يُسَنُّ القِيامُ عندَ " قَدْ " مِن إقامَتِها وتَسويةُ الصفِّ، ويقولُ " اللهُ أكبرُ " رافعًا يَدَيْهِ مَضْمُومَتَيِ الأصابعِ مَمدودةً حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجودِ،
طالب: وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
[باب صفة الصلاة]
باب صفة الصلاة
[ ١ / ١٠٧٥ ]
يسن القيام عند (قد) من إقامتها وتسوية الصف، ويقول: الله أكبر رافعًا يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة حذو منكبيه في السجود، ويُسمع الإمامُ من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين، وغيرُه نفسَه، ثم يقبض على كوع يسراه تحت سرته وينظر مسجده، ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يستعيذ، ثم يبسمل سرًّا، وليست من الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحة وإن قطعها بذِكْر أو سكوت غير مشروعين، وطال أو ترك منها تشديدة أو حرفًا أو ترتيبًا لزم غير مأموم إعادتها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: (باب صفة الصلاة) صفتها يعني الكيفية التي تكون عليها والعلماء؛ علماء الفقه -﵏- تكلموا على صفة الصلاة وعلى صفة الحج؛ وذلك لأن من شرط العبادة، بل شرط العبادة أمران: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ؛ فأما الإخلاص لله فيتكلم عليه أهل التوحيد والعقائد، وأما المتابعة لرسول الله ﷺ فيتكلم عليها الفقهاء، وضد ذلك؛ ضد الإخلاص الإشراك، وضد المتابعة البدعة، فمن تابع الرسول ﵊ بدون إخلاص لم تصح عبادته؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (١)، ومن أخلص لله ولم يتبع رسول الله ﷺ فإن عبادته مردودة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢)، ومن ثم اضطر العلماء إلى بيان صفة الصلاة والحج، لكن لم نجدهم ذكروا صفة الصيام، ولم نجدهم ذكروا صفة الزكاة.
[ ١ / ١٠٧٦ ]
أما الصيام فإنه ترك، وبينوا ما يتركه الإنسان ببيان المفطرات، وقالوا: إنه -أي الصيام- هو الإمساك، والإمساك عن المفطرات بنية التعبد لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا هو الكيفية، هذا حقيقة هو الكيفية، وفي الزكاة ذكروا الأموال الزكوية ومقدار الأنصبة، ومقدار الواجب، وأهل الزكاة، وهذا -بالحقيقة- هو الكيفية.
والصلاة -كما نعلم- هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي التي إذا تركها الإنسان تهاونًا وكسلًا كان كافرًا، وإن جحد وجوبها كان كافرًا ولو صلَّى، إذا قال: أنا أصلي هذه الصلوات الخمس على أنها نافلة كان كافرًا وإن كان يصليها.
الصلاة هي إما في جماعة، وإما في انفراد، إذا كان في جماعة فأحسن ما يكون أن يتوضأ الإنسان في بيته ويسبغ الوضوء، ثم يخرج من بيته بِنِيَّة صلاة الجماعة، فإذا فعل ذلك -أي أسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته قاصدًا صلاة الجماعة- لم يخطُ خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، قرب بيته أم بعد، ولا يعني ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يتقصد الأبعد من المساجد، بل يعني ذلك أنه إذا بعد منزلك من المسجد، فلا تستبعد المسجد وتقول: إن في ذلك تعبًا عليَّ، بل اسعَ إليه ولك في كل خطوة إذا خرجت مسبغًا للوضوء قاصدًا المسجد أن يرفع الله لك بها درجة ويحط عنك بها خطيئة.
[ ١ / ١٠٧٧ ]
وينبغي أن يأتي إليها بسكينة ووقار؛ سكينة في الأطراف ووقار في الهيئة، فلا يأتي إليها وهو منزعج أو يمشي مشية الإنسان الذي ليس بمنتظم، بل يكون وقورًا؛ لأنه مقبل على مكان يقف فيه بين يدي الله ﷿، ونحن نعلم أن الإنسان لو أقبل على قصر ملك من الملوك لوجدته يتهيأ وينظر كيف مشلحه؟ كيف شماغه؟ كيف وجهه؟ كيف ثوبه؟ ويأتي بسكينة ووقار ويُظهر على نفسه ذلك فكيف بمن يأتي إلى بيت الله ﷿ ليقف بين يديه؟ ولا يكون مسرعًا، لا يسرع المشي حتى وإن خاف أن تفوته الصلاة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا» (٣)، لا تسرع فما أدركت فصَلِّ، وما فاتك فأتم؛ يعني هذا هو حقيقة الأدب مع الله ﷿.
ثم إذا حضرت المسجد فصلِّ ما تيسر لك، إن كان قد أذَّن فإنه يمكنك أن تصلي الراتبة إذا كانت لهذه الفريضة راتبة قبلها، وإن لم يكن لها راتبة قبلها فسُنَّة ما بين الأذانين؛ لأن بين كل أذانين صلاة.
وتُجزِئ هذه الصلاة -أعني سُنَّة ما بين الأذانين أو الراتبة- عن تحية المسجد؛ لأن قول الرسول ﵊: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٤)، يصدق بما إذا صلى الإنسان الراتبة أو سنة ما بين الأذانين، ثم اجلس بنية انتظار الصلاة، واعلم أنك لا تزال في صلاة ما انتظرت الصلاة حتى لو تأخر الإمام وزاد خمس دقائق أو عشر فإنك على خير؛ لأنك لا تزال في صلاة ما انتظرت الصلاة، ثم مع ذلك الملائكة تصلي عليك ما دمت في مصلَّاك.
ورجل تصلي عليه الملائكة حري بأن يستجيب الله -﷾- دعاء الملائكة له.
[ ١ / ١٠٧٨ ]
فإذا أقيمت الصلاة، فقال المؤلف: (يسن القيام عند (قد) من إقامتها) يعني يسن للمأموم أن يقوم إذا قال المقيم: (قد قامت الصلاة)؛ لأن (قد) تفيد التحقيق، و(قامت) تفيد الواقع، وحينئذٍ يكون موضع القيام للصلاة عند قوله: (قد قامت الصلاة)، وظاهر كلام المؤلف أنه يسن القيام عند هذه الجملة سواء رأى المأمومون الإمام أم لم يروه، وهذا أحد الأقوال في المذهب.
والمذهب المشهور أنهم لا يقومون عند (قد) من إقامتها إلا إذا رأوا الإمام، فإن لم يروه انتظروا حتى يروا الإمام؛ لأنهم تابعون، ولو قاموا في الصف قبل أن يروا الإمام لكانوا متبوعين؛ لأن الإمام سيأتي بعدهم بعد أن يصطفوا ويقوموا، والغالب أنها لا تقام الصلاة عندنا في هذا البلد إلا وقد رؤي الإمام، الغالب أنها لا تقام حتى يدخل الإمام المسجد ويراه الناس، ثم يقيم المؤذن.
وقوله: (عند (قد) من إقامتها) هذا أيضًا أحد أقوال المسألة، وهو من مفردات المذهب. وقيل: يقوم إذا رأى الإمام مطلقًا، وقيل: يقوم إذا شرع في الإقامة، وقيل: يقوم إذا قال: حي على الصلاة، وقيل: يقوم إذا كبر الإمام تكبيرة الإحرام.
وقيل: الأمر في ذلك واسع، والسنة لم ترد محددة لموضع القيام إلا أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» (٥)، فإذا كانت السنة غير محددة للقيام كان القيام عند أول الإقامة أو في أثنائها أو عند انتهائها، كل ذلك جائز، المهم ألا يفوتك تكبيرة الإحرام؛ بمعنى أن تكون متهيئًا للدخول في الصلاة قبل أن تفوتك تكبيرة الإحرام، هذا أهم شيء.
[ ١ / ١٠٧٩ ]
وقوله: (عند (قد) من إقامتها، وتسوية الصف)؛ يعني تسن تسوية الصف؛ لأن النبي ﷺ كان يأمر بذلك، فيقول: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» (٦) ويرشد أصحابه لهذا حتى فهموا ذلك عنه وعقلوه عقلًا جيدًا، وفي يوم من الأيام خرج ﵊ وأُقيمت الصلاة فالتفت، فإذا رجل قد بدا صدره فقال: «عِبَادَ اللَّهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (٧).
«لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ» اللام هذه موطئة للقسم، وتقدير الكلام: والله لتسون، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، واللام والنون «لَتُسَوُّنَّ»، وهي خبر فيه تحذير؛ لأنه قال: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»، أي: بين وجهات نظركم حتى تختلف القلوب، وهذا -بلا شك- وعيد على من ترك التسوية.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تسوية الصف، واستدلوا لذلك بأمر النبي ﷺ به وتوعده على مخالفته، وشيء يأتي الأمر به ويُتوعَّد على مخالفته لا يمكن أن يُقال: إنه سُنَّة فقط، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة وجوب تسوية الصف، وأن الجماعة إذا لم يُسوّوا الصف فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ولكن هل إذا خالفوا فلم يسووا الصف تبطل صلاتهم؛ لأنهم تركوا واجبًا؟
فيه احتمال، قد يقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب، ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقوى، أنهم يأثمون ولكن لا تبطل صلاتهم؛ لأن التسوية واجب للصلاة لا واجب فيها؛ يعني هو خارج عن هيئتها والواجب للصلاة يأثم الإنسان بتركه، ولا تبطل الصلاة به كالأذان مثلًا واجب للصلاة، ولا تبطل الصلاة به.
ثم إن تسوية الصف تكون بالتساوي بحيث لا يتقدم أحد على أحد، وهل المعتبر مُقدَّم الرِّجل؟
[ ١ / ١٠٨٠ ]
لا، المعتبر المناكِب والأكعُب؛ المناكب اللي في أعلى البدن، والأكعب أسفل القدم، وهذا عند الاعتدال، أما إذا كان في الإنسان احتداب فلا عِبرة بالمناكب؛ لأنه لا يمكن أن تتساوى المناكب والأكعب فيمن عنده احتداب، وكيف يمكن وهو منهصر الظهر؟ ! فالعبرة في مثل هذا بالأكعب ولَّا بالمناكب؟
طلبة: بالأكعب.
الشيخ: بالأكعب، وإنما اعتُبرت الأكعب؛ لأنها العمود الذي يعتمد عليه البدن، فإن الكعب في أسفل الساق، والساق هو عمود البدن، فكان هذا هو المعتَبر، وأما أطراف الأرجل فليست بمعتبرة؛ وذلك لأن أطراف الأرجل تختلف، فبعض الناس تكون رجله طويلة، وبعض الناس قصيرة؛ فلهذا كان المعتبر الكعب.
ثم إن تسوية الصف المتوعَّد على مخالفتها هي تسويته بالموازاة والمحاذاة، ولا فرق بين أن يكون الصف خلف الإمام أو مع الإمام، وعلى هذا، فإذا وقف إمام ومأموم، فكيف يكون الإمام.
طالب: بحذائه.
الشيخ: يكون محاذيًا للمأموم، ولا يتقدم عليه خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه ينبغي تقدم الإمام على المأموم يسيرًا ليتميز الإمام عن المأموم، فيقال: إن هذا خلاف ظاهر النص، فابن عباس -﵄- أخذ النبي ﷺ برأسه من ورائه وجعله عن يمينه، ولم يقل: وأخَّره قليلًا، ثم إن الإمام والمأموم يعتبران صفًّا، فإذا اعتبرناهما صفًّا كان المشروع تسوية الصف، ثم إن هناك تسوية أخرى بمعنى الكمال؛ يعني الاستواء بمعنى الكمال، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، فإذا قلنا: استواء الصف بمعنى كماله لم يكن ذلك مقتصرًا على تسوية المحاذاة، بل يشمل عدة أشياء:
أولًا: تسوية المحاذاة، وعرفتموها، أو لا؟ وهذه على القول الراجح واجبة.
الثاني: التراص في الصف؛ فإن هذا من كماله، وكان النبي ﷺ يأمر بذلك، وندب أمته أن يصفوا كما تصف الملائكة عند ربها، يتراصون ويكملون الأول فالأول.
[ ١ / ١٠٨١ ]
ولكن المراد بالتراص ألا يدعوا فرجًا للشياطين، وليس المراد بالتراص التزاحم؛ لأن هناك فرقًا بين التراص وبين التزاحم؛ ولهذا كان النبي ﵊ يقول: «تَرَاصُّوا وَلَا تَدَعُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ» (٨) يعني لا يكون بينكم فرج تدخل منها الشياطين؛ لأن الشياطين تدخل بين الصفوف كأولاد الضأن الصغار من أجل أن يشوشوا على المصلين صلاتهم، هذا من تسوية الصف التراص.
ثالثًا: إكمال الأول فالأول، فإن هذا من استواء الصفوف، فلا يُشرع في الصف الثاني حتى يكمل الصف الأول، وقد ندب النبي ﷺ إلى تكميل الصف الأول فقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (٩) تصور، يقول: «ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا»، يعني يقترعوا عليه، فإذا جاء واحد للصف الأول وقال: تعالَ، أنا أحق به منك، قال: لا، أنا أحق. قال: طيب، إذن نقرع، نسوي قرعة، أينا يكون في هذا المكان الخالي.
ومن لعب الشيطان بكثير من الناس اليوم أنهم يرون الصف الأول ليس فيه إلا نصفه، ومع ذلك يشرعون في الصف الثاني، ثم إذا أُقيمت الصلاة، وقيل لهم: أتموا الصف الأول جعلوا يتلافتون مندهشين كأنهم منذرون بجيش خلفهم، لا يدري الإنسان أين يذهب حيارى، أعوذ بالله! أتموا الصف، فيبقى ويش العلم هذا؟
[ ١ / ١٠٨٢ ]
وكل ذلك -في الحقيقة- سببه أولًا: الجهل العظيم، والشيء الثاني: أن بعض الأئمة لا يبالون بهذا الشيء، ما يبالي يسوى الصف ويتمم يتراصون أو لا، كأنه كل شيء عندهم، استووا اعتدلوا، لو يجد الصف كالسهم من الاستواء قال: استووا، ولو يجده أعوج من قوس الهلال ما وقف حتى يستووا، ما يهتم حتى إن بعض الناس قال لي: إن رجلين إمامًا ومأمومًا قاما يصليان فالتفت الإمام: استووا على اليمين، اعتدلوا، قال: ما على يسارك أحد، ليش؟ لأنهم يظنون أنها سنة مطلقًا، وهي في الواقع سُنَّة عند الحاجة إليها، لكن ينبغي أن تكون سنة مؤثرة بحيث إذا وجد واحدًا متقدمًا: تأخر يا فلان، وقد سمعتم ما قاله الرسول ﵊ حينما رأى رجلًا باديًا صدره، وكان ﵊ يُسوِّي الصفوف بيده، يمسح المناكب والصدور بيده من طرف الصف إلى طرفه، وهذه هل توجد عندنا في الأئمة؟
طلبة: لا.
الشيخ: أبدًا لو توجد ويوش عليه واحد من الجماعة ترك كل شيء، وراح المحراب وصلَّى، ولكن الواجب أن الإنسان يصبر ويعوِّد الناس على تسوية الصف حتى يسووا الصفوف، ولا يمكن لإنسان مؤمن يبلغه أن الرسول ﵊ قال: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (٧)، ثم لا يبالي بتسوية الصف، وها هنا حديث مشهور عند الناس، وليس له أصل؛ وهو أن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج، ولكن هذا ليس له أصل عن النبي ﵊، لكن فيه ما هو أعظم منه؛ الحديث الذي ذكرنا لكم. كم وجهًا ذكرنا للتسوية؟
طلبة: ثلاثة.
[ ١ / ١٠٨٣ ]
الشيخ: ثلاثة؟ ومنها أيضًا -من تسوية الصفوف-: التقارب فيما بينها، وفيما بينها وبين الإمام أيضًا؛ لأنهم جماعة، والجماعة مأخوذة من الاجتماع، ولا اجتماع مع التباعد، كلما قربت الصفوف بعضها إلى بعض وقربت إلى الإمام كان أفضل وأجمل، ونحن نرى في بعض المساجد أن بين الإمام وبين الصف الأول ما يتسع لصف أو صفين؛ أي أن الإمام يتقدم كثيرًا، وهذا -فيما أظن- صادر عن الجهل؛ فالسنة للإمام أن يكون قريبًا من المأمومين، وللمأمومين أن يكونوا قريبين من الإمام، وهم أيضًا كل صف قريب من الصف الآخر، هذا من تسوية الصف؛ لأنا قلنا: من الاستواء الذي هو الكمال.
خامسًا: تكميل الأول فالأول.
طلبة: ().
الشيخ: ذكرنا الصف الأول، لكن هذا فوق الصف الأول؛ يعني حتى الصف الثاني تقدم إليه قبل أن تشرع في الصف الثالث، ولكن هل أن الصف الثاني بالنسبة للصف الثالث صف أول بحيث يدخل في قول الرسول ﵊: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (٩) أو لا؟ الظاهر لا؛ وذلك لأن الصف الأول يقتضي المبادرة والتبكير بخلاف الصف الثاني، فقد يكون مع تأخر الإمام، والتقدم إلى المسجد أمر مطلوب.
السادس من استواء الصفوف وكمالها أن يدنو الإنسان من الإمام؛ لقول النبي ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (١٠)، وكلما كان أقرب كان به أولى؛ ولهذا جاء الحث على الدنو من الإمام في صلاة الجمعة؛ لأن الدنو من الإمام في صلاة الجمعة يكتسب الدنو إليه في الصلاة، والدنو إليه في الخطبة.
فالدنو من الإمام أمر مطلوب، نجد بعض الناس يأتي إلى الصف، ويجد فيه مكانًا قريبًا من الإمام، لكن يذهب إلى آخر الصف عند الجدار، وهذا من الحرمان، والسُّنة أن تدنو من الإمام، فكلما دنوت كان أفضل.
[ ١ / ١٠٨٤ ]
ولكن هناك وجه سابع في التسوية وهي تفضيل اليمين؛ يمين الإمام على شماله؛ يعني أن أيمن الصف أفضل من أيسره، ولكن ليس على سبيل الإطلاق كما في الصف الأول؛ لأنه لو كان على سبيل الإطلاق كما في الصف الأول لقال الرسول ﵊: أتموا الأيمن فالأيمن، كما قال: «أَتِمُّوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ» (١١)، وإذا كان ليس من المشروع أن نبدأ بالجانب الأيمن حتى يكمل فإننا ننظر في أصول الشريعة، كيف يكون هذا بالنسبة لليسار؟
نجد أن هذا يكون بالنسبة لليسار إذا تحاذا اليمين واليسار وتساويا فالأفضل اليمين، كما لو كان اليسار خمسة واليمين خمسة، وجاء الحادي عشر نقول له: اذهب إلى اليمين؛ لأن اليمين أفضل مع التساوي أو التقارب أيضًا بحيث لا يظهر التفاوت بين يمين الصف ويساره، أما مع التباعد فلا شك أن اليسار القريب أفضل من اليمين البعيد؛ ويدل لذلك أن الرسول ﷺ كان في أول الأمر يأمر الجماعة إذا كانوا ثلاثة أن يقف الإمام بينهما، بين الاثنين (١٢).
وهذا يدل على أن اليمين ليس أفضل مطلقًا؛ لأنه لو كان أفضل مطلقًا لكان الأفضل أن يكون المأمومان عن يمين الإمام، ولكن كان المشروع أن واحدًا عن اليمين وواحدًا عن اليسار حتى يتوسط الإمام، ولا يحصل حيف وجنف في أحد الطرفين.
ومن استواء الصفوف أن تفرد النساء وحدها؛ بمعنى أن يكون النساء خلف الرجال، لا يختلط النساء بالرجال؛ لقول النبي ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (١٣)، فبين هنا -﵊- أنه كلما تأخر النساء عن الرجال كان أفضل.
[ ١ / ١٠٨٥ ]
إذن الأفضل أن تؤخر النساء عن صفوف الرجال؛ لما في قربهن إلى الرجال من الفتنة، وأشد من ذلك اختلاطهن بالرجال؛ بأن تكون المرأة إلى جانب الرجل، أو يكون صف من النساء بين صفوف الرجال، هذا لا ينبغي، وهو إلى التحريم مع خوف الفتنة واضح؛ يعني هو محرم مع خوف الفتنة، ومع انتفاء الفتنة خلاف الأولى؛ يعني لو كان النساء من محارمه فهي خلاف الأوْلى وخلاف الأفْضل.
وهل من استواء الصفوف أن يتقدّم الرجال ويتأخر الصبيان؟ وهذا تاسع.
قال بعض العلماء: إن هذا من تسوية الصفوف؛ يعني من استوائها وكمالها أن يكون الرجال البالغون هم الذين يلون الإمام، وأن يكون الصبيان في الخلف، فإذا كان عندنا مئة رجل يمثلون صفًّا ومئة صبي يمثلون نصف الصف، نجعل المئة الرجل الصف الأول، ومئة الطفل الصف الثاني، حتى لو تقدم صبي إلى الأول أخَّرناه؛ لأن استواء الصف أن يكون الرجال البالغون هم الأمام، واستُدِلَّ لذلك بقول الرسول ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (١٠).
ولكن في هذا نظر، بل نقول: إن الصبيان إذا تقدموا إلى مكان فهم أحق به من غيرهم؛ لعموم الأدلة الدالة على أن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، والمساجد بيوت الله، يستوي فيها عباد الله، فإذا تقدم الصبي إلى الصف الأول مثلًا، وجلس فليكن في مكانه؛ ولأننا لو قلنا بإزاحة الصبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد أدَّى ذلك إلى لعبهم؛ لأنهم ينفردون بالصف، كل واحد يكلم الثاني، أو إذا غلط الإمام حكوا، أو إذا سمعوا داخلًا كذلك، ثم مُشْكِل إذا دخل رجال بالغون بعد أن صف الجماعة؟
طالب: يرجعونهم.
الشيخ: يرجعونهم وهم في الصلاة؟ ! مُشْكِل، وإن بقوا صفًّا كاملًا أمامهم، فيا ويح من كان خلفهم سيشوِّشون عليه؛ لأنه يجد هذا يتحرك، وهذا يعبث، وهذا يطلع قلمه، وهذا يطلع ساعته، وهذا يضرب صاحبه، وهكذا، يشتغل اللي وراءهم.
[ ١ / ١٠٨٦ ]
ثم إن في تأخيرهم عن الصف الأول بعد أن كانوا فيه يؤدي إلى محظورين:
المحظور الأول: كراهة الصبي للمسجد؛ لأن الصبي، وإن كان صبيًّا لا تحتقره؛ فالشيء ينطبع بقلبه، يقول: أنا جاي أبغي أصلي، وفرح أني توضأت عند أهلي، وجيت ويمكن لابس ثياب الزينة، وبعدين أقوم أجلس في هذا، ويصلي ما شاء الله أن يصلي؛ لأن المفروض إلى ثلاث عشرة سنة، إلى أربع عشرة سنة، إلى خمس عشرة سنة، كل دول يطلعوا وراء، ثم في النهاية يقول لي: روح وراء! ويش يكون تصوره المسجد حبه للمسجد؟ ! لا شك أنه ينقلب كراهة.
كذلك بالنسبة للرجل المعين الذي أخرجه من الصف يبقى هذا في عينه إلى أن يموت، وأنا لا أنسى رجلًا .. على كل حال يبقى الإنسان ما ينسى هذا الرجل إلى يوم القيامة؛ لأنه أخرجه من المكان هذا.
فالحاصل أن هذا القول ضعيف، وأما قوله ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» فمراده -صلوات الله وسلامه عليه- حثُّ هؤلاء على التقدم لا إخراج الصغار من أماكنهم، فصارت أوجه التسوية كم؟
طالب: تسعة.
الشيخ: تسعة، فيه أيضًا وجه عاشر، وهو اقتداء كل صف بمن أمامه عند الحاجة، إذا كان صوت الإمام خفيًّا ولا يبلغ أحد، فكل إنسان وكل صف يقتدي بمن أمامه؛ ولهذا قال العلماء: إذا كان الإنسان خارج المسجد لم يصح ائتمامه بالإمام إلا أن يرى الإمام أو بعض المأمومين، لكن التسوية بالوجه الأول؛ وهي تسوية المحاذاة، هذه واجبة على القول الصحيح.
قال المؤلف: (وتسوية الصف) (أل) هنا للعهد ولَّا للعموم؟
طالب: للعموم.
الشيخ: للعموم، ولهذا عبَّر بعض الفقهاء بقوله: تسوية الصفوف؛ فالصف هنا اسم جنس يشمل جميع الصفوف؛ الأول، والثاني، والثالث، وهلم جرًّا، وتسوية الصف.
طالب: شيخ، إذا قيل له: لا تجعل فرجة للشيطان قال: الشيطان يدخل بين قدمي؟
الشيخ: والله هذا خطر!
طالب: كثير جدًّا يقول هذا.
[ ١ / ١٠٨٧ ]
الشيخ: أقول: هذا كلام خطِر جدًّا؛ لأنه شِبه تهكم بما قال الرسول ﵊.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس في مواصلة الصف يرص القدم جدًّا حتى إنه يضايق جاره ()، وجاء في هذا المعنى أن الصحابة كانوا يلصقون أقدامهم بعضهم ببعض، ويقولون: إن الإلزاق يبطل الالتحام والناس يختلفون في قبولهم هذا الأمر.
الشيخ: هو لا شك أن الصحابة كانوا يُلصق الإنسان كعبه بكعب أخيه، ومنكبه بمنكبه تحقيقًا للتسوية والمراصة، لكن ليس كما يفعل بعض الناس الآن يفحج رجليه حتى يُضيّق على من حوله مع أن الكتف بعيد من الكتف الآخر، هذا ليس من السنة، وأنت لو وقفت طبيعيًّا فإن المناكب سوف يرص بعضها بعضًا، وكذلك الأكعب سوف يرص بعضها بعضًا ..
طالب: لكن الالتحام؟
الشيخ: لكن إذا كان يؤذي، أنا قلت لكم قبل قليل: ليس هو الزحام، التراص ألا يدعوا فرجات للشيطان، ليس هو الزحام اللي يخلي الإنسان يلَّا يتحرك؛ يعني بعض الناس يزاحم حتى إنه ما يمكن يسجد إلا إذا سجد صاحبه من المراصة، هذا ما هو المطلوب.
أقول: إذا حصل من ذلك أذية فإن أهل العلم قالوا: لا تُرتَكب الأذية من أجل فعل مستحب، بل تُتقى الأذية حتى قالوا في التورُّك: لو أن الإنسان إذا تورك في التشهد الأخير آذى جاره، فإن الأفضل ألا يتورك.
طالب: شيخ، الصف بين السواري يا شيخ؟
طالب آخر: شيخ -أحسن الله إليك- الآن إذا صف النساء كما يحدث في الحرم يصف صفوف النساء أمام الرجال، هل تصح الصلاة؟
الشيخ: إي نعم، سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب الجماعة أن الصلاة لا تبطل إذا كان أمام الرجال نساء يصلين.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا كنت أنا في موقع شعرت أن شخصًا آخر أفضل مني من أولي الأحلام والنهى، فهل أقدمه مكاني؟ ().
الشيخ: سمعتم؟
طلبة: ما سمعنا.
الشيخ: يقول: هل أُوثر غيري بالمكان الفاضي، كذا؟ هذا خلاصة السؤال.
[ ١ / ١٠٨٨ ]
الجواب: لا، إلا إذا كان في ذلك مصلحة تربو على مصلحة التقدم، وقد ذكرنا فيما سبق أن الإيثار بالقرب قد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا، فإذا كانت القربة واجبة فالإيثار بها حرام، مثل لو كان عندك ماء يكفيك للوضوء، لكن لا يكفيك أنت وصاحبك، فهنا لا يجوز أن تؤثره بالماء؛ لأنه يجب عليك أن تستعمل هذا الماء، أما الإيثار بالسنن فكرهها أهل العلم، قالوا: يكره إيثار غيره بمكانه الفاضل لا قبول، قالوا: لأن ذلك ينبئ عن رغبة عن الخير، لكن إذا كان هناك مصلحة، مثل لو كان الذي قدم أبوك، وتخشى إن لم تؤثره أن يكون في نفسه شيء، أو كان إنسان له فضل على الناس بإحسان مالي أو غيره، وآثرته فلا بأس، ومن هذا ما يفعله الناس الآن عندنا إيثار المؤذن بالمكان؛ لأن كل الناس الذين يأتون يدعون مكان المؤذن يؤثرونه به هذا للمصلحة فلا بأس.
طالب: ().
الشيخ: عجيب، يظنون ما تصح صلاة أحد فيه؟ !
الطالب: ().
الشيخ: نعم؟
طالب: هل يطلب من الجماعة أن يتراصوا على اليمين أكثر من اليسار التسوية، يعني؟
الشيخ: نعم، إذا كان الفرق واضحًا فلا بأس أن تقول: ائتوا لليسار؛ لأجل بيان السنة؛ لأن كثيرًا من الناس الآن يظنون أن الأفضل اليمين مطلقًا، حتى أحيانًا يكمل الصف من اليمين، ولا عندك من اليسار إلا واحد أو اثنين.
طالب: ().
الشيخ: كراهة الشخص اللي طلعه من المكان.
الطالب: بالنسبة للصف إذا كان صفًّا واحدًا، وكان نصف الصف متقدمين قليلًا، ونصف الصف متأخرًا قليلًا، وجئت أنا أصلي هل أتبع المتأخرين ولَّا المتقدمين الصف صار قسمين يعني؟
الشيخ: شو؟ !
الطالب: مثل الصف صار الآن ..
الشيخ: شو هذا؟ !
الطالب: بيحصل.
الشيخ: ما يحصل!
الطالب: إلا يحصل.
الشيخ: لا إله إلا الله! ويش لون؟ !
الطالب: مثلًا هذا صف الصلاة يأتي مثلًا ..
الشيخ: هذا الأبيض هذا.
الطالب: هذا الأبيض، يأتي أناس يصفون هنا، ويأتي ناس يصفون هنا يعني قبل منهم بقدم.
[ ١ / ١٠٨٩ ]
الشيخ: قدِّم المتأخِّر ولَّا أخِّر المتقدم.
الطالب: كثير الصف، نصف الصف قدام شوي، ونصف الصف ورا شوي.
طالب آخر: ().
الشيخ: على كل حال ..
طالب: كثير تقع.
الشيخ: ويش بدك؟ ! تبغي أقول لك: ()؟ !
طالب: لا، ويش أسوِّي أكون مع هؤلاء أو مع هؤلاء؟
الشيخ: اقتدِ بالذي يلي الإمام، مثلًا إذا كنت من اليمين شوف اللي على اليسار، اقتدِ باليسار، إذا كنت في يسار الصف اقتدِ بالذي عن يمينك؛ لأن أصل مبتدأ الصف ما هو من آخره، مبتدأ الصف مما يلي الإمام.
طالب: شيخ، قلنا: إذا أسبغ الوضوء وخرج إلى المسجد كان له بكل خطوة أن يُرفع له بها درجة، قد لا يتوضأ الإنسان في البيت مثلًا كأن يكون في المسجد دورة مياه، فهل يُحرم هذا الأجر؟
الشيخ: والله ظاهر الحديث أنه يُحرم؛ لأن هناك فرقًا بين من يخرج من بيته متهيئًا للصلاة قاصدًا لها وبين إنسان يأتي إلى المسجد غير متهيئ للصلاة. نشوف الجانب هذا.
طالب: بالنسبة لألفاظ تسوية الصفوف يا شيخ .. ()
الشيخ: ().
***
طالب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب صفة الصلاة
يسن القيام عند (قد) من إقامتها وتسوية الصف ويقول: الله أكبر رافعًا يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة حذو منكبيه كالسجود، ويُسمِع الإمامُ من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين، وغيرُه نفسَهُ، ثم يقبض كوع ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لماذا يذكر الفقهاء -﵏- صفة الصلاة والحج والوضوء، وما أشبه ذلك؟
طالب: ().
الشيخ: يقول: لماذا يذكرونها؟ وهل هناك حاجة إلى ذكرها؟
طالب: لأنه يشترط المتابعة.
الشيخ: لأن من شرط صحة العبادة.
طالب: المتابعة.
الشيخ: المتابعة، وهل هناك شرط آخر؟
الطالب: الإخلاص.
الشيخ: الإخلاص، من الذي يتكلم عن الإخلاص؟
الطالب: أهل العقيدة.
[ ١ / ١٠٩٠ ]
الشيخ: أصحاب العقيدة والتوحيد، ما هو الدليل على اشتراط الإخلاص من القرآن والسنة؟
طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
الشيخ: لا.
طالب: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ [البينة: ٥].
الشيخ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. ()
هل يشترط للقيام عند (قد قامت الصلاة) شرط؟
طالب: إي نعم، أن يرووا الإمام.
الشيخ: أن يرووا الإمام، أحسنت، فإن أقاموا والإمام لم يدخل المسجد، ولم يروه فإنهم لا يقومون؛ لاحتمال أن يكون المؤذن أقام سهوًا أو ما أشبه ذلك. هل في هذه المسألة خلاف؟ الأخ؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، كيف هو؟
الطالب: البعض مثلًا يقولون: القيام يكون عند سماع المؤذن يقول: (قد قامت الصلاة)، والبعض يقول: عندما يقول: حي على الصلاة، والبعض يقول: عندما يقول: حي على الفلاح، فيه أقوال كثيرة.
الشيخ: طيب.
الطالب: ثمة سبعة أقوال.
الشيخ: نعم.
الطالب: اللي مشى عليه المؤلف أن عند قوله: (قد) مطلقة سواء رأى الإمام أم لا، في المذهب أنه إذا رأى الإمام، وقيل: يقوم إذا الإمام مطلقًا، وقيل: إذا ..
الشيخ: هذه ما ذكرناها، نحن ذكرنا إذا رأى الإمام مطلقًا؟ !
طلبة: إي نعم، ذكرناها.
الشيخ: نسيتها.
الطالب: وقيل: إذا شرع في الإقامة، قيل: إذا قال: حي على الصلاة، وقيل: إذا انتهى منها، وقيل في ذلك () ..
الشيخ: نعم، إذا كبَّر الإمام.
الطالب: إذا كبَّر الإمام.
الشيخ: وذكرنا قولًا آخر؛ وهو أن الأمر في ذلك واسِع؛ يعني إذا قام عند ابتداء الإقامة أو عند (حي على الصلاة)، أو عند (قد قامت الصلاة) فالأمر واسع في هذا.
قال المؤلف: (وتسوية الصف)، الأخ؟ تسوية الصف هذه معطوفة على أيش؟
طالب: يسن القيام عند قد قامت الصلاة ().
الشيخ: إذن تسويته الصف حكمها على ما مشى عليه المؤلف؟
طالب: نعم.
الشيخ: حكم تسوية الصف على ما مشى عليه المؤلف؟
طالب: سنة.
[ ١ / ١٠٩١ ]
الشيخ: سنة، وحكم السنة أنه يثاب.
طالب: يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.
الشيخ: وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف. هل هناك قول آخر؟
طالب: واجب عند تسوية الصف.
الشيخ: عند تسوية الصف بالمحاذاة خاصة واجب. ما هو الدليل على أنه سنة؟
طالب: قول الرسول ﷺ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» (٦).
الشيخ: نعم، «فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» (١٤) «مِنْ تَمَامِ»، والتمام كمال. القول الثاني أنه واجب، ما هو الدليل؟
طالب: قول النبي ﷺ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (١٥) ().
الشيخ: وجه الدلالة على الوجوب؟
الطالب: أن الذي لا يساوي الصف فتوعّده الله سبحانه تعالى والرسول ﵊ بوعيد شديد.
الشيخ: الوعيد على من لم يسوِّ، والوعيد لا يكون إلا على فعل محرم أو ترك واجب.
إذن هذا القول هو الراجح، لكن ما هو الجواب عن دليل أو عن استدلال من قال بالاستحباب؟ من يعرف؟ الحديث: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» (٦).
طالب: () الاستحباب لا يخالف.
الشيخ: نقول: هذا الحديث أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والتمام قد يكون تمام واجب وتمام مستحب، فقول الرسول ﷺ: «مَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (١٦) ها؟
طلبة: واجب.
الشيخ: إتمام واجب؛ فالإتمام قد يكون لإتمام الواجب، ولا شك أن التعليل بقوله: «إِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» يُراد به الحث على فعل هذا الأمر، أو على فعل هذا المأمور به، وعلى هذا فالحديث إن لم يكن فيه دليل على الوجوب لم يكن فيه دليل على عدم الوجوب، والصحيح أن فيه دليلًا للوجوب؛ لأن الإتمام قد يكون إتمام واجب وقد يكون إتمام مستحب.
[ ١ / ١٠٩٢ ]
ذكرنا أن تسوية الصف بالمعنى العام المأخوذ من الاستواء بمعنى الكمال لا يختص بتسوية المحاذات بل له عدة أوجه؛ منها، من تسوية الصف؟
طالب: ما فهمت.
الشيخ: أقول: من تسوية الصف؛ يعني تسوية الصف مجرد المحاذاة يعني التساوي.
الطالب: على المنكبين والكعبين على الكعبين.
الشيخ: وغيره ما فيه تسوية ثانية؟
طالب: التراص.
الشيخ: أحسنت، من ذلك التراص.
طالب: إي، وكذلك ..
الشيخ: التراص، هل عندك دليل على مشروعية التراص في الصف؟
طالب: إي نعم، قال رسول الله ﷺ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا» (١٧).
الشيخ: نعم، وقال فيه: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟» قالوا: كيف يصفون؟ قال: «يَتَرَاصُّونَ وَيُكَمِّلُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ» (١٨).
قال المؤلف: (ويقول: الله أكبر) يقول من؟ يقول المصلي: (الله أكبر)، والقول إذا أطلق فإنما هو قول اللسان، أما إذا قُيِّد فقيل: يقول في قلبه، أو يقول في نفسه فإنه يَتقيَّد بذلك، وأما عند الإطلاق فلا بد أن يكون القول باللسان فيقول: الله أكبر، وهذا القول واجب، بل هو ركن لا تنعقد الصلاة بدونه؛ لأن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» مع أنه قال في الأول: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (١٩).
وعلى هذا فيكون كل ما أمر به الرسول ﵊ المسيء في صلاته فهو ركن لا تصح الصلاة بدونه، وإن شئت فقل: واجب لا تصح الصلاة بدونه؛ إذ يشمل إسباغ الوضوء، فإنه ليس بركن، بل هو شرط.
إذن هذا الدليل على وجوب هذه التكبيرة، وإذا ثبت وجوبها، ولكن عجز الإنسان عنها لكونه أخرس، لا يستطيع النطق، فهل تسقط عنه أو ينويها بقلبه أو يُحرِّك لسانه وشفتيه؟
[ ١ / ١٠٩٣ ]
نقول: بل ينويها بقلبه؛ لأن قول الإنسان: (الله أكبر) متضمن لقول اللسان وقول القلب، أليس كذلك؟ فإنه لم يقل بلسانه: (الله أكبر) إلا حين قاله بقلبه وعزم عليه، فإذا تعذر النطق باللسان وجب؟
طلبة: القول بالقلب.
الشيخ: القول بالقلب فيقولها بقلبه، ولا يحرك لسانه وشفتيه خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يحرك لسانه وشفتيه؛ لأن في القول تحريك اللسان والشفتين، فلما تعذر الصوت وجب التحريك.
نحن نقول في الرد على هذا: إن التحريك؛ تحريك اللسان والشفتين، هل هو مقصود لذاته أو لغيره؟ مقصود لغيره؛ لأن القول لا يحصل إلا به، فإذا تعذر المقصود الأصلي سقطت الوسيلة، وصارت هذه الوسيلة مجرد حركة وعبث، ويش الفائدة من إنسان يحرك شفتيه ولسانه وهو لا يستطيع النطق؟
فالقول الراجح في هذه المسألة أن الإنسان إذا كان أخرس لا يستطيع أن يقول بلسانه؛ فإنه ينوي ذلك بقلبه ولا يحرك شفتيه ولا لسانه؛ لأن ذلك عبث وحركة في الصلاة لا حاجة إليها.
قال المؤلف: (ويقول)، وقلنا: إن القول يكون باللسان، فهل يشترط إسماع نفسه لهذا القول؟
الجواب: في هذا خلاف، فمن أهل العلم قال: لا بد أن يكون له صوت يُسمِع به نفسه، وإن لم يسمعه من بجنبه، بل لا بد أن يُسمِع نفسه، فإن نطق بدون أن يُسمِع نفسه فلا عبرة بهذا النطق، ولكن هذا القول ضعيف.
والصحيح أنه لا يُشترط أن يسمع نفسه؛ لأن الإسماع أمر زائد على القول والنطق وما كان زائدًا على ما جاءت به السنة فعلى مُدَّعيه الدليل، وإلا فلا يُقبل.
وعلى هذا فلو تأكد الإنسان من خروج الحروف من مخارجها، ولم يَسمع سواء كان ذلك لضعف سمعه أو لأصوات حوله أو لغير سبب، المهم أنه متأكد أنه نطق بالحروف، ولكن لم يُسمع نفسه فإن القول الراجح أن تكبيره، بل إن جميع أقواله معتبرة، وأنه لا يُشترط أكثر مما دلت النصوص على اشتراطه وهو القول.
[ ١ / ١٠٩٤ ]
يقول المؤلف: (يقول: الله أكبر)، بهذا اللفظ، الله أكبر، فلا يجزئ غيرها، ولو قام مقامها لو قال: الله الأجل، أو: الله أجل، أو: أعظم، أو ما أشبه ذلك فإنه لا يجزئ؛ لأن ألفاظ الذكر توقيفية، يُتوقف فيها على ما ورد به النص، ولا يجوز إبدالها بغيرها؛ لأنها قد تحمل معنى نظن أن غيرها يحمله وهو لا يحمله.
فإن قال: الله الأكبر. فقال بعض العلماء: إنه يجزئ، وقال آخرون: بل لا يجزئ، والصحيح أنه لا يجزئ؛ لأن قولك: أكبر مع حذف المفضَّل عليه يدل على أكبرية مطلقة بخلاف: الله الأكبر؛ فإنك تقول: ولَدِي هذا هو الأكبر، فلا يدل على ما تدل عليه أكبر بالتنكير، ثم إن هذا هو الذي ورد به النص وقد قال النبي ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢٠)، فالواجب أن يقول: الله أكبر، بهذا اللفظ.
وإذا كان لا يعرف اللغة العربية، ولا يستطيع النطق بها، فماذا يصنع؟
نقول: لدينا قاعدة شرعية قال الله فيها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٢١)، فليُكبِّر بلغته ولا حرج عليه؛ لأنه لا يستطيع، فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون له: اسكت وانوِ التكبير بقلبك؟
فالجواب: لأن التكبير يشتمل على لفظ ومعنى؛ ويشتمل على قول بالقلب؛ يعني يشتمل على ثلاثة أشياء: قول القلب، واللفظ الذي جاء به النص؛ وهو العربي، والثالث المعنى، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
[ ١ / ١٠٩٥ ]
الشيخ: هذا الرجل الذي لا يعرف اللغة العربية يستطيع أن يُكبِّر بقلبه، ويستطيع أن يكبر بالمعنى، ولا يستطيع أن يكبر باللفظ، وإذا أخذنا بالآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قلنا: أنت الآن تستطيع شيئين، وتعجز عن الثالث، فقم بالشيئين وهما تكبير القلب والمعنى، ويسقط عنك الثالث؛ وهو التكبير اللفظي؛ لأنك عاجز عنه.
ثم نرجع إلى معنى هذه الكلمة (الله أكبر)، ويش معناها؟ وما مناسبة ابتداء الصلاة بها؟
نقول: معناها ظاهر؛ أن الله تعالى أكبر من كل شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، وكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، قال الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال ﷿: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ومن هذه عظمته فهو أكبر من كل شيء، أما المعنى فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧]، فكل معنى لهذه الكلمة من معاني الكبرياء فهو ثابت لله ﷿.
[ ١ / ١٠٩٦ ]
زعم بعض العلماء أن معنى (الله أكبر) الله كبير، ولكن هذا زعم ضعيف جدًّا؛ لأن كل إنسان يعرف الفرق بين الكبير وأكبر، صحيح أن الله تعالى سمَّى نفسه بالكبير المتعال، لكن أكبر غير معنى الكبير، لكنهم فروا من المفاضلة بين الخالق والمخلوق، ولكن هذا الفرار الذي فروا منه أوقعهم في شر مما فروا منه، أوقعهم بأن يأتوا بوصف لو أخذنا بظاهره لكان المخلوق والخالِق سواء، وهذا نظيره في تفسير بعضهم قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ﴾؛ بأن المعنى الله عالِم، يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [النحل: ١٢٥] قالوا: هو عالم؛ لأنك إذا قلت: أعلم؛ اقتضى مفضلًا ومفضلًا عليه، فيقال: وما المانع أن يكون الله أعلم من كل أحد، أعلم من كل عالم؟ شو المانع؟ لكن لو قلت: الله عالم أتيت بلفظ لا يمنع المشاركة ولَّا لا؟
لأنك ممكن تقول: الله عالم، والإنسان عالم، وفلان عالم، وفلان عالم، وفلان عالم، وأيما أبلغ في الوصف أن تأتي بلفظ يمنع المشاركة، وهو الأفضلية المطلقة، أو بلفظ لا يمنع المشاركة؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، إذن الله يقول عن نفسه: الله أعلم، وأنت تقول: الله عالم، هذا فيه شيء من نقص المعنى.
إذن نقول: (الله أكبر) اسم تفضيل على اسمه، وحذف المفضل عليه ليتناول كل شيء، أكبر من كل شيء ﷿.
[ ١ / ١٠٩٧ ]
هذه الكلمة كيف تُنطق؟ قال العلماء: يُكره مدُّها، يكره أن يمد الله، بل يقطعها حتى في النهوض من السجود إلى القيام مع طول النهوض، وحتى في الهوي إلى السجود مع طول ما بين القيام والسجود لا تمدها، ما تقول: الله أكبر، اقطعها، قالوا: لأن هذا ما جاءت به السنة فيكون مكروهًا، هكذا نص عليه الفقهاء ﵏، ولكن الظاهر -والله أعلم- أن الأمر في هذا واسع، ولكن ليس مدها بأفضل من قطعها كما يتوهمه بعض الناس، بعض الناس الآن يقول: لا بد أن تجعل للركوع هيئة في التكبير، وللسجود هيئة، وللجلوس هيئة، وللتشهد، وأظن بين السجدتين لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة محركة.
حرِّك الزر هذا يشتغل شيء، والزر هذا يشتغل شيء؛ لأن المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف ويش يتابع؟
طلبة: ().
الشيخ: يتابع ها التكبير، إذا كبرت للسجود عرف أنك ساجد، سجد، لو هو سارح القلب، إن كبرت للنهوض كذلك فعل، لكن إذا جزمت أو قطعت التكبير كله صار المأموم قد شد أعصابه وفكره يحسب كل ركعة وسجدة يخشى أن يقوم في موضع الجلوس فيخجل أمام الناس، أو أن يجلس في موضع القيام فيخجل، وتجده قد شد حيله -كما يقولون- أو شد فكره من أجل أن يعرف أن هذه هي الركعة الثانية، وهذه الثالثة، وهذه الرابعة.
صحيح أن المسبوق قد يلتبس عليه الأمر؛ يعني لو دخل معك إنسان في الركعة الثانية، وتكبيرك لا يتغير، ثم كبرت وجلست يظن المسبوق؟
طالب: أنك قائم.
الشيخ: أنك قائم؛ لأنه لا يعرف التفريق، ولكن نقول: هذا محظور يمكن إزالته؛ أولًا: بأن يقال: إن النبي ﷺ لم يُنقل عنه أنه يُفرَّق بين التكبيرات، بل إن ظاهر صنيعه -﵊- أنه لا يفرق؛ لأنه لما صنع المنبر صار يصلي عليه، وقال: «إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَّمُوا صَلَاتِي» (٢٢). فلو كان يُكبِّر ويغيِّر بين التكبير لكان الناس يأتمون به ولو لم يكن على المنبر.
[ ١ / ١٠٩٨ ]
ثم نقول: هذا المسبوق سيكون يلي شخصًا آخر غير مسبوق، يعرف اللي جنبه، قد يكون مسبوق آخر قبله مسبوق، أليس كذلك؟ المسبوق الذي يلي الذين لم يُسبقوا يعرف فيقتضي به، وهذا يقتضي بهذا، وهذا يقتضي بهذا، وأهم شيء هو اتباع السنة مع حصول الفائدة في كون المأموم يشد نفسه حتى يعرف عدد الركعات، والفقهاء -﵏- قد نصوا على أنه يكره مدُّه؛ مد التكبير، وبعض الفقهاء قال: يمد التكبير في الهوي إلى السجود، وفي القيام من السجود لطول ما بين الركنين.
قال: (ويقول: الله أكبر رافعًا يديه) (رافعًا) حال من (يقول) حال مقارنة ولَّا لا؟ يعني حال القول يكون رافعًا يديه، واستمع (رافعًا يديه مضمومتي)، كذا عندكم ولَّا مضمومتا؟
طلبة: مضموتي.
الشيخ: بالياء، إي، هذا هو الأحسن (مضمومتي الأصابع ممدودة حذو منكبيه)، حذو يعني (حذاء)، منكبيه يعني كتفيه، عندنا أولًا الرفع، رفع اليدين، ما دليله؟ دليله جاءت به السنة في عدة أحاديث كحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع (٢٣)، وصح عنه أيضًا أنه يرفع يديه إذا قام من الجلسة للتشهد الأول (٢٤).
فهذه أربعة مواضع، تُرفع فيها اليدان كما جاءت به السنة.
قال المؤلف: (مضمومتي الأصابع)؛ يعني يضم بعضها إلى بعض، (ممدودة) يعني غير مقبوضة، المد ضد القبض، القبض هكذا، يضم الأصابع إلى الراحة، المد فتحها هكذا، الضم إلصاق بعضها ببعض، وهذا قد جاء في أحاديث في السنن، وإن لم تكن في الصحيحين، لكنها في السنن، هكذا يقول: أما حذو المنكبين فقد جاءت بها الأحاديث في الصحيحين وغيرهما إلى حذو المنكبين.
[ ١ / ١٠٩٩ ]
وقوله: (رافعًا يديه) لم يُبيِّن المؤلف هل هذا عام للرجال والنساء أو خاص بالرجال، ولكنه سيأتي -إن شاء الله- في آخر صفة الصلاة أن المرأة كالرجل إلا أنها تسدل رجليها، وتضم نفسها فلا تتجافى عند السجود، ولا ترفع يديها، تخالف في هذه الأمور الثلاثة، وربما في أكثر كما سننظر إن شاء الله، ولكن الصحيح أن ذلك عام في حق الرجل وحق المرأة، وأن المرأة ترفع يديها كما يرفع الرجل.
فإذا قال قائل: ما الدليل على عموم هذا الحكم للرجال والنساء؟
قلنا: الدليل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل، وهنا ليس فيه دليل على أن المرأة لا ترفع يديها، بل النصوص عامة، وقول النبي ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢٥)، الخطاب فيه للرجال وللنساء، يشمل.
فإذا قال قائل: ما الحكمة من رفع اليدين؟
فالجواب على ذلك: أن الحكمة في ذلك الاقتداء برسول الله ﷺ؛ فاتباع الرسول ﵊ هو الحكمة، وهو الذي يُسلِّم به المرء بدون أن يتجول عقله هنا وهناك.
ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂: ما بالُ الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢٦).
وإنما عللت بالنص؛ لأن النص غاية كل مؤمن ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فالمؤمن إذا قيل له: هذا حكم الله ورسوله، وظيفته أن يقول: سمعنا وأطعنا.
إذن الحكمة من رفع اليدين عند التكبير هو؟
طالب: الاقتداء برسول الله ﷺ.
الشيخ: الاقتداء برسول الله ﷺ، ومع ذلك يمكن أن نتأمل لعلنا نحصل على حكمة من فِعل الرسول؛ يعني لماذا فعل الرسول هذا؟
[ ١ / ١١٠٠ ]
أنا لست أسأل عن لماذا فعلت أنا، أنا فعلت اتباعًا للرسول ﵊، لكن لماذا فعل الرسول هكذا؟
نقول: في هذا تعظيم لله ﷿، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي، فإن قولك: (الله أكبر) لا شك أنك لو استحضرت هذا المعنى تمامًا لغابت عنك الدنيا كلها؛ لأن الله أكبر من كل شيء، وأنت الآن ستقف بين يدي من هو أكبر من كل شيء، فيقترن التعظيم القولي والتعظيم الفعلي برفع اليدين، ثم إن بعض العلماء أيضًا علل بتعليل آخر بأنه إشارة إلى رفع الحجاب بينك وبين الله، والإنسان عادة يرفع الأشياء بيديه، ويعمل بيديه، فيقول هكذا كأن شيئًا أزلته لئلا يكون بينك وبين ربك حجاب.
وعلل بعضهم بتعليل ثالث؛ بأن ذلك من زينة الصلاة؛ لأن الإنسان إذا وقف وكبَّر بدون أن يتحرك لم تكن الصلاة على وجه حسن كامل، وهذا وإن كان فيه بعض الشيء، لكن يمكن أن نقول: ليجتمع التعبد لله تعالى عند الدخول في الصلاة بالقول ويش بعد؟
طالب: وبالفعل.
الشيخ: وبالفعل، فيجتمع للإنسان تعبدان في هذا الحال أول ما يدخل؛ لأنك لو مثلًا فرضنا أن قلت: الله أكبر، ولا حركت شيئًا ما صار فيه عبادة مقارنة للتكبير، إذا قال قائل ..
طالب: ().
الشيخ: والله يا أخي، إطلاق القول بأنها بدعة، وفيه اختلاف في الوصف يقصد به التعليم.
طالب: ().
الشيخ: صحيح، إي، لكن هو يقول: أنا ما أتعبد لله بذلك، لكن لما كان الناس يغفلون وتسرح قلوبهم هذه علشان ننبههم شوية.
على كل حال أنا ما أستطيع إطلاق القول بأنها بدعة، لكن أقول: إنه لا شك أن الأفضل عدم التمييز؛ ولهذا الفقهاء نصوا على الكراهة، أنه يكره المد في التكبير، وأن الأولى قطعه؛ الله أكبر.
طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- يستدلون بعض الناس على أنها بدعة، أن العرب ما يمدون في هذا الموضع؛ لأنه ليس موضع مد ()، يقولون: إذا مديت فنحن على يقين أنك خالفت فعل النبي ﷺ؛ لأن النبي عربي ().
[ ١ / ١١٠١ ]
الشيخ: على كل حال، يجيك بعض أناس آخرين، يقولون: هذا دين جديد، نحن وجدنا العلماء كلهم قبلك يمدون، ()، لكن أنا أقول: والله العوام إذا بُيِّن لهم الحق نقول: يا جماعة، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فإذا كان الرسول يفعل هذا فعلى العين والرأس، اثبتوا لنا ذلك، ولكم علينا أن نقوله من أول صلاة نصليها بعد أن يثبت عندنا، حينئذٍ يسكتون؛ لأن العامي إذا بين له الحق وُضِّح ..
طالب: ذكر النووي أن الرسول ﷺ كان يمد التكبير عند جلسة الاستراحة، يعني الدليل؟
الشيخ: من اللي قال؟
طالب: النووي.
الشيخ: النووي، كم بينه وبين الرسول ﷺ؟
طالب: يعني قصدي الدليل.
الشيخ: أقول: كم بينه وبين الرسول، أسألك؟
طالب: ().
الشيخ: طيب الإسناد منقطع ولَّا متصل؟
الطالب: فيما يبدو أنه منقطع.
الشيخ: خلِّ يثبت هذا بإسناد إلى الرسول ﷺ، وجزاك الله خيرًا، بيِّن لنا هذا.
طالب: أحسن الله إليك، يقول الرسول ﷺ: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» (٥)، ما () على أنهم يقوموا إذا رأوا يعني مفهوم المخالفة، أن السنة أن يقوموا للصلاة إذا رأوا الإمام.
الشيخ: إي نعم، وهكذا كثير من العلماء قالوا: السنة إذا رأوا الإمام قاموا من أجل ألا يعيقوه بعد الإقامة؛ يعني بعد الإقامة إذا اشتغل الإمام بتسوية الصفوف؛ يعني يتأخر، لكن إذا قاموا وسووا صفوفهم قبل أن تُقام الصلاة؛ يعني كان هذا طيبًا، وهذا يدل على أن الإنسان يقوم إذا رأى الإمام وإن لم يصل إلى (قد قامت الصلاة).
طالب: والأرجح يا شيخ؟ وهذا الموضوع أقربها يعني للمعنى وللنص؟
الشيخ: هذا جيد.
طالب
: بالنسبة للتكبير، الأربعة مواضع ما قيل عليها زيادة فيه بعض العلماء ..
الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله- في تكبيرة الجنازة.
طالب: لا، أنا أقصد في جميع حركات الصلاة، الانتقال من حركة إلى حركة ..
[ ١ / ١١٠٢ ]
الشيخ: إي نعم، سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أن القول بأنه يسن رفع اليدين في كل خفض ورفع قول ضعيف؛ لأنه مستند إلى حديث ضعيف، ذكر الشيخ ابن القيم -﵀- أنه وهْم من الراوي ().
***
طالب: () وعلى نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال رحمه الله تعالى:
ويقول: (الله أكبر) رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودتين حذو منكبيه في السجود، ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه، ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته، وينظر مسجده، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يستعيذ، ثم يبسمل سرًّا وليست من الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين قال: أو ترك منها تشديدة، أو حرفًا، أو ترتيبًا لزم غير مأمومه إعادتها، ويجهر الكل بآمين في الجهرية.
الشيخ: () وعلى نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول: الله أكبر) إذا كان الإنسان أخرس، فكيف يقول: الله أكبر؟ هل تسقط عنه للعجز أم ماذا؟
طالب: ينويها، يقولها بقلبه.
الشيخ: يقولها بقلبه؟
الطالب: ولا يتلفظ بها كما ..
الشيخ: كيف لا يتلفظ بها؟ ! ما يقدر، أخرس! !
الطالب: قالوا: إنه يحرك فمه.
الشيخ: يقولها بقلبه، ما دليلك على أنه يقولها بقلبه؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
الشيخ: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ..
الطالب: وهذا لا يستطيع إلا أن يقولها بقلبه فـ ..
الشيخ: فوجب عليه، وهل يحرك شفتيه ولسانه؟
طالب: لا يحرك.
الشيخ: لماذا؟ أليس القول يلزم منه تحريك اللسان والشفتين؟
طالب: لكن لا يحرك لسانه وشفتيه فقط، إذا كان لا ينطق ..
الشيخ: هو أخرس، السؤال عن رجل أخرس.
الطالب: نعم، لا يحرك لسانه وشفتيه.
الشيخ: ألست أنت الآن إذا تكلمت أليس لسانك يتحرك وشفتاك؟ أسألك أليس لسانك وشفتاك تتحركان إذا تكلمت؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ١١٠٣ ]
الشيخ: طيب لماذا لا نقول: يحرك اللسان والشفتين؟
طالب: لأنه أخرس.
الشيخ: إي، أنا أقول: يُحرِّك، لا يجب عليه القول، لكن يجب عليه التحريك.
طالب: لا يحرك شفتيه ولسانه؛ لأن لسانه علامة على قول القلب، فإذا سقط الأصل، وهو النطق يسقط الفرع وهو تحريك لسانه وشفتيه.
الشيخ: لا، هو غير هذا الجواب.
طالب: القول بأن تحريك اللسان والشفتين مقصود لغيره.
الشيخ: مقصود لغيره، وسيلة للنطق، فإذا سقط النطق سقطت الوسيلة؛ تحريك اللسان والشفتين مقصود لغيره وسيلة للنطق، فإذا سقط النطق لعدم القدرة عليه سقطت الوسيلة.
ذكرنا على قول: (الله أكبر) أن الباحث أولًا هل يقوم غيرها مقامها؟
طالب: لا يقوم غيرها مقامها.
الشيخ: ولو كان بمعناها؟
الطالب: ولو كان بمعناها () فيقتصر بها على ما ورد عن النبي ﷺ.
الشيخ: وهل ورد عن النبي ﷺ ما يُعيِّن التكبير؟
الطالب: يقول ﷺ للمسيء في صلاته: «ارْجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ ..» فكبر، لما قال له: استقبل القبلة ..
الشيخ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (١٩)، أحسنت.
هل يجوز أن يقول الله الأكبر؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟
طالب: لأن ().
الشيخ: لأن مدلول (الله أكبر) أبلغ من مدلول (الله الأكبر)؛ ولأن هذا هو الذي ورد به النص.
فسر بعض العلماء أكبر بكبير، فما رأيك بهذا التفسير؟
طالب: لا، ضعيف يا شيخ.
الشيخ: هذا التفسير ضعيف، وهل يُعتبر أنقص من اللفظ أو لا؟
طالب: أنقص منه؛ لأنه ..
الشيخ: أنقص، لماذا؟
الطالب: () ويقع فيه المشاركة.
الشيخ: إذن من قال: أكبر بمعنى (كبير) فقد نقص المعنى؛ لأن كبير لا تمنع المشاركة بخلاف أكبر.
قال المؤلف: (رافعًا يديه مضومتي الأصابع) ما الدليل على رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام؟
طالب: فعل النبي ﷺ.
الشيخ: ومن رواه عنه.
[ ١ / ١١٠٤ ]
الطالب: في البخاري يا شيخ أن الرفع عن ابن عمر أن الرفع في أربعة مواضع ..
الشيخ: رواه عنه ابن عمر: كان النبي ﷺ: يرفع يديه إلى حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة (٢٧).
ما هي الحكمة من هذا الرفع؟
طالب: الحكمة قيل: إن في هذا تعظيمًا لله ﷾.
الشيخ: نعم، إظهار التعظيم لله.
الطالب: إي نعم، وقيل: إن هذه إشارة إلى رفع الحجاب بين المصلِّي وبين ربه.
الشيخ: اثنين.
طالب: قيل: إنها من زينة الصلاة.
الشيخ: زينة للصلاة.
الطالب: قيل أيضًا إنها يجتمع فيها العبادتان القولية والفعلية ..
الشيخ: إشارة لتعظيم الله، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي.
وهنا مباحث:
أولًا: الرفع يقول المؤلف: (إلى حذو المنكبين)، والمنكبان هما الكتفان، فيكون منتهى الرفع إلى الكتفين، هكذا (مضمومتي الأصابع ممدودة)، فإذا قُدِّر أن في الإنسان آفة تمنعه من رفع اليدين إلى المنكبين، فماذا يصنع؟ يرفع إلى حيث يقدر عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، كذلك إذا قُدِّر أن في الإنسان آفة، لا يستطيع أن يرفعهما إلى حذو المنكبين، بل إلى أكثر من ذلك كما لو كانت مرافِقه لا تنحني بل هي واقفة، ما يقدر يقوم إلا كذا مثلًا، يرفع ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يرفع لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ اسْتَطَعْتُمْ﴾، وإذا كان لا يستطيع الرفع بواحدة رفع بالأخرى للآية؛ ولأن النبي ﷺ لما كان واقفًا بعرفة فسقط خِطام ناقته، وكان رافعًا يديه يدعو أخذه بإحدى يديه والأخرى مرفوعة يدعو الله بها (٢٨).
ويقول المؤلف: (رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودة)، الضم أي رَص بعضها إلى بعض، والمد ضد القبض، هكذا.
وقال بعض العلماء: إنه ينشرها؛ أي يفرقها هكذا، ولكن الصحيح ما ذكره المؤلف؛ لأن هذا هو الوارد عن النبي ﵊.
[ ١ / ١١٠٥ ]
رافعًا يَدَيْهِ مَضْمُومَتَيِ الأصابعِ مَمدودةً حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجودِ، ويُسْمِعُ الإمامُ من خلفِه كقراءتِه في أَوَّلَتَي غيرِ الظُّهْرَيْنِ، وغيرُه نفسَه، ثم يَقْبِضُ كُوعَ يُسراهُ تحتَ سُرَّتِه ويَنظُرُ مَسجِدَهُ ثم يقولُ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ "
صار لتعظيم الله، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي.
وهنا مباحث:
أولًا: الرفع، يقول المؤلف: إلى حذو المنكبين. والمنكبان هما الكتفان، فيكون منتهى الرفع إلى الكتفين هكذا (مضمومتي الأصابع ممدودة) فإذا قدر أن في الإنسان آفة تمنعه من رفع اليدين إلى المنكبين فماذا يصنع؟ يرفع إلى حيث يقدر عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
كذلك إذا قدر أن في الإنسان آفة لا يستطيع أن يرفعهما إلى حذو المنكبين؛ بل إلى أكثر من ذلك، كما لو كانت مرافقه لا تنحني، بل هي واقفة، ما يقدر يقوم مثلًا يرفع ولّا لا؟ يرفع؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وإذا كان لا يستطيع الرفع بواحدة رفع بالأخرى للآية، ولأن النبي ﷺ لما كان واقفًا بعرفة فسقط خطام ناقته، وكان رافعًا يديه يدعو، أخذه بإحدى يديه والأخرى مرفوعة يدعو الله بها (١).
ويقول المؤلف: (رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودة) الضم أي رص بعضها إلى بعض، والمد ضد؟
طالب: القبض.
الشيخ: وقال بعض العلماء: إنه ينشرها، أي يفرقها، ولكن الصحيح ما ذكره المؤلف؛ لأن هذا هو الوارد عن النبي ﵊.
***
الشيخ: قال: (حذو منكبيه)؛ ذكرنا أن المراد بالمنكبين الكتفان، ويجوز أن يرفعهما إلى فروع أذنيه؛ لورود ذلك عن النبي ﷺ، فتكون صفة الرفع من العبادات الواردة على وجوه متنوعة.
[ ١ / ١١٠٦ ]
والعلماء ﵏ اختلفوا في العبادات الواردة على وجوه متنوعة، هل الأفضل الاقتصار على واحد منها، أو الأفضل فعل جميعها في أوقات شتى، أو الأفضل أن يجمع بين ما يمكن جمعه؟ والصحيح القول الثاني الوسط، وهو أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يفعل بعضها هكذا وبعضها هكذا، فهنا الرفع ورد إلى حذو منكبيه، ورد إلى فروع أذنيه، فنقول: كل سُنة، والأفضل أن تفعل هذا مرة وهذا مرة؛ ليتحقق فعل السنة على الوجهين، ولبقاء السنة حية؛ لأنك لو أخذت بوجه وتركت الآخر مات الوجه الآخر، فلا يمكن أن تبقى سنة حية إلا إذا كنا نعمل بهذا مرة وبهذا مرة، ولأن الإنسان إذا عمل بهذا مرة وبهذا مرة صار قلبه حاضرًا عند أداء السنة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائمًا فإنه يكون فاعلًا له كفعل الآلة عادة، وهذا شيء مشاهد، ولهذا من لزم الاستفتاح مثلًا بقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» دائمًا تجده من يوم يكبِّر يشرع في «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» من غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرة والثاني مرة صار منتبهًا.
ففي فعل العبادات المتنوعة على وجوهها الواردة ثلاثة فوائد:
الأول: اتباع السنة. والثاني: إحياء السنة. والثالث: حضور القلب.
وربما يكون هناك وجه رابع في بعض الأحيان: إذا كانت إحدى الصفات أقصر من الأخرى، كما في الذكر بعد الصلاة أحيانًا يكون الإنسان مثلًا يحب أن يسرع في الانصراف فيقتصر على (سبحان الله) عشر مرات و(الحمد لله) عشر مرات و(الله أكبر) عشر مرات؛ فيكون هنا فاعلًا للسنة قاضيًا لحاجته، ولا حرج على الإنسان أن يفعل ذلك يعني مع قصد الحاجة؛ كما قال تعالى في أهل الحج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
إذن الأفضل في رفع اليدين أيش؟
طالب: ().
[ ١ / ١١٠٧ ]
الشيخ: أن يرفعهما مرة إلى حذو المنكبين ومرة إلى فروع الأذنين، وحاول بعض العلماء أن يجمع بين الروايات وقال: من قال: إلى حذو المنكبين أراد أسفل الكف، ومن قال: إلى فروع الأذنين أراد أعلى الكف الأصابع، وهذا يعني يقول: وهذا قريب أن يكون أسفل الكف محاذيًا للمنكب وأعلاه محاذيًا لفروع الأذنين، فمن قال: بفروع الأذنين اعتبر أعلى الكف ومن قال: إلى حذو المنكبين اعتبر أسفله.
ولكن نقول: لا حاجة إلى هذا الجمع؛ لأن الأصل أن المراد الكف نفسه، لا أعلاه ولا أسفله، الظاهر أن المراد الكف نفسه لا أعلاه ولا أسفله، ولأن الأمر في هذا واسع، يعني مثلًا ليس الآن الإنسان مكلفًا إلى أن يتحرى إلى هذه الدقة بحيث يكون أسفل الكف محاذيًا للمنكب، وأعلاه محاذيًا لفروع الأذنين. طيب، ومتى يبتدئ الرفع؟
المؤلف يقول: (يقول: الله أكبر رافعًا يديه). فمتى يبتدئ؟
طالب: ().
الشيخ: الأحاديث الواردة في ذلك وردت أيضًا على وجوه متعددة، فبعضها يدل على أنه يرفع ثم يكبر، وبعضها على أنه يكبر ثم يرفع، وبعضها على أنه يرفع حين يكبر، يعني يكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وانتهاؤه مع انتهاء الرفع، ثم يضع يديه، ونحن نقول: إن الأمر أيضًا في هذا واسع، يعني سواء رفعت ثم كبرت أو كبرت ثم رفعت، أو رفعت مع التكبير، الأمر في هذا واسع؛ إن فعلت أي صفة من هذه الصفات فأنت مصيب للسنة.
يقول: (حذو منكبيه كالسجود) أي كما يفعل في السجود إذا سجد فإنه يجعل يديه حذو منكبيه، وهذا أيضًا إحدى الصفتين في السجود، أن يجعل الإنسان يديه حذو منكبيه، وسيأتي إن شاء الله كيف تكون الذراعان، لكن المؤلف ذكر هذا استطرادًا، وإلا ليس هذا موضع ذكر اليدين في حال السجود، طيب، وسيأتي إن شاء الله أن هناك صفة أخرى وهو أن يسجد بين كفيه فيقدم الكفين حتى يحاذي بهما وجهه ويسجد بينهما.
[ ١ / ١١٠٨ ]
ثم قال المؤلف: (ويسمع الإمام من خلفه وغيره نفسه) يسمع الإمام من خلفه في أيش؟ في التكبير، يعني المؤلف يقول: يكبر يقول: الله أكبر ثم قال: (ويسمع الإمام من خلفه وغيره نفسه). يسمع من خلفه حسب ما تقتضيه الحال إن كان من خلفه واحدًا فالصوت الخفي يكفي، إن كان من خلفه كثيرين فلا بد من رفع الصوت، وإذا كان لا يُسمع صوته من وراءه استعان بمبلغ يبلغ عنه كما فعل النبي ﷺ حين جاء وأبو بكر يصلي بالناس، وكان صلوات الله وسلامه عليه مريضًا لا يُسمِع صوته المأمومين، فصلى أبو بكر عن يمينه، وجعل يبلغ الناس تكبير رسول الله ﷺ (٢)، إذا كبر النبي ﵊ بصوت منخفض كبر أبو بكر بصوت مرتفع فسمعه الناس، وهذا هو أصل التبليغ وراء الإمام.
فإن كان لا حاجة إلى المبلغ بأن كان صوت الإمام يبلغ الناس مباشرة أو بواسطة فما لا حاجة إليه لا حاجة إليه، أي لا يسن أن يعيد أحد تكبير الإمام إذا كان تكبير الإمام يصل إلى المأمومين؛ لأن هذا إنما يفعل عند الحاجة فقط، وإذا لم يكن حاجة فليس بسنة باتفاق المسلمين.
***
الشيخ: وقول المؤلف: (يسمع الإمام من خلفه) هل هذا على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب؟ المشهور من المذهب أنه على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، وأن الإمام له أن يكبر تكبيرًا خفيًّا لا يسمع، كما أن للمنفرد والمأموم ذلك، كما أن المأموم لا يرفع الصوت، وكذلك المنفرد، فللإمام أن يفعل كذلك فلا يرفع صوته، ولكن الأفضل أن يرفع صوته.
ولكن ظاهر كلام المؤلف أن هذا على سبيل الوجوب، لا على سبيل الاستحباب؛ لأنه قال: (وغيره نفسه). وإسماع الغير أي غير الإمام نفسه واجب، فيكون قوله: (ويسمع الإمام من خلفه) أيش؟ واجبًا. وهذا الذي هو ظاهر كلام المؤلف هذا هو القول الصحيح؛ أنه يجب على الإمام أن يكبر تكبيرًا مسموعًا يسمعه من خلفه:
[ ١ / ١١٠٩ ]
أولًا: لفعل النبي ﵊، فإنه لو كان الأمر غير واجب لم يكن هناك داع إلى أن يبلغ أبو بكر التكبير لمن خلف النبي ﷺ.
وثانيًا: لأنه لا يتم اقتداء المأمومين بالإمام إلا بسماع أيش؟ التكبير، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أنا أعتقد لو أن الإمام إذا قام من السجودلم يرفع صوته بالتكبير، متى يقوم الناس؟ ما يقومون إلا إذا شرع في الفاتحة، إلا إذا شرع في الفاتحة وجهر بها، مع أن جهره بالفاتحة على سبيل الاستحباب، فالصواب بلا شك والقول الصحيح بلا شك أنه يجب على الإمام أن يرفع صوته بالتكبير والتسميع بحيث يسمعه من وراءه بحسب الحال.
***
قال المؤلف ﵀: (يُسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين). أي كما يسمع القراءة في أولتي غير الظهرين، أولتي هذه مثنى ولَّا جمع؟
طلبة: مثنى.
الشيخ: مثنى، أين النون؟
طالب: ().
الشيخ: حذفت للإضافة كذا؛ لأنه يحذف التنوين والنون عند الإضافة، كذا، صحيح؟
طالب: صحيح نعم.
الشيخ: طيب، (أولتي غير الظهرين) ما هما الظهران؟
الطلبة: الظهر والعصر.
الشيخ: وأطلق عليهما اسم الظهرين تغليبًا؛ كما يقال: العشاءين وكما يقال: العمرين وكما يقال: القمرين.
إذن المراد في (أولتي غير الظهرين) يعني الظهر والعصر، فهو يجهر في كل ركعتين أولتين في غير الظهرين، ولننظر ماذا يشمل؟ يشمل المغرب أو لا؟ والعشاء والفجر، لكن الفجر ليس إلا؟
طالب: ركعتين.
الشيخ: لكنه داخل في كلام المؤلف، يشمل الجمعة، يشمل العيدين، يشمل الاستسقاء، يشمل التراويح، ويشمل الوتر، ويشمل الكسوف، يشمل كل ما تشرع فيه الجماعة، فإنه يسن أن يجهر بالقراءة ما عدا؟
طالب: الظهرين.
الشيخ: ما عدا الظهرين فإنه لا يجهر بالقراءة فيهما، طيب، فإذا قال قائل: صلاة الليل جهرية وصلاة النهار سرية، لماذا؟ ما هي الحكمة في أن يجهر في صلاة الليل ويسر في صلاة النهار؟
[ ١ / ١١١٠ ]
فالجواب: لأن الليل تقل فيه الوساوس ويجتمع فيه القلب واللسان على القراءة، فيكون اجتماع الناس على صوت الإمام وقراءة الإمام أبلغ من تفرقهم، ولهذا لا يشرع الجهر في النهار إلا في صلاة جامعة كصلاة؟
طالب: ().
الشيخ: الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوف؛ يعني الناس يجتمعون، ولا شك أن إنصاتهم على قراءة الإمام تجعل قراءتهم قراءة واحدة؛ لأن المستمع كالقارئ، لكن لو كان الإمام يسر لكان كل واحد يقرأ على نفسه، فيكون الجهر أجمع على القراءة؛ لأنهم يجتمعون على قراءة واحدة، بخلاف السر.
هذا ما ظهر لي من الحكمة في الجهر لصلاة الجمعة والعيدين وشبههما، وكذلك في صلاة الليل.
يقول: (كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه). وغيره يعني ويسمع غيره، غير من؟ غير الإمام، فمن غيره؟
الطلبة: ().
الشيخ: المأموم والمنفرد. يسمع نفسه، يعني يتكلم وينطق بحيث يسمع نفسه، فإن أبان الحروف بدون أن يسمع نفسه لم تصح قراءته، بل ولم يصح تكبيره، لو كبر وقال: الله أكبر لكن على وجه لا يسمع نفسه لم تنعقد صلاته؛ لأن التكبير أيش؟ لم يصح، لا بد أن يسمع نفسه، ولكن يشترط لوجوب إسماع نفسه ألا يكون هناك مانع من إسماع نفسه، فإن كان هناك مانع سقط وجوب الإسماع لوجود المانع، لو كان يصلي وحوله دركتر. تعرفون صوت الدركتر؟ ولا يسمع هذا، لا يمكن يسمع نفسه إلا إذا رفع صوته كثيرًا، فنقول: يكفي أن تكون بحيث تسمع نفسك لولا المانع، ولكن سبق لنا أنه لا دليل على اشتراط إسماع النفس، وأن الصحيح أنه متى أبان الحروف فإنه يصح التكبير وتصح القراءة أيضًا كل قول فإنه لا يشترط فيه إسماع النفس.
[ ١ / ١١١١ ]
والغريب أنهم هنا قالوا ﵏: يشترط لإسماع النفس في التكبير والقراءة وقالوا فيما إذا قال الإنسان لزوجته: أنت طالق؛ تطلق وإن لم يسمع نفسه. وكان مقتضى الأدلة أن تكون المعاملة بالأسهل في حق من؟ في حق الله. كيف نعامله في حق الله بالأشد ونقول: لا بد أن تسمع نفسك وفي حق الآدمي ولا سيما الطلاق الذي أصله مكروه نقول: يقع الطلاق وإن لم تسمع نفسك، لو قال: زوجتي طالق على وجه لم يسمع هو نطق نفسه فإن زوجته تطلق. على كل حال القول الراجح أنه لا يشترط لصحة التكبير والقراءة أن يسمع الإنسان نفسه، فمتى بانت الحروف ثبتت القراءة وثبت التكبير.
***
(وغيره نفسه، ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته وينظر مسجده، ثم) بعد أيش؟
طالب: التكبير.
الشيخ: بعد التكبير ورفع اليدين، مكبر رفع يديه إذا أراد أن يضعهما (يقبض كوع يسراه) هذا الكوع يقبضه هكذا يمسكه، طيب بعض الناس نشاهده يقول: الله أكبر ثم يرسل يديه ثم؟
طالب: يرفعها.
الشيخ: يرفعهما ويقبضهما، هذا ليس له أصل، بل من حين أن تنزلها من الرفع؟
طلبة: تقبضها.
الشيخ: تقبض، يقبض الكوع. أين الكوع؟ الكوع في مفصل الكف من الذراع ويقابله الكرسوع وبينهما الرسغ.
نسأل: أين الكوع والكرسوع؟
طالب: الكف والذراع، مقاس بين الكف والذراع.
الشيخ: المفصل الذي بين الكف والذراع. لكن هذا المفصل فيه ثلاثة أشياء: فيه كوع وكرسوع ورسغ، من يعرفه؟
طالب: الكوع هو الذي يلي الإبهام، والكرسوع هو الذي يلي الخنصر والرسغ يتوسط بين الكوع والكرسوع.
الشيخ: الذي بينهما طيب، صحيح.
الكوع يقول العلماء: إنه العظم الذي يلي الإبهام، اللي تحت الإبهام، والكرسوع هو الذي يلي؟
الطالب: الخنصر.
الشيخ: والرسغ هو الذي بينهما.
وأنشدوا على ذلك واحفظه:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي
لِخِنْصِرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطْ
[ ١ / ١١١٢ ]
وَعَظْمٌ يَلِي إِبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ
بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنَ الْغَلَطْ
المؤلف يقول: (يقبض كوع يسراه)، ومراده بالكوع المفصل، يقبض كوع يسراه تحت سرته، فأفادنا المؤلف ﵀ أن السنة قبض الكوع، لكن وردت السنة بقبض الكوع كما قال المؤلف، ووردت السنة بوضع اليد على الذراع من غير قبض هكذا بدون قبض. إذن هاتان صفتان: قبض والثاني؟
طلبة: وضع.
الشيخ: فإن قبضت فعلى خير، وإن وضعت بدون قبض فعلى خير أيضًا، كلاهما سنة.
نرى بعض الناس يقبض المرفق فهل لهذا أصل؟
طالب: لا أصل له.
الشيخ: ليس لهذا أصل، وإنما يقبض الكوع أو الذراع، ففي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (٣)؛ يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. إذن هاتان صفتان إما على الكوع وإما على أيش؟
طلبة: الذراع.
***
الشيخ: يقول المؤلف: (تحت سرته). يعني يجعل اليد اليمني واليسرى تحت السرة.
وهذه الصفة التي ذكرها المؤلف هي المشروعة على المشهور من المذهب، وفيها حديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: من السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت السرة (٤).
وذهب بعض العلماء إلى أنه يضعها فوق السرة، ونص الإمام أحمد على ذلك أنه يضع اليدين فوق السرة ولكنها تحت الصدر.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يضعهما على الصدر، وهذا هو أقرب الأقوال.
والسنة في ذلك كلها فيها مقال، لكن حديث سهل بن سعد الذي في البخاري ظاهره يؤيد أن الوضع يكون على الصدر، على أن الأحاديث الواردة على ما فيها من المقال أمثلها حديث وائل بن حجر، أن النبي ﷺ كان يضعهما على صدره (٥) هكذا، فهذا أحسن ما يكون من الوضع.
[ ١ / ١١١٣ ]
نرى بعض الناس يضعهما على جنبه هكذا، يعني على الجنب الأيسر هكذا، وإذا سألته: لماذا؟ قال: لأن هذا جانب القلب، وكأن قلبه يطير إذا دخل في الصلاة فيضع يديه على قلبه ليمسكه، ولكن هذا التعليل عليل، وإن شئت فقل: ميت:
أولًا: لأنه في مقابل السنة، وكل تعليل في مقابل السنة فإنه مردود على صاحبه؛ لأن السنة أحق بالاتباع.
وثانيًا: أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرًا (٦)، أي واضعًا يده على خاصرته، وهذا إن لم ينطبق عليه النهي فهو قريب منه، لهذا إذا رأيت أحدًا يفعل هكذا فانصحه وقل: ما هكذا السنة.
ثم إن فيه شيئًا آخر شيئًا ثالثًا، وهو أن فيه إجحافًا؛ لعدم التوسط في البدن؛ لأنه الآن فضل جانب اليسار على جانب اليمين، فنقول: خير الأمور الوسط العدل فكن بين اليمين وبين اليسار وضع اليدين على الصدر.
طالب: ().
الشيخ: نعم هذا يقول: إننا نرى الذين يضعون أيديهم تحت السرة تجده واضعًا يده تحت السرة () يهوجس، يعني يشعر بأنه كسلان وأن رفع اليد يكون في الغالب أنشط، وهذا صحيح، لكن يجب أن نعلم أن العادة لها أثر ربما لما اعتادوا ذلك صار عندهم سهلًا.
طالب: أقوال العلماء ().
الشيخ: للأسف أثر علي الأثر ضعيف.
طالب: بعض المأمومين يجهر بتكبيرة الإحرام بعدما يكبر الإمام.
الشيخ: يجهر لا على سبيل التبليغ، لكن هو يجهر بنفسه، ولا ينبغي هذا، المأموم لا ينبغي له أن يجهر لا بالتكبير ولا بالتسميع ولا بالقراءة ولا بالتحميد، وقلت: بالتسميع؛ لأن بعض العلماء يرى أن المأموم يسمع والصحيح أنه لا يسمع.
طالب: أحسن الله إليكم، جاء في حديث سهل بن سعد أنه يضع اليمنى على اليسرى على الذراع (٧)، لكن إن قبض على الذراع، لا على الكوع؟
الشيخ: فيه أحاديث أخرى.
الطالب: في القبض على الذراع؟
الشيخ: في القبض على الكوع.
الطالب: لا، في الذراع قصدي.
الشيخ: الذراع () وضع.
الطالب: وإن قبض؟
الشيخ: لا، الوضع أحسن.
[ ١ / ١١١٤ ]
طالب: جزاك الله خيرًا، بعض الناس تكون يده اليمنى مقطوعة الأصابع، وإذا جاء يتشهد يشرع له أنه يؤشر بأصبعه اليسرى؟
الشيخ: نعم، هذا سابق لأوانه.
طالب: هنا في اللي يعجز عن رفع اليدين؟
الشيخ: لا، ما وصلنا هذا في التشهد.
طالب: وضع اليدين على الثديين قريبًا من النحر. ما حكمه يا شيخ؟
الشيخ: هذا الظاهر؛ لأنه لا ينافي أن يضعهما على صدره؛ لأن هذا من الصدر، لكن بعض العلماء يضعها على النحر هكذا.
هذا لا شك أنه خطأ؛ لأنه فهمه من قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ولكن الآية لا تدل على ذلك، الصواب أن المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ التقرب إلى الله تعالى بالنحر، بالذبح.
طالب: () الرفع من سجود التلاوة ()؟
الشيخ: إي نعم، حتى في الرفع من سجود التلاوة، لكن بعض الناس إذا رفع من سجود التلاوة ما يكبر، ما هو يدري أنه يسر بالتكبير؛ لأنه لا يرى أنه يكبر وهمًا منه، حيث ظنوا أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن سجود التلاوة ليس فيه تكبير عند الرفع، فظنوا أن هذا عام، وهو ظن ليس بصواب، ومراد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إذا سجد للتلاوة سجودًا منفردًا، أما إذا كان في صلب الصلاة فإن جميع الواصفين لصلاة النبي ﷺ يقولون: إنه كان يكبر كلما ركع وكلما سجد، بل كلما رفع وخفض (٨) وهذا عام يشمل حتى سجود التلاوة.
***
طالب: باسم الله، والحمد لله، قال المؤلف رحمة الله تعالى عليه: ويقول: الله أكبر رافعًا يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة حذو منكبيه كالسجود، ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه. ثم يقبض على كوع يسراه تحت سرته، وينظر مسجده، ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ١١١٥ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه) هل إسماع الإمام لمن خلفه على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟
طالب: على سبيل الاستحباب.
الشيخ: هذا الذي يفيده كلام المؤلف.
طالب: كلام المؤلف يفيد الوجوب، يقول: (ويسمع).
الشيخ: كيف علمت أن كلامه يفيد الوجوب؟
الطالب: لقوله: (ويسمع).
الشيخ: يسمع هذه خبر.
طالب: قوله: (وغيره نفسه).
الشيخ: (وغيره نفسه) فإن إسماع غيره نفسه واجب.
ولكن قوله: (كقراءته في أولتي غير الظهرين) قد يمنع من القول بأنه واجب؛ لأن قراءته في أولتي غير الظهرين لا يجب فيها الإسماع، طيب، ماذا يشمل قوله: (كقراءته في أولتي غير الظهرين)؟
طالب: يشمل كل الصلوات التي غير الظهر والعصر، التي يجهر بها بالقراءة.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل في المغرب والعشاء والعيدين.
الشيخ: والفجر.
الطالب: وصلاة الاستسقاء والكسوف.
الشيخ: اصبر نسيت الفجر.
طالب: والفجر وصلاة الاستسقاء والكسوف والعيدين.
الشيخ: وقيام رمضان.
الطالب: ويوم الجمعة وقيام رمضان.
الشيخ: قوله: (وغيره نفسه). (غيره) الضمير يعود على من؟
طالب: المأموم.
الشيخ: (غيره) يعود على من؟ الضمير يعود على من؟
الطالب: الضمير يعود على الإمام.
الشيخ: أي غير الإمام يسمع نفسه. طيب هل هناك قول آخر في المسألة؟ (غيره نفسه)؟
السؤال: فهمنا أن الإمام يسمع من خلفه وأن غير الإمام يسمع نفسه، فهل هناك قول آخر بعدم وجوب إسماع المصلي نفسه؟
طالب: () الإمام لا يسمع.
الشيخ: ما هو الإمام؛ المصلي.
طالب: نعم.
الشيخ: فيه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وما مناط الحكم، أو ما العبرة عند هؤلاء الذين يقولون: لا يجب أن يسمع نفسه العبرة بأيش؟
طالب: العبرة بمخارج الحروف.
الشيخ: نعم، أن يخرج الحروف من مخارجها، فإذا أخرج الحروف فلا شرط، فليس بالشرط أن يسمع نفسه، وهذا القول هو الراجح.
[ ١ / ١١١٦ ]
طيب، قال المؤلف: (ثم يقبض كوع يسراه) ما هو الكوع؟
المراد المفصل اللي بين الكف؟
الطالب: والذراع.
الشيخ: طيب، (يقبض)، كيف القبض؟
طالب: () على ..
الشيخ: يضع ولا يقبض كذا؟ يمسك يعني.
الطالب: ().
الشيخ: نعم.
الطالب: وصيغة أخرى بالوضع.
الشيخ: بالوضع فقط، وكلا الأمرين؟
الطالب: سنة.
الشيخ: طيب، قول المؤلف: (تحت سرته)، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: الدليل استدل بقول علي بن أبي طالب ﵁ حيث قال: السنة أن يضع يمينه على ..
الشيخ: وضع اليد اليمنى؟
الطالب: على اليسرى تحت السرة.
الشيخ: طيب، فيه قول آخر؟
طالب: قول أنها فوق السرة.
الشيخ: أنها توضع فوق السرة، وقول ثالث؟
طالب: أنها على الصدر، توضع على الصدر.
الشيخ: طيب، وفيها أيضا قول رابع؟
طالب: توضع على النحر.
الشيخ: وأقرب الأقوال إلى الصحة؟
طالب: توضع على الصدر.
الشيخ: على الصدر؛ لحديث؟
الطالب: لحديث ابن عمر، وحديث ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أمر الناس أن يضعوا.
الشيخ: أن يضع الرجل.
الطالب: الرجل اليد اليمنى على الذراع اليسرى ..
الشيخ: في الصلاة (٧). فإن ظاهر هذه الصفة؟
الطالب: على الصدر.
الشيخ: أن يكون على الصدر؛ لأنه ما يضع اليد اليمنى على الذراع إلا وقد رفع اليدين، وفيها أيضًا حديث وائل بن حجر.
الطالب: أنه كان النبي ﷺ كان يضع يده على صدره.
الشيخ: اليمنى على اليسرى فوق صدره. أما حديث علي فقد ضعفه كثير من أهل العلم ولم يأخذوا به.
[ ١ / ١١١٧ ]
قال المؤلف: (وينظر مسجده) أي موضع سجوده، ينظر: الضمير يعود على المصلي، وهو شامل لمن يصلي وحده أو مع الإمام وللإمام أيضًا، يعني يشمل الإمام والمأموم والمنفرد، انتبه أنه ينظر موضع سجوده، وعلى هذا كثير من أهل العلم، واستدلوا بحديث روي عن رسول الله ﷺ في هذا أنه كان ينظر إلى موضع سجوده في حال صلاته (٩)، وكذلك قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] قالوا: إن الخشوع أن ينظر إلى موضع سجوده.
وقال بعض العلماء: بل ينظر إلى حيث كان وجهه تلقاء وجهه، إلا إذا كان جالسًا فإنه ينظر إلى يده حيث يشير عند الدعاء، وإلا فإنه ينظر تلقاء وجهه.
وفصل بعض العلماء بين الإمام والمنفرد وبين المأموم فقال: إن المأموم ينظر إلى إمامه ليتحقق من متابعته، ولهذا قال أبو الدرداء: كان النبي ﷺ إذا سجد لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده (١٠). قالوا: فهذا دليل على أنهم ينظرون إليه.
واستدلوا أيضًا بما جرى في صلاة الكسوف، حيث أخبر النبي ﷺ الصحابة أنه عرضت عليه الجنة وعرضت عليه النار وقال فيما عرضت عليه الجنة قال: «حَيْثُ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ»، وفيما عرضت عليه النار قال: «حِينَمَا رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ» (١١) وهذا يدل على أن المأموم ينظر إلى إمامه. والأمر في هذا واسع، ينظر الإنسان ما هو أخشع له إلا في الجلوس فإنه ينظر إلى أصبعه، يرمي ببصره إلى أصبعه، حيث تكون الإشارة كما جاء ذلك في صحيح مسلم.
[ ١ / ١١١٨ ]
واستثنى أهل العلم من هذه المسألة، بل بعض أهل العلم استثنى ما إذا كان في صلاة الخوف، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ بعث عينًا فجعل ينظر إلى ناحية الشِّعب وهو يصلي لينظر إلى هذا العين (١٢)، والعين هو الجاسوس، ولأن الإنسان يحتاج إلى النظر يمينًا وشمالًا في حال الخوف.
والعمل ولو كان كثيرًا في حال الخوف مغتفر فكذلك عمل البصر، وهذا الاستثناء صحيح.
واستثنى بعض العلماء المصلي في المسجد الحرام وقالوا: ينبغي أن ينظر إلى الكعبة؛ لأنها قبلة المصلي، ولكن هذا القول ضعيف، فإن النظر إلى الكعبة يشغل المصلي بلا شك؛ لأنه إذا نظر إلى الكعبة نظر إلى الناس وهم يطوفون فأشغلوه، والصحيح أن المسجد الحرام كغيره ينظر فيه المصلي إما إلى موضع سجوده أو تلقاء وجهه.
وأما النظر إلى فوق، إلى السماء، فإنه محرم، بل من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك واشتد قوله فيه حتى قال: «لَيَنْتَهُنُّ -يعني الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة- أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (١٣)، وفي لفظ «أَوْ لَا تَرْجِع إِلَيْهِمْ» (١٤)، وهذا وعيد، والوعيد لا يكون إلا على شيء من كبائر الذنوب. بل قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا رفع بصره إلى السماء وهو يصلي بطلت صلاته، واستدلوا لذلك بوجهين:
الوجه الأول: أنه انصرف بوجهه عن جهة القبلة؛ لأن الكعبة في الأرض وليست في السماء.
[ ١ / ١١١٩ ]
والثاني: أنه فعل محرمًا منهيًّا عنه في الصلاة بخصوصها، والفعل المحرم المنهي عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانها، ولكن جمهور أهل العلم على أن صلاته لا تبطل برفع بصره إلى السماء، لكن هو على القول الراجح آثم بلا شك؛ لأن الوعيد لا يأتي على فعل مكروه فقط. إذن ينظر المصلي إما تلقاء وجهه وإلا إلى موضع سجوده، ولكن أيهما أرجح: ينبغي أن يختار ما هو أخشع لقلبه، إلا في موضع واحد، بل في موضعين: في حال الخوف، وفيما إذا جلس فإنه يرمي ببصره إلى موضع إشارته إلى أصبعه (١٥) كما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه سلم.
أما في حال الصلاة في المسجد الحرام والنظر إلى الكعبة فإن القول الصحيح أنه لا ينظر.
ومن العجيب أن القوم الذين قالوا: ينظر إلى الكعبة قالوا: لأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التعليل يحتاج إلى دليل، من أين لنا أن النظر إلى الكعبة عبادة؟ يحتاج إلى دليل هذا؛ لأن إثبات أي عبادة إن لم يكن له أصل من الشرع فإنه يكون بدعة فيه، لو أن الإنسان أغمض عينيه بحيث لا ينظر شيئًا فهل هذا جائز أو لا؟ الصحيح أنه مكروه؛ لأنه يشبه فعل المجوس عند عبادتهم النيران، حيث يغمضون أعينهم، وقيل: إنه أيضًا من فعل اليهود، والتشبه بغير المسلمين أقل أحواله التحريم كما قال شيخ الإسلام ﵀، فيكون إغماض البصر في الصلاة مكروهًا على أقل تقدير، إلا إذا كان هناك سبب، مثل أن يكون حوله ما يشغله لو فتح عينيه، فحينئذ يغمض تحاشيًا لهذه المفسدة.
فإن قال قائل: أنا أجد نفسي إذا أغمضت عيني أخشع مما إذا لم أغمض عيني، فهل تفتونني بأن أغمض عيني؟ الجواب: لا؛ لأن هذا الخشوع الذي يحصل لك بفعل مكروه من الشيطان فهو كخشوع الصوفية في أذكارهم التي يتعبدون بها، وهي بدعة.
[ ١ / ١١٢٠ ]
والشيطان قد يلقي في قلبك أو قد يبعد عن قلبك فلا توسوس إذا أغمضت عينيك من أجل أن يوقعك فيما هو مكروه، فنقول: افتح عينيك وحاول أن تخشع في صلاتك، أما أن تغمض عينيك لتخشع بدون سبب فلا؛ لأن هذا من الشيطان.
قال: (وينظر مسجِده) ولّا مسجَده؟
طلبة: مسجِده.
الشيخ: يقولون: إن القياس مسجَده لكن هذا جاء على خلاف القياس بكسر الجيم.
(ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).
(سبحانك اللهم وبحمدك) هذه جملة تتضمن التنزيه والإثبات، تتضمن التنزيه في قوله: (سبحانك اللهم)، والإثبات في قولك: (وبحمدك)؛ لأن الحمد هو وصف المحمود بالكمال، فتكون هاتان الجملتان جامعتين للتنزيه، ويش بعد؟
طلبة: والإثبات.
الشيخ: أولًا قوله: (سبحانك) هذه اسم مصدر من سبح يسبح، والمصدر أيش؟
طلبة: تسبيح.
الشيخ: واسم المصدر سبحان، قالوا: وهو دائمًا منصوب على المفعولية المطلقة محذوف العامل مضاف، ففيه ثلاثة أشياء؛ أنه منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، والثاني؟
طلبة: محذوف العامل.
الشيخ: والثالث؟
طلبة: مضاف.
الشيخ: ومعناه: تنزيهًا لك يا رب، وعماذا تنزه الله؟ تنزهه عن كل نقص.
والنقص إما أن يكون في الصفات أو في مماثلة المخلوقات، فصفاته التي يتصف بها منزه فيها عن كل نقص.
يتصف بالعلم أي علم؟ العلم الكامل، بالحياة الكاملة، بالسمع الكامل، بالبصر الكامل، وهكذا جميع الصفات التي يتصف بها هو فيها منزه عن النقص. كذلك منزه عن أن يوصف بصفة نقص محضة، ما هو بنقص في كمال، بصفة نقص محضة، مثل أن يوصف بالعاجز أو بالظالم أو ما أشبه ذلك، منزه عن مماثلة المخلوقات ولو فيما هو كمال في المخلوق فإن الله تعالى منزه عنه.
[ ١ / ١١٢١ ]
فمنزه عن أن تكون صفاته الخبرية كصفات المخلوقين، مثل الوجه واليدين والقدم والعينين، منزه عن أن تكون هذه الصفات الخبرية كصفات المخلوقين، كذا؟ وأن تكون صفاته الذاتية كصفات المخلوقين، فعلمه ليس كعلم المخلوق؛ لأن علم المخلوق كله نقص؛ نقص في ابتدائه لأنه مسبوق بجهل، وفي غايته لأنه ملحوق بالنسيان، وفي شموله لأنه قاصر، حتى روحك التي بين جنبيك لا تعلم عنها شيئًا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، حتى ما تريد أن تفعله غدًا لست على يقين من أن تفعله، لكنك ترجو وتأمل، وإلا فلا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا. إذن هذا نقص عظيم حتى في العلم، البشر ناقص أما الله ﷿ فإنه كامل العلم.
كذلك أيضًا لا يماثل المخلوق في صفاته الفعلية، مثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد، والرضا والغضب، وما أشبه ذلك، لا يماثل شيء من هذه الصفات لشيء من صفات المخلوقين، وإن وافقها في الاسم فالاسم هو الاسم ولكن المسمى غير المسمى، الصفة هي الصفة ولكن الموصوف غير الموصوف، فلا تماثل بين الخالق والمخلوق.
إذن ينزه الله ﷾ عن ثلاثة أشياء: عن النقص في صفات الكمال، وعن صفات النقص المجردة عن الكمال، والثالث عن؟
الطلبة: ().
الشيخ: مماثلة المخلوقين، وتمثيله بالمخلوقين نقص؛ لأن تسوية الكامل بالناقص تجعله ناقصًا، بل قال الشاعر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ
إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا
[ ١ / ١١٢٢ ]
لو قلت: والله عندي سيف عظيم وقمت تمدحه مدحًا كبيرًا فقلت: هو أمضى من العصا، ماذا يكون تصور الإنسان لهذا السيف بعد مدحك العظيم له إذا قلت: هو أمضى من العصا؟ يهبط هبوطًا عظيمًا، ولا ترى لهذا السيف قدرًا؛ لأنك نفيت أن يكون مماثلًا للعصا، وسيف يمكن أن يتصور الإنسان مماثلته للعصا سيف لا خير فيه.
أما الحمد فقلت: إنه وصف المحمود بالكمال، الكمال الذاتي والفعلي، فالله ﷾ كامل في ذاته، ومن لازم كماله في ذاته أن يكون كاملًا في صفاته، كذلك في فعله، ففعله دائر بين العدل والإحسان، لا يمكن أن يظلم؛ إما أن يعامل عباده بالعدل وإما أن يعاملهم بالإحسان، فالمسيء يعامله بالعدل ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] لا يمكن أن يزيد، والمحسن يعامله بالفضل ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ففعله ﷿ دائر بين الأمرين، ومن كان فعله دائرًا بين الأمرين هذين، وهما العدل والفضل، فلا شك أنه محمود على أفعاله كما هو محمود على صفاته.
إذن جمعت الآن بين التنزيه والكمال: (سبحانك اللهم وبحمدك) وعلى هذا فالواو تفيد معنى المعية، يعني: ونزهتك تنزيهًا مقرونا بأيش؟ بالحمد.
(وتبارك اسمك) اسم هنا مفرد لكنه مضاف، فيشمل كل اسم من أسماء الله. وهل المراد بالاسم هنا المسمى كما في قوله: «تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»، ويكون المراد بـ (تبارك اسمك) أي تباركت، كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] والمسبح من؟ الله المسمى، أو أن المراد أن اسم الله نفسه كله بركة؟ وإذا كان اسم المسمى بركة فالمسمى أعظم بركة وأشد وأولى.
الثاني أظهر؛ لأننا نسلم فيه من التجوز بالاسم عن المسمى، ويفهمنا هذا أن تبارك الاسم تبارك لأيش؟ للمسمى، أعطونا مثالًا من بركة الاسم. مثال من بركة اسم الله: لو ذبحت ذبيحة بدون تسمية لكانت ميتة نجسة حرامًا، صح؟
[ ١ / ١١٢٣ ]
طالب: نعم.
الشيخ: جيفة ولو سميت الله عليها كانت ذكية طيبة حلالًا، هذا من البركة، إذا سميت على الطعام لم يشاركك الشيطان فيه هذه بركة، وإن لم تسمِّ شاركك، إذا سميت على الوضوء على قول من يرى وجوب التسمية صح وضوؤك، وإن لم تسم بطل وضوؤك، وعلى قول من يرى استحبابها يكون وضوؤك أكمل مما لو لم تسمِّ. فهذه من بركة اسم الله ﷿. وكل أمر لا يبدأ فيه بـ (باسم الله) فهو أبتر.
(وتبارك اسمك وتعالى جدك): (تعالى) يعني ارتفع ارتفاعًا معنويًّا، والجد بمعنى العظمة، يعني أن عظمتك عظمة عظيمة عالية، لا يساميها أي عظمة من عظمة البشر، بل من عظمة المخلوق كلهم.
(وتعالى جدك، ولا إله غيرك). (لا إله غيرك) هذه هي كلمة التوحيد التي أرسل بها جميع الرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ومن كان آخر كلامه من الدنيا (لا إله إلا الله) دخل الجنة، فهي من أفضل الذكر أو أفضل الذكر. ومعناها: لا معبود حق إلا الله، فإله بمعنى مألوه، وهو اسم لا النافية للجنس، وخبرها محذوف. و(إلا الله): (إلا) أداة استثناء، و(الله) بدل من الخبر المحذوف، هذا أصح ما قيل في معناها وفي إعرابها.
إذن معناها: لا معبود حق إلا الله، فهل هناك معبود باطل سوى الله؟
نعم، هناك معبود باطل سوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
وهذه الآلهة وإن سميت آلهة فهي باطلة ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، هذه الكلمة لها مقتضى، مقتضاها التسليم التام لله ﷿؛ لأن العبادة مأخوذة من الذل، ومنه طريق معبد؛ أي: مذلل مسهل، فمقتضى هذه الكلمة العظيمة الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا.
[ ١ / ١١٢٤ ]
فأنت الآن تخبر خبرًا تنطقه بلسانك وتعتقده بجنانك بأن الله هو المعبود حقًّا، وما سواه فهو باطل، ثم تأمل كيف جاءت هذه الكلمة التي فيها توحيد الله بألوهيته بعد الثناء عليه؛ ليكون توحيده بالألوهية مبنيًّا على كماله، واضح؟
(سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك) كلها يتناول عظمة الكمال.
ثم قال: (ولا إله غيرك) فيكون هذا السابق كالسبب المبني عليه اللاحق، يعني أنه لكمال صفاتك لا معبود حق إلا أنت، (ولا إله غيرك)، هذا هو دعاء الاستفتاح، وكان عمر ﵁ على ما روي عنه يستفتح بذلك (١٦) رواه مسلم بسند فيه انقطاع، لكن وصله البيهقي؛ أنه ﵁ كان يستفتح بذلك، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتباعهم، وقد رُوي عن النبي ﷺ مرفوعًا لكن بسند ضعيف.
هل هناك دعاء آخر يستفتح به؟
[ ١ / ١١٢٥ ]
الجواب: نعم، فيه أنواع، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في أنواع الاستفتاحات؛ منها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: أقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (١٧)، وهذا أصح من الحديث الذي فيه الاستفتاح بـ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» إلى آخره، لكن كل من النوعين جائز وسنة، وينبغي للإنسان أن يستفتح بهذا مرة وبهذا مرة؛ ليأتي بالسنن كلها، وليكون ذلك إحياء للسنة، ولأنه أحضر للقلب؛ لأن الإنسان إذا التزم شيئًا معينًا صار عادة له حتى إنه لو غفل مثلًا كبر تكبيرة الإحرام وغفل ومن عادته أن يستفتح بـ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» يجد نفسه قد شرع فيه بدون قصد، لكن إذا حاول أن يقول هذا مرة وهذا مرة صار في ذلك حضور القلب، فيحضر قلبه ويستحضر هذا أو هذا فيدعو به.
وهل يجمع بينهما؟
الجواب: لا، لا يجمع بينهما؛ لأن النبي ﷺ أجاب أبا هريرة حين سأله بأنه يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ» ولم يذكر «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ»، فدل هذا على أنه لا يجمع بينها.
وقول المؤلف: (ويقول: سبحان اللهم وبحمدك) إلى آخره يشمل هذا صلاة الفريضة وصلاة النافلة، وهل يدخل في ذلك صلاة الجنازة؟
طالب: لا.
الشيخ: فيه خلاف بين العلماء، فمن العلماء من قال: يدخل؛ لأنها صلاة، وكان الرسول يستفتح في صلاته.
[ ١ / ١١٢٦ ]
وقال بعض العلماء -وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد-: إنه لا استفتاح في صلاة الجنازة، لماذا؟ لأنها مبنية على التخفيف، ولهذا ليس فيها ركوع وليس فيها سجود، وليس فيها تشهد، مما يدل على أن الشارع لاحظ فيها أيش؟ التخفيف،
ولعل هذا أقرب. وعلى هذا ففي صلاة الجنازة لا يستفتح، بل يستعيذ ويشرع في الفاتحة.
***
قال المؤلف ﵀: (ثم يستعيذ ثم يبسمل) يستعيذ بمن؟ بالله ﷿، وممن؟
طلبة: من الشيطان.
الشيخ: من الشيطان الرجيم وحذف المؤلف ذلك للعلم به، لم يقل: يستعيذ بالله من كذا، من الشيطان الرجيم؛ لأن هذا معلوم. يستعيذ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لفائدتين:
الفائدة الأولى: طرد الشيطان عنه.
والفائدة الثانية: أنه سيقرأ، والإنسان مشروع له عند قراءة القرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، بل قد قال بعض العلماء: إنه يجب أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأمر الله بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وما معنى (أعوذ)؟ معناها: ألتجئ وأعتصم بالله، وهو ﷾ الملجأ لكل مؤمن، لا ملجأ منه إلا إليه. والشيطان اسم جنس لا يختص بشيطان معين، بل هو شامل لجنس الشيطان. والشيطان مشتق من شطن، أي: بعد؛ لبعده عن رحمة الله، فإن الله لعنه، أي طرده وأبعده عن رحمته.
وقيل: من شاط، إذا غضب؛ لأن الشيطان طبيعته الطيش والغضب والتسرع وعدم التأني، ولهذا لم يتقبل أمر الله ﷾ بالسجود لآدم، بل رده فورًا وأنكر السجود له ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١].
[ ١ / ١١٢٧ ]
وعلى كل فإن الشيطان يحرص غاية الحرص على أن يفسد على المرء صلاته، فتجده يأتيه من كل باب، إذا سد بابًا فتح عليه بابًا آخر بسرعة، وإذا سده فتح عليه بابًا ثالثًا، وهلم جرًّا، فلهذا شُرع أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند ابتداء الصلاة لطرد الشيطان عنه، ولأنه سوف يقرأ القرآن.
يقول: (ثم يبسمل) يعني يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أتى المؤلف من كل كلمة بحرف، أتى بالباء والسين والميم واللام، ويسمي علماء النحو هذا النوع من التصرف يسمونه النحت بالحاء؛ لأن الإنسان نحت الكلمات حتى استخلص منها هذه الكلمة.
يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وقد سبق لنا تفسير هذه الآية وبيان إعرابها، فقلنا في تفسيرها: إن الإنسان يستعين بكل اسم من أسماء الله، وأخذنا أن مراد كل اسم من أسماء الله أخذناه من أن (اسم) مفرد مضاف فيعم.
ويتوسل المبسمل إلى الله تعالى بوصف الرحمة؛ لأن الرحمة تعين الإنسان على عمله، والإنسان المبسمل يريد أن يستعين بالبسملة، بل بأسماء الله على أعماله.
أما إعرابها فقد ذكرنا مرات كثيرة أن أصح ما قيل فيها من الإعراب أنها متعلقة.
طلبة: بفعل.
الشيخ: بفعل محذوف متأخر.
طالب: مناسب.
الشيخ: مناسب للمقال.
ولماذا قلنا: إنها متعلقة بفعل؟ لأن الأفعال هي الأصل في العمل، محذوف تبركًا بالاقتصار على اسم الله ﷿، ولكثرة الاستعمال، ومتأخر لأن في تقديمه متأخرًا فائدتين:
الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله ﷿.
والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر.
وقدرناه مناسبًا للمقام لأنه أدل على مقصود المبسمل؛ فإنك إذا قلت: باسم الله وأنت تريد القراءة فكيف يكون التقدير؟
طلبة: أقرأ باسم الله.
الشيخ: باسم الله أقرأ، وهذا أخص مما لو قلت: باسم الله أبتدئ؛ لأن القراءة أخص من مطلق الابتداء.
يقول: (ثم يبسمل ثم يقرأ).
طالب: () يمكن الاستدلال بهذه بحديث ابن مسعود ().
الشيخ: إي نعم.
[ ١ / ١١٢٨ ]
الطالب: ().
الشيخ: بماذا؟
الطالب: ().
الشيخ: حتى يقع ساجدًا، ما قال: حتى ينقطع صوته.
الطالب: ().
الشيخ: هذا خلاف الظاهر.
طالب: ().
الشيخ: إي. هذه ستأتينا إن شاء الله: ثم يصلي الركعة الثانية في الأولى.
طالب: والبسملة يا شيخ.
الشيخ: إي البسملة في كل صلاة ما فيها إشكال، في كل ركعة.
طالب: السور مثلًا يقرأ ثلاث سور يعني ..
الشيخ: يبسمل.
طالب: يعني ورد حديث النبي ﷺ الذي سأله () بما حدث عن قراءة النبي صلى عليه وسلم في الظهر والعصر قال بتحرك لحيته ().
الشيخ: إي، وهذا يؤيد القول هذا.
طالب: الحديث الذي ورد يا شيخ () بأنه قد قضى بينهما في الصلاة () في الصلاة؛ صحيح؟
الشيخ: لا، ضعيف.
الطالب: ().
الشيخ: ما هو صحيح، يقول: إنه ورد الحديث أن الرسول جمع بين «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» وقوله: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ»، نقول: هذا غير صحيح، هذا شاذ.
طالب: بعض المساجد تجد السجاد الذي فيه زخرفة، وهذا قد يشغل المصلي، فهل نقول له ..
الشيخ: يقول: بعض المساجد فيها سجاد فيه زخرفة وهو يشغل المصلي فهل يغمض؟
طالب: يغمض يقاوم.
الشيخ: ويش قلنا؟
طالب: لا.
الشيخ: قلنا: إذا كان له سبب لا بأس هذا داخل
السبب.
طالب: في قول لأهل علماء المغرب هذا مذهب الإمام مالك () الحديث () النبي ﷺ () كيف يكون مذهب الإمام مالك وهو رواه في الموطأ؟
الشيخ: هذا ما هو مذهب مالك شخصيًّا، اصطلاحًا يعني مذهب أصحاب مالك، أما مالك نفسه فلا.
مثلما أصحاب الإمام أحمد أحيانًا يقولون قولًا يكون هو المذهب عندهم اصطلاحًا وليس مذهبه شخصيًّا يخالف نصه.
طالب: يا شيخ، هل وردت الاستعاذة () أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.
الشيخ: إي نعم فيها؛ ورد في حديث رواه أبو داود (١٨).
طالب: في الصلاة لأبي داود.
الشيخ: في الصلاة نعم.
[ ١ / ١١٢٩ ]
طالب: في حديث عائشة ما المراد بأن الناس في عهد النبي ﷺ ينظرون إلى أقدامهم، ثم في عهد أبي بكر ينظرون إلى موضع السجود، وفي عهد عمر ينظرون إلى الأمام، وفي عهد عثمان ..؟
الشيخ: والله ما أدري عن هذا الحديث، ما أدري عن صحته.
طالب: سنده؟
الشيخ: أقول: ما أدري عن صحته.
طالب: يقولون يا شيخ من حديث أبي هريرة أو قول أبي هريرة ﵁ أن الناس كانوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلما أنزل الله ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] صرفوا بأبصارهم إلى موضع السجود (١٩).
الشيخ: نعم.
الطالب: ما يدل على أن النظر إلى ..
الشيخ: هذا لو صح لا بأس، لكن الحديث فيه ضعف شديد.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة إلى سؤال الأخ يقول: إنه قد يشاهد المأموم الإمام وهو لا ينظر إليه ببصره؛ لأن الإنسان أحيانًا ينظر () للأمام واقف لم يتحرك ويرى على جانبه أو متقدمًا قليلًا على الرغم أني ما أنظر إليه.
طالب آخر: لأن العين تأخذ من اليمين والشمال.
الشيخ: هذه والله ما أدري إن كان الله خلق لك أربع عيون أو خمس عيون!
الطالب: كيف؟
الشيخ: أما عين واحدة فيها بصر واحد ما يمكن تنظر إلى الشمال والأمام.
الطالب: الآن ما تلمح أحدًا عن يسارك ولا عن يمينك؟
الشيخ: لا، المحل اللي أنا أركز عليه أدرك كيف فعل لكن الثانين خطف يكون يمكن خطف أعرف أنك تتحرك ولّا شيء.
الطالب: أحيانًا يكون المأموم خلف الإمام مثلًا متقدمًا عن يمينه وبينما هو ينظر هكذا، ينظر حركة إنسان يتحرك.
الشيخ: أنتم ما بالكم يا أخي تروحون وراء ليش أنكم تحاولون يعني صرف النصوص عن ظاهرها.
الطالب: ما حاولنا هذا.
الشيخ: بلى. ما دام تقول حين رأيتكم تأخرت، وما دام أبو الدرداء يقول يقع ساجدًا هذا واضح أنه ينظر إليه.
***
[ ١ / ١١٣٠ ]
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فقد قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم يستعيذ، ثم يبسمل سرًّا، وليست من الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال أو ترك منها تشديدة أو حرفًا أو ترتيبًا لزم غير مأموم إعادتها. ويجهر الكل بآمين في الجهرية. ثم يقرأ بعدها سورة تكون في الصبح من طوال المفصَّل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الإنسان إذا فرغ من التكبير فإنه يضع يده اليمنى على اليسرى إما قبضًا وإما وضعًا، فالقبض معروف يقبض هكذا، والوضع يضع هكذا، وكلاهما جاءت به السنة، وسبق لنا أن العلماء اختلفوا هل تكون على الصدر أو على السرة أو فوقها أو تحتها أو عند النحر، وأن أقرب الأقوال أن تكون على الصدر. وسبق لنا أيضًا أن الإنسان ينظر إلى موضع سجوده لأنه أخشع له، وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذا هو معنى الخشوع المذكور في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، وأن العلماء اختلفوا في هذا؛ فمنهم من يقول هكذا ومنهم من يقول: ينظر إلى تلقاء وجهه ما لم يكن مأمومًا، فإنه ينظر إلى إمامه. ويستثنى من ذلك حال التشهد في حال الجلوس؛ فإنه ينظر إلى سبابته حيث يشير بها.
وذكرنا أن الأولى في ذلك أن ينظر ما هو أنفع له وأخشع. والذين قالوا: إنه ينظر إلى الإمام الذي يظهر لي أن الذي ينظر إلى الإمام من كان قريبًا منه، بحيث لا يستلزم التفاتًا، فإن استلزم التفاتًا فالالتفات مكروه؛ قال النبي ﵊ حين سئل عنه: «إِنَّهُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» (٢٠).
[ ١ / ١١٣١ ]
وذكرنا أن بعض العلماء استثنى ما إذا كان تجاه الكعبة فإنه ينظر إليها، وقلنا: إن هذا لا دليل عليه، والصحيح أنه لا ينظر إليها تعبدًا؛ لعدم وروده، بل إن النظر إلى الكعبة والناس يطوفون سبب لانشغال الفكر والبصر.
وذكرنا أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان في خوف، فإنه ينظر إلى مكان الخوف؛ لأن النبي ﷺ بعث عينًا وجعل ينظر إلى الشعب ينظر هل أتى أو لا. (٧)
وهناك دليل آخر، وهو عموم قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فإن من أخذ الحذر النظر للعدو ومن أين جاء.
وذكرنا أنه في مقابل ذلك يُكره للإنسان أن يرفع بصره إلى السماء، بل الصحيح أنه حرام، وأنه من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ توعد عليه (٧)، وذكرنا خلاف العلماء فيما إذا رفع رأسه إلى السماء هل تبطل صلاته أم لا، وبينا أن الأقرب أيش؟
طالب: عدم بطلانها.
الشيخ: عدم البطلان مع التحريم.
***
الاستفتاح، بعد تكبيرة الإحرام يستفتح الصلاة بما ورد عن النبي ﷺ، والوارد عنه في الاستفتاح أنواع، وقد بينا هل الأفضل الاقتصار على نوع واحد منها ولزومه أم الأفضل أن يفعل هذا مرة وهذا مرة، وقلنا: الأفضل؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني. أنه يفعل هذا مرة وهذا مرة وقلنا إن في ذلك؟
طالب: فوائد.
الشيخ: ثلاث فوائد، أولًا: إحياء السنة، وثانيًا؟
طلبة: اتباع السنة.
الشيخ: وثالثًا؟
طلبة: حضور القلب.
طالب: بُعد الملل عن الإنسان.
الشيخ: ودفع السآمة إن كان فيه سآمة. هذا هو الأولى. وذكرنا هل يشرع أن يجمع بين هذه الأنواع في الاستفتاح، وقلنا: لا؛ لأن حديث أبي هريرة لما سأل النبي ﷺ ماذا يقول (٧) لم يقل له إلا نوعًا واحدًا، وهذا يدل على أن الإنسان يقتصر على نوع ولا يجمع.
وشرحنا قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، ولكننا لم نشرح حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١١٣٢ ]
أما حديث أبي هريرة ﵁ فإن النبي ﷺ كان إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة (٧)، ومن حرص أبي هريرة ﵁ على العلم بشهادة النبي ﷺ له حين قال له: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «لَقَدْ ظَنَنْتُ أَلَّا يَسْأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ هَذَا غَيْرُكَ؛ لِمَا أَرَى مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ» ثم قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» (٢١). المهم أنه لما رأى النبي ﷺ يسكت بين التكبير والقراءة، ومعلوم أن الصلاة ذكر كلها، ما من شيء منها إلا وفيه ذكر قولي وفعلي، وما من أمر مشروع فيها من الأفعال إلا وله ذكر، كل الأفعال التي فيها مشروعة لها ذكر، علم أنه لا بد أن يقول شيئًا، فقال: أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ وكلمة (ما تقول) تدل على أنه كان يعتقد أنه يقول شيئًا؛ لأنه لم يقل: هل أنت ساكت؟ قال: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (٧)، فسأل الله أن يباعد بينه وبين خطاياه كما يباعد بين المشرق والمغرب، وهذا -أعني المباعدة بين المشرق والمغرب- هو غاية ما يبالغ فيه الناس، فالناس يبالغون في الشيئين المتباعدين إما بما بين السماء والأرض وإما بما بين المشرق والمغرب.
ومعنى باعد بيني وبينها هل المراد باعد بيني وبين فعلها بحيث لا أفعلها، أو باعد بيني وبين عقوبتها؟
طالب: يستلزم.
[ ١ / ١١٣٣ ]
الشيخ: نشوف. «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ». وهذه الجملة تدل على أن المراد بذلك الخطايا التي وقعت منه؛ لأنه قال: نقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس؛ أي: كما يغسل الثوب الأبيض إذا أصابه الدنس فيرجع أبيض.
وإنما ذكر الأبيض لأن الأبيض هو أشد ما يؤثر فيه الوسخ، بخلاف الأسود، ولهذا أنتم في أيام الشتاء إذا لبستم الثياب السود تبقى عليكم شهرًا أو أكثر، لكن الأبيض لا يبقى أسبوعًا إلا وقد تدنس، فلهذا قال: «كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ»، وهذا ظاهر أنه في الذنوب التي فعلها ينقى منها، وبعد التنقية قال: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (٧)، إذن فالذي يظهر أن الجملة الأولى في المباعدة ألا أفعل الخطايا، ثم إن فعلتها فنقني منها ثم أزل آثارها أيضًا بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد.
هنا قال: «بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» الماء لا شك أنه مطهر، لكن الثلج والبرد ما مناسبته هنا، مع أن المعروف أن الماء الساخن أبلغ في التنظيف؟ قال أهل العلم: لأن الذنوب آثارها العذاب بالنار، والنار حارة، والحرارة يناسبها في التنقية منها الشيء البارد، فالماء فيه التنظيف، والثلج والبرد فيه التبريد؛ فلهذا جمع النبي ﷺ بين ما فيه التنظيف وما فيه التبريد، وهذا لا شك أنه وجه حسن طيب، هذا هو معنى حديث أبي هريرة ﵁.
وبقي أن يقال: هل النبي ﷺ يخطئ أم ماذا؟
[ ١ / ١١٣٤ ]
الجواب: قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» فأضاف الخطايا إلى نفسه، وقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» (٢٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ولكن الشأن كل الشأن هل هذه الذنوب تبقى؟
الجواب: لا، فالنبي ﷺ معصوم من الإقرار على الذنب، معصوم من ذلك، بخلاف غيره فإنه يذنب وقد يُقَر على ذلك، ويستمر في معصيته، وقد لا يغفر له، أما النبي ﷺ فإنه مغفور له الذنب، ولا يقر عليه ﵊، بل لا بد أن يُنبَّه عليه مهما كان الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] هذا هو فصل الخطاب في هذه المسألة التي تنازع الناس فيها.
ثم يَستعيذُ ثم يُبَسْمِلُ سِرًّا وليست من الفاتحةِ، ثم يَقرأُ الفاتحةَ، فإن قَطَعَها بذِكْرٍ أو سكوتٍ غيرِ مشروعَيْنِ وطالَ أو تَرَكَ منها تَشديدةً أو حَرْفًا أو تَرتيبًا لَزِمَ غيرَ مأمومٍ إعادتَها، ويَجْهَرُ الكلُّ بآمينَ في الْجَهْرِيَّةِ ثم يَقرأُ بعدَها سورةً تكونُ في الصبْحِ من طِوالِ الْمُفَصَّلِ وفي الْمَغْرِبِ من قِصارِه وفي الباقي من أَوْسَاطِه،
[ ١ / ١١٣٥ ]
فقال النبيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»، فأضاف الخطايا إلى نفسِه، وقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ»، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ولكن الشأن كلُّ الشأن هل هذه الذُّنوب تبقى؟
الجواب: لا، فالنبيُّ ﷺ معصومٌ مِن الإِقرارِ على الذَّنبِ، معصومٌ مِن ذلك، بخلاف غيره، فإنه يُذنب، وقد يُقَرُّ على ذلك ويستمرُّ في معصيته، وقد لا يُغفر له، أما النَّبيُّ ﷺ فإنه مغفور له الذنب، ولا يقر عليه، ﵊، بل لا بُدَّ أن يُنبَّه عليه مهما كان الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١].
هذا هو فَصْلُ الخطاب في هذه المسألة التي تنازعَ النَّاسُ فيها، لكن هناك شيء معين مِن الذنوب لا شَكَّ أنَّ النبيَّ ﷺ معصومٌ منه، وهو الكذبُ والخيانة؛ لأنه لو قيل بجواز ذلك عليه لكان في ذلك قَدْحٌ في رسالته ﵊، فلا يمكن أن يقعَ منه.
كذلك أيضًا معصوم مما يُخلُّ بأصل العبادة وأصلِ الأخلاق، كالشِّركِ، وكسفاسف الأخلاق مثل الزِّنا وشبهه، هذا لا شَكَّ أنَّه معصومٌ منه ﵊، لكن الخطايا التي بينه وبين ربِّه هذه قد تقعُ منه، ولكنها خطايا صغيرة تُكَفَّر، وقد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخَّر.
[ ١ / ١١٣٦ ]
قلتُ: ذلك؛ لأن بعض العلماء ﵏ قالوا: إن كلَّ شيء وَصَفَ النبيُّ ﷺ نفسَه به من الذُّنوبِ فالمراد ذنوبُ أُمَّتِه؛ لا ذنبه هو؛ لأنه هو لا يُذنب، وكلُّ خطيئة أضافها لنفسه فالمراد خطايا أُمَّتِه، ولا شَكَّ أن هذا قول فيه غلو، إذا كان الله قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد: ١٩]، فإن العطف يقتضي المغايرة، وليس في ذلك أيُّ قَدْح في أنَّ الرسول ﷺ يقعُ منه بعض الذُّنوب الصغيرة، ولكنه لا يُقَرُّ عليها، ثم هو مغفورٌ له، وما أكثر ما يكون الإِنسان بعد المعصية خيرًا منه قبلها، كثيرًا من الأحيان يخطئ الإِنسان، يقع في معصية، ثم يَجدُ مِن قلبِه انكسارًا بين يدي الله ﷿ وإنابةً إلى الله، وتوبةً إليه، حتى إن ذَنْبَه يكون دائمًا بين عينيه، وإذا رأى نفسَه أنه مطيع، وأنه من أهل الطاعة صار عنده من العُجب والغرور وعدم الإِنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه، فالله ﷿ حكيم، قد يبتلي الإِنسان بالذنب ليُصلح حالَه، كما يبتلي الإِنسانَ بالجوع لتستقيم صحَّته، فالله ﷿ له حكمة.
هل حصل لآدم الاجتباء قبل الذنب أو بعد الذنب؟
الطلبة: بعد الذنب.
الشيخ: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢]، بعد أن أذنبَ وتابَ؛ اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى، انظر إلى حال الذين تخلَّفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم؟ لا شَكَّ أنه حصل لهم من الإِيمان، ورِفْعَةِ الدرجات، وعلوِّ المنزلة ما لم يكن قبل ذلك، هل يمكن أن تنزل آيات تُتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنه حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، فالمهمُّ أن الإِنسان لا يُعصم مِن الخطأ، ولكن الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ معصومون مما أشرنا إليه، ومعصومون مِن الإِقرار على الصغائر، بل لا بُدَّ أن يتوبوا منها.
[ ١ / ١١٣٧ ]
بقية الاستفتاحات تكون طويلة، يقولها الإنسان في صلاة الليل؛ لأنها محل التطويل، ويقولها إن شاء إذا صلى وحده، أما إذا صلى في الجماعة فقد يشق على الجماعة أن يبقى الإمام ساكتًا في بعض الاستفتاحات الطويلة.
وإذا كان النبي ﵊ يستفتح، فيما أخبر به أبا هريرة، وهو يصلي بالجماعة، فهو ﷺ خير أسوة لنا.
يقول المؤلف ﵀: (ثم يستفتح، فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يستعيذ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإن شاء قال: أعوذ بالسميع العليم -أو: بالله السميع العليم- من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه) والاستعاذة هذه مأمور بها للصلاة ولّا للقراءة؟
الطلبة: للقراءة.
الشيخ: للقراءة؛ إذ لو كانت للصلاة لكانت تلي تكبيرة الإحرام، أو قبل تكبيرة الإحرام، ولكنها للقراءة، وقد قال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فأمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن؛ ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المرء وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبر القرآن، وتفهم معانيه، والانتفاع به؛ لأن هناك فَرْقًا بين أن تقرأ القرآنَ وقلبُك حاضرٌ وبين أن تقرأه وقلبُك لاهٍ.
إذا قرأته وقلبُك حاضرٌ حصل لك من معرفة المعاني والانتفاعِ بالقرآن ما لم يحصُلْ لك إذا قرأته وأنت غافل، وجرّبْ تجدْ.
فلهذا شُرع تقدم الاستعاذة على القِراءة في الصَّلاةِ وخارج الصلاة.
ومعنى: (أعوذ بالله) أي: ألتجئ إليه وأعتصم به؛ لأنه ﷾ هو الملاذُ وهو المعاذُ، أقول: هو الملاذُ وهو المعاذُ، فما الفَرْق بينهما؟
قال العلماء: الفَرْق بينهما: أن اللِّياذ لطلب الخير، والعياذ للفرار من الشرِّ، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
[ ١ / ١١٣٨ ]
يَا مَنْ ألُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ
ومَنْ أعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ
وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
فهذا الفرق بين: لاذ بالله، وعاذ بالله.
وقوله: (مِن الشيطان الرجيم) الشيطان: اسمُ جنْسٍ يشمَلُ الشيطان الأول الذي أُمِرَ بالسُّجود لآدم فلم يسجدْ، ويشمَلُ ذُرِّيَّته.
وهو مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ، أو مِن شَاطَ إذا غَضِبَ، والمعنى الأول: أنه من شطن هو الأقربُ؛ ولذلك لم يُمنعْ من الصَّرْفِ؛ لأنَّ النون فيه أصليّة.
وأما الرجيم: فهو فعيل بمعنى: راجم، وبمعنى: مرجوم؛ لأن فَعيلًا تأتي بمعنى: فاعل، وبمعنى: مفعول، فمِن إتيانها بمعنى فاعل: سميع، بصير، عليم، والأمثلة كثيرة.
ومِن إتيانها بمعنى مفعول: جَريح، وقَتيل، وكسير، وما أشبه ذلك.
فالشيطانُ رجيمٌ بالمعنيين، فهو مرجوم بلعنة الله -والعياذُ بالله- وطَرْدِه وإبعادِه عن رحمته، وهو راجم غيره بالمعاصي، فإن الشياطين تَؤزُّ أهلَ المعاصي إلى المعاصي أزًّا.
(ثم يستعيذ ثم يُبسمل) يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، والبسملة كما تقرؤونها تتضمَّن جارًّا ومجرورًا، وصفة وموصوفًا، الجار هي؟
الطلبة: بسم.
الشيخ: لا، الباء، والمجرور: اسم، والصفة؟
طالب: الله.
الشيخ: لا.
الطلبة: الرحمن الرحيم.
الشيخ: الرحمن الرحيم، والموصوف؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله.
ومضاف، ومضاف إليه، (اسم) مضاف إلى لفظ الجلالة.
هذه البسملة لا بُدَّ أن تكون متعلِّقة بشيء؛ لأن كُلَّ حرف جرٍّ لا بُدَّ أن يتعلَّق بشيء، كما قال الناظم:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ
بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوَ مُرْتَقِي
وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ
كَالْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًا وَلَعَلْ
[ ١ / ١١٣٩ ]
فهنا (الباء) لا بُدَّ أن تتعلَّق بشيء، وأحسن ما قيل في متعلَّقها: إنه فِعْلٌ مؤخَّرٌ مناسب للمقام، فإذا كنت تسمِّي على قراءة فالتقدير: بسم الله أقرأ، وإذا كنت تُسمِّي على أكل: بسم الله آكل، وعلى شُرْب: بسم الله أشربُ، وعلى وُضُوء: بسم الله أتوضَّأ.
هنا الآن نقرأُ البسملةَ لنقرأ الفاتحةَ، فيكون التقدير فيها: بسم الله أقرأ.
وأما (الله) فهو عَلَمٌ على الرَّبِّ ﷿، وأصلُه: إله، لكن حُذفت الهمزةُ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وإله بمعنى: مألوه، والمألوه: هو المعبود محبَّة وتعظيمًا.
وأما (الرحمن): فهي اسمٌ مِن أسماء الله، وهي من حيثُ الإِعرابُ صفة، وهو ذو الرحمة الواسعة الواصلة لجميع الخلق.
(والرحيم) فعيل مِن الرحمة أيضًا، لكن رُوعِيَ فيها الفعلُ دون الصفة؛ كيف الفعل دون الصفة؟ لأن الرحمة وصف، والفعل إيصال الرحمة إلى مَن؟ إلى المرحوم.
يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (سِرًّا) يبسمل سِرًّا؛ يعني: إذا كانت الصَّلاةُ جهرًا.
أما إذا كانت الصلاة سِرِّية فإنه سوف يُسرُّ في البسملة وفي القراءة، فقوله: (سِرًّا) يعني: أنه لا يُسمعها المأمومين وإن كان يجهر بالقراءة، وذلك لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبيِّ ﷺ تدلُّ على أنه كان يقرؤها سِرًّا، بل قد قيل: إنَّ كُلَّ حديث ذُكر فيه الجهرُ بالبسملة فهو ضعيف.
وإذا كان يقرؤها سرًّا.
قال المؤلف: (وليست من الفاتحة)، (ليست): الضَّميرُ يعودُ على مَن؟ على أي شيء؟
الطلبة: البسملة.
[ ١ / ١١٤٠ ]
الشيخ: البسملة ليست من الفاتحة، بل هي آيةٌ مستقلّة يُفتتح بها كلُّ سورة مِن القرآن؛ ما عدا براءة، فإنه ليس فيها بسملة اجتهادًا من الصحابة، لكنه اجتهاد -بلا شك- مستندٌ إلى توقيف، كيف ذلك؟ لأننا نعلم لو نزلت البسملة بين الأنفال وبراءة لوجب بقاؤها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فلمَّا لم نجدها عُلِمَ أن اجتهاد الصَّحابة كان موافقًا للواقع.
أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لأنه لو كانت آية من القرآن بين الأنفال وبراءة لوجب بقاؤها ولا يمكن أن تزول.
نعم، ليست من الفاتحة، إذا لم تكن من الفاتحة، فإنه مِن المعلوم أنَّ الفاتحةَ سبعُ آيات، فكيف تُوزَّع السَّبع آيات على الفاتحة إذا أخرجنا البسملةَ منها؟
فالجواب: أنها توزَّع كالآتي:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آية، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثانية، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الثالثة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الرابعة، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الخامسة، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ السادسة، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ السابعة.
هذا التقسيم هو المطابق للمعنى واللَّفظِ.
أما مطابقته للَّفظ: فلأننا إذا وزَّعنا الفاتحةَ على هذا القدر صارت الآيات متناسبة متقاربة.
لكن إذا قلنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هذه الآية السادسة.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ صارت السابعة طويلة لا تتناسب مع الآيات السَّابقة، فهذا تناسبٌ لفظي.
[ ١ / ١١٤١ ]
التَّناسبُ المعنوي: أن الله تعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي»، كم هذه؟ ثلاث آيات كلُّها لله.
«فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»، فيقتضي أن تكون النِّصفُ هي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الرابعة.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، هذه الآيات، ثلاث آيات، لمن؟
الطلبة: للعبد.
الشيخ: للعبد فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ المناسب من حيث المعنى أن تكون هي الآية الوسطى، ثلاث قبلها لله، وثلاث بعدها للعبد.
ثم هي أيضا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بين الله وبين العبد نصفين.
فإن قال قائل: إذا قلتم ذلك فكيف الجواب عمَّا نجدُه في المصاحف أن أول آية في الفاتحة هي البسملة؟ مكتوب فيها رقم واحد، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رقم اثنين.
نقول: هذا الترقيم على قول بعض أهل العلم، رُقِّمت على قول بعض العلماء، أنَّ البسملة آية من الفاتحة؛ ولهذا في بقية السُّور لا تُعدُّ مِن آياتها ولا تُرقَّم، والصَّحيحُ أنها ليست مِن الفاتحة، ولا مِن غير الفاتحة، بل هي آية مستقلَّة.
[ ١ / ١١٤٢ ]
فإذا قال قائل: قلتم: إن البسملة آية مستقلَّة، ونحن وجدناها في كتاب الله آية ضمن آية في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، قلنا: هذه حكاية وخبر عن كتابٍ صَدَرَ مِن سُليمان، وليس الإِنسان يقرؤها على أنه سيبتدئ بها مقدمة لما بعدها، لكنها مقدِّمة كتابٍ كَتَبَهُ سُليمان ﵊، ونَقَلَهُ اللَّهُ لنا ﷿، فليس من هذا الباب.
يقول: (وليست من الفاتحة، ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحةَ).
(الفاتحة) أل هذه للعموم؟
يعني: يقرؤها كاملة بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها، أما هيئاتها فليست بشرط، الشرط: أن يقرأها مكملًا هذه الأمور الأربعة، وهي: آياتها، كلماتها، حروفها، حركاتها، فلو قرأت ستَّ آيات منها لم تصحَّ، ولو قرأ سبع آيات لكن أسقط (الضَّالين) لم تصحَّ، ولو قرأ كلَّ الآيات، ولم يسقط شيئًا منها، من الكلمات، لكن أسقط حرفًا مثل أن يقول: صراط الذين أنعم عليهم، فأسقط التاء، أيضًا لم تصحَّ.
في الحركات، لو أخلف الحركات فإنها لا تصح، لا تصحُّ إنْ كان اللَّحنُ يُحيل المعنى، وإلا صحَّت، ولكنه لا يجوز أن يتعمَّد اللَّحنَ وإنْ كان لا يُحيل المعنى، فلو قال: (أَهْدِنَا الصراط المستقيم)، ما تقولون؟
الطلبة: لا تصح.
الشيخ: لم تصح؛ لأن المعنى يختلف، (أَهْدِنَا الصراط المستقيم) يعني: أعطنا إيَّاه هدية، لكن ﴿اهْدِنَا﴾: دُلَّنا عليه، ووفِّقْنَا له، وَثَبِّتْنَا فيه.
ولو قال: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ)؟
الطلبة: لم تصح.
الشيخ: لم يصحَّ؛ ليش؟ يختل المعنى، يكون الإِنعامُ مِن القارئ، وليس مِن الله ﷿.
طيب، ولو قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ)؟
الطلبة: لم تصحَّ.
الشيخ: لم تصحَّ، ليش؟
الطلبة: ().
[ ١ / ١١٤٣ ]
الشيخ: أسقط حرفًا؛ لأن الحرف المشدَّد عن حرفين، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ)، فإنها لا تصح الفاتحة؛ لأنه لا بُدَّ أن يقول: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذن لا بُدَّ أن يقرأها تامَّة بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها.
فإن ترك آية، أو كلمة، أو حرفًا، أو حركة تخلُّ بالمعنى لم تصحَّ.
الطلبة: ().
الشيخ: نعم.
الطلبة: ().
الشيخ: البسملة جهرًا ليس فيها سنة؛ لأن أحاديثها ضعيفة، لكن إذا صليت خلف إمام يقرؤها جهرًا، فتابع ولا تشذ.
الطلبة: ().
الشيخ: يعني لا تشذ، تقول: والله هذا إمام مبتدع، ما أنا مصلي وراه.
طالب: إذا ضم الرحمن.
الشيخ: إذا ضم الرحمن ما يخل المعنى، لكنه لا يجوز أن يتعمده.
طالب: شيخ بالنسبة لما قال بعض العلماء: إن لفظة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم غير واردة، بل الواردة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، الواردة، أما هذه ما ترد في الحديث الصحيح، حتى الآية ..
الشيخ: لكن مُجمع عليها، والله ﷿ يقول: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦]، نفس الآية مسند الإجماع.
طالب: في آية ثانية: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
الشيخ: لا ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، صحح.
طالب: والحديث كذلك.
الشيخ: ما قال من الشيطان الرجيم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
طالب: إذا قلنا: الحديث يفسر الآية.
الشيخ: ما يفسر، نقول: هذا وجه ثانٍ.
طالب: بعض الأئمة يا شيخ تقرأ مثلًا الفاتحة على السليقة () البادية يقرؤها مثل لغة البادية، مثل أن يقول: اهدنا الصراط المستكيم.
[ ١ / ١١٤٤ ]
الشيخ: هذا يقول: إن بعض البادية يقرؤون على سليقتهم، فيقول: اهدنا الصراط المستجيم، هل تصح؟ حدثني رجل كان عنده علم من اللغة يقول: إن القاف -جعلها مستجيم- إنها لغة عربية، بعضهم أيضًا يقول: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلِيهُم.
الطلبة: فيه قراءة.
الشيخ: لا، عَلِيهُم بكسر اللام، القراءة أنه يفتح اللام ويضم الهاء ﴿علَيهُم﴾ هذه قراءة صحيحة سبعية، لكن هنا يقول: عَلِيهُم.
هذه ما تخل بالمعنى لكن لا يجوز للإنسان أن يتعمدها، بل يجب أن يعود لسانه على اللغة العربية الفصحى.
أيضًا بعض الناس يقول: (ولا الظالين) بالظاء، فهل نقول: إن هذا لا تصح قراءته الفاتحة؟ نقول: نعم، قال بعض العلماء هكذا؛ لأنه لا بد أن ينطق بها بحروفها، ولكن المشهور عندنا في المذهب –الحنابلة- أنه يعفى عن ذلك.
وعللوا هذا بأن في اعتبار التفريق بين الظاء والضاد حرجًا؛ لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يفرق، تجد بعض الأئمة يصلون بالناس ينطق بهذه الضاد ظاءً مغلظة، أيضًا يغلظها ليملأ فمه منها: ولا الظالين.
فنقول: هذا أمر يصعب على الناس أن يفرقوا بين الضاد والظاء، كما أن بعض الناس أيضًا يبالغ في الضاد، حتى أنها تَقرُب من الطاء، والوسط هو خير الأمور.
طالب: ().
الشيخ: يعني ما نقدر ننطقها.
طالب: يقولون: ما ينطقها إلا قليل.
الشيخ: هم يقولون، إي؛ لأنهم عودوا أنفسهم على هذا.
طالب: شيخ ().
***
[ ١ / ١١٤٥ ]
الطالب: وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحةَ، فَإِنْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ، أوْ سكوت غَيْرِ مَشْرُوعَيْن، وَطَالَ أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفًا، أو تَرْتِيبًا لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها، وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، ثم يركع مكبرًا رافعًا يديه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ الفاتحة) أي: بعد البسملة يقرأ الفاتحة، و(ثم) هنا لا يُراد بها المعنى النحوي، أي أنها للترتيب والتراخي، بل هي لمجرد الترتيب؛ لأنه لا تراخي بين البسملة وقراءة الفاتحة، بل يُبسملُ ثم يَشرعُ في الفاتحة فَورًا.
(يقرأ الفاتحة) وهي معروفة، وهي أعظم سورة في كتاب الله، وأفضل سورة في كتاب الله، وسُمِّيت (فاتحة) لأنه افتُتِحَ بها المُصحفُ في الكتابة.
ولأنها تُفتتحُ بها الصَّلاةُ في القراءة، وليست يُفتتح بها كلُّ شيء؛ كما يصنعه بعض الناس اليوم إذا أرادوا أن يشرعوا في شيء قرؤوا الفاتحة، أو إذا أرادوا أن يترحَّمُوا على شخص قالوا: (الفاتحة) يعني: يقرؤوا عليه الفاتحة، فإن هذا لم يَرِدْ عن النبيِّ ﷺ، ولا عن الصحابة ﵃.
[ ١ / ١١٤٦ ]
والفاتحةُ هي أمُّ القرآن، وذلك لأن جميعَ مقاصدِ القرآن موجود فيها، فهي مشتملة على التوحيد بأنواعه الثلاثة، وعلى الرسالة، وعلى اليوم الآخر، وعلى طُرق الرُّسل، وجميعُ ما يتعلَّق بأصول الشَّرائع موجودٌ في هذه الفاتحة، ولهذا تُسمَّى «أمُّ الْقُرْآنِ»، وتُسمَّى «السَّبْعُ الْمَثَانِي»، كما صحَّ ذلك عن رسول الله ﷺ.
وقد خصَّها الله بالذِّكْرِ في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وعَطْفُ القرآن عليها من باب عَطْفِ العام على الخاص.
يقرأ الفاتحة، والفاتحة رُكْنٌ مِن أركان الصَّلاةِ، وشرطٌ لصحَّتها، فلا تصحُّ الصَّلاةُ بدونها؛ لقول النبيِّ ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، وهذا النفي ليس نفيًا للوجود؛ لأنه قد توجد الصلاة بلا فاتحة وليست نفيًا للكمال، بل هي نفي للصحة؛ لأن الأصل فيما نفي أن يكون نفيًا لوجوده، فإن تعذر فهو نفي لصحته.
ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي في الواقع، فإن لم يمكن صار النفي نفيًا للكمال، هذا ترتيب النفي، وعلى هذا فمن ادعى أن النفي نفي للكمال مع إمكان حمله على نفي الصحة فقوله مردود؛ لأن الأصل في المنفي عدم وجوده، فإن كان غير موجود قَدَرًا فهو نفي للوجود، وإن كان غير موجود شرعًا؛ يعني غير ثابت شرعًا فهو نفي للصحة، وقد صح عن النبي ﵊ أنه قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، وصح عنه أنه قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِي خِدَاجٌ»؛ أي: فاسدة، وصح عنه أنه قال: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآَنِ»، وكل هذه نصوص صريحة في تعيين قراءة الفاتحة، وعلى هذا فنقول: هي ركن في الصلاة.
[ ١ / ١١٤٧ ]
ثم هل هي ركن في كل ركعة أو يجزئ أن تقرأ في أول ركعة أو في آخر ركعة، أو فيما بينهما، على خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه إذا قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة في أول ركعة أو في آخر ركعة أو فيما بين ذلك صدق عليه أنه قرأ بفاتحة الكتاب؛ لأن الفعل المطلق أو الأمر المطلق لا يشترط فيه التكرار.
ومن العلماء من قال: بل لا بد منها في كل ركعة، وهذا القول هو الصحيح، ويدل لذلك قول النبي ﷺ للمسيء في صلاته حين وصف له الركعة الأولى قال: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»، فكما أن الركوع والسجود والقيام والقعود ركن في كل ركعة، فكذلك قراءة الفاتحة، ولا فرق، ويدل لذلك أيضا مواظبة النبي ﷺ على قراءتها في كل ركعة ولم يحفظ عنه أنه أخل بها في ركعة من الركعات.
فعلى هذا نقول: الفاتحة ركن في كل ركعة، ولا تسقط إلا عن مسبوق أدرك الإمام راكعًا أو قائمًا، ثم شرع فيها وخاف أن يفوته الركوع قبل أن يتمها، فإن في هذه الحال تسقط، ودليل ذلك: حديث أبي بكرة ﵁ حين دخل المسجد والنبي ﷺ راكع، فأسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم استمر في صلاته، فلما فرغ النبي ﷺ من صلاته قال: «أَيُّكُمُ الَّذِي فَعَلَ هَذَا»، قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، قال: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ».
ولم يأمره بقضاء الرَّكعة التي أدركَ ركوعها، دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره بإعادة الركعة، كما أمَرَ المسيءَ في صلاتِهِ بإعادة الصلاة لعدم الإتيان بأركانها؛ ولأن القياس يقتضي ذلك فإن قراءة الفاتحة ركن في القيام، وهذا المسبوق سقط عنه القيام لمتابعة إمامه، فلما سقط عنه المحل سقط الحال؛ كما لو قُطعت يد إنسان؛ فإنه يسقط عنه غسلها في الوضوء؛ لعدم وجود المحل.
[ ١ / ١١٤٨ ]
واختلف العلماء ﵏، هل هي ركن أو واجب؟ وهل هي على الإمام والمأموم والمنفرد؟ على خلاف في ذلك طويل، ولكن أصح الأقوال وأجمعها للأدلة أنها ركن لا تصح الصلاة بدونها، لا في حق الإمام، ولا في حق المأموم، ولا في حق المنفرد، لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية.
ولولا أن النص ورد في وجوبها أو في ركنيتها في الصلاة الجهرية لكان القياس يقتضي أن من سمعها من إمامه لا تجب عليه لماذا؟ لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، ولهذا إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فإننا نؤمن على دعائه، وهذا يدل على أن قراءته قراءة لنا، وإلا لكان تأميننا على قراءته عبثًا ولغوًا؛ ولأن الله ﷿ قال في حق موسى وهارون ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، ومن المعلوم أن الذي دعا موسى حيث قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، فجعل الدعاء لهما؛ لأن أحدهما يدعو والثاني يؤمن ويستمع.
ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، إذا دلت السنة على شيء بطل القياس، والسنة دلت على وجوب قراءتها على المأموم في صلاة الفجر، وصلاة الفجر صلاة جهرية، ففي حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ صلى ذات يوم صلاة الفجر، فلما انصرف قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، قالوا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
ولا يعارض هذا الحديث حديث أبي هريرة أنه قال: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ مَا كَان النبيُّ ﷺ يجهرُ فيه.
[ ١ / ١١٤٩ ]
فإن المراد انتهوا عن قراءة ما سوى الفاتحة، وكانوا بالأول يقرؤون كما يقرأ الإمام، ويخالجون الإمام وينازعونه القراءة، فالحاصل أن القول الراجح وجوب، بل ركنية قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، ولا تسقط إلا عن المسبوق إذا لم يتمكن من قراءتها قبل أن تفوته الركعة.
قال: (ثم يقرأ الفاتحة) ولا بد أن تكون القراءة متوالية يقول: (يقرأ الفاتحة) يفيد هذا القول: (يقرأ الفاتحة)، أنه لا بُدَّ أن يقرأ الفاتحةَ بجميع حروفها وحركاتها وكلماتها وآياتها، كم هذه؟
الطلبة: أربع.
الشيخ: أربع؛ الآيات، الكلمات، الحروف، الحركات، لا بد أن يقرأها بهذا، وهو مأخوذ مِن قول المؤلِّفِ: (الفاتحة)، فإن (أل) هنا للعهد الذِّهني؛ فيكون المراد به الفاتحة المعروفة التي فيها الآيات السَّبْع والكلمات والحروف والحركات، ولا بُدَّ أن تكون متوالية؛ يعني: ألا يقطعها بفصل طويل؛ بل لا بُدَّ أن تكون متوالية لماذا؟ لأنها عبادة واحدة، فاشتُرطَ أن ينبني بعضُها على بعض، كالأعضاء في الوُضُوء.
فالوُضُوء: الوجه، ثم اليدان، ثم الرأس، ثم الرجلان، كذا لا بُدَّ أن يتوالى غَسْلُ هذه الأعضاء الأربعة، كذلك سورة الفاتحة؛ الآية الأُولى، ثم الثانية، ثم الثالثة إلى آخره، لا بُدَّ أن تتوالى.
يقول المؤلف: (فإن قطعها بذِكْرٍ، أو سكوت غير مشروعين، وطَالَ لزم إعادتها).
إن قطعها بذكر يعني: لما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ جعل يُثني على الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، والله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وقام يدعو بدعاء، ثم قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
[ ١ / ١١٥٠ ]
نقول: هذا غيرُ مشروع، فإذا طال الفصلُ وَجَبَ عليك الإِعادة، كذلك لو قَطَعَها بسكوت، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم سَمِعَ ضَوضاءَ فسكت يستمعُ ماذا يقول النَّاسُ، وطال الفصلُ، فإنه يعيدها مِن جديد؛ لأنه لا بُدَّ فيها من التَّوالي، لكن اشترط المؤلِّفُ قال: (غير مشروعين) يعني: الذِّكْر والسُّكوت، فإن كانا مشروعين كما لو قَطَعَها بذكر دعاء أن يكون مِن الذين أنعمَ اللَّهُ عليهم، مثل لما مرَّ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اللَّهُمَّ اجْعلنِي منهم، وألحقني بالصَّالحين. فهذا يسير، ثم هو جائز ولّا غير جائز؟ جائز بل هو مشروعٌ في صلاةِ الليل.
كذلك إذا سكتَ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكان يعلم أن إمامَه يسكتُ قبل الرُّكوعِ سكوتًا يمكنه أن يكملها، فسكتَ استماعًا لقراءة إمامِه، ثم أتمَّها حين سكتَ الإِمامُ قبل الرُّكوعِ، فإن هذا السُّكوتَ مشروعٌ، فلا يضرُّ ولو طال.
قال المؤلف: (أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفًا، أو تَرْتِيبًا لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها).
(ترك منها تشديدة) مثل أن يقول: الحمد لله رَبِ العالمين، هذا ترك تشديدة، وهي تشديد الباء، وإنما لم يصح؛ لأن الحرف المشدّد عن حرفين، فإذا تَرَكَ التشديدَ نقصَ حرفًا.
كذلك لو تَرَكَ منها حرفًا، وهذا يقعُ كثيرًا مِن الذين يُدغمون، يقرؤها بسرعة ويدغم، فيسقط حرفًا، فيقول مثلًا: غير مغضوب عليهم، يسقط (أل)، فلا تصحُّ.
[ ١ / ١١٥١ ]
كذلك يقول: (أو ترتيبًا)، وهذا ينبغي أن يُضم للأمور الأربعة: إذا أخلَّ بترتيبها، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإنها لا تصح، لماذا؟ لأنه أخلَّ بالترتيب، وترتيب الآيات توقيفي من النبيِّ ﷺ وليس اجتهاديًّا، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقول: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَكَانِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا»، فهو توقيفي، ولو لم يكن بالنسبة للفاتحة إلا قراءة النبيِّ ﷺ إيَّاها على هذا الترتيب الذي أجمعَ عليه المسلمون، فإذا أخل بترتيبها فقدم بعض الآيات أو بعض الكلمات على بعض فإنها لا تصح.
إذن ممكن نقول: الآيات، الكلمات، الحروف، الحركات، الترتيب، خمسة.
طالب: الموالاة.
الشيخ: الموالاة، هذه خارجة عن القراءة في الظاهر.
يقول: ().
(لزِم غيْرَ مأْمُومٍ إعَادَتُها) (غير) بالنصب على أنها مفعول مقدَّم لـ (لزم)، وإعادة فاعل مؤخَّر، يعني: لزمت إعادتُها على غير المأموم؛ لماذا؟ لأن قراءة الفاتحة في حقِّ المأموم -على ما ذهب إليه المؤلف- ليست بواجبة، فلو تَرَكَها المأمومُ عمدًا -لو ترك الفاتحة عمدًا- لم يلزمه إعادتها، لماذا؟
لأن القراءة ليست ركنًا ولا واجبًا في حقه، ولكن مع ذلك يحرم عليه أن ينكِّس الآيات، أو أن يُنكِّس الكلمات، إنما من حيث وجوبُ إعادة الفاتحة لا يجبُ على المأموم، على ما ذهب إليه المؤلف.
[ ١ / ١١٥٢ ]
وقوله: (لزم غير مأموم إعادتها) ظاهر كلامه: أنه يعيدُها من أولها، فلو أسقطَ (أل) مِن قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فظاهرُ كلامِه أنه يلزمه إعادة الفاتحة كلها؛ وليس هذا بوجيه، وقد لا يكون هذا مراده، بل يلزمه إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه؛ لأن ما قبلَه وَقَعَ صحيحًا، والمدَّة ليست طويلة حتى نقول: إنه لو أعاد مِن حيث أخلَّ لَزِمَ طول الفصل بين الجزء الصَّحيح الأول والجزء الصَّحيح الثاني؛ لأن كلَّ الفاتحة لا تستوعب زمنًا طويلًا، وعلى هذا؛ فإذا أخلَّ بشيءٍ مِن آخرِها، فإنه لا يلزمه إلا إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه.
إعادة ما أخلَّ به واضح لكن ما بعده؟ مراعاةً للترتيب، فإن كانت في أول الآية مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يلزمه مِن الأول؛ لأن كل ما حصل بعد هذا لا بد فيه من الترتيب.
(لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها)، بقي علينا كيف يقرأ هذه السُّورة.
[ ١ / ١١٥٣ ]
نقول: يقرؤها معربةً مرتَّبةً متواليةً، وينبغي أن يفصِلَ بين آياتِها، يقفَ عند كلِّ آية، فيقف سبعَ مرَّات، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيقف، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيقف، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيقف، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فيقف، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فيقف، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فيقف؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقِفُ عند كلِّ آية، وإن لم يقفْ فلا حرجَ؛ لأنَّ وقوفه عند كلِّ آيةٍ على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الوجوبِ؛ لأنَّه مِن فِعْلِ النَّبيِّ ﷺ دون أمْرِه، وما فَعَلَه النبيُّ ﵊ من دون أَمْرٍ مما يُتعبَّد به فهو للاستحباب، كما مر علينا في أصول الفقه: أنَّ الفعلَ المجرَّدَ يفيد الاستحباب؛ ولأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا عَلَّمَ المسيءَ في صلاتِه، بل لما أمره أن يقرأ ما تيسَّر مِن القرآن لم يقل: ورتِّل، أو: قِفْ عند كلِّ آية.
فإنْ قال قائل: ذكرتم أنه إذا أبدل حرفًا بحرف فإنَّها لا تصحُّ، فما تقولون فيمَن أبدَل الضَّادَ في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بالظاء؟
قلنا: في ذلك وجهان لفقهاء الحنابلة:
وجه: لا تصحُّ؛ لأنه أبدلَ حَرْفًا بحرف.
والوجه الثاني: تصحُّ، وهو المشهور مِن المذهب، وعلَّلوا ذلك بتقارب المخرجين، وبصعوبة التفريق بينهما، وهذا الوجه هو الصَّحيح، وعلى هذا فمَن قال: (غير المغظوب عليهم ولا الظالين) فصلاته صحيحة، ولا يكاد أحدٌ من العامة يُفرِّق بين الضَّاد وبين الظاء.
ومنها أيضًا يقول المؤلف: (ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة) مَن الكل؟ المنفرد، والمأموم، والإِمام بالجهرية.
[ ١ / ١١٥٤ ]
أما الإِمام فواضح أنه يجهر بآمين؛ لأن ذلك ثَبَتَ عن النبيِّ ﵊ في قوله: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا»، فعلَّق تأميننا بتأمين الإِمام، ولولا أننا نسمعُهُ لم يكن لتعْليقِهِ بتأمين الإِمامِ فائدة، بل لكان حَرَجًا على الأمة؛ ولأنَّ النبيَّ ﷺ كان يجهرُ بـ (آمين) حتى يَمُدَّ بها صوتَه، آمين.
وكذلك المأمومون يجهرون بها، كما كان الصَّحابةُ ﵃ يجهرون بذلك خلفَ النبيِّ ﷺ؛ حتى يرتجَّ المسجدُ بهم، وهذه السُّنَّةُ صحيحةٌ ثابتة.
لكن المنفرد نقول: إن جَهَرَ بقراءته؛ جَهَرَ بـ (آمين)، وإن أسرَّ، ودليل ذلك: أن النبيَّ ﷺ كان في صلاة السِرِّ كالظُّهر والعصر لا يجهر بآمين، وهذا يقتضي أنك إذا لم تجهر بالقراءة لم تجهر بآمين.
فالمنفرد الذي يقوم الليل مثلًا، أحيانًا يرى أن حضورَ قلبِه وقوَّة يقظته وطرد النوم عنه بالجهر، فيجهر كما فَعَلَ النبيُّ ﵊ حين صَلَّى بحذيفة بن اليمان.
فإذا جَهَرَ بالقراءة جَهَرَ بالتأمين، وأحيانًا يرى أن الإِسرار أفضل له وأخشع، وأبعد عن الرِّياء، أو أن هناك مانعًا يمنعه من
الجَهْر لكون مَن حولَه نيامًا، وما أشبه ذلك، فإذا أسرَّ بالقراءة فإنه يُسِرُّ بالتأمين، ولا يجهر به.
قوله: (بآمين في الجهريَّة)، ما معنى (آمين)، (آمين) معناها: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، وعلى هذا فهي اسمُ فِعْل، دعاء، واسمُ الفعل ما دل على معنى الفعل دون حروفه، أليس كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما دل على معنى الفعل دون حروفه (هلم): اسمُ فِعْلٍ؛ لأنه بمعنى أقبل، كذا.
(صَهْ) اسمُ فِعْلٍ بمعنى اسكتْ، أحيانًا أقول: (صَهٍ)، وأحيانًا أقول (صَهْ)، بينهما فَرْق، إن قلت: (صهٍ) يعني: اسكتْ عن كُلِّ شيء، إن قلت: (صَهْ): اسكتْ عن كلام معيَّن.
[ ١ / ١١٥٥ ]
(آمين) قالوا: إنها بمعنى: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، فهي فِعْل دعاء، واسم الفعل ليس له اشتقاق.
قال الفقهاء: فإن شدَّدَ الميمَ بطلت الصَّلاةُ؛ لأنَّ معناها حينئذٍ: قاصدين، ولا وجه لذلك، ولهذا قالوا: يحرم أن يُشدِّد الميم، وتبطل الصَّلاةُ؛ لأنه أتى بكلامٍ مِن جنسِ كلام المخلوقين.
ومتى يقول: آمين؟
الإِمامُ إذا انتهى من قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، والمنفرد إذا انتهى من قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين.
والمأموم، قال بعضُ العلماءِ: يقول: (آمين) إذا فَرَغَ الإِمامُ مِن قول: آمين.
واستدلُّوا بظاهر قوله: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا»، قالوا: وهذا كقوله: «إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا»، ومعلومٌ أنك لا تكبِّر حتى يفرغ الإِمامُ مِن التكبير، ولكن هذا القول ضعيف؛ ودليل ذلك أنه جاء مصرحًا به في لفظٍ آخر: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ».
وعلى هذا فيكون المعنى: إذا أمَّن؛ أي: إذا بَلَغَ ما يُؤمَّنُ عليه، وهو ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أو إذا شَرَعَ في التَّأمين فأمِّنوا؛ لتكونوا معه، لكن نسمع بعض الأحيان بعض الجماعة يتعجَّل؛ لا يكاد يصل الإِمام إلى النون من ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إلا وقد قال: (آمين)، هذا خِلافُ السُّنَّةِ، وهذا نوعٌ مِن مسابقة الإِمام؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَصلْ إلى الحدِّ الذي يُؤمَّنُ على قوله فيه حتى يختم قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
يقول المؤلف: (ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة).
لم يفصح المؤلِّف -﵀- هنا عَمَّا إذا لم يعرفْ الفاتحةَ هل يلزمه أن يتعلَّمها؟
الجواب: نعم؛ يلزم أن يتعلَّمها؛ لأن قراءتَها واجبةٌ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، كعادم الماء؛ يجب عليه طلبُه وشراؤه إنْ كان يُباع؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.
[ ١ / ١١٥٦ ]
وليس هذا من باب: ما لا يتمُّ الوجوب؛ لأن وجوب الفاتحة ثابتٌ، فيلزم أن يتعلَّم هذه السُّورة، فإن ضاق الوقتُ قرأ ما تيسَّرَ من القرآن من سواها؛ لعموم قوله ﷺ: «اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، فإن لم يكن معه قرآن فإنه يُسَبِّحُ: (سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللَّهُ أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) كم هذه؟ خمس كلمات، فإذا قال قائل: كيف يجزئ الخمس عن السَّبع؛ لأن الآيات في الفاتحة سَبْع؟
فالجواب: أنه لا يلزمُ أن يكون البدلُ مساويًا للمُبدل منه، أَلا ترى أنَّ كسوةَ العشرة في كفَّارة اليمين لا يساويها إطعامُهم في الغالب، ولا تساوي عِتْقَ الرَّقَبة أيضًا، فالبدلُ لا يلزم منه مساواة المُبدل منه، لكن قال فقهاؤنا ﵏: إذا كان عنده شيءٌ من القرآن سوى الفاتحة وجب عليه أن يقرأ منه بقَدْرِ الفاتحة، وفرَّقوا بين هذا وبين الذِّكر؛ بأن ما يَقدر عليه من جنس ما عَجز عنه؛ فوجب أن يكون مساويًا له، بخلاف البدل المحض فإنه لا يلزم.
فصارت المراتب الآن: قراءة الفاتحة، فإن عجز فبما تيسَّرَ مِنَ القرآن مِن غيرها، فإن عَجَزَ فالتَّسبيحُ، والتَّحميد، والتَّكبير، والتَّهليل والحَوقلة.
إذا قال قائل: إذا لم أجد مَنْ يُعَلِّمني إيَّاها إلا بأُجرة، فهل يلزمُني دفع الأجرة إليه؟
الجواب: نعم؛ كما لو لم أجد ماءً إلا ببيع، فإنه يلزمُني شراؤه للوُضُوء، ولكن يبقى النَّظرُ: هل يجوز للآخر أن يطلب أُجْرةً على تعليم القرآن؟
[ ١ / ١١٥٧ ]
الجواب الصحيح: الجواز؛ لعموم قول النبيِّ ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»، وهذا الذي استأجر، أو طَلَبَ الأُجرةَ، طَلَبَ على عَمَلٍ متعدٍّ وهو التَّعليم، بخلاف مَن طَلَبَ أُجرة على القِراءة، فإنه لا يجوز، لو جاء واحد وقال: أنا بقرأ سورة البقرة وتُعطيني كذا وكذا، قلنا: هذا حَرام، أمَّا إذا قال: أعلِّمُكَ إياها بكذا وكذا؛ فهذا جائز، ولهذا زوَّجَ النبيُّ ﷺ الرَّجُلَ الذي لم يجدْ مهرًا، زوجه المرأة بما معه من القُرآن، يعلِّمُها إيَّاه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك () بعض أهل العلم بقولهم بأنهم أجمعوا على أن قول الله ﷿ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أنها نزلت في الصلاة، ولما قال شيخ الإسلام ﵀: إن قراءة المأموم حال قراءة الإمام عبث لا تتم به الجماعة.
الشيخ: نعم، كما قلنا قبل قليل، قلنا: نعم هي عامة في غير الفاتحة؛ لأن الفاتحة دل النص على وجوب قراءتها، فتكون أدلة وجوب قراءة الفاتحة مخصصة لعموم الآية.
وأما قول شيخ الإسلام: إنها عبث، فهذا من الكلمات التي نرجو الله أن يعفو عنه بها، فكيف تكون عبثًا، والنبي ﵊ يقول: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
ثم إنه يرد على ذلك ما إذا جاء بعد أن قرأ الإمام الفاتحة، وهو في السورة اللي بعدها، فأين تذهب الفاتحة في حق هذا الرجل، لا قرأها ولا استمع إليها.
***
الطالب: () والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ١١٥٨ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً، تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ثَمَّ يَركَع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الجهر سبق لنا أنه يكون في أولتين غير الظهرين، صلاة الليل؛ الفرائض معروف فيها الجهر، وصلاة النفل إن كانت تقام جماعة فالسنة فيها الجهر وإن كان الإنسان منفردًا فإنه يُخير بين الإسرار والجهر، فإن النبي ﷺ أمَّ حذيفة بن اليمان فجهر، وأمَّ ابن عباس والظاهر أنه لم يجهر، فإذا كانت القراءة جهرًا أنشط له فليقرأ جهرًا، وإن كانت القراءة سرًّا أخشع له فليقرأ سرًّا، وإن تساوى الأمران احتمل أن يقال بالجهر؛ لأنها صلاة ليلية، واحتمل أن يقال بعدمه؛ لأن الرسول ﷺ كان إذا صلى الراتبة في العشاء لا يجهر.
ثم قال المؤلف ﵀: (وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً)، قوله: (ثُمَّ يَقْرَأُ) هل (ثم) هنا على معناها الأصلي؟ أي أنها تفيد الترتيب والتراخي، أو لمجرد الترتيب؟
هذا مبنيٌّ على القول باستحبابِ السُّكوتِ بعدَ الفاتحة أو عدمِه.
فإن قلنا: باستحباب السُّكوتِ -وهو المذهب- صارت (ثم) هنا على معناها الأصلي؛ أي أنها للتَّرتيب والتَّراخي، وعلى هذا فيسكتُ الإِمامُ بعدَ الفاتحةِ سكوتًا، ولكن كم مقدار هذا السُّكوت؟
قال بعض العلماء: إنه بمقدار قراءة المأموم سُورةَ الفاتحةِ، وعلى هذا؛ فيكون طويلًا بعضَ الشَّيء.
[ ١ / ١١٥٩ ]
وقيل: بل إنه سكوت ليترادَّ إلى الإِمام نَفَسُه، وليتأمَّل ماذا يقرأ بعدَ الفاتحةِ، وليشْرَع المأموم في قراءة الفاتحة حتى يستمرَّ فيها؛ لأن الإِمام لو شَرَعَ فورًا بقراءة السُّورة لم يبدأ المأموم بالقراءة، وحينئذٍ تفوته.
والصَّحيح أن هذه السَّكتة سكتة يسيرة؛ لا تشرع بمقدار أن يقرأَ المأمومُ سُورةَ الفاتحة، بل السُّكوت بمقدار أن يقرأ المأمومُ سُورةَ الفاتحة إلى البدعة أقرب منه إلى السُّنّة؛ لأن هذا السُّكوتَ طويلٌ، ولو كان النبيُّ ﷺ يسكتُه؛ لكان الصَّحابةُ يسألون عنه، كما سألَ أبو هريرة ﵁ النَّبيَّ ﷺ عن سُكوته فيما بين التكبير والقِراءة، فالصَّحيح أنَّها سكتةٌ يسيرة فيها هذه الفوائد:
أولًا: التَّمييز بين القِراءةِ المفروضةِ والقراءة المستحبَّة.
وثانيًا: ليترادَّ إليه النفسُ.
وثالثًا: لأجل أن يشرع المأمومُ بالقِراءة.
ورابعًا: ربما لا يكون قد أعدَّ سورةً يقرأ بها بعدَ الفاتحة، فيتأمَّل ماذا يقرأ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا)، أي: بعدَ الفاتحة، وأفاد قوله: (بعدَها) أنه لا تُشرع القراءةُ قبل الفاتحة، فلو نسيَ فقرأ السُّورةَ قبل الفاتحةِ أعادها بعد الفاتحة؛ لأنه ذِكْرٌ قالَه في غير موضعه فلم يجزئ، بل لا بد أن يعيد.
(يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً) وهذه القراءة على قول جمهور أهل العلم بل عامتهم سُنَّةٌ، وليست بواجبةٍ؛ لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة.
وأفادنا المؤلِّف بقوله: (سُورة) إلى أنَّ الذي ينبغي للإِنسانِ أن يقرأَ سورةً كاملةً، لا بعضَ السُّورة، ولا آيات من أثناء السُّور؛ هذه هي السنة أن يقرأ سورة ولكن هل يفرقها بين الركعتين سيأتي الكلام عليه.
المهم ألا يقرأ آيات من أثناء السور؛ لأن ذلك لم يَرِدْ عن النَّبيِّ ﷺ، أطلقه ابن القيم، قال: لم يكن من هديه أن يقرأ آيات من أثناء السور.
[ ١ / ١١٦٠ ]
ولكن ورد بل ثَبَتَ عن النبيِّ ﵊: قرأ في سُنَّةِ الفجر آيات من السُّور، فكان أحيانًا يقرأ في الرَّكعة الأُولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، والأصل: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض؛ وهذه قاعدة دلت عليها السنة؛ أن ما ثبت في نفل الصلاة فهو ثابت في الفرض، إلا بدليل، وما ثبت في الفرض فهو ثابت في النفل إلا بدليل؛ لأنها عبادة من جنس، والأصل اتفاقها في الأحكام، ويدلُّ لهذا: أن الصَّحابة ﵃ لما حَكَوا أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلي على راحلته يُوتِرُ عليها قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبةَ.
فلما حَكَوا أنه يوتر، ثم قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة، دَلَّ ذلك على أنَّ المعلومَ أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفل ثبتَ في الفرض.
على كُل حال؛ نرى أنه لا بأس أن يقرأ الإِنسانُ آيةً من سورةٍ في الفريضة وفي النافلة، وربما يُستدل له أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، لكن السُّنَّة والأفضل أن يقرأَ سورةً، والأفضلُ أن تكون كاملةً في كلِّ ركعة، فإن شَقَّ فلا حَرَجَ عليه أن يقسم السُّورة بين الركعتين؛ لأن النبيَّ ﷺ قرأ ذات يوم سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فلما وصل إلى قصة موسى وهارون أخذته سَعْلةٌ فَرَكَعَ، فدلَّ هذا على جواز قَسْمِ السُّورة؛ لا سيَّما عند الحاجة.
وقوله: (سُورة) السورة هي طائفة من القرآن لها أول ولها آخر، سُميت بذلك؛ لأنها مسورة بابتداء وانتهاء، يعني لها محيط في الأول وفي الآخر، ومنه قيل للحائط المحيط بالبيت سور.
[ ١ / ١١٦١ ]
قوله: (سُورة) يلزم من قراءة السُّورة أن يقرأَ قبلها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وعلى هذا؛ فتكون البسملةُ مكرَّرة كم مرة؟
الطلبة: مرَّتين.
الشيخ: مرَّتين: مرَّة للفاتحة، ومرَّة للسُّورة، أما إنْ قرأ مِن أثناء السُّورة فإنه لا يُبسمل؛ لأن الله لم يأمر عند قراءة القرآن إلا بالاستعاذةِ، وأما البسملة فإنها لا تكون في أواسط السُّور.
يقول المؤلف: (تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) (تكون) أي: السُّورة، (في الصبح) أي: في صلاة الصُّبح، (من طِوال المُفصَّلِ) بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل، وأما طِوال بالكسر فهي جمع طُول، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل.
المفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط، فمِن (ق) إلى (عَمَّ) هذا هو الطِوال، ومِن (عَمَّ) إلى (الضُّحَى) أوساط، ومُن (الضُّحَى) إلى آخره قِصار.
وسُمِّيَ مُفصَّلًا لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ، فلهذا سمي مفصلا.
من (ق) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أربعة أجزاء وشيء أو لا؟ يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعًا مِن النساء، وشيئًا قليلًا، تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لماذا؟ لأن الله ﷿ نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِبًا لأكثرها، وهو كذلك، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء كلها زِيدت.
قال المؤلف: (وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ) يعني: من الضُّحى إلى آخره هذا هو الأفضل.
[ ١ / ١١٦٢ ]
(وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) من عَمَّ إلى الضحى دليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ ﵊؛ فإن الغالب مِن فِعْلِ النبيِّ ﵊ هو هذا.
لكنه أحيانًا يقرأ في الفجر مِن القِصَار، وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ قرأها مرتين في الرَّكعتين، ومرَّة في المغرب قرأ بسُورة الأَعْرَافِ، وقرأ بسورة الْطُّور، وقرأ بـ (المرسلات)، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالبًا على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر.
وقول المؤلف: (وفي الباقي من أوساطه) الدليل على ذلك؛ أن النَّبيَّ ﷺ أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ (سَبِّحِ) والغاشية و(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، و(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، ونحوها، فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل.
وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟
الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ الرسول ﵊ أنه قرأ: (إِذَا زُلْزِلَت) في الرَّكعتين جميعًا، أي: كرَّرها.
لكن قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ ﷺ نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة.
[ ١ / ١١٦٣ ]
والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن أقوى منه احتمال التشريع؛ أي: أن النبيَّ ﷺ كرَّرها تشريعًا للأمة؛ ليبيِّن للأمة أن ذلك جائز، يُرجّح احتمالِ النسيان أنَّ العادة من فِعْلِ الرسول ﵊ ألا يكرر، ويرجح احتمال التشريعُ أن الأصل في فِعْلِ الرسول ﵊ التشريعُ، وأنه لو كان ناسيًا لنبّه عليه، وهذا الأخيرُ -أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع- أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ، وأنه يجوز للإنسان أحيانًا أن يكرر السورة ولا بأس.
قال: (وفي الباقي من أوساطه).
بحث المؤلف الشارح -﵀- تنكيس السُّور، والآيات، والكلمات، والحروف، وإن كان لم يبحث في هذه الأربعة، ولكن نحن الآن نبحث فيها، تنكيس السُّور وتنكيس الآيات وتنكيس الكلمات وتنكيس الحروف.
أما تنكيس الحروف؛ فهذا لا شك في تحريمه؛ بمعنى أن تكون الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف؛ فيبدؤها الإنسان مِن آخرها مثلًا، هذا لا شكَّ في تحريمه، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ به؛ لأنه إخراج للقرآن عن الوجه الذي تكلَّم الله به، كما أن الغالب أنَّ المعنى يختلفُ اختلافًا كبيرًا.
وأما تنكيس الكلمات؛ أي: أن يبدأ بكلمة قبل الأُخرى، مثل أن يقول: الحمد لربِّ العالمين، الله الرحمن الرحيم، فهذا أيضًا محرَّم بلا شكٍّ؛ لأنه إخراجٌ لكلامِ الله عن الوجه الذي تكلَّم اللَّهُ به.
[ ١ / ١١٦٤ ]
تنكيس الآيات أيضًا؛ محرَّم على القول الرَّاجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه بأمر النبي ﷺ، ولهذا تَجِدُ أحيانًا بعضَ الآيات بين آيات لا يَظهرُ لك تَعَلُّقُها به، مما يدلُّ على أن الأمر توقيفي مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠].
أيهما أسبق قراءة؟
الطلبة: الثانية.
الشيخ: لا، الأولى أسبق، الأولى سابقة عليها في القراءة.
وأيهما أسبق نزولا؟
الطلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية، ولو كان التَّرتيبُ غيرَ توقيفي؛ لكان على حسب النُّزولِ، لكنه توقيفي، أي أن الأمر فيه موقوف على ورود الشرع به، وعلى هذا فيحرم تنكيس أيش؟
الطلبة: الآيات.
الشيخ: الآيات، هذه ثلاثة أشياء.
تنكيس السور يُكره، وقيل: يجوز، وأظن فيه قولًا بالتحريم فهذه ثلاثة أقوال.
أما الذين قالوا بالجواز فاستدلُّوا: بحديث حذيفة بن اليمان، الذي في صحيح مسلم أن النبيَّ ﷺ: قامَ مِن اللَّيلِ فقرأَ بسورةِ البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ ﷺ دليلٌ على الجواز.
وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ ﵃ وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام -الذي يكادون يُجمعون عليه- في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا.
[ ١ / ١١٦٥ ]
وأما الذين قالوا بالتحريم، فقالوا: إن هذا إجماع من الصحابة، أو يكاد يكون إجماعًا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه، فوجب علينا أن نقرأ القرآن مرتبًا؛ ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله ﷿ إذا رأى العامة أنَّ النَّاسَ يقدِّمون ويؤخِّرون فيه، والعامي عامي جاهل لا يعرف.
ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ بين قولين، فيقال: إنَّ إجماع الصحابة على هذا الترتيب غير موجود، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود، ﵁، وأما قراءة النبيِّ ﵊ في حديث حذيفة لـ (النساء) قبل (آل عمران) فهذا -لعلَّه- قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ ﷺ القرآن في كُلِّ رمضان، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، لا سيما وأنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقرنُ بين البقرة وآل عمران، مما يدلُّ على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه النساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير.
والحق أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين (الجُمعة) و(المنافقين)، وبين (سَبِّحِ) و(الغاشية) فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ ﵊ قرأَ (الجمعة) قبل (المنافقون).
وقرأ (سَبِّح) قبل (الغاشية) فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ إلى الصَّوابِ.
طالب: () يبدأ من البقرة، يقرأ كل يوم ..
[ ١ / ١١٦٦ ]
الشيخ: إي نعم، هذا خلاف السنة لا شك؛ يعني بعض المصلين يبدأ القرآن من أوله إلى آخره، ويدعي أنه يفعل ذلك من أجل أن يسمع الناس كلام الله من أوله إلى آخره، فنقول له: أين النبي ﷺ من هذا؟ أليس النبي ﷺ أولى الناس بذلك؛ لأجل أن يبلغ الناس كلام الله ولا ينسيهم إياه، فأين هو من ذلك أهو لا يدري أم ماذا؟ ثم نقول: العلماء لم يقولوا بهذا، وإذا لم يقولوا به فإنه يكون ذلك خروجًا عن السنة المعروفة عن النبي ﵊، وكذلك يكون خروجًا عما قاله علماء هذه الأمة.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أقول ذكر بعض الصحابة أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر حتى إن الذاهب ليذهب إلى البقيع فيقضي الحاجة، ثم يتوضأ، ثم يدرك الركعة الأولى، وقوله: (كان) كأنها () اللفظ تفيد الاستمرار، وقد ذكرنا في كلام المؤلف أنه يقرأ في الباقي من أوساطهم؛ من أوساط المفصل.
الشيخ: نعم، هذا الغالب.
الطالب: لكن كأنه يقول: إنه كان يديم الاستمرار في التطويل في الظهر.
الشيخ: لا، هذا الطول لا يديمه؛ لأنه وردت أحاديث تدل على خلاف ذلك.
طالب: بالنسبة لتحديد المفصل هل هو توقيفي أو اجتهادي؟
الشيخ: لا، اجتهاد، الظاهر إنه اجتهاد من العلماء ما سمعت بهذا في السنة.
طالب: شيخ، إذا كان رجل ما يرتب القرآن -يقرأ علينا القرآن بالترتيب- لكن يحاول أنه يمر على القرآن أو على أغلبه؛ لكي يسمع الناس أكثر القرآن، وبعض الآيات ناقصة () جهاد وبغي و..
[ ١ / ١١٦٧ ]
الشيخ: ما أرى هذا، أنا ما أرى هذا، شيء لم يفعله السلف لا خير فيه، نعم لو فُرض أن هناك مناسبة وقرأ بهذا لم أرَ في هذا بأسا على أنه فيه ثقل عندي؛ يعني –مثلًا- لو ابتدأ في رمضان ابتدأ صلاة المغرب أول ليلة منه بآيات الصيام مثلًا، أو صلاة العشاء لكان في هذا شيء من التساهل، على إني لا أحب هذا؛ لأن هذه المناسبة أيضًا موجودة في عهد الرسول ﷺ ولم يُعهد أو لم يُنقل أنه كان يقرأ بذلك، فالذي أرى أن الإنسان لا يتخذ سنة لم يسنها مَن قبله أبدًا، الاتباع أولى من الابتداع مهما حسن عند العبد.
ولا تَصِحُّ الصلاةُ بقراءةٍ خارجةٍ عن مُصْحَفِ عُثمانَ، ثم يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رافعًا يَدَيْهِ ويَضَعُهما على رُكبتَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأصابعِ مُستويًا ظَهْرُه ويَقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ " ثم يَرفعُ رأسَه ويَدَيْهِ قائلًا إمامٌ ومنفرِدٌ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وبعدَ قِيامِهما " رَبَّنا ولك الْحَمْدُ، مِلْءَ السماءِ ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ ما شِئْتَ من شيءٍ بَعْدُ " ومأمومٌ في رَفْعِه " رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ " فقط، ثم يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ ثم يَدَيْهِ ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه
قوله: (لا تصح): نفي الصحة يقتضي الفساد. فإذا قرأ بقراءة خارجة عن مصحف عثمان فصلاته فاسدة على كلام المؤلف. وما المراد بالصحة؛ إذا قال العلماء في العبادات: تصح أو لا تصح؟
قال العلماء: الصحيح ما سقط به الطلب، وبرئت به الذمة، والفاسد ما ليس كذلك، فإذا فعل الإنسان عبادة ولم يسقط الطلب بها عنه لاختلال شرط أو وجود مفسد قلنا: إنها فاسدة، وإذا فعل عبادة وسقط بها الطلب وبرئت بها الذمة قلنا: إنها صحيحة.
[ ١ / ١١٦٨ ]
وقوله: (بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) ما مصحف عثمان؟ مصحف عثمان ﵁ هو الذي جمع الناس عليه في خلافته؛ وذلك أن النبي ﷺ توفي والقرآن لم يجمع، بل كان في صدور الرجال، وفي عسب النخل، وفي اللخاف: في الحجارة البيضاء الرهيفة، وما أشبه ذلك، ثم جُمع في خلافة أبي بكر ﵁ حين استحر القتل بالقراء في اليمامة.
ثم جمع في عهد عثمان ﵁، سبب جمعه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (١)، فكان الناس يقرؤون بهذه الأحرف، وقد اختلفت لهجات الناس، فصار فيه خلاف، في الأجناد الذين يقاتلون في أطراف المملكة الإسلامية، فخشي بعض القواد من الفتنة، فكتبوا إلى عثمان ﵁ في ذلك، فاستشار الصحابة، فجمع المصحف، بل القراءات على حرف واحد، وهو لغة قريش، يعني على لغة واحدة وهي لغة قريش، واختارها لأنها أشرف اللغات، حيث إنها لغة النبي ﷺ، وهي أعرب اللغات أيضًا، يعني أنها أرسخها في العربية، فجمع المصاحف كلها على مصحف واحد وأحرق ما سواها.
فاجتمعت الأمة على هذا المصحف، ونُقل إلينا نقلًا متواترًا، ينقُله الأصاغر عن الأكابر، ولم تختلف فيه الأيدي ولا النقلة، بل هو محفوظ بحفظ الله ﷿ إلى يوم القيامة.
لكن هناك قراءات خارجة عن هذا المصحف الذي أمر عثمان بجمع المصاحف عليه، وهذه القراءات صحيحة ثابتة عمن قرأ بها عن النبي ﷺ، لكنها تعتبر عند القراء اصطلاحًا شاذة، وإن كانت صحيحة، وقد اختلف العلماء ﵏ في هذه القراءة الشاذة في أمرين:
الأمر الأول: هل تجوز القراءة بها، أو لا تجوز؟ وعلى القول بالجواز فهل تجوز القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة، أو خارج الصلاة فقط؟
[ ١ / ١١٦٩ ]
الأمر الثاني: اختلف العلماء الذين يقولون: لا يقرأ بها هل هي حجة في الحكم، أو ليست بحجة؟ فمنهم من قال: إنها ليست بحجة، ومنهم من قال: إنها حجة.
وأصح هذه الأقوال أنه إذا صحت هذه القراءة عمن قرأ بها من الصحابة، فإنها مرفوعة إلى رسول الله ﷺ، وتصح القراءة بها في الصلاة وخارج الصلاة، هذا هو الأصح، أصح الأقاويل في هذا؛ لأنها إذا صحت موصولة إلى رسول الله ﷺ فما المانع؟ نعم لا نقرأ بها أمام العامة؛ لأننا إذا قرأنا بها أمام العامة حصل بذلك فتنة، وحصل بذلك تشويش، وحصل بذلك قلة اطمئنان إلى القرآن الكريم، وقلة ثقة به، وهذا لا شك أنه مؤثر ربما على العقيدة فضلًا عن العمل.
لكن الكلام فيما بين الإنسان وبين نفسه، أو فيما بينه وبين طلبة العلم الذين يفهمون حقيقة هذا الأمر، لا يقول قائل: إذا صحت وصححتم الصلاة بها وصححتم القراءة بها وأثبتم الأحكام بها، لا يقول قائل: لماذا لا تقرؤونها على العامة؟ لأننا نقول: إن هدي الصحابة ﵃ ألا تحدث الناس بحديث لا تبلغه عقولهم، كما في حديث علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون -أي: بما يمكن أن يعرفوه ويهضموه وتبلغه عقولهم- أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ (٢). يعني العامي إذا جاءه أمر غريب عليه نفر على طول، وكذب، وقال: هذا شيء محال، مستحيل، أنا لا أؤمن بهذا الشيء. ربما يقول هكذا. مشكلة هذا.
وقال ابن مسعود: إنك لا تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة (٣). وصدق ﵁، فلهذا نحن لا نحدث العامة بشيء لا تبلغه عقولهم؛ لئلا تحصل الفتنة، ويتضرر في عقيدته وفي عمله.
[ ١ / ١١٧٠ ]
ومن ذلك ما يكثر السؤال عنه من الطلبة، وهو أنه ثبت عن النبي ﵊ أنه لما قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] أنه وضع إبهامه وسبابته على أذنه وعلى عينيه (٤): فقال: هل يجوز أن أفعل هذا؟
فجوابنا على هذا أن نقول: لا تفعله أمام العامة؛ لأن العامة ربما ينتقلون بسرعة إلى اعتقاد المشابهة والمماثلة، بخلاف طالب العلم.
ثم هذا فعل من الرسول ﵊ وليس أمرًا، ما قال لنا: ضعوا أصابعكم على أعينكم وآذانكم حتى نقول: لا بد من تنفيذ أمر الرسول، هو فعل قصد به تحقيق هذا الأمر، لا التعبد بذلك، فيما يظهر لنا، فلماذا نلزم أنفسنا ونكرر السؤال عن مثل هذا من أجل أن نقوله أمام العامة؟
فالحاصل أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون معلمًا مربيًا، والشيء الذي يخشى منه الفتنة وليس أمرًا لازمًا لا بد منه ينبغي للإنسان أن يتجنبه.
[ ١ / ١١٧١ ]
إذن يقول المؤلف ﵀: (لو قرأ بقراءة خارجة عن مصحف عثمان لم تصح الصلاة) مثال ذلك: قوله تعالى في آية كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، في قراءة ابن مسعود: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ﴾، فلو قرأ الإنسان في الصلاة: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ﴾ بطلت صلاته، لماذا؟ قالوا: لأن هذه الكلمة ليست من كلام الله، ما نعتبرها من كلام الله حكمًا، وإن كانت قد تكون من كلام الله حقيقة، لكننا لا نعتبرها حكمًا من كلام الله، فتكون من كلام الآدميين، وقد قال النبي ﵊: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ» (٥).
ولكن هذا القول إذا تأملته وجدته ضعيفًا، وكيف تكون من كلام الآدميين وقد صح أن النبي ﷺ قرأ بها؟ ولا سيما قراءة ابن مسعود الذي قال فيه الرسول ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ -أو قال: طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلْ- فَلْيَقْرَأْ، أو فَعَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (٦)، يعني قراءة ابن مسعود. فقراءة أوصى بها رسول الله ﷺ، كيف يقول قائل بعد صحتها وثبوتها عن ابن مسعود: إن الصلاة لا تصح بها؟ ولهذا كلما تأملت هذا القول وجدته ضعيفًا. ولكن احذروا أن تقرؤوا بها أمام العامة؛ لما علمتم من خوف الفتنة.
قال: (ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان ﵁، ثم يركع مكبِّرًا) يعني بعد القراءة يركع مكبرًا.
[ ١ / ١١٧٢ ]
وقوله (ثم يركع) نقول فيها مثلما قلنا في: ثم يقرأ بعد الفاتحة: إنها للترتيب والتراخي. فينبغي قبل أن يركع أن يسكت سكوتًا، لكنه ليس سكوتًا طويلًا، بل بقدر ما يرتد إليه نفسه، فإن ذلك قد جاء في حديث سمرة بن جندب ﵁ (٧)، فيسكت بين القراءتين الفاتحة والسورة، وبين القراءة والركوع، لكنه ليس سكوتًا طويلًا بل سكوتًا قصيرًا.
وقوله (يركع): الركوع هو الانحناء في الظهر، فيركع، وهذا الركوع المقصود به: تعظيم الله ﷿؛ فإن هذه الهيئة من هيئات التعظيم، ولذلك كان الناس يفعلونها أمام الملوك والكبراء والأسياد، ينحنون لهم، وربما يركعون، وربما يسجدون، والعياذ بالله، لكن الركوع هيئة تدل على تعظيم الراكع بين يدي من ركع له، ولهذا قال النبي ﵊: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (٨) ليجتمع فيه التعظيم القولي والتعظيم الفعلي.
وقوله (مكبرًا) حال من يركع، حال مقارنة ولا غير مقارنة؟
طالب: مقارنة.
الشيخ: مقارنة. يعني في حال هويه إلى الركوع يكبر، فلا يبدأ قبل، ولا يؤخره حتى يصل إلى الركوع، أي يجب أن يكون التكبير فيما بين الانتقال والانتهاء، حتى قال الفقهاء ﵏: لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي، أو أتمه بعد أن يصل إلى الركوع فإنه لا يجزئه؛ لأنهم يقولون: إن هذا تكبير في الانتقال، فمحله ما بين الركنين، فإن أدخله في الركن الأول لم يصح، وإن أدخله في الركن الثاني أيضًا لم يصح؛ لأنه مكان لا يشرع فيه هذا الذكر، فالقيام لا يشرع فيه التكبير، والركوع لا يشرع فيه التكبير، إنما التكبير بين القيام وبين الركوع.
[ ١ / ١١٧٣ ]
ولا شك أن هذا القول له وجهة من النظر؛ لأن التكبير علامة على الانتقال، فينبغي أن يكون في حال الانتقال، ولكن القول بأنه إن كمله بعد الوصول للركوع، أو بدأ به قبل الانحناء مبطل للصلاة؛ القول بأن ذلك مبطل للصلاة فيه مشقة على الناس؛ لأنك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت أكثر الناس لا يعملون بهذا، منهم من يكبر قبل أن يتحرك للهوي، ومنهم من يصل إلى الركوع قبل أن يكمل.
والغريب أن بعض الجهال اجتهد اجتهادًا خاطئًا، وقال: لا أكبر حتى أصل إلى الركوع، لا أكبر حتى أصل إلى الركوع، لماذا؟ قال: لأنني لو كبرت قبل أن أصل إلى الركوع لسابقني المأمومون، يسابقونني فيهوون قبل أن أصل إلى الركوع، وربما وصلوا إلى الركوع قبل أن أصل إليه.
وهذا من غرائب الاجتهاد؛ أن تفسد عبادتك لتصحيح عبادة غيرك الذي ليس مأمورًا بأن يسابقك، يعني هو المخطئ، يعني لو قدر أن المأموم من حين ما سمع لفظ: الله أكبر أهوى إلى الركوع، فهل هو مخطئ أو أنت المخطئ؟ المخطئ المأموم. كيف أذهب إلى شيء يرى بعض العلماء أن صلاتي تفسد به من أجل تصحيح خطأ لإنسان هو المخطئ؟ !
ولهذا نقول: هذا اجتهاد في غير محله، ونسمي المجتهد هذا الاجتهاد أيش؟
طلبة: جاهلًا مركبًا.
الشيخ: جاهلًا مركبًا؛ لأنه جهل، وجهل أنه جاهل. إذن نقول: كبر من حين أن تهوي، واحرص على أن ينتهي قبل أن تصل إلى الركوع، ولكن لو وصلت إلى الركوع قبل أن تنتهي فلا حرج عليك، والقول بأن الصلاة تفسد بذلك قول ضعيف ولا يمكن العمل به.
قال (ثم يركع مكبرًا) ولا يمكن العمل به إلا بمشقة.
(ثم يركع مكبرًا، رافعًا يديه) رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فُرُع أذنيه كما سبق عند تكبيرة الإحرام.
ويرفع يديه إذا أراد أن يركع، ثم يضعهما على ركبتيه. ودليل ذلك: حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر للركوع (٩)، والحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما.
[ ١ / ١١٧٤ ]
يقول: (رافعًا يديه، ويضعهما على ركبيته) سبق لنا بحث في هذه المسألة، وهو إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرفعهما إلى الفروع أو إلى المنكبين فماذا يصنع؟
طلبة: المستطاع.
الشيخ: يرفعهما بقدر المستطاع، وإذا كان لا يستطيع أن يرفعهما إلا فوق، مثل أن تكون يداه ما تتعكف، ممدودة، نقول: يرفع ولو زاد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
قال: (ويضعهما على ركبتيه) يضعهما: أي اليدين. والمراد باليدين هنا؟
طالب: الكفان.
الشيخ: المراد الكفان؛ لأننا هو سبق لنا قاعدة: أن اليد إذا أطلقت فهي الكف. صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: تليها قاعدة؛ أن الله لما أراد ما خرج عن الكف بين في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ولهذا يقطع السارق من مفصل الكف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولا يقطع من المرفق؛ لأنه لو أراد ذلك لقيده.
طالب: شيخ، القراءات هذه () هل هذه من قراءة مصحف ..؟
الشيخ: إي نعم، كل القراءات السبعية هذه كلها من مصحف عثمان.
طالب: طيب، أيش معنى هذه الأول، لغات يعني؟
الشيخ: ما نعرف هذه اللغات ماتت، لما اقتصر الناس على المصحف هذا، على لغة قريش، ماتت اللغات الأخرى، ما نعلمها.
طالب: هذه يعني يقرؤها الرسول ﷺ؟
الشيخ: إي، لا، ما هو بالرسول قرأ بها، لكن هم رخص لهم في ذلك، رخص لهم، فالآن مثلًا اللهجات تجد فرقًا بين لهجة القصيم مثلًا ولهجة الرياض ولهجة الحجاز وما أشبه ذلك.
طالب: شيخ () بعدما يقرأ الفاتحة؟
الشيخ: كلا.
الطالب: ().
الشيخ: لا، أطول شويه، علشان يبدأ المأموم بالقراءة. نعم.
طالب: وضع اليد اليمنى على اليسرى للمرأة، اختلاف بين بعض الطلبة بينهم () والرحمة.
الشيخ: إحنا ذكرنا أنه إما وضع أو قبض.
طالب: () على القبض () قبض ().
الشيخ: أيش لون؟
[ ١ / ١١٧٥ ]
طالب: ممكن يقول: يحط إصبعين () ويحط الباقي ذلك، ومنهم يقول () أو ().
الشيخ: القبض كذا، إحنا ذكرنا، وقلت لكم، قبض عادي، إي نعم.
أما هذه ذكر بعض العلماء أنه لما وردت الأحاديث بالقبض والوضع قال: نجمع بينهما بالفعل، ونخلي خنصر وإبهام () على فوق، علشان يجمع بينهما، لكن ما هو بصحيح هذا، بل هما هيئتان مستقلتان.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أقول: إذا فرغ المأموم من التشهد الأول قبل أن يقوم الإمام، هل يعيد أو يصبر.
الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: لا؛ لأنه () يا شيخ هذا والله.
الشيخ: نعم؟
طالب: إذا صلى إمام بطلبة علم وقرأ بقراءة أخرى، لكن هم ما عندهم علم بالقراءات؟
الشيخ: وأيش تقولون في هذا؟ يعني صلى إمام بطلبة علم لكن ما عندهم علم بالقراءات؟
طلبة: يبين، يعلمهم.
الشيخ: إي ما يخالف، يعلمهم قبل ولا عقب؟
طالب: قبل.
الشيخ: قبل أحسن؛ لأنه إذا قرأ بالقراءة اللي ما يعرفونها يشوش عليهم في صلاتهم، يمكن يردون عليه، ويمكن لو هابوه لعلمه، نعم، يصير في قلوبهم شك، فالأحسن يقول لهم مثلًا قبل.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، وردت بعض الروايات: كان يكبِّر حين يسجد (١٠)، ما هو الدليل؟
الشيخ: ما وصلنا للسجود، جزاك الله خيرًا.
طالب: لا، بس موضع التكبير بس.
الشيخ: إي، التكبير في الانتقال.
طالب: لا، الرواية هذه حين يسجد.
الشيخ: تبقى تجيئنا إن شاء الله في السجود.
طالب: شيخ، بالنسبة للسكتة بعد الفاتحة، بعضهم يقول: ينبغي للإمام أنه ما يسكت.
الشيخ: إي نعم.
طالب: حتى السكتة الصغيرة هذه؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ.
الشيخ: هؤلاء الذين لم يصححوا حديث سمرة قالوا: لا يسكت، ولكن لا شك أن الصحيح السكوت:
أولًا: لأن الحديث كما قال ابن حجر ثابت، وحسنه بعضهم، ما هو صحيح أنه واصل إلى درجة الحسن بلا شك.
[ ١ / ١١٧٦ ]
والشيء الثاني: أنه من القاعدة الشرعية: التفريق بين الفرض والنفل، وقراءة الفاتحة ركن، وما بعدها نفل، فلو واصلت لم يتضح الفرض.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا يا شيخ. لو قال قائل: إن قراءة النبي ﷺ الزلزلة في الركعتين؛ لعله كان مسافرًا، وإذا كان الإنسان مسافرًا يقرأ من قصار قصد.
الشيخ: ما يخالف، لا، هو ما هو بالمشكلة أنه قرأ قصير، المشكلة أنه كررها، هل هو نسيان أو تشريع؟ أما مسألة التقصير لا. نعم.
طالب: يقال: إنه ().
الشيخ: أيش؟
طالب: وضع اليدين على الركبتين نسف وضعًا آخر ثابتًا.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
طالب: ().
الشيخ: ما وصلناه.
طالب: شيخ، بعض الأئمة حريصون على تطبيق هذه السنة في المغرب، يحبون يقرأون بسورة الأعراف، بعضهم يعني يخبر المأموين أو يكتب لوحة على الباب بأننا سنقرأ اليوم الأعراف، علشان ما يشق عليهم ..
الشيخ: سمعتم سؤاله؟
طالب: لا ما سمعنا.
الشيخ: يقول: بعض الأئمة يحب أن يفعل السنة في قراءة الأعراف، فيكتب على الباب: إننا الليلة سنقرأ في سورة الأعراف، أو يخبرهم مثلًا، فهل هذا مشروع أو غير مشروع أنه يخبرهم؟
طلبة: ().
الشيخ: هو لا شك أن الرسول ﷺ ما أخبر الصحابة فيما يظهر، لكن بعض الناس اجتهد قال: لأني أخشى أن يكون من الناس من له حاجة، والنبي ﵊ أمر بمراعاة ذوي الحاجات بأن نقصر الصلاة؛ يجيء واحد مثلًا عنده شغل؛ إما مواعد أحدًا، إما ضيوف عنده، إذا قرأنا سورة الأعراف يمكن يؤذن الأخير ما خلصنا، وربما أنه يقطع الصلاة.
لكن قد يقول قائل: نعم، له أن يقطع الصلاة، ولا مانع؟
طلبة: ().
الشيخ: ما يعرف الحكم؟ هذه مشكلة.
طلبة: بعضهم ما يعرف يقرأ.
طالب آخر: فيه حل يا شيخ. ().
الشيخ: لا أدري، اللي وده يطبق السنة ..
[ ١ / ١١٧٧ ]
طالب: اللي وده يطبق السنة، ما يطبقه بالمسجد العام الذي يأتي كل أحد، ()، أنا أذكر أني سألتك السؤال يا شيخ هذا، () طلبة علم، لا يصلي ().
الشيخ: لا، هو يرى أن السنة أن يفعل الإنسان في مسجده الذي يصلي فيه.
طالب: إذا علم الناس السنة يجهلون هذا ().
الشيخ: لكن هي ما هي السنة راتبة، يمكن الرسول فعلها مرة واحدة.
طالب: شيخ ().
الشيخ: نعم.
طالب: ما أظن الحل يا شيخ، ما أظن ().
الشيخ: نعم. لا قلنا. أنا أرى أنه ما يكتب، لكن مهما قال لك ربما نقول: إذا علمنا أن الناس اختلفت أحوالهم، وأنهم لهم علاقات بعد المغرب، ألا تكلف عليهم. نعم إذا كنتم محصورين، في جماعة مثلًا، في المسجد معروف جماعتنا، ويعرفون السنة، وقرأت بهم؛ لأنه بعد حتى قلنا له أن ينفصل أو ينفرد، فقالوا: ربما لا يعلم جواز الانفراد.
طالب: () إذا قام ساكتًا حتى يعني جلس جلسة الاستراحة، ثم بعد جلسة الاستراحة يكبر ويقوم.
الشيخ: لا، أنا أرى إذا كان الإمام يرى جلسة الاستراحة أنه من يوم يرفع من السجود يكبر علشان يشوفه المأمومون ويجلسون؛ لأن السنة إذا كان الإمام يجلس استراحة أن تجلس.
طالب: طيب، هم يقومون من قبل إذا كبر وجلس للاستراحة ().
الشيخ: إذا خاف من هذا، يعني مثلًا بأن كان ما هي معروفة من حالة الإمام، ربما نقول: لا تكبر إلا إذا قمت.
طالب: بعد أن قام للاستراحة؟
الشيخ: نعم.
الشيخ: قال (ويضعهما على ركبتيه) ويضعهما: يعني اليدين (على ركبتيه مفرجتي الأصابع).
قوله: (يضعهما على ركبتيه) هذا هو السنة، وهي السنة الأخيرة، وقد كانت السنة قبل ذلك التطبيق، وهو أن يضع الإنسان بطن كفه على كفه الأخرى، ثم يضعهما بين ركبتيه، أو بين فخذيه، وهذا كان في أول الإسلام، ثم بعد ذلك نسخ، وقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ يعمل بذلك؛ لأنه لم يبلغه الناسخ، ولكنه قد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن ذلك كان في أول الأمر ثم نسخ.
[ ١ / ١١٧٨ ]
وعلى هذا فيضع الكفين على الركبتين معتمدًا عليهما، ليس مجرد لمس، بل يعتمد، وتكون مفرجتي الأصابع، يعني لا مضمومة هكذا، بل مفرجة هكذا، كأنه قابض ركبتيه، كما جاءت بذلك السنة.
وقوله: (مستويًا ظهره) الاستواء يشمل استواء الظهر في المد، واستواءه في العلو والنزول، يعني فليس يقوس ظهره ولا يستره حتى ينزل وسطه، وليس أيضًا ينزل مقدم الظهر حتى يكون كالذي يريد أن يصل إلى الأرض بوجهه، بل كان ظهره مستويًا، وقد جاءت بذلك السنة عن النبي ﷺ؛ قالت عائشة ﵂: كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه -لم يشخصه: يعني لم يرفعه، ولم يصوبه: يعني لم ينزله- ولكن بين ذلك (١١).
وجاء كذلك فيما رواه الإمام أحمد: أن النبي ﷺ كان يسوي ظهره (١٢).
وجاء عنه أيضًا أنه كان يسويه حتى لو صب عليه الماء لاستقر (١٢). وهذا يدل على كمال التسوية.
هذا بالنسبة للظهر: فيكون الظهر والرأس سواءً، ويكون الظهر ممدودًا مستويًا، أما بالنسبة لليدين فعرفتم أنهما توضَعان على الركب مفرجتي الأصابع. وينبغي كذلك أيضًا أن يفرج في يديه، فيفرجهما عن جنبيه، ولكن هذا مشروط بما إذا لم يكن فيه أذية، فإن كان فيه أذية لمن كان إلى جانبه، فإنه لا ينبغي للإنسان أن يفعل سنة يؤذي بها غيره؛ لأن الأذية فيها تشويش على المصلي إلى جنبك، وتلبيس عليه، ثم إنه يخشى أن يكون ذلك داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فإن هذا يشمل الأذى القولي والفعلي.
على كل حال يفرج عضديه عن جنبيه ما لم يؤذ جاره، فإن آذاه فلا ينتهك حرمة المسلم من أجل فعل سنة.
قال: (مفرجتي الأصابع مستويًا ظهره) والواجب من هذا أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، يعني بحيث يعرف أن هذا الرجل راكع.
[ ١ / ١١٧٩ ]
وقيل: الواجب أن ينحني بحيث يمكن من كان وسطًا أن يمس ركبتيه بيديه، وهذا هو المشهور من المذهب، أنه ينحني بحيث يمكن أن يمس ركبتيه بيديه إذا كان وسطًا، يعني إذا كانت يداه ليستا طويلتين ولا قصيرتين. لكن القول الأول أظهر، وهو أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، بحيث يعرف من يراه أنه قد حنى ظهره.
يقول: (ويقول: سبحان ربي العظيم)، يقول متى؟
طالب: في الركوع.
الشيخ: يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم.
وسبحان: اسم مصدر منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، محذوف العامل دائمًا أيضًا. ومعنى التسبيح: التنزيه. والذي ينزه الله عنه أمران:
أحدهما: النقص المطلق.
والثاني: النقص في كماله.
والثالث، وقد يكون من الثاني: مشابهة المخلوقين.
فهذه ثلاثة أشياء ينزه الله عنها: النقص المطلق، والثاني؟
طلبة: النقص في الكمال.
الشيخ: النقص في الكمال. والثالث؟
طلبة: مشابهة المخلوقين.
الشيخ: مشابهة المخلوقين.
أما الأول فينزه ﷿ عن الجهل والعجز والضعف والموت والنوم وما أشبه ذلك.
وأما الثاني فينزه عن التعب فيما يفعله؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. فالقدرة والخلق لا شك أنه كمال، لكن قد يعتريها النقص بالنسبة للمخلوق، فالمخلوق قد يصنع بابًا، قد يصنع قِدرًا، قد يبني بناءً، ولكن مع التعب والإعياء، فيكون هذا نقصًا في أيش؟ في الكمال. أما الرب ﷿ فإنه لا يلحقه تعب ولا إعياء، حتى مع هذه المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض، وفي هذه المدة الوجيزة، ومع ذلك ما مسه تعب ولا إعياء.
الثالث: مشابهة المخلوقين، فإن مشابهة المخلوقين نقص؛ لأن إلحاق الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل مقارنة الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، كما قيل:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ
[ ١ / ١١٨٠ ]
إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا
لأنك لو قلت: والله عندي سيف حديد قوي أمضى من العصا، ماذا يفهم الناس من هذا السيف؟
طلبة: أنه ناقص.
الشيخ: أنه ضعيف. إذا قلت: إنه أمضى من العصا معناه أنه ليس بشيء.
فعلى كل حال: الذي ينزه الله عنه هذه الأمور الثلاثة: النقص المطلق، والنقص في الكمال، ومشابهة المخلوقين.
وقوله (ربي العظيم): العظيم في ذاته وصفاته، فإنه ﷾ في ذاته أعظم من كل شيء، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، طي السجل للكتب سهل جدًّا، إذا كتب الإنسان وثيقة وطواها فهي عنده سهلة، وقال ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، وما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدنا (١٣).
وأما عظم صفاته فلا تسأل عنها، ما من صفة من صفاته إلا وهي عظمى؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
إذن أنت تنزه الله ﷾ وتصفه بعد تنزيهه بأمرين كماليين كاملين وهما: الربوبية والعظمة، فيجتمع من هذا الذكر التنزيه والتعظيم. والتنزيه والتعظيم باللسان تعظيم قولي، وبالركوع تعظيم فعلي، فيكون الركوع جامعًا بين التعظيمين القولي والفعلي، ولهذا قال النبي ﵊: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (١٤).
[ ١ / ١١٨١ ]
ومقام تعظيم الغير مقام ذل للمعظم، ولهذا لما كان القرآن أشرف الذكر لم يناسب أن يقرأه الإنسان وهو في هذا الانحناء والخضوع، بل يُقرأ في حال القيام، والقيام أكمل حالًا من الركوع من حيث الهيئة، وإن كان الركوع لا شك أن الذل لله ﷿.
قال: (يقول: سبحان ربي العظيم) ولم يذكر المؤلف كم يقول ذلك، نعم، ولكن سيأتينا إن شاء الله تعالى في ذكرٍ لواجبات الصلاة أن الواجب مرة، وما زاد فهو سنة.
وقول المؤلف (يقول: سبحان ربي العظيم) ظاهره أنه لا يزيد عليها شيئًا، فلا يقول: وبحمده، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو أن الاقتصار على قول: (سبحان ربي العظيم) أفضل من أن يزيد قوله: (وبحمده).
ولكن الصحيح أن المشروع أن يقول أحيانًا: (وبحمده)؛ لأن ذلك قد جاءت به السنة، وقد نص الإمام أحمد ﵀ أنه يقول هذا وهذا؛ لورود السنة به، فيقتصر أحيانًا على (سبحان ربي العظيم) وأحيانًا يزيد: (وبحمده).
وظاهر كلامه أيضًا: أنه لا يقول ما صح به الحديث عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (١٥)، ولكن السنة قول ذلك، وأن يقول الإنسان هذا؛ لأن النبي ﷺ كان يقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
وكذلك أيظًا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (١٦)، ولكن السنة قد جاءت به وصحت عن النبي ﷺ، فعلى هذا يزيد: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
ولكن هل يقول هذه الزيادة الأخيرة دائمًا بالإضافة إلى (سبحان ربي العظيم) و(سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) أو أحيانًا؟
[ ١ / ١١٨٢ ]
هذا محل احتمال، وقد سبق لنا أن الاستفتاحات الواردة لا تقال جميعًا، إنما يقال بعضها أحيانًا وبعضها أحيانًا، لكن أذكار الركوع المعروف عند عامة العلماء أنها تذكر جميعًا.
قال: (ويقول: سبحان ربي العظيم، ثم يرفع رأسه) ثم يرفع رأسه فقط الرأس؟
طلبة: ().
الشيخ: والظهر.
طلبة: ().
الشيخ: يرفع رأسه وظهره، نعم؛ لأن المؤلف قال: (ثم يركع)، والركوع هو انحناء الظهر، لكن مراده يرفع رأسه وظهره بلا شك.
(يرفع رأسه ويديه قائلًا إمام ومنفرد) إلى آخره.
(يرفع رأسه ويديه) الرفع من الركوع ركن، ولا بد منه؛ لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا» (١٧).
وأما رفع اليدين فإنه سنة، إن فعله الإنسان فهو أفضل، وإن تركه فصلاته صحيحة، هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم. والرفع هنا سنة ثبتت بحديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين وغيرهما، أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر للركوع وإذا رفع من الركوع، إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» (١٨).
قال: (قائلًا إمام ومنفرد). (قائلًا): حال من؟
طالب: فاعل يرفع.
الشيخ: حال من فاعل يرفع. إذن فيكون القول في حال الرفع، ويكون هذا الذكر (سمع الله لمن حمده) من أذكار الرفع، فلا يقال قبل الرفع ولا يؤخر لما بعده.
ويقال في هذا ما قيل في التكبير؛ فمن العلماء من قال: يجب أن يكون قوله: (سمع الله لمن حمده) ما بين النهوض إلى الاعتدال، فإن قاله قبل أن ينهض أو أخر بعضه أو كله حتى اعتدل فإن صلاته لا تصح، لكن سبق لنا أن الأمر في هذا واسع، وأنه لا ينبغي إلحاق الناس الحرج في هذا الأمر.
[ ١ / ١١٨٣ ]
(قائلًا إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده)، (سمع) من المعروف أنها تتعدى بنفسها، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، وهنا تعدت باللام، ولا يمكن أن نقول: إن تعديتها باللام من أجل ضعف العامل؛ لأن العامل هنا فعل، وهو الأصل في العمل، ولكن نقول: تعدت باللام لأنها ضمنت معنى فعل يعدى باللام، يعني (سمع) هنا ضمنت معنى فعل يعدى باللام، ما هو أقرب فعل يتناسب مع هذا الفعل؟
طلبة: استجاب.
الشيخ: استجاب. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. وعلى هذا فمعنى (يستمع) أي: استجاب. وهذا هو المراد بدلالة اللفظ ودلالة المقام. أما دلالة اللفظ فهو تعدي الفعل بأيش؟
طلبة: باللام.
الشيخ: وأما دلالة المقام فلأن مجرد السمع لا يستفيد منه الحامد، إنما يستفيد الحامد بماذا؟ بالاستجابة، أما مجرد السمع فإن الله يسمع من حمده ومن لم يحمده، ولكن الذي يستفيد منه هو الاستجابة. وعلى هذا فيكون الفعل هنا مضمنًا معنى (استجاب)، نقول ذلك بدلالة لفظية ودلالة حالية أو مقامية؟ اللفظية: ما هي؟
طلبة: تعديه.
الشيخ: تعديه باللام، والحالية أو المقامية إذا شئت هو أنه لا يستفيد الإنسان من سمع الله المجرد، بل لا يستفيد إلا من استجابته.
وقوله: (سمع الله لمن حمده) سبق لنا أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ولكن قد يقول قائل: كيف تقولون: إن (سمع) بمعنى (استجاب)، وهنا ليس فيه دعاء؟
والجواب على ذلك أن نقول: إن من حمد الله فإنه قد دعا ربه بلسان الحال؛ لأن الذي يحمد الله ويش يرجو؟
طلبة: الثواب.
الشيخ: يرجو الثواب، فإذا كان يرجو الثواب فإن الثناء على الله بالحمد والذكر والتكبير مثلًا متضمن للدعاء؛ لأنه لم يحمد الله إلا رجاء الثواب.
[ ١ / ١١٨٤ ]
فإذن نقول: (سمع الله لمن حمده)، كيف تقول: إن معناها استجاب؟
فنقول: لأن الحامد إنما حمد الله رجاءً لثوابه، فيكون (استجاب) مناسبًا تمامًا لذلك.
قال: (سمع الله لمن حمده) لا بد أن يكون بهذا اللفظ، فلو قال: استجاب الله لمن أثنى عليه، فهل يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن هذا ذكر واجب، فيقتصر فيه على الوارد، ولا بد أن يكون على هذا الترتيب: (سمع الله لمن حمده)، فلو قال: (الله سمع لمن حمده) لم يصح، ولو قال: (لمن حمده سمع الله) لم يصح أيضًا، لا بد من الترتيب؛ لأنها السنة وردت هكذا، وقد قال النبي ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩)، ولأنه ذِكر واجب، فوجب الاقتصار فيه على الوارد.
قال: (وبعد قيامهما) الضمير يعود على الإمام والمنفرد.
(بعد قيامهما) يقولان: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
يقول: (ربنا ولك الحمد) ولم يذكر المؤلف غير هذه الصيغة، فهل هذا يقتضي أن تكون هي الواجبة؟ يحتمل أن يكون هكذا، ويحتمل أن المؤلف اقتصر على هذه الصيغة طلبًا للاختصار.
وعلى كل فهذه الصيغة فيها أربع صفات:
الصفة الأولى: ربنا ولك الحمد.
والصفة الثانية: ربنا لك الحمد.
والصفة الثالثة: اللهم ربنا لك الحمد.
والصفة الرابعة: اللهم ربنا ولك الحمد.
وكل واحدة من هذه الصفات مجزِئة، ولكن الأفضل أن يقول هذا أحيانًا وهذا أحيانًا على القاعدة التي قررناها فيما سبق؛ من أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل فيها فعلها على هذه الوجوه، وذكرنا أن في ذلك ثلاث فوائد:
طالب: الفائدة الأولى: نحافظ على الشكل.
الشيخ: نحافظ على السنة، يعني إحياء كل من السنن.
طالب: اتباع السنة.
الشيخ: اتباع السنة.
الطالب: حضور القلب.
[ ١ / ١١٨٥ ]
الشيخ: حضور القلب؛ لأن الإنسان إذا صار مستمرًّا على صيغة واحدة صارت كأنها أتوماتيكية، يقولها ولا يشعر، فإذا كان منتبهًا يغير يقول هذا أحيانًا وهذا أحيانًا صار ذلك أدعى لحضور القلب؟
طالب: إبعاد الملل الذي ..
الشيخ: نعم، دفع الملل عن الإنسان، وهذا في العبادات؟
طالب: المتنوعة.
الشيخ: المتنوعة، قد يكون في غير هذا الموضع أيضًا. نعم.
طالب: سؤال يا شيخ، السؤال الثاني.
الشيخ: سؤال، طيب.
طالب: شيخ، نقل بعض الأقوال عندنا فتوى عند من ذكر هذه الأذكار جملة ذكروا أكثر من الأذكار هذه في أحد أركانه، في الصلاة.
الشيخ: أيش، أن من؟
طالب: من ذكر هذه الأذكار المتنوعة في موضع واحد فقط أنها بدعة، وصور لذلك مثل الأذكار الصباح والمساء.
الشيخ: نعم، أن من ذكرها في موضع واحد؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني من جمعها قصدك.
طالب: نعم، الأذكار المتنوعة جمعها كلها في موضع واحد.
الشيخ: أما إذا كانت كل واحدة بدلًا عن الأخرى فهذا لا شك أنها بدعة، يعني لو قال الإنسان: ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد، قلنا: هذا بدعة.
طالب: يقاس عليها؟
الشيخ: لكن إذا جمعها وهي مختلفة، ما هي من نوع الواحد، فلا يظهر أنها بدعة؛ ولهذا نقول في أذكار الصلوات: تجمع بينها، أذكار الصباح والمساء كذلك.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، استمرار وضع اليد على الركبة هل هو شرط في الركوع أم لا؟
الشيخ: لا، ما هو شرط.
طالب: بعض الأئمة يا شيخ يرفعون من الركوع ولا يقولون: (سمع الله لمن حمده) إلا وهو قائم، في هذه الحال يأتي مسبوق ويركع، وهو رافع من الركوع، فهل يصح أم لا يصح؟ تجزئه الركعة هذه اللي أدركها مع الإمام قبل أن يقول: سمع الله لمن حمده؟
[ ١ / ١١٨٦ ]
الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: إن بعض الأئمة لا يقولون: سمع الله لمن حمده إلا بعد قيامهم، ثم يأتي شخص فيركع والإمام قد رفع، فهل يعتد بهذه الركعة؛ لأنه ركع قبل أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، أو لا يعتد بها؛ لأن الإمام رفع من الركوع؟
طالب: لا يعتد.
الشيخ: الجواب، لا يعتد بها، لا يعتد بها لا شك، لكن هذا من جهل الأئمة، وقد مر علينا أن بعضهم يقول: أنا أؤخر التكبير أو التسميع لئلا يسبقني المأمومون، وسبق لنا بيان خطأ هذا الشخص، وهذا الذي ذكرت أيضًا فيه خطأ آخر وهو أن بعض المسبوقين يعتد بهذه الركعة مع أنها لا تجزئه. إي نعم.
طالب: شيخ، المأموم إذا قال: سمع الله لمن حمده، فهل تبطل صلاته؟
الشيخ: إي بيجينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، عبد الله بن مسعود يا شيخ كان بيطبق في الركوع، هل بلغه النسخ عن الرسول ﷺ؟
الشيخ: لم يبلغه، اللهم ما بلغه، قطعًا لو بلغه ما بقي هكذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن الثناء هو الدعاء () استجاب سمع الله لمن حمده.
الشيخ: الثناء متضمن للدعاء.
طالب: متضمن للدعاء.
الشيخ: نعم.
طالب: لكن هو يقول: سمع الله لمن حمده، ولم يقل: اللهم لك الحمد، يعني: لم يحمد الله، قال: لمن حمده.
الشيخ: نعم، صح.
طالب: وين الحمد؟
الشيخ: يعني كل من حمد الله فالله يستجيب له.
طالب: يعني هو لا يخبر عن نفسه.
الشيخ: لا، ما هو بيخبر عن نفسه، ما قال: سمع الله لي، يخبر بأن الله ﷾ لفضله وكرمه كل من حمده استجاب له.
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط، ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ١١٨٧ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط).
قال: (سمع الله لمن حمده) معنى سمع يعني استجاب، كما فهمتم، والحمد هو الثناء، أو بل الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
فيقال: حمد الشيء أو حمد فلانًا يعني وصفه بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وأنه ذو احترام في قلبه.
قال ابن القيم: وبهذا يعرف الفرق بين الحمد والمدح؛ فإن المدح وصف الممدوح بالكمال أو بالصفات الحميدة، لكن لا يلزم منه أن يكون محبًّا معظمًا، قد يمدحه من أجل أن ينال غرضًا له، قد يمدحه من أجل أن يتقي شره، لكن الحمد لا يكون إلا مع محبة وتعظيم.
وبهذا نعرف قوة سر اللغة العربية؛ حيث إن الحروف واحدة هنا: حمد ومدح، الحروف فيها واحدة، لكن إذا اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى، فمدح مقلوب؟
طلبة: حمد.
الشيخ: مقلوب حمد، يعني: مختلف في الترتيب، وإن كان ليس مقلوبًا من كل وجه، لكن لما اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى.
المهم أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، وأما من عرّف الحمد بأنه الثناء بالجميل الاختياري فهذا قاصر:
أولًا: لأن الثناء أخص من المدح؛ لأن الثناء هو مدح مكرر، كما جاء في الحديث الصحيح أن الإنسان إذا قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمِدَنِي عَبْدِي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (٢٠)، ففرق الله ﷾ بين الحمد والثناء.
ثانيًا: أنه الجميل الاختياري يخرج الحمد على كمال الصفات اللازمة التي لا تتعدى كالعظمة والكبرياء وما أشبه ذلك، والله تعالى محمود على صفات الكمال اللازمة وصفات الكمال المتعدية، فهو محمود على كماله، ومحمود على إحسانه ﷾.
[ ١ / ١١٨٨ ]
قال: (ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) (ملء) هذه صفة لموصوف محذوف، والتقدير: حمدًا ملء. و(حمدًا) هذه المحذوفة منصوبة على المصدر، والعامل فيها المصدر في قوله: (ربنا ولك الحمد). وقوله: (ملء السماء وملء الأرض) هكذا قال المؤلف بلفظ الإفراد، وأكثر الروايات الواردة في هذا بلفظ الجمع: «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ» (٢١). هذا أكثر الروايات الواردة عن النبي ﷺ، وفي رواية لمسلم: «مِلْءَ السَّمَاءِ» (٢٢)، لكن أكثر الروايات بالجمع.
(وملء الأرض): جاء بها مفردة؛ لأن هذا هو التعبير القرآني، فالله ﷾ في القرآن يعبر عن الأرض بالإفراد وعن السماوات بالجمع.
وقوله (ملء السماوات وملء الأرض) ما معنى قوله: (ملء)؟
قال بعض أهل العلم: معناه أنه لو كان الحمد أجسامًا لملأ السماء وملأ الأرض، فيكون ملأها بالحجم، يعني لو قدر أن هذا الحمد أجسام لملأ السماء والأرض، ولكن الصحيح خلاف ذلك وأن معنى قوله: (ملء السماء) هو أن الله ﷾ محمود على كل مخلوق، وعلى كل فعل يفعله، فكل فعل يفعله وكل مخلوق يخلقه فإن الله تعالى يستحق عليه الحمد. ومعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كلها من خلق الله، فيكون الحمد حينئذ مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن المخلوقات تملأ السماوات والأرض، وهذا أولى؛ لأن الإنسان يستحضر به أن الله محمود على كل فعل فعله وعلى كل خلق خلقه.
أما أن يقدر أنه أجسام متراكمة فهذه أيضًا تختلف؛ لأن الأجسام قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، ومعلوم الفرق بين ما ملئ بأجسام صغيرة وما ملئ بأجسام كبيرة؛ لأن ما ملئ بأجسام كبيرة في الغالب يكون فيه فراغات، وقدر ذلك بصاع من الأقط المقروص، الذي جعل كالقرصان، ومن صاع من الرز، تجد الفراغات الكثيرة في الأول دون الثاني.
[ ١ / ١١٨٩ ]
فالمهم أن القول الصحيح في هذه المسألة: أن الله تعالى يحمَد على كل ما في السماوات وما في الأرض من مخلوقاته، وعلى كل فعل فعله ﷾.
وقوله: (ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد). هل يشاء الله من شيء بعد؟
الجواب: نعم؛ لأن السماوات والأرض تطوى وتزول، ثم تأتي الجنة والنار، فهو أعم من بقاء السماء والأرض. ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد مما لا يعلمه إلا الله.
في بعض روايات مسلم: «وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا» (٢٣)، وهذا نص على ما بينهما، ولو حذفت لكان قوله: «مِلْءَ السَّماوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ» مغنيًا عنها، ولهذا يذكر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ويذكر أحيانًا أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
(ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) من يقول هذا؟ يقوله الإمام والمنفرد؛ لقول المؤلف: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط). قال (ومأموم) يعني أن المأموم يقول في رفعه، في حال الرفع: ربنا ولك الحمد. أما الإمام والمنفرد فيقول في رفعه: سمع الله لمن حمده. إذن المأموم يقول في رفعه: ربنا ولك الحمد.
قال: (فقط): هذه بمعنى: فحسْب، يعني لا يزيد على ذلك، فيقتصر على هذا ويقف ساكتًا. الدليل: قوله ﷺ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٢٤).
[ ١ / ١١٩٠ ]
ولكن عند التأمل نجد أن هذا القول ضعيف، وأن المأموم ينبغي أن يقول كما يقول الإمام والمنفرد، يعني يقول بعد رفعه: ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، فجعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) معادلًا لقول الإمام: (سمع الله لمن حمده). والإمام يقول: (سمع الله لمن حمده) في حال الرفع، فيكون المأموم في حال الرفع يقول: ربنا ولك الحمد، أما بعد القيام فيقول: ملء السماوات إلى آخره؛ لقوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩).
فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة: أن المأموم يقول كما يقول الإمام والمنفرد بعد رفعهما، وعرفتم وجه الترجيح.
إذن يترجح بأمرين: الأمر الأول: أن النبي ﷺ جعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) بإزاء قول الإمام؟
طلبة: سمع الله لمن حمده.
الشيخ: سمع الله لمن حمده. وهذا حين الرفع.
الوجه الثاني: قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩)، فإن هذا يشمل المأموم كما يشمل الإمام والمنفرد.
وعلم من كلام المؤلف أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. وهو كذلك.
فإذا قال قائل: ما الجواب عن قوله ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقد كان يقول: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»؟
فالجواب على هذا سهل وهو أن قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» عام، وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٢٥) هذا خاص، والخاص يقضي؟
طلبة: على العام.
[ ١ / ١١٩١ ]
الشيخ: على العام، فيكون المأموم مستثنًى من هذا العموم بالنسبة لقول: (سمع الله لمن حمده) فإنه يقول: (ربنا ولك الحمد) فقط. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يزيد على هذا الذكر الواجب بعد القيام من الركوع. ولكن الصحيح أنه يزيد ما جاءت به السنة، مثل: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢٦).
وعلى هذا فالظاهر أن المؤلف حذف هذه الجملة اقتصارًا أو اختصارًا؟
طلبة: اختصار ..
طلبة: اقتصار ..
الشيخ: هو في الحقيقة فيه احتمال أن يكون اقتصارًا أو اختصارًا؛ إن كان اختصارًا فالمعنى أن المؤلف اقتصر على بعض الذكر الوارد، وإذا كان اقتصارًا فالمعنى أن المؤلف يرى ألا يقال سواه، يعني هو اقتصر على هذا. ولكن الذي يظهر أنه اقتصار، أنه حذفها اقتصارًا؛ لأن المقام مقام ذكر، والذكر ينبغي أن يذكر كل ما ورد فيه، إلا أن يدعي مدعٍ أن المؤلف يرى أن هذا الكتاب مختصر، فاختصر.
على كل حال لا يهمنا ما أراده المؤلف، الذي يهمنا أن السنة أن يقول الإنسان ما ورد في هذا مما زاد على كلام المؤلف.
قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط) ولم يذكر المؤلف ﵀ ماذا يصنع بيديه بعد الرفع من الركوع؟ هل يعيدهما على ما كانتا عليه قبل الركوع فيضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، أو يرسلهما؟
فالمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ أن الإنسان يخير بين إرسالهما وبين وضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى، وكأن الإمام أحمد ﵀ رأى ذلك؛ لأنه ليس في السنة ما هو صريح في هذا، فقال: الإنسان مخير، وهذا كما يقول بعض العلماء في مثل هذه المسألة: الأمر في ذلك واسع؛ إن شاء أرسل، وإن شاء وضع.
[ ١ / ١١٩٢ ]
ولكن الذي يظهر من السنة أن السنة هي وضع اليمنى على ذراع اليسرى؛ لعموم حديث سهل بن سعد الثابت في البخاري: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (٢٧). فإنك إذا أخذت بعموم هذا الحديث في الصلاة ولم يقل: في القيام، تبين لك أن القيام بعد الركوع يشرع فيه الوضع؛ لأن الصلاة اليدان فيها حال الركوع تكون على الركبتين، وفي حال السجود على الأرض، وفي حال الجلوس على الفخذين، وأيش بقي؟
طلبة: القيام.
الشيخ: حال القيام يشمل ما قبل الركوع وما بعد الركوع، فيضع الإنسان يده اليمنى على ذراعه اليسرى، وهذا هو الصحيح.
طالب: شيخ، لم يذكر المصنف قول المأموم: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه (٢٨).
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا ما ذكره المؤلف، مع أنه قد ثبتت به السنة في إقرار الرسول ﵊ للرجل الذي قال ذلك.
طالب: ما ورد في السنة قول النبي ﷺ.
طالب آخر: نسمع السؤال الأول يا شيخ.
الشيخ: السؤال يقول: ما ذكر: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. إي نعم.
طالب: وهل جاء في السنة قول الصحابي حينما أقره النبي ﷺ: كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك؟
الشيخ: لا أعرف هذا.
طالب: الذي تعرف ().
الشيخ: إي، ما ذكر هذا.
طالب: شيخ، الإكثار من الحمد، يعني النبي ﷺ كان يقف وقوفًا طويلًا، لا نقول يعني: إن الإنسان يحمد كما يشاء، ما جاءت به السنة وما لم تأت.
الشيخ: نعم. يعني مثلًا إذا كان في صلاة تطال فيها الأركان.
طالب: مثل؟
الشيخ: مثل الركوع، والقيام بعده، والسجود، والجلوس، يكرر الحمد، أقول: يكرر الحمد.
طالب: هل يكرر ويأتي ..؟
الشيخ: يأتي بالوارد ويكرر ما شاء، مثلًا يقول: لربي الحمد، اللهم لك الحمد، وما أشبه ذلك.
[ ١ / ١١٩٣ ]
طالب: طيب، يا شيخ، فيه وجه () أن المأمومين يقولون مثل الإمام، أنت قلت: النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
الشيخ: نعم.
طالب: فيه وجه يا شيخ، ما نقول: قاعدة: أن المأموم الأصل يفعل مثل الإمام إلا ما جاء الدليل بالتخصيص.
الشيخ: نعم، ما فيه شك، هذا هو الأصل، كل مصل؛ إمام أو مأموم أو منفرد ذكر أو أنثى، فيفعل كما فعل رسول الله ﷺ.
طالب: أحسن الله إليك، هل يجوز أن يوصل الأذكار في قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض؟
الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به؛ لأن الأول بإقرار الرسول ﷺ وهذا بفعله، لكن كونه يبدأ بما جاءت به السنة الصريحة عن الرسول أحسن، إي نعم.
طالب: () الحمد والشكر.
الشيخ: في هذه من الزيادات التي لا تنبغي.
طالب: هذا اللفظ.
الشيخ: لغة إي نعم؛ لأنه يقال: إن الألفاظ الواردة في الأذكار ينبغي المحافظة عليها. نعم.
طالب: جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإرسال اليدين بعد الركوع، لو شاهدنا رجلًا يرسل يديه هل نقول له: أنت خالفت السنة أو نقول: إن الأمر على السعة؟
الشيخ: أما على مذهب الإمام أحمد فالأمر على السعة، ما نقول له شيئًا، لا نقول: ضع ولا أرسل، لكن على ما رجحناه: ينبغي أن ندله؛ لأن بعض الناس قد يغتر بكلام بعض العلماء الذين أنكروا هذا إنكارًا عظيمًا، يعني أنكروا الوضع، وزعموا أنه بدعة، فيبين له؛ لأنه يخشى أن يعتقد أن الوضع بدعة، فيكون في هذا خطر عليه.
طالب: شيخ. قد جاء في سنن الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: كنا إذا قال النبي ﵊: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قلنا: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد (٢٩). فماذا يجاب عليه؟
[ ١ / ١١٩٤ ]
الشيخ: يجاب بأن هذا اجتهاد منهم مخالف لأمر الرسول ﵊؛ لأن الرسول قال: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مع أن الإمام يقول: ربنا ولك الحمد بالاتفاق.
طالب: لكن هو يقول يا شيخ: كنا يعني إن صح ..
الشيخ: إي، هذا مثل قول ابن مسعود ﵁: كنا نقول بعد موت الرسول: السلام على النبي، بدل قوله: السلام عليك أيها النبي (٣٠). ولا شك أن هذا من فعل ابن مسعود ﵁، ليس عن جميع الصحابة؛ لأن عمر بن الخطاب خطب على المنبر؛ على منبر الرسول، وأمر بالتشهد، وقال: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (٣١). صريحة.
***
() وآله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ الفاتحة).
وسؤالنا الآن: ما حكم قراءة الفاتحة على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: حكم قراءة الفاتحة واجب.
الشيخ: من أي نوع من أنواع الواجبات؟
الطالب: الواجب لازم على صاحبي الحال.
الشيخ: هذا تعريف الواجب.
طالب: الواجب الذي ..
الشيخ: من أي أنواع الواجبات؟
طالب: شو أنواع الواجبات؟
الشيخ: لأن الواجبات لها أنواع، الواجبات في الصلاة التي يجب تحققها في الصلاة أنواع.
طالب: هذه من الأشياء التي يجب تحققها في الصلاة.
الشيخ: ما هذا يعني؟ نعم.
طالب: إنها ركن.
الشيخ: من الأركان؟ صح. من الأركان. يعني فيه واجب وركن وشرط، وكلها يصدق عليها اسم واجب، لكنها أنواع. هي ركن من أركان الصلاة على كل مصلٍّ، على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: لا. على المنفرد والإمام، أما المأموم فلا.
الشيخ: إذن فيه ركن في حق الإمام والمنفرد، دون المأموم؟ كيف نستخرج هذا من كلام المؤلف؟
طالب: إي نعم. لأنه قال: (ثم يقرأ الفاتحة) يتكلم عن الإمام.
الشيخ: لا.
طالب: لا؛ لقوله: (يقرأ به لزم غير مأموم إعادتها).
الشيخ: نعم. نأخذه من قوله: (لزم غير مأموم)؟
طالب: (إعادتها).
[ ١ / ١١٩٥ ]
الشيخ: (إعادتها)، وغير المأموم هو المنفرد؟
طالب: والإمام.
الشيخ: والإمام. طيب.
ما هو الدليل على ركنية قراءة الفاتحة؟
طالب: قوله ﷺ: إنه صلاة لم يقرأ فيها بالفاتحة فهي خداج.
الشيخ: «بِأُمِّ».
طالب: «بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خَدَاجٌ» (٢٠).
الشيخ: نعم خَدَاجٌ يعني فاسدة. هذا حديث أبي هريرة. حديث عبادة (٣٢): «لَا صَلَاةَ».
طالب: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِ ..».
الشيخ: طيب. لو قال قائل: هذا لنفي الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقول النبي ﷺ في حديث المسيء في صلاته: «فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (١٧).
طالب: نعم هو يقال: هذا مردود من وجهين.
الشيخ: نعم.
طالب: الأول: قوله ﷺ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» (٣٢).
الشيخ: نعم.
طالب: الثاني: أن النفي إذا أطلق فإنه يعني ينصرف إلى نفي الصحة، فإن لم يمكن حمله على ذلك على نفي الوجود ().
الشيخ: لأنه قد يصلي بلا فاتحة.
طالب: فيحمل على نفي الصحة، ولا ينتقل عنه إلا بدليل.
الشيخ: هو يقول: عندي دليل: ﴿اقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ هذا في القرآن، «فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (١٧) هذا في السنة.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: نقول: إن الآية هذه والحديث هذا عام.
الشيخ: نعم.
طالب: وحديث عبادة بن الصامت يخصص الفاتحة فقط.
الشيخ: إي نعم، نجيب عنه بهذا، نجيب عنه بأن هذا عام وهذا خاص، ثم نقول أيضًا: ما أشار إليه «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ» (٣٢). وحديث أبي هريرة: «فَهِيَ خَدَاجٌ» (٢٠)، يعني؟
طلبة: فاسدة.
الشيخ: فاسدة، الخداج: الشيء الفاسد. ثم نقول أيضًا: في الغالب أن أيسر ما يكون من القرآن؟
طالب: الفاتحة.
الشيخ: الفاتحة عند المسلمين؛ لأنهم يقرأونها كثيرًا ()
***
[ ١ / ١١٩٦ ]
طالب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يخر مكبرًا).
قوله: (ثم) كلمة أو حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي، ولم يبين المؤلف ﵀ مقدار هذا التراخي، ولكنه قد دلت السنة من حديث البراء بن عازب وغيره على أن هذا القيام -أعني الاعتدال بعد الركوع- يكون بمقدار الركوع تقريبًا، فقد قال البراء بن عازب ﵁: رمقت صلاة النبي ﷺ، أو قال: الصلاة مع النبي ﷺ، فوجدت قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ما عدا القيام والجلوس -يعني في التشهد- قريبًا من السواء (٣٣).
وعلى هذا فالسنة الواردة عن النبي ﵊ إطالة هذا الركن -أعني ما بين الركوع والسجود- خلافًا لمن كان يسرع فيهما، بل لمن كان لا يطمئن فيهما، كما نشاهده من بعض المصلين؛ من حين أن يرفع من الركوع يسجد، فالذي يفعل هذا -أي لا يطمئن بعد الركوع- صلاته باطلة؛ لأنه ترك ركنًا من أركان الصلاة، وقد رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي ولا يطمئن، فصلى الرجل ثلاث مرات وكلها يقول فيها رسول الله ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (١٧).
[ ١ / ١١٩٧ ]
والآفة التي جاءت المسلمين في هذا الركن -القيام بعد الركوع- وفي الركن الذي بين السجدتين يقول شيخ الإسلام: إن هذا جاء من بعض أمراء بني أمية؛ فإنهم كانوا لا يطيلون هذين الركنين، أي القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين. وتعرفون أن الناس على دين ملوكهم، فتلقى الناس عنهم التخفيف في هذين الركنين، فظن كثير من الناس أن ذلك هو السنة، فماتت السنة، حتى صار إظهارها من المنكر، أو يكاد يكون منكرًا، حتى إن الإنسان إذا أطال فيهما ظن الظان أنه قد نسي وأوهم.
المهم أن قول المؤلف: (ثم يخر): لم يبين مقدار المهلة أو التراخي ولكن نقول: دلت السنة على أنه أيش؟ بمقدار الركوع أو قريبًا منه.
وبناءً على ذلك فنحن نعلم جميعًا أنه في صلاة الكسوف يطال الركوع، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: يطال إطالة طويلة، فإذا رفع من الركوع -الركوع الثاني- فإنه أيضًا يطيل القيام نحوًا من الركوع، ولكن ماذا يقول؟
يكرر الحمد، إن كان يعرف ما ورد عن النبي ﵊ في هذا المقام قاله، وإن كان لا يعرف كرر، والإنسان يستطيع أن يكرر الحمد مدة طويلة؛ لأن هذا الركن ذكره حمد، من حين ما يرفع الإنسان، يقول: سمع الله لمن حمده. ثم يشرع في الحمد. فهذا الركن إذن ركن حمد، فإذا كنت تعرف ما جاءت به السنة في هذا فذلك أفضل، وإذا لم تعرف فكرر الحمد، لو تقول: لربي الحمد، ربي ولك الحمد، وما أشبه ذلك من الكلمات كفى.
قال المؤلف: (ثم يخر مكبرًا ساجدًا) (يخر مكبرًا) حال من فاعل (يخر). والحال الأصل فيها أنها مقارنة للفعل، فإذا قلت مثلًا: جاء زيد راكبًا. فمتى ركوبه؟ حين مجيئه. (خر مكبرًا): متى تكبيره؟ حين خروره.
[ ١ / ١١٩٨ ]
وهو كذلك؛ فإن محل التكبير هو الخرور من القيام إلى السجود، وكذلك جميع تكبيرات الانتقال محلها ما بين الركن الذي انتقلت منه وبين الركن الذي انتقلت إليه. وقد سبق لنا البحث في هذا، فلا حاجة إلى إعادته. المهم أنك تكبر في حال الخرور إلى السجود.
ولم يذكر المؤلف ﵀ رفع اليدين، فهل هذا من باب الاختصار أو الاقتصار أو العمد؟
طالب: الثالث ..
الشيخ: الجواب: الثالث. من باب العمد؛ لأن رفع اليدين عند السجود ليس بسنة؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄وهو من أشد الناس حرصًا على السنة وأضبط الناس لها- أنه ذكر أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر للإحرام، وإذا ركع كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع. قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود، ولا إذا قام من السجود (٣٤).
والرجل قد ضبط وفصل وبين، وليس هذا من باب النفي المجرد، هذا نفي يدل على إثبات ترك الفعل؛ لأن الرجل قد تحرى الصلاة وضبط: تكبير عند الدخول في الصلاة، عند الركوع، عند الرفع منه، عند السجود، عند القيام من السجود. هذه محلات الانتقالات، فأثبت التكبير في ثلاثة مواضع ونفاها في السجود، وعند القيام من السجود.
طالب: الرفع ولا التكبير.
الشيخ: () الرفع.
طالب: تقول: التكبير.
الشيخ: لا، أنا أقول: هذه التكبيرات اللي أثبتها. على كل حال الرفع، نحن نتكلم عن الرفع. وعلى هذا فليس من السنة أنه يرفع يديه إذا سجد. وقد روي عن النبي ﵊ أنه كان يرفع في كل خفض ورفع. ولكن ابن القيم ﵀ ذكر أن هذا وهم، وأن صواب الحديث: كان يكبر في كل خفض ورفع، وقال: إن وجه الوهم فيه حديث ابن عمر فإنه صريح في عدم الرفع عند السجود وعند الرفع من السجود.
[ ١ / ١١٩٩ ]
وليس هذا من باب تعارض مثبت ومنفي حتى نقول بالقاعدة المشهورة: إن المثبت مقدم على النافي؛ لأن النفي هنا في قوة الإثبات، فإنه رجل يحكي عن عمل واحد فصله، قال: هذا فيه كذا، وأثبته، وهذا ليس فيه كذا، ونفاه. وفرق بين النفي المطلق وبين النفي المقرون بالتفصيل؛ فإن النفي المقرون بالتفصيل دليل على أن صاحبه قد ضبط حتى وصل إلى هذه الحال، عرف ما ثبت فيه الرفع وما لم يثبت فيه الرفع.
وعلى هذا فنقول: إن حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين مقدم على ذلك الحديث الضعيف، والوهم فيه قريب. وعلى هذا فإذا قال قائل: ما الفرق بين الهوي إلى الركوع والهوي إلى السجود؟ أليس كل منهما انتقالًا من أعلى إلى أسفل؟ الجواب: بلى، ولكن العبادات مبنية على؟
طلبة: التوقيف.
الشيخ: التوقيف، فلا قياس فيها. ولو دخل القياس في مثل هذه الأمور في صفات العبادات وما أشبهها لضاع انضباط الناس، ولصار كل إنسان يقيس على ما يريد، أو على ما يظن أن القياس فيه تام الأركان، ويضيع الاتفاق بين الأمة في عباداتهم التي يتقربون بها إلى الله ﷿.
يقول المؤلف ﵀: (ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء) (ساجدًا) حال من أين؟
طلبة: فاعل يخر.
الشيخ: من فاعل يخر، ولكنها حال مقارنة ولّا حال يعني لاحقة؟
طلبة: لاحقة.
الشيخ: لاحقة؛ لأن هذه الحال -أعني السجود- لا تكون في حال الخرور، ولكنها تكون بعد انتهاء الخرور، فهي حال لاحقة مقدرة.
يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء): (ساجدًا) لا بد أن يكون ساجدًا، والسجود بحيث تتساوى أطرافه العليا والسفلى، فلو فرض أنه سجد على شيء مرتفع هكذا منزلق وصار إلى القعود أقرب منه إلى السجود، فإن ذلك؟
طلبة: لا يعد ..
الشيخ: لا يعد سجودًا، لا بد من تساوي الأعالي والأسافل، أو على الأقل نقول: أن يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الجلوس التام، فيما لو كانت الأرض متصاعدة.
[ ١ / ١٢٠٠ ]
يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء) وبيَّنها قال: (رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه).كم هذه؟
طلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة؟ نعدها زين؛ رجليه ثم ركبتيه.
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ثم؟
طلبة: ().
الشيخ: ثم يديه ستة. ثم جبهته مع أنفه.
طلبة: هذه واحد.
الشيخ: جبهة وأنف؟
طلبة: واحد.
الشيخ: الجبهة والأنف واحد؟
طلبة: واحد.
الشيخ: واحد؟
طالب: عضو واحد.
الشيخ: عضو واحد. طيب لو قضم الإنسان أنف رجل، كان فيه نصف الدية ولا دية كاملة؟
طلبة: دية كاملة.
الشيخ: طيب، إذا كان هو الجبهة والعضو واحدًا، معناه ما قضم إلا نصف العضو؟
ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ ثم يَدَيْهِ ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه ولو مع حائلٍ ليس من أعضاءِ سُجودِه، ويُجافِي عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ وبَطْنَه عن فَخِذَيْه، ويُفَرِّقُ رُكبتَيْهِ ويقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى " ثم يَرفعُ رأسَه مُكَبِّرًا ويَجلِسُ مُفْتَرِشًا يُسراهُ ناصبًا يُمْنَاهُ ويقولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي "، ويَسْجُدُ الثانيةَ كالأُولى، ثم يَرْفَعُ مُكَبِّرًا ناهضًا على صُدُورِ قَدَمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْهِ إن سَهُلَ، ويُصَلِّي الثانيةَ كذلك ما عدا التحريمةَ والاستفتاحَ والتعوُّذَ
يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء).
(سبعة أعضاء): وبيَّنَاها.
قال: (رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)، كم هذه؟
طلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة؟ نَعُد زين؛ رجليه.
طالب: اثنان.
الشيخ: ثم ركبتيه.
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ثم؟
الطلبة: يديه.
الشيخ: ثم يديه؛ ستة، ثم جبهته مع أنفه.
الطلبة: واحد.
الشيخ: الجبهة والأنف واحد؟
الطلبة: الأنف والجبهة واحد.
الشيخ: واحد؟
طالب: عضو واحد.
الشيخ: عضو واحد، لو قضم الإنسان أنف رَجُل كان فيه نصف الدية ولَّا دية كاملة؟
الطلبة: دية كاملة.
الشيخ: إذا كان هو الجبهة والعضو واحد، معناه ما قضم إلا نصف العضو؟
الطلبة: محل واحد.
[ ١ / ١٢٠١ ]
الشيخ: نقول: الواقع أن الجبهة والأنف ليس شيئًا واحدًا في الحقيقة، لكن الرسول ﵊ ألْحَقَ الأنف بالجبهة إلحاقًا، وسنتلو الحديث، روى ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ -أَوْ أَعْضَاءٍ- عَلَى الْجَبْهَةِ»، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ (١).
وهنا لو كان الأنف من الجبهة حكمًا وحقيقةً ما أشار إليه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ولو كان عضوًا مستقلًّا لنص عليه، وجعله مستقلًّا، وقال: على الجبهة وعلى الأنف، إذن فهو تابع، فهو من الجبهة حُكْمًا لا حقيقة، ولهذا أشار إليه النبي ﷺ إشارة.
الجبهة واليدين، يقول المؤلف: (ثم يديه)، (يديه)، والحديث «كَفَّيْهِ»، و«الْكَفَّيْنِ» (٢)، فهل بينهما فرق؟ لا؛ لأن اليد عند الإطلاق هي الكف فقط.
أرأيتم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ثم أرأيتم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ماذا يُطلَق عليه لفظ اليدين في الآيتين؟
الطلبة: الكف.
الشيخ: الكف.
ولهذا يُقطَع السارق من مفصل الكف، وفي التيمم أرى النبي ﷺ عمار بن ياسر كيف مسح اليدين، فمسح ظاهر كفيه، ومسح الشمال على اليمين (٣).
إذن كلام المؤلف لا يعارض الحديث؛ لأن اليدين عند الإطلاق؟
الطلبة: ().
الشيخ: يُراد بهما الكف، وأما إذا قُيِّدت اليد فعلى حسب ما قُيِّدَت به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
يقول المؤلف ﵀: (ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)، (جبهته مع أنفه)، ولهذا ما قال: جبهته وأنفه، أو ثم أنفه.
[ ١ / ١٢٠٢ ]
قال: (مع)، إشارة إلى أن الأنف تابع مصاحِب، وهو كذلك.
وبقي علينا نظر آخر في هذه العبارة.
أولًا: قال المؤلف: (على سبعة أعضاء: رجليه)، أليس هو قائم على رجليه من الأصل؟
الطلبة: في السجود.
الشيخ: في السجود ربما يرفعهما، كذا ولَّا لا؟
الطلبة: إي.
الشيخ: ولهذا نص عليهما، حتى لا يرفعهما إذا سجد.
ينزل المصلي على ركبتيه أولا ثم يديه ثم قال المؤلف: (ثم ركبتيه، ثم يديه).
فأفاد المؤلف بالنص الصريح أن الركبتين مقدمتان على اليدين، وهذا الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب ﵁ وعامة أهل العلم -ومنهم الأئمة الثلاثة؛ أحمد وأبو حنيفة والشافعي- على أن الركبتين مقدمتان على اليدين، وهذا مقتضى النص المروي عن النبي ﷺ فعلًا، والذي ثبت عنه أو كاد يثبت قولًا، وهو أيضًا مقتضى النظر الصحيح.
أما الأول؛ وهو أنه مقتضى النص، فلأن النبي ﷺ رُوِيَ عنه أنه كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه (٤)، لكن هذا الحديث طعن فيه كثير من أهل العلم وقالوا: إنه ضعيف.
وأما ما ثبت عنه قولًا أو كاد يثبت فهو حديث أبي هريرة، وهو قوله ﵊: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» (٥)، فإن الرسول ﷺ نهى أن يبرك الرجل كما يبرك البعير، والبعير إذا برك يقدم يديه، فيقدم مُقَدَّمه على مُؤَخَّره كما هو ظاهر.
وقد ظن بعض أهل العلم أن معنى قوله: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»، يعني: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وأنه نهى أن يبرك الإنسان على ركبتيه، وعلى هذا فيقدِّم يديه.
ولكن بين اللفظين فرقًا واضحًا، فإن النهي في قوله: «كَمَا يَبْرُكُ» نهي عن؟ الكيفية؛ لأن الكاف للتشبيه.
وأما النهي فلا يبرك على ما يبرك، لو كان بهذا اللفظ لكان نهيًا على ما يسجد عليه، وعلى هذا فلا يسجد على الركبتين؛ لأن البعير يَبْرُك على ركبتيه.
[ ١ / ١٢٠٣ ]
وأما النظر فلأن الوضع الطبيعي للبدن أن ينزل شيئًا فشيئًا، كما أنه يقوم من الأرض شيئًا فشيئًا، فإذا كان ينزل شيئًا فشيئًا فالأسفل منه ينزل قبل الأعلى، وإذا قام شيئًا فشيئًا فالأعلى يكون قبل الأسفل، وعلى هذا فيكون هذا القول الذي عليه عامة أهل العلم هو الموافق للمنقول والطبيعة.
لكن مع ذلك لو أن إنسانًا كان ثقيلًا أو مريضًا، أو في ركبتيه ما يشق عليه به السجود على الركبتين؟ ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن الإنسان يفعل ويقدم اليدين، ويكون النهي ما لم يوجَد سبب يقتضيه، فإن وُجِدَ سبب يقتضيه كالحاجة لمرض أو كِبَر أو ألم في الركبتين، أو غير ذلك فإن هذا لا بأس به؛ لأن مبنى الدين الإسلامي -ولله الحمد- على ..؟
طالب: اليسر.
الشيخ: اليسر والسهولة؛ ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والإرادة هنا شرعية، يعني أن الشرع هو التيسير.
وفي السنة: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (٦)، «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٧).
فالمقصود الوصول إلى السجود، فإن تمكن الإنسان به على الوجه الأكمل فهو أكمل، وإن شق عليه فإنه يفعل ما تَيَسَّر.
ومن العلماء من يقول: بل يسجد على يديه أولًا، ظنًّا منه أن قوله: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» (٥) يراد به: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وقال: إن رُكْبَتَيِ البعير في يديه، وهذا صحيح؛ أن ركبتي البعير وكل ذات أربع في اليدين، لكن الحديث لا يساعد لفظه على هذا المعنى.
وأما آخر الحديث المفرع على أوله، ففيه انقلاب كما حققه ابن القيم، وهو قوله: «وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتِهِ»؛ لأنه لو كان على الصحة لكان مناقضًا لأول الحديث، وكلام النبي ﵊ لا مناقضة فيه.
أقول: من العلماء من قال: إنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه.
[ ١ / ١٢٠٤ ]
ومن العلماء، بل ما هم من العلماء، بل من الناس الإخوة المبتدئين مَن حاول أن يجمع بين الأمرين، فقال: لا أنزل أعالي بدني ولا أسجد على الركبتين، أجلس مُسْتَوْفِزًا ثم أضع يدي على الأرض كذا، ثم أدفعهما إلى الأمام كذا، يسحبها إلى الأمام.
فنقول: مَن جاء بهذه الصفة؟ هذه الصفة ما قال بها أحد من المتقدمين أبدًا، والجمع بين النصوص بصفة تخالف ما تقتضيه النصوص وتخرج عما قاله العلماء خطأ.
رأيت بعض الناس يحط يديه يبغي يسجد (يبُوبَز) كما نقول باللغة العامية، وما أدري يا إخوان اللي ..
يحاول أن يجمع بين وصول اليدين إلى الأرض قبل الركبتين، وبين أن لا يخطئ أعاليه، ويش اللي راح؟ أعاليه قبل أسافله.
فالحقيقة أن هذه الصفة غريبة، ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بها أبدًا، وتحتاج إلى دليل إثبات أن الرسول يخلي إيديه يصح من عند الرُّكب إلى أن يوازي الوجه.
هذا فعل خلاف ما تقتضيه الطبيعة والجِبِلَّة، وكل فعل يخالف ما تقتضيه الطبيعة والجِبِلَّة في الصلاة يحتاج إلى دليل؛ لأن الصلاة عبادة كلها بأفعالها وأقوالها.
وهذه قاعدة أُحِبُّ أن تنتبهوا لها: كل فعل يخالف مقتضى الطبيعة -العادة يعني- في تنقُّلات البدن يحتاج إلى دليل على إثباته؛ لأنه يكون مشروعًا.
وبناءً على ذلك نقول: الأصل وضع الأعضاء على ما هي عليه في الصلاة حتى يقوم دليل على أيش؟
طالب: المخالفة.
الشيخ: على المخالفة.
ولهذا لولا أنه ورد ما يدل على تطابق الرِّجْلَين في السجود لكنا نقول: إن الإنسان يجعلهما طبيعيتين، فإذا كان الركبتان متباعدتين فلتكن القدمان كذلك.
لكن لَمَّا ورد ما يدل على أنها يلصق بعضهما ببعض خرجنا عن هذا الأصل، فكل شيء لم يُنقل مما خرج عن عادة البدن فإنه يبقى على ما هو عليه من عادة البدن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، () أنه لقي في العبادة.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ١٢٠٥ ]
الطالب: () فيها، لكن مر علينا أن قلنا: إنه يجوز للمعتكف أن يخرج من مُعْتَكَفِه إن اشترط ذلك، قياسًا على حديث ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: هذه ليست في الصفة؛ لأن الرسول قال: «إِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٨)، فهذا التعليل يدل على أن كل عبادة تَلْزَم للدخول فيها إذا استثنى فيها الإنسان فله ذلك.
طالب: ما فهمت يا شيخ.
الشيخ: أقول: التعليل، «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
الطالب: نعم.
الشيخ: يدل على أن كل عبادة إذا شرع فيها الإنسان لزمته، فإنه إذا استثنى فيها فله على ربه ما استثناه، يعني فيه علة تشير إلى هذا.
طالب: بارك الله فيك، عندما يكون الإمام واقفًا يا شيخ وقف على سجود التلاوة، فيكبِّر يرفع يديه ويسجد.
الشيخ: لا، هذا قال الفقهاء: إنه يُشرع، الفقهاء -﵏- استثنوا من السجود مسألتين:
المسألة الأولى: إذا سجد للتلاوة.
والمسألة الثانية: إذا سجد بعد القنوت في الوتر.
ولكن لا دليل على ذلك، الصحيح أنه لا يُسْتَثْنَى شيء.
طالب: بالنسبة لفعل ابن عمر يا شيخ، فقد كان يقدِّم يديه على ركبتيه.
الشيخ: نعم.
طالب: ما أدري ما الإجابة على ذلك؟
الشيخ: الإجابة عن هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه فعل صحابي معارَض بفعل من هو أعلم منه وهو أبوه عمر.
والوجه الثاني: أن ابن عمر ﵄ كان في آخر عمره ثقيلًا، فقد كان حتى في جلوسه في الصلاة يتربع ولا يفترش، وسأله أحد أبنائه لماذا كان يصنع ذلك والرسول ﵊ كان يفترش؟ قال: إن رِجْلَيَّ لا تُقِلَّانِي (٩).
ورجل تصل به الحال إلى هذا، لا شك أنه يحتاج إلى أن ينزل على يديه؛ لأنه أيسر له.
طالب: شيخ، لو قال إنسان يعني خروجًا من الخلاف: إنه يفعل هذا مرة وهذا مرة ().
[ ١ / ١٢٠٦ ]
الشيخ: لا، لو قال: خروجًا من الخلاف، أولًا: النصوص ما تدل على هذا حتى يُثبت خلافًا، وأقوال العلماء إذا لم يكن لها حظ من النظر يبقى أهل العلم فيها معذورين فيما ذهبوا إليه، لكن لا يُجعل قولهم قولًا مُشَرِّعًا.
وليست هذه المسألة كجلسة الاستراحة التي يمكن أن تُحْمَل على حال دون حال -كما سيأتينا إن شاء الله تعالى - بل هذه صفة، إما هذه ولَّا هذه. ***
() نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعة أعضاء؛ رِجْلَيْه، ثم ركبيته، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه).
وأوردنا إشكالًا على قوله: (رجليه)، ما هو الإشكال؟
طالب: تكون مضمومتين أو ..
الشيخ: لا، أوردنا إشكالًا على قول المؤلف: (رِجْلَيْه)، مع أن الرِّجْلين في الأرض من الأصل.
الطالب: إي نعم، ولذلك إذا سجد فإنهما يرتفعان عن الأرض.
الشيخ: إذا سجد فلا يرفعهما.
الطالب: نعم.
الشيخ: عن الأرض، ثم إن كيفيتهما في القيام غير كيفيتهما في السجود، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: يقول: (ثم جبهته مع أنفه)، قال: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده).
(ولو مع حائل) يعني: يسجد على الأرض ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود.
(الحائل): يشمل الثوب، والغُطرة، والمَشْلَح، وما كان من جنس الأرض، وما كان من غير جنسها، عامٌّ، لكن لا بد أن يكون طاهرًا؛ لأنه لا يمكن السجود على النجس؛ إذ إن من شرط الصلاة -كما سبق- اجتناب النجاسة.
وقول المؤلف: (ليس من أعضاء سجوده).
يعني: لا يجوز أن يسجد على حائل من أعضاء السجود بأن يضع جبهته على كفَّيْه مثلًا، أو يضع يديه بعضهما على بعض، أو يضع رِجْلَيْه بعضهما على بعض؛ لأنه إذا فعل ذلك فكأنما سجد على عضو واحد، إذا وضع جبهته على يديه فلم يسجد على الجبهة في الحقيقة، بل سجد على العضو المباشر دون العضو الذي فوقه.
وقوله ﵀: (ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود).
[ ١ / ١٢٠٧ ]
لم يُبَيِّن حكم السجود على الحائل إذا كان من غير أعضاء السجود، إنما بَيَّنَ أن السجود مُجْزِئ مع الحائل، لكن ما حكم وضع الحائل؟
قال أهل العلم: إن الحائل ينقسم إلى قسمين:
قسم متصل بالمصلِّي؛ فهذا يُكره أن يسجد عليه إلا من حاجة، مثل: الثوب الملبوس، والْمَشْلَح الملبوس، والغُطرة، وما أشبه ذلك.
ودليل ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه (١٠).
فقوله: (إذا لم يستطع أن يُمَكِّن)، دل على أنهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة، ثم التعبير (إذا لم يستطع) يدل على أنه مكروه لا يُفْعَل إلا عند الحاجة.
أما إذا كان الحائل منفصلًا فهذا لا بأس به، ولا كراهة فيه؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى على الخمرة (١١)، والخمرة عبارة عن خَصيف من النخل يَسع جبهة المصلي وكفَّيْه فقط.
وعلى هذا فتكون الحوائل ثلاثة أقسام:
قسم من أعضاء السجود؛ فهذا السجود عليه حرام، ولا يجزئ السجود.
وقسم من غير أعضاء السجود لكنه متصل بالمصلي؛ فهذا مكروه، ولو فعل لأجزأ السجود لكنه مع الكراهة.
والثالث: قسم منفصل، فهذا لا بأس به.
ولكن قال أهل العلم: يُكره أن يَخُصَّ جبهته فقط بما يسجد عليه، وعلَّلُوا ذلك بأن هذا يشابه فعل الرافضة في صلاتهم، فإن الرافضة يتخذون هذا تديُّنًا، يصلون على قطعة من المَدَر كالفخار يصنعونها مما يسمونه النجف الأشرف، ولهذا تجد عند أبواب مساجدهم، تجد الصناديق الدواليب مملوءة من هذه الحجارة، إذا أراد الإنسان أن يدخل المسجد أخذ حجارة ليسجد عليها.
[ ١ / ١٢٠٨ ]
ومنهم من يفعل ذلك؛ لأنه يرى أنه لا يجوز السجود إلا على شيء من جنس الأرض، فلا يجوز السجود على الفراش ولو من خصيف النخل، مع أنه ثبت عن النبي ﵊ أنه سجد على خصيف النخل كما في حديث أنس حينما غسل له الحصير الذي اسودَّ من طول ما لُبِس، وصلى عليه ﷺ (١٢).
لكن هم لا يرون ذلك، فيسجدون على شيء معيَّن، لكن يضعون الجبهة عليه فقط، ولهذا قال أهل العلم: يُكْرَه أن يَخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه فعل الرافضة.
المؤلف -﵀- يقول: (يسجد على أعضائه السبعة) (ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود).
السجود على هذه الأعضاء السبعة واجب في كل حال السجود، بمعنى أنه لا يجوز أن يرفع عضوًا من أعضائه حال سجوده؛ لا يدًا، ولا رجلًا، ولا أنفًا، ولا جبهة، ولا أي شيء من هذه الأعضاء السبعة، فإن فعل -فإن كان في جميع حال السجود- فلا شك أن سجوده لا يصح؛ لأنه نقص عضوًا من الأعضاء التي يجب أن تسجد.
وأما إذا كان في أثناء السجود، بمعنى أن رَجُلًا حَكَّتْهُ رِجْلُه فحَكَّها بالرِّجْل الأخرى فهذا محل نظر؛ قد يقال: إنها لا تصح صلاته؛ لأنه ترك هذا الركن جزءًا من السجود.
وقد يقال: إنه يجزئه؛ لأن العبرة بالأعم والأكثر، فإذا كان الأعم والأكثر أنه ساجد على الأعضاء السبعة أجزأه.
وعلى هذا فيكون الاحتياط أن لا يرفع شيئًا، وليصبر حتى لو أصابته حكة في يده مثلًا، أو في فخذه، أو في رجله فليصبر حتى يقوم من السجود.
ومن المباحث في هذا الركن: أنه إذا عجز عن السجود ببعض الأعضاء فهل يسجد على البقية أو لا؟
نقول: لدينا قاعدة تبين هذا وغيره، وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقول النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٣).
[ ١ / ١٢٠٩ ]
فإذا قُدِّر أن إحدى يديه جريحة لا يستطيع أن يسجد عليها فليسجد على بقية الأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وإذا قُدِّر أنه قد عمل عملية في عينيه، وقيل له: لا تسجد على الأرض، فليومئ ما أمكنه، وليضع من أعضاء السجود ما أمكنه.
وأما قول بعض الفقهاء: مَن عجز عن السجود بالجبهة لم يلزمه بغيرها.
فهذا مُسَلَّم في بعض الأحوال؛ مُسَلَّم فيما إذا كان لا يستطيع أن ينحني بحيث يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الاعتدال التام، فهذا مُسَلَّم أن يقال: لا يلزمك السجود.
مثلًا: لو كان ما يستطيع إلا أن يقول هكذا، ما نقول: ضع يديك؛ لأنه لو وضع يديه ليس كهيئة ..؟
طالب: السجود.
الشيخ: الساجد.
لكن إذا كان يستطيع أن يومئ بحيث يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الجلوس التام فهنا يلزمه أن يسجد ببقية الأعضاء، فيدنو من الأرض بقدر ما يمكنه، ثم يضع أيش؟
طلبة: يديه.
الشيخ: يضع يديه.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا؟
قلنا: الدليل أننا أُمِرْنَا بالسجود، وأُمِرْنَا أن نتقي الله ما استطعنا، فإذا كنا أقرب إلى السجود وجب أن ()؛ لأننا نكون كهيئة الساجد الذي رفع جبهته، فيلزمنا ذلك.
أما إذا كنا لا نستطيع أن ندنو من الأرض بحيث نكون إلى السجود أقرب ففَرْضُنَا حينئذ الإيماء، فيومئ الإنسان ولا يلزمه أن يضع يديه أو ركبتيه على الأرض، أفهمنا هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن بَيَّنَّا هذا الأمر ببحثين، ما هما؟
طالب: استدامة.
الشيخ: استدامة السجود على الأعضاء السبعة، والثاني؟ إذا عجزنا عن بعضها فهل يلزمنا البعض الآخر، وعرفتم التفصيل.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة من السجود؟ وما هو السر في هذا السجود؟
قلنا: لأنه من كمال التعبد لله والذل له، فإن الإنسان يضع أشرف ما فيه بحذاء أدنى ما فيه، كذا؟ يضع أشرف ما فيه وهو وجهه، بحذاء أسفل ما فيه وهو: قدمه.
[ ١ / ١٢١٠ ]
وأيضًا يضعه على موطئ الأقدام، كل هذا تعبدًا لله تعالى وتقربًا إليه، ومن أجل هذا التطامُن والنزول للرب ﷿ صار أقرب ما يكون الإنسان من ربه وهو؟
الطلبة: ساجد.
الشيخ: ساجد.
يعني: مع أنه لو قام لكان أعلى وأقرب، كل ما علا الإنسان كان أقرب لله ﷿، لكن هذا نزل حتى صار في الأسفل، ولنزوله لله ﷿ صار أقرب إلى الله «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ» (١٤)، هذا هو الحكمة والسر في هذا السجود العظيم، ولهذا ينبغي لنا أن تسجد قلوبنا قبل أن تسجد جوارحنا، قبل أن تسجد أعضاؤنا، بأن يشعر الإنسان بهذا الذل والتطامُن والتواضع لله ﷿ حتى يدرك لذة السجود وحلاوته، ويعرف أنه الآن قَرُبَ من ربه ﷾، بل هو أقرب ما يكون إلى الله.
هذا المعنى قد يغفل عنه أصحاب الظواهر الذين يريدون أن يُجَمِّلوا الطاعات بظاهرِها، وهم يُحْمَدون على هذا، لا شك أننا مأمورون بأن نُجَمِّل الطاعات بظواهرها، أو نُجَمِّل ظواهرها بتمام الاتباع وكماله، لكن هناك شيء آخر يغفل عنه كثير من الناس، ويعتني به أرباب السلوك، وهو تكميل الباطن بحيث يركع القلب قبل ركوع البدن، ويسجد قبل سجود البدن.
ولكن قد يُخطئ أرباب السلوك الذين يعتنون بالبواطن، قد يقصرون في إصلاح الظواهر، فتجدهم يُخِلُّون كثيرًا في إصلاح الظواهر، والكمال هو؟
طالب: إصلاح الظاهر والباطن.
الشيخ: إصلاح الأمرين جميعًا، والعناية بكمالهما جميعًا؛ بكمال البواطن وكمال الظواهر.
[ ١ / ١٢١١ ]
وإني والله، وأُشهِدُ الله، أننا لو أقمنا الصلاة كما ينبغي لخرجنا في كل ما نخرج من صلاة بإيمان جديد قوي؛ لأن الله يقول: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، ندخل فيها بقلب ونخرج منها بقلب هو القلب الأول إن لم يكن أردأ؛ لأننا ما نأتي بما ينبغي أن نأتي به من خضوع القلب وحضوره وشعوره بهذه التنقلات التي هي رياض في الواقع، رياض عبادة، يعني الصلاة هي صلاة واحدة، لكنها رياض متنوعة، أفعال مختلفة متنوعة، وأقوال كذلك ما بين قراءة كلام الله ﷿ وذكره، وتعظيمه وتكبيره، ودعائه والثناء عليه، ووصفه بأكمل الصفات (التحيات لله، والصلوات والطيبات)، إلى آخره، فهي رياض عظيمة، لكن فينا قصور من جهة مراعاة هذه الأسرار.
إذن نقول: إن هذا هو السر في السجود؛ كمال التعبد لله والتواضع له، ولهذا كان جزاء الساجد أن يكون أقرب ما يكون من ربه ﷿؛ لأنه تَوَاضَع لله ونَزَل، فرفعه الله وصار أقرب ما يكون إلى ربه.
وقد ورد في الحديث أن الله حرَّم على النار أن تأكل أعضاء السجود (١٥) فيمن يدخل النار من العصاة؛ لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتب الله عليهم ولم تكن لهم حسنات تَرْجُح على سيئاتهم فإنهم يعذَّبُون في النار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترَمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم:
يَا رَبِّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا
مِنْ فَضْلِكَ الْوَافِي وَأَنْتَ الْبَاقِي
وَالْعِتْقُ يَسْرِي فِي الْغِنَى يَا ذَا الْغِنَى
فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِ الْبَاقِي
فتوسَّل إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يُعتِق جميع البدن بسريان العتق إليه.
قال المؤلف -﵀-: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده).
قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه).
(يجافي): الفاعل من؟
طلبة: المصلي.
[ ١ / ١٢١٢ ]
الشيخ: المصلي الساجد.
(يجافي عضديه عن جنبيه) يعني يبعدهما؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يفعل ذلك (١٦)، حتى إن الصحابة ليأوون له، يَرِقُّونَ له من شدة مجافاته صلوات الله وسلامه عليه، وحتى إنه ليُرَى بياض إبطه (١٧) من شدة مجافاته، يعني رداءه يتمايز عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطه، وحتى إنه لو شاءت أن تمر البَهْمَة -وهي صغار الغنم- من تحته لَمَرَّت (١٨) من شدة مجافاته.
فـ (يجافي عضديه عن جنبيه)، ويُسْتَثْنَى من ذلك ما إذا كان في الجماعة وخشي أن يؤذي جاره، فإنه لا يُستحب له أذية جاره، وذلك لأن هذه المجافاةَ سُنَّة، والإيذاء أقل أحواله الكراهة، ولا يمكن أن يُفعل شيء مكروه مُؤْذٍ لجارك مُشَوِّشٍ عليه من أجل سُنَّة، ولهذا استثنى العلماء -﵏- ذلك، فقالوا: ما لم يؤذ جاره، فإن آذى جاره فلا يفعل.
ولكن اعلم أنك متى تركت السنة لدرء المفسدة، والله يعلم أنه لولا ذلك لفعلت، فإنه يُكْتَب لك أجرها، فإن الرجل إذا ترك العمل لله عوَّضَه الله ﷿، بل إذا تركه بغير اختياره، مَن مَرِضَ أو سَافرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، فيجافي عضديه عن جنبيه.
قال: (وبطنه عن فخذيه)، يجافي بطنه عن فخذيه، أي: يرفعه، وكذلك أيضًا يرفع الفخذين عن الساقين.
فهذه ثلاثة أشياء:
التجافي بالعضدين عن أيش؟
الطلبة: عن الجنبين.
[ ١ / ١٢١٣ ]
الشيخ: عن الجنبين، وبالبطن عن الفخذين، وبالفخذين عن الساقين، ولهذا قال النبي ﵊: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ» (١٩)، «اعْتَدِلُوا» يعني: اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تَخْصِرُون فتنزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق، ولا تمتدون أيضًا، كما يفعل بعض الناس، تجده إذا سجد يمتد حتى يقرب من الانبطاح، فهذا لا شك أنه من البدعة؛ لأنه ليس بسنة، ما ثبت عن النبي ﵊ ولا عن الصحابة فيما نعلم أن الإنسان يمد ظهره في السجود، إنما مد الظهر في حال أيش؟ الركوع، أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمده.
ويقول المؤلف -﵀-: (وعضده عن جنبيه) (ويفرق ركبتيه).
(يفرق ركبتيه) يعني: لا يضم ركبتيه بعضهما إلى بعض، واليدين؟
طالب: يجافيهما.
الشيخ: يجافيها، إذن لا بد أن يفرقهم، والركبتان تفرَّق، القدمان؟
الطلبة: يتراصَّا.
الشيخ: اختلف العلماء في ذلك:
فمن العلماء من يقول: إنه يفرِّق قدميه أيضًا؛ لأن القدمين تابعان للساقين، والركبتين، فإذا كانت السُّنَّة تفريق الركبتين، فلتكن السنة أيضًا تفريق القدمين، حتى إن بعض الفقهاء -﵏- قدَّرُوا ذلك بأن يكون بينهما مقدار شبر للتفريق.
ولكن الذي يظهر من السنة أن القدمين تكونان مرصوصتين، يعني يَرُصّ القدمين بعضهما ببعض، كما في الصحيح في حديث عائشة حين فقدت النبي ﷺ، فوقعت يدها على قدميه منصوبتين وهو ساجد (٢٠).
واليد الواحدة لا تبقى على القدمين إلا في حال التراصّ، وقد جاء ذلك أيضًا في صحيح ابن خزيمة (٢١): أن الرسول ﷺ كان يَرُصُّ قدميه.
وعلى هذا فالسُّنَّة في القدمين هي التراص بخلاف الركبتين واليدين.
ولم يذكر المؤلف -﵀- أين يكون محل اليدين، هنا ما ذكره، ولكنه ذكره في أول باب صفة الصلاة حين قال: (يرفع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجود).
[ ١ / ١٢١٤ ]
وعلى هذا فيكون موضع اليدين على حذاء المنكبين، وإن شاء قدَّمَهُمَا وسجد وجعلهما على حذاء الجبهة أو فروع الأذنين؛ لأن كل هذا مما جاءت به السنة.
فله أن يجعلهما على حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، وله أن يقدِّمَهُما حتى يكونا حَذْوَ جبهته وأنفه، كل هذا جاءت به السنة.
ولكن ماذا يصنع لو طال السجود؛ بأن كان خلف إمام يطيل السجود، فماذا يصنع؟ هل يضع ذراعيه على الأرض، يتكئ على الأرض، أو ماذا يصنع؟
نقول: لا، لا يتكئ على الأرض؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، قال: «لَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (١٩). إذن أين يضعهما؟
قال العلماء -﵏-: يعتمد على ركبتيه، يعني يضع طرف المرفق على الركبة إذا شَقَّ عليه طول السجود، وهذا إذا كان مع إمام، أما إذا كان في نفسه فإنه لا ينبغي له أن يكلِّف نفسه ويشق عليها، بل إذا شق عليه وتعب فإنه يقوم، ولا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه؛ لأن الله ﷾ يَسَّر على عباده.
يقول -﵀-: (ويفرِّق ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى).
يقول في حال السجود: (سبحان ربي الأعلى).
وقد مَرَّ علينا معنى التسبيح، وما الذي يُسبَّح الله عنه، أي يُنَزَّه.
وأما قوله: (ربي الأعلى) دون أن يقول: (ربي العظيم)؛ لأن ذِكر عُلُوِّ الله هنا أنسب من ذِكْر العظمة؛ فإن الإنسان الآن أنزل ما يكون، فلما كان أنزل ما يكون كان من المناسب أن يثني على الله بماذا؟
طلبة: بارتفاعه.
الشيخ: بالعُلُو، وانظر إلى الحكمة والمناسبة في مثل هذه الأمور، كيف كان الصحابة -﵃- في السفر إذا عَلَوْا شيئًا كَبَّرُوا، وإذا هَبَطُوا واديًا سَبَّحُوا. (٢٢) لماذا؟
[ ١ / ١٢١٥ ]
لأن الإنسان إذا علا وارتفع قد يتعاظم في نفسه ويتكبر ويعلو، فناسب أن يقول: الله أكبر؛ ليُذَكِّر نفسه بكبرياء الله ﷿، أما إذا نزل فإن النزول لا شك أنه نقص، فكان ذِكْر التسبيح أولى، تنزيه الله ﷿ عن النقص الذي أنا كنت فيه الآن، انحدرت، فكان هذا من المناسبة أن الإنسان يُذَكِّر نفسه بما هو أعلى منها.
ونظير هذا من بعض الوجوه أن الرسول ﷺ كان إذا رأى شيئًا يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (٢٣)، سبحان الله! لَبَّيْكَ، ويش المناسبة لَبَّيْكَ؟
لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا ربما يلتفت إليه فيُعرض عن الله، فيقول: «لَبَّيْكَ» استجابة لله ﷿، ثم يُوطِّن نفسه فيقول: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ».
فهذا العيش الذي يعجبُكِ لا تغترِّي به، عيش زائل، العيش حقيقة هو عيش الآخرة، ولهذا كان من السنة إذا رأى الإنسان ما يعجبه في الدنيا وخاف أن تنقاد نفسه إليه أن يقول: لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، ذكرنا هذا استطرادًا.
المهم أن الإنسان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى.
وما المراد بالعلو؛ أعُلُوُّ المكان، أم علو الصفة؟
طلبة: ().
الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا.
وهذا أمر - أعني أنه يشمل الأمرين جميعًا - مُتَّفَقٌ عليه في فِطَر الناس، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، فإن علو الله ﷿ عُلُوُّ ذات، أمر مفطور عليه الخلق.
لو أنك قلت للعامي: ماذا تريد بقولك: سبحان ربي الأعلى؟
طلبة: ().
الشيخ: عُلُوُّ المكان، يعني عُلُوّ الذات، ولا يدري عن علو الصفة، ومع ذلك فقد أنكر عُلُوَّه في ذاته مَن أنكره ممن يستقبلون قِبْلَتَنَا، ولا شك أنهم خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل والفطرة، ولو رجعوا إلى فِطَرِهم لعرفوا أن هذا أمر لا بد منه، لا بد من الإقرار به، هم عندما يصيبهم شيء يندهشون منه بسرعة، أين تنصرف قلوبهم؟
[ ١ / ١٢١٦ ]
طلبة: ().
الشيخ: إلى السُّمُوّ، إلى العلو، هم يقفون بعرفة الله يدعون الله ويرفعون أيديهم، ولَّا ينزلونها للأرض؟
طلبة: يرفعونها.
الشيخ: يرفعون أيديهم، ومن العجيب أنهم يرفعون أيديهم ويَدَّعون أن الله في الأرض - نسأل الله العافية-.
المهم أننا نشعر بقولنا: سبحان ربي الأعلى، بأن الله عَلِيٌّ في ذاته وعَلِيٌّ في صفاته، بل هو أعلى من كل شيء، والله تعالى وصف نفسه أحيانًا بالأعلى، وأحيانًا بالعَلِيّ؛ لأن الوصفين ثابتان له؛ العلو، وكونه أعلى، كما أنه يُوصف بأنه الكبير، وأنه الأكبر، وبالعليم وأيش؟
طلبة: الأعلم.
الشيخ: وبالأعلم، وصيغة التفضيل في هذه الأشياء على بابها، وليست بمعنى اسم الفاعل كما يدَّعِيه بعض العلماء.
() -رحمه الله تعالى-: (ثم يرفع رأسه مُكَبِّرًا).
(يرفع رأسه)، يعني: وما يتبعه من اليدين.
(مُكَبِّرًا): حال من فاعل (يرفع).
وعلى هذا فيكون التكبير في حال أيش؟ في حال الرفع؛ لأن هذا التكبير تكبير انتقال، وتكبير الانتقالات كلها تكون ما بين الركنين، لا يبدأ بها قبل ولا يؤخرها إلى ما بعد؛ لأنه إن بدأها قبل أدخلها على أذكار الركن الذي انتقل منه، وإن أخَّرَها أدخلها على أذكار الركن الذي انتقل إليه، فالسنة أن يكون التكبير في حال الانتقال.
(مُكَبِّرًا، ويجلس مفترشًا يُسْرَاه).
(يجلس) يعني: بعد السجدة الأولى.
(مفترشًا يسراه) يعني: جاعلًا لها كالفراش.
هذا من الافتراش، والفراش يكون تحت الإنسان، أي يضعها تحته مفترِشًا لها، لا جالسًا على عَقِبَيْهِ، بل يفترش هو عليه، فيكون ظهرها إلى الأرض، وبطنها إلى أعلى، هذا معنى الافتراش.
يقول: (مفترشًا يُسْرَاه، ناصبًا يمناه).
(ناصبًا يمناه) يعني: جاعلها منتصبة، والمراد: القدم.
[ ١ / ١٢١٧ ]
وحينئذ لا بد أن يُخرجها من يمينه، فتكون الرِّجْل اليمنى مُخْرَجة من اليمين، واليسرى مفترشة، وهذه الصفة متَّفَق عليها، أي أنه يجلس بين السجدتين هكذا، لا يجلس مُتَوَرِّكًا.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُسَنُّ في هذا الجلوس سوى هذه الصفة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجلس ناصبًا قدميه على عقبيه، واستدلوا بحديث ابن عباس -﵄- أن ذلك هو السنة. (٢٤)
ولكن المعروف عند أصحاب الإمام أحمد﵀- أن ذلك ليس من السنة؛ لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ كلها تصف هذه الجلسة بالافتراش، ولا يبعد أن يكون ابن عباس -﵄- ذكر ما كان أولًا، فإن صفة الجلوس قد تكون كصفة الركوع، وكان المسلمون في أول الأمر يركع الرجل فيضع يديه بين فخذيه، ولا يضعهما على الركبتين (٢٥)، حتى إن ابن مسعود -﵁- تَمَسَّك بهذا، ويسمى عندهم التطبيق، ولم يَعلم ابن مسعود بالسنة التي نسخت هذا الفعل مع أنه منسوخ بلا شك، صح عن النبي ﷺ هذا.
ففقهاؤنا -﵏- يرون أن هذه الجلسة ليس لها إلا صفة الافتراش فقط.
ويقول المؤلف: (ناصبًا يمناه، ويقول: رب اغفر لي وارحمني) إلى آخره.
لم يذكر المؤلف -﵀- أين يضع اليدين، وكيف يضعهما، مع أنهما من الأمر المهم.
في هذه الجلسة يضع يديه على فخذيه، وينتهي الوضع إلى الركبة، هذه صفة.
صفة ثانية: أنه يضع اليد اليمنى على الركبة، واليد اليسرى تُلقم الركبة، يعني يمسكها هكذا كأنه قابض لها.
يعني: إما أن يضع اليدين على الفخذين، يكون أطراف الأصابع على حد الرُّكبة.
أو يقدِّم شوي، ويكون اليد اليسرى يُلْقِمُهَا الرُّكْبة، واليد اليمنى يضعها على حرف الركبة.
صفتان عن النبي ﷺ كلاهما صحيحة، ولكن كيف يكون وضع اليد؟ الآن عرفنا المكان، لكن كيف يكون الوضع؟
[ ١ / ١٢١٨ ]
أما بالنسبة لليسرى فتكون مبسوطة مضمومة الأصابع موجَّهة إلى القبلة، ويكون طرف الْمِرْفَق عند طرف الفخذ، بمعنى أنه لا يقول هكذا، يُخرجها، بل يضمها إلى الفخذ حتى يكون طرف المرفق على طرف الفخذ.
أما اليمنى فإن السُّنَّة تدل على أنه يقبض منها الخنصر والبنصر، ويُحلق الإبهام مع الوسطى، ويرفع السبابة ويُحركها عند الدعاء.
هكذا جاء فيما روى الإمام أحمد (٢٦) من حديث وائل بن حجر بسند قال فيه صاحب الفتح الرباني: إنه جيد. وقال فيه الْمُحَشِّي على زاد المعاد: إنه صحيح. وإلى هذا ذهب ابن القيم -﵀-.
أما كلام الفقهاء فيرون أن اليد اليمنى تكون مبسوطة في الجلسة بين السجدتين كاليد اليسرى.
ولكن اتباع السنة أولى، إذا كان هذا قد ورد عن النبي ﵊ فإنه هو الأولى.
ولذلك لم يرد في السنة لا بحديث صحيح ولا ضعيف ولا حسن أن اليد اليمنى تكون مبسوطة على الرِّجل اليمنى.
إنما ورد أنها تُقْبَض، يعني يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى، أو تضم الوسطى أيضًا ويضم إليها الإبهام، إذا جلس في الصلاة (٢٧)، وفي بعض الألفاظ: إذا جلس في التشهد (٢٨). وكلاهما في الصحيح؛ صحيح مسلم.
فنحن إذا أخذنا كلمة: إذا جلس في الصلاة.
قلنا: هذا عام في جميع الجلسات.
وقوله: إذا جلس في التشهد في بعض الألفاظ لا يدل على التخصيص؛ لأن لدينا قاعدة ذكرها الأصوليون، وممن كان يذكرها دائمًا الشوكاني في نيل الأوطار، والشنقيطي في أضواء البيان، على أنه إذا ذُكِرَ بعض أفراد العام بحكم يطابق العام فإن ذلك لا يدل على التخصيص.
يعني ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس ذلك تخصيصًا، إنما التخصيص أن يُذكر بعض أفراد العام بحكم يُخالف العام.
مثال الأول: قلت لك: أكرم الطلبة. هذا عام يشمل كل طالب، ثم قلت: أكرم فلانًا؛ وهو من الطلبة، فهل هذا يقتضي أن لا أُكرم سواه؟
طلبة: لا.
[ ١ / ١٢١٩ ]
الشيخ: لا، لكن يقتضي أن هناك عناية من أجلها خصصته بالذِّكْر.
أما إذا قلت -وهو مثال للثاني-: أكرم الطلبة. ثم قلت: لا تكرم فلانًا؛ وهو من الطلبة، فهذا تخصيص؛ لأن الأول ذكرت فلانًا بحكم يُوافق العام، وهنا ذكرته بحكم يُخالف العام.
ولهذا يقولون في تعريف التخصيص: تخصيص بعض أفراد العام بحكم يخالف، أو إخراج بعض أفراد العام من الحكم.
فهو لا بد أن يكون مخالفًا، أما إذا كان موافقًا فإن الجمهور -جمهور الأصوليين- كما حكاه صاحب أضواء البيان يرون أنه لا يفيد التخصيص، وهو ظاهر كما في المثال الذي ذكرنا لكم.
وعلى هذا فيكون بعض أفراد حديث ابن عمر الذي خُصَّ بالتشهد لا يقتضي التخصيص من بعض ألفاظه الدالة على العموم.
أما الفقهاء -﵏- فقالوا: إنه في هذه الجلسة يبسط يده اليمنى كما يبسط يده اليسرى.
وبناءً على كلام الفقهاء تكون كل جلسة من جلسات الصلاة مخالِفة للأخرى، من أجل التمييز، كيف ذلك؟
لأن الجلسة بين السجدتين افتراش مع كون اليدين مبسوطتين، في التشهد الأول افتراش لكن اليمنى تُقبَض، في التشهد الأخير تَوَرُّك وإن كان يوافق التشهد الأول في قبض اليد.
فهم -﵏- يجعلون لكل جلسة صفة تميزها عن الصفات الأخرى.
ولكن كما قلت لكم: إن اتباع السنة أولى من اتباع الرأي.
أما ما يقول في هذه الجلسة، فيقول المؤلف: (يقول: رب اغفر لي)، وسكت عما سواه.
اقتصر -﵀- على الواجب، ولكن الصحيح أنه يقول كل ما ذُكر عن النبي ﵊: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» (٢٩)، أو: «اجْبُرْنِي» (٣٠) بدل: «ارْزُقْنِي».
وإن شاء جمع بينها؛ لأن المقام مقام دعاء.
قوله: «رَبِّ اغْفِرْ لِي» يعني أنك تسأل الله ﷾ أن يغفر لك الذنوب كلها أو الصغائر؟
طلبة: كلها.
[ ١ / ١٢٢٠ ]
الشيخ: كلها، الصغائر والكبائر، والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه، مأخوذة من المِغْفَر الذي يكون على رأس الإنسان عند الحرب يتقي به السهام.
وأما «ارْحَمْنِي» فهو طلب رحمة الله ﷿ التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، هذا إذا جُمِعَ بينهما.
إما إذا فُرِّقت المغفرة عن الرحمة فإن كل واحدة منهما تشمل الأخرى، ولهذا نظائر في اللغة العربية:
فالفقير والمسكين إذا ذُكِرَا جميعًا صار لكل واحد منهما معنى، وإذا أُفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدًا.
يعني: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وأما قوله: «ارْزُقْنِي» فهو طلب الرزق، ولكن، ما هو الرزق؟ هل هو ما يقوم به البدن، أو ما يقوم به الدين؟
طلبة: الرزق.
الشيخ: كلاهما، يعني أن رزق الله ﷿ ما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن، وما يقوم به الدين من علم وإيمان وعمل صالح.
فهل نحن نستحضر هذه المعاني عندما نقول: «ارْزُقْنِي»؟ ويش نستحضر؟
طلبة: الأول.
الشيخ: يعني ما تستحضر إلا أن الله يرزقك طعامًا وشرابًا ولباسًا.
طالب: نعم.
طلبة: ده الغالب.
الشيخ: أو ما نستحضر شيئًا أبدًا، نقول هذا على أنه دعاء يقال في هذا المكان.
على كل حال الإنسان ينبغي له أن يعوِّد نفسه على استحضار هذه المعاني العظيمة، حتى يخرج منتفعًا.
فإذا قال: ارْزُقْنِي، يعني: ارزقني ما به قوام البدن، وما به قوام الدين؛ قوام البدن بالطعام والشراب واللباس والمسكن.
وقوام الدين؟
طالب: بالعلم.
الشيخ: بالعلم والإيمان والعمل الصالح.
«وَعَافِنِي» من أي مرض؟
أما إذا كان الإنسان صحيحًا، فالظاهر أنه يقول: «عَافِنِي»؛ لأنها دعاء مسنون في هذا المكان، دون أن يستحضر شيئًا.
[ ١ / ١٢٢١ ]
وإن كان مريضًا مرضًا بدنيًّا، استحضر أنه يسأل الله أن يعافيه من هذا المرض البدني، أما إذا كان مريضًا مرضًا قلبيًّا، وما أكثر الأمراض القلبية! -نسأل الله أن يعافينا منها- فما أدري أنستحضر ذلك أو لا؟ نعم، ما أدري.
على كل حال ينبغي للإنسان إذا سأل العافية في هذا المكان أو غيره أن يستحضر أنه يسأل الله العافية؛ عافية البدن، وعافية القلب، ولا حرج أن يقول: عافني في بدني وقلبي، حتى يستحضر؛ لأنه إن لم يقل هذا قد يغفل.
«اجْبُرْنِي»، الجبر يكون من النقص، وكل إنسان ناقص، مُفرِّط، مُسْرِف على نفسه بتجاوز الحد أو القصور عنه، يحتاج إلى جَبْر حتى يعود سليمًا بعد كسره.
ولكن جَبْر مِن كَسْر العظم، ولَّا منين؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: نعم، من كسر العظام البدنية، ومن كسر العظام المعنوية، الإنسان يحتاج إلى جبر يجبر له النقص الذي يكون فيه، فهذه المعاني التي تُذكر في الأدعية ينبغي للإنسان أن يستحضرها.
فإن قال قائل: أليس يغني عن ذلك كله أن يقول: اللهم ارحمني؛ لأن الرحمة عند الإطلاق بها يحصل المحبوب وزوال المكروه؟
فالجواب: بلى.
لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، لكن البسط على حسب ما جاءت به السنة، ما هو بالبسط الذي يذكرونه، بعض الناس يجعلونه من هذا إلى مكة، أو إلى مصر، أو غيرها، أدعية مسجوعة يمكن لا يكون لها معنى، أو لها معنًى غير صحيح.
لماذا كان المشروع فيه البسط؟ لأسباب؛ أولًا: أن الدعاء عبادة، وكلما ازددت في العبادة ازددت خيرًا.
ثانيًا: أن الدعاء مناجاة لله ﷿، وأحب شيء إليك هو الله ﷿، ولا شك أن كثرة المناجاة مع الحبيب مما تزيد في الحب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
[ ١ / ١٢٢٢ ]
الشيخ: ثالثًا: أن يستحضر الإنسان ذنوبه؛ لأن الذنوب أنواع، فإذا كُرِّر، إذا زِيد في الدعاء استحضر، ولهذا كان من دعاء الرسول ﵊: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» (٣١).
فلهذا كان من المشروع أن يزيد الإنسان في الدعاء ولو كان متكرِّرًا، ولو كان مبسوطًا؛ لأن كل مقام له مقال.
قال: (ويسجد الثانية كالأولى)، يسجدها كالأولى في القول ولَّا في الفعل؟
طلبة: في كل شيء.
الشيخ: في كل شيء؛ في القول والفعل، يعني فيما يقال فيها من أذكار وما يقال فيها من الأفعال، وسبق لنا أن أقوال السجود أن يقول: سبحان ربي الأعلى، (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح. ويدعو، وكلما أكثر من الدعاء في السجود كان أولى؛ لقول النبي ﷺ: «وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٣٢).
وهل يَقرأ القرآن وهو ساجد؟
لا، بل قد نُهِيَ عن ذلك، نُهِيَ النبي ﷺ أن يقرأ القرآن وهو راكع أو ساجد (٣٢)، اللهم إلا إذا دعا بجملة من القرآن مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، فهذا لا يضر؛ لأن المقصود به الدعاء.
قال: (ثم يرفع مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه).
(يرفع) من السجدة الثانية.
(مُكَبِّرًا) حال من فاعل (يرفع)، فيكون التكبير في حال الرفع.
(ناهضًا على صدور قدميه)، قال في الشرح: ولا يجلس للاستراحة. يعني ينهض على صدور قدميه مُعْتَمِدًا على ركبتيه؛ كما قال: (معتمدًا على ركبتيه إن سَهُل)، وإن لم يسهُل عليه فإنه يعتمد على الأرض.
يقول -﵀-: (ناهضًا على صدور قدميه).
[ ١ / ١٢٢٣ ]
ويبدأ بالنهوض من السجود، يبدأ بالجبهة والأنف، ثم باليدين فيضعهما على الركبتين، ثم ينهض على صدور القدمين، هذا هو السنة على ما ذهب إليه المؤلف -﵀-.
فاستفدنا من كلامه أنه لا يجلس إذا قام إلى الركعة الثانية.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل الحديث وبين الفقهاء أيضًا؛ فمنهم من قال: إنه لا يجلس، كما ذكره المؤلف، فلا يُسَنُّ الجلوس مطلَقًا، لكن إن احتاج إليه جلس لا للتعبد ولكن لمشقة النهوض، كما لو كان شيخًا كبيرًا، أو كان مريضًا، أو كان في ركبتيه ألم، فيجلس هنا لا تعبدًا ولكن لدفع المشقة.
وقال بعض العلماء: بل يجلس مطلقًا. وهذان قولان متقابلان.
هذا القول الثاني يقول: يجلس، سواء كان محتاجًا للجلوس أم لم يحتج، يجلس تعبُّدًا لله ﷿.
القول الثالث: قول وسط؛ وافق هؤلاء في حال، ووافق هؤلاء في حال، فقال: إن كان الإنسان محتاجًا إلى الجلوس، أي أنه لا يستطيع أن ينهض فيجلس، وإذا كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس.
ولكل قول من هذه الأقوال الثلاثة دليل، ونتكلم عليه إن شاء الله في الدرس القادم.
طالب: بالنسبة يا شيخ للجلسة بين السجدتين، قوله: «رَبِّ اغْفِرْ لِي»، هل يكرِّرها أو يقتصر على هذا كما وردت به السنة؟
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه يقتصر على هذا فقط، والحقيقة أني نسيت أن أذكر هل يُطيل هذا الركن أو لا، وهو مهم، إن شاء الله نعود إليه في الدرس القادم.
طالب: بالنسبة لقيام الليل، كان النبي ﷺ يكرِّرها، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض، إلا بدليل؟
الشيخ: نعم، ولهذا قال الفقهاء اللي غير المؤلف، قالوا: يُسَنُّ تكرارها ثلاثًا.
طالب: شيخ، القاعدة اللي قررناها أن الأوراد توقيفية لا يقال فيه بشيء إلا موافِقًا للنص، والآن قلنا في الدرس: إنه إذا جمع بين (ارْزُقْنِي) و(اجْبُرْنِي)، أو مثلًا قال: عافِنِي في القلب والبدن، أن هذا جائز، كيف نوفِّق بين القاعدة؟
[ ١ / ١٢٢٤ ]
الشيخ: أصل هذه الأدعية ليس معناها أنها محصور فيها، ليس محصورًا، وإلا لو أخذنا بهذا لقلنا: لا يجوز لنا أن نقرأ في الصلاة إلا بما قرأ به النبي ﵊؛ لأنها توقيفية، لكن إذا علمنا أن هذا مكان دعاء نجعله مكان دعاء، إذا علمناه مكان ذِكر نجعله مكان ذِكر، لو زاد.
طالب: شيخ، تردد في السنة النبي ﷺ أمر أن يقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، واحد نقله للسجود، قلنا: هذه أدعية جامعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأن المكان يعني مكان استجابة.
الشيخ: نعم، نقول: إذا نقلها تعبُّدًا فهذا غلط، وإن نقلها لأنها دعاء يحب أن يدعو الله به فلا بأس، لكن يذكرها أيضًا إذا فرغ من التشهد الأخير؛ لأن الرسول ﷺ أمر به، أمر إذا فرغ من التشهد الأخير أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» (٣٣) إلى آخره.
طالب: () لازم يكون ().
الشيخ: نعم، الأفضل أن يحافظ أولًا على ما ورد، فإذا زاد الوقت مثل في صلاة الليل أو مع الإمام وأطال، يقول: نعم.
طالب: شيخ، ما يتذكر قلنا في دروس سابقة أنه من ادعى في الحديث إما نسخًا أو أنه كان في أول الإسلام، فعليه الدليل أو ().
الشيخ: نعم.
الطالب: فإن لم يأت بذلك فلا دليل، وقلنا يا شيخ: قول الحنابلة إن قول ابن عباس () هذا متأخِّر، يعني قول منسوخ ..
الشيخ: منسوخ، ما هو متأخر.
الطالب: أين الناسخ؟
الشيخ: هم يقولون: إن أكثر الأحاديث الواردة عن الرسول حتى من المتأخرين من الصحابة كلها تدل على التورك وعلى الافتراش.
طالب: هذا يكون دليلًا على النسخ؟
[ ١ / ١٢٢٥ ]
الشيخ: هو ليس بدليل إلى ذاك، يعني ما هو إلى ذاك في القوة، لكن لا شك أن الجلوس افتراش أريح للإنسان، وأكثر في الطمأنينة، وتعرف الإنسان لو يجلس على عقبيه هذه الجلسة هو بين أمرين: يا إما بيتحمل على ركبتيه بيديه، ولَّا بيتعب بسرعة، ثم قد لا يطمئن لا سيما إذا كان الإنسان ثقيلًا. ()
***
طالب: .. محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويصلي الثانية كذلك ما عدا التحريمة والاستفتاح، والتعوذ، وتجديدَ النية، ثم يجلس مفترشًا ويداه على فخذيه، يقبض خنصر اليمنى، وبنصرها، ويحلِّق إبهامها مع الوسطى).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الإنسان إذا قام من السجود يقوم مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه، ولكن المؤلف قيَّده بقوله: (إن سهل) يعني: فإن شق فعلى ما تيسر.
والذي ذهب إليه المؤلف -﵀- من كون المصلي يقوم معتمِدًا على ركبتيه، على صدور قدميه، هو المشهور من مذهب الحنابلة، وعلى هذا فلا يُسَنُّ أن يجلس عند القيام إلى الثانية، أو القيام إلى الرابعة، وهذه الجلسة تسمى عند العلماء جلسة الاستراحة.
ومعلوم أن إضافتها إلى الاستراحة يعطيها حكمًا خاصًّا بما إذا كان الإنسان يستريح بها، ولهذا رفض بعضهم أن تسمى جلسة الاستراحة، وقال: يجلس، ولا نقول: جلسة استراحة ولا غير استراحة؛ لأننا إذا سميناها جلسة الاستراحة رفعنا عنها حكم التعبُّد، وصارت لمجرد الاستراحة.
[ ١ / ١٢٢٦ ]
ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأن الاستراحة للتقوِّي على العبادة عبادة، كقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فتسمية العلماء لها قاطبة فيما نعلم بجلسة الاستراحة لا يُنكَر؛ لأننا نقول: حتى وإن سَمَّيْنَاها جلسة الاستراحة فإن التعبد لله بها إذا كان الإنسان يستريح بها لينشط على العبادة يجعلها عبادة.
المهم نحن وعدنا بأن نتكلم على خلاف العلماء في هذه الجلسة، فالمشهور من المذهب كما رأيتم أنها لا تُسَنُّ مطلَقًا، بل السنة أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه، سواء كان نشيطًا، أو غير نشيط.
وقال بعض العلماء: بل يجلس؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري (٣٤) من حديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ كان إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.
وكذلك في نفس الحديث أنه كان يعتمد على يديه، أي يعتمد على الأرض ثم يقوم.
قالوا: وهذا دليل على أنها جلسة يستقر فيها؛ لأن الاستواء بمعنى الاستقرار، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤].
فإذا كان مالك بن الحويرث يروي هذا عن رسول الله ﷺ، وهو الذي روى قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣٥)، وقد جاء في وفد قومه في السنة التاسعة في آخر حياة النبي ﷺ، فإن هذا يدل على أنها مستحبة، وأنها من الجلسات المندوبة، وليست من الجلسات التي تفعل بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة.
[ ١ / ١٢٢٧ ]
جلسة الاستراحة قبل القيام من السجود سنة في حق من يحتاجها فقط للراحة وعدم المشقة وفصَّل بعض العلماء في هذا، وقال: قد روي عن النبي ﵊ أنه كان لا يجلس، وأنه كان يجلس، ومن المعلوم أن لرسول الله ﷺ حالين؛ حالًا فيها كان نشيطًا شابًّا قويًّا، وحالًا كان فيها دون ذلك، فإنه كان ﵊ في آخر حياته يصلي الليل قاعدًا، أكثر من سَنَة يصلي قاعدًا، وكان ﵊ سابَقَ عائشة فسبقها، ثم سابقها فسبقته (٣٦).
ثم إنه ﵊ كان يحب أن ييسر على نفسه في العبادة، وكذلك يحب أن ييسر الإنسان على نفسه في العبادة، حتى إنه أنكر على الذين قالوا: نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء (٣٧).
ومنع عبدَ الله بن عمرو بن العاص من أن يصوم الدهر، وأرشده إلى أن يصوم يومًا ويدع يومًا، ومنعه من أن يقوم الليل كله، وأرشده إلى أن ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه (٣٨)، وهذا دليل على أن شريعة النبي ﵊ مبنية على اليسر والسهولة.
وكان مالك بن الحويرث قَدِمَ إليه في آخر حياته، فكان ﷺ يحب التيسير على نفسه، فيجلس ثم يعتمد بيديه على الأرض، وهذا يدل على أن قيامه فيه شيء من المشقة، بدليل اعتماده على الأرض؛ لأن مَن كان نشيطًا فإنه وإن جلس للتشهد أو لغير التشهد لا يحتاج إلى الاعتماد، فلولا أنه كان ﵊ محتاجًا إلى هذه الجلسة ما اعتمد عند النهوض منها.
وقالوا أيضًا: إن من المعلوم أن جميع أفعال الصلاة المستقلة أركان، وأن كل ركن له ذكر خاص، وهذه ليست ركنًا بالإجماع، أكثر ما فيها أن العلماء اختلفوا في مشروعيتها.
أما أنها ركن فإنه قد نَقل غيرُ واحد الإجماع على أنها ليست بركن، وأيضًا كل فعل من أفعال الصلاة له ذِكر، وهذه ليس لها ذِكْر، فدل على أنها فعل ليس فعل عبادة.
[ ١ / ١٢٢٨ ]
وعليه فنقول: إن احتاج الإنسان إليها صارت مشروعة لغيرها؛ للراحة وعدم المشقة، وإن لم يحتج فليست بمشروعة، وهذا القول كما ترون قول وسط، تجتمع فيه الأخبار كما قال صاحب المغني ﵀، وهو اختيار ابن القيم؛ أننا لا نقول: سُنَّة، على الإطلاق، ولا غير سُنَّة، على الإطلاق، بل نقول: هي سُنَّة في حق مَن؟
طالب: يحتاجها.
الشيخ: يحتاج إليها لكِبَر أو مرض أو غير ذلك.
وكنت أميل إلى أنها مستحبة على الإطلاق، وأن الإنسان ينبغي له أن يجلس، وكنت أفعل ذلك أيضًا بعد أن كنت إمامًا، ولكن تبين لي بعد التأمل الطويل أن هذا القول المفصَّل قول وسط، وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقًا، وإن كان الرُّجحان فيه ليس جيدًا عندي، لكنه تميل إليه نفسي أكثر، فاعتمدت ذلك.
يبقى النظر، إذا كان الإنسان مأمومًا فهل يُسَنُّ له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سنة، أو متابعة الإمام أفضل؟
والجواب على ذلك: أن متابعة الإمام أفضل، ولهذا تُرِك الواجب، وهو التشهد الأول، من أجل متابعة الإمام، وفُعِل الزائد، كما لو أدرك الإمام في الركعة الثانية فإنه سوف يتشهد في أيش؟ في أول ركعة، فيأتي بتشهد زائد، كل ذلك من أجل متابعة الإمام.
بل يترك الإنسان الركن من أجل متابعة الإمام، فقد قال النبي ﵊: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا» ..
طلبة: «قُعُودًا».
الشيخ: «قُعُودًا» (٣٩).
فهو يترك ركن القيام وركن الركوع، فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الركوع، كل هذا من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: الجلسة هذه يسيرة لا يحصل بها تخلف عن الإمام.
[ ١ / ١٢٢٩ ]
فالجواب: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (٤٠)، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، وهذا يدل على أن الأفضل في حق المأموم أن لا يتأخر عن الإمام ولا تأخرًا يسيرًا، بل أن يبادر بالمتابعة، فلا يوافِق ولا يُسابِق ولا يتأخَّر، بل يكون مبادِرًا للفعل مع الإمام.
وهذا هو حقيقة الائتمام؛ أن لا تتأخر عن إمامك، وأن لا تسبقه، وأن لا توافقه، فإذا كان الأمر بالعكس بأن كان الإمام يرى هذه الجلسة وأنت لا تراها؟
فإن الواجب عليك أن تجلس؛ لأنك لو لم تجلس لقُمْتَ قبل إمامك، وهذه مسابَقة، والمسابَقة حرام؛ لقول النبي ﵊: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» (٤١).
قد يقول: أنا لا أقوم قبله، لكن أَتَأَنَّى في السجود حتى أظن أنه قام؟
قلنا: إذن لم تفعل محرَّمًا، لكن تَرَكْتَ أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: سُنَّة، وهي المبادرة بمتابعة الإمام، فإذا كنت لا ترى أنها مستحبة والإمام يرى فاجلس مع إمامك، كما أنك تجلس معه في التشهد الذي ليس في محل تشهد، كل ذلك من أجل المتابعة.
تُشرع جلسة الاستراحة قبل القيام من السجود إذن القول الذي يترجَّح عندي، وليس رجحانه كثيرًا، لكنني أميل إليه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها: أن هذه الجلسة مشروعة عند الحاجة إليها، وإلا فلا يجلس.
أما بالنسبة للمأموم فقد عرفتم ما ذكرناه.
***
يقول المؤلف: (معتمدًا على ركبتيه إن سهل، ويصلي الثانية كالأولى).
(يصلي الثانية)، يعني: الركعة الثانية (كالأولى).
وعلى هذا فـ (الثانية) صفة لموصوف محذوف، تقديره؟
طلبة: الركعة.
الشيخ: الركعة.
فإذا قال قائل: هل يجوز أن يُحذَف الموصوف وتبقى الصفة؟
[ ١ / ١٢٣٠ ]
نقول: نعم، وهذا كثير جدًّا، هذا كثير في القرآن، وكلام الناس؛ قال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أي؟
الطلبة: دروعًا سابغات.
الشيخ: دروعًا سابغات.
وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] أي: الأعمال الصالحات.
وأمثالها كثير، لكن الذي يَقِلُّ هو العكس، وهو حذف النعت وبقاء المنعوت؛ لأن النعت -وهي الصفة- هو المقصود، ولهذا قال ابن مالك:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ
يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ
يقول: (الثانية كالأولى ما عدا التحريمة).
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك، نعم، أي: كالأولى، يُصلِّيها كالأولى، يعني: في القيام والركوع والسجود والجلوس وما يقال فيها.
ثم استثنى المؤلف فقال: (ما عدا التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام، لماذا؟
لأن التحريمة تُفتَتَح بها الصلاة، وقد افتتحت، بل لو أنه كبَّر ناويًا التحريمة بطلت صلاته؛ لأن لازم ذلك أن يكون قد قطع الركعة الأولى، وابتدأ الثانية من جديد، وهذا يبطل الصلاة.
وقوله: (ما عدا التحريمةَ) بالنصب ولَّا بالجر؟
طلبة: بالنصب.
الشيخ: وجوبًا ولَّا جوازًا؟
طالب: جوازًا.
طلبة: وجوبًا لسبقها بـ (ما).
الشيخ: إيه، هذه يجب فيها النصب؛ لأنها مسبوقة بـ (ما)، أما لو خلت من (ما) جاز الوجهان.
قال: (ما عدا التحريمةَ والاستفتاح).
أيضًا الاستفتاح لا يُسَنُّ في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تُفْتَتَح به الصلاة بعد التحريم، فلا يُعاد مرة أخرى.
فإن قال أحد من الناس: أستفتح في الركعة الأولى بنوع من الاستفتاحات، وأستفتح في الركعة الثانية بنوع آخر.
قلنا: هذا من البدع؛ لأن الرسول ﷺ يستفتح مرة واحدة في؟
طلبة: أول الصلاة.
الشيخ: أول الصلاة.
قال: (والتعوذ) يعني: وما عدا التعوذ، يعني قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يُشرع في الأولى، ولا يُشرع في الثانية، لماذا؟
[ ١ / ١٢٣١ ]
لأن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فإن الصلاة عبادة واحدة من أولها إلى آخرها، فإذا تعوَّذْت لأول مرة كفى؛ لأن القراءة واحدة.
ولهذا بناءً على ذلك قالوا: لو قرأ في الركعة الأولى سورة، ثم قرأ في الركعة الثانية ما قبلها، لكان ذلك مكروهًا؛ لمخالفة الترتيب، ولو كان في الركعة الثانية؛ لأن قراءة الصلاة واحدة.
وقال بعض أهل العلم: بل يتعوذ.
ما عدا التحريمةَ والاستفتاحَ والتعوُّذَ وتجديدَ النِّيَّةِ، ثم يَجلِسُ مُفتَرِشًا ويَداهُ على فَخِذَيْهِ يَقْبِضُ خِنْصَرَ الْيُمْنَى وبِنْصَرَها ويُحَلِّقُ إبهامَها مع الوُسْطَى ويُشيرُ بسَبَّابَتِها في تَشَهُّدِه ويَبْسُطُ اليُسرَى ويَقولُ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ والصلواتُ والطيِّباتُ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحينَ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبْدُه ورسولُه " هذا التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، ثم يقولُ " اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ
مالك:
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ
يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ
يقول: الثانية كالأولى، (ما عدا التحريمة).
(كذلك) أي: كالأُولى، يصلِّيها كالأُولى؛ يعني: في القيام والرُّكوعِ والسُّجودِ والجلوسِ، وما يقال فيها.
ثم استثنى المؤلف فقال: (ما عدا التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام، لماذا؟ لأن التحريمة تُفتتح بها الصَّلاةُ، وقد افْتتِحَتْ، بل لو أنه كَبَّرَ ناويًا التَّحريمة بطلت صلاتُه؛ لأن لازم ذلك أن يكون قد قطع الركعة الأُولى، وابتدأ الثانية مِن جديد، وهذا يُبطل الصَّلاةَ.
وقوله: (ما عدا التحريمة) بالنصب ولّا بالجر؟
طلبة: بالنصب.
الشيخ: وجوبًا ولّا جوازًا؟
طلبة: وجوبًا.
طلبة آخرون: جوازًا.
الشيخ: إي، هذه يجب فيها النصب؛ لأنها مسبوقة بـ (بما)، أما لو خلت من (ما) جاز الوجهان.
***
[ ١ / ١٢٣٢ ]
قال: (ما عدا التحريمة والاستفتاح)، أيضًا الاستفتاح لا يُسَنُّ في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تُفتتح به الصَّلاةُ بعد التحريمة، فلا يُعاد مرة أخرى.
فإن قال أحد مِن النَّاس: أستفتحُ في الركعة الأُولى بنوعٍ من الاستفتاحات، وأستفتحُ في الركعة الثانية بنوعٍ آخر. قلنا: هذا بدعة؛ لأن الرَّسول ﷺ كان يستفتح مرَّة واحدة في أوَّل الصَّلاةِ.
قال: (والتعوذ) يعني: وما عدا التعوُّذَ؛ يعني: قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يُشرع في الأُولى ولا يُشرع في الثانية؛ لماذا؟ لأن قراءة الصَّلاة واحدة، فإنَّ الصَّلاةَ عبادةٌ واحدةٌ من أوَّلها إلى آخرها، فإذا تعوَّذَت لأوَّل مرَّة كفى؛ لأن القراءة واحدة، ولهذا بناء على ذلك قالوا: لو قرأ في الرَّكعة الأُولى سورةً، ثم قرأ في الركعة الثانية ما قبلها؛ لكان ذلك مكروهًا؛ لمخالفة التَّرتيب، ولو كان في الركعة الثانية؛ لأن قراءة الصَّلاةِ واحدة.
وقال بعض أهل العلم: بل يتعوَّذ في كل ركعة، وذلك لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال، فيستعيذ بالله عند القراءة في كل ركعة، والأمر في هذا سهل، لو قيل: إنه يخير لتكافؤ الأدلة، لكان له وجه، فنقول: إن استعذت بالله من الشيطان الرجيم فحسن، وإن لم تستعذ اكتفاءً بالأول أجزأ أيضًا.
ثم قال: (والتعوذ وتجديد النية)، كيف تجديد النية؟ يعني أنَّه لا يأتي بنيَّةٍ جديدة، بخلاف الرَّكعةِ الأُولى، فإن الرَّكعةَ الأُولى يدخُلُ في الصَّلاةِ بنيَّةٍ جديدة، فلو نوى الدخول بنيَّةٍ جديدةٍ في الرَّكعة الثانية بطلت الأُولى؛ لأنَّ لازمَ تجديد النيَّة في الركعة الثانية قَطْعُ النيّة في الركعة الأُولى.
[ ١ / ١٢٣٣ ]
عندي في الشرح يقول: إلا إذا لم يتعوَّذ في الأُولى فيتعوَّذُ في الثانية، وهذا استثناء جيد، إذا لم يتعوَّذ في الأُولى فيتعوَّذُ في الثانية، مثل أن يدركَ الإمامَ راكعًا، فإنه إذا أدرك الإمام راكعًا سوف يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ثم يُكبِّر للرُّكوع ويركع، وتكون القراءة متى؟ في الرَّكعةِ الثانيةِ، وحينئذٍ يتعوَّذ.
وهذا الذي قاله في الشرح هو مرادهم فيما يظهر، لماذا؟ لأن تعليلهم يدلُّ عليه، حيث قالوا: إنه تعوَّذ في القراءةِ الأُولى، وقراءةُ الصَّلاةِ قراءةٌ واحدة.
وظاهر كلام المؤلف ﵀: أنَّ الرَّكعة الثانية كالأُولى حتى في مقدار القراءة؛ لأنه لم يستثنِ إلا هذه المسائل الأربع، وهي أيش؟ التحريمة، الاستفتاح، والتعوذ، وتجديد النية.
فظاهره: أنَّ القراءة في الرَّكعة الثانية كالقراءة في الرَّكعة الأُولى، ولكن الصواب خِلافُ ذلك، فإنَّ القراءةَ في الركعةِ الثانيةِ دون القراءة في الركعة الأُولى، كما هو صريح حديث أبي قتادة (١)، لكن في حديث أبي سعيد (٢) ما يدلُّ على أن الركعة الثانية كالأُولى، إلا أنه -أي: حديث أبي سعيد- يدلُّ على أن القراءة مشروعة في الركعات الأربع؛ أي: قراءة ما عدا الفاتحة، فإن حديث أبي سعيد الخدري يدلُّ على أنَّ الرسول ﷺ كان يقرأ مع الفاتحة في كلِّ ركعة، لكن في الركعتين الأوليين يقرأ قراءة سواء، في الركعتين الأخريين سواء، لكنها دون الأولى على النِّصْفِ مِن الأولى.
يقول: (ثم يجلس مفترشًا) ثم أيش بعد؟ بعد أن يُصلِّي الثانيةَ بركوعها وسجودها وقيامها وقعودها يجلس، وهذا الجلوس للتشهُّدِ؛ إمَّا الأول، وإمَّا الأخير، إن كانت الصَّلاةُ رباعية أو ثلاثية فهذا أوَّل، وإن كانت سوى ذلك فهذا أخير.
[ ١ / ١٢٣٤ ]
يقول: (ثم يجلس مفترشًا ويداه على فخذيه) قوله: (مفترشًا) سَبَقَ لنا تفسيرُها، وأنَّ معنى الافتراش أن يجعلَ رِجْلَهُ اليسرى تحت مقعدته كأنها فراش، ويُخرج اليُمنى مِن الجانب الأيمن ناصبًا لها، هذا الافتراش.
قال المؤلف: (ويداه على فخذيه) الجملةُ يحتملُ أن تكون في مَوضعِ نَصْبٍ على الحال مِن فاعل (يجلس) يعني: يجلس والحالُ أن يديه على فخذيه، ويحتملُ أنها جملةٌ استئنافية، وعلى كُلِّ تقديرٍ؛ فإنَّ معنى العبارة: أنه في هذا الجلوس يَجعلُ يديه على فخذيه.
وظاهر كلامه أنه لا يقدمهما حتى تكونا على الرُّكبة؛ لأن الفخذَ حَدُّهُ الرُّكبة، الرُّكبة ليست مِن الفخذِ، فكلام المؤلف يدل على أنك تجعل اليد اليمنى واليد اليسرى لا تصل إلى حِذاء الرُّكبة، بل على حَدِّها؛ لأنها لو وصلت إلى حِذاء الرُّكبة خرجت عن الفخذ، وعلى هذا؛ فلا يُلْقِم اليُسرى ركبته، ولا يضع اليُمنى على حرف الفخذِ، وهذا ما ذهب إليه المؤلِّفُ، ولكن سبق لنا أن السُّنَّة دَلَّت على مشروعية الأمرين؛ أي: أن تضعَ اليدين على الفخذين، وأن تُلْقِمَ اليُسرى الرُّكبةَ وتَجعلَ اليُمنى على حَرْفِ الفخذِ؛ يعني: على طَرَفِهِ، فكلاهما صفتان.
وعلى هذا نقول: إن اليدين لهما صفتان في الرَّفْعِ والسُّجود والجلوس، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صفتان في الرَّفْعِ؛ حذو المنكبين أو فروع الأذنين.
في السجود حذو المنكبين أو أن يسجد بينهما، هذا في السجود.
في الجلوس: إمَّا أن يجعلَهما على الفخذين، أو على الرُّكبتين، لكنها في اليُسرى تُلْقَم.
قال: (ويقبض خنصر اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى) الخنصر أين هو؟
طالب: الصغرى.
الشيخ: الصغرى، البنصر: هو الذي يليه، والوسطى: هي التي تلي البنصر.
[ ١ / ١٢٣٥ ]
يقول المؤلف: (يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى) هكذا كالحلقة، وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً لا يضمُّها، وهذه صفة أيضًا، واقتصار المصنِّف ﵀ عليها لا يسلتزم نفي ما عداها، وهناك صفة أخرى؛ بأن نضمَّ الخنصرَ والبنصرَ والوسطى، ويضمَّ إليها الإبهامَ وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً، فهاتان أيضًا صفتان في كيفية أصابع اليد اليُمنى، ففيها صفتان، أما اليسرى فهي على الفخذ مبسوطة مضمومة الأصابع ممدودة على الفخذ.
قال المؤلف ﵀: (ويشير بسبابتها في تشهده) السَّبَّابة: ما بين الإبهام والوسطى، وسُمِّيت سَبَّابة؛ لأن الإنسان يُشيرُ بها عند السَّبِّ، يقول: شوف هذا الرجل الفاجر، يشير بها، وتُسَمَّى أيضًا سَبَّاحة، سبحان الله، هذا من باب الأضداد، سَبَّابة بسَّبِّ بها الناس، سباحة يُسَبَّح بها اللَّهُ ﷿؛ لأنه يُشيرُ بها عند تسبيح الله.
على كل يقول: (يشير بها في تشهده): و(في) للظَّرفية، والظَّرفُ أوسعُ مِن المظروف، فهل المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه مِن حين ما يبدأ إلى أن ينتهي، أو المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه في موضع الإشارة؟
فيه احتمال كلامُ المؤلِّف، لكن غيره بَيَّنَ أنه يُشيرُ بها عند وجودِ سبب الإشارة، وما هو سبب الإشارة؟
ذِكْرُ الله، واختلف الفقهاءُ المتأخرون في معنى كلمة: ذِكْر الله، هل المعنى عند ذِكْرِ الجلالة، وعلى هذا؛ فإذا قلت: (التحيات لله) تُشِيرُ، (السَّلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله) تُشِيرُ، (السَّلام علينا وعلى عباد الله) تُشِيرُ، (أشهد أنْ لا إله إلا الله) تُشِيرُ، هذه أربع مرَّات في التشهُّدِ الأول، (اللَّهم صَلِّ) خَمْس؛ (اللهم) أصلُها (الله)، (اللَّهُمَّ بارك) سِتٌّ، (أعوذ بالله مِن عذاب جهنم) سبع.
وقيل: المراد بذِكْرِ الله: الذِّكْر الخاصُّ، وهو (لا إله إلا الله)، وعلى هذا؛ فلا تشيرُ إلا مَرَّةً واحدةً، وذلك عندما تقول: أشهد أنْ لا إله إلا الله.
[ ١ / ١٢٣٦ ]
هذا اختلاف الفقهاء، ولكن السُّنَّة دَلَّت على أنه يُشير بها عند الدعاء؛ لأن لفظ الحديث: يُحرِّكُها يدعو بها (٣)، وقد وَرَدَ في الحديث نَفْيُ التَّحريك وإثباتُ التحريك، نفي التحريك لا يحركها، إثباته يحركها، والجمعُ بينهما سهل؛ أن نفيُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ الدَّائم، وإثباتُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ عند الدُّعاء، فكلما دعوت تحرِّكْ؛ إشارة إلى علوِّ المدعو ﷾، وعلى هذا فنقول: (التحيات لله) ما فيها إشارة أو لا؟
(السلام عليك أيُّها النبيِّ) فيه إشارة؛ لأن السَّلامَ خَبَرٌ بمعنى الدُّعاءِ، (السَّلامُ علينا) فيه إشارة؛ لأن السَّلامَ خَبَرٌ بمعنى الدُّعاءِ، (اللهم صَلِّ على محمَّد) فيه إشارة، (اللهم بارك على محمَّد) فيه إشارة، (أعوذ بالله من عذاب جهنَّم) فيه إشارة، (ومِن عذاب القبر) إشارة، (ومِن فتنة المحيا والممات) إشارة، (ومِن فتنة المسيح الدَّجَّال) إشارة، وكُلَّما دعوت تُؤشّر إشارةً إلى عُلُوِّ مَنْ تدعوه ﷾، وهذا أقربُ إلى السُّنَّة، وهو اللفظ الذي ذكرته لكم يحركها يدعو بها.
يقول المؤلف ﵀: (ويبسط اليسرى) يعني: أصابعها على أيش على الفخذِ الأيسر؛ لأنه قال بالأول: (ويداه على فخذيه).
(ويقول: التحيات لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ) إلى آخره، يقول بقلبه أو بلسانه؟
طلبة: بلسانه.
طالب: بالاثنين.
الشيخ: نعم، يقول بلسانه متدبِّرًا لذلك بقلبه.
وهل يُشترطُ أن يُسمعَ نفسَه؟ فيه خِلافٌ، أمَّا المذهبُ فيُشترط أن يُسمعَ نفسَه في الفاتحة، وفي كُلِّ ذِكْرٍ واجبٍ.
[ ١ / ١٢٣٧ ]
قوله: (التحيات لله) ما معنى التحيات؟ التحيات: جمع تحيَّة، والتحيَّة هي: التَّعظيم، كلُّ لَفْظٍ يدلُّ على التَّعظيم فهو تحيَّة، وهنا يقول: (التحيات)، (أل) المفيدة للعموم، وجُمعها لاختلاف أنواعها، أما أفرادها فلا حدَّ لها؛ يعني: كل تحية، بل كُلَّ نوع من أنواع التَّحيَّات فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ فلا يستحقُّ التَّحيَّات على الإطلاق إلا الله ﷿، ولا أحد يُحَيَّا على الإطلاق إلا الله، وأمَّا إذا حَيَّا إنسان على سبيل الخصوص فلا بأس به.
لو قلت مثلًا: لك تحيَّاتي، لك تحيَّاتُنَا، مع التحيَّة، فلا بأس بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، لكن التَّحيَّات على سبيل العموم والكمال لا تكون إلا لله ﷿.
فإذا قال قائل: هل اللَّهُ بحاجة إلى أن تحييه؟
فالجواب: كلاَّ؛ ليس بحاجة، لكنه أهْلٌ للتعظيم، فأعظِّمه لحاجتي لذلك، لا لحاجته لذلك، والمصلحة لمن؟
طلبة: للعبد.
الشيخ: للعبد، ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
(التحيات لله وَالصَّلَوَاتُ)، الصلوات ما هي الصلوات؟
طالب: جمع صلاة.
الشيخ: الخمس مع النوافل، الجمعة، الأدعية، الجواب كلِّ ما يُطلق عليه اسم صلاة شرعًا أو لُغةً فهو شامل، فالصَّلوات كلُّها لله حقًّا واستحقاقًا، لا أحد يستحقُّها؛ وليست حقًّا لأحد سوى الله ﷿، الدُّعاءُ أيضا حقًّا واستحقاقًا لمن؟ لله ﷿ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، كلُّ الصلوات فرضُها ونفلُها، ليليها ونهاريها، كلها لله، كُلُّ الأدعية لله.
طالب: () الصلاة، يصلي إمامًا، البعض يقول: ().
[ ١ / ١٢٣٨ ]
الشيخ: والله هذه يمكن أن يخرج عنها بأن يجلس ثم عند التكبير يقوم، إلا إذا كانوا من أصحابه اللي يعرفونه فيكبر عند النهوض من السجود ويجلس ويجلسون معه.
الطالب: عامة؟
الشيخ: لا، عامة الناس أنا أرى إذا كان الإمام يراها ألا يكبر حتى ينهض منها.
طالب: وينهض من السجود بلا تكبير يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن كل هذا من السجود إلى انتهاء القيام كله محل التكبير.
طالب: فتح الله عليك يا شيخ، ذكرت أن المسبوق يستعيذ في الركعة الثانية، هل يستفتح يا شيخ؟
الشيخ: لا، الاستفتاح نقول: سنة فات محلها.
طالب: بالنسبة يا شيخ التطويل في الجلوس بين السجدتين.
الشيخ: على كل حال، التطويل في الجلسة بين السجدتين كالتطويل في القيام بعد الركوع، أي أنه مشروع؛ لأنه مشروع الركوع والرفع منه والسجود والرفع منه أن تكون قريبًا من السواء، وهذا الأفضل.
طالب: مقدار جلسة الاستراحة يقولون: إنها سنة، وكثير من الناس ..
الشيخ: الذين يقولون: إنها سنة، يرون أنها خفيفة جدًّا، ولهذا أجابوا عن القائلين بأنها لو كانت مشروعة لشرع فيها ذكر، أجابوا عنه، قالوا بأنها جلسة خفيفة ما تحتاج إلى ذكر، مع أن ظاهر حديث مالك بن حويرث: حتى يستوي (٤)، يدل على أنها ليست كما يتصورون، إنها جلسة فيها شيء من الاستقرار.
***
الطالب: () وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ويقول: التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا التشهد الأول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يصلي الركعة الثانية كالركعة الأولى إلا فيما استُثْنِي، ومنه؟
طالب: النية والاستفتاح.
الشيخ: النية، ويش معنى النية؟
طالب: تغيير النية.
الشيخ: تجديد.
[ ١ / ١٢٣٩ ]
طالب: نعم، تجديد النية.
الشيخ: وأما استمرار النية؟
الطالب: هذا لا ()، لا بد من استمرار النية.
الشيخ: فلا بد من استمرارها.
لماذا يستثنى تجديد النية؟
طالب: لأنه إذا جدد النية قطع الصلاة.
الشيخ: إذا جدد النية معناه أنه أبطل الركعة الأولى.
الثاني؟
طالب: الثاني الاستفتاح.
الشيخ: الاستفتاح، فلا يستفتح في الأولى؟
طالب: يستفتح في الأولى، ولا يستفتح في الثانية.
الشيخ: ولا يستفتح في الثانية، هل يستثنى من ذلك شيء؟
طالب: إذا لم يستفتح في الأولى ..
الشيخ: كيف يستفتح في الأولى؟ ويش لون يعني؟
طالب: يعني جاء والإمام راكع فركع معه.
الشيخ: أو هذا في التعوذ، نحن نتكلم عن الاستفتاح.
طالب: ().
الشيخ: سنة فات محلها.
الثالث؟
طالب: التعوذ.
الشيخ: التعوذ، فلا يتعوذ في الثانية، إلا؟
طالب: إلا إذا أتى والإمام راكع.
الشيخ: إلا إذا لم يتعوذ في الأولى، مثل أن يأتي والإمام راكع ولا يتعوذ ولا يقرأ الفاتحة.
وهل هذا متفق عليه؟
طالب: لا ليس متفقًا عليه، بل قال أهل العلم: في كل ركعة.
الشيخ: يتعوذ في كل ركعة.
مبنى الخلاف هنا على أي شيء؟
طالب: هل التعوذ يعني ..
طالب آخر: هل يعد ما حصل بين الركعة الأولى والثانية فاصلًا؟
الشيخ: هل قراءة الصلاة قراءة واحدة أو لكل ركعة قراءة مستقلة؟ فإن قلنا بالأول ..
طالب: فيكفيه الاستفتاح الأول () أن القراءة واحدة، ويكفي الاستعاذة في أول قراءة.
الشيخ: فإن قلنا: قراءة الصلاة واحدة كفى التعوذ الأول، وإن قلنا: لكل ركعة قراءة؟
طالب: فيستعيذ لكل قراءة.
الشيخ: يستعيذ في كل قراءة.
بقي الرابع.
طالب: تكبيرة الإحرام.
الشيخ: تكبيرة الإحرام؟
طالب: نعم، لا يعيد تكبيرة الإحرام في الثانية.
الشيخ: لا يعيدها في الركعة الثانية، لماذا؟
طالب: خوف النية؛ لأنه لو أعادها كأنه أبطل الأولى وشَرَع من جديد.
الشيخ: أحسنت، لو كبر للإحرام في الثانية كأنه قطع الأولى وشَرَع من جديد.
[ ١ / ١٢٤٠ ]
قال بعد ذلك: يقول: (يجلس مفترشًا) كما سبق، ويقول؟
طالب: التحيات لله.
الشيخ: ما معنى التحيات؟
طالب: أي التعظيمات لله ﷿.
الشيخ: يعني الكلمات الدالة على التعظيم.
بالقول ولا بالفعل؟
الطالب: بكليهما.
الشيخ: نعم، التحيات يعني كل ما يدل على التعظيم بالقول أو بالفعل فهو لله.
استحقاقًا واختصاصًا ولّا استحقاقًا فقط؟
طالب: استحقاقًا واختصاصًا.
الشيخ: استحقاقًا واختصاصًا، إذ لا أحد يستحق التعظيم المطلق إلا الله ﷿.
(الصلوات)؟
طالب: هي كل الصلوات من أقوال ..
الشيخ: الصلاة الشرعية ولّا اللغوية؟ ولّا هذه وهذه؟
الطالب: كل الصلوات الشرعية بأقوالها وأفعالها.
الشيخ: واللغوية؟
الطالب: واللغوية أيضًا.
الشيخ: ما الفرق بين الشرعية واللغوية؟
الطالب: الشرعية ما شُرِع مثل هذه الصلاة المفروضة، واللغوية هي الدعاء.
الشيخ: إذن الدعاء والصلوات المعروفة الخمس والنوافل والجمعة كلها.
الطالب: لله ﷾.
الشيخ: لله، استحقاقًا واختصاصًا؟ ولّا استحقاقًا فقط؟
الطالب: استحقاقًا واختصاصًا.
الشيخ: قال: (والطيبات لله) الطيبات يشمل الأعمال القولية والفعلية، ويشمل الأوصاف أيضًا، فالله ﷾ له من الأوصاف أطيبها، قال النبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ» (٥)، فكل أنواع الطيب ثابتة لله ﷿ من كل وجه، وله أيضًا ما طاب من الأقوال والأفعال الصادرة من الخلق لقوله: «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».
فالطيبات إذن لها معنيان: المعنى الأول: ما يتعلَّق بالله، والمعنى الثاني: ما يتعلَّق بأفعال العباد، فما يتعلَّق بالله فله مِن الأوصاف أطيبها، ومِن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها؛ يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يَفعلُ إلا الطَّيب، ولا يتَّصفُ إلا بالطيب، فهو طيب في كُلِّ شيء؛ في ذاته وصفاته وأفعالِه.
[ ١ / ١٢٤١ ]
وله أيضًا مِن الأعمال -أعمال العباد القولية والفعلية- له أيش؟ الطَّيبُ، لا يَقبلُ إلا طيبًا، فإن الطَّيبَ لا يليقُ به إلا الطَّيب، ولا يقدم له إلا الطيب، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، فهذه سُنَّةُ الله ﷿.
فهل أنت أيُّها المصلِّي تستحضر وأنت تقول: (الطيبات لله) تستحضر هذه المعاني، أو تقولها على أنها ذِكْرٌ وثناء؟
أغلبُ النَّاسِ على الثاني، ما يستحضر عندما يقول: (الطيبات) أن الله طيِّب في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه وأقوالِه، وأنه لا يليقُ به إلا الطَّيب مِن الأقوال والأفعال الصَّادرة مِن الخَلْقِ، معلوم هذا؟
ضدُّ الطَّيِّب شيئان: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ لأن الله تعالى له الأوصاف العُليا، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، فلا يُمكنُ أن يكون في أوصافه أو أفعاله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كُلُّ أفعالِه وأقوالِه وصفاتِه كلُّها طيبة.
أما ما يصدرُ مِن الخَلْق؛ فنعم منه ما هو طيِّبٌ، ومنه ما هو خبيثٌ، ومنه ما ليس كذلك، لكن ما الذي يَصعد إلى الله ويُرفع إلى الله؟
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وما ليس بطيِّبٍ فهو إلى الأرض، ما يصعدُ إلى السَّماءِ.
ثم قال: (السلام عليك أيها النبي) (السَّلام) قيل: إنَّ المراد بالسَّلامِ: اسمُ الله ﷿؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» (٦)، كما قال ﷿ في كتابه: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وبناءً على هذا القول ما معنى كون السلام على الرسول؟ ما معناه؟ أي: بالحِفظ والكَلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: اللَّهُ عليك، أي: رقيب حافظ مُعْتَنٍ بك، وما أشبه ذلك.
[ ١ / ١٢٤٢ ]
وقيل: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ، بمعنى أيش؟ إذا قلنا: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ، بمعنى أيش؟
طالب: ().
الشيخ: بمعنى التَّسليم يا أخي، إذا قلت: كلام اسم مصدر من كَلَّمَ، ويش يصير معنى كلام؟
طلبة: تكليم.
الشيخ: تكليم.
سلام اسم مصدر سَلَّم إذن بمعنى تسليم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فما معنى التسليم على الرسول ﷺ؟ معناه: أننا ندعو له بالسَّلامة مِن كُلِّ آفة.
إذا قال قائل: قد يكون هذا الدُّعاء في حياته ﵊ واضحًا، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسَّلامةِ وقد مات ﷺ؟
الجواب أن نقول: ليس الموت تكون به السلامة، الموت لا تكون به السلامة، هناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرُّسل إذا عَبَرَ النَّاسُ على الصِّراط يقولون: اللَّهُمَّ سَلِّمْ؛ اللهم سَلِّمْ (٧)، فلا ينتهي المرءُ مِن المخاوف والآفات بمجرد موته، هذه واحدة.
إذن ندعو للرَّسول ﷺ بالسَّلامةِ من هول الموقف ومن خوفه.
ونقول أيضًا: قد يكون بمعنًى أعم، السَّلامَ على شرعِه وسُنَّتِهِ؛ كما قال العلماءُ: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، قالوا: إليه في حياته، وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته، فيكون دعاؤك بالسلام على محمد ﷺ بعد موته دعاءً بسلامة شرعة وسنته من أن تنالها أيدي العابثين.
ثم قوله: (السَّلامُ عَلَيْك أيُّهَا النَّبيُّ) هل هو خَبَرٌ أو دعاءٌ؟ يعني: هل أنت تخبر بأن الرسولَ مُسَلَّمٌ، ولا تدعو بأن الله يُسلِّمُه؟
تدعو بأنَّ الله يُسلِّمُه، إذن هو خَبَرٌ بمعنى الطلب فكأنه من صفاتك اللازمة أو من الأمر المستقر أن تدعو للرسول ﷺ بالسلامة من كل آفة، وعلى الوجه الثاني ولسنته وشريعته أيضًا بالسلامة من كل آفة.
[ ١ / ١٢٤٣ ]
ثم هنا يقول: (السَّلامُ عَلَيْك) فهل هذا خطاب للرَّسول ﵊ كخطابِ النَّاسِ بعضهم بعضًا؟
الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين، ولكن كما قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: لقوَّة استحضارك للرسول ﵊ حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه، ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير الذي توفي فيه وهو أيضًا قد توفي، فليس هذا من باب الخطاب المعتاد بين الناس، ولذلك نقول: إنه يقول السلام عليك أيها النبي في حياته وبعد وفاته.
وأما ما وَرَدَ في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول ﷺ: السَّلامُ على النَّبيِّ ورحمة الله وبركاته (٨) فهذا مِن اجتهاداتِه ﵁ التي خالَفه فيها مَنْ هو أعلمُ منه؛ عُمرُ بن الخطَّاب ﵁، فإنه خَطَبَ النَّاسَ على مِنبر رسول الله ﷺ وقال في التشهُّدِ: السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله (٩) كما رواه مالك في الموطأ بسَنَدٍ من أصحِّ الأسانيد، قاله عُمرُ بمحضر الصَّحابة ﵃، وأقرُّوه على ذلك.
[ ١ / ١٢٤٤ ]
ثم إن الرَّسولَ ﵊ علَّم أمَّته، علمها، حتى إنه كان يُعَلِّم ابنَ مسعود وكَفُّه بين كفَّيه، من أجل أن يستحضر هذا اللَّفظَ، وكان يُعلِّمُهم إيَّاه كما يُعلِّمُهم السُّورة من القرآن، وهو يعلم أنه سيموت؛ لأن الله قال له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ولم يقلْ: بعد موتي قولوا: السَّلامُ على النَّبيِّ، بل عَلَّمَهم التشهُّدَ بهذا اللفظ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن بلفظها، وعلى هذا فيكون ما جاء عن ابن مسعود اجتهادًا منه خالفه فيه من هو أعلم منه من الصحابة ﵃، فلا يُعَوَّلُ عليه، بل يُقال: (السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ).
وقوله: (أيُّها النبيُّ) هذه مُنادى حُذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبيُّ، وحُذفت ياء النداء لكثرة الاستعمال والتخفيف، والبداءة بالإشارة أو بالكناية لرسول الله ﷺ.
وقوله: (أيُّها النبيُّ) يُقال: النَّبيءُ، ويقال: النَّبيُّ، أمّا إذا قيل: النبيء فهو فعيل مِن النبأ بمعنى الخَبَر، لكنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؟
بمعناهما جميعا؛ فهو منبِئ ومنبَأ، أليس كذلك؟ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]، فهو منبِئ منبَأ، هذا إذا كانت بالهمز.
وإن كانت بالتخفيف أو بالتسهيل: النَّبيُّ، فإما أن تكون أصلها مهموزًا وحُذفت الهمزة تخفيفًا، وإمَّا أن تكون من (النَّبْوَة) وهي الارتفاع، وسُمِّيَ بذلك لارتفاع رُتبته ﷺ.
ألا يمكن أن نقول: إنها (النَّبيّ) بالياء، من الأمرين جميعًا؟ من النَّبْوَة وهو الارتفاع، ولّا من النبأ وهو الخبر؟ يمكن ولّا ما يمكن؟
يمكن، وقد مر علينا مثل هذه المعاني، وذكرنا قاعدة مفيدة، وهي أن اللفظ إذا احتمل معنيين لا يتنافيان حُمل عليهما جميعًا، ولا شَكَّ أن الرسولَ ﷺ مقامُه أرفع المقامات، وأنه مُنَبَّأ ومُنْبِئ.
[ ١ / ١٢٤٥ ]
(أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) (رحمة) معطوفة على (السَّلام)؛ يعني: ورحمة الله عليك، إذن الخبر محذوف، ويجوز أن يكون مِن باب عطف المفرد على المفرد.
الرحمة إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسَّلامِ صار لها معنًى، وإن أُفردت صار لها معنى آخر، إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصُل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أُفردت شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله ﷺ بالسَّلام دعوت له بالرَّحمة؛ ليحصُل له المطلوبُ ويزول عنه المرهوب.
فإن قال قائل: لماذا بدأ بالسَّلام قبل الرحمة؟
فالجواب: أنَّ التَّخلية قبل التحلية، التحلية أيش؟ ما هي تحلية الماء، التَّحلية: ذِكْرُ الأوصاف الكاملة، والتخلية: السَّلامة من النقائص، فنبدأ بطلب السلامة أولًا، ثم بطلب الرحمة.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) بركاته: جمع بَرَكَة، وهي الخير الكثير الثَّابت؛ لأن أصلها من الْبِرْكة، والْبِرْكة ماؤها كثير، أو الإناء أكثر منها؟
طالب: البركة.
الشيخ: ماؤها كثير، ثابت ولّا متحرك؟
طالب: ثابت.
الشيخ: ثابت، هذا الأصل؛ لأن البركة وعاء كبير للماء، فما معنى البركات؟ البركات هي: النَّمَاءُ والزِّيادة، في أيش؟ في كلِّ شيء من الخير، فما هي البركات التي تعود على الرَّسول ﵊ بعد موته؟ ففي حياته معروف ممكن يُبارك له في طعامه، في شرابه، في كسوته، في أهله.
بعد موته البركة بكثرة أتباعه، وما يُتَّبع فيه، كثرة أتباعه إذا قَدَّرنا أن شخصًا أتباعه مليون رَجُل، وصار أتباعه مليونين هذه بَرَكَة ولّا لا؟ زيادة.
[ ١ / ١٢٤٦ ]
إذا قَدَّرْنا أن الأتباع يتطوَّعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة، صار في الثاني زيادة، إذن فأنا أدعو للرسول ﵊ بالبَرَكَة وهذا يستلزم دعائي بكَثْرَة أتباعه، وكَثْرَة عمل أتباعه؛ لأنّ كلَّ عمل صالح يفعلهُ أتباع الرَّسولِ ﵊ فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة.
وأقول استطرادًا: إن هذا أحد الأوجه التي يُرَدُّ بها على من يهدون ثواب القُرَب إلى رسول الله ﷺ؛ لأن بعض المحبِّين للرَّسُول ﵊ يهدون إليه القُرَب؛ يقول: أهدي للرسول ختمة، أهدي للرسول الفاتحة، الفاتحة على روح محمَّد، وما أشبه ذلك، نقول: هذا من البدع ومن الضلال، أسألك أيُّها المُهْدي للرسول عبادة، هل أنت أشدُّ حُبًّا للرسول ﵊ من أبي بكر للرسول؟
إن قال: نعم، قلنا: كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت. وإن قال: لا، قلنا: () أبو بكر، أنت الآن تنقصت أبا بكر، لماذا لم يُهْدِ أبو بكر ﵁ للرسول ﵊ ختمة ولّا فاتحة ولّا غيرها؟ فهذا بدعة، ثم هو من السفه، عملك الآن وإن لم تُهْدِ ثوابه سيكون للرَّسول ﷺ مثله، فإذا أهديت الثَّوابَ، فمعناه أنك حرمت نفسك من الثواب فقط، وإلاَّ فللرسول مثل عملك، أهديت أم لم تُهْدِ.
إذن يدخل في البركات ما تتضمنه البركة من كثرة أتباعه ومن كثرة العمل الصالح من أتباعه ولّا لا؟
(السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) نقول في السلام كما قلنا في الأول، وأما (علينا) من نحن؟ ويش تستحضر أنت إذا قلت: السلام علينا؟
طالب: المؤمنين.
الشيخ: نحن صلينا المغرب اليوم وصلينا راتبة المغرب، ما الذي استحضرتم حينما قلتم: السلام علينا؟ اصدقوني بارك الله فيكم.
طلبة: ما استحضرنا.
الشيخ: ما تستحضرون من شيء إلا أنه تشهد يقال، مفروضٌ.
[ ١ / ١٢٤٧ ]
(علينا) (نا) لا شَكَّ أنها لا يُراد بها الشخص نفسه فقط، وإنما يُراد بها الشَّخص ومَن معه، فمن الذي معه؟
قيل: المصلُّون، وقيل: الملائكة، وقيل: المراد جميع الأُمَّة المحمَّدية، علينا معشر الأمة، وهذا القول الأخير أصحُّ، علينا نحن معشر هذه الأمة، فكما دعونا لنبينا محمَّد ﵊ بالسَّلامِ ندعو أيضًا لأنفسنا بالسَّلام؛ لأننا أتباعه، وهذا هو الأصح، وبعضهم قال: (علينا) أي: على المصلين، وعلى الملائكة، لكن هذا ينتقض بما إذا صلى الإنسان وحده مفردًا، فإنه ليس معه مصلٍّ، أما الملائكة فنعم، هم مع الإنسان على كل حال.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) هذا تعميم بعد تخصيص؛ صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عباد الله الصالحين من هم؟
طلبة: كلهم.
الشيخ: كُلُّ عبدٍ صالح في السماء والأرض؛ حيّ ولّا ميِّت، من الآدميين والملائكة والجِنِّ، كل عبد صالح، إذن تعميم بعد تخصيص ولّا تخصيص بعد تعميم؟
طلبة: تعميم بعد تخصيص.
الشيخ: تعميم بعد تخصيص، والدعاء ينبغي فيه البسط.
عباد الله الصالحون هم الذين تعبَّدوا لله؛ أي: تذلَّلوا له بالطاعة امتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي، وأفضل وَصْفٍ يتَّصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله، ولهذا ذَكَرَ اللهُ وَصْفَ رسوله ﷺ بالعبودية في أعلى مقاماته ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، الإسراء والمعراج مِن أفضل ما يكون من المقامات للرسول ﷺ، قال في سورة النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، المعراج ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾.
[ ١ / ١٢٤٨ ]
وقال ذلك في مقام الدِّفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال بذلك في مقام التنزيل عليه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١].
فالحاصل: أن أشرف وصف للإنسان أن يكون عبدًا لله، أسأل الله أن يحقِّق ذلك لي ولكم، أن يكون عبدًا لله حقيقة لا عبدًا لهواه، يقول إذا سَمِعَ أَمْرَ رَبِّه: سمعنا وأطعنا، إذا سَمِعَ نهيه: سمعنا وَتَجَنَّبْنَا، هذا أشرف ما يكون للإنسان.
عباد الله الصالحون هم الذين صَلحتْ سرائرُهم وظواهرُهم، صَلحتْ السرائر والظواهر، السرائر: بإخلاص العبادة لله، والظَّواهر: بمتابعة رسول الله ﷺ.
هؤلاء هم الصَّالحون، ضِدُّ ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسَّرائر، وإما بالظَّواهر، فالمشركُ فاسدُ السَّريرة، والمبتدعُ فاسدُ الظَّاهر؛ لأنَّ بعض المبتدعة يريد الخيرَ، لكنه فاسدُ الظَّاهر، ما مشى على الطَّريق الذي رَسَمَهُ الرسولُ ﵊.
والمشركُ فاسدُ الباطن، ولو عَمِلَ عملًا ظاهرُه الصِّحة والصَّلاح فهو فاسدُ الباطن، مثل المرائي، عباد الله الصالحون إذن الذين صَلُحتْ أيش؟ سرائرُهم، بماذا؟
طالب: بالإخلاص.
الشيخ: بالإخلاص لله، وظواهرُهم بمتابعة رسول الله ﷺ.
قلت: ضد ذلك العباد الفاسدون، هل هناك عباد فاسدون لله؟
إي نعم؛ كُلُّ مَنْ في السماوات والأرض فهو عبد لله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، ومن ذلك الكفار، الكُفَّار عبيد لله، لكن عبيد بالعبودية الكونية القدرية، لا بالعبودية الشرعية.
[ ١ / ١٢٤٩ ]
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) (أشهد) الشهادة هذه أبلغ مِن قول: أُخْبِر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قَطْعٍ، كأنما يشاهد الإنسانُ بعينيه.
(أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ) جملة معترضة: يقول بعض الناس: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، (أنَّ)، أسمعها كثيرًا، أشهد أنَّ لا إله إلا الله، هذا خطأ من حيث اللغة العربية؛ لأن (أنَّ) لا تكون بمثل هذا التركيب، الذي يكون بمثل هذا التركيب ما هو؟ (أنْ) المخفَّفة مِن الثقيلة؛ لأن (أنْ) هنا مخفَّفة مِن الثقيلة ولا يمكن أن تكون هي الثقيلة، وجملة (لا إله إلا الله) في مَحلِّ رَفْعِ خبرها، واسمُها ضمير الشأن محذوف وجوبًا.
إذن النُّطقُ الصحيحُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، أما (أنَّ) فليس بصحيح.
وقوله: (لا إله إلا الله) هذه كلمةُ التوحيد التي بعثَ اللهُ بها جميعَ الرُّسلِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وبها يكون تحقيق توحيد الألوهية، وإن شئت فقل: تحقيق توحيد العِبادة، وهما بمعنى واحد، لكن يُسمَّى توحيدُ الألوهية باعتبار إضافته إلى الله، توحيد العِبادة باعتبار إضافته إلى العبد، وإلا فالمعنى واحد.
(لا إله إلا الله) أي: لا معبود حقٌّ إلا الله، لماذا فَسَّرْناها بهذا التفسير؛ لأن (إله) فِعَال بمعنى مفعول، والمألوه: هو المعبود حُبًّا وتعظيمًا، وخبر (لا) محذوف تقديره: حق، لا إله حَقٌّ إلا الله، (الله) بدل مِن الخبر المحذوف، ومعنى هذه الجملة العظيمة أنه لا معبود حقٌّ سوى الله ﷿.
[ ١ / ١٢٥٠ ]
أما المعبود وليس بحقٍّ فقد يعبد غير الله، بل قد عُبِد غير الله، عبدت الأشجار والأحجار والحيوان والشمس والقمر والنجوم والآدميون والفروج، واحد يعبد الفرج، فرج المرأة، نسأل الله العافية، وعُبِدَت البقر، البقر تُعبد، والإنسان إذا أريد أن يضرب به المثل في البلاهة ويش قال له: يا بقرة، ومع ذلك تعبد هذه البقرة، اللهم لك الحمد على كل حال، كل ما عبد من دون الله فهو باطل، وإنْ سُمِّيَ إلهًا، ولهذا قال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، ولا بطلان أعظم مِن بطلانه، وقال الله تعالى يخاطب الذين يَعْبُدون مِن دون الله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، أين ذكرت هذه؟
طلبة: في النجم.
الشيخ: في سورة النجم، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]، وليست حقائق، بل هي مجرَّد أسماء، وأما (الله) فهي علم على الرب ﷿.
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) أن محمدًا هو ابن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، بَعَثَهُ اللَّهُ ﷿ بمكَّة أمِّ القرى، وأحبّ البلاد إلى الله، وهاجر إلى المدينة، وتُوفِّي فيها ﷺ.
[ ١ / ١٢٥١ ]
(أشهد أن محمدًا عبده) لا شريكه في ملكه، فليس لرسول الله ﷺ شَرِكَة في مِلْكِ الله أبدًا، وهو بَشَرٌ مثلُنا تميَّز عنا بالوحي، وبما جَبَلَه الله عليه مِن العبادة والأخلاق، قال النَّبيُّ ﵊: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» (١٠)، وقال الله له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، ويش وظيفته؟ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال له في آية آخرى: ﴿قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]، زد على ذلك: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢]، لو أرَادَ اللَّهُ به سوءًا ما مَنَعَه أحدٌ، فهو عَبْدٌ، وهو ﷺ أحق الناس عبودية وأشدُّهم تعبدا لله، حتى إنه كان يقوم لله ﷿ حتى تتورَّمَ قدماه، فيُقال له: لقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، فيقول: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (١١)، فكان ﵊ أشد الناس عبادة لله.
يقول: (ورسولُهُ) رسوله أرسله الله ﷿ وجعله واسطة بينه وبين الخَلْق في تبليغ شرعه فقط، فهو الواسطة بيننا وبين ربنا ﷾ في العلم بشرع الله، إذْ لولا رسول الله ما عرفنا كيف نعبد الله ﷿، فكان ﵊ رسولًا مِن الله إلى الخَلْقِ، ونِعْمَ الرسول، ونِعْمَ المرسِل، ونعم المرسَل به، فالنبيُّ ﵊ هو رسولٌ مرسلٌ مِنَ الله، وهو أفضل الرُّسل، وخاتم الرُّسل، وإمام الرُّسل ﷺ، ولهذا لما جُمِعُوا له ليلة المعراج تقدَّمهم إمامًا مع أنه آخرهم ﵊.
[ ١ / ١٢٥٢ ]
نأخذ من هذين الوصفين لرسول الله ﷺ ضلالُ طائفتين ضَلَّتا فيهما، طائفة ظَنَّتْ أنَّ له حقًّا في الرُّبوبية، فصارت تدعو الرَّسولَ ﵊، وصار تعظيمُ الرسول ﷺ في قلوبها أشدَّ مِن تعظيم الله، نعوذ بالله، حتى إنه إذا ذُكِرَ الرَّسولُ اقشعرت جلودهم؛ ثم تلين كأنما ذكر الله، وإذا ذُكِرَ الله، وإذا هو كالماء البارد على جلودهم، لا يتحرَّكون، هؤلاء أشركوا بالرَّسولَ ﵊، بل جعلوه أعظم مِن الله ﷿.
الطائفة الثانية عكس هذه الطائفة، كذبت الرسول ﵊، وقالت: ليس برسول، إمَّا أنه كاذب في أصل الرِّسالة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٢٤]، وإما أنه كاذب في تعميم الرسالة، كما يقول النَّصارى الذين يداهنون المسلمين، وانخدعَ بهم بعضُ العرب، قالوا: محمدٌ رسول لكن إلى العرب فقط ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، وهم يقولون: نحن لسنا بأميين، نحن مِن بني إسرائيل مِن أهل الكتاب، وما لنا وللأميين ﴿بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ﴾ عرفتم كيف التلبيس؟ فقالوا: نؤمن بأن محمدًا رسول لكن إليكم أيها الأميون، أما نحن لا.
النصارى يقولون: رسولنا عيسى، ويَغْلُون به حتى يجعلونه إلهًا مع الله، واليهود يقولون: عيسى كاذبٌ، ابن زانية -والعياذ بالله- مقتولٌ مصلوبٌ، ونبيهم موسى، وأئمة الكفر لهم أقوال شنيعة -والعياذ بالله- في الرسل.
[ ١ / ١٢٥٣ ]
على كُل حال نقول لمن ادعى خصوصية رسالة الرَّسول ﵊ في العرب، نقول: هل تؤمن بأنه رسول؟ إذا قال: نعم، هل الرسول يكذب؟ إنْ قال: نعم، بطلت شهادتُه، الرَّسولُ ما يكذب، وإنْ قال: لا، قلنا: اقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، أما أن تُلبِّس وتأتي بآيات متشابهة فإنك أحقُّ مَنْ يدخلُ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧].
طالب: () السلام عليك يا أيها ().
الشيخ: والله الجواز يجوز، لكن الاقتصار على الوارد أفضل بلا شك.
الطالب: ما ينكر على الإخوة ..
الشيخ: لا، ينبهون.
طالب: ().
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه بعد.
طالب: فيه رواية ().
الشيخ: على كل حال إذا ثبتت فلا مانع.
طالب: () في قوله بدعاء الاستفتاح: لا معبود سواه ().
الشيخ: لا، بعض الناس يقول في الاستفتاح: ولا إله غيره ولا معبود سواه، ما حاجة؛ لأن (لا إله غيره) هي (لا معبود سواه).
طالب: ().
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ يقول: هل يجوز أن نسكن النون؟ يعني هل يجوز الإظهار في موضع الإدغام هذا المعنى، كذا؟
الطالب: نعم، أشهد أنْ لا إله إلا الله.
[ ١ / ١٢٥٤ ]
الشيخ: ما تقولون؟ نقول: يجوز ما فيه مانع؛ لأن كل علم التجويد تحسين، ما فيه شيء واجب، تحسين لفظ، وعلى هذا فيجوز أن نقول: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد ألَّا إله إلا الله، ولا نقول: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، ترى هذا خطأ من حيث اللغة، أما العوام ما نقول: إنكم أخطأتم في التوحيد، لكن في اللغة ما يصح.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، أقول: يصح الأذان بقول المؤذن: أشهد أنَّ لا إله إلا الله؟
الشيخ: يصح؛ لأن هذا خطأ ما يتغير به المعنى.
طالب: جزاك الله خيرًا، بعض العامة يقولون: إنه إن دخل المسجد النبوي يحس بسكينة أكثر لو دخل المسجد الـ ..
الشيخ: لأنه يسكن نفسه، هو يعتقد هذا، الآن ييجي يمك واحد ويسقيك ماء على العادة تشربه، وييجي يمك يقول: هذا ماء قرأ به شخص يرجى أن الله يستجيب دعاءه ويشفيك، وهو ما قربه أحد، ولا شربك () والله بحمد الله وجدت خفة، وهو ما قربه أحد، لكن النفس لها انفعال.
***
طالب: () رحمه الله تعالى: ويقول التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا التشهد الأول، ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد، ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبرًا بعد التشهد الأول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
هل هذا له مفهوم عباد الله الصالحين، أو أن الصالحين صفة كاشفة لا مفهوم لها؟
طالب: أنا أسمعها تبيانًا، وما أفهمها.
[ ١ / ١٢٥٥ ]
الشيخ: الصفة الكاشفة اللي ما لها مفهوم، التي تبين السبب والعلة وهي ليس لها مفهوم، والصفة التي لها مفهوم هي التي تقيد الموصوف.
طالب: مثل أيش؟
الشيخ: مثل ()، عباد الله -هنا- الصالحين، هل هو مقيد للموصوف الذي هو (عباد)، ولّا مُبَيِّن وكاشف بأن كل عبد فهو صالح؟
طالب: مُقيِّد.
الشيخ: مُقيِّد.
الطالب: لأنه فيه عباد الله غير صالحين.
الشيخ: لأن العباد بالمعنى العام يشمل الصالح وغير الصالح، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فإذن الصالحين صفة.
طالب: مُبيِّنة.
الشيخ: مبينة ولّا مقيِّدة؟
طلبة: مقيدة.
الشيخ: مقيدة، يخرج بها العباد الذين هم غير صالحين، كالكفار، هم عبيد لله لكنهم غير صالحين.
الصفة الكاشفة التي ليس لها مفهوم هي التي تكون كالتعليل والسبب، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ هل أحد يمكن أن يقول: هناك رب لم يخلقنا؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفة مبيِّنة كاشفة؛ يعني كالعلة لما سبق، اعبدوه؛ لأنه الذي خلقكم، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ هذه صفة كاشفة؛ يعني مبيِّنة للعلة؛ يعني كأن الربائب -لأنها في حجرك- كأنها ابنتك، ولكنه ليس لها مفهوم.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ يعني: وأما ربك غير الأعلى فلا تسبحه؟ لا، هذه صفة كاشفة، وأمثلتها كثيرة موجودة.
فعلى هذا نقول: (الصالحين) هنا صفة مقيّدة، فإن قال قائل: ما الأصل، الصفة المقيدة ولّا الكاشفة؟ فالأصل المقيدة، الأصل أن الوصف قيد في الموصوف.
قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) ما معنى لا إله إلا الله؟
[ ١ / ١٢٥٦ ]
طالب: أي لا معبود بحق إلا الله.
الشيخ: لا معبود حق إلا الله، أحسنت.
هل هناك أحد يعبد من دون الله؟ كثير.
طالب: الأحجار والأشجار وغيرها.
الشيخ: ويسمون آلهة؟
طالب: لأنهم معبودون؛ يعني يعبدون، فكل معبود فهو معبود.
الشيخ: فهو إله، ولكن يسمون آلهة وهي لا حقيقة لألوهيتها، ولهذا قالوا: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥].
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) (أشهد أن محمدًا عبده ورسوله) تضمنت الرد على طائفتين منحرفتين.
طالب: الطائفة الأولى قدموا النبي ﷺ في الرسالة، الطائفة الثانية تعميم الرسالة.
الشيخ: خطأ.
طالب: تقديس الرسول ﷺ، ثانيًا تكذيب الرسول ﷺ.
الشيخ: إي، هذا اللي قاله الأخ، إثبات الرسالة هي رد على من أنكروا رسالته.
طالب: الطائفة الأولى اعتقدت أن النبي ﷺ له حق في الربوبية، الطائفة الثانية زعمت أن النبي ﷺ ().
الشيخ: إذن رد على طائفتين؛ طائفة أنكرت رسالته إما مطلقًا أو على سبيل العموم؛ يعني أنكروها نهائيًّا، ما هو رسول، أو أنكروا عموم رسالته، هذه مأخوذة من قوله: (ورسوله)، طائفة أخرى غالت في الرسول ﵊ حتى جعلته في منزلة الربوبية، يُرَد عليهم بقوله: عبد.
هل أشرف أوصاف الرسول ﷺ أن يكون عبدًا لله؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: قول الله ﷾ في أثناء المدافعة عليه: وإن كنت ..
الشيخ: لأن الله وصفه بالعبودية في أعلى مراتبه، اذكرها.
طالب: في سورة ..
الشيخ: لا تجيب الآيات، بس اذكر المراتب اللي إحنا قلنا.
طالب: وصفه الله بمرتبة العبودية في أثناء المدافعة عليه ..
الشيخ: المدافعة عنه.
[ ١ / ١٢٥٧ ]
طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
الشيخ: هذه واحدة.
طالب: وفي أثناء وصفه تفضل عليه بالكتاب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].
الشيخ: الثالث؟
طالب: في سورة الـ ..
الشيخ: في حال الإسراء والمعراج.
طالب: في حال الإسراء أيضًا.
الشيخ: والمعراج.
طالب: نعم، قول الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].
الشيخ: المعراج؟
طالب: هو المعراج الإسراء.
الشيخ: لا، المعراج غير الإسراء.
طالب: في سورة النجم.
الشيخ: ماذا قال؟
طالب: ().
الشيخ: في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].
وأيضًا هو الرسول ﷺ، قال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (١٢)، ولذلك لا أحد في الخلق فيما نعلم قام بالعبودية، كما قام الرسول ﵊، وقال عن نفسه: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» (١٣)؛ لأنه أعلمنا به ﷾.
قال المؤلف: (هذا التشهد الأول) (هذا) المشار إليه ما ذُكِرَ مِن قوله: (التحيات)، إلى قوله: (وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله)، واعْلَمْ أن الأحاديث وَرَدَتْ في التشهُّدِ على أكثر من وَجْهٍ، فما موقفنا مِن هذه الوجوه؟
[ ١ / ١٢٥٨ ]
الجواب على هذا أن نقول: إنَّ العلماء ﵏ اختلفوا في موقفنا من هذه الوجوه، هذا بعد أن نعلم أنه لا يمكن جَمْع الذِّكْرَين في آنٍ واحدٍ، أمَّا إذا كان يُمكن أن يجمعا في آنٍ واحدٍ فجمعُهما أولى، لكن إذا لم يمكن بأن يكون هناك قرينة تدلُّ على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده كما في دعاء الاستفتاح، وكما في التشهد، فالتشهُّدُ عَلَّمَه النبيُّ ﵊ عبدَ الله بن عبَّاس، وعَلَّمَه عَبدَ الله بن مسعود، حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، وحديثُ ابن عبَّاس في مسلم، وكلاهما صحيح، وليس بينهما إلا اختلاف يسير، مما يدلُّنا على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده، وأن هذا الاختلاف اليسير مما جاءت به السُّنَّةُ.
موقفنا في هذا أقول: إن العلماء اختلفوا، فمنهم من رَجَّح ومنهم من جمع، أما من رجح فقال: أرجح ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، فأختار تشهد ابن مسعود، وأما من جمع فقال: كلاهما صحيح، ولكني أقول هذا مرة وأقول هذا مرة، وهذه الطريق أحسن من الطريق الأولى، أعني الجمع بين ما يمكن جمعه، مرة هذا ومرة هذا، وهي طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وفي سلوكها فائدة بل أكثر، ففي سلوكها تحقيق اتباع السنة، حيث عملت بالوجهين، ولو رجحت لتركت العمل بوجه من وجوه السنة.
ثانيًا: في سلوك هذه الطريقة إحياء السنة؛ لأنك إذا لم تعمل بها نسيتها، فماتت، وهذا مشاهد، الآن اسأل كثيرًا من طلبة العلم كيف تشهد عبد الله بن عباس؟ لا يدري؛ لأنه لم يعمل به فكونك تعمل به يكون فيه إحياء السنة، هاتان فائدتان، الفائدة الثالثة أنه أدعى لحضور القلب، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا راعى عند الذكر أن يختار هذا وهذا حضر قلبه، لكن إذا أمسك بوجه واحد من وجوه الذكر صار يقوله من دون شعور، كأنه عادة، وكما يقول أهل المكاين: أوتوماتيكيًّا.
[ ١ / ١٢٥٩ ]
ولذلك تجده يقرأ الفاتحة في الصلاة ما يدري ()، يمكن بدون قصد، أليس كذلك؟ فإذا كان الإنسان يحس بأنه سيفعل هذا الوجه وهذا الوجه؛ صار ذلك أدعى لحضور قلبه، فصار في سلوك هذه الطريق ثلاث فوائد.
إذن الأفضل أن نقول: ما جاءت به السنة من التشهد، أحيانًا هذا وأحيانًا هذا، حتى نحفظ السنة.
يقول: (هذا التشهد الأول ثم يقول) (ثم يقول) في أي تشهد؟ في التشهد الأخير؛ لأن المؤلف لما فصل وقال: (ثم يقول) دلّ على أن ما يُقال بعد (ثم) لا يُقال في التشهد الأول، وعلى هذا فلا يُستحب أن تصلي على النبي في التشهُّد الأوَّل، لا يستحب، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلِّف، وهو ظاهرُ السُّنَّة؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يُعلِّم ابنَ مسعود وابنَ عباس إلا هذا التشهُّد فقط، وقال ابنُ مسعود: كُنَّا نقولُ قبلَ أن يُفرضَ علينا التشهُّد، وذكر التشهد الأول فقط، ولم يَذكرِ الصَّلاةَ على النبيِّ ﷺ.
وعلى هذا فلا يُسَنّ أن يصلي الإنسان على النبي ﷺ في التشهد الأول؛ لأنه لو كان سُنَّةً لكان الرسول ﵊ يعلِّمهم إيَّاه في التشهُّدِ.
وأما قولهم: يا رسولَ الله، علِمْنَا كيف نسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك إذا نحن صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟ (١٤)، فهو سؤال عن الكيفيَّة وليس فيه ذِكْرُ الموضع، وفَرْقٌ بين أن يُعَيَّنَ الموضع أو تُبَيَّنَ الكيفيَّة، ولهذا قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: كان من هدي النبيِّ ﷺ تخفيف هذا التشهد، ثم ذكر الحديث أنه كان كأنما يجلس على الرضف -يعني الحجارة المحماة- من شدة تعجيله (١٥).
[ ١ / ١٢٦٠ ]
وهذا الحديث وإن كان في سنده نظر، لكن هو ظاهر السنة؛ أي أنه لا يزيد على هذا، وأظنه في صحيح ابن خزيمة: أن الرسول ﷺ كان يتشهد في هذا الجلوس ولا يَدْعو (١٦)، وقوله: لا يَدْعُو يشمل الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ، والدعاء بالتعوذ من عذاب جهنم وعذاب القبر.
ومع ذلك لو أن أحدًا مِن النَّاس صَلَّى على النبيِّ ﷺ في هذا الموضع ما أنكرنا عليه، لكن لو سألنا أيُّما أحسن؟ قلنا: الاقتصار على التشهُّدِ فقط، ولكن لو أنه صَلَّى فلا يؤمر بالإعادة أو ينْهَ عن هذا الشيء؛ لأنه زيادة خير، وفيه احتمال -وإن كان ضعيفًا- أنه يصلى عليه في هذا المكان.
ثم يقول: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
قال: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) (اللهم) معناها: يا الله، لكن حُذفت منها ياء النداء، وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلت الميم في الآخر تيمُّنًا بالبداءة باسم الله ﷿، وكانت ميمًا ولم تكن جيمًا ولا حاءً ولا خاءً؛ لأن الميم أدلُّ على الجَمْعِ، ولهذا تجتمع الشفتان فيها، فكأن الدَّاعي جمع قَلْبَه على رَبِّه ودعا، فقال: اللَّهُمَّ.
وعليه فنعرب (اللهم) نقول: (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب، ومعنى (الله): أي: ذو الألوهية، الذي يَأْلَهُهُ كل من تعبد له ﷾.
(صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) قوله: (صَلِّ على محمد)، قيل: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء.
فإذا قالوا: صلت عليه الملائكة؛ يعني: استغفرت له، وإذا قال: صلى عليه الخطيب؛ يعني: دعا له، وإذا قيل: صلى عليه الله؛ يعني: رحمه.
[ ١ / ١٢٦١ ]
وهذا مشهور بين أهل العلم، لكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الصلاة أخص من الرحمة، ولذا أجمع المسلمون على جواز الدعاء بالرحمة لكل مؤمن، واختلفوا: هل يصلى على غير الأنبياء؟ ولو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لم يكن بينهما فرق، لكان كما ندعو لفلان بالرحمة نصلي عليه.
وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، فعطف الرحمة على الصلوات، والعطف يقتضي المغايرة، فتبين بدلالة الآية الكريمة واستعمال العلماء ﵏ للصلاة في موضع والرحمة في موضع على أن الصلاة ليست هي الرحمة.
إذن فما هي؟ أحسن ما قيل فيها ما ذكره أبو العالية ﵀: أن صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، (اللهم صَلِّ عليه): أثنِ عليه في الملأ الأعلى.
فإذا قال قائل: هذا بعيد من اشتقاق اللفظ، الصلاة في اللغة الدعاء ليست الثناء.
فالجواب على هذا: أن الصلاة أيضًا من الصلة، ولا شك أن الثناء على رسول الله ﷺ في الملأ الأعلى من أعظم الصلات؛ لأن الثناء على الإنسان قد يكون أحيانًا أهم عند الإنسان من كل مال، فالذكرى الحسنة صلة عظيمة.
وعلى هذا؛ فالقول الراجح: أن الصلاة تعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى، فأنت إذا قلت: اللهم صَلِّ على محمد؛ أي: أثن عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين.
وقوله: (على محمد) قد يقول قائل: لماذا لم يقل: على النبي، أو: على نبيك محمد، وإنما ذكره باسمه العلم فقط، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]؟
فالجواب: أن هذا من باب الخبر، والخبر أوسع من الدعاء؛ يعني أوسع من أن تدعوه باسمه، فجاز أن يكون بلفظ محمد.
[ ١ / ١٢٦٢ ]
(وعلى آل محمد) يعني: وصل على آل محمد، وآل محمد قيل: إنهم أتباعه على دينه؛ لأن آل الشخص كل من ينتمي إلى الشخص، كل من ينتمي إليك فهو من آلك، سواء انتمى إليك بنسب، أو انتمى إليك بحمية ومعاهدة وموالاة، أو انتمى إليك باتباع، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، فيكون (آله) هم أتباعه على دينه.
وقيل: آل النبي ﷺ القرابة، والقائل بذلك خَصَّ القرابة بالمؤمنين؛ يعني المؤمنين من قرابته ﷺ، فخرج بذلك سائر الناس، وخرج بذلك كل من كان كافرًا من قرابة النبي ﷺ، فيقول هذا القائل: آله المؤمنون من قرابته، ولكن الصحيح الأول، وأن الآل هم الأتباع، نعم لو قُرِن (الآل) بغيره فقيل: على محمد وآله وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته.
(وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم) (كما صليت) الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل، ولننظر فأكثر العلماء يقولون: إنها للتشبيه، وهؤلاء فتحوا على أنفسهم إيرادًا يحتاجون إلى الجواب عنه، وذلك لأن القاعدة أن المُشَبّه دون المُشَبّه به، وعلى هذا؛ فأنت سألت الله صلاة دون الصلاة على آل إبراهيم.
وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إنك حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما بارَكْتَ على آلِ ابراهيمَ إنك حَميدٌ مَجيدٌ " ويَستعيذُ من عذابِ جَهنَّمَ وعذابِ القَبْرِ وفِتنةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ وفِتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ،
قَرابته ﷺ، فخرج بذلك سائرُ الناس، وخرج بذلك كلُّ مَن كان كافرًا من قرابة النبي ﷺ، فيقول هذا القائل: آلُهُ: المؤمنون من قرابته. ولكن الصحيح الأوَّل وأنَّ الآلَ هم الأتباع، نعم لو قُرن الآلُ بغيره فقيل: على محمدٍ وآلِهِ وأتباعِه، صار المراد بالآلِ المؤمنين من قرابته.
[ ١ / ١٢٦٣ ]
(وعلى آلِ محمدٍ كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم).
(كما صلَّيْتَ) الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل؟ ولننظر، فأكثر العلماء يقولون: إنها للتشبيه، وهؤلاء فتحوا على أنفسهم إيرادًا يحتاجون إلى الجواب عنه، وذلك لأن القاعدة أنَّ المشبَّه دون المشبَّه به، وعلى هذا فأنت سألتَ اللهَ صلاةً على محمدٍ وآله دون الصلاة على آل إبراهيم، ومعلومٌ أنَّ محمدًا وآلَه أفضلُ من إبراهيم وآلِه، فلذلك حَصَل الإشكالُ؛ لأن هذا يُعارِض القاعدةَ المتَّفقَ عليها وهي أنَّ المشبَّه أدنى من المشبَّه به.
وأجابوا عن ذلك بأجوبة منها: أن آل إبراهيم يدخل فيهم محمَّدٌ ﵊ لأنه من آلِه؛ فإبراهيم أبوه، فكأنه سُئل للرسول ﵊ الصلاةُ مرَّتين: مرَّةً باعتبار الخصوص (اللهم صَلِّ على محمَّد)، ومرَّة باعتبار العموم (كما صَلَّيتَ على آل إبراهيم)، ولكن هذا جوابٌ فيه شيءٌ، وليس بواضح.
والقول الثاني: أنَّ الكاف للتعليل، وأنَّ هذا من باب التوسُّل بفِعْل الله السابق إلى فِعْل اللاحِقِ؛ يعني: كما أنك سبحانك سَبَقَ الفضلُ منك على آل إبراهيم فأَلْحِق الفضل منك على محمدٍ وآلِه. وهذا لا يلزم أن يكون هناك مشبَّهٌ ومشبَّهٌ به.
فإنْ قال قائل: وهلْ تأتي الكافُ للتعليل؟
قلنا: نعم، تأتي للتعليل، استمعْ إليها من كلام العلماء واستمعْ إلى مثالها؛ قال ابن مالك:
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ
يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ
فأفاد بقوله: (وبها التعليلُ قد يُعنَى) أنه قد يُقصَد بها التعليل.
وأمَّا المثالُ فكقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]؛ فإن الكاف هنا للتعليل، معلِّلةٌ لِمَا سَبَقَ.
[ ١ / ١٢٦٤ ]
مثالٌ آخر: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي: لهدايتكم. وإنْ كان يجوز فيها التشبيهُ؛ يعني: واذكروه الذِّكْرَ الذي هداكم إليه.
فهذا الوجه -أعني أنَّ الكاف في قوله: (كما صَلَّيْتَ) للتعليل- من باب التوسل بالفعل السابق إلى تحقيق الفعل اللاحق، هذا هو الوجْه الأصحُّ الذي لا يَرِدُ عليه إشكال.
طالب: في التشهد الأول إذا أطالَ الإمام؟
الشيخ: إذا أطالَ الإمام في التشهد الأول فلا بأس أن تستمرَّ.
الطالب: يُعيد ولَّا يستمِرُّ؟
الشيخ: لا، يستمِرُّ، وبعض العلماء يقول: يُعيد. ولكنْ إذا استمرَّ فلا حرج.
الطالب: ولا يسكت؟
الشيخ: لا، ما يسكت.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، والذين قالوا: إنه نصلي على النبي بعد التشهد. أقول: بِمَ استدلُّوا، أحسن الله إليك؟
الشيخ: استدلُّوا بقولهم: يا رسول الله، علِمْنا كيف نُسَلِّم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك إذا صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ » (١).
طالب: ما استدلُّوا بإتيان الصلاة تابعةً للشهادة، فكأنك إذا شهدتَ له بالرسالة كأنك تصلِّي عليه؟
الشيخ: لا، هذا ما هو مطَّرد.
طالب: () اللهم صلِّ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ().
الشيخ: كما صلَّيتَ على إبراهيم.
الطالب: وعلى آل إبراهيم.
الشيخ: إي، قلنا: نبغي نبحث إن شاء الله.
طالب: ويُستثنى منه يا شيخ () حديث التشهد ابن مسعود قال: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْكَلَامِ مَا شَاءَ» (٢).
الشيخ: من الدعاء، هذا في الأخير.
***
() نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف: إنه يسجد على سبعة أعضاء، فما هي هذه الأعضاء؟
طالب: اليدان ثم الركبتان ثم ().
الشيخ: يداه أولًا، ثم ركبتاه ..
طالب: رِجلاه ثم ركبتاه؛ أربعة، ثم يداه، ثم الجبهة معهم.
الشيخ: كيف يقول: يسجد على رِجليه، وهو لا يزال قائمًا على رِجليه؟
[ ١ / ١٢٦٥ ]
الطالب: يعني في حال سجوده قد يرفعهما، قال المؤلف توكيدًا على أنه يضعهما على الأرض.
الشيخ: طيب، وأيضًا السجود على القدمين ليس كالوقوف عليهما؛ الوقوفُ على بطونهما، والسجودُ على أطراف القدمينِ.
ما هو الدليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة؟
طالب: قول النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» (٣).
الشيخ: كمِّل.
الطالب: الرِّجْلينِ؟
الشيخ: لا.
الطالب: الأنف؟
الشيخ: لا، لفظ الحديث.
طالب: الجبهة مع الأنف؟
الشيخ: لا.
الطالب: الكفَّينِ، والركبتينِ، والجبهة مع الأنف، وأطراف القدمينِ.
الشيخ: لا، ما هو هذا لفظ الحديث، هذا معناه، لكنْ نودُّه باللفظ أحسن.
طالب: الجبهة -وأشار النبي ﷺ إلى أنفه- والكفَّينِ، والركبتينِ، وأطراف القدمينِ.
الشيخ: لماذا أشار النبي ﷺ إلى أنْفه ولم يَعُدَّه عضوًا مستقلًّا؟
طالب: لأن الأنف تابعٌ للجبهةِ؛ فأشار إليه باعتبار أنه عَظْمٌ واحد.
الشيخ: فأشار إليه لئلَّا يظُنَّ الظانُّ أن المراد الجبهة فقط، ولم يعدَّه عضوًا مستقِلًّا لأنه تابعٌ للجبهة.
ما الحكمة في أن الإنسان يقول في السجود: سبحان ربي الأعلى؟
طالب: لأن السجود أذلُّ هيئةٍ يفعلها الإنسان بين يديْ ربِّه ﷿ في عبادته.
الشيخ: وهو تطامُنٌ؛ لأنه وَضَعَ أعالي البَدَن ..
الطالب: أسْبَقَ ما في بدنه على الأرض، () يقول: سبحان ربي الأعلى.
الشيخ: نعم، هل لهذا نظيرٌ من السُّنة؛ وهو أنَّ الإنسان إذا كان في سُفولٍ فإنه يسبِّح الله.
طالب: نعم، كان الصحابة ﵃ إذا هَبَطوا واديًا كانوا يسبِّحون الله ﷾، وإذا صعدوا الجبلَ يُكبِّرون.
الشيخ: طيب، (التسبيح) ما معناه أولًا؟ وعن ماذا يكون؟
طالب: التسبيح هو تنزيهُ اللهِ ﷾ عن النقائص، فيكون في () عن مماثلة المخلوقين، وعن النقص التامِّ، وعن النقص في صفاته.
[ ١ / ١٢٦٦ ]
الشيخ: صح، النقص في كماله.
لو قال قائلٌ: للهِ وجْهٌ كوجهِ أحسن المخلوقات.
طالب: هذا ليس صحيحًا.
الشيخ: حرام؟
الطالب: هذا قولٌ باطلٌ؛ لأنه اقتضى من قوله هذا التشبيهَ.
الشيخ: يعني هلْ مَن قال هذا يُعتبر مسبِّحًا لله؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه مَثَّله بالناقص، وتمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
لو قال: إن الله ﷾ خَلَق السماواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيامٍ ثم استراحَ، هل يكون مسبِّحًا لله؟
طالب: لا يكون مسبِّحًا لله.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه أوَّلًا: كذَّبَ النصَّ الواردَ في هذا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]؛ نفى اللهُ ﷿ عن نفْسِه التعبَ. ثانيًا: أنه قال: إنَّ الله ﷿ ناقصٌ في هذه الصفة. فأثبتَ النقصَ لله في هذه الصفة.
الشيخ: هذا نقص في كماله.
الطالب: في كماله، نعم.
الشيخ: لو قال قائلٌ: إن الله -﷾- يمكن أن يموت؟
طالب: لا يجوز ذلك.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الله ﷾ ..
الشيخ: حيٌّ لا يموت.
الطالب: حيٌّ لا يموت، ().
الشيخ: لا، والموت نقص ولَّا لا؟
الطالب: طبعًا نقص؛ لأنه من صفات المخلوقين أولًا.
الشيخ: نعم، هو نقص، ما فيه شك.
الطالب: () محدود للإنس والجن.
الشيخ: نعم، صحيح، إذَنْ هذا القسم الثالث: تنزيهه عن النقص، والثاني: نقصٌ في الكمال، والأول: نقصٌ في مماثلة المخلوقين.
لو قال لنا قائل: هل الله خَلَق نفسَه؟
طالب: يُقال: هذه أمورٌ غيبيَّة نسكت عنها، أمورٌ غيبيَّة ندركها ولا تمنع ().
الشيخ: كفى، كفى، لا.
الطالب: ().
الشيخ: ما يصير هذا.
الطالب: () أن الله خلق نفسه لا شك أنه ليس ().
طالب: ننفي هذا يا شيخ؛ لأن هذا نقْصٌ.
الشيخ: نقْص، ما فيه شك.
طالب: نقول: استعِذْ بالله من الشيطان الرجيم، نأمره بالاستعاذة، هذا من الشيطان.
[ ١ / ١٢٦٧ ]
الشيخ: نقول: هذا من الشيطان، ولا يمكن أن يَرِدَ هذا؛ هو الأول الذي ليس قَبْله شيءٌ، كيف يكون خَلَق نفْسَه؟ !
طالب: ().
الشيخ: هو خَلَقَ كلَّ شيءٍ، وهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، ولهذا قال النبي ﵊: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟» (٤)، وعند ذلك يجب على الإنسان أنْ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأنْ يعلم أن الله هو الأوَّلُ الذي ليس قبله شيءٌ، والآخرُ الذي ليس بعده شيء.
ما تقول في رجُلٍ سَجَدَ على يَدِهِ، هل يصحُّ سجوده؟
طالب: ما يصحُّ؛ لأنه فيه استثناء؛ قال: (ليس من أعضاء السجود)، واليد من أعضاء السجود.
الشيخ: تقول: لا يصح.
الطالب: () لم يسجدْ () السابع () «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» () على يديه فلا يُعتبر صحيحًا.
الشيخ: لأن ظاهر الحديث سبعة أعضاء، لا بد كلّ عضو وحدَه، والمؤلف استثنى هذا.
ماذا يقول بين السجدتينِ؟
طالب: اللهم اغفرْ لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وارحمني. خمس.
الشيخ: أعِدْ، ربِّ اغفرْ لي.
الطالب: ربِّ اغفرْ لي، وارحمني، واهدني، واجبُرني.
الشيخ: ما معنى المغفرة؟
الطالب: المغفرة لنا أنه يغفر الذنوبَ اللهُ ﷾.
الشيخ: إي، ويش معنى (يغفر الذنوب)؟ أنت تقولها في كلِّ صلاة الآن.
الطالب: ربنا اغفرْ لي، يا ربِّ اغفرْ لي، يا رب.
الشيخ: إي، لكنْ ويش معنى (اغفر لي)؟ أنت تسألُ اللهَ شيئًا لا تدري ويش معناه؟
الطالب: اغفرْ لي الذنوب.
الشيخ: إي، ويش معنى (اغفر لي)؟
الطالب: يعني: امسح الذنوب.
الشيخ: واللهِ غريب، هل يُعقل واحد يدعو الله بشيءٍ لا يدري ويش معناه؟ !
الطالب: يمسح ذنوبي، ربنا يغفر لك ذنوبك.
الشيخ: معناه؟
طالب: المغفرة هي ستر الذنب ().
[ ١ / ١٢٦٨ ]
الشيخ: إي نعم، وهذه دائمًا تمرُّ علينا؛ أنَّ المغفرةَ سترُ الذنبِ عن الخَلْقِ والتجاوزُ عن العقاب، ومرَّ علينا وجْهُ مناسبةِ هذا المعنى لِلَّفْظِ؛ لأنه مأخوذٌ من المِغْفَر الذي يوضع على رأسِ الإنسانِ عند الحرب ليستتر به من السهام ويَقِيه.
***
يقول: (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).
(بَارِكْ) فِعْل دعاءٍ كما هو معروفٌ؛ لأنه موجَّهٌ من المخلوق إلى الخالق، وما وردَ بصيغة الأمر موجَّهًا من المخلوق إلى الخالق فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق.
ومعنى (بارِكْ على محمَّدٍ) أي: أَنْزِل البَرَكة عليه، ولهذا جاءتْ متعدِّيةً بـ (على) دون اللام، (عليه)؛ أي: أَنْزِل عليه البَرَكة.
والبَرَكة: مأخوذة من البِرْكة، وهي مجتمَع الماء، ولا يكون إلَّا على وَجْهِ الكثرةِ والقرارِ والثُّبوتِ، وعليه فالبَرَكة كثرةُ الخيراتِ ودوامُها واستمرارُها، ويشمَلُ البَرَكةَ في العمل والبَرَكةَ في الأَثَر؛ أمَّا البَرَكة في العمل فأنْ يُوفِّق اللهُ الإنسانَ لعملٍ لا يُوفَّق له مَن نُزِعَتْ منه البَرَكة، وأمَّا الأَثَر بأنْ يكون لعملِه آثارٌ جليلةٌ نافعةٌ ينتفع بها الناس.
ولا شكَّ أنَّ بَرَكة النبيِّ ﵊ أنه لا نظيرَ لها، وذلك لأنَّ أمَّته أكثرُ الأُمَم، ولأنَّ اجتهادهم في الخير أكثرُ من اجتهادِ غيرهم، فبُورِكَ له ﵊ فيمن اتَّبعَه، وبُورِكَ له في عَمَلِ من اتَّبعَه.
وقوله: (وعلى آلِ محمَّدٍ) سَبَقَ لنا أنَّ الآل إذا أُفرِدتْ تشمَلُ جميعَ الأتباعِ، فالمرادُ بآله أتباعُه، وسَبَقَ لنا الشَّاهدُ من كون الآل بمعنى الأتباع، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ يعني أتباعه.
[ ١ / ١٢٦٩ ]
أمَّا إذا قُرِنَت الآلُ بالأصحابِ والأتباعِ صار المرادُ بها المؤمنين من قرابتِه، ولا عَجَبَ أن يكون لِلَّفْظِ معنًى عند الانفراد ومعنًى عند الاقتران؛ فالمسكينُ -مَثَلًا- والفقيرُ بمعنى واحدٍ عند الانفراد، ولكُلِّ واحدٍ منهما معنًى عند الاقترانِ والاجتماعِ، البِرُّ والتقوى كذلك؛ لكُلِّ واحدةٍ منهما معنًى عند الاقتران ويتَّفق معناهما عند الافتراق.
الآن (الآلُ) إذا اقترنتْ بالأصحابِ والأتباعِ صار المرادُ بها المؤمنين من قَرابةِ النبي ﷺ، وهُم بنو هاشمٍ ومَن تفرَّع منهم؛ لأن (الآل) يشمَلُ إلى الجَدِّ الرابع، وأمَّا إذا أُفردَتْ فهي كما قلنا هنا: إن المراد بها أتباعه على دينه.
(كما باركتَ على آلِ إبراهيم) الكاف هنا -على القول الذي رجَّحْناه فيما مضى في قوله: (كما صَلَّيتَ) - للتَّعليل، وعلى هذا فيكون ذِكْرُها من باب التوسُّلِ بفِعْلِ الله السَّابق إلى فِعْله اللاحق؛ كأنك تقول: كما أنَّك يا ربِّ قد تفضَّلتَ على آلِ إبراهيم وباركْتَ عليهم فبارِكْ على آلِ محمَّد.
وقوله: (إنك حميدٌ مجيدٌ) الجملة هذه استئنافية تفيد التعليل؛ يعني: دعوناك يا ربِّ بهذا الدعاء لأنك حميدٌ مجيدٌ.
(الحميد) فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ وبمعنى مفعولٍ، فهو حامدٌ ومحمودٌ، حامد لِمَنْ؟ حامدٌ لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمودٌ يُحْمَدُ ﷿ على ما له من صفاتِ الكمال وجزيلِ الإنعام، يُحمد على الأمْرينِ، فهو لكماله يُحمد ولإنعامه يُحمد أيضًا.
[ ١ / ١٢٧٠ ]
وأمَّا (المجيد) فهي فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ؛ أي: ذو المجد، والمجدُ هو العظمةُ والقُوَّة، ويُقال: في كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ. هذا مَثَلٌ مشهورٌ عند العرب، المَرْخُ والعَفَارُ نوعانِ من الشَّجرِ في الحجاز معروفان، يعني أنها أسرعُ الشَّجَرِ انقداحًا إذا ضُرِبتْ بالزَّنْدِ، وإلَّا ففي كُلِّ الأشجار نارٌ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] المهمُّ أن المجيد معناه ذو المجد، وهي العَظَمةُ وكمالُ السلْطان.
***
ثم قال: (ويستعيذُ بالله من عذابِ جهنَّمَ ومن عذابِ القبرِ) إلى آخره.
قال: (ويستعيذ)، فيقول: أعوذُ بالله من عذابِ جهنَّم، والعِياذُ هو الالتجاءُ مِن مكروهٍ أو الاعتصامُ مِن مكروهٍ؛ يعني: أن تعتصم بالله من المكروه. واللِّياذ: أن تلجأ إليه لحصول المطلوب، كما قال الشاعرُ:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ
وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ
وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
فجعلَ اللِّياذَ فيما يُؤمَّل، والعِياذَ فيما يُحذَرُ؛ أي مِن الأشياء المكروهة.
وقوله: (من عذاب جهنم) أي: العذاب الحاصل منها، فالإضافة هنا على تقدير (مِنْ)، فهي جنسيَّة؛ كما تقول: خاتمُ حديدٍ؛ أي: خاتمٌ مِن حديدٍ. ويحتمل أن تكون الإضافة على تقدير (في) أي: عذاب في جهنَّم؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [سبأ: ٣٣] أي: مكرٌ في الليل، والإضافة -كما تعرفون- تأتي على تقدير (مِن)، وعلى تقدير (في)، وعلى تقدير (اللام) وهي الأكثر.
[ ١ / ١٢٧١ ]
(من عذاب جهنم). (جهنَّم) عَلَمٌ على النَّارِ التي أعدَّها الله ﷿ للكافرين؛ ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وهذه النَّار وَرَدَ من صفاتِها وصفاتِ العذاب فيها في الكتاب والسُّنَّة ما تقْشَعِرُّ منه الجلودُ، والبحث فيها من عِدَّة وجوهٍ:
الوجه الأول: هل هي موجودةٌ الآن أو ليستْ بموجودة؟
الجواب: موجودةٌ؛ لأن النبيَّ ﷺ عُرِضتْ عليه النَّارُ في صلاة الكسوف وهو يُصلِّي بالنَّاسِ، وكذلك في المعراج رأى النَّارَ أيضًا، والقرآن يدلُّ على ذلك أيضًا كما قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] والإعداد بمعنى التهيئة، والفعل كما تعرفونه ماضٍ، فيقتضي أن الإعداد حاصلٌ الآن.
البحث الثاني: هلْ هي مؤبَّدةٌ أو مؤمَّدةٌ؛ يعني: هلْ تفنى أو هي دائمة أبدَ الآبدينَ؟
الثاني هو المتعيِّن قطعًا أنها مؤبَّدة، ولا يكاد يُعرف عند السَّلفِ سوى هذا القول، ولهذا جَعَله العلماء من عقائدهم؛ من العقيدة أن تؤمِنَ وتعتقد بأن النار مؤبَّدة أبدَ الآبدينَ، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به لا شكَّ فيه؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٩) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، والثاني في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٥) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، والثالث في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، ولو ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ التأبيد في موضعٍ واحدٍ من القرآن لكفى، فكيف وهو قد ذَكَرَه في ثلاثة مواضع.
[ ١ / ١٢٧٢ ]
ومن العجب أن فِئةً قليلةً من العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناءً على عِلَلٍ عليلةٍ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسُّنَّة، وحَرَّفوا من أجْلها الكتابَ والسُّنَّةَ فقالوا: إن ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ما دامتْ موجودةً. كيف هذا! إذا كانوا خالدين فيها أبدًا لَزِمَ أن تكون هي مؤبَّدةٌ؛ ﴿فِيهَا﴾ فهي كائنةٌ، هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسانُ خالدًا مؤبَّدًا تخليدُهُ لَزِمَ أنْ يكون مكانُ الخُلود مؤبَّدًا؛ لأنه لو فَنِيَ مكانُ الخلود ما صَحَّ تأبيدُ الخُلود.
والآيةُ واضحةٌ جدًّا، والتعليلاتُ الباردةُ المخالفةُ للنصِّ مردودةٌ على صاحبها، ولهذا الخلافُ الذي ذُكِرَ عن فِئةٍ قليلةٍ من أهل العلم خلافٌ مُطَّرَحٌ؛ لأنه مخالفٌ للنصِّ الصَّريح الذي يجب على كُلِّ مؤمنٍ أن يعتقده، ومَنْ خالَفه لشُبْهةٍ قامت عنده فيُعْذَر عند الله، لكن مَن تأمَّل نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ عَرَفَ أنها مؤبَّدةٌ، والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عُمرَه في محاربةِ الله ﷿ ومعصيةِ الله والكفرِ به وتكذيبِ رُسُله، كلَّ عُمرِه، مع أنه جاءه النذيرُ، وأُعْذِرَ، وبُيِّنَ له الحقُّ، ودُعِيَ إليه، وقُوتِلَ عليه، وأصرَّ على الكفر والباطل، كيف نقول: إنَّ هذا لا يؤبَّد عذابُه! والآيات في هذا صريحةٌ، فالحكمة تقتضي هذا لأن عُمرَه كلَّه الذي أُجرِيَ فيه في الدنيا أمضاه في الكفر والتكذيب والاستكبار.
البحث الثالث: هلْ عذابها حقيقيٌّ يُؤلِم، أو أنَّ أهلَها يكونون فيها كأنهم حِجارةٌ لا يتألَّمون لأنهم يأخذون مناعةً كما يُقال؟
[ ١ / ١٢٧٣ ]
يتعيَّنُ الأول أيضًا، ومَنْ قال خِلافَ ذلك فقد أخطأ وأَبْعَدَ النَّجْعَة، فهُم يُعَذَّبون ويألمون ألَمًا عظيمًا شديدًا كما قال تعالى في عِدَّة آيات: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، حتى إنهم يتمنَّون الموتَ، والذي يتمنَّى الموت هل يُقال: إنه يتألَّم، أو: إنه تأقْلَمَ؟ لو تأقْلَمَ ما تألَّمَ ولا دعا اللهَ أنْ يقضيَ عليه؛ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
[ ١ / ١٢٧٤ ]
إذَنْ هم يتألَّمون بلا شَكٍّ، والحرارةُ الناريةُ تؤثِّر عليهم، تؤثِّر على أبدانهم ظاهرِها وباطنِها؛ قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، وهذا واضحٌ أنَّ ظاهر أبدانهم يتألَّم وينضج، يمور، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، والشيُّ معروف، شَيُّ الوجهِ واللَّحم وما أشْبَهَ ذلك معروفٌ، فهُم إذا استغاثوا يُغاثوا بماءٍ كالْمُهلِ بعد مُدَّةٍ طويلة، هذا الماء إذا أقْبَلَ على وجوههم شواها وتساقطتْ والعياذُ بالله، فإذا شَرِبوه قَطَّعَ أمعاءَهم؛ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وهذا عذابُ الباطن ولَّا الظاهر؟ هذا عذابُ الباطنِ، يُقطِّع الأمعاءَ من الداخل، وقال النبيُّ ﵊ في أهونِ أهلِ النَّارِ عذابًا: «إِنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» (٥). أعوذ بالله، الدِّماغ يَغْلي، فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النَّعْلَينِ، وهذا دليلٌ واضحٌ على أنَّهم يتألَّمون وأنَّ هذه النارَ تؤثِّر فيهم، وكذلك قال تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] الْمُحرِق، والآياتُ في هذا والأحاديثُ كثيرة.
البحث الرابع: هل هناك نارانِ: نارٌ لأهل الكُفر، ونارٌ لأهل التوحيد الذين يُعذَّبون فيها ثم يخرجون؟
[ ١ / ١٢٧٥ ]
زَعَمَ بعضُ العلماء ذلك وقال: إنَّ النَّارَ نارانِ: نارٌ لأهل الكُفر، ونارٌ لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فَرْقٌ. ولكن هذا لا أعلمُ له دليلًا لا من القرآنِ ولا من السُّنَّةِ، والذي أعلمُه أنَّ النَّار واحدةٌ لا تختلف، لكن عذابها يختلفُ؛ لا شَكَّ أنَّها على عُصاةِ المؤمنينَ ليستْ هي على الكافرين؛ بلا شكٍّ أنها تختلف.
وكوننا نقول بالتقسيم بناءً على استبعادِ عقولنا أن تكون نارٌ واحدةٌ تؤثِّر تأثيرَيْنِ مختلفَيْنِ، هذا الاستبعادُ لا وَجْهَ له:
أولًا: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل النَّارَ الواحدة لشخصٍ سلامًا ولآخرَ عذابًا.
وثانيًا: أن أحوال الآخرة لا تُقاس بأحوال الدنيا أبدًا لظهور الفَرْقِ العظيم بينهما، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرةِ بأحوال الدُّنيا لتنفي ما لا يتَّسعُ له عقلُك، بلْ عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تُسَلِّم وتقْبل وتُصدِّق.
أليستْ هذه الشمسُ تدنو من الخلائق قَدْرَ ميلٍ يوم القيامة، ولو كانت أحوالُ النَّاسِ يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتْهم؛ لأنَّ هذه الشمسَ الآن في أوْجِهَا لو أنها نزلتْ ولو يسيرًا أحرقتِ الأرضَ، مَحَتْهَا عن آخرها، ونحن نحسُّ بحرارتها الآن وبيننا وبينها مسافاتٌ عظيمةٌ، ونحسُّ بحرارتها لا سيَّما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميلٍ ولا يحترقون بها.
كذلك أيضًا في يوم القيامة؛ الناسُ في مقامٍ واحدٍ، المؤمنون لهم نورٌ يسعى بين أيديهم وبأيمانهمْ والكُفَّارُ في ظُلْمَةٍ، لكنْ في الدنيا لو كان جانبك واحدٌ على يمينه نورٌ وبين يديه نورٌ تنتفع ولَّا ما تنتفع؟ تنتفع، في الآخرة لا.
[ ١ / ١٢٧٦ ]
في الآخرة أيضًا يكون العَرَق؛ يَعرقُ النَّاسُ، فيختلف العَرَقُ اختلافًا عظيمًا بينهم وهُمْ في مكانٍ واحدٍ، مِن النَّاسِ مَن يَصِلُ العَرَقُ إلى كعبيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى ركبتيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهم مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ، وهُم في مكانٍ واحدٍ.
فالمهمُّ أنه لا يجوز أن نقيسَ أحوالَ الآخرة بأحوال الدُّنيا، ثم نذهبَ ونُحدِثَ أشياء لم تأتِ في الكتاب والسُّنَّة كتقسيم النَّارِ إلى نارَيْنِ: نارٍ للعُصَاةِ، ونارٍ للكافرين. فالذي بَلَغَنا ووصل إليه عِلْمُنا أنها نارٌ واحدةٌ لكنها تختلف.
البحث الخامس: أين النارُ الآن؟ إحنا أثبتْنا أنها موجودةٌ، فأين هي؛ أفي السماء أمْ في الأرض؟
نقول: هي في الأرض، ولكنْ قال بعضُ أهل العِلْم: إنَّها هي البحار هذه. وقال آخرون: بل هي في باطن الأرض. والذي يظهر أنَّها في الأرض، ولكنْ ما ندري أين هي مِن الأرض، نؤمنُ بأنها في الأرض ليستْ في السماء، ولكنْ لا نعلم في أيِّ مكانٍ هي على وَجْهِ التعيين.
البحث السادس: هل النارُ (جهنَّم) لها أسماء متعدِّدةٌ أو اسمٌ واحد؟
الجواب: لها أسماء متعدِّدة، وهذا التعدُّد في الأسماء لاختلاف صفاتها؛ فتُسمَّى الجحيم، وتُسمَّى جهنَّم، وتُسمَّى لَظَى، وتُسمَّى السَّعير، بحسب اختلاف الصفات، والْمُسمَّى واحدٌ، فكلُّ ما صحَّ في كتابِ الله أو سُنَّةِ الرسول ﷺ من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدِّق به ويُثْبِتَه.
قول المصلي: (أعوذ بالله من عذاب جهنَّم) هل المراد أنه يتعوَّذ بالله من فِعْلِ المعاصي المؤدِّيةِ إلى جهنَّم، أو يتعوَّذ بالله من جهنَّم وإنْ عَصَى فهو يطلب المغفرةَ من الله، أو يشمَلُ الأمرينِ؟
[ ١ / ١٢٧٧ ]
يشمَلُ الأمرين؛ فهو يستعيذُ بالله من عذاب جهنَّم؛ أي: من فِعْلِ الأسبابِ المؤدِّية إلى عذاب جهنَّم، ومن عذاب جهنَّم؛ أي: من عقوبة جهنَّم إذا فَعَلَ الأسبابَ التي توجِبُ ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرينِ: إمَّا عصمةٌ من الذُّنوب فهُنا أعاذه اللهُ من فِعْلِ السببِ، وإمَّا عفوٌ عن الذُّنوبِ وهُنا أعاذه اللهُ من فِعْل السببِ ولَّا من أَثَرِ السبب؟ مِن أَثَر السبب.
وقولُنا قبل قليل: العِصْمة من الذُّنوبِ. هذا ليس معناه العصمة المطْلَقة؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» (٦). وقال: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (٧).
ومنْ (عذابِ القَبْرِ).
ما هو القبر؟ أصل القبر مدفنُ الميِّت؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]؛ قال ابنُ عباسٍ فيها: أيْ: أَكْرَمَهُ بدفْنِهِ. فأصلُ القبرِ مدفنُ الميِّتِ.
وقد يُراد به البرزخُ الذي بين موتِ الإنسان وقيامِ الساعة وإنْ لم يُدفَنْ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يعني: مِن وراءِ الذين ماتوا، وأوَّل الآيةِ يدلُّ على هذا؛ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠].
فهل الدَّاعي إذا دَعَا: أعوذُ باللهِ من عذابِ القبر. يريد من مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟
[ ١ / ١٢٧٨ ]
الثاني؛ لأنَّ الإنسانَ في الحقيقة لا يدري هل يموتُ ويُدفَنُ، أو يموتُ وتأكلُهُ السِّباعُ، أو يَحترقُ ويكون رمادًا، ما يدري؛ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، فاستحضِرْ أنك إذا قلتَ: من عذاب القبر؛ أي: مِن العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.
والبحثُ في عذابِ القبرِ من عِدَّةِ أوجُهٍ:
أولًا: هل عذابُ القبرِ ثابتٌ أو غيرُ ثابتٍ؟
الجواب: ثابتٌ بصريحِ السُّنَّةِ وظاهرِ القرآنِ وإجماعِ المسلمين؛ ثلاثة أدلَّة.
أمَّا صريحُ السُّنَّةِ فهذا الحديثُ وأمثالُه؛ قال النبيُّ ﵊: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٨).
وأمَّا إجماعُ المسلمين فلأنَّ جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: أعوذُ باللهِ من عذابِ جهنَّمَ، ومن عذابِ القبر. حتى العامَّة الذين ليسوا من أهل الإجماع ولا من العلماء.
وأمَّا ظاهرُ القرآنِ فمثلُ قول الله تعالى في آلِ فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ قال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، ولا شكَّ أن عَرْضهم على النارِ ليس من أجْلِ أن يتفرَّجوا عليها، بلْ من أجْلِ أن يُصيبهم من عذابها. هذه آية.
[ ١ / ١٢٧٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] الله أكبر! إنهم لَشَحيحونَ بأنفسهم ما يريدونَ أن تخرج؛ ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فقال: ﴿الْيَوْمَ﴾، أيش اليوم؟ متى؟ (أل) هنا للعهدِ الحضوريِّ، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني اليوم الحاضر اللِّي هو يوم وفاتِهم ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
إذَنْ فعذابُ القبرِ ثابتٌ بماذا؟
طالب: بصريحِ السُّنةِ وظاهرِ القرآنِ وإجماعِ المسلمين.
الشيخ: نعم، طيب، هذا الظَّاهرُ من القرآنِ يكاد يكون كالصَّريح؛ لأن الآيتينِ اللتينِ ذكرناهما كالصَّريح في ذلك.
البحثُ الثاني في عذابِ القبر: هلْ هو على البدنِ، أو على الرُّوح، أو عليهما؟
الجواب: الأصلُ أنه على الرُّوح؛ لأنَّ الحكْم بعد الموت للرُّوح، والبدنُ جُثَّةٌ هامدةٌ، ولهذا لا يحتاج البدنُ إلى إمدادٍ لبقائه؛ فلا يأكلُ ولا يشربُ، بلْ تأكله الهوامُّ، والأصلُ أنَّه على الرُّوح.
لكنْ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ الرُّوحَ قد تتَّصلُ بالبَدَنِ فتُعذَّب. واعتمدوا في ذلك على أنَّ هذا قد رُئِيَ حِسًّا في القبر؛ فقد فُتِحَتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ العذابِ على الجسم، وفُتِحتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ النَّعيمِ على الجسم.
[ ١ / ١٢٨٠ ]
وقد حدثني بعضُ النَّاسِ أنَّهم في هذا البلد هنا في عُنَيزة كانوا يَحفِرون للسورِ؛ سورِ البلدِ الخارجي، فمَرُّوا على قبرٍ فانفتح اللَّحْدُ، فوجدوا فيه ميتًا قد أكلتْ كَفَنَه الأرضُ وبقي جسمُه يابسًا؛ لكنْ لم تأكلْ منه شيئًا، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لِحْيتَهُ وفيها الحنَّاءُ، وفاحَ عليهم رائحةٌ أطيبُ ما يكون من المسك، فتوقَّفوا، وجاؤوا إلى الشيخ -وكان ذلك الوقتَ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين- وسألوه فقال: دَعُوه على ما هو عليه وجنِّبوا عنه؛ احفِروا إمَّا يمين ولَّا يسار.
فبناءً على ذلك قال العلماء: إنَّ الرُّوح قد تتَّصل بالبدنِ فيكون العذابُ على هذا وهذا، وربما يُستأنسُ لذلك بالحديث الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ الْقَبْرَ لَيُضَيَّقُ عَلَى الْكَافِرِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ» (٩)، فهذا يدلُّ على أن العذابَ يكون على الجسم، على البَدَن؛ لأن الأضلاع في الجسم.
***
() بس ثلاثة؟
طلبة: ().
الشيخ: اثنين؟
طالب: اثنان.
الشيخ: أظن فيه وجه ثالث.
فيه وجه ثالث؟
طالب: أوَّل شيءٍ قلنا: عذاب القبر ما هو، وقلنا: () الميت، قال تعالى ..
الشيخ: ذَكَرْنا القبرَ ما هو، ذكرنا المراد بالقبر.
الطالب: وقلنا: () الميت، قال تعالى ..
الشيخ: هذا ما يدخل في وجوب عذاب القبر، ما يدخل، لكنه نَعَمْ ينبغي أنْ نعرفه أنَّ القبر في الأصل هو مدفنُ الموتى، ويُطْلَق على البرزخ الذي بين موتِ الإنسان وقيامِ الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وهذا له فائدةٌ عظيمةٌ؛ فائدتُه لو أنَّ الإنسان احترق وذَرَتْه الرِّياحُ هلْ يَلْحقه من عذاب القبر شيءٌ أو لا؟ ونجعل هذا هو الثالث من وجوه البحث في عذاب القبر.
[ ١ / ١٢٨١ ]
ذَكَرْنا أنه هلْ هو على الرُّوح أو على الجسم، وقُلْنا: إنَّ الأصل أنه على الروح؛ لأنه كما جاء في حديث المحتضَر إذا نزلتْ ملائكةُ العذابِ لقَبْضِ رُوحه تولَّتْه ملائكةُ العذاب فأخذوه وحنَّطوه بِحَنوطٍ معهم نزل من السماء -والعياذ بالله- حَنوطٌ من النار وكَفَنٌ من النار -نسألُ اللهَ العافيةَ- ومعلومٌ أنَّ الذي تُكفِّنه الملائكة ليس هو الجسم بلْ هو الروح، وهذا يدلُّ على أن الأصل أن العذابَ على الروحِ، لكنْ فيه ما يدلُّ من السُّنةِ على أن الجسم يناله من هذا العذاب؛ فإن الميت الكافر يُضَيَّقُ عليه القبر حتى تختلفَ أضلاعُه كما صحَّتْ بذلك السُّنةُ، وهذا يدلُّ على أن الجسم يناله من هذا العذاب.
الوجه الثالث: إذا لم يُدفن الميِّت؛ أكلتْهُ السِّباعُ، أو ذَرَتْهُ الرِّياحُ، أو سقط في اليَمِّ فأكلتْهُ الحيتانُ، فهلْ يكون عليه عذاب؟
الجواب: نعم، ويكون العذابُ على الروح؛ لأن الجسد قد زالَ وتَلِفَ وفَنِيَ، وإنْ كان هذا أمْرًا غيبيًّا أيضًا، لا أستطيعُ أنْ أجزِمَ بأنَّ البَدَن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فَنِيَ واحترقَ؛ لأن الأمْر الأُخرويَّ لا يستطيع الإنسانُ أن يقيسه على الْمُشاهَدِ في الدُّنيا.
البحث الرابع: هلْ عذابُ القبرِ دائمٌ أو منقطعٌ؟
نقول: أمَّا إنْ كان الإنسانُ كافرًا -والعياذ بالله- فإنه لا طريقَ إلى وصولِ النعيمِ إليه أبدًا، ويكون عذابُهُ مستمِرًّا، وأمَّا إنْ كان عاصيًا وهو مؤمنٌ فإنه إذا عُذِّبَ في قَبْرِهِ يُعذَّبُ بقَدْرِ ذُنوبه، وربَّما يكون عذابُ ذنوبه أقلَّ من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعًا.
وهلْ يُخَفَّفُ بالنسبة للمؤمن العاصي؟
[ ١ / ١٢٨٢ ]
الجواب: نعم، قد يُخفَّفُ؛ لأن النبيَّ ﷺ مَرَّ بقَبْرينِ فقال: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ -أو قال: لَا يَسْتَنْزِهُ- مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثم أخَذَ جريدةً رطْبةً فشقَّها نصفينِ، فغَرَزَ في كُلِّ قبرٍ واحدةً وقال: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» (١٠). وهذا دليلٌ على أنه قد يُخفَّف العذابُ.
ولكنْ ما مناسبةُ هاتينِ الجريدتَيْنِ لتخفيفِ العذابِ عن هذينِ المعذَّبَيْنِ؟
قيل: لأنَّهما -أي الجريدتينِ- تُسَبِّحانِ ما لم تَيْبسا، والتسبيحُ يُخفِّف من العذاب على الميِّت، وفرَّعوا على هذه العِلَّةِ المستنبَطةِ التي قد تكونُ مُستبْعَدَةً، فرَّعوا عليها أنه يُسَنُّ للإنسانِ أن يذهب إلى القبورِ ويُسَبِّحَ عندها مِن أجْل أن يخفَّف عنها.
وقال بعضُ العلماء: هذا التعليلُ ضعيفٌ؛ لأنَّ الجريدتينِ تُسَبِّحانِ، سواءٌ كانَتَا رطْبتينِ أم يابستينِ؛ لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿إِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾. وسُمِعَ تسبيحُ الحصى بين يَدَيِ الرَّسولِ ﵊ مع أنَّ الحصى يابسٌ.
إذَنْ ما العِلَّة؟
العِلَّة أنَّ الرَّسولَ ﷺ تَرَجَّى مِن الله ﷿ أن يُخفِّف عنهما مِن العذاب ما دامت هاتانِ الجريدتانِ رطْبتينِ؛ يعني أن المدَّة ليست طويلة، الذي رجاه الرسول ﵊، وذلك من أجْلِ التحذير عن فِعْلِهما؛ لأن فِعْلَهما كبيرٌ كما جاء في الرواية: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ».
[ ١ / ١٢٨٣ ]
أحدُهما لا يَسْتبرِئُ من البول، وإذا لم يَسْتبرِئْ مِن البول صَلَّى بطهارة ولَّا بغير طهارة؟
الطلبة: بغير طهارة.
الشيخ: طيب، والثاني يمشي بالنميمة فيُفسِد عبادَ اللهِ -والعياذُ بالله- ويُلقِي بينهم العداوةَ والبغضاءَ، فالأمْرُ كبيرٌ، وهذا هو الأقربُ؛ الأقربُ أنها شفاعةٌ مُوَقَّتةٌ تحذيرًا للأُمَّةِ لا بُخْلًا مِن الرسول ﷺ بالشفاعةِ الدائمةِ، ولكنْ تحذيرًا للأُمَّة.
نقول استطرادًا: بعض العلماء -عفا الله عنهم- قالوا: يُسَنُّ أن يضع الإنسانُ جريدةً رطْبَةً أو شجرةً أو نحوَها على القبرِ ليُخَفَّفَ عنه. لكن هذا الاستنباط بعيدٌ جدًّا ولا يجوز:
أولًا: أنَّنا لم يُكْشَف لنا أنَّ هذا الرَّجُل يُعَذَّب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بخلافِ النبيِّ ﵊.
ثانيًا: أنَّنا إذا فَعَلْنا ذلك فقد أسأْنا إلى الميِّت؛ لأننا ظَنَنَّا به ظَنَّ سوءٍ أنه يُعذَّب، وما يُدرينا فلَعلَّهُ يُنَعَّمُ، لعلَّ هذا الميِّت مِمَّنْ مَنَّ اللهُ عليه بالمغفرةِ قبلَ موتِه لوجود سببٍ من أسباب المغفرة الكثيرة، فمات وقد عفا رَبُّ العبادِ عنه، وحينئذٍ لا يستحقُّ عذابًا.
ثالثًا: أنَّ هذا الاستنباط مخالفٌ لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلمُ النَّاسِ مِنَّا بشريعة الله، من هم؟ الصحابة؛ ما فَعَلَ هذا أحدٌ من الصحابة ﵃، فما بالُنا نحن نفعله؟ !
رابعًا: أنَّ الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه؛ فكان النبيُّ ﵊ إذا فَرَغَ من دفن الميِّت وَقَفَ عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (١١).
البحث الخامس أو المبحث الخامس: هلْ عذابُ القبرِ من أُمُورِ الغيبِ أمْ من أمورِ الشَّهادة؟
[ ١ / ١٢٨٤ ]
الجواب أنَّه من أمور الغيب، وكمْ مِن إنسانٍ في هذه المقابر يُعذَّب ونحن لا نَشعُرُ به، وكمْ جارٍ له مُنَعَّمٌ مفتوحٌ له بابٌ إلى الجنةِ ونحن لا نَشْعُرُ به، ما تحتَ القبورِ لا يعلمه إلا علَّامُ الغيوب، فشأنُ عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا أنَّ رسول الله ﷺ أخبَرَنا ما عَلِمْنا، ولهذا لمَّا دَخَلَت امرأةٌ يهوديَّةٌ إلى عائشةَ وأخبرتْها أنَّ الميِّتَ يُعذَّب في قبرِهِ فَزِعَتْ، حتى جاء النبيُّ ﵊ وأخبَرَتْهُ، وأَقَرَّ ذلك ﵊ (١٢).
ولكنْ قد يُطْلِع اللهُ تعالى عليه مَنْ شاء مِن عباده مِثْلما أطْلَعَ نبيَّهُ ﷺ على الرَّجُلينِ اللذينِ يُعذَّبانِ؛ أحدُهما يمشي بالنميمة، والآخرُ لا يستنزِهُ من البول.
والحكمةُ من جَعْلِهِ من أمورِ الغيبِ هي أنَّ الله ﷾ أرحمُ الراحمينَ؛ لو كُنَّا نَطَّلِعُ على عذابِ القبورِ لَمِتْنا؛ لأنَّ الإنسان إذا اطَّلعَ على أنَّ أباهُ أو أخاهُ أو ابنهُ أو زوجهُ أو قريبهُ يُعذَّب في القبرِ ولا يستطيعُ فِكَاكَه، هلْ يَقْلق ولَّا يَنْعَم؟ يَقْلَقُ، ما فيه شَكٌّ، ولا يستريح، وهذه مِن نعمة الله ﷾ أنَّ الله سَتَرَ علينا عذابَ القبور.
ثانيًا: أنَّه سَتَرَ على الميِّتِ أيضًا؛ لو كان هذا الميِّتُ في الدنيا قد سَتَرَ اللهُ عليه ولم نعلمْ عن ذنوبه بينه وبين ربِّه، واللهُ ﷿ يتولَّاهُ، ثم ماتَ وأطْلَعَنا اللهُ على عذابِهِ؛ صارَ في ذلك فضيحةٌ عظيمةٌ له، وصارَ كلُّ إنسانٍ يخافُ، وكلُّ إنسانٍ يمكن أن يُعَيَّر؛ يقال: أنت الآن في المسجد وغدًا في القبر مُعذَّب، شوف، فُلان في المسجد والآن يُعذَّب في قبره. ففيه ستْر مِن الله ﷿ رَحْمة بِمَن؟ بالميِّت.
[ ١ / ١٢٨٥ ]
ثالثًا: مِن الحكمة في ذلك أنَّه قد يَصعُب على الإنسان دَفْنُ ميِّته؛ كما يُروى عن النبيِّ ﵊: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ» (١٣) أو كلامٌ هذا معناه، ففيه أنَّ الدَّفْنَ ربما يَصعُب ويشقُّ ولا ينقادُ الناسُ لذلك، وإنْ كان الإنسانُ إذا كان له عذابُ قبرٍ عُذِّبَ ولو على سطح الأرض.
الرابع: أنَّه لو كان يُعلَم لم يكنْ للإيمانِ فيه مَزِيَّةٌ، لماذا؟ لأنه يكون مُشاهَدًا، وهو من أمور الغيب التي يُثْنَى على مَن آمنَ بها، ثم إنَّه قد يحمِلُ النَّاسَ على أنْ يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤]، فإذا رأى النَّاسُ هؤلاء المدفونينَ يسمعونهم يتصارخونَ آمنوا، ما كَفَرَ أحدٌ؛ لأنه الآنَ أيْقَنَ بالعذاب، فكأنَّه رآهُ رأْيَ العينِ كأنه نَزَلَ به، فلم يكنْ للإيمان فائدة.
وحِكَمُ الله ﷾ عظيمةٌ، والإنسانُ المؤمنُ حقيقةً هو الذي يجزمُ بخبر الله أكثرَ مما يجزمُ بما شاهَدَهُ بعينه؛ لأنَّ خَبَرَ اللهِ ﷿ لا يتطرَّقُ إليه احتمالُ الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يُمْكن أن تتوهَّمه؛ كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنَّه رأى الهلالَ وإذا هي نجمةٌ، كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنه رأى الهلالَ وإذا هي شعرةٌ بيضاءُ على حاجبه، هذا وَهْمٌ ولَّا حقيقة؟
الطلبة: وهم.
الشيخ: كم مِن إنسانٍ يرى شَبَحًا فيقول: هذا إنسانٌ مُقبِلٌ، يَلَّه يا جماعة، السلاحَ السلاحَ، أقْبَلَ العدوُّ. وإذا هو جِذْع نخلةٍ، ما فيه عدوٌّ ولا أقْبَلَ عليه أحدٌ، هذا واقع ولَّا غير واقع؟
الطلبة: واقع.
[ ١ / ١٢٨٦ ]
الشيخ: نعم، وكمْ من إنسانٍ يرى السَّاكنَ متحرِّكًا والمتحرِّكَ ساكنًا، لكنَّ خبَرَ اللهِ ما يتطرَّق إليه الاحتمالُ أبدًا، ولهذا -نسألُ الله أن يمنَّ علينا وعليكم بالثبات- المؤمنُ يرى خَبَرَ اللهِ أشدَّ مما يراه بعينه مِن قَبولِهِ والإيمانِ به، نسألُ اللهَ أن يُثبِّتَنا جميعًا، فخَبَرُ اللهِ بهذه الأمور نحن نقول: أشدُّ من المشاهَدةِ، مع ما في الستر من هذه المصالحِ العظيمةِ، فلذلك صارَ عذابُ القبرِ مستورًا -ولله الحمد- من أجْل هذه المصالحِ العظيمةِ للخَلْق.
قال: ومِن (فتنةِ المحيا والمماتِ) انتبهوا لهذا، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على رسول الله، ما أنصَحَهُ للأُمَّةِ! يستعيذُ بالله من فتنةِ المحيا والممات.
فتنةُ المحيا والمماتِ تعني اختبار المرْءِ في دينه في حياتِهِ وفي مماتِهِ، وسيأتي -إنْ شاء الله- الاختبارُ في المماتِ هلْ هو سؤالُ الملَكينِ الميتَ أو فتنةٌ أُخرى في الحياة لكنها عند الموت.
فتنةُ الحياة يا إخواني عظيمةٌ وشديدةٌ، وقلَّ من يتخلَّص منها إلا مَنْ شاء الله خلاصَهُ، أسألُ اللهَ أن يجعلني وإيَّاكم مِمَّن يتخلَّص منها.
[ ١ / ١٢٨٧ ]
فتنةُ المحيا تدور على شيئينِ: شُبُهات، وشَهَوات؛ إما شُبُهات تَعرِض للإنسان فيلتبس عليه الحقُّ بالباطلِ فيَرى الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلًا، وإذا رأى الحقَّ باطلًا تجنَّبه، وإذا رأى الباطلَ حقًّا فَعَلَهُ، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ؛ ما أكثرَ الذين يَرَوْنَ الرِّبا حقًّا فينتهكون! ما أكثرَ الذين يَرَونَ غِشَّ النَّاسِ شطارةً وجَودةً في البيع والشراء فيغشُّون! هذه فتنة، ما أكثرَ الذي يرى النَّظَرَ إلى النساءِ تلذُّذًا وتمتُّعًا وحريَّةً فيُطْلق نفْسَه في النظر إلى النساء! بلْ ما أكثرَ الذي يشربُ الخمرَ ويراه لذَّةً وطربًا! وما أكثرَ الذين يَرَوْنَ آلات اللَّهو والمعازفَ فنًّا يُدرَسُ ويُعطى عليه شهادات ومراتب، كلُّ هذا من فتنةِ المحيا؛ إمَّا شُبْهةٌ تَعرِض للإنسان ولا يعرفُ الحقَّ من الباطلِ، وإمَّا شهوةٌ -والعياذُ بالله- وهي أشَدُّ، شهوة؛ يعرفُ الحقَّ ولكنْ لا يتَّبعه، ويعرفُ الباطلَ ولكنْ ينتهكُه ولا يُبالي به، هذه فتنةٌ عظيمةٌ ما أكثرَ مَن فُتِنَ بها، ولهذا يُشرَع للإنسانِ أنْ يستعيذ بالله من فتنةِ المحيا.
وأمَّا فتنةُ المماتِ فاختلفَ فيها العلماءُ على قولينِ:
[ ١ / ١٢٨٨ ]
منهم مَن قال: إنَّ فتنةَ المماتِ سؤالُ الملَكَينِ الميِّتَ في قَبْرِه عن ربِّهِ ودينِهِ، ونبيِّهِ؛ لقول النبيِّ ﷺ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أو قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (١٤)، يؤتَى الميِّتُ ويُسألُ: مَن ربُّكَ؟ ما دينُكَ؟ من نبيُّكَ؟ أمَّا مَنْ كان إيمانُهُ في الدنيا خالصًا -أسألُ اللهَ أنْ يجعلني وإيَّاكُمْ منهم- فهذا يَسْهل عليه الجواب؛ فإذا سألوا: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله. مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد. ما دينُك؟ قال: ديني الإسلام. بكلِّ صراحةٍ وبكلِّ سُهولة، وأمَّا غيره -والعياذُ بالله- فإذا سُئلَ قال: هاهْ هاهْ، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقُلْتُه (١٥). نعوذ بالله، ما دَخَلَ الإيمانُ قلْبَه.
وتأمَّلْ قولَه: هاهْ، هاهْ. كأنَّه كان يعلمُ شيئًا فنَسِيَهُ، وما أشَدَّ الحسرةَ في شيءٍ عَلِمْتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهلَ لم يكسبْ شيئًا، لكن النَّاسي كَسَبَ الشيءَ فخَسِرَهُ، أمَّا الجاهل لم يكسبْ شيئًا، يهونُ عليه الأمْر، لكن هذا يقول: هاهْ، هاهْ. كأنَّه تفطَّنَ، فيُحال بينه وبين الجوابِ الصحيحِ والعياذُ بالله، والنهاية والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيِّي، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه. لكن ما هناك إيمان، هذه فتنةٌ عظيمةٌ أسألُ اللهَ أنْ يُنَجِّيني وإيَّاكم منها، هذه الفتنة تدور في الحقيقةِ على ما في القلْب؛ إذا كان القلْبُ مؤمنًا حقيقةً يرى أمورَ الغيبِ رأْيَ العينِ فهذا يُجيب بكلِّ سُهولة، وإنْ كان الأمرُ بالعكسِ فالأمْر بالعكسِ، فهذه فتنةٌ عظيمةٌ قال بعضُ العلماءِ: إنها هي المرادةُ بقوله: مِن فتنةِ الممات.
[ ١ / ١٢٨٩ ]
وقيل: المراد بفتنة المماتِ ما يكون عند الموتِ في آخِرِ الحياةِ، ونصَّ عليها وإنْ كانتْ مِن فتنة الحياة لعِظَمِها وأهمِّيتها، كما نصَّ على فتنة الدجَّال مع أنها من فتنة المحيا، فهي فتنةُ مماتٍ؛ لأنها قُرْبُهُ، وخُصَّتْ بالذِّكْر لأنها أشَدُّ ما يكون وأعظمُ ما يكون؛ وذلك أنَّ الإنسانَ عند موتِهِ هي -كما يقال- ساعةُ الصِّفْر، ساعةُ الوداع، وداع حقولِ العمل، انتهى كلُّ شيءٍ الآنَ، في هذه اللحظة تصفيةٌ؛ إِمَّا سعادةٌ وإمَّا شقاوةٌ؛ «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» (١٦)، فالفتنةُ عظيمةٌ، وأشَدُّ ما يكونُ الشيطانُ حرصًا على إغواءِ بني آدمَ في تلك اللحظةِ، والمعصومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ، يأتي إلى الإنسان في هذه الحالِ الحرِجَةِ التي لا يتصوَّرها إلا من وقع فيها، ما يتصورها الإنسانُ لشِدَّتها؛ ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٦ - ٣٠]، حالةٌ حَرِجةٌ عظيمةٌ، الإنسانُ فيها ضعيفُ النَّفْسِ، ضعيفُ الإرادةِ، ضعيفُ القوَّةِ، ضيِّقُ الصَّدرِ، يأتيه الشيطانُ يغويه لأنَّ هذا وقتُ المغنم للشيطان، حتى إنَّه -كما قال أهل العلم- قد يَعرِضُ للإنسانِ الأديانَ اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ والإسلاميَّةَ بصورةِ أبَوَيْهِ يعرضانِ عليه الإسلامَ واليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، ويُشيرانِ عليه باليهوديَّةِ أو بالنصرانيَّةِ، أبواه يُمثِّلُهما الشيطانُ له، والشيطانُ يمكن يمثِّل أيَّ واحدٍ إلَّا النبيَّ ﷺ، ويش تَرَوْنَ في هذه الحالِ؟ فتنة ولَّا لا؟ فتنةٌ، أعظمُ الفِتَنِ؛ أمُّه وأبوه اللِّي هو يرى أنهما أنصح الناس له يقولان: صِرْ
[ ١ / ١٢٩٠ ]
يهوديًّا ولَّا نصرانيًّا، ينسى الإسلامَ لأنه في ضيقٍ، في حَرَجٍ، لكن هذا -والحمد لله- لا يكون لكلِّ أحدٍ.
حتى لو كان الإنسانُ لا يتمكَّن الشيطانُ من أن يَصِلَ إلى هذه الدرجة معه، لكنْ مع ذلك يُخشى عليه منه؛ يقال: إنَّ الإمام أحمد وهو في سَكَراتِ الموتِ يُسمَع يقول: بَعد، بَعد، فلمَّا أفاق قيل له في ذلك فقال: إنَّ الشيطانَ كان يعضُّ أنامِلَهُ يقول: فُتَّني يا أحمد. الله أكبر! يعضُّ أناملَه ندمًا وحسْرةً؛ كيف ما أغوى الإمام أحمد! فيقول له: بَعد، بعدُ. ويش معنى: بَعد، بَعد؟ إلى الآن ما خرجت الرُّوح، ما دامت الرُّوح في البدن كلُّ شيءٍ واردٌ، كلُّ شيءٍ محتمَلٌ، ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذْ هَدَيْتَنا، ففي هذه الحال فتنةٌ عظيمةٌ جدًّا، ولهذا نصَّ النبيُّ ﷺ عليها؛ قال: «مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (١٧)؛ لأنها فتنةٌ عظيمةٌ، وعليها مدارُ السعادة والشقاوة.
***
الطالب: () (وعنْ يسارِهِ كذلك).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّ الإنسان في آخر التشهُّدِ الأخيرِ خاصَّةً يستعيذُ بالله من أربعٍ: من عذابِ جهنَّم، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ، وآخر ما تكلَّمْنا عليه فتنة المحيا والممات، وذَكَرْنا أن فتنةَ المحيا تدور على شيئينِ: الشُّبهة والشهوة:
فالشُّبهةُ أن يلتبسَ الحقُّ على المرْءِ حتى لا يميز بين الحقِّ والباطلِ، وهذا دَوَاؤُهُ العلمُ.
[ ١ / ١٢٩١ ]
والشهوةُ أن يكون الإنسانُ له إرادةٌ خلاف مرادِ الله ﷾، سواءٌ كانتْ في المالِ، أو في المساكنِ، أو في الثيابِ، أو المراكبِ، أو في النساءِ، أو في غير ذلك، المهمُّ أنها شهوةٌ؛ يعني أنْ يريدَ خلافَ ما يرضاه الله ﷿، ودواءُ هذه خشيةُ اللهِ ﷿ وتقواه والإنابةُ إليه. فإذا وُقِيَ الإنسانُ الفِتْنتَينِ: فتنة الشهوة وفتنة الشُّبهة، حصلتْ له النجاةُ.
وذَكَرْنا فتنةَ المماتِ وأنَّ فيها تفسيرينِ: التفسيرُ الأوَّلُ: الفتنةُ التي تكون عند الموت، والثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملَكَينِ الإنسانَ عن ربِّهِ ودينِهِ ونبيِّهِ، ولا مانعَ من أن نقول بأنَّها تشملُ الأمْرينِ جميعًا، ويكونُ دخولُ الفتنةِ التي قبلَ الموتِ وعند الموتِ نُصَّ عليها؛ لأنَّها أعظمُ فتنةٍ تَرِدُ على الإنسان، وذَكَرْنا ما يُخشى منها من سوءِ الخاتمةِ -والعياذُ بالله- إذا لم يُجِرِ اللَّهُ العبدَ من هذه الفتنة.
أمَّا الملَكَانِ ففتنتُهما نبحثُ فيها من وُجوهٍ:
الوجه الأول: هلْ هذه الفتنةُ حقيقيَّةٌ؛ يعني هذا الاختبار حقيقيٌّ بمعنى أنَّ الإنسان يُجْلَسُ في قبرِهِ ويُناقَش، أو أنه خياليٌّ؟
نقول: هو حقيقيٌّ بلا شَكٍّ وأنَّ الإنسانَ في قبرِهِ يُجْلَسُ ويُناقَشُ ويُسأل.
فإنْ قال قائلٌ: إنَّ القبرَ محدودٌ ضيِّقٌ، كيف يُجلَس؟
فالجواب على هذا أنَّ الواجبَ على المؤمنِ في الأُمورِ الغيبيَّةِ أنْ يَقْبلَ ويُصدِّقَ ولا يَسألَ عمَّا وراءَ ذلك، بلْ يقول: سَمِعْنا وآمنَّا وصدَّقْنا وقَبِلْنَا، ولا يسأل: كيفَ؟ ولِمَ؟؛ لأنه لا يسألُ عن كيفَ ولِمَ إلَّا مَنْ شَكَّ، وأمَّا مَنْ آمنَ وانشرحَ صدرُهُ لأخبارِ الله ورسوله فيُسَلِّمُ على طول ويقول: اللهُ أعلمُ بكيفيَّةِ ذلك.
[ ١ / ١٢٩٢ ]
ثانيًا نقول: تَعَلُّقُ الرُّوحِ بالبَدَن بعد الموت ليس كتعلُّقِها به في حال الحياة، بلْ إنَّ تَعَلُّقَ الرُّوحِ بالبَدَنِ في حالِ النومِ ليس كتَعَلُّقِها به في حالِ اليقظة؛ فللرُّوحِ مع البَدَن شؤونٌ عظيمةٌ ما يُدْرِكُها الإنسانُ، تَعَلُّقُها بالبَدَنِ بعد الموتِ لا يُمْكن أنْ يُقاس بتَعَلُّقها به في حال الحياة، وها هو الإنسانُ في منامِهِ يرى أنه ذَهَبَ وجاءَ وسافرَ وكَلَّمَ أُناسًا والْتَقَى بأُناسٍ أحياءٍ وأمواتٍ، ويرى أنَّ له بُسْتانًا جميلًا أوْ دارًا مُوحِشةً مُظْلِمةً، ويرى أنه راكبٌ على سيَّارةٍ مُريحةٍ، ويرى مرَّةً أنه صَدَمَ ومرَّةً أنه صُدِم، كلُّ هذا يمكن مع أنَّ الإنسانَ على فِراشِهِ ما تَغيَّرَ، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغيَّرْ، وهو رايح وجاي ويركب ويُكلِّم، ومع ذلك هو في مكانه، وهذا أمْرٌ يكون حقًّا إذا كانتْ رؤيا صالحةً، حتى إنَّه حدثني بعضُ الناسِ أنَّه إذا رأى الرُّؤيا جاءتْ في اليقظةِ تمامًا، ما هي ضَرْب مَثَل، تأتي كما رأى، ولذلك يقول: أنا أتوحَّش دائمًا مما أرى، وأُحِبُّ ألَّا أرى شيئًا أو أنْ يُنسيني اللهُ إيَّاهُ؛ لأنَّه يقول: يجيء كما شاهَدَ في المنام، ومع ذلك فإننا نحسُّ بهذا إحساسًا ظاهرًا.
فتَعَلُّقُ الرُّوحِ بالبَدَنِ بعد الموتِ يُخالِف تَعَلُّقَها به في اليقظةِ أو في المنامِ، ولها شأنٌ آخرُ ما نُدرِكُه نحن، فالإنسانُ يُمْكن أنْ يُجْلَسَ في قَبْرِهِ ويُساءل ولو كان القَبْرُ محدودًا ضيِّقًا، إذَن الفتنةُ حقيقةٌ؛ يُسأَلُ المرْءُ عن ثلاثة أشياء: عن ربِّه، ودينه، ونبيِّه.
وسَبَقَ لنا ذِكْرُ كيفيَّةِ الجوابِ مِن المسؤولِ وأنَّ المؤمنَ يقول: ربِّي اللهُ، وديني الإسلامُ، ونبيِّي محمَّدٌ. وأمَّا الكافرُ أو المرتابُ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعتُ النَّاسَ يقولون شيئًا فقلتُه.
***
أمَّا الرابعةُ قال: ومِنْ (فِتْنةِ المسيحِ الدجَّالِ).
[ ١ / ١٢٩٣ ]
(المسيح) فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ مِن المسْحِ؛ لأنه كان يمسحُ الأرضَ لسُرعةِ سيرِهِ فيها، أو لأنه كان ممسوحَ العينِ؛ لأنه أعورُ العينِ اليُمنى، كأنَّ عينَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ أو عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ، إمَّا (طافيةٌ) أو (طافئةٌ)، إن كانت (طافئة) فهي خابِيةٌ؛ يعني: كأنها غائرةٌ، وإن كانت هي (طافية) بالياء فهي كالعِنَبةِ الطافيةِ فوق الماءِ؛ أي إنها ناتئة.
على كُلِّ حالٍ هذا المسيحُ الدجَّال فِتنتُه مِنْ فتنةِ الدُّنيا؛ لأنه لا يَفتِنُ إلَّا الأحياءَ، الأمواتُ قد سَلِموا منه.
فإنْ قال إنسانٌ: إذا كان مِنْ فتنةِ الدُّنيا أو مِن فتنةِ المحيا، فلماذا ذُكِرَ وحده؟
والجوابُ على هذا سهلٌ؛ لأنَّ أعظمَ فتنةٍ على وَجْهِ الأرضِ منذُ خُلِقَ آدمُ إلى قيامِ الساعةِ فتنةُ الدجَّال كما قال ذلك النبيُّ ﷺ، ولهذا ما مِنْ نبيٍّ مِنْ نوحٍ إلى محمَّدٍ -صلواتُ الله عليهم وسلامُه- إلَّا أنذره قومَه تنويهًا بشأنِهِ وتعظيمًا له وتحذيرًا منه، وإلَّا فإنَّ الله يعلم أنه لنْ يخرجَ إلَّا في آخِرِ الزمانِ، لكنْ أُمِرَ الرسلُ أن يُنذِروا قومَهم إيَّاهُ من أجْلِ أنْ يتبيَّن عِظَمُه وفداحتُه، وقد صحَّ ذلك عن النبيِّ ﵊ وقال: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ» صلواتُ الله وسلامُه عليه، يعني: أكفيكم إيَّاهُ. «وَإِلَّا فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (١٨)، نِعْمَ الخليفةُ.
فهذا الدجَّالُ شأنُهُ عظيمٌ مِن أعظمِ بلْ هو أعظمُ فتنةٍ كما جاء في الحديث منذُ خُلِقَ آدمُ إلى أن تقومَ الساعةُ، فكانَ حَرِيًّا بأنْ يُخَصَّ مِن بينِ فِتَنِ المحيا.
ومِنْ (فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ).
[ ١ / ١٢٩٤ ]
وأمَّا (الدجَّالُ) فالدجالُ مأخوذٌ من الدَّجَل، وهو التمويهُ؛ لأنَّ هذا مُمَوِّهٌ وأعظمُ مُمَوِّهٍ وأشدُّ الناسِ دَجَلًا كما سيأتي -إن شاء الله- من البحث فيه.
البحث فيه من أمور:
أولًا: هذا المسيحُ الدجَّالُ هو من علاماتِ الساعةِ، هذا باعتبارِ زمنِهِ، ولكنَّه غيرُ مُحدَّدٍ، لا نَعْلمه؛ لأنَّه لا يَعلمُ متى تكون الساعةُ إلَّا الله، فكذلك أشراطُها ما نَعْلم منها إلَّا ما ظَهَرَ، فوقْتُ خروجِهِ غيرُ معلومٍ لنا، لكنَّنا نعلمُ أنه مِن أشراطِ الساعة.
أمَّا مكانُهُ فإنَّه يخرجُ من المشرقِ جِهَة الفِتَنِ والشَّرِّ كما قال النبيُّ ﵊: «الْفِتْنَةُ هَاهُنَا. وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ» (١٩)، فالمشرقُ مَنْبعُ الشَّرِّ والفِتَنِ، يخرجُ من المشرقِ من خُراسانَ مارًّا بأصفهانَ، داخلًا للجزيرةِ من بينِ الشامِ والعراقِ، ليس له هَمٌّ إلَّا المدينة، أكبرُ هَمِّهِ المدينةُ؛ لأنَّ فيها البشيرُ النذيرُ ﵊، فيُحِبُّ أنْ يقضي على أهل المدينةِ، ولكنَّها ممنوعةٌ منه مُحرَّمةٌ عليه كما ثَبَتَ عن النبيِّ ﵊؛ على كلِّ بابٍ منها ملائكةٌ يحفظونها (٢٠)، هذا الرجُل يَخْرجُ خَلَّةً بين الشامِ والعراقِ، ويَتْبعُهُ من يهودِ أصفهانَ سبعونَ ألفًا؛ يهود أصفهان اللِّي في إيران الآن، سبعونَ ألفًا يتْبعونه لأنهم جنودُه، هم اليهودُ مِن أخبثِ عباد الله، وهو أضلُّ عباد الله، فيَتْبعونه ويُؤْوُونه وينصرونه، ويكونونَ مَسَالِحَ له -أي: جنودًا مُجَنَّدينَ- هُمْ وغيرُهم مِمَّن يتبعه، قال النبيُّ ﵊: «يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا» (١٨). يُثَبِّتُنا ﵊ لأنَّ الأمْرَ خطيرٌ.
[ ١ / ١٢٩٥ ]
وقال ﵊: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» فَلْيبعدْ «فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ بِمَا يُلْقِي مِنَ الشُّبُهَاتِ» (٢١)؛ يأتيهِ الإنسانُ يقول: أنا أبَدًا هذا لَنْ يُضِلَّني ولنْ أتأثَّر به، ولكنْ لا يزالُ يُلْقِي فيه مِن الشُّبُهاتِ حتى يتَّبعهُ والعياذُ بالله.
فإذَن البحثُ فيه من وجوهٍ: أولًا: زمنُ خروجهِ لا يُعلَم، لكنه من أشراطِ الساعة، أمَّا مكانُه فمِن المشْرقِ، وأمَّا اتجاهُهُ فإلى المدينةِ، أكبرُ هَمٍّ له أنْ يصِلَ إلى المدينة ولكنَّ الله يحميها منه ولله الحمد، وأمَّا دَعْوته فقدْ ذُكِر أنه أولَ ما يخرجُ يدعو إلى الإسلام ويقول: إنه مسلمٌ، ويُنافِحُ عن الإسلام، ثم بعد ذلك يَدَّعي النُّبُوَّةَ وأنه نبيٌّ، ثم بعد ذلك يَدَّعي أنه إِلَهٌ، أعوذُ بالله، فهذه دَعْواه، نهايتُها بدايةُ فرعون؛ وهي ادِّعاءُ الربوبيَّةِ وأنه الربُّ.
ولكنْ مِن حِكْمة الله ﷿ أنَّ الله ﷾ يُعطيه آياتٍ فيها الفِتَنُ العظيمةُ؛ فإنه يأتي إلى القومِ يدْعوهم فيتَّبعونه، فيُصبحونَ وقد نَبَتَتْ أراضيهم وشبعتْ مواشيهم، فتعودُ إليهم أَوْفَرَ ما تكونُ لبنًا وأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا؛ يعني أنهم يعيشون برَغَدٍ لأنهم اتَّبعوه، ويأتي القومَ فيدْعوهم فلا يتَّبعونه، فيُصبحونَ مُمْحِلينَ ما في أراضيهم شيءٌ، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ لا سِيَّمَا في الأعراب، الأعرابيُّ يفتتنُ بهذا افتتانًا عظيمًا.
ويَمُرُّ بالخربةِ فيقول: أخْرِجِي كُنُوزَكِ. أمْرٌ؛ أخْرِجِي كُنُوزَكِ. فتَخرجُ كُنُوزُها تَتْبَعُهُ كيعاسيبِ النَّحلِ، تَتْبعُهُ مِنْ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وغيرِها بدونِ آلاتٍ وبدونِ شيءٍ، فتنةٌ مِن الله ﷿، فالفتنةُ عظيمةٌ جدًّا، هذه معاملتُه لأهلِ الدنيا، اللِّي يتمتَّع بالدنيا أو يَبأس فيها.
[ ١ / ١٢٩٦ ]
أمَّا المآلُ فإنَّ الله تعالى جعلَ معه جنةً ونارًا بحسبِ رُؤْيا العينِ، لكنْ جَنَّتُهُ نارٌ، ونارُهُ جنَّةٌ، مَنْ أطاعهُ أدخله هذه الجنَّةَ فيما يرى الناسُ ولكنَّها نارٌ مُحرِقةٌ والعياذُ بالله، ومَنْ عصاهُ أدخله النارَ فيما يراه الناسُ ولكنَّها جنَّةٌ وماءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ.
إذَنْ يحتاج الأمرُ إلى تثبيتٍ من الله ﷿، إنْ لم يُثَبِّتِ اللهُ المرءَ هَلَكَ وضَلَّ، فيحتاج إلى أنْ يُثَبِّتَ اللهُ المرْءَ على دِينِهِ ثباتًا قويًّا تامًّا.
يَخرُجُ إليه رجُلٌ من الناسِ شابٌّ فيقول له: أنتَ الدجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ. يقول ذلك، فيدْعوهُ فيأْبَى أنْ يَتَّبعه.
ويَدعو بما وَرَدَ، ثم يُسَلِّمُ عن يمينِه " السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ " وعن يَسارِه كذلك، وإن كان في ثُلَاثِيَّةٍ أو رُباعيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّرًا بعدَ التشَهُّدِ الأَوَّلِ وصَلَّى ما بَقِيَ كالثانيةِ بـ (الحمدُ) فقط ثم يَجْلِسُ في تَشَهُّدِه الأخيرِ مُتَوَرِّكًا، والمرأةُ مثلُه
نهايتها بداية فرعون، وهي ادعاء الربوبية وأنه الرب.
ولكن من حكمة الله ﷿ أن الله ﷾ يعطيه آيات فيها الفتن العظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتبعونه، فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أوفر ما تكون لبنًا، وأَسْبَغه ضروعًا، يعني أنهم يعيشون برَغَد؛ لأنهم اتبعوه.
ويأتي القومَ فيدعوهم فلا يتبعونه، فيصبحون مُمْحِلِين، ما في أراضيهم شيء، وهذه فتنة عظيمة، لا سيما في الأعراب، الأعرابي يفتتن بهذا افتتانًا عظيمًا، ويمر بالخرِبة فيقول: أَخْرِجي كنوزك، أمر، فتخرج كنوزُها تتبعه كيعاسيب النحل، تتبعه، من ذهب وفضة وغيرها، بدون آلات وبدون شيء، فتنة من الله ﷿، فالفتنة عظيمة جدًّا، ثم مع ذلك هذه حاله في معاملته لأهل الدنيا، اللي بيتمتع بالدنيا أو يبأس فيها.
[ ١ / ١٢٩٧ ]
أما المآل فإن الله تعالى جعل معه جنة ونارًا، بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنة، من أطاعه أدخله هذه الجنة فيما يرى الناس، ولكنها نار مُحْرِقة -والعياذ بالله-، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس، ولكنها جنة وماء عذب طيب.
إذن يحتاج الأمر إلى تثبيت من الله ﷿، إن لم يُثَبِّت الله المرء هلك وضل، فيحتاج إلى أن يثبت الله المرء على دينه ثباتًا قويًّا تامًّا.
يخرج إليه رجل من الناس شاب فيقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله ﷺ، فيدعوه فيأبى أن يتبعه فيأمر ويُشَقُّ هذا الإنسان نصفين، ويجعل نصفًا هنا ونصفًا هنا ويمشي بينهما، تحقيقًا للتباين؛ تباين جسده بعضه عن بعض، ثم يدعوه: قم يا فلان، فيقوم يتهلَّلُ وجهه، يقوم في الحال، ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله ﷺ. لله دره! ! ما يخاف، ثم يقتله ثانية ويمر بين شقيه، ثم يدعوه فيقوم يَتَهَلَّل ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله ﷺ، ثم يأتي ليقتله فلا يُسلَّط عليه، يعجزُ عن قتله، ولن يُسلَّط على أحد بعدَه.
فهذا من أعظم النَّاس شهادةً عند الله؛ لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا نتصوَّره نحن في هذا المكان، لا يتصور رهبته إلا مَن باشره، المقام رهيب عظيم، ومع ذلك يُصرِّحُ على الملأ إعذارًا وإنذارًا بأنك أنت الدَّجَّال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله ﷺ.
هذه حاله وما يدعو إليه، ولكن هذه المحنة العظيمة لا تدوم، وهو الوجه الرابع الذي نتكلم عنه.
مقدار لُبْثه في الأرض أربعون يومًا فقط، لكن يوم كسنةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدَّث النبيُّ ﷺ.
[ ١ / ١٢٩٨ ]
قال الصَّحابةُ ﵃: يا رسولَ الله، هذا اليوم الذي كَسَنَة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (١)، انظروا يا إخواني إلى هذا المثال لتأخذوا منه عبرة، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله ﷺ لرسول الله؟ ما ذهبوا يُحَرِّفون أو يُؤَوِّلُون، أو يقولون: إنَّ اليوم لا يمكن أن يطول؛ لأن الشمس تجري في فلكها ولا تتغيَّر، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه ولعِظَمِ المشاق فيه، فهو يطولُ؛ لأنه مُتْعِب، ما قالوا هكذا، كما يقوله بعضُ المُتَحَذْلِقِين.
بماذا صَدَّقوا؟ صَدَّقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهرًا حقيقة، بدون تحريف وبدون تأويل، وهكذا حقيقة المؤمن، ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، وإن حَارَ فيها عقلُه، لكن يجب أن تعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون فيما يكون محالًا في العقول، لكن فيما يكون حيرةً في العقول، يعني العقول تتحير؛ لأنها ما تدركه، لكن لا يمكن أن يكون شيئًا محالًا.
فالرسول ﷺ أخبر بأن أول يوم من أيام الدجال كَسَنَة، لو أن هذا الحديث مَرَّ على المتأخِّرين الذين يدَّعون أنهم هم العقلاء لقالوا: إنَّ طوله مجاز عمَّا فيه مِن التَّعبِ والمشاق؛ لأن أيام السرور قصيرة، وأيام الشرور طويلة.
ولكن الصَّحابة ﵃ لصفائهم وقَبولهم سَلَّموا في الحال، وقالوا: إنَّ الذي خَلَقَ الشَّمسَ، وجعلها تجري في أربعة وعشرين ساعة في اليوم والليلة، قادر على أن يجعلها تجري في اليوم كم؟ اثني عشر شهرًا؛ لأن الخالق واحد ﷿، فهو قادر، ولذلك سَلَّموا، وقالوا: كيف نُصلِّي؟ ما سألوا عن الأمر الكوني؛ لأنهم يعلمون أن قدرة الله فوق مستواهم، سألوا عن الأمر الشرعي الذي هم مُكَلَّفون به وهو الصَّلاة، وهذا والله حقيقة الانقياد والقَبول، قالوا: كيف نصلي؟ قال: «اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (٢).
[ ١ / ١٢٩٩ ]
وسبحان الله العظيم! إذا تأملت أن هذا الدِّينَ تامٌّ كامل، لا يمكن أن تكون مسألة يَحتاجُ النَّاسُ إليها إلى يوم القيامة إلا وُجِدَ لها أصلٌ.
كيف أنطقَ اللَّهُ ﷿ الصَّحابةَ أن يسألوا هذا السؤال؟ ما قالوا: نصبر حتى يأتي ذاك اليوم نشوف، نبحث. أنطقَهم اللَّهُ حتى يكون الدِّين كاملًا ما يَحتاجُ إلى تكميل، وقد احتاج النَّاسُ إلى هذا الآن، الآن المناطق القُطبية يبقى الليل فيها سِتَّة أشهر، والنهار ستة أشهر، نحتاج إلى هذا الحديث ولَّا ما نحتاج؟ نحتاج، شوف كيف أفتى الرسول ﵊ هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المشكلة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، والله لو نتأمَّل كلمة ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لعلمنا أنه ما يوجَد شيء ناقص في الدِّين أبدًا، كامل مِن كلِّ وَجْهٍ، لكن النقص فينا؛ إما قصور في علومنا، ولَّا في أفهامنا، ولَّا إرادات تكون ما هي منضبطة، يكون إنسان وده ينصر قوله فيَعْمَى عن الحقِّ، نسأل الله العافية.
فلو أننا نظرنا بعلم وفَهْمٍ وحُسْنِ نية لوجدنا أن الدِّينَ -ولله الحمدُ- لا يحتاج إلى مُكَمِّل، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة إلا وُجِدَ حَلُّها في الكتاب والسُّنَّة، لكن لما كَثُرَ الهوى، وغلب على النَّاسِ، صار بعض الناس يَعْمَى عليه الحقُّ، ويَخْفَى عليه الحق، وتجدهم إذا نزلت الحادثة التي لم تكن معروفة مِن قبل بعينها، وإن كان جنسها معروفًا، تجدهم يختلفون فيها أكثر من أصابعهم، إذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة، كل هذا لأنَّ الهوى غلب على النَّاسِ الآن، وإلا لو كان القصد سليمًا والفهم صافيًا والعلم واسعًا لعَرَفْت.
على كل حال أقول: إن الرسول ﷺ أخبر بأنه يبقى أربعين يومًا، فماذا يكون الأمر بعد الأربعين؟
[ ١ / ١٣٠٠ ]
ينزل المسيحُ عيسى بن مريم، الذي رَفَعَهُ الله إليه، وقد جاء في الأحاديث أنه ينزِلُ عند المنارة البيضاء في دمشق، أو عليها -النسيان مني- ينزل فلا يَحِلُّ لكافرٍ يجد ريحَه إلا مات، وهذه من آيات الله، يموت، يلحق الدَّجَّالَ عند باب اللُّدِّ -اللُّدّ الآن في فلسطين عند اليهود- فيقتله هناك، وحينئذٍ يقضي عليه نهائيًّا، ولا يقبل ﵊ إلا الإسلام، لا يقبل الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويُرِيق الخمر، ولا يقبل إلا الإسلام فقط، لا يُعبَد إلا الله.
وعلى هذا، فالجزية التي شرعها الإسلام جعل الإسلام لها أمدًا تنتهي إليه، متى؟ نزول عيسى، ولا يقال: إن هذا تشريع من عيسى؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بذلك مقرِّرًا له.
فوضع الجزية عند نزول عيسى من سنة الرسول ﵊؛ لأن سنة الرسول ﷺ قوله وفعله وإقراره، وكونه يتحدث عن عيسى بن مريم مقرًّا له، هذا من سنته. وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرع جديد، ولا أحد يأتي بشرع جديد.
ما فيه إلا شرع محمد ﵊ إلى يوم القيامة، هذا ما يتعلق بالدجال، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه.
قال بعض أهل العلم: إن الرسل الذين أَنْذَرُوا قومهم به لم يُنْذِرُوهم بعينه، وإنما أنذروهم بجنس فتنته، يعني أنذروهم من الدَّجَاجِلَة.
ولكن هذا القول ضعيف، بل هو نوع من التحريف؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأنه ما من نبي إلا أنذره قومَه، وهذا صريح في أن الناس أنذروا قومهم بعين الرجل هذا، وقد سبق لنا بيان الحكمة من إنذار الرسل به.
ولكن يجب علينا أن نعلم أن جنس هذه الفتنة موجود حتى في غير هذا الرجل، يوجد من بني آدم الآن مَن يضل الناس بحاله وقَالِه، وبكل ما يستطيع، وتجد أن الله ﷾ بحكمته أعطاه بيانًا وفصاحة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
[ ١ / ١٣٠١ ]
فعلى المرء إذا سمع مثل هذه الفتن التي تكون في أهل البدع من أناس يبتدعون في العقيدة، وأناس يبتدعون في السلوك، وغير ذلك، يجب عليه أن يعرض هذه البدع على أي شيء؟ على الكتاب والسنة، وأن يحذر منها، وألَّا يغتر بما تُكْسَى من زخارف القول؛ فإن هذه الزخارف كما قيل فيها:
حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا
حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
فالدجال الْمُعَيَّن لا شك أن فتنته أعظم شيء، لكن هناك دَجَاجِلَة يُدَجِّلُون على الناس ويُمَوِّهُون عليهم، فيجب الحذر منهم، ومعرفة إراداتهم ونواياهم، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، يعني: بيانه وفصاحته وعظمه يَجُرُّك جَرًّا إلى أن تسمع، لكن ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]، ما فيهم خير، حتى الْخُشُب ما هي قائمة بنفسها ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾، تقوم على الجدار، فهي لا خير فيها، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤].
فهؤلاء الذين يتزَيَّنُون للناس بأساليب القول، سواء في العقيدة، أو في السلوك والمنهج، يجب الحذر منهم، وأن تُعْرَض أقوالهم وأفعالهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فما خالفهما فهو باطل مهما كان، ولا تقولَنَّ: إن هؤلاء القوم أُعْطُوا فصاحة وبيانًا لينصروا الحق؛ فإن الله تعالى قد يَبْتَلِي، فيعطي الإنسان فصاحة وبيانًا وإن كان على باطل، كما ابتلى الله الناس بالدجال وهو على باطل بلا شك.
بقي علينا بحث صغير: هل الدجال من بني آدم؟
[ ١ / ١٣٠٢ ]
نعم، هو من بني آدم، وبعض العلماء -لكن أقوال- يقول: إنه شيطان، وبعضهم يقول: إن أباه إنسي وأمه جنية، على كل حال ما ندري، هذه كلها أقوال ما هي صحيحة، فالذي يظهر أن الدجال من بني آدم، وأنه كبني آدم؛ يحتاج إلى الأكل والشرب، وغير ذلك، ولهذا يقتله عيسى قتلًا عاديًّا كما يُقْتَل البشر.
يقول: ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
طالب: موجود الآن يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما وُجِد؛ لأن الرسول ﷺ في آخر حياته خطب الناس وقال: «إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ» (٣)، وهذا خبرٌ، وخبر النبي ﵊ لا يدخله الكذب نهائيًّا، وهو مُتَلَقًّى من الوحي؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم مثل الغيب، فهو غير موجود، لكن الله يبعثه متى شاء.
طالب: ().
الشيخ: فيه نظر، حديث الترمذي فيه نظر.
طالب: علاماته يا شيخ؟
الشيخ: هذا ليس وقت السؤال، البحث فقهي، لكن تعرضنا لهذه المسائل؛ لأنه يندر أن توجد في كتب التوحيد إلا كان في المستقبل إن شاء الله.
يقول: (ويدعو بما ورد)، ليت المؤلف قال: ويدعو بما أحب؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر حديث ابن مسعود في التشهد قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (٤)، لكن يمكن أن نجيب عن كلام المؤلف فنقول: إنه ينبغي أن يبدأ الإنسان بما ورد؛ لأن الدعاء الوارد خير من الدعاء المصطنَع الذي أنت تقوله، فإذا وُجِدَ دعاء وارد، فالتزامه أولًا، ثم تدعو بما شئت.
ومما ورد في هذا: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَعَلَى شُكْرِكَ، وَعَلَى حُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٥)، فإن الرسول ﷺ أمر معاذ بن جبل أن يدعو به دُبُرَ كل صلاة مكتوبة، وفي بعض الألفاظ أمره أن يدعو به في صلاته، فإذا جمعنا بين اللفظين قلنا: في صلاته في دُبُرِها، أي: في آخرها.
[ ١ / ١٣٠٣ ]
والقول بأن هذا الدعاء في آخر الصلاة أصح من القول بأنه بعد السلام؛ لأن الذي بعد السلام إنما هو الذِّكر، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وأما ما قُيِّدَ بدُبُر الصلاة وهو دعاء فإنه في آخرها.
وسُئِلَ شيخ الإسلام ﵀: كيف يقول: دُبُر الصلاة، فقال: دُبُر الشيء منه، كدُبُر الحيوان، فإن الحيوان له دُبُر، ودُبُره في نفس الجسم، فكذلك دبر الصلاة يكون من الصلاة، وإذا كان الرسول ﷺ أرشدنا إلى أن ندعو بعد التشهد صار الدعاء المقيَّد بالدُّبُر محله قبل السلام آخر الصلاة.
أما دُبُر الصلاة فهو الذِّكْر؛ ولهذا لا يَرِد علينا أن الرسول ﷺ قال: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» (٦)، ومعلوم أن هذا بعد السلام بالاتفاق؛ لأن هذا مطابق للآية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، والأول الدعاء اللي قلنا يكون في آخر الصلاة قبل السلام مطابق للحديث: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ».
طالب: شيخ، حديث الْجَسَّاسة ()؟
الشيخ: والله في قلبي منه شيء.
طالب: () أحد من العلماء؟
الشيخ: إي، فيه من أنكرها، صرح بإنكارها.
طالب: طول مدة الدجال، أقول: تخرج عن العادة.
الشيخ: الله على كل شيء قدير، لكن الحديث اللي ذكرته لكم في الصحيحين: «لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ» (٣).
طالب: قلنا في تفسير العين الطافئة قلنا: () الطافئة، وهنا تفسير ممسوح العين، فلا يتوافق مسيح من ممسوح العين وتكون طافئة () الدجال، ما تكون ممسوحة.
الشيخ: لا، يمكن أن تكون طافئة، إذا صار المرتفع يسيرًا صار طرف العين غارًا.
طالب: من جهة يعني؟
الشيخ: إي نعم، من جهة.
[ ١ / ١٣٠٤ ]
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء أخذوا من قول النبي ﷺ في قتل عيسى للمسيح الدجال أنه يقتله بسيفه، قال: هذا فيه دليل على أن آخر الزمان الدبابات والرشاشات الموجودة الآن ستفنى.
الشيخ: والله ما أدري، اللي أعرف في الحديث: يقتله، لكن في يأجوج ومأجوج أنهم يَرْمُون بنشابهم إلى السماء، فترجع إليهم مُخَضَّبَة بالدماء، فيقولون: قتلنا مَن في الأرض وقتلنا مَن في السماء، ولا نستبعد أن هذه تروح، أنا حدَّثَنِي إنسان بأنهم الآن عَثَرُوا على صناعة آلة تبطل كل الكمبيوتر، كل شيء على الكمبيوتر تبطله، حتى الطائرات تسقط على الأرض إذا شغَّلُوا هذا، بس إنه الآن من الأشياء السرية، أنا حدثني واحد في مركز الدراسات أظن ..
طالب: كلية الملك عبد العزيز.
الشيخ: المهم أنه قال: إنه بس من الأمور السرية هذه، إلى الآن لم تخرج، وهذا إذا خرج معناه أبطل كل شيء، والله على كل شيء قدير، لكن إحنا ليت معنا سلاح إيمان، لو معنا سلاح إيمان ما نفعتهم دباباتهم ولا صواريخهم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، دَلَّت السنة يا شيخ على أن حفظ أول عشر آيات من سورة الكهف أو آخرها عُصِمَ بها من الدجال، أقول أحسن الله إليكم: لا شك أن النص () بنفسه، لكن أقول: ما المناسبة بين العشر آيات ..؟
الشيخ: الرسول ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْكَهْفِ» (٢)، فليقرأ عليه بذلك.
الطالب: يقرأ على الدجال.
الشيخ: يقرأ على الدجال، فيه لفظان: فليقرأ عليه بكذا، وفليقرأ عليه كذا.
الطالب: وَحِفْظُها ما جاء؟
الشيخ: ما أدري والله، لكن حفظها لأجل يقرأ عليه.
الطالب: لكن مناسبتها يا شيخ؟
الشيخ: الله أعلم.
طالب: سمعنا أنه يقول للأرض تنبت، وكيف يَتَنَقَّل يا شيخ؟ هل هو على حمار كما قالوا؟
[ ١ / ١٣٠٥ ]
الشيخ: الرسول ﷺ سُئِلَ عن سيره الحقيقة، لكن البحث يُنْسِي بعضه بعضًا: كيف سَيْرُه في الأرض؟ قال: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ» (٢)، مثل السحاب اللي شالته الريح، السحاب اللي شالته الريح من أسرع ما يكون.
الطالب: ترى تنبت الأرض يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: يقول لها: أَنْبِتِي، ويقول للسماء: أَمْطِرِي، تمطر، فتنة عظيمة.
طالب: أحسن الله إليك، هل هو أول علامات الساعة الدجال، أو طلوع الشمس من مغربها؟
الشيخ: لا، ما هو أول، طلوع الشمس من مغربها آخر شيء؛ لأنها إذا طلعت من مغربها لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، والإيمان بعد الدجال يكون، عيسى بن مريم واللي معه كلهم مؤمنون.
طالب: بالنسبة للدعاء في آخر الصلاة، هل يمكن أن يطلب شيئًا من أمور الدنيا، ولا خاص بس ..
الشيخ: ويش ودك تطلب؟
الطالب: بيت، سيارة، زوجة.
الشيخ: اطلب، ما فيه مانع.
طالب: بالنسبة () المذكور في () شيخ، ما ورد أنه يحيي الموتى، يأتي الرجل اللي أبوه وأمه ميتان فيحييهما.
الشيخ: هذه ما رأيتها، لكن قضية الشاب هذا إحياء موتى.
طالب: شيخ، المسيح ما اسمه؟
الشيخ: ذكرنا هذا.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويدعو بما ورد ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول، وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط، ثم يجلس في تَشَهُّدِه الأخير مُتَوَرِّكًا، والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ١٣٠٦ ]
سبق لنا أن الإنسان يَتَعَوَّذ من أربعة أشياء: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
وآخر ما تكلَّمنا عليه المسيح الدجال من عدة وجوه؛ أولًا: في مكانه، وفي هدفه، وفي زمانه، وفي مُكْثِه في الأرض، وفي فتنته وعِظَمِها، وكل هذا أظنه عُلِمَ لكم، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: فكم مُكْثُه؟
طالب: أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا العادية.
الشيخ: ومن أين يخرج؟
طالب: يخرج من المشرق من خراسان، ومارًّا بأصفهان، ثم يتجه نحو المدينة.
الشيخ: من بين الشام والعراق. هل يمكن أن يدخل المدينة؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن.
الطالب: على كل باب ملائكة يحفظونها.
الشيخ: ومكة؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: ومكة كذلك لا يمكن أن يدخلها. ما هي نوع فتنته، يعني بأي شيء يفتن الناس؟
طالب: بأنه إله.
الشيخ: يدعوهم إلى ..؟
الطالب: عبادته.
الشيخ: إلى عبادته وتأليهه. وهل يُبَرِّر ذلك تلك الدعوى؟
طالب: نعم.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: ()؟
الشيخ: ما هي أو اذكر شيئًا منها.
الطالب: الإحياء والإماتة، إنبات الزرع، إنزال المطر، إخراج الكنوز.
الشيخ: والجنة؟
الطالب: إحضار جنة ونار معه.
الشيخ: نعم، هل جنته حق؟
طالب: لا.
الشيخ: وناره؟
الطالب: ليس كذلك.
الشيخ: ليس كذلك، إذن ما جنته؟
الطالب: جنته نار.
الشيخ: إي نعم، وناره؟
الطالب: جنة.
الشيخ: وناره جنة. إحياء الموتى، صورة المسألة؟
طالب: هو أن يأتيه شاب ثم يقول: أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ، فيقتله فيشقه نصفين ثم يمر بينه، ثم يعود كما كان، ثم يقول له: أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا بك رسول الله ﷺ، ثم يكررها، ثم يريد أن يقتله فلا يستطيع أن يقتله، ولا يقتل أحدًا بعده.
[ ١ / ١٣٠٧ ]
الشيخ: هو أنه يأتيه هذا الرجل الشاب، ويقول: أنت الدجال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله ﷺ، فيأمر به فيُضْرَب ويُشَجّ ويُوَسَّع ظهره وبطنه ضربًا، ثم يعيد عليه المساءلة ثانية، ثم يقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله ﷺ، فيشقه نصفين ويمشي بينهما، وأنا ذكرت لكم في الدرس الماضي أنه يفعل به هذا مرتين، ولكن المرة الأولى ليست قتلًا، إنما هي شج وضرب فقط.
هذا اليوم الذي كسنة كيف يصنع الناس فيه من جهة الصلاة ومن جهة الصيام؟
طالب: سأل الصحابة الرسول ﵊: كيف يكفينا صلاة واحدة؟ قال: «اقْدُرُوا لِلصَّلَاةِ قَدْرَهَا» (٢)، كل فرض يأتي يحسب الزمن العادي اللي كان يُصَلَّى فيُصَلُّون، ثم يُصَلُّون بعده، في هذا اليوم يُصَلُّون عدة صلوات.
الشيخ: يعني يصلون صلاة سنة كاملة، وفي الشهر؟
الطالب: وفي الشهر كذلك، يَقْدِرُونَ له قدره، صلاة شهر كامل، وفي الأسبوع ..؟
الشيخ: صلاة شهر كامل وفي الأسبوع كذلك. ما نهاية الدجال؟
طالب: () ينزل عيسى بن مريم ﵊ فيقتله.
الشيخ: فيقتله، وينتهي أمره.
أعطانا رسول الله ﷺ فيه علامة، وهي أنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة أو طافية، وعلامة أخرى أنه مكتوب بين عينيه (كافر)، وكُتِبَت في الحديث: (ك ف ر) يقرؤها كل مؤمن؛ يقرأ أو ما يقرأ، ويعمى عنها الكافر والمنافق.
لم يُفْصِح المؤلف بحكم هذه الاستعاذة، هل هي واجبة أو لا، ولكن سيأتينا إن شاء الله بيان أنها ليست واجبة؛ لأن المؤلف -﵀- سيذكر فيما بعد الأركان والواجبات، وما عداها فهو سنن، وهو لم يذكر هذه في الواجبات، ولا في الأركان.
وعلى هذا يكون التعَوُّذ بالله من هذه الأربع سنة، وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة.
[ ١ / ١٣٠٨ ]
وعن الإمام أحمد ﵀ رواية أن التعَوُّذ من هذه الأربع واجب؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، ولأن هذه الأشياء الأربعة أمرها عظيم وشأنها كبير، فكانت جديرة بأن تُفْرَض على المسلمين ليقولوها في صلاتهم، ليستعيذوا بالله منها في صلاتهم؛ لأن خطرها من أعظم الخطر، وإذا نجا الإنسان منها فقد نجا.
فعلى هذا نقول: المسألة فيها قولان لأهل العلم -أي في وجوب التعوذ بالله من هذه الأربع فيه قولان لأهل العلم-:
القول الأول: أن ذلك واجب؛ لأمر النبي ﷺ، ولشدة خطرها وعظمها.
والقول الثاني: أنها سنة، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
ولا شك أنه لا ينبغي للإنسان أن يُخِلَّ بها، فإن أَخَلَّ بها فإنه على خطر من أمرين؛ الأمر الأول: الإثم، والأمر الثاني: ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعض السلف يأمر بإعادة الصلاة على من لم يَتَعَوَّذ بالله منها.
وسبق لنا أن المؤلف يقول بعد ذلك: (يدعو بما ورد)، فقوله: (بما ورد) (ما) اسم موصول يشمل كل الوارد.
ولكن ليس مراده أن كل دعاء ورد في السنة يُدْعَى به هنا، وإنما مراده أن يدعو بما ورد الدعاء به في هذا المكان، ومنه ما سبق: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَعَلَى شُكْرِكَ، وَعَلَى حُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٥)، ومنه ما عَلَّمَه النبيُّ ﷺ أبا بكر ﵁ حين قال: يا رسول الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٧)، ولكن لو دعا بدعاء غير ذلك فإنه يجوز.
لكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يكون الدعاء واردًا، ولكن هل مراده واردًا باعتبار الجنس، أو باعتبار النوع والعين؟
[ ١ / ١٣٠٩ ]
فيه احتمال؛ يحتمل أنه يريد بما ورد بعينه، ويحتمل أن يريد بما ورد بجنسه، والذي ورد الدعاء بجنسه في الصلاة هو ما يتعلق بأمر الآخرة، وإذا قلنا بهذا الاحتمال صار معنى كلام المؤلف أن يدعو بدعاء يتعلق بأمور الآخرة، سواء ورد هذا الدعاء بعينه أم لم يَرِد، وإن قلنا بالاحتمال الأول؛ بما ورد بعينه، صار يتقيد بما ورد بعينه في هذا الموضع.
لكن الاحتمال الأول أشمل؛ أن يدعو بما ورد باعتبار الجنس، وهو ما يتعلق بأمور الآخرة، فيدعو بما يتعلق بأمور الآخرة بما شاء.
ولكن هاهنا مسألة؛ وهي أنه ينبغي المحافظة أولًا على الوارد في هذا المكان بعينه، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يدعو بغير ما ورد، سواء قلنا: إن المراد ما ورد بجنسه أو بعينه، فلا يدعو بشيء من أمور الدنيا، مثل أن يقول: اللهم ارزقني بيتًا واسعًا، اللهم ارزقني زوجة جميلة، اللهم ارزقني مالًا كثيرًا، اللهم ارزقني سيارة مريحة، اللهم ارزقني ثوبًا شتويًّا في أيام الشتاء، صيفيًّا في أيام الصيف، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا يتعلق بأمور الدنيا.
حتى قال الفقهاء ﵏: لو دعا بشيء مما يتعلق بأمور الدنيا بطلت صلاته، لكن هذا قول ضعيف بلا شك.
والصحيح أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلق بأمور الدنيا، وذلك لأن الدعاء عبادة، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرسول ﷺ يقول: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (٨)، ويقول: «أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٩)، ويقول في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (٤).
والإنسان لا يجد نفسه مُقْبِلًا تمام الإقبال على الله إلا وهو يصلي، فكيف نقول: لا تسأل الله وأنت تصلي شيئًا تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا.
[ ١ / ١٣١٠ ]
وقد جاء في الحديث عن الرسول ﵊: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى شِسْعَ نَعْلِهِ» (١٠)، وشِسْع النعل يتعلق بأمور الدنيا.
فالصواب بلا شك أنه يدعو بعد التشهد بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وأجمع ما يُدْعَى به في ذلك: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، فإن هذه جامعة لخير الدنيا والآخرة.
قولنا: إنه يدعو على القول الراجح بما شاء، هل يجوز الدعاء لِمُعَيَّن، بأن يقول: اللهم اجْزِ فلانًا عني خيرًا، أو: اللهم اغفر لفلان؟
الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذا دعاء، وإذا كان الرسول ﷺ ثبت عنه أنه دعا على قوم مُعَيَّنِين، ودعا لقوم مُعَيَّنِين؛ فدعا للمستَضْعَفِين في مكة، ودعا على الطغاة في مكة، لكنه نُهِيَ عن الدعاء على الطغاة باللعن، إنما دعا ﷺ لِمُعَيَّن، فيجوز أن تدعو لمعين وأنت في صلاتك، سواء كان أباك أم أمك أم أخاك، أم أي إنسان تحب أن تدعو له.
قال: (ويدعو بما ورد). لكن لو دعا لشخص بصيغة الخطاب فتذكر وهو يصلي، فقال: غفر الله لك يا شيخ الإسلام ابن تيمية. فهل تبطل صلاته؟
الفقهاء يقولون: تبطل؛ لأنه أتى بكاف الخطاب، والخطاب لا يجوز في الصلاة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (١١)، ولم يستثنوا إلا النبي ﵊، قالوا: إنك تخاطبه: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، أما غيره لا تَأْتِ له بكاف الخطاب مطلَقًا.
[ ١ / ١٣١١ ]
ولكن هذا القول في النفس منه شيء، وذلك لأنك إذا قلت: غفر الله لك يا فلان، وأنت تصلي، فإنك لا تشعر بأنك تخاطبه أبدًا، ولكن تشعر بأنك مستحضرٌ له غاية الاستحضار حتى كأنه أمامك، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال حين تَفَلَّت عليه الشيطان، قال: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ» (١٢)، فخاطَبه.
فبعضهم يقول: إن هذا الحديث قبل تحريم الكلام، وبعضهم يؤوله، ولكن كلا الجوابين فيه نظرٌ.
فالذي يظهر أن خطاب الآدميين أن تخاطبه، مثلًا يمر بك تقول: يا فلان تعال، وين أنت رايح؟ هذا كلام آدميين، تبطل به الصلاة ولَّا ما تبطل؟ تبطل، لكن شخص يستحضر شخصًا مَيِّتًا، ثم يقول: غفر الله لك يا فلان، في كون هذا من الكلام الْمُبْطِل للصلاة نظر. ولكن دَرْءًا للشبهة بدل أن يقول: غفر الله لك، يقول: اللهم اغفر له، وهذا جائز بالاتفاق.
قال المؤلف: (ثم يُسَلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يسار كذلك).
يُسَلِّم بعد التشهد والدعاء، يُسَلِّم عن يمينه وعن يساره، يقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. وهذا خطابٌ: السلام عليكم، لكنه خطابٌ يخرج به من الصلاة، بخلاف الخطاب الذي يكون في أثناء الصلاة فقد سمعتم القول فيه، أما هذا فهو خطاب يخرج به من الصلاة.
على من يُسَلِّم: السلام عليكم؟
طالب: على الخلاف، أنه يسلم على من () لا مثل، قال أنه يسلم على من جنبه بالصفوف، وقيل: إنه يسلم على الملائكة، وقيل: إنه يُسَلِّم على ..
الشيخ: يقولون: إذا كان معه جماعة فيسلم عليهم: عليكم، وإذا لم يكن معه جماعة فيُسَلِّم على الملائكة الذين على يمينه وشماله، يقول: السلام عليكم ورحمة الله.
لكن هذا السلام الآن إذا سَلَّم الإنسان مع الجماعة، هل يجب على الجماعة أن يَرُدُّوا عليه؟
[ ١ / ١٣١٢ ]
لا، وإن كان قد روى أبو داود أن النبي ﷺ كان يُسَلِّم عليهم ويُسَلِّم بعضهم على بعض بهذا السلام، لكن الظاهر أن يقال: هذا السلام حاصل من الجميع، فكل واحد يُسَلِّم على الآخر، فاكتُفِيَ بسلام الثاني عن الرد؛ السلام عليكم، الثاني يقول: السلام عليكم.
هذا هو أقرب ما يقال في رد هذا السلام، وإلا فلا شك أن المأمومين يُسَلِّم بعضهم على بعض بهذا، كما قال النبي ﵊ حينما كانوا يرفعون أيديَهم يُومِؤُون بها، قال: «مَا لِي أَرَاكُمْ تُومِؤُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَمِنْ عَلَى شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (١٣).
وهذا يدل على أن هذا السلام يُقْصَد به السلام على من بجانبه، لكنه لما كان كل واحد يُسَلِّم على الثاني اكتُفِيَ بهذا عن الرد.
قال: (السلام عليكم ورحمة الله)، سبق شرحها في التشهد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله.
قال: (وعن يساره كذلك) يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وهاهنا بحثٌ في السلام:
أولًا: لو قال: سلامٌ عليكم، بدون (أل)، هل يجزئ؟
الجواب: نعم، لكن السنة أن يكون بـ (أل)؛ لأن هذا هو الذي جاء به الحديث، فيقول: السلام عليكم.
الثاني: لو جاء بالإفراد، قال: السلام عليك ورحمة الله، فإنه لا يجزئ؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٤)، ولوجود الفرق بين الإفراد وبين الجمع.
ولو قال: السلام عليكم، فقط، فهل يجزئ؟
[ ١ / ١٣١٣ ]
فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا يجزئ، ومنهم من قال: يجزئ؛ لأنه قد ورد في حديث رواه النسائي أشرت إليه قبل قليل: «أَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (١٥)، بدون ذكر: (ورحمة الله)، وعلى هذا فيكون قوله: (ورحمة الله) سنة، وليس بواجب.
ومنها -من البحث في السلام-: هل يزيد على ذلك فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
هذا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: الأفضل ألَّا يزيد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ألَّا يزيد على قوله: ورحمة الله، لا في التسليمة الأولى، ولا في التسليمة الثانية.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يزيد في التسليمة الأولى: (وبركاته)، دون الثانية، فيقول في الأولى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وفي الثانية: السلام عليكم، فقط؛ لحديث أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن حجر: إن إسناده صحيح.
ومنها -أي من البحث في السلام-: لو اقتصر على تسليمة واحدة، فهل يجزئ؟
هذا أيضًا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: يجزئ؛ لحديث عائشة: وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. وهذا لفظ مُطْلَق يصدُق بواحدة.
ومنهم من قال: لا يجزئ؛ وأن (أل) في التسليم للعهد الذهني، أي: بالتسليم بالمعهود، وهو السلام عليكم ورحمة الله، من اليمين، والسلام عليكم ورحمة الله، من اليسار.
واستدلوا لذلك بقوله في الحديث الذي رواه النسائي أشرنا إليه قبل قليل: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَمِنْ عَلَى شِمَالِهِ»، وقالوا: إن ما دون الكفاية لا يكون مُجْزِئًا ولا جائزًا؛ لأنه قال: يكفيك كذا، معناه ما دونه لا يكفي، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وأنه لا بد من التسليمتين، ولا يجوز أن يُخِلَّ بهما.
[ ١ / ١٣١٤ ]
واستدلوا أيضًا بمحافظة النبي ﷺ على التسليمتين، وقالوا: إن محافظته عليهما حضرًا وسفرًا، في حضور البوادي، والأعراب، والعالِم، والجاهل، يدل على أنه لا بد منهما، ويُرَشِّح ذلك قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٦).
وقال بعض أهل العلم: تجزئ واحدة في النفل دون الفرض؛ لأنه ورد عن النبي ﵊ أنه سَلَّم في الوتر تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه، وقالوا: إن النفل قد يُخَفَّف فيه ما لا يُخَفَّف في الفرض، وعلى هذا فتجزئ التسليمة الواحدة في النفل دون الفرض.
فهذه أقوال ثلاثة؛ هل لا بد من التسليمتين في الفرض والنفل، كما هو المشهور من المذهب، أو تجزئ تسليمة واحدة في الفرض والنفل، أو تجزئ تسليمة واحدة في النفل دون الفرض؟
على كل حال الاحتياط من الأقوال الثالثة هو أن يُسَلِّم مرتين؛ لأنه إذا سَلَّمَ مرتين لم يَقُل أحدٌ من أهل العلم: إن صلاتك باطلة، ولو سَلَّم مرةً واحدة لقال له: من أهل العلم من يقول: إن صلاتك باطلة.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ أمر بالاحتياط فيما لم يتضح فيه الدليل، فقال ﵊: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (١٧).
وقال ﵊: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١٨)، وأنت إذا أتيت بالتسليمة الثانية فقد أتيت بذكر تتقرب به إلى الله ﷿، وتَسْلَمُ به من أن يقال: إن صلاتك باطلة.
على أن الذين قالوا بوجوب التسليمتين في الفرض والنفل قالوا: إن فعل الرسول ﵊ قضية عين تحتمل النسيان أو غير ذلك، فلا يُقَدَّم هذا الفعل على القول الذي قال: إنما كان يكفي أحدكم أن يقول كذا.
[ ١ / ١٣١٥ ]
ولكن هذا الاحتمال فيه نظر؛ لأن الأصل في فعل الرسول ﷺ التشريع وعدم النسيان، ولا سيما أنه سَلَّمَ واحدة تلقاء وجهه على خلاف العادة، مما يدل على أنه أرادها قصدًا، لكن كما قلت: الاحتياط أن يُسَلِّمَ مرتين في الفرض والنفل.
قال: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول).
(إن كان في ثلاثية أو رباعية) ثلاثية مثل المغرب، رباعية كالظهر والعصر والعشاء.
(نهض مُكَبِّرًا)، (مُكَبِّرًا) حال من فاعل (نهض)، تدل على أنه يكون التكبير في حال النهوض، وهو كذلك؛ لأن جميع التكبيرات ما عدا تكبيرة الإحرام كلها محلها ما بين الركنين، فيكون مُكَبِّرًا حال النهوض.
قال: (نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول)، والتشهد الأول ينتهي عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يرفع يديه؛ لأنه لم يقل: ويرفع يديه، وهذا هو المشهور من المذهب؛ أنه لا يرفع يديه إذا قام من التشهد الأول؛ لأن مواضع رفع اليدين على المذهب ثلاثة فقط: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
ولكن الصحيح أنه يرفع يديه؛ لأنه صَحَّ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ.
وعلى هذا القول فالقول الراجح في هذه المسألة أنه يرفع يديه إذا قام من التشهد الأول، ولأنه انتقال من نوع إلى نوع آخر في الصلاة، فإن الركعتين الأوليين يُشْرَع فيهما ما لا يُشْرَع في الركعتين الأُخْرَيَيْن، فلما كان هذا انتقال من نوع إلى نوع صار من الحكمة أن يُمَيَّزَ هذا الانتقال بالرفع، كأنه صلاة جديدة، وإن لم تكن جديدة لكنها لتَمَيُّزها عن الركعتين الأوليين صار يرفع.
[ ١ / ١٣١٦ ]
ولكن متى يكون الرفع؟ يكون الرفع إذا قام؛ لأن لفظ الحديث: يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، وليس يرفع وهو جالس ثم ينهض؛ لأن هذا الرفع مع التكبير، والتكبير لا يكون إلا بعد النهوض، يعني في حال النهوض، وعليه فيكون التكبير إذا قام؛ لأن لفظ الحديث: يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، يُكَبِّر حين يقوم من الركعتين بعد الجلوس، ومعلوم أن كلمة (حين يقوم) ليس معناها: حين ينهض؛ إذ إن بينهما فرقًا، فمن توهم أنه يرفع وهو جالس، فليُصَحِّح وهمه، بل الرفع يكون إذا انتهى قائمًا.
يقول ﵀: (وصَلَّى ما بقي كالثانية بالحمد فقط)، وصلى ما بقي كالثانية، أيش الثانية؟ أي كالركعة الثانية، يعني: فليس فيه تكبيرة إحرام، ولا استفتاح، ولا تَعَوُّذ، ولا تجديد نية.
طالب: ولا قراءة سورة؟
الشيخ: لا؛ لأنه قال: (كالثانية)، لكن قال: (بالحمد)، هذا اللي أخرج قراءة السورة، قال: (بالحمد فقط).
تمتاز الركعتان هاتان عن الأوليين أنه يقتصر فيهما على الحمد، وأنه يُسِرُّ فيهما بالقراءة، حتى في الصلاة الجهرية يُسِرُّ فيهما بالقراءة، فهما ركعتان من نوع جديد.
وقول المؤلف: (بالحمد فقط)، يعني: لا يزيد، وهذا هو مقتضى حديث أبي قتادة ﵁ الثابت في الصحيحين، أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب فقط، ولكن في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أن الركعتين الأُخْرَيَيْن يُقْرَأ فيهما؛ لأنه ذكر أن الرسول ﵊ كان يقرأ في الركعتين الأُولَيَيْن بسورة، ولا يُطَوِّل الأولى على الثانية، ويقرأ في الركعتين الأُخْرَيين بنصف ذلك.
وهذا يدل -أعني حديث أبي سعيد الخدري- على أنه جعل الركعتين الأوليين سواء، والركعتين الأخريين سواء.
[ ١ / ١٣١٧ ]
لكن بعض العلماء رَجَّح حديث أبي قتادة؛ لأنه متفق عليه، وحديث أبي سعيد في مسلم، ولأن حديث أبي قتادة جزم به الراوي، وأما حديث أبي سعيد فقال: حَزَرْنَا قِيَامَهُ، أي: خَرَصْنَاه وَقَدَّرْناه، وفرقٌ بين من يجزم بالشيء وبين من يَخْرِصه ويُقَدِّرُه.
ولكن الذي يظهر أن إمكان الجمع حاصلٌ، يعني أنه يمكن الجمع بين الحديثين، فيقال: إن الرسول ﷺ أحيانًا يفعل ما يدل عليه حديث أبي سعيد، وأحيانًا يفعل ما يدل عليه حديث أبي قتادة؛ لأن الصلاة -كما تعلمون- ليست واحدة حتى نقول: فيه تعارض، كل يوم يصلي الرسول ﷺ خمس مرات، وإذا أمكن الجمع وجب الرجوع إليه قبل أن نقول بالنسخ، وقبل أن نقول بالترجيح.
قال: (بالحمد فقط، ثم يجلس في تَشَهُّده الأخير مُتَوَرِّكًا)، يجلس متى؟ إذا أتى بما بقي؛ إما ركعة إن كان في ثلاثية، أو ركعتين إذا كان في رباعية، يجلس في تشهده الأخير مُتَوَرِّكًا.
وكيفية التَّوَرُّك: أن يُخْرِج الرجل اليسرى من الجانب الأيمن، ويجلس على مقعدته على الأرض، وتكون الرجل اليمنى منصوبة، الرجل اليمنى منصوبة، والثانية مفروشة، لكنها خارجة من الجانب الأيمن، وهذه إحدى صفات التَّوَرُّك.
الصفة الثانية: أن يفرش القدمين جميعًا، ويخرجهما من الجانب الأيمن.
والصفة الثالثة: أن يفرش اليمنى، ويدخل اليسرى بين الفخذ والساق، بين فخذ اليمنى وساقها.
كل هذه وردت عن النبي ﷺ في صفة التورك، وعلى هذا فنقول: ينبغي أن يفعل الإنسان هذا مرة، وهذا مرة، بناءً على القاعدة التي قَعَّدَها أهل العلم، وهي أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة ينبغي أن يفعلها مرة هكذا ومرة هكذا؛ للفوائد الثلاث الذي ذكرناها من قبل، نعيدها الآن.
طالب: أولًا: إحياء السنة.
الشيخ: نعم، إحياء السنة، الثاني؟
طالب: تستحضر القلب.
الشيخ: أن هذا أقوى لاستحضاره.
طالب: اتباع السنة.
الشيخ: كيف اتباع؟
[ ١ / ١٣١٨ ]
طالب: إحياء السنة واتباعها.
الشيخ: اتباع السنة؛ لأنه يفعل هذا وهذا.
على كل حال فيها فوائد، ولا شك أنها أشد في الاتباع مما إذا اقتصر على شيء واحد، ولكن هاهنا مسألة، وهي أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يفعل هذه العبادات المتنوعة أن يكون على يقين منها، فإن شك رجع إلى ما يتيقنه، أحيانًا ينسى الإنسان، مثلًا: حديث ابن عباس في التشهد، وحديث ابن مسعود، بينهما بعض الاختلاف، أحيانًا ينسى الإنسان ما جاء في حديث ابن عباس، فماذا يصنع؟ هل يخبط في الحديث، ولا يقتصر على اللي هو يعلم؟ يقتصر على الذي يعلم، كما قلنا في قراءات في القرآن الكريم، القراءات التي يُقْرَأ بها في القرآن إذا كنت حافظًا لها مجيدًا لها مُتْقِنًا لها فالأفضل أن تقرأ بهذا مرة، وبهذا مرة، ما لم يكن بحضرة العوام، وأما إذا كنت غير مجيد لها فإنك تقتصر على ما تعلم؛ لئلا تُخَبِّط في القرآن، وهكذا أيضًا العبادات.
قال: (والمرأة مثله)، المرأة مثله في أيش؟ في كل ما تقدم، حتى في رفع اليدين، فترفع يديها، وتجافي عضديها عن جنبيها في الركوع، لكن تضم نفسها في الركوع والسجود، وتسدل رجليها في جانب يمينها.
تختلف المرأة عن الرجل في بعض الأشياء، وما دام عندكم أسئلة نؤجلها إن شاء الله.
طالب: () الحديث، وبعدين قالوا فيه () وبركاته، ما الراجح؟
الشيخ: إي، زيادة (وبركاته) في التسليمة الأولى فقط.
طالب: الأحسن الواحد يقتصر على السلام عليكم ورحمة الله.
الشيخ: أما بالنسبة عند العامة فالأفضل أن يقتصر عليها، وفي نفسه لا بأس أنه يتمها.
طالب: طيب لو قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم قال: وبركاته، بينه وبين نفسه.
الشيخ: ما فيه مانع، طيبة.
[ ١ / ١٣١٩ ]
طالب: قلنا في دروس سابقة: إنه يُسَنَّ أن يجعل ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ آخر كلامه آخر دعائه؛ لأدلة واردة، لكن يا شيخ فيه دليل ورد عن الرسول ﷺ، يقول علي: كان يقولها ما بين التشهد والتسليم آخر شيء.
الشيخ: اللي هي ربنا آتنا؟
الطالب: لا، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت.
الشيخ: إي، لكن لا يمنع أن يقول غيرها، كان يقول هذه، ولا يمنع أن يقول ..
الطالب: () دليل.
الشيخ: أقول: ما يمنع أن يقول غيرها، أما لو قال: ولم يقل سواها، صح.
طالب: شيخ، قلنا: العلة في قول: السلام عليكم ورحمة الله، إن الكاف هنا للخطاب، وقلنا: إن هذه خروج من الصلاة، ما يكون فيه دليل ()؟
الشيخ: لا، ما فيه دليل؛ لأن حديث عائشة صريح: يختمها بالتسليم.
الطالب: كله ذِكْر.
الشيخ: بالتسليم، التسليم ذِكْر، تجعل الضرطة مثل الذكر؟ ما أحد يقول هذا، إن قالها أحد ما هو بصحيح.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن قال المصلي: سلامٌ عليكم ورحمة الله، فإن ذلك يجزئ.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن نحن قلنا في تفسيرها: إنه كالتفسير الذي قلناه في (السلام عليك أيها النبي)، ومن التفسير في قولنا: السلام عليك أيها النبي، أن السلام اسم الله ﷿.
الشيخ: إي، لكن هذا ضعيف، ضَعَّفْنَا هذا القول.
طالب: قال الفقهاء عفا الله عنهم: يبدأ بالسلام مع بدء التفاته.
الشيخ: هذا هو الظاهر، الظاهر أنه يبدأ مع بدء حتى يكون الكاف في (السلام عليكم) في حال انتهاء أو توسط الالتفات.
طالب: ما بيلتفت بعد ما يُسلَّم.
الشيخ: لا، معها، أما بعض الناس يقول: السلامُ عليكم، السلام وهو مستقبل القبلة، هذا استحبه بعض الفقهاء، لكن ما له أصل، بعضهم قال: لا يلتفت إلا حين يأتي بكاف الخطاب، لكن ظاهر السنة خلاف ذلك، أنه يلتفت من حين يبدأ بالسلام.
[ ١ / ١٣٢٠ ]
طالب: جزاكم الله خيرًا، ما ورد الاستعاذة من فتنة الْمَأْثَم والْمَغْرَم؟
الشيخ: بلى، بس ما فيها أمر.
طالب: شيخ، إذا كان المصلي في نفل، ثم سَلَّم وكان بجواره واحد، هل يجب عليه الرد؟
الشيخ: لا، ما يرد.
طالب: هل لا بد أنه ينوي الخروج من الصلاة حين السلام؟
الشيخ: كيف؟
طالب: يعني يسَلِّم هكذا، أو نقول: لا بد أن تنوي تخرج من الصلاة؟
الشيخ: يعني لو سَلَّم يريد السلام ما هو بالخروج يعني؟
طالب: الفقهاء يقولون: لا بد ينوي بالسلام هذا الخروجَ من الصلاة.
الشيخ: على سبيل السُّنِّيَّة يعني، لكن هذا معروف، ما أحد يُسَلِّم من صلاته إلا يريد هذا.
طالب: هل لا بد أن يلتفت يعني () أو يلتفت التفاتًا يسيرًا؟
الشيخ: لا، يلتفت حتى يُرَى بياض خَدِّه، لكن كونه يلتفت بكل بدنه لا، يلتفت برأسه فقط.
طالب: جزاكم الله خيرًا، قلنا: عندما تقول: سلام عليكم، إن هذا يجزئ لكن مخالف للسنة؟
الشيخ: لكن السنة أن يكون بـ (أل).
طالب: إي نعم، وقلنا يا شيخ: السلام عليك، هذا لا يجزئ؛ لأن حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٤)، وحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٦)، وأيضًا يا شيخ الصيغة الأولى مخالفة؟
الشيخ: إي، لكن بينهما فرق؟ الثانية: عليك وعليكم، تنقل الكلام من المخاطَبين إلى مخاطب واحد، لكن هذاك في تعريف السلام وتنكيره، وقد ورد هذا وهذا، ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥].
طالب: شيخ، إذا التفت على اليسار، يعني يلتفت على اليمين السلام، ولكن نسي أن يقول: السلام، تذكر أنها وجبت على اليسار، يجزئ؟
الشيخ: يعني بس هو التفت ولا سَلَّم ثم سَلَّم؟
طالب: ثم سَلَّم على شماله.
الشيخ: لا، إذا ذكر يلتفت يمينًا، بسيطة إدارة رأسه.
[ ١ / ١٣٢١ ]
طالب: شيخ، قلتم في التشهد يا شيخ: إن التشهد الأول ينتهي عند لفظ الشهادة، وفي حديث عائشة ﵂ وصف صلاة النبي ﷺ، صلاة الليل، صلى تسع ركعات، وجلس في الثامنة التي ليس فيها سلام، تَشَهَّد وقال وصلى على النبي ﷺ، كيف نخرج من الإشكال يا شيخ؟
الشيخ: هذا في الوتر، يعني صلى ثماني ركعات، وجلس في الثامنة، فحمد الله وأثنى عليه، ما أدري عن صلاة النبي، لكن هذا في الوتر.
طالب: شيخ ثبت في ..
الشيخ: لا، ما هو ثبت في النفل، ثبوته له أحكام خاصة، ولذلك تُسْرَد فيه الثماني ركعات، بل تسع ركعات، وخمس ركعات، وسبع ركعات، وغيره ما يفعل.
طالب: أقول: بعض الناس يُسَلِّم عن يمينه، ثم يستقبل القبلة يعني قليلا، ثم يُسَلّم عن يساره، يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله، هكذا، ثم يُسَلِّم عن يساره، فهل هذا له أصل؟
الشيخ: لا، ما أعلم له أصلًا، يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما له أصل هذا.
طالب: في قوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في الصفتين ولا في مرة واحدة.
الشيخ: في الأولى فقط، على اليمين فقط.
***
الطالب: قال رحمه الله تعالى: والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها.
فصل
ويُكْرَه في الصلاة التفاتُه، ورفعُ بصره إلى السماء، وتغميض عينيه، وإقعاؤه، وافتراشه ذراعيه ساجدًا، وعبثُه وتَخَصُّره، وتَرَوُّحُه، وفرقعة أصابعه وتشبيكها، وأن يكون حاقنًا، أو بحضرة طعام يشتهيه، وتكرار الفاتحة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية) إلى آخره، فيه مناقشة هنا.
طالب: من قبل.
[ ١ / ١٣٢٢ ]
الشيخ: قال المؤلف: (ويدعو بما ورد)، قوله: (بما ورد)، ذكرنا أنه ينبغي أن تُبَدَّل هذه العبارة بماذا؟
طالب: بما أَحَبَّ.
الشيخ: بما أَحَبَّ، لماذا؟
الطالب: لأن النبي ﷺ ورد عنه في الحديث: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ أَوْ مَا شَاءَ» (٤).
الشيخ: حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ»، أو قال: «مَا شَاءَ». ما الذي يُستفاد من هذه الجملة؟ أن الدعاء يكون قبل السلام أو بعد السلام؟
طالب: قبل السلام.
الشيخ: قبل السلام، كذا؟ ما رأيك فيمن اعتادوا أن يَدْعُوا بعد الصلاة، إما في النافلة أو في الفريضة؟ هذه أظن ما تكلمنا عليها؟
طالب: ما ذكرناها.
الشيخ: ما تكلمنا عليها، ما يخالف، نتكلم عليها إن شاء الله.
يقول المؤلف: (يقول عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله)، على مَن يُسَلِّم إذا كان مُنْفَرِدًا؟
طالب: على الملائكة.
الشيخ: على الملائكة، وإذا كان مع الإمام؟
طالب: كذلك، واللي جنبه بعد، يُسَلِّم عليه.
الشيخ: وعلى من عنده من المأمومين، والإمام يُسَلِّم على من معه من المصلين، ولهذا كل منهم يلتفت عن يمينه وشماله.
قال المؤلف: (إذا كان في ثلاثية أو رباعية نهض)، كيف نهوضه؟
طالب: نهض على صدور قدميه.
الشيخ: على صدور قدميه، مُعْتَمِدًا على ركبتيه.
الطالب: إن سهُل.
الشيخ: إن سهل ذلك، فإن لم يسهل؟
طالب: فإنه يعتمد على الأرض؛ للحديث () أن النبي ﷺ كان إذا قام في وتر من صلاته يعتمد بيديه على الأرض.
الشيخ: أو مالك بن الحويرث.
الطالب: نعم.
الشيخ: مالك بن الحويرث.
إذن إذا لم يسهل يقوم معتمدًا على يديه بعد أن يجلس قليلًا، كذا؟
طالب: أو وهو جالس.
الشيخ: أو وهو جالس؛ لأنه في التشهد، إي نعم.
ظاهر كلام المؤلف أنه يرفع يديه أو لا يرفع؟
طالب: أنه لا يرفع، وهو المذهب.
[ ١ / ١٣٢٣ ]
الشيخ: والقول الثاني في المسألة؟
الطالب: أنه يرفع؛ لحديث ابن عمر.
الشيخ: أنه يرفع؛ لحديث ابن عمر، وهو الصحيح.
يقول المؤلف: إنه بعد التشهد الأول يقرأ مع الفاتحة كم سورة؟
طالب: يقرأ الفاتحة فقط.
الشيخ: الفاتحة فقط؟
الطالب: نعم، في الركعة الثالثة يقرأ الفاتحة فقط.
الشيخ: في الثالثة والرابعة الفاتحة فقط. هل ذكرنا نحن في هذا شيئًا؟
الطالب: نعم، ذكرنا حديث أبي سعيد، ورد أن الرسول ﷺ كان يقرأ ..
الشيخ: ورد ما ظاهره أنه كان يقرأ في الركعتين الأُخْرَيَيْن نصف ما يقرأ في الركعتين الأُولَيَيْن.
وفي حديث أبي قتادة؟
الطالب: كان يقرأ الحمد فقط.
الشيخ: الحمد فقط، هل هذا من باب اختلاف التنوع، أو اختلاف التضاد، وحينئذ نلجأ إلى الترجيح؟
طالب: لا، قلنا يا شيخ: إنه من باب اختلاف التنوع، ويمكن الجمع، فنفعل هذا تارة، نقرأ بالحمد فقط، ونقرأ بسورة قصيرة تارة أخرى.
الشيخ: إي، كذا يا جماعة.
طلبة: نعم.
الشيخ: وفيه قول ثان؟
طالب: والثاني أنه يُرَجِّح حديث أبي قتادة أنه هو الراجح؛ لأنه مُتَيَقِّن، أما حديث أبي سعيد فهو فيه تخمين و..
الشيخ: يقول: حَزَرْنَا.
الطالب: حزرنا، نعم.
الشيخ: هذا وجه، وجه ثان للترجيح؟
الطالب: وجه ثان للترجيح أن حديث أبي قتادة هو الراجح.
الشيخ: وجه الترجيح هو الراجح؟ هذا الحكم.
الطالب: قال: لأنه نص على قراءة الفاتحة.
الشيخ: سلامك، هذا هو الوجه الأول اللي أنت قلت.
طالب: أنه يا شيخ في الصحيحين حديث أبي قتادة، بينما حديث أبي سعيد في صحيح مسلم فقط.
الشيخ: أحسنت.
طالب: () على التقسيم، ربما يكون أولى، فيدل على أن كل قسم ذُكِرَ ما يختص ().
الشيخ: كيف التقسيم؟
طالب: يعني يقال: إنه كان يفعل في ركعتين كذا وكذا، وفي الركعتين الثانيتين كذا وكذا، فقسم الصلاة، وذكر في كل قسم ما كان يفعله.
[ ١ / ١٣٢٤ ]
الشيخ: إي، وهذا كيف القسم، حتى حديث أبي سعيد مقسم. حديث أبي سعيد ظاهره أن قراءة الركعتين الأوليين سواء؟
طالب: والأخريين سواء.
الشيخ: سواء، يكون أطولها الركعتين في الظهر الأوليين، ثم الركعتين الأخريين، ثم العصر أقل من الأخريين، ثم الركعتين الأخريين في العصر أقل، فتكون درجات.
يقول المؤلف: إنه يجلس في التشهد الأخير، كيف التورك؟
طالب: له ثلاث صور.
الشيخ: له ثلاث صور.
الطالب: الأولى أنه يخرج رجله اليسرى من تحت ساقه الأيمن وينصب اليمنى.
الشيخ: هذه واحدة، يُخْرِج اليسرى من الجانب الأيمن من تحت الساق وينصب اليمنى.
الطالب: الحالة الثانية أنه يفرش القدمين جميعًا ويجعلهما في جهة اليمين، والصورة الثالثة أن يجعل رجله اليسرى بين فخذه وساقه الأيمن.
الشيخ: واليمنى مفروشة.
الطالب: واليمنى منصوبة.
الشيخ: لا، مفروشة، منصوبة صعب جدًّا.
طالب: ().
الشيخ: لا، هذه أهون. التَّوَرُّك هل هو في كل تشهد يعقبه سلام أم ماذا؟
طالب: لا، التورك في الصلاة الرباعية فقط.
الشيخ: دون الثلاثية.
الطالب: الصلاة الرباعية والثلاثية دون الثنائية، يعني في كل صلاة يعقبها تشهد أول وتشهد ثان.
الشيخ: يعني في كل صلاة فيها تشهدان يكون التشهد الأخير.
الطالب: نعم.
الشيخ: صح.
***
مسألة الدعاء، المؤلف ﵀ يقول: (يدعو بما أَحَبَّ)
وهذا هو الذي دل عليه حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (٤)، وبناءً على ذلك، إذا سألنا سائل: هل أدعو بعد السلام أو قبل السلام؟ قلنا له: ادع قبل السلام؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ، ولأنك ما دمت في الصلاة فإنك تناجي ربك، وإذا سَلَّمْت انصرفت، وكونك تدعو في الحال التي تناجي فيها ربك خير من كونك تدعو بعد الانصراف.
[ ١ / ١٣٢٥ ]
وهذا ترجيح نظري، وأما ما يفعله بعض الناس من كونهم إذا سَلَّمُوا دَعَوْا في الفريضة، أو في النافلة، فهذا لا أصل له، ولم يَرِد عن النبي ﷺ فيما نعلم إلا حين وضع كفارُ قريش سَلَا الناقة عليه وهو ساجد، فإنه لَمَّا سَلَّم رفع يديه يدعو عليهم.
وهذا قد يقال: إنه فعل ذلك لمناسبة، وهي تخويفهم؛ لأنه لو دعا وهو يصلي ما علموا بذلك، فإذا دعا بعد الصلاة ورفع يديه فلا شك أن في هذا تخويفًا لهم، فيكون هذا له مناسبة.
كذلك أيضًا بعض الناس إذا فرغ من صلاة الفريضة دعا، واستدل بقول النبي ﷺ حين سئل: أي الدعاء أسمع؟ يعني: أقرب إجابة، قال ﷺ: «جَوْفُ اللَّيْلِ، وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» (١٩)، قالوا: والأدبار تكون بعد؛ لقول النبي ﷺ: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» (٢٠)، ومعلومٌ أن هذا لا يقال إلا بعد السلام، فيكون قوله: «أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» أي: بعد السلام.
فنقول: هذا الفهم للحديث غير مُتَعَيِّن، بل يجب أن يُحْمَل على أن المراد بالأدبار آخر الصلوات، بدليل حديث ابن مسعود، حيث أمر النبي ﷺ بالدعاء بعد التشهد، والسنة يُفَسِّر بعضها بعضًا، أما أدبار الصلوات فقد أرشد الله ﷾ عباده إلى أن يذكروا الله بعدها، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وليس فيه الأمر بالدعاء.
وعلى هذا فنقول: ما ورد مُقَيَّدًا بدُبُر الصلاة، فإن كان ذِكْرًا فهو بعد السلام، وإن كان دعاء فهو قبل السلام، والدعاء أدبارَ الصلوات يكون قبل السلام.
فإن قال قائل: إن دُبُرَ الشيء بعده، كما في الحديث: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، أي: بعد موته؟
[ ١ / ١٣٢٦ ]
فالجواب: أن الدبر ما كان الشيء مُسْتَدْبِرًا له، وقد يكون منه، وقد لا يكون منه، والذي يُعَيِّن كونه منه أو ليس منه القرائن والسياق، ولهذا يقال: دبر الحيوان، وهو منه، آخره، فكذلك الدبر يُفَسَّر في كل موضع بما تقتضيه الحال والسياق.
بقي علينا أن نقول: المحافظة على الدعاء بعد النافلة كما يفعله عَوَامُّنا، يحافظون محافظةً شديدة على الدعاء بعد النافلة، حتى إن بعضهم يرى أنه إن لم يكن من السنن فهو من الواجبات.
حتى إننا نرى بعضهم إذا أقيمت الصلاة وهو يسلم من النافلة قبل أن يقوم ليصلي الفريضة يرفع يديه هكذا، وتشك هل دعا ولَّا ما دعا، يرفع يديه ثم يمسح وجهه، ثم يمسح بعضها ببعض، ثم يقوم يصلي، يمكن ما دعا، لكن يلازمون على هذا ظنًّا منهم أنه أمر واجب، أو قريب من الوجوب، فهذا لا شك أنه لا أصل له، ولا أحد من أهل العلم قاله.
ولهذا ينبغي لطلبة العلم أن يُنَبِّهُوا الناس، ولكن بالرفق؛ لأن العامة إذا أُنْكِر عليهم شيء اعتادوه نفروا، فإذا أُتُوا بالحكمة واللين هبطوا وقَبِلُوا، ولذلك ما أكثر الذين يسألون: ما حكم رفع اليدين بعد صلاة النافلة؟ ! فيظنون أن الحكم معلَّق برفع اليدين، والحكم ما هو معلَّق برفع اليدين، الحكم معلَّق بالدعاء، سواء رفعت أم لم ترفع.
نقول: ما دمت تريد أن تدعو الله ادع الله قبل أن تُسَلِّم، هذا هو المشروع، هذا هو تعليقنا على قوله: (ويدعو بما ورد).
وسبق لنا أن الدعاء لو قال: بما أحب، لكان أحسن؛ لأجل يشمل الدعاء بالوارد وغيره؛ لأن الإنسان يدعو بما شاء، حتى في أمور الدنيا على القول الراجح فإن له أن يدعو الله تعالى بشيء من أمور الدنيا، ولا حرج عليه.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة مثله)، (مثله) أي: مثل الرجل، المرأة مثل الرجل، ما الدليل؟ الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟
[ ١ / ١٣٢٧ ]
نعم، الدليل عدم الدليل على التفريق بين المرأة والرجل، وعلى هذا فإذا قال لنا قائل: ما الدليل على أن المرأة تصلي كما يصلي الرجل؟ نقول: الدليل عدم الدليل، وما الدليل على أنها لا تصلي كصلاة الرجل، والأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرجال أنهم كالنساء في الأحكام.
والمرأةُ مثلُه لكن تَضُمُّ نفسَها وتُسْدِلُ رِجْلَيْهَا في جانِبِ يَمِينِها.
(فصلٌ)
ويُكْرَهُ في الصلاةِ التفاتُه ورَفْعُ بَصَرِه إلى السماءِ وتَغميضُ عَيْنَيْهِ وإقعاؤُه وافتراشُ ذِرَاعَيْهِ ساجدًا
بقي علينا أن نقول: المحافظة على الدعاء بعد النافلة كما يفعله عوامنا؛ يحافظون محافظةً شديدةً على الدعاء بعد النافلة؛ حتى إن بعضهم يرى أنه إن لم يكن من السنن فهو من الواجبات، حتى إننا نرى بعضهم إذا أقيمت الصلاة وهو يُسَلِّم من النافلة قبل أن يقوم ليصلي الفريضة يرفع يديه هكذا وتشك هل دعا ولَّا ما دعا؛ يرفع يديه ثم يمسح وجهه ثم يمسح بعضها في بعض ثم يقوم يصلي، يمكن أنه ما دعا، لكن يلازمون على هذا ظنًّا منهم أنه أمر واجب أو قريب من الوجوب، فهذا لا شك أنه لا أصل له، ولا أحد من أهل العلم قاله؛ ولهذا ينبغي لطلبة العلم أن يُنَبِّهوا الناس ولكن بالرفق؛ لأن العامة إذا أُنكِر عليهم شيئًا اعتادوه نفروا، فإذا أوتوا بالحكمة واللين هبطوا وقَبِلوا.
ولذلك ما أكثر الذين يسألون: ما حكم رفع اليدين بعد صلاة النافلة؟ فيظنون أن الحكم معلق بأيش؟ برفع اليدين، الحكم مو معلق برفع اليدين، الحكم معلق بالدعاء، سواء رُفِعَت أم لم تُرْفَع.
نقول: ما دمت تريد أن تدعوَ الله ادع الله قَبْلَ أن تُسَلِّم، هذا هو المشهور، هذا هو تعليقنا على قوله: (ويدعو بما وَرَد).
[ ١ / ١٣٢٨ ]
وسبق لنا أن الدعاء لو قال: (بما أحب) لكان أحسن؛ لأجل أن يشمل الدعاء بالوارد وغيره، لأن الإنسان يدعو بما شاء، حتى في أمور الدنيا على القول الراجح فإن له أن يدعو الله تعالى بشيء من أمور الدنيا ولا حرج عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة مثلُه) (مثلُه) أي: مثل الرجل، المرأة مثل الرجل، ما الدليل؟ الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟ !
طالب: ().
الشيخ: نعم، الدليل عدم الدليل على التفريق بين المرأة والرجل.
وعلى هذا فإذا قال لنا قائل: ما الدليل على أن المرأة تُصَلِّي كما يصلي الرجل؟
نقول: الدليل عدم الدليل، وما الدليل على أنها لا تصلي كصلاة الرجل، ما هو الدليل؟ والأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرجال أنهم كالنساء في الأحكام؛ ولهذا مَن قذف رجلًا أُقيم عليه حَدُّ القذف، أو تَرَتَّب عليه حدُّ القذف كما لو قذف امرأة، مع أن الآية في القذف فيمن؟
طلبة: في النساء.
الشيخ: في النساء؛ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤، ٥]، وقال النبي ﵊ في الموبقات حين عدَّها: «وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (١)، ومن المعلوم أن الرجل مثل المرأة في هذا، ووجه ذلك أن الأصل اشتراك المكلَّفِينَ من رجال ونساء في الأحكام إلا ما قام الدليل عليه، فما قام الدليل على أنه خاصٌّ بالنساء فهو خاص بهن، وما قام الدليل على أنه خاصٌّ بالرجال فهو خاصٌّ بالرجال، فمثلًا الولاياتُ العامة خاصَّة بمَن؟ بالرجال؛ كالإمارة والقضاء وما أشبه ذلك، هذا خاصٌّ بالرجال لا تتولاه النساء أبدًا.
[ ١ / ١٣٢٩ ]
نعم، ربما تتولى المرأة إمارةً صغيرة محدودة؛ كما لو سافرت مع نساء، وصارت أميرتَهن في السفر، وإن كان هذا أمرًا قد لا يقع، لكن لا بأس به، وكمديرة المدرسة مثلًا، وما أشبه ذلك من ولايات النساء، أما أن تكون ذات ولاية على الرجال فهذا ليس من الدين الإسلامي في شيء.
إذن فالأصل اشتراك النساء والرجال في الأحكام إلا ما قام الدليل عليه، حتى في رفع اليدين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى في رفع اليدين؛ يعني: ترفع يَدَيْها حيث يرفع الرجل، لكن هذا استدراك، والمستدرَك منه قوله: (والمرأة مثله)، استدرك من هذا قوله: (لكن تضُمُّ نفسَها وتسدِل رجلَيْها في جانب يمينها). تضم نفسها في الحال التي يُشْرَع للرجل التجافي، فهي تضم نفسها في حال الركوع يُشرَع للرجل مجافاة العضدين عن الجنبين، وفي حال السجود كذلك، مجافاة العضدين عن الجنبين، ومجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، المرأة لا تجافي.
(تضم نفسها) فإذا سجدت تجعل بطنها على فخذيها، وفخذيها على ساقيها، وإذا ركعت تضم يَدَيْها هكذا على صدرها، ما الدليل؟ ما دمنا نقول: الأصل أن ما ثبت للرجال من أحكام فهو ثابت للنساء إلا بدليل، ما الدليل؟
قالوا: الدليل القواعد العامة في الشريعة الإسلامية، أن المرأة ينبغي لها أن تتستَّر، وضمُّها نفسها أستر لها مما لو جافت، والجواب على هذا من وجهين:
الأول: أن هذه علة لا يمكن أن تقاوم عموم النصوص الدالة على أن المرأة كالرجل في الأحكام؛ لا سيما وقد قال النبي ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»؛ فإن هذا الخطاب عامٌّ للرجال وللنساء، وهذا الذي ذكروا لا يُقاوِم هذه العمومات.
ثانيًا: أن نقول: هذا ينتقض فيما لو صَلَّت وحدها، والغالب والمشروع للمرأة أن تُصَلِّيَ وحدها في بيتها بدون حضرة الرجال، وحينئذ لا حاجة إلى الانضمام، ما دام لا يشهدها الرجال.
[ ١ / ١٣٣٠ ]
ثالثا: الوجه الثالث نقول: أنتم تقولون: إنها ترفع يديها، وإن كانت المسألة خلافية؛ لأن بعض العلماء يقول: لا ترفع يديها، ورفع اليدين أقرب إلى التكشف من المجافاة، ربما إذا كان عليها ثوب هكذا ورفعته يتبيَّن شيء مستتر بالثوب، ومع ذلك تقولون: إنه يُسَنُّ لها رفع اليدين؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام، فما هو القول الراجح بعد أن عرفنا ضعف هذا القول؟
القول الراجح: أن المرأة تصنع كما يصنع الرجل في كل شيء، فترفع يَدَيْها وتتجافى، وتَمُدُّ الظهر في حال الركوع، وترفعه عن الفخذين، والفخذين عن الساقين في حال السجود.
ثم استثني المؤلف مسألة أخرى فقال: (وتُسْدِل رجليها في جانب يمينها)، والرجل يُسَنُّ له أيش؟ الافتراش، أو التورُّك، أما هي فتسدِل الرجلين في جانب اليمين في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهُّدين، وهذا أيضًا ليس عليه دليل، لا دليل عليه، بل الدليل يدلُّ على أنها تفعل كما يفعل الرجل؛ تفترش في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول، وفي التشهُّد الأخير في صلاة ليس فيها إلا تشهُّد واحد، وتتورَّك في التشهد الأخير في الثلاثية والرباعية.
إذن، لا يستثنى من هذا شيء بالنسبة للمرأة، لكن لا شك أن المرأة تخالف الرجل في بعض الأحكام كمسألة السترة مثلًا، سُتْرَة في الثياب يعني، ومسألة القراءة، أن الرجل يجهر في القراءة في الصلاة الجَهْرِيَّة، وهي لا تجهر، السُّنَّة في حقها أن تُسِرَّ.
انتهى المؤلف من الكلام على صفة الصلاة، ولكن لم يذكر ﵀ ماذا يقول بعد السلام من الصلاة؛ لأن الكتاب هذا مختصر، ولكن ينبغي أن نعرف ماذا يقول الإنسان بعد السلام من الصلاة، يقول إذا سلم: أستغفر الله ثلاث مرات (٢)، أي: أطلب من الله المغفرة.
[ ١ / ١٣٣١ ]
وإنما شُرِع للإنسان سؤال المغفرة بعد أداء هذه العبادة العظيمة؛ لأن هذه العبادة العظيمة جديرة بالاعتناء والاهتمام، وكثير من الناس يُفرِّط فيها إما بالمشروعات الظاهرة أو بالمشروعات الباطنة؛ ففي المشروعات الباطنة يُفرِّط تفريطًا كثيرًا، وما أكثر الذين يُصَلُّون بظواهرهم لا ببواطنهم، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: في المشروعات الظاهرة أيضًا لا يخلو الإنسان من تقصير أو تجاوز، ربما يُقصِّر في وضع اليدين أو في استواء الرأس مع الظهر في الركوع، أو في التجافي أو في أي شيء، هذا وارد، وربما يكون منه تجاوز في الحركات، كما يُشاهَد من بعضهم، يطالع الساعة وهو يصلي، يطلع القلم ويعصره هل فيه حبر ولّا ما فيه حبر، وكذلك أيضًا يفطن لشيء ناسيه ويطلِّعه ويكتبه براحته؛ لأنه ذكره.
والشيطان يُذَكِّرك ما نسيت إذا كنت في الصلاة، وإذا انتهيت من الصلاة أنساك إياه لحين تيجي الصلاة الثانية ثم يُذَكِّرك؛ ولهذا يُذْكَر أن رجلًا جاء لأبي حنيفة وقال: إنه نسي كذا وكذا، وأن المسألة التي نسيها ما هي هينة؛ وديعة كبيرة أو شيء، المهم، قال له: اذهب فصلِّ، فذهب الرجل وصلى فتذكَّر، تذكَّر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأن الشيطان يقول للإنسان في حال صلاته: «اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا»؛ فأبو حنيفة ﵀ استنبط من هذا الحديث أنَّ الصلاة سبب للتذكُّر.
[ ١ / ١٣٣٢ ]
المهم أن الاستغفار بعد السلام له مناسبة عظيمة؛ وهي التقصير في الصلاة، ما يخلو أحد من التقصير، فتسأل الله المغفرة؛ ولهذا استُحِبَّ للإنسان أن يَخْتِم عمله بالاستغفار، وأن يختم عمره بالاستغفار؛ أما العمر فقد قال الله تعالى لرسوله ﵊: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] قال ابن عباس ﵄: هذا نعيُ رسول الله ﷺ، وقال عمر: لا أفهم منها إلا ما فهمت (٣)، وقال النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ أَرَانِي آيةً؛ إِذَا رَأَيْتُهَا فِي أُمَّتِي أَنْ أُسَبِّحَهُ وَأَسْتَغْفِرَهُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾» (٤)، جاء ولَّا ما جاء؟ جاء ورآه؛ ولهذا كان يُكْثِر ﵊ أن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٥). ثم يقول بعد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (٢) والمناسبة في هذا ظاهرة، كأنك تقول: اللهم أنت السلام، فسلِّم لي صلاتي من الردِّ والرفض؛ لأن الصلاة قد تُقبَل وقد لا تُقْبَل، قد تُلَفُّ ويُضْرَب بها وجهُ صاحبها، والعياذ بالله، وقد تُقبَل، وما أربح الذين يَقبل الله صلاتهم، اللهم اجعلنا منهم.
ثم يقول ما ورد من الذكر، والترتيب بعد ذلك بعد الاستغفار واللهم أنت السلام لا أعلم فيه ترتيبًا في السنة، فإذا قَدَّم شيئًا على شيء فلا حرج، المهم أن يحرص على ما ورد عن النبي ﵊ في هذا الباب، ومنه التسبيح والتحميد والتكبير وقد ورد على عدة أوجه:
[ ١ / ١٣٣٣ ]
الوجه الأول: أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين ويختم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٦)، فتكون مئة.
الوجه الثاني أن يقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين (٧)، كم تكون الجميع؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة أيضًا.
والوجه الثالث أن يقول: سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا (٨)، تكون الجميع ثلاثين.
والوجه الرابع: أن يقول: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً» (٩)، تكون الجميع مئة.
هذا الاختلاف من اختلاف التنوع، وقد مرَّ علينا أنه ينبغي للإنسان في العبادات الواردة على وجوه متنوعة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وذكرنا فوائد ذلك.
وينبغي أيضًا أن يقرأ آية الكرسي (١٠)؛ لأنه رُوِي فيها أحاديث عن الرسول ﵊ وإن كانت ضعيفة، لكن إن كانت الأحاديث صحيحة فقد وقعت محلها، وإن لم تكن صحيحة فهي زيادة حِرْزِ للإنسان؛ لأن مما يحفظ الإنسانَ من الشياطين قراءةُ آية الكرسي، وكذلك (قل هو الله أحد)، و(قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس)، ومن أراد بسط هذا فليرجع إلى الكتب المؤلَّفة في ذلك مثل كتاب الأذكار للنووي، وكتاب الوابل الصيب لابن القيم وهو كتاب مفيد؛ لأنه ﵀ ذكر فيه فوائد الذكر، ذكر فيه فوق مئة فائدة لذكر الله ﷿.