذٍ يكون وليًّا بالوكالة عن القاضي.
طالب: ().
الشيخ: الصبي من لم يبلغ.
الطالب: لو كان يُحسِن التصرف؟
[ ١ / ٤٣٣٢ ]
الشيخ: ولو كان يُحسِن التصرف فهو صبي، لو كان من أشطر عباد الله في البيع والشراء وهو ما بعد بَلَغ -يعني بلوغه بأحد () الثلاثة- فإنه لا يُقام عليهم، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إذا بلغوا النكاح ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
الشرط الثالث: (أنْ تكون العينُ مباحةَ النفعِ من غير حاجة). هذا الشرط يتضمَّن عدة شروطٍ؛ قال: (مباحةَ النفعِ من غير حاجة)؛ أفادنا المؤلف بقوله: (مباحةَ النفعِ) أنه لا بدَّ أن يكون في العين المبيعة نفْعٌ، هذه واحدة، ولا بد أن يكون هذا النفع مباحًا، هذا اثنين، ولا بد أن تكون الإباحة بدون حاجة. إذا تمت هذه الشروط الثلاثة صحَّ عقد البيع عليها وإلا فلا.
كتابٌ يشتمل على صحيح البخاري، يجوز عقد البيع عليه؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: فيه نفع؟
طلبة: نعم.
طالب: كلُّه نفْع.
الشيخ: كلُّه نفْع. لا! البخاري ما فيه نفْع! كلُّه نفْع، () النفْع اللِّي يُؤكل فقط!
طالب: يُؤكل ويُشرب.
الشيخ: لا، ما هو اللِّي يُؤكل فقط، يؤكل ويُلبَس ويُشرب ويُنتفَع به في الدِّين.
النفع الذي فيه مباح؟
طلبة: نعم.
طالب: معلوم.
الشيخ: فالنفع بلا حاجة ولَّا بحاجة؟
طلبة: بلا حاجة.
الشيخ: بلا حاجة، إذَن يصح عقد البيع على صحيح البخاري؛ لأنه عينٌ مباحة النفْع بدون حاجة.
رجُل عنده حمارٌ زَمِن، ويش معنى زَمِن؟
طالب: ().
الشيخ: () ما يقدر يمشي، هل يجوز عقد البيع عليه؟
طالب: لا.
الشيخ: هو عين ومُباح النفع؛ ﴿وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]
طالب: ().
الشيخ: لا، () بلا حاجة، مباح النفع بلا حاجة، () ماذا نقول فيه؟ ما فيه ()، ما تقولون؟
طالب: ليس فيه نفع.
الشيخ: هذا لا يصح البيع عليه لأنه ليس فيه نفْع، فالعقد إذَن لا يصح عليه.
[ ١ / ٤٣٣٣ ]
إذا قال قائل: يُشكل إذا قلنا: لا بد أن يكون فيه نفْع مباح؛ فيه أشياء كثيرة يبيعونها في الأسواق على الصبيان ما فيها نفع، ()، فيه نفع هذا؟
طلبة: ().
الشيخ: ()، إذَنْ فهو نفْع في الحقيقة .. يعني ما هو قال: نفْع لكلِّ الناس. إذا كان فيه نفْع ولو من بعض الوجوه أو ولو كان ينتفع به ناس دون ناس، هذا لو اشترطت ()، يصلح؟
طالب: لا يصلح.
الشيخ: ما يصلح، ما فيه نفْع له، لكن لو جاء واحد مِثْل ما قلتم () هذا لا بأس به؛ لأن فيه نفْعًا مباحًا ولو لبعض الناس.
هذا أسطوانة أغاني، أو العود المعروف هذا، يشتمل على نفع؟
طلبة: لا.
الشيخ: يشتمل على نفع، فيه طَرَب.
طالب: ().
الشيخ: نعم فيه ().
طالب: غير مباح.
الشيخ: لكنه غير مباح، () لكنه غير مباح ولا يحل عقد البيع عليه؛ لأن نفْعه غير مباح.
كذلك الإنسان عنده كُتُب -والعياذ بالله- مشتملة على زندقةٍ وعلى سِحرٍ وعلى دعوةٍ للكفر، ما تقولون في بيعها؟
طلبة: ().
الشيخ: ما يجوز لكن لو اشتراها إنسانٌ بمقابلٍ لإحراقها مَثَلًا، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن فيه دفع مضرَّة، صحيح ما فيه منفعة، لكنْ فيه دفع مضرَّة، وأنا ما يمكنني أتوصَّل إليها إلا بهذه الطريقة، وعلى هذا تكون مصادرة الكتب المضِلَّة، يكون شراؤها صحيحًا ولَّا لا؟ صحيحًا لأجل الدافع؛ إذا لم نتمكن من الدافع إلا بطريق الشراء صحَّ وكان الإثم على البائع لا علينا.
طالب: ()؟
الشيخ: () عينٌ فيها نفْع.
الطالب: لا.
الشيخ: ما فيها نفْع؟
طلبة: لا، فيها مضرَّة.
الشيخ: ما فيها إلا نفْع محرَّم ولا هو بنفع في الواقع للمضرَّة، لا يجوز بيعه.
الطالب: () فيها ويحرقها.
الشيخ: هذا لا بأس به، هذا لأجْل دفْعِ مضرَّتها، لكن هذا ويش يسوي؟ ! () اشترى له كيس وكيسين وثلاثة ويش راح يسوي؟ !
الطالب: ().
الشيخ: هذا أحسن ().
***
[ ١ / ٤٣٣٤ ]
() يعني أن الحمار ينزو على الفرس فيتولَّد بينهما ما يُسمَّى بالبغل، ولهذا: البغلُ فيه شَبَهٌ من الاثنين؛ الحصان وفيه شبه من الحمار، الحمار معروف.
(كالبغْلِ والحمارِ ودودِ القَزِّ) الدود معروف ()، والقَزُّ: الحرير، القَزُّ له دودة معيَّنة تُسمَّى دودة القَزِّ، الحرير الأصلي الطبيعي يخرج من هذه الدودة، هذا مِن أحسنِ ما يكون وأنْعمِ ما يكون يخرج من دودة، سبحان الله! هذه الدودة يقولون: إنها تفرز إفرازات وتطويها على نفسها، تطويها على نفسها، () انتهت طويتها ماتت، فإذا يبست جاؤوا وأخذوا هذا () وألقوا هذا اليابس من جسمها، هذا يجوز، مع أنه كيف يجوز أن أبيع الديدان؟
طلبة: ().
الشيخ: يجوز؛ لأن فيها مصلحة من أعظم ما يكون؛ القز.
كذلك بزر القزِّ؛ (وبزره)، بزر القزِّ ما فيه فائدة الآن، لكن يُنتفع به في المآل، والمراد ببزره: بيضُهُ. كيف هذه البزرة تؤخذ؟ () فتكون بزرًا في المستقبل يُنتفَع به، فيجوز.
كذلك قالوا: لو أنه اشترى ديدانًا لصيد السمك بأنه يجوز؛ لأن فيه نفعًا مباحًا، ولو اشترى عَلَقًا لِمَصِّ دمٍ يجوز، العَلَقُ معروف.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، العَلَق هذا الذي يكون في الماء، دودة حمراء ().
طالب: () الحمل.
الشيخ: حمل؛ يحمل أثقال، يقلع الأشجار، قوي جدًّا.
كذلك أيضًا (سِباعُ البهائمِ التي تَصْلُح للصيد) مثل الفهد؛ الفهد: نوع من السباع يُصاد به.
(إلا الكلب) إلا الكلب فلا.
طالب: ()؟
الشيخ: () كل شيءٍ يَصْلح لصيده يُضاف لهذا.
(إلا الكلب) الكلب ما يَصْلُح بيعُه مع أنه يَصْلُح للصيد ويُصاد به، لماذا؟ لأن النبي ﷺ نهى عن ثَمَن الكلب (٤)، فيكون هذا نصًّا خاصًّا مُبطِلًا لبيعه، ولأنه -على القاعدة- لا يُباح إلا لحاجة.
قال: (والحشرات). الحشرات هذه ما هي معطوفة على المستثنى، معطوفة على المستثنى منه؛ يعني: وكالحشرات، يصح بيعُها ولَّا ما يصح؟
[ ١ / ٤٣٣٥ ]
طالب: ما يصح.
الشيخ: إذن (والحشرات) معطوفة على الكلب؛ يعني: إلا الكلب وإلا الحشرات فلا يصح بيعها. السبب؟
طالب: ما فيها نفْع.
الشيخ: ما فيها نفْع ولا فيها فائدة، فصَرْف المالِ فيها إضاعةٌ للمال، والنبي ﵊ نهى عن إضاعة المال (٥).
واستثنى () العَلَق لِمَصِّ الدم، والديدان لصيد السمك، وكذلك الديدان وشبهها والحشرات للانتفاع بها من الناحية الطبية ().
طالب: ().
الشيخ: الديدان لمصلحة.
طالب: ().
الشيخ: ما يجوز ().
***
() أيضًا لا يجوز بيعُه، لا يجوز بيع المصحف، لماذا؟
يقولون: لأن في بيعه ابتذالًا له، كأنك إذا بعتَه معناه أنك راغبٌ عنه ما تبغيه، فلهذا لا يجوز بيعُه.
ومقتضى هذا التعليل أنه يجوز شراؤه؛ لأن المشتري ()، ولكن يُقال: إن البيع عقدٌ لا يكون إلا بين اثنين، فأنتم إذا قلتم للبائع: لا يصح بيعُك، لَزِمَ من هذا ألَّا يصح شراء المشتري، وهذا هو المشهور من المذهب أنه لا يصح بيعُ المصحف ولا شراؤه أيضًا، ولكن الصواب أنه يصح بيعُه وشراؤه؛ لأن فيه نفعًا، مباحًا ولَّا أكثر من مباح؟ أكثر من مباح، نفعًا مطلوبًا ()، وما زال المسلمون يبيعونه ويشترونه.
وأمَّا قول ابن عمر الذي يُروى عنه وددتُ أنَّ الأيدي تُقطع في بيعه (٦)، فإن هذا منه ﵁ يُحمَل على إذا كان واجبًا ()؛ بحيث يكون عند الإنسان مصحف مستغنٍ عنه وغيرُه محتاجٌ إليه فإنه يجب عليه أن ()، فإذا باعه في حال وجوب الإعارة فقد أساءَ، فيُحمل قول ابن عمر على هذه الحال.
قال: (والميتة). الميتة ما يصح بيعها لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» (٧)، ولأن الميتة ليس فيها نفعٌ مباحٌ على الإطلاق، متى يُباح الانتفاع بها؟
طلبة: الضرورة.
الشيخ: عند الضرورة.
[ ١ / ٤٣٣٦ ]
وقول المؤلف: (الميتة)، يُستثنى منها؛ من جنسها ومن أجزائها، فيه استثناء؛ يُستثنى من جنس الميتةِ الميتةُ الطاهرة؛ فإن الميتة الطاهرة يجوز بيعُها، مثل؟
طلبة: السمك.
الشيخ: السمك والجراد، يجوز أنك تبيع سمكًا ميتًا أو جرادًا ميتًا.
ويُستثنى من أجزائها الشعر و()؛ فإنه يجوز بيعُه، ويُستثنى كذلك -على القول الراجح- الجِلْد إذا دُبِغ أو مطْلقًا.
فإذَن الميتةُ يُستثنى منها استثناءان: الاستثناء الأول من جنسها، والاستثناء الثاني من أبعاضها، ما الذي يُستثنى من جنسها؟
طلبة: السمك والجراد.
الشيخ: الميتة الطاهرة المباحة كالسمك والجراد. ويستثنى من أعضائها؟
طلبة: الشعر.
الشيخ: الشعر، والصوف، والوبر، والريش إذا ()؛ لأنه طاهر لا تدخله الحياة، ويُستثنى -على القول الراجح- الجلدُ سواء دُبِغَ أو لم يُدبَغ.
قال: (والسِّرجين النجس) ما هو السرجين النجس؟ السرجين: الدمان، تعرفون الدمان؟ ما هو؟
طالب: ().
الشيخ: ما يجوز أن يُباع السرجين النجس، مِثْل أيش؟ كسرجين الحمير مَثَلًا، سرجين الحمير ما يجوز، لماذا؟ لأنه على المذهب ما فيه نَفْع، المذهب لا يجوز أن يسمد بالسرجين النجس، وإذا كان ما يجوز فمعنى ذلك أنه ما فيه انتفاع، لكن إذا قلنا بجواز الانتفاع به فهلْ يجوز بيعُه أو لا يجوز؟
في هذا نظر؛ لأن قول الرسول ﵊ لَمَّا قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، قالوا: يا رسول الله، أرأيتَ شحوم الميتة، فإنها تُطلى بها السفن، ويُدهَن بها الجلود، ويَسْتصبِح بها الناس. قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (٧). يعني بيعها حرامٌ، مع أن الصحابة ذكروا له الانتفاع بها فمَنَعَ من بيعها، فالظاهر -قياسًا على هذا النص- أن السرجين النجس لا يجوز بيعه ولو قلنا بجواز الانتفاع به.
السرجين المتنجِّس يجوز بيعه ولَّا لا؟
[ ١ / ٤٣٣٧ ]
نعم يجوز بيعه؛ لأن المؤلف يقول: (النجس)؛ النجس لذاته، أمَّا المتنجِّس مثل أن نجد سرجينًا طاهرًا بال عليه شخصٌ أو بال عليه حمارٌ أو بال عليه هِرٌّ أو ما أشبهَ ذلك، فيجوز بيعُهُ؛ وذلك لأنه يمكن تطهيره، بماذا يطهر؟
طالب: بالماء.
الشيخ: بالماء؛ «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» (٨)، فلمَّا كان يمكن تطهير السرجين المتنجِّس جاز بيعه، كما لو بعتُ عليك ثوبًا متنجِّسًا فيجوز ().
قال: (ولا المتنجِّس) يعني: ولا يجوز بيع الأدهانِ المتنجِّسة.
طلبة: والنجسة؟
الشيخ: ولا الأدهان النجسة، الأدهان النجسة () أيضًا لا يجوز بيعُها؛ مثل دهن الميتة دهنٌ نجسٌ ما يجوز بيعُه، الدليل؟ قول الرسول ﵊: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، ولَمَّا عرضوا عليه الشحوم ويش قال؟ قال «هُوَ حَرَامٌ» (٧)، فمنع مِن بيعه، ولأن الأدهان النجسة لا يمكن الانتفاعُ بها في الأكل والشرب وشبه ذلك، ما يُنتفع بها -على القول الراجح- إلا فيما لا يتعدَّى () كطلْي السفن والاستصباحِ وما أشبهَ ذلك، هذا هو الراجح.
أمَّا المذهب فإن الأدهان النجسة لا يجوز الانتفاع بها أبدًا حتى فيما لا يتعدَّى؛ لأنهم يقولون: إن قول الرسول ﵊: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». «هُوَ» يعود على ما سألوا عنه، لا يعود على البيع، وهم ويش سألوا؟ عن شحوم الميتة يستصبح بها الناس وتُطلى بها السفن وتُدهَن بها الجلود، فقال: «لَا، هُوَ» أي: هذا الذي ذكرتم «حَرَامٌ».
[ ١ / ٤٣٣٨ ]
والصواب أن «هُوَ» يعود على بيعها؛ لأن الرسول ﵊ يتحدَّث عن البيع، فلمَّا أوردوا عليه هذه المنافع يريدون أن يُحِلَّ البيعَ من أجْل هذه المنافع قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». وهم ﵃ ما سألوا قالوا: يا رسول الله هل يجوز أن يستصبح بها الناس وأن تُطلى بها السفن وأنْ تُدهن بها الجلود؟ ما سألوا عن حُكْم هذا حتى نقول: إن قوله: «هُوَ حَرَامٌ» يعود على هذه الأشياء، إنما سألوا عن أيش؟
طالب: البيع.
الشيخ: عن جواز بيعها لما فيها من هذه المصالح، فقال: «هُوَ» أي: بيعُها «حَرَامٌ».
لاحظ الآن، صار بيع هذه الأدهان النجسة ويش حكمه؟
طلبة: ().
الشيخ: حرامٌ. ولو جازَ الانتفاعُ بها في هذه الأشياء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا نصُّ الحديث، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأننا لو جوَّزْنا هذا الشيء -أي: البيع- لكثُرتْ مُلابسات الناس لهذا الشيء النجس طلبًا لبيعه وثمنه، فإذا قلنا: هو حرام، ما صار يلابسها إلا مَن يحتاج إليها، أو لا؟
لو قلنا: إن بيع شحوم الميتة جائز، وأدهان الميتة جائز، كان كلُّ الناس يأخذون هذه الشحوم ويبيعونها، فيتلوَّثون بالنجاسة ويلوِّثون أوانيهم وغير ذلك.
(ولا المتنجِّسة) يعني: ولا يجوز بيع الأدهان المتنجِّسة.
ويش الفرق بين النجسة والمتنجِّسة؟
النجسة: التي هي عينُها نجسة، والمتنجِّسة: هي الطاهرة التي أصابتْها نجاسةٌ، هذا الفرق.
مثال ذلك: أنا عندي دهنٌ من لبنٍ؛ زبدٌ، سقطتْ عليه نجاسةٌ، ويش يصير؟ يكون متنجِّسًا، إذا كان متنجِّسًا يقول المؤلف: إنه ما يجوز بيع المتنجِّس. كيف لا يجوز؟
نحن نقول: ما يجوز؛ لأنه على المذهب لا يمكن تطهير الأدهان المتنجِّسة أبدًا، الأدهان المتنجِّسة ما يمكن تطهيرها، وبناءً على ذلك تكون كالنجسة، ما دام ما يمكن تطهيرها فهي كالنجسة.
[ ١ / ٤٣٣٩ ]
والصواب جواز بيع الأدهان المتنجِّسة؛ لأن تطهيرها ممكن، بماذا يمكن تطهيرها؟ بقول الرسول ﵊: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا» (٩)، فإذا ألقيناها وما حولها طهرتْ، وهذا يمكن؛ أمَّا في الجامد فظاهرٌ، وأمَّا في المائع فكذلك؛ لأن الدهن ليس كالماء يخالط ما يكون فيه، ولذلك تجد أن الدهن إذا صار في المرق دهن ينفرد الدهن عن المرق ولَّا لا؟ ينفرد ()، وعلى هذا فالصواب أن الأدهان المتنجِّسة يمكن تطهيرها، وبناءً على ذلك يجوز بيعُها؛ لأن المشتري يمكن أن يطهِّرها فينتفع بها.
قال: (ويجوز الاستصباحُ بها).
(بها) الضمير يعود على أيش؟
طالب: على المتنجِّسة.
الشيخ: على المتنجِّسة خاصة؛ (يجوز الاستصباح بها) أي: بالمتنجِّسة (في غير مسجدٍ).
ويش معنى الاستصباح بها؟ يعني أن تجعلها وقودًا للمصباح، وكانوا في الزمن السابق يستصبحون بالدهن بدلًا عن الجاز؛ يحطون الدهن في إناءٍ صغيرٍ ويضعون فتيلةً؛ يعني خرقة، يكون أسفلُها في هذا الدهن، و() النارَ في أعلاها، تبدأ تمتص مِن هذا الدهن وتولع، هذه الشعلة سيخرج منها دخان، الدخان سيلوِّث ما حوله، فإذا كان في مسجدٍ معنى ذلك أننا لوَّثْنا المسجد بنجاسة، ولهذا قال: (يجوز الاستصباحُ بها في غير مسجدٍ)، أمَّا إذا كان في البيت فلا حرج.
إذا كان في مسجدٍ ولكنه في السطح، ما رأيكم؟
طالب: ().
الشيخ: فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز حتى في السطح؛ لأنه وإن لم يحدث تلوُّث فإن الرائحة تكون رائحةَ شيءٍ نجسٍ، والرائحة النجسة ما يجوز أنها تكون في المسجد، ولهذا قالوا: إنه لا يُحدِث في المسجد؛ يعني ما يفسو في المسجد.
[ ١ / ٤٣٤٠ ]
والمسألة الأخيرة هذه فيها خلاف؛ بعضهم يقول: لا بأس أن الإنسان يفسو في المسجد؛ لقول الرسول ﵊: «مَا لَمْ يُحْدِثْ» (١٠)، لكن الملائكة تصلِّي عليه وتستغفر له ما لم يُحدِث، قالوا: فلمَّا قال: «مَا لَمْ يُحْدِثْ» دلَّ هذا على جواز الحدث في المسجد.
ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، بل لو قيل: إن هذا الحديث يدلُّ على منْع الإحداث لكان أَوْلى؛ لأن كون الملائكة تتوقَّف عن الدعاء له إذا أحدثَ إكرامٌ له ولَّا عقوبة؟
طلبة: عقوبة.
الشيخ: عقوبة، هل العقوبة تكون على شيءٍ مباح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تكون، لكن الإنسان قد يُحدِث غصْبًا عليه.
ثم إذا كان الرسول ﵊ منع مَن أَكَل البصلَ أنْ يدخل المسجدَ (١١) لرائحته، أيُّهم أَوْلى؟
طالب: الإحداث.
الشيخ: هذا أَوْلى؛ لأنه له رائحة كريهة.
***
() قال: (وأنْ يكون مِن مالكٍ).
(وأنْ يكون) الضمير يعود على العقد؛ يعني: وأن يكون العقد صادرًا من مالكٍ، مالكٍ لماذا؟ للمعقود عليه.
(أو مَن يقوم مقامه) يعني: أو صادرًا ممن يقوم مقام المالك، المالك واضح؛ الذي له الشيء.
والذي يقوم مقام المالك هم: الناظر، والوكيل، والولي، والوصِيُّ؛ أربعة، هؤلاء يقومون مقام المالك.
الولي: وهو مَن له الولاية شرعًا؛ كوليِّ اليتيم، وكالقاضي الوليِّ على الأموال المجهولة وأموال السفهاء وما أشبهَ ذلك.
والوكيل مَن؟ هو الذي فوَّضَ إليه العقدَ مالكُهُ، هذا وكيلٌ؛ مثل: قلتُ لك: خُذْ هذا بِعْه. أو: خُذْ هذه الدراهمَ اشترِ لي كذا وكذا. فهُنا البائع في الصورة الأولى والمشتري في الصورة الثانية قائمٌ مقامَ المالك في صفة الوكالة.
[ ١ / ٤٣٤١ ]
وأمَّا الناظر فهو: المدبِّر للأوقاف؛ يعني الذي جُعِلَ وكيلًا على الوقف يُسمَّى ناظرًا، ولهذا بعض الناس يقول إذا كتب الوقف: هذا وقفٌ على فلان، قال: والوكيل فلان بن فلان. لو أخذنا باللفظ لكان إذا مات الْمُوقِفُ انفسخت الوكالة؛ لأن الوكالة تنفسخ بالموت، لكن نحن نعلم أنَّ قَصْد الكاتب: والوكيل فلان، بالنسبة للوقف، ويش قصْده؟
طلبة: الناظر.
الشيخ: الناظر فلان، ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا كَتَب أن يُحَرِّر كتاباته، احنا دائمًا تُصادِفُنا مشاكل في هذه المسائل؛ يكتب الكاتب: الوكيل فلان. إذا صار وكيلًا معناه تنفسخ وكالته بموته، لكن قلنا: الناظر على الوقف فلان بن فلان.
الوصِيُّ مَن هو؟ الوصِيُّ هو الوكيل بعد الموت؛ مَن أُذِنَ له بالتصرُّف بعد الموت، هذا هو الوصِيُّ؛ مِثْل أنْ يقول شخص: أُوصِي بثُلُثي أنْ يُبنى فيه مسجدٌ والوصِيُّ فلان. هنا يصير فلان قائمًا مقام المالك بصفة أيش؟
طالب: الوصاية.
الشيخ: بصفة الوصاية.
(فإنْ باع مِلْكَ غيرِهِ لم يصِحَّ)، ليش؟ ليس بماله؛ مثلًا: لو فرضْنا أن عيسى باع كتاب غانم، أخذه وباعه، يصح ولَّا ما يصح؟ ما يصح البيع.
لو موسى صديقه وصاحبه؟ أجيبوا.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ولو كان ولده؛ هذا ابنٌ باع ملْكَ أبيه، ما تقولون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح؟ ! ابنٌ ما يستطيع يبيع ملْكَ أبيه؟ !
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح.
أبٌ باعَ ملْكَ ابنه، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: لا يصح.
طلبة آخرون: يصح.
طالب: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (١٢).
الشيخ: ما يصح، نَعَم، «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» نَعَم أبوك على العين والرأس، لكن الآن الملْك ملْك الولد، فلا يمكن أن يبيعه الوالد، ويش يعمل اللِّي بغى يبيعه؟ يتملك عليه لأجْل أن يكون مالكًا، أمَّا أن يبيعه على أنه لولده فلا يملك ذلك، ولهذا لو سألكم سائلٌ وقال لكم: رجلٌ باع ملْكَ ابنه، هل يصح البيع؟ ما تقولون؟
[ ١ / ٤٣٤٢ ]
إنْ تَمَلَّكَه ثم باعه صحَّ البيع؛ لأنه مِلْكه الآن، وإنْ باعه قبل تَمَلُّكِهِ لم يصح؛ لأنه ليس مالكًا ولا قائمًا مقام المالك.
طالب: مَن يقوم؟
الشيخ: نقول ().
الطالب: يدَّعي أنه له؟
الشيخ: ما هو بيدَّعي يتملَّكه حقًّا شرعًا ()، مَثَلًا: هذا الكتاب لابنك، واسمه عبد الله، أخذتَ الكتاب وبِعْتَه قبل أن تتملَّكَه معناه بعتَ ما لا تملك، فإذا قلتَ مَثَلًا لي أو الثاني والثالث: يا جماعة () تملَّكتُ هذا الكتاب، أو نويتَ أنت بنفسك أنك تملَّكتَ الكتابَ لك ثم بِعْتَه؛ فلا حرج.
الطالب: بس هو يتملَّكُه بلسان الحال.
الشيخ: ما هو لسان الحال، لسان الحال هنا مقطوع، ما دام باعه على أنه ملْكُ ابنه فهو ملْكُ ابنه.
طالب: ().
الشيخ: لا، نقول على كل حال: يمكن يبيعه على أنه للابن و() الابن.
الطالب: هذا التصرُّف اللي على الابن.
الشيخ: إي، التصرف على الابن.
طيب، إذَن (إذا باع ملْكَ غيرِهِ لم يصح)، (إذا اشترى بعينِ مالِهِ بِلا إذْنِهِ) (بلا إذْنِهِ) متعلِّقة بالصورتين.
(إذا اشترى بعينِ مالِهِ لم يصِحَّ)، إذا اشترى بعين ماله سواء له ولَّا للمتصرِّف لم يصح، كيف اشترى بعين ماله؟
أنا عندي لك مئة ريال وديعة، أيش لون الوديعة؟ يعني حاطُّه عندي وديعة ورقة من فئة مئة ريال ورقمها عشرة آلاف، عند واحد سلعة تساوي مئة ريال، فقلت له: اشتريت منك هذه السلعة بهذه المئة. الآن البيع من أيِّ الصور؟ عينٌ بعينٍ، فالآن اشتريتُ بعين مالِهِ عينَ مالِ الرجل، لكن الظاهر أن ما بعد ()، واضح؟
طلبة: ().
الشيخ: أعيد مرة ثانية، اشتريتُ هذا المسجِّل بهذه المئة، قلت لصاحب المسجِّل: اشتريتُ منك هذا المسجِّل بهذه المئة، المئة ما هي لي، لفلان. الآن اشتريتُ بعينِ مالِ فلانٍ، ما يصِحُّ البيع.
فإن قلتَ: اشتريتُ منك هذا المسجِّل بمئة ريال. ثم طلَّعت () وأعطيته إياها، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
[ ١ / ٤٣٤٣ ]
الشيخ: يصح؛ لأن العقد لم يقع على عينها، في المسألة الأخيرة العقد ما وقع على عين المئة، وقع في ذمتي مئة ريال، يعني في ذمتي لكنْ نَقَدْتُها من ملْكِ غيري، بينهما فرق ولَّا لا؟ ولهذا المؤلفُ يقول: (اشترى بعينِ مالِهِ) بأنْ جَعَل عينَ مالِ الغير هو المعقود عليه، هذا معنى قوله: (بعين مالِهِ)، نقول: هذا ما يصح؛ لأنه لم يؤذَن له في التصرف.
يقول: (بلا إذْنِهِ) إذْن مَن؟
طالب: صاحب المال.
الشيخ: إذْن صاحب المال؛ الغَيْر، ولا بد أن يكون الإذن مُسْبقًا، يعني سابقًا على التصرُّف، فإن أذِنَ له بعد أن يتصرَّف فالمذهب: لا يصح؛ لأن عموم قوله (بلا إذنه) يتناول ما إذا أذِنَ له بعد ذلك فإنه لا يصح التصرُّف، لا بد أن يكون الإذن سابقًا على التصرُّف.
ما رأيكم بالذي طلَّق زوجتَه وكلمتْه امرأةُ جاره وقالت له: يا أبا فلان، كيف تطلِّق زوجتك التي في يدك، اتَّقِ الله. قال: وأنتِ طالقٌ (). يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ يعني ما وكَّله، كل تصرُّف بدون توكيل ما يصح.
في هذا إذَنْ نقول: لا يصح على المذهب حتى ولو أذِنَ بعدُ، والصواب أنه إذا أذِنَ بعدُ فإن العقد صحيحٌ؛ لأن الحق له، فإذا أسقطَهُ سَقَط، ويدلُّ على ذلك حديث معْنٍ؛ حيث إنه أعطى شخصًا -أو يزيد، إمَّا معْن أو يزيد، أحدهما الأب والثاني الابن- أعطى شخصًا دراهمَ ليتصدَّق بها، فأعطاها ابنَه، فلمَّا أعطاها ابنَهُ قال: ليش تعطيها ابني؟ ! أنا ما أردتُ أن تعطيها ابني. قال: فارتفع إلى الرسول ﵊ فقال: «لَكَ مَا نَوَيْتَ، وَلَكَ يَا مَعْنُ مَا أَخَذْتَ» (١٣)، أو بالعكس، أنا نسيتُ أيهما الابن، المهم أن الرسول قال: إن الأمر قد نفذ، فأجازه الموكِّل فصحَّت الصدقة.
الصواب أنَّ تَصَرُّف الفضولي إذا أذِنَ فيه مَن له حقٌّ فإنه جائز.
طالب: () الرسول ﷺ.
[ ١ / ٤٣٤٤ ]
الشيخ: وكذلك حديث عروة بن الجعد، أجازه الرسول ﵊، لم يأذن له فيه.
طالب: لكن يا شيخ ().
الشيخ: إي، لَمَّا قال: لك ما أردتَ من الصدقة دون الإبل، ما قال: رُدَّها. الرسول ﵊ ما أمر بِرَدِّها، نفَّذها.
وحديث عروة بن الجعد أيضًا أن الرسول ﵊ أعطاه دينارًا يشتري به شاةً أُضْحِيَّةً، () شاتَيْنِ، وباع إحداهما بدينارٍ وجاء بشاةٍ ودينار (١٤) ().
***
طالب: ().
الشيخ: () بيشتري هذا العتيق بثمن جديد، فبعت عليه، وقال: واللهِ جزاك اللهُ خيرًا، أنا ودِّي أن أبيع وأشتري ()، على المذهب غير صحيح؛ لأنه ليس مالكًا ولا قائمًا مقام المالك؛ فما هو بوكيل ولا وليٍّ ولا ناظرٍ ولا وصيٍّ، لكن الصحيح أنه إذا أُجِيزَ فلا بأس به.
(أو اشترى بعينِ مالِهِ بلا إذْنِهِ لم يصِحَّ، وإن اشترى له في ذمَّتِهِ بلا إذْنِهِ ولم يُسَمِّهِ في العقدِ صحَّ له بالإجازة) شوف الشروط، ما يجوز تصرُّف الفضولي على المذهب إلا بهذه الشروط ().
(إن اشترى له) لِمَن؟ للغير، (في ذمَّتِهِ) أي: في ذمَّة المشتري؛ يعني: دون أن يشتري بعين مال الغير.
(في ذمَّتِهِ بلا إذْنِهِ) بلا إذن ().
(ولم يُسَمِّهِ في العقد) ما قال: اشتريتُ لفلانٍ، (صحَّ له بالإجازة).
(اشترى له في ذمَّتِهِ) هذه واحدة، والثاني؟
طالب: (بلا إذْنِهِ).
الشيخ: (بلا إذْنِهِ) هذا بيان للواقع (). الثاني: (لم يُسَمِّهِ في العقدِ)، اشترى له في ذمَّتِهِ، ولم يُسَمِّهِ في العقد.
الشرط الثالث: أن يُجيزه، ولهذا قال: (صحَّ له)، الضمير يعود على المشترى له، (صحَّ له) أي: للغير (بالإجازة) أي: مع إجازته.
[ ١ / ٤٣٤٥ ]
مثال ذلك: أنا () إنسانٌ يدوِّر سيارة، () يدوِّر سيارة، فوجدتُ أنها حرج عليه، فاشتريتُها له، ولا قلت: إنها لفلان. اشتريتها له بنيَّة أنها له، ثم ذهبت إليه وقلت: اشتريت لك السيارة. فقال: جزاك الله خيرًا. يصح العقد ولَّا ما يصح؟
على المذهب يصح؛ لأنني اشتريتُ له في ذمتي ما هو بعينِ مالِهِ، اشتريتُ له في ذمتي ولا سَمَّيت؛ ما قلتُ للبائع: اشتريتُها لفلان. وفلان أجازَ؛ قال: جزاك الله خيرًا. وأخذ السيارة، هذا هو الذي يصح فيه تصرُّفٌ للغير بلا إذْنِهِ.
ويُسمَّى التصرف للغير بلا إذْنه: تصرُّف الفضولي، فلا شيء يصحُّ التصرف فيه للفضولي في البيع إلا بهذه الشروط على المذهب، الشروط كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة: أن يشتري له في ذمَّته، وألَّا يسمِّيه بالعقد، وأن يجيز البيع.
إذَنْ إذا باع ملْكَ غيره يُستثنى منه شيء ولَّا لا؟
كلُّه لا يصح ولو أجازه، بدون استثناء؛ لأن المؤلف يقول بالأول: (وإنْ باعَ مِلْكَ غيرِهِ لم يصِحَّ).
إذا اشترى لغيره بعين مال الغير وبدون توكيل، إذا اشترى للغير بعين مال الغير، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح.
إذا اشترى للغير في ذمَّته لكنْ سمَّاه في العقد؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح.
أنا أعرف أنك تحب تبيع بيتك، وجاء إنسان وقال: واللهِ () رأيته؟ يقول: نعم.
-بكم تشتريه؟
-قال: أشتريه بخمس مئة ألف ريال؟
-ويش بعد؟
-ست مئة ألف.
قال: قبلت. وشراه.
ذهبت لصاحبك قلت: أنا بعتُ البيت بست مئة ألف. قال: الله يجزيك خيرًا، أنا ما ظننتُ أنه يسوي أربع مئة، صحيح بعتَه بست مئة؟ ! قلت: نعم. المهم تشكَّر شكرًا عظيمًا وقال: جزاك الله خيرًا، أنا أعطيك بدل هذا الدلالة عشرين ألفًا، ويش تقولون بالعقد؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: على المذهب ما يصح العقد، لماذا؟ لأنه ليس مالكًا ولا في مقام مالكٍ وقد باع مِلْك غيره بغير إذْنه.
[ ١ / ٤٣٤٦ ]
وصحيحٌ أن جميع التصرف إذا أجازه () هو له فإنه يصح؛ لأن عدم الصحة فيه ليس لحقِّ الله، إنما هو لحقِّ الآدمي، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ جعل المسألة بيننا، ما فيها حقٌّ لله ﷿، الحق بيننا، فإذا كنَّا قد رضينا بذلك فلا شيء؛ لأن الحقوق هذه بيننا، حقوق بيننا ما هي من العبادات أو الأشياء () ما حرمها إلا حمايةً لحقوقنا، فإذا أجاز المشترَى له أو الذي بِيع مِلْكُه، إذا أجاز العقد فيه محظور؟
طلبة: لا.
الشيخ: هذا الرجل لولا أنه لا يحلُّ السجود لأحدٍ لسجدَ له بناءً على بَيْعِ بيته، لكن يعلم أن السجود لغير الله كُفر وشِرك، إنما الرجل هذا فَرِح فرحًا عظيمًا أنه باع بيتَه بست مئةٍ بدل أربع مئة ألف، نعم، لكن قد يأتي () هذا فيه تغريرٌ بالمشتري؛ غَبْنٌ، فيقال: إذا كان المشتري عارفًا بالقيمة يدري عن القيمة، ما فيه غَبْن.
طالب: كيف () لو صارت مِثْلها، كيف يصح البيع؟
الشيخ: ما يصح البيع، يُلغَى العقد، هو قال: ثمن جديد.
طالب: كيف؟
الشيخ: لَمَّا قال: ثمن جديد ()، واللهِ أنا تبيَّن لي أن العقارات ()، ماذا سيقول الرجل () صحيح؟
طالب: ما نحتجُّ بحديث عروة بن الجعد.
الشيخ: الصحيح له شواهد، القول الراجح له شواهد وأدلَّة؛ منها هذه الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، ومنها حديث عروة بن الجعد في الصحيح واضح؛ أنه تصرَّف وباع مِلْك الرسول ﵊ بدون إذْن الرسول ﵊، لكن يعلم أن الرسول يرضى بهذا، وفِعْلًا رَضِيَ، ولهذا قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي بَيْعِهِ» (١٤).
المهم ودِّي أننا نعرف المذهب تمامًا؛ عندنا أولًا: بَيْع ملْكِ الغير فيه استثناء ولَّا ما فيه؟
طلبة: ().
الشيخ: ما فيه استثناء، ما يجوز مطْلقًا؟
طالب: ().
[ ١ / ٤٣٤٧ ]
الشيخ: لا، بَيْع ملْك الغير بغير إذنٍ هذا تصرُّف بغير إذْن؛ لا توكيل ولا وصية ولا ()، لا يصلح ولا يصح منه شيء.
الاشتراء بعين مال الغير؛ بمعنى أن يكون العقد وقعَ على عين مال الغير؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يصح مطْلقًا ولو أجازه.
الصورة الثالثة: اشترى في ذمَّته للغير، ولكن سمَّاه فقال: اشتريتُه لفلان؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأنه ما وكله.
طيب، اشترى له في ذمَّته ولم يُسَمِّه بالعقد؟
طالب: يصح
الشيخ: يصح بشرط ..
الطالب: إذا أجازه.
الشيخ: إذا أجازه، إنْ ما أجازه ما يصح؛ فهذا رجلٌ مخلصٌ لأخيه، خابر أنه يبغي يشتري سيارة، ووجد سيارة رخيصة تُباع وباعها للرجل عليه بخمسة آلاف ريال في ذمَّته، ولا سَمَّى مَن اشتراها له، ثم جاء للذي اشترى له وقابله بالسيارة زينة بخمسة آلاف ريال تسوى ثمانية آلاف ريال، قال: ()، يصح العقد ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: قال: يا شيخ، أنا اشتريت لك، ما عندي ولا قرش ()، أنا شاري لك ()، وضامن أنها من مصلحتك. قال: ما عَلَيَّ، أنا موكلك؟ ! ما وكَّل إذَن ما ()، قالوا: لا بد من الإجازة. وهذا صحيح، لا بد من الإجازة، وإلا كان ().
هذا ما يمكن، لا بد من الإجازة، كلامه هنا صحيح؛ لا بد من الإجازة إذا اشترى لغيره.
طالب: ()؟
الشيخ: الصحيح () وأُكَرِّر: أنَّ مَن تصرَّف لغيره أو بمال غيره وأجازه فلا حرج.
طالب: ()؟
الشيخ: ()؛ لأنه إذا اشترى بعين ماله فقد تصرَّف في ملْكِ غيره؛ لأن العقد يقع على عين المال؛ قال: لو اشتريتُ منك هذا الشيء بهذا الشيء. هو ما يمكن أن يوقع العقد على ملْكِ غيره بدون إذنه، وأمَّا إذا سماه () يكون كاذبًا؛ ما وكَّله، إن قال: هذه لفلان، ما هو يقول.
طالب: نقول: يمكن نمنعه لدخول الغَرَر فيه؟
الشيخ: لا، ما نمنعه؛ لأنه إذا أجازه مَن له الحق ويش المانع؟
الطالب: لا، إذا ما أجازه.
[ ١ / ٤٣٤٨ ]
الشيخ: إذا ما أجازه يَلْزم المشتري؛ إذا لم يُجِز التصرُّفَ لَزِم المتصرِّف؛ إذا لم يُجِز مَن تُصُرِّفَ له هذا التصرُّفُ لَزِم المتصرِّف.
طالب: احتمال الغرر.
الشيخ: ما فيه غرر؛ لأن الرجل هذا مخاطِر؛ عارف أنه لو ما أجازه صاحبُه يلزمه.
ما رأيكم -يجيئنا في الخيار إن شاء الله- لو قال المشتري: أنا خابِر أن فلانًا يبغي شيئًا، أبغي أشتري له على مراجعته؟
طلبة: لا يصح.
طالب: إذا رضي.
الشيخ: شرط على مراجعته، فهذا على المذهب لا يصح؛ لأنه علَّق؛ البيع المعلَّق ما يصح. نقول: رُح راجِعْه إذا أذِن لك ().
يقول: (ولَزِمَ المشتريَ بِعَدَمِها ملْكًا) (لَزِم) الفاعل يعود على العقد. (المشتريَ) مَن المشتري؟ الذي اشترى لغيره في ذِمَّته ولم يُسمِّه في العقد. (بعَدَمِها) أي: بعدم الإجازة. (ملْكًا) حال مِن فاعل (لَزِم)؛ يعني: حال كونه مِلْكًا له، مِلْكًا لِمَن؟ للمشتري مِن حين العقد لا مِن حين الرفض. فاهمين المسألة؟
(لَزِم) الفاعل؟
طلبة: المشتري.
طلبة آخرون: العقد.
الشيخ: العقد. (المشتريَ) الذي اشترى لغيره. (بعدمها) بعدم الإجازة. (ملْكًا) من حين العقد لا من حين الرفض.
مثاله: اشتريت بقرةً لشخص، تعرفون البقرة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، اشتريتُ بقرةً لفلان، اشتريتُها في يوم عشرة من هذا الشهر، واليومَ سبعة عشر أو ستة عشر؟
طلبة: سبعة عشر.
الشيخ: سبعة عشر؛ يعني سبعة أيام، اشتريتها في ذِمَّتي بألف ريال على أنها لفلانٍ، ما هي لي، يصح العقد ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
[ ١ / ٤٣٤٩ ]
الشيخ: يصح له إن أجاز، فلمَّا اتفقت به في اليوم السابع عشر وقلتُ له: اشتريت لك هذه البقرة بألف ريال. قال: قَبِلْتُ. لبنُها من يوم عاشر إلى اليوم لِمَن؟ للمشترَى له، أنا كل يوم أبيع منها لبنًا بعشرة ريالات، أخصم منها ريالين للعلف ويبقى ثمانية، كم رَبِحَ من عشرة إلى سبعة عشر؟ ست وخمسين ريالًا، لَمَّا أني قلتُ له: اشتريت لك بقرة بألف ريال. قال: واللهِ ما أبغي، أنا استغنيت عنها، اشتريت غيرها. مين تكون له؟
طلبة: للمشترَى له.
الشيخ: لا، تكون للمشترِي، المشترى له ()، تكون للمشتري.
طالب: أجاز له ولَّا لا؟
الشيخ: ما أجاز، أَبَى، قال: ما أبغي، أنا اشتريت واحدة غيرها.
طالب: احنا حسبنا نفس الشخص.
الشيخ: لا، أنت مَثَلًا اشتريتَ لعبد الله في يوم عشرة بقرةً بألف ريال، وواجهتَه اليومَ يوم سبعة عشر وأنت تبيع منها كل يوم بعشرة ريالات لبنًا، وتخصم منها ريالين للنفقة، كم ربحتَ من عاشرٍ لليوم؟
طالب: عشرة في سبع، عشرة في ثمانية.
الشيخ: لا، عشرة في ثمانية ما (). هي كل يوم تربح عشرة، نخصم منها ريالين للنفقة، ثمانية في سبعة بستة وخمسين، فهمتَ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الآن معك بقرة وستة وخمسين ريالًا، تمام؟ فقلتَ لعبد الله: اشتريتُ لك هذه البقرة في يوم عاشر بألف ريال، وهذه ستة وخمسين ريالا رِبْحها. قال: ما أبغيها، ما أريدها. مَن تكون له؟
الطالب: المشتري.
الشيخ: لك ولَّا له؟
طالب: لا، لي أنا.
الشيخ: لك، تكون لك ملكًا، مِن حين الرفض ولَّا مِن حين الشراء؟
الطالب: من حين الرفض.
الشيخ: إذن ستة وخمسين تكون لعبد الله، أو لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم! زين والله! طيب! لا، تكون مِلْكًا مِن حين الشراء، تكون مِلْكًا لك أنت، لَمَّا رفض عبد الله قال: ما أبغيها، تكون مِلْكًا لك أنت من حين الشراء.
الطالب: من يوم عشرة.
الشيخ: من يوم عشرة، () الستة وخمسون ريالا ..
الطالب: لي أنا.
[ ١ / ٤٣٥٠ ]
الشيخ: لك أنت؛ لأنه لَمَّا رفض ما صحَّ العقد الأول اللِّي في عشرة، ما صحَّ، صحَّ لك أنت، ولهذا قال: (لَزِمَ المشتريَ بعَدَمِها).
الطالب: وإن قَبِلَ؟
الشيخ: إنْ قَبِلَ له ستة وخمسون ريالًا، إنْ قَبِلَ عبدُ الله العقدَ يؤخذ منه ألف ريال ويُعطى ستة وخمسين ريالًا وبقرة.
الطالب: أقول: أحسن له أن يقبل؛ يأخذ البقرة وستة وخمسين.
الشيخ: هو حرٌّ على كل حال، يمكن يشتري شيئًا نازلًا، ويقول: ما أبغي، ونحسبه الآن بخمس مئة ريال. الآن فهمنا يا إخوان هذا.
ماذا يُعبِّر الفقهاء عن هذا؟ يعبِّرون عنه بأيش؟
طالب: بالتصرُّف الفضولي.
الشيخ: بالتصرُّف الفضولي، وهو كما رأيتم يجوز في بعض الوجوه على المذهب، ويُمنَع في ثلاث صور:
- إذا باع مِلْك غيره.
-ثانيًا: إذا اشترى بعين ماله.
-ثالثًا: إذا سمَّاه في العقد.
ويجوز في صورةٍ واحدةٍ وهي ما إذا اشترى له في ذِمَّته ولم يُسَمِّه في العقد، فهذا إذا أجازه المشترَى له صحَّ ملكًا له، وإنْ لم يُجِزْه صحَّ ملكًا لِمَن؟ للمشترِي.
***
ثم قال المؤلف: (ولا يُباع غيرُ المساكن مِمَّا فُتِحَ عَنْوةً كأرضِ الشامِ ومصرَ والعراقِ، بل تؤجَّر).
أفادنا المؤلف - (ولا يُباع غيرُ المساكن مما فُتِحَ عَنْوةً) - أن الأرضين تنقسم إلى قسمين: ما يُفتَح عنوةً؛ ويش معنى عَنوة؟ أي: قهرًا بالسيف، وما يُفتح صُلْحًا.
فالمفتوح صُلْحًا على حسب الصُّلح؛ إذا صالحناهم على أن الأرض لهم ويبقون فيها بجزيةٍ فهي مِلْكهم، وإن صالحناهم على أنها لنا ويبقون فيها بالخراج فهي لنا.
لكن ما فُتِحَ عَنوةً فقد سبقَ أن أمير المؤمنين عمر ﵁ رأى أنْ يوقفهم وأنْ يجعل لها وقْفًا ويضربَ عليها خراجًا مستمرًّا (١٥)، فهذه البلاد الثلاثة أو الأقطار الثلاثة: الشام ومصر والعراق، فُتِحتْ عنوةً، ما تُباع فيها الأراضي، الأراضي لا تُباع فيها، لماذا؟ لأنها وقْفٌ وعليها الخراج.
[ ١ / ٤٣٥١ ]
أمَّا المساكن فتُباع، المساكن؛ الدور، تُباع؛ لأنها من بناء صاحبها، هو الذي بناها، ولا فرق بين أن تكون مادَّتها أو موادُّها من الأرض أو من خارج؛ لأنها بعد أن بُنِيتْ صارت مِلْكًا لِمَنْ؟ لصاحبِها، فلا فرق بين أن تكون مادَّة البناء من نفس الأرض الخراجية أو من غيرها.
تُباع المساكن ولا تُباع الأرض، وعلى هذا فإذا باع الإنسان أرضًا في العراق نقول: ما يصح البيع، لكن يصح التنازل عنها بعِوَض، ولا يُقال: بيعٌ، لأنها ما تُمْلَك، فإذا باع دارًا في العراق أو في الشام أو في مصر نقول: بعت عليك أيش؟
طالب: ().
مِمَّا فُتِحَ عَنوةً كأَرْضِ الشامِ ومِصرَ والعراقِ بل تُؤَجَّرُ ولا يَصِحُّ بيعُ نَقْعِ البئرِ، ولا ما يَنْبُتُ في أرضِه من كَلَأٍ وشَوْكٍ، ويَمْلِكُه آخِذُه، وأن يكونَ مَقدورًا على تَسليمِه، فلا يَصِحُّ بيعُ آبِقٍ وشارِدٍ وطيرٍ في هواءٍ وسَمَكٍ في ماءٍ، ولا مَغصوبٍ من غيرِ غاصِبِه أو قادرٍ على أَخْذِه، وأن يكونَ مَعلومًا برؤيةٍ أو صِفةٍ، فإن اشْتَرَى ما لم يَرَه أو رآه وجَهِلَه، أو وُصِفَ بما لا يَكْفِي سَلَمًا لم يَصِحَّ، ولا يُباعُ حَمْلٌ في بطْنٍ، ولَبَنٌ في ضَرْعٍ مُنفرِدَيْنِ، ولا مِسْكٌ في فَأْرَتِه ولا نَوًى في تَمْر، وصوفٌ على ظَهْرٍ، وفُجْلٌ ونحوُه قبلَ قَلْعِه.
[ ١ / ٤٣٥٢ ]
ولا يَصِحُّ بيعُ الْمُلامَسَةِ والْمُنابَذَةِ، ولا عبدٌ من عبيده ونحوُه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّنًا، وإن اسْتَثْنَى من حيوانٍ يُؤْكَلُ رأسُه وجِلْدُه وأطرافُه صَحَّ، وعكسُه الشحْمُ والحَمْلُ، ويَصِحُّ بيعُ ما مَأكولُه في جَوْفِه ولا عبدٌ من عبيده ونحوُه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّنًا، وإن اسْتَثْنَى من حيوانٍ يُؤْكَلُ رأسُه وجِلْدُه وأطرافُه صَحَّ، وعكسُه الشحْمُ والحَمْلُ، ويَصِحُّ بيعُ ما مَأكولُه في جَوْفِه كرُمَّانٍ وبِطِّيخٍ وبيعُ الباقِلَّاءِ ونحوِه في قِشْرِه، والحبِّ الْمُشْتَدِّ في سُنْبُلِه، وأن يكونَ الثمَنُ مَعلومًا، فإن باعَه برَقْمِه أو بألْفِ درهمٍ ذهبًا وفِضَّةً، أو بما يَنقطِعُ به السعْرُ أو بما باعَ زيدٌ - وجَهِلَاهُ أو أَحَدُهما - لم يَصِحَّ.
وإن باعَ ثوبًا أو صُبْرَةً أو قَطيعًا كلَّ ذراعٍ أو قَفِيزٍ أو شاةٍ بدِرهمٍ صَحَّ، وإن باعَ من الصبرةِ كلَّ قَفيزٍ بدِرهمٍ أو بمئةِ دِرْهَمٍ إلا دينارًا، وعَكْسُه،
لا تفاء مساكنها ولا تؤجر، فصارت الآن البلاد ثلاثة أقسام؛ ما يجوز بيعه وإجارته، وما تجوز إجارته دون بيعه، وما لا تجوز إجارته ولا بيعه.
شوف الآن الذي فتح عنوة تجوز إجارته دون بيعه، إلا المساكن.
ومكة لا يجوز بيعها ولا إجارتها، من استغنى عن بيته رفع يده عنه ().
وبقية الأماكن يجوز بيعها وإجارتها؛ كأرض المدينة، وكذلك أيضًا أرض بيت المقدس، وبقية الأراضي يجوز بيعها وإجارتها.
قال: (ولا يصح بيع نقع البئر) ما هو بالبئر، نقع البئر، كيف نقع البئر؟ رجل حفر بئرًا، البئر صار فيه نقع، يجوز يبيع النقع ولَّا لا؟ ما يجوز يبيع النقع، لماذا؟ لقول النبي ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ؛ الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ» (١).
[ ١ / ٤٣٥٣ ]
ولأنه لا يملكه إلا بحيازته، هو ما حازه، متى يَحُوزُه؟ إذا أخرجه من البئر، وجعله في خزانات أو في برك، حينئذٍ يملكه فله أن يبيعه، أما ما دام في البئر فإن الذي جمعه هو الله ﷿، والناس فيه شركاء، فلا يجوز بيعه.
كذلك لا يجوز بيع (ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك) الكلأ؛ يعني: العشب، والشوك: الشجر، ما يجوز أنك تبيع ما ينبت في أرضك، نقول: ما أنْبَتَّه، ما ينبت من الله بدون سبب منك هذا ما يجوز تبيعه.
فإذا كان عند إنسان حيالة، ويش هي الحيالة؟
طالب: مزرعة.
الشيخ: مزرعة كبيرة مثلًا، ما فيها زرع، ما زرعت فيها شيئًا، لكن أنبت الله فيها عشبًا وأشجارًا بدون فعلك، ما يجوز يبيعه.
الدليل قوله ﷺ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ؛ الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ» هذا الكلأ، أنت ما خسرت ولا أنبت ولا سقيت ولا سويت شيئًا، هذا من الله، ما يجوز ().
بالنسبة لبيع رباع مكة وبيوتها، وقلنا: إن المذهب لا يجوز البيع ولا الإجارة، وأن شيخ الإسلام قال: يجوز البيع دون إجارة، وأن مذهب الشافعي وجماعة جواز البيع والإجارة، وأنها تملك ملكًا تامًا، وهذا هو الذي نقله الموفق في المغني، () منصور نصره وأيده بأدلة كثيرة وقال: إن الصحيح جواز البيع والإجارة في بيوت مكة، والعمل على أي الأقوال؟
طالب: الأخير.
الشيخ: العمل على القول الأخير.
طالب: ما هو صحيح يا شيخ.
الشيخ: منذ أزمنة كثيرة.
أما القول بأنها لا تباع ولا تؤجر فهو قول ضعيف.
وأما القول بأنها تباع ولا تؤجر ففيه شيء من القوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥].
[ ١ / ٤٣٥٤ ]
وأما القول بجواز البيع والإجارة فحجتهم أن الرسول ﵊ لما قيل له عام الفتح: أتنزل غدًا في دارك؟ فقال: «هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ رِبَاعٍ؟» (٢)، وعقيل هو الذي ورث أبا طالب، فظاهر هذا الحديث أن بيوت مكة ورباعها تملك، وإذا ملكت جاز بيعها، وجازت إجارتها، وهذا مذهب الشافعي.
طالب: كذلك عندهم دليل يا شيخ، ولَّا نص؟
الشيخ: إي، عندهم دليل.
عندهم دليل حديث ضعيف؛ «مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُهَا، حَرَامٌ إِجَارَتُهَا» أو «رِبَاعُ مَكَّةَ حَرَامٌ بَيْعُهَا، حَرَامٌ إِجَارَتُهَا» (٣)، ولكن هذا الحديث ضعيف.
طالب: يا شيخ، وأيش الفائدة من ..
طالب آخر: ().
الشيخ: لا، حتى ().
أما الشيخ فيستدل بالآية: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾.
ولكن الإجابة عن هذا بأن يقال: أما أمكنة المشاعر والمساجد فلا شك أنها لا تملك، وأن بيعها وشراءها حرام.
مثل البناء في منى؛ البناء في منى لا يملكه صاحبه، ولا يجوز أن يؤجره، ويحرم عليه ذلك؛ لأن منى محل () والناس مضطرون إلى النزول فيه، بخلاف مكة؛ مكة من لم يتمكن من النزول في بيوتها نزل في محل آخر وجاء إلى المسجد الحرام، لكن منى والمزدلفة وعرفة الناس مضطرون إلى البقاء فيها.
فكيف يأتي الواحد مثلًا يتملك أرضًا، ثم يؤجرها للناس بآجار كبيرة؛ ولهذا لا شك أن هؤلاء فعلوا حرامًا وأكلوا حرامًا؛ ففعلوا حرامًا ببنائهم على هذا المشعر، وأكلوا حرامًا بماذا؟
طالب: بالإجارة.
[ ١ / ٤٣٥٥ ]
الشيخ: بالإجارة؛ ولهذا يجب أن تُهْدَم هذه البيوت، وإذا كان من المصلحة أن تبنى بيوت فلتكن على سفوح الجبال؛ لتكون أيضًا تبعًا للحكومة للدولة، ما هو بالأفراد، والدولة تؤجرها إن رأت المصلحة بتأجيرها؛ حتى ينضبط الناس، فيكون إجارتها لبيت المال، وكان عندهم تفكير في هذ الأمر، عندهم تفكير أنهم يجعلون وسط منى ليس فيه بناء إطلاقًا، ويجعلون البيوت على سفوح الجبال حتى ينتفعوا من هذه الصخور، وتبقى منى أرضًا بيضاء.
وفيه مصلحة ..، الحقيقة أن البناء فيه مصلحة لا شك من جهة، ويش هي المصلحة؟ أن الرقعة الصغيرة تسع مئات الناس، بينما لو كان خيامًا ما تسع هذه الرقعة ولا الخيمتين؛ لأن هذه الطبقات يجتمع الناس بها؛ يعني لو جُعِلَت على هذا الوصف الذي ذكرته وعندهم مشروع بهذا، وعُرِضَ على الملك وعدَّل فيه بعض التعديلات؛ لأنهم عرضوه على أنه يكون مرتفعًا، بنايات مرتفعة، ولكنه عارض، قال: ما ينفع الارتفاع، يكثر فيه الناس، إذا ارتفعت كثر فيه الناس، وصارت الخدمات صعبة، لو يحصل حريق ولَّا شيء مشكلة، فإذا جُعِلَت طوابق قليلة وبها نوافذ كثيرة صار أسهل.
طالب: الخيام ()؟
الشيخ: تقدم أيضًا أنه لا يصح بيع نقع البئر، الدليل «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ» (١). ولأن نقع البئر ليس من فعلك، الذي يأتي به الله ﷿، فهو كالنهر، لكنه أنهر في جوف الأرض.
كذلك لا يصح بيع ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك؛ لحديث «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ؛ الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ»، ولأن هذا الكلأ الذي نبت بفعلك ولَّا بفعل الله؟ بفعل الله، فيكون الناس فيه شركاء.
ولكن صاحبه أحق به من غيره؛ يعني: لو كان هذا الرجل يحتاجه لمواشيه فله أن يمنع غيره منه؛ لأنه على أرضه، فيكون أحق به من غيره، لكن إذا كان لا حاجة له به فإنه لا يحل له أن يمنع غيره.
[ ١ / ٤٣٥٦ ]
ما رأيكم لو أنه استنبت الأرض؟ استنبتها بمعنى أنه قال: بخلك تنبت، وما أنا بزارعها، وهو بإمكانه أن يزرعها، ولا () هذا النبات، لكن تركها قال: أبغيها تنبت، هل يجوز بيع هذا الكلأ ولَّا ما يجوز؟ والآن الذي أنبته الله، لكن هو الذي اختار أن تبقى هذه الأرض غير مزروعة من أجل نبات الكلأ، فهل نقول: إنه يجوز لك الآن أن تبيع هذا الكلأ؛ لأنك امتنعت عن زرعها من أجله؟
ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، وأنه يجوز في هذه الحال أن تبيعه؛ لأنه وإن كان ليس منك فعلٌ في إنباته ولا بذر ولا حرث، لكن أنت حرمت نفسك منفعة الأرض من أجل هذا النبات، فيكون هذا كما لو وضع الماء في الإناء، فإنه يجوز بيعه، ولكن الأخذ بعموم الحديث أولى؛ بأن يقال: إن هذا حق لعموم الناس، ولكن أنت أحق به من غيرك ما دمت محتاجًا له.
طالب: شيخ، حديث «النَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ»، ما المقصود بالنار، هل هو حطب الناس أو ..؟
الشيخ: إي نعم، المراد بالنار، اختلف فيه المفسرون على قولين؛ أحدهما: أن المراد الوقود؛ وقود النار، كالحطب والأشجار التي يوقد بها.
والقول الثاني أن المراد بالنار أنني إذا أردت أن أقتبس من نارك فلا تمنعني؛ لأن هذا الإحراق الذي في النار ما هو من عندك، هذا من الله ﷿، فيكون الله هو الذي خلقه، فلا تمنعني شيئًا الله الذي خلقه للجميع، ثم إنني إذا استوقدت منك هل ذلك يضر النار؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يضرك، فكيف تمنعني شيئًا أنتفع به وهو لا يضرك؟ !
والصحيح أنه يعم الوجهين، فالحطب الذي ما أنبته صاحبه الناس فيه شركاء؛ لأنه مثل الكلأ.
طالب: ما يدخل الكلأ؟
الشيخ: لا، الكلأ العشب.
طالب: () أصل الشجر.
الشيخ: لكن هم يقولون: إن الكلأ العشب، وهذه الحطب يكون من جنس الكلأ.
وأما المثال الثاني فكذلك أيضًا؛ رجل يبغي يستوقد من ناري، أقول: لا، ما يجوز.
طالب: إذا كنت مشتريها؟
[ ١ / ٤٣٥٧ ]
الشيخ: لا، إذا كنت مشتريه فهو ملكك، أو أنت الذي قطعته وجبته عندك فهو ملكك، لكن إذا صارت هذه أشجار؛ يعني وقود ()، ما ملكته أنت، ما يمكن تقول لهذا: أنا بأبيع عليك هذه القطعة من الأرض فيها الحطب.
طالب: شيخ، () بعض المشاكل ()، بعض الناس يجيد الحطب ()؟
الشيخ: إحنا ما منعناهم، لكن يمنعهم إلى أن يستوي هذا الشيء، وهذا يفعله بعض ()، يقول: الآن لو بدؤوا يحشون منه أجهزوا عليه، ولا () ذلك أنه يمنعهم من أجل أنه يكون الناس يأتونه جميعًا.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، كل شيء يوجده الله فليس لك حقًّا أن تمنع غيرك منه، هذه القاعدة.
طالب: طيب، لو كانت ()؟
الشيخ: () عندي ()، رهن عليه وجاء واحد أنا داخل معه ()، ما يجوز ثمنه.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يكون مقدورًا على تسليمه) (أن يكون) المبيع، وكذلك الثمن، (مقدورًا على تسليمه).
وأيش الدليل؟ الدليل حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر (٤). هذا واحد.
الدليل الثاني: حديث حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (٥)، فالذي لا يقدر عليه لا شك أن بيعه غرر، والذي لا يقدر عليه ليس عندك، وعلى هذا فلا يجوز البيع.
ما وجه كون غير المقدور عليه غررًا؟ لو أنك بعت عبدًا آبقًا -آبقًا يعني هاربًا من سيده- عبد هارب من سيده، إذا بعته، فهل المشتري الآن ضامن لوجوده؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، غرر، ثم إذا بعته أيضًا فيه ..، ويمكن نجعل الْمَيْسِر دليلًا على هذا أيضًا.
[ ١ / ٤٣٥٨ ]
إذا بعته فإنك ستبيعه بأقل من ثمنه لو كان موجودًا، أليس كذلك؟ وحينئذٍ إذا لقيه المشتري صار غانمًا، وإن لم يلقه صار غارمًا، فيكون هذا من الميسر، والميسر محرم بنص القرآن؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
يكون الأدلة الآن من القرآن، ومن السنة؛ من القرآن: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، من السنة: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر، والحديث الثاني حديث حكيم بن حزام: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ».
من النظر أيضًا والقياس -تحريمه من النظر والقياس- أن يقال: إن بيع هذا لا بد أن يؤدي إلى شيء في النفوس؛ عداوة وبغضاء؛ لأن المشتري إن وجده من الذي يغتاظ؟
طالب: البائع.
الشيخ: البائع، يقول: شف هذا يضحك عليَّ، ليتني ما بعته، ويندم، ويصير عنده هواجيس ووساوس، وإن لم يجده من الذي يغتاظ؟
طلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، وهذه مفاسد؛ سواء أوجبت العداوة والبغضاء، أو أوجبت الندم والتحسر على ما حصل، كل هذا أمر يقتضي أن يكون هذا العمل محرمًا.
(فلا يصح بيع الآبق أو شارد) ويش الفرق بين الآبق والشارد؟ الشارد: الجمل يشرد ما يصح بيعه، لماذا؟
طالب: لن يُقدر على تسليمه.
الشيخ: لأنه غير مقدور على تسليمه، يمكن يبقى شاردًا ما يقدر، ما يستطيع أبدًا نأخذه.
(وطيرٍ في هواء) ما يستطيع أنه يبيع طيرًا في الهواء، إن كان الطير غير مملوك لك فالأمر ظاهر، لو مثلًا واحد شاهد غرانيق تطير في الجو، قال: بعت عليك هذا السرب، سرب من الغرانيق، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ().
الشيخ: لماذا؟
طالب: ().
الشيخ: لأنه ليس ملكًا له، هذه واحدة، ولأنه غير قادر على تسليمها بالفعل.
[ ١ / ٤٣٥٩ ]
إذا قدر أن رجلًا عنده حمام ()، كثير مئة حمامة، ففتح الباب، فطارت كل الحمامات، فقال لصاحبه: أبغي أبيع عليك الحمام، المئة تسوى خمس مئة، هذا أبيع عليك اللي ضاع، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: لأيش ما يجوز؟ ملكي أنا مالكه؟
طالب: ما يقدر.
الشيخ: لكن غير مقدور على تسليمه فلا يصح.
لو أَلِفَ الرجوع، لو كان هذا الطير يألف الرجوع، يوجد الحمام اللي مربى يألف الرجوع، ولَّا لا؟ يطير مثلًا بالنهار ويجيء بالليل، فقال: بعت عليك الحمام اللي عندي، وهو شايفهم وعارفهم، لكنها الآن ما هي موجودة في البيت، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا، ما بجوز.
الشيخ: المذهب لا يجوز ولو أَلِفَ الرجوع؛ لأنه قد لا يرجع، قد يسلط عليه أحد يرميه، يقتله له، وقد يألف حمامات أخرى ويمشي معهم، فهو ما يصح، والمسألة بدل ما نقول: نبيعه الآن، نبيعه إذا رجع ().
طالب: () لو غنم اللي شرد ولا ()؟
الشيخ: لا، معها الراعي يقدر عليها، () ولهذا لو شردت البعير ما جاز بيعها ().
طالب: بيع ()؟
الشيخ: إي، ما يجوز؛ لأنها غير مقدور عليها، يمكن يجيء للوكل، ويمكن ما يجيء.
أيضًا (سمك في ماء) إن كنت لم أملكه بعد، فهو ما يصح البيع؛ لسبين: أنني لست بمالك، وأنه غير مقدور على تسليمه.
إنسان -مثلًا- حوله مستنقع وفيه سمك، فقال لشخص: أبغي أبيع عليك ها السمك اللي بهذا النهر أو بهذا المستنقع، لا يجوز؛ لأنه لم يملكه.
فإن كان ملكه، هو الذي وضع هذا المستنقع لأجل يجعل فيه السمك فهو ما يجوز، لماذا؟ لأنه غير مقدور على تسليمه، لكن هذا إذا كان أنه متصل بالبحر، أما إذا كان في محصور والسمك مرعي فإنه يصح؛ لأنه معلوم ومقدور على تسليمه، بخلاف الذي يتصل بالبحر فإنه غير مقدور على تسليمه.
[ ١ / ٤٣٦٠ ]
يقول المؤلف: (وسمك في ماء، وطير في هواء، ولا مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه) ما رأيكم فيمن باع عمودًا من المسجد الحرام على شخص ليوقفه إلى ()؟
طالب: ().
الشيخ: () تسليم العقار () ونحوه () بعد، الآن ما حول العمود أحد، وخليته له، اشتره ووقفه على والدك؛ إذ كل من صلى عند العمود يأتيك أجره، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: وأيش السبب؟
طالب: لا يملكه.
الشيخ: لأنه لا يملكه، ومع ذلك قيل لي: إنه يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يغررون بعوام الحجاج؛ يجيئه يقول له: بعت عليك هذا العمود، وأحيانًا يدعون أن هذا العمود صلى إليه الرسول ﵊.
وأحيانًا يبيعون عليها العمد التي في الروضة في المسجد النبوي، وهي روضة من رياض الجنة، يجيئك عمود في روضة من رياض الجنة، () نسأل الله العافية.
طالب: أقول: لا يملكه، ولا يجوز له أن يبيعه.
الشيخ: ولا يجوز.
يقول: (ولا سمك في ماء، ولا مغصوب من غير غاصبه أو قادرٍ على أخذه) (ولا مغصوب) المغصوب هو الذي أُخِذَ من صاحبه قهرًا، هذا المغصوب، فلو أن هذا المغصوب عند الغاصب وبعته على شخص غير غاصب فإن البيع لا يصح، السبب؟
طالب: غير مقدور.
الشيخ: لأنه غير مقدور على تسليمه، فإن كان هذا الذي بعته عليه قادرًا على أخذه من الغاصب فإن بيعه جائز؛ مثل: لو بعته على أمير يستطيع يقول للغاصب: أعطني هذا الشيء فإنه جائز؛ لأنه الآن مقدور على تسليمه.
لو بعت على الغاصب نفسه يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، ولكن إن قال لي: أنا ما أنا معطيك إياه، لكن بعه عليَّ، وبعته عليه، يصح ولَّا ما يصح؟ لا يصح؛ لأن هذا إكراه.
إذا قال: ما أنا معطيك إياه، لكن بعها لي، غصب، وأنا ما أستطيع أن أخاصمه أو أحاكمه، فإن البيع هنا لا يصح، ولو صح البيع -لو قلنا بصحته- لأمكن كل إنسان يريد شيئًا عند شخص أن يغصبه، ثم جاء يطلبه منه، قال: تبيعها لي.
[ ١ / ٤٣٦١ ]
وعلم من قول المؤلف: (ولا مغصوب من غير غاصبه) أنه لو باعه على غاصبه أو على قادر على أخذه فإنه يصح.
إذا باعه على قادر على أخذه، ولكن هذا القادر عجز، ماذا يكون الأمر؟ له أن يفسخ البيع؛ لأنه لم يسلم له العوض، فيقول: واللهِ، أنا ظننت أنني قادر على أخذه فاشتريته، والآن عجزت، فإذا عجز فله أن يفسخ البيع.
طالب: شيخ، ()؟
الشيخ: وإن شاء أخذها من الغاصب.
طالب: الغاصب ().
الشيخ: إذن نحن ().
طالب: ().
الشيخ: إي، ().
يقول ﵀: (الشرط الثالث أن يكون معلومًا برؤية أو صفة) (أن يكون) الضمير يعود على أيش؟ على المبيع، أو الثمن أيضًا، أن يكون معلومًا لدى الطرفين.
(برؤية أو صفة) الرؤية لا بد أن تكون مقارنة للعقد، أو سابقة على العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيرًا ظاهرًا.
والصفة لا بد أن تكون فيما يمكن ضبطه بالصفة.
إذن (برؤية) نقول: يشترط للرؤية أن تكون مقارنة للعقد، أو سابقة عليه بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيرًا ظاهرًا.
الصفة يشترط أن يكون فيما ينضبط بالصفة، كما سيأتي إن شاء الله.
قوله: (أن يكون معلومًا برؤية) هل يختص هذا بالرؤية؟ لا، (بالرؤية) فيما يُعْلَم بالرؤية، و(بالسمع) فيما يُعْلَم بالسمع، و(بالشم) فيما يُعْلَم بالشم، و(بالذوق) فيما يُعْلَم بالذوق؛ يعني: طرق العلم خمسة، ما هي؟ السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، ومعلوم باللمس بما يحتاج إلى لمس.
فلو فرضنا أن شخصًا جاء يشتري طيبًا من شخص، وهو ما يدرى هو طيب ولَّا رديء ولَّا وسط، لا بد أن يكون معلومًا بالشم، وكذلك قسْ، فلا بد أن يكون معلومًا بالطريقة التي تناسب هذا المبيع.
وهل يشترط أن يكون المشتري عنده علم بهذه الأمور؛ مثل لو كان المبيع جوهرة، الجواهر تعرفون أن أهلها مخصوصون، فأراد أن يبيع هذا الجوهر على شخص لا يدري، ما يعرف الفرق بين الخزف والدر، يجوز ولَّا لا؟
[ ١ / ٤٣٦٢ ]
ظاهر كلام الفقهاء أنه جائز، حتى لو كان هذا المشتري ما يدري ويش هو، حتى لو جابله حديدة قال: تشتري هذه الحديدة، وهو ما يدري ويش هي، ظن أن فيها فائدة عظيمة، وقال: بأشتري، فاشتراها، يقولون: هو الذي فرَّط، البيع صحيح، وهو الذي فرَّط.
وقال بعض العلماء: لا بد أن يكون لدى المشتري علم بما يكون له هذا الشيء، وبقيمة هذا الشيء، ومتوسطه، أو ارتفاعه أو نزوله، وهذا لا شك أنه أحوط وأبرك.
رجل -مثلًا- بعت عليه الساعة، جبت ساعة قلت: اشترِ هذه الساعة، هو ما يعرف الساعات الطيبات من الرديئات، يمكن يشتري هذه الساعة اللي ما تسوى خمسة ريالات يشتريها بخمسين ريالًا، أو ربما تكون مزركشة وفيها نقوش، قال: أبغي أبيع عليك هذه بخمسة آلاف ريال، قال: ما توصف، وهي ما تسوى خمسة ريالات. يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن.
لكن يقال على القائلون بالجواز يقولون: إن هذا يمكن رفعه بماذا؟ بالغبن، فالبيع صحيح بأنه معلوم، لكن الخطأ أو الغرر يدفع بالغبن.
(أو صفة) الصفة يكون معلومًا بالصفة، والموصوف ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما: أن يكون معينًا، والثاني: أن يكون في الذمة.
مثال المعين أن تقول: بعتك سيارتي الفلانية التي صفتها كذا وكذا، هذا موصوف ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ومعيَّن؟
طلبة: معين.
الشيخ: معين.
الموصوف الذي في الذمة أن تقول: بعت عليك سيارة صفتها كذا وكذا، سيارة ما هي معينة، هذا يسمى موصوفًا بالذمة، وكلاهما صحيح؛ الموصوف المعين، والموصوف في الذمة، لكن يشترط أن ينضبط بالصفة ().
ظاهره بأن قال: بعت عليك سيارتي التي في البيت ()، وما هناك سيارة ولو ()، فإن البيع لا يصح.
الدليل مما سبق: أن هذا فيه نوع من الميسر؛ لأنه إن كان الذي لم يرَ أكثر مما قدره المشتري فهو غانم، وإن كان أقل فهو غارم.
ولأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر (٤)، وهذا لا شك أنه غرر.
[ ١ / ٤٣٦٣ ]
إن اشترى ما رآه، لكن لم يره البائع ()، لكن البيع ()، مثل أن تكون السلعة وردت للشخص، وهي الآن في الميناء ()، لكن البائع ما رآها، يصح ولَّا ما يصح البيع؟ لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون معلومًا للطرفين، للبائع، ويش بعد؟ والمشتري أيضًا.
(أو رآه وجهله) يعني: جهله ()، واحد معه كيسة فيها شيء، قال: تشتري مني هذه الكيسة، قال: نعم، () أشتري كم؟ قال: بعت بكذا، ()، قال له: فيها شيء ثمين؛ يعني: له ثمن ()، قال: طيب ()، وهو ما يدري () الآن يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: السبب لأنه مجهول، فيكون غررًا.
لو علم الشيء لكن لا يدري ماذا يفعل به؟ () حديدة، أهل () يعرفون غالية ثمينة ()، واللي ما عنده علم () مال عظيم، هل نقول: هذا الرجل علم أنها حديدة فيصح البيع، أو نقول: ما يكفي أن تعرف أنها من الحديد أو من الخزف حتى تعلم ما الذي يصنع بها؟
طالب: حتى يعلم.
الشيخ: () هذا، لا بد أن نعرف ().
لو جاء واحد من الناس ()، أو بالعكس () شيء وارد ()، فلا بد أن يعلم ما العمل بهذا ()، ما الذي يعمل فيه؟
والدليل على هذا: عن أبي هريرة، عن النبي ﵊ نهى عن بيع الغرر (٤).
طالب: () إذا انعقدت؟
الشيخ: إذا انعقدت ما في ().
الطالب: ()؟
الشيخ: لأنها ما ().
الطالب: ما غرَّه البائع.
الشيخ: ما غرَّه البائع؟
الطالب: إي.
الشيخ: ما غرَّه، لكن غرَّه بحيث ما ().
الطالب: ().
الشيخ: () المشكلة.
الطالب: يعني الأصل أنه يعرف ().
الشيخ: ما هو (). المهم، لا بد أنه يكون عنده علم بهذا الشيء ذاته، وبما يصنع له، () على غرر؛ لأن هذا المشتري لو اشترى هذه الحديدة -مثلًا- على أنها شيء مهم ()، هذا الحديد ينتفع ().
الطالب: ()؟
الشيخ: () دعهم يقولون: إن الناس يعرفون هذا.
الطالب: ().
[ ١ / ٤٣٦٤ ]
الشيخ: أحسنت، أننا ()، وهذا () أيضًا، نقول: اللي يعلم بها ().
الطالب: يعرف أنه يعرف.
الشيخ: هذا الرجل اللي () عرف ()، بحيث إن المشترى هذا الذي () اشترى بخمسين ريالًا.
الطالب: ()؟
الشيخ: () ما ().
الطالب: لكن () هذا المشتري فقط إلا للبائع.
الشيخ: حتى البائع، فيقول () شيء، ما يدرون ()، لكن ()، وجاء واحد () هذا الشيء، واشتراه منه، يكون ()، لا بد أنه يكون يعلم البائع ()، وإلا كان ().
الطالب: يجيء واحد ()؟
الشيخ: ()، إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: يقول المؤلف: (أو رآه وجهله) ما يدركه ().
(أو وصف له بما لا يكفي سلمًا) بأن له وصفًا لا ينضبط، ومن ذلك جميع العقارات من دور ودكاكين ()، كلها لا تباع بوصف؛ لأنه ما يمكن ضبطها.
لو قال: بعت عليك بيتي المكون من كذا وكذا غرفة، ومن كذا وكذا حجرة، ومن صالة، ومساحتها كذا، وبيَّن البيت كأنه موقع فإن البيع لا يصح.
السبب يقولون: لأن الوصف لا يمكن أن يكون منضبطًا بالدار ()، وهذا في الحقيقة صحيح من جهة، وغير صحيح من جهة.
أما من جهة أن الدار لا يحيط بها وصف فهذا صحيح بأن الدور الآن تختلف، تختلف -مثلًا- في هيكل البناء، وتختلف في رؤية البناء، وتختلف كذلك في الأنوار اللي تدخل على البيت () عليه، والتهوية، ولا يمكن أن () بها الوصف.
بل تختلف أحيانًا تدخل في أيش؟ إذا دخلت الفرح أو الحزن، تدخل من بيت لآخر () إذا دخلته انقبضت، هذا أيضًا مهم، الراحة النفسية للبيت، راحة () من البيت، ().
فالمهم أن كل شيء لا يمكن أن يُرَى ولا يحتاج للوصف ما يباع بالوصف، وقيل: يصح أن يُبَاع بالوصف، وله الخيار إذا رآه.
ما فائدة هذا القول؟ فائدته أن النماء الذي يكون بين العاقل وبين الرؤية يكون لمن؟ للمشتري؛ لأن نماء المبيع للمشتري ولو في زمن البيع ().
[ ١ / ٤٣٦٥ ]
فعلى هذا القول نقول: لك أن تبيع كل شيء بالوصف، ثم إن جاء غير مطابق لزم البيع، وإلا فله الخيار إذا رآه.
وهذا من جهة فيه توسعة للناس؛ لأن الإنسان قد يبيع الشيء وليس في يده، ولكنه معلوم عنده، فيصفه للمشتري حتى يشتريه، وإذا رأوا بعد ذلك فله الخيار.
وهذا القول له قوة من حيث النظر () على الناس ()، ومع هذا فالأولى ألَّا يباع إلا بوصف محيط أو برؤية.
طالب: ()؟
الشيخ: واللهِ، يكفي من حيث الجملة، لكن ما ()، لكن من حيث ().
الطالب: ()؟
الشيخ: () على البيت، () في البيت، ()، على كل حال، ().
الطالب: ().
الشيخ: إي، صحيح، () هذا ().
الطالب: ()؟
الشيخ: هذا يسمونه بيع المستحال، باسم بيع النموذج ().
الطالب: ()؟
الشيخ: () هي أصلها عند الفقهاء نموذج، يجيب شيئًا من السلعة ويقول: أنا بعت السلعة مثل هذا الشيء.
فبعض العلماء يمنع هذا، والصحيح أنه جائز؛ لأن الآن القيمة () بالإجماع، () من () بالإجماع.
وأنت الآن هل ترى () من أولها إلى آخرها، ولَّا ما ترى إلا الظاهر؟ ما ترى إلا الظاهر، () في الواقع كأنه أعلاها ()، والناس في عهد الرسول ﵊ يبيعون التمر في الزنابيب، ولا يرونه إلا أعلى () على () كأعلى ().
طالب: ().
الشيخ: إي، هذا () يكون ()، فإذا تبين أن الباقي ليس كنموذج ().
إذا كانت حاملًا لا يجوز أن تبيع حملها ببطنها.
طالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: ().
الشيخ: لا يا أخي، والمرأة إذا كانت مملوكة ..، لي امرأة مملوكة حامل، اللي في بطنها ()، أنا ما قلت: حمل امرأة حرة، وإذن () ممكن، فالإنكار إنما يكون لوجود حرة.
على كل حال لا يُبَاع حمل في بطن؛ سواء من آدمية، أو من بهيمة.
أولًا: لأنه ورد فيه حديث خاص أن الرسول نهى عن بيع الحمل في البطن (٦).
[ ١ / ٤٣٦٦ ]
ولأنه ﵊ نهى عن بيع حبل حبله (٧)، وهذا ثابت في الصحيحين.
ولأنه غررٌ ومَيْسِرٌ لا شك فيه؛ فإن الحمل في البطن مجهول أذكر أم أنثى؟ أصغير أم كبير؟ أحي أم ميت؟ أيبقى حيًّا إلى الولادة ويخرج حيًّا، أم يخرج ميتًا؟ أواحدًا كان أم متعددًا؟ فالجهالة فيه كبيرة جدًّا؛ ولهذا لا يجوز أن يُبَاع الحمل في البطن.
وأما ما اعتاده بعض البادية مما إذا كان في فرس جيدة، يشترون حملها قبل أن تلد، فهذا حرام، وهو من صنع الجاهلية.
إذن ما الدليل على تحريم بيع الحمل في البطن؟
أولًا: الحديث الخاص فيه: أن الرسول ﵊ نهى عن بيع الحمل في البطن (٦).
ثانيًا: أن الرسول ﵊ نهى عن بيع حبل الحبل (٧).
ثالثًا: أنه نهى عن بيع الغرر (٤).
والحكمة من النهي عن بيع الغرر سبقت في أول الكلام على هذا الشرط؛ وهي ما يحصل فيها من الندم والأسف والتحسر للمغبون، ومن العداوة والبغضاء بين الناس بسبب هذا الغبن.
وكذلك لا يُبَاع (لبن في ضرع) اللبن في الضرع ما يصح أن يُبَاع، لأيش؟ أيش السبب؟
طالب: لا يُعْلم.
الشيخ: لأنه مجهول؛ لأنه لا يُعْلَم مقداره، ولا يُعْلَم قد يتغير بدم، كما يحصل أحيانًا من بعض الغنم، فلا يجوز أن يُبَاع اللبن في الضرع.
ونقول: إذا قال -يا جماعة-: أنا أحب اللبن، كيف ما أشتري اللبن في ضرع؟ ماذا نقول له؟ إذا حلب فاشتره.
وقال المؤلف: (منفردين) هذه حال من (حمل) ومن (لبن) على كونهما منفردين، احترازًا مما إذا بيعًا مع الأم، فيجوز بيع الحامل، ويجوز بيع ذات اللبن، مع أن الحامل قد تزيد قيمتها؛ لكونها حاملًا، ولكن يقال: إن الحمل هنا ثبت تبعًا، وقد يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
والحمل في بطن الأم كالعضو من أعضائها؛ فلهذا صح أن يبيع الحيوان الحامل.
كذلك اللبن في الضرع إذا بيعت الشاة -مثلًا- وفيها لبن، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: يجوز.
[ ١ / ٤٣٦٧ ]
الشيخ: يجوز تبعًا؛ ولهذا قال النبي ﵊: «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَهُوَ بِخِيَارٍ» (٨)، فدل هذا على أن ذات اللبن تباع ولا حرج فيها.
إذا كان لبن هذه البهيمة معتادًا، وأنه بقدر نصف الصاع؛ يعني: بقدر مُدَّيْن، معروف، وبعته عليه، فهل يجوز ولَّا لا؟ إحنا نعرف كل حلبة من هذه الشاة أو من هذه البقرة تبلغ مُدَّيْن، فقال: أبيع عليك الحلبة التي في ضرعها الآن؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، مثل هذا وإن كان الغالب والمعتاد أنه مُدَّان، لكن قد ينقص، وقد يزيد، ثم إنه لا حاجة تدعو إلى هذا، ما فيه حاجة حتى نقول: إن هذا غررٌ يسير يُعْتَبر للحاجة؛ لأنه لا يمكن أن تنتفع باللبن إلا؟
طالب: إلا بعد الحلب.
الشيخ: إلا بعد الحلب، فبدلًا من أن تشتري في الضرع انتظر حتى يحلب واشتريه بعد الحلب مباشرة.
كذلك أيضًا: (لا يُبَاع مسك في فأرته) قد تستغرب، تقول: مسك في الفأرة، إي نعم.
لكن المؤلف قال: (في فأرته) فأرة المسك وهو وعاؤه، لماذا؟ لأنه لا يعلم ما في هذا الوعاء؛ قد يكون كثيرًا، وقد يكون قليلًا، وقد يكون جيدًا، وقد يكون غير جيد، فهو مجهول، فلا يُبَاع في فأرته، إلا إذا فتحت الفأرة حتى عرف فلا بأس.
وكيف الفأرة والمسك؟ فيه نوع من الغزلان يسمى غزال المسك، يستخرجون منه مسكًا، يقولون: إن من جملة ما يحاولون به استخراج المسك منه أنهم يتعبونه بالركض، يركض، يركض لحين يتعب معه، فإذا تعب فإنه ينزل من سرته دم، ينزل، لكن ما هو بينجرح، إذا نزل هذا الدم أتوا عليه وربطوه، ربطوا هذا الدم ربطًا قويًّا محكمًا، فإذا ربطوه فإنه من المعلوم أنه يمتنع فيه التغذية، ما يصل إليه الدم، بعد مدة ينفصل من ()، إذا انفصل أخذوه وإذا هو مسك من أحسن المسك.
ولهذا يقول المتنبي:
فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ
فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
[ ١ / ٤٣٦٨ ]
هذه هي فأرة المسك، فإذا بعت المسك في فأرته ما صح حتى يكشف وينظر فيه.
وقال بعض العلماء: إن بيع المسك في فأرته جائز؛ لأن أهل الصنف يعرفون ذلك؛ ولأن هذا وعاء طبيعي، فهو كبيع الرُّمان في قشره، هل يجوز بيع الرُّمان في قشره؟
طالب: لا.
الشيخ: يجوز، ما شفت الْحَب، أنت بذاك القشر ولَّا الْحَب؟
طالب: الْحَب.
الشيخ: الْحَب ما رأيته، والْحَب قد يكون في داخل الرمانة ليف كثير والْحَب يسير، وقد يكون بالعكس.
لكن يقولون: إن هذا مستتر بأصل الخلقة، وقد تبايعه الناس في كل عصر ومصر من غير مكيل، فيقال أيضًا: المسك في الفأرة مستتر بأصل الخلقة.
وهذا الذي ذهب إليه ابن القيم، وأظن شيخ الإسلام أيضًا ذهب إليه؛ إلى جواز بيع المسك في فأرته؛ لأن هذا مستتر بأصل الخلقة، فهو كالبطيخ وكالرمان، ونحو ذلك.
يقول: (ولا مسك في فأرته، ولا نوى في تمره) ما هو النوى؟
طالب: هو الذي يخرج من التمرة بعدما تأكل التمرة.
الشيخ: يخرج من التمرة بعدما؟
الطالب: بعدما تفتحها وتأكلها، هو ().
الشيخ: فإذا لم تأكلها لم يكن نوى؟ !
طالب: لا، أنا أقصد به نوى، ولكن ما يخرج ().
الشيخ: المهم، تعرف النوى، لا يجوز بيع النوى في التمر، السبب؟ قل.
طالب: مجهول.
الشيخ: كان مجهولًا، لكن بيع التمر بنواه جائز؟ جائز؛ لأن المقصود هو التمر، والنواة في الغالب غير مقصودة، فيكون تبعًا له.
(ولا بيع النوى في التمر، ولا صوف على ظهر) الصوف على الظهر ما يجوز أيضًا أن يُبَاع، لماذا؟ لأنه ينمو، ما هو بينمو الصوف؟ ينمو، إذا كان ينمو فإنك إذا اشتريته الآن -مثلًا- يزيد قبل أن تجزه، فلما كانت هذه الزيادة محتملة -وهي مجهولة- صار بيع الصوف على الظهر مجهولًا، فلا يصح.
وعمدت إلى التعليل؛ لأن الدليل الوارد في ذلك فيه نظر، ضعيف، النهي عن بيع الصوف على الظهر ضعيف (٩)، ولكن نأتي بالتعليل.
[ ١ / ٤٣٦٩ ]
وقال بعض العلماء: إنه يجوز بيع الصوف على الظهر، بشرط الجز في الحال، وألَّا تتضرر به البهيمة.
وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه إذا بِيعَ بشرط الجز في الحال فهو كما لو بِيعَ الزرع بشرط.
طالب: قطعه.
الشيخ: الجز في الحال، والنماء الذي يمكن أن يقدر يزول بماذا؟ باشتراط أن يجزه في الحال.
فإذا جاء إنسان -مثلًا- واشترى من صاحبه هذه الإبل، اشترى الصوف الذي على ظهره، الوبر أو الصوف الذي على ظهر الضأن، أو الشعر الذي على ظهر البقر أو الماعز فإن ذلك جائز، بشرط الجز في الحال، وألَّا تتضرر البهيمة بذلك.
طالب: شيخ هل يجوز ()؟
الشيخ: إي نعم، كل ما يمكن أن ينضبط بالصفة يجوز، النواة وغيره، كل ما يمكن أن ينضبط بالصفة.
قال: (وفجل ونحوه) يعني: ولا يباع فجل ونحوه قبل قلعه، تعرفون الفجل؟
طالب: نعم.
الشيخ: معروف، المقصود منه مستتر بالأرض، ولَّا لا؟ أو المقصود الورق؟
طالب: لا.
الشيخ: المقصود ما استتر بالأرض، فإذا بعت الفجل قبل أن تقلعه فإن المقصود منه مستتر بالأرض، مجهول، فلا يصح بيعه.
ومثله أيضًا البصل؛ لو بعت بصلًا تريد ما استتر بالأرض، لا تريد الورق، فإنه لا يصح حتى يقلع، لماذا؟
طالب: للجهالة.
الشيخ: للجهالة.
واختار شيخ الإسلام وابن القيم أن ذلك جائز لمن يعرفه؛ لأن أهل الصنف يعرفونه، ويستدلون على ما في باطن الأرض بما ظهر من الورق.
وهذا هو الصحيح، وما زال عمل الناس عليه إلى اليوم؛ فإنهم يبيعون حياض البصل من غير مكيل؛ لأنها وإن كان المقصود مستترًا، لكن ما بدا منه يدل على ما خفي منه فالصواب جواز ذلك.
طالب: في قوله: (ولا لبن في ضرع) () متعاقد مع صاحب بقرة على أن يعطيه كل يوم.
الشيخ: استئجار يعني.
طالب: إي نعم، في كل يوم، وهو لا يدري () قد، يعني يحصل بها لبن ().
الشيخ: هذا اللي أنت قلت على نوعين؛ أحدهما: أن يقول: في اليوم تعطيني صاع أو أكثر أو أقل، هذا ما فيه شيء، جائز، ولا أحد يخالف ذلك.
[ ١ / ٤٣٧٠ ]
الثاني: أن يقول: بستأجر منك هذه الغنم أو هذه البقر لمدة أسبوع بحلبها.
طالب: أنا () أستأجر هذا الرجل هذا، ()؟
الشيخ: المذهب لا يجوز، والصحيح أنه يجوز، كما سيأتي -إن شاء الله- في الإجارة.
يقول المؤلف: (وفجل ونحوه قبل قلعه) (نحوه) أيش مثل (نحوه)؟
طالب: كالبصل.
الشيخ: كالبصل.
يقول المؤلف ﵀: (ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة) لأنه ثبت النهي عنهما عن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الملامسة والمنابذة (١٠).
(الملامسة) مأخوذة من اللمس، (والمنابذة) من النبذ؛ وهو الطرح.
فما هو بيع الملامسة؟ بيع الملامسة: أن يقول: أي شيء لمست من هذا الذي أمامك فهو لك بعشرة، جائز أنه يلمس شيء يساوي خمسة، وشيء يساوي مئة، ما هو بجائز؟ جائز؛ فلهذا معنى (جائز) أي: ممكن، فلما كان هذا ممكنًا وكان غررًا نهى عنه النبي ﷺ.
لو مثلًا قلت لي: أي ثوب تلمسه ()، متى لمست أي ثوب لمسته -ذكرناها قبل- متى لمست هذا الثوب أيًّا كان فهو لك بكذا، وهذه الصورة الأخيرة تنبني على رأي من يرى أن البيع المعلق باطل، وهو المذهب.
وأما من يرى أن البيع المعلَّق غير باطل فلا يمنع هذا الصورة.
كذلك المنابذة، أيش معنى المنابذة؟ المنابذة من: النبذ؛ وهو الطرح. فتقول مثلًا: انبذ عليَّ ما شئت من هذه السلع فهو عليَّ بمئة، هذا ما يجوز، والسبب؟
طالب: الغرر.
الشيخ: الغرر والجهالة؛ لأنه قد ينبذ إليَّ ثوبًا لا يساوي خمسة، أو سلعة لا تساوي خمسة، وقد ينبذ إليَّ سلعة تساوي خمسين، فيكون هذا جهلًا؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عنه، هذه المنابذة.
ولا يصح أيضًا ما يسمى ببيع الحصاة، أيضًا لا يجوز، أيش معنى بيع الحصاة؟ بيع الحصاة له صورتان أيضًا؛ أحدهما: أن نقول: ارم هذه الحصاة في هذه الأرض، فما بلغت فهو عليك بمئة، مجهول هذا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٤٣٧١ ]
الشيخ: عطاه الحصاة، قال: هذا أبيع عليك منهم، ارم الحصاة، فاللي تبلغ عليك بمئة، يجوز ولَّا ما يجوز؟ وأيش السبب؟ لأنه مجهول وغرر، قد يكون قويًّا، فيحذف الحصاة، فتستوعب أرضًا كبيرة، وقد يكون ضعيفًا، وقد يتحرك عندما يحذف الحصاة يتحرك البائع، خوف يزعجه، فتختلف يده، فلا تكون بعيدة، ولَّا لا؟ هذا بالحصاة لا يجوز.
ومن بيع الحصاة في الصورة الثانية أن يقول: احذف هذه الحصاة على هذه السلع اللي في الدكان، أي سلعة تقع عليها الحصاة اللي حذفت فهي عليك بكذا، هذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه جهالة وغرر.
(ولا عبد من عبيده ونحوه) ما يصح، عندي عشرة عبيد، قلت: بعت عليك واحدًا من هؤلاء العبيد بمئة ريال، أيش تقول على هذه الصورة؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: غرر.
طالب: هو غرر؛ لأن العبيد مختلفون.
الشيخ: فيه غرر؛ لأن العبيد يختلفون؛ يمكن عبد قارئ كاتب نشيط، أو يجيء عبد أمي ضعيف البدن، أليس كذلك؟
لو قلت: بعت عليك شاةً من هذا القطيع بعشرة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ نعم، ما يجوز؛ للجهالة.
وقال بعض العلماء: يجوز إذا تساوت القيم، إذا كان كلها قيمتها واحدة فإنه يجوز إذا تساوت القيم. وهذا وإن كان له وجه، لكن يمنعه وجه.
أما الوجه الذي يجيزه فهو أنه إذا تساوت القيم ما لحق المشتري غررًا أو لا؟ لأنه إن أخذ رقم واحد أو رقم اثنين أو رقم ثلاثة أو رقم أربعة أو رقم خمسة فالكل سواء.
ولكن يمنعه وجه آخر؛ وهو أنه لا يلزم من تساوي القيم تساوي الأعيان.
قد تقول مثلًا: هذه شاة أنثى صغيرة قيمتها مئة، وخروف ذكر كبير قيمته مئة، اختلفت العين ولَّا لا؟ العين اختلفت، لكن القيمة واحدة، حتى لو كانت كلها ذكورًا فإنها تختلف.
نعم، لو فرض أن المشتري لا يقصد إلا التجارة فقد يتوجه هذا القول؛ لأن المشتري لا غرض له في العين، غرضه المال.
أما إذا كان غرضه العين فلا شك أن الصواب ما قال الفقهاء؛ بأنه لا يجوز بيع عبد من عبيده ولو تساوت القيم.
[ ١ / ٤٣٧٢ ]
افرض أني مثلًا أنا أريد أن أشتري عبدًا للخدمة، لكن أحب أن يكون جلدًا نشيطًا، وفيه عبد جلد نشيط، وفيه عبد ضعيف ولا هو بنشيط لكنه كاتب، كلاهما قيمته مئة؛ الأول لنشاطه وقدرته، والثاني لكتابته.
لو أنني اشتريت منه عبدًا من العبيد بمئة، وصادف أن أعطاني الكاتب، أستفيد منه ولَّا لا؟ ما أستفيد منه، فيفوت المقصود.
لو قال: خذ ما تشاء من هؤلاء العبيد أو من هذه الغنم بمئة ريال، تخير، يجوز ولَّا لا؟ على المذهب لا يجوز أيضًا، المذهب لا يجوز حتى بهذه الصورة.
والصحيح في هذه الصورة أنه جائز، لكن قد تقول: قد يأخذ شيئًا يظن البائع أنه لا يأخذه، وهو غالٍ عند البائع.
طالب: لعله لا يثبت له.
الشيخ: نعم، نقول: البائع هو الذي فرَّط، لماذا يقول: تخير؟ ولَّا صحيح هذا وارد، ربما أختار -مثلًا- هذا الشيء الذي رغبة البائع فيه، ولكن يقال: أنت أيها البائع الذي فرطت، لماذا تخيره؟ عمل الناس اليوم على هذا القول.
على أنه إذا قال: خذ من هذه الغنم ما تريد بمئة ريال، فالناس يعدُّون ذلك جائزًا، وهو صحيح.
طالب: على المذهب حتى مع التساوي؟
الشيخ: حتى مع التساوي، نعم.
يقول المؤلف: (ولا استثناؤه إلا معينًا) أيش معنى: ولا استثناؤه؟ يعني: ولا استثناء عبد من عبيده إلا معينًا؛ لأنه إذا استثنى عبدًا بدون تعيين، بقي الباقي مجهولًا.
فإذا قلت: بعت عليك هؤلاء العبيد العشرة إلا واحدًا، يصح؟ ما يصح.
هل الذي لا يصح هو الاستثناء فقط، أو كل البيع؟ كل البيع ما يصح؛ لأنه إذا جُهِلَ المستثنى لزم منه جهالة المستثنى منه، أليس كذلك؟
فمثلًا إذا كان هؤلاء العشرة، بعت عليك العشرة إلا واحدًا، هذا الواحد قد تختار واحدًا أكملهم وأفضلهم، يصير الباقي منهم ما يسوى إلا نصف القيمة، وقد تختار أردأهم يصير ما يساوي ولا عشر القيمة، فاستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولًا؛ ولهذا لا يصح أن تستثني عبدًا من العبيد أو شاةً من القطيع إلا معينًا.
[ ١ / ٤٣٧٣ ]
لو قال له: بعت عليك هذا القطيع إلا شاة واحدة تختارها أنت، يجوز ولَّا لا؟ ينبني على المسألة الأولى؛ إن قلنا بجواز أن أبيع عليه شاة من هذا القطيع تختارها أنت، قلنا: هذا مثله، وإن قلنا: بعدم الجواز -وهو المذهب- قلنا: هذا مثله أيضًا.
طالب: بمثل هذه () البائع عليه () بكذا وكذا، هذه الحالة ()؟
الشيخ: لا، حتى مع التساوي، مطلقًا، ناقص () على هذا.
الطالب: ()؟
الشيخ: الضابط منه ما عاد إلى الجهالة، كل شيء يؤدي إلى الجهالة فهو حرام.
ولكن العلماء يختلفون هل هذا مؤدٍّ للجهالة ولَّا لا؟ ولهذا شوف الفجل -مثلًا- يرون أنه مجهول؛ لأن المقصود منه مستور في الأرض.
والصحيح أنه غير مجهول؛ لأن أهل الصنف يعلمونه، ويستدلون على ما خفي بما ظهر.
طالب: البطاطس يا شيخ؟
الشيخ: البطاطس مثلها الظاهر؛ إذا كان أنه يرى يظهر منها ما يُعْرَف به ما في باطن الأرض جاز، أما إذا كان لا يرى فهذا لا يجوز.
ولهذا -مثلًا- الكشمش الظاهر أنه يندفن في الأرض، ولا يُرَى، ولا يُرَى ما يدل عليه، هذا ما يصح؛ لأنه مجهول، إلا إذا بعت الشجر كله، كل الأشجار هذه فلا بأس.
طالب: شيخ، والراجح يعني -مثلًا- لو خيره وقال: اختر من هذه الغنم ما شئت، يقول لي: جهالة، هذا ليس جهالة، أنا أعرفها، وهو يتخير.
الشيخ: إي، لكن الجهالة يقولون: إن الذي يقع عليه العقد حين العقد مجهول، ما أدري أنا ويش اللي بالداخل؟
طالب: ().
الشيخ: إي، () لكن أحيانًا يكون البائع () يشترط، () عنده مثل البهائم أو البدوي اللي عنده بهائم يكون مشغولًا، يقول: () بمئة ريال، إي نعم، ولا حاجة أنك تجيبه له، أما لو أخذته وعينته وجبته له ووقع العقد عليه بعد، التعيين ما ().
طالب: شيخ، الجهل اليسير يُعْفَى عنه؟
[ ١ / ٤٣٧٤ ]
الشيخ: الجهل اليسير إذا دعت الحاجة إليه يُعْفَى عنه؛ لأنه مع دعاء الحاجة وقلة الغرر يكون أرفق بالناس؛ لأنه ما من شيء إلا فيه نوع من الجهالة، حتى الحيوان اللي بعته ما تدري أيش اللي في بطنه، فيه نوع من الجهالة الحامل -مثلًا- يجوز بيعها ولَّا لا؟ مع أن اللي في بطنه يمكن يكون ابنين أو ثلاثة، أو ربما يكون انتفاخ بدون حمل.
طالب: شيخ، الراجح الآن العمل على هذا أنه يقول: تخير.
الشيخ: هذا هو الصحيح، تقدم أن القول الصحيح هذا.
قال المؤلف: (وإن استثنى من حيوانٍ يُؤْكَل رأسُه وجلدُه وأطرافُه صحَّ) كذا؟ صواب كلامي؟
طالب: ().
الشيخ: ما يصح، قلنا ونقوله الآن؛ لأنك إذا قلت: إن استثنى من حيوان يُؤْكَل رأسُه، صارت (رأسه) نائب فاعل؛ معناه: ما يُؤْكَل إلا رأسًه وجلدُه وأطرافًه، وهذا لا يستقيم.
لكن المعنى: وإن استثنى رأسَ حيوانٍ مأكولٍ؛ ولهذا لو عبَّر المؤلف بهذا التعبير لكان أوضح (إنِ استثنى رأسَ حيوانٍ مأكولٍ أو جلدَه أو أطرافَه صحَّ).
رجل باع عليك هذه الشاة إلا رأسها، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الرأس مشاهد معلوم، باع عليك هذه الشاة إلا قلبها؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: السبب؟
طلبة: الجهالة.
الشيخ: لأنه مجهول مستتر، يمكن يصير قلبها كبيرًا، ويمكن يكون صغيرًا، لكن الرأس معلومة، باع عليك.
طالب: () الرأس.
الشيخ: ().
طالب: الثاني، () اللحم اللي في بطنه.
الشيخ: يبيعه.
طالب: ().
الشيخ: إذا استثنى جلده، يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: ويش السبب؟
طالب: لأنه ظاهر.
الشيخ: لأنه ظاهر معلوم.
إذا استثنى أطرافه -أطرافه المراد: أكارعه من الركبة فأنزل- يجوز؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأنها؟
طالب: ظاهرة.
الشيخ: معلوم.
إن استثنى الرِّجْل كلها على المذهب لا يجوز، والصحيح أنه يجوز؛ لأن الرِّجْل معلومة بينة كالرأس.
[ ١ / ٤٣٧٥ ]
وكذلك إذا استثنى أي عضو متميز، فالصحيح أنه جائز، ومن ذلك الألية، إذا استثنى أليتها فإنه جائز.
وقول المؤلف: (إن استثنى من حيوان يُؤْكَل) لو باع عليه حمارًا إلا رأسه.
طالب: ().
الشيخ: طيب. هذا () عليك حمار إلا رأسه، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لأن المؤلف يقول: (من حيوان يُؤْكَل)؛ لأن الحيوان اللي يؤكل تنتفع برأسه، إذا ذبح أكلت الرأس. لكن الحمار؟
طالب: يؤكل الحمار الوحشي.
الشيخ: ما هذا الحمار وحشي، الحمار الأهلي، تمام، الحمار هل تُؤْكَل رأسه؟
طالب: لا تُؤْكَل.
الشيخ: لو استثنيته ما استفدت شيئًا.
إلا على مذهب جحا، يقولون: إنه باع بيتًا واستثنى الوتد فقط، لما استثناه فضل كل يوم يجيب ميتة وجيفة وأشياء كريهة يعلقها بالوتد، فتأذى صاحب البيت من ذلك، وقال: يا أخي، اتق الله، آذيتني بالرائحة، قال: هذا الوتد لي، مستثنيه في البيت، فيقال: إن صاحب البيت اشتراه بأكثر من قيمة البيت؛ لأجل أن () من شرِّ هذا. والله أعلم هذا صحيح ولَّا لا؟ لكن تقال ().
فهمنا الآن أنه إذا استثنى من الحيوان الذي يؤكل رأسه جاز.
لكن لماذا يجوز؟ التعليل لماذا؟ لأنه سيستفيد من الرأس بالأكل، لكن إذا عين مشترٍ لا يذبح البهيمة، قال: يلا اذبح وأعطني الرأس، قال: ما ذابح، ويش نسوي؟
طالب: يقال: استثنى هذا.
الشيخ: نشوف؛ إن كان البائع اشترط عليه عند العقد أن يذبحها فإنه يُجْبَر على ذبحها ويعطيه الرأس، وإن كان ما اشترط عليه فهو لا يُجْبَر على ذبحه، لكن قَوِّم الرأس بقيمته، ويش تساوي مذبوحًا وتعطى قيمته لمن؟
طلبة: للبائع.
[ ١ / ٤٣٧٦ ]
الشيخ: للبائع، المشتري لما اشترى هذا الشيء واستثنى البائع رأسه، وجد المشتري أن هذا غير صحيح، وجد أنه أعور، هذا عيونه ذاهبة بالكلية، فجاء المشتري إلى البائع وقال: وجدته أعور، أرده عليك، ما أبغي، قال البائع: أنا مستثني الرأس، والعيب الآن ما هو في العيب في الرأس، والرأس لي، لكن بقية الحيوان ما فيه عيب. ما تقولون في هذا؟
طالب: البائع يدري قبل أن يبيعه.
الشيخ: لا، يمكن يدري أو ما يدري، المهم أنه بالنسبة لحق المشتري في الرد، هل يملك ذلك أو لا يملك؟
طلبة: يملك.
طالب: إذا كان شرطه واضحًا.
الشيخ: دعني إذا كان شرط واضحًا، إذا كان شرط لا يوجد () في الحيوان؟
طالب: لا، إذا كان شرطه الذبح.
الشيخ: ما شرط الذبح، ولا شيء.
طالب: له حق.
الشيخ: له الحق؟
طالب: يتوقف عليه.
طالب آخر: لو وقع عليه.
الشيخ: لو كان مثلما قال الأخ، لو كان شارطًا الذبح، قال: شرط أن تذبح اليوم وتعطيني الرأس؟
طالب: ما ().
الشيخ: يقول العلماء: له الرجوع؛ لأن هذا العيب ينقص في القيمة، والمدار على القيمة، ما هو باع على أنه عيب، أو ما أنه بعيب، ما دامت هذه البهيمة إذا كانت -مثلًا- عينها ذاهبة، فتنقص في المثل، أنا أشتري منكم بمئة، ولو اطلعنا أنها عوراء ما تساوي إلا خمسين أو ثمانين، إذن نقول: نقص الثمن ولَّا لا؟ نقص الثمن، فلي أن أفسخ البيع، وإلا أعطني الأرش، وهو الفرق بين قيمته صحيحًا ومعيبًا، ولا فسخ. والله أعلم ().
وأراد فيجوز بيع الحب المشتد في سنبلة، والمشتد معناه: الذي صلب، بخلاف ما إذا كان ماءً؛ إذا غمزته بيدك انفلق، هذا لا يصح، أما إذا كان مشتدًّا فإنه يصح بيعه في سنبله.
قوله: (بيع الحب المشتد في سنبله) (في) هنا بمعنى (مع)؛ يعني: لا بد أن يكون الظرف مع المظروف.
[ ١ / ٤٣٧٧ ]
(في سنبله) فإن باع الحب وحده دون قشره يجوز ولَّا لا؟ على () قال المؤلف: لا، يقول: لأنه كبيع النوى في التمر، وبيع النوى في التمر تقدم أنه لا يجوز أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذن بيع الحب في قشره منفردًا لا يجوز، وإنما يُبَاع جميعًا.
الشرط السابع: يُشْتَرط أن يكون الثمن معلومًا.
بماذا يُعْلَم؟ يُعْلَم بالرؤية والصفة والعدل والوزن وما أشبه ذلك.
ولكن ما الفرق بين الثمن والْمُثْمَن؟ وأيش الفرق بينهما؟
طلبة: ().
الشيخ: الثمن: ما دخلت عليه الباء فهو الثمن، والْمُثْمَن: ما وقع عليه الفعل.
فإذا قلت: بعتك هذا الدرهم بهذا الثوب، أين الثمن؟
طلبة: الثوب.
الشيخ: الثوب. وإذا قلت: بعتك هذا الثوب بهذا الدرهم، فما هو الثمن؟
طلبة: الدرهم.
الشيخ: الدرهم. إذن الثمن القاعدة فيه: ما دخلت عليه الباء.
وقال بعض الفقهاء: إن الثمن هو النقد؛ سواء دخلت عليه الباء أو ما دخلت؛ يعني: الذهب والفضة الدنانير والدراهم، لكن المذهب أن الثمن ما دخلت عليه الباء، فيشترط بأن يكون الثمن معلومًا برؤية.
فأقول مثلًا: بعت عليك هذا الكتاب بهذا الكتاب، هذا المعلوم بالرؤية.
أو تقول: اشتريت منك هذا الكتاب بكتابي الذي في البيت، وصفته كذا وكذا، هذا المعلوم بماذا؟
طالب: بالصفة.
الشيخ: بالصفة.
ومن المعلوم عند الفقهاء إذا وضعت كومة دراهم، فقلت مثلًا: اشتريت منك هذا البيت بهذه الكومة من الدراهم، يقول الفقهاء: إن هذا جائز؛ لأن الثمن معلوم بماذا؟
طالب: بالوصف.
الشيخ: الثمن معلوم بالمشاهدة.
ولكني سأسألكم الآن: هل في هذا غرر؟
طلبة: ().
الشيخ: فيه غرر جدًّا، لا سيما إذا صار ()، إذا صار دنانير، قلت: بهذه الكومة من الدنانير؛ يعني: لو ظهر فيها عشرة دنانير يؤثر ولَّا ما يؤثر؟ يؤثر جدًّا.
[ ١ / ٤٣٧٨ ]
كذلك لو مثلًا معي ربطة، الآن دعوا الدراهم والدنانير، ما هي موجودة، معي ربطة مربوطة بالسلك من الورق النقدي فئة خمس مئة ريال، قلت: اشتريت منك هذه السيارة بهذه الربطة، يصح ولَّا لا؟ على المذهب يصح، يقول: لأن هذا معلوم بماذا؟ بالمشاهدة.
ولكن هل هذا صحيح؟ هو غير صحيح، لا يصح () ما هو صحيح؛ لأنه يختلف، حتى الأوراق بعد استعمالها غير الأوراق اللي ما استعملت من الجديدة؛ ولهذا تجد الأوراق الجديدة صغيرة السمك، ولكنها كثيرة العدد، والعكس بالعكس، هذا لا شك أنه غير جائز.
كذلك لو قال: اشتريت منك هذه السيارة بوزن هذه الحجارة، من الحصاة، بوزن لك الثمن على هذه الحصاة ()، يجوز ولَّا لا؟ نعم، على المذهب يجوز، هذا غريب!
طالب: ()؟
الشيخ: بيزن عليه ذهب، اشتريت منك هذه السيارة بوزن هذا الحجر ذهبًا، يجوز على المذهب، أو بوزنه فضة، يجوز، لأيش؟ قالوا: لأن هذا مشاهد.
كذلك لو قلت: اشتريت منك هذا البيت بملء هذه الطاسة ذهبًا، ويش () الطاسة؟ الأناء يشرب منه، قلت: بملء هذا الإناء ذهبًا، يجوز على المذهب.
ولو أني ما أدري أيش قدره، ولكن كل هذه أنا ذكرتها لكم؛ لأنه ذكرها بالشرح؛ لأقول: إن هذا ضعيف، وفيه من الغرر ما هو ظاهر، غرر، هذا هو اللي يدخل فيه حديث أبي هريرة بلا شك.
طالب: ()؟
الشيخ: ولو كان من () ما يقدر.
يقول المؤلف: فإن باعه برقمه لم يصح إلا إذا كان يعلمه هو والبائع.
فيه شيء يُبَاع بالرقم عندنا؟ إي نعم، الأدوية في الصيدليات مكتوب عليها القيمة، فإذا بعت عليك هذا الشيء برقمه، قلت: كم هو؟ مكتوب عليه؟ قال لي: مكتوب عليه، المذهب ما يصح.
أي هذا أولى أو الصورة التي قد تقدمت؟ هذا أولى بالصحة؛ ولهذا الصحيح الذي اللي اختاره شيخ الإسلام أنه يجوز البيع برقمه.
كذلك إذا باعه بألف درهم ذهبًا وفضة. هذه المسألة لها صورتان:
أن يقول: بعتك إياه بألفٍ ذهبًا وفضة، هذه واحدة.
[ ١ / ٤٣٧٩ ]
أن يقول: بعتك إياه بألفِ درهمٍ ذهبًا وفضة. كلتا الصورتين لا يصح البيع.
بعتك بألفٍ هذا الشيء بألفٍ ذهبًا وفضة ما يصح، وأيش السبب؟ لأن ما ندري وأيش ألف؟ هل تبغي تعطيه -مثلًا- ثمان مئة دينار ومئتين درهم؟ أو تريد تقسيم ثمان مئة درهم ومئتين دينار؟ ما ندري، فلا يصح.
وقيل: يصح، ويُحْمَل على المناصفة، يصح بألفٍ ذهبًا وفضةً ويُحْمَل على المناصفة.
وأيش معنى على المناصفة؟ ألف من الدراهم، وخمس مئة دينار؛ يعني الشيء عند الإطلاق يكون على التساوي.
الصورة الثانية: بعتك هذا بألفِ درهمٍ ذهبًا وفضة، أيهما أشد الأول ولَّا هذا أشد جهالة؟
بعتك بألفِ درهم ذهبًا وفضة، الأول أشد جهالة، هذا ما فيه جهالة إلا يسيرة؛ لأني قلت: بألفِ درهمٍ كان مقدرًا بالدراهم، لكن بعضها ذهب وبعضها فضة.
فمثلًا: إذا كان قيمة الدينار مئة درهم، وأعطيتك تسعة دنانير ومئة درهم، فيه جهالة ولَّا لا؟
طالب: يسيرة.
الشيخ: شوفوا الآن، أنا قلت: اشتريته منك بألف درهم ذهبًا وفضة، فقيمة الدينار مئة درهم، فأعطيته تسعة دنانير وكم؟
طلبة: ومئة درهم.
الشيخ: ومئة درهم، كم القيمة الآن؟
طالب: ألف.
الشيخ: ألف، لكن بعضها من جنس، وبعضها من جنس.
يقولون: هذا ما يصح؛ لأنا ما ندري أيش بيعطيه من الذهب وإن كان مقيمًا مربوطًا بألف درهم، لكن ما ندري ويش يعطيه من الذهب.
إذا قلنا بالمسألة الأولى: إنها تصح، فهنا نقول: من باب أولى، وعليه فنقول: أعطه خمس مئة دينار؟
طلبة: خمس مئة درهم.
طلبة آخرون: ما يعادل.
الشيخ: كم من دينار؟
طلبة: خمسين.
الشيخ: خمسين دنيارًا، يقول: أعطه خمسين دينارًا وخمس مئة درهم، هذه لا شك أن الصورة أقل غررًا من الأول، ومع ذلك يقولون: إنها لا تصح؛ لأن جنس النقد مجهول الآن، ما ندري هو بيعطيه خمسين مثلًا.
مئة دينار، قلنا: ألف درهم، على أن قيمة الدينار مئة درهم.
طالب: خمس دنانير.
الشيخ: لا.
طالب: أول () خمس مئة درهم خمسة دنانير.
[ ١ / ٤٣٨٠ ]
الشيخ: خمسة دنانير عن خمس مئة درهم، والقول هذا أصح في الصورتين جميعًا.
فنقول في المسألة الأولى اللي يقول: بألف درهمًا فضةً وذهبًا، نقول: نحملها على النصف، ونقول: يلزمه نصفها ذهب خمس مئة دينار، وخمس مئة درهم.
وأما التي قال: في ألف درهمٍ ذهبًا وفضةً؛ فإن تراضيا وأعطاه إياه كلها دنانير أو كلها دراهم فلا حرج، وإن لم يتراضيا حملناها على أيش؟
طالب: المناصفة.
الشيخ: على المناصفة.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، وحدة النقد، الدينار جنيه من الذهب؛ لأنه ما هو الجنيه عندنا، والدرهم مئة ريال من الفضة.
يقول المؤلف: (أو بألف درهمٍ ذهبًا وفضة).
طالب: ().
الشيخ: ().
طالب: شيخ، لو كان () ذهب أو فضة () هذا؟
الشيخ: إي نعم، يصح، قال: درهم ذهب أو فضة؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي، يصح.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما ().
طالب: ()؟
الشيخ: على خلاف الشرع رده، ().
طالب: ().
الشيخ: () بمئة ألف، أو بألف درهمٍ ذهبًا وفضة، ذكرنا أن هذه المسألة لها صورتان؛ الصورة الأولى: بألف ذهبًا وفضة. والصورة الثانية؟
طالب: بألف درهمٍ ذهبًا وفضةً.
الشيخ: بألف درهمٍ ذهبًا وفضةً، وقلنا: إن المذهب لا يصح في الصورتين، وإن فيه قولًا آخر بالصحة في الصورتين، ويُحْمَل على المناصفة.
قال: (أو بما ينقطع به السعر) (ينقطع) يقف، (به السعر) إذا قال: بعته أو اشتريته بما ينقطع به السعر فإنه لا يصح، السبب مجهول؛ ما ندري أيش ينقطع به؟
ومعنى (ينقطع به السعر) يعني: يقف عليه السوم.
قال هذا: أيش تبغي؟ قال: كم تبيعه؟ قال: واللهِ ما أدري، قال اللي يقف عليه: فأنا بأشتريه، يقول المؤلف: إنه لا يصح بما ينقطع به السعر؛ لأنه مجهول.
فإن قال قائل: ما ينقطع به السعر تطمئن إليه نفسي أكثر؟
[ ١ / ٤٣٨١ ]
قلنا: هذا صحيح؛ ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يصح البيع بما ينقطع به السعر؛ قال: لأن الإنسان يطمئن ما دام أنه سائغ في السوق، فإذا وقف أخذته هذا واضح، ما فيه جهالة.
لكن عندي أن كلام الشيخ وجيه لو كان الناس عندهم إيمان بالله، ما يوجد عندهم غش ولا مناجشة، لكن إذا كان في وقت قد تكون مناجشة، قد يكون قيمة هذا عشرة، لكن مع المناجشة يصل إلى خمسة عشر أو إلى عشرين، فحينئذٍ يكون مجهولًا ولَّا لا؟
طالب: مجهول.
الشيخ: مجهولًا، ويكون فيه غرر عظيم؛ ولهذا الأولى أن يقال بأن المذهب هنا أصح؛ ما ينقطع به السعر؛ وذلك لغلبة المناجشة في أوقاتنا اليوم.
أما لو كان الناس سالمين، ما يعطون إلا ما يساوي، فهذا لا جهالة فيه.
طالب: أحيانًا يجيء واحد ما يعرف السلع وأقول: لهذه خمس مئة، وهي ما تسوى إلا أربع مئة، وأقول: خمس مئة وعشرة؟
الشيخ: إي، يمكن.
الطالب: يمكن يزيد على ..
الشيخ: إي نعم، يمكن، ما فيه شك اللي بيغش، لكن هذا له الخيار، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال: (أو بما باع به زيد) قال: اشتريته مثلما يبيع فلان، يقول: لا يصح، لماذا؟ لأن بيع فلان مجهول، قد يكون فلان يبيعه بأكثر من الثمن أو بأقل من الثمن فلا يصح.
وقيل: يصح بما باع زيد؛ لأنه بعد الرجوع إليه سوف؟
طالب: يتبين.
الشيخ: سوف يتبين.
وعندي أن في المسألة تفصيلًا؛ فإن كان زيد من الناس المعتبرين، مثل الرجل اللي يورد السلاح ويبيعه ومعتبر في السوق، فإن الرجوع إلى ما باع به فيه جهالة ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما فيه جهالة.
وإن كان زيد من سائر الناس فإنه لا يصح؛ لأنه قد يبيع بكثير، وقد يبيع بقليل، ما هو معتبر.
[ ١ / ٤٣٨٢ ]
وعلى هذا فيكون الصواب في هذه المسألة التفصيل؛ وهو أنه إذا قال: أبيع عليك مثلما يبيع فلان -إن كان فلان من المعتبرين في السوق؛ كالموردين وأصحاب المخازن الكبيرة- فهذا لا بأس به، والنفس مطمئنة إليه، ولا أحد يرى أن في ذلك غبن، وإن كان الأمر بالعكس فإنه لا يصح.
وقوله: (وجهلاه أو أحدهما) إذا جهلاه جميعًا هو ما يصح، وإن جهله البائع دون المشتري فإنه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، وإن جهله المشتري دون البائع فإنه لا يصح؛ يعني: يُشْتَرط العلم من الجانبين.
(وإن باع ثوبًا أو صبرة أو قطيعًا كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم صح) المؤلف بيَّن لنا معنى الثوب حين قال: (كل ذراع) هذا اللفظ ويش مرتب ولَّا مشوش؟ (كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم صح) إذا باع ثوبًا يعني: قطعة قماش، باعها كلها، كل ذراع بدرهم، يجوز، كيف يجوز؟ ما أدري، هذه القطعة أجيء أشوفها أذرع، فتكون بعشرة ريالات، أو عشرين ذراعًا فتكون كم؟ بعشرين ريال، ولَّا لا؟ نقول: صحيح، لكن لما اشتراها كلها صارت معلومة، وتقدير الثمن هنا ليس فيه جهالة؛ لأني عارف أن الذراع من هذه بكذا.
والأذرع هنا محددة ولَّا لا؟ محددة بالرؤية، غير محددة بالقدر، أنا أريد هذه القطعة كلها، كل ذراع بكذا وكذا فإنه يصح؛ لأن المعقود عليه كل الثوب، وهو معلوم، غاية ما هنالك أننا قدرنا الثمن بمقدار معين منه، وهذا لا جهالة إطلاقًا.
كذلك باعه الصبرة -وهي الكومة من الطعام- كل قفيز -القفيز اثنا عشر صاعًا- كل قفيز بكذا وكذا، بدرهم، يجوز ولَّا لا؟ هذه الكومة من الطعام كل قفيز بدرهم، يصح، كلناها فوجدناها عشرة أقفزة يصح، وجدناها عشرين؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، مثل الثوب تمامًا.
باعه القطيع -وهو المجموعة من الغنم- يقول: بعت عليك ها الغنم هذه اللي تشوفها الآن كل شاة بدرهم، يجوز، صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح؛ لأن الآن المبيع معلوم، والثمن معلوم باعتبار الآحاد؛ لأن كل شاةٍ بدرهمٍ.
[ ١ / ٤٣٨٣ ]
فإذا قال قائل: قِيَم الشاة تختلف، ما هي مثل الصبرة والذراع من الثوب أو لا؟ شاة تسوى عشرة، وشاة تسوى قرشين؟
قلنا: لكن هو رضي بالمجموع، ما قال: كل شاة بدرهم، على يمين هذا القطيع كل شاة بدرهم، لو قال: من هذا القطيع كل شاة بدرهم ما صح. لكن هو اشترى القطيع الآن كله، كما لو اشترى القطيع كله بعشرة آلاف ريال ما فيه مانع، لكن هو الآن اشترى القطيع كله طيبه ورديئه، ولكن جعل تقدير الثمن منوطًا بالأفراد، والأفراد تُعْلَم ولَّا ما تُعْلَم؟
طالب: تُعْلَم.
الشيخ: إي نعم، سَتُعْلَم.
طالب: ()؟
الشيخ: لا تقطع، إذا صار ما يحيط بها تقطع، على حد الذي يحيط به؛ لأن المبيع لا بد أن يكون معلومًا برؤية أو صفة.
الطالب: لكن شوف ما أقطع.
الشيخ: عند () شوف، اللي يحيطه يطلع ().
الطالب: لا، يشوف مقطع () كله.
الشيخ: ما يقطع هذا كله، لازم يكون كلها موجودات، يشوفها ويحيط بها، فإن كان كثيرًا -كما قلت- لازم يجمع له الشيء الذي يحيط به.
الطالب: ().
الشيخ: معلوم، هو لا يدفعها () لا بد يدفعها، لكن كلامي على أن هذا ما فيه جهالة.
طالب: هل يصح بعضها يسوى قرش () وبعضها ()؟
الشيخ: ما ().
الطالب: يعني هم اتفقوا على القيمة.
الشيخ: هم جعلوا الحقيقة لا، () إلا أنهم بيجعلون زيادة هذه تقابل نقصهم.
الطالب: أي العالي يجبر؟
الشيخ: إي نعم، الناقص.
الطالب: ما فيه شيء.
الشيخ: ما فيه شيء، لكن انتبه للمثال الثاني يقول: (وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم ما صح) (إن باع من الصبرة) الكومة من الطعام، (كل قفيز بدرهم) فهذا ما يصح، السبب؟
طالب: لأن () التبعيض.
[ ١ / ٤٣٨٤ ]
الشيخ: إي؛ لأن (مِنْ) للتبعيض، (من الصبرة) ما هي كل الصبرة، (مِنْ). و(من الصبرة) يحتمل أنه عشرة أقفزة، أو عشرين قفيزًا، أو ثلاثين قفيزًا، أو قفيزًا واحدًا، ولَّا لا؟ ما هو باحتمال هذا؛ لأنه قال: (من الصبرة كل قفيز بدرهم) يقولون: هذا لا يصح، لماذا؟ لأن الغاية مجهولة، ما ندري هل يأخذ قفيزًا أو قفيزين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو إلى أن تنتهي الصبرة، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إذن، يكون هنا المبيع مجهولًا، والثمن مجهولًا بجهالة المبيع.
وقال بعض الأصحاب -بعض العلماء-: إنه يصح، إذا قال: اشتريت من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم هو ()، وقالوا: إن هذا مثل الإجارة؛ لو قال: استأجرت منك هذا البيت كل سنة بمئة درهم يجوز في الإجارة، وكل ما ثبت فيه ثبت في الأجرة، قالوا: فهذا مشروعًا.
وقد روي عن علي ﵁ أنه استؤجر على أن يسقي بستانًا كل دلو بتمرة (١١).
قالوا: فهذا إذا صح في الإجارة صح في البيع؛ لأن الكل منهما يُشْتَرط فيه العلم، وهذا القول هو الصحيح.
فإن قيل: هذا القول إذا كان ما أخذ من الصبرة إلا قفيزين؛ لأن كلًّا منهما راضٍ، فالبائع راضٍ يمكن يفرح إذا راحت الصبرة كلها، والمشتري كذلك راضٍ، هو اللي بياخد على ما به، وهذا القول هو الصحيح.
يصح في الصبرة، ويصح في الثوب ولَّا ما يصح؟ يصح في الثوب، يقول: بعتك من هذه الطاقة () كل ذراع بعشرة ريالات، يصح على القول الصحيح، على المذهب ما تقول: من الطاقة، وأيش تقول؟
طالب: كلها.
الشيخ: الطاقة كلها.
لكن نأتي إلى القطيع فيقال: اشتريت منك من هذا القطيع كل شاة بدرهم.
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: وأيش السبب؟
الطلبة: ().
الشيخ: إي، القطيع يختلف.
طالب: () قد تكون ().
الشيخ: لا، المراد الصبرة من جنس واحد، ما هي بالصبرة المجموعة من الناس.
الطالب: ممكن مثلًا ().
الشيخ: لا، من أجناس ما تصح، أصلًا مجهولة.
الآن القطيع نقول: ما يصح.
[ ١ / ٤٣٨٥ ]
لكن مر علينا أنه إذا قال: بعتك واحدًا من هذا القطيع، وتخير، تقدم لنا أن القول الراجح أنه يصح، فهلَّا نجعل هذا مثله؟
نقول: لا؛ لأن فيما سبق واحدة معينة، ما يمكن يأخذ أكثر، وهذا عارف بأنه لو يأخذ واحدة من أعلى ما عنده ما خالف، لكن هذا اللي قال: من القطيع كل شاة بدرهم، وقدرنا أن القطيع فيه ستين شاة، أربعون منها جيدة تساوي عدد ريالين، وعشرة تساوي على نصف ريال، يصير في هذا غبن كثير، وقد يأخذ () ريالين كل الأربعين ويترك الباقي؛ ولهذا القطيع ما يحصل مع اختلاف، والغالب أنه بيحصل.
طالب: الغالب هم يعرفون، البائع والمشتري يعرف أنه إذا قال لفلان: هذا القطيع أنه بيأخذ الطيب، وعارف وبيع عليه بما تقتضي، ما () هذا عمل.
الشيخ: يعني لو قال: ببيع عليه ما عليه شيء؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما عليه شيء، وأنا عارف أن هذا فيه عشر يسوى على مئة، والباقي يسوى على خمسين، وقلت: بعتك من هذا القطيع كل شاة بمئة، وهذا إذا أخذ العشر، ().
الطالب: ().
الشيخ: هذا () يزول الجهالة، في الحقيقة حتى هذه يزول الجهالة، إذا أراد أن يبيع عليه بأعلى شيء، وهذا () والمشتري عارف أنه مش بمقدار هذا، هذا مثلما قلت: تزول الجهالة.
طالب: () بالنسبة للمشتري ()؟
الشيخ: لا، هذا يعرف، ما هو باع خدادية لا يعرفون.
طالب: إن كان من أهل الخبرة، وإن لم يكن من أهل الخبرة؟
الشيخ: لا يعرفون، ()، ما أحد يقدم على هذا إلا وهو عارف.
يقول: (أو باعه بمئة درهم إلا دينارًا، أو بمئة دينار إلا درهمًا) ولا هو عكسه؛ يعني: مئة دينار إلا درهمًا، هذا استثنى من غير الجنس قال: (بمئة درهم إلا دينارًا) ما يصح، بمئة درهم إلا درهمًا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح.
كم يكون الثمن؟
طالب: تسعة وتسعون.
الشيخ: بمئة درهم إلا دينارًا، يصح؟
طالب: ما يصح.
[ ١ / ٤٣٨٦ ]
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف ما يصح مطلقًا، ولو كان ثمن الدينار معلومًا، لو فرض أن الدينار مقرر سعره عشرة دراهم، وقال: مئة درهم إلا دينارًا، المذهب يصح، ولَّا لا؟ الدينار عشرة دراهم، مقرر، ما يمكن يزيد ولا ينقص، قال: بعتك بمئة درهم إلا دينارًا، ما يصح، نقول: لأنه من غير الجنس، والاستثناء منقطع.
ولكن فيه قول آخر في المسألة أنه إذا كانت قيمة الدينار معلومة صح الاستثناء.
أو باعَ معلومًا ومَجهولًا يَتَعَذَّرُ عِلْمُه ولم يَقُلْ كلٌّ منهما بكذا لم يَصِحَّ، فإن لم يَتَعَذَّرْ صَحَّ في المعلومِ بقِسْطِه، ولو باعَ مَشاعًا بينَه وبينَ غيرِه كعبدٍ أو ما يَنْقَسِمُ عليه الثمَنُ بالإجزاءِ صحَّ في نَصيبِه بقِسْطِه، وإن باعَ عَبْدَه وعبدَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، أو عبدًا وحُرًّا أو خَلًّا وخَمْرًا، صَفْقةً واحدةً، صَحَّ في عَبدِه وفي الْخَلِّ بقِسْطِه، ولِمُشْتَرٍ الخيارُ إن جَهِلَ الحالَ.
(فصلٌ)
ولا يَصِحُّ البيعُ مِمَّنْ تَلْزَمُه الْجُمُعَةُ بعدَ ندائِها الثاني، ويَصِحُّ النكاحُ وسائِرُ العُقودِ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ عَصيرٍ مِمَّنْ يَتَّخِذُه خَمْرًا، ولا سلاحٌ في فِتنةٍ، ولا عبدٍ مُسلمٍ لكافرٍ إذا لم يُعْتَقْ عليه، وإن أَسْلَمَ في يَدِه أُجْبِرَ على إزالةِ مُلْكِه، ولا تَكفِي مُكاتَبَتُه، وإن جَمَعَ بينَ بَيْعٍ وكِتابةٍ، أو بَيعٍ وصَرْفٍ صَحَّ في غيرِ الكتابةِ، ويُقَسَّطُ العِوَضُ عليهما، ويَحْرُمُ بيعُه على بيعِ أَخِيهِ، كأنْ يَقولَ لِمَن اشْتَرَى سلعةً بعَشرةٍ: أنا أُعطيكَ مِثْلَها بتسعةٍ، وشِرَاؤُه على شِرائِه، كأن يَقولَ لِمَنْ باعَ سِلعةً بتِسعةٍ: عِندِي فيها عَشرةٌ ليَفْسَخَ ويَعْقِدَ معَه، ويَبْطُلُ العَقْدُ فيهما، ومَن باعَ رِبَوِيًّا بنَسِيئَةٍ واعْتاضَ عن ثَمَنِه ما لا يُباعُ به نَسيئةً،
[ ١ / ٤٣٨٧ ]
كأنه قال: بعتك بمئة درهم إلا عشرة، فيكون الثمن تسعين درهمًا، وكذلك لو قال: بعتك إياه بدينار إلا درهمًا، نقول: المذهب لا يصح؛ لأن الاستثناء من غير الجنس، لو قال: بعتك بمئة دينار إلا درهمًا؟
طالب: لم يصح.
الشيخ: يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يصح على المذهب.
والقول الثاني: إذا كانت القيمة معلومة يصح، وهذا هو الصحيح، وعلى هذا فكأنه إذا قال: بمئة دينار إلا درهمًا، كأنه قال: بمئة دينار إلا عُشْرَ دينار، وهذا صحيح.
لكن كيف يكون الثمن الآن؟ مئة دينار إلا درهمًا () أيش تسوي؟ إما أن أعطيك تسعة وتسعين دينارًا وتسعة دراهم، أو أعطيك مئة دينار وترد عليَّ درهمًا، إي نعم.
طالب: () لو قال: تسعة وتسعين ريالًا إلا نصف ريال؟
الشيخ: إي نعم، يصح، ما فيه شيء.
الطالب: ()؟
الشيخ: أقول: هذا يصح.
الطالب: ما فيها شيء؟
الشيخ: لا، ما فيها شيء، حتى على المذهب ما فيها شيء.
طالب: شيخ، الصورة اللي قلتها -أعطيك مئة دينار إلا درهمًا- ما تدخل في صور الربا؟
الشيخ: لا، ما فيها شيء؛ لأن هذا ما فيه بيع وشراء، هذا استثناء، استبقاء.
الطالب: على المذهب ().
الشيخ: لا، ما قال: إلا -مثلًا- خمسة قروش، لو قال: خمسة قروش صح على المذهب ()، لكن على نصف الريال مشاع هذا مشاع ().
يقول المؤلف: (أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمُه ولم يَقُلْ كُلٌّ منهما: بكذا لم يصح) إذا باع معلومًا أو مجهولًا يتعذر علمه، ولا قال () كذا فهو ما يصح؛ لأن الثمن هنا لا يمكن أن يُقَسَّط عليهما، فيكون الثمن معلومًا مجهولًا.
باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه؛ مثل: بعتك هذه الشاة وما في بطن الأخرى، باع معلومًا ومجهولًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إن كان قال: بعتك هذه الشاة وما في بطن هذه بمئة درهم، فالبيع؟
طالب: غير صحيح.
[ ١ / ٤٣٨٨ ]
الشيخ: البيع غير صحيح، السبب لأن الثمن () الآن على هذا المعلوم اللي هي الشاة وعلى المجهول اللي في البطن، يمكن أن نعرف قيمة اللي في البطن من قيمة الشاة، أسألكم يمكن ولَّا لا؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن، إذن فيبقى ثمن هذا المعلوم مجهولًا، فلا يصح البيع لجهالة الثمن.
فإن قال كل منهما: بكذا، قال: بعتك هذه الشاة وما في بطن هذه؛ الشاة بثمانين، والذي في البطن بعشرين، يصح ولَّا لا؟ يصح في المعلوم بما عينه، ويبطل في المجهول.
سؤال: بعتك هذه الشاة وما في بطنها بمئة درهم ولم أبين قيمة ما في بطنها؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصلح؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، ما أنتم فقهاء، هذا ()؛ لأني لما قلت: بعتك هذه الشاة وما في بطنها نصصت عليه، صار معقودًا عليه، وحينئذٍ تكون بعت شاةً وحملًا، أما لو قلت: بعتك هذه الشاة وما قلت: ما في بطنها صحَّ، كما تقدم، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فأما لما نصصت على أن البيع واقع عليه صار البيع غير صحيح.
لو قلت: بعتك هذه الشاة وما في بطنها؛ هي بثمانين، وما في بطنها بعشرين؟
طالب: على المذهب ().
الشيخ: على المذهب لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى استثناء الحبل ().
بعتك هذه الشاة وما في بطنها بمئة؛ الشاة بثمانين، واللي في بطنها بعشرين معناه صَحَّ في الشاة، ولم يصح في الحمل، وحينئذٍ يكون كأني بعتك الشاة واستثنيت حملها، وقد سبق أن المذهب إذا استثنى الحمل فالبيع باطل.
[ ١ / ٤٣٨٩ ]
بخلاف: بعتك هذه الشاة وما في بطن الأخرى؛ هذه الشاة بثمانين، والحمل بعشرين، هذا يصح، لماذا؟ لأننا لو أبطلنا بيع الحمل ما كنا بعناه حاملًا، واستثنينا حملها؛ إذ إن الحمل في بطن غيرها ليس في بطنها، هذا هو الفرق، وهذا الفرق دقيق يغلط فيه طالب العلم، بل غلط، فيه طلاب من العلماء؛ حيث صححوا المسألة وقالوا: هذا صحيح، واعتمدوا على القاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، ولم يعرفوا أنه هنا لم يكن تبعًا؛ لأنه خُصَّ بالبيع، يقول: بعتك هذه الشاة وما في بطنها.
طالب: ()؟
الشيخ: يقول: (أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه ولم يقل كل منهما: بكذا لم يصح، فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه) إن لم يتعذر أيش؟ إن لم يتعذر علم المجهول فهو يصح في المعلوم بقسطه من الثمن؛ مثل أن تقول: بعتك هذه الشاة والشاة اللي في البيت بمئتي درهم، بيعرف الشاة الموجودة أو لا؟
طالب: ().
الشيخ: واللي في البيت؟
الطالب: ما أعرفها.
الشيخ: ما تعرفها، مجهول، لكن يتعذر علمه ولَّا لا؟
طالب: لا يتعذر.
الشيخ: اللي في البيت؟
الطالب: يتعذر.
الشيخ: يتعذر علمه ()، ما يتعذر علمه، المسألة بسيطة، فما دام يمكن أن يعرف يصح، لكن يصح في المعلوم بقسطه دون المجهول، كيف بقسطه؟ الآن هو اشترى هذه الشاة واللي في البيت بمئتي درهم، الثمن عليهما جميعًا، كم؟
طالب: مئتا.
الشيخ: مئتا درهم، نذهب الآن إلى الشاة اللي في البيت وجدنا أنها تساوي تسعين درهمًا، تكون هذه بمئة وعشرة، وجدنا أنها تساوي اللي في البيت مئة وخمسين، تكون هذه بخمسين؛ يعني: بالقسط، تكون القيمة بالقسط، لو فرضنا أن القيمة تختلف عن الثمن اشترى هذه الشاة واللي في البيت بمئتين وخمسين، يتعذر علمها ولَّا ما يتعذر؟
طالب: ().
الشيخ: () بعتك هذه الشاة وما في البيت بمئتين وخمسين بدل من مئتين قال: مئتين وخمسين.
طلبة: ما يتعذر.
الشيخ: يتعذر ولَّا ما يتعذر؟
طلبة: ما يتعذر.
[ ١ / ٤٣٩٠ ]
الشيخ: يعني أنتم -مثلًا- مئتين فرد قالوا: ما يتعذر () هل يمكن هذا؟ إذن لا يتعذر، وجدنا أن الشاة اللي معنا الآن تساوي مئتين، والشاة اللي هناك تساوي ثلاث مئة، وما باع إلا بمئتين وخمسين، لكن حقيقة الأمر أن القيمة لو خرجت للسوق صارت هذه تساوي مئتين، وهذه تسوى ثلاث مئة، لكن الرجل () المشكلة البائع مُحَابٍ للمشتري، كيف نوزع القيمة؟
طالب: ().
الشيخ: أنا بعتك شاةَ هذا وشاةً في البيت بمئتي وخمسين درهمًا، تمام، مفهوم، هذا يصح في أيش؟ يصح في () بقسطها من الثمن، ولا يصح في التي في البيت؛ لأنها مجهولة، وليس كبيع الحمل؛ لأن الحمل ما يمكن الوصول إلى العلم به حين العقد؛ لأنه في البطن، لكن هذه يمكن الوصول لها بماذا؟ ندخل إلى البيت ونشوف الشاة، ذهبنا إلى البيت ووجدنا لما أردنا أن نوزع الثمن عليهما قال: واللهِ، هذه اللي معنا الآن تساوي مئتين، لكن () ودى بتسوى ثلاث مئة، الجميع؟
طالب: خمس مئة.
الشيخ: خمس مئة، هذه قيمتها، لكن الرجل امتنع نعطيك إياهما بمئتين وخمسين، كيف نوزع الثمن؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، () ما نقول الآن: خذ هذه بمئتين؛ لأنها تسوى مئتين، وننزع عنك خمسين علشان دي، ما يصلح هذا، نقول الآن: هذه بمئتين وخمسين، والقيمة أنها تسوى في السوق خمس مئة، نوزعها بالقسط، المئتين بالنسبة لخمس مئة () والثمن مئتين وخمسين كم ()؟ مئة، فتكون هذه الشاة عليك بمئة فقط، إي نعم.
سؤال: إذا باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه فهل يصح البيع أو لا؟
طالب: () معلوم.
طالب آخر: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، يصح في المعلوم دون المجهول، وكلا الجوابين خطأ.
طالب: إن لم يتعذر صحَّ.
الشيخ: أنا قلت: باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه.
طالب: إذا هو يتميز ().
الشيخ: كيف ()؟
الطالب: يعني إذا باع هذه الشاة وتحمل الثانية، هذا يصح، يصح هذه؛ لأنه منفصل، () هذا لا يصح.
الشيخ: إي، وهذا خطأ.
[ ١ / ٤٣٩١ ]
طالب: أعطينا أمثلة.
الشيخ: يتعذر علمه، هل يصح البيع؟ الجواب: فيه تفصيل.
ما هو التفصيل؟ إن قال كل منهما: بكذا صح، أو إن شئت فقل: إن عين ثمن كل منهما صح في المعلوم دون المجهول، وإلا بأن جعل الثمن واحدًا لم يصح، لماذا لم يصح؟ لأنه ما يمكن معرفة ثمن المعلوم؛ لأن المجهول لا يمكن معرفة ثمنه.
إذا باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه هل يصح البيع في المعلوم؟
طالب: يصح.
الشيخ: إذا باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه بثمن واحد فهل يصح؟ يصح في المعلوم بقسطه من الثمن، لماذا يصح وهو مجهول والثمن واحد؟ لأنه يمكن معرفة ثمن كلٍّ منهما بالتقسيط؛ بأن نقسط الثمن هذا على هذا، واضح إن شاء الله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن هذه المسألة يصح في المعلوم بقسطه من الثمن، وهي إحدى مسائل تفريق الصفقة الثلاث، عند العلماء بيع يسمى تفريق الصفقة إذا جمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح، وصح فيما يصح، وبطل فيما يبطل، يسميه العلماء تفريق الصفقة، الصفقة؛ يعني: البيعة، تفرق، فبعضها يصح، وبعضها لا يصح.
الثاني قال: (وإن باع مشاعًا بينه وبين غيره -كعبد- أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه) (إن باع مشاعًا بينه وبين غيره كعبد) (صح في نصيبه بقسطه) بيني وبينك عبدٌ؛ لي نصفه، ولك نصفه، وجاء واحد وطمَّعك وقال: () على العبد بمئة ألف درهم، وهو يساوي خمسين ألفًا () نصفه () بمئة ألف () بعت العبد نصفه لي () رجعت، ويش حكم البيع؟
طالب: () في نصيبه.
الشيخ: يصح في كل العبد؟
الطالب: لا، في نصيبه.
الشيخ: في نصيبه فقط، يصح في نصيبه بقسطه من الثمن.
نصفه مملوك لغيره، ولا يصح أن يبيع الإنسان ما لا يملك، فإن لم يصح البيع في نصيبك ولا يصح في نصيبي، من الذين يكون شريكي الآن؟ شريكي الآن ().
طالب: ().
الشيخ: دعنا من الشفعة، الكلام على ()، فهمتم الآن هذه الصورة ولَّا لا؟
[ ١ / ٤٣٩٢ ]
إذا باع الإنسان مشاعًا بينه وبين غيره صح في نصيبه فقط، التعليل لأنه يملك العقد على نصيبه ولا يملك العقد على نصيب شريكه.
() تفريق الصفقة؛ لأن تفريق الصفقة ثلاثة، هذا واحد منها صح في نصيبه ولم يصح في نصيب غيره، لكن () مشتري الآن () العبد كله ()، نقول: لك الخيار؛ إن شئت فأبقِ البيع، ولك النصف، وإن شئت افسخ البيع، ويرجع نصيب البائع إلى ملكك، ما يضيع حق المشتري، ما دام قلنا: إن المشتري لما تبعَّض عليه العبد فأنت الآن بالخيار؛ إن شئت فأمضِ البيع، ولك نصفه، وإن شئت فافسخ البيع، وخذ دراهمك من الذي باع عليك، ويرجع إلى ملكه، واضح يا إخوان؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الثاني: (أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء) هذا ما هو مشاع معين، لكن أجزاؤه متفاوتة؛ يمكن أن ينقسم عليه الثمن بالأجزاء، مثل أيش ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؟ قال: ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؛ مثل صاع برٍّ وصاع برٍّ، لك أنت صاع، ولي صاع، كل () من جنس واحد، لكن الصاع اللي لك متميز، والصاع اللي لي متميز، ما هو مشاع، جاء واحد وقال: () العيش، العيش يعني البر () البر، قلت: نعم، الصاعين بعشرة دراهم، بعت الآن نصيبي ونصيب شريكي، كذا شريكي ولَّا لا؟ نصيبي ونصيب غيري؛ لأنه ما هو بشريك لي، ما هو مشاع، هذا له متميز، وهذا لي متميز، فبعتهما جميعًا بعشرة دراهم، يصح البيع في الصاع الذي لي، ولا يصح في الصاع الذي له.
طالب: ()؟
الشيخ: السبب لأنه ليس في ملكي، وكذلك لو فُرِضَ أني () الصاعين () وبعت ()، هذا مشاع ولَّا غير مشاع؟
طلبة: مشاع.
الشيخ: لا.
طلبة: غير مشاع.
الشيخ: هذا غير مشاع؛ لأن نصيبك متميز ونصيبي متميز، لكن ()، فهذا إذا بعته يصح في نصيبي، ولا يصح في نصيبه؛ لأنه لما كان الثمن ينقسم عليه () صار غير مشاع.
يقول: (وإن باع عبده) () صححوها خلط الصاعين جميعًا، ثم باعهما مخلوطين فهما ()، كم صورة عندنا الآن؟
[ ١ / ٤٣٩٣ ]
طلبة: ثلاث صور.
الشيخ: ثلاث صور، () صورتين.
الصورة الثالثة قال: (وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبدًا وحرًّا، أو خلًّا وخمرًا صفقة واحدة صح في عبده، وفي الخل بقسطه)، (إن باع عبده وعبد غيره) () عينين منفردتين، كل واحد منا له نصيب مستقل؛ بعت عبدي وعبد غيري، أو شاتي وشاة غيري، أو بيتي وبيت غيري بغير إذنه، يصح البيع في ماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: في نصيبي دون نصيب الثاني، ما نقول: نصيب شريكي، دون نصيب الثاني، كذاك باع عبدًا وحرًّا؛ العبد يصح ()، والحر ما يصح.
واحد عنده عبد وله ولد كبر العبد () سيدي يريد عبدين يشتريهم؛ واحد للبيت، وواحد ()، هذا الرجل باع عبدًا وحرًّا بمئة ألف يصح بيعهما؟
طلبة: ().
الشيخ: يصح في العبد ولا يصح في الحر، كذا؟ ويقسط الثمن عليهما، فيقدر الحر عبدًا، ويعرف قسطه من الثمن ()، فإذا كان باعهما بمئة ألف، وكان هذا الحر يساوي ثمانين ألفًا، والعبد يساوي عشرين ألفًا.
طلبة: ().
الشيخ: يرفض الثمانين ألفًا، ويأخذ العشرين.
كذلك (باع خلًّا وخمرًا) ويش في الخل والخمر؟ كلاهما عصير، لكن الخل لا يتخمر، والخمر مسكر، فباعهما جميعًا، عنده جرتين () واحد أنا أحب خل عنب ()، وباع الاثنتين واحدة في خمر واحدة في خل، لكن المشتري ما يدري باعهم عليه بعشرين درهمًا، ويش اللي يحصل؟
طالب: الخل ().
الشيخ: في الخل دون الخمر؛ لأن الخمر ما يصح البيع فيه، والخل يصح، فيصح بقسطه، الخمر تقولون: ما له قيمة () يصح بقسطه؛ يُقَدَّر الخمر خلًّا، جرة الخمر كبر جرة الخل مرتين، وباعهما بثلاثين درهمًا، كم يصير عليه؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة، خمسة عشر واحد سمعته يقول: عشرين، يجيء واحد يقول: ثلاثين، وتنتهي المسألة.
طالب: ().
الشيخ: شوف باع عليه الآن جرتين على أنهم خل، لكن واحدة خمر كبر الثانية الخل مرتين، باعهم بثلاثين درهمًا، كيف نوزع الثمن؟ أنصاف؟
طلبة: ().
[ ١ / ٤٣٩٤ ]
الشيخ: أنصاف ولَّا لا؟ قلنا: إننا نقدر الخمر خلًّا؛ يعني: كأنها جرة خل إذا كان () مرتين صار قسطها من الثمن من الثلاثين خمسة وثلاثين؟
طالب: عشرين.
الشيخ: نعم، عشرين، فعلى هذا نقول: جرة الخمر ما صح فيها بيع، ويجب إراقتها، وصح البيع في الخل بعشرة دراهم أو لا؟
ويجب على البائع أن يرد على المشتري عشرين، المشتري قال: يا جماعة، أنا اشتريت ها الجرتين؛ لأن عندي ثلاثين رجال، أبغي كل جرة لعشرة، والآن ما عندي إلا جرة واحدة من () ثلاثين.
طالب: نخيره.
الشيخ: نعم، نخيره؛ ولهذا قال المؤلف: (ولمشتر الخيار إن جهل الحال) إن علم الحال، عارف أن هذه جرة خمر، لكن () -والعياذ بالله- على شرب الخمر، ثم ندم وقال: ما بشاربه، فيه خيار ولَّا ما فيه خيار؟
طالب: ما له خيار.
الشيخ: ما له خيار، إذن ما له خيار، لكن البائع يأخذ كل الثمن ولا أيش لون؟ البائع يأخذ الثمن ما يحل، والباقي يرده عليه، هذا هو المذهب؛ لأن الخمر لا قيمة له.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة أننا ما نرد الثمن على المشتري ولا نبقيه عند البائع، نأخذه من البائع ونجعله في بيت المال، لماذا؟ لأن المشترى كان قد أقدم على الحرام يعلم أنه خمر، كيف يعلم أنه خمر وراح يشارك الخمر غيره؟ ! كيف نقول: أنت تشرب الخمر، ونرد عليك بعد قيمته؟ ! هذا ما ينفع، أما إذا كان جاهلًا فكما قال المؤلف: للمشتري الخيار، ويرد إليه كل الثمن فيما لا يصح بيعه.
طالب: ().
الشيخ: هذه ثلاث مسائل الآن () مسائل الصفقة الثلاث:
الأولى: إذا باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه.
الثانية: إذا باع مشاعًا بينه وبين غيره.
والثالث: إذا باع شيئين؛ أحدهما يصح البيع فيه، والآخر لا يصح.
هذه مسائل تفريق الصفقة، والمذهب فيها كلها أن البيع يصح فيما يصح، ويبطل فيما يبطل، وللمشتري الخيار.
[ ١ / ٤٣٩٥ ]
والقول الثاني في المسألة: أن البيع لا يصح في الجميع، كيف لا يصح في الجميع؟ نقول: لأن الصفقة واحدة، ولا يمكن أن تتفرق.
ولكن الصحيح المذهب في هذه المسألة؛ وهو أنه يصح فيما يصح ولا يصح في الآخر، ولكن للمشتري الخيار ().
***
في موانع البيع اعلم أن الأشياء لا تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها، ففي الباب الأول ذكر المؤلف شروط البيع، وفي هذا الفصل ذكر موانع البيع؛ لأن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه، وهذا عام في كل شيء.
فمثلًا من أسباب الإرث القرابة، قد يكون الإنسان قريبًا للشخص ولا يرث منه؛ لوجود مانع، قد يكون الأب رقيقًا فلا يرث ابنه وإن كان السبب موجودًا، لكن قد وُجِدَ مانع يمنع منه.
وهذه القاعدة تنفعك في كثير من الأمور الحكمية والخبرية: أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه، وتزيل عنك إشكالات كثيرة.
فمثلًا يقول النبي ﵊: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» (١)، مع أنه قد يلازم الإنسان هذا القول عند إتيان أهله، ثم يضر الشيطان ولده، فما هو الجواب عن كلام النبي ﵊ وهو لا ينطق عن الهوى؟
الجواب: أنه قد تواجد موانع تمنع من تأثير هذا السبب؛ كالبيئة مثلًا.
[ ١ / ٤٣٩٦ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] مع أن مذهب أهل السنة والجماعة أن فاعل الكبيرة لا يخلد في النار، والقاتل فاعل كبيرة يَكْفُر ولَّا لا يَكْفُر؟ لا يكفر؛ لقوله تعالى في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فكيف نقول بأنه يكون ﴿جزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ مع أنه مؤمن، والمؤمن لا يُخَلَّد؟
الجواب أن نقول: هذا التخليد يمنع منه مانع وهو الإيمان، فإن قلت: إذن لا فائدة منه ما دمت تقول: إن هذا الوعيد يمكن يمنع، فما الفائدة منه؟ أيش تقولون؟
طالب: الزجر عنه.
الشيخ: الفائدة الزجر، وأنه ربما يكون هذا القتل العمد سببًا للكفر، فيكفر ويكون مخلدًا تخليدًا مؤبدًا؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (٢)، فكأن هذا ربما -والعياذ بالله- يزيغ قلبه زيغًا كاملًا حتى يستحق الخلود المؤبد.
والحاصل أن هذه القاعدة تنفعك في باب الأحكام، وفي باب الأخبار؛ وهو أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه.
يقول: (لا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني) (لا يصح البيع) نقول: ولا الشراء، ولَّا ما حاجة نقول: ولا يصح الشراء؟
طالب: ولا الشراء.
[ ١ / ٤٣٩٧ ]
الشيخ: نقول: إن البيع هنا؛ إما أن يقال: إنه لا بيع إلا بالشراء، فتكون دلالة البيع على الشراء من باب اللزوم، إي نعم، أو نقول: إن البيع هنا من باب التغليب، وإنما اختار المؤلف (لا يصح البيع) لموافقة الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وإلا فإن الشراء أيضًا حرام، لو أوجب البيع قبل الأذان وصار القبول بعد الأذان صار البيع الآن قبل الأذان، فلا يكون في الوقت المحرم، لكن الشراء بعد الأذان، ولكنه محرم أيضًا؛ لأنه ما يتم البيع، ولا يصدق أنه بيع حتى يتم الشراء؛ لأن البيع إيجاب وقبول.
المهم أن البيع والشراء لا يصح ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني.
لو أن امرأة باعت على رجل تلزمه الجمعة بعد النداء الثاني ما تقولون؟
طلبة: ().
الشيخ: فإنه لا يصح البيع؛ لأن شراء المشتري حرام، فيكون بيع البائع حرامًا أيضًا؛ للتلازم.
وقوله: (ممن تلزمه الجمعة) يشمل من تلزمه بنفسه ومن تلزمه بغيره، هذا يحتاج إلى شرح، وأظن تم شرحه في باب صلاة الجمعة، الذي تلزمه بنفسه هو: من اجتمعت فيه شروط الوجوب، وأما من تلزمه بغيره فهو: من لم تجتمع فيه شروط الوجوب، إلا إذا أقيمت الجمعة وجب عليه.
[ ١ / ٤٣٩٨ ]
من ذلك المسافر الذي يلزمه الإتمام؛ وهو على المذهب: من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، فهذا رجل مسافر قد حلَّ في هذا البلد ويريد أن يبقى أكثر من أربعة أيام، هل تلزمه الجمعة بنفسه؟ لا، تلزمه بغيره؛ يعني: إن أقيمت الجمعة لزمه أن يصلي الجمعة، وإن لم تقم لم تلزمه الجمعة، ما تصورتموها؟ المذهب يرون أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين، فإذا وجد في البلد تسعة وثلاثون مستوطنون وهذا الرجل المسافر الذي نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، تلزمه الجمعة؟ ما تلزمه الجمعة؛ لأنه إلى الآن ما وجبت؛ لنقص النصاب، لكن لو كانوا أربعين وهذا المسافر الآن موجود، قلنا: تجب عليك الجمعة بغيرك.
ويترتب على ذلك أن هذا الرجل المقيم لو أراد أن يصلي بالناس، قلنا: ما يجوز تصلي بهم، لا يصح أن تصلي بهم؛ لأنك لست من أهل الوجوب بنفسك، إنما تجب عليك الجمعة بغيرك.
المهم أن قوله: (ممن تلزمه الجمعة) يشمل من تلزمه بنفسه ومن تلزمه بغيره، وخرج بقوله: (ممن تلزمه الجمعة) من لا تلزمه، فيجوز له البيع والشراء؟ نعم، فمثلًا النساء يجوز لهن البيع والشراء بعد نداء الجمعة، لماذا؟ لأنها غير مخاطبة بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ حيث إن الجمعة لا تجب عليها، بل الصغار، فيه أولاد صغار -مثلًا- تبايعوا شيئًا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، ويصح، نعم، يجوز ويصح؛ لأن الجمعة لا تلزمهم.
قال: (بعد ندائها الثاني) لأن الجمعة في عهد النبي ﷺ ليس لها إلا نداء واحد وهو النداء الثاني الذي يكون عند حضور الإمام، فحملت الآية عليه؛ لأن الآية نزلت في وقت لا يوجد فيه إلا أذان واحد؛ وهو الثاني، فلذلك نقول: إن الحكم معلَّق به، لا بالأذان الأول الذي سنَّه الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.
[ ١ / ٤٣٩٩ ]
إذن التبايع بعد النداء الأول جائز، وبعد النداء الثاني لا يجوز، وشمل قوله: (لا يصح البيع بعد النداء الثاني) شمل بيع رجلين أقبلا إلى المسجد بعد الأذان فتبايعا وهما يمشيان إلى المسجد، يصح ولَّا لا؟ لا يصح، ما دام وقع بعد النداء حتى في طريقهما إلى المسجد لا يجوز، وحتى قبل بدء الخطبة؟ نعم؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] يعني: اتركوه.
فإن قلت: لماذا لا تقولون: إن البيع حرام وصحيح، كما قلتم: إن الرجل إذا تلقى الجلب واشترى منه فإن هذا حرام، والبيع صحيح؟
فالجواب أن الفرق بينهما ظاهر؛ أولًا: لأن حديث التلقي قال فيه النبي ﷺ: «فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (٣)، وثبوت الخيار فرع عن صحة العقد، فيكون في الحديث دليل على أن العقد صحيح.
والفرق الثاني أن النهي عن التلقي ليس نهيًا عن العقد لذاته، ولكن نهي عن العقد لحق الغير؛ حيث إنه ربما يكون في ذلك خديعة للقادم، فيشتريه المتلقي بأقل؛ ولهذا جعل الحق له في إمضاء البيع أو فسخه، أما مسألتنا التي نحن نتكلم عليها الآن فالنهي عن البيع بعينه، وما نُهِيَ عنه بعينه فإنه لا يمكن أن نقول: إنه صحيح؛ سواء في العبادات، أو في المعاملات؛ لأن تصحيحنا لما جاء فيه النهي بعينه إمضاء لهذا الشيء الذي نهى الشارع عنه، والذي نهى الشارع عنه ماذا يريد منا؟ أن نتركه، وأن نتجنبه، فإذا حكمنا بصحته فهذا من باب المضادة لأمر الله ﷾.
[ ١ / ٤٤٠٠ ]
وعلى هذا فنقول: إن البيع بعد نداء الجمعة الثاني حرام، وباطل أيضًا لا يصح، إذا قلنا: إنه لا يصح، فهل يترتب أثر العقد عليه أو لا؟ لا يترتب؛ ولهذا لا يجوز للمشتري أن يتصرف في المبيع؛ لأنه لم يملكه، ولا للبائع أن يتصرف في الثمن المعين؛ لأنه لم يملكه، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس ربما يتبايعون بعد نداء الجمعة الثاني، ثم يأخذونه على أنه ملك لهم، وهذا لا يجوز.
طالب: إذا خاف أن تذهب السلعة ويذهب البائع () معلق بالشرط ويقول: بعتك هذا بعد ()؟
الشيخ: نقول: اصبر.
الطالب: ().
الشيخ: خليه يذهب؛ لأنه ما يمكن () شرط ما يمكن ().
الطالب: يعني التلفظ هذا ()؟
الشيخ: أبدًا، ما يجوز، كل شيء فيه عقد فهو ما يجوز.
الطالب: علَّقه بعد المجلس؟
الشيخ: ما علقه؛ لأنه إذا علَّقه؛ فإما أن تقول بصحة هذا التعليق، فهذا حكم بصحته، وإما أن تقول بفساده فلا فائدة منه.
طالب: ().
الشيخ: نشوف الآن، الآن نقول أيضًا: ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم شامل حتى فيما يتعلق بنفس صلاة الجمعة؛ مثل: لو أن إنسانًا اشترى ماء للوضوء بعد نداء الجمعة الثاني، فهل يصح ولَّا ما يصح؟
نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح؛ لأنه لم يستثن، ولاحظوا أن العلماء لا بد أن نأخذ بظاهر كلامهم، ثم نبين متى الصحيح في هذا، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، فهل هذا مراد، ويكون قولًا مقصودًا للمؤلف؟ أو أن المؤلف حذف الاستثناء اختصارًا؟
[ ١ / ٤٤٠١ ]
مثل هذه إذا مرت عليكم انظروا؛ إذا كانت المسألة إجماعية من أهل العلم فإن المؤلف حذفه اختصارًا لا شك؛ لأنه ما يخرج عن الإجماع، وإذا كانت المسألة خلافية فمعنى ذلك أن المؤلف يختار القول الثاني اللي ما فيه استثناء، لكن الواقع أنه يستثنى من ذلك ما يتعلق بالصلاة، فإذا لم يكن على وضوء ووجد مع إنسان ماء يبيعه، والإنسان هذا ليس مكلفًا؛ لأنه لو كان مكلفًا لكانت الجمعة تلزمه، فلا يصح بيعه، لكنه غير مكلف، أو هذا الإنسان ممن لا تجب عليه الجمعة فإنه يجوز لهذا أن يشتري الماء ليتوضأ به؛ لأن ذلك مما يتعلق بهذه الصلاة.
طالب: ()؟
الشيخ: لا () مثل الذي يتوقف عليه صحة الصلاة.
طالب: ما يجوز أن يبيع الطيب والسواك؟
الشيخ: لا، ما يجوز أن يشتري الطيب والسواك؛ لأن هذا داخل في العموم، ولا يمكن أن نستبيح محرمًا لفعل السنة.
طالب: الآية عامة؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ عامة.
الشيخ: إي نعم، الآية عامة لكننا نقول: ما هي الحكمة في النهي عن البيع؟ من أجل المحافظة على الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، من المحافظة عليها أن نأتي بواجباتها، وهذا قادر على أن يأخذ الماء ويتوضأ ويأتي.
طالب: ()؟
الشيخ: ما يصح البيع.
الطالب: ()؟
الشيخ: يتيمم على القول بأنه يجوز التيمم، كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، أو ينتظر حتى تنتهي الصلاة ويأخذ الماء، أو يذهب إلى محل آخر يمكنه أن يشتري منه، أو أن يتوضأ به.
المهم أنه على رأي شيخ الإسلام ﵀ أنه يجوز للإنسان أن يتيمم إذا خاف فوت الصلاة وإن كان في محل فيه ماء، وعلى المشهور من المذهب أنه لا يجوز أن يتيمم، فيذهب يطلب الماء من محل مباح.
لو وهبه له، الهبة تجوز؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٤٤٠٢ ]
الشيخ: نعم؛ ولهذا يقول المؤلف: (ويصح النكاح وسائر العقود) يعني: يصح عقد النكاح بعد نداء الجمعة الثاني () في البيع، لكنه خص البيع؛ لأنه غالب العقود، وإلا فإن المقصود السعي إلى ذكر الله؛ ولهذا قدَّمه قبل أن يقول: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فالذي يظهر أنه لا يجوز أي عقد؛ لا النكاح، ولا الإجارة، ولا الرهن، اللهم إلا شيئًا لا يتعلق بالغير؛ كما لو قال الإنسان بعد نداء الجمعة الثاني: وقفت بيتي -مثلًا- وهذا ليس عقدًا مع أحد.
والصواب أن كل شيء يلهي عن الصلاة فإنه كالبيع، ويكون التنصيص على البيع في الآية؛ لأنه الغالب؛ لأنه لا فرق بين أن تشتري من هذا الرجل شيئًا وبين أن تؤجره بيتك أو سيارتك، أو ترهنه البيت، أو تتفق معه على مساقاة أو على مزارعة، كل هذه توافق البيع في أنه يلهي عن هذا الذكر الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه، لكن المؤلف ﵀ في هذه المسألة أخذ بمذهب أهل الظاهر؛ وهو الاقتصار على لفظ النص فقط ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
فإن قلت: أليست الإجارة بيعًا؟
نقول: بلى، هي بيع، لكنها بيع للمنافع؛ ولذلك ذهب بعض الفقهاء ﵏ حتى على المذهب أن عقد الإجارة حرام ولا يصح؛ لأن الإجارة بيع، لكنها بيع للمنافع؛ ولهذا جعلوا الخيار -خيار المجلس- جعلوه ثابتًا في الإجارة؛ لأنها نوع من البيع.
ثم قال المؤلف: (ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا) فهمنا حكم المسألة الأولى الآن فهمًا تامًّا، وفهمنا أيضًا دليليها، فالبيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة حرام ولا يصح.
ودليله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والصحيح أن ذلك شامل لكل ما يكون به الإلهاء عن الحضور؛ من بيع وإجارة ومساقاة ورهن وغير ذلك.
[ ١ / ٤٤٠٣ ]
طالب: شيخ، بيع خلال وهو يؤذن تم العقد بعت؟
الشيخ: ظاهر الآية الكريمة أنه بمجرد سماع النداء أنه لا يحل لك أن تفعل؛ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، هذا عام، والنهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني خاص، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ يشمل كل الأوقات وكل الأماكن، وأما هذا فهو خاص، ومن المعلوم أن القاعدة عند أهل العلم أن الخاص يقضي على العام.
طالب: ().
الشيخ: وأذن أول الجوامع، هل يتعلق الحكم به أم لا؟
طالب: ().
الشيخ: في الجماعة التي يريدها؟
الطالب: ().
الشيخ: هذا هو الأقرب، يقال: إذا كنت تريد أن تصلي في المسجد الثاني فإنه لا يتعلق الحكم بأذان المسجد الذي لا تريد أن تصلي فيه؛ لأنك الآن حتى وأنت في البيت () في هذا المسجد حتى بدون عقد، فيكون الحكم متعلقًا بالمسجد الذي تريد أن تصلي فيه.
قال: (ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا) (بيع عصير ممن) (مِنْ) هنا بمعنى (على) يعني: لا يصح بيع العصير على من يتخذه خمرًا، عصير أيش؟ عصير عنب، لا يصح أن تبيعه على شخص يتخذه خمرًا.
الدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وهذا بلا شك تعاون على الإثم والعدوان، فعليه يكون البيع فاسدًا؛ لدخوله في النهي.
قال: (ولا يصح بيع سلاح في فتنة) فتنة بين من؟
طلبة: المسلمين.
الشيخ: بين المسلمين، لا يجوز أن تبيع السلاح على إحدى الطائفتين في الفتنة، ولا عليهما جميعًا.
الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وهذا بلا شك إعانة على الإثم والعدوان، فيكون محرمًا، وإذا كان محرمًا صار باطلًا.
يقول: لو أن أحدًا باع البيض لمن يقامر فيه، يجوز؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، كيف يقامرون في البيض؟
طالب: ().
الشيخ: له صور؟
[ ١ / ٤٤٠٤ ]
طالب: ().
الشيخ: في () يقامرون فيه على () يعطيه بيضة ويخليها على عرضها أو على طولها ويقول: إن كسرتها فلك كذا، وإن لم تكسرها فعليك كذا، فيقامر فيها، فهذا نقول: البيع حرام ولا يجوز.
إذن نأخذ من هذا -يا إخوان- قاعدة عامة: كل بيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان فهو حرام ولا يصح.
إذا جاء إنسان يطلب منك أن تبيع عليه بيته ليتخذه للربا يحرم؟
طالب: نعم.
الشيخ: يحرم، أو ليتخذه مسرحًا للتمثيلات الخليعة وما أشبه ذلك فإنه حرام عليك أن تبيع عليه.
فالقاعدة إذن: هي كل بيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان فهو بيع محرم باطل.
طالب: ()؟
الشيخ: إذا كان لا يعلم فهو صحيح؛ لأن هذا لا يصح في وسعه وطاقته، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
هل يشترط العلم أن أعلم أنه يريد به المحرَّم أو يكفي غلبة الظن؟
يقول العلماء: إنه يكفي غلبة الظن، فإذا علمت أو غلب على ظنك أنه إنما يريد به المحرَّم صار حرامًا.
قال: (ولا عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه) يعني: لا يصح أن يبيع عبدًا مسلمًا للكافر، إلا إذا كان يعتق عليه بالشراء؛ سواء كان يعتق عليه بسبب من عنده أو بسبب شرعي، انتبهوا، لماذا؟ لأن بيع العبد المسلم على الكافر إذلال له، وقد سبق أن العبد إذا أسلم تحت يد كافر فإنه يجبر على إزالة ملكه، فإذا كان مجبرًا على إزالة ما كان في ملكه فكيف يصح أن نملكه من جديد؟ هذا لا يجوز.
فالعبد المسلم لا يصح أن يُبَاع لكافر؛ لما في ذلك من إذلال المسلم، لكن استثنى المؤلف قال: (إذا لم يعتق عليه) فإن كان يعتق عليه بسبب شرعي أو بسبب من عنده -أي: من عند المشتري- فإنه يجوز، كيف يجوز؟ لأن في ذلك مصلحة للعبد، والعبد لن يكون ملكًا لهذا الكافر إلا لحظة واحدة فقط.
[ ١ / ٤٤٠٥ ]
مثال الذي يعتق عليه بسبب شرعي إذا كان هذا العبد ابنًا لهذا الكافر أو كان أبًا له، فإن الإنسان إذا اشترى قريبًا بينه وبينه رحم فإن هذا القريب يعتق؛ يعني: لو اشترى أباه أو أخاه أو عمه أو ابنه أو كل ذي رحم محرم منه فإنه يعتق عليه بمجرد الشراء.
ومثال الذي يعتق عليه بسبب من المشتري أن يقول هذا الكافر: إذا اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فهنا إذا بعته عليه يكون حرًّا ولَّا لا؟ يكون حرًّا بمجرد الشراء، فوجه استثناء هذه المسألة أن في ذلك مصلحة للعبد، لا إذلال له؛ فلهذا جاز البيع.
قال: (وإن أسلم في يده أُجْبِرَ على إزالة ملكه، ولا تكفي مكاتبته) أي: مكاتبة العبد إذا أسلم عند الكافر ما تكفي مكاتبته، (لا تكفي مكاتبته) يعني: أنه لا تكفي مكاتبة الكافر لعبده إذا أسلم في يده.
وما معنى المكاتبة؟ المكاتبة: أن يشتري العبد نفسه من سيده، هذه المكاتبة، وهي جائزة، دلَّ عليها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وسميت كتابة؛ لأن الغالب أن العقد يكتب بين السيد وبين العبد، فسميت مكاتبة.
(لا تكفي مكاتبته) لماذا؟ لأنها ليست بإخراج عن ملكه، فإذا قال هذا الرجل الذي عنده عبد أسلم وهو كافر سيده، قلنا له: أزل ملكه، هبه لأحد، بعه على أحد، أعتقه، قال: لا، لكني أكاتبه هل يكفي ذلك؟ ما يكفي، لماذ؟ لأنكم تعلمون أن الكتابة: أن يشتري العبد نفسه من سيده بثمن مؤجل، في هذه المدة ما بين عقد الكاتبة إلى أن يؤدي هو عبد ولَّا غير عبد؟
طلبة: عبد.
الشيخ: عبد، إذن ما أزال ملكه.
وأيضًا ربما هذا العبد الذي اشترى نفسه من سيده بالثمن ربما يعجز في المستقبل، وإذا عجز عاد قنًّا: فحينئذٍ لا تكفي المكاتبة؛ لأنها ليست بإخراج عن ملكه، هذا واحد، ولأن العبد قد يعجز فيعود قنًّا فلا يزول المحذور.
طالب: ().
الشيخ: قد يبيع ويشتري حتى يحصل الدراهم.
[ ١ / ٤٤٠٦ ]
قال: (وإن جمع بين بيع وكتابة أو بيع وصرف صح في غير الكتابة) كيف جمع بين بيع وكتابة أو بيع وصرف؟ هذا إذا جمع الإنسان بين بيع وصرف؛ بأن باع بيته على فلان ومعه جنيهات دنانير، فقال: بعتك هذا البيت وهذه الدنانير بألف درهم، جمع الآن بين بيع وصرف، ولاحظوا أن الصرف نوع من البيع، لكنه بيع نقد بنقد، وسمي صرفًا قالوا: لأن الدراهم والدنانير يُسْمَع لها صريفٌ عند وضعها في الميزان أو عدِّها، فالصرف نوع من البيع، لكنه له أحكام خاصة، كما سيأتي -إن شاء الله- في باب الربا والصرف، إنما البيع إذا جمع بين بيع وصرف صورته أن يقول: بعتك بيتي وهذه الدنانير بألف درهم، جمع الآن بين بيع وصرف، يصح، ما فيه مانع البيع، والكتابة بأن يقول السيد لعبده: بعتك هذا البيت وكاتبتك بألف درهم، هل يصح البيع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، ما يصح، الكتابة فقط، لكن البيع ما يصح، لماذا لا يصح البيع؟ لأن العبد إلى الآن رقيق، فلا يصح.
لو أن العبد بعد أن كاتبه سيده اشترى من سيده بيتًا يصح، لكنه في مسألة الجمع لم يملك العبد كسبه، ما ملك كسبه إلى الآن؛ فلهذا تصح الكتابة، ولكن لا يصح البيع؛ لأن العبد إلى الآن لم يملك كسبه، فقد اجتمع الشيء وشرطه، ويشترط للشرط أن يتقدم على المشروط، هذا وجه المسألة في المذهب.
وقال بعض أصحابنا -بعض الفقهاء- قالوا: إنه يصح الجمع بين البيع والكتابة، ولا مانع من أن يجتمع الشرط مع المشروط؛ لأن المحذور أن يتأخر الشرط عن المشروط، أما إذا اقترن به فلا حرج.
فالآن -يا إخواني- يشترط لصحة البيع أن يكون المشتري ممن يصح تملكه، هذا العبد عند سيده، إذا باع السيد عليه بيته قبل أن يعتقه فالبيع غير صحيح، إذا باع بيته عليه بعد أن يعتقه فالبيع صحيح، إذا باع عليه بيته مع مكاتبته ففيه خلاف، المذهب لا يصح؛ لأنه ما تقدم الشرط.
والقول الثاني أنه يصح؛ لأن الشرط والمشروط اجتمعا في وقت واحد، فصح ذلك.
[ ١ / ٤٤٠٧ ]
والأقرب عندي أنه يصح، ولا مانع، الأقرب القول الثاني؛ وهو الصحة.
واعلم أن قول المؤلف: (صح في غير الكتابة) فيه إيهام عظيم، أيش الإيهام؟ أنه يقول: إذا صح في غير الكتابة أن معناه أن الكتابة لا تصح، والبيع يصح، هذا هو المتبادر من العبارة، ولكن المعنى: صح البيع في غير ما إذا جمع مع الكتابة، هذا معنى العبارة؛ فإنه إذا جمع مع الكتابة لا يصح.
لو جمع بين بيع وإجارة؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يصح.
قال: بعت عليك هذا البيت، وآجرتك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، ما تقولون؟ يصح؛ لكن يقول المؤلف ﵀: (ويقسط العوض عليهما) يعني: يوزع بالقسط، هذا معنى التقسيط؛ يوزع بالقسط، ففي الكتابة -مثلًا- باع عليه البيت وكاتبه بعشرة آلاف ريال، وقلنا: إن البيع لا يصح، والكتابة تصح، إذن كم تكون قيمة الكتابة؟ يقسط، فيقال -مثلًا-: هذا العبد يسوى خمسة آلاف ريال، وهذا البيت يسوى خمسة آلاف ريال، في كم تكون الكتابة الآن؟ بخمسة آلاف، ويقال: هذا البيت يساوي ألفين، والعبد يساوي ثمانية آلاف، تكون الكتابة بثمانية آلاف. المهم يقسط العوض في مسألة الصرف.
إذا جمع بين بيع وصرف هل يقسط العوض ولَّا لا؟ نقول: إن احتيج إلى ذلك قسط، وإن لم يحتج فإنه لا يقسط.
كيف يحتاج إلى ذلك؟ إذا قلت: بعت عليك هذا البيت وهذه الدنانير بعشرة آلاف ريال، وسلمتني أياها في مكان العقد، يصح البيع والصرف ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: شوف المثال قلت لك: بعت عليك هذه الدنانير وهذا البيت بعشرة آلاف درهم، وسلمتها لك في مجلس العقد، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح؛ لأن ما في شيء يقتضي الكتابة.
فإذا قلت: بعت عليك هذ البيت وعشرة دنانير بعشرة آلاف ريال، وسلمتني العشرة آلاف ريال، لكن ما سلمتك الدنانير، ويش اللي يصح؟ يصح بيع البيت، ولا يصح الصرف، أو لا؟
[ ١ / ٤٤٠٨ ]
لماذا لا يصح الصرف؟ لأنه لا بد من التقابض في مجلس العقد، ولم يحصل، حينئذٍ نحتاج إلى التقسيط ولَّا لا؟ نحتاج إلى التقسيط بحيث نعرف كم تساوي الدنانير بالنسبة لعشرة آلاف ريال، وكم يساوي البيت بالنسبة لعشرة آلاف، قالوا: إن البيت يساوي ثمانية آلاف ريال، والدنانير تساوي ألفي ريال، يصح البيع بكم؟ بيع البيت بثمانية آلاف ريال، ولا يصح بيع الدنانير؛ لأنه لم يستلم العوض في مجلس العقد.
(ويَحْرُم بيعُه على بيع أخيه) (يَحْرُم بيعُه) أي: بيع الإنسان، (على بيع أخيه) الشقيق؟
طلبة: لا.
الشيخ: أخيه المؤمن، إي نعم، أخيه المسلم؛ لقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ» (٤)، ولقوله ﵊: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» (٥)، فعلى هذا المراد بالأخ هنا مَنْ؟ أخوه في الإسلام، في الدين، فإن كان أخاه الشقيق وهو مثله مُسْلِم من باب أولى.
(يحرم بيعه على بيع أخيه) وفُهِمَ من قول المؤلف: (على بيع أخيه) أنه لو باع على بيع غير مسلم فهو جائز، وقد قال به بعض أهل العلم، وقالوا: إنه لا حرمة للكافر بالنسبة للمسلم، وقالوا أيضًا: إن الحديث «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»، وهذا ليس بأخ.
وذهب بعض أهل العلم إلى تحريم البيع على بيع الكافر الذي له حرمة، وهو الذمي، وقال: إن تحديد الحديث بالأخوة بناء على؟
طالب: الغالب.
الشيخ: الأغلب الكثير، وليس من السهل أن يظهر لغير المسلم أن المسلم يجترئ على العدوان على حقهم، فهنا الحق ليس من أجل الدين، لكن الحق من أجل العدوان على الغير، وهذا حرام في كل إنسان له حرمة.
وهذا أقرب إلى العدل؛ أنك لا تبيع على بيع أحد؛ سواء كان مسلمًا، أو كان ذميًّا؛ لأن الذمي له حرمة، وله حق.
[ ١ / ٤٤٠٩ ]
ولكن كيف البيع؟ قال: (بأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة) تصور رجل اشترى سلعة بعشرة وجاء بها إليك، قال: ما شاء الله، الحمد لله، شايف هذه السلعة بعشرة ريال رخيصة، قلت: لا، أنا أعطيك مثلها بتسعة، أيش يصير هذا؟ هل هذا بيع على بيعه ولَّا شراء على شرائه؟ بيع على بيع؛ لأن أنا الآن ببيع على بيع الرجل الذي باع عليه، هذا حرام؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (٥)، قال: إني اشتريتها بعشرة، فقلت: عندي لك أحسن منها بعشرة، ما قلت: بتسعة يجوز؟
طلبة: ().
الشيخ: إي، ما يجوز؛ لأني قلت: أحسن، فكما أنه سيرغب في الشراء مني لقلة الثمن سيرغب في الشراء مني لحسن المبيع والبضاعة.
إذن يكون لها صورتان، الصورة اللي ذكرها المؤلف والصورة التي ذكرناها، الصورة اللي ذكرها المؤلف بأن يقول: عندي مثلها بأقل، والصورة اللي ذكرنا: عندي أحسن منها بهذا الثمن، إذن لا يجوز.
طالب: ().
الشيخ: هو قد اشترى ().
الطالب: نعم.
الشيخ: ما يجوز ().
طالب: ().
الشيخ: إي، يعني قصدك المحاباة؟ هذه إذا علمنا بذلك أنني لو أخبرته بأن عندي مثلها بثمنها أنه سيحابيني ويرجع، هذا ما يجوز.
طالب: ()؟
الشيخ: ما فيه شيء، إذن ما تم العقد مع ذاك، هذا تم العقد معه؛ ولهذا قال: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (٥)، تم العقد.
الطالب: ().
الشيخ: ().
(شراؤه على شرائه)، ويش معنى (شراؤه على شرائه)؟ يعني: يَحْرُم أن يشتري الإنسان على شراء أخيه؛ مثل أن (يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة) عكس الأولى؛ جاء رجل إليَّ وقال: أما علمت أنني بعت بيتي بمئة ألف، هذا رخيص، أنا أعطيك مئة وعشرين، ويش يكون هذا؟ هذا شراء على شرائي؛ لأني الآن أبغي أشتري منك هذا اللي بعت، فيكون حرامًا، ما هو الدليل؟
[ ١ / ٤٤١٠ ]
الدليل الحديث الذي أشرنا إليه: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» إن كان لفظ (البيع) شاملًا للشراء فقد دلَّ الحديث عليه بالنص، وإن لم يكن شاملًا له فالحديث دالٌّ عليه بالقياس؛ لأنه لا فرق.
فهمنا الدليل، فما هو التعليل؟ التعليل أنه عدوان على حق أخيك فلا يحل؛ لأن العدوان على الإخوة، بل على من له الحرمة محرَّمٌ.
طالب: ().
الشيخ: (ليفسخ ويعقد معه) إذن المسألة إنما تكون فيما إذا تمكن من الفسخ، أما إذا لزم البيع فلا حرج عليك أن تبيع على بيعه، لكن ما دام البيع لم يتم فإنه يَحْرُم أن تبيع على بيعه، كيف لم يتم؟ يعني: ما فيه أحد بيتكلم مع شخص في مجلس العقد وبيقوله: أنا أعطيك مثلها بتسعة.
فالجواب: يمكن أن يقع ذلك في مجلس العقد ولَّا ما يمكن؟ () يعني: تسعة، ما يمكن هذا؟ يمكن.
صورة أخرى: يكون بين المتبايعين خيار شرط، وخيار الشرط أنه إذا اشترى يقول: لي الخيار يومين -مثلًا- ما يمكن هذا ولَّا لا؟ يمكن، لكن إذا لم يكن فيه خيار؛ لا شرط، ولا مجلس، وقد لزم البيع، فعلى كلام المؤلف يجوز؛ وذلك لأنه قال: (ليفسخ ويعقد معه)، فأفادنا بقوله: (ليفسخ) أن البيع والشراء إنما يكون حرامًا فيما إذا كان في زمن أيش؟ زمن الخيار، أما بعد لزوم البيع فلا حرج.
طالب: ().
الشيخ: يعني بعد لزومه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خلينا نفهم كلام المؤلف الآن، أفادنا المؤلف بقوله: (ليفسخ ويعقد) أنه بما إذا كان في زمن الخيارين؛ خيار الشرط، أو خيار المجلس، من أين أخذنا أن هذا مراد المؤلف؟ من قوله: (ليفسخ)؛ لأنه بعد لزوم البيع ما يمكن يفسخ إلا بسبب؛ كالعيب، وما أشبه ذلك، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو المذهب.
وقال بعض العلماء: إنه يحرم حتى بعد لزوم البيع، يحرم البيع على بيعه والشراء على شرائه حتى بعد لزوم البيع وانقضاء الخيار.
[ ١ / ٤٤١١ ]
مثاله: رجل اشترى بيتًا من شخص بمئة ألف وسلَّمه الدراهم وانتهى، فجاء هذا الرجل إلى شخص ثالث وقال: إني اشتريت البيت بمئة ألف، قال: أنا أعطيك أحسن منه بمئة ألف، أو مثله بثمانين ألفًا، الآن على كلام المؤلف يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز على كلام المؤلف؛ لأن البيع انتهى ولزم، والمشترى -مثلًا- ما يمكن يفسخ البيع.
لكن القول الثاني في هذه المسألة أنه يحرم أن تبيع على بيعه أو تشتري على شرائه.
كيف يحرم وهو ما يمكن يفسخ العقد؟ قال: نعم، يحرم؛ لأن ذلك يدخل عليه الندم ولَّا لا؟ يتندم، يقول: كيف أروح أشتري؟ هذه واحدة.
ثانيًا: يجعل في قلبه حقدًا على الذي غلبه، أو لا؟ يقول: هذا الرجل () عليَّ باع عليَّ بمئة، وهو ما يساوي إلا ثمانين؛ غلبني.
ثالثا: ربما يتحيل هذا الذي اشتراه، يتحيل ويدعي أنه () عيبًا أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يحاول فسخ البيع بحق أو ببعض.
فإذن يكون الضرر حاصلًا لو لم يكن فيه إلا أنه يندم ويعتقد أن الرجل هذا قد خدعه وغلبه لكان كافيًا.
طالب: ().
الشيخ: وهو؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم، وهذا أيضًا أنه إذا علم، لكن هذا ما يكون إلا إذا تمكن من الفسخ، إذا علم أن هذا الرجل راح يبيع عليه قد يكون في نفسه عليه شيء.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، هو قد يكون قيمته مئة ألف، لكن هذا عنده بيت تعبان من بقائه عنده ومحتاج إلى فلوس ()؛ يعني: قد يكون قيمته -أصلًا- مئة ألف () أنه غلبه، لكن لو فُرِضَ أنه غلبه، سيأتينا -إن شاء الله- في خيار الغبن، هل يثبت له الرد ولَّا لا؟
قال المؤلف: (ويبطل العقد فيهما) (يبطل العقد) في أيش؟ في بيعه على بيع أخيه، والشراء على شرائه، يبطل العقد، وإنما نص على بطلان العقد؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن العقد صحيح؛ لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المعقود عليه، وإنما يعود إلى أمر خارج؛ وهو العدوان على المسلم، فيكون العقد حرامًا، ولكنه صحيح.
[ ١ / ٤٤١٢ ]
قال: ويدل على ذلك أن هذا الذي باع على بيع أخيه لو أذن له الذي بيع على بيعه لكان العقد صحيحًا ولا شيء فيه، فإذن يكون التحريم غير عائد إلى ذات المنهي عنه، ويكون صحيحًا مع الإثم، لكن القول بالمذهب من باب السياسة ومنع الناس على العدوان يكون قولًا جيدًا.
مثال ذلك: هذا رجل باع على هذا الشخص بيته بمئة ألف، فجاء شخص ثالث وقال للمشتري: أنا أعطيك مثله بثمانين ألفًا، قال: الله يعافيك، إذن أهون، وذهب إلى البائع الأول وقال: خذ بيتك، عقد مع الثاني على ثمانين ألفًا، القول بأن هذا العقد باطل، هذا قول وإن لم يكن من حيث القواعد صحيحًا، لكنه من حيث السياسة ومنع العدوان يكون صحيحًا، علشان ما يعتدي أحد فيما بعد، فنقول الآن: بيعك هذا البيت غير صحيح، خذ بيتك، وأعطي هذا دراهمه، ويروح عاد يشتري ممن شاء.
طالب: إذا كان ()؟
الشيخ: (ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) فإنه لا يجوز، (من باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) أي: ما لا يُبَاع به؛ أي: بالشيء المبيع لا بالثمن.
(من باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه) أي: ثمن ذلك الربوي؛ أي: شيئًا لا يُبَاع به نائب الفاعل، (لا يُبَاع) يعود على أيش؟ يعود على الربوي، لا يُبَاع به نسيئة فإنه لا يجوز ولا يصح.
ولنضرب المثال لذلك حتى يتضح: بعت عليك بُرًّا مئة صاع بر بمئة ريال، ثبت في ذمتك الآن مئة ريال، فأتيت إليك وقلت: أبغي أشتري منك مئة صاع شعير بمئة ريال، الشعير بالبر هل يباع نسيئة أو لا؟ يعني هل يجوز أن تبيع بُرًّا بشعير مع تأخر القبض؟
طلبة: لا يجوز.
[ ١ / ٤٤١٣ ]
الشيخ: ما يجوز؛ لأن النبي ﵊ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعَيرُ بِالشَّعَيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٦)، فالبر بالشعير لازم يدًا بيد، عرفتم أو لا؟
أنا بعت عليك الآن مئة صاع بر بمئة ريال، أتيت إليك لأقبض الثمن فقلت: خذْ هذا الشعير بدل الثمن، خذ هذا الشعير مئة صاع شعير بدل الثمن، يقول المؤلف: إن هذا ما يجوز، حرام، لماذا؟ قال: لأنه ربما يتخذ حيلة على بيع ربوي بما لا يباع به نسيئة في صورة عقد ولَّا لا؟ يعني بدلًا من أن يقول: خذ هذا البر بشعير تعطيني إياه بعد شهر، أقول: أبيع عليك الآن البر بقروش، وبعد الشهر أجيء وآخذ منك الشعير بهذه الفلوس، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ ممكن، لكن يبدو لي أنه ما دخل أذهانكم إلى الآن.
طالب: فهمنا.
الشيخ: فهمت؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أنا -مثلًا- أريد أن اشتري شعيرًا، أنا عندي بُرٌّ كثير جدًّا صاحب المزرعة، لكني محتاج إلى شعير؛ لأن عندي خيلًا أريد أن أطعمها الشعير، لكن ما عندي شعير، جئت إلى هذا الرجل قلت: تعال أبغي أعطيك صاعًا من البر بصاع من الشعير، قال: ما عندي، تيجي بعد شهر () وأعطيك شعيرًا، قلت: طيب، خذ هذه مئة صاع بُرٍّ بمئة صاع شعير بعد شهر، ويش تقولون في هذا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز، أضفنا حيلة الآن قلت: بعت عليك مئة صاع البر بمئة ريال، تم العقد ولَّا ما تم؟
[ ١ / ٤٤١٤ ]
بعدما مضى الشهر ()، أعطني مئة صاع شعير بمئة ريال اللي عندك لي، يصير حيلة ولَّا ما يصير؟ يصير حيلة، قالوا: فهذا ربما يكون حيلة لبيع ربوي بما لا يباع به نسيئة مع تأخر القبض، والحيل ممنوعة شرعًا؛ لقول النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٧).
ولأن الله تعالى قال في الذين اعتدوا في السبت وتحيلوا عليه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، عرفتم يا جماعة الآن؟ () بعت عليك بُرًّا بمئة ريال، هذا واحد.
بعد مدة () أنا أعطيتك البر ()، بعد مدة جئت إليك، وقلت: أبغي اشتري منك شعيرًا بمئة ريال يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، هذا معنى قول المؤلف: (ومن باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) () شيئًا (لا يُبَاع به) أي: بما باعه (نسيئة) فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه قد يكون حيلة على بيع ربوي بما لا يُبَاع به نسيئة مع تأخر القبض، هذه العلة.
وقال الموفق ﵀ صاحب المقنع اللي هو أصل الكتاب هذا قال: إن ذلك جائز؛ لأن قصد الحيلة في هذا قريب ولَّا بعيد؟ بعيد؛ يعني أنه بدل ما يقول: خذ هذا البر بشعير بعد شهر أنه يقول: أبغي أبيعه عليك، ثم () هذا ()، لكنه بعيد.
وقال شيخ الإسلام ﵀توسط في هذه المسألة- قال: إن كان هناك حاجة فلا بأس، وإن لم يكن حاجة فهو حرام ما يجوز.
[ ١ / ٤٤١٥ ]
مثال الحاجة: لما انتهى الأجل اللي بيني وبينك، أنا بعت عليك مئة صاع بر بمئة ريال إلى مدة شهر، انتهى الأجل، أتيت إليك قلت: أعطني الدراهم، قلت: واللهِ، ما عندي دراهم، لكن عندي شعير، أبغي أعطيك إياه بالقيمة، هذه حاجة ولَّا لا؟ حاجة، فعند شيخ الإسلام يقول: مع الحاجة تصح؛ لأنه لما وجدت حاجة انتفت الحيلة، ولَّا لا؟ إذا صار هناك حاجة ما فيه حيلة بين أن الأمر ما فيه احتيال أبدًا، وأن هذا الرجل الذي بعت عليه البر لو كان عنده فلوس لأعطاك الفلوس، ما فيه تحيل أبدًا.
وكلام شيخ الإسلام ﵀ أقرب إلى الصواب، وكلام الموفق أقرب إلى الصواب من المذهب؛ لأن المذهب في هذه المسألة بعيد.
والحاصل أن الرجل إذا باع شيئًا مما يجري فيه الربا واعتاض عن ثمن ذلك الشيء ما لا يُبَاع به نسيئة ففيه لأهل العلم ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يصح؛ سدًّا للباب وخوفًا من التحيل، وهذا المذهب.
والقول الثاني: الجواز مطلقًا، وتعليل هذا القول أن الحيلة فيه بعيدة، وما كانت الحيلة فيه بعيدة وغير ظاهرة فإنه داخل في عموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فيكون جائزًا.
القول الثالث: أننا إذا علمنا انتفاء الحيلة جاز، وإذا كان فيه احتمال للحيلة لم يجز.
إذن ما هو مناط الحكم؟ الحاجة إذا كان هناك حاجة فلا بأس، وإذا لم يكن حاجة فهو حرام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا من الغرائب؛ لأن العادة أن شيخ الإسلام ﵀ في مسائل البيوع الغالب أنه أضيق من المذهب، لكن هذه المسألة صار أوسع من المذهب؛ إذ إن المذهب المنع مطلقًا، والشيخ يقول: للحاجة جائز.
طالب: () الحيلة تكون يعني جائزة ()؟
الشيخ: لا، أبدًا، المذهب ما تجوز مطلقًا.
طالب: لو اشترى بُرًّا () محظور؟
الشيخ: لا.
[ ١ / ٤٤١٦ ]
أو اشْتَرَى شيئًا نَقْدًا بدونِ ما باعَ به نَسيئةً، لا بالعكْسِ، لم يَجُزْ، وإن اشتراهُ بغيرِ جِنسِه أو بعدَ قَبْضِ ثَمَنِه، أو بعدَ تَغَيُّرِ صِفَتِه، أو من غيرِ مُشتَرِيهِ، أو اشْتَرَاهُ أبوه، أو ابنُه -جازَ.
(باب الشروط في البيع)
منها (صحيحٌ) كالرَّهْنِ، وتأجيلِ الثَمَنٍ،
منها (صحيحٌ) كالرَّهْنِ، وتأجيلِ ثَمَنٍ، وكونِ العبدِ كاتبًا أو خَصِيًّا أو مُسْلِمًا، والأَمَةِ بِكْرًا، ونحوِ أن يَشْتَرِطَ البائعُ سُكْنَى الدارِ شَهْرًا، وحُمْلانَ البعيرِ إلى مَوضعٍ مُعَيَّنٍ، أو شَرَطَ الْمُشْتَرِي على البائعِ حَمْلَ الْحَطَبِ أو تكسيرَه، أو خياطةَ الثوبِ أو تَفصيلَه، وإن جَمَعَ بينَ شَرطينِ بَطَلَ البيعُ.
ومنها (فاسدٌ) يُبْطِلُ العَقْدَ، كاشتراطِ أحدِهما على الآخَرِ عَقْدًا آخَرَ، كسَلَفٍ وقَرْضٍ، وبيعٍ وإجارةٍ وصَرْفٍ،
وإن شَرَطَ أن لا خَسارةَ عليه،
(بدون ما باع به نسيئة) (اشترى شيئًا نقدًا) أنتم عرفتم المسألة الأولى ()؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة) إنسان اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع، فيها ضمير محذوف، التقدير: اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باعه به نسيئة، أيش معنى نسيئة؟ مؤخر، نسيئة؛ يعني: مؤخر.
عندنا الآن شيئًا بيع بثمن نسيئة، ثم اشتراه؛ أي: اشترى ذلك الشيء نقدًا بدون ما باعه به، فهمتم المعنى الآن؟
أقل بدون أقل، المثال: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف لمدة سنة، الآن بعت بأيش؟ نسيئة ولَّا نقدًا؟
الطلبة: نسيئة.
الشيخ: نسيئة، رجعت إليك من الغد، واشتريته منك بثمانين ألفًا نقدًا أعطيتك إياها، اشتريته الآن نقدًا بأقل مما بعته به نسيئة، تصورتم المسألة الآن؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا لا يجوز، وهي مسألة العِينة؛ العينة عندنا يقولون: إذا بدأ البلح بدأ يكون رطبًا، نقول: طرحت العينة، هل المراد هذا؟
الطلبة: ().
[ ١ / ٤٤١٧ ]
الشيخ: العينة () العينة مأخوذة من العين، العين هو النقد، ومنه قول الشاعر:
أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا
فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُهْ
(أندَّانُ أم نعتانُ) العينة هي النقد، فهذه مسألة العينة، وهي التي قال فيها الرسول ﵊: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالْحَرْثِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ» إلى آخر الحديث: «سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (١)، هذه مسألة العينة.
مثالها: بعت عليك بيتًا بمئة ألف إلى أيش؟
الطلبة: سنة.
الشيخ: سنة، متى آخذ الثمن منك؟
الطلبة: بعد سنة.
الشيخ: بعد سنة، رجعت إليك وقلت: أعطني البيت هذا بثمانين نقدًا، خذ هذه الثمانين، هذه هي مسألة المؤلف، وتسمى مسألة العيينة، هذه لا تجوز.
الدليل: الحديث الذي أشرت إليه: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ».
التعليل لأنها حيلة ظاهرة على الربا؛ ولهذا قال ابن عباس فيها: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة (٢)؛ يعني: ثياب، بعتك ثوب حرير -مثلًا- بكذا وكذا إلى مدة شهر، ثم رجعت، وأخذت منك الثوب بأقل، إحنا الآن نقول في مسألة اللي إحنا مثَّلنا فيها دراهم بدراهم: دخل بينهما؟
الطلبة: بيت.
الشيخ: دخل بينهما بيت، الآن بدل ما أقول: خذ ثمانين ألف ريال إلى مئة ألف ريال بمئة ألف ريال إلى سنة، ويش سويت؟
الطلبة: ().
الشيخ: كيف بعت عليك البيت بمئة ألف ريال وبُكرة () هذا البيت بثمانين ألف ريال خذها نقدًا، واضح الحيلة فيها ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٤٤١٨ ]
الشيخ: واضح، الحيلة في هذه واضحة، وهي وإن كان في بعض الأحيان قد لا تكون حيلة، لكن العبرة بالظاهر؛ يعني: ربما أني أبيع عليك هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، ثم بعد شهر ترغب عنه ما تبيع () البيت ما تبغي تبيعه، طلعت () عليه وأنا اشتريته بثمانين، الحيلة هنا بعيدة ولَّا لا؟
الطلبة: بعيدة.
الشيخ: الحيلة بعيدة، لكن مع ذلك سدًّا للذريعة لئلا يدعي مدعٍ أنه ما أراد الحيلة، حُسمت هذه المسألة، وصار هذا البيع حرامًا.
البيع الثاني حرام؛ لأن المؤلف يقول: (أو اشترى شيئًا نقدًا) فالمحرم الشراء ولَّا البيع الأول؟
طالب: الشراء.
الشيخ: الشراء هو اللي حرام، البيع الأول حلال ولَّا حرام؟
طالب: البيع الأول حلال.
الشيخ: نعم، كلام المؤلف يقول: إن البيع الأول حلال، لكن إذا علمنا أنهم اتخذوا ذلك حيلة علمنا أنهم فعلوا هذه الصورة التي ظاهرها الإباحة حيلة من الأصل، فإن البيع الأول يكون باطلًا أيضًا؛ لأنه صار وسيلة إلى محرَّم، ووسائل الحرام حرام أيضًا.
شوف العلماء ﵏، بل الشريعة الإسلامية كيف تسد الباب سدًّا منيعًا بالنسبة للربا؛ لأن النفوس مجبولة على حب المال، فهي تتحيل عليه بكل وسيلة، وحماية الشرع لجناب الربا وإبعاد الناس عنه أمر ظاهر في الشريعة، مثلما حمت الشريعة جانب التوحيد وأبطلت كل ما يمكن أن يكون وسيلة إلى الشرك، كذلك في الربا؛ حيث إن النفوس تطلبه وتحبه سدت الشريعة كل باب يمكن أن يُوصِل إلى الربا، والربا ليس بالأمر الهين، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب الربا من أعظم الذنوب، ما يوجد معصية علقت عليها عقوبة وهي دون الكفر مثل الربا.
هذه إذا (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة) فإنه لا يجوز، لكن قال المؤلف: (لا بالعكس) العكس ما هو؟
الطلبة: ().
الشيخ: اشترى شيئًا.
طالب: اشترى شيئًا بثمانين.
[ ١ / ٤٤١٩ ]
الشيخ: بأكثر، ويحتمل عكسًا آخر أنه باعه بنقد فاشتراه بمؤجل؛ لأن كلمة (لا بالعكس) لا تعني: لا بأكثر فقط، بل يحتمل أنها عكس مسألة العينة، ويحصل أنها عكس الأقل.
مثال ذلك: بعت عليك هذا البيت بثمانين ألفًا نقدًا، أعطيتني إياها، ثم بعد أن بعت عليك بثمانين ألفًا نقدًا اشتريته أنت بمئة ألف نسيئة.
طالب: اشترى () الأول.
الشيخ: () الأول، يكون هذا عكس مسألة العينة، هذه المسألة فيها عن الإمام أحمد روايتان: رواية بالجواز، ورواية أخرى بالمنع، أما رواية الجواز فيقول: إن هذا إذا لم نقل به لكان الأصل حل البيع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأما رواية المنع فإنهم يقولون: فإن وجهها أنه لما حرُمت مسألة العينة لكونها قد تكون ذريعة، فهذا أيضًا قد تكون ذريعة، وأما إذا باعها بثمن مؤجل واشتراها بأكثر منه نقدًا، فهذه لا شك أنها جائزة أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنه ما يمكن هذا يكون إلا عن سبب.
(لا بالعكس) نقول: كلمة (لا بالعكس) تحتمل معنيين؛ المعنى الأول: لا بأكثر، والمعنى الثاني: عكس مسألة العينة، وأيش معنى (لا بأكثر)؟ بعت عليك هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، ثم اشتريته منك بمئة وعشرين نقدًا يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز هذا، ما فيها محظور إطلاقًا، لكن هل يمكن أن يقع هذا؟
الطلبة: يمكن يا شيخ.
الشيخ: لا، يمكن () يمكن تزيد الأشياء، هذا البيت بعته عليك بمئة ألف ريال؛ لأن الأشياء رخيصة، ثم زادت؛ ارتفعت قيمة العقار، واشتريته منك بمئة وعشرين نقدًا، هذا ممكن، فإذا كان ممكنًا فإنه جائز.
عكس مسألة العينة وأيش هو؟ أن أبيع عليك هذا البيت نقدًا بثمانين أخذت الثمانين، اشتريته منك مؤجلًا بمئة، صار في ذمتي لك الآن مئة ألف ولَّا لا؟ وأنت أيش أعطيتني؟
الطلبة: ثمانين.
[ ١ / ٤٤٢٠ ]
الشيخ: ثمانين، ففيه احتمال أن تكون حيلة؛ ولهذا صار فيها عن الإمام أحمد ﵀ روايتان؛ رواية بالجواز، ورواية بالمنع، أيهما أقرب إلى الصواب؟
طلبة: الجواز.
طلبة آخرون: المنع.
الشيخ: الأقرب المنع؛ لأنه كما يتحيل في الأولى يتحيل في الثانية بلا شك.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، بارك الله فيك.
(لا بالعكس) تحتمل معنيين أحدهما، (لا بالعكس) في مقابل بدون ما بعده، فالمعنى: لا بأكثر، والثاني: لا بالعكس، عكس الصورة؛ صورة العينة، وفيها روايتان عن الإمام أحمد: رواية بالجواز، ورواية بالمنع، والله أعلم.
(تمرًا) بمعنى أننا نخرص الرطب اللي على النخلة، نخرصه لو كان يابسًا، كم يأتي النصاب؟ صار هذا الرطب اللي في النخلة إذا كان يابسًا يأتي -مثلًا- خمسين صاعًا، فقال الفقير: أنا الآن أعطيك خمسين صاعًا في هذا الرطب، يجوز ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز إذا كان ما عندك فلوس، محتاج الآن، أما إذا كان عنده فلوس فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ سئل عن بيع التمر بالرطب فقال: «أينقص إذا جف؟» يعني: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، فنهى عنه (٣).
فالحاصل أن شيخ الإسلام ﵀ كلامه أقرب إلى الصواب، وهو قول وسط بين القولين.
يقول المؤلف: (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة) صورة المسألة؟
طالب: العينة.
الشيخ: ما أريد اسمها، أنا أريد الصورة.
الطالب: صورتها أنه يشتري البيت () بمئة ألف نقدًا ثم ..
الشيخ: لا.
الطالب: أن يبيع دارًا نسيئة بمئة ألف.
الشيخ: بمئة ألف إلى سنة.
الطالب: ثم يشتريها بثمانين ألف نقدًا.
الشيخ: أحسنت، صح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا معنى قوله: (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة)، هذه صورة المسألة، باع هذا البيت ()، وفي رواية: أنها تجوز إذا لم تكن حيلة، ورواية أخرى: أنها لا تجوز، وهو المذهب؛ أنها لا تجوز سدًّا للباب مع أن اتخاذها حيلة أقل من () العينة ولَّا لا؟
[ ١ / ٤٤٢١ ]
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنه يبعد أن الإنسان -مثلًا- يبيع شيئًا نقدًا، إلا أن البيع صحيح، ما أراد التحيل، ثم بعد ذلك يرغب أنه يسترجع البيت وهو ما عنده فلوس يقول لك: آخذه منك بأكثر مما بعته عليك إلى أجل، ولكن الذي ينبغي في هذه المسألة أن يقال: إذا كان هناك حاجة جاز، وأما إذا لم يكن حاجة فإن سد الباب فيها أولى.
كيف الحاجة؟ هذا الرجل الذي باع بيته بثمانين ألف ريال نقدًا أخذ الدراهم، ثم إن الرجل فتش ما وجد بيتًا يصلح له، والدراهم التي سلمت له نفدت، فرجع واشترى البيت بثمن مؤجل، هذه حاجة ولَّا لا؟
الطلبة: حاجة.
الشيخ: حاجة، أما إذا كان عنده الثمن فإنه ينبغي أن تُمنع؛ لئلا يتهاون الناس في مثل هذه الأمور، فيتبايعون بالعينة، وهذه مسألة الربا -كما قلت لكم من قَبْلُ-: النفوس مجبولة على محبة الربح، فإذا سدت جميع الطرق كان ذلك أبلغ في الزجر، إي نعم.
قال المؤلف: (وإن اشتراه بغير جنسه) أي: اشترى الذي باعه مؤجلًا اشتراه بنقد، لكن بغير جنس النقد، مثل أن يكون قد باعه بذهب، فيشتريه بفضة، يقول المؤلف: إن ذلك جائز؛ لماذا؟ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز ولَّا لا؟ جائز، وإذا كان جائزًا فلا حرج؛ لأننا منعنا فيما إذا اشتراه بأقل مما باعه نسيئة واشتراه نقدًا، عللنا بذلك بأنه باع دراهم بدراهم مع التفاضل، وجعل هذه السلعة واسطة.
فإذا باع الإنسان دنانير بدراهم يجوز فيها التفاضل ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: دنانير بدراهم؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز فيها التفاضل؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: دنانير بدراهم، الدنانير ذهب، والدراهم فضة، يجوز التفاضل ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، معلوم، ما فيه شك، ما أحد يقول: بعِ الدرهم بوزنه ذهبًا.
إذن يقول المؤلف: إذا اشتراه بغير جنسه فلا بأس، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان جنسه مما يجري فيه ربا النسيئة بينه وبين الثمن فإنه يجوز، انتبهوا الآن.
[ ١ / ٤٤٢٢ ]
بعت هذا البيت بمئة دينار، مئة الدينار تساوي ألف درهم، بعت عليه مؤجلًا بمئة دينار، تساوي مئة الدينار كم؟
طالب: ألف درهم.
الشيخ: ألف درهم، ثم رجعت إليه واشتريته بثمان مئة درهم نقدًا، ماذا نقول في كلام المؤلف يجوز ولَّا لا؟ على كلام المؤلف يجوز؛ لأني اشتريته بغير ما بعته به فيجوز؛ لماذا؟ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز، ولا يجري بينهما ربا الفضل.
لكن الصحيح أنه لا يجوز إذا اشتراه بثمن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن الذي باعه به؛ لماذا؟ لأننا نقول: وإن انتفى ربا الفضل، لكن عندنا ربا النسيئة، وربا النسيئة ممنوع شرعًا، وقد يتحيل الإنسان عليه بمثل هذه الصورة.
نحن نعلم أن بيع الدراهم بالدناينر لا بد فيه من القبض ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: بيع الدراهم بالدناينر لا بد فيه من القبض، فربما يأتي إنسان يقول: أنا ما عندي دنانير أبابِيع هذا بالدراهم، أو أببعه بدنانير واشتريه بدراهم، وحينئذٍ أكون قد بادلت دراهم بدنانير مع تأخير القبض، نعم لو أنني بعت بمئة درهم إلى سنة، ثم اشتريته بمئتي كيلو تمر نقدًا، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: هذا يجوز، ولا إشكال فيه، ليش؟ لأن التفاضل بين الدراهم والتمر جائز ولَّا غير جائز؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: التفاضل بين الدراهم والتمر جائز؟
الطلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: عجيب! يجوز؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يجوز أبيع عليك تمر زنته مئة رطل بفضة زنتها رطل واحد، يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، النسيئة بين التمر والدراهم؟
طالب: يجوز.
الشيخ: تجوز؟
طالب: غير جائزة.
الشيخ: لا، تجوز، الصحابة ﵃ كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين (٤)، ومعنى يسلفون فيها: يعطون دراهم ().
[ ١ / ٤٤٢٣ ]
إذن التفاضل والنسيئة بين الدراهم وبين الثمر جائز، فإذا جاز التفاضل والنسيئة بينهما على وجه صريح، فهذه المسألة أن يبيعه -مثلًا- بتمر وأشتريه بدراهم، تجوز ولَّا ما تجوز؟ تجوز من باب أولى.
أعيد مرة ثانية، في المسألة الصور الثلاث؛ بعت عليك هذا البيت بألف درهم لمدة سنة، واشتريته بثمان مئة درهم نقدًا.
طالب: على كلام المؤلف يكون جائزًا.
الشيخ: لا، ما يجوز، على كلام المؤلف ولا غيره، ما يجوز.
بعت عليك بمئة درهم لمدة سنة، ثم اشتريته بثمانين درهمًا نقدًا.
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وأيش تسمى المسألة هذه؟
الطلبة: مسألة العينة.
الشيخ: هذه مسألة العينة.
الصورة الثانية: بعته عليك بعشرة دنانير إلى سنة، تساوي العشرة مئة درهم، ثم اشتريته نقدًا بثمانين درهمًا، ما تقولون؟ على كلام المؤلف تجوز، ليش؟ لأن الثمن الذي اشتريته به ليس من جنس الثمن الذي بعت به.
الصورة الثالثة: بعته عليك بمئة درهم إلى سنة، ثم اشتريته بمئة كيلو تمر نقدًا، وأيش تقولون فيها؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: جائز، حتى على كلام المؤلف؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه داخل في قوله: (بغير جنسه) حتى على كلام المؤلف.
عندنا الآن ثلاث صور يا إخوان؛ إذا اشتراه بجنس الثمن فهو حرام، قولًا واحدًا.
إن اشتراه بغير جنسه مما لا نسيئة بينه وبين الثمن، يجوز أيضًا قولًا واحدًا.
إذا اشتراه بغير جنسه لكن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن، فعلى كلام المؤلف: يجوز، وعلى القول الراجح: لا يجوز.
[ ١ / ٤٤٢٤ ]
وجه القول الراجح أننا نقول: وإن كان ربا الفضل بين الثمن الأول والثاني جائزًا، لكن ربا النسيئة ممنوع، وهذا قد يُتَّخَذ حيلة على بيع الذهب بالفضة مع التأجيل، وبيع الذهب بالفضة مع التأجيل جائز ولَّا غير جائز؟ غير جائز، إذن فالقول الراجح أن نضيف قيدًا؛ إن اشتراه بغير جنسه نضيف قيدًا على القول الراجح ما هو؟ مما تجوز النسيئة بينه وبين ثمنه الأول، وأظن واضح الآن، أما على كلام المؤلف فإنه يعم هذه الصورة وغيرها.
(أو بعد قبض ثمنه) اشتراه بعد قبض ثمنه بأقل فلا بأس به، وبأكثر معلوم لا بأس به، كيف بعد قبض ثمنه؟
أنا بعت عليك هذا البيت بألف درهم لمدة سنة، لما تمت السنة أعطيتني الدراهم برئت ذمتك ولا علاقة بيني وبينك، الآن رجعت إليك فاشتريته بثمان مئة درهم بدل الألف، جائز ولَّا لا؟ جائز؛ لأني ما فيه حيلة، الآن أنت استوفيت الثمن، وما بقي لي عندك شيء، فإذا كان بعد القبض فإنه يجوز () بأكثر وبأقل وبمساوٍ.
ثانيًا: اشتراه (بعد تغير صفته) إذا اشتراه بعد تغير صفته أنا بعت عليك هذا البيت بعشرة آلاف درهم، لكن جاءت أمطار وسيول كثيرة وتهدم بعض البيت، فاشتريته منك بأقل، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طالب: بعد القبض يجوز.
الشيخ: لا، قبل القبض، بعت عليك هذا البيت بعشرة آلاف درهم لمدة سنة، وبعد مضي خمسة أشهر أتيت إليك واشتريته منك بثمانية آلاف درهم أقل ولَّا أكثر؟
الطلبة: أقل.
الشيخ: أقل، لكن البيت تغيرت صفته؛ تهدم بعضه، تكسر بعض زجاجه، وما أشبه ذلك، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه يجوز، لماذا يجوز؟ قال: إننا نجعل النقص في الثمن في مقابل تغير الصفة، وحينئذٍ لا حيلة.
وكلام المؤلف هنا صحيح، لكن بشرط أن يكون نقص الثمن بقدر ما نقص من الصفة؛ لئلا يكون نقص الثمن من أجل التعجيز؛ يعني: كلام المؤلف الآن نقول: هو صحيح، لكن بشرط أن يكون النقص بقدر نقص الصفة.
[ ١ / ٤٤٢٥ ]
فالآن إذا بعت عليك بعشرة آلاف درهم واشتريته بثمانية آلاف، كم نقص من الثمن؟
طالب: عشرون.
الشيخ: ودي بالنسبة أحسن.
طالب: الخمس.
الشيخ: الخمس، ينظر () البيت الآن هل نقص بتغير صفته خُمس قيمته، أو نقص أكثر، أو نقص أقل، إذا قالوا: إنه نقص خمس قيمته أو أكثر يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، أما إذا قالوا: لا، أبدًا ما نقص بالتغير إلا واحد من عشرة، فهل يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز، انتبه؛ لأنك الآن إذا أخذته بثمانين نقصت أكيد العشرة، وإذا قالوا: ما نقص إلا واحد من عشرة معناها أن النقص اللي أنت جعلته فيه بالعشرة جعلت هذا الزائد في النقص في مقابل التأجيل، فتكون هذه هي مسألة العينة.
إذن بعد تغير صفته كلام المؤلف في هذا صحيح، لكن يجب أن يُزاد: بشرط أن يكون النقص عن الثمن الأول بقدر ما نقص البيت بسبب تغير الصفة.
ما تقولون في رجل باع سيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، الرجل الذي اشتراها () تنقص ولَّا تزيد؟
الطلبة: تنقص.
الشيخ: أو تزيد -يا أخي- تأخذ مرونة المشي.
طالب: تنقص.
الشيخ: تنقص، طيب، اشتراها نقدًا، كم قلنا باعاها؟
طالب: بعشرين ألف.
الشيخ: بعشرين ألف اشتراها نقدًا بعد أن () مدة بخمسة عشر ألفًا نقدًا، تجوز ولَّا لا؟
الطلبة: تجوز.
الشيخ: على ظاهر كلام المؤلف أنه جائز بدون شرط، لكني قلت: لا بد أن نشترط الآن نقصت خمسة عشر من عشرين، نقصت الربع، فينظر هل السيارة نقصت قيمتها مقدار الربع بسبب استعمال الرجل لها أم لا؟ إذا قالوا: ما نقصت إلا الخمس، هل يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنك الآن نقصت من مقدار الصفة، ويكون هذا النقص في مقابل التأجيل.
[ ١ / ٤٤٢٦ ]
فإن قالوا: نعم، السيارة الآن نقصت من الربع فأكثر، فيكون البيع حينئذٍ جائزًا، ترى هذه المسألة يقع فيها كثير من الناس، لا بد أنتم طلبة العلم تفهمونها جيدًا، صار إذا اشتراها بأقل مما باعها به بعد تغير الصفة فهو جائز مطلقًا، على كلام المؤلف، ولكن الصحيح أنه يجب أن يُقَيَّد بأن يكون ما نقصه من الثمن بقدر مساوٍ لما نقص بتغير الصفة مساوي ()
ما رأيكم في تغير السعر؟ يعني مثلًا أنا بعت هذه السيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، ثم نزلت السيارات فاشتريتها بخمسة عشر ألفًا نقدًا، هل يُعْتَبر تغير السعر؛ يعني الرجل إلى الآن ما استعملها، فهل نقول: إن تغير السعر نقص أو لا؟
الطلبة: إي نعم، نقص.
الشيخ: المذهب أنه ليس بنقص، وأن العبرة بتغير الصفة نفسها؛ نفس السلعة، أما تغير السعر فهو ليس متعلقًا بذات المبيع، فلا يعتبر، والقول بذلك جيد؛ لأنه يُخشى أن أحدًا يتوهم أو يتحيل أو يدعي أن أسعار السيارات -مثلًا- نقصت، فيقول: أنا -واللهِ- ما أعطيته أقل مما بعت إلا لأن السعر نقص، وعلى كل حال فإن قلنا بالجواز ..، إن قلنا بأن تغير السعر كتغير الصفة فلا بد أن يكون النقص عن الثمن الذي باعه به مساويًا لتغير السعر، فإن كان النقص أكثر فهو ما يجوز.
اشتراه من غير مشتريه باع شيئًا بثمن مؤجل، واشتراه بأقل، لكن من غير مشتريه؛ يعني: اشتراه بأقل من غير مشتريه.
مثال ذلك: بعت هذه السيارة بخمسة عشر ألفًا لمدة سنة، ثم إن الذي اشتراها باعها على شخص بثمن أكثر أو أقل ما يهم، اشتريتها أنا من الشخص الثاني بأقل مما بعتها به نقدًا، فاشتريتها بعشرة آلاف نقدًا، يقول المؤلف: إن هذا جائز، وهو صحيح؛ لأن هنا ما فيه حيلة إطلاقًا؛ إذ إن المعاملة صارت مع طرف ثالث.
فعلى هذا: إذا رأيت أن هذا الذي اشترى مني هذه السلعة بثمن مؤجل قد باعها فإنه يجوز لي أن اشتريها بأقل، ولا حرج في ذلك.
طالب: ().
[ ١ / ٤٤٢٧ ]
الشيخ: () شيء محرم () أنه إذا اشتراه شراء حقيقيًا بدون أن يكون صوريًّا.
(أو اشتراه أبوه) أبو البائع اشترى هذه السلعة بأقل، أنا -مثلًا- بعت هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، فاشتراه أبي بثمانين ألفا نقدًا، يجوز () تعدد العقد، فالذي اشتراه غير الذي باعه، لكن بشرط ألَّا يكون شريكًا لابنه الذي باع هذا البيت، فإن كان شريكًا له فكأنه هو الذي اشتراه، فلا يجوز.
وكذلك لو اشتراه ابنه، ابن من؟
الطلبة: ابن البائع.
الشيخ: ابن البائع، رجل باع هذا البيت بمئة ألف درهم لمدة سنة، ثم اشتراه ابنه -ابن البائع- بثمانين نقدًا، يصح؟ نعم؛ لأن العقد صار مع ثالث، فلا محظور فيه، ولكننا نضيف إلى هذا الشرط الذي ذكرناه؛ وهو ألَّا يكون الابن شريكًا لأبيه، فإن كان شريكًا فإنه قد دخل ملكه، فلا يجوز.
خلاصة هذا البحث: أن الأشياء التي قد تكون وسيلة إلى الربا فهي حرام، وإنما قلنا: بالتحريم؛ سدًّا لذريعة الربا؛ لأن الربا مما تدعو النفوس إليه، فإذا حُجز بهذه الحواجز فإن ذلك يكون () له، وربما يكون إعدامًا له.
طالب: ().
الشيخ: يكون كما لو اشتراه هو، فإذا قال لابنه: يا بني، اذهب فاشتريه، صار وكيلًا له.
الطالب: ()؟
الشيخ: حتى لو اشتراه الابن () ما فيه مانع.
الطالب: ()؟
الشيخ: () من أيش؟
الطالب: أنه يتحيل على ().
الشيخ: أصله الكاسب الآن () الأب الكاسب، الابن ما له دخل، إلا إذا كان وكيلًا أو شريكًا، إذا كان وكيلًا فهو قائم مقام البائع، وإذا كان شريكًا فإن جزءًا منه سيعود إلى البائع.
***
[باب الشروط في البيع]
ثم قال المؤلف: (باب الشروط في البيع) الشروط جمع (شرط)، وهو في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها ().
[ ١ / ٤٤٢٨ ]
وأما في اصطلاح الأصوليين فالشرط هو: الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، ويختلف عن السبب بأن السبب يلزم من وجوده الوجود، ويشتركان في أنهما يلزم من عدمهما العدم.
مثال ذلك: من شروط صحة الصلاة الوضوء، فإذا عدم الوضوء عدمت الصحة، وإذا وجد الوضوء فهل توجد الصحة؟ لا، ما هو لازم، لا يلزم من وجوده الوجود؛ قد يوجد الوضوء ولا تحصل الصلاة أصلًا، يمكن يتوضأ الإنسان ويبقى على وضوئه، ثم ينتقض وضوؤه وما صلى، ويمكن يتوضأ ويصلي، لكن يكون هناك مُفْسِد آخر للصلاة غير فوات الشرط.
وأما الشرط في الشيء هذا الذي تكلمنا عنه هو شرط الشيء، شرط الشيء هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
وأما الشرط في الشيء فهو غير شرط الشيء؛ لأن شروط البيع نضرب -مثلًا- فيما نحن فيه، شروط البيع السابقة يلزم من عدمها العدم، ولا يلزم من وجودها الوجود؛ لأنه قد تتم الشروط ويوجد مانع من الموانع، كما لو تمت شروط البيع كلها، لكن وقع البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة هل يصح البيع؟ لا.
إذن شروط البيع هي التي يتوقف عليها صحة البيع، شروط البيع من وضع الشرع ولَّا من وضع المتعاقدين؟
طالب: من وضع الشرع.
الشيخ: من وضع الشرع، فلا يمكن () عنها ما يمكن إلغاؤها، ولا يمكن إضافة شيء إليها؛ فهي مأخوذة من الشرع، إلغاؤها غير ممكن، وإضافة شيء إليها غير ممكن.
أما الشروط في البيع فهي شروط فيه؛ يعني: شروط حصلت فيه؛ ولهذا جاءت (في) الدالة على الظرفية، فهي ما يتوقف عليه لزوم البيع، لا صحته؛ يعني أن البيع يصح، لكن هل يلزم أو لا يلزم؟ ينبني على هذه الشروط، فهي ما يتوقف عليه لزوم البيع، هذا واحد.
ثانيًا: شروط البيع، الشروط في البيع من وضع الشرع ولَّا من وضع المتعاقدين؟
الطلبة: من وضع الشرع.
[ ١ / ٤٤٢٩ ]
الشيخ: من وضع المتعاقدين؛ ولهذا يجوز إلغاؤها، ويجوز الزيادة فيها، بمعنى أن أحد المتعاقدين قد يلغي الشرط الذي شرطه على صاحبه أو لا؟ وقد يشترط شرطًا واحدًا أو شرطين أو ثلاثة أو أكثر، فهذا هو الفرق بين شروط البيع والشروط في البيع، صار الفرق من وجهين:
الوجه الأول: أن شروط البيع يتوقف عليها صحة البيع؛ بحيث إذا فُقدت ما صح البيع، وأما الشروط في البيع فيتوقف عليها لزوم البيع؛ لأن من فاته مشروطه من أحد المتعاقدين فله الفسخ.
الفرق الثاني: شروط البيع من وضع الشرع، فلا يجوز النقص منها ولا الزيادة فيها، الشروط في البيع من وضع المتعاقدين، فتجوز الزيادة فيها، ويجوز النقص منها ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: ويجوز النقص منها وإسقاطها.
الشروط في البيع خاضعة لشرط مهم؛ وهو ألَّا تخالف الشرع، فإن خالفته فهي باطلة؛ لقول النبي ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (٥)، ولقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (٦).
فإذن الشروط في البيع يُشترط فيها كلها ألَّا تكون مخالفة؟
الطلبة: للشرع.
الشيخ: ألَّا تكون مخالفة للشرع، فإن خالفت الشرع فهي باطلة؛ لأنه لا يمكن لوضع البشر أن يخالف شرع الخالق؛ إذ لو أننا صححنا الشروط المخالفة للشرع لقدمنا وضع البشر على شرع الخالق ﷾؛ ولهذا قال المؤلف: (منها صحيح) يعني: ومنها فاسد، كلمة (من) هنا لأيش؟
الطلبة: للتبعيض.
الشيخ: للتبعيض منها، صحيح، وقد ذهب بعض النحويين إلى أن (مِنْ) التبعيضية اسم؛ لأنها بمعنى (بعض)، وعلى هذا فتقول في (منها صحيح): (مِنْ) مبتدأ، وخبره (صحيح)، وعلى المشهور تقول: (منها) جار ومجرور خبر مقدم، و(صحيح) مبتدأ مؤخر.
[ ١ / ٤٤٣٠ ]
(منها صحيح) ما هو الصحيح؟ الصحيح يقولون: إنه في اللغة ضد السقيم، فلان صحيح، فلان مريض، فلان صحيح، فلان سقيم، لكنه في الاصطلاح ما ترتب عليه مقتضاه.
كل شيء يكون نافذًا يترتب عليه مقتضاه فإنه صحيح؛ سواء كان شرطًا أم عقدًا، إذا كان الشرط صحيحًا فهل يجب الوفاء به؟ الجواب: نعم، يجب الوفاء به.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بأصل العقد وبشروط العقد أو بالشروط في العقد؛ لأن الشروط في العقد من أوصاف العقد، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بأصله ووصفه، فإذن يجب الوفاء بالشروط في البيع إذا كانت صحيحة، والدليل على ذلك ما سمعتم من الآية الكريمة، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
والشرط الذي اشترطه أحد المتعاقدين على الآخر عهد ولَّا لا؟
الطلبة: عهد.
الشيخ: عهد؛ لأن أحد المتعاقدين تعهد بذلك لصاحبه، وعلى هذا فنقول: الصحيح من الشروط في البيع يجب الوفاء به، ولكن وجوب الوفاء به هل هو من حق الله أو من حق ()؟ من الشروط في البيع، ليس من شروط البيع، بل هو من الشروط في البيع، والذي يطلب الرهن غالبًا هو البائع، هذا الغالب.
مثل أن أبيع على هذا الرجل شيئًا بثمن مؤجل، فلا أثق منه، فأقول: أرهنِّي شيئًا، أعطني رهنًا، لماذا أطلب الرهن؟ للتوثق من حقي؛ لأن هذا الرهن إذا تعذر الوفاء من قبل الرجل فأنا استوفي من هذا الرهن؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] لأجل أن تتوثق لحقك، ليس هناك كاتب يكتب بينكم، فيتوثق به الحق، لكن هناك طريق آخر بأن تقبض الرهن حتى تتوثق به.
إذن يجوز أن أقول: بعتك هذا البيت بشرط أن ترهنني كذا وكذا، فإذا قبلت لزم الشرط.
[ ١ / ٤٤٣١ ]
وقول المؤلف: (كالرهن) ظاهره أنه يجوز رهن المبيع نفسه على ثمنه أو لا؟ هل يجوز بأن أقول: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف درهم إلى سنة، لكن بشرط أن يكون رهنًا لي بالثمن، نقول: هذا جائز، ولا بأس به.
ومنها أيضًا (كالرهن وتأجيل الثمن) تأجيل الثمن بأن يقول المشتري: أنا ليس عندي ثمن، ما عندي دراهم، أبغي أشتري منك هذه السيارة أو هذا البيت بكذا وكذا لمدة سنة، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: جائز، الرهن من مصلحة البائع، وتأجيل الثمن من مصلحة المشتري.
إذن نأخذ من هذين المثالين () (كالرهن وتأجيل الثمن) هذا تمثيل، نأخذ من هذين المثالين أنه يجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يشترط ما له فيه مصلحة.
(وكون العبد كاتبًا أو خصيًّا أو مسلمًا والأمة بكرًا) من اللي يشترط ذلك؟ المشتري ولَّا البائع؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: كون العبد كاتبًا؟
طالب: من مصلحة البائع.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني مثل العبد يشترط المكاتبة.
الشيخ: ما وصلنا هذا، كون العبد كاتبًا مِن مصلحة مَن؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: من مصلحة المشتري، وهو عائد إلى البائع من جهة؛ لأنه إذا كان فاسدًا سيزيد به الثمن، لكن الغالب أن الذي يشترطه المشتري، وهنا فرق بين الكاتب وغير الكاتب، أيهما أحسن؟
الطلبة: الكاتب.
الشيخ: الكاتب أحسن، وقد يكون الكاتب أسوء، يمكن هذا الكاتب يكتب أشياء ما أريدها ()، فيكون الأمي خيرًا من الكاتب.
(أو خَصِيًّا) العبد خصي من يشترطه؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، لكن الثمن سيزيد، فيكون من مصلحة البائع، لماذا يكون الخصاء صفة مرغوبة في العبيد؟
الطلبة: لأسباب كثيرة.
الشيخ: لأسباب كثيرة؛ منها: أن ذلك أكثر أمنًا بالنسبة لأهل السيد، ولَّا لا؟ يأمن عليه أكثر.
ومنها: ألَّا ينشغل العبد بطلب النكاح.
ومنها: أن العبد إذا كان غير خصي ربما يطالبك بأن تزوجه، فالمسألة مشكلة إذا كان غير خصي، إذا كان خصيًّا سلمنا من هذا كله.
[ ١ / ٤٤٣٢ ]
لكن يبقى النظر كيف يكون العبد خصيًّا؟ لأنه من المعروف عند أهل العلم أن السيد لو خصى عبده عتق عليه، لو قطع أنملة من أنامله عتق عليه، وهذا ما يعرف بالتمثيل، التمثيل بالعبد يوجب العتق.
طالب: ()؟
الشيخ: هذا () القصاص بين السيد والعبد، وفيها خلاف.
طالب: جائز أنه يشفى ().
الشيخ: سابقًا على مُلك السيد، أو يجيء سيده ما يبيعه، مثلًا يخصيه ويبقيه في ملكه، يقول: () مخصيًّا، على كل حال اشتراط كون العبد خصيًّا من مصلحة المشتري، فإذا اشترطه وتبين أنه فحل له الخيار.
كونه مسلمًا هذا مِنْ مصلحة مَن؟
طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري.
طالب: البائع.
الشيخ: أو البائع، يقول بعض الناس الآن: أنهم يجلبون عمالًا غير مسلمين؛ لأنه أفيد، المسلم يقول: إنه إذا جاء الوقت () رايح أصلي، وإذا جاء وقت العمرة قال: بروح أعتمر، وإذا جاء وقت الحج قال: بروح أحج، هذا العبد مثله، قد يكون المشتري ما به يكون مسلمًا، لا يريد أن يكون مسلمًا، وأنتم تقولون: إن هذا من مصلحة المشتري، في الغالب أنه من مصلحة المشتري أن يكون مسلمًا، فإذا اشترط أن يكون مسلمًا فإنه شرط صحيح، وظاهر كلام المؤلف أن الكفر في الرقيق ليس بعيب، وأن الإنسان لو اشترى عبدًا فتبين أنه كافر فإن ذلك ليس بعيب، فلا يرده، صح.
ما وجه ذلك من كلام المؤلف؟ لأنه ذكر أن الإسلام ما يثبت إلا إذا اشترط، فدل هذا على أن المشتري لو وجد العبد كافرًا فلا خيار له.
طالب: إذن يشترط.
الشيخ: إذن يشترط، وعللوا ذلك بأن الأصل في الرقيق الكفر، هذا الأصل؛ لأن الأرقاء أصلهم مسبيون من الكفار، فالأصل فيهم الكفر حتى يتبين أنهم أسلموا.
(والأمة بكرًا) من يشترط ذلك؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، يشترط أن الأمة بكرًا، فإن لم يشترط فوجدها ثيبًا، هل له الخيار؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٤٤٣٣ ]
الشيخ: لا؛ لأن المؤلف جعل كون الأمة بكرًا من باب الشروط، لماذا؟ لو قال قائل: إن الأصل البكارة، قلنا: إن هذا الأصل معارض بظاهر، أيش هو الظاهر؟ الظاهر أنها موطوءة؛ لأنها إذا كانت عند سيدها فالغالب أنه يطؤها، وهذا مما تعارض فيه الأصل، وقُدِّم فيه الظاهر؛ لأنه ليس دائمًا نقدم الأصل، قد يكون هناك ظواهر تكون أقوى من الأصل فيؤخذ بها.
هذه الآن الشروط اللي ذكرها المؤلف: الرهن، تأجيل الثمن، كون العبد كاتبًا، أو خصيًّا، أو مسلمًا، والأمة بكرًا، هذه يقولون: إنها من مصلحة العقد، لكن منها ما يعود للبائع، ومنها ما يعود للمشتري، ومنها ما يعود على نفس المعقود عليه من ثمن أو مثمن، ومنها ما يعود إلى التوثق به، فالرهن للتوثق، وكون تأجيل الثمن من أوصاف الثمن، وكون العبد كاتبًا والأمة بكرًا من أوصاف المبيع.
طالب: ().
الشيخ: (يشترط البائع سكنى الدار شهرًا)، (سكنى الدار) المبيع (شهرًا).
أولًا قال: (اشترط البائع سكنى الدار شهرًا) الشرط الآن للبائع، وسكنى الدار نفع في المبيع ولَّا خارج المبيع؟
الطلبة: في المبيع.
الشيخ: في المبيع، إذن نقول: هذا نوع آخر غير الأول الذي من مصلحة العقد أن يشترط البائع نفعًا بالمبيع؛ بأن يشترط سكنى الدار شهرًا، فإن هذا جائز، لكن سكنى الدار المبيعة، فإن اشترط سكنى دار أخرى فهذا لا يجوز، لا بد أن يشترط سكنى الدار الذي باعها.
وقوله: (شهرًا) أفاد المؤلف أنه لا بد أن تكون المدة معلومة لا مجهولة، ما هو دليل هذه المسألة؟
دليلها حديث جابر ﵁ أنه باع على النبي ﷺ جملًا واشترط حُمْلَانَه إلى المدينة (٧)، فهنا جابر اشترط نفعًا في ماذا؟ في نفس المبيع، فإذا اشترط البائع نفعًا في المبيع فهو جائز، لكن بشرط أن يكون هذا النفع معلومًا؛ إما بالزمن، وإما بالمكان، وإما بالعمل.
[ ١ / ٤٤٣٤ ]
إما بالزمن؛ مثل سكنى الدار شهرًا، أو بالمكان؛ كحديث جابر يحمله إلى موضع معين، أو بالعمل؛ مثل أن يبيع عليه عبدًا ويقول: بشرط أن يصلح لي كذا وكذا من الأعمال، فلا بد أن يكون النفع معلومًا، فإن كان مجهولًا فإن الشرط غير صحيح، لماذا يكون غير صحيح؟ قالوا: لأن هذا الشرط له أثر في الثمن أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: له أثر في الثمن، تقول: نعم، موافقة لي ولَّا عن علم؟
الطلبة: عن علم.
الشيخ: عن علم () موافقة ما أريد ().
الآن إذا بعت عليك هذه الدار بمئة ألف واستثنيت سكناها لمدة سنة، فإن معنى ذلك أننا نقصنا من ثمنها مقدار إيجار سنة، فيكون له أثر في الثمن إذا كانت المدة مجهولة لزم من ذلك جهالة الثمن؛ فلهذا لا يصح الشرط، لا بد أن يكون معلومًا.
فإن قال البائع: بعت عليك هذا البيت واستثنيت سكناه حتى أجد بيتًا آخر، يصح ولَّا لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: كيف ما يصح؟
الطلبة: مجهول.
الشيخ: الجهالة موجودة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، الجهالة موجودة، أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن لا يصح؛ لجهالة المدة.
طالب: لا يصح الشرط؟
الشيخ: الشرط، إي نعم؛ لجهالة المدة، يأتينا فيما بعد -إن شاء الله- أن الشروط بعضها () لا يصح؛ لجهالة المدة.
لو قال: على أن أسكنه لمدة السنة ما لم أشترِ بيتًا لمدة سنة؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح، يصح ولَّا لا؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: لكن هذا معلوم من طرف واحد فقط، وهو الأكثر.
الطلبة: ().
الشيخ: هذه اختلف فيها العلماء؛ قال بعضهم: ما يصح؛ لأنك ما حددت في الحقيقة من أول السنة إلى طرفها، ما تدري هل تجد بيتًا لمدة شهرين أو ثلاثة أو أكثر، أليس كذلك؟ فتبقى المدة مجهولة، لكن الصحيح جواز هذه المسألة؛ لأن المشتري قد تواضع على أن هذا البائع يسكن كم؟
الطلبة: سنة.
الشيخ: سنة، فإن نقص شيء عن السنة فهو من مصلحة من؟
الطلبة: المشتري.
[ ١ / ٤٤٣٥ ]
الشيخ: من مصلحة المشتري، لا ضرر عليه في هذا، وعلى هذا فيكون الشرط المجهول غير صحيح.
فإن قلت: ما الجواب عن حديث عائشة: أن فلانًا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت عائشة للنبي ﷺ: لو بعثت إليه فاشتريت ثوبين نسيئة إلى ميسرة، فبعث إليه فامتنع (٨)، وهنا (إلى ميسرة) مجهول، ومع ذلك أقره النبي ﵊، فما هو الجواب؟
طالب: الثمن معلوم.
الشيخ: الثمن معلوم، لكن مدة الوفاء مجهولة؟
طالب: () الثمن.
الشيخ: لا.
طالب: () حق متعلق بالرسول ﷺ.
الشيخ: لا، المتعلق بالرسول نحن له تبع، لكن السبب في ذلك أن هذا الشرط موافق لمقتضى العقد؛ لأن البائع إذا علم بإعسار المشتري فإنه لا يستحق مطالبته حتى يوسر، فسواء شرطت أو ما شرطت؛ سواء شرطت أني لا أوفيك إلا عند الميسرة، أو ما شرطت ما دمت قد علمت بأنني معسر فإنك لا تطالبني حتى أوسر، فيكون شرط ألَّا تطالبني إلا عند الإيسار من باب التأكيد، هذا هو الجواب عن هذا الحديث، والله أعلم.
ومنها ما يكون من مصلحة البائع، ومنه ما يكون من مصلحة المشتري، ثلاثة أقسام؛ ما يكون من مصلحة العقد، من مصلحة البائع، من مصلحة المشتري.
وفيه أيضًا قسم رابع ما ذكره المؤلف، لكن لا حاجة إلى ذكره؛ وهو ما كان من مقتضى العقد؛ يعني: مثل أن يشترط البائع على المشتري تسليم الثمن، والمشتري على البائع تسليم المبيع، هذا من مقتضى العقد، ما حاجة أنه يشترط؛ لأنه ثابت بدون؟
طالب: اشتراط.
الشيخ: بدون اشتراط.
هل يصح أن يشترط في العقد الرهن؟
طالب: نعم.
الشيخ: (أو شرط المشتري على البائع حمل الحطب) شوف شرط.
طالب: ().
الشيخ: قلناها، (أو شرط المشتري) هذا من مصلحة المشتري.
[ ١ / ٤٤٣٦ ]
الآن (شرط المشتري على البائع حمل الحطب) (أل) للعهد، والمراد الحطب الذي باعه، المشتري اشترط على البائع حمل الحطب الذي باعه؛ لأنه يُشْتَرط أن يكون النفع في المبيع نفسه لا في شيء آخر، هذه واحدة.
لو شرط عليه على البائع أن يحمل حطبًا آخر غير اللي اشتراه منه فإنه لا يصح، لا بد أن يكون نفعًا في نفس المبيع.
(حمل الحطب أو تكسيره) تكسير الحطب؛ يعني: اشترى من شخص حطبًا وقال: بشرط أن تكسره لي، يجوز، النفع الآن في المبيع ولَّا في شيء آخر؟
الطلبة: في المبيع.
الشيخ: في المبيع، فأما لو اشترط عليه أن يكسر حطبًا آخر غير هذا اللي باع عليه فإنه لا يجوز، وسيأتي -إن شاء الله- بيان تعليل عدم الجواز، وبيان القول الراجح في هذا.
(أو خياطة الثوب) ما هو في ثوب مخيط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الثوب في اللغة القطعة من القماش، ما هو بالمخيط، فعلى هذا نقول: خياطة الثوب؛ يعني: قطعة من القماش اشتراها، واشترط على البائع أن يخيطها، يجوز.
فإن اشترط أن يخيط غيره فإنه لا يجوز؛ لأنه خارج عن المبيع، ولا بد أن يكون النفع في المبيع.
أو شرط عليه تفصيله، كيف تفصبله؟ الخرقة مجملة، فإذا قطعتها؛ هذا للكم، وهذا للجيب، وهذا لكذا، وهذا لكذا، صار ذلك تفصيلًا، فمعنى تفصيل؛ يعني: أنك تقطعها () أجزاء القميص، يجوز.
طالب: ().
الشيخ: مثل؟
الطالب: ().
الشيخ: داخل ()، إي نعم.
(وإن جمع بين شرطين بطل البيع) إن جمع بين الشرطين من هذه الشروط بطل البيع، إلا إن نوى الأول؛ وهو ما كان من مصلحة العقد أو مقتضى العقد، فإنه لو جمع ألف شرط فلا حرج.
إذا جمع بين شرطين من النوعين الآخرين؛ وهي أن يشترط البائع على المشتري نفعًا في المبيع، أو المشتري على البائع نفعًا في المبيع؟
طالب: المشتري على البائع؟
الشيخ: المشتري على البائع أو البائع على المشتري نفعًا في المبيع، إذا جمع بين شرطين من هذين النوعين بطل البيع.
[ ١ / ٤٤٣٧ ]
مثال ذلك: اشترط المشتري على البائع حمل الحطب وتكسيره؛ ولهذا العبارة عند المؤلف: (أو تكسيره) اشترط على البائع حمل الحطب وتكسيره، هذا جمع بين شرطين يبطل البيع.
اشترى ثوبًا من صاحب الدكان وقال: بشرط أن تفصله وتخيطه يفسد البيع؛ لأنه جمع بين شرطين.
اشترط على البائع أنه يحمل الحطب ويدخله البيت، ما هو يكسره، أيش الحكم؟
طالب: يبطل البيع.
الشيخ: يبطل البيع.
الدليل قالوا: لأن النبي ﵊ قال: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (٩)، قالوا: فالشرطان في البيع منهي عنهما، والنهي على القاعدة اللي ذكرها ابن رجب وأيش يقتضي؟ يقتضي الفساد وعدم الصحة، فإذا جمع بين الشرطين فإنه يفسد العقد، ولكن هذا الدليل صحيح، لكن الاستدلال غير صحيح؛ لأن المراد بالشرطين الشرطان اللذان يوقعان في محظور، لأنه يُحمل مطلق الأحاديث على مقيدها، فالشرطان الموقعان في المحظور هذان محرمان، ويبطل العقد بهما، وأما الشرطان اللذان لا يوقعان في المحظور فإنه لا فرق بين أن يشترط شرطًا واحدًا، أو اثنين، أوثلاثة، ما دامت هذه الشروط مقدورة للمشروطة عليه ولا فيها محظور.
مثلًا: إذا جئت إلى الخياط، وقلت: اشتريت منك هذا القماش على أن تخيطه لي وأيش اللازم من ذلك؟
الطلبة: التفصيل.
الشيخ: () التفصيل، هم يقولون: ما يصح () أجرة على أن يفصله () عقد البيع أو بالعكس، أما أن تجمع بين الشرطين فلا يصح.
والجواب: أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يصح الجمع بين الشرطين؛ لوجهين:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ إنما أراد بالشرطين الموقعين في محظور شرعي، أما المباحان اللذان ليس فيهما محظور شرعي فلا مانع.
[ ١ / ٤٤٣٨ ]
ثانيًا: أن نقول: إما أن تأخذوا بالحديث وتبطلوا الشرطين حتى من النوعين الأولين، وإما أن تدعوا الحديث لو اشترط أن يكون العبد مسلمًا خصيًّا كاتبًا، ثلاثة شروط، يصح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يصح، ومع ذلك هذه ثلاثة شروط، كيف تقولون: هذه تصح، وإذا قال احمل الحطب وكسره، ما يصح؟ أي فرق بينهما؟ كلاهما معلوم، وأما الشرطان اللذان يوقعان في المحظور فلا شك أنهما يحرمان، ويبطلان البيع.
مثل لو قال: بعتك هذا الشيء بكذا وكذا على أن تبيعني إياه نقدًا بكذا وكذا؛ يعني: مسألة العينة، هذان هما الشرطان في البيع.
فالصحيح أن الشرطين في بيع هما مسألة العينة فقط؛ لأن فيه اشتراط، اشتراط منين؟ اشتراط من البائع على المشتري وببيع عليك بمئة إلى أجل، بشرط أنك تبيعه عليَّ بثمانين نقدًا، هذا فيه محظور شرعي لا شك؛ لأنه المحظور الشرعي صار بسبب الشرطين، ولولاهما ما كان محظورًا.
إذن القول الراجح في هذه المسألة ما هو؟
أنه يجوز الجمع بين الشرطين إذا كانا معلومين وليس فيهما محظور شرعي، ويحمل الحديث على ما فيه محظور شرعي.
طالب: ()؟
الشيخ: ما عندهم دليل () أبدًا؛ لأنه لا فرق بلا شك بين أن يكون العبد كاتبًا خصيًّا، وبين أن تحمل الحطب وتكسره كلاهما من مصلحة المشتري.
طالب: () محظور.
الشيخ: لا، () ولهذا قلت لك الآن: إن هذان الشرطان لو أنفرد أحدهما لكان حلالًا، المراد: اللذان يحرمان باجتماعهما؛ يعني: يلزم المحظور باجتماعهما، ما هو معناه أنه يلزم إذا انفردا، ولَّا صحيح يرد علينا: لو كان المقصود أن كل واحد منهما يحمل محظورًا، لكن يكون محظورًا باجتماعهما فقط.
طالب: إذا قال: بعتك هذه الدار على أن تبعيني ()؟
الشيخ: قال المؤلف -اسمع الكلام، هذا جواب المؤلف-: (ومنها فاسد يبطل العقد) فاسد من الشروط في البيع ما هو فاسد، (يبطل العقد) إذن هو فاسد مُفْسِد، الشروط اللي قبل فاسدة؟
طالب: غير مفسدة.
[ ١ / ٤٤٣٩ ]
الشيخ: غير مفسدة، إلا إذا جمعت بين شرطين فإنه يكون فاسدًا مُفْسِدًا.
مثاله: (كاشتراط أحدهما على الآخر عقدًا آخر؛ كسلفٍ، وقرضٍ، وبيعٍ، وإجارةٍ، وصرفٍ) إذا اشترط أحدهما على الثاني عقدًا آخر فَسد البيع، يفسد البيع الأول والثاني؛ مثل قال: بعتك بيتي هذا على أن تبيعني بيتك هذا، هذا لا يجوز؛ لأنه شرط عليه عقدًا آخر.
الدليل: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (١٠)، وهاتان بيعتان في بيعة، وما ورد النهي عنه فإنه يكون فاسدًا. إذن إذا اشترط عليه عقدًا آخر ما صحَّ.
يقول المؤلف: يُستثنى من هذا الرهن، الرهن يجوز؛ لأنه من مصلحة العقد، فإذا بعت عليك هذا البيت بشرط أن ترهنني سيارتك فهذا جائز، السبب: لأنه من مصلحة العقد وتابع له؛ إذ إن المقصود به التوثقة، فيجوز.
طالب: والعكس؟
الشيخ: والعكس ما هو؟
طالب: مثلًا أنا ().
الشيخ: إذا فك الرهان يجب أن تعطيه له.
الطالب: هو أن أعطيه المال الذي ..
الشيخ: لما أعطيته الفلوس اللي عليك يجب يعطيك رهنًا.
الطالب: يقول: لا أعطيك هذا ().
الشيخ: لا إذا قال: يُغصب، ما يمكن يحدث بلا شك.
طالب: ()؟
الشيخ: هب أن الآن أعطيته () أيش تطالبني؟
طالب: ().
الشيخ: يقول: (عقدًا آخر كسلف) سلف؛ يعني قال: بعتك بيتي هذا بعشرة آلاف ريال على أن تقرضني كذا وكذا، هذا ما يجوز؛ لأنه شرط عقدًا آخر، فيكون بيعتين في بيعة، فلا يحل، وهذا الأخير فيه علة أخرى، هذا المثال فيه علة أخرى؛ وهي أنه قد يجر نفعًا بالاستقراض.
يقول: بعتك بيتي بعشرة آلاف على أن تقرضني مئة ألف، كيف الجر؟ لأنه ما راح يعطيه مئة ألف قرضًا إلا وقد نقص من قيمة البيت؛ يعني ما يمكن يبقى البيت بعشرة آلاف وهو يسوى عشرة () مئة ألف، لا بد أن البيت يسوى اثنا عشر مثلًا، لكن جعله له بعشرة؛ لأنه بيقرضه مئة ألف، فيكون ذلك حيلة على أيش؟
الطلبة: القرض.
[ ١ / ٤٤٤٠ ]
الشيخ: على الربا، على القرض الذي جرَّ نفعًا، والقرض الذي جرَّ نفعًا يكون ربًا، فهذه المسألة نوافق المذهب عليها؛ أنه إذا اشترط عليه سلفًا؛ يعني قرضًا فإنه لا يصح.
طالب: المقصود بالسلم يا شيخ.
الشيخ: نعم، أنا راح وهمي إلى القرض، هنا المراد السَّلم؛ لأنه ذكر المؤلف القرض بعد، خلينا الآن نقرر القرض، إذا اشترط عليه قرضًا فلا شك أنه لا يجوز؛ لأنه حيلة إلى أي شيء؟
الطلبة: الربا.
الشيخ: إلى الربا، إذا اشترط عليه سلمًا -وهو المراد بالسلف هنا- إذا اشترط عليه سلفًا فإنه لا يصح، وأيش مثال السلف؟ قال: بعتك بيتي هذا بمئة ألف ريال، بشرط أن تسلفني ألف ريال بمئة صاع إلى أجل.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، ما عندنا شيء.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، السَّلم تعريفه أولًا: أن أقدم دراهم بسلعة مؤجلة، فأقول لك: هذه مئة درهم بمئة صاع بر بعد سنة، المؤجل الآن الثمن ولَّا المُثمَن؟
الطلبة: المُثمَن.
الشيخ: المثمن، هذا هو السلم، فأنا مثلًا بعت على هذا الرجل بيتي بمئة ألف على أن يُسلم لي عشرة آلاف ريال -مثلًا- بمئة صاع أو بألف صاع من البر، ما تقولون؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه لا يجوز.
والدليل: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة (١٠)، ثم إنه أيضًا قد يربح في باب السلم، قد يربح فيما لم يضمن، ربما أن المشتري يسلم إليه مئة، يسلم إليه الدراهم بثمن أقل، لكن نظرًا إلى رغبته في هذا البيت.
القرض انتهينا منه يقول المؤلف: (وقرض وبيع) البيع مثلنا به أولًا: بعت عليك بيتي هذا على أن تبيعني بيتك هذا، (وصرف).
طالب: ().
الشيخ: ما يخالف، يقول: (وصرف) أيش هو الصرف؟
طالب: (وإجارة) أولًا.
الشيخ: (وإجارة) قال: بعتك هذا البيت على أن تؤجرني بيتك لمدة سنة، يقول إن هذا لا يصح؛ لأنه بيعتين في بيعة، وقد نهى عنه النبي ﷺ.
[ ١ / ٤٤٤١ ]
الصرف نوع من البيع، لكنه بيع نقد بنقد، قال: بعتك هذا البيت بمئة ألف على أن تصرف لي مئة دينار بعشرة آلاف درهم -مثلًا- يقول: إن هذا لا يصح.
والحاصل أنه على المذهب إذا شرط عليه عقدًا آخر فإن البيع لا يصح، والدليل أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، ولكننا نقول: الصحيح في هذا الصحة، وأنه يجوز أن يشترط عليه عقدًا آخر، بشرط ألَّا يتضمن ذلك محظورًا شرعيًّا، فإن تضمن محظورًا شرعيًّا حرُم للمحظور الشرعي.
مثال الذي يتضمن محظورًا شرعيًّا أن يجمع بين بيع وقرض، هذا محظور شرعي () بيع وقرض.
قلت: بعت عليك بيتي هذا بمئة ألف ريال على أن تقرضني مئة ألف ريال؛ لأننا في حاجة إلى مئتين، تقول: بعتك بيتي بمئة ألف ريال على أن تقرضني مئة ألف ريال، هذا لا يجوز؛ لأنه قد يجر نفعًا في قرض، والنفع في القرض ربًا.
وكذلك لو قال: بعت عليك هذا الحلي بمئة درهم على أن تبعيني الحلي الذي عندك بخمسين أو بمئة، المهم تبيعني الحلي، هذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه حيلة على بيع الذهب بالذهب متفاضلًا في الغالب، فبدل ما أني أقول: بعت عليك هذا الذهب بهذا الذهب مع زيادة، ذهبت أقول: بعت عليك هذا الذهب بشرط أن تبيع عليَّ هذا الذهب، وهذا محظور شرعي، فلا يجوز.
وأما إذا جمع بين بيع وإجارة، أو بيع وصرف، أو بيع وسَلَمٍ، فلا وجه لمنعه؛ لأن ما فيه محظور شرعي.
بقي أن نقول: ما هو الدليل على أنه جائز؟
نقول: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، هذا عام، فمن أخرج أي صورة منها طالبناه بالدليل.
وبقي علينا الإجابة عن دليل الذي منع، نقول: إن بيعتين في بيعة ليس متفقًا عليه أنه بهذا المعنى، بل من العلماء من يقول: إن بيعتين في بيعة أن يقول: بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، فيقول: هذا هو بيعتان في بيعة.
ومنهم من يقول: إن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة؛ لأنها بيعتان في بيعة.
[ ١ / ٤٤٤٢ ]
والصحيح أن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكما يدل عليه حديث أبي داود: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» (١١).
تأمل الآن: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، هذه بيعة، اشتريته منك بثمانين نقدًا، هذه البيعة الثانية، والمبيع؟
الطلبة: واحد.
الشيخ: واحد، فهو بيعتان في بيعة، يقول النبي ﵊: «فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»، ما أوكسهما الآن في هذا المثال؟
الطلبة: أقلهما.
الشيخ: أقلهما؛ يعني الثمانين أو الربا إن أخذ بالمئة، فأنا -مثلًا- إذا أخذت منك بثمانين؛ إما أن اقتصر على الثمانين ولا أطالبك بالعشرين، وإما أن أعطيك الثمانين وأطالبك بالعشرين، صورة واضحة ولَّا لا؟
نعيد مرة الثانية: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف إلى أجل، هذه بيعة، اشتريته منك نقدًا بثمانين وأعطيتك الثمانين، هذه بيعة أخرى، الآن أنا بعت بيعتين في بيعة لي أوكسهما أو الربا، وأيش أوكسهما؟
الطلبة: ثمانين.
الشيخ: ثمانين؛ يعني إما ألَّا أطالبك بالعشرين وأقول: الحمد لله، السلعة وصلت لي والثمانين خذها، وإما أن أطالب بالعشرين، فأقع في الربا، كأنني أعطيتك ثمانين بكم؟
طالب: ثمانين بمئة.
الشيخ: ثمانين بمئة، هذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام في تفسير الحديث، وهو ظاهر.
وأما قول الإنسان: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسئية فلا بأس به؛ لأنه لا يخرج؛ إما أن نتفرق بدون قطع ثمن، وإما أن نقطع الثمن من قبل التفرق، إن قطعنا الثمن قبل التفرق وقلت: أخذته بعشرة نقدًا، فالبيعة واحدة ولَّا اثنتين؟
الطلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، وإن تفرقنا فإنه يبقى الثمن مجهولًا إذا لم يجعل أمدًا محددًا يبقى الثمن مجهولًا، ومعلوم أن من شروط البيع أن يكون الثمن؟
الطلبة: معلومًا.
[ ١ / ٤٤٤٣ ]
الشيخ: معلومًا، فهنا لا؛ لأنه بيعتان في بيعة، ولكن لأن الثمن مجهولًا؛ ولهذا لو أنه حدد قال -مثلًا-: بعتك إياه بعشرة نقدًا أو بعشرين نسئية، ولك الخيار لمدة يومين فهذا جائز؛ لأنه ما فيه محظور، والله أعلم.
() لا في أصلها ولا في وصفها، هذا الأصل ما هي مثل العبادات، العبادت الأصل فيها الحذر؛ في أصلها ووصفها، لكن هذا الأصل فيه الحل، فإذا لم نعلم أن هذه الصورة داخلة فيما يقبل المنع فإننا نقول لمن منعها: أين الدليل؟
وفاسد مُفْسِد وفاسد غير مُفْسِد، الفاسد المُفْسِد تقدم الفاسد غير المُفْسِد، يقول المؤلف: (إن شرط أن لا خسارة عليه) (شرط) الفاعل مَن؟
طالب: البائع.
الشيخ: انتبه.
الطلبة: لا، المشتري.
الشيخ: لا، ما هو -أصلًا- مذكور، شوف المعنى: إن شرط أن لا خسارة عليه.
طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري؛ لأن () ينتقل إليه، فقد يخسر، وقد يربح، اشترى شيئًا من شخص، وقال: شرط ()؛ يعني: إن بعته ونقصت قيمته عن ثمنه فليس علي شيء.
يقول المؤلف: إن هذا لا يجوز، يفسد الشرط، ولا يفسد العقد، يفسد الشرط؛ لأنه خلاف مقتضى العقد، وأيش مقتضى العقد؟ مقتضى العقد أن الإنسان إذا ملك شيئًا صار له غنمه، وعليه غرمه.
وما هو الدليل؟ قال النبي ﵊: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (١٢)، فإذن إذا شرط المشتري أن لا خسارة عليه فإن هذا الشرط فاسد غير مُفْسِد، وعندنا في ذلك دليل وتعليل.
أما التعليل فلأنه مخالف لمقتضى العقد، وكل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه باطل، ما هو الدليل على أن الشرط المخالف لمقتضى العقد يكون باطلًا؟ الدليل أن النبي ﷺ أبطل شرط البائع لنفسه الولاء، في قصة بريرة كاتبت أهلها على تسع أواق من الورق، وجاءت تستأذن عائشة، فقالت لها عائشة ﵂: إذا أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت (١٣).
[ ١ / ٤٤٤٤ ]
شَرَطَ أن لا خَسارةَ عليه، أو متى نَفَقَ الْمَبيعُ وإلا رَدَّه، أو لا يَبيعُه ولا يَهَبُه ولا يُعْتِقُه، وإن أعْتَقَ فالولاءُ له، أو أن يَفعلَ ذلك بَطَلَ الشرْطُ وَحدَه، إلا إذا شَرَطَ الْعِتْقَ، وبِعْتُكَ على أن تُنْقِدَنِي الثمَنَ إلى ثلاثٍ، وإلا فلا بَيْعَ بينَنا - صَحَّ، وبِعْتُك إن جِئْتَنِي بكذا أو رَضِيَ زيدٌ، أو يَقولُ للمُرْتَهِنِ: إن جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وإلا فالرَّهْنُ لك لا يَصِحُّ الْبَيْعُ، وإن باعَه وشَرَطَ البَراءَةَ من كلِّ عيبٍ مجهولٍ لم يَبْرَأْ، وإن باعَه دارًا على أنها عَشرةُ أَذْرُعٍ فبَانَتْ أكثرَ أو أقلَّ -صَحَّ، ولِمَن جَهِلَه وفاتَ غَرَضُه الْخِيارُ.
النبي ﷺ فقال: «خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ» (١). فأخذتها بهذا الشرط، فلما تم العقد خطب النبي ﷺ الناس، وبيَّن أن هذا شرط باطل، فقال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢). فأبطل الرسول ﵊ الشرط هذا، لماذا؟ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ إن مقتضى العتق أن يكون الولاء للمعتق لا لغيره؛ ولهذا قال العلماء: كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل.
[ ١ / ٤٤٤٥ ]
وانتبه، لا تتصادم عندك العبارتان؛ العبارة الأولى: كل شرط خالف مطلق العقد فهو باطل، هذا لا يصح التعبير به؛ لأن جميع الشروط الزائدة على أصل العقد تعتبر مخالفة لمطلق العقد، لكن الشروط الفاسدة هي التي تكون مخالفة لمقتضى العقد انتبهوا، إذن إذا شرط ألا تشترط عليه فالشرط فاسد، والعقد صحيح؛ لأن العقد ما حصل فيه خلل، الثمن معلوم، جميع الشروط موجودة، لكن هذا الشرط لما كان مخالفًا لمقتضى العقد ألغي كما ألغى النبي ﷺ شرط الولاء، وصحح البيع ولَّا لا؟
طلبة: صحح.
الشيخ: صحح البيع. ومن هذا النوع ما يفعله بعض الناس عندنا هنا في عنيزة، يأتي صاحب البستان في أيام بيع الثمار، يجي جماعة من الناس يشتركون في شراء ثمر هذا النخل، يقول لهم الفلاح: اشتروه مني، فإن حصل فيه ربح فهو لكم، وإن حصلت فيه خسارة فعلي. ما تقول في هذا الشرط؟ هذا شرط باطل، الخسارة تلزم المشتري، ولو شرطوها على الفلاح، وهذه الصفقة التي تستعمل عندنا صفقة يجب منعها، لماذا؟ لأن هؤلاء الشركاء إذا اشتروا تجدهم عندما يفردونه نخلة نخلة، تجدهم يزيدون في ثمن هذه النخلات على وجه النجش لأجل أن يزيد الثمن فيزيد الربح لهم، ويكون الضرر على من؟ الضرر على المستهلك، على أصحاب الحاجات، وهؤلاء الظلمة هم الذين يربحون؛ ولهذا نسأل الله أن يوفق ولاة الأمور إلى منع هذا العمل.
كثير من الناس صار -والعياذ بالله- يفعل هذا الفعل، ومع هذا -بإذن الله- تجد الفلاح يبيعها بثمن، ثم يربح هؤلاء أكثر من النصف في بعض الأحيان، ولكنه قد يكون ربحًا محرمًا ناتجًا عن النجش.
(شرط ألا خسارة عليه) شرط أيضًا (أو متى نفق المبيع وإلا رده) هذا بعد فيه جهالة.
[ ١ / ٤٤٤٦ ]
(متى نفق) يعني زادت قيمته؛ لأن نفق الشيء بمعنى صار غاليًا، ومنه الحديث حديث أبي ذر: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (٣).
إذن (متى نفق) يعني زاد، واللي يشترط هذا من؟ المشتري يقول: أنا اشتريت منك بمئة، لكن متى زاد وإلا رددته عليك، هذا الشرط باطل، والعقد فصحيح، فلو أن المشتري باعه بأقل مما اشتراه به أو بمثله، فهل يرجع على البائع، لا؛ لأن هذا الشرط فاسد.
(أو لا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له، أو أن يفعل ذلك بطل الشرط) هذه الشروط فيها نفي وإثبات؛ لأنه قال: (لا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق) هذا نفي (أو أن يفعل ذلك) ويش معنى يفعل ذلك؟ يعني يبيع، ويهب، ويعتق.
يقول المؤلف: (بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق) شرط ألا يبيع وهذا تحته صورتان:
الصورة الأولى: أن يشترط عليه ألا يبيعه مطلقًا.
والصورة الثانية: أن يشترط ألا يبيعه على فلان خاصة.
[ ١ / ٤٤٤٧ ]
وكلاهما على المذهب شرط فاسد، لماذا؟ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد أن المالك يبيع ملكه على من شاء، أليس كذلك؟ وإن شاء لم يبعه، فإذا قيد، قال: بشرط ألا تبيعه، فإن هذا الشرط يرونه فاسدًا لمخالفته مقتضى العقد، ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلًا وهو إن كان شرط عدم البيع لمصلحة تتعلق بالعاقد أو بالمعقود عليه فإن الصحيح صحة ذلك؛ مثاله اللي يتعلق بالعاقد: أنا أعرف أن هذا الرجل محتاج إلى بيت، وأريد أن أبيع عليه بيتي، لكني أعرف أنني إذا بعت عليه البيت -رجل ما عنده حسن تصرف، يمكن أبيعه عليه في الصباح، ويبيعه هو في آخر النهار- وأنا إنما بعته عليه من أجل أن ينتفع به ويسكنه، فأقول له: ما أبيع عليك هذا البيت إلا بشرط ألا تبيعه، فيلتزم بهذا، هذا من مصلحة مَنْ؟ من مصلحة العاقِد المشتري؛ مصلحة المعقود عليه: عندي عبد وهو عندي في منزلة عالية، فجاءني شخص أثق به وآمنه على هذا العبد، فقال: بعني عبدك، فقلت: أبيعه عليك بشرط ألا تبيعه؛ لأني أخشى إذا باع عبدي على إنسان غشيم، يظلمه، يهينه، يذله، ما أريد هذا للعبد، فقلت: نعم، أبيع عليك عبدي بشرط ألا تبيعه. المصلحة هنا تعود على أيش؟
على العبد المعقود عليه؛ فأنا لي مصلحة بذلك، وكثيرًا ما يكون الإنسان لا يهمه أن يشتري عبده شخص مثله في الأمانة، والثقة، وعدم الظلم، لكن لا يريد أن يباع العبد على شخص يهينه، وربما يفجر به والعياذ بالله. تمام؟ إذن فيه مصلحة، وهل المصالح تُنافي الشريعة؟ لا، بل إن الشريعة كلها جاءت لتقرير المصالح، ولولا أن الأهواء تتعدد لربطنا أحكام الشريعة بما يراه الإنسان مصلحة هو بنفسه، لكن لما كانت الأهواء تتعدد والإنسان قد تخفى عليه المصلحة ما صرنا نطلق: إنه كل ما رآه الإنسان مصلحة فهو حلال.
على كل حال هذه المسألة صار فيها مقصود شرعي، والصواب أنه إذا شرط ألا يبيعه، وكان ذلك من مصلحة العاقد أو المعقود عليه؛ فإن ذلك جائز.
[ ١ / ٤٤٤٨ ]
قلت: إن هناك صورة خاصة إذا شرط ألا يبيعه مثل أن يقول: بشرط ألا تبيعه على فلان، يُعيِّن؟ هل يجوز على المذهب هذا الشرط ولَّا لا؟ ما يجوز لأنه يخالف مقتضى العقد؛ ولكن الصحيح أنه جائز.
قد -مثلًا- يكون أحد الناس معروف بالشر والفساد، وعندي عبد، فجاء شخص ثقة أمين يشتري هذا العبد، قلت: لا بأس، أبيعه عليك، لكن بشرط ألا تبيعه على فلان، على فلان خاصة، بيجوز هذا ولَّا لا؟
على المذهب لا يجوز، والصحيح أنه جائز؛ لأن هذا من مصلحة المعقود عليه، كذلك عندي بعير، جاء إنسان بيشتريها قلت: أنا أبيعها عليك، لكن بشرط ألا تبيعها على فلان، فلان هذا معروف بأنه رجل لا يرحم البهائم، يحمِّلها ما لا تطيق، ويضربها على غير خطأ، ويُجيعها ويجعلها في العراء في البرد، فقلت: بشرط ألا تبيعها على فلان خوفًا من أن يسيء إلى هذه البهيمة، يجوز ولَّا لا؟
الصحيح أنه يجوز، والمذهب: لا يجوز، ولكن الصواب أنه جائز؛ لأن في ذلك مصلحة للمعقود عليه، وقد اشترى عثمان من صهيب أرضًا، وشرط عليه أن يوقفها، لكن تأتينا -إن شاء الله- في عكس هذه المسألة.
شرط ألا (يهبه)، ويش معنى الهبة؟ التبرع بالمال بدون عوض في حال الحياة، هذه الهبة، قلت: ببيع عليك هذا البيت بشرط ألا تهبه، الشرط ألا أهبه، أنا حُرٌّ في ملكي، إذا شريت منك هذا، أهبه، أؤجره، أبيعه، أوقفه، ويش عليك؟ يقول: لا، بشرط أنك ما تتبرع به، إن نقلته عن ملكك انقله بعوض وإلا بهبة لا، فالمذهب: لا يجوز هذا الشرط، والعقد صحيح، لكن هذا الشرط لا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى العقد أن المالك يتصرف، ولكن الصحيح أنه جائز.
[ ١ / ٤٤٤٩ ]
وهذا في الغالب يكون من مصلحة مَنْ؟ مصلحة العاقد المشتري، أنا أعرف أن هذا الرجل يده صفوان مرتفع، لا يستقر عليها الماء؛ أي نقطة تنزل بهذا الصفوان المرتفع ما تبقى تمشي، فخِفت إذا بعت عليه هذا الشيء أنه بمجرد ما يلزم البيع يهبه، يصح أنه يقول: بشرط ألا تهبه؟ يصح أن يقول، لاحظوا إذا صح الشرط ماذا يترتب عليه، إذا صح الشرط فإن لمن له الشرط أن يفسخ العقد إذا تخلف الشرط، فالمسألة ما هي هينة، يكون هذا الرجل لو وهبه، وأنا قد شرطت عليه ألا يهبه، فأنا أفسخ البيع وأعطيه دراهمه وآخذ المبيع. والله أعلم ().
***
شرط عليه ألا (يعتقه) هذا الشرط، حكمه أنه فاسد، والعقد صحيح؛ لأن هذا لا يخل بالعقد، لكنه فاسد؛ لأنه يمنع المشتري مما جعله الله له؛ وهو التصرُّف، وهل في هذا مصلحة؟ يعني لو قلنا بأنه يجوز أن يشترط ألا يعتقه، هل فيه مصلحة؟
قد يكون، لكنها ليست كالصور الأولى؛ لأن العتق نفسه مصلحة، لكن ربما أقول: لا تعتقه؛ لأني أخشى أن يتلف ماله؛ وهو لا يدري يضيع ماله، فالصحيح أن هذه الأمور الأربعة أو الثلاثة: ألا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق، أن شرطها جائز إذا كان في ذلك مصلحة إما للعاقد، وإلا للمعقود عليه.
(أو أن يفعل ذلك) شرط أن يفعل ذلك، عكس الأول، شرط أن يبيعه، قال: بعت عليك هذا البيت بألف بشرط أن تبيعه، وهذا له صورتان أيضًا: إما أن يشترط أن يبيعه مطلقًا، أو أن يبيعه على فلان، قال: أبغي أبيعه عليك بألف بشرط أن تبيعه على زيد.
[ ١ / ٤٤٥٠ ]
يقول المؤلف: إن هذا لا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد أني حُرٌّ أبيع، أو ما أبيع، أبيع على فلان، أو على فلان، ما لك دخل، الملك انتقل إليَّ، أما شرطه أن يبيع فقد يتوجه ما قال المؤلف أنه لا يصح، وأما شرطه أن يبيع على فلان، أو إن بعت فبعه على فلان فقد يقال: إن الصحة أوجه، إنه يصح؛ لأنه قد يكون فلان طلب مني هذا البيت، ولكنه الآن ليس بحاضر فأقول للمشتري: لا بأس، أنا أبيعه عليك، ولكن بشرط أن تبيعه على فلان إن طلبه، هذا قد يكون فيه مصلحة للمشتري مني؛ لأنه ربما يبيعه على فلان بربح، وفيه مصلحة بالنسبة لفلان الذي طلب مني البيت بألا يفوت عليه. المهم أن هذه المسألة المذهب لا يصح، إذا قال: بشرط أن تبيعه سواء عيَّن من يبيعه عليه أو أطلق.
أن يهب مثلها؛ يعني يقال: بعت عليك هذا الشيء بشرط أن تهبه لفلان، نقول: هذا أيضًا لا يصح الشرط؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، لو اشترطت عليك، قلت: بِعتُكَ هذا الشيء بشرط أن توقفه على الغزاة في سبيل الله ما يصح على المذهب، لكنهم ذكروا أثرًا عن عثمان ﵁: أنه اشترى من صهيب أرضًا، واشترط عليه وقفها (٤).
ومقتضى هذا جواز شرط وقْف المبيع؛ لأن في ذلك مصلحة لي أنا، ومصلحة لك أنت؛ يعني مثلًا: بِعْت عليك هذا البيت، وقلت: بشرط أن توقفه على الغُزَاة في سبيل الله، بشرط أن تُوقفه على طلبة العلم، بشرط أن تُوقِفه على الغرباء، بشرط أن تُوقِفه على أهل العبادة من العُبَّاد، وما أشبه ذلك فيه مصلحة هذا ولَّا لا؟ فيه مصلحة لي ولك، أما لي فلأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، وأما لك فلأن الأجر سيكون لك، وهذا قد يكون خيرًا لك من الدنيا؛ فالصحيح في هذه المسألة أنه إذا شرط أن يُوجِّهه إلى شيء فيه خير؛ فإنه لا بأس به، ولا حرج. شرط ..
طالب: ().
[ ١ / ٤٤٥١ ]
الشيخ: اشتراه للأغاني، فهو ما يجوز، ومع الأسف أن غالب الناس الآن يشترونها للأغاني، وعلى هذا فالاتجار بها ما أراه، الاتجار بالراديو لا أراه؛ لأن غالب من ينتفع به أو من يستعمله للمحرَّم؛ لكن بيعه الأصل فيه الحل، ففرق بين الاتجار اللي يعرضه لكل أحد، وبين البيع اللي يبيعه على واحد ما ينتفع به لمحرم.
طالب: ().
الشيخ: لا، هو لا بد بثمن المثل، إي نعم؛ أما إذا تحيل شيء يسوى عشرة قال: ببيعه عليك بألف، هذاك ما هو مشتري.
يقول المؤلف: (أو إن أعتق فالولاء له) هذه ما أخذناها.
طالب: حديث بريرة.
الشيخ: إي، لكن كلام المؤلف يقول: شرط إن أعتق، فالولاء له، فالبيع صحيح، والشرط فاسد، ودليله واضح: حديث بريرة.
قال المؤلف: (أو أن يفعل ذلك بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق) مين اللي يشترط العتق؟ البائع على المشتري، قال: بعتك هذا العبد بشرط أن تعتقه؛ فهذا جائز، لماذا؟ قالوا: لأن الشرع متشوف للعتق، ومُرَغِّب فيه؛ ولأن الشراء يُراد للعتق؛ فالإنسان الذي عليه الكفارة يشتري عبدًا ليعتقه، فلا يكون ذلك مخالفًا لمقصود العقد. إذن ما فائدة المشترِي إذا شرطنا أنه يُعتِق هذا العبد، وقلنا: إنه صحيح، فما فائدته من الشراء؟
طالب: الأجر والثواب.
الشيخ: الأجر والثواب والولاء؛ لأن هذا العبد ربما يغنيه الله، ويكون عنده مال كثير، ولا يكون له عاصب إلا من أعتقه، فيستفيد، ثم إن الولاء -فيما سبق- قد يكون مفخرة إذا كان مولى الإنسان عالِمًا نافعًا، أو غنيًّا نافعًا، أو ما أشبه ذلك يكون مفخرة، مولى فلان، فالحاصل أنه إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد، فإن فيه مصلحة للمشترِي، ولو أعتق العبد.
طالب: ().
[ ١ / ٤٤٥٢ ]
الشيخ: أيش؟ ففي الكفارات أن يكون العتاق مؤمنًا، بل إن ظاهر حديث معاوية بن الحكم أنه لا يُعتق إلا المؤمن؛ لأنه لما ذكر أن له جارية لطمها، وأنه يريد أن يعتقها فكاكًا من إثمه دعاه الرسول ﵊، دعا الجارية، وقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أَنَا؟» قالت: رسول الله. قال: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٥).
وذكر أهل العلم أنه إذا كان يخشى من العبد أن يرجع إلى الكفار إذا أعتق؛ فإنه لا يعتق.
طالب: الولاء، ولكن لمصلحة.
الشيخ: ما يجوز. طيب لو أن أحدًا رأى شخصًا له ولد مُهذَّب، وعالم ونافع الناس بعلمه، وغني ونافع الناس بماله، شجاع ونافع الناس بشجاعته، قال: تعالَ أنا بعطيك مئة مليون، وخلِّ الولد لي، ما يحصل، فالولاء لُحمة كلُحْمة النسب، ما يمكن يتغير.
طالب: شيخ، إذا صححها ().
الشيخ: عدم التصحيح، أما إذا قلنا بالصحة فإنه يترتب على ذلك أنه إذا لم يفِ بها، فلمن هي له الفسخ، وأما إذا قلنا بعدم الصحة، فلا حق للمشترط لها، لكن هل له حق الخيار أم لا؟ سيأتينا في كلام المؤلف -إن شاء الله- أن له حق الخيار؛ يعني لمن اشترط شرطًا فاسدًا أن يفسخ العقد، إذا فات عليه شرطه، هذا الفرق.
طالب: ()، وإعتاق العبد، هل هذا فيه ()؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه هو الذي التزم به، هذا الرجل التزم به، أنا ما ألزمته، تبغي تشتريه بشرط أن تعتقه أهلًا وسهلًا، ما أنت مشتريه، خليه راكن عندي، فإذا التزم بذلك.
طالب: هل هذه المسألة واقعة؟
[ ١ / ٤٤٥٣ ]
الشيخ: واقع؟ () من الدراهم، ويحب أن يتحرر هذا العبد، أو ربما أن المشتري مثلًا جاء إليه، وهو كان يريد أن يعتقه، فقال: جزاك الله خير، بعه عليَّ؛ لأني أنا محتاج إلى كفارة، عليَّ كفارة يمين، أو كفارة ظهار، وقال: لا بأس، فخاف أن يكون في ذلك خديعة له، البائع خاف أن هذا المشتري لما يجي يقول: أنا أبغي أعتق عبدك؛ لأني عليَّ حاجة لكفارة، خاف أن يكون كاذبًا عليه مثلًا، أو خاف أنه إذا رأى في العبد ما يعجبه ألا يعتقه، وأن يطلب عبدًا آخر يعتقه، فاشترط عليه ذلك.
يقول: (إلا إذا شرط العتق)؛ يعني فإنه يصح، والسبب في ذلك قلت: لأن الشرع يتشوف للعتق وتحرير الرقاب.
(وبعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، وإلا فلا بيع بيننا صح) عندنا صورة نذكرها قبل، قال: بعتُك إن رضي زيد، ويش تقولون في هذا؟ سيذكره المؤلف، ما يصح، بعتك إن جئتني بكذا، ما يصح؛ لأن العقد مُعلَّق، والعقد المعلق لا يصح، لكن الصورة اللي معنا (بعتُك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، وإلا فلا بيع بيننا)، قال: بعتك هذا الشيء بألف ريال بشرط أن تنقدني الثمن في خلال ثلاثة أيام، فإن مضت ثلاثة الأيام، ولم تنقدني الثمن فلا بيع بيننا، واضح هذا ولَّا لا؟ يصح هذا ولَّا ما يصح؟
يقول المؤلف: إنه يصح؛ لأن التعليق هنا ليس للعقد، ولكنه للفسخ؛ ولهذا قلت: فلا بيع بيننا، بعتك: هذا إثبات، لا بيع: هذا فسخ؛ فالْمُعَلَّق هنا الفسخ، وفيه مصلحة ولَّا لا؟ فيه مصلحة للبائع، أنا خشيت أن هذا الرجل يماطِل بي، فقلت: إن نقدتني الثمن إلى ثلاث، أو أربعة أيام، أو أسبوع حسب ما أريد وإلا فلا بيع بيننا، نقول: هذا جائز ولا بأس به؛ لأن فيه مصلحة، ولا يخالِف شرْعًا، وإذا كان فيه مصلحة، ولا يخالف الشرع فهو جائز، لكننا نقول: إن هذا تعليق فسخ، وليس تعليق عقد.
طالب: () الطلاق يا شيخ؟
الشيخ: الطلاق؟
طالب: ().
الشيخ: يصح؛ لأنه تعليق فسخ.
طالب: ().
[ ١ / ٤٤٥٤ ]
الشيخ: بعتك إن جئتني بكذا، فقال: قبلت. يقول المؤلف: هذا لا يصح؛ لأنه تعليق عقد، وتعليق العقد لا يصح، هذه القاعدة في المذهب أن جميع العقود لا يصح تعليقها، هذا هو الأصل إلا أنهم استثنوا من ذلك عقود الولايات والوكالات، فإنه جائز؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحاب غزوة مؤتة: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» (٦). فعلَّق الولاية بالشرط، قالوا: كل الولايات التي يكون فيها الإنسان نائبًا عن غيره يجوز تعليقها، مثل: الوكالة، وأما بقية العقود المحضة، فالأصل فيها عدم جواز التعليق مع أنهم -﵏- في بعض الأحيان يجيزون تعليق العقوبة، ومن ثَمَّ اختلف أهل العلم الفقهاء: هل يجوز تعليق العقود أو لا يجوز؟ فجادة المذهب أنه لا يجوز تعليق العقود إلا ما استُثني، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى جواز تعليق العقود إذا كان المعلَّق عليه أمرًا ممكنًا معلومًا، وهذا الذي ذهب إليه الشيخ هو الصحيح؛ أن تعليق العقود إذا كان الْمُعلَّق عليه أمرًا ممكنًا معلومًا.
وقولنا: ممكنًا؛ يعني شرعًا وقدرًا، فإنه جائز؛ لأن ذلك فيه مصلحة، وكوننا نفرق بين عقد وعقد، هذا تناقض إلا بدليل واضح يقتضي التفريق، بل كوننا نفرق بين العقد والفسخ؛ الأصل أنه إذا جاز تعليق الفسخ جاز تعليق العقد.
لكن نقرر ما ذكره المؤلف قال: (إن جئتني بكذا) ويش مثال: (إن جئتني بكذا) أيش؟
بعتك إن رضي زيد، وظاهر كلام المؤلف سواء كان زيد أبًا للبائع أو أخًا كبيرًا ممن يحب أن يرضى بتصرفه، لا فرق، قال: بعتُك هذا إن رضي أبي، أو بعتُك هذا إن رضي أبوك، أو بعتك هذا إن رضي فلان من الناس، هذا لا يجوز، لماذا؟
[ ١ / ٤٤٥٥ ]
لأنه تعليق للبيع، والبيع لا بد أن يكون منجزًا، والصحيح أنه جائز؛ لأن ذلك تدعو المصلحة إليه أحيانًا، قد يأتيني مثلًا شاب، ويلزم عليَّ أن أبيع عليه بيتي، فأقول: بعتُك بيتي إن رضي أبوك، وأنا عارف إن أبوه ما براضٍ، وأن المصلحة تقتضي ألا يشتري هذا الشاب البيت، ولَّا لا؟ فأقول: إن رضي أبوك ما عندي مانع، بعتك إياه، فهذا ما فيه مانع، ويش المانع من هذا؟ قلت: بعتك بيتي بعشرة آلاف ريال إن رضي أبوك، ليس فيه مانع شرعي؛ فالصواب جوازه، ولكن لا بد أن تحدد بمدة لئلا تطول، فيحصل الضرر؛ لأن كلمة: إن رضي، أو إن جئتني بكذا، إذا جعلناها مطلقة إلى متى؟
طالب: إلى ما شاء الله.
الشيخ: ما ندري؛ ولهذا لا بد أن تُحدَّد بمدة حتى يزول الخلاف والنزاع. (أو يقول للمرتَهِن: إن جئتُك بحقك)؛ يعني في وقت كذا، وإلا فالرهن لك لا يصح البيع. (يقول: للمرتهن) من الذي يقول للمرتهن؟ الراهِن، من الراهِن؟ هل الراهن الطالب ولَّا المطلوب؟
طلبة: المطلوب.
الشيخ: المطلوب، هذا الراهن، وعند العوام أن الراهن هو الطالب، والحقيقة أن الراهن هو المطلوب، والطالب مرتهن، مثال ذلك: أنا مثلًا في ذمتي لفلان ألف ريال، وطلب مني رهنًا، أعطيته سيارة رهنًا، نسمي هذا الرجل مرتهنًا وأنا راهِن، قلت لهذا المرتهن: إن جئتك بألف ريال في خلال أسبوع وإلا فالسيارة لك، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، لماذا؟
على المذهب لا يجوز؛ لأنه بيع مُعلَّق؛ ولأن النبي ﷺ قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (٧). وهذا إغلاق للرهن من صاحبه.
[ ١ / ٤٤٥٦ ]
نشوف التعليل والدليل؛ القول الثاني في هذه المسألة: أنه يصح أن يقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا، وإلا فالرهن لك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، بل إن أحمد -﵀- فعله بنفسه، فقد اشترى حاجة -أظنها من بقال- وليس معه فلوس فقال للبقال: خذ نعليَّ، إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالنعال لك، فأخذ نعليه ()، هل جاب فلوس ولا راحت نعلاه؟
على كل حال، الإمام أحمد نفسه فعلها، وفعله له يدل على جوازه عنده؛ لأن مثل الإمام أحمد ﵀ لا يمكن أن يفعل شيئًا لا يراه جائزًا حسب حاله، والعصمة بيد الله ﷿.
المهم أن هذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ وهو أن يقول الراهن للمرتهِن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز، والقول الثاني أنه يجوز.
على المذهب إذا لم يأتِ الراهن بحق المرتهن في الوقت المحدد، ماذا يصنع المرتهن؟
طالب: ().
الشيخ: ما يملك الرهن، يبقى عنده رهنًا حتى يأتي ذاك بحقه؛ لأن هذا العقد غير صحيح، وما ليس بصحيح، فإنه لا أثر له.
أما على القول الثاني، فإنه إذا تمت المدة، ولم يأتِ الراهن بحق المرتهن يكون الرهن ملكًا للمرتهِن.
القول الثاني: الذين يقولون بالتصحيح يقولون: إن هذا شرط لا ينافي العقد، وشرط فيه مصلحة لكلا الطرفين، وأما التعليل بأنه عقد مُعلَّق فإننا نمنع من صحة هذا التعليل، ونقول: إن الأصل جواز الشرط، ولو كان تعليقًا للعقد، وأما الحديث: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (٨)، فلا ينطبق على هذه المسألة؛ لأنه ما دام صاحبه قد رضي بذلك، هل أُغلِق عليه؟ أبدًا ما أُغلق عليه، ثم إن تفسير قوله: «لَا يَغْلَقُ» بقوله: «لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»، يدل على أن الغلق معناه أن المرتهِن يستغل الرهن، وإذا تلف يُضمِّن الراهِن، فيكون هنا أخذ الغنم، ولم يقُم بالغرم، وهذا لا شك أنه إغلاق على صاحب الرهن.
طالب: ().
[ ١ / ٤٤٥٧ ]
الشيخ: على كل حال، إذا كان الراهن يرى أن هذا الرهن أكثر مما يُطلب لا يفرط فيه أبدًا.
طالب: ممكن يا شيخ عذر؟
الشيخ: أحسنت، إذا كان عذر يكون هذا محل نظر؛ يعني لو فُرض أن الراهن توجه بحقه إليه، لكن تعطَّلت السيارة مثلًا، أو كان هناك عُذر، هذا ينظر فيه في وقته، إنما الأصل الصحة، يمكن بعضكم لا يدري ماذا يُسمَّى، في عرفنا يسمونه بيع الخيار، إذا سمعت بيع الخيار فهو هذا، يقولون مثلًا: إن قطع له، أو أنه اشتراه من هذا بيع خيار؛ بيع الخيار هو الذي يقول: إن جئتك بحقك، وإلا فالرهن لك، وسموه خيارًا؛ لأن البائع بالخيار إذا جاء بحقه ما صار بيعًا.
قال المؤلف: (وإن باعه، وشرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ) (باعه وشرط البراءة) (باعه) كيف باعه، هو عبد حتى يباع؟
طالب: باع عليه.
الشيخ: إي، نقول: (باع) هذه تتعدى بنفسها وبحرف الجر، فتقول: بعته البيت، وتقول: بعتُ عليه البيت أو لا؟ وتقول: بعتُ زيدًا على البيت.
طلبة: لا، ..
الشيخ: ما تقول؟ إذن (باع) تتعدى إلى المعقود عليه بنفسه، وإلى العاقِد بنفسها تارةً، وبـ (على) تارة، وبـ (من) تارة أيضًا، بعت منه كذا، فهنا (باعه) يعني وإن باعه شيئًا، فالمفعول الثاني محذوف، والتقدير: وإن باعه شيئًا؛ أي باع عليه شيئًا.
(وشرط) من؟ البائع (شرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ) إذا شرط في العقد في نفس العقد أنه بريء من كل عيب مجهول، ما هو معلوم، فإن البائع لا يبرأ بذلك، مثاله: باع عليه السيارة، قال: بعتك هذه السيارة بخمسة آلاف على أنني بريء من كل عيب فيها، فقال: قبلت، وأخذ السيارة، ومشى، ثم ذهب المشتري، فوجد في السيارة عيبًا، فجاء إلى البائع، وقال له: وجدت فيها عيبًا، له أن يطالبه؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، المؤلف يقول: لم يبرأ، وعلى هذا فله أن يطالبه؛ لأن هذا الشرط غير صحيح، لماذا غير صحيح؟
[ ١ / ٤٤٥٨ ]
قالوا: لأنه لا يبرأ من العيب إلا بعد ثبوت البيع، فإن خيار العيب فرع عن ثبوت العقد، ولهذا لو أبرأه بعد العقد برئ، لو بعد أن باع عليه السيارة قال: بعتُك هذه السيارة بخمسة آلاف، ثم قال: اصبر، ترى ما تردها عليَّ بعيب، أنا بريء من جميع العيوب اللي فيها، على المذهب يصح؛ لأنه أبرأه من العيب بعد ثبوته؛ إذ إن الخيار فرْع عن العقد، فإذا أسقط الخيار بعد العقد صح، وإذا أسقطه قبل العقد أو مع العقد فإنه لا يصح، هذا ما ذهب إليه الفقهاء ﵏، وعلى هذا فهم يُفرِّقون بين الإبراء من العيب إذا كان في العقد أو قبله أو بعده، فإذا كان قبله لم يصح، إذا كان معه لم يصح، إذا كان بعده صح.
طالب: لو كان مع البيع يعتبر شرطًا ولَّا أيش؟
الشيخ: شرط، إي نعم، هذا شرط براءة.
طالب: مثاله يا شيخ؟
الشيخ: هذا المثال، الآن جاء رجل إليَّ ليشتري مني سيارة قال: أبغي أشتريها منك بخمسة آلاف ريال، قلت: طيب، لكن ترى بريء من جميع العيوب التي فيها، فقال: لا بأس، ثم بعد ذلك عقدنا البيع، هذا الإبراء متى؟ قبل العقد.
الصورة الثانية: قال: أريد أن أشتري () الذي فيها وهو كذا وكذا، ووصفه، يصح؛ لأن العيب معلوم الآن، وكأنه قال: بعتُك هذه السيارة بوصفها معيبة، لا أنه شيء سيُسقط، هذا جائز، ولا بأس به، وسواء أعلمه به أو كان العيب ظاهرًا يُشاهَد، يمكن يكون العيب ظاهرًا مشاهَدًا؟ نعم، يمكن، كما لو بعت عليه السيارة، وفيها آثار الصدم ظاهرة، هذا عيب ظاهر، أو بعت عليه بيتًا، وآثار القِدم عليه بادية، فيه مثلًا شقوق، وفيه أبواب مكسرة، وما أشبه ذلك، هذا واضح معلوم، وقد رضِيَ به المشتري، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
[ ١ / ٤٤٥٩ ]
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا أبرأه من العيوب المجهولة، فإما أن يكون عالِمًا بها، لكن كتمها، فهذا لا يبرأ؛ لأنه قد خدعه وغشَّه، وإما أن يكون جاهلًا بالعيوب، فهذا يبرأ؛ لأن هذا هو الذي يقدر عليه، وهو يريد أن يسلم من مطالبة المشتري، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا هو المعروف عن الصحابة ﵃ أن البراءة من العيوب المجهولة إن كان البائع عالِمًا بها فإنه لا يبرأ، لماذا؟
طالب: لأنه غشه.
الشيخ: لأنه غاش، ولا نمكن أهل الغش والخداع من أعمالهم، وإن كان جاهلًا فإنه يبرأ، لكن كيف يكون جاهلًا بعيوب سلعته؟ كيف ذلك؟
طالب: قد يكون خلل بالسيارة من داخلها، لا يعلمه.
الشيخ: ربما يكون البائع قد اشتراها من جديد، ولا يدري عن العيوب التي فيها، وربما تكون السيارة يُنادى عليها في السوق، ولا يعلم عنها المنادي.
المهم أنه ممكن، هذا كثير، ومنه ما يكون فيما سبق لما كان الناس فقراء إذا مات الميت يُؤتى بتركته، وينادى عليها في الأسواق فيها بعض الأجهزة ما يُدرى عنها، فيشترط البائع البراءة من عيوبها، هذا جائز؛ لأن هذا هو منتهى قدرته وهو يريد أن يَسلم من المطالبة، والمشتري قد أسقط حقه؛ إذ لو شاء المشتري لقال؟
طالب: لا ().
الشيخ: لا أُقِرّ بذلك، ولا أرضى، بل إذا وجدت عيبًا فسأردها عليك، فإذا رضي بذلك والبائع ليس عنده غش ولا خداع، فالصواب أن هذا جائز ولا بأس به.
وعلى هذا فما يفعله بعض الناس اليوم في بيع السيارات ينبني على هذا، تجد البائع يعرف أن فيها عيبًا معينًا، لكن يجي يقول: شوفوا يا جماعة، تراها خشب على كفرات، علشان أيش؟ علشان يبرأ وهو يعلم أن فيها العيب المعين، هذا لا شك أنه غاش، ولا يبرأ من ذلك إذا علمنا أنه قد علم بالعيب، لكن ما هو الطريق إلى العلم بأنه علم بالعيب؟
طالب: إذا كان حقه.
[ ١ / ٤٤٦٠ ]
الشيخ: إي، لا، حقه، وقد يخفى عليه، لكن إذا علمنا أنه أسرَّ لأحد أو تكلم عند أحد وقال: والله السيارة الآن بدأت تُخبِّط، وأبغي أبيعها، علم أنه عالم بالعيب.
طالب: ممكن يقولها مُحرِّج يا شيخ، كل سيارة بيقول هذا.
الشيخ: إي نعم، لكن هل المحرِّج هذا يعلم بالعيب ..
طالب: لا ما يعلم، بس النهاية اللي بيشتري ..
الشيخ: إي، لكن يجب على البائع صاحب السيارة إذا كان يعلم بها عيبًا أن يقول للدلال: فيها العيب الفلاني؛ لأنه لاحظ الآن إذا كانت السيارة فيها عيب معلوم، وبيَّنه فهي تساوي عشرة، فإذا بينه كم تساوي لنفرض أنها تساوي ثمانية، كذا؟ فإذا كانت سليمة من العيب مئة بالمئة تساوي عشرة، وإذا باعها هكذا ترى ما تردونها عليه، وترى كل عيب فيها وما أشبه ذلك، كم تساوي؟
طالب: عشرة.
الشيخ: تساوي تسعة، لا، ما تساوي عشرة، تنقص القيمة، لكن ما تنقص كما لو عُيِّن العيب، تساوي تسعة، هذا هو المعروف، وعلى هذا ففيه غش، وأكل للمال بالباطل، ولا يمكن أن نمكن أهل الغش وأكل المال بالباطل من تماديهم في أعمالهم.
طالب: ().
الشيخ: (وإن باعه دارًا على أنها عشرة أذرع، فبانت أكثر أو أقل صح) ويش اللي يصح؟
طلبة: البيع.
الشيخ: يصح البيع، وهذه دائمًا تقع، وقول المؤلف: (دارًا) هذا على سبيل المثال، مثاله: بعتُ عليكَ بيتي على أنه مُسطَّحُه كذا وكذا من الأمتار، فتبين أنه أكثر؛ فالبيع صحيح؛ لأن البيع الآن على هذا الشيء المعين من الأرض، أنا ما بعت عليك عشرة أمتار مثلًا، بعتُ عليك بيتًا، وقلت: إنه عشرة فتبين أنه أحد عشرة أو أنه تسعة، فالبيع صحيح، ولا يضر، عرفتم؟ فإن باعه عشرة أمتار من هذه الأرض، وتبيَّنت أقل، فإن البيع يكون غير صحيح؛ لأنه لم يتم له ما عقد عليه، لكن هذا باعه دار على أنها عشرة أذرع، فبانت تسعة، أو بانت أحد عشر، فالبيع صحيح، ولكن لو بانت أكثر وقال المشتري: أنا شاريه منك عشرة، والآن صارت إحدى عشر ().
طالب: ().
[ ١ / ٤٤٦١ ]
الشيخ: له أن يرجع؟ شوف المؤلف يقول: (ولمن جهله وفات غرضه الخيار) (لمن جهله) أي: جهل المقدار، وفات غرضه له الخيار، فأفادنا المؤلف أن الخيار يثبت بشرطين: أحدهما: أن يكون جاهلًا بحقيقة الأمر، والثاني: أن يفوت غرضه، فإن باعني دارًا على أنها عشرة أذرع، وأنا أدري أنها تسعة، ثم لما تم العقد جئت إليه، وقلت: أنت بعتني إياها على أنها عشرة، والآن تبين أنها تسعة، فلي الخيار، نقول: لا خيار لك، لماذا؟ لأنك عالم بأنها ناقصة، ولا خيار لك، أو باعه على أنها عشرة أذرع، فبانت أحد عشر ذراعًا، فجاء البائع للمشتري، وقال: تبين أن البيت أكثر مما قلنا، فلي الخيار، والبائع يعلم أنها أحد عشر، فماذا نقول؟ لا خيار له؛ لأنه عالِم.
الشرط الثاني: قال: (وفاتَ غرضه)، فمفهومه إذا لم يفُت الغرض فلا خيار أيضًا، وفوات الغرض أن يُطالِب من له الزيادة بعوضها، فإذا لم يطالِب فإنه لم يفت غرض الذي حصلت له الزيادة، مثال هذا: اشترى هذه الأرض على أنها عشرة أذرع فبانت أحد عشر ذراعًا، وهبطت قيمة الأرض، فجاء المشتري للبائع، وقال له: أنا اشتريت منكَ الأرض على أنها عشرة أذرع، فبانت أحد عشر ()، صارت أكثر مما وقع عليه العقد، ()؛ لأن الأرض هبطت، هو اشتراها بألف، ما تسوى إلا خمس مئة الآن، لكن البائع قطع عنه خط الرجعة، وقال له: شاري على أنها عشرة والآن صار إحدى عشر، قال: نعم. قال: الحادي عشر لك مجانًا، يصير له الخيار ولَّا لا؟ ما له خيار الآن، الآن ليس له خيار، لماذا؟ لأنه لم يفُت غرضه.
طيب عكس هذا، اشتراها على أنها عشرة، فبانت تسعة، فجاء المشتري إلى البائع، وقال: إني اشتريتها على أنها عشرة، فبانت تسعة ()، قال: تعالَ كم اشتريت منه؟ بمئة، يكون الذراع بكم؟ بعشرة، قال: لا، لا تعطه إلا تسعين فقط، هل عليه نقص؟
[ ١ / ٤٤٦٢ ]
هو الآن ما عليه نقص من حيث الثمن؛ لأنه سقط من الثمن بقدر ما نقص من المساحة، لكن قد يفوت غرض المشتري، ويقول: أنا اشتريتها على أنها عشرة؛ لأني أبغي أُفصِّل بيت على أنه عشرة، فيه الحجرة بكذا، وفيه الحجرة بكذا، والآن لما نقص يفوت غرضي، ستصغر الحجر مثلًا، هل له الخيار أم لا؟
طلبة: نعم له.
طالب: له الخيار.
الشيخ: طيب نشوف، قد نقول: له الخيار؛ لأن هذا أمر ممكن، وقد نقول: لا خيار لك؛ لأنك تشاهد الأرض، وكوننا نُقدِّرها بالعشرة أو بالتسعة، هذا بناءً على ظننا أو أننا مترنا وغلطنا، لكنك أنت اشتريت مني أرضًا محدودة، فلا خيار لك، وعلى هذا فنقول: المسألة فيها تفصيل إذا علمنا أن هذا الرجل اشتراها للبناء، وأن غرضه يفوت إذا نقصت أمتارها فله الخيار، وإلا فلا خيار له، والله أعلم.
طالب: ().
الشيخ: لو أُعطِي قيمة النقص، لكن هذا، لا يفوته غرض، إذا أُعطِي حصة الزائد ما فيه شيء، لكن لو كانت الأسعار تغيَّرت؛ يعني أنا بعت عليك مثلًا ألف متر بألف درهم، المتر بكم يكون؟ ألف متر بألف درهم، المتر بدرهم، لكن عندما متَّرناها وزادت صار المتر بدرهمين، هل أعطيك ثمن الزيادة الآن ولَّا ثمنها باعتبار الشراء؟ لأن البائع قد رضي بأن هذا هو الثمن.
طالب: المسألة ما يصير بها إجحاف للبائع؟
الشيخ: أبدًا ما فيها إجحاف؛ لأنه راضٍ بالبيع.