يُسَنُّ للمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ الإحرامُ بالْحَجِّ يومَ الترويةِ قبلَ الزوالِ منها ويُجْزِئُ من بَقِيَّةِ الْحَرَمِ، ويَبيتُ بِمِنًى، فإذا طَلَعَت الشمسُ سارَ إلى عَرفةَ، وكُلُّها مَوْقِفٌ إلا بَطْنَ عُرَنَةَ،
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم
[ ١ / ٣٩٢١ ]
ومن ترك شيئًا من الطواف، أو لم ينوه، أو نسكه، أو طاف على الشاذروان، أو جدار الحجر، أو عريان، أو نجسًا؛ لم يصح، ثم يصلي ركعتين خلف المقام.
فصل
ثم يستلم الْحَجَر، ويخرج إلى الصفا من بابه، فيرقاه حتى يرى البيت، ويكبر ثلاثًا ويقول ما ورد، ثم ينزل ماشيًا إلى العلم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر، ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيه، ورجوعه سعيه، فإذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة والستارة والموالاة.
ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج، والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه يشترط للطواف أن ينويه، وأن يُعيِّن النسك قبله، وأنه يُشترط أن يستر عورته، وأن يكون مُتطهِّرًا من النجاسة، وأن يستوعب جميع الكعبة، ومنها الحجر، وأن يجعل البيت عن يساره.
ولم يذكر المؤلف -﵀- ما إذا طاف مُحدِثًا اكتفاءً بما سبق في نواقض الوضوء، حيث قال: (ويحرم على المحدث مس المصحف، والصلاة، والطواف).
وعلى هذا فيشترط في الطواف أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر.
ودليل ذلك: حديث ابن عباس ﵄: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» (١).
وقول الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]. وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم: أنه لا بد أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، واستدلوا أيضًا بقول النبي ﵌ لعائشة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (٢).
[ ١ / ٣٩٢٢ ]
وبقوله حين أراد أن ينفر، فقيل له: إن صفية قد حاضتْ، قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فَانْفِرُوا» (٣).
وذهب شيخ الإسلام -﵀- إلى أنه لا يُشترط الوضوء للطواف.
وأجاب عن هذه الأدلة بأن قوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله ﵌؛ لأن معناه لا يصح، إذ إنه قال فيه: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»، والاستثناء عند الأصوليين معيار العموم؛ يعني أنه إذا جاء شيءٌ واستُثني منه شيءٌ دلَّ ذلك على أن بقية الصور غير المستثنى داخلة في المستثنى منه، فيكون عامًّا إلا في الصورة المستثناة.
وهذا لا يصح أن يقال: إن الطواف بالبيت صلاة في كل شيء إلا في الكلام؛ وذلك لأنه يُخالف الصلاة في أشياء كثيرة سوى الكلام، فمن ذلك أنه لا يُشترط فيه القيام، والصلاة يُشترط فيها القيام؛ يعني لو طاف يزحف فإن طوافه صحيح.
ومن ذلك أنه لا يُشترط له تكبير، والصلاة يُشترط لها تكبيرة الإحرام، ومن ذلك أنه لا يشترط له استقبال القِبلة، بل لا بد أن يكون البيت عن يساره.
وإن كان هذا قد يقول قائل: إن كونه عن يساره كاستقبال القبلة في أنه لا بد أن يكون البيت عن جهة من بدنه.
ومنها: أنه لا تشترط فيه القراءة لا الفاتحة ولا غيرها، بل لا يسن فيه أن يقرأ الفاتحة بعينها وسورةً معها.
ومنها: أنه ليس فيه ركوع ولا سجود، ولا يجب فيه تسبيحٌ بالله العظيم، أو بالله الأعلى.
ومنها: أنه يجوز فيه الأكل والشرب، والصلاة لا يجوز فيها الأكل والشرب.
ومنها: أنه لا يبطله التبسُّم (الضحك)، والصلاة يبطلها الضحك.
ومنها: أنها لا تشترط فيه الموالاة على رأي كثير من العلماء، والصلاة يشترط فيها.
[ ١ / ٣٩٢٣ ]
ولو أنك تأملت لوجدت أنه يخالف الصلاة في أكثر الأحكام، وكلام الرسول ﵊ لا بد أن يكون منضبطًا، لا ينتقض بصورة من الصور.
وأما الاستدلال بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] فنقول: إنه لا يلزم من تطهير المسجد من الخبث أن يكون الإنسان الذي يطوف بالبيت طاهرًا من الحدث؛ لأنه لو لزم من ذلك لقلنا: يجب على الإنسان أن يتطهر لدخول المسجد الحرام، وإن لم يُرد الطواف، ولو كان كذلك أيضًا لكان مناقضًا لقول الرسول ﵊: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» (٤).
وأما حديث عائشة وحديث صفية، فليس العلة عدم الطهارة، إنما العلة عدم جواز المكث في المسجد من الحائض، وهذا لا يستلزم وجوب الطهارة في الطواف؛ ولهذا كان القول الراجح أن المرأة الحائض إذا اضطرت إلى طواف الإفاضة في حال حيضها كان ذلك جائزًا، لكنها تتوقى ما يخشى منه تنجيس المسجد بأن تستثفر؛ أي: تجعل الحفاضة -كما يسمونها- على فرجها؛ لئلا يسيل الدم فيلوث المسجد.
وعليه، فالقول الراجح الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها -بلا شك- أفضل وأكمل، وأتبع للنبي ﵌، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، لكن أحيانًا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام.
مثل: لو أحدث في أثناء طوافه في زحام شديد، فإن القول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ، ثم يأتي في هذا الزحام الشديد -ولا سيما إذا كان لم يبقَ عليه إلا بعض شوط- فيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة، ولم يظهر فيه النص ظهورًا بيِّنًا، فإنه لا ينبغي أن نلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
[ ١ / ٣٩٢٤ ]
فهذا هو القول الذي نذهب إليه؛ أن الطهارة من الحدث الأصغر ليست بواجبة، لكنها سُنَّة وأفصل بلا شك، ولا ينبغي للإنسان أن يفرط بها مع هذا الخلاف من أهل العلم، لكن أحيانًا يكون لا بد من القول بهذا؛ أي: بأن الطهارة ليست بشرط.
قال المؤلف: (ثُمَّ يصلي ركعتين خلْف المقام).
(ثم) أي بعد الفراغ من الطواف يُصلي ركعتين خلف المقام؛ لفعل النبي ﵌.
وينبغي إذا تقدَّم أن يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] كما قرأها النبي ﵌ (٥)، ومن أجل أن يشعر بفائدة عظيمة بيناها لكم فيما سبق، وهي أن فعله للعبادة امتثالٌ لأمر الله ﷿ حتى تتحقق بذلك الإنابة إلى الله ﷾ والذل لأوامره.
وقوله: (خلف المقام) أي: مقام إبراهيم، وهو معروف، وسمي مقامًا؛ لأنه قام عليه ﵊ حين ارتفع بناء الكعبة فبنى عليه.
وقد قيل: إن موضع قدميه كان بيِّنًا في هذا الحَجَر، لكن لطول السنين ولكثرة من يتمسح به الناس زال موضع القدمين.
واختلف المؤرخون: أين مكان هذا المقام في عهد النبي ﵌؟ هل هو لاصقٌ بالكعبة، أو هو في مكانه الآن؟
فمنهم من قال: إنه لاصقٌ بالكعبة، وأن الذي قدمه إلى هذا المكان عمر بن الخطاب ﵁ من أجل التوسعة على الطائفين، ومنهم من قال: بل هذا مكانه.
وليس هناك عندي شيء يفصل بين القولين، فإن قوله -أي: قول جابر في حديثه الطويل المعروف: ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٦) - يحتمل أنه تقدم من منتهى الطواف -وهو الحجر- إلى مكان المقام -وهو خلف باب الكعبة- ويحتمل أنه تقدم إليه في مكانه الحاضر.
[ ١ / ٣٩٢٥ ]
فإذا قلنا: إن مكانه الحاضر هو مكانه في عهد الرسول ﵊، فهل لنا فيما لو احتجنا إلى تأخيره ليتسع المطاف أن نُؤخره؟ الجواب: لا؛ لأنه توقيفي.
وإذا قلنا: إنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أخَّره عمر؛ فللاجتهاد في ذلك مجال، قد نقول بجواز تأخيره إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
وقوله: (يصلي ركعتين خلف المقام) ظاهر كلامه أنه لا يشترط فيهما الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما، وإن كان مكانهما بعيدًا من المقام، وهو كذلك، ولكن كلما قرب من المقام فهو أفضل، إلا أنه إذا دار الأمر بين أن يصلي قريبًا من المقام مع كثرة حركته لرد المارين بين يديه، أو مع التشويش فيمن يأتي ويذهب، وبين أن يصلي بعيدًا عن المقام، لكن بطمأنينة، فأيهما أفضل؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أفضل؛ لأن ما يتعلق بذات العبادة أوْلى بالمراعاة مما يتعلق بمكانها كما سبق، وعلى هذا، فلو تأخر الإنسان إلى ما حول المسعى وصلاهما فقد أتى بالسنة.
ثم قال المؤلف: (فصل). ولم يذكر الماتن -﵀- ماذا يقرأ في هاتين الركعتين؛ لأنه مختصرٌ، لكن جاءت السنة بأنه يقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (قل هو الله أحد) (٧)؛ لأنهما سورتا الإخلاص، فـ (قل يا أيها الكافرون) فيها إخلاص القصد، و(قل هو الله أحد) فيها إخلاص العقيدة، فالتوحيد في (قل هو الله أحد) توحيدٌ علمي عقدي، وفي (قل يا أيها الكافرون) عملي إرادي.
قال: (فصل: ثم يستلم الحجر، ويخرج إلى الصفا من بابه).
(ثم) أي: بعد الصلاة يعود، ويستلم الحجر، كما ثبت ذلك عن النبي ﵌ (٥). والظاهر أن استلام الحجر لمن أراد أن يسعى، وأما من طاف طوافًا مجردًا، ولم يُرِدْ أن يسعى فإنه لا يُسنُّ له استلامه، وهذا الاستلام للحجر كالتوديع لمن قام من مجلس، فإنه إذا أتى إلى المجلس سلَّم، وإذا غادر المجلس سلَّم. هذا الظاهر والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٢٦ ]
ولم يذكر المؤلف سوى الاستلام، وعليه فلا يُسنُّ تقبيلُه في هذه المرة، ولا الإشارة إليه، بل إن تيسر أن يستلمه فعل، وإلا انصرف من مكانه إلى المسعى.
يقول: (ويخرج إلى الصفا من بابه)
(من بابه)؛ لأنه أيسر، وكان المسجد الحرام -فيما سبق- له أبواب دون المسعى؛ يعني أن حدوده دون المسعى، وله أبواب يخرج الناس منها.
فقوله: (يخرج إلى الصفا من بابه) نعلله بأن ذلك أسهل.
(فيرقاه) أي الصفا (حتى يرى البيت).
ولم يذكر المؤلف -﵀- ماذا يسن إذا قرب من الصفا؛ لأنه مختصر، ولكن يسن إذا دنا من الصفا أن يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (٥).
وتلاوة هذه الآية كتلاوة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي: أن الإنسان يشعر بأنه يفعل ذلك، أيش؟
طلبة: طاعة لله.
الشيخ: طاعةً لله وامتثالًا لأمره ﷾.
(فيرقاه) أي: يرقى الصفا.
(حتى يرى البيت) أي: الكعبة، فيستقبلها -يستقبل الكعبة- ويرفع يديه.
(ويكبر ثلاثًا، ويقول ما ورد) يعني يقول: الله أكبر وهو رافعٌ يديه ثلاث مرات (٥).
(ويقول ما ورد) ومنه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعدَهُ، ونصر عبدَهُ، وهزم الأحزاب وحده.
ثم يدعو، ثم يعيد الذِّكْر مرةً ثانيةً، ثم يدعو، ثم يعيد الذكر مرةً ثالثةً، وينزل متجهًا إلى المروة (٥).
قال: (ثم ينزل ماشيًا إلى العَلَم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر).
قوله: (ينزل ماشيًا إلى العلم الأول) (العَلَم) يعني ما جُعل علامة، وهو الشيء الشاخص البَيِّن، ومنه سُمِّي الجبل عَلَمًا، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: ٣٢].
[ ١ / ٣٩٢٧ ]
وكان فيه عمود أخضر في هذا المكان، ولا يزال الآن العمود الأخضر، والآن زاد وضوحًا بالأنوار التي تحيط بهذا المكان.
وقوله: (إلى العلم الأول)؛ لأن هناك علمين: علمًا جنوبيًّا، وعلمًا شماليًّا، فالذي يلي الصفا جنوبي، والذي يلي المروة شمالي، فيسعى.
(ثم يسعى شديدًا إلى الآخر) (شديدًا) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: سعيًا شديدًا، والسعي هنا بمعنى الركض، فيسعى سعيًا شديدًا بقدْر ما يستطيع، لكن بشرط ألا يتأذى أو يؤذي، فإن خافَ من الأذية عليه أو على غيره فليمشِ، ويسعى بقدر ما يتيسر له، وإنما قال: (شديدًا) لفعل الرسول ﷺ؛ فإنه كان يسعى حتى تدور به إزاره من شدة السعي (٨).
فإن قال قائل: ما الحكمة؟
فالجواب: أنه في هذا المكان وادٍ؛ أي: مسيل مطر، والوادي في الغالب يكون نازلًا.
[ ١ / ٣٩٢٨ ]
وأصل السعي أن يتذكر الإنسان حال أم إسماعيل، فإنها ﵂ خلَّفها إبراهيم ﵊ هي وابنها في هذا المكان، وجعل عندهما سقاءً من ماء، وجرابًا من تمر، فجعلت الأم تأكل من التمر، وتشرب من الماء، وتسقي اللبن لولدها، فنفد الماء، ونفد التمر، فجاعت وعطشت، ويبس ثديها؛ فجاع الصبي، وجعل يتلوَّى من الجوع، فأدركتها الشفقة، فرأت أقرب جبل إليها الصفا، فذهبت إلى الصفا، وجعلت تتحسس لعلها تسمع أحدًا، ولكنها لم تسمع، فنزلت إلى الاتجاه الثاني، إلى جبل المروة، ولما هبطت في بطن الوادي نزلت عن مشاهدة ابنها، فجعلت تسعى سعيًا شديدًا حتى تصعد لتتمكن من مشاهدة ابنها، وبقيت تتسمع –تتحسس- على المروة، ولم تسمع شيئًا، حتى أتمت هذا سبع مرات، ثم أحست بصوت لكن لا تدري من، فإذا هو جبريل نزل بأمر الله ﷿، فضرب بجناحه أو برجله الأرض مكان زمزم الآن، فنبع الماء في الحال؛ ففرحت بذلك فرحًا شديدًا، وجعلت تحوش الماء -تُحجِّره- خافت أن يتسرب وينفد، قال النبي ﵊: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكَانَ عَيْنًا مَعِينًا»، ولكن مِن رحمة الله ﷿ أنها حجرته، لو كان عينًا معينًا لصار فيه ضيق على الناس؛ لأن هذا المكان صار مسجدًا، فلو كان عينًا معينًا يجري لكان في ذلك مشقة، ولكن من رحمة الله أنها حجَّرته حتى صار كالبئر.
المهم أنها شرِبت من هذا الماء، وصار هذا الماء شرابًا طعامًا، ودرَّت على الولد، وهيَّأ الله لها قومًا من جرهم مروا بمكة، فتعجبوا أن تكون الطيور تأوي إلى هذا المكان، وقالوا: لا يمكن أن تأوي الطيور إلى هذا المكان إلا وفيه ماء، وكانوا لا يعهدون ماءً في هذا المكان، فجاؤوا نحو هذه الجهة فوجدوا إسماعيل وأمه، فنزلوا عندهم، والقصة مطولة في صحيح البخاري (٩).
[ ١ / ٣٩٢٩ ]
المهم أن هذا هو السبب في أن الناس يسعون سعيًا شديدًا إذا وصلوا هذا المكان، الآن ليس فيه وادٍ، لكن فيه علامة على مبتدأ الوادي، وهو هذا العلم الأخضر.
يقول: (ثم يمشي، ويرقى المروة، ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيَة، ورجوعه سعيَة)، يعني فليس السعي هنا دورةً كاملةً، بل نصف دورة، من الصفا إلى المروة سعية، ومن المروة إلى الصفا سعية أخرى.
وقول المؤلف: (يرْقَى عليه، ويرْقَى على المروة) ليس بشرط، وإنما الشرط أن تستوعب ما بينَ الجبلين، ما بين الصفا والمروة، فما هو الذي بينهما الآن؟ هل هو مبتدأ الارتفاع أو ماذا؟
نقول: الذي بينهما هو هذا الذي جُعِل مَمَرًّا للعربات، هذا هو المكان الذي يجب السعي فيه، وأما ما بعد مكان الممر فإنه من المستحب، وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اقتصر في سعيه من حد -ممر العربات- لأجزأه؛ لأن الذين وضعوا هذه العربات وضعوها على أن منتهاها من الجنوب والشمال هو منتهى المسعى.
يقول: (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول)، لماذا؟
لأنه يشترط أن يبدأ بالصفا، فإذا بدأ بالمروة فإنه يسقط الشوط الأول ويلغيه، كما لو بدأ بالسجود في الصلاة فإنه يسقط ولا يعتبر، فلا بد أن يبدأ بالصفا.
(فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة) بقي أن نقول: المؤلف لم يذكر فيه اشتراط النية، فهل النية فيه شرط؟
فالجواب أن يقال: النية في السعي كالنية في الطواف، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يُشترط له نية، يُشترط نية في الطواف، لكن لا يشترط أن يكون لعمرة أو لحج؛ لأن النسك الذي هو فيه يُعيِّن أنه للعمرة أو للحج، كذلك نقول في السعي.
والمؤلف -﵀- أتى بالسعي بعد الطواف، فهل يشترط أن يتقدمه طواف؟
الجواب: نعم يُشترط، فلو بدأ بالسعي قبل الطواف وجب عليه إعادته بعد الطواف؛ لأنه وقع في غير محله.
[ ١ / ٣٩٣٠ ]
فإن قال قائل: ما تقولون فيما صح عن رسول الله ﷺ أنه سئل، فقال له رجلٌ: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: «لَا حَرَجَ» (١٠)؟
فالجواب: أن هذا في الحج، وليس في العمرة.
فإن قيل: ما ثبت في الحج ثبت في العمرة؛ لأن الطواف والسعي في الحج وفي العمرة كلاهما ركنٌ، فما ثبت في الحج ثبت في العمرة؟
فالجواب: أن يقال: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الإخلال بالترتيب في العمرة يخل بها تمامًا؛ لأن العمرة ليس فيها إلا طواف وسعي وحلْق أو تقصير، لكن الإخلال بالترتيب في الحج لا يؤثر فيه شيئًا؛ لأن الحج يُفعل فيه خمسة أنساك في يوم واحد، ولهذا لا يصح قياس العمرة على الحج في هذا الباب.
ويُذكر عن عطاء بن أبي رباح عالم مكة -﵀- أنه أجاز تقديم السعي على الطواف في العمرة، وقال به بعض العلماء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز مع النسيان أو الجهل، لا مع العلم والذكر.
ثم قال المؤلف: (وتسن فيه الطهارة)
(تُسن فيه) أي في السعي (الطهارة) من أي شيء؟
طالب: الحدث.
الشيخ: من الحدث والنجس أيضًا، ولا تُشترط الطهارة، فلو سعى مُحدِثًا، أو سعى وهو جُنُب، أو سعت المرأة وهي حائض؛ فإن ذلك مجزِئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة.
(والستارة) يعني ستْر العورة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يسعى عريانًا عريًا كاملًا، لكن ربما يكون إزاره أو قميصه إذا كان في سعي الحج بعد التحلل الأول خفيفًا ترى من ورائه البشرة، أو يكون فيه شق -خرق- تُرى من ورائه العورة، ففي هذه الحال نقول: إن سعيه صحيح؛ لأن السترة فيه سنة.
[ ١ / ٣٩٣١ ]
(والموالاة) (الموالاة) يعني أن تكون الأشواط متواليةً، وليس ذلك بشرط، فلو سعى الشوط الأول في أول النهار، وأتم في آخر النهار فسعيه صحيحٌ، لكنه خلاف السنة، ولو سعى الشوط الأول في الساعة الواحدة، والثاني في الساعة الثانية، والثالث في الساعة الثالثة، والرابع في الساعة الرابعة، والخامس في الساعة الخامسة، والسادس في الساعة السادسة، والسابع في الساعة السابعة، أي: كل ساعة يأتي بشوط؛ لكان سعيه صحيحًا؛ لأن الموالاة سُنَّة وليست بشرط، لكن المذْهَب أن الموالاة فيه شرط كالطواف.
ومن ثم صرف الشارح عبارة الماتِن إلى هذا المعنى، فقال: (تُسَنُّ الموالاة بينه وبين الطواف)، وهذا صرفٌ للعبارة عن ظاهرها، وإنما صَرَفها الشارح عن ظهرها من أجل أن تطابق المذهب؛ لأن الماتِن اشترط في خطبة الكتاب أنه على قوْل واحد، وهو الراجح في مذهب أحمد، والراجح في مذهب أحمد أن الموالاة في السعي شرط، كما أن الموالاة في الطواف شرط. وهذا القول أصح؛ أن الموالاة شرط في السعي، كما أنها شرط في الطواف.
ويدل لهذا القول أن النبي ﵌ سعى سعيًا متواليًا، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١١)، ويدل له أيضًا أن الإنسان لو فرق السعي كما صورنا قبل قليل لم يقل أحد: إنه سعى أيش؟ سبعة أشواط؛ لتفرق السعي.
نعم، لو فُرض أن الإنسان اشتد عليه الزحام فخرج ليتنفس، أو احتاج إلى بول أو غائط فخرج ليقضي حاجته، ثم رجع، فهنا نقول: لا حرج؛ لأن الموالاة هنا فاتت للضرورة، وهو حين ذهابه قلبه معلق بالمسعى، ففي هذه الحال لو قيل بذلك لكان له وجه.
أما أن يقول: سأطوف شوطًا اليوم، وشوطًا غدًا، وشوطًا بعد غد، أو شوطًا اليوم، وشوطًا بعد عشرة أيام، وشوطًا بعد عشرة أيام؛ يكون السعي كم في سبعين يومًا؟ فهذا قولٌ ضعيفٌ لا شك فيه.
يقول المؤلف ﵀: (ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره).
[ ١ / ٣٩٣٢ ]
(إن كان) أي الساعي (متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره)، والتقصير هنا أفضل من الحلق؛ من أجل أن يتوفر الحلق للحج.
وظاهر هذا التعليل أنه لو قدم مكة مبكرًا في شوال مثلًا، فالتقصير في حقه أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج.
طلبة: الحلق ..
الشيخ: نعم، سوف يتوفر الشعر ..
طلبة: الحلق أفضل إذا أتى في شوال.
الشيخ: نعم، إذا أتى متقدمًا فإن الحلق أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج.
ولكن اشترط المؤلف: (لا هدي معه)، فإن كان معه هدي فإنه لا يحل؛ لقول النبي ﷺ: «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (١٢).
وظاهر كلام المؤلف أنه يمكن أن يتمتع مع سَوْق الهدي؛ لأنه قال: (متمتعًا لا هدي معه)، ولكن كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
يقولون في هذه الصورة: إذا طاف وسعى أدخل الحج؛ يعني أحرم بالحج بدون تقصير، وهل يكون قارنًا في هذه الحال؟
يقولون: إنه ليس بقارِن، ولهذا يلزمونه بطواف وسعي في الحج، كما طاف وسعى في العمرة، ولو كان قارنًا لكفاه السعي الذي كان عند قدومه، وعليه، فيُلغز بهذه المسألة، يقال: لنا مُتمتِّع حرم عليه التحلل بين العمرة والحج، فما الجواب؟
طلبة: ساق الهدي.
الشيخ: الجواب: أنه مُتمتِّع ساق الهدي.
يقول: (وإلا حل إذا حج) (وإلا) كلمة (وإلا) يدخل فيها ثلاث صور:
يدخل ما إذا كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي.
(وإلا) أي بأن كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي، يقول: حل إذا حج؛ لتعذُّر الحل منه قبل أن يبلغ الهدي محله.
[ ١ / ٣٩٣٣ ]
ثم قال المؤلف: (والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) المتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية؛ لأنه شرع في الركن المقصود، ووصل إلى مقصوده، والتلبية إنما تكون قبل الوصول إلى المقصود، فإذا وصل إلى المقصود فلا حاجة إلى التلبية، فإذا شرع في الطواف فإنه يقطع التلبية.
وقيل: إن المتمتع يقطع التلبية إذا دخل حدود الحرم؛ لأن الحرم مقصوده وقد وصل إليه.
وقيل: إذا رأى البيت، ولكن المذهب في هذا أصح؛ أنه إذا شرع في الطواف يقطع التلبية.
وعُلِم من قوله: (والمتمتع) أن الْمُفْرِد والقارِن لا يقطعان التلبية، متى يقطعانها؟ عند رمي جمرة العقبة يوم العيد؛ لأنه صح عن النبي ﵌ أنه لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة (١٣)؛ لأنه برميه جمرة العقبة شرع فيما يحصل به التحلل، وهو الرمي، والله أعلم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المقدم فيما إذا قدم لو أراد ألا يطوف طواف القدوم، وأراد أن يسعى سعي الحج وحده، هل له ذلك؟
الشيخ: ليس له ذلك.
الطالب: كيف ذلك مع قولنا قبل قليل: بأنه في الحج يجوز له أن يقدم السعي على الطواف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والطواف هنا ليس بواجب، إنما هو سُنَّة.
الشيخ: إي نعم، طواف الإفاضة، والسعي لا بد أن يكون بعد طواف النسك، وهنا ما قدَّم النسك.
الطالب: شرح ().
الشيخ: إي نعم، السعي -سعي الحج- لا بد أن يكون يعني بعد طواف الإفاضة أو معه، وهنا ما جاء وقت طواف الإفاضة، طواف الإفاضة ما يأتي إلا إذا رجع من عرفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
الطالب: لكن طواف القدوم سُنَّة يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أنه سُنَّة، لكن ما فعله، لو فعله لصح أن يأتي بالسعي بعده؛ لأنه طاف طواف نسك، أما الآن ما طاف طواف نُسك.
[ ١ / ٣٩٣٤ ]
ولهذا لم يُرخِّص الرسول ﵊ لعائشة أن تسعى؛ لأنها لم تطُف، ولا يمكن أن تسعى قبل طواف النسك.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في رسالة للشيخ المعلمي قدم لها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواز نقل المقام من مكانٍ لمكان، وأثبت أن المقام الموجود أنه في عهد الدولة السعودية نقل من مكانه؛ لأن الآن موجود ما هو مكانه حتى في عهد الدولة السعودية.
الشيخ: لا، السعودية ما نقلته.
الطالب: الشيخ محمد بن إبراهيم قدمه وقال ..
الشيخ: إي، المؤرخون اختلفوا في ذلك؛ منهم من قال: إنه منقول، وإنه كان لاصقًا بالبيت في الأول، ومنهم من قال: هذا مكانه من الأصل.
الطالب: لكن ذكر ..
الشيخ: وذكرنا أن قوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) ظاهره أنه في مكانه الآن، مع احتمال أن يكون معنى (تقدم) يعني لما انتهى طوافه آخر شوط تقدم إلى المقام؛ لأنه من وراء الباب.
الطالب: () طُلب منه أن يبحث في هذا، فلما بحث وأثبت ذلك قدم له الشيخ محمد بن إبراهيم، وأجازه ().
الشيخ: على كل حال، ما حصل من هذا شيء.
الطالب: ما حصل؟
الشيخ: أبدًا، ما أفهم.
طالب: بالنسبة لمن لم يستطع استلام الحجر بعد صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، هل يسن له أن يرجع حتى يحاذي الخط، ثم ينطلق إلى الصفا.
الشيخ: يعني من لم يستطع الاستلام يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: استلام الحجر بعد صلاة الركعتين. لا، إذا علم أنه لن يستطيع لا حاجة أن يرجع.
الطالب: يستلمه يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني ما يرجع؟
الشيخ: ما يرجع؛ لأنه ليس فيه إشارة حتى نقول: ارجع وأشِر، ينصرف من المكان الذي صلَّى فيه إلى المسعى.
الطالب: وإذا استطاع الاستلام يا شيخ يطوف ويستلم أم؟
الشيخ: لا، أبدًا، يتقدم إلى الحجر ويستلم وينصرف.
هذا يقول: هو لو خرج الحاج بعد أداء العمرة، وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟ أفيدونا.
[ ١ / ٣٩٣٥ ]
هل القصيم بلده؟ إن كانت بلده فإنه لا يخرج حتى يُودِّع، وإن لم تكن بلده فالأحوط أن يُودِّع وليس بلازم؛ لأنه لم يُنهِ سفره، وإذا رجع فإنه إن كان بلده فلا يرجع إلا مُحرِمًا من الميقات؛ إما بعمرة، وإما بحج، وإن لم تكن بلده فلا يلزمه أن يحرم؛ وذلك لأنه ما زال في سفره.
طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: السؤال: لو خرج الحاج بعد أداء العمرة وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟
سؤال ثان: لماذا قال النبي ﷺ لِعَلِي: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ» (١٤) مع أنه ﷺ أمر أصحابه بالتحلل إلا من ساق الهدي، وكذلك قوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ» (١٥)؟ لأن النبي ﷺ أشرك عليًّا في هديه، فإن عليًّا من آل البيت، وهو أفضل آل البيت.
طالب: يعني نوى له أن.
الشيخ: إي نعم، أشركه فيه.
يقول: نقل بعض طلبة العلم عن الشيخ عبد العزيز بن باز أنه قال للجنة التي نصبت نفسها، قال لها: امضوا على ما أنتم عليه، فإنكم اجتهدتم، ونحن رددنا عليكم باجتهاد، والاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، فما صحة هذا؟
هذا باطل، وكذب على الشيخ، الشيخ أنكر هذا إنكارًا عظيمًا، وصياغة البيان الخارج هو الذي صاغه بالتعاون مع الهيئة.
أبدًا، هو ينكر هذا، ولا يمكن أن يقول هذا الكلام، ثم إني أرى أنا بعد أن صدر من هيئة كبار العلماء مثل هذا ألا يتكلم أحد بما يناقضه وإن كان رأيه يخالف رأي العلماء، رأي الهيئة؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم الثقة بالهيئة، وهذا له خطره العظيم؛ لأنها إذا نُزعت الثقة من كبار علماء البلد ومن أمراء البلد؛ صارت الفوضى، فالذي أرى أنه لا أحد يتكلم؛ يعني لا ينبغي أن يتكلم أحد، حتى وإن خالف رأيه فلا يتكلم علنًا بما يخالف هذا البيان، أما فيما بينه وبين أحد من الناس، يعني يخاطب ويبحث معه فلكلٍّ رأي.
[ ١ / ٣٩٣٦ ]
هذا يقول: إذا لم يستلم الحجر، ما هو الدليل على الإشارة؟
الدليل على الإشارة: أنه ثبت في الصحيح -صحيح مسلم (١٦) - أن الرسول ﷺ كان يشير إليه بيده ويُكبِّر.
وأما حديث عمر يقول: مع أن ظاهر حديث عمر أنه كان لا يشير، حيث قال: «وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَهَلِّلْ، وَكَبِّرْ» (١٧).
نقول: هذا الحديث أولًا: بعض العلماء ضعَّفه. وثانيًا: يُقال في الجواب عنه: أن الإشارة ليست واجبة، هذا من رحمة الله.
يقول: هل بين الطواف والسعي وجوب ترتيب، أم لا؟ فإن لم يكن فكيف نقول: إن فساد الطواف إن طاف أولًا مستلزمٌ لئلا يصح السعي، مع أن هذا لا يوجد إلا في المرتبين؟
السؤال مفهوم؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعني هل يُشترط أن يكون السعي بعد الطواف -هذا معنى الترتيب- أو لا يشترط؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، بس السؤال جاء قبل أن نتكلم عليه.
نقول: العمرة لا بد مع الترتيب، أما الحج فالصحيح أنه لا يشترط.
طالب: النبي ﷺ ما أذن لعائشة بالسعي قبل الطواف.
الشيخ: نعم.
طالب: ما فهمنا هذا.
الشيخ: ما فهمتموها. عائشة -﵂- حاضت -هي أحرمت بعمرة- وحاضت قبل أن تصل مكة بسرف، فأمرها النبي ﵊ أن تفعل ما يفعله الحاج غير ألا تطوف بالبيت، ولم يأذن لها بالسعي، فلما طهرت طافت وسعت، وقال لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (١٨).
على أنه في الموطأ (١٩) لمالك قال لها: «عَلَى أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»، واضح؟
يقول: قلنا إن زيادة: «وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» في السعي بين العلمين ليس لها أصل، ويقول صاحب الروض: قال أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد-: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، واعفُ عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم (٢٠).
أقول: هذه يحتاج إلى إثباتها.
طالب: ().
[ ١ / ٣٩٣٧ ]
الشيخ: بالسند.
طالب: لا.
الشيخ: وعلى كل حال، إذا ثبت عن ابن مسعود فيكون الاقتداء به سائغًا.
يقول: إنه يحدث في زحام الحاج مرور النساء أمام المصلي، فما حكم ذلك في الحرم المكي، وفي الحرم المدني؟
هذا لا شك أنه من الأمور المشكلة، مشكل، لكن إذا كان منع المار يؤدي إلى فساد الصلاة لكثرة الحركة فإنه لا يمنعه، وإن كان لا يؤدي إلى ذلك فليمنع.
طالب: مسألة المرأة يا شيخ، المرأة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما يقدر يمنعها.
الشيخ: كيف؟
طالب: يتعذر ()، يتعذر المنع عليه.
الشيخ: يتعذر.
طالب: ().
الشيخ: يمكن يتعذر إن صلى في هذا المكان، لكن ألا يمكن أن يصلي في مكان آخر؟
طالب: سجد مثلًا.
طالب آخر: الناس أكثر من المكان يا شيخ ().
الشيخ: العلماء يقولون: إذا خاف بمدافعته بطلان صلاته بكثرة العمل فإنه لا يدافع.
طلبة: المرأة يا شيخ، مُر النساء يا شيخ.
طالب: النساء مرت.
الشيخ: حتى النساء، إي نعم، الرجل ما فيه إشكال كثير.
طالب: قد يخرجن مباشرةً فجأة عند إقامة الصلاة وفي أثناء الزحام تجد مجموعة من النساء ..
الشيخ: هو -بارك الله فيك- إذا كان خلف الإمام فإن المرأة لا تضر ولو مرت.
طالب: ما تقطع الصلاة.
الشيخ: ما تقطع الصلاة، لو مرت بين الصفوف.
يقول: ذكرنا أن استلام الحجر بعد ركعتي الطواف للوداع، فما الفرق بين الطواف الذي بعده سعي أو لا وقد قلنا: إن الاستلام المذكور يكون إذا كان بعد الطواف سعي؟
نحن ما جزمنا بهذا، قلنا: لعل هذا هو السبب، ليس بجزم، والله أعلم.
وعلى كل حال، لاحظوا: أننا إذا ذكرنا حكمة أو عِلَّة في فعل، فهذا بالنسبة لفعل الرسول ﵊، أما بالنسبة لفعلنا نحن فالعلة الاتباع.
طالب: فالآن الاستلام مسنون بعد ().
الشيخ: لا، إذا كان بعده سعي فقط، لأنه ما ورد إلا بهذا.
[ ١ / ٣٩٣٨ ]
يقول: هذا رجل من أهل مكة وهو خارج مكة يقول: إن ٧٥ % يريد الحج، هل يدخل محرمًا أم يدخل حلالًا، ثم إذا أراد الحج أحرم من مكانه في مكة؟
الجواب: ما دام عنده ولو ١% إرادة الحج فإنه لا يتجاوز الميقات إلا محرمًا، بخلاف من يقول: لا أدري هل يمكنني بعد فراغ العمل أن آتي بالحج أو لا؟
يقول: لو قطع الساعي سعيه في منتصف السعية الرابعة للحاجة -كالصلاة- فهل يعيد السعية الرابعة من أولها أم من نصفها؟
إذا قطع الشوط سواء في الطواف أو في السعي قطعًا يبيح له المواصلة فيما بعد فإنه يبدأ من المكان الذي قطعه منه، ولا يلزمه إعادة الشوط.
طالب: ().
الشيخ: لو النصف أو الربع أو أي شيء، حتى في الطواف مثلًا لو أُقيمت الصلاة وهو عند باب الكعبة؛ فإنه إذا فرغ من الصلاة يبتدئ من باب الكعبة، لا يلزمه أن يبتدئ من الحجر؛ لأنه لا دليل على بطلان ما سبق.
يقول: إذا سعى الحاج وصعد إلى الصفا والمروة، هل يشترط رؤية البيت؟
الجواب: لا، ليس بشرط، لكن جابر يقول: حَتَّى رَأَى البَيْت (٦) يُبيِّن مقدار ارتفاعه فقط.
وإذا وصل هو وزوجته إلى العلم الأخضر، فهل يسعى شديدًا وزوجته معه؟
ماذا تقولون؟
طلبة: لا يسعى.
الشيخ: لا يسعى، لا سيما في أيام المواسم والزحام؛ لأنه لو سعى ضيعها.
ونقول في وقت المواسم والزحام: هذا إذا أمكن أن يسعى، أما مع عدم الإمكان فلا يسعى مطلقًا.
لكن هنا إشكال: إذا كان أصل سعينا بين العلمين من أجل سعي أم إسماعيل -وهي امرأة- فلماذا لا نقول: إن النساء أيضًا يسعين؟
واضح ولا ما هو بواضح؟ الإشكال؟
طالب: ليس بإشكال.
الشيخ: لا، هو فيه إشكال، لأن إذا كان أصل سعينا نحن تذكر حال امرأة سعت، فلماذا لا نقول: النساء من باب أولى أن يقتدين بها؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، الجواب من وجهين:
الأول: أن أم إسماعيل سعت وحدها، ليس معها رجال.
[ ١ / ٣٩٣٩ ]
وثانيًا: أن بعض العلماء كابن المنذر حكى الإجماع على أن المرأة لا ترمل في الطواف، ولا تسعى بين العلمين.
وحينئذٍ لا يصح القياس؛ أولًا: لأنه قياس مع الفارق، والثاني؟
طالب: مخالفة ..
الشيخ: مخالفة الإجماع، إن صح.
هذا يقول: ذكرنا أن أصل مشروعية السعي هو ما فعلته أم إسماعيل ﵍، فهل نقول: إن ما كان أصل مشروعيته المرأة فإنه يشرع للمرأة أن تسعى سعيًا شديدًا بين العلمين الأخضرين؟
أجبنا على ذا.
وهذه ورقة صغيرة جدًّا: لماذا قلنا: لا يدعو بعد التكبيرة الثالثة عندما يصعد الصفا؟
لأن حديث جابر قال: ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ (٦)، ولم يقل: ثم دعا بعد ذلك.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟ مثل الصفا.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
يقول: رجل أحرم مفردًا بحج، ثم طاف طواف القدوم، ثم أراد أن يسعى سعي الحج، وأخبروه بأن التمتع أفضل؛ فسعى بنية العمرة وقصَّر وتحلَّل، علمًا بأنه في الطواف نوى طواف القدوم، فهل عمرته صحيحة؟
الجواب: نعم، حتى لو طاف وسعى وبعد السعي قيل له: الأفضل التمتع؛ فقصَّر وحلَّ، فهذا هو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه إلا من ساق الهدي (٢١).
طالب: هو نوى بعد الطواف.
الشيخ: إي، ما يضر.
من كان عنده وصايا ضحايا والمال كثير، فهل يشتري بعيرًا أو ضأنًا، علمًا أن الموصي لم يُحدد عددًا؟ وما الجواب لو حدد فما يُصنع بالمال المتبقي؟
يشتري أضحية واحدة من الضأن، والباقي يجعله في أعمال الخير إذا كانت الزيادة مستمرة كل عام، أما إذا كانت توجد عامًا وتتخلف عامًا آخر فيرصد الباقي.
طالب: فيه إشكال.
الشيخ: وهو؟
طالب: إحنا ذكرنا في الموالاة بين السعي.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، () على هذا السؤال.
طالب: باقٍ الزكاة يا شيخ، المال الباقي عنده.
الشيخ: لا، ما عليه زكاة؛ لأنه ليس له مالك.
رجل سعى، مثل أنه بدأ بالصفا ويرجع من المروة يعتبره شوطًا واحدًا وهو جاهل، هل يجوز سعيه؟
[ ١ / ٣٩٤٠ ]
إي نعم، يجوز، نأخذ منه السبعة والباقي له، يأجره الله على التعب.
مع أن ابن القيم -﵀- ذكر أن بعض العلماء توهَّم في هذا، وظن أن السعي دورة كاملة، فعلى هذا يسعى؟
طلبة: أربعة عشر.
الشيخ: أربعة عشر شوطًا.
وقد اشتهر بين الطلبة أن هذا عن ابن حزم، وليس كذلك، والذي عن ابن حزم أن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة فقط في السعي كالطواف.
وسبب وهمه -﵀- أنه لم يحج، ابن حزم، والإنسان اللي ما يحج ما يتصور الحج كما يمكن.
والعجب أنه لم يحج، ويتكلم عن أحكام الحج بأحسن ما يكون من الكلام، ().
وليس بغريب على فطاحلة العلماء، فها هو شيخ الإسلام -﵀- لم يتزوج، وإذا تكلم فيما يتعلق بالنساء وعِشرتهن وغير ذلك، قلت: هذا من المتزوجين.
طالب: المتمتع الذي ساق الهدي، ما الفرق بينه وبين القارِن؟
الشيخ: الفرق بينه وبين القارن؛ أن القارِن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، والمتمتع يجب عليه طوافان وسعيان.
طالب: قلنا: إن الذي يأخذ .. المريض الذي لا يرجى برؤه، مالًا ويحج به فالزيادة له -للوكيل- وإذا كانت الزيادة هذه مطردة كل سنة؟
الشيخ: لا بأس، بيعطيها الولي.
طالب: أو يأخذها له؟
الشيخ: من؟
طالب: الوكيل.
الشيخ: له، انتبهوا إلى هذه المسألة .. قلت لرجل: حُجَّ بهذا الألف، وقلت لآخر: حج من هذا الألف، فالأول له الألف كله، ولو حج بنصفه، والثاني لا يزيد على ما أنفق؛ لأني قلت له: حج من هذا الألف.
طالب: شيخ، السؤال اللي قرأته يقول: إذا اطردت الزيادة.
الشيخ: هذا في مغل الوقف.
طالب: في الوقف.
الشيخ: الوقف، إنسان أوقف وقال: يخرج من مَغَلِّه أضحية، والزيادة مطردة كل سنة، فالزيادة هذه نصرفها في وجوه الخير، ما نعطلها.
أما إذا كانت تأتي سنة وسنة ما تأتي فإننا نرصدها خوفًا من القصور في السنوات المقبلة.
طالب: الزكاة فيها يا شيخ؟
الشيخ: ما فيها زكاة.
طالب: ().
طالب آخر: ().
الشيخ: سمعتم سؤاله؟
[ ١ / ٣٩٤١ ]
يقول: قلنا: إن السترة في الطواف واجبة وفي السعي غير واجبة؛ لأنهم يقولون: الطواف صلاة، والرسول -﵊- قال: «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ»، ولا قال: ولا بين الصفا والمروة، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (٢٢).
طالب: يرى الشيخ ابن تيمية أن هذا الحديث ضعيف.
الشيخ: لا، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» صحيح.
طالب: لا يصح مرفوعًا.
الشيخ: هذا إنما «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» (٢٣)، هذا اللي يضعفه مرفوعًا. عرفت؟
وأنا قلت لكم: لا يمكن الإنسان يخلع ثيابه ويسعى بين الصفا والمروة، لكن قد يكون فيه خرق على العورة ما أحس به، أو يكون عليه إزار خفيف.
طالب: شيخ، ذكرت -حفظك الله- في الموالاة قلت: برأي المذهب أن الصحيح في اشتراط الموالاة في السعي، استدلالًا بفعل الرسول ﷺ وقوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١١)، يا شيخ، ألا يمكن أن نفعل مثلما فعلنا أيضًا في الطواف؟ وأن ظاهر فعل الرسول ﷺ أنه سعى طاهرًا.
الشيخ: نعم، إحنا نقول: أفضل.
الطالب: نشترط يا شيخ؟
الشيخ: لا؛ لأننا لم نشترط الطهارة في الطواف فضلًا عن السعي، على القول الراجح.
أما الفرق بينهما على الذين يقولون: إن الطهارة شرط في الطواف دون السعي، فالفرق هو أنهم استدلوا بالنسبة للطواف بقوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ».
طالب: شيخ، () إذا انتهى من الطواف فأُقيمت الصلاة، وصلَّى الفريضة، ما تُجزئ عن الركعتين ركعتي الطواف؟
الشيخ: ما تقولون؟
طلبة: لا.
الشيخ: هل تجزئ الفريضة عن ركعتي الطواف أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: اختلف فيها العلماء، فإن قيل: المراد إيجاد صلاة بعد الطواف كتحية المسجد؛ فإنها تجزئ، وإذا قيل: إنها صلاة مستقلة مطلوبة فإنها لا تجزئ، والاحتياط أن يصلي الركعتين.
طالب: شيخ، إذا لم يصح الاستدلال بقول ابن عباس على وجوب الطهارة في الطواف، فما فائدة كلامه؟
الشيخ: كلام مَنْ؟
[ ١ / ٣٩٤٢ ]
الطالب: ابن عباس.
الشيخ: هو يرى هذا الرأي، أنه يرى هذا الرأي كما يراه غيره من العلماء.
طالب: هل جهل ابن عباس () يعني في كلامه؟
الشيخ: هذا إذن معناه على هذا التقدير يكون حتى لا يصح ولا عن ابن عباس، لكن كوننا مثلًا نقول: إن ابن عباس يخطئ، هذا وارد، أما النبي ﵊ لا يخطئ بالتشريع.
طالب: الدعاء بعد الركعتين.
الشيخ: منين؟
الطالب: ركعتي الطواف.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل بعدهما دعاء؟
الشيخ: لا.
الطالب: أو في التشهد فقط.
الشيخ: أبدًا، حتى يسن تخفيفهما؛ تخفيف الركعتين خلف المقام أفضل، والحكمة من ذلك ظاهرة، لأجل أن يُخلي المكان لمن هو أحق به منه.
الطالب: لأننا نلاحظ الناس -يا شيخ- يقفون ويدعون طويلًا، بعضهم وهو جالس، أغلب الناس.
الشيخ: هذا كله من الجهل. الآن نجد ناسًا يقفون على ما يُقال: إن هذا بئر زمزم، ويدعون دعاءً طويلًا.
وبالمناسبة قال لي بعض الناس -اليوم نحن في كلية الزراعة- قال: بعض الناس إذا فرغ من الصلاة قال لصاحبه: تقبَّل الله، حَرَمًا، فقال الثاني: تقبَّل الله، جمعًا.
طالب: ما في الكلمة الأولى: تقبَّل الله.
الشيخ: ما فيها تقبل الله؟
الطالب: حرمًا، جمعًا.
الشيخ: فسألته: ما معنى حرم وجمع؟ هل جمع يعني مزدلفة؛ لأنها تسمى جمعًا؟
قال: لا، جمعًا يعني نحن وإياك نصلي في الحرم.
إذن الصواب أن تقول: جميعًا.
طالب: على حسب الوزن يا شيخ.
الشيخ: وقال أيضًا إنه: سألونا إذا توضأ يقول: زمزمًا.
ويش معنى (زمزمًا)؟
طلبة: شربت من زمزم.
الشيخ: يعني نتوضأ من زمزم؟
طالب: شربت يعني.
الشيخ: أو نشرب.
طالب: يكون صحبة إن شاء الله.
الشيخ: صحبةً.
طالب: غالبًا تأتي من المصريين عفا الله عنهم!
طالب آخر: هذه بدعة يا شيخ؟
الشيخ: ما وردت هذه؛ لأنهم يتخذونها دائمًا، كلما شربوا، أو كلما صلوا.
طالب: دعاء يا شيخ هذا، يعني يدعو له أن يتوضأ أو يشرب من زمزم، وأن يصلي في الحرم.
[ ١ / ٣٩٤٣ ]
الشيخ: بس كونها تتخذ راتبة خلف الصلاة بدون دليل ما هو صحيح.
طالب: أحسن الله إليك، عند استلام الحجر يا شيخ بعض العلماء ذكر استلام الحجر بعد الركعتين تحية للمسعى، ما توجيه هذا القول؟
الشيخ: هذا غير صحيح، كيف يحيا السعي في مكان ليس هو السعي؟ نعم، لو فُرض أنه يستلم الصفا قلنا: تحية للسعي ().
***
[باب صفة الحج والعمرة]
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب صفة الحج والعمرة
يُسن للمُحِلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها، ويُجزئ من بقية الحرم، ويبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة.
ويُسن أن يجمع بين الظهر والعصر، ويقف راكبًا عند الصخرات وجبل الرحمة، ويكثر من الدعاء بما ورد، ومن وَقَف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهلٌ له صح حجه، وإلا فلا.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى يقطع المتمتع التلبية؟
سبق لنا أنه يقطعها إذا شرع في الطواف، وأن المسألة ذات خلاف بين العلماء، ولكن الراجح هو هذا؛ أنه يقطعها إذا شرع في الطواف؛ لأنه وصل إلى الغاية، وهو البيت، فقطع التلبية.
وسبق لنا أيضًا أنه يُسنُّ في السعي: الموالاة، على ما ذهب إليه الماتِن، والصحيح أن الموالاة شرْط؛ لأن السعي عبادة واحدة، لا يُمكن أن تتفرق أجزاؤه إلا لعذر.
وسبق لنا أن الموالاة بين الطواف والسعي سُنَّة وليست بواجبة، وأنه لو طاف في أول النهار وسعى في آخره، أو طاف في يوم وسعى في يوم فلا بأس.
وسبق لنا أن الأشواط السبعة لا يُشترط فيها إكمال ما بين الصفا إلى الصفا، وإنما هي من الصفا إلى المروة شوْط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر.
[ ١ / ٣٩٤٤ ]
وسبق لنا بيان أصل مشروعية السعي، وأنه تذكر حال أم إسماعيل، وليس المراد مجرد التذكر كما سلف، إنما المراد أن يشعر الإنسان بأنه في حالة إلى التخلص من الذنوب وإلى الفرج الذي جعله الله ﷿ لتلك المرأة.
وسبق لنا أنه إذا بدأ بالصفا سقط الشوط الأول.
طلبة: لا، بالمروة.
الشيخ: إذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول.
وسألنا سائل، يقول: إذا طاف وجعل من الصفا إلى الصفا شوطًا، فما الحكم؟
طلبة: صح.
الشيخ: نقول: السعي صحيح، سبعة هي المشروعة، والباقي يؤجر عليها إذا كان مجتهدًا؛ لأنه تعب فيها.
ثم قال المؤلف: (باب صفة الحج والعمرة)، وهذا الحقيقة هو المقصود بالمناسك (صفة الحج والعمرة)، يعني الكيفية التي ينبغي أن يُؤدَّى عليها الحج، وكذلك العمرة.
قال المؤلف: (يُسنُّ للمُحلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية) (يُسن للمُحلِّين) فمن المحل؟
المحل هو المتمتع؛ لأنه حل من إحرامه، أو من كان من أهل مكة فإنه مُحِل؛ لأنه باقٍ في مكة حلالًا، فيسن لهم الإحرام بالحج يوم التروية، لا قبله ولا بعده.
واستثنى بعض العلماء المتمتع إذا لم يجد الهدي، فإنه يصوم السابع والثامن والتاسع، قالوا: وينبغي أن يُحرم في اليوم السابع ليكون صوم الثلاثة كلها في الحج.
ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه لا يتقدم بالإحرام عن اليوم الثامن، وما ذكروه من التعليل فإنه مقابلٌ بقول الرسول ﵊: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٢٤)، ولهذا هم يُجوِّزون أن يصوم من حين أن يُحرم بأيش؟
طلبة: بالعمرة.
الشيخ: بالعمرة.
وعلى هذا، فلا وجهَ لتقديم الإحرام بالحج على اليوم الثامن، مع أنه لم يرد عن النبي ﵌ ولا عن أصحابه.
وعليه، فهل يُستثنى شيءٌ على هذا القول الراجح؟ هل يُستثنى أحدٌ يُحرم قبل اليوم الثامن؟ لا، لا يُستثنى أحدٌ.
[ ١ / ٣٩٤٥ ]
قال: (يوم التروية) وهو اليوم الثامن، وسُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا -فيما سبق- يتروون الماء فيه؛ لأن منى في ذلك الوقت ليس فيها ماء، وكذلك مزدلفة وعرفة، فهم يتأهبون بسقي الماء للحج في المشاعِر من هذا اليوم، من اليوم الثامن.
ومن اليوم الثامن إلى الثالث عشر كلها لها أسماء، فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.
يقول: (قبل الزوال)، يعني يُسنُّ أن يُحرِم قبل الزوال.
(منها) أي من مكة.
والصواب أنه لا يُحرم من مكة، يُحرم من مكانه الذي هو نازلٌ فيه، ودليل ذلك أن النبي ﵌ لما فرغ من الطواف والسعي خرج بظاهر مكة في الأبطح، ونزل هناك، وأحرم الناس من هذا المكان.
وعلى هذا فنقول: يسن أن يحرم من المكان الذي هو فيه، سواء في مكة أو في غيرها.
والعجب أن بعض العلماء قال: يُسنُّ أن يحرم من تحت ميزاب الكعبة.
أين ميزاب الكعبة؟ يُصب في.
طالب: الحجر.
الشيخ: في الحجر.
وعلى هذا فنقول لمليون وخمس مئة نفر: يُسن لكم إذا كنتم مُحلِّين أن تحرموا من الحجر، تحت الميزاب.
وعلى كل حال، القائل بهذا القول مجتهد، ولم يخطر بباله أن الحجيج يبلغ هذا المبلغ، ثم إنه مخالفٌ لظاهر السنة؛ لأن الصحابة أحرموا منين؟ من الأبطح، من مكانهم.
قال: (ويُجزئ من بقية الحرم) (يجزئ) يعني الإحرام بالحج.
(من بقية الحرم)، وهل هنا مكة وحرم؟
نعم، هنا مكة، وحرم مكة القرية؛ البيوت، والحرم كل ما أدخلته حدود الحرم فهو حرم، لكن في وقتنا الآن صارت مكة خارج الحرم من جهة التنعيم؛ فإنها من جهة التنعيم خرجتْ عن الحرَم؛ لأن البيوت صارت في الحِلّ.
وعلى هذا، فهنا جاران في هذا المكان: أحدهما: يحل له أن يقطع الشجر اللي في بيته، والثاني؟
الطلبة: لا يحل.
الشيخ: لا يحل، لماذا؟ لأن الثاني داخل حدود الحرم، والأول خارج حدود الحرم.
[ ١ / ٣٩٤٦ ]
يقول المؤلف: (ويُجزئ من بقية الحرم)، وفُهِم من كلامه أنه لا يجزئ الإحرام بالحج من الحِلِّ، فالحرم ميقات من في مكة في الحج، والحِلُّ ميقات من في مكة في العمرة، فكما أنه لا يجوز أن يُحرم بالعمرة من الحرَم، فكذلك لا يجوز أن يُحرِم بالحج من الحِلِّ.
هذا مفهوم كلام المؤلف، وهو أحد القولين في المسألة. وقيل: يُجزئ أن يُحرِم مَنْ في مكة بالحج من الحِلِّ، وعلى هذا، فإذا كان نازلًا في مكة، وأحرم من عرفة فإنه يُجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب، والماتِن مشى في هذا على خلاف المذهب.
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح: أنه لا ينبغي أن يخرج من الحرم، وأن يحرم من الحرم، ولكن لو أحرم من الحِلِّ فلا بأس؛ لأنه سوف يدخل إلى الحرم.
قال: (ويَبيت بمنى): يبيت بمنى ليلة التاسع.
وعلى هذا فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كلها في منى، جمعًا بلا قَصْر.
طلبة: لا، قصرًا.
الشيخ: قصرًا بلا جمع؛ لأن النبي ﵌ لم يكن يجمع في منى، وإنما جمع في عرفة، وفي مزدلفة.
قال: (ويبيت بمنى فإذا طلعت الشمس) يعني من اليوم التاسع، (سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة) (سار إلى عرفة) رأسًا؟
لا، ينزل أولًا بنمرة، ونمرة قرية قرب عرفة، وليست من عرفة، هذا النزول هل هو نزول نسك أو نزول راحة؟
المعروف عند العلماء أنه نزول نسك، ويحتمل أنه نزول راحة؛ لأن النبي ﷺ ضُربت له القبة في نمرة (٥)، ولما طُلب منه أن تُضرب له قبة في مِنى قال: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» (٢٥)؛ لأن منى مشعر، ونمرة ليست بمشعر على هذا القول.
لكن المعروف أن النزول بها سنة، وليس من أجل الراحة، لكن ينزل بها إن تيسر.
وهي معروفة الآن، بعض الحجاج ينزلون فيها، ويحدثوننا أنهم يجدون راحةً بالغة، ولا سيما فيما سبق، لما كان الناس يحجون على الإبل، فإنهم يحتاجون إلى الراحة.
ينزل بها، إلى متى ينزل؟
[ ١ / ٣٩٤٧ ]
إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس ركب من نمرة إلى عرفة، ورسول الله ﵊ ركب من نمرة حتى أتى بطن الوادي -بطن عرنة- فنزل في بطن الوادي.
والظاهر منه -والله أعلم- أن نزوله في بطن الوادي؛ لأن بطن الوادي في الغالب يكون رمليًّا، فيكون فيه لين وسهولة على الناس للجلوس وللصلاة.
نزل -﵊- في بطن الوادي، ثم خطب الناس خُطبةً بليغةً قرر فيها قواعد الإسلام وشيئًا كثيرًا من أحكامه (٥).
وأعلن في تلك الخطبة أن ربا الجاهلية موضوع، وأن أول ربا يضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمه.
وفي هذا دليل على أن الربا الثابت في ذِمم الناس يجب وضعه، ولا يجوز أخذه، حتى وإن عُقد قبل الإسلام فإنه يجب وضعه، ولا يجوز أخذُه، أما ما قُبض من قبل من الرِّبا، وأتى الإنسان موعظةٌ من الله فإنه له، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه.
وتأمل قول الرسول ﵊ في هذا الموقف العظيم، قال: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ» (٥)؛ لأنه قريبه، والحاكم لا يُحابي أقاربه في حُكم الله، بل يبدأ بهم قبل الناس، حتى يُعلم أنه ليس عنده محاباة في دِين الله.
كان عمر ﵁ إذا منع الناس من شيء جمع أهله وأقاربه، وقال لهم: إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وإني أمرت بكذا أو نهيت عن كذا، فلا أجد أحدًا منكم خالف إلا ضاعفت عليه العقوبة (٢٦) ﵁.
[ ١ / ٣٩٤٨ ]
والنبي ﵊ قال في هذا الموقف العظيم والمجمع الكبير: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ مِنْ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، وقال في موضع آخر: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (٢٧)، أقسم -وهو الصادق البار بلا قسم- أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد -سيدة نساء أهل الجنة، وأشرف النساء نسبًا ما هي المخزومية فقط- لو أنها سرقت: «لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
وهنا قال: «لَقَطَعْتُ» يحتمل: لقطعت يدها مباشرةً، أو أمرت بقطع يدها.
وأيهما أبلغ؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول: يقطع يد ابنته إذا سرقت.
فالحاصل أن الرسول ﷺ يضع للحكام منهجًا لو ساروا عليه لأفلحوا؛ أن يكون أقاربهم وحاشيتهم عندهم كسائر الناس.
خطب الناس هذه الخطبة، ثم أمر بلالًا فأذَّن، وأقام وصلى الظهر، ثم أقام وصلى العصر، ولم يُسبِّح بينهما شيئًا (٥).
وفي تقديمه الخطبة على الأذان، والجمع بين الظهر والعصر دليل على أنه لم يقصد بذلك صلاة الجمعة، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن صلاة الجمعة تكون الخطبة فيها بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان، وإلا فإن اليوم كان هو يوم الجمعة في حجة النبي ﵌.
ثم خطب الناس، وصلى الظهر والعصر، وركب حتى أتى آخِر عرفة من الناحية الشرقية، فوقف هناك.
وكان من عادته أنه يكون في أُخريات قومه، لا يكون في المتقدمين؛ لأجل يتفقد من كان محتاجًا، لو كان موقفه في أدنى عرفة مما يلي مكة لكان يدْفع قبل الناس، لكن تأخَّر في آخر عرفة من الناحية الشرقية لهذا الغرض، والله أعلم.
وقف هناك وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (٢٨)، فكأنه ﵊ يشير إلى الأمة: ألا تكلف نفسها هذا الموقف الذي وقفه الرسول ﷺ، بل كل إنسان يكون في مكانه؛ لئلا يحصل الزحام والأذى، يؤذي الناس بعضهم بعضًا.
[ ١ / ٣٩٤٩ ]
يقول المؤلف هنا: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة).
(كلها موقف)، وهل عرفة معلومة بالحد؟
نعم، معروفة، لها حدود معروفة تكلم عليها الأولون، والحكومة السعودية وفقها الله جعلت أعلامًا.
وكُلُّها مَوْقِفٌ إلا بَطْنَ عُرَنَةَ، وسُنَّ أن يَجْمَعَ بينَ الظُّهْرِ والعصرِ، ويَقِفَ راكبًا عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ الرحمةِ ويُكْثِرُ من الدعاءِ بما وَرَدَ، ومَن وَقَفَ ولو لَحْظَةً من فَجْرِ يومِ عَرفةَ إلى فَجْرِ يومِ النحْرِ وهو أَهْلٌ له صَحَّ حَجُّه وإِلَّا فَلا ومَن وَقَف نهارًا ودَفَع قبلَ الغُروبِ ولم يَعُدْ قَبلَه فعَلَيْه دَمٌ وَمَن وَقَفَ لَيْلًا فقط فَلَا، ثم يَدفعُ بعدَ الغُروبِ إلى مُزدَلِفَةَ بسَكِينَةٍ ويُسْرِعُ في الفَجوةِ ويَجمَعُ بها بينَ العِشاءَيْنِ ويَبيتُ بها، وله الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ الليلِ، وقَبْلَه فيه دَمٌ، كوُصولِه إليها بعدَ الفَجْرِ لا قَبْلَه، فإذا صَلَّى الصبْحَ أتى الْمَشْعَرَ الحرامَ فَرَقَاهُ، أو يَقِفُ عندَه ويَحْمَدُ اللهَ ويُكَبِّرُه ويَقْرَأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين، ويَدْعو حتى يُسْفِرَ، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسرعَ رَمْيَةَ حجَرٍ
«وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١)، فكأنه ﵊ يُشير إلى الأُمَّة ألَّا تُكلِّف نفْسها هذا الموقِف الذي وَقَفَهُ الرسولُ ﷺ، بلْ كلُّ إنسانٍ يكون في مكانه؛ لئلَّا يَحصُل الزحامُ والأذى، يؤذي الناسُ بعضهم بعضًا.
يقول المؤلف هنا: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ سار إلى عَرَفَةَ، وكلُّها موقفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ).
[ ١ / ٣٩٥٠ ]
(كلُّها موقف) وهلْ عرفة معلومةٌ بالحدِّ؟ نعم، معروفة، لها حدودٌ معروفةٌ تكلَّم عليها الأوَّلون، والحكومة السعودية -وفقها الله- جعلتْ علامةً بعد التحرِّي والضبط، جعلتْ أعلامًا عليها، وفي السنوات الأخيرة لَمَّا كَثُرَ مخالفةُ الناسِ في الموقف ووقوفُهم خارجَ حدودِ عَرَفَةَ جعلت العلامات واضحةً بيِّنةً كبيرةً.
يقول: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ)؛ لأن النبي ﷺ قال: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» (٢). وظاهر كلام المؤلف أنَّ بطْن عُرَنة -وهو بطْن الوادي- أنه من عرفة، وجْهُ ذلك استثناؤه منها؛ لأنه لو لم يكن من عرفة ما احتيجَ إلى استثنائه، وعليه فنقول: بطْنُ عُرَنة من عرفة، ولكنْ مع ذلك لا يجوز الوقوفُ به، ولهذا قال: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنة)، لو وَقَفَ في الوادي ودَفَعَ منه فحجُّه غير صحيح؛ لأن هذا ليس مِن عرفة شرعًا وإنْ كان منها تاريخيًّا.
***
قال: (ويُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ).
يُسَنُّ أن يجمع بين الظهر والعصر تقديمًا أو تأخيرًا؟
طلبة: تقديمًا.
الشيخ: تقديمًا، وعُلِم من قوله: (يُسَنُّ) أنه لو لم يجمع بينهما فلا حرج، فهُما صحيحتانِ، ولكن السُّنة الجمعُ.
لماذا كانت السُّنة الجمع مع أن الناس نازلون، والمسافر النازل لا يُسَنُّ له أن يجمع؟
[ ١ / ٣٩٥١ ]
الجواب على هذا أن يقال: إنما جَمَعَ النبيُّ ﵌ في عرفة بين الظهر والعصر (٣) لاجتماع الناس؛ لأنهم لو تفرَّقوا بعد صلاة الظهر ما اجتمعوا هذا الجمع الكبير، والجمعُ لأجْل تحصيلِ الجماعةِ مشروعٌ كما يُشرع في أيام المطر؛ يُشرع في أيام المطر المؤذي الجمعُ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من أجْل تحصيل الجماعة، وإلَّا فبالإمكان أنْ يُصَلِّي الظهر ويُقال للناس صلُّوا العصر في رِحالكم، أو يصلِّي المغرب ويُقال للناس صلُّوا العِشاء في رِحالكم، لكن اجتماع الناس على العبادة له شأنٌ كبيرٌ ومراعاةٌ في الشريعة الإسلامية.
هنا يقول: (يُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظهر والعصر، وأنْ يقِفَ راكبًا مستقبِلَ القِبْلةِ عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(أنْ يقِفَ راكبًا)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَقَفَ على بعيرِهِ راكبًا رافعًا يديه يدعو اللهَ ﷿، ولَمَّا انفلتَ الزِّمام أخذه بإحدى يديه وهو رافعٌ الأُخرى، وَقَفَ راكبًا (٤) وعلى هذا فيُسَنُّ أنْ يقِفَ الإنسانُ راكبًا.
كيف يقِفُ راكبًا؟
المراد بالوقوف هنا الْمُكْثُ، لا الوقوفُ على القدمين؛ فالقاعد يُعتبر واقفًا، ومعلومٌ أنَّ الراكب على البعيرِ جالسٌ عليها، ليس واقفًا عليها، بلْ هو جالسٌ.
وهذه المسألة مختلَفٌ فيها هل الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا أو أنْ يقِفَ غيرَ راكبٍ؛ منهم مَنْ يقول: الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا؛ لأن ذلك فِعْلُ رسولِ الله ﵌، وبناءً على هذا يُسَنُّ لنا أنْ نقِفَ من بعد صلاة الظهر والعصر جمْع تقديمٍ إلى الغروب في السيَّارات؛ نركبُ في السيارات ونبقى فيها إلى الانصراف؛ لأن هذا هو الركوبُ، كلُّ شيءٍ بحسبه.
[ ١ / ٣٩٥٢ ]
ولو قال قائلٌ: الأفضلُ راكبًا، إلَّا إذا كان وُقوفه على الأرض أخشعَ له وأَحْضرَ لقَلْبه فإنه يكون على الأرض، وهذا لا يُنافي القواعد الشرعية؛ لأن من القواعد ما قرَّرْناه ونُقَرِّره أنَّ الكمالَ الذاتيَّ للعبادة أَوْلى بالمراعاة من الكمال في المكان، وعليه فنقول: إنْ كان الأخشع لك والأحضر لقَلْبك أنْ تقِفَ في السيارة فافعلْ، وإلَّا ففي الأرض.
(ويقِف عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة)، وهي صخراتٌ معروفةٌ لا تزالُ إلى الآن موجودة، لكن الآن كانتْ مزارات للناس في غير موسم الحج، للبسطاء من الناس يذهب يزورها وحولها إبل مشدودة، يأتي الإنسان ويركب على البعير المشدودة عند الصخرات ثم تُلتقط له صورة فيذهب بها إلى بلده ويقول هذه صورتي عند جبل عرفات كل هذا من أجْل الدنيا من أجْل أن يحشو دراهم مِن ها البسطاء.
يقول: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(جبل الرحمة)، ويُقال له: جبل الدعاء، والمناسبةُ ظاهرةٌ أنَّ هذا المكان -أعني عرفة كلَّها- موطنُ رحمةٍ وموطنُ دعاء، ولكنه ليس معروفًا بهذا الاسم في عهد الرسول ﵊، لكن العلماء -﵏- جعلوا له لهذه المناسبةِ هذا الاسم: جبل الرحمة، أو: جبل الدعاء.
وقول المؤلف: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة) لم يُبَيِّن أين يكون اتجاهُهُ، ولكن نقول: يكون اتجاهُهُ إلى القِبْلة؛ لأن كلَّ العبادات الأفضلُ أنْ تستقبِلَ بها القِبلة، إلَّا ما قام الدليلُ على خِلافه؛ كما قال ابن مفلحٍ -رحمه لله- في الفروع لَمَّا ذكر بعضُ العلماء أنَّه يُشرع أنْ يستقبِلَ القِبلة حالَ الوضوءِ، قال: وهو متوجِّهٌ في كلِّ طاعةٍ إلَّا بدليل.
[ ١ / ٣٩٥٣ ]
ولا شكَّ أنه في الدعاء ينبغي أنْ يستقبِلَ الإنسانُ القِبلة، أمَّا في الوضوء وشِبْهه ففي النفْس من هذا شيءٌ؛ يعني كونُنا نقول لإنسانٍ: إذا أردتَ أن تتوضأ فاستقْبِل القِبلة، هذا يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ؛ لأن الظاهر مِن حال الرسول ﵊ أنَّه لا يتعمَّد ذلك.
المهمُّ أنه يستقبل القِبلة. ماذا تكون الحالُ لو كان إذا استقبلَ القِبلةَ صار الجبلُ خَلْفه أو صار عن يمينه أو شِماله؟ لا يضُرُّ؟
طلبة: لا يضُرُّ.
الشيخ: لا يضُرُّ، حتى لو كان الجبلُ خَلْف ظَهْرِك لا يضُرُّ؛ لأن الكعبة أفضل من الجبل، وعند العامَّةِ تستقبل الجبلَ، ولكن هذا ناتجٌ عن الجهل، وعلى طلبةِ العلم أنْ يُبَيِّنوا للناس أنَّ المشروعَ استقبالُ القِبْلة.
(ويُكثِرُ الدعاءَ).
بقي علينا أنْ نقول: نرى الناسَ في يوم عرفة يصعدون هذا الجبلَ، فهلْ صُعوده مشروعٌ أو ممنوعٌ أو جائزٌ أمْ ماذا؟
نقول: أمَّا مَن صعده تعبُّدًا فصُعوده ممنوعٌ؛ لأنه يكون أتى ببدعةٍ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وأمَّا من صعده تفرُّجًا فهذا جائزٌ ما لم يكنْ قدوةً يقتدي به الناسُ فيكون أيش؟
طلبة: ممنوعًا.
الشيخ: يكون ممنوعًا، وأمَّا من صعده إرشادًا للجُهَّال فصُعوده؟
طلبة: مشروع.
الشيخ: مشروعٌ أو واجبٌ حسب الحال؛ لأننا نسمعُ أنَّ بعض الجهَّالِ إذا صعد الجبلَ هذا كتب به كتابات، ويضع فيه خِرَقًا وأشياءَ مُنكَرة، فإذا ذهبَ طالبُ علمٍ يُرشد الناسَ ويقول: هذا مبتدَعٌ وهذا لا ينبغي، فهذا طيِّبٌ. نقول: إنه مشروعٌ إمَّا وُجوبًا وإمَّا استحبابًا.
يقول: (ويُكثِر الدعاءَ) عندي (مِمَّا وَرَدَ)، كذا عندكم؟
طلبة: (بما وردَ).
طلبة آخرون: (مِمَّا وردَ).
الشيخ: (بما) ولَّا (ومِمَّا)؟
الطلبة: ().
الشيخ: اختلطت الأصوات عليَّ، الآن ما أدري ويش اللي عندكم؟
الطلبة: (بما ورد) .. (مما ورد).
طالب: هذه وهذه ().
طالب: أنا عندي ().
الشيخ: إي، طيب.
[ ١ / ٣٩٥٤ ]
طالب: () الدعاء.
الشيخ: أنا حافظه: (ويُكثِر الدعاءَ ومِمَّا وَرَدَ)؛ يعني (مِن) هنا للجنس؛ يعني يكون دعاؤه مِمَّا وَرَدَ عن النبي ﷺ، أو يُكثر الدعاءَ بما يريد ومِمَّا وَرَدَ، أو يُكثر الدعاءَ بما وَرَدَ؛ أي: بالذي وَرَدَ، والمعنى متقارِبٌ، المهم أنَّه ينبغي للإنسانِ أنْ يُكثر من الدعاء ومن الذِّكر؛ لقول النبي ﵌: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٥).
فإنْ قال قائل: الوقت طويلٌ، ولا سيَّما في أيام الصيف، وربما يَلْحق الإنسانَ مللٌ؛ لأنه لو بقي يدعو من صلاة الظُّهر -يعني جمْع تقديم- إلى الغروب لَحِقَه المللُ، فهل اشتغاله بغير الدعاء والذِّكر جائز؟
نقول: نعم، وربما يكون مطلوبًا إذا كان وسيلةً للنشاط، والإنسانُ بَشَرٌ يَلْحقه المللُ، ونبيُّنا ﷺ لا نَصِل إليه أو لا نكون مِثْله ولا قريبًا منه بالنسبة لتحمُّله للعبادة؛ فقد كان يقوم في الليل حتى تتورَّم قدماه وتتفطَّر قدماه ﵊ (٦)، ونحن لا نُطيق هذا.
على أنَّ الرسول ﵊ خطبَ بعد الزوال، وليس بعد الزوال مباشرةً؛ لأنه لَمَّا زالت الشمسُ كان في نَمِرة، فأَمَر بناقته فرُحِلَتْ له، ثم سار على الإبل حتى أتى بطْنَ الوادي ونَزَلَ وخَطَبَ الناسَ خُطبةً طويلةً مفيدةً، ثم أَمَر بلالًا فأذَّنَ ثم أقامَ، فصلَّى الظهر ثم العصر، ثم ركبَ حتى أتى الموقِف (٣)، والموقف من بطنِ عُرَنة طويلٌ بعيدٌ، في ظَنِّي والعِلم عند الله أنَّه سيكون المدة ساعتين أو قريبًا من ذلك بعد الزوال، ثم وقف هناك.
[ ١ / ٣٩٥٥ ]
على كلِّ حالٍ المهمُّ بالنسبة لنا الآن إذا لَحِقَ الإنسانَ مللٌ فلا حرجَ أنْ يستريح إمَّا بنومٍ أو بقُرآنٍ أو بمذاكرةٍ مع إخوانه أو بِمُدارسةِ القرآنِ أو في أحاديث تتعلَّق بالرحمةِ والرجاءِ والبعثِ والنشورِ وأحوالِ الآخرةِ حتى يلينَ قلبُه ويرقَّ قلبُه، والإنسانُ طبيبُ نفْسِهِ في هذا المكان، لكنْ ينبغي أنْ يغتنمَ آخِرَ النهارِ بالدعاء أخِرَ النهارِ، ينبغي أنْ يغتنمه بالدعاء ويتفرَّغ له تفرُّغًا كاملًا.
وهنا نسأل: هل الأفضل أن يدعو كلُّ واحدٍ مِنَّا لنفسه أو أن نجعل لنا إمامًا يدعو بنا؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، كلُّ إنسانٍ يدعو لنفسه، لكنْ لو جاءك إنسانٌ وقال: ادعُ اللهَ لنا. ورأيتَ منه التشوُّفَ أنْ تدعو له -ما هو له تقول: اللهم اغفِر له. لا، تدعو له مِثل أنْ تصلِّي له؛ يعني تدعو وهو يؤمِّن- فإنَّه لا بأسَ في هذا الحال تطييبًا لقَلْبه، وربما يكون فيه خشوعٌ أيضًا إذا شَعَرَ الإنسانُ بالناس كلِّهم يلتفُّون حوله ويؤَمِّنون على دعائه، وربما يكون بعضُهم قريبَ الخشوعِ يَخْشع ويَبْكي فيُخَشِّع الناسَ، هذا لا بأس به فيما يظهر لي.
طالب: الدليل يا شيخ؟ الدليل على هذا؟
الشيخ: الدليل أنَّه ما فيه منع، وهذا يحصُل أحيانًا من الصحابة؛ يطلبون من الرسول أنْ يدعو لهم.
طالب: () الموقف ما ().
الشيخ: لا، في هذا الموقف ما أعلم أنَّه دعا بالناس، ولهذا نقول: الأفضل أنْ يدعو كلُّ إنسانٍ لنفسه.
***
يقول: (ويُكثر من الدعاء ومما وردَ. ومَنْ وقفَ ولو لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له صَحَّ حجُّه).
(مَنْ وقفَ) (مَنْ) هذه اسم شَرْط، فهلْ يعُمُّ كلَّ واقفٍ أو يخصُّ مَنْ كان مُحرِمًا بحجٍّ؟ أيهما؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني لا شك، ولهذا لو وقف بعرفة ولم يُحرِم إلَّا بعد أنْ غادَرَها لم ينفعه الوقوف.
[ ١ / ٣٩٥٦ ]
(مَنْ وقفَ) محرمًا (بعرفة ولو لحظةً). قوله: (ولو لحظة) يحتمِل أنه إشارة خلافٍ، ويحتمِل أنه للمبالغة وأنه لو وقفَ ولو أدنى وقفةٍ، وهذا الأقرب.
(مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر) أفادنا المؤلف -﵀- أنَّ وقت الوقوفِ من فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء على خلافه؛ على أنَّ وقت الوقوفِ من الزوال.
حُجَّة الإمام أحمد -﵀- حديثُ عُروة بنِ الْمُضَرِّس أنَّه وافَى رسولَ الله ﵌ في مزدلفة لصلاةِ الصبح، وأخبره ما صَنَعَ وأنَّه أَتْعَبَ نفْسَه وأَكَلَّ راحِلتَه ولَمْ يَدَعْ جبلًا إلَّا وقفَ عنده، فقال له النبي ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (٧). فالشاهد قوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، ولم يقيِّده بما بعد الزوال، هذا ما استدلَّ به الإمام أحمد -﵀- في المشهور عنه.
أمَّا جمهور العلماء -وهو رواية عن أحمد- فإنَّ وقت الوقوفِ يكون مِن زوال الشمس، ويحتجُّون لذلك بأنَّ النبي ﵌ لم يقِفْ قبل الزوالِ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٨)، وعليه فيُحمَل قولُه لعروة بن المضرِّس: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»؛ أي: نهارًا مما يصِحُّ الوقوفُ فيه، فيكون مطْلقًا مقيَّدًا بالسُّنة الفعلية من رسول الله ﵌، ولا شكَّ أنَّ هذا القول أَحْوط من القول بأنَّ النهار يشمل ما قبل الزوال.
يقول: (ومَنْ وقفَ ولوْ لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له) أي: للحجِّ، جملة: (وهو أهلٌ) حالٌ من فاعل (وقفَ)؛ يعني: والحالُ أنه أهلٌ للحج.
فمَنْ هو الذي هو أهلٌ للحج؟
[ ١ / ٣٩٥٧ ]
المسلم؛ لا شكَّ أنه لا بُدَّ أنْ يكون مسلمًا؛ فغير المسلم ليس أهلًَا للحج، وعلى هذا فلو كان لا يُصَلِّي ووقفَ بعرفةَ وبعدَ الدفْعِ منها -وهو حاجٌّ، وقفَ بعرفةَ حاجًّا- ومَنَّ اللهُ عليه بعد الدفْعِ منها فصلَّى، فهلْ يصِحُّ حَجُّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه حين الوقوف ليس أهلًا للحج.
الثاني: لا بدَّ أن يكون مُحرِمًا كما أشرْنا؛ لأن غير الْمُحْرِم ليس أهلًا للحج، لم يكنْ في إحرامٍ حتى يصِحَّ وقوفه.
الثالث: ألَّا يكون مجنونًا، فإنْ كان مجنونًا لم يصِحَّ وقوفه. ()
***
إذَنْ جملة (وهو أهلٌ له) في موضع نصبٍ على الحال.
فمَنْ هو الأهل؟
أنْ يكون مسلمًا، وأنْ يكون عاقلًا، وألَّا يكون سكرانًا ولا مُغْمًى عليه، أربعةُ أوصافٍ: وصْفانِ ثُبوتيَّانِ ووصْفانِ سَلْبيَّانِ؛ أنْ يكون مسلمًا، عاقلًا، غير سكرانٍ ولا مُغْمًى عليه.
طالب: مُحرِمًا.
الشيخ: مُحرِمًا بحجٍّ، إذَنْ ثلاثةٌ ثُبوتيَّة، واثنانِ سَلْبيَّان.
كيف يكون مُغْمًى عليه؟
لنفرِضْ أنَّه حصلَ عليه حادِثٌ وهو متَّجِهٌ إلى عرفة، فأُغْمِيَ عليه قبلَ أنْ يَصِل إلى عرفة، وبقي مُغْمًى عليه حتى انصرفَ الناسُ وانصرفوا به، فنقول: هذا الرجُل لم يصِحَّ وقوفُه لأنه كان مُغْمًى عليه. ونقول: إنَّه فاته الحجُّ، فإذا أفاقَ تحلَّل بعمرةٍ ثم قضاهُ إذا كان فَرْضًا من العام القادم.
(صَحَّ حَجُّه وإلَّا فلا) قوله: (وإلَّا) (إنْ) هذه شرطية، و(لا) نافية، وفِعْل الشرطِ محذوفٌ، وليست (إلَّا) استثنائية، بلْ هي مركَّبة مِن حرفين: من (إنْ) و(لا)، لكنْ أُدغِمت إحداهما في الأخرى، والتقدير: وإلَّا يكن الأمرُ كذلك فلا؛ أي: فلا يصِحُّ حجُّه.
لننظر (وإلَّا):
المؤلف قال: (ومَنْ وقفَ بعرفة)، يعني: وإلَّا يقفْ بعرفة.
وقوله: مِن طلوع الفَجْر إلى طلوع النَّحر. يعني: وإلَّا يقفْ في هذه المدَّة لم يصِحَّ حجُّه.
[ ١ / ٣٩٥٨ ]
المؤلف قال: (وهو أهلٌ له)، يعني: وإلَّا يكنْ أهلًا لم يصِحَّ حجُّه.
فصار الذي يدخل في قوله: (وإلَّا) ثلاثة أشياء: وإلَّا يقفْ، وإلَّا يقفْ في الزمن؛ زمنِ الوقوف، وإلَّا يقفْ وهو أهلٌ للحج.
***
ثم قال: (وإلَّا فلا. ومَنْ وقفَ نهارًا ودفعَ قبلَ الغروبِ ولم يَعُدْ إليها قَبْله فعليه دمٌ، ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا).
يقول: (مَنْ وقفَ نهارًا) ولو قبل الغروب بلحظةٍ ثم دفعَ بعد الغروبِ فحجُّه صحيحٌ، وإنْ وقفَ نهارًا ثم دفعَ قبْلَ الغروبِ نظرتَ؛ فإنْ عاد إليها قبل الغروب صحَّ حجُّه، وإن غابت الشمسُ قبل أنْ يعود صحَّ حجُّه وعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ الواجبَ وهو الوقوفُ بعرفة إلى الغروب.
وظاهِرُ قولِ المؤلف: (ولم يَعُدْ قَبْله) أنه لو عاد بَعْد الغروبِ فعليه الدمُ، مع أنَّ ما بَعْد الغروبِ وقتٌ للوقوفِ، ولهذا كان قولُ المؤلف -﵀- فيه شيءٌ من مخالفةِ القواعد؛ لأنه إذا عاد بعد الغروب فهلْ عاد في وقتِ الوقوفِ أو في غير وقتِ الوقوفِ؟
طلبة: في وقت الوقوف.
الشيخ: في وقت الوقوف، فمقتضى القياسِ أنه لا شيء عليه كما لو عاد قبل الغروب، المؤلف يقول: لو دَفَعَ ثم عاد قبل الغروب فلا شيء عليه؛ لأنه عاد في وقت الوقوف، وإنْ رجع بعد الغروب فعليه دمٌ.
فإنْ قال: كيف نُلزمه بالدم مع أنه عاد في وقت الوقوف؟ ! ولهذا كان المذهب طرد هذه المسألة؛ أي إن مَن رجع قبل أنْ يطلع الفجر فليس عليه شيء؛ لأنه رجع في وقت الوقوف.
وذهبَ بعضُ العلماء أنه يَلْزمه الدمُ بمجرَّد الدفع قبل الغروبِ سواءٌ رجعَ أمْ لَمْ يرجع؛ لأنه دَفَعَ مُنْهِيًا الوقوفَ، فحصلت المخالفةُ بذلك، فلَزِمه الدمُ. ولا شكَّ أنَّ هذا أو المذهب هو المطَّرد، أمَّا كلامُ المؤلف ففيه شيءٌ من التناقض.
[ ١ / ٣٩٥٩ ]
فالاطِّراد إذَنْ أنْ نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ لَزِمه الدمُ. أو نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ وعادَ قبل الفَجْرِ فلا دمَ عليه. أمَّا أنْ نقول: إنْ رجع قبل الغروب فلا دمَ عليه، وإنْ رجع بعده فعليه دمٌ. مع قولنا بأنَّ الكُلَّ وقتٌ للوقوف؛ ففيه شيءٌ من التناقض.
ولو قيل بالقول الثالث الذي يُلْزمه الدمُ إذا دفعَ قبل الغروب مُطْلقًا، إلَّا إذا كان جاهلًا ثم نُبِّهَ فرجعَ ولو بعد الغروب فلا دم عليه، لو قيل بهذا القول لكان له وجْهٌ؛ وذلك لأنه إذا دفع قبل الغروب فقد تعمَّد المخالفةَ، فيَلْزمه الدمُ بالمخالفة، ورجوعه بعد أنْ لَزِمه الدمُ بالمخالفةِ لا يؤثِّر شيئًا، أمَّا إذا كان جاهلًا -كما لو دفعَ قبل الغروبِ ثم قيل له: إنَّ هذا لا يجوز، فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه، ثم رجع ولو بعد الغروب- فإنه ليس عليه دمٌ، لو قيل بهذا القولِ لكان له وجهٌ، وهو أقربُ إلى القواعدِ مما ذهب إليه المؤلف.
يقول: (ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا) ويش معنى (فقطْ)؟ أي: دون النهار؛ بأنْ لم يأتِ إلى عرفة إلَّا بعد غروب الشمسِ، فإنه يُجزِئه؛ لعموم قول النبي ﵊: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (٩).
[ ١ / ٣٩٦٠ ]
(ثم يَدْفعُ بَعْد الغروبِ إلى مُزدلفةَ بسَكِينةٍ، ويُسرِعُ في الفَجْوةِ، ويَجْمَعُ بين العِشاءينِ)؛ لأن النبيَّ ﵌ دَفَعَ بعد الغروبِ وأردفَ أسامةَ بن زيدٍ خَلْفه، ودَفَعَ ﷺ بسَكِينةٍ، وقد شَنَقَ الزِّمامَ لناقته حتى إنَّ رأسها من شِدَّة الشنق لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، قد عنَّها عنًّا شديدًا، وهو يقول بيده اليُمنى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (١٠). وسبحان الله! التاريخ يُعيد نفسه؛ يعني من عهد الرسول وربما من قبل أيضًا كان الناسُ إذا نَفَروا أسرعوا، وفي ذلك الوقت الإسراعُ له وجْهٌ؛ لأن الدروب وعرةٌ، والليل قد أسدلَ ظلامه، فكانوا يحرصون على السرعة من أجْل مبادرةِ الوقتِ، بل قد كانوا في الجاهلية يدفعون قبل أنْ تغرب الشمس؛ إذا صارت الشمسُ على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال دفعوا اغتنامًا لوقتِ السفر؛ يعني الإضاءة.
قال: (ويُسرع في الفَجْوة) يعني المتَّسع؛ يعني إذا أتى متَّسعًا أسرعَ؛ لأن ذلك أرفقُ به حتى يَصِل إلى مزدلفة مبكرًا، وكان من هَدْي النبي ﷺ في دفْعِهِ أنَّه إذا أتى حبلًا من الحِبال أَرْخَى لناقته قليلًا من أجْل أنْ تصعد؛ لأن الناقة إذا كانتْ قد عُنَّتْ بالزمام يشقُّ عليها الصعود، فإذا أُرْخِيَ لها سَهُلَ عليها الصعود، فكان من هَدْيِهِ ﵊ أنَّه إذا أتى حبلًا من الحبال أَرْخَى لها قليلًا حتى تصعد (١١)، وإذا وجد فجوةً أسرع (١٢).
يقول: (ويجمع بين العشاءينِ) متى يجمع؟
[ ١ / ٣٩٦١ ]
إذا وصلَ إلى مزدلفة، ولا يَصِل إلى مزدلفة إذا دَفَعَ على صفةِ دفْعِ الرسول ﵊ إلَّا بعد دخول وقت العِشاء، ولهذا كان جمْعُ النبيِّ ﵌ في مزدلفةَ جمْعَ تأخيرٍ؛ لأنكم تصوَّروا أنَّه في أقصى عرفة من جهة الشرق، سيمُرُّ بجميع عرفة وهي واسعة، ويَمُرُّ بالطريق الذي بينها وبين مزدلفة، ثم إنَّه ثبت في الصحيح أنَّه ﵊ نزلَ في الشِّعب -شِعب المأزِمَيْنِ- وبال، وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، وقال له أسامة: الصلاةَ يا رسول الله. قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (١٣). وهذا يقتضي وقتًا طويلًا، فلهذا كان وصولُه إلى مزدلفة إلى مَقَرِّه هناك بعد دخول وقت صلاةِ العِشاء بلا شك.
فإنْ قال قائل: هلْ يُسَنُّ أنْ ينزلَ الإنسانُ في أثناء الطريقِ وفي المكان الذي نزلَ فيه الرسولُ ﵊ إنْ كان سار معه، ويبول ويتوضَّأ وُضوءًا خفيفًا أو لا؟
نقول: لا؛ لأنَّ هذا وقعَ اتفاقًا بمقتضى الطبيعة؛ احتاجَ النبيُّ ﷺ إلى أنْ يبول فنزلَ فبالَ بمقتضى الطبيعة، لو أنَّه احتاجَ إلى أنْ يبول في غير هذا المكانِ لَنَزَلَ، ولو لم يحتجْ لم ينزلْ، والدليلُ على هذا أنَّه ﷺ لَمَّا وصلَ إلى مزدلفة ووقفَ صلَّى المغرب قبل حَطِّ الرِّحال، ثم بَعْد صلاةِ المغرب حَطُّوا رِحالهم، ثم صلَّوا العِشاء (١٣)، فهذا دليلٌ على أنَّ الرسول ﷺ نزلَ هناك لا تعبُّدًا، ولكن اتفاقًا.
قال المؤلف: (ويبيتُ بها).
لو صلَّى المغربَ والعِشاءَ في الطريقِ، فهلْ يجوزُ أو لا؟
ذهب ابنُ حزمٍ مِنْجنيقُ العربِ إلى أنَّه لو صلَّى في الطريقِ لم يُجزِئه؛ لأن النبيَّ ﷺ قال لأُسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».
[ ١ / ٣٩٦٢ ]
ولكن الصحيح قول الجمهور: أنَّه لو صلَّى في الطريق لأجزأه؛ لعموم قول النبي ﵌: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١٤).
وأمَّا قول الرسول ﷺ لأسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فوجْهُهُ ظاهرٌ؛ لأنه لو أَوْقفَ الناسَ في هذا المكان؛ لو وقفَ ليُصلِّي وقفَ الناسُ، فلو أَوْقفهم في هذا المكانِ وهُم مُشْرَئِبُّون (١٥) إلى أنْ يَصِلوا إلى مزدلفة لكان في ذلك مشقَّةٌ عليهم ربما لا تُحتَمل، فكان هَدْيُه ﵊ هَدْيَ رِفْقٍ وتيسيرٍ، لكنْ لو أنَّ أحدًا صلى فإنَّ صلاته تصِحُّ لعموم الحديث الذي ذكرْنا: «وجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
لكنْ ربما يجب أنْ يصلِّي في الطريق، متى؟ إذا خَشِيَ خروجَ وقتِ صلاةِ العِشاء بمنتصف الليل، فإنه يجب أنْ يصلِّي في الطريق؛ ينزل ويصلي.
فإنْ لم يُمْكنه النزول للصلاة فإنه يصلِّي ولو على السيارة إذا كان لا يُمْكنه؛ لأنه ربما يكون الخطُّ يمشي لكن مشيًا ضعيفًا لا يُمْكنه أن يَصِل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، وليس الخطُّ واقفًا حتى يمكن أنْ ينزل ويصلِّي ثم يركب، ففي هذا الحالِ إذا اضطُرَّ إلى أنْ يصلِّي في السيارة فلْيُصَلِّ، وعليه أنْ يأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
قال المؤلف ﵀: (ويبيتُ بها).
يبيتُ بها وجوبًا أو استحبابًا؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يبيتُ بها وجوبًا؛ بدليل قوله فيما بعد: (فعَليه دمٌ) إذا لم يفعل.
[ ١ / ٣٩٦٣ ]
(ويبيت بها). واختلف العلماء ﵏ في البيتوتةِ في المزدلفة؛ فمنهم مَن قال: إنها سُنَّة، ومنهم مَن قال: إنها واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ومنهم مَن قال: إن المبيتَ فيها ركنٌ كالوقوف بعرفة؛ لأن الله نصَّ عليه وقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والنبي ﵌ سوَّاها في عرفة حينما قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١). ولكن القول الوسط لعله أحسن الأقوال: أنَّه واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ولا يُقتصر فيه على السُّنة.
قال المؤلف: (وله الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ).
(له) الضمير يعود على مَن؟ على الحاجِّ مُطْلقًا؛ قويًّا كان أَمْ ضعيفًا، رجُلًا كان أَمِ امرأة.
(له الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ) ما الدليل؟
الدليل أنَّ النبي ﷺ أذِنَ للضَّعَفةِ أنْ يدفعوا من مزدلفة ليلًا (١٦)، قالوا: وإذا انتصفَ الليلُ فقد أمضى أكثرَ الليلِ في مزدلفة، وإذا أمضى أكثرَ الليلِ أجزأه.
ولكن في هذا الحكم نظرٌ لأنه لا يُطابِق الدليل، فالدليل هو أنَّ الرسول ﵌ بعث الضَّعَفَةَ مِن أهله بليلٍ، وكلمة (ليل) تَصْدق على النصف الأول، والنصف الثاني، والسَّحَر، وتعيينها بما بعد النصف يحتاج إلى دليل، ومن المعلوم أننا لو أخذنا بظاهر اللفظ لقُلنا: يجوز الدفعُ قبل منتصف الليل؛ لأنه دفع بليل. وهذا لا يقول به المؤلف ﵀.
[ ١ / ٣٩٦٤ ]
ثم نقول: إذا قُلنا: الواجبُ المبيتُ مُعْظمَ الليلِ، فإنَّ نصف الليلِ ليس هو مُعْظم الليل؛ لأن الناس دفعوا من عرفة بعد غروب الشمس، والمسير من عرفة إلى مزدلفة يحتاج إلى ساعةٍ ونصفٍ أو ساعتين، ومن ثَمَّ كان من فِقْه أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ أنها تنتظر، حتى إذا غاب القمرُ دفعتْ (١٧)، وغروب القمر يكون بعد مُضِيِّ ثُلثي الليل تقريبًا، قد يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وكأنها ﵂ اعتبرتْ نصف الليل، لكن اعتبرت النصف من نزول الناس في مزدلفة، ونزولُ الناس في مزدلفة إذا اعتبرنا النصف فإنه يزيد على النصف الحقيقي الذي هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر يزيد بنحو هذا المقدار الذي اعتبرته أسماء، وهو غروب القمر، وهذا هو الصحيح أنَّ المعتبر غروب القمر، وإنْ شئتَ فقُل: إنَّ المعتبر البقاءُ في مزدلفة أكثرَ الليل، ولكنْ يؤخذ من الليلِ المسافةُ ما بين الدفعِ من عرفة إلى وصولِ مزدلفة، فيكون ما ذهبتْ إليه أسماءُ ﵂ هو المطابق لمعْظَم الليل.
يقول: (ويبيتُ بها، وله الدفْعُ بَعْدَ نصفِ اللَّيلِ، وقَبْلَهُ) أي: قبلَ نصفِ الليلِ؛ يعني: لو دَفَعَ (فيه دمٌ) () سواءٌ كان عالِمًا بالحكْمِ أو جاهلًا، عامِدًا أو ناسيًا.
إذا دَفَعَ قبلَ منتصفِ الليل فعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ واجبًا، وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ يذبحه ويتصدَّق به جميعًا على الفقراء في مكة.
(وقَبْلَهُ فيه دمٌ كوصولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْرِ لا قَبْلَهُ).
[ ١ / ٣٩٦٥ ]
(كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة (بعد الفَجْر)، فإذا وصل إلى مزدلفة بعد الفَجْر ولو بلحظةٍ لَزِمَه دمٌ؛ لأنه لم يَبِتْ بها، ولكن ظاهر حديثِ عروة بن مُضَرِّس ﵁ أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في مزدلفة على الوقت الذي صلَّاه الرسولُ ﵊ فإنه لا شيءَ عليه؛ لقوله: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» (٧)، والإشارة «هَذِهِ» تفيد أنه لا بدَّ أنْ تكون الصلاةُ في أول الوقت؛ لأن الرسول ﷺ صلَّى الفَجْر في أول وقتِها.
(كوُصُولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْر لا قَبْلَهُ) أي: لا إنْ وَصَلَ إليها قَبْل الفجر ولو بعد نصفِ الليل فإنه لا شيء عليه.
والخلاصةُ على المذهب على ما مشى عليه المؤلف:
إذا دَفَعَ قَبْل منتصفِ الليلِ فعليه دمٌ.
إذا دَفَعَ بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دمٌ.
إذا وصل إليها بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
فعليه الدمُ في حالين هما: إذا دَفَعَ قبل منتصف الليل، وإذا لم يَصِل إليها إلا بعد الفجر، عليه دمٌ في الحالين.
وليس عليه دمٌ فيما إذا دَفَعَ بعد منتصف الليل، أو وصل إليها بعد منتصف الليل.
طلبة: ()؟
الشيخ: لا شيء عليه.
طالب: قبل الفجر.
الشيخ: طيب، لا شيء عليه إذا دَفَع بعد منتصف الليل قبل الفجر أو بعده، ولا شيء عليه إذا وصل بعد منتصف الليل لكن قبل الفَجْر؛ لأن ما بعد الفجر ذكرناه قبل، ولكنَّا قُلنا: إن ظاهر حديث عروة بن المضرِّس أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في أولها فإنه يُجزئه.
بَقِي أنْ يقال: حدثت مشكلةٌ في أيامنا الأخيرة؛ أنَّ بعض الحجَّاج لا يَصِلون إلى مزدلفة إلَّا بعد طلوع الفجر وبعد صلاةِ الفجر أيضًا فما الحكْم؟
[ ١ / ٣٩٦٦ ]
على المذهبِ يجبُ عليهم دمٌ؛ لأن القاعدة عندهم أنَّ من حُصِرَ عن واجبٍ فعليه دمٌ؛ لأن المحصور عن الواجب لا يتحلَّل؛ إذْ لا حاجةَ له إلى التحلُّل، لكن عليه دمٌ. فنقول: هؤلاء الذين لم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْر الصلاةِ نقول: هؤلاء حُصِروا عن هذا الواجب فيَلْزمهم دمٌ.
ولكن بعض العلماء قال: إن هؤلاء حُصِروا إكراهًا، حُصِروا ولم يُحْصَروا، حُصِروا لأنهم لم يَصِلوا في الوقت، ولم يُحْصَروا لأنهم وصلوا إلى المكان، فيكون وصولهم إلى المكان بعد زوال الوقت كقضاء الصلاةِ بعد خروج وقتِها للعُذر، وأنهم إذا حُصِروا في هذه الحال ولم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجرِ وذهابِ وقت الصلاةِ فإنهم يكونون كالذين عُذِروا عن وقت الصلاة حتى خرج وقتُها.
وهذا القولُ أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: مَنْ حُبِس عاجزًا عن الوصول إليها، ولم يَصِل إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْرِ الصلاةِ أو بعد طلوع الشمس؛ فإنه يَقِفُ ولو قليلًا ثم يستمِرُّ؛ وذلك لأنه يُشبه الصلاةَ إذا فاتتْ لعُذرٍ فإنه يقضيها، ولو قيل أيضًا بأنه يسقطُ الوقوفُ لأنه فاتَ وقتُه لم يكن بعيدًا.
المهم أنَّ القول الراجح أنَّه لا يُلْزَم بدمٍ؛ لأنه تَرَكَ هذا الواجبَ عجزًا عنه، والله أعلم.
***
[ ١ / ٣٩٦٧ ]
طالب: وله الدفْعُ بعد نصفِ الليلِ، وقَبْله فيه دمٌ كوصوله إليها بعدَ الفَجْر لا قَبْله، فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشعر الحرامَ فرقاهُ، أو يقِفُ عنده ويحمدُ اللَّهَ ويُكبِّره ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ الآيتين [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]، ويدعو حتى يُسْفِر، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رَمْيَةَ حَجَرٍ وأخذَ الحصى، وعددُه سبعون بين الحمَّصِ والبُندق، فإذا وصلَ إلى مِنًى -وهي من وادي مُحَسِّرٍ- إلى جمرةِ العقبةِ رماها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ يرفعُ يَدَهُ اليُمنى حتى يُرَى بياضُ إِبْطِهِ، ويُكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ولا يُجْزئ الرميُ بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يَقِف ويقطع التلْبِيةَ قبلها.
الشيخ: () محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّه في اليوم التاسع يذهبُ مِن مِنًى إلى عرفة، وأنَّه ينزل أولًا بنَمِرة حتى تزول الشمسُ، ثم يركبُ ويصلِّي الظهر والعصر بباطن الوادي، ثم يذهبُ إلى موقِفه، وهذا كُلُّه إنْ تيسَّر.
وسَبَقَ لنا أيضًا أنَّ النبي ﷺ وقفَ في شرقِيِّ عرفة عند الصخراتِ والجبلِ وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١). وعرفةُ كبيرةٌ واسعةٌ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب التأكد من حدودها لئلَّا يقِفَ الإنسانُ في غير الموقِف فيرجع بلا حجٍّ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب أنْ يبقى في عرفة إلى غروب الشمس، وأنَّه إنْ دَفَع قبل الغروب ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وإنْ عاد فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وعاد بعد الغروب قبل الفجر فليس عليه شيء، فالأقوال ثلاثة، ورجَّحْنا أنَّ الأقرب ثبوتُ الدم عليه بمجرَّد الدفع؛ لأنه خالفَ ما فَعَله النبي ﵌.
[ ١ / ٣٩٦٨ ]
وسَبَقَ لنا أنهم في الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس، وأنَّ النبي ﷺ خالَفَهم فدفَع بعد الغروب، لكنه دَفَع ولم يصلِّ إلا في المزدلفة، هذا في اليوم التاسع. في ليلة العاشر يدفع من عرفة إلى مزدلفة فيصلي بها المغرب والعِشاء جمعًا وقَصْرًا ويبيت.
وهُنا هلْ يُشرع أنْ يُحيي تلك الليلةَ بالقراءةِ والذِّكرِ والصلاةِ، أمِ السُّنةُ النومُ؟
الثاني؛ السُّنة النومُ؛ لأن الرسول ﷺ اضطجعَ حتى طلعَ الصبح (٣).
وأيضًا هلْ يصلِّي الوتر في تلك الليلة أو لا؟
نقول: لم يُذكَر في حديث جابرٍ ولا غيره فيما نعلم أنَّ النبي ﷺ أَوْتَر تلك الليلة، لكنْ على سبيل العموم أنَّه لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا. نقول: إنَّه يُوتر تلك الليلة، وعَدَمُ النَّقْلِ ليس نَقْلًا للعَدَم؛ لأننا نبقى على الأصل وهو أنَّه لا يَدَعُ الوتر سَفَرًا ولا حَضَرًا.
ثم نقول: لو تَرَكه في تلك الليلةِ لَنُقِلَ؛ لأنه لو تَرَكه لَكان شرعًا، والشرع لا بدَّ أنْ يُحفظ ويُنقَل.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجوز على رأي الفقهاء -﵏- أنْ يدفع بعد منتصف الليل، ووجْهُهُ أنَّه إذا دَفَع بعد منتصف الليل فقد بقي في مزدلفة مُعْظم الليلِ أو أكثرَ الليلِ.
وسَبَقَ لنا أنَّ القول الراجح في هذه المسألة أنَّه لا يدفع إلا في آخِر الليل، وأنَّ أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ كانتْ ترتَقِبُ غروب القمر (١٧)، وأنَّ ما فَعَلتْهُ أسماء هو الفقه؛ لأنه لا ينبغي أن نحسب أول الليل ونحن لم نَصِل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العِشاء؛ إذْ إنَّ الناس يسيرون من عرفة إلى مزدلفة ولا يَصِلون إلا متأخرين.
[ ١ / ٣٩٦٩ ]
وسَبَقَ لنا أنَّ السُّنة صلاة المغرب والعِشاء في مزدلفة، وأنَّه لو صلَّى في غير مزدلفة فصلاتُه صحيحةٌ خلافًا لِمَنْ؟ لابن حزم، والدليل: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١٤)، وأنَّه لو خاف فَوْتَ الوقتِ -أي: وقت العِشاء وهو منتصف الليل- وجبَ عليه أنْ يصلِّي في أيِّ مكانٍ.
الدفع في آخِر الليل هلْ يختصُّ بأهل الأعذار أو لا؟
قال بعض العلماء: إنَّه يختصُّ بأهل الأعذار من الضعفاء والنساء ونحوهم. وأجازه الفقهاء مُطْلَقًا لأهل الأعذارِ ولغير أهل الأعذار.
حُجَّة الأوَّلِينَ أنَّ الرسول ﷺ أقامَ في مزدلفةَ حتى صلَّى الفجر وأَسْفَرَ جِدًّا (٣)، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٨). وعن عائشة ﵂ تمنَّتْ أنها استأذنَت الرسولَ ﵌ أنْ تدفع قبل الفجر كما استأذنَتْ سَوْدَةُ، وقالت كلامًا يفيد أنها تودُّ أنها استأذنَتْ من الرسول ﵊، وأنها لو استأذنتْ لَكان أَشَدَّ من مفروحٍ به (١٨)؛ يعني: تُبالغ في أنها لو فعلتْ لأحبَّتْ ذلك.
على كلِّ حالٍ الذي يترجَّح أنَّه ليس بواجبٍ أنْ يبقى إلى صلاة الفجر، ولا سِيَّما في هذه الأزمان مع كثرة الناس والزِّحام والشِّدة، لكنْ هو الأفضل؛ أنْ يبقى إلى أنْ يصلِّي الفجر ويُسْفِر جِدًّا ثم ينصرف.
***
يقول المؤلف رحمه الله تعالى، وهو مبتدأ درس الليلة: (فإذا صلَّى الصبح)، وهُنا لم يُبَيِّن متى تكون هذه الصلاة، لكنْ قد ثبتَ بالسُّنة أنَّ الرسول ﵌ صلَّاها حين تبيَّن له الصبح ولم يتأخر؛ صلَّاها بغَلَس (١٩).
[ ١ / ٣٩٧٠ ]
(فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشْعَرَ الحرامَ) والمشعر الحرام: جبلٌ صغيرٌ معروفٌ في مزدلفة، وعليه المسجدُ المبنيُّ الآن، أتاه سواءٌ كان راكبًا أمْ راجلًا، والنبيُّ ﵌ ركبَ ناقته ووقفَ عند المشعر الحرام، وقف راكبًا (٣)، لكنه قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١) (جَمْع) يعني مزدلفة، وسُمِّيت جَمْعًا لأن الناس يجتمعون فيها كلُّهم، وكانوا في الجاهلية يجتمعون فيها كلُّهم، وفي عرفة لا يجتمع أهلُ مكة، بلْ لا يجتمع قُريش مع غيرهم؛ لأنهم يَقِفون في مزدلفة، لا يخرجون إلى عرفة؛ لأنَّ عرفة من الحِلِّ، فمِنْ أجْل هذا سُمِّيت جمعًا لأنها تجمع الناس كلَّهم. يقول الرسول ﵊: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».
وقوله: (المشعر الحرام) وُصِفَ بالحرام لأن هناك مَشْعرًا حلالًا وهو عرفات، ففي الحجِّ مَشْعرانِ: حلالٌ وحرامٌ؛ فالمشعر الحرام: مزدلفة، والمشعر الحلال: عرفة.
ولماذا وُصِف بالحرام؟ لأنه داخل حدود الحرم.
قال: (فيرقاه) يعني: يرقى هذا المشعر، وهو جبلٌ صغيرٌ كما قُلنا (أو يَقِف عنده)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
(أو يَقِف عنده، ويحمد اللَّهَ ويُكبِّره) ويدعو الله ﷿ رافعًا يديه إلى أنْ يُسْفِر جِدًّا، ويكون أيضًا مستقبِلَ القِبلة.
قال المؤلف: (ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ الآيتين)، وقراءة هاتَينِ الآيتَينِ لا أعلمُ فيها سُنَّةً، لكنها مناسِبة؛ لأنَّ الإنسانَ يُذَكِّر نفسه بما أَمَر اللهُ به في كتابه.
[ ١ / ٣٩٧١ ]
(ويدعو حتى يُسْفِر) يُسْفِر جدًّا؛ يعني: يتبيَّن السفر أو الإسفار ويرى الناسُ بعضهم بعضًا، ثم ينطلق قبل أنْ تطلع الشمس، ولهذا قال: (فإذا أَسْفَرَ سار قبل طلوع الشمسِ بسَكِينَةٍ) خلافًا لأهلِ الجاهلية، أهلُ الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا إذا طلعت الشمس، وكان من عباراتهم الموروثة: أَشْرِقْ ثَبِير، كَيْمَا نُغِير (٢٠). ثَبير: جبلٌ معروفٌ هناك كان رفيعًا تتبيَّن به الشمسُ قبل غيره مما حوله من الجبال، وكانوا يرقبون هذا الجبل، فإذا أشرقَ دفعوا.
إذَنْ هُم -أعني في الجاهلية- يُبادرون السفر أو الإسفار في أول الليل؛ ليلة العيد، وفي آخرها، كيف ذلك؟ لأنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ويدفعون من مزدلفة بعد طلوع الشمس، أمَّا الرسول ﵌ فخالَفَهم في الوقتينِ.
يقول: سار بسَكِينةٍ؛ يعني: لا بإسراعٍ وإيضاعٍ للإبل، والإيضاع: الإسراع، بلْ يكون بسَكِينةٍ.
(فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) لأنَّ النبي ﷺ حرَّكَ قليلًا؛ حرَّكَ ناقتَه حين بَلَغَ مُحَسِّرًا (٣)، ومُحَسِّر: بطنُ وادٍ عظيم، وبهذا نعرف أنَّ بين المشاعر أودية؛ فبين المشْعرِ الحرام والمشْعرِ الحلال وادٍ وهو عُرَنة، وبين المشْعَرينِ الحرامَينِ مِنًى ومزدلفةَ وادٍ وهو وادي مُحَسِّر، أسرعَ فيه النبيُّ ﵊ (٣).
واختلفَ العلماءُ لماذا أسرعَ:
فقال بعضُهم: أسرعَ لأن بطن الوادي يكون دعثًا وليِّنًا يحتاج أنْ يحرِّك فيه الإنسانُ بَعيره؛ لأن مَشْي البعيرِ على الأرضِ الصلبة أسرعُ مِن مشيها على الأرض الرخوة، فحرَّك مِن أجْل أنْ يتساوى سيرُها في الأرض الصلبة وسيرُها في الأرض الرخوة، وعلى هذا فالملاحَظ هنا هو مصلحةُ السير فقط.
[ ١ / ٣٩٧٢ ]
وقيل: أسرعَ لأن الله أهلكَ فيه أصحابَ الفيل، فينبغي أنْ يُسرع؛ لأن المشروع للإنسان إذا مرَّ بأراضي العذابِ أنْ يُسرع؛ كما فَعَل النبيُّ ﵌ حين مرَّ بديار ثمود في غزوة تبوك؛ لَمَّا مرَّ زَجَر الناقةَ ﵊ وقَنَّعَ رأسه هكذا وأسرعَ، واليومَ الناسُ بعضُهم يتَّخذ هذه الديارَ سياحةً ونُزهةً والعياذ بالله، مع أنَّ الرسول أسرعَ وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» (٢١).
كيف يُصِيبنا ما أصابهم ونحن لم نعمل؟
لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء فقلْبُه يكون غيرَ ليِّنٍ وغيرَ خاشعٍ، فيكون قاسيًا مع مشاهدته آثارَ العذابِ، وحينئذٍ يُصيبه ما أصابهم من التكذيبِ والتولِّي، هذا معنى الحديث؛ يعني ليس المراد أنْ يُصيبكم العذابُ الرِّجزُ الحِسِّي، قد يُراد به العذابُ أو الرِّجزُ المعنويُّ؛ أنْ يقسو قلب الإنسان فيُكذِّب بالخبر ويتولَّى عن الأمر -نسأل الله العافية- وبهذا نعرف أنَّ اتخاذها نُزهةً خطأٌ عظيمٌ مخالفٌ لأمر النبيِّ ﵌: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»، والذين يذهبون للنُّزهةِ أو للتفرُّج هلْ هُم يبكون؟
الظاهر أنهم إلى الضحك أقربُ منهم إلى البُكاء، ويُصَوِّرون ويعملون أشياء اللهُ أعلمُ بها، فنسأل اللهَ لنا ولكم العِبرة والهداية.
المهمُّ أنَّ مِن العلماء مَن علَّلَ إسراعَ النبيِّ ﵌ بأنَّ هذا هو الموضع الذي أهلكَ اللهُ فيه أصحابَ الفيلِ، لكن هذا التعليل عليلٌ؛ لأن أصحابَ الفيلِ لم يُهلَكوا هُنا، بلْ في مكانٍ يُقال له: الْمُغَمَّس، حول الأبطح، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي:
حَبَسَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّى
[ ١ / ٣٩٧٣ ]
ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَكْبُولُ
فعلى هذا يكون هذا التعليلُ غيرَ صحيحٍ أو كأنه مكسور.
وقال بعض العلماء: إنَّ النبيَّ ﵌ أسرعَ لأنهم كانوا في الجاهلية يَقِفون في هذا الوادي ويذكرون أمجادَ آبائهم؛ وأباؤنا فعلوا كذا وفعلوا كذا وفعلوا كذا، فأراد النبيُّ ﵌ أنْ يُخالِفهم كما خالَفَهم في الخروج من عرفة وخالَفَهم في الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقربُ التعاليل أنَّه فَعَل ذلك مُخالَفةً للمشركين الذين يَقِفون في هذا الوادي ليذكروا أمجادَ آبائهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) (رميةَ حَجَرٍ) كيف يمكن قياسها؟
وأَخَذَ الْحَصَا -وعدَدُه سَبعونَ بينَ الحِمِّصِ والْبُنْدُقِ - فإذا وَصَلَ إلى مِنًى - وهي من وادي مُحَسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ - رَماها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بياضُ إِبِطِه ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ولا يُجْزِئُ الرميُ بغيرِها، ولا بها ثانيًا، ولا يَقِفُ، ويَقْطَعُ التلبيةَ قَبْلَها، ويَرْمِي بعدَ طُلوعِ الشمسِ ويُجْزِئُ بعدَ نِصفِ الليلِ - ثم يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميعِ شَعْرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ أَنْمُلَةً، ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والحِلاقُ والتقصيرُ نُسُكٌ، ولا يَلْزَمُ بتأخيرِه دَمٌ، ولا بتقديمِه على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.
(فصلٌ)
[ ١ / ٣٩٧٤ ]
ثم يُفيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفريضةِ طوافَ الزيارةِ، وأَوَّلُ وقتِه بعدَ نِصفِ ليلةِ النحْرِ، ويُسَنُّ في يومِه وله تَأخيرُه، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمروةِ إن كان مُتَمَتِّعًا أو غيرَه ولم يكنْ سَعَى مع طَوافِ القُدومِ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ ثم يَشربُ من ماءِ زَمزمَ لِمَا أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه ويَدعو بما وَرَدَ.
ثم يَرْجِعُ فيَبيتُ بِمِنًى ثلاثَ ليالٍ فيَرْمِي الجمرةَ الأُولَى، وتَلِيَ مَسجدَ الْخَيْفِ - بسبْعِ حَصَياتٍ ويَجعلُها عن يَسارِه ويَتأَخَّرُ قليلًا ويَدعو طَويلًا، ثم الوُسْطَى مِثْلَها، ثم جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجعلُها عن يَمينِه ويَسْتَبْطِنُ الوادِيَ ولا يَقِفُ عندَها، يَفعلُ هذا في كلِّ يومٍ من أَيَّامِ التشريقِ - بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا -
قال العلماء: إن النبي ﵌ أسرع؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم: وآباؤنا فعلوا كذا، وفعلوا كذا، وفعلوا كذا، فأراد النبي ﵌ أن يُخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وخالفهم في الخروج من مزدلفة.
ولعل هذا أقرب التعاليل؛ أنه فعل ذلك مخالفةً للمشركين الذين يقفون في هذا الوادي ليذكروا أمجاد آبائهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رمية حجر) (رمية حجر)، كيف يمكن قياسها؟
لأن الحجر قد يكون كبيرًا، فإذا رميت به لم يذهب بعيدًا، وقد يكون الرامي ضعيفًا، فإذا رمى بالحجر الصغير لم يذهب بعيدًا، لكنهم يقولون: مقدار خمس مئة ذراع، الذراع أظن ثلثي المتر، نعم، على هذا التقريب، لكن هل هذا يمكن العمل به الآن؟
طالب: لا يمكن.
[ ١ / ٣٩٧٥ ]
الشيخ: الظاهر أنه لا يمكن؛ لأن الإنسان محبوس بأرتال السيارات التي لا يمكن أن يتقدم ولا أن يتأخر، وربما يُحبس في نفس المكان، يعجز أن يمشي.
ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان، ينوي الإنسان بقلبه أنه لو تيسر له أن يُسرع لأسرع، وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يُثيبه على ما فاته من الثواب.
يقول: (وأخذ الحصاة) من أين؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يأخذه من وادي مُحسر أو من بعده؛ لأنه قال: (فإذا بلغ محسرًا أسرع وأخذ)، فعلى هذا يأخذه بعد أن يتجاوز مُحسرًا في طريقه.
والذي يظهر لي من السنة أن الرسول ﵊ أخذ الحصى من عند الجمرة؛ لأنه أمر ابن عباس أن يلقُط له الحصى وهو واقف يقول للناس: بأمثال هؤلاء فارموا، ورمى.
وأما أخذه من مزدلفة فليس بمُستحب، وإنما استحبه بعضُ المتقدمين؛ لأجل أن يبدأ بالرمي أي: رمي جمرة العقبة من حين أن يصل إلى منى؛ لأن رمي جمرة العقبة هو تحية منى، ويُفعل قبل كل شيء، حتى إن الرسول ﵊ رمى وهو على بعيره قبل أن يذهب إلى رحله ويُنزل رحله، لكنه رمى على بعيره.
والناس لا يتيسر لهم أن يقولوا لأحد منهم: القُط لنا الحصى، ويلقط لهم الحصى وهم على إبلهم، ثم يرمون، لا يتيسر؛ فلذلك استحب بعضُ المتقدمين أن يأخذ الحصى من مزدلفة، وليس هذا بسُنَّة.
ولكن عامة الخلق يظنون أنه يجب أن يكون الحصى من مُزدلفة وجوبًا، حتى إن الواحد منهم يأخذ عددًا كبيرًا، يأخذ سبعين حصاةً؛ لأن سبعين حصاةً تكون لمن تأخر؛ واحد وعشرون، وواحد وعشرون، وواحد وعشرون، كم هذه؟ ثلاث وستون، وسبع يوم العيد، هذه سبعون حصاةً. بعض الناس يأخذ زيادةً، لماذا؟
يخشى أن تسقط منه واحدة أو تضيع، أو يحتاج أحدُ إخوانه، ولذلك سمعتُ فيما سبق أن كل واحد منهم يستقرض من الآخر، إذا ضاع منه شيء قال لأخيه: أقرضني -جزاك الله خيرًا- حصاةً، ومتى يوفيها؟ يمكن في العام القادم، أو فيما بعده.
[ ١ / ٣٩٧٦ ]
كل هذا؛ لأن العامة إذا رأوا العلماء يأخذون أو يقولون: يُستحب أن يأخذ من مزدلفة؛ ظنوا أن هذا واجب، والعامة يُحبون الخير لا شك، وقد تبيَّن بما قررنا أنه ليس من السنة، فضلًا عن أن يكون واجبًا.
قال المؤلف: (أخذ الحصى)، وهل يغسل الحصى ليُطهِّره؟
قال بعض العلماء: إنه يغسله تطهيرًا له إن كان قد أصابته نجاسة، أو تنظيفًا له إن لم تكن أصابته نجاسة.
والصحيح أن غسله بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يغْسِله.
(وعدده سبعون) هذا كلام المؤلف ما شاء الله (وعدده سبعون) يعني: سبعون حصاةً (بين الحمص والبندق)، ذكر المؤلف -﵀- العدد والحجم؛ العدد سبعون؛ بناءً على أنه يتأخر، فإن لم يتأخر فأنزِل من السبعين واحدًا وعشرين تكن.
طالب: سبع وأربعون.
طالب آخر: لا، تسع وخمسون.
الشيخ: واحد وعشرون، وواحد وعشرون: اثنان وأربعون، وسبعة: تسع وأربعون. تكن تسعة وأربعين.
والصحيح أنه لا يأخذ سبعين، ولا تسعًا وأربعين، أنه يأخذ الحصى كل يوم في يومه من طريقه وهو ذاهب إلى الجمرة؛ لأن الشيء الذي ليس عليه دليل يكون عدم فعله -لا سيما في العبادات- هو الدليل.
يقول: (وعدده سبعون).
أما الحجم، فقال: (بين الحمص والبندق) أظن العقيل يعرف الحمص، تعرفه؟ ما تعرف الحمص؟ أحد منكم ما يعرفه؟
طالب: هو دون الفول يا شيخ.
الشيخ: والفول مين يعرفه؟ ! على كل حال، الحمص معروف، ما أظن أحد يجهله.
طلبة: معروف؟
الشيخ: إي نعم، لا سيما في مكة.
طالب: البليلة يا شيخ.
الشيخ: بليلة، يمكن البليلة قريب منها، وأظن عقيل يعرفها، إي، هو هذا.
على كل حال، (بين الحمص والبندق) البندق هو الحصى الذي يُرمى به بين الإبهام والوسطى، تضعه هكذا، ثم ترمي به بالسبابة، والذي يُدرك هذه الكيفية من الرمي يكون جيدًا في حذف هذه الحصاة.
على كل حال، هي أكبر من الحمص ودون البندق، ولهذا قال: (بين الحمص والبندق).
(فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة) من الواصل؟
الطلبة: الحاج.
[ ١ / ٣٩٧٧ ]
الشيخ: الحاج، ومِنى اسم مكان معروف، وسُميت بهذا الاسم لكثرة ما يُمنى فيها من الدماء، أي: يُراق من الدماء، وهي من حيث الإعراب مصروفة، فتقول: إلى منًى؛ لأنها تنصرف.
يقول: (فإذا وصل إلى منى) وهي من وادي مُحسِّر إلى جمرة العقبة، هذا حدها شرقًا وغربًا من وادي مُحسر -الذي ذكرنا قبل قليل أنه يُسرع فيه- إلى جمرة العقبة آخر الجمرات. الوادي منها أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف حسب دلالة (مِنْ) أنه منها، وليس كذلك، أما جمرة العقبة فليست منها؛ لأنه قال: (إلى جمرة العقبة)، والمعروف في معاني الحروف أن ابتداء الغاية داخل، لا انتهاؤها، لكن إذا كانت المسألة من باب الحد، فإن ابتداء الغاية وانتهاءها لا يدخلان.
فإذا قلت: لك من هذه الأرض مِن كذا إلى كذا، فالحد لا يدخل في المحدود، لا ابتداءً ولا انتهاءً، وبهذا يتقرر أن وادي مُحسر ليس من منى، وأن جمرة العقبة ليست من منى. هذا من الشرق والغرب، لكن من الشمال والجنوب كيف نحدها؟
قال العلماء: كل الجبال الكبيرة كل وجوهها التي إلى منى مِن منى، كل سُفوح الجبال ووجوهها التي تتجه إلى منى كلها من منى.
وبناء على هذا تكون منى واسعة جدًّا، وتحمل الحاج، لو أنها نُظمت تنظيمًا تامًّا مبنيًّا على العدل لوسعت الناس، لكن يحصل فيها الظلم؛ تجد بعض الناس يتخذ مكانًا واسعًا يسع أكثر من حاجته عشر مرات، أو عشرين مرة.
وهنا مشكلة في الوقت الحاضر، يقول بعض الناس: أنا لا أجد أرضًا في منى إلا بأجرة، يبذلون إلى عشرين ألفًا، ثلاثين ألفًا، سبعين ألفًا، فهل يجوز أن يستأجر أرضًا في منى؟
الجواب: نعم، يجوز، والإثم على الْمُؤَجِّر الذي أخذ المال بغير حق، أما المستأجر ماذا يصنع؟
ولهذا قال فقهاءُ الحنابلة ﵏: لا يجوز تأجير بيوت مكة، ولكن إذا لم يجد بيتًا إلا بأجرة بذل الأجرة، والإثم على صاحب البيت.
وهذه المسألة تُذكر في البيوع، وليس هذا موضع ذكرها، لكن ذكرتها استطرادًا.
[ ١ / ٣٩٧٨ ]
أما بيوت منى، فلا شك أنه لا يجوز تأجيرها أبدًا، ولا أرض منى؛ لأن منى مشعر محدود، محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا بأجرة؟ !
أما مكة يمكن للإنسان أن ينزل بعيدًا، ولا يهم، لكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقًا أن يبني فيها بناء ويُؤجره، ولا أن يختط أرضًا ويُؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون، يبذلون الأجرة، والإثم على الذي أخذها.
يقول: (فرماها بسبع حصيات متعاقبات) سبع حصيات، ولماذا اختِيرت السبع؟ اقتداءً بمن؟ برسول الله ﵌؛ لأنه رماها بسبع حصيات.
أما لماذا لم تكن خمسًا، أو ثلاثًا، أو تسعًا، أو إحدى عشرة حصاة؟
فهذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه، كما أنه ليس لنا الحق بأن نقول: لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ لماذا لم تكن الظهر ستًّا، والعصر ستًّا، والعشاء ستًّا مثلًا؟
نقول: هذا لا تُدركه عقولنا، وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد.
(بسبع حصيات مُتعاقبات) معنى (مُتعاقبات)؟
طالب: وراء بعض.
الشيخ: وراء بعض، يعني واحدة بعد الأخرى، صحيح.
وقول المؤلف: (رماها) يُفهم منه أنه لو وضع الحصى وضعًا فإنه لا يُجزئه، بل لا بد من الرمي، حذف، أما لو أخذ الحصاة ووضعها هكذا؛ هذا لا ينفع.
وقوله ﵀: (متعاقبات) لو أنه من شدة الزحام رمى السبع جميعًا، ما لا يُجزئه؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة فقط، تجزئه واحدة.
وقول المؤلف: (بسبع حصيات متعاقبات) ظاهره أنها مُتوالية، أو أنه لا فرق بين المتوالية والمتفرقة، فيه احتمال: أنه يجوز أن تكون متوالية، ويجوز أن تكون متفرقةً، لكنها عبادة واحدة، والأصل في العبادة الواحدة المكونة من عدد أن تكون متوالية.
يقول ﵀: (يرفع يده اليُمنى حتى يُرى بياضُ إبطه، ويُكبر مع كل حصاة)
علل الشارح هذا بأنه أعونُ له على الرمي، هكذا، حتى يبدو بعض إبطه؛ لأنه أعون له على الرمي.
[ ١ / ٣٩٧٩ ]
وهذا فيما إذا كان الإنسان بعيدًا واضحًا، لكن إذا كان قريبًا ويمكن يقول: هكذا، هكذا، فلا حاجة، المقصود هو الرمي، فالإنسان البعيد يحتاج إلى رفع يده حتى يصل إلى المراد.
وقول المؤلف: (فرماها بسبع حصيات) (رماها): قد يُفهم من هذا الكلام أنه لا بد أن يرمي الشاخص -العمود القائم- ولكنه غير مراد، المقصود أن تقع في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه.
(ويُكبِّر مع كل حصاة)، كلما رمى قال: الله أكبر، مع كل حصاة، وبهذا نعرف الحكمة من الرمي؛ من رمي الجمرات، الحكمة هو تعظيم الله ﷿، قال النبي ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْي الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (١)، فالحكمة إقامة ذكر الله، وتعظيم الله ﷿، وتمام التعبد؛ لأن كون الإنسان يأخذ حصى ويضرب به هذا المكان يدل على تمام انقياده، إذ إن النفوس قد لا تنقاد للشيء إلا بعد أن تعرف المعنى الذي من أجله شُرع، لكن كونك تأتي وترمي هذه الحصيات في هذا المكان يدل على تمام الذل والتعبد لله ﷿.
وأما ما يُذكر أن الرمي هنا إغاظة للشيطان، فإن هذا لا أصل له صحيح عن النبي ﷺ، بل النبي ﵊ بيَّن أن الحكمة هو إقامة ذكر الله ﷿.
وعلى المفهوم الذي ذكرنا أنه من أجل الشيطان صار بعضُ العامة إذا أقبل على الجمرة يُقبل بانفعال شديد، وغضب شديد، مُحمر العينين، مُنتفش الشعر، يخبط كأنه جمل هادر، وكيف يضرب؟ يدور أكبر حصاة حصل ويضرب بها هذا المكان، وربما يضرب هذا المكان بالنعال، والخشب، وما أشبه ذلك.
ولقد رأيتُ بعيني قبل أن تُبنى هذه الجسور رأيتُ رجلًا وامرأته جالسين على الحصى -الحصى المتجمع من رمي الناس- يضربان العمود، والحصى تُصيبهما، ولا يتأثران، لا يتحركان، فأقول في نفسي:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ
[ ١ / ٣٩٨٠ ]
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
يعني أنهم صبروا من أجل تحصيل الأجر، يظنون أن هذا أجر لهم، كله من أجل العقائد أو التوهمات التي يرثها بعضُهم من بعض.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها)، بغير أيش؟
طلبة: بغير الحصى.
الشيخ: بغير الحصى، حتى ولو كان ثمينًا.
عندي بالشرح يقول: (كجوهر، وذهب، ومعادن).
يعني لو رميت بدل الحصاة -الحصى- دنانير فإنه لا يُجزئ؛ لأن المسألة تعبدية، لو رميت بجوهر، لو رميت بالماس، لو رميت بالحديد، لو رميت بالخشب، بأي شيء فإنه لا يُجزئ إلا بالحجر.
لو رميت بمدر -الطين المُجبن اليابس- فإنه لا يُجزئ.
وهنا نسأل: هل يجوز أن يرمي بكسر الأسمنت؟
يوجد مثلًا عند محل صبات الأسمنت يوجد كسر من الأسمنت، هل يجوز أن يرمي بها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه ليست أحجارًا، لكن يوجد في هذه الأمكنة يوجد حصى -أحجار مختلطة بالأسمنت- يمكن يرمي بها.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا) يعني ولا يجزئ الرمي بها ثانيةً، يعني لا ترمي بحصاة رُمي بها، لماذا؟
قاسُوه على أصل، قالوا: لأن الماء المستعمل في الطهارة الواجبة لا يرفع الحدث.
هذه حصاة مستعملة في عبادة واجبة مرمية -وهو الرمي- فلا يجوز أن ترمي بها ثانيًا، كما لا يجوز أن تتوضأ بالماء المستعمل، هذه واحدة، وعلَّلوا بتعليل آخر: قالوا: لأن العبد إذا أُعتق في كفارةلم يجُز إعتاقُه مرةً أخرى.
ونحن نقول: كلا التعليلين عليل؛ أما الأول: فإنه قاس مختلفًا فيه على مختلف فيه؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الحصاة المرمي بها مُجزئة، وهذا مذهب الشافعي ﵀.
فنقول: أنت قِست شيئًا مختلفًا فيه على شيء مُختلف فيه، والقياس لا بد فيه من أن يتفق الطرفان على حكم الأصل؛ لأجل أن يُلزم أحدُهما الآخر بما يقتضيه القياس.
أما إذا قال: أنا لا أُسلِّم أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث. أقول: الماء المستعمل يرفع الحدث، وحينئذٍ إذا بطل الأصل المقيس عليه.
[ ١ / ٣٩٨١ ]
الطلبة: بطل المقيس.
الشيخ: بطل المقيس، هذه واحدة. وأما الرقبة: فنقول: إن العبد إذا أُعتق صار حرًّا، يعني زال عنه وصف العبودية، ولهذا لو قُدر أن هذا العبد ذهب إلى الكفار، ثم حاربنا، ثم سبيناهُ مرةً ثانيةً؛ عاد رقيقًا، وجاز أن يُعتق في الكفارة.
إذن القول الراجح أن الحصاة المرمي بها مجزئة، وهذا مع كونه هو الصحيح أرفق بالناس؛ لأنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت عند الحوض، وتتحرج أن تأخذ مما تحت قدمك، فإذا قلنا بالقول الراجح: إنها تُجزئ ولو كانت مرميًّا بها أمكن الإنسان أن يأخذ من تحت قدمه ويرمي.
لكن أُورد على هذا القول إيراد لننظر معكم كيف نتخلص من هذا الإيراد؟
قالوا: هذا القول يستلزم أن يُجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة!
يعني يجيء واحد يرمي بحصاة، ثم يأخذها ويرمي بها، ويأخذها ويرمي، ويأخذ ويرمي، كم هذه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: إلى السبع، والآخر ينتظر، فبعدما ينتهي يأخذ ويرمي، والثالث ينتظر، وإذا قدَّرنا أن مليون مسلم اللي بيرمي.
طلبة: ().
الشيخ: على كل حال -شوف العلماء ﵏- أورد هذا الإيراد: قيل: يلزم على قولكم أن يجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة.
قلنا: نحن نلتزم بهذا، لكن من يبغي يفعل؟ !
أحد الناس بيقعد ينتظر الثاني حتى يكمل سبع مرات يُعيد الحصاة، ثم الثالث والرابع إلى مليون نفر! هذا لا يمكن، فالإيراد الذي تنفر الطباع منه، ولا تقبله ليس بإيراد في الواقع، لكن الذي يحتاج الناس إليه في عصرنا هذا هو أنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت قريب من الحوض، وتحتاج إلى أن تأخذ من تحت قدمك وترمي به، نقول: لا بأس، افعل ولا حرج.
(ولا يجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا، ولا يقف) أيش معنى (لا يقف)؟
لا يقف بعد رمي الجمرة، لا يقف للدعاء، ينصرف إلى المنحر، كما فعل النبي ﷺ ().
[ ١ / ٣٩٨٢ ]
رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، اللهم اغفر لي ولوالدي.
الإخوان يقولون: البندق نبات أو ثمر يُؤكل، قاله عبد الرحمن رستم، وحجاج بن عبد الرازق الأنصاري. فلا ندري.
طالب: ().
طالب آخر: ().
الشيخ: على كل حال، يرجع إليه.
طلبة: ().
الشيخ: تأتينا -إن شاء الله- غدًا بشيء منه، للاطلاع عليه.
طالب: ().
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: ().
الشيخ: نخليها بعدين.
طالب: () والبُندق بضم الباء والدال، الذي يُرمى بها، الواحدة: بندقة، بهاء، والجمع بنادق، وثمرة شجر.
الشيخ: يعني خلاص، إذن يطلق على معنيين؛ على الحصى الذي يُرمى به، وعلى ثمر الشجر.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا يقف): يعني لا يقف بعدها للدعاء، بل ينصرف إلى المنحر، وهنا نسأل: من أين يرمي هذه الجمرة؟ أمن الشرق أم من الغرب؟ يرمي من بطن الوادي.
وكانت الجمرة -وأنا أدركتها- في ظهر جبل، لاصقة بجبل، لكن جبل ليس بالرفيع، فيه عقبة، ولهذا تُسمى جمرة العقبة، يصعد الناس منه، وكان تحتها وادي شهيب يمشي، فالنبي ﵊ رمى من بطن الوادي (٢)، ولم يصعد على الجبل فيرمي من فوق.
إذا رمى من بطن الوادي تكون مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وقد فعل ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (٣)، فيرمي من بطن الوادي، يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وهذا إن تيسر، وفي عهدنا بالوقت الحاضر قد يكون صعبًا.
وقد ذكرنا القاعدة التي تُعتبر قاعدةً نافعةً: أن مراعاة ذات العبادة أولى من مراعاة مكانها، فإذا كان إذا أتاها مثلًا من الشمال -الآن ما فيه عقبة ولا في جبل- إذا أتاها من الشمال يكون أيسر له، فليكن من الشمال.
المهم أن نقول: ارمها الآن من أي مكان يكون أيسر لك، المهم أن تؤديها بخشوع، واستحضار أنك في عبادة، وتُكبر الله ﷿.
[ ١ / ٣٩٨٣ ]
ثم قال المؤلف: (ويقطع التلبية قبلها)؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يُلبي حتى رمى جمرةَ العقبة.
طالب: ().
الشيخ: ذكرناها.
(ويقطع التلبية قبلها)، عندي بالشرح لقول الفضل بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة (٤).
ومن حين أن يبدأ يقطع التلبية؛ لأنه إذا بدأ سُنَّ له ذكر آخر، وهو أيش؟
طلبة: التكبير.
الشيخ: التكبير.
قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس) يرمي الفاعل؛ الحاج، يرمي بعد طلوع الشمس هذا هو الأفضل؛ لأن النبي ﵌ رمى بعد طلوع الشمس (٥).
(ويُجزئ بعد نصف الليل) بعد نصف الليل منين؟
طالب: من ليلة المزدلفة.
الشيخ: من ليلة النحر، وظاهر كلام المؤلف أنه يجزئ مطلقًا للقوي، والضعيف، والذكر، والأنثى، وسبق بيان ذلك، وأنه لا يدفع أحد من مُزدلفة إلا بعد أن يُصلي الفجر، ما لم يكن ضعيفًا أو صاحبًا لضعيف، ومع ذلك لو دفع فإنه لا يأثم والمسألة من باب الأفضلية.
قال المؤلف: (ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هديًا إن كان معه) ينحر الهدي بعد الرمي.
وقوله: (إن كان معه) يعني أو ليس معه، وذهب يشتريه من السوق ونحره.
وقوله: (ينحر هديًا): عبَّر بالنحر من باب التغليب، أو من باب مراعاة لفظ الحديث، حيث قال جابر: ثم انصرف إلى المنحَر فنحر (٦).
لكن من المعلوم أن الرسول ﷺ أهدى إبلًا، فمن كان أهدى إبلًا فإننا نقول له: انحر، لكن من أهدى بقرًا أو أهدى غنمًا فإنا نقول له: اذبح، فعليه يكون قول المؤلف: (ثم ينحر) إما بناءً على التغليب، وإما موافقةً للفظ الحديث.
(ويحلق، أو يُقصِّر من جميع شعره) يحلق، أو يُقصر، (أو) هنا للتخيير، ولكنه تخيير بين فاضل ومفضول، ما هو الفاضل؟
طالب: الحلق.
[ ١ / ٣٩٨٤ ]
الشيخ: الحلق؛ لأن النبي ﵌ دعا للمُحلِّقين ثلاثًا وللمُقصِّرين مرة (٧)، ولأن الله قدمه في الذكر، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].
(ويحلق أو يقصر من جميع شعره) من الذي يحلق؟
طلبة: الحاج.
الشيخ: الحاج، لكن هل يحلق هو بيده، أو يُكلف من يحلقه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإن شاء الأول، إن قدر على أن يحلق نفسه بنفسه فلا حرج، خلافًا لقول بعض العلماء: إنه إذا حلق نفسه بنفسه يكون فعل محظورًا، فنقول: لا، هذا لم يفعل محظورًا، حلق للنسك.
يقول: (ثم يحلق، أو يُقصر من جميع شعره) أشار المؤلف بقوله: (من جميع شعره) إلى أن التقصير لا بد أن يكون شاملًا للرأس.
من كل شعرة بعينها؟ لا، لكن لا بد أن يعم الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مُقصر.
وذكر ذلك خلافًا لما قاله بعضُ أهل العلم؛ أنه يكفي أن يُقصر من ثلاث شعرات، أو من ربع الرأس، أو ما أشبه ذلك، بل الصواب ما ذكره المؤلف، أنه لا بد أن يُقصِّر من جميع الشعر.
(وتُقصر منه المرأة أنمُلة) المرأة تُقصر أنملة، كيف أنملة؟
طلبة: عندنا: (قدر).
الشيخ: عندكم (قدر)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: (تقصر المرأة منه قدر أنملة): الأنملة: أنملة الأصبع؛ يعني أن المرأة تمسك بضفائر رأسها -إن كان لها ضفائر- أو بأطرافه -إن لم يكن لها ضفائر- وتقص بقدْر أنملة، وقدر أنملة بالتقدير الأخير هذا كم؟ من؟
طالب: ٢ سم يا شيخ.
الشيخ: ٢ سم؟ تقريبًا.
(ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) (ثم) يعني بعد الحلق قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
الآن فعل الحاج ثلاثة أشياء، ما هي؟
الرمي، والنحر، والحلْق، أو التقصير، إذا فعل هذه حلَّ من كل شيء إلا النساء.
(كل شيء) يعني المحظورات التسعة يحل منها إلا النساء. (إلا النساء وطئًا، ومباشرةً، وعقدًا)، هذا هو المشهور من المذهب.
[ ١ / ٣٩٨٥ ]
وقيل: وطئًا، ومباشرةً، لا عقدًا وخطبةً، وأنه يجوز العقد وتجوز الخطبة بعد التحلل الأول.
فعلى المذهب، لو أن أحدًا من الناس رمى، ونحر، وحلق، ثم تزوج قبل أن يطوف بالبيت، فالنكاح مُحرم وغير صحيح.
وهذا ربما يقع في غير هذه الصورة التي ذكرت، ربما يطوف الإنسان طواف الإفاضة على وجه لا يُجزئه، ثم يرجع إلى بلده ويتزوج في هذه المدة قبل أن يُصحِّح خطأه في الطواف، فعلى المذهب يكون النكاح غير صحيح، وتلزمه إعادة العقد.
وعلى القول الثاني -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصحيح- يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول ويصح.
وقوله ﵀: (ثم قد حل له كل شيء) ظاهره أنه لا يحل بمجرد الرمي، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يحل بالرمي؛ أي: رمي جمرة العقبة، سواء حلق أم لم يحلق.
واستدلوا لذلك بأن الإنسان يقطع التلبية إذا شرع في الرمي، وهذا يعني أن نُسكه انتهى، وبأنه ورد عن النبي ﵊ تعليق الحل بالرمي فقط.
ولكن الذي يظهر لي أنه لا يمكن أن يحل إلا بعد الرمي والحلق؛ لقول عائشة ﵂: كنتُ أُطيِّب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت (٨).
ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي -﵂- جعلت الحل ما بين الطواف والذي قبله، والذي سبقه هو الرمي والنحر والحلق، لا سيما وأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (٩). فالصواب أنه لا يحل التحلل الأول إلا بالرمي والحلق.
يقول ﵀: (والحلاق والتقصير نسك) يعني أن الحلق والتقصير نُسك، وإنما نص على هذا دفعًا لقول من يقول: إنه إطلاق من محظور، وليس بنسك.
[ ١ / ٣٩٨٦ ]
وبناءً على هذا، ينوب مناب الحلق فِعل أي محظور فعله؛ لأن المقصود أن يُعلم أنه تحلَّل من إحرامه، كما قال بعضُهم في التسليم في الصلاة: إن المراد فعل ما يُنافي الصلاة، وأنه إذا فعل ما يُنافي الصلاة فإنه يُغني عن التسليم.
ويُذكر أن بعض الناس قال لبعض الملوك الذين يعتنقون مذهبًا من المذاهب، قال: أتريد أن أصلي لك صلاةً على هذا المذهب؟ قال: نعم. قال: على أقل مجزئ؟ قال: نعم. فكبر تكبيرة الإحرام، وقال: الله أعظم، ثم قال: مُدهامتان، ثم ركع بلا تكبير، ولا تسبيح، ولا طُمأنينة، ثم رفع كذلك، وفي النهاية عند التسليم أحدث، أحدث بريح، ليش؟ لأنه فعل ما يُنافي الصلاة، فقال: أيش هذا؟ ! قال: هذا هو مُقتضى هذا المذهب الذي أنت عليه.
فعلى كل حال، يرى بعض العلماء أن الحلق والتقصير إطلاق من محظور، وليس بنُسك، ولكنه قول ضعيف، والصواب أنه نسك، وأنه عبادة وقُربة لله، والدليل على هذا أن النبي ﵌ دعا للمُحلقين وللمُقصرين، ولا يدعو إلا لشيء مطلوب شرعًا.
(ولا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني لو أخر الحلق أو التقصير عن أيام التشريق، أو عن شهر ذي الحجة، أو أخره إلى ربيع، أو إلى رمضان، أو إلى السنة الثانية، فليس عليه شيء، لكن يبقى عليه أيش؟ التحلل الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يتحلل التحلل الثاني حتى يحلق أو يُقصر، ولكن الذي يظهر أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه نسك، وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
طلبة: ().
الشيخ: كيف؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، ما يفعل.
طالب: شيخ، بالنسبة لهذا العصر يكون الحجاج؛ يعني يكونون منتشرين في عرفات، ولا يسعهم مكان واحد بالنسبة لصلاة الظهر والعصر، والآن يعني الخطبة وصلاة المشعر يعني بتكون في الإعلام؛ يعني من مذياع ومرئي، فهل يعني يجوز لهم أن يصلوا خلف المذياع، وهم منتشرون في عرفات خلف الإمام؟
[ ١ / ٣٩٨٧ ]
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول خلاصة سؤاله: هل يجوز لنا ونحن في عرفة أن نصلي بصلاة الإمام إمام مسجد عرنة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: نقول: لا يجوز؛ لأنه لا بد من أن يكون مكان الجماعة واحدًا، ثم إننا لا نأمن أن ينقطع الصوت.
وعلى رأي بعض العلماء، يقول: لا بد من اتصال الصفوف إذا كان خارج المكان، ولو فتحنا هذا الباب لفتحنا على أنفسنا شيئًا لا يمكن لنا دفعه، لقال الناس: نبقى في بيوتنا في يوم الجمعة، ونصلي الجمعة خلف إمام مكانه أفضل من مكان إمامنا، ما هو؟
الطلبة: الحرم.
الشيخ: الحرم، وهذه مشكل، ولهذا الذي نرى أنه يجب سد هذا الباب، ونقول: من كان متصلًا مع الناس -مثل الذي يكون حول المسجد، مسجد عُرنة- فليُصلِّ مع الناس، أما البعيد فلا.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأن رمي جمرة العقبة هي تحية منى، وذكرتم أيضًا بأن جمرة العقبة ليست من منى، فكيف يكون الرميُ تحيةً لها وهي ليست من منى؟
الشيخ: إي، تحيةً لها زمنًا لا مكانًا، بمعنى أنه يُبدأ به قبل كل شيء.
طالب: لكن تحية الشيء يا شيخ، أليست مكانًا أحسن الله إليك؟
الشيخ: هذه منى، إذا وصلت منى، وإن كان هذا ليس منى.
طالب: أقول: أليست العبرة بالمكان؟
الشيخ: لا، لكن تحية المسجد من المسجد، أما هذه فتحية منى، يعني تحية النزول في منى، والإنسان إذا رمى سوف ينزل بمنى، والعلماء نصوا على هذا، على أن جمرة العقبة ليست من منى.
طالب: شيخ، قلنا: إنه يجوز حتى لغير الضعفاء () بمزدلفة بعد مضي ثلثي الليل، لكن شيخ، النبي ﷺ، إنما رخص ().
الشيخ: إي نعم، لكن في وقتنا الحاضر الآن فيه مشقة على كل أحد، حتى الإنسان القوي يلحقه مشقة عظيمة، فبناء على هذا نقول: لا بأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ().
الشيخ: كيف؟
طالب: ما يأخذ الحصاة ()، بل إذا ().
الشيخ: ما به بأس، هذا أقرب إلى السنة.
طالب: من الأرض؟
الشيخ: إي، من الأرض.
طالب: عند الجمرة.
[ ١ / ٣٩٨٨ ]
الشيخ: عند الجمرة.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، التلبية () مشاعر، هل يلبي أو لا؟
الشيخ: إي، هذه المسألة اختلف فيها العلماء، هل يلبي الإنسان وهو نازل في عرفة، أو نازل في المزدلفة، أو التلبية إنما تكون للماشي الذي يُقبل على من دعاه؟
يرى شيخ الإسلام ﵀ أن التلبية إنما تكون للماشي -للساعي- لأنه هو الذي يتجه إلى من دعاه، ولكن ظاهر السنة خلاف ذلك؛ لأن قوله: لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة (١٠) ظاهره أنه في كل هذا الوقت.
طالب: الأبطح من الحرم ولا خارج الحرم؟
الشيخ: الأبطح من الحرم.
طالب: من خارج مكة ().
الشيخ: تقصد من الحرم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، المزدلفة من الحرم، منى من الحرم.
طالب: شيخ، قلنا: إن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى الحل، واستدللنا لذلك بحديث عائشة وقلنا: عائشة () من غير المكي، فكيف يتم الاستدلال؟
الشيخ: أليس الآفاقي إذا أحرم بالحج يُحرم من مكة؟
طالب: بلى، ولكن المكي والآفاقي يُحرم بالحج من مكة داخلين تحت العموم.
الشيخ: زين.
الطالب: ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ.
الشيخ: لكن ألا يمكن أن يكون العموم يُخصص؟
الطالب: يخصص للآفاقي، هذا جاء الدليل ().
الشيخ: لا، ما هو في الآفاقي، ما دام أنه قال: «حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (١١)، وقد ذكر الحج والعمرة، ثم بين في حديث عائشة أنه يُحرم من الحل () واضح؟
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا في الدعاء في عرفة: يجوز أن يُؤمن الناس خلف ..
الشيخ: يعني يمشي مع الناس مثلًا على واحد يدعو لهم.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، لكن بعض الإخوة قال: نخشى أن يفتح علينا هذا الباب، التكبير الجماعي، والتلبية الجماعية.
طالب: الدعاء خلف الصلاة.
الشيخ: لا، هو أحيانًا يكون أي يكون الجماعة، ما معهم إنسان يعرف يدعو والوقت طويل، يقول: جزاك الله الخير، ادعُ لنا.
[ ١ / ٣٩٨٩ ]
وحديث العباس أن عمر قال: ادعُ لنا، لكنه حديث العباس لا يتم الاستدلال به؛ لأنه في مكان دعاء استسقاء.
على كل حال، المسألة تحتاج إلى تأمل، وأنا أحب أن نسد الأبواب أمام أهل البدع.
وأنا أقول للإنسان: إذا كان معك عوائل لا يعرفون الدعاء، فأنت قل لهم: ادعوا باللي تعرفون، لو تقول: اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، تكررها إلى الغروب، كفى.
طالب: بارك الله فيكم، لو حدث لإنسان تقدم إلى الجمرات ولقط من تحت الجمرات، فهل هذا جائز؟ أفتونا يا شيخ، أفادكم الله.
الشيخ: أيش؟
طالب: تذكرون هذا الأمر، أن لو لقط من الجمرات نفسها، أخذ من الحوض.
الشيخ: من الحوض يجزئ، ما فيها شيء.
الطالب: بدون حاجة.
الشيخ: بدون حاجة، لكن الغالب إن لم يصل إلى هذا المكان يكون في حاجة؛ لأنه لو نزل رأسه بيأخذ ممكن يُدعس.
طالب: في عرفة والمشاعر، الذين يخرجون من أهل مكة للتجارة، هل يصلون قصرًا وجمعًا في عرفات ومزدلفة؟
الشيخ: سمعتم السؤال؟
يقول: إذا خرج أهل مكة مع الحجاج للتجارة، هل يقصرون ويجمعون أو لا؟ فهذا ينبني على الخلاف، هل الجمع والقصر في منى ومزدلفة وعرفة نُسك، أو من أجل السفر؟
يرى بعض العلماء أنه نُسك، وهذا رأي من يرى أنه لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، ويرى آخرون أنه للسفر، وأن السفر ما تعارف الناس عليه، وفي عهد الرسول ﵊ كان الناس يتزودون للخروج إلى منى وعرفة ومزدلفة، ويتأهبون أُهبة السفر، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والدليل على هذا أنه لو كان من أجل النسك لقلنا لمن أحرم في مكة وتأخر عن الخروج، وهو من أهل مكة، فإنه يجوز له القصر.
الصحيح أنه من أجل السفر، وبناءً على ذلك نقول: هؤلاء الذين يخرجون مع الحجاج للتجارة لهم القصر.
بقي أن نقول: منى في الوقت الحاضر هل تُعتبر خارج مكة، أو تُعتبر من مكة؟
طالب: من مكة.
[ ١ / ٣٩٩٠ ]
الشيخ: الظاهر أنها من مكة، ولهذا نحن نقول للحجاج من أهل مكة: الأحوط لكم ألا تقصروا في منى، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة أيضًا؛ مذهب الحنابلة الآن والشافعية، ومن يشترط المسافة يرى أنه لا يجوز لأهل مكة أن يقصروا، ولا أن يجمعوا في عرفة، ولا مزدلفة، ولا منى؛ لأن كل هذه لا تبلغ المسافة.
لكن إذا قلنا: إن الصحيح أن السفر ما تأهب الناسُ له؛ فإنا نقول في الوقت الحاضر: إن منى لأهل مكة حي من أحياء هذا ().
***
نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الإنسان إذا دفع من عرفة بات في المزدلفة، وله أن ينصرف منها على ما مشى عليه الفقهاء ﵏ بعد منتصف الليل مطلقًا؛ أي: سواء كان قويًّا أم ضعيفًا.
وسبق لنا أن القول الراجح في هذا أنه لا يدفع إلا إذا مضى أكثرُ الليل، وأن أسماء بنت أبي بكر ﵄ كانت ترقُب غروب القمر، فإذا غرب دفعت، وأن هذا هو الصحيح، وهو الذي يحصل به الْمُكث في مزدلفة أكثر الليل.
وسبق لنا أيضًا أنه إذا وصل إلى منى فإنه يبدأ برمي جمرة العقبة، ثم أيش؟
طلبة: نحر الهدي.
الشيخ: ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي.
وتُرتب هكذا على وجه الندب، فإن قدَّم بعضها على بعض فالصحيح أن ذلك جائز، سواء كان لعذر -كالجهل والنسيان- أو لغير عذر؛ لأن النبي ﵌ كان يُسأل في ذلك اليوم عن التقديم والتأخير فيقول: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» (١٢).
وتأمل قوله: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، ولم يقل: «لَا حَرَجَ» فقط، بل قال: «افْعَلْ»، وافعل فعل أمر للمُستقبل، يعني أنك إذا فعلت في المستقبل فلا حرج.
وقد أبدى بعضُ العلماء المحققين -كابن دقيق العيد وغيره- أن هذا إنما يكون لمن كان معذورًا؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: لم أشعر، فظننتُ أن كذا قبل كذا، فقال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».
[ ١ / ٣٩٩١ ]
ولكن لما كان النبي ﵊ قال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: «لَا حَرَجَ»؛ عُلم أنه لا فرق بين الناسي والجاهل، وبين الذاكر والعالم.
وهذا كما أنه ظاهر الأدلة؛ فهو الموافق للدين الإسلامي في مثل هذه الأزمان؛ لأن ذلك أيسر على الناس.
بقي السعي قبل الطواف، فإن من العلماء من أنكر هذا، وقال: لا يمكن السعي قبل الطواف؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فالطواف لا يمكن أن يتقدمه السعي.
فمنهم من طعن في صحة الرواية: سعيتُ قبل أن أطوف (١٣).
ومنهم من قال: المراد بذلك سعي الحج لمن كان قارنًا أو مُفرِدًا، فأما الأول فالحديث صحيح، ولا مطعن فيه، وأما الثاني: فإن هذا الرجل لم يسأل عن سعي سبق منذ أيام، إنما سأل عن سعي حصل في ذلك اليوم، ولا يصح أن نقول: إن هذا السعي الذي كان بعد طواف القدوم؛ لأن ظاهر حال السائل لا تقتضي هذا.
وسبق لنا أنه يحصل التحلل الأول إذا رمى وحلق أو قصَّر، وأن النحر لا علاقة له بالتحلل، ولكن الفقهاء -﵏- توسعوا وقالوا: يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، قالوا: إذا رمى وطاف حل التحلل الأول، إذا حلق وطاف حل التحلل الأول، إذا رمى وحلق حل التحلل الأول.
المهم إذا فعل اثنين من ثلاثة، والسنة إنما جاءت بالرمي وحده، أو بالرمي والحلق، ولكنهم قالوا: إذا كان الطواف مُؤثرًا في التحلل الثاني فإنه يكون مُؤثرًا في التحلل الأول، وذلك أن الإنسان إذا رمى وحلق وطاف: حل التحلل الثاني، فإن كان مُتمتعًا فيحل التحلل الثاني بعد السعي، وإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم فكذلك، فلهذا ألحقوا الطواف بالرمي والحلْق، وقالوا: إذا فعل اثنين من ثلاثة. وسبق لنا أن القول الراجح أن الحلْق والتقصير إطلاق من محظور.
[ ١ / ٣٩٩٢ ]
الطلبة: لا، نُسك.
الشيخ: نُسك، أنه نسك، وليس إطلاقًا من محظور.
والدليل على ذلك أن النبي ﵌ دعا للمُحلقين والْمُقصرين، والدعاء لا يكون إلا على فعل مأمور به، وإذا كان مأمورًا به فهو نُسك.
وسبق لنا أن المذهب، يرون أنه لا بأس من تأخيره ولو سنوات، لكنه يبقى على التحلل الأول فقط، ما هو على إحرامه، يبقى على التحلل الأول فقط، فلا يحل له النساء، على القول بأنه لا بد للتحلل الأول من الحلق أو التقصير، ولكن الذي يترجح لي أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
ثم قال المؤلف: (فصل: ثم يفيض إلى مكة) (يفيض)؟
طلبة: ().
الشيخ: نعم، (ولا يلزم بتأخيره دم) يعني لا يلزم بتأخير الحلق أو التقصير عن أيام منى دم، بل ولا عن شهر ذي الحجة، بل لو أخَّره إلى عشر سنوات فليس عليه شيء، ولكن هنا مسألة لو كان جاهلًا أنه يجب الحلق أو التقصير، ثم علم، فنقول: احلق وقصِّر الآن، ولا حرج عليك فيما فعلت من المحظورات قبل ذلك؛ لأنك فعلتها جاهلًا.
قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني ولا يلزم بتقديم الحَلْق أو التقصير على الرمي والنحر دم، بل له أن يُقدمه على الرمي والنحر، وليس عليه شيء، وقد سبق البحث في هذه المسألة، وبينا أدلة ذلك من سُنَّة الرسول ﵌.
ثم قال: (فصل، ثم يفيض إلى مكة) (يفيض) مأخوذ من فاض الماء، يعني يفيض الحاج أو الحجيج، يفيضون إلى مكة، أي: ينزلون من منى إلى مكة، ومتى هذا؟
في ضحى يوم النحر؛ لأن النبي ﵌ أفاض إليها في الضحى.
(ويطوف القارنُ والمفردُ بنية الفريضة طواف الزيارة) يطوف المفرد والقارن بنية الفريضة طواف الزيارة.
أفادنا المؤلف ﵀ أن هذا الطواف فرض؛ لقوله: (بنية الفريضة)، وأنه لا بد من نيته، وأنه فرض.
[ ١ / ٣٩٩٣ ]
وسبق الخلاف في هذه المسألة، وبينا أن الطواف والسعي والرمي وما أشبهه كلها تعتبر أجزاء من عبادة واحدة، وأن النية في أولها كافية عن النية في بقية أجزائها؛ لأن هذه العبادة -الحج- عبادة مُكونة أو مركبة من هذه الأجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، كما لو نوى الصلاة من أولها.
وأفادنا في قوله: (يطوف المفردُ والقارنُ) أن المتمتع لا يطوف، وليس كذلك، وإنما أراد -﵀- بالنص على المفرِد والقارِن دفْع ما قيل: إن المفرِد والقارِن يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل، ثم يطوفان للزيارة، فيلزمهما على هذا طوافان: الطواف الأول للقدوم، بشرط ألا يكونا دخلاها من قبل، والثاني للزيارة.
كيف لم يكونا دخلاها من قبل؟ هل يمكن هذا؟ هل يمكن للقارن والمفرد ألا يكونا دخلا مكة قبل طواف الإفاضة؟
نعم، يمكن؛ لأنه من الجائز لهما شرعًا أن يذهبا من الميقات رأسًا إلى منى أو إلى عرفة، بخلاف المتمتع، المتمتع لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن المتمتع لا بد أن يدخل مكة ويُتم عمرته.
فأراد المؤلف بالنص على المفرِد والقارِن دفع ما قيل من أنهما يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة، ثم للزيارة.
وما ذهب إليه المؤلف -﵀- هو الصواب، بل هو المتعين، وذلك أنه اجتمع عند المفرِد والقارن اللذين لم يدخلا مكة من قبل، اجتمعا لديهما طوافُ قدوم وطوافُ فرض، فاكتُفي بطواف الفرض عن طواف القدوم، كما لو دخل الإنسانُ المسجد، وقد أُقيمت الصلاة، أو لم تُقم، وأراد أن يصلي الفريضة، فإن ذلك يجزئ عن تحية المسجد، والقياس هنا في غاية الوضوح، قياس جلي واضح.
ثم إنه لم يُنقل عن النبي ﵊ وأصحابه أن أحدًا منهم طاف مرتين في يوم العيد، مع أن بعض أصحابه لم يكن دخل مكة، مثل: عروة بن مُضرس، فإنه لم يدخل مكة من قبل.
[ ١ / ٣٩٩٤ ]
وعلى هذا، فالصواب ما ذهب إليه المؤلف، أما المتمتع فلا بد أن يطوف طواف الإفاضة، ولا يطوف طواف القدوم؛ وذلك لأنه قد طافه من قبل في العمرة.
على أن المذهب أن المتمتع أيضًا يطوف للقدوم، لكن يطوف بالقدوم بلا رمل. نقول: ولا اضطباع.
طالب: ().
الشيخ: لا، لا نقول: ولا اضطباع؛ لأنه قد حل ولبس ثيابه -لبس قميصه- لكن بلا رمل، والصواب خلاف ذلك، وأنه لا طواف للقدوم، لا في حق المفرِد والقارِن مطلقًا، ولا في حق المتمتع كذلك.
ثم قال المؤلف: (وأول وقته) الضمير في وقته يعود على؟
طلبة: طواف ().
الشيخ: طواف الزيارة، أول وقته بعد نصف ليلة النحر، ولكن بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة وبمزدلفة، فلو طاف بعد منتصف ليلة النحر، ثم خرج إلى عرفة ومُزدلفة؛ فإنه لا يجزئه، فلو أن المؤلف -﵀- قيد ذلك لكان أوضح، على أنه ربما يقال: إن هذا معلوم من قوله في أول الفصل: (ثم يفيض)، لكن لا بد من ذكره.
أول وقته بعد نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة ومزدلفة؛ لقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولا يمكن قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
ثم قال المؤلف: (ويُسن في يومه) (يُسن) أي: يُسن طواف الزيارة في يومه، أي: في يوم العيد؛ اتباعًا لسنة الرسول ﵌ فإنه طاف في يوم العيد.
ثم قال: (وله تأخيره) أي تأخير طواف الإفاضة عن أيام منى، وله تأخيره عن شهر ذي الحجة، وله تأخيره إلى ربيع، وله تأخيره إلى رمضان، وله تأخيره إلى سنة، وله تأخيره إلى سنتين، وله تأخيره إلى عشر سنوات وأكثر؟
طالب: وأكثر.
الشيخ: وأكثر؛ لأن المؤلف قال: (وله تأخيره)، ولم يُقيده بزمن، لم يقل: له تأخيره إلى كذا، ولكن يبقى عليه أيش؟
طالب: التحلل.
الشيخ: التحلل الثاني، يبقى على الحل الأول حتى يطوف.
[ ١ / ٣٩٩٥ ]
وما ذهب إليه المؤلف ﵀ من أن له تأخيره إلى ما لا نهاية له ضعيف، والصواب أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة، إلا إذا كان هناك عُذر كمرض لا يستطيع معه الطواف، لا ماشيًا، ولا محمولًا، أو امرأة نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة أو طواف الزيارة، فهنا ستبقى لمدة شهر أو أكثر.
أما إذا كان لغير عذر، فإنه لا يحل له أن يُؤخره، بل يجب أن يبادر قبل أن ينتهي شهر ذي الحجة.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يجب أن يطوف طواف الإفاضة يوم العيد؛ لقوله: (يُسن في يومه، وله تأخيره).
وعُلم منه أيضًا أنه يبقى على حله الأول إذا أخَّر طواف الإفاضة عن يوم العيد، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، بل حُكي إجماعًا أنه لا يعود حرامًا لو أخَّر طواف الإفاضة حتى تغرب الشمس من يوم العيد.
ولكن ذُكر في هذا خلاف عن بعض التابعين؛ لحديث ورد عن النبي ﵌ في ذلك، لكنه حديث شاذ، وفي صحته نظر، وهذا الحديث مُقتضاه أنه لو غابت الشمس يوم العيد، ولم يطُف فإنه يعود حرامًا كما كان بالأمس، ولكنه لا يُعوَّل عليه؛ لشذوذه، وعدم عمل الأمة به، وذلك أن الأمة لا يمكن أن تُخالف مثل هذا الحديث الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله والعمل به؛ لأنه من المعلوم أنه ليس كل الحجيج يطوفون طواف الإفاضة في يوم العيد.
ثم إنه إذا انتهى من إحرامه فقد حل، ولا يعود للحرام إلا إذا عقد إحرامًا جديدًا، أما مجرد عدم المبادرة بطواف الإفاضة فإنه لا يمكن أن يكون سببًا لعودة التحريم بلا نية؛ لقول الرسول ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٤).
قال المؤلف: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا) يسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق، يبدأ بالصفا أولًا، ويختم؟
طالب: بالمروة.
الشيخ: بالمروة.
(إن كان مُتمتعًا)، ومن المتمتع؟
[ ١ / ٣٩٩٦ ]
طالب: المحرم الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم فرغ منها، ثم أحرم بالحج في عامه.
الشيخ: يقول: هو الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم حل منها، وأحرم بالحج من عامه، فيلزمه أن يسعى مطلقًا؛ وذلك لأنه يلزمه طوافان وسعيان؛ طواف للعمرة، طواف للحج، سعي للعمرة، سعي للحج.
أما الْمُفرِد والقارِن قال المؤلف: (أو كان غيره) أي غير متمتِّع، وهو المفرِد والقارن، (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)، فإن سعى فلا يُعيد السعي؛ لقول جابر ﵁: لم يطُف النبي ﷺ ولا أصحابه بالصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول (١٥).
لم يطف ولا أصحابه إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول؛ وذلك لأن النبي ﵌ وأصحابه سعوا بعد طواف القدوم.
وظاهر هذا الحديث الذي سقته الآن أن المتمتع لا يسعى؛ لأن كثيرًا من الصحابة تمتعوا؛ لأنهم لم يسوقوا الهدي، وقد أمرهم النبي ﷺ بالتمتع، ولكن هذا الظاهر يجب حمله على أن المراد بـ (أصحابه) الذين بقوا على إحرامهم لسوقهم الهدي، فهو عام أُريد به الخاص.
ويدل لهذا ما رواه البخاري من حديثي عائشة وابن عباس ﵄ مما يدل على ذلك، وهذا هو الصحيح؛ أن المتمتع يلزمه سعي للحج، كما يلزمه سعي للعمرة.
يقول: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)
فهمنا من قول المؤلف: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) يعني غير المتمتع؛ أن القارِن والمفرِد يجوز لهما أن يُقدما سعي الحج بعد طواف القدوم، ويجوز أن.
طلبة: يُؤخراه.
الشيخ: يُؤخراه، كل هذا جائز، ولكن أيهما أفضل؟
[ ١ / ٣٩٩٧ ]
الأفضل -والله أعلم- أن يُقدَّم بعد طواف القدوم؛ لأن النبي ﵌ قدمه، على أنه قد يقول قائل: أنا أنازِع في هذا الدليل؛ لأن النبي ﵌ قدَّمه ليعلم أصحابه، وعامة أصحابه يحتاجون إلى السعي؛ لأنهم تمتعوا، فلا يدل تقديمه إياه على وجه قطعي؛ أن الأفضل تقديم السعي للمُفرِد والقارِن بعد طواف القدوم.
لكن نحن نُجيب عن هذا الإيراد بأن الأصل أن ما فعله النبي ﵊ فهو سُنَّة، واحتمال أن يكون ذلك من أجل أن يُعلم أصحابه أو نحو ذلك، هذا أمر محتمل، لكن إبقاء النص على ظاهره أوْلى؛ ولأنه في الغالب إذا سعى بعد طواف القدوم يكون أسهل؛ لأن الزحام أسهل من الزحام في يوم العيد، وفي أيام التشريق.
قال: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم، ثم قد حل له كل شيء) (حل له) أي للحاج.
(كل شيء) حتى شرب الخمر؟ !
طلبة: لا.
الشيخ: أيش كل شيء؟ هذا عام أُريد به.
الطلبة: الخاص.
الشيخ: الخاص، أي: كل شيء حرُم عليه بالإحرام فإنه يحل له إذا طاف وسعى، طواف الإفاضة، وسعى سعي الحاج، إذا كان متمتعًا، أو كان مفردًا، أو قارنًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وفي هذا إشارة، أو في هذا دليل على أن العام ولو كان بلفظ (كل) قد يُراد به الخاص، ما الذي يُعينه أن المراد الخاص؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، أي: ريح عاد، فهل هي دمرت السماوات والأرض؟ لا، بل ولا المساكن لم تُدمرها. ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فالمراد بـ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: مما أُمرت أن تدمره، أو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مما يتعلق بهؤلاء القوم الذين كذبوا هودًا.
(ثم قد حل له كل شيء) حتى النساء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى النساء، إذن يمكن للرجل إذا كان أهله معه أن يستمتع بأهله في آخر يوم العيد أو لا يمكن؟
الطلبة: يمكن.
[ ١ / ٣٩٩٨ ]
الشيخ: يمكن، يرمي، ويحلق أو يقصر، ويطوف، ويسعى.
هل يمكن أن يستمتع بأهله ليلة العيد؟
الطلبة: لا.
الشيخ: انتبهوا يا إخواني، على ما قرأتُم في كلام المؤلف. إذا كان يجوز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، فدفع، ورمى، وذهب إلى مكة، وطاف، وسعى، قبل الفجر، يمكن؟
طلبة: ().
الشيخ: إي، واقع من ()، ما فيه إشكال، خصوصًا أيامنا الآن، في أيامنا هذه المواصلات قليلة سهلة.
المهم أنه يمكن، لكن على القول الذي اخترناه، وأنه لا يدفع إلا في آخر الليل؛ قد يكون هذا مُتعذرًا، لكن على ما مشى عليه المؤلف يكون ممكنًا.
ثم قال: (حل له كل شيء).
قال: (ثم يشرب من ماء زمزم)؛ لأن النبي ﵌ حينما طاف طواف الإفاضة شرب من ماء زمزم.
وقوله: (لما أحب) أي ينويه لما أحب، إذا كان مريضًا، وشرب من أجل أن يذهب مرضُه فليفعل.
إذا كان عطشانًا شرب لأجل الري فليفعل، إذا كان كثير النسيان فشرب ليقوى حفظُه فليفعل.
وقد فعل ذلك بعضُ المحدثين؛ لقول النبي ﵌: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (١٦)، والحديث حسن، «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
إذن ينبغي أن تنوي ما تُحب أن يكون حاصلًا بهذا الماء، ولهذا قال المؤلف: (لما أحب).
قال: (ويتضلع منه) ما معنى يتضلع؟
أي: يملأ بطنه حتى يمتلئ ما بين أضلاعه؛ لأن هذا الماء خير، وقد ورد حديث، لكن فيه نظر: أن آية ما بين الإيمان والنفاق التَّضلُّع من ماء زمزم (١٧)؛ وذلك لأن ماء زمزم ليس عذبًا حلوًا، بل هو يميل إلى الملوحة، والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيمانًا بما فيه من البركة، فيكون التضلع منه دليلًا على الإيمان.
[ ١ / ٣٩٩٩ ]
فإن قال قائل: هل يفعل شيئًا آخر كالرش على البدن، وعلى الثوب، أو أن يغسل به أثوابًا يجعلها لكفنه، كما كان الناسُ يفعلون ذلك، نحن شاهدناهم قبل أن يكثُر الحجيج يشترون ثياب كثيرة بيضاء، ويغسلونها بماء زمزم، وينشرونها على الساحة، ويكون هذه مجالها أكفان لنا.
نقول: لا، نحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي ﷺ، وهذا لم يرد عن النبي ﵌، فلا نتجاوز إليه، بل نقول: ما ثبت عن الرسول ﵊ من هذه الأمور أخذنا به، وما لا فلا.
ثم قال: (ويدعو بما ورد) متى؟
يدعو إذا شرب من ماء زمزم بما ورد.
وعندنا يقول الشارح: فيقول: بسم الله، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك.
هكذا قال المؤلف إنه ورد، فمن يُخرج لنا هذا الحديث؟
طالب: باقي الحديث: آية ما بين الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم.
الشيخ: ().
طالب: ().
الشيخ: أيوه.
طالب: ().
الشيخ: نعم؟
طالب: ().
الشيخ: هذا أشرنا إلى أنه ضعيف، وأن وجهه لو صح أن الماء ليس بعذب، ولا يتروى به إلا من آمن بفائدته، لكن فيه أيضًا: يرش على بدنه وثوبه، ويستقبل القبلة ويتنفس ثلاثًا، هذا أيضًا يحتاج إلى إثبات.
ثم قال المؤلف: (ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال) يرجع متى؟
ثم يرجع من مكة بعد أن يطوف ويسعى، يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، هذا إن تأخَّر، وإن تعجَّل فليلتان، ما هما الليالي الثلاث؟ الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، هذا إن تأخر، وإن تعجل فالحادية عشرة، والثانية عشرة.
(فيرمي الجمرة الأولى) متى؟
بعد الزوال، وسيذكر المؤلف.
(الجمرة الأولى -وتلي مسجد الخيف- بسبع حصيات متعاقبات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلًا، ويدعو طويلًا، ثم الوسطى مثلها، ثم جمرة العقبة):
[ ١ / ٤٠٠٠ ]
صفة الرمي على المذهب: يقول ﵀: (يرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف)، وتُسمى الجمرة الصغرى.
يقول: (ويجعلها عن يساره) حال الرمي، يستقبل القبلة، وتكون الجمرة عن يساره، فمثلًا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يستقبل القبلة، ويرمي هكذا، ما يرمي تلقاء وجهه، يرمي هكذا، نحن نتكلم على ما يدل عليه كلام المؤلف، ثم نعود -إن شاء الله- ننظر.
قال: (ويتأخر قليلًا) (يتأخر) بمعنى يبعد، إلى أي مدى؟
إلى موضع لا يناله فيه الحصا، ولا يتأذى بالزحام.
(ويدعو طويلًا) يستقبل القبلة، ويدعو دعاء طويلًا، وقد ورد عن النبي ﵊ أنه بقدر سورة البقرة، (١٨) وعلى هذا فيُطيل الدعاء، مستقبل القبلة، رافعًا يديه.
(ثم الوسطى مثلها)، لكن يجعلها عن يمينه، على كلام الأصحاب ﵏، الوسطى يرمي بسبع حصيات مُتعاقبات، ويجعلها عن يمينه.
هكذا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يجعلها عن يمينه، () إذا رمي كذا، وهذا فيه صعوبة، والذي يمكن بسهولة إذا كان الرجل يعمل بيديه جميعًا، يعني بعض الناس تكون قوة يده اليسرى كقوة يده اليمنى، فهذا إن جعل الجمرة عن يساره رمى باليُمنى، وإن جعل عن يمينه رمى باليُسرى.
(ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها) جمرة العقبة يرميها بسبع حصيات مُتعاقبات، ويستقبل القبلة، ويرمي من بطن الوادي، ويجعلها عن يمينه، كيف يفعل؟
كالوسطى، يجعلها عن يمينه، والقبلة أمامه، ويرمي هكذا، ولكن الصحيح خلاف ما قال المؤلف.
الصحيح أنه يرمي مستقبل القبلة في الأولى والوسطى، والجمرة بين يديه، وما ذكره من الصفة فهي أولًا: لا دليل عليها، والثاني: أن فيها صعوبة، والثالث: أنها في وقتنا غير ممكنة، عسى أن يحصل للإنسان أن يرمي الجمرة تلقاء وجهه.
فالصواب أنه يرمي الجمرة -ولو كان في سعة- تلقاء وجهه، مستقبل القبلة، الأولى، والوسطى.
[ ١ / ٤٠٠١ ]
أما الثانية: فيرميها مستقبل الجمرة، وتكون الكعبةُ عن يساره، ومنى عن يمينه؛ لأن عبد الله بن مسعود ﵁ رماها كذلك، وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (١٩)، يعني رسول الله ﵌، وحينئذٍ يُستثنى من استقبال القبلة في رمي الجمرات جمرة العقبة، يجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة.
وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه في عهد الرسول ﵊ لا يمكن أن تستقبل القبلة، وترمي جمرة العقبة بحيث تكون بين يديك، لماذا؟ لأجل الجبل؛ لأنها هي ملصقة بالجبل، فلا يمكن، وفي هذا دليل واضح على أن المقصود هو استقبال أيش؟
طلبة: الجمرة.
الشيخ: الجمرة، سواء استقبلت القبلة أم لم تستقبل، لكن في الجمرة الأولى والوسطى يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، أما في العقبة فلا يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، ولذلك فُضل -أو اعتُبر- استقبال الجمرة.
قال: (ولا يقف عندها) لا يقف عند جمرة العقبة، وإنما يقف بعد الأولى، وبعد الوسطى، ولا يقف بعد العقبة، لماذا؟
قال العلماء: لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
انتبه، يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية واضح، ولهذا يرى أن الإنسان إذا أراد أن يدعو في الصلاة، فليدعُ قبل أن يُسلم، لا بعد أن يسلم، لا في الفريضة، ولا في النافلة، وقد سبق لنا بيان هذا.
وبه نعرف أيضًا أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في أول الأشواط لا في آخرها، فيكون آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، ولا دعاء بعده، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط، كما كان التكبير أيضًا في الطواف في مقدمة الشوط.
وعليه، فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف، إذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة.
[ ١ / ٤٠٠٢ ]
قال المؤلف: (يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، مُستقبل القبلة مُرتِّبًا)
(في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال).
وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يُجزئ الرميُ قبل الزوال، ولا يجزئُ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم.
بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا- فإن رَماهُ كلَّه في الثالثِ أَجْزَأَه ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ، فإن أَخَّرَه عنه أو لم يَبِتْ بها فعليه دَمٌ، ومَن تَعَجَّلَ في يومينِ خَرَجَ قبلَ الغُروبِ، وإلا لَزِمَه الْمَبيتُ والرَّمْيُ من الْغَدِ، فإذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حتى يَطوفَ للوداعِ، فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَه، وإن تَرَكَه غيرُ حائضٍ رَجَعَ إليه فإن شَقَّ أو لم يَرْجِعْ فعليه دَمٌ، وإن أَخَّرَ طَوافَ الزيارةِ فطَافَه عندَ الخروجِ أَجْزَأَ عن الوَداعِ، ويَقِفُ غيرُ الحائضِ بينَ الركْنِ والبابِ داعيًا بما وَرَدَ، وتَقِفُ الحائضُ ببابِه وتَدْعُو بالدعاءِ، وتُسْتَحَبُّ زِيارةُ قَبْرِ النبيِّ ﷺ وقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ.
و(صِفَةُ العُمرةِ) أن يُحْرِمَ بها من الْمِيقاتِ أو من أَدْنَى الْحِلِّ من مَكِّيٍّ ونَحوِه لا من الْحَرَمِ، فإذا طافَ وسَعَى وقَصَّرَ حَلَّ، وتُباحُ كلَّ وقتٍ وتُجزئُ عن الفَرْضِ.
[ ١ / ٤٠٠٣ ]
قال المؤلف: (مستقبل القبلة في كل يومٍ من أيام التشريق يفعل هذا)، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق (بعد الزوال مستقبل القبلة مرتبًا في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال)، وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال، ولا يجزئ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم، ولهذا قال: في كل يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال.
طيب لا يجزئ قبل الزوال؛ لأن النبي ﷺ رمى بعد الزوال وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١)، ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي ﵌؛ لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجهٍ آخر، ولما فيه من تطويل الوقت من وجهٍ ثالث، فلما كان الرسول ﷺ يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس، مع أنه أشق على الناس، دل هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ، ويدل لذلك أيضًا أن الرسول ﵌ من حين أن تزول الشمس يبادر فيرمي قبل أن يصلي الظهر، وكأنه يترقب بفارغ الصبر زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر، وهذا هو القول الراجح، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي ﵊ بيانًا للجواز أو ليَسر الله مَن يفعله مِن الصحابة ويقره النبي ﷺ على ذلك.
إذن الرمي قبل الزوال في الأيام الثلاثة أيام التشريق لا يصح، بعد غروب الشمس أيضًا لا يجزئ على المشهور من المذهب؛ لأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل.
وذهب بعض العلماء إلى إجزاء الرمي ليلًا وقال: إنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي ﵌ حدد أوله بفعله ولم يحد آخره.
[ ١ / ٤٠٠٤ ]
وقد سئل الرسول ﵊ كما في صحيح البخاري (٢) أن رجلًا قال: يا رسول الله، رميت بعدما أمسيت؟ قال: «لَا حَرَجَ».
والمساء يكون في آخر النهار وفي أول الليل، ولما لم يستفصل الرسول ﵊ لم يقل: بعدما أمسيت في آخر النهار أو في أول الليل، عُلم أن الأمر واسع في هذا، ثم إنه لا غرابة أن يكون الليل تابعًا للنهار، فها هو الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج والليل فيه تابع للنهار، فإن وقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر.
ولهذا نرى أنه إذا كان لا يتيسر على الإنسان أو لا يتيسر للإنسان أن يرمي في النهار فله أن يرمي في الليل، وإذا كان يتيسر لكن مع الأذى والمشقة وأنه في الليل يكون أريح له وأكثر طمأنينة فإنه يرمي في الليل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من المتعلق بزمن العبادة، وما دام أنه ليس هناك دليل صحيح صريح يحدد آخر وقت الرمي فالأصل عدم ذلك، ولا ينبغي أن نلزم الناس بأن يرموا كلهم وهم مليون رجل يرمون كلهم في خلال ست ساعات.
يعني لو فرضنا أن من الزوال إلى غروب الشمس ست ساعات، وذلك في وقت الاعتدال الربيعي والخريفي، اقسم ست ساعات على مليون نفر كم معدل الذين يرمون في كل ساعة؟
الطلبة: مئة وستون ألفًا.
الشيخ: اثنان وستون ألفًا.
الطلبة: مئة وستون ألفًا.
الشيخ: مئة وستون ألفًا، سبحان الله، ! مئة وستون ألفًا في الساعة هذا صعب، هذا إذا قلنا: إنهم مليون، فكيف وهم أكثر من ذلك، ولهذا كان من أحسن ما فعلت، أو أظن هيئة كبار العلماء، من أحسن ما فعلوا أنهم أصدروا فتوى بأنه لا بأس بالرمي في الليل في هذه الأزمنة وإن النفس مطمئنة والصدر منشرح للفتوى بذلك.
يقول ﵀: (مستقبل القبلة مرتبًا).
ما معنى الترتيب؟ أن يبدأ بالحصاة الأولى قبل الثانية؟
طالب: ليس الترتيب كذلك.
[ ١ / ٤٠٠٥ ]
الشيخ: ليس هذا المراد؛ لأنه لا بد أن يرمي الحصاة الأولى قبل الثانية، المراد الترتيب بين هذه الجمرات بأن يرمي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نكَّث ورمى العقبة ثم الوسطى ثم الأولى.
الطلبة: صحت الأولى.
الشيخ: صحت الأولى فقط، ووجب عليه أن يرمي الثانية والثالثة.
وقال بعض أهل العلم إن الترتيب ليس بشرط ولكنه ندب، وقال: إن هذا ليس أولى من عدم الترتيب في أنساك يوم العيد، وأنساك يوم العيد كما مر علينا لا يشترط فيها الترتيب، أليس كذلك؟ قال: هذا من باب أولى ألا يشترط.
وعارضه آخرون فقالوا: ليس الأمر كذلك، فإن اشتراط الترتيب هنا أولى من اشتراطه في أنساك العيد؛ لأن هذا عبادة واحدة، بخلاف أنساك يوم العيد فإنها عبادات متنوعة، أما هذه فهي عبادة واحدة، فلا بد أن تُفعل كما ورد عن النبي ﵌.
ولكن ما دام الإنسان في السعه فلا شك أن نقول: إنه يجب عليك الترتيب، وإنه لو سألنا في أيام التشريق فقال: إنه رمى منكسًا لسهل علينا أن نقول: اذهب وارم مرتبًا، لكن إذا كان الأمر قد فات في أيام التشريق وجاء يسأل فقال: إني رميت من غير أن أعلم بدأت بجمرة العقبة، وأنا رأيت أن جمرة العقبة تُرمى يوم العيد دون الجمرتين الأخريين، وهذا يدل على أنها أفضل منهما، والقاعدة الشرعية، وسيقيس هذا اليوم في مقابلة النص، القاعدة الشرعية أن الأفضل نعم يُبدأ به، فأنا رأيت أن هذا هو الصواب وفعلت كل أيام التشريق، في هذه الحال نرجو ألا يكون هناك بأس بإفتائه بأن رميه صحيح؛ لأنه ليس هناك قول عن الرسول ﵊ يقول: رتبوا بينها، وليس هناك إلا مجرد الفعل وعموم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١).
[ ١ / ٤٠٠٦ ]
ولا سيما أن كثيرًا من العلماء قالوا: يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل والنسيان، وقالوا: يسقط الترتيب بين الفوائت التي تفوت الإنسان بالجهل والنسيان، وقالوا: يسقط الترتيب بين الصلاتين المجموعتين بالجهل، فهذا يدل على أنه إذا اختل الترتيب لعذرٍ من الأعذار فإنه يسقط عن الإنسان؛ لأنه فعل العبادة، أتى بالعبادة لكن على وجهٍ غير مرتب، فإذا جاء الإنسان وقد مضت أيام التشريق وقال: إنه كان يرمي في أيام التشريق منكسًا فأرجو ألا يكون هناك بأس بإفتائه بأن رميه صحيح وأنه لا يجب عليه ما يجب على من ترك الرمي.
(فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته): إن رماه: الضمير يعود على الحصى، حصى الجمار، كله في اليوم الثالث، الثالث أو الرابع؟
الطلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث؛ لأن المؤلف يتكلم عن إن رمى أيام التشريق، إن رماه كله أجزأه، ولكن يقول: يرتبه بنيته، يرتب الأيام بنيته، فمثلًا يبدأ برمي أول يوم بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود فيرمي للثالث يبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
ولا يجزئ أن يرمي الأولى عن ثلاثة أيام، ثم الوسطى عن ثلاثة أيام، ثم العقبة عن ثلاثة أيام؛ لأن ذلك يفضي إلى التداخل، تداخل العبادات وإدخال جزء من عبادة يوم في عبادة يوم آخر.
[ ١ / ٤٠٠٧ ]
وما ذهب إليه المؤلف ﵀ من جواز جمع الرمي في آخر يوم فيه نظر، بل هو ضعيف؛ وذلك لأن النبي ﵌ رمى كل يوم في يومه وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١)، ولأنه رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (٣)، كلمة (رخص) تدل على أن مَن سواهم فإن وقت الرمي في حقه عزيمة. وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم إلا في حالٍ واحدة، لو فرضنا أن منزله بعيد؛ إذ ما يكون منزله في أقصى منى من الشمال أو من الشرق ويصعب عليه أن يتردد كل يوم، لا سيما في أيام الحر وأيام الزحام، فهنا نقول: لا بأس أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم ويرميه مرة واحدة؛ لأن هذا أولى بالعذر ممن؟
الطلبة: الرعاة.
الشيخ: من الرعاة الذين رخص لهم النبي ﷺ أن يجمعوا الرمي في يوم. وأما من كان قادرًا والرمي عليه سهل لقربه من الجمرات، أو لكونه يستطيع أن يركب السيارات حتى يقرب من الجمرات، فإنه يجب أن يرمي كل يومٍ في يومه.
قال: (ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه) أي: عن أيام التشريق (فعليه دم) ولو لعذر؟ نعم ولو لعذر، لكن إذا كان لعذر يسقط عنه الإثم، وأما جبره بالدم فلا بد منه. فلو فرض أن رجلًا من الناس لم يظن أن رمي الجمرات واجب، أو لم يظن أن الترتيب فيها واجب، وجاءنا يسألنا بعد أن مضت أيام التشريق، ماذا نقول له؟
نقول: على ما مشى عليه المؤلف يجب عليك دم، يجب عليك دم، فإذا قال: أنا جاهل، قلنا: نعم أنت جاهل ويسقط عنك الإثم، لكن هذا العمل الذي فاتك بجهلك له بدل وهو الدم، فيجب عليك أن تذبح فدية توزعها على الفقراء في مكة.
قال: (أو لم يبت بها) يعني لم يبت بها، الضمير يعود على منى، لم يبت بها ليلتين إن تعجل أو ثلاث ليال إن تأخر فعليه دم، والدم إذا أُطلق فهو ما يجزئ في الأضحية بأن يكون من بهيمة الأنعام وقد تم له السن المعتبر شرعًا وسلم من العيوب المانعة من الإجزاء.
[ ١ / ٤٠٠٨ ]
وقول المؤلف: (أو لم يبت بها) عُلم منه أنه لو ترك ليلة من الليالي فإنه ليس عليه دم، وهو كذلك، فإذا ترك ليلة من الليالي فعليه إطعام مسكين، وليلتين إطعام مسكينين، وثلاث ليال دم، وقيل: إن ترك المبيت فإنه ليس عليه دم مطلقًا، وهذا مبني على أن المبيت سنة وليس بواجب، واستدل هؤلاء لكون المبيت سنة وليس بواجب أن الرسول ﵊ رخص لعمه العباس في السقاية أن يبيت بمكة من أجل سقي الناس ماء زمزم (٤)، وهذا ليس بضرورة أن يبيت؛ إذ من الجائز أن تترك زمزم كل من جاء شرب منها، ولكن كون الرسول ﵊ يرخص للعباس يدل على أن الأمر في ذلك واسع، ولكن الصحيح أنه واجب - أي المبيت - لأن كلمة رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقايته يدل على أن ما يقابل رخصة فهو عزيمة لا بد منه.
ولكن لا نفعل كما يفعل بعض المفتين اليوم، يأتيه الرجل يقول: أنا لم أدرك الليل كله في منى، فات عليّ بعض الليل وأنا في مكة، نزلت إلى مكة أقضي الحج أطوف ثم تأخر بي السير، ولم أصل إلى منى إلا بعد الفجر مثلًا، فيقول: عليك دم، كل كلمة يمكن، كل كلمة يقول: عليك دم، وهذا غلط؛ لأن إلزام المسلمين بما لم يلزمهم الله به يعتبر عدوانًا.
لكن ما ظنكم لو أن مفتيًا أفتى بغير علم وقال للحاج: عليك دم، فذهب الحاج واشترى دمًا بخمس مئة ريال وتصدق به على الفقراء، هل يمكن أن نقول بتضمين المفتي؟
طالب: بلى وإي نعم.
الشيخ: هو بغير علم.
طالب: يضمن.
الشيخ: نعم، نقول بضمانه، بتضمينه؛ لأنه هوالذي أفتاه بغير علم وألزمه بما لم يلزمه الله.
ونحن نستفيد من هذا التضمين بأن هذا الذي أفتى بغير علم اليوم لا يفتي بمثله أبدًا، ولا يفتي بمسألة إلا وقد علمها أو غلب على ظنه أن هذا حكمها. قال المؤلف: نعم.
طالب: انتهى.
الشيخ: انتهى، هذا يقول.
طالب: نعم ().
[ ١ / ٤٠٠٩ ]
الشيخ: أكثر الناس ينسب السعي بين الصفا والمروة للاقتداء بأم إسماعيل، وأن هذه الأَمة كذا أو الأُمّة.
طالب: هذه الأُمّة.
الشيخ: وأن هذه الأُمّة.
طالب: اقتداؤها بالرسول ﷺ.
الشيخ: تتابع.
الطالب: اقتداؤها بالرسول ﷺ.
الشيخ: تتابع () رسول الله ﷺ () رأي ()؟ أيش، ويش الإشكال في هذا؟
الطالب: الإشكال أن الناس ينسبون كل السعي والسعي بين () إلى أم إسماعيل.
الشيخ: أيوه
الطالب: () الرسول ﷺ ().
الشيخ: لا، على كل حال فعل الرسول هو الأصل، يعني نحن بالنسبة لنا نتبع الرسول ﵊، لكن أصل المشروعية هو؟
الطلبة: ما جرى لأم إسماعيل.
الشيخ: ما جرى لأم إسماعيل، ولهذا قال النبي ﵊ نفسه قال: «فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَعَى النَّاسُ» (٥).
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام () على آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع، فإن أقام أو اتجر بعده أعاده، وإن تركه غير حائضٍ رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم، وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقف غيرُ الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد، وتقف الحائض ببابه وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه.
الشيخ: () محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبق لنا في الدرس الماضي ما يفعله الإنسان في يوم العيد وأنه خمسة أنساك، وأنها مرتبة كالتالي: الرمي، النحر، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي. وأنه لو قدم بعضها على بعض فلا حرج؛ لأن النبي ﵌ سئل عن التقديم والتأخير فقال: «لَا حَرَجَ» (٦).
[ ١ / ٤٠١٠ ]
وسبق لنا أنه إذا طاف وسعى أنه يرجع إلى منى ويبيت فيها ليلتين إن تعجل، وثلاثًا إن تأخر، وفي هذه الأيام يرمي الجمرات الثلاث بعد الزوال، يرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ويقف بين الأولى والوسطى وبين الوسطى والعقبة ولا يقف بعد العقبة، إذن العقبة ليس بعدها وقوف لا في يوم النحر ولا في أيام التشريق.
وسبق لنا أنه يكبر مع كل حصاة؛ عند الرمي يقول: الله أكبر بدون بسملة، وسبق أنه يجب ترتيب هذه الجمرات الأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
قال المؤلف ﵀: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه) أظن أخذنا هذا.
نعم، وسبق لنا أن المذهب أنه يجوز تأخير الرمي إلى آخر يوم، ولكن يجب أن يرتبه بنيته؛ الثلاث عن اليوم الأول، والثلاث عن اليوم الثاني، والثلاث عن اليوم الثالث إن تأخر، وأن القول الراجح خلاف ذلك، وأنه لا يجوز أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم إلا إذا كان هناك عذر، مثل أن يكون مريضًا، أو يكون مكانه بعيدًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن النبي ﵌ لم يرخص في التأخير إلا للرعاة فقط (٣).
***
قال المؤلف ﵀: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) هذا مبتدأ درس الليلة: من تعجل خرج قبل الغروب، وقول المؤلف: (في يومين) المراد باليومين الحادي عشر والثاني عشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أي من هذه الأيام المعدودات، والأيام المعدودات هي أيام التشريق.
وبعض العوام يظنون أن قوله: ﴿مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ يعني يومي العيد والحادي عشر، فيتعجلون في الحادي عشر، ولكن هذا غلط محض لم يقل به أحد من أهل العلم، وإنما المراد من تعجل في يومين من هذه الأيام الثلاثة أيام التشريق.
[ ١ / ٤٠١١ ]
يقول المؤلف ﵀: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) خرج من أي مكان؟ من منى قبل أن تغرب الشمس، وذلك ليصدق عليه أنه خرج في اليومين؛ إذ لو أخر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين؛ لأن اليومين قد فاتا، إذن لا بد أن يخرج قبل غروب الشمس، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، وإلا يعني: وإلا يخرج قبل غروب الشمس لزمه المبيت إلا في الثالث عشر، والرمي من الغد بعد الزوال كاليومين قبله.
الدليل أن الله قال: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾، و(في) للظرفية، والظرف لا بد أن يكون أوسع من المظروف، فلا بد أن يكون الخروج في نفس اليومين، وقد روي عن عمر ﵁ ما يدل على ذلك، أنه إذا أدركه المساء فإنه يلزمه أن يبقى (٧).
ولكن هنا مسألة، لو أن الجماعة قوضوا الخيام وحمَّلوا العفش وركبوا، ولكن حبسهم المسير لكثرة السيارات، فغابت عليهم الشمس قبل الخروج من منى، فهل نقول: يجب عليكم أن ترجعوا وتبيتوا أو لهم أن يستمروا في الخروج؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن هؤلاء حُبسوا بغير اختيار منهم، وإلا فقد تعجلوا.
قال: (فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع) إذا أراد الخروج من مكة إلى أي مكان؟
الطلبة: مزدلفة.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه إذا أراد الخروج من مكة لأي بلد كان، المهم أن يفارق مكة، فإنه لا يخرج حتى يطوف للوداع، وصرح بعض الأصحاب ومنهم صاحب الغاية - فيما أظن - قال: إذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع.
[ ١ / ٤٠١٢ ]
ووجه ذلك - التقييد بالبلد - أنه إذا أراد الخروج إلى بلدٍ آخر فإنه لم يزل في سفر ولم يرجع، فمثلًا لو كان في مكة وانتهى الحج ثم خرج إلى جدة وليس من أهل جدة أو خرج إلى الطائف وليس من أهل الطائف فإنه على هذا التقييد، تقييد إذا رجع، نعم تقييد أراد الخروج من مكة إلى بلده، فإنه في هذا الحال لا يطوف للوداع؛ لأنه لم يرد الخروج إلى بلده وهو في حكم المسافر، لا زال مسافرًا، وهذا التقييد تقييد حسن.
والدليل على هذا أن الرسول ﵊ لم يأمر أصحابه أن يطوفوا للوداع حين خرجوا من مكة إلى المشاعر، وإن كان قد يقال: إن الرسول لم يأمرهم بذلك؛ لأنهم لم يتموا نسكهم حتى يُلزموا بالوداع.
على كل حال اللي يظهر أن هذا التقييد أصح من الإطلاق، ولكن لو أن الإنسان عمل بالأمرين طاف إذا أراد الخروج من مكة إلى بلدٍ آخر، وإذا رجع إلى مكة طاف إذا أراد الخروج إلى بلده لكان خيرًا.
لكن إذا كان الأمر فيه مشقة أن يطوف مرتين، فلا يظهر الإلزام بالطواف إذا أراد الخروج إلى غير بلده؛ لأنه في الواقع لم يغادر مكة، سوف يرجع إليها، أما لو أراد الخروج إلى بلدٍ آخر عبر سفره إلى بلده فهنا يطوف، كما لو أراد الخروج إلى بلده عن طريق المدينة فاتجه إلى المدينة وهو يريد السفر إلى بلده فإن هذا يلزمه الطواف لأنه حقيقة غادر مكة.
ثم قال: (فإن أقام أو اتجر بعده أعاده) أفادنا المؤلف بقوله: (فإن أقام) إلى آخره أنه لا بد أن يكون هذا الطواف آخر أموره، وهو كذلك، فلا بد أن يكون آخر أموره؛ لقول ابن عباس ﵄: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (٨).
[ ١ / ٤٠١٣ ]
آخر عهدهم بالبيت، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطواف آخر شيء، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الحجاج من كونهم يطوفون للوداع، ثم يخرجون إلى منى ويرمون الجمرات، ثم يغادرون، فإن فعلهم خطأ، لماذا؟ لأن آخر عهدهم بالجمار وليس البيت، والنبي ﵊ إنما طاف للوداع بعد الانتهاء من النسك كله.
وقوله: (فإن أقام) ظاهره مطلقًا أنه إذا أقام بعد طواف الوداع، سواء كانت الإقامة طويلة أم قصيرة، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا أقام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت.
فمثلًا إذا طاف وخرج ينتظر رفقته في البيت، أو ينتظر رفقته في السيارة، وتأخروا، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، وكذلك لو فرض أنه طاف ولما ركب وسار، صار في السيارة الخراب، فجلس في مكة من أجل إصلاح هذا الخراب، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، لماذا؟
لأنه إنما أقام لشيء ينتظر متى انتهى واصل السفر.
وقول المؤلف: (أو اتجر بعده أعاده)، أو اتجر يعني اشترى شيئًا للتجارة، أو باع شيئًا للتجارة، فإنه يعيده، وعلم من ذلك أنه لو اشترى حاجة في طريقه لا تجارة فإنه لا بأس به، فلو أنه خرج بعد أن ودَّع ثم مر بالبقالة واشترى أشياء يحتاجها في سفره، أو اشترى هدايا لأهله، فإن ذلك ليس بتجارة ولا يضر، على أننا نُرغِّب أن يكون شراؤه هذا قبل طوافه.
وعُلم من كلام المؤلف أنه إذا طاف للوداع فإنه لا يرجع القهقرى إذا أراد أن يخرج من المسجد - القهقرى يعني على وراء - ولا يقف عند الباب فيكبر ثلاثًا، ويقول: السلام عليك يا بيت الله، فإن هذا كله من البدع، إذا ودعت فامض في سبيلك، واستدبر الكعبة، ولا شيء عليك؛ لأن تعظيم الكعبة إنما يكون باتباع ما ورد عن النبي ﵌، ولم يكن يرجع القهقرى، ولم يكن إذا انتهى إلى باب المسجد وقف ونظر إلى الكعبة وودعها، بل كان ﵊ ودع ومشى على المعتاد.
[ ١ / ٤٠١٤ ]
(وإن تركه) غير حائضٍ (رجع إليه)، إن تركه أي الحاج، غير حائض يعني ولا نفساء، فإنه يرجع إليه، فإن تركته الحائض فإنه لا يلزمها الرجوع لو طهرت إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة، فإنه يلزمها الرجوع، أما لو طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير ولو داخل الحرم فإنه لا يلزمها أن ترجع، الدليل على هذا قول ابن عباس ﵄: إلا أنه خُفف عن الحائض (٨).
قال: (وإن تركه) غير حائض (رجع إليه، فإن شق، أو لم يرجع، فعليه دم) إن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، أو لم يرجع بلا مشقة فعليه دم، لكن الفرق أنه إذا تركه للمشقة لزمه الدم ولا إثم، وإذا تركه لغير مشقة لزمه الدم مع الإثم؛ لأنه تعمد ترك واجب.
وقول المؤلف: (إن تركه رجع إليه فإن شق)، تركه إلى أين؟
يقول: إذا تركه قبل مسافة القصر ولم يرجع قبل مسافة القصر فإن جاوز المسافة استقر عليه الدم، سواء رجع أم لم يرجع، وكذلك لو وصل إلى بلده فإن الدم يستقر عليه، سواء رجع أم لم يرجع.
وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع ثم رجعوا بعد أن خَفَّ الحرم وطافوا فإن الدم لا يسقط عنه لأنه استقر في مسافة القصر أو بوصوله إلى بلده، حتى لو فرض أن أناسًا من بلد دون جدة كأهل بحرة مثلًا فإنهم إذا وصلوا إلى بلدهم استقر عليهم الدم؛ لأنهم تركوه وانتهوا منه.
وقول المؤلف: (فعليه دم) إذا قيل: ما هو الدليل على وجوب الدم؟ قلنا: الأثر المشهور عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (٩).
وهذا نسك واجب أمر به النبي ﵌ فيكون في تركه دم، وهذا الحديث أو وهذا الأثر مشهور عند العلماء، واستدلوا به وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب وقالوا في تقرير هذا الدليل: إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال، فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له الحكم؟
الطلبة: الرفع.
الشيخ: الرفع، يكون له حكم الرفع.
[ ١ / ٤٠١٥ ]
وقال بعض العلماء: إن هذا قول صحابي لا شك، لكن يمكن أن يكون صادرًا عن اجتهاد ويكون للرأي فيه مجال، وجهه أن يقيس ترك الواجب على فعل المحرم، فعل المحرم محظورات الإحرام فيها دم، وجه القياس أن الكل في هذا وفي هذا انتهاك لحرمة النسك؛ ترك الواجب انتهاك لحرمة النسك وفعل المحظور انتهاك لحرمة النسك، فيكون ابن عباس ﵄ بنى هذا الحكم على أيش؟ على اجتهاد، وإذا بناه على اجتهاد فإنه يكون قول صحابي وليس مرفوعًا، ويبقى النظر هل قول الصحابي حجة؟
فيه خلاف بين العلماء مشهور في أصول الفقه، وهو عند الإمام أحمد ﵀ حجة ما لم يخالف نصًّا أو قول صحابي، فإن خالف نصًّا فلا عبرة به، العبرة بالنص، وإن خالف قول صحابي طُلب الترجيح بين القولين.
إذن المسألة على هذا التقرير تكون من باب الاجتهاد، ونحن نفتي الناس بالدم وإن كان في النفس شيء من ذلك، لكن من أجل الانضباط، انضباط الناس وحملهم على فعل المناسك الواجبة يكون بإلزامهم بهذا الشيء - أي بالدم - لأن العامي إذا قلت له: ليس عليك دم وإنما عليك أن تستغفر الله وتتوب إليه، مو سهل، ما فيه إلا التوبة، يظن أن التوبة سهلة، والتوبة ما أصعبها، من الذي يتوب إلى الله توبة نصوحًا مسألة ما هي هينة، لكن عامي لا تأخذ منه قرشًا والباقي عنده سهل.
على كل حال إلزام الناس بهذا الشيء وإن كان في النفس منه شيء من حيث الدليل فإنه من الحكمة، من أجل ألا يتهاون الناس بالواجبات.
ثم قال: (وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع).
نعم إن أخر طواف الزيارة، ما هو طواف الزيارة؟
الطلبة: طواف الإفاضة.
الشيخ: هو طواف الإفاضة، يعني طواف الحج، فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع، كيف يجزئه وطواف الوداع واجب وطواف الإفاضة ركن؟
قلنا: لأن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر عهده.
الطلبة: بالبيت.
[ ١ / ٤٠١٦ ]
الشيخ: بالبيت، وقد حصل، فيكون مجزئًا عن طواف الوداع، وهذا واضح فيما إذا كان من قارن أو مفرد وسعى بعد طواف القدوم؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه إلا طواف يطوف وينصرف، لكنه مشكل فيما إذا كان من متمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يطوف ويسعى، فكيف الحل؟
قال بعض العلماء أو بعض طلبة العلم: الحل أن يقدم السعي على الطواف؛ لأن تقديم السعي على الطواف في الحج جائز؛ لقول الرسول ﵌: «لَا حَرَجَ» (١٠)، فإذا قدم السعي على الطواف صار الطواف آخر شيء.
وقال بعض العلماء: بل لا حاجة إلى ذلك، بل يقدم الطواف ويأتي بالسعي بعده، والسعي تابع للطواف فلا يضر أن يفصل بين الطواف وبين الخروج، واستدل البخاري (١١) ﵀ على ذلك بأن الرسول ﵊ أذن لعائشة أن تأتي بعمرة بعد تمام النسك، فأتت بعمرة فطافت وسعت وسافرت (١٢)، فحال السعي بين الطواف والخروج، وبأن النبي ﵌ طاف للوداع وصلى صلاة الفجر وقرأ بالطور (١٣)، فهذا يدل على أن مثل هذا الفصل لا يضر، وهذا عندي أقرب من القول الأول الذي يقول بتقديم السعي؛ لأن هذا يحصل في الترتيب، ترتيب مشروع، وهو أن يُقدم الطواف على السعي.
في هذه الصورة - أعني إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع - ربما نقول: لا تخلو من ثلاث حالات: أن ينوي طواف الإفاضة فقط، أن ينوي طواف الوداع فقط، أن ينويهما جميعًا، الصورة التي ذكرها المؤلف هو أن يؤخر طواف الإفاضة فيجزئ عن طواف الوداع بلا نية.
فعلى هذا نقول: الصورة الأولى: إذا نوى طواف الإفاضة ولم يكن عنده نية طواف الوداع فما الحكم؟
طالب: يجزئ عن طواف.
الشيخ: يجزئ كما تجزئ الفريضة عن تحية؟
الطلبة: المسجد.
الشيخ: المسجد.
الصورة الثانية إذا نواهما جميعًا.
طالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ أيضًا؛ لقول النبي ﵌: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٤).
[ ١ / ٤٠١٧ ]
الصورة الثالثة: إذا نوى طواف الوداع فقط ولم ينوِ طواف الإفاضة.
الطلبة: لا يجزئه.
الشيخ: فإنه لا يجزئه عن طواف الإفاضة، لا يجزئ عن طواف الإفاضة، وهذه مسألة يجب أن ينبه الناس لها؛ لأن أكثرهم يقول: إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع أجزأ فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، يقول: أنا نويت الوداع فقط، ولا ترى على باله طواف الإفاضة، فنقول في هذه الحال: إنه لا يجزئه؛ لأن طواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب، فهو أعلى منه، ولا يجزئ الأدنى عن الأعلى، لكن لو قال قائل: ألستم تقولون: إن الرجل إذا حج عن نفسه ونوى أنها نافلة، وهو لم يؤد الفريضة، ألستم تقولون: إن هذه النافلة تقع عن الفريضة؟
الجواب: بلى نقول ذلك. وكذلك لو حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه مع وجوب الحج عليه، فإن الحج يقع عن نفسه؟
أقول: لا يستقيم هذا؛ لأن مسألتنا جزء من حج، بخلاف الحج كاملًا، فالحج كاملًا، نقول فيه: إن ذمته مشغولة بالفريضة، فإذا أدى ما دون الفريضة صار للفريضة، وأما هذا فهو جزء من عبادة، فإن طواف الوداع إن قلنا: إنه من الحج فهو جزء منه، وإن قلنا: إنه مستقل فإنه لا يمكن أن يجزئ واجب عن ركن.
قال: (ويقف غير الحائض بين الركن والباب).
(يقف) يعني الحاج إذا ودَّع، يقف (بين الركن) أي الحجر الأسود (والباب) باب الكعبة، ومسافته كما تعلمون قليلة، فيقف يقول بالشرح: ويلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين.
وهذا يسمى الالتزام عند أهل العلم، والمكان هذا يسمى الملتزم.
وهي مسألة اختلف فيها العلماء، مع أنها لم ترد عن النبي ﵊، إنما صحت عن بعض الصحابة، هل الالتزام سنة؟ ومتى وقته؟ هل هو عند القدوم أو عند المغادرة أو في كل وقت؟
[ ١ / ٤٠١٨ ]
ووجه الخلاف بين العلماء في هذا أنه لم ترد فيه سنة عن النبي ﵊، لكن الصحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك عند القدوم، والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة، فيلتزم في الملتزم - وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب - على الصفة التي سمعتم التي ذكرها الشارح ويقول ما ورد.
ثم ذكر الشارح ﵀ دعاءً طويلًا، نعم، ومنه: (اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أَمَتِكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغْتَني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسُكي، فإن كنت رضِيتَ عني فازدد عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان صلاتي، إن أنت أذِنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسِن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيت لي، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ). وهذا يحتاج إلى تخريج.
طالب: الالتزام؟
الشيخ: إي نعم، الالتزام لا بأس به، لا بأس أن يلتزم الإنسان ما لم يكن فيه ضيق وأذية فلا يفعل.
طالب: () هذا الموضع.
الشيخ: في القدوم والذهاب الرجوع.
الطالب: في جميع البيت؟
الشيخ: لا، في هذا الموضع فقط، هذا الملتزم.
قال: (وتقف الحائض ببابه) أي بباب المسجد (وتدعو بالدعاء) وهذا لا دليل عليه، كون الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ليس له دليل إطلاقًا، والنبي ﵊ لما قيل له: إن صفية قد أفاضت قال: «انْفِرُوا»، أو قال: «فَلْتَنْفِرْ» (١٥)، ولم يقل: فلتأت إلى المسجد وتقف ببابه. وعلى هذا فيكون هذا القول -أي أن الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بالدعاء- يكون هذا قولًا ضعيفًا لا يُعمل به.
[ ١ / ٤٠١٩ ]
ثم قال: (وتستحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄)
طالب: (وقبري صاحبيه).
الشيخ: عندنا (قبر) بدون ياء، إن كانت (قبري) فظاهر، وإن كانت (قبر) فهو مفرد.
طالب: مضاف.
الشيخ: مضاف فيعم، لكن لا شك أن (قبري صاحبيه) أصح، بل يتعين في هذا السياق، لماذا؟ لأنه إذا قيل: قبر صاحبيه يوهم أنه قبر واحد لاثنين، وليس كذلك، ولهذا الصواب النسخة اللي عندكم.
(وقبري صاحبيه ﵄) الدليل قال: لحديث: من حج فزارني بعد وفاتي.
طالب: «فَزَارَ قَبْرِي».
الشيخ: من حج نعم «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رواه الدارقطني (١٦).
لكن هذا لا يحتاج إلى تخريج الظاهر، نعم.
الطلبة: ضعيف هذا.
الشيخ: نعم موضوع.
طالب: موجود يا شيخنا () والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
الشيخ: اللي عندي الدارقطني فقط.
الطلبة: ()
الشيخ: طيب على كل حال حديث ضعيف هذا، موضوع لا يصح عن النبي ﵊؛ لأن كلام النبي ﵊ كله حق، وهل الذي يزور قبره بعد وفاته كالذي يزوره في حياته؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، ولا يشبهه بأي حال من الأحوال.
طالب: مبسوط.
طالب آخر: () تخريج شيخ الإسلام.
الشيخ: نعم.
الطالب: () تخريج شيخ الإسلام ذلك.
الشيخ: نعم، على كل حال هذا الحديث لا يصح.
إذن ما هو الدليل على استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه؟
الدليل عموم الأدلة الدالة على استحباب زيارة القبور، ولكن ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يشد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﵌ وقبري صاحبيه.
[ ١ / ٤٠٢٠ ]
يعني أن الحاج إذا انتهى يشد الرحل إلى المدينة ليزور قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فمنهم من قال: إن شد الرحل إلى القبور لا بأس به؛ لأنه شد لعمل صالح، فالرسول أمر بزيارة القبور ولم ينه عن شد الرحل لها، بل قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (١٧)، وخير قبورٍ يُشد لها الرحل.
طالب: قبر النبي ﷺ.
الشيخ: قبر النبي ﷺ وقبرا صاحبيه.
ومنهم من قال: إنه مكروه شد الرحل لزيارة القبور، ومنهم من قال: إنه محرم، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقرره بأدلة إذا طالعها الإنسان تبين أن ما ذهب إليه هو الحق.
قال المؤلف ﵀: (وصفة العمرة: أن يحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحل من مكي ونحوه، لا من الحرم).
صفة العمرة أن يحرم بها فهي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، أربعة أشياء، الإحرام يقول: أن يحرم بها من الميقات، إن مر به أو من محاذاته إن لم يمر به أو مما دونه إن كان دون الميقات، المهم أن يحرم بها على حسب ما سبق في المواقيت.
وقول المؤلف: (أو من أدنى الحل من مكي ونحوه) وأدنى الحل بالنسبة إلى مكة إلى الكعبة التنعيم هو أدنى الحل، أما بالنسبة لمن أراد العمرة فقد يكون التنعيم، وقد يكون غير التنعيم، فالذي في مزدلفة مثلًا أدنى الحل إليه عرفة، والذي في الجهة الغربية من مكة أدنى الحل إليه الحديبية وهكذا، المهم أنه يحرم من أدنى الحل.
ولا يلزمه أن يقصد التنعيم الذي عينه الرسول ﵊ لعائشة أو الجعرانة التي أحرم منها النبي ﵌ حين رجع من غزوة حنين (١٨)، لا يلزمه ذلك؛ لأن أمر النبي ﷺ عائشة أن تحرم من التنعيم (١٨) لكونه أقرب الحل إليها، وإحرامه من الجعرانة لكونه نازلًا بها.
وقوله: (من مكي ونحوه).
[ ١ / ٤٠٢١ ]
المكي هو ساكن مكة، ونحوه هو الآفاقي المقيم بمكة، فكلاهما يحرم من أدنى الحل، وقد سبق لنا تقرير ذلك وبيان شبهة من قال من أهل العلم: إن المكي يحرم من مكة لعموم الحديث.
قال: (لا من الحرم).
يعني: لا يحرم للعمرة من الحرم، فإن فعل انعقد إحرامه، ولكن يلزمه دم لتركه الواجب، وهو الإحرام من الحل.
قال: (وتباح كل وقت، فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر حل)؛ لأن العمرة مكونة من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، من أربعة أشياء. نعم.
طالب: عندي: حلق أو قصر.
الشيخ: نعم: وحلق أو قصر.
الطالب: تصحيحه.
الشيخ: عندي متن.
قال: (وتباح كل وقت).
تباح العمرة في كل وقت، أما الحج فهو أشهُر معلومات، العمرة تباح في كل وقت حتى في يوم عيد النحر، وحتى في يوم عرفة، وحتى في أيام التشريق، فمثلًا لو أن أحدًا قدم إلى مكة في يوم عرفة هل نقول: إن العمرة لا تصح لأن الوقت للحج؟ لا، نقول: تصح، لكن الحاج هو الذي ينبغي أن يقال له: اذهب إلى عرفة ولا تتمتع؛ لأن وقت التمتع قد فات، ولكن انو القران أو الإفراد.
وقول المؤلف: (تباح كل وقت) لم يذكر ﵀ هل يُسن أن يعتمر كل وقت أو في السنة مرة أو في الشهر مرة أو ماذا؟
ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى ﵀ اتفاق السلف على أنه يكره تكرارها، أي تكرار العمرة، وقال الإمام أحمد: لا يعتمر إلا إذا حمم رأسه - حمم يعني اسود - من الشعر.
وبناءً على هذا يكون ما يفعله العامة الآن من تكرار العمرة، ولاسيما في رمضان كل يوم، إن لم يكن بعضهم في اليوم والليلة، في النهار عمرة وفي الليل عمرة.
() عندي يقول: ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في المبدع لابن مفلح، وقاله أيضًا شيخ الإسلام ﵀ قبله: إنه يكره.
وأما قوله ﵊: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (١٩) فهو مطلق مقيد بعمل السلف رضوان الله عليهم.
طالب: () ويستحب تكرارها.
[ ١ / ٤٠٢٢ ]
الشيخ: نعم، إي نعم، قال: (ويستحب تكرارها في رمضان لأنها تعدل حجة)، هذا غلط، هذا ليس بصحيح؛ لأن كراهة السلف لتكرارها عام في رمضان وفي غيره.
قال: (وتجزئ عن الفرض) ما الذي تجزئ عن الفرض؟ العمرة، تجزئ عن الفرض في أي وقتٍ أداها، عمرة المتمتع تجزئ عن الفرض، وعمرة القارن.
الطلبة: تجزئه.
الشيخ: تجزئ عن الفرض؛ لأن القارن أتى بعمرة وحج؛ لقول النبي ﵌ لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٢٠)، فأثبت النبي ﷺ لها حجًّا وعمرة.
لو جعل القارن عمرته لشخص وحجه لآخر يجزئ؟
طالب: قارن؟
الشيخ: قارن.
الطالب: لا يجزئ.
الشيخ: جعل عمرته لشخص وحجه لآخر.
الطلبة: لا يجزئ.
الشيخ: المتمتع جعل عمرته لشخص وحجه لآخر؟
الطلبة: يجوز، يجزئ.
الشيخ: المتمتع واضح أنه يجزئ لأن العمرة؟
الطلبة: منفصلة.
الشيخ: منفصلة.
طالب: وتكون مفردة.
الشيخ: والقارن قال الفقهاء ﵏: إنه يجوز؛ لأن القران وإن كان فعلًا واحدًا لكنه نسكان، وإذا كان نسكين أجزأ أن يجعل واحدًا منهما عن شخص والآخر عن شخصٍ آخر.
طالب: الصحيح؟
الشيخ: والله أنا أميل إلى أنه لا ينبغي أن يجعل العمرة لشخص والحج لآخر، لكن لو فعل لا أقول: إنه حرام؛ لأن الرسول أثبت أنهما نسكان.
طالب: النبي ﵊ قال: «الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» (٢١).
الشيخ: نعم.
الطالب: وقال: «مَن أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢٢) () يا شيخ () هذه الأحاديث تدل على ()، ما أدري ما رأيك؟
[ ١ / ٤٠٢٣ ]
الشيخ: وبهذا قال بعض أهل العلم، لكن الجمهور على خلاف ذلك، الجمهور قالوا: إنها لا تكفر إلا الصغائر، وأيدوا رأيهم هذا بقولهم: إن الصلوات الخمس أعظم من الحج، أعظم ثوابًا عند الله ومنزلة في الدين، ومع ذلك اشترط النبي ﵌ لتكفيرها للذنوب أن تجتنب الكبائر، ولكن الإنسان يرجو من الله ﷿ إذا كان حجه مبرورًا أن يكفر عنه جميع السيئات.
ويجاب عما ذكره الجمهور ﵏ بأن الحج أعظم مشقة وأكثر تعبًا من الصلاة، والإنسان الذي يقدم إليه من بلاد بعيدة، ولا سيما في الزمن الأول، يدل على رغبته الشديدة فيما يقرب إلى الله، فكان بهذا موجبًا لهدم كل ما سبق من الأعمال.
فلو أن الإنسان رجا ربه ﷿ أن تكفر عنه جميع الذنوب تمسكًا بهذا الحديث فإن الله ﷿ أكرم من عباده.
طالب: ().
الشيخ: لا، لازم.
طالب: أحسن الله إليكم، وفي حديث أبي موسى لما قال: إني أهل بما أهل به.
الشيخ: رسولك.
الطالب: إني أهللت بما أهللت به يا رسول الله. فقال: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟». قال: لا. قال: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا واَلْمَرْوَةِ» (٢٣). فطفت.
الشيخ: «اجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الطالب: «وَاجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ().
الشيخ: ما فيه دليل على وجوب سوق الهدي، فيه دليل على أن من لم يسق الهدي وهو قارن فإنه يجعلها عمرة.
طالب: () هذا أحرم بالعمرة ثم وطأ امرأته أثناء إحرامه قبل التحلل، أقول: ما الذي يجب عليه؟
الشيخ: ما تقولون فيه؟ رجل أحرم بعمرة وجامع زوجته قبل أن يتحلل، فماذا عليه؟
الطلبة: ().
الشيخ: عليه فدية أذى () حصرنا لكم فيما سبق الفداء، وذكرنا أن محظورات الإحرام تنقسم:
ما ليس فيه فدية، وما فديته بدنه، وما فديته جزاء، وما فديته فدية الأذى. وهذا الحصر الذي ذكرنا سابقًا اعتمده لأجل ألا يُشكل عليك شيء.
[ ١ / ٤٠٢٤ ]
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الدليل عند القول بزيارة قبر الرسول ﷺ لعموم الدليل () العناء زيارة غيره من القبور.
الشيخ: نعم وهو كذلك.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هو على كل حال الزيارة للقبور سواء قبر النبي ﵊ أو قبر صاحبيه كلها من أجل أن تذكر الآخرة، لكن لا شك أنه يكون في قلب الإنسان إذا زار قبر النبي ﷺ ما لا يكون في قلبه إذا زار قبر شخصٍ آخر، وأما الأحاديث الواردة «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» (٢٤)، أو «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» (٢٥) فكلها ضعيفة، بل موضوعة.
طالب: أيهما أفضل العمرة في رمضان أو في الحج؟
الشيخ: أو في أشهر الحج يعني في أشهر الحج عمومًا، هذا يقول: أيهما أفضل: العمرة في رمضان أو في أشهر الحج؟
تردد ابن القيم ﵀ في ذلك أيهما أفضل: العمرة في رمضان لأنها تعدل حجة، أو في أشهر الحج؛ لأن جميع عمر النبي ﷺ كانت في أشهر الحج؟ والظاهر أنها في رمضان أفضل، ولكن رسول الله ﵌ اعتمر في أشهر الحج من أجل دفع العقيدة التي كانت عند العرب بأن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدَّبَر، ودخل شهر صفر؛ حلت العمرة لمن اعتمر (٢٦). ولَّا قبل حرام في مذهبهم.
طالب: هل يجوز لرجل شيخ أن ينيب عن نفسه أكثر من رجل يحج عنه في عام واحد؟
الشيخ: إي نعم، يجوز ذلك، لكن إذا أناب اثنين فأكثر في فريضة فأيهما يقع حجه عن الفريضة؟
الطلبة: الأول.
طالب: من أحرم أولًا.
الشيخ: من أحرم أولًا فهو الذي يقع حجه عن الفريضة، والثانية تكون نفلًا.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، ذكرت بأن بعض العلماء قال بأن الترتيب ما بين الجمرات ليس بشرط، وأنه إذا نكس فنقول: إن رميك جائز.
الشيخ: نقول () والرمي صحيح.
[ ١ / ٤٠٢٥ ]
الطالب: فيكون بذلك العادة الشرعية بأنه مجرد فعل النبي ﷺ وقوله العام: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١)، وفي نفس الوقت استدلوا بنفس الدليلين على عدم الرمي قبل الزوال، وأنه لو رمى قبل الزوال، فإنه ملزم بغير علة. يعني لو نفس الدليلين فعل النبي ﷺ وقوله العام، وفي الموضعين وموضع يثبت وموضع ..
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن كون الرسول ﵊ يختار ما بعد الزوال للرمي مع كونه أشق وأعظم يدل على أنه ليس بجائز قبل ذلك، وقول ابن عمر: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا (٢٧).
الطالب: في نفس الإيراد يَرد أن نتعلم الترتيب.
الشيخ: لا، ما يَرد على هذا الترتيب، ما هناك فرق بين أن تبدأ بالأخيرة أو بالأولى من جهة المشقة، بل أحيانًا إذا كنت من جهة الغرب يمكن بدؤك بالأولى أسهل.
طالب: شيخ، من حج تطوعًا قال: بيسقط الفريضة نقول: تكون فريضة، ومن صلى قبل صلاة الظهر ولم يصل الظهر أربعًا نقول نحن: ما تقع فريضة، ما الفرق بين الصورتين؟
الشيخ: يسأل يقول: لو صلى قبل الظهر، يعني قبل الزوال.
الطالب: لا في وقت الظهر قبل الفريضة.
الشيخ: في وقت الظهر قبل الفريضة. صلى أيش؟
الطالب: أربع ركعات.
الشيخ: بنية؟
الطالب: بنية تطوع.
الشيخ: إي نعم، الفرق بينهما أن الصلاة وقتها موسع، بخلاف الحج فإن وقته مضيق.
طالب: إذا قلنا بتحريم زيارة الأضرحة والقبور، كيف نرجح حديث «فَزُورُوهَا».
الشيخ: أيش؟
الطالب: الحديث الثاني: «فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ».
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: الذين أجازوا شد الرحل لزيارة القبور استدلوا بهذا الحديث الذي ذكرت: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (١٧).
[ ١ / ٤٠٢٦ ]
والذين منعوا ذلك قالوا: لأن زيارة القبور عبادة متعلقة بمكان، وقد قال النبي ﵊: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» (٢٨).
وقالوا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» يعني فحوى الخطاب والحالة التي تكلم فيها الرسول ﵊ تدل على أنها القبور التي في بلدك، لا تحتاج إلى شد رحل، وقالوا أيضًا: إن شد الرحل إلى جهات القبور تؤدي إلى شد الرحل للمغالاة فيها والتعلق بها، والشيطان من هذه الناحية يدخل على الإنسان حتى يوقعه في الشرك.
كلام شيخ الإسلام ﵀ استدل بأدلة أكثرها غالبها أدلة عقلية وتعليلات، لكن إذا راجعتها اطمأننت إلى هذا القول.
طالب: فضيلة الشيخ، النص «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» عام لا () ولكن هذا عام مخصص إذا جاء عامان () نقدم ().
الشيخ: لا، كل واحد يخصص الآخر، هذا إذا قلنا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» للعموم، فهذا عام وهذا عام، فيُنظر أيهما أولى بتخصيص الآخر، نقول: هذا نهي، لا تشد الرحال إلا إلى كذا، فهو نهي عام في كل شيء.
طالب: إذا قلنا: ستر العورة في السعي سنة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ستر العورة في السعي سنة، فلماذا نقول: ستر العورة؟
الشيخ: ستر العورة سنة؟
الطالب: في السعي.
الشيخ: في السعي، إي نعم.
الطالب: فلماذا لا يكون واجب () في غير السعي سترها واجب ().
الشيخ: لا، فائدة قولنا: إن ستر العورة في السعي سنة أنه لو فرض أن الرجل سعى وقد انكشف شيء من عورته كانشقاق الثوب، وهو لم يعلم بذلك، فإننا لو قلنا: إنه شرط لزم من ذلك إعادة السعي، وإذا قلنا: ليس بواجب لم يجب إعادة السعي، ولكن ليس معنى قولنا هذا أنه لا يجب ستر العورة، ستر العورة واجب لكنه ليس شرطًا بالنسبة للسعي فقط.
طالب: شيخ ().
[ ١ / ٤٠٢٧ ]
الشيخ: إي نعم، الذي يجب إعادة الطواف فيما لو تأخر عن طواف الوداع نية الإقامة، ولو ساعة لغير ما استثني، مثل انتظار رفقة، الاتجار مطلقًا، حتى ولو كنت في طريقك تمشي مع صاحبك واشتريت منه شيئًا للتجارة فإنك تعيد.
طالب: قارن يجب عليه أن يسوق الهدي أنه حتى لا () السيارة حتى لا يجب أن يمشي بها من الميقات والآن سئلت ..
الشيخ: هل قلنا: إن القارن يجب أن يسوق الهدي؟
الطلبة: لا.
الشيخ: قلنا: ما ساق الهدي لزم أن يقرن.
الطالب: يعني يجوز له أن يشتري شيئًا من مكة؟
الشيخ: إي، معلوم، كالمتمتع؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: () سكتت.
الشيخ: إي نعم، يقول: إذا قلنا: إن عمل القارن كعمل المفرِد، فما الفائدة من تقسيم الأنساك إلى ثلاثة؟
الجواب: الفائدة ظاهرة؛ لأن القارن يحصل له؟
الطلبة: نسكان.
الشيخ: نسكان: عمرة وحج، والقارن عليه هدي، والمفرِد؟
الطلبة: ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه هدي.
طالب: ()
الشيخ: لا، يختلف أيضًا؛ لأن القارن يحصل على نسكين، والمفرِد على نسك واحد.
طالب: في نفس ()؟
الشيخ: نعم.
الطالب: في نفس ().
الشيخ: في نفس الرحال، صحيح الأفعال واحدة.
طالب: إذا فقد النية فقط.
الشيخ: النية والعمل، إذا كان مفردًا وجب عليه أن يعتمر؛ لأن العمرة ما سقطت حتى الآن، وإذا كان قارنًا لم يجب أن يعتمر.
طالب: ذكرنا فيما سبق أن الملبي بعمرة يستمر نعم، الملبي بعمرة يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود
الشيخ: كيف؟
الطالب: الملبي بعمرة سواء كان متمتعًا أو قارنًا قلنا: إنه يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الملبي بعمرة إذا أحرم بعمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن ثبت في البخاري (٢٩) عن ابن عمر عن النبي ﷺ: كان إذا دخل أدنى الحرم قطع التلبية.
الشيخ: في البخاري؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ٤٠٢٨ ]
الشيخ: عن النبي ﷺ.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثبته الآن.
طالب: ().
الشيخ: بأن المتمتع يقطع التلبية إذا شرع في الطواف، لكن ثبت في صحيح البخاري (٢٩) من حديث نافع عن ابن عمر: أن الرسول ﷺ كان يلبي حتى إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية.
وثبت هذا من فعل ابن عمر ﵄ كما في حديث عُبيد بن جُبير عنه أنه إذا وصل أدنى بيوت مكة قطع التلبية (٣٠). وأما ما ورد أن الرسول ﷺ كان يلبي حتى استلام الحجر الأسود (٣١) فقد ذكر بعض المحدثين أن في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ جدًّا.
على كل حال يكون المعتمد إذا وصل إلى أدنى الحرم فإنه يمسك عن التلبية؛ لأنه إذا ثبت عن الرسول ما أبدًا.
طالب: ما ثبت يا شيخ أنه كان لا يقطع التلبية إلا عند جمرة العقبة.
الشيخ: هذا إذا كان في حج.
طالب: () قارنًا يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: قارنًا.
الشيخ: القارن ما يقطع التلبية إلا إذا كان شرع في الرمي، وكذلك المفرد، وكذلك المتمتع، لكن الرسول اعتمر عدة مرات، اعتمر في الجعرانة، اعتمر عمرة القضاء فلعل ابن عمر أراد إحدى العمرتين.
طالب: شيخ، بارك الله في عمرك، قلت: الدعاء في آخر شوط على المروة لا يُشترط.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأنه ليس في جوف العبادة، فيا شيخ الآن إذا سقطنا هذا الشوط، إذا سقطنا شوط السعي آخر شوط
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا أسقطنا هذا الشوط، آخر شوط الذي على المروة.
الشيخ: نعم، يعني الدعاء، الدعاء والرقي يعني.
الطالب: قلت: الدعاء على آخر شوط على المروة.
الشيخ: نعم.
الطالب: على المروة لا يشرع فيه الدعاء.
الشيخ: قلنا: إذا وصل إلى المروة في آخر شوط لا يشترط الدعاء، وأما آخر شوط على المروة فإنه يدعو.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فهمت؟
الطالب: إي نعم معاك يا شيخ، يعني إذا وصل المروة نفسها ..
الشيخ: يعني مثلًا آخر شوط وصل إلى المروة.
[ ١ / ٤٠٢٩ ]
الطالب: إي نعم.
الشيخ: خلاص انتهى السعي.
الطالب: انتهى الدعاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: شكرًا يا فضيلة الشيخ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم يا شيخ، ما هو الدليل على أنه من غابت عليه الشمس يلزمه الانضباط عليه؟ إذن الرجوع إلى منى.
الشيخ: المبيت.
الطالب: يلزمه المبيت.
الشيخ: ما هو الرجوع إلى منى إذا () الرجوع.
يقول: ما هو الدليل على أنه إذا غربت الشمس وهو في منى لزمه البقاء إلى اليوم الثالث عشر.
ذكرنا الدليل، وذكرنا أيضًا فيه أثرًا عن عمر ﵁: أن من أدركه المساء فإنه يجب عليه المبيت (٣٢).
طالب: ذكرتم أنه في جمرة العقبة ورمي الجمار في أيام منى أن الليل تابع النهار.
الشيخ: نعم.
الطالب: ذكرتم بأن جمرة العقبة إن صح الوقوف فيها ليلًا أنها تابع النهار.
الشيخ: نعم، هذا إذا تبع النهار نقول: دل الحديث على أن منتهى جواز الدفع من منى هو ما كان في نفس اليومين، وأما ما بعد الغروب فهو خارج عن اليومين.
طالب: طواف الوداع واجب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: والدليل على هذا عن ابن عباس في () حتى () عنه الشيء.
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: لا، في حديث: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف (٣٣) هذا الطواف صح في رواية أبي داود للحديث نفسه.
طالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولم يدفع إلى عرفة إلا قبيل الغروب بساعة، هل يجمع؟
الشيخ: فهل.
الطالب: هل يجمع بين العصر والظهر () إتمامه؟
الشيخ: لا يجمع بينهما؛ لأن الفائدة من الجمع هو أن على ما قال العلماء أن يتسع الوقت للدعاء وهو في مكان ليس فيه دعاء في نمرة، الدعاء إنما يكون في عرفة، وهذا لم يصل إليها.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم أنه إذا طاف للوداع ولم يكن طاف طواف الزيارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه لا يجزئه عن طواف الزيارة.
الشيخ: نعم، إذا نوى طواف الوداع.
[ ١ / ٤٠٣٠ ]
الطالب: نعم، وقد تقدم أنه إذا كان متلبسًا بالنسك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أخذنا في الدروس السابقة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أنه لا يلزمه تجديد النية عند كل الواجبات أو الأركان؟
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: الجواب واضح؛ لأن هذا نوى خلاف ما يراد به النسك؛ لأنه هو لم يطف فقط وسكت، لو أنه طاف ولم يعين أنه للوداع.
الطالب: لأجزأ عليهم.
الشيخ: أجزأ.
يقول: في رمي الجمرات وقت أول التشريق ثبت أنه بسبب رمي إبراهيم ﵇ الشيطان (٣٤) عن ابن عباس موقوفًا ورجاله ثقات في مجمع الزوائد (٣٥) عن أبي الطفيل، هل هو صحيح؟
يعني يقول سبب رمي الجمرات هو أن إبراهيم رمى الشيطان عن ابن عباس.
طالب: ().
الشيخ: تقدم لنا أن ابن عباس ﵄ ممن عُرف بالأخذ عن بني؟
الطلبة: إسرائيل.
الشيخ: إسرائيل، ومثل هذا الخبر لا يدخله الاجتهاد، وعلى هذا فيكون من أخبار بني إسرائيل فلا يكون له حكم الرفع.
الطالب: أظنه مرفوعًا في مسند ().
الشيخ: لا بد أن تصححه لنا.
يقول: آخر الزمان يصير يُعير الرجل بدينه كما تُعير الزانية بزناها، وفي الوقت الحاضر نرى الواقع كما ذُكِر، حتى إن بعض الدول يضيقون على رَجل الدين الذي لا يعرف يمكن (فيهم) أو (عليهم) إلا اتباع السنة، نرجو إيضاح العبارة وما يترتب عليها من المفاسد؟
طالب: الإسلام ما فيه رجال دين.
الشيخ: إي، لك وش هذا؟ وش؟
طالب: صحيح ولا مانو صحيح؟
الشيخ: وش؟
الطالب: أقول: أستفيد هذه العبارة أقول: صحيحة ولا موضوعة.
الشيخ: ما أدري، ما سمعته بحديث.
طالب: حديث عائشة رمي الجمرات أن رمي الجمرة في جمرة العقبة يكون فيه التحلل الأول (٣٦).
الشيخ: يكون أيش؟
الطالب: يكون فيه التحلل الأول.
الشيخ: إي نعم. على كل حال الحديث الذي ذكرت يدل على أن التحلل الأول يحصل بالرمي فقط، هذا أخذناه. التلبية.
طالب: الراجح في المسألة يا شيخ؟
[ ١ / ٤٠٣١ ]
الشيخ: والله إلى الآن ما بعد تقرر عندي الرجحان، لكن أنا أقول لكم: إذا ثبت الحديث عن الرسول ﵊ فوهو العمدة لا شك ولا في راجح ومرجوح.
يقول: إذا أصيب الثوب بدم يغلب على الظن نجاسته، فحاول لابس الثوب إزالته بالماء والفرك، فلم يزل كله، بل بقي له أثر، فماذا يفعل؟
على كل حال الدم إذا كان يغلب على الظن نجاسته ولم يتيقن فإنه لا يلزمه الغسل؛ لأن لا بد من اليقين، وإذا تيقن أنه دم نجس وغسله فإنه لا يضره بقاء اللون إذا زالت عين النجاسة طهر.
طالب: أحسن الله لك يا فضيلة الشيخ، بعض الناس في شوطه السابع من السعي عندما يحاذي الباب يخرج من عليه () هذا يكون تام وصحيح يا شيخ؟
الشيخ: هو المسعى الذي يجب الذي به المشايات.
طالب: الباب دونها.
الشيخ: لا، فوقها.
طالب: الباب فوقها.
الشيخ: الباب فوقها.
الطالب: قدمنا السابع وخرج مع الباب.
الشيخ: () بس () لأن الباب تصوري الآن أن الباب يعني ما تقدمها كثيرًا ولا تأخر عنها كثيرًا تقريبًا، هي تكون في نصفها أو قريبًا منه، فليلاحظ هذا الشيء.
***
طالب: والرمي والحلاق والوداع والباقي سنن، وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، وواجباتها: الحلاق والإحرام من ميقاتها، فمن ترك الإحرامَ لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره أو نيته لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم أو سنة فلا شيء عليه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال المؤلف: وأركان الحج وواجباته وأركان العمرة وواجباتها.
وقد سبق في أول المناسك شروط الحج، شروط وجوبه وشروط صحته وشروط إجزائه، وقد اعترض بعض الناس على هذا التقسيم على الشروط، على الأركان، على الواجبات، على السنن وقال: أين هذا في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﵌؟
[ ١ / ٤٠٣٢ ]
وإذا لم نجد ذلك في كتاب الله أو سنة رسوله فإن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣٧) فيرد على صاحبه.
والجواب عن ذلك أن يقال: الأمور قسمان: أمور غائية وأمور وسيلة.
فأما الأمور الغائية التي هي غاية ومقصودة لذاتها فإنها لا تُفعل إلا بإذنٍ من الشرع، ولا يمكن لأحدٍ أن يشرعها أو يتعبد لله بها.
والثاني: أمور وسيلة يقصد بها الوصول للغاية، فهذه ليس لها حد شرعي، بل لها القاعدة الشرعية، وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والوسائل تختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأحوال واختلاف الأماكن واختلاف الأمم، وإذا كان كذلك فالوسائل بابها مفتوح.
فالعلماء ﵏ رأوا أن من وسائل تقريب العلم إلى الأذهان وإلى الحصر أن يكتبوا مثل هذا، أن يقولوا: هذه شروط، هذه أركان، هذه واجبات، هذه سنن، وقالوا: إن الرسول ﵊ قد فعل هذا المبدأ، فنجده أحيانًا يقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ» (٣٨)، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» (٣٩) مع أنهم لا ينحصرون في سبعة ولا ينحصرون في ثلاثة، لكن هذا من باب التقريب؛ تقريب العلم للأفهام.
يبقى النظر إذا قال: هذا شرط أو هذا واجب فهنا يُطالب بالدليل، يقال له: من أين لك أن هذا شرط، وأن هذا واجب، وأن هذا ركن، وأن هذا سنة؟ هذا هو الذي يطالب فيه الإنسان بالدليل، أما تقسيم الأشياء إلى هذا وهذا وهذا تقريبًا للأفهام، فإنه من باب الوسائل.
[ ١ / ٤٠٣٣ ]
لو أردنا أن نسقط هذه المسألة لقلنا أيضًا: تقسيم العلم إلى توحيد وطهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج وبيوع ورهان وما أشبه ذلك أيضًا هذا بدعة، أين في السنة أنها قُسمت هكذا، أو أن الرسول ﷺ قسمها، فيقال: ينبغي للإنسان أن يكون فهمه واسعًا، وأن يعرف مقاصد الشريعة، وألا يجعل الوسائل مقاصد، فإنه بذلك يضل ويُبدِّع أناسًا كثيرين من أهل العلم المحققين، حينئذ نقول: تقسيم العلم إلى أبواب ليس به بأس، تقسيم الأبواب إلى شروط وأركان وواجبات ومستحبات ليس به بأس؛ لأننا لسنا نتعبد لله بذلك، ولكننا نريد أن نقرب العلم كما كان الرسول ﵊ يستعمل تقريب العلم لكن بأساليب مختلفة.
يقول: (أركان الحج الإحرام) الأركان جمع ركن، والركن هو جانب البيت الأقوى، وهي التي تسمى عندنا بالزاوية، مثل هذه الزاوية ركن، هذا أقوى ما في الجدار، هذا الركن لماذا؟ لأن بعضه يسند بعضًا حيث يتلاقى طرفا الجدار فيسند بعضهما بعضًا، ولهذا يسمى ركنًا؛ لأنه جانب الشيء الأقوى يسمى ركنًا
و(أركانُ الْحَجِّ): الإحرامُ، والوُقوفُ، وطَوافُ الزيارةِ، والسعيُ.
و(وَاجِبَاتُه): الإحرامُ من الْمِيقاتِ الْمُعْتَبَرِ له، والوُقوفُ بعَرفةَ إلى الغُروبِ، والْمَبيتُ لغيرِ أَهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى ومُزدَلِفَةَ إلى بَعدِ نِصفِ الليلِ، والرميُ، والْحِلاقُ، والوَداعُ، والباقي سُنَنٌ.
و(أَركانُ العُمرةِ): إحرامٌ، وطَوافٌ، وسَعْيٌ.
و(واجباتُها): الْحِلاقُ، والإحرامُ من مِيقاتِها، فمَن تَرَكَ الإحرامَ لم يَنعقِدْ نُسُكُه، ومَن تَرَكَ رُكْنًا غَيرَه أو نِيَّتَه لم يَتِمَّ نُسُكُه إلا به، ومَن تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
وهي أنَّ الوسائل لها أحكامُ المقاصدِ، والوسائلُ تختلفُ باختلافِ الأزمان، واختلافِ الأحوال، واختلاف الأماكن، واختلاف الأُمَم، وإذا كان كذلك فالوسائلُ بابُها مفتوحٌ.
[ ١ / ٤٠٣٤ ]
فالعلماء -﵏- رَأَوْا أنَّ من وسائل تقريبِ العلم إلى الأذهان وإلى الحصْرِ أنْ يكتبوا مِثْلَ هذا؛ أنْ يقولوا: هذه شروطٌ، هذه أركانٌ، هذه واجباتٌ، هذه سُنَنٌ.
وقالوا: إنَّ الرسول ﵊ قد فَعَل هذا المبدأ؛ فنجده أحيانًا يقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ» (١)، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» (٢) مع أنهم لا يَنْحصِرون في سبعةٍ ولا يَنْحصِرون في ثلاثةٍ، لكن هذا من باب التقريبِ؛ تقريبِ العلم للأفهام.
يبقى النظر؛ إذا قال: هذا شرطٌ أو هذا واجبٌ. فهُنا يُطالَب بالدليل؛ يُقال له: مِن أينَ لك أنَّ هذا شرطٌ، وأنَّ هذا واجبٌ، وأنَّ هذا ركنٌ، وأن هذا سُنَّةٌ؟ هذا هو الذي يُطالَب فيه الإنسانُ بالدليل، أمَّا تقسيمُ الأشياءِ إلى هذا وهذا وهذا تقريبًا للأفهامِ فإنه من باب الوسائل، لو أردْنا أنْ نَسْلُك هذا المسلكَ لقُلْنا أيضًا: تقسيمُ العلم إلى توحيدٍ وطهارةٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وبيوعٍ ورهانٍ وما أشْبَهَ ذلك أيضًا هذا بدعةٌ؛ أين في السُّنة أنها قُسِّمت هكذا أو أنَّ الرسول ﷺ قسَّمها؟
فيُقال: ينبغي للإنسان أنْ يكون فَهْمُه واسعًا، وأنْ يعرف مقاصدَ الشريعة، وألَّا يجعل الوسائلَ مقاصدَ؛ فإنه بذلك يَضِلُّ ويُبدِّع أُنَاسًا كثيرين من أهل العلم المحقِّقين. حينئذٍ نقول: تقسيمُ العلم إلى أبوابٍ ليس به بأسٌ، تقسيمُ الأبوابِ إلى شروطٍ وأركانٍ وواجباتٍ ومستحبَّاتٍ ليس به بأسٌ؛ لأننا لَسْنا نتعبَّد لله بذلك، ولكنَّنا نريد أنْ نُقَرِّبَ العِلْم، كما كان الرسولُ ﵊ يستعمل تقريبَ العلم لكنْ بأساليب مختلفة.
***
يقول: (أركان الحج: الإحرام).
[ ١ / ٤٠٣٥ ]
الأركانُ جمع رُكْن، والرُّكْن هو جانب البيتِ الأقوى، وهى التي تُسمَّى عندنا بالزاوية؛ مثلًا هذه الزاوية رُكْن، أقوى ما في الجدار هذا الرُّكْن، لماذا؟ لأن بعضه يسند بعضًا؛ حيث يتلاقى طَرَفَا الجدارِ فيسند بعضُهما بعضًا، ولهذا يُسَمَّى رُكْنًا؛ لأنه جانبُ الشيءِ الأقوى يُسَمَّى رُكْنًا.
وقوله: (الإحرام) سبق لنا أن الإحرام هو نيَّةُ النُّسُك وليس لباسَ ثوبِ الإحرام؛ لأنَّ الإنسان قد ينوي النُّسُك فيكون مُحْرِمًا ولو كان عليه قميصُهُ وإزارُهُ، ولا يكون مُحرِمًا ولو لَبِس الإزارَ والرداءَ إذا لم يَنْوِ، فالإحرامُ نيَّةُ النُّسُك، والنيَّة محلُّها القلب، فيكون داخلًا في النُّسُك إذا نوى أنه داخلٌ فيه.
ولكنْ يجب أنْ تعرف الفرقَ بين مَن نوى أنْ يحجَّ ومَن نوى الدخولَ في الحجِّ، أيُّهما الركن؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ مَنْ نوى الدخولَ في الحجِّ، أمَّا مَن نوى أنْ يحجَّ فلم يُحرِم، ولهذا ينوي الإنسانُ الحجَّ من رمضان، من رجب، من قبل ذلك، ولا نقول: إنَّ الرجُل تلبَّس بالنُّسُك أو دخلَ في النُّسُك أو أَحْرَمَ. الإحرام نيَّة الدخولِ في النُّسُك.
طيب، وهلْ يُشترط مع النيَّة لفظٌ؟
الصحيح أنه لا يُشترط، ومِن العلماء مَن قال: لا بدَّ من التلبية مع النيَّة. وجَعَل التلبيةَ بمنزلة تكبيرةِ الإحرامِ في الصلاة.
(الإحرام) الدليلُ على أنَّ الإحرامَ ركنٌ قولُ النبيِّ ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٣).
[ ١ / ٤٠٣٦ ]
الثاني: (الوقوف) يعني بعرفة؛ لقول النبيِّ ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٤)، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، فقوله: ﴿إِذَا أَفَضْتُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الوقوف بعرفة لا بدَّ منه وأنَّه أمْرٌ مُسَلَّمٌ، وأنَّ الوقوفَ بمزدلفة بعد الوقوف بعرفة.
الثاني: (الوقوف).
الثالث: (طوافُ الزيارة) ويُقال له طوافُ الإفاضةِ، وهو الطوافُ الذي يقعُ في يوم العيد أو ما بعده، والمرادُ بالطوافِ البيت؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، الشاهد قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾؛ لأنَّ الجملةَ هذه أمْرٌ، فِعْلٌ مضارعٌ مقرونٌ بلام الأمرِ فيكون أمرًا.
والرابع: (السَّعي)؛ لقول النبيِّ ﵊: «اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (٥)، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ولقول عائشة ﵂: واللهِ ما أتَمَّ اللهُ حجَّ رجُلٍ ولا عُمْرتَه لم يَطُفْ بهما (٦) أي: بالصفا والمروة.
فإنْ قال قائل: كيف تقولون: إنَّ السعي بين الصفا والمروةِ ركنٌ. وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ونَفْيُ الْجُناح لا يدلُّ على الوجوبِ، يدلُّ على رفْعِ الإثم فقط، فكيف تجعلونه رُكْنًا لا يصِحُّ الحجُّ إلَّا به؟
هذا إيرادٌ واردٌ؛ كيف تجعلون السعي بين الصفا والمروةِ من أركانِ الحجِّ والله ﷿ يقول: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وهذا يدلُّ على رفْع الإثم عمَّن اطَّوفَ بهما ولا يدلُّ على أنه رُكن؟
[ ١ / ٤٠٣٧ ]
قلنا: إنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يكفي دليلًا في مشروعيَّة السعي؛ حيث جعلهما من شعائر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والطواف بهما تعظيمٌ لهما، وأمَّا قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فهذا رفْعُ توهُّمٍ وَقَع مِن بعض الناس حين نزولِ الآية؛ وذلك أنه كان على الصفا والمروةِ صَنَمانِ يُعبدانِ من دون الله، فتحرَّجَ المسلمون مِن أنْ يطوفوا بالصفا والمروةِ وعليهما صَنَمانِ قبل أنْ يدخُل الإسلام، فنفى اللهُ ﷾ ذلك الْجُناح ليرتفع الحرَجُ عن صدورهم، فكان الغرض من نَفْي الْجُناح أيش؟ رفْع الحرج عن صدورهم حتى لا يبقى فيهم قَلَقٌ.
وأما أن يقال إنه رفْعُ الْجُناح، إنه رفعٌ للإثم فقط. لا، رفْعُ الحرَجِ عمَّا في صدورهم، وإلَّا فبمجرَّد قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يكون ذلك دليلًا على أنه لا جُناح على مَن طاف بهما، بلْ مَن طاف بهما فقد عظَّمَ شعائرَ الله. هذه أربعة أركان.
[ ١ / ٤٠٣٨ ]
زاد بعض العلماء المبيتَ بمزدلفة، واستدلُّوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ إلى آخره ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]، وبقول النبي ﵌ في حديث عروة بن الْمُضَرِّس: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يعني الفجر- وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (٧)، ففُهِم منه أنَّ مَن لم يقِفْ بمزدلفة لم يَتِمَّ حجُّه، وإلى هذا ذهبَ بعضُ السَّلَف والخلَفِ، وهو لا شك قَوِيٌّ؛ القولُ بأنَّ المبيتَ بمزدلفة ركنٌ من أركان الحج قويٌّ.
لكن الذين قالوا بأنه ليس بركنٍ قالوا: إنَّ النبي ﵌ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ -يعني يوم عرفة- فَقَدْ أَدْرَكَ» (٤).
وأجابوا عن حديث عُروة بأنَّ الإتمامَ يكون على وجوهٍ: تارةً يكون إتمامَ ما لا يصِحُّ الشيءُ إلا به، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع التحريم، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع نفْي التحريم. والمرادُ بالإتمام في حديث عروة بالنسبة لمزدلفة: إتمامُ الواجبِ الذي تصِحُّ العبادةُ بدونه، وهذا هو رأيُ الجمهور.
ومِن العلماء مَن قال: إنَّ الوقوفَ بمزدلفة سُنَّةٌ وليس بركنٍ ولا واجبٍ؛ لقول النبي ﵌: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٤).
لكن أَعْدل الأقوالِ وأَصْوبها أنه واجبٌ وليس بركنٍ، والإنسانُ يتحرَّجُ أنْ يقول لشخصٍ وقفَ بعرفة وطاف وسَعَى ولكنه لم يقِفْ بمزدلفةَ، يتحرَّج أنْ يقول: إنه لا حجَّ لك. ولكن يقول: لك الحجُّ وعليك دمٌ. كما سيأتي في الواجبات.
***
[ ١ / ٤٠٣٩ ]
ثم قال المؤلف: (وواجباتُهُ) يعني واجبات الحجِّ (الإحرامُ من الميقاتِ المعتبَرِ له).
القيدُ المعتبر هنا قوله: (من الميقاتِ المعتبَرِ له)، أمَّا أصل الإحرامِ فهو رُكن، ولو قال المؤلف: كونُ الإحرامِ من الميقات. لو قال هكذا لكان أوضح.
الأول: أنْ يكون الإحرامُ من الميقاتِ المعتبَرِ له، وقد عرفتم فيما سبق أنَّ المواقيت خمسةٌ، وأنَّ مَن مَرَّ بها يريد النُّسُكَ وجبَ عليه الإحرامُ، ومَن كان دونها فمِن حيث أنشأَ، حتى أهلُ مكة يُحرِمون من مكة، إلَّا في العمرة فيُحرِمون من أدنى الحلِّ، وقد سبق.
طيب إذَن ما هو الميقات المعتبَر؟
نقول: الميقاتُ المعتبَر هو المواقيت الخمسة، وأهلُ مَن كان أيش؟
طالب: دونها.
الشيخ: دونها، ومكة لأهل مكة، إلَّا في العمرة فلا بدَّ أنْ تكون من الحِلِّ.
الثاني: (الوقوف بعرفة إلى الغروب) يعني: أنْ يستمِرَّ في عرفة إذا وقفَ نهارًا إلى أنْ تغرب الشمس، وعلى هذا فلا يحِلُّ أنْ يخرج الإنسانُ من عرفة قبل غروب الشمسِ لأنه واجبٌ؛ لأن البقاء فيها حتى تغيب الشمسُ أمرٌ واجبٌ.
وزعم بعض العلماء أنه لا يجب الوقوفُ إلى الغروب؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس حين قال ﵊: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ» أيش؟
طلبة: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا».
الشيخ: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (٧)، فمَنْ وقف نهارًا ودَفَع قبل الغروب صَدَق عليه هذا الحكْم الذي نَطَقَ به النبي ﷺ وهو أنه قد؟
طالب: وقفَ.
الشيخ: لا، قد تمَّ حجُّه، الوقوفُ فِعْلٌ، الحكْم: تَمَّ حجُّه وقَضَى تَفَثَهُ.
ولكن الصحيح أنَّ الوقوفَ بعرفة إلى الغروب واجبٌ بأدلةٍ:
[ ١ / ٤٠٤٠ ]
أولًا: مُكْثُ النبيِّ ﵌ فيها إلى الغروبِ، مع أنه لو دَفَع في النهار لكانَ أَرْفقَ بالناس؛ فإنه إذا دَفَع في النهار كان ضوءُ النهارِ مُعِينًا للناس على السير، وإذا دَفَع بعد الغروب حلَّ الظلامُ، ولا سِيَّما في عهد الرسول ﵊ والناسُ يمشون على الإبلِ والأقدامِ، فينتشر الظلام قبل الوصول إلى مزدلفة.
فإنْ قال قائل: في تلك الليلة يكون القمرُ مضيئًا، فلا يحصُل بالسير بعد الغروبِ مشقَّةٌ.
فالجواب أنْ نقول: أفلا يمكن أنْ يكون في تلك الليلة سحابٌ؟ أجيبوا.
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، يمكن أنْ يكون هناك سحابٌ؛ إمَّا في السَّنة التي حجَّ فيها رسولُ الله ﵌، وإمَّا في غيرها، والنبيُّ ﵌ يعلم أنَّ مفاتيح السماءِ بيد الله ﷿، هو الذي يُنْشِئُ السحابَ، وإذا لم يكنْ سحابٌ في تلك السَّنة فيمكن أنْ يكون في السنوات الأخرى.
إذَنْ فتأخيرُ الرسولِ ﵊ الدفعَ مِن عرفة إلي ما بعد الغروبِ وتَرْكُهُ للأَيْسَرِ يدلُّ على أنَّ الأَيْسر ممتنعٌ، ودليل ذلك أنَّ النبيَّ ﵊ ما خُيِّرَ بين أمْرينِ إلَّا اختارَ أَيْسَرَهما مَا لَمْ يكنْ إثمًا (٨).
ثانيًا: أنَّ الدفعَ قبل الغروبِ يكون فيه مشابهةٌ لأهل الجاهليةِ؛ لأن أهل الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس؛ إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كعمائمِ الرِّجالِ على رؤوسِ الرِّجال دفعوا، فلوْ دَفَع إنسانٌ في مِثْل هذا الوقتِ لَشابَهَهُم، ومُشابهة الكفارِ في عباداتهم مُحَرَّمة.
[ ١ / ٤٠٤١ ]
ثالثًا: أنَّ تأخيرَ الرسولِ ﵊ الدفعَ إلى ما بعد غروبِ الشمسِ ثم مُبَادرتُهُ به قبل أنْ يُصلِّي المغربَ مع أنَّ وقتَ المغربِ قد دخلَ يدلُّ على أنَّه لا بدَّ من البقاء إلى هذا الوقتِ، وكأنَّه ﵊ ممنوعٌ حتى تغرب الشمسُ، ولذلك بادَرَ، فلو كان الدفعُ قبل غروب الشمس جائزًا لدَفَع قبل غروب الشمس ووصلَ إلى مزدلفة في وقت المغربِ وصلَّى فيها المغربَ مطْمئنًّا، لكن كَوْنه يرتقبُ غروبَ الشمسِ ومِن حين أنْ غربتْ يدفع قبلَ أنْ يُصَلِّي المغربَ يدلُّ على أنه؟
طالب: ممنوع.
الشيخ: نعم، أنه ممنوعٌ من الدفْعِ قبل الغروب، وعلى هذا فيُقال: إنَّ القولَ الراجحَ وجوبُ البقاءِ في عرفةَ حتى تغربَ الشمسُ.
فإنْ قيل: ما الجواب عن حديث عروة؟
قلنا: الجواب عن حديث عروة ﵁ ما أَسْلَفْنا؛ أنَّ تمامَ الشيءِ قد يكون تمامَ واجب أو رُكْن أو سُنَّة.
الثالث: (المبيتُ لغيرِ أهلِ السِّقايةِ والرِّعايةِ بِمِنًى وبمزدلفة إلى بعد نصفِ اللَّيل).
قوله: (المبيت بمنى) يعني به المبيتَ في ليالي أيامِ التشريقِ دون المبيتِ في ليلة التاسع؛ فإنَّ المبيتَ في ليلة التاسع ليس بواجبٍ بلْ هو سُنَّة، لكن مبيت ليالي أيامِ التشريقِ بِمِنًى واجبٌ، فما هو الدليل؟
الدليل ما ثبتَ في الصحيحينِ أنَّ النبي ﵌ رخَّصَ لعمِّه العباسِ أنْ يبيتَ في مكة لياليَ أيامِ التشريقِ من أجْل السِّقاية (٩)؛ لأن السقاية كانتْ بيَدِ العباسِ، أيُّ سِقَايةٍ هي؟
طلبة: سِقاية الحجَّاج.
الشيخ: سِقايةُ الْحُجَّاج، فكان ﵁ يَسْقي الحجَّاجَ ماءَ زمزم مَجَّانًا؛ تعبُّدًا لله ﷿، وكَرَمًا، وإظهارًا لكَرَم الضيافة، وفي الجاهليةِ استجلابًا للناس أنْ يحجُّوا؛ لأنَّ أهل مكة ينتفعون اقتصاديًّا من الحجاج، فيُسهلون لهم الأمورَ ويخدمونهم من أجْل تشجيعهم على الحجِّ.
[ ١ / ٤٠٤٢ ]
المهمُّ أنَّ قوله: رخَّصَ لعمِّه العباسِ، يدلُّ على أنَّ البقاءَ في مِنًى عزيمةٌ؛ لأنها هي التي تكون في مقابلةِ الرُّخْصةِ، ويُرشِّح هذا -يعني يُقَوِّيه- قولُ النبيِّ ﵌: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١٠)، وقد بات في منى.
وقول المؤلف: (لغيرِ أهْلِ السِّقايةِ والرِّعايةِ) هذا مستثنى، (أهل السقاية) أيُّ السقاية؟ سقاية الحجاج مِن زمزم.
(والرِّعاية) رعايةُ إبلِ الحجاج؛ وذلك أنَّ الناسَ فيما سبق يحجُّون على الإبل، فإذا نزلوا يوم العيد في مِنًى احتاجوا إلى مَن يرعى إبِلَهم؛ لأن بقاءها في مِنًى فيه تضييقٌ، وربما لا يكون لها العلف الكافي، لهذا يذهبُ بها الرُّعاةُ إلى محلَّاتٍ أُخرى من أجْل الرَّعْي، وقد رخَّصَ النبيُّ ﵌ للرُّعاةِ أنْ يَدَعُوا المبيتَ في مِنًى لياليَ مِنًى، لماذا؟ لاشتغالهم برعاية الإبل.
طيب، هلْ يَلْحق بهؤلاء مَن يُماثلهم مِمَّن يشتغلون بمصالح الحجيجِ العامَّةِ كرجال المرور مَثَلًا وصيانةِ الأنابيب؛ أنابيبِ المياهِ وغيرِها والمستشفيات أو لا؟
الجواب: بلى، يَلْحقون بهؤلاء؛ لتمامِ أركانِ القياسِ؛ فإن القياس إلحاقُ فَرْعٍ بأصْلٍ في حُكْمٍ .. أَتِمُّوا.
طلبة: لِعِلَّةٍ
الشيخ: لِعِلَّةٍ جامعةٍ. وهذا موجودٌ تمامًا فيمَن يشتغلون بمصالح الحجيج، وعليه فيُقاس على الرُّعاةِ والسُّقاةِ مَنْ يشتغلون بمصالح الناس في هذه الأيام ويُرخَّص لهم أن يبيتوا خارجَ مِنًى.
طيب، ومَنْ له عُذرٌ خاصٌّ كمريضٍ يُنقَل للمستشفى خارجَ مِنًى هلْ يُقاس على هؤلاء أو لا يُقاس؟
قال بعض أهل العلم: إنه يُقاس بجامعِ العُذرِ في كلٍّ منهم.
[ ١ / ٤٠٤٣ ]
وقال بعض العلماء: إنه لا يُقاس على هؤلاء؛ لأنَّ هذا عُذره خاصٌّ، والسُّقاةُ والرُّعاةُ عُذرهم عامٌّ للمصلحة العامةِ، فهو يُشبه الرعاية والولاية، وأمَّا الذي عُذره خاصٌّ فهذا يُنظَر في أمْرِهِ هلْ يُرخَّص له في تَرْكِ المبيت، ويُقال: إنَّ عليك فِديةً لِتَرْك المبيت. أو يُقال: لا فِديةَ عليك. لكن قياسه على الرُّعاةِ والسُّقاةِ قياسٌ مع الفارق.
ولكنْ لِيُعلَمْ أنَّ المبيت في مِنًى ليس بذاك المؤكَّد كالرمي مَثَلًا، والدليلُ على هذا أنَّ الرسول ﵊ لم يُسقِط الرميَ عن الرُّعاةِ وأَسْقَطَ المبيتَ عنهم، فدلَّ هذا على أنَّ المبيتَ في منًى وإنْ عدَدْناه من الواجباتِ أهونُ مِن الرمي.
ولهذا يُخطئ بعضُ الناس فيما نرى أنَّه إذا قيل له: رجُلٌ لم يَبِتْ بمنًى ليلةً واحدةً؟ قال: عليه دمٌ. مَن يقول هذا! عليه دمٌ بليلةٍ واحدة! هو لو قال: عليه دمٌ إذا تَرَك الليلتينِ، لَكان له شيءٌ من الوجْهِ؛ لأنه تَرَك جنسًا من الواجبات، أمَّا إذا تَرَك ليلةً من الليالي نقول: عليك دمٌ، مع أنَّ الوجوب فيه نَظَر!
ثم الوجوبُ إنما يكون إذا تَرَك هذا الجنسَ من الواجب، أمَّا إذا تَرَك جزءًا منه فإيجابُ الدم عليه فيه نَظَرٌ واضحٌ، ولهذا كان الإمام أحمد -﵀- أحيانًا يقول: عليه قبضةٌ مِن طعامٍ. قبضة يعني مِلء اليدِ، بعضُ العلماء يقول: دِرهمٌ أو درهمانِ أو ما أشْبَهَ ذلك.
طالب: أقلُّ المبيت؟
الشيخ: هو يقول: إلى نصفِ الليل؛ المؤلف.
طالب: () المؤلف قصة الفضل بن العباس أنَّ النبي ﵊ معروف أنه كان في ذهابه إلى مزدلفة هذه يا شيخ ..
الشيخ: في ذهابه إلى مزدلفة، الفضل؟ ! أُسامة اللِّي في ذهابه إلى المزدلفة (١١).
الطالب: ().
الشيخ: إي، أسامة كان في مجيء الرسول من عرفة إلى مزدلفة، والفضل من مزدلفة إلى مِنى.
[ ١ / ٤٠٤٤ ]
طالب: طيب يا شيخ أشكلَ علينا قصة المرأة أنها لما أتتْ قالت: إنها ()، مع أن الحج انتهى يوم عرفة، سألته عن ..
الشيخ: هل تحجُّ عنه؟ إي نعم.
الطالب: طيب يا شيخ، هل المقصود القادم.
الشيخ: إي معلوم، ما فيه شك أنَّ المقصود القادم، أمَّا الآن ما يمكن يُجعَل للأب.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، أن رجال الشرطة والمستشفيات يقاسون على أهل السِّقاية والرعاية لتمام القياس، ولكن من المعروف أن المستشفيات موجودة بكثرة في مِنى، وأن رجال الشرطة () يتواجدون في مِنى وغيرها من المناسك، فما هو وجه القياس طالما أنه يعني استُعين ..
الشيخ: لا، أحيانًا ما يمكنهم هذا، أحيانًا يكون المصاب يحتاج إلى إسعاف لا يوجد في المستشفيات المؤقتة هذه، فيحتاج الطبيب إلى أنه يذهب معه، وكذلك بالنسبة للشرطة، رجال المرور، رجال الإطفاء.
طالب: شيخ، () الراجح فيمَنْ له عُذرٌ خاصٌّ، هل يُلْحق بـ ..؟
الشيخ: واللهِ أنا أتوقف فيه، لكن لو قيل بأنَّ مَن له عُذر خاص أنَّه يسقط عنه الدم مع بقاء المبيت واجبًا، لو قيل بذلك لكان له وجهٌ؛ لأنه كالمحصور، ويلتحق بهذا -بالعُذر الخاص- ما يَحصُل لكثيرٍ من الناس الآن؛ يذهب في أول الليل أو بعد العصر إلى مكة ليطوف، فيتأخر في مكة لشدة الزحام في المطاف وفي المسعى ولشدة الزحام في السيارات حتى يأتي في آخِر الليل، فهل نقول: إنه يُجزِئ، أو نقول: إن هذا لم يَبِتْ في الواقع؟
نحن نتسامح في هذه المسألة ونقول: إذا كان الإنسان قد بَذَل الجهد ولكنه لم يتيسَّر له فإنه إذا وصلَ قبل الفجر كفى، وإلا فالواجبُ أن يكون مُعْظم الليل في مِنًى، ولذلك نختار ألَّا ينزل إلى مكة ليطوف في أول الليل أو فيما بعد العصر، بل نقول: إمَّا أن تنزل مبكرًا إلى مكة، وإمَّا أن تجعل نزولك بعد منتصف الليل لتكون قد بِتَّ في مِنى أيش؟
طلبة: مُعْظم الليل.
الشيخ: مُعْظم الليل.
طالب: الرمي قبل الزوال؟
الشيخ: أظن ما وصلناها يا أخي.
[ ١ / ٤٠٤٥ ]
طالب: شيخ صرفنا رُكنيَّة المبيت في المزدلفة والأمر بقوله ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم نصرفْ رُكنيَّة الطواف بالبيت؟
الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد إيرادًا تامًّا، أفهمتم ما قال؟ يقول إننا صرفنا القولَ برُكنية المبيت في مزدلفة بقول النبي ﵊: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم ندفع القولَ برُكنية طواف الإفاضة بقول النبي ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وهذا إيرادُ فحلٍ جيِّدٍ.
لكنْ يجاب عنه بأن النبي ﷺ لَمَّا قيل له: إنَّ صفية قد حاضت. قال أيش؟
طلبة: «أَحَابِسَتُنَا».
الشيخ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» (١٢)، فدلَّ ذلك على أنه لا بدَّ منه؛ مِن طواف الإفاضة، وأنه رُكن بكل حال.
طالب: والسعي يا شيخ؟
الشيخ: والسعي كذلك.
طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: إنَّ المبيت في مِنى سُنَّة، قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه ..
الشيخ: سُنَّة، ولَّا في مزدلفة؟
الطالب: لا، المبيت في مِنى يقولون: إنه سُنَّة. قالوا: لأن النبي ﷺ رخَّصَ للعباس (٩)، وقالوا: لو كان واجبًا لم يرخِّص له ذلك، كيف الجواب عليه؟
الشيخ: فهمتم كلامه؟ يقول: الذين قالوا بأن المبيت في مِنى سُنَّة، وقد قيل به كما قال؛ قالوا: إنَّ الرسول رخَّص للعباس، ولو كان واجبًا لم يرخِّص له.
والذين قالوا بالوجوب استدلُّوا بكلمة (رخَّصَ) وقالوا: إن المستحبَّ مُرخَّصٌ فيه في الواقع؛ لأن الإنسان في سَعَةٍ منه إنْ شاء فَعَل وإن شاء لم يفعل، فالتعبير بـ (رخَّصَ) يدلُّ على الوجوب؛ لأن المستحبَّ الإنسانُ في سعةٍ سواءٌ فَعَله أو لم يفعله، هذا وجْه الدلالة.
وأمَّا كَوْنه رخَّص له ولو كان واجبًا لم يرخِّص له، فيقال: إنَّ المصلحة العامة مقدَّمة على المصلحة الخاصة وهي مصلحة المبيت ()
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد.
[ ١ / ٤٠٤٦ ]
قال رحمه الله تعالى: والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبمُزدلفةَ إلى بَعْدِ نصفِ اللَّيلِ، والرَّمْيُ، والحِلاقُ، والوداعُ. والباقي سُنَنٌ.
وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ.
وواجباتُها: الحلاقُ، والإحرامُ مِن ميقاتِها. فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلي يوم الدين.
ما الجواب عمَّنْ قال: إن تقسيم الماهيَّة في العبادة إلى أركانٍ وشروطٍ وواجباتٍ من البدع؛ لأنها لم تكن معروفةً في عهد الرسول؟
طالب: أحسن الله إليك، الجواب عن هذا أن نقول: إن هذا تقريبٌ للعلم، وقد جاءت السُّنة أنَّ النبيَّ ﷺ يأتي بأحاديث يقول: «ثَلَاثَةٌ»، ويقول: «سَبْعَةٌ»، وما أشبهَ ذلك للتقريب الذهني ().
الشيخ: نعم، الجواب أنَّ هذا ليس من باب التعبُّد بذلك، ولكن من باب تقريب العلم، وقد جاء نظيره في السُّنة.
طيب، أركان الحجِّ كم؟
طالب: أربعة.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة؛ طواف الإفاضة.
الشيخ: نعم، والسعي.
الطالب: والسعي.
الشيخ: طيب، أربعة. ما هو الإحرام؟
طالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: نيَّة الدخول في النُّسُك، أو نيَّة النُّسُك؟
الطالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: أو نيَّة النُّسُك؟ أجِبْ، نعم ولَّا لا؟
طالب: هو نيَّة النُّسُك.
طلبة: نيَّة النُّسُك.
طالب: (نيَّة النُّسُك) لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ ما الفرق بين نيَّة الدخول ونيَّة النُّسُك؟
الطالب: الإنسان ينوي أن يؤدي النُّسُك منذ سنوات، ولكن الإحرام الذي ينوي ..
الشيخ: ينوي الدخولَ فيه فِعْلًا.
الطالب: نعم.
[ ١ / ٤٠٤٧ ]
الشيخ: طيب، كما نحن الآن ننوي إنْ شاء الله أن نُصَلِّي العِشاء الآخِرة، لكن هل نيَّتُنا هذه نيَّةُ الدخول في الصلاة؟ لا.
ما هو الدليل على أن الإحرام رُكن؟
طالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٣).
الشيخ: وعلى أن الوقوف ركن؟
طالب: قوله ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الطالب: وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
الشيخ: نعم، وعلى أن الطواف ركن؟
طالب: قول الله ﷾: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
الشيخ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. طيب، فيه دليل من السُّنة؟
طالب: فِعْل النبي ﷺ وقد قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١٠).
الشيخ: ما يكفي.
الطالب: في الطواف؟
الشيخ: نعم، أن طوافَ الإفاضةِ ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا به؟
الطالب: نعم، لحديث صفية.
الشيخ: صفية.
الطالب: عندما حاضتْ.
الشيخ: حين حاضتْ.
الطالب: فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ».
الشيخ: فقال «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» (١٢)، تمام.
السعي، الدليل على أنه رُكن؟
طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
الشيخ: بس هذا يقول: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾.
طالب: مِن باب رفْعِ الحرج عنهم؛ لأنهم كانوا يتحرَّجون من أُناسٍ بين الصفا والمروة؛ لأنه كان في الجاهلية صنمانِ على الصفا والمروة، ونزلت الآية للإباحةِ لهم بالخارج وأنه لا حرجَ عليهم.
[ ١ / ٤٠٤٨ ]
الشيخ: نعم، أحسنت، صار نَفْي الحرجِ ليزول تَحَرُّجهم من الطواف بهما من أجْل أنه كان فيهما صنمانِ في الجاهلية، طيب.
طالب: وقول النبي ﷺ: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ».
الشيخ: قول النبي ﷺ: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (٥)، تمام.
***
طيب، انتهينا من الكلام عن الأركان أظن.
طالب: نعم.
الشيخ: الواجبات، أخذْنا كلمةً واحدةً منها.
طالب: اثنتين.
طالب آخر: ثلاث.
الشيخ: نعم، طيب، أولًا: ما هو الدليل على أن الإحرامَ من الميقات المعتبَر واجبٌ؟
طالب: توقيف الرسول ﷺ لهذه المواقيت، وقوله: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» (١٣).
الشيخ: لكن هذا يدلُّ على الوجوب! أظن ما ذكرناها لكم، نبدأ من الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم
(واجباتُه: الإحرام من الميقات).
(واجباتُه) أي: واجبات الحج (الإحرامُ من الميقات المعتبر له). قلنا: لو عبَّر المؤلف فقال: أن يكون الإحرامُ من الميقات. لأنه إذا قال: الإحرامُ من الميقات، فقد يظنَّ الظانُّ أن الإحرامَ أيضًا من الواجبات، وليس كذلك، الإحرامُ من الأركان، لكن الواجب أنْ يكون الإحرامُ من الميقات المعتبَر له.
والمواقيت كما عرفتم سابقًا خمسةٌ؛ المعيَّنة، وما دون ذلك فمِن حيثُ أَنْشأ، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (١٤)، وهذا خبرٌ بمعنى الأمر، والدليلُ على أنه بمعنى الأمر لفظٌ آخَرُ عن ابن عمر في هذا؛ قال: فَرَضهُنَّ رسولُ الله ﷺ، لأهل المدينةِ ذو الحليفة. (فَرَضَهُنَّ)، والفرض يقتضي الوجوب، صار الدليل على هذا حديث ابن عمر؛ حيث وردَ بلفظ «يُهِلُّ» وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وبلفظ (فَرَضَهُنَّ) والفرضُ بمعنى الوجوب.
[ ١ / ٤٠٤٩ ]
الثاني: (الوقوفُ بعرفة إلى الغروب)، وذكرنا دليله بالأمس في الدرس الماضي؛ أنَّ الرسول ﷺ وَقَفَ بعرفةَ ولم يدفع حتى غاب القُرص (١٥)، وكَوْنه يختار هذا الوقتَ الذي هو أشدُّ وأشقُّ على الناس مما لو كان الدفعُ قبل الغروب يدلُّ على أيش؟ وجوبه، هذا واحد.
ثانيًا: كونه بادَرَ بالدفع قبل أن يصلِّي المغربَ يدلُّ على أنه ينتظر غروب الشمسِ بفارغ الصبر، ولهذا من حين غربتْ دَفَع.
فيه ثالث: أنه لو تقدَّم ودَفَع قبل الغروب لشابَهَ أهلَ الجاهلية، والتشبُّه بالكفار -ولا سِيَّما في الشعائر الدينية- مُحَرَّمٌ. طيب (الوقوف بعرفة إلى الغروب).
وبهذا نُجيب عن حديث عروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» (٧)، فيقال: قوله: «أَوْ نَهَارًا» مُطْلَق، فيُحمل على أنه إذا وقف نهارًا يجب أن ينتظر حتى تغرب الشمسُ؛ لأن المطلق يحكم عليه المقيَّد.
الثالث من الواجبات قال: (والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبِمزدلفةَ إلى نصف الليل).
مزدلفة تكلَّمنا عليها أيضًا، وبيَّنَّا أن للعلماء فيه ثلاثة أقوال: الرُّكنيَّةُ والوجوبُ والسُّنيَّة، وأنَّ أَعْدلَ الأقوالِ وأقربَها أنه واجبٌ وليس برُكن، وبيَّنَّا الدليلَ لذلك وهو قول النبي ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
وأَوْرد علينا بعضُ الإخوة أننا إذا أخذْنا بهذا الاستدلال لَزِمَ من ذلك ألَّا يكون الطوافُ رُكْنًا؛ لأنه بعد عرفة، وأجبْنا عن ذلك بأيش؟
طلبة: حديث صفية.
الشيخ: بحديث صفية؛ فإنه يدلُّ على أن الطواف ركنٌ.
[ ١ / ٤٠٥٠ ]
وقول المؤلف: (لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ) يُفهم منه أنَّ أهل السِّقايةِ والرعايةِ يجوز لهم تَرْك المبيت بمزدلفة، ولا أعلمُ لهذا دليلًا من السُّنة أنَّ الناس يسقون ليلة المزدلفة، ولا أنَّ الرُّعاة يذهبون بالإبل ليلة المزدلفة؛ أولًا: الرُّعاة لا حاجةَ لهم إلى الرَّعي في ليلة المزدلفة، بل الرواحلُ عند مَن؟ عند الناس؛ لأنهم سيرتحلون، فكيف تذهب ترعى في الليل، هُم جاءوا بها من عرفة وأناخُوها في مزدلفة، وستبقى تنتظر ارتحالَهم في صباح تلك الليلة، هل في هذا حاجةٌ للرُّعاة؟ لا.
السُّقاة أيضًا؛ أليس الناس يذهبون إلى مكة يشربون ماء زمزم قبل أنْ يستوطنوا في مِنى؟ ! فاستثناء السُّقاةِ والرعاةِ من المبيت أو من وجوب المبيتِ في مزدلفة فيه نَظَرٌ ظاهرٌ؛ أولًا: لعدم ورود السُّنة به، والثاني: أنه لا حاجةَ لذلك.
لكنْ قد يقول قائل: ما رأيكم في جنود المرور، جنود الإطفاء، الأطباء، الممرضين، هل ترخِّصون لهم؟
نقول: لا، لا نُرخِّص؛ لأن المبيت في مزدلفة أَوْكد من المبيت في مِنًى بكثير؛ فإن مِنًى لم يقُل أحدٌ من العلماء: إن المبيت بها ركنٌ من أركان الحج، ومزدلفة قال به بعض العلماء، وهو قولٌ قويٌّ كما عرفتم، إلَّا أنَّ أقوى منه أنه واجبٌ وليس برُكن، وعلى هذا فلا بدَّ من المبيت في مزدلفة.
ثم يُفرَّق بينه وبين ليالي مِنًى أنه ليلةٌ واحدةٌ، أو بعضُ ليلةٍ للإنسان الذي يحتاج إلى الدفع مبكرًا في آخِر الليل؛ يعني لا يقضي ليلَه كلَّه، فلا يصح قياسُه على ليالي مِنًى.
قال المؤلف: (بِمِنًى). هذا الرابع ولَّا الخامس؟
طلبة: الرابع.
الشيخ: كَوْن الإحرام من الميقات، استمرارُ الوقوف إلى الغروب بعرفة، المبيتُ بمزدلفة، الرابع: المبيت بِمِنى.
[ ١ / ٤٠٥١ ]
وهُنا يُشكِل على بعض الإخوة يقول: المبيت بِمِنى، لازم أَبِيت وأضطجع. وقد بيَّنَّا فيما سبق أنَّ ذلك ليس بلازم وأنَّ المراد بالمبيت الْمُكْثُ في مزدلفة ليلةَ العيدِ سواءٌ باتَ أو صارَ يقظانًا، لكن المبيت كما سبق .. يعني النوم أفضل من إحيائها بقراءةٍ أو بحثٍ في علمٍ أو تهجُّدٍ اقتداءً برسول الله ﷺ.
وقد أَثَرْنا -وكنا نتكلم على صفة الحج- مسألةَ الوتر في تلك الليلة وقُلنا: إن الرسول ﵊ كان لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا، وهذا عامٌّ يشمل حتى ليلة العيد في مزدلفة.
وأَوْرد علينا بعض الناس أو أوردْناه نحن على أنفسنا حديث جابر: ثم اضْطَجَعَ حتى طَلَعَ الفَجْر (١٥)، وقُلنا: إن هذا مَبْلغ علم جابر، هذا مَبْلغ علمِه، وإلَّا فإن الرسول ﵌ بعثَ أهْلَه من مزدلفة بِلَيْلٍ (١٦)، وهذا يقتضي أن يكون في آخِر الليل مستيقظًا، بعثَ أهْلَه، فعلى هذا نقول: إن الوتر في تلك الليلة كغيرها من الليالي مشروعٌ، لكن التهجُّد وإحياء الليلة غير مشروع.
(المبيتُ لغير أهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى). المبيت في مِنى -وهو الواجب الرابع- ذكرْنا دليلَه في الدرس الماضي، ما هو؟
أنَّ النبي ﵌ رخَّصَ لعمِّه العباسِ بن عبد المطلب أنْ يبيتَ في مكة من أجْلِ سِقايتهم (٩)، قالوا: والترخيص لا يكون إلا في مقابل العزيمة، نعم، ولأنَّ النبي ﵊ باتَ في مِنى لياليَ أيامِ التشريقِ وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
طيب في هذه العصور الأخيرة صار إشكالٌ بالنسبة للمبيت بِمِنى، وهو أن الناس لا يجدون مكانًا، فماذا يصنعون؟
نقول: ينزلون عند آخِر خيمةٍ من خيام أهل مِنى؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
[ ١ / ٤٠٥٢ ]
فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون هذا من جنس الحصْرِ، والحصْرُ عن الواجب فيه دمٌ كما قاله الفقهاء؟
قلنا: لأن المكان هنا ممتلئٌ، فلا مكانَ أصلًا، أمَّا الحصْرُ فالمكانُ باقٍ لكنْ يُمنع منه، أمَّا هُنا فلا مكانَ، وهو مِثْل قطعِ اليدِ، يسقطُ غسلُها في الوضوء أو تُغسَل العضدُ بدلَ الذراع؟ أجيبوا.
طلبة: يسقط.
الشيخ: يسقط، فلهذا نرى أنه يسقط المبيتُ في هذه الحال، وأنَّ الإنسان يجب أن يكون عند آخِر خيمةٍ.
أمَّا فِعْل بعض الناس؛ كَوْنه إذا لم يجد مكانًا في مِنى ذهبَ إلى مكة أو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك وقال: ما دام سقطَ أو لم نجدْ مكانًا في مِنى فلْنَبِتْ حيث شِئنا. فإنَّ هذا ليس بصحيح، هذا غير صحيح؛ لأننا نقول: إنَّ المسجد إذا امتلأ وجبَ اتصال الصفوفِ، وجبَ أنْ يكون الناس صفوفًا متَّصلة، ولا تصِحُّ الصلاةُ من بعيدٍ، فهذا كذلك، نقول: يجب عليك أن تكون عند آخِر خيمةٍ في مِنى.
وإذا سألَنا سائلٌ: هل يجب أنْ أكون عند آخِر خيمةٍ في الجهة البُعدى من مكة أو في أي جهة؟
الجواب: في أيِّ جهةٍ، وعلى هذا فيصِحُّ أن تكون في الجهة التي تلي مكة من وراء جمرة العقبة، ولا حرجَ عليه ما دامت الخيام متَّصلة.
وقول المؤلف: (إلى بعد نصفِ الليل) هذا منتهى وجوب المبيت على المشهور من المذهب؛ (إلى بعد نصفِ الليل)، فإذا انتصفَ الليلُ في مزدلفة انتهى الوجوب فلَكَ أن تدفع، ولا فرقَ بين العاجز والقادر، فمنتهى الواجبِ انتصافُ الليل مِن متى؟ مِن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو إلى طلوع الشمس؟ أيُّهما أحوط؟
طالب: الفجر.
طالب آخر: الشمس.
الشيخ: الأحوط الشمس؛ لأنه أطول، أليس كذلك؟ يزيد ساعة ونصف تقريبًا، فنقول: انتظِر زيادة ساعة إلا ربع على انتصاف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فالأحوط إذَن اعتباره بطلوع الشمس، وبعد ذلك لك الدفع.
[ ١ / ٤٠٥٣ ]
ولكن القول الصحيح أنَّ الدفع إنما يكون في آخِر الليل كما سبق، وكانتْ أسماء بنت أبي بكرٍ ﵂ تنتظر غروب القمر، فإذا غاب دفعَتْ، ثم ذهبَتْ إلى مِنًى ورَمَتْ، ثم عادتْ إلى مكانها في مِنًى وصلَّت الفجر (١٧).
والمعتبر في ليالي مِني خاصَّة؛ لأنه ما فيها نص، المعتبر أنْ تبقى فيها مُعْظم الليل من أوله أو وسطه أو آخِره، فإذا قدَّرْنا أن الليل اثنتا عشرة ساعة، كمْ مُعْظمه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: سبع ساعات من أوله أو وسطه أو آخِره، المهمُّ أنْ تبقى مُعْظم الليل.
الخامس: (الرَّمْي) أي: رَمْي الجِمار؛ في يوم العيد جمرة واحدة، وفي الأيام الثلاثة التي بعد العيد ثلاث جمرات، ولا بدَّ أن تكون مرتَّبةً، وسبق شروط ذلك في صفة الحج، لكن الرمي من الواجبات.
الدليل على أنَّ الرمي من واجبات الحج أنَّ النبي ﷺ قال في الرمي: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (١٨)، وقوله ﵊: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٩)، وقوله: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ولأنه عَمَلٌ يترتَّب عليه الحِلُّ، فكان واجبًا ليكون فاصلًا بين الحِلِّ والإحرام.
ولا بدَّ في الرمي أن يكون مرتَّبًا، ولا بدَّ أن يكون بحجرٍ، ولا بدَّ أن يكون بسبعِ حصياتٍ، وسبق الكلام على هذا مُفَصَّلًا في صفة الحجِّ فلا حاجة لإعادته.
(والحِلاق) الحِلاق يعني الحلْق، وينوب عنه التقصير، ولهذا قال المؤلف في الشرح: (أو التقصير)، فهذه سبعة واجبات.
طالب: ستة.
الشيخ: ستة ولا سبعة؟
طلبة: ستة.
الشيخ: لا، نعُدُّ، ما فيه مانع؛ الإحرام من الميقات، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، المبيت في مِنى، الرمي، الحِلاق، هذه ستة.
السابع: قال المؤلف: (والوداع) يعني طواف الوداع.
طالب: دليلُ الحلق.
[ ١ / ٤٠٥٤ ]
الشيخ: نعم، دليل الحلْق فِعْل النبيِّ ﵊، وأن الله تعالى جعله وصفًا في الحج والعُمرة فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧]
قال العلماء: وإذا عبِّرَ بِجُزءٍ من العبادة عن العبادة كان دليلًا على وجوبه فيها. إذا عبر عن العبادة بجزءٍ مما فيها كان ذلك دليلًا على أنه واجب.
(الوداع) وهو الطواف بالبيت فقط بدون سعيٍ وبدون إحرام، وهو من واجبات الحج، هكذا عدَّهُ المؤلف وكثيرٌ من العلماء.
والصحيح أنه ليس من واجبات الحج؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لَوجبَ على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة، وإنما يجب على مَن؟ على مَن سافر، وعلى هذا فلا يتوجَّه عَدُّهُ من واجبات الحج، إذْ إنَّ واجبات الحج لا بدَّ أن تكون واجبةً على كلِّ مَن حجَّ.
لكن قد يقول قائل: إنه واجبٌ مقيَّدٌ بالخروج، ولا مانع من أن نُقيِّد بعض الواجبات بقيدٍ فيكون واجبًا على مَن أراد الخروج من مكة، ودليل هذا حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: أُمِرَ الناسُ أنْ يكون آخِرُ عهدهم بالبيت، إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض (٢٠). وهذا الأمر للوجوب، ودليل كَوْنه للوجوب قوله: إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض. لأنه لو كان للاستحباب لَكان؟ أجيبوا.
الطلبة: ().
الشيخ: لَكان مُخَفَّفًا على كلِّ أحد؛ لأن المستحبَّ يجوز تَرْكه، ولقوله أيضًا في اللفظ الآخَر: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (٢١).
(والباقي) الباقي منين؟ الباقي من أقوال الحج وأفعاله (سُنَنٌ).
وسيأتي حُكم كلًّ من الركن والواجب والسُّنة.
***
ثم قال: (وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ).
والإحرام: نيَّة الدخولِ في العُمرة، والطواف معروف، والسعي معروف.
(وواجباتُها: الحِلاق، والإحرام من ميقاتها).
[ ١ / ٤٠٥٥ ]
فصار أركان العُمرة ثلاثة، وواجباتها اثنان. ()
***
طالب: المعروف أن حدود مِنى سَفْح الجبال من جهة مِنى.
الشيخ: إي، سفوح الجبال من جهة مِنى، من مِنى.
الطالب: شيخ بعض الناس يكون مثلا ()؟
الشيخ: لا، ما يجوز هذا، إلا إذا كان معه نساء، يمكن اللي معه نساء يَصْعب عليه أنْ يسكن في الجبل.
الطالب: ().
الشيخ: إي، لكن يصعب عليه سُكنى الجبل، يجيء بحريم وأطفال ويُصعِّدهم الجبل! صَعْب.
الطالب: ()؟
الشيخ: يجب عليه أنْ يبيت فيها، يضرب خيمته هناك.
***
طالب: ().
الشيخ: () الآية ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨].
الطالب: ().
الشيخ: لا، أجبنا عنها؛ قلنا لكم: أن يكون المراد بها لا تَقِفوا في هذا، لا تَقِفوا في المشعر الحرام كما كنتم تقفون في الجاهلية، ولكنْ إذا أفضتم من عرفات فقِفُوا به، فيكون في الآية بيانُ وقتِ الوقوف في مزدلفة أنَّه بعد الإفاضة من عرفة؛ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩].
كانت قريش في الجاهلية لا يقفون في عرفة؛ يوم عرفة ما يقفون في عرفة، لماذا؟ يقولون: نحن أهلُ الحرم فلا نقف في الحِلِّ، وعرفة من الحِلِّ، فقال الله تعالى: ﴿إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾؛ يعني اجعلوا وقوفكم عند المشعر الحرام بعد أن تُفيضوا من عرفة، فيكون في الآية الكريمة بيانُ ترتيب وقت الوقوف في مزدلفة.
طالب: شيخ، قُلنا: إن الراجح يا شيخ جواز الدفع من مزدلفة في آخِر الليل. لو أن إنسانًا أتى قبل آخِر الليل بقليل؛ بدقائق، هل يجوز الانتهاء أو يستمر حتى طلوع الفجر؟
[ ١ / ٤٠٥٦ ]
الشيخ: لا بأس إذا جاء، لكن ينبغي أن يستقر قليلًا، وكان ابن عمر ﵄ إذا كان في آخِر الليل بعثَ أهْلَه فوقفوا عند المشعر الحرام وذكروا الله ثم انصرفوا (٢٢).
طالب: في مِنى يكون إذَن الشوارع يكون فيها فراغ.
الشيخ: إيش؟
الطالب: يكون في () الشوارع في مِنى يكون فيها فراغ، فهل لإنسانٍ ليس معه نساء ويستطيع أن () بأن يأتي بفِراشه وينام على الرصيف؟
الشيخ: أين متاعه؟
الطالب: خارج مِنى.
الشيخ: لا، يبقى في متاعه، لا بأس؛ لأنه مشقَّة عليه أنه يجيء بـ () في فراشه وينام في الشوارع، مشقَّة عليه، ولا ينام نومًا هادئًا.
***
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا ذِكْر الواجبات في الحج، فلْنُعِدها الآن.
طالب: الإحرام من الميقات.
الشيخ: نعم.
الطالب: الوقوف بعرفة إلى الغروب.
الشيخ: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب.
الطالب: والمبيت بمزدلفة.
الشيخ: والمبيت بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: المبيت في مِنى.
الشيخ: المبيت بِمِنى إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: وطواف الزيارة.
الشيخ: طواف الزيارة!
الطالب: وطواف الوداع.
الشيخ: وطواف الوداع. وغيره؟
الطالب: والحِلاق.
الشيخ: الحلق أو التقصير.
الطالب: والرمي.
الشيخ: ورمي الجمرات، سبعة.
طيب، أركان العمرة؟
طالب: أركان العمرة ثلاثة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: الإحرام، والطواف، والسعي.
الشيخ: نعم، وواجباتها؟
طالب: اثنان: الإحرام من ميقاتها، والحِلاق؛ والحلق أو التقصير.
الشيخ: والحلق أو التقصير.
طيب وأظن وقفْنا على هذا.
طالب: نعم.
[ ١ / ٤٠٥٧ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ذَكَر المؤلف ﵀ أنَّ واجبات العمرة اثنان: كَوْن الإحرام من الميقات، والثاني: الحلق أو التقصير. ولم يذكر طوافَ الوداعِ، فظاهر كلامه أنه لا يجب لها طوافُ وداعٍ؛ لأن عدم الذِّكْر في سياق البيان يدلُّ على أنه لا عبرة به، وعلى هذا فيكون طواف الوداع في العمرة ليس بواجبٍ على المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
وهذه المسألة فيها خلافٌ؛ فمِن أهل العلم من يقول: إن العمرة يجب لها طوافُ وداعٍ. ومنهم مَن يقول: لا يجب، ولكنه سُنَّة. ولم نعلم أن أحدًا من الناس قال: إن طواف الوداع للعُمرة بدعة. فالأقوال فيها منحصرة في قولينِ: إمَّا أنه واجبٌ وإمَّا أنه سُنَّة، والراجح عندي أنه واجبٌ؛ أنه يجب على المعتمر أنْ يطوف للوداع كما يجب على الحاجِّ؛ لعموم قول النبي ﵊: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (٢١).
فإنْ قال قائل: هذا القول قاله النبي ﵌ في حجَّة الوداع في الحجِّ، ولم يقُلْه في العُمرة.
قُلنا: نعم، نُسَلِّم ذلك، ولكن لأنه لم يوجبه الله إلا في ذلك الوقت، وما قبل ذلك فهو لم يجبْ أصلًا، والشرع كما نعلم يتجدَّد، تجبُ الشرائع متجدِّدة؛ فقد يجب في هذا الوقتِ ما لم يكنْ واجبًا مِن قَبْل.
[ ١ / ٤٠٥٨ ]
ونقول أيضًا: إن الرسول ﵊ قال ليعلى بن أُمَيَّة: «اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ» (٢٣)، وهذا العموم يشمل؛ كل ما يُفعل في الحجِّ يُفعل في العمرة إلا ما قام النصُّ أو الإجماعُ على أنه مستثنى؛ كالوقوف بعرفة، والمبيتِ بمزدلفة أو بِمِنى، ورمْيِ الجمار، هذا مستثنى بالإجماع، وإلَّا فالأصل مشاركة العمرةِ للحجِّ في أفعاله، ويؤيد ذلك -أنَّ هذا هو الأصل- أنَّ النبي ﵌ سَمَّاها في حديث عمرو بن حزمٍ الذي تلقَّته الأُمَّة بالقبول، سَمَّاها: الحج الأصغر؛ قال: «الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» (٢٤)، فسمَّاها حجًّا، وإذا سُمِّيت باسمه فالأصل موافقتُها له في الأحكام إلا ما استُثنِي.
ولكنْ لو أنَّ أحدًا قدمَ مكة وطافَ وسعى وقصَّرَ وانصرفَ، خرج؛ فإنَّ هذا يُجزئه عن طواف الوداع كما ذَكَر ذلك البخاري في صحيحه بأنَّ المعتمِر إذا طافَ وسعى فإنه يكفيه عن طواف الوداع، لا يُقال: إن هذا لم يكنْ آخر عهده بالبيت.
نقول في الجواب: لأن السعي تابعٌ للطواف، ولهذا ذكر الفقهاء أنه لو أخَّر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسَعَى فإنه يُجزِئه، ولم يعتبروا هذا السعي فاصلًا؛ لأنه يَثْبت في الأتباع ما لا يَثْبت في الاستقلال، ولأن النبي ﵊ طافَ للوداع في حجَّة الوداع، وبعد أنْ طافَ صلَّى الفجر ثم انصرف؛ لأن الفصل يسيرٌ، وإنْ كانت هذه الصلاة فيما يَظهر ليستْ تابعةً للطواف؛ بمعنى أنَّ الرسول لم يَنْوِ بها أنها عن صلاة الركعتينِ بعد الطواف، فهذا هو الذي نراه.
وعلى كلِّ حالٍ إذا طافَ الإنسانُ فإنه مُثَابٌ على القولينِ جميعًا، لكن إذا تَرَك فهلْ يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عَدَمه؛ إنْ قُلنا بالوجوب فهو آثِمٌ، وإلَّا فليس بآثِم.
ثم قال المؤلف ﵀: (فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لَمْ ينعقِدْ نُسُكُهُ).
[ ١ / ٤٠٥٩ ]
ما معنى (تَرَك الإحرام)؟ يعني مَن لم يلبس الثياب؛ مَن لم يلبس الإزار والرداء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، (مَن تَرَكَ الإحرامَ) يعني النيَّة؛ أي: نيَّة الدخول في النُّسُك، فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، حتى لو طافَ وسعى فإنَّ هذا العمل لاغٍ؛ كما لو تَرَك تكبيرةَ الإحرام في الصلاة، لو تَرَكها وأتمَّ الصلاة بالقراءة والركوع والسجود والقيام والقعود لكنَّه لم يُكَبِّر للإحرام فصلاتُه لاغية لم تنعقِدْ أصلًا؛ لقول النبي ﵌: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٣) وهذا الرجل لم يَنْوِ الدخولَ في النُّسُك فلا يكون داخلًا فيه.
ولكن تصوير هذه المسألة قد يكون صعبًا يا جماعة؛ كيف نقول لرجلٍ اغتسَلَ عند الميقات في الميقات، ولبس ثيابَ الإحرامِ، وصلَّى ركعتينِ، ولَبَّى، ونقول: إنه لم يَنْوِ؟ ! هذا من أَبْعَدِ البعيدِ، لكن المسألة فرضية؛ إذا قُدِّر أنَّ شخصًا فَعَلَ جميع ما يتعلَّق بالنُّسُك إلَّا أنَّه لم يَنْوِ فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، وكلُّ أفعاله ذهبتْ هَدَرًا، وإلَّا من المعلوم أنَّ الإنسان إذا فَعَلَ أفعالَ العبادةِ لا بُدَّ أنْ يكون قد نواها.
وذكروا عن ابن عَقيل -عليِّ بن عَقيل، مِن أصحاب الإمام أحمد؛ يعني مِن أتباعه- أنَّ رجُلًا جاءه وقال له: يا سيدي، تُصيبني الجنابةُ، فأذهبُ إلى دِجلة فأغتسل؛ أنغمِسُ فيها ثم أخرج، وأرى أني لم أكنْ يرتفع حَدَثي. فقال له ابن عقيل: لا تُصَلِّ. قال: لا أُصلي! سبحان الله! أنا ما اغتسلتُ إلا للصلاة. قال: لا تُصَلِّ؛ لأن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (٢٥)، وأنت مجنون؛ تذهب وتخلع ثيابك وتنغمس في الماء ثم تقول: ما نويتُ. هذا معقول؟ ! ليس بمعقول.
[ ١ / ٤٠٦٠ ]
فالظاهر أن الرجُل انتقد نفْسَه، عرف أنه أخطأ خِطْئًا كبيرًا، ولهذا قال الموفَّق ﵀ في كتابه ذم الموسوسين أو الرد على الموسوسين قال: إن بعض العلماء قال: لو كَلَّفَنا اللهُ عملًا بلا نيَّةٍ لكان مِن تكليف ما لا يُطاق. صحيح هذا؟
طالب: ما هو صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لو قيل لك: تَوَضَّأ، لكن () تنوي الوضوء، صلِّ ولكنْ لا تَنْوِ الصلاة. ما يُمْكن.
صحيحٌ أنَّ الإنسان قد يغيب عنه التعيين، ما هو نيَّة الفِعل، هو ينوي الفِعل، لكنْ يغيب عنه التعيين؛ يجيء يصلي، يدخل المسجد مَثَلًا لصلاة الظهر ثم يُكَبِّر ويصلِّي، لكنْ يغيب عن ذهنه أنه نوى الظهر مَثَلًا، لكنْ في نيَّته أنه نوى فَرْض الوقت، ما فيه إشكال، ما نوى صلاة الضحى، نوى فَرْض الوقتِ، إلا أنه غاب عن قَلْبه تعيينُ الصلاة، فهل يُجزِئ أو لا؟
قال بعض العلماء: لا تُجزئه الصلاةُ؛ لأنه لا بدَّ من التعيين.
وقال أحد أصحاب الإمام أحمد وهو ابن شاقِلَّا -﵀- قال: إنه يكفيه أن ينوي فَرْضَ الوقتِ. وهذا -والحمد لله- فيه سَعَةٌ للناس؛ لأنه كثيرًا ما يأتي الإنسان ويصلِّي -لا سِيَّما إذا كان الإمامُ راكعًا- فإنه يأتي بسرعةٍ وقد لا ينوي التعيين، لكنْ لو سألتَهُ: ماذا نويتَ؟ قال: نويتُ أؤدِّي الفرض. ما فيه إشكال.
يقول: (ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به).
(مَنْ تَرَك رُكنًا غيرَه) أي: غير الإحرام (لم يتمَّ نُسُكه إلا به) لو تَرَك الطواف؛ نسي ولم يطُفْ طوافَ الإفاضة، نقول: إلى الآن لم يتمَّ حجُّك، لا بدَّ أن تطوف. فإنْ كان الركن مما يفوت فالحجُّ لاغٍ؛ كما لو تَرَك الوقوفَ بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد، فإنَّ الحجَّ انتهى، ما عاد يُمْكنه الآن.
[ ١ / ٤٠٦١ ]
لو قال: أقِفُ يوم العيد أقضي، وأنا أسعدُ بالدليل منكم؛ أنا ناسٍ، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٢٦)، وأيُّما أَوْكَد الصلاة أو الحج؟ نقول له.
طلبة: الصلاة.
الشيخ: الصلاة. قال: إذَنْ نسيت أن اليوم تسعة، فأقف يوم عشرة. قلنا: لا يُجزئ. قال: هذا قياسٌ صحيحٌ، أنتم الآن أقررتم بأن الصلاة أَوْكد، فإذا كان يصح قضاءُ الصلاة فلْيصِحَّ قضاءُ الوقوف بعرفة. ماذا نقول له؟
نقول: هذا قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ؛ لأن النبي ﵌ قال: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ» (٤)، مفهومه: مَن أتى بعد الصبح فإنه لم يُدركْ. وهذا نصٌّ، فلا يُقاس مع وجود النص، إذنْ (مَنْ تَرَك رُكنًا لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به)، لكن إنْ كان الركن يفوت، ولا يصح التمثيل إلَّا بالوقوف فقط، فإنه في هذه الحال أيش؟ يفوته الحجُّ، وسيأتينا إن شاء الله باب الفوات والإحصار.
طيب، وقوله: (أو نِيَّتَهُ)، ما هو الركن الذي يُشترط له نيَّة؟ هو الطواف والسعي، أمَّا الوقوف عند الفقهاء فإنه لا يُشترط له النية، والطوافُ والسعيُ تشترط له النية.
والصحيح أن الطواف والسعي لا تُشترط له النية؛ لأن الطواف والسعي جزءٌ من عبادةٍ مكوَّنةٍ من أجزاء، فتكفي النية في أولها كالصلاة؛ بدليل أنَّ المصلِّي هل يُشترط أن ينوي الركوع؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: ولا السجود، ولا القيام، ولا القعود، فليس الطوافُ شيئًا مستقلًّا، الطواف رُكنٌ في عبادةٍ فلا تُشترط له النية كأيش؟ كالركوع في الصلاة.
[ ١ / ٤٠٦٢ ]
ويقال أيضًا: إذا كنتم لا تشترطون النيةَ في الوقوف وهو أعظم أركانِ الحجِّ، حتى قال الرسول ﵊: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، فما مِثْلُه أو دونه مِن باب أَوْلى. وهذا القول هو الذي رجَّحه الشنقيطي في تفسيره، وهو الصواب، وفيه مصلحةٌ للناس؛ لأن كثيرًا من الناس عند الطواف لو سألتَهُ: ماذا نويتَ بالطواف؟ قال: نويتُ الطواف، ولا على بالي أنه للحج أو للعمرة، لكنْ أنا متلبِّس بالحج. علي رأي مَن يشترط النية يقول: طوافُه غير صحيح. وعلى هذا القول الثاني طوافه صحيح، وهو الصحيح.
طيب، إذَنْ نحذف كلمة: (أو نِيَّتَهُ)، لأنه ليس فيه ركن تُشترط فيه النية إلا أيش؟ الطواف والسعي.
الإحرام هو نيَّة النُّسُك، وسبق أنه لا ينعقد النُّسُك بفواته، والوقوف يقول: لا يُشترط له نيَّة. بقي الطوافُ والسعيُ، والصحيح أنه لا تُشترط لهما نيَّة؛ أي: نيَّة التعيين، وإلَّا () ما جاء يطوف إلا ينوي. نعم (لم يتمَّ نُسُكُه إلا به).
يعني إذَن الذي لا يُشترط نيَّة التعيينِ أنَّه طوافٌ للحج، أمَّا نيَّة الطواف فلا بدَّ منها؛ لأنه لا بدَّ من أن ينوي الطواف، لكنْ كَوْنه للحج ما هو شرط؛ لو طافَ ولا على قلبه نيَّة أنه للحج أو للعمرة فطوافه صحيح، أمَّا لو أنه حُمِل غصبًا عليه وطِيفَ به وهو لا ينوي، هل يصِحُّ طوافه؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا لا يصح، معلوم؛ لأنه ما نوى.
يقول: (لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به. ومَنْ تَرَكَ واجبًا) عندي بالشرح: (ولو سهوًا)، (فعليه دمٌ).
(ومَنْ تَرَك واجبًا فعليه دمٌ) والواجباتُ ذَكَرْنا أنها سبعةٌ، ما هو الدليل؟
وقَبْلًا نذهبُ إلى الأركان؛ ما هو الدليل على أنَّ تارك الركن لا يصِحُّ حَجُّه؟
[ ١ / ٤٠٦٣ ]
لأنَّ الركن هو الماهيَّة التي تنبني عليها العبادة، ولقوله ﵊ في الوقوف: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ»؛ يدلُّ على أنه إذا فاته فاته الحجُّ، أمَّا مَن تَرَك واجبًا فعليه دمٌ.
(دمٌ) إذا أُطْلِقَ الدمُ في لسان الفقهاء فهو: سُبع بَدَنة، أو سُبع بقرة، أو واحدة من الضأن أو المعز، ولا بدَّ فيها من شروط الأُضحية وأنْ تكون قد بلغت السِّنَّ المعتبَر؛ وهو في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن نصف سنةٍ؛ ستَّة أشهر، ولا بدَّ أيضًا أنْ تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء كالعَوَرِ البيِّنِ ونحوه.
وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ لا دمُ شُكرانٍ، وعليه فيجب أنْ يتصدَّق به جميعه على الفقراء؛ فقراء الحرم، ويُذبح في الحرم، ويُوزَّع في الحرم. فإنْ ذبحه خارجَ الحرمِ لم يُجزِئ.
لو ذبحَ هَدْيَ المتعةِ أو القِران في عرفة، يُجزئ أو لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: ذبحه فى عرفة وفرَّقه في مكة؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يُجزِئ؛ لأنه في غير المكان المعتبَر شرعًا.
ولهذا سأل سائل قال: ها السَّنة وجدنا راحة، ذَبَحنا في عرفة بسَعَة، ووزَّعنا اللحم على ما نبغي. قلنا ليش؟ قال: هذا فِعْلنا كلَّ سَنَة. إذَن الدليل أنَّه فِعْلُه كلَّ سَنَة، مُشْكِل، أوقَعَنا في حيرة، يعني لا بدَّ أنْ نقول: يَلْزمكم أن تقضوا جميعَ ما فات؛ لأنكم ذبحتموه في مكانٍ لا يحلُّ فيه الذبح، فإذا ذبحتموه في عرفة فكأنما ذبحتموه في الصين. نعم لو ذبح في الصين وجاء به إلى الحرم لا يُجزِئ، فالحِلُّ واحدٌ من عرفة إلى أبعدِ الدُّنيا فلا يُجزئ.
لكنْ فيه قول لبعض الشافعية أنَّه إذا ذبحه في الحِلِّ وفرَّقه في الحرم فلا بأس؛ لأنه أدَّاه إلى أهْله؛ لأن أهْله هم أهل الحرم وقد أدَّاه إليهم.
[ ١ / ٤٠٦٤ ]
ولكنْ قد يُقال: إن هذا غير صحيح؛ لأنه يفرق بين ذَبْحه في الحرم وذَبْحه في الحِلِّ؛ حيث إنه عبادة، والعبادة في الحرم أفضل منها في الحِلِّ، فإذا ذَبَح في الحِلِّ فاته الأفضلية، وحينئذٍ لا يصِح، وإنْ كان المقصود من التصدُّق على فقراء الحرم أنْ يَصِل إليهم، لكنْ أيضًا الذبح نفسه عبادة، فكَوْنه يُنقل من محلٍّ فاضلٍ إلى محلٍّ مفضولٍ يقتضي عدم الإجزاء، كما لو نَذَر أن يصلِّي ركعتين في المسجد الحرام فإنه لا يصح أنْ يصلي الركعتين في المسجد النبويِّ؛ لأن المسجد الحرام أفضل، فالقول بعدم الإجزاء هو الراجح نَظَرًا.
لكنْ إذا سألَنا أناسٌ مِثْل هؤلاء وليس في المسألة دليلٌ واضحٌ ينهى عن ذبح هذا في الحِلِّ فينبغي أن يقال: لا تُعيدوا ولا تعودوا. المعنى واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش معنى (لا تُعيدوا)؟
طلبة: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً.
الشيخ: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً. و(لا تعودوا) يعني لا تعودوا لِمِثْلها، خصوصًا إذا كان أُناسٌ يَغْلِب عليهم الجهلُ وسلامةُ القلب وأنَّهم ما تعمَّدوا المخالفة، والمقصود حَصَل بإعطاء اللحم إلى أهله.
ومِثل هذه الأمور التي ليس فيها نصٌّ والأمر قد انقضى وانتهى؛ لا حَرَجَ على الإنسان أنْ يُراعيَ أحوالَ المستفتي فلا يشقَّ عليه في أمرٍ لم يجدْ فيه نصًّا.
يقول: (عليه دمٌ). ما هو الدليل على أنَّ تارك الواجب يجب عليه دمٌ؟ وهذا أيضًا محتاجٌ إلى دليلٍ مهمٍّ، دليلٍ واضحٍ يستطيع أنْ يواجه الإنسانُ ربَّه به إذا أوجبَ على عباد الله ما لم يوجبْه الله عليهم؛ لأن إيجابَ ما لم يجب كإسقاط أيش؟
طلبة: ما وجب.
الشيخ: ما وجب أو أشدُّ؛ لأنَّ إسقاط ما يجب تخفيفٌ، وإيجاب ما لم يجب تشديدٌ، وأيُّهما الموافق للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟
طلبة: التخفيف.
[ ١ / ٤٠٦٥ ]
الشيخ: الأول؛ التخفيف. فإيجابُ ما لم يجب بلا دليلٍ أشدُّ من إسقاطِ ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قولٌ على الله بلا عِلْم، وفيه إشقاقٌ على العباد، وإسقاطُ ما وجبَ -والمراد ليس إسقاطًا عن عَمْد، لكنْ إسقاط ما وجبَ بمقتضى الاجتهاد، ليس فيه إلَّا شيءٌ واحدٌ وهو إسقاطُ ما عسى أن يكون واجبًا، لكنْ هل فيه التكليف على العباد؟
طالب: ما فيه.
الشيخ: ما فيه.
فأقول مرَّةً ثانيةً: إيجابُ ما لم يجب أشدُّ من إسقاط ما وجبَ؛ يعني إذا لم يكنْ هناك نصٌّ يدلُّ على الوجوب بحيث يواجه الإنسانُ به ربَّه، فإنَّ إسقاطَ ما وجبَ -أي: ما يُمكن أنْ يكون واجبًا- أهونُ. وكذلك نقول في التحريم والتحليل.