تَلْزَمُ المريضَ الصلاةُ قائمًا، فإن لم يَسْتَطِعْ فقاعدًا، فإن عَجَزَ فعلى جَنْبِه، فإنْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا، ورِجْلَاه إلى القِبْلَةِ صَحَّ، ويُومِئُ، راكعًا وساجدًا ويَخْفِضُه عن الركوعِ، فإن عَجَزَ أَوْمَأَ بعَيْنِه، فإنْ قَدَرَ أو عَجَزَ في أَثنائِها انْتَقَلَ إلى الآخَرِ، وإن قَدَرَ على قِيامٍ وقُعودٍ دونَ رُكوعٍ وسُجودٍ أَوْمَأَ برُكوعٍ قائمًا وسُجودٍ قاعدًا
[ ١ / ٢٠٩٤ ]
طالب: إذا كان يستطيع أن يزيل الرائحة من فمه مثلما يتلثم أو يضع مثلًا روائح طيبة، هل نقول: يجب عليه ذلك؟
الشيخ: إي نعم، يجب عليه؛ لأن إزالة المانع واجبة.
الطالب: يلزمه الجماعة؟
الشيخ: يلزمه الجماعة؛ لأنه هو دفع لأذاه، فإذا كان حصل ما يزيل الأذى وجبت عليه الجماعة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا هجر الجماعة أو إمام المسلمين رجل هل تسقط الصلاة عنه؛ الجماعة؟
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: ماذا السؤال؟
الشيخ: يقول: إذا هجره الناس بأمر إمام المسلمين -كما حصل لكعب بن مالك- هل يعذر بترك الجماعة؟
طالب: كعب يصلي مع الجماعة.
الشيخ: لا، يترك الجماعة، يتركها أحيانًا، كما صلى الفجر في بيت من بيوته لما جاءه البشير، على كل حال بعض العلماء يقول: إذا كان يتأذى بذلك فله أن يتخلف، أما إذا كان لا يتأذى -لأن بعض الناس ما يهمه هجره الناس أم لم يهجروه- فإنه لا يجوز أن يتخلف.
طالب: شيخ، إذا وجد الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر واحد رجل في السوق، وقال: والجماعة () وأنت في السوق من أجل أيش؟ وهو يقول: عندي نعلين نخاف أن يضيع في المسجد؛ لأن النعول هناك كثيرة، وبعض ()؟
الشيخ: النعول يأخذها ويحطها تحت قدميه ويصلي.
الطالب: يعني: ما هو حق في المسجد؟
الشيخ: لا، فيه.
الطالب: إذن ().
الشيخ: لا، يصلي () ولا يحطهم تحت قدميه عنده ().
***
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل خائف من ملازمة غريمه ومعه ما يوفيه به، هل يعذر؟
طالب: لا يعذر.
الشيخ: لا يعذر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه عنده ما يوفي به الدين.
الشيخ: يعني: يمكنه أن يتخلص.
الطالب: يمكنه أن يتخلص.
الشيخ: من الملازمة.
الطالب: بوفاء غريمه.
الشيخ: بوفاء غريمه، أحسنت.
إذا كان هناك ريح شديدة باردة يتأذى بها المصلي في النهار، ماذا تقول؟
الطالب: نعم، يعذر ().
الشيخ: يعذر، من أين أخذته من كلام المؤلف؟
[ ١ / ٢٠٩٥ ]
الطالب: قوله: (ريح باردة شديدة)، ثم قوله: (ليتمنه) فهذا.
الشيخ: من كلام المؤلف؟
الطالب: قوله: (بريح باردة شديدة).
الشيخ: ما قال: (في ليلة مظلمة)؟
الطالب: قلنا عن الشرط ().
الشيخ: لا، أنا أقول: من أين أخذت من كلام المؤلف؟ وكلامك خلاف كلام المؤلف.
الطالب: المؤلف كلامه أنه قام صلى في الليل.
الشيخ: في الليلة المظلمة، أما الليلة المقمرة فعلى كلامه؟
الطالب: أنه لا يعذر.
الشيخ: أنه لا يعذر، وكذلك في النهار لا يعذر. هل هناك قول آخر؟
طالب: ().
الشيخ: ولو في غير الليلة المظلمة، لماذا؟
طالب: علة ().
الشيخ: العلة الأذية وقد حصلت، فلا فرق بين الليل والنهار.
رجل جائع وعنده طعام ليس ملكًا له، فهل يعذر بترك الجماعة؟
طالب: لا يعذر.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه ليس ملكًا له.
الشيخ: وإذا لم يكن ملكًا له ما يقدر يأكله؟
الطالب: ما يقدر يأكله يا شيخ؛ لأنه ما هو ملكه.
الشيخ: لا يقدر شرعًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أقول: لا يقدر شرعًا أن يأكله، وإن كان حسًّا يقدر يأكله؛ كما لو قدم الفطور والإنسان صائم فإنه لا يعذر بترك الجماعة، كذا؟
الطالب: إي نعم؛ لأنه صار له مشغل يشغله يا شيخ.
الشيخ: لكن هذا إنسان -مثلًا- قُدِّم فطور من قبل صلاة العصر، قدمه وبسطوه.
الطالب: ما يعذر؛ لأن حضر الفطور إلا وقته.
الشيخ: يعني لا يعذر؟
الطالب: لا يعذر.
الشيخ: لأنه لا يمكن أن يتناوله.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: تمام.
إذا خاف من السلطان أن يحجزه؛ يعني: أن السلطان يطلبه بغير حق، وخاف إن خرج إلى الصلاة أن يحبسه السلطان، فماذا تقول؟
الطالب: يعذر.
الشيخ: يعذر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني له أن يتخلف؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب تخلف وقتًا؟
الطالب: ولو عشرة سنة ممكن.
الشيخ: يعني: ولو طال الزمن؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: صح.
***
[مدخل]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة أهل الأعذار)
[ ١ / ٢٠٩٦ ]
(الأعذار) جمع (عذر)، والمراد به المرض والسفر والخوف، هذه هي الأعذار التي تختلف بها الصلاة عند وجودها ثلاثة؛ المرض، والثاني السفر، والثالث الخوف.
واختلاف الصلاة هيأة أو عددًا بهذه الأعذار هي من قاعدة عامة في الشريعة الإسلامية وهي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فكلما وُجِدَت المشقة وُجِد التيسير، ومن القواعد المعروفة عند الفقهاء أن المشقة تجلب التيسير.
إذن (صلاة أهل الأعذار) المراد بهم: المريض والمسافر والخائف، وتغيير الصلاة بهذه الأعذار مأخوذ من القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأمثال هذه الأدلة كثيرة.
[صلاة المريض]
قال المؤلف ﵀: (تلزم المريضَ الصلاةُ قائمًا) (تلزم المريضَ) بالفتحة، (الصلاةُ قائمًا)؛
لأن المفعول به مقدم، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] يعني: أنه يجوز تقديم المفعول به على الفاعل ولا ضرر.
(تلزم المريضَ الصلاةُ قائمًا) المريض من؟ هو الذي اعتُلَّت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه؛ فمن اشتكى عينه فهو مريض، ومن اشتكى أصبعه فهو مريض، ومن أخذته الحمَّى فهو مريض. فإذن المرض: اعتلال الصحة في البدن، أو اعتلال صحة البدن، سواء كان ذلك كليًّا أم جزئيًّا.
[ ١ / ٢٠٩٧ ]
وقوله: (الصلاة) تلزم الصلاة قائمًا، المراد بـ (أل) هنا العهد الذهني، وهي الصلاة المفروضة؛ وذلك لأن صلاة النافلة لا تلزم الإنسان لا مريضًا ولا غير مريض قائمًا؛ إذ إنه يجوز للإنسان أن يتنفل وهو جالس، لكن إن كان لعذر أخذ الأجر كله، وإن كان لغير عذر أخذ نصف الأجر.
فالمراد بـ (الصلاة) هنا الفريضة، فـ (أل) فيها للعهد الذهني؛ لأنه من المعلوم عند كل طالب علم أن التي يلزم فيها القيام هي صلاة الفرض.
قوله: (قائمًا) أي: قائمًا على ساقه، وظاهره أنه ولو كان مثل الراكع، أو كان معتمدًا على عصا، أو على جدار، أو على عمود، أو على إنسان، المهم متى أمكنه أن يكون قائمًا وجب عليه على أي صفة كان.
الذي يكون كالراكع؛ مثل لو كان في ظهره مرض لا يستطيع أن يمد ظهره قائمًا، فهنا يصلي ولو كراكع.
الذي يعتمد؛ كشخص ضعيف ليس عنده قوة، لا يستطيع أن يقف إلا معتمدًا على عصا، معتمدًا على جدار كذلك، على عمود، على إنسان.
ولكن لا يجزئ القيام باعتماد تام مع القدرة على عدمه، والاعتماد التام هو الذي لو أزيل العمدة لسقط المعتمد، فإن هذا لا يجزئ ما دام قادرًا على القيام بلا اعتماد؛ لأن الذي يقوم معتمدًا على شيء اعتمادًا كاملًا كأنه غير قائم، لا يجد مشقة القيام.
لكن لو فرضنا أن شخصًا يقول: أنا إما أن أقوم معتمدًا، وإما أن أجلس، أما أن أقوم بلا اعتماد فلا أستطيع، ماذا نقول له؟
الطلبة: صلِّ جالسًا.
الشيخ: نقول: قم معتمدًا على عصا أو جدار أو عمود أو إنسان؛ ولهذا قال: (قائمًا) وأطلق.
[ ١ / ٢٠٩٨ ]
(فإن لم يستطع فقاعدًا) (إن لم يستطع) يعني: إن لم يكن في طوعه القيام؛ وذلك بأن يعجز عنه، فإنه يصلي قاعدًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقول النبي ﷺ لعمران بن الحصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (١)، الدليلان الأولان عامان، والثالث خاص في نفس الصلاة.
وقوله: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» في الحديث وقوله هنا: (فإن لم يستطع) ظاهره أنه لا يبيح القعودَ إلا العجزُ، وأما المشقة فلا تبيح القعود، ولكن الصحيح أن المشقة تبيح القعود، فإذا شق عليه القيام مشقة غير محتملة؛ يعني: بحيث كالقائم على الجمْر فإنه يسقط عنه القيام؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وكما لو شق الصوم على المريض مع قدرته عليه فإنه يفطر ويدع الصوم، فكذلك هنا إذا شق القيام فإنه يصلي قاعدًا.
ولكن المشقة هل هي منضبطة أو لا؟ لأن بعض الناس قد يكون أحيانًا في تعب وسهر فيشق عليه القيام؟ نقول: المشقة الضابط فيها ما زال به الخشوع فهذه المشقة، وأيش معنى الخشوع؟ يعني: حضور القلب والطمأنينة، فإذا كان إذا قام قلق قلقًا عظيمًا ولم يطمئن، وتجده يتمنى أن يصل إلى آخر الفاتحة ليركع من شدة تحمله، فهذا قد شقَّ عليه القيامُ، فيصلي قاعدًا.
ومثل ذلك الخائف فإنه لا يستطيع أن يصلي قائمًا، كما لو كان يصلي خلف جدار وحوله عدو يرقبه؛ فإن قام تبين من وراء الجدار، وإن جلس اختفى به الجدار عن عدوه، فهنا نقول: له أن يصلي جالسًا؛ لإزالة الخوف، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فأسقط الله عن الخائف الركوع والسجود والقعود، فكذلك القيام إذا كان خائفًا من القيام فله أن يصلي جالسًا.
[ ١ / ٢٠٩٩ ]
(فإن لم يستطع فقاعدًا) ولكن كيف يقعد؟ يقعد متربعًا، كمثل جلوسي هكذا متربعًا، وسمي متربعًا؛ لظهور أربعة الأعضاء في هذا الجلوس؛ لأن الساق والفخذ والساق والفخذ كلها بائنة ظاهرة، فلهذا تسمى هذه الصفة من الجلوس: التربع؛ لأن الافتراش يختفي الساق بالفخذ، وأما التربع فتظهر كل الأعضاء الأربعة.
متربعًا، وهل التربع واجب؟ لا، التربع سنة، فلو صلى مفترشًا فلا بأس، ولو صلى محتبيًا فلا بأس؛ لعموم قول النبي ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (١) ولم يبين كيفية قعوده.
فإذا قال الإنسان: هل هناك دليل على أنه يصلي متربعًا؟ فالجواب: نعم، قالت عائشة: رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا (٢)، وهذا دليل.
ولأن التربع في الغالب أكثر طمأنينة وارتياحًا من الافتراش، وأنتم تعرفون أن القيام يحتاج إلى قراءة طويلة أطول من قول: رب اغفر وارحمني؛ فلذلك كان التربع فيه أولى.
ومن أجل فائدة أخرى وهي: التفريق بين قعود القيام والقعود الذي في محله؛ لأننا لو قلنا: يفترش في حال القيام لم يكن هناك فرق بين الجلوس في محله وبين الجلوس البدلي الذي يكون بدلًا عن القيام.
في حال القيام يكون متربعًا، في حال الركوع قال بعضهم: إنه يكون مفترشًا، والصحيح أنه يكون متربعًا؛ لأن الراكع قائم قد نصب ساقيه وفخذيه فهو قائم، وليس فيه إلا انحناء الظهر، فنقول: هذا المتربع يبقى متربعًا ويركع وهو متربع، هذا هو الصحيح في هذه المسألة.
(فإن لم يستطع فقاعدًا) إذن (قاعدًا) نقول: كيفية القعود؟
الطلبة: متربعًا.
الشيخ: أن يكون متربعًا.
(فإن عجز فعلى جنبه) هنا قال: (فإن عجز) وفي الأول قال: (فإن لم يستطع) ولا فرق بينهما إلا في اللفظ، فهو اختلاف تعبير.
[ ١ / ٢١٠٠ ]
(فإن عجز فعلى جنبه) أي الجنبين؟ قال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١)، ولم يُبيِّن أي الجنبين يكون عليه، فنقول: هو مخير على الجنب الأيمن أو على الأيسر، والأفضل أن يفعل ما هو أيسر له؛ فإن كان الأيسر أن يكون على جنبه الأيسر فهو أفضل، وإن كان بالعكس فهو أفضل؛ لأن كثيرًا من المرضى -ولا سيما المرضى بذات الجنب- يكون اضطجاعهم على أحد الجنبين أخف عليهم من الاضطجاع على الجنب الآخر، وحينئذٍ يفعل ما هو أيسر وأسهل له؛ لأن المقام مقام رخصة ومقام سهولة.
فإن تساوى الجنبان فالجنب الأيمن أفضل؛ لحديث ورد في ذلك وهو ضعيف، لكن لأن النبي ﷺ اختار للنائم أن ينام على الجنب الأيمن (٣)، ولأنه يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (٤).
فإذن (على جنبه) نقول: ويفعل ما هو؟
الطلبة: أيسر.
الشيخ: أيسر وأسهل له، فإن تساوى فالجنب الأيمن أفضل.
قال المؤلف: (فإن صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة صح) (إن صلى) أي: المريض، (مستلقيًا) يعني: على ظهره، (ورجلاه إلى القبلة صح) أي: صح هذا الفعل؛ يعني: مع قدرته على الجنب، لكنه خلاف السنة؛ لأن النبي ﷺ قال: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
وتعرفون هذه الصورة؛ إذا صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة أين يكون رأسه؟
الطلبة: عكس.
الشيخ: إلى عكس القبلة؛ إلى الشرق إن كانت القبلة غربًا، وإلى الغرب إن كانت القبلة شرقًا، على كل حال أنه إلى عكس القبلة، يكون الرأس إلى عكس القبلة والرِّجْل إلى القبلة، قالوا: لأن هذا أقرب ما يكون إلى صفة القائم؛ لأن هذا الرجل لو قام أين تكون القبلة؟
طلبة: قِبَل وجهه.
الشيخ: تكون أمامه؛ فلهذا يكون مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، وظاهر كلام المؤلف أنه يصح مع القدرة على الجنب.
[ ١ / ٢١٠١ ]
ولكن القول الثاني في هذه المسألة أنه لا يصح مع القدرة على الجنب؛ لأن النبي ﷺ قال لعمران بن حصين: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١)، وهذه هيأة منصوص عليها من قِبَل الشرع، وتمتاز عن الاستلقاء بأن وجه المريض إلى القبلة، أما الاستلقاء فوجه المريض إلى السماء، فهي أقرب إلى الاستقبال.
وهذا القول هو الراجح؛ أنه لا تصح الصلاة مستلقيًا إذا كان قادرًا على الصلاة على الجنب الأيمن؛ لأن هذا هو الذي وردت به السنة، ولأن المريض يكون فيه مستقبلًا للقبلة بخلاف الاستلقاء.
إن صلى مستلقيًا ورأسه إلى القبلة؟
طالب: ما تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأنه لو قام؟
الطلبة: لاستدبر القبلة.
الشيخ: لكان مستدبرًا للقبلة.
لو صلى مستلقيًا ورجلاه إلى يسار القبلة أو إلى يمين القبلة؟
طالب: لا تصح.
الشيخ: كذلك أيضًا لا تصح؛ لأنه لو قام لكانت القبلة عن يمينه أو عن يساره، فلا بد إذن أن تكون رجلاه إلى القبلة، وخلاف ذلك أن تكون رجلاه إلى عكس القبلة أو إلى يمين القبلة أو إلى يسار القبلة، وفي هذه الصور الثلاث لا تصح صلاته.
(إن صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة صح) هذا القيام، فصار القيام أولًا: يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطيع فعلى جنب، فإن لم يستطع فمستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، فهي المرتبة الرابعة على القول الراجح، أما على كلام المؤلف فإن المرتبة الرابعة في مرتبة على الجَنب؛ يعني: في المرتبة الثالثة، لكنها مفضولة، والصحيح أنها مرتبة رابعة مستقلة لا تصح إلا عند العجز عن المرتبة الثالثة.
[ ١ / ٢١٠٢ ]
بقي علينا الركوع والسجود والقعود نقول: يصلي قاعدًا، فإن لم يستطيع فعلى جنب، الركوع والسجود قال المؤلف: (ويومئ راكعًا وساجدًا ويخفضه عن الركوع) (يومئ) يعني: المريض المصلي جالسًا يومئ في الركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض، وهذا فيما إذا عجز عن السجود، أما إذا قدر عليه فيومئ بالركوع ويسجد، والذي يصلي على الجنب لا يستطيع سوى ..، هذا عاجز عن الركوع وعن السجود.
نفرض أنه يصلي قاعدًا نقول: عند الركوع تومئ بماذا؟ تومئ برأسك، ولكن لا بد من انحناء بحيث يقابل وجهه ما وراء ركبته أدنى مقابلة، وتتمتها أن يقابلها مقابلة تامة، الآن هو يصلي قاعدًا، لا بد يكون هكذا؛ يعني: وجهه يقابل ما رواء ركبتيه أدنى مقابلة، تتمتها الكمال؛ يعني: يمتد قليلًا من أجل أن تتم المقابلة؛ لأن الراكع هكذا في حال الركوع يكون وجهه من بين يديه، فكذلك هذا.
في السجود نقول: هو جالس الآن إذا كان يستطيع أن يسجد وجب أن يسجد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فإن لم يستطيع أومأ بالسجود؛ مثل أن يكون المرض في عينه وقد قيل له: لا تسجد، أو يكون المرض في رأسه، وإذا نزَّل رأسه اشتد الوجع وقلق به، نقول هنا: لا تسجد، تومئ بالسجود وتجعل السجود أخفض من الركوع؛ ليتميز السجود عن الركوع، ولأن هذا هو الحال فيمن كان قادرًا، فإن الساجد يكون على الأرض والركوع فوقه.
(يومئ بالركوع والسجود ويخفضه عن الركوع) هذا إذا كان جالسًا، إذا كان مضطجعًا على الجنب فإنه يومئ بالركوع والسجود.
ولكن كيف الإيماء؟ هل هو إيماء بالرأس إلى الأرض بحيث يكون كالملتفت أو إيماء بالرأس إلى الصدر؟
طالب: القول الثاني.
الشيخ: أما فهمتم؟ الآن هو على الجنب هل يومئ يكون كذا؛ يعني: إلى الأرض، أو يومئ كذا إلى الصدر؟
الطلبة: إلى الصدر.
[ ١ / ٢١٠٣ ]
الشيخ: الظاهر أنه إلى الصدر؛ لأن الإيماء إلى الأرض فيه نوع التفات عن القبلة، بخلاف الإيماء إلى الصدر فإن الاتجاه باقٍ إلى القبلة، فيومئ في حال الاضطجاع إلى صدره؛ يعني: يومئ قليلًا بالركوع، ويومئ أكثر في السجود.
فإن كان لا يستطيع أن يحرك رأسه يقول المؤلف: (فإن عجز أومأ بعينه) (إن عجز) يعني: صار لا يستطيع أن يومئ بالرأس، فيومئ بالعين؛ يعني: إذا أراد أن يركع أغمض عينه يسيرًا، ثم إذا قال: سمع الله لمن حمده فتح عينيه، فإذا سجد أغمضها أكثر.
الدليل فيه حديث عن النبي ﵊ أنه إذا لم يستطع أومأ بطرفه (٥)، لكن هذا الحديث ضعيف؛ ولهذا لم يذهب إليه كثير من العلماء، وقالوا: إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الأفعال، وبعضهم قال: إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة، فهذان قولان، القول الأول ..، بل ثلاثة أقوال: إذا عجز عن الإيماء بالرأس؛ القول الأول: يومئ بعينه، القول الثاني: تسقط عنه الأفعال، وتبقى عليه الأقوال، القول الثالث: تسقط عنه الأقوال والأفعال؛ يعني: لا تجب عليه الصلاة أصلًا، والأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ أنه إذا عجز عن المرتبة الثالثة وهي الإيماء فإنه تسقط عنه الصلاة.
[ ١ / ٢١٠٤ ]
والراجح من هذه الأقوال الثلاثة أنه تسقط عنه الأفعال فقط؛ لأنها هي التي كان عاجزًا عنها، وأما الأقوال فإنها لا تسقط عنه، لماذا؟ لأنه قادر عليها، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فنقول: صلِّ، كبِّر واقرأ، وانوِ الركوع، وسبِّح؛ إذا نويت الركوع فسبِّح تسبيح الركوع، وانوِ السجود؛ إذا نويت السجود فسبِّح تسبيح السجود؛ لأن هذه مقتضى القواعد الشرعية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فإن عجز عن القول والفعل بحيث يكون الرجل مشلولًا ولا يتكلم، فماذا يصنع؟ سقطت عنه الأقوال والأفعال وبقيت النية، فينوي أنه في صلاة، وينوي القراءة، وينوي الركوع والسجود والقيام والقعود، هذا هو القول الراجح أيضًا، لماذا؟ لأن الصلاة أقوال وأفعال بنية، فإذا سقطت أقوالها وأفعالها بقيت؟
طلبة: النية.
الشيخ: النية، ولأن قولنا لهذا المريض: لا صلاة عليك قد يكون فيه سبب لنسيانه الله؛ لأنه إذا مرَّ عليه يوم وليلة وهو لم يصلِّ ربما ينسى الله ﷿، فكوننا نشعره بأن هناك صلاة لا بد أن تقوم بها ولو بالنية خير من أن نقول: إنه لا صلاة عليك، وهذا أيضًا مقتضى القاعدة؛ لأن الصلاة نية وأقوال وأفعال، فإذا عجز عن الأقوال والأفعال بقيت النية؛ ولهذا كان المذهب في هذه المسألة أصح من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ حيث قالوا: لا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا، فما دام العقل ثابتًا فإن الصلاة واجبة بما يقدر عليه منها.
بعض العامة يقولون: إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ؟
الطلبة: بإصبعه.
[ ١ / ٢١٠٥ ]
الشيخ: بالإصبع، فينصبون الإصبع حال القيام، وحال الركوع يركع الإصبع هكذا، وحال السجود يسجد، ينضم، هذا قياس، قالوا: لأنه لما عجز بالكل لزمه بالبعض، والإصبع بعض من الإنسان، فإذا عجز جسمه كله فليكن المصلي الإصبع، والسبَّاحة أولى؛ لأنها التي يشار بها إلى ذكر الله وإلى دعاء الله، فلو أومأ بالوسطى فقياس قاعدتهم أن الصلاة لا تصح؛ لأن السبابة أو السبَّاحة هي المكلفة بأن تصلي، فما رأيكم في هذا القياس؟
هذا قياس لا أصل له؛ لم تأتِ به السنة، ولم يقلْه أهل العلم، ولكن -سبحان الله- مع كونه لم يقله أحد من أهل العلم -فيما نعلم- مشهور عند العامة، يقول: فلان -والله- مريض جدًّا جدًّا يصلي بإصبعه، كنايةً عن عجزه.
ولكننا نقول: ما دامت السنة لم ترد به ولم يتقدم بقوله أحد من العلماء فإنه يجب على طلبة العلم أن يبينوا للعامة بأن هذا لا أصل له.
الآن العين -وهي محل خلاف بين العلماء- سبق لنا أن الصحيح أنه لا يصلي بها، فكيف بإصبع الذي لم ترد به السنة ولا حديث ضعيف ولا صحيح، ولم يقل به أحد من أهل العلم؟ ! إذن هذه هي صلاة المريض، وهو النوع الأول من الأعذار.
ما رأيكم فيما لو كان يعجز عن القيام في الركعة، لكن في بعض القيام يستطيع؛ معنى يستطيع أنه يقف في نصف القراءة، فهل نقول: ابتدئ الصلاة قاعدًا، ثم إذا قاربت الركوع فقمْ، أو نقول: ابتدئها قائمًا، فإذا شق عليك فاجلس؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؟
طالب: على حسب استطاعته، يا شيخ.
الشيخ: هو هذا استطاعته يقول: ما أستطيع كل القيام؛ فإما أن أبدأها قائمًا ثم أجلس عند المشقة، أو أبدأها جالسًا ثم أقوم إذا قاربت الركوع.
طلبة: الأول.
طلبة آخرون: الثاني.
طالب: قيام الرسول ﷺ لليل.
الشيخ: إي، ويش قال؟
الطالب: كان يجلس، ثم إذا وصل للركوع قام فركع (٦).
[ ١ / ٢١٠٦ ]
الشيخ: إي نعم، إذا نظرنا إلى فعل الرسول ﵊ في قيام الليل أنه كان لما كبر ﵊ صار يقوم الليل جالسًا، فإذا بقي عليه آيات قام، ثم قرأ وركع، فإذا نظرنا إلى هذا قلنا: السنة أن تبتدئها قاعدًا، ثم تقوم، وإذا نظرنا إلى أن القيام في الفريضة ركن قلنا: ابدأ بالركن أولًا، ثم إذا شق عليك فاجلس، على القاعدة.
ونقول أيضًا: إنه ربما تظن أنه يشق عليك ثم لا يشق، تُعَان على هذا، ربما تتمكن من قراءة الفاتحة وتركع، وإن لم تقرأ ما بعدها من السور.
وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير، فمن نظر إلى فعل الرسول ﷺ في قيام الليل رجح أن يصلي جالسًا، فإذا قارب الركوع قام، ومن نظر إلى أن القيام ركن وأن الأولى أن نبدأ بالركن، فإذا عجزنا عنه جلسنا، وتحتاج إلى تحرير وإلى نظر في خلاف العلماء فيها.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر هذا المغمى عليه أنه لا يقضي الصلاة ()؟
الشيخ: لا، المغمى ما عنده عقل.
الطالب: يعني يقضي ..
الشيخ: إي، الصحيح أنه لا يقضيها.
طالب: ما هو المانع -يا شيخ- من تقديم وأومأ الطرف؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: العمل بالطرف، خاصة وقد جاء حديث وإن كان فيه ما فيه، لكن مقدم مثلًا على قومه وعلى ..
الشيخ: لا، ما دام الرسول لم يبين ذلك لعمران بن الحصين مع دعاء الحاجة إليه في الحديث الصحيح يكون هذا ليلًا على أنه ليس بمشروع.
الطالب: على أية حال يكون مقدمًا؟
الشيخ: لا، ما يقدم، يقال: ما دام ما جاءت به السنة الصحيحة فلا نشرع في دين إلا ما علمنا أنه ثابت.
الطالب: ثبت عندنا -يا شيخ- أنهم ضعفوه.
الشيخ: إي، نعم، ثابت ضعفه، لو كان حسنًا لكان مقبولًا يُعْمَل به.
طالب: شيخ، أيهما أفضل للمريض إذا كان يشق عليه القيام أن يقوم أو أنه يجلس ويأخذ الرخصة؟
[ ١ / ٢١٠٧ ]
الشيخ: أما إذا كان يشق مشقة محتملة فالأفضل أن يقوم، بل قد يجب عليه أن يقوم، لكن إذا كان يشق عليه مشقة متعبة، لكن يقول: أنا راضٍ بالتعب، فالأفضل أن يأخذ بالرخصة.
طالب: بالنسبة لمسألة أن يستطيع بعض القيام يستطيع أن يتحمل بعض القيام؛ يعني: فعل النبي ﷺ في قيام الليل، فقيام الليل هذا -يا شيخ- نافلة وليس فرضًا، نقول: مع () يستطيع؟
الشيخ: لا، هو الأصل أنه ما ثبت في النافلة ثبت في الفرض إلا بدليل، على كل حال المسألة قلت لكم: تحتاج إلى نظر فيها في كلام العلماء.
الطالب: ورد فيه ..
الشيخ: أقول: لا بد من النظر في كلام العلماء، نبحث فيها إن شاء الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، إذا قال قائل: إن قول النبي ﷺ: «صَلِّ قَاعِدًا» (١) مخصوص بصفة صلاته بكونه لا يقدر نقول: غير هذا لا يجوز؛ لأنه ليس هناك دليل، ماذا نقول له؟
الشيخ: نقول: إن قوله: «صَلِّ قَاعِدًا» في مقام البيان ولم يقيده بالتربع يدل على أنه ليس بواجب، ولا كل أحد يرى فعله.
طالب: شيخ، بعض الناس إذا قام إلى الثانية -الركعة- يكمل الفاتحة في خلال القيام، يقرأ بعض الفاتحة خلال الشروع في القيام قبل أن يستتم؟
الشيخ: وهو قادر؟
الطالب: وهو قادر.
الشيخ: هذا أصلًا لو قرأ حرفًا منها وهو جالس ما تصح.
الطالب: ما هو بجالس، لكن بعدما نهض من السجود بدأ يقرأ.
الشيخ: بعدما نهض من السجود؟
الطالب: قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
الشيخ: إي، هذا لا تصح قراءته الفاتحة، واعلم أن النهوض ليس فيه إلا التكبير فقط، ما فيه إلا التكبير، كبِّر، وإذا قُدِّر أنه انتهيت من التكبير قبل أن تستتم قائمًا فليس فيه ذكر.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لنفس السؤال يا شيخ، () يعني: الكبار في السن يأخذون فترة طويلة؛ لأنه يقوم من السجود إلى القيام، فلو بدأ الفاتحة بعدما قام ما لحق الإمام، يقول: أنا أبدأ خلال العدل لكي يستطيع أن أتابع الإمام؟
[ ١ / ٢١٠٨ ]
الشيخ: وأيش رأيكم في هذا؟
طالب: عذر.
الشيخ: هذا عذر، ومتابعة الإمام أهم من القيام؛ لأن القيام يسقط لأجل متابعة الإمام، كما قال الرسول ﵊: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٧).
الطالب: لكنه يستطيع أنه يقوم، يا شيخ.
الشيخ: ما يستطيع لعذره، أنت عارف -نسأل الله أن يبقيك حيًّا- حتى تصل إلى هذا الحال.
طالب: إذا كان المريض على الفراش -يا شيخ- ولا يستطيع يتوضأ مثلًا، وعلى -مثلًا- ملابسه نجاسة، وإذا ما دام توضأ وغسل تبرد، ماذا يعمل؟
الشيخ: ماذا يفعل؟ هل قرأت القرآن؟
الطالب: يعني كيف يغسله؟
الشيخ: أسألك، هل قرأت القرآن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وأيش قرأت من القرآن؟
الطالب: قدر ما يسر الله.
الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، بعدما ذكر الطهارة بالماء والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦].
هذه القواعد عامة ينبغي لطالب العلم أن يعتنقها؛ لأن الله يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، الحمد لله، الله يسر لنا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الصلاة متربعًا أفضل أو الصلاة على مرتفع كالكرسي؟
الشيخ: مرتفع؟
الطالب: يعني: شيء مرتفع كالكرسي.
الشيخ: إي، الصلاة متربعًا أفضل؛ لأن الجالس على الكرسي ما قام.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لما ذكرتم -يا شيخ- أنها إذا عجز عن الأقوال والأفعال تلزمه النية، أقول: بالنسبة للذي إذا سقط عن ..، أو عجز عن الأقوال والأفعال تلزمه النية، شيخ، طيب قول الصحابي للرجل: اقرأها –أي: الفاتحة- في نفسك يا فارسي (٨)، هل تلزمه مع النية هذه القراءة في النفس؛ يعني: لأن الخرص هذا -مثلًا- يكون طارئًا، ولو قديم أو منذ ..؟
[ ١ / ٢١٠٩ ]
الشيخ: إي، هو لا بد، النية لا بد أن يمر الأقوال والأفعال على قلبه.
الطالب: كل الصلاة بنية.
الشيخ: لا بد أن يمر الأقوال والأفعال على قلبه، ينوي مثلًا أنه الآن كبِّر، ينوي قرأ الفاتحة، وهكذا، والذي قال هذا أبو هريرة ﵁.
الطالب: تعتبر قراءة يا شيخ؟
الشيخ: تعتبر، ما هي قراءة.
الطالب: لأنه قال: اقرأها في نفسك.
الشيخ: إي، هو يريد أن اقرأها في نفسك؛ يعني: لا تجهر بها.
طالب: شيخ، إذا كان على الجنب ووجهه ورجله إلى أين؟ يعني: رجله إلى أين يوجه؟
الشيخ: إذا كان على الجنب الأيمن فرجله بالنسبة لنا؛ يعني: في المنطقة هذه.
الطالب: إذا قام وجهه إلى ()؟
الشيخ: لا، إذا كان على جنب فرجله إلى الجنوب.
طالب: هو قال -يا شيخ-: على الجنب على الاستلقاء.
الشيخ: إي، لا على الاستلقاء غير.
***
الطالب: () على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن عجز أومأ بعينيه، فإن قدر وعجز في أثنائها انتقل للآخر، وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وسجود قاعدًا، ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام بمداواة بقول طبيبٍ مسلم، ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام، ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي لوحل لا للمرض.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كم أهل الأعذار؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: من هم؟
الطالب: الخائف والمريض والمسافر.
الشيخ: الخائف والمريض والمسافر، أحسنت.
ما الواجب على المريض في صلاته؟
طالب: يصلي بقدر ما يستطيع.
الشيخ: كيف يصلي بقدر ما يستطيع؟
الطالب: أول شيء يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطيع فعلى جنبه.
الشيخ: فعلى جنبه، أحسنت. هل هناك دليل؟
[ ١ / ٢١١٠ ]
طالب: حديث عمران بن حصين قال للرسول ﷺ: إن بي مرض الباسور، قال له: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١).
الشيخ: وهل يمكن أن يُفهَم هذا من القرآن؟
الطالب: قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الشيخ: إي نعم، فيه آية أخرى؟
الطالب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الشيخ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ماذا تقول عن هذا الدليل القرآني؟ وأيش نوعه؟ هل هو عام ولَّا خاص؟
طالب: عام.
الشيخ: هذا عام. وماذا تقول عن حديث عمران؟
الطالب: خاص.
الشيخ: خاص، إذن معناه ممكن نستدل لما ذكره الأخ أنه يصلي قائمًا، فإن لم يستطيع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى الجنب، بدليل عام وبدليل خاص.
هل يكتفى بالدليل العام عن الخاص؟
طالب: في مواضع -يا شيخ- نكتفي.
الشيخ: وأيش هي المواضع؟
الطالب: مثل هذه.
الشيخ: يعني مثلًا إذا كان هناك دليل خاص ودليل عام، هل نكتفي بالعام عن الخاص؟
الطالب: نكتفي به.
الشيخ: نكتفي به، إذا روى الحديث البخاري ومسلم ورواه غيرهما هل نكتفي بغيرهما عنهما؟
الطالب: لا.
الشيخ: هل يمكن الآن تعدل عن جوابك الأول ولَّا لا؟
الطالب: نعم يا شيخ، قبل الدليل الخاص دليل عام () إلا في المواضع التي لم تأت فيه أدلة خاصة.
الشيخ: المهم هل إذا وجد لحكم مسألة دليلان خاص وعام هل نكتفي بالعام عن الخاص؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما نكتفي.
الطالب: نكتفي بالخاص، والعام يبقى عامًّا.
الشيخ: يعني: الأولى أن نستدل بالخاص؛ لأنه يحتمل أن يأتي إنسان ويقول: هذا عام، قد لا يشمل جميع الأفراد، ربما لا يشمل جميع أفراده، فإذا جاءنا الدليل الخاص لم يمكن لأحد أن يدعي لا يختص بهذا الحكم.
إذا قال قائل: إذن لماذا تأتون بالدليل العام مع الاكتفاء بالدليل الخاص؟
[ ١ / ٢١١١ ]
نقول: نأتي به من أجل أن نستفيد منه فائدة؛ لأن هذا الدليل العام الأصل أن يستعمل في جميع أفراده، هذا الأصل، فإذا جاء الدليل العام وأدخلنا فردًا من أفراده في حكمه فادعى أحد أن هذا الفرد خارج عن العموم، فإني أقول له: عليك الدليل، فإذن هذه الفائدة في أننا نأتي بالدليل العام وبالدليل الخاص.
هل يكون على الجنب الأيمن أو الأيسر؟
طالب: يكون على حسب ما يتيسر له.
الشيخ: نعم. فإن استويا؟
الطالب: فإن استويا فعلى الجنب الأيمن.
الشيخ: فالجنب الأيمن أفضل.
ما الدليل على أنه يكون على أيهما شاء؟
الطالب: لأن الرسول ﷺ عند النوم قال: «عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» (٣).
الشيخ: لا، الدليل على أنه يكون على أيهما شاء؟
الطالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
الشيخ: لا يا أخي.
طالب: لأنه في حديث عمران أطلق ولم يقيد.
الشيخ: لأن النبي ﷺ في حديث عمران أطلق ولم يقيد قال: «عَلَى جَنْبٍ»، فيشمل الأيمن والأيسر، لكنا اخترنا الأيمن عند التساوي، لماذا؟
الطالب: لأن النبي قال في حديث عمران ..
الشيخ: لا، رجحنا الأيمن ليش؟
الطالب: لأن النبي ﷺ يعجبه التيامن (٤).
الشيخ: يعجبه التيامن؛ يعني: يحب التيامن في كل شؤونه، ممكن نستدل بهذا الحديث، ونستدل أيضًا بحديث آخر؟
طالب: عند النوم الرسول ﷺ قال: «تَنَامُ» (٣).
الشيخ: أمر بالنوم على الجنب الأيمن، فدل هذا على أنه أفضل.
رجل صلى مستلقيًا ورأسه إلى القبلة؟
طالب: لا تصح صلاته.
الشيخ: لا تصح، ورجلاه إلى القبلة؟
الطالب: لا تصح.
الشيخ: سبحان الله! إذا استقبل القبلة برأسه لا يصح وبرجليه يصح؟
الطالب: لا يصح؛ لأنه إذا قعد تكون القبلة خلفه.
الشيخ: يعني عدلت عن الجواب الأول؟
الطالب: لا، لا تصح، أقول: لا تصح.
الشيخ: أعيد السؤال مرة ثانية: رجل صلى ورأسه إلى القبلة؟
الطالب: وهو مستلقٍ؟
الشيخ: وهو مستلقٍ.
[ ١ / ٢١١٢ ]
الطالب: لا تصح.
الشيخ: صلى ورجلاه إلى القبلة؟
الطالب: تصح.
الشيخ: كيف هذا؟
الطالب: لأنه إذا قعد وهو مستلقٍ ورجلاه إلى القبلة فإنه يتجه إلى القبلة، مع أنه لو قعد وهو ..
الشيخ: ورأسه إلى القبلة.
الطالب: ورأسه إلى القبلة تكون القبلة خلفه.
الشيخ: كان مستدبرًا للقبلة، صحيح يا جماعة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذا صلى جالسًا أو صلى مضطجعًا، فكيف يكون الركوع والسجود؟
طالب: إذا صلى جالسًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الركوع والسجود أولًا: يفضل صلاته أن يكون متربعًا.
الشيخ: لا، دعنا من التربع، كيف يكون الركوع والسجود؟
الطالب: يومئ برأسه.
الشيخ: يومئ برأسه، ويجعل السجود؟
الطالب: يجعل السجود أن يكون ..
الشيخ: لا، يجعل السجود مثل الركوع ولَّا أخفض؟
الطالب: لا، أخفض.
الشيخ: أخفض من الركوع؛ لأن هذه هيأة القائم.
إذا عجز عن الإيماء بالرأس؟
طالب: يومئ بعينيه.
الشيخ: يومئ بعينيه، كيف يومئ بعينيه؟
الطالب: يغمض بعينيه قليلًا عند الركوع.
الشيخ: يغمض عينيه قليلًا عند الركوع.
الطالب: ثم إذا اعتدل فرفع عينيه، ثم إذا سجد أغمض عينيه أكثر مما أغمضهما عند الركوع.
الشيخ: أحسنت. هل هناك دليل؟
طالب: جاء حديث عن النبي ﷺ أنه كان يومئ بطرفه ﷺ.
الشيخ: أمر.
الطالب: أمر النبي بأن يومئ بطرفه (٥).
الشيخ: بطرفه. ما تقول في هذا الرأي وهذا الدليل؟
طالب: هذا مرجوح القول.
الشيخ: هذا الرأي مرجوح.
الطالب: القول الصحيح أنه إذا ..
الشيخ: وماذا تقول في الدليل؟
الطالب: دليل ضعيف.
الشيخ: الدليل ضعيف، ما رأيك لو كان الدليل قويًّا هل يكون القول مرجوحًا؟
الطالب: لا.
الشيخ: يكون القول راجحًا، صح، إذن القول مرجوح، والدليل؟
الطالب: ضعيف.
الشيخ: ضعيف، أحسنت.
إذا عجز عن الإيماء بالرأس وقلنا بأنه لا يومئ بالعين، فهل يومئ بالإصبع؟
طالب: لا يومئ بالإصبع.
الشيخ: ليش؟
[ ١ / ٢١١٣ ]
طالب: لم يرد حديث عن النبي ﷺ، ولم يقل به أحد من أهل العلم.
الشيخ: نعم، لا يومئ بأصبعه؛ لأنه لم يرد به دليل، ولم يقل به أحد من أهل العلم، والعبادات مبناها على التوقيف؛ إذا وردت عن الشرع، وإلا فلا.
إذا عجز عن الإيماء؟
طالب: أحد الأئمة قال: لا تسقط الصلاة عنه، ومنهم من قال: تسقط عنه الأفعال و..
الشيخ: الأقوال.
قال بعض الأئمة: إذا عجز عن الإيماء سقطت الصلاة؛ لأن هذا أدنى ما ورد فيها، وقال بعض العلماء بل إذا عجز عن الأفعال وجبت الأقوال، وينوي الأفعال بقلبه، يقول: الله أكبر ناويًا الركوع، وهكذا.
إذا عجز عن الأقوال والأفعال تسقط الصلاة أو لا؟
طالب: لا تسقط.
الشيخ: ما يسقط؟ كيف؟
الطالب: النية.
الشيخ: يصلي بالنية؟
الطالب: نعم، ينوي القيام وينوي القراءة، وعند الركوع ينوي الركوع ويسبح تسبيح الركوع.
الشيخ: ما يقدر يسبح؟
الطالب: بالنية.
الشيخ: بالنية، هل عندك دليل على هذا القول؟
الطالب: أن الصلاة ..
الشيخ: هل عندك دليل؟ إذا قلت: (إن) صار تعليلًا.
الطالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وهذا الرجل اتقى الله ما استطاع، لا يستطيع أن يأتي بالأفعال ولا بالأقوال، فيتقي الله ما استطاع، والصلاة مبنية على أقوال وأفعال ونية، فإذا عجز عن الأقوال والأفعال بقيت النية؛ ولهذا قال العلماء: لا تسقط الصلاة ما دام العقل باقيًا، هذه قاعدة مفيدة، أحسنت.
إذا صلى المريض قاعدًا لعجزه عن القيام فهل يكتب له أجر الصلاة قائمًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، الدليل؟
الطالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ليس له وسع على القيام.
الشيخ: ما يخالف، إذن يسقط عنه القيام لكن لا ينال أجره، كما سقطت الصلاة عن الحائض ولا تنال أجرها.
طالب: الدليل أن المريض والمسافر يحسب لهم عملهم في حال مرضهم وسفرهم.
[ ١ / ٢١١٤ ]
الشيخ: قول النبي ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (٩)، وقوله: «كُتِبَ لَهُ» يدل على أنه ما دام يعمل العمل سابقًا فإنه يكتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا.
رجل في أول الركعة كان قادرًا على القيام، ولما ركع وأراد أن يقوم من الركوع عجز، وقف ظهره حتى لا يكاد يعتدل، ما تقول؟
طالب: يتم صلاته بقدر الاستطاعة.
الشيخ: يعني: يسقط عنه القيام في هذه الحال، فيجلس.
الطالب: فيجلس، ويتم على ..
الشيخ: يجلس كذا ولَّا يبقى راكعًا؟
الطالب: لا، على حسب الاستطاعة، إذا مثلًا ..
الشيخ: هو يستطيع يجلس الآن، ويستطيع يبقى راكعًا.
الطالب: لا، يجلس.
الشيخ: فهمت سؤالي؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: رجل ركع وهو يصلي قائمًا وليس به بأس، فركع، ولما ركع أصابته روماتيزم في ظهره وعجز لا يرتفع.
الطالب: يجلس.
الشيخ: فقال: سمع الله لمن حمده، الآن: كيف يكون يقف؛ يعني: يبقى راكعًا ولَّا يجلس؟
الطالب: لا، يجلس.
الشيخ: واللهِ أظن فيه ما هو عارف، أنتم فاهمين السؤال؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: طيب، أيش تقول؟
طالب: لا، يبقى راكعًا.
الشيخ: يبقى راكعًا.
الطالب: لأنه صار إذن استطاع القيام يقوم؛ لأن ساقه معتدلة بالقيام.
الشيخ: إي، إذن معناه في هذه الحال ينوي القيام، ما تقولون؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: فيه رأيان أحدهما رأي آدم، والثاني رأي الأخ.
طالب: شيخ، لا ينتهي من الركوع؛ لأن الأعمال في الصلاة إنما هي توقيفية، والنبي ﷺ قال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» لم يقل: راكعًا، وإنما قال: «قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١)، فالثلاث هذه فقط يقف الإنسان عندها ولا يزيد عليها.
طالب آخر: شيخ، نقول: له يجلس على أنه قائم، ثم يرفع وهو جالس؛ يعني: كأنه راكع وهو جالس، ثم يرفع وهو جالس.
[ ١ / ٢١١٥ ]
الشيخ: لا، ما يصلح، على كل حال قاعدة الفقهاء تقتضي أن يكون يبقى راكعًا بالنية؛ ولهذا قالوا في ..، لهم عبارة: وينوي الركوعَ الأحدبُ الذي لا يمكنه، إنسان أحدب ينوي الركوع، وقالوا: كـ (فُلْكٍ) في العربية، (فُلْك) في العربية تصلح للواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] هذه جمع ولَّا مفرد؟
الطلبة: جمع.
الشيخ: جمع، والمفرد كثير في القرآن، ذُكِر الفُلك مفردًا كثير.
فهم يقولون: هذا الإنسان ينوي القيام بالنية، وينوي أيضًا الركوع بالنية؛ لأنه ليس له صفة قيام.
طالب: يجلس يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يجلس، ينوي القيام وهو راكع؛ ولهذا يجب عليه إذا كان يستطيع القيام راكعًا أن يقوم ولو لصفة الركوع.
الطالب: الدليل؟
الشيخ: هذا نوع من القيام؛ ولهذا نقول: إن الركوع فعل أو صفة في القيام.
رجل قدر على القيام دون الركوع، ماذا يفعل؟
طالب: يصلي جالسًا.
الشيخ: يصلي؟
الطالب: جالسًا، كما قال ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (١).
الشيخ: قدر على القيام دون الركوع، قادر على القيام الآن؟
طالب: يصلي قائمًا، ثم ينوي الركوع، ثم يجلس.
الشيخ: ثم ينوي الركوع، ثم يجلس! شو الجلوس؟ شو يقول هذا؟ !
الطالب: السجود يعني: في الركوع.
الشيخ: واللي بيسجد يجلس قبل؟ الظاهر أنك ما فهمت السؤال، رجل قادر على القيام لكن لا يستطيع أن يحني ظهره؛ ما يستطيع يركع، فماذا يصنع؟
الطالب: يصلي قائمًا.
الشيخ: صلى قائمًا، والركوع؟
الطالب: ينوي الركوع وهو قائم.
الشيخ: ينوي؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: يومئ برأسه.
الشيخ: يصلي قائمًا ويومئ بالركوع. ما دليلك؟
الطالب: الدليل: «صَلِّ قَائِمًا».
الشيخ: هو صلى قائمًا الآن، لكن ما دليلك على أنه يومئ في الركوع؟
الطالب: الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ صحيح؟
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٢١١٦ ]
الشيخ: إذا قدر على القعود دون السجود؟
طالب: ينوي السجود.
الشيخ: ينوي السجود نية؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١٠).
طالب: يومئ كذلك بالسجود.
الشيخ: يومئ بالسجود، الدليل؟
الطالب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: وإذا قال -كما قال الأخ-: ينوي، واستدل بحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
الطالب: نقول: لا ينتقل إلى شيء إلا إذا كان فيما قبله متعذرًا.
الشيخ: وأيضًا حديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ»، هذا الرجل ما عمل وهو قادر على الإيماء، أليس كذلك؟
طالب: ما أخذناه.
الشيخ: كيف ما أخذناه؟
الطالب: قدر وعجز.
الشيخ: الحمد لله، أخذتموه بالفعل، ما دام أجبتم عليه جواب صحيح ..
طالب: شيخ، ما جاء في الحديث يا شيخ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَأَوْمِئْ إِيمَاءً» (١١).
الشيخ: إي نعم.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر) إن قدر المريض في أثناء الصلاة على فعلٍ كان عاجزًا عنه انتقل إليه.
مثاله: رجل مريض عجز عن القيام فشرع في الصلاة قاعدًا، وفي أثناء الصلاة وجد من نفسه نشاطًا، نقول له: قُمْ، بناءً على القاعدة؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (١).
بالعكس؛ عجز عن القيام، كان في أول الصلاة نشيطًا فشرع في الصلاة قائمًا، ثم تعب فجلس، نقول: لا بأس؛ للآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وللحديث: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا»، وهذا يشمل ما إذا كان العجز ابتداءً أو طارئًا.
لكن هاهنا مسألة: لو أتم قراءة الفاتحة وهو قائم من القعود في حال نهوضه فهل يجزئه؟ ولو أتمها وهو عاجز عن القيام في حال هبوطه فهل يجزئه؟ هاتان مسألتان:
[ ١ / ٢١١٧ ]
المسألة الأولى: مريض يصلي قاعدًا، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وجد من نفسه نشاطًا فقام، في أثناء قيامه كان يقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، تعرفون المريض ما هو يقوم بسرعة؛ يتكئ على يديه، ويتكلف القيام، في أثناء ذلك قرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهل تجزئه؟ هذه مسألة.
المسألة الثانية: إنسان يصلي قائمًا قادرًا على القيام، في أثناء القيام لما وَصَلَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تعب، فنزل، وفي أثناء نزوله قرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هل تجزئه الصلاة؟
قال الفقهاء: أما في المسألة الأولى فلا تجزئه القراءة؛ في المسألة الأولى التي كان يصلي قاعدًا، ثم قدر فقام، وفي أثناء القيام قرأ، قالوا: لا تجزئه القراءة، لماذا؟
قالوا: لأنه لما قدر على القيام صار القيام فرضًا، والفاتحة يجب أن تقرأ وهو قائم، إذا كان قادرًا على القيام، والآن قدر؛ قرأها في حال نهوضه، والنهوض دون القيام، فلا تجزئه، شوف دقة الفقهاء ﵏.
في المسألة الثانية؛ إذا طرأ عليه العجز في أثناء القيام، ثم نزل وهو يقرأ تجزئه، لماذا؟ لأن حال الهبوط أعلى من حال القعود، أيهما أقرب للقيام القاعد ولَّا اللي بين القيام والقعود؟
الطلبة: بين القيام والقعود.
الشيخ: الذي بين القيام والقعود فحاله أعلى؛ لهذا قالوا: لا تجزئ الفاتحة من أكملها حال قيامه، وتجزئ من أكملها حال نزوله، هذا فرق دقيق.
ولكن هذه المسألة عورضت، وقيل: إن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يشمل هذه الصورة؛ لأن الرجل الذي قدر في أثناء الجلوس على القيام نهوضه هذا هو غاية قدرته، فإذا كان نهوضه غاية قدرته فقدْ قرأ الفاتحة في الحال التي هي قدرته، فتجزئه.
[ ١ / ٢١١٨ ]
وهذا أقرب؛ أنها تجزئ الفاتحة من أتمها حال نهوضه؛ لأن الرجل الآن شارعٌ فيما يجب عليه، فهذا الشروع ثابت بأمر الله، وإذا فعلها أجزأه، وهذا أقرب.
ولكن تفاديًا لهذا الأمر نقول له: إذا قدرت على القيام فاسكت، لا تقرأ حتى تستتم قائمًا، ثم كمِّل.
أما في مسألة إذا عجز عن القيام وأتمها في حال الهبوط، فهذا واضح أنه يجزئه؛ لأن حال الهبوط أعلى من حال الجلوس.
يقول المؤلف ﵀: (فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر، وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وبسجود قاعدًا) هذه تقع كثيرًا، هو قادر على القيام لكن لا يستطيع الركوع؛ إما لمرض في ظهره، وإما لوجع في رأسه، وإما لعملية في عينه، أو لغير، المهم الأسباب كثيرة، هو قادر على القيام لكن لا يستطيع الركوع، نقول له: صلِّ قائمًا، وأومئ بالركوع قائمًا. والدليل؟
الطلبة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
يستطيع أن يجلس، لكن لا يستطيع أن يسجد، ماذا نقول؟ نقول: اجلس وأومئ بالسجود؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وهذا يحتاج الإنسان إليه في الطائرة إذا كان السفر طويلًا وحان وقت الصلاة وليس في الطائرة مكان مخصوص للصلاة، فإنه يصلي على الكرسي، يستطيع القيام أو لا؟
طلبة: لا يستطيع.
طلبة آخرون: يستطيع.
الشيخ: لا يستطيع! كيف ما يستطيع؟ لا يستطيع؟ ما فيه شك أنه يستطيع، ولَّا عندنا فيها إشكال، أحيانًا يستطيع بدون اعتماد إذا صارت الطائرة مستوية وراكزة ما فيها مطب، وإلَّا يتمسك بالكرسي اللي أمامه. يستطيع الركوع؟
طلبة: لا يستطيع.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: نعم، يستطيع، لكن قد لا يتم الركوع تمامًا، لكن يستطيع الإيماء فيومئ بالركوع قدر ما يمكن. يستطيع السجود؟
طلبة: لا يستطيع.
الشيخ: لا، الظاهر أنه ما يستطيع حسب الطائرات اللي إحنا نعرف.
طلبة: في الممر.
[ ١ / ٢١١٩ ]
الشيخ: أنا أقول: على الكرسي -الله يهديكم- هو يصلي على الكرسي الآن، ما فيه ممرات، ولا فيه مكانات، هو لا يستطيع أن يسجد، نقول: اجلس على الكرسي، ثم تومئ إيماءً بالسجود.
كل هذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ومن قول النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٢)، والقاعدة: فمن لم يقدر على الركوع أومأ به قائمًا، ومن لم يقدر على السجود أومأ به جالسًا.
فيه مسألة ذكرها المؤلف، لكن نذكر قبلها أيضًا مسألة أخرى: لو كان لا يستطيع السجود على الجبهة فقط؛ لأن فيها جروحًا لا يتمكن أن يمس بها الأرض، لكن يقدر باليدين بالركبتين، فماذا يصنع؟
طالب: يتقي الله ما يستطيع.
الشيخ: إي نعم، نأخذ القاعدة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يضع يديه على الأرض، ويدنو من الأرض بقدر استطاعته؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وأما من قال من العلماء: إنه إذا عجز عن السجود بالجبهة لم يلزمه بغيرها، فهذا قول خلاف الصواب، بعض العلماء يقول: إذا عجز عن السجود بالجبهة لم يلزمه السجود بغيرها، لكن هذا قول خلاف الصواب؛ لأننا إذا طبقنا الآية الكريمة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ كانت دالة على أنه يجب أن يسجد على الأرض بما استطاع من أعضائه، وإذا كان يستطيع أن يسجد على الكفين وجب.
نعم، لو فرضنا أنه لا يستطيع أن يسجد أبدًا؛ يعني: ما يستطيع يحني ظهره إطلاقًا، حينئذٍ ما نقول: يلزمك أنك تضع يديك على الأرض؛ يعني مثلًا فرضنا أنه ما يستطيع إلا يكون هكذا، هكذا، ما يستطيع أكثر من كذا، هذا لا نقول: يلزمك أن تضع يديك على الأرض؛ لأنه لا فائدة من هذا، بل ربما شبه إقعاء، إنما لو كان يستطيع يدنو من الأرض حتى يكون كهيئة الساجد فهنا يجب عليه أن يسجد، ويقرب جبهته من الأرض ما استطاع.
[ ١ / ٢١٢٠ ]
المسألة الثانية ذكر الشارح: رجل مريض يقول: إن ذهبت إلى المسجد لم أستطع القيام؛ لأني أصل إلى المسجد وأنا تعبان ولا أستطيع القيام، وإن صليت في بيتي صليت قائمًا؛ لأني ما عندي تعب ولا مشقة، وأيضًا الجماعة ربما يطوِّل الإمام تطويلًا يشق علي، وفي بيتي أنا أصلي كما شئت، فهل نقول: يجب عليك أن تذهب إلى المسجد، ثم تصلي ما استطعت؟ أو نقول: () في بيتك؛ لأن القيام ركن، وصلاة الجماعة واجبة؟ أو نقول: تخير؛ لأنه تعارض واجبان فأنت مخير؟ هذه ثلاثة احتمالات.
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أيش يخير؟
طلبة: يصلي في جماعة.
الشيخ: طيب، شوفوا، يجب أن يذهب إلى المسجد، من يقول بهذا؟
يجب أن يصلي في بيته قائمًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي، هذا الأكثر.
يخير؟ ما عندنا إلا اثنين أو ثلاثة، طيب ما يخالف.
من العلماء من قال: إنه يخير؛ لتعارض الواجبين؛ واجب الجماعة وواجب القيام، ومنهم من قال: يقدِّم القيام؛ لأن القيام ركن بالاتفاق، وصلاة الجماعة أولًا: فيه اختلاف وجوبها، والثاني: إذا وجبت هل هي فرض كفاية أو فرض عين؟ والثالث: إذا كانت فرض عين فهل هي واجبة في الصلاة بحيث تبطل الصلاة بتركها بلا عذر، أو واجبة للصلاة تصح الصلاة بدونها مع الإثم؟
لكن القيام ركن، ما فيه إشكال «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (١).
ومنهم من قال: يجب أن يحضر إلى المسجد، ثم يصلي قائمًا إن استطاع، وإلا صلى جالسًا؛ لأنه مأمور بإجابة النداء، والنداء سابق على الصلاة، فيبدأ بالسابق، ويرتب إذا وصل إلى المسجد، فإن قدر صلى قائمًا، وإلا فلا، وأيضًا ربما يظن أنه إذا ذهب إلى المسجد لا يستطيع القيام، ثم يمده الله ﷿ بنشاط ويستطيع القيام.
أما الذين قالوا بالتخيير فقالوا: لأنه تعارض عندنا واجبان، فليس أحدهما أولى بالترجيح من الآخر، فيخير.
[ ١ / ٢١٢١ ]
والذي أميل إليه -وليس الميل الكبير- هو أنه يجب عليه حضور المسجد، ويدل لذلك حديث ابن عباس الثابت في صحيح مسلم (١٣): كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف؛ معناه أنه ماسكه اثنين يمشون به شوي شوي، يهادونه كما يهادى الصبي، حتى يقام في الصف، ومثل هذا في الغالب لا يقدر على القيام وحده.
فالذي أنا أرجحه -وليس الترجيح الكبير- هو أنه يجب أن يحضر إلى المسجد، ثم إن قدر على القيام فذاك، وإن لم يقدر فقد قال الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
طالب: لو قال قائل: إن القيام فرض ليس بركن، والأوامر التي جاءت إنما هي للندب، الأوامر التي جاءت: صلِّ قائمًا، وقم لله قانتًا، أقول: أوامر للندب، واللي صرف هذا الندب فعل النبي ﷺ في صلاته قاعدًا؛ صلى قاعدًا في النافلة، فما ثبت في النافلة ثبت في الفريضة.
الشيخ: إي نعم، إلا بدليل.
الطالب: إلا بدليل.
الشيخ: نعم، الدليل يقولون: قال لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» (١) ترتيب.
الطالب: لكن ثبوت الحكم الكامل.
الشيخ: لا، «إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» واضح أنه لا بد أنها بالترتيب، مثلما قلنا في خصال الكفارة: فتحرير رقبة، فمن لم يجد.
الطالب: على النصف من أجر القائم، يا شيخ؟
الشيخ: لا، هذا في النفل.
الطالب: إي، فأثبت له نصف الأجر.
الشيخ: إي، هذا للنفل.
الطالب: إي، هذا في النفل.
الشيخ: لأن النفل لا يجب فيه القيام؛ من أجل ترغيب الناس في النفل، وألا يستثقلوه ويشق عليهم رخص لهم، مثلما رخص في الصلاة في النفل في الصلاة على الراحلة؛ من أجل أن يخف عليهم ولا يشق عليهم.
الطالب: ولا في تقول -يا شيخ- بأنه إلا في النفل؟
الشيخ: أبدًا، أن القيام ليس بركن؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لا أعرفه بهذا قولًا.
[ ١ / ٢١٢٢ ]
طالب: شيخ، عفا الله عنك، طيب في الحديث: يؤتى بالرجل يهادى به بين الرجلين (١٤)، الظاهر حتى أنه لو بقي في بيته ما يستطيع أن يقوم، يصلي جالسًا ..
الشيخ: الله أعلم، ما ندري، ما نعلم، البيت مسكوت عنه.
طالب: قلنا في صلاة القائم: إنه في سجوده يجلس ويومئ، شيخ، ورد في الأثر عن السلف أنهم كانوا في الزحمة للجمعة أنهم يسجدون حتى على ظهرهم، لماذا لا يسجد على كرسي اللي أمامه؟
الشيخ: لأنه لو سجد ما تراه على هيئة الساجد، وحتى ما ورد عن بعض السلف أنهم يسجدون على الذين أمامهم ورد عن غيرهم خلاف؛ ولهذا كان أقرب الأقوال في الزحمة ألا يسجد على ظهر إنسان، أن يبقى حتى يزول الزحام، يقوم الناس ويسجد بعد ذلك، أو يومئ إيماءً، أما السجود على ظهر إنسان فقد سبق لنا أن قلنا: في هذا محذور، بل محاذير متعددة.
الطالب: شيخ، فعل النبي ﷺ لما كان مريضًا أنه حضر الجماعة وصلى جالسًا (١٥)، الأفضل حضور المسجد؟
الشيخ: قد يدل، وقد لا يدل؛ لأن الرسول إنما خرج من أجل الصحابة ﵃؛ ولهذا خرج بعد أن أقيمت الصلاة، لم يقل لهم: انتظروني حتى آتي، وسآتي، لكن الظاهر أنه ﵊ وجد خفة وأراد أن يطيب قلوب الصحابة فخرج.
طالب: هناك ما يقوي قول حضور المسجد، () إن ذلك من شامة المسلمين في المسجد، وهناك كذلك قد يكون فيه تعليم؛ لهذا قد ..
الشيخ: هو لا شك أن مصالح المسجد كثيرة، لكن الذين قالوا بأن نقدم البيت، يقولون: إن هذا واجب بالاتفاق، حضور الجماعة ليس واجبًا بالاتفاق.
لكن كما قلنا لكم: إن الدعوة للجماعة سابقة، فيجيب الدعوة، ثم إن قدر على ما يأتي بعد ذلك فعل، وإلا فهو معذور.
طالب: مع أهمية الصلاة وحث الشارع عليها في كل وقت، وأيش دليل شيخ الإسلام عندما أسقط الصلاة إذا ما استطاع أن يومئ بالرأس وأن ..؟
[ ١ / ٢١٢٣ ]
الشيخ: دليله ﵀ يقول: لأن الصلاة أفعال وأقوال لا بد من تحقق هذه، فإذا عجز عن الفعل وعن القول صارت كسائر الواجبات تسقط.
***
الطالب: قال رحمه الله تعالى: وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وسجود قاعدًا، ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم، ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام، ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي لوحل لا للمرض.
فصل
من سافر سفرًا مباحًا أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه، وإن أحرم ثم سافر أو في سفر ثم أقام أو ذكر في صلاة حضر ..
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل قدر على القيام دون الركوع ماذا يصنع؟
طالب: يومئ واقفًا.
الشيخ: قدر على القيام دون الركوع؟
الطالب: قصدي يقرأ وهو قائم ويومئ بالركوع.
الشيخ: يصلي قائمًا أو قاعدًا؟
الطالب: يصلي قائمًا ويومئ بالركوع.
الشيخ: يصلي قائمًا ويومئ بالركوع، وإن عجز عن السجود؟
الطالب: إن عجز عن السجود يومئ ساجدًا وهو قاعد، يومئه وهو قاعد للسجود.
الشيخ: يومئ بالسجود وهو قاعد، هل لديك دليل على هذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: قوله جل وعلا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وهذا استطاع ..
الطالب: استطاعته أنه ..
الشيخ: القيام.
الطالب: دون الركوع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: استطاعته القيام دون الركوع ..
الشيخ: فيصلي قائمًا ويومئ بالركوع؛ لأن الإيماء بدل عن الركوع، وكذلك نقول في السجود.
إذا قدر على القيام بعد عجزه عنه؟
طالب: إذا قام بعد ..
الشيخ: على القيام بعد عجزه عنه؟
الطالب: يقوم.
الشيخ: يقوم ولو في أثناء الركعة؟
الطالب: ولو في أثناء الركعة.
[ ١ / ٢١٢٤ ]
الشيخ: يعني: لما قرأ نصف الفاتحة وهو قاعد رأى من نفسه خفة ونشاطًا، فهل يلزمه أن يقوم أو لا؟
الطالب: يلزمه، يا شيخ.
الشيخ: يلزمه، هل عندك دليل؟
الطالب: لأن قالوا في القيام ..
الشيخ: لا، (قالوا) ما هي دليل، كلام العلماء يستدَّل له ولا يستدل به.
الطالب: لأن القيام صار في حقه فلا بد أن ..
الشيخ: (لأن) هذا تعليل، وإحنا نحتاج دليلًا.
طالب: قال الرسول ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (١)، فهذا استطاع القيام.
الشيخ: وهذا استطاع القيام فوجب عليه؟
الطالب: أن يقوم.
الشيخ: أن يقوم. ومن القرآن؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
طالب: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
الشيخ: إي نعم، إذن فهمنا الكلام، أنا قلت لك: إن كلام العلماء يستدل له ولا يستدل به، وأيش معنى العبارة هذه؟
طالب: يستدل له من الكتاب والسنة ولا يستدِّل العلماء بكلام العلماء.
الشيخ: معناه لو قال لنا قائل: قال العالم الفلاني: كذا، نقول له؟
الطالب: هات دليلًا.
الشيخ: أين الدليل؟ فهو يستدل له ولا يستدل به، لكنه يُستأنَس به، لا شك أنه يُستأنَس به.
ذكرنا أن الإنسان إذا كان يعلم من نفسه أنه لا يستطيع القيام في جميع الركعة، فهل يجلس فإذا أراد أن يركع يقوم، أو يصلي قائمًا فإذا عجز قعد؟
طالب: أقول: يصلي قاعدًا، فإذا أراد أن يركع ..، أو إذا قرأ أو بقي شيء يصلي قاعدًا، ثم إذا بقي شيء من قرأته يقوم.
الشيخ: إذا بقي عليه ما يقدر عليه؟
الطالب: يستطيع أن يقوم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يصلي قائمًا فإن لم يستطع جلس.
الشيخ: يعني فإذا تعب وعجز جلس؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ٢١٢٥ ]
طالب آخر: شيخ، نحن قلنا: إذا نظرنا إلى صلاة الرسول ﷺ في صلاة الليل فإنه يبدأها جالسًا ثم يقوم، فقلنا: إذا نظرنا إلى ذلك فإننا نقول: له أن يبدأ جالسًا، أما إذا نظرنا إلى أصل الأمر فنقول: إنه يقوم، ثم يجلس إذا عجز عن القيام.
الشيخ: لأنه كان حال دخوله في الصلاة قادرًا.
الطالب: على القيام.
الشيخ: على القيام، وربما يظن أنه يعجز، ثم يعينه الله ويقوى. الواقع أنني طلبتها في كتب الفقهاء الحنابلة ما وجدتها، والمسألة محتملة وما تزال قيد البحث، وأنتم أيضًا ابحثوا في كتب العلماء الآخرين.
هل يلزمه أن يبتدئ الصلاة قائمًا فإذا عجز جلس، أو يبتدئها جالسًا وهو قادر على القيام؛ قادر أن يقوم، ثم إذا أراد الركوع قام؟
الصورة الأخيرة نستفيد منها أنه يركع ركوعًا تاما، فيحافظ على ركن، بخلاف ما إذا جلس فإنه سوف يومئ بالركوع، فلا يستطيعه، فتترجح من هذه الناحية، وتترجح أيضًا من ناحية القياس على صلاة النافلة، إلا أن القياس ذكرنا فيما سبق أنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن صلاة النافلة لا يجب فيها القيام أصلًا، فتختلف.
وإن كان قد يقول قائل: نعم، هي لا يشترط فيها القيام، لكن القيام فيها أفضل، فعلى كل حال لم تتبين لي بيانًا واضحًا، كل واحدة من الصورتين لها ما يرجحها.
ولِمَرِيضٍ الصلاةُ مُسْتَلْقِيًا مع القُدرةِ على القِيامِ لِمُداواةٍ بقولِ طبيبٍ مسلِمٍ، ولا تَصِحُّ صلاتُه قاعدًا في السفينةِ وهو قادرٌ على القِيامِ، ويَصِحُّ الفرْضُ على الراحلةِ خَشْيَةَ التأَذِّي لوَحْلٍ لا لِلْمَرَضِ.
(فصلٌ)
مَنْ سافَرَ سَفَرًا مُباحًا أربعةَ بُرُدٍ سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ رَكعتينِ
[ ١ / ٢١٢٦ ]
الصورة الأخيرة نستفيد منها: أنه يركع ركوعًا تامًّا، فيحافظ على ركن، بخلاف ما إذا جلس فإنه سوف يومئ بالركوع فلا يستطيعه، فتترجح من هذه الناحية، وتترجح أيضًا من ناحية القياس على صلاة النافلة، إلا أن القياس ذكرنا فيما سبق أنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن صلاة النافلة لا يجب فيها القيام أصلًا، فتختلف، وإن كان قد يقول القائل: نعم هي لا يشترط فيها القيام، لكن القيام فيها أفضل، فعلى كل حال لم تتبين لي بيانًا واضحًا، كل واحدة من الصورتين لها ما يرجحها.
طالب: تكبيرة الإحرام يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: ما ترجح ()؟
الشيخ: تكبيرة الإحرام قد ترجح أنه سيبتدئ قائمًا ثم إذا عجز جلس.
الطالب: ()؟
الشيخ: على كل حال أنتم الآن.
الطالب: ما تميل إلى شيء؟
الشيخ: إلى الآن، أستخير الله ﷾، أنتم إن شاء الله تعالى تبحثونها، نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة لقيام الليل، الذي استدللنا به من النبي ﷺ () قيام الليل في حق النبي ﷺ فرض أو واجب؟
الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا فيه خلاف، والصحيح أنه ليس بواجب.
طالب: ما يعرف منها عبارة المصنف: (فإن قدر أو عجز في أثنائها ينتقل إلى الآخر)، يعني يقوم إذا عجز انتقل إلى الجلوس، يفهم من عبارته.
الشيخ: إي، لكن في الأول ليس بعاجز، يعني أنت تقول: إنه يبتدئ قائمًا؛ لأنه قادر، فإذا عجز؟
الطالب: ينتقل إلى الجلوس.
الشيخ: ينتقل إلى الجلوس، ما هي بواضحة ذاك الوضوح، ولا هذه ربما أنها تشير إلى ما قلت، يقول: هو الآن قادر على القيام فيلزمه أن يقوم، فإذا عجز انتقل إلى القعود.
الطالب: والحديث يا شيخ، حديث رواه ابن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» (١)، ما ترجح القيام يا شيخ؟
الشيخ: نعم، على كل حال إن شاء الله المسألة قيد البحث، كل واحد منها له مرجح، عسى أن تكونوا فرقتين؛ فرقة ترجح هذا وفرقة ترجح هذا، وكل واحد منكم يجيب دليل وتعليل.
[ ١ / ٢١٢٧ ]
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم).
(ولمريض الصلاة) اللام هنا للإباحة، واعلم أن العلماء قد يعبرون عن الشيء بصورة المباح دفعًا للمنع، لا بيانًا للحكم، يعني له، أي لا يمتنع عليه، وحينئذٍ لا ينافي أن يكون ذلك أمرًا مطلوبًا، أو أمرًا واجبًا، مرة ثانية قد يعبرون بما يدل على الإباحة، وهو يريدون أيش؟
طالب: ().
الشيخ: دفع المنع، لا، يريدون دفع المنع يعني أن ذلك لا يمتنع، وحينئذٍ لا ينافي أن يكون هذا الشيء مطلوبًا، إما على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب.
ولهذا أمثلة كثيرة تمر علينا:
منها: قولهم في كتاب الحج: ولمن أحرم مفردًا أن يجعل إحرامه عمرة ليكون متمتعًا، يعني: له أن يفسخ نية الحج إلى العمرة؛ ليكون متمتعًا، فاهمين هذه؟ رجل راح مكة في أيام الحج وأحرم بالحج مفردًا؛ نقول: لك أن تفسخ النية إلى عمرة؛ من أجل أن تكون متمتعًا فتأتي بالعمرة، ثم تحل منها، وإذا كان في اليوم الثامن من ذي الحجة تحرم بالحج.
المهم أنهم عبروا باللام (وله) ومرادهم بذلك دفع قول من يقول: إن هذا لا يجوز؛ لأن بعض العلماء ﵏ يقول: لا يجوز لمن أحرم بالحج أن يحوله إلى عمرة، ولو للتمتع، عرفتم؟
ومع هذا فالذين عبروا بقولهم: (له) يريدون أنه مستحب، يريدون أنه مستحب، بل بعضهم يرى أنه واجب، أن من أحرم بحج وليس معه هدي فإنه يجب أن يحوله إلى عمرة ليصير متمتعًا.
هنا يقول: (ولمريض الصلاة) اللام للإباحة، فهل المراد أن المريض يباح له أن يصلي مستلقيًا إذا قال له طبيب مسلم: إن صلاتك على غير هذا الوجه يضر بك؟ أو نقول: إن هذا نفي للمنع، يعني: لا يمتنع، وحينئذٍ فيكون هذا المريض مأمورًا بأن يصلي مستلقيًا، إما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، المراد الأول ولّا الثاني؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: المراد الثاني.
[ ١ / ٢١٢٨ ]
(ولمريض الصلاة مستلقيًا) حال؛ يعني مستلقيًا على ظهره.
(مع القدرة على القيام) يعني هو قادر أن يقوم لكن قال له الطبيب: لا بد أن تكون مستلقيًا ولا تقوم، وهو قادر، وهذا يتأتى فيما لو كان المرض في عينه فأجريت له عملية، وقال له الطبيب: إنه لا بد أن تكون مستلقيًا لمدة كذا وكذا من يوم، وحينئذٍ نقول إيش؟ صلِّ مستلقيًا ولو كنت قادرًا على القيام، وذلك لأمر الطبيب.
لكن اشترط المؤلف (لمداواة بقول طبيب مسلم) اشترط أن يكون الطبيب مسلمًا.
الطبيب هو: من يعالج المرضى، والمسلم ضد الكافر، فلا بد أن يكون طبيبًا، أي: حاذقًا، عنده معرفة، ولا بد أن يكون مسلمًا، فوصف الإسلام يعود إلى الأمانة، ووصف الطب يعود إلى القوة، وهما الركنان في كل عمل، كل عمل لا بد فيه من أمرين: القوة والأمانة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، قالته إحدى بنات صاحب مدين، وقال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]؛ لأن الضعيف لا يقوم بالعمل لضعفه، والخائن لا يقوم بالعمل لخيانته، فلا بد في كل عمل من هذين الركنين.
من أين نأخذ هذين الركنين من عبارة المؤلف؟ القوة: من قوله: (طبيب) والأمانة: من قوله: (مسلم).
وعُلم من كلام المؤلف أنه لو أمره بذلك غير طبيب، يعني: إنسان عادي من الناس: والله أظن أنك إذا قمت تصلي قائمًا فإن ذلك يضرك، فهل يرجع لقوله؟ لا.
[ ١ / ٢١٢٩ ]
ولكن هذا ليس على إطلاقه؛ لأنه إذا علم بالتجربة أن مثل هذا المرض يضر المريض إذا صلى قائمًا، فإذا علم بالتجربة فإنه يعمل بقول شخص مجرب؛ لأن أصل الطب مأخوذ إما عن طريق الوحي، وإما عن طريق التجربة، إما عن طريق الوحي مثل قوله تعالى في النحل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] ومثل قول النبي ﵊: «الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» (٢)، الحبة السوداء: السميراء هذه، تسمى عندنا السميراء «شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» يعني: إلا الموت، هذا أخذنا أنها دواء من الشرع، والعسل أخذنا أنه دواء من الشرع، لكن فيه أشياء كثير من الأدوية معلومة بالتجارب، فإذا قال إنسان مجرب، وإن لم يكن طبيبًا: إن صلاتك قائمًا ضرر عليك، فله أن يصلي مستلقيًا أو قاعدًا.
فـ (مسلم) يشترط الإسلام؛ لماذا؟ لأن هذه عبادة يشترط فيها الإسلام، أم لأن هذه أمانة، وغير المسلم ليس بأمين؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن مسائل الطب ما هي عبادة؛ ولهذا نجد من الأطباء من هم كفار، فليست عبادة، ولكن لأن غير المسلم لا يؤتمن، فقد يقول الطبيب النصراني للمسلم: إنك إذا صليت قائمًا فعليك ضرر من أجل ألا يصلي قائمًا، وإن فعل هذا -أعني النصراني- فهو من جهله؛ لأن دين الإسلام -ولله الحمد- فيه سعة، إذا لم يستطع قائمًا صلى قاعدًا وله أجر القائم، واضح يا جماعة؟
[ ١ / ٢١٣٠ ]
وذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط الثقة فقط دون الإسلام، وقال: متى كان الطبيب ثقة عمل بقوله، وإن لم يكن مسلمًا، واستدلوا لذلك بأن رسول الله ﷺ عمل بقول الكافر حال ائتمانه؛ لأنه وثق به، فقد استأجر في الهجرة رجلا مشركًا من بني الديل (٣) يقال له: عبد الله بن أُرَيْقِط، استأجره ليدله على الطريق من مكة إلى المدينة، مع أن الحال خطرة جدًّا أن يعتمد فيها على كافر، لماذا؟ لأن قريشًا كانوا يطلبون النبي ﷺ وأبا بكر، حتى جعلوا لمن جاء بهما مئتي بعير، فالحال تقتضي الخطورة، ولكن لما رأى النبي ﵊ أن هذا رجل أمين وإن كان كافرًا ائتمنه ليدله على الطريق.
فأخذ العلماء القائلون بأن المدار في هذه المسألة على الثقة، أخذوا من ذلك أنه يقبل قول الطبيب الكافر إذا كان ثقة، ونحن نعلم أن من الأطباء الكفار من يحافظون على صناعتهم أكثر مما يحافظ بعض المسلمين، أليس كذلك؟ نعم يوجد من الكفار من يحافظ على صناعته وعلى مهنته أكثر مما يحافظ المسلم، لا تقربًا إلى الله ﷿ أو رجاء لثوابه، ولكن حفاظًا على سمعتهم وعلى شرفهم.
فإذا تكلم قال طبيب غير مسلم ممن يوثق بقوله: إنه يضرك أن تصلي قائمًا ولا بد أن تصلي مستلقيًا فله أيش؟ أن يعمل بقوله، وعرفتم الدليل والتعليل أيضًا.
ومن ذلك أيضًا: لو قال له الطبيب الثقة: إن الصوم يضرك أو يؤخر البرء عنك، فله أن يفطر بقوله، إذا قال: إنه يضرك أو يؤخر البرء كما نصوا عليه.
إذن يمكن أن يلغز بهذه المسألة فيقال: رجل قادر على القيام صح أن يصلي مستلقيًا، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ماذا نقول؟ نقول: هذا رجل مريض قادر على القيام، قال له الطبيب: إن القيام يضرك، ولا بد أن تبقى مستلقيًا لمدة معينة، فهذا له أن يصلي مستلقيًا.
طالب: والراجح قول المصنف أم قول ()؟
الشيخ: الراجح القول الثاني في المسألة، وأن المدار كله على الثقة.
[ ١ / ٢١٣١ ]
قال: (ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام).
(لا تصح صلاته) أي الفريضة؛ لأن النافلة تصح قاعدًا مع القدرة على القيام، لكن الفريضة.
(في السفينة) وهو قادر على القيام؛ وذلك لأن السفينة ليست كالراحلة، السفينة يمكن الإنسان أن يصلي فيها قائمًا ويركع ويسجد لاتساع المكان، فإذا كان يمكنه وجب عليه.
إذا كان لا يمكنه إما لكون الرياح عاصفة والسفينة غير مستقرة فإنه يصلي جالسًا، وكذلك لو كان سقف السفينة قصيرًا فإنه يصلي جالسًا، ولكن سبق لنا أنه إذا أمكن أن يقف ولو كراكع وجب عليه.
وقوله: (وهو قادر على القيام) يفهم منها أنه إن كان عاجزًا فله أن يصلي قاعدًا لأنه عاجز.
أما الراحلة فقال: (يصح الفرض على الراحلة خشية التأذي).
(يصح الفرض على الراحلة) يعني: من بعير أو حمار أو فرس أو نحو ذلك خشية التأذي بأي شيء، أطلق المؤلف، التأذي بأي شيء سواء بوحل أو مطر أو حر شديد أو غير ذلك، المهم أنه يتأذى لو صلى بالأرض ولا يستقر في صلاته فله أن يصلي على الراحلة، ولكن اشترط المؤلف أن يكون فرضًا، أما النفل فلا يصح.
الطلبة: ().
الشيخ: أما النفل فجائز، سواء خشي التأذي أم لم يخشه، النفل جائز على الراحلة سواء خشي التأذي أم لا؟ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي النافلة على راحلته حيثما توجهت به (٤).
وقوله: (يصح الفرض على الراحلة خشية التأذي) لم يذكر المؤلف شيئًا عن استقبال القبلة، وعن الركوع، وعن السجود، فنقول: يجب أن يستقبل القبلة في جميع الصلاة؛ لأن التأذي بالنزول لا يمنع استقبال القبلة؛ إذ يمكنه أن يتوقف في السير ويوجه الراحلة إلى القبلة ويصلي، واضح؟ الركوع والسجود يومئ.
طالب: إن استطاع.
الشيخ: إي نعم الظاهر أنه لا يستطيع القيام؟
الطالب: ().
[ ١ / ٢١٣٢ ]
الشيخ: من باب أولى، هذا على الرواحل التي يعرفها العلماء ﵏، وهي: الإبل والحمير والخيل والبغال وشبهها، لكن الراحلة اليوم تختلف، الراحلة اليوم سيارات، وبعض السيارات كالسفن، يستطيع الإنسان أن يصلي فيها قائمًا راكعًا ساجدًا متجهًا إلى القبلة، فهل نقول: إنه لا يصلي على هذه الرواحل إلا بشرط التأذي بالنزول؟ أو نقول: إذا أمكنه أن يأتي بالواجب فله أن يصلي؟ الأول ولَّا الثاني؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، نقول: لو كانت سيارة كبيرة أتوبيس كبيرة، وفيها مكان واسع للصلاة، والإنسان يستطيع أن يصلي قائمًا راكعًا ساجدًا مستقبل القبلة، فلا حرج عليه أن يصلي.
طيب هذا في السيارات واضح؛ لأنها كالسفينة تمامًا، في الطائرات ماذا يصنع؟ نقول: صل بالأرض ولا بد، نعم؟ ليش ما يصير؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن
طالب: كالسفينة يا شيخ.
الشيخ: على الأرض؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الأرض، الأرض: الثرى، يبغي ينزل ببراشوت؟ ما يمكن، إلَّا إذا وصلت إلى المطار، وحينئذٍ نقول: إذا كان يمكن أن تصل الطائرة إلى المطار قبل خروج الوقت فإنه ينتظر حتى يقع هابطًا في الأرض، فإن كان لا يمكن أن تصل إلى المطار قبل خروج الوقت نظرت إن كانت هذه الصلاة مما تجمع إلى ما بعدها كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، انتظر أيضًا حتى يهبط على الأرض فيصليها جمع تأخير، وإذا كان لا يمكن صلى على الطائرة.
ولكن إذا قدرنا أن الطائرة فيها مكان متسع يتسع للإنسان ليصلي قائمًا راكعًا ساجدًا مستقبل القبلة، فهل يجوز أن يصلي الصلاة قبل أن يهبط إلى المطار؟ يجوز؟
طالب: إذا خشي فوات الوقت.
الشيخ: لا، ما خشي فوات الوقت، معه سعة.
طلبة: لا يا شيخ لا يجوز.
الشيخ: أنتم تصورتم الموضوع؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: طائرة فيها متسع يصلي بها الإنسان قائمًا راكعًا ساجدًا متوجهًا إلى القبلة؟
الطلبة: يجوز.
[ ١ / ٢١٣٣ ]
الشيخ: يجوز، وظن بعض الناس أن ذلك لا يجوز، قالوا: لأن الفقهاء قالوا: لا تصح الصلاة على الأرجوحة؛ تعرفون الأرجوحة؟
الطلبة: المرجيحة.
الشيخ: المرجيحة، فقال بعضهم: لا تصح الصلاة على الأرجوحة؛ لأنها غير مستقرة، والدليل أنها غير مستقرة أنك لو تسجد رجحت من جانبك، وإذا قمت اعتدلت من الجانب الآخر، فهي غير مستقرة، قالوا: فالطائرة مثلها، فلا تصح الصلاة عليها، ولو تمكن الإنسان من الركوع والسجود والقيام والقعود واستقبال القبلة، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الفرق بين الأرجوحة والطائرة ظاهر جدًّا؛ الطائرة مستقرة تمامًا، الإنسان يأكل فيها ويشرب، وينام ولا يتحرك، الماء تجده لا يتحرك، إذا لم يكن هناك عواصف فهي مستقرة تمامًا.
ولهذا نرى أن الصلاة على الطائرة إذا تمكن الإنسان من فعل ما يجب فهي صحيحة مطلقًا، ولو كان ذلك مع سعة الوقت، ولكن يجب أن يفعل الواجبات: الاستقبال، الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، تمام؟
إذن الرواحل كم صارت أقسامها؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ما هي؟ سيارات، حيوان، طائرات، سفن، أربعة.
طالب: الأرجوحة.
الشيخ: لا، الأرجوحة ما هي براحلة يا شيخ، الأرجوحة ما هي تمشي.
الإبل وما ألحق بها: هذه لا يمكن أن يأتي الإنسان فيها بالواجب، ولهذا لا تصح الصلاة عليها إلا خشية التأذي بالنزول في الأرض، ويشترط أن يكون الإنسان مستقبل القبلة، يوقف الراحلة ويتجه للقبلة.
[ ١ / ٢١٣٤ ]
السفن يصلي فيها قائمًا، ويركع ويسجد ويتجه إلى القبلة، إلا إذا عجز عن القيام يصلي قاعدًا، الطائرات مثل السفن، إذا كان يمكنه أن يصلي قائمًا وجب أن يصليها قائمًا ويركع ويسجد إلى القبلة، وإذا لم يمكنه فإننا ننظر إذا كان يمكن أن يصل أو أن يهبط في المطار قبل خروج الوقت ولو في الثانية لما يجمع إليها ما قبلها فإنه ينتظر حتى يهبط، إذا كان لا يمكن -مثل مسافات طويلة- فيصلي على حسب حاله، أما إذا كان فيها مكان متسع للركوع والسجود والقيام والقعود واستقبال القبلة فإنه يصلي متى شاء.
السيارات؟ مثل الطائرات، لكن الغالب أن السيارات ما يمكن، الغالب إما صغار وأما نقل جماعي كله كراسي ما يمكن، لكن إذا أمكن فهو كغيره.
قال المؤلف: (ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي) واستدل في الشرح بقول يعلى بن أميه: انتهى النبي ﷺ إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي ﷺ فصلى بهم -يعني: إيماء- يجعل السجود أخفض من الركوع. رواه أحمد والترمذي (٥) وقال: العمل عليه عند أهل العلم.
في هذا الحديث أنهم يصلون جماعة، وعلى هذا فيتقدم الإمام عليهم حتى في الرواحل؛ لأن هذا هو السنة في موقف الإمام.
قال في الشرح: وكذا إن خاف انقطاعًا عن رفقة بنزوله، أو على نفسه، أو عجزًا عن ركوب إن نزل، وعليه الاستقبال وما يقدر عليه.
إذا خاف انقطاعًا عن رفقته يصلي على الراحلة؟
طالب: يصلي.
[ ١ / ٢١٣٥ ]
الشيخ: إي نعم حتى ولو مع الأمن؛ لأن الإنسان إذا انقطع عن رفقته فربما يضيع، وربما يحصل له مرض أو نوم أو ما أشبه ذلك فيتضرر، فإذا قال: أنا إن نزلت على الأرض وبركت البعير وصليت فاتت الرفقة، وعجزت عن اللحاق بهم، وإن صليت على بعيري فإني أدركهم، نقول له: صل على البعير، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
(لا للمرض) يعني: لا تصح الصلاة على الراحلة للمرض.
طلبة: ().
الشيخ: لا للمرض.
الطالب: خشية التأذي لوحل.
الشيخ: خشية التأذي لوحل، لا هذا مثال، لا اللي عندنا النسخة الصحيحة في المتن (خشية التأذي) فقط ولم يقيدها بوحل أو غيره.
قال: (لا للمرض) يعني: لا تصح الفريضة على الراحلة للمرض، لماذا؟ لأن المريض يمكنه أن ينيخ الراحلة وينزل على الأرض ويصلي، ولكن إذا علمنا أن هذا المريض لو نزل لم يستطع الركوب؛ لأنه ليس عنده من يركبه، وهذا قد تقع، إنسان مريض وحده في البر على بعيره وأصيب بسخونة، وقال: إن نزلت عن بعيري أخشى ألا أستطيع الركوب، فماذا نقول له؟
نقول: صلِّ على الراحلة؛ لأن هذا أعظم من التأذي بالمطر، أعظم وأخطر، صلِّ على الراحلة.
[ ١ / ٢١٣٦ ]
ولقد سمعت قصة غريبة في قوم تاهوا في الدهناء، الدهناء، هنا بين الكويت والقصيم، وكانت هذه مفازة مهلكة ما فيها ماء ولا غيره، فضاعوا وعطشوا عطشًا شديدًا، بقوا على رواحلهم، لكن كان أحدهم ذَكَّرَهُ الله ﷿ بحيلة نفعته، ربط نفسه على البعير، تربيط بالحبل، أما الآخرون فلم يتفطنوا لهذا الأمر فكانوا كلما أغمي على واحد منهم من العطش سقط من بعيره ومات، أما هذا فربط نفسه على البعير؛ لأن البعير تصبر على الظمأ، وسبحان الله! الإبل تدل موارد الماء، فربط نفسه ومشت البعير، ومشت الإبل، أصحابه الذين معه صاروا يتساقطون واحدًا واحدًا، وهو بقي على بعيره حتى وقفت على الماء، وهو لم يمت؛ لأنه باقٍ على البعير مربط، فكان عندها أناس البئر، فعالجوه، مارسوا له تمرًا بماء وصبوا على فمه قليلًا حتى بدأ يحيا، ولما صحا قال: أدركوا أصحابي، ثلاثة عشر نفرًا أدركوهم، فذهبوا يطلبونهم فوجدوهم قد ماتوا.
الشاهد من هذا أن مثل هذا الرجل لا يمكن أن ينزل من على البعير، أليس كذلك؟ ما يمكن أن ينزل، نقول له في هذه الحال أن يصلي على راحلته؛ لأنه أشد من التأذي بالوحل.
فقول المؤلف إذن: (لا للمرض) هل هو على إطلاقه؟ لا، ليس على إطلاقه، فنقول: لا للمرض إذا كان يمكنه أن ينزل ثم يركب على الراحلة، أما إذا كان لا يمكنه فله أن يصلي على الراحلة للمرض؛ لأن ذلك أشد من الوحل. وشبهه؟
طالب: الطائرة، يعني الماء متصل بالأرض، والأشياء كلها متصلة بالأرض، مع أنه فوق بالجو ().
الشيخ: () السفينة متصلة بالأرض؟ بالماء، وهذا بالهواء، والطيارة بالهواء، الهواء متصل بالأرض، إي نعم، هذه.
الطالب: كيف يصلي وكيف يستقبل القبلة؟
الشيخ: لا، فيها الآن، فيه طائرات عندنا في الخطوط السعودية طائرات، عشر طائرات فيها بوصلة في سقف الطائرة تتجه دائمًا إلى مكة، حتى لو انحرفت السيارة يمين أو يسار انحرفت البوصلة.
الطالب: الطائرة، () أنت قلت: الطائرة.
[ ١ / ٢١٣٧ ]
الشيخ: أيش؟
الطالب: الطائرة وأنت قلت: السيارة.
الشيخ: السيارة ويش فيها؟
طلبة: أنت قلت: السيارة.
الشيخ: لا، أنا أقول: لو اتجهت الطائرة.
الطالب: لا، أنا قصدي: ما متصلة بالأرض الطائرة أصلًا () في الجو.
الشيخ: طيب؛ والسفينة متصلة بالأرض.
الطالب: السفينة الماء متصل في ..
الشيخ: الماء متصل بالأرض، طيب والهواء؟ الطائرة؟
طلبة: متصل.
الطالب: الهواء فوق أكثر من ..
الشيخ: فوق الأرض، لكن ما هو متصل بالأرض.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك؛ بالنسبة للطائرة تكون بين الكراسي ممرات، فإذا صلى بين الممرات يعيق المارة، الأفضل يا شيخ يعيقهم أو يصلي على الكراسي؟ () الممرات بين الكراسي.
الشيخ: لا ما هو بدائم الناس يمرون بالممرات، مو دائم، لكن السفينة إذا صلى في الممرات.
طالب: يستطيع أن يسجد.
الشيخ: يستطيع أن يسجد؟
طلبة: ().
الشيخ: على كل حال لو كان يستطيع أن يسجد فإنه اتجاهه للقبلة، يمكن في الكرسي يتجه أكثر.
طالب: شيخ، الدليل على أن الأصل في صلاة القاعد التربع، أو الأولى؟
الشيخ: الرسول كان يصلي متربعًا (٦)، صح عنه ذلك.
الطالب: زين، إنكار عبد الله بن عبد الله بن عمر على أبيه عندما رآه يصلي متربعًا كما عند البخاري (٧) قال: ما لي أراك تصلي؟
الشيخ: إي، هذه مو في صلاته جالسًا، كان يتربع بين السجدتين وفي التشهد فقال له: إن رجلي لا تقلاني.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للقطار، هل له حكم خاص؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: القطار.
الشيخ: القطار، إي نعم، مثل السفينة ().
هل راجعتها؟ ولَّا لا؟
طالب: راجعتها عقليًّا، الدليل ما لها دليل.
الشيخ: إي طيب ما هو؟ قل.
[ ١ / ٢١٣٨ ]
الطالب: أقول يا شيخ: في المسألة تفصيل، هي كان الرجل إذا شرع في القيام ثم بعد ذلك طرأ عليه الجلوس، إذا كان يستطيع بعد الجلوس أن يقوم فيؤدي الركوع في وضعه الأصلي فنقول له أن يبدأ قائمًا، إذا شرع في قيامه، وشرع في الصلاة قائمًا، ثم بعد ذلك تعب وحصل له تعب فجلس؛ إذا كان يستطيع بعد هذا الجلوس عندما يأتي وقت الركوع، عندما يستطيع إذا أراد أن يستطيع، أو إذا استطاع أن يقوم فيؤدي الركوع في مكانه نقول أن يؤده قائمًا، أما إذا ما يستطيع فإننا نقول أن يجلس، فإذا مثلًا بقي وقت مثلًا يقرأ فيه، وقت قليل أو إذا جاء وقت الركوع يقوم، فيكون قد يعني أدى الركوع في مقامه وفي مكانه.
الشيخ: على كل حال، إذا صار في الأول، إذا كان بالأول ما يستطيع.
الطالب: لكن إذا جلس يا شيخ يؤدي الركوع وهو جالس.
الشيخ: يومئ إيماءً.
الطالب: لكن هو يستطيع أن يؤدي الركوع.
الشيخ: ما يستطيع.
الطالب: فيما لو ..
الشيخ: ما يستطيع أن يقوم الآن؛ لأنه تعب ولا يستطيع أن يقوم.
الطالب: لكن إذا بدأ قاعدًا يخل بعدة أركان، إذا بدأ قائمًا ثم جلس.
الشيخ: ما يخل إلا بالركوع فقط، وذاك في الأول.
الطالب: وبشيء من القيام.
الشيخ: وذاك بالأول يبغي يخل بتكبيرة الإحرام، يكبرها وهو جالس، يبغي يخل بقراءة الفاتحة، أو بعضها، يقرؤها وهو جالس، النتيجة ويش عليه؟ أن نقول: هذا الإنسان هو قادر على أن يقوم، والركن هو القيام فرض مع القدرة، الآن أنت قادر، أنت قم، فإذا طرأ عليه ما يعجزه يجلس، هذه وجهة النظر.
هي المسألة ما يعارضها إلا مسألة القياس على النافلة؛ أن الرسول ﵊ كان يقرأ أولًا جالسًا ثم يقوم عند الركوع (٨). وأنت ما عندك؟ ويش اللي عندك؟
[ ١ / ٢١٣٩ ]
الطالب: الشوكاني -﵀- تكلم في نيل الأوطار يا شيخ على ما ذكرتم الحين، على قيام النبي ﷺ؛ كان يصلي جالسًا، عندما يبقى مقدار ثلاثين آية يقوم (٩)، وجمع بينهم وحقق المسألة وقال: يجوز.
الشيخ: قال أيش؟
الطالب: وقال: يجوز الفعل، كونه يجلس ويقوم أو كان قائمًا يجلس، لا حرج.
الشيخ: اقرأ علي.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، بحث في الصلاة: يقول صاحب الإقناع الشربيني الخطيب: ومن عجز عن القيام صلى جالسًا؛ للحديث السابق حديث عمران (١٠)، وللإجماع على أي صفة شاء؛ لإطلاق الحديث المذكور، ولا ينقص ثوابه عن ثواب المصلي قائمًا؛ لأنه معذور.
قال الرافعي: لا نعني بالعجز عدم الإمكان فقط، بل في معناه خوف الهلاك أو الغرق وزيادة المرض أو خوف مشقة شديدة أو دوران رأس في حق راكب سفينة.
تتمة: لو قدر أثناء صلاته على القيام أو القعود أو عجز عنه أتى بالمقدور له، وبنى على قراءته، ويندب إعادتها في الأوليين؛ ليقع حال الكمال، فإن قدر على القيام أو القعود قبل القراءة قرأ قائمًا أو قاعدًا، ولا تجزئه قراءته في نهوضه لقدرته عليها فيما هو أكمل منه، فلو قرأ فيه شيئًا أعاده، وتجزئ في هوي العاجز؛ لأنه أكمل مما بعده، ولو قدر على القيام بعد القراءة وجب قيام بلا طمأنينة ليركع منه؛ لقدرته عليه، وإنما لم تجب الطمأنينة لأنه غير مقصود لنفسه، وإن قدر عليه في الركوع قبل الطمأنينة ارتفع لها إلى حد الركوع عن قيام، فإن انتصب ثم ركع بطلت صلاته؛ لما فيه من زيادة ركوع، أو بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى حد الراكعين، ولو قدر في الاعتدال قبل الطمأنينة قام واطمأن وكذا بعده.
يقول السرخسي في المبسوط ..
الشيخ: طيب هذا الآن ما أتى بزائد.
الطالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: لأن هذا يغني عنه قول المتن: (ومن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر) هذا هو معنى كلامه.
الطالب: طيب يا شيخ، يقول السرخسي في المبسوط:
[ ١ / ٢١٤٠ ]
باب صلاة المريض: فنقول للمريض إذا كان قادرًا على القيام يصلي قائمًا، فإذا عجز عن القيام يصلي قاعدًا بركوع وسجود، وإذا كان عاجزًا عن القعود يصلي بالإيماء؛ لأنه وسع مثله، فإن كان قادرًا على القيام في أول الصلاة وعجز عن القيام فإنه يقعد، وفرق بين هذا وبين الصوم؛ فإن المريض إذا كان قادرًا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز فإنه لا يصوم أصلًا، وهنا يصلي. وجه الفرق بينهما، وذلك لأن في الصوم لما أفطر آخر اليوم فعله في أول اليوم معتدًّا به فلا يشتغل به، وفي الصلاة وإن قعد في آخره ولكن فعله في أول الصلاة وقع معتدًّا فيشتغل به، وأما إذا كان قادرًا على القيام وعاجزًا عن الركوع والسجود، فإنه يصلي قاعدًا بإيماء، وسقط عنه القيام؛ لأن هذا القيام ليس بركن؛ لأن القيام إنما شُرع لافتتاح الركوع والسجود، فكل قيام لا يعقبه سجود فهو لا يكون ركنًا.
ثم قال: فإن عجز عن القراءة تسقط عنه القراءة؛ لأن القراءة ركن كما أن القيام ركن، فإن عجز عن القيام سقط عنه القيام فكذلك. انتهى.
يقول الشوكاني في نيل الأوطار: باب جواز المتنفل جالسًا والجمع بين القيام والجلوس في الركعة الواحدة: عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﵌: كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد (١١). رواه الجماعة إلا البخاري.
وعن عائشة: أنها لم تر النبي ﵌ يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسنّ، وكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع. رواه الجماعة، وزادوا إلا ابن ماجه: ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك.
الحديث الأول: يدل على أن المشروع لمن قرأ قائمًا أن يركع ويسجد من قيام، ومن قرأ قاعدًا أن يركع ويسجد من قعود، والحديث الثاني: يدل على جواز الركوع من قيام لمن قرأ قاعدًا.
[ ١ / ٢١٤١ ]
ويجمع بين الحديثين بحمل قولها: وكان إذا قرأ وهو قائم؛ وإذا قرأ قاعدًا في الحديث الأول على أن المراد جميع القراءة، بمعنى أنه لا يفرغ من القراءة قاعدًا فيقوم للركوع والسجود، ولا يفرغ منها قائمًا فيقعد للركوع والسجود، فأما إذا افتتح الصلاة قائمًا ثم قرأ بعض القراءة جاز له أن يقعد لتمامها ويركع ويسجد من قعود، وكذا إذا افتتح الصلاة قاعدًا ثم قرأ بعض القراءة جاز له أن يقوم لتمامها ويركع ويسجد من قيام كما في الحديث الثاني.
ويشكل على هذا الجمع: ما يثبت في بعض طرق الحديث الأول عند مسلم (١٢) من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ: فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا.
قال العراقي: فيحمل على أنه كان يفعل مرة كذا ومرة كذا؛ فكان يفتتح قاعدًا ويتم قراءته قاعدًا ويركع قاعدًا، وكان مرة يفتتح قاعدًا ويقرأ بعض قراءته قاعدًا وبعضها قائمًا ويركع قائمًا؛ فإن لفظ (كان) لا يقتضي المداومة.
وقد جاء في رواية علقمة عن عائشة عند مسلم (١٣) ما يقتضي أنه يصليهما بعد الوتر وهو جالس، وقد جاء التصريح به عند مسلم (١٤) في حديث آخر من رواية ابن سلمة عنها وفيه: ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع. والحديثان يدلان على جواز صلاة التطوع من قعود.
والحديث الثاني يدل على أنه يجوز فعل بعض الصلاة من قعود وبعضها من قيام وبعض الركعة من قعود وبعضها من قيام.
قال العراقي: وهو كذلك، سواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام، وهو قول جمهور العلماء: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، وحكاه النووي عن عامة العلماء، وحكى بعض السلف منعه قال: وهو غلط، وحكى القاضي عياض عن أبي يوسف ومحمد في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ومنع أشهب من المالكية الجلوس بعد أن ينوي القيام، وجوزه ابن القاسم والجمهور.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.
[ ١ / ٢١٤٢ ]
الشيخ: هذه ليست مسألتنا؛ لأن الأخيرة في النافلة، الكلام الأخير في النفل، فالذي يظهر لي أنا بمقتضى القواعد أن نقول: ما دمت تستطيع أن تبتدئ الصلاة قائمًا فابتدئها قائمًا؛ لأن القيام ركن في الفريضة، ثم إذا عجزت اجلس؛ لأن هذا هو الأصل، فأنت الآن مطالب بالصلاة قائمًا وأنت قادر الآن فقم، ثم إن عنَّ لك أو إن طرأ عليك ما يوجب الجلوس اجلس، هذا هو الأقرب.
طالب: اللي ذكره النووي يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا الذي ذكرت الآن يا شيخ ذكره النووي في شرح صحيح مسلم، وذكر الحديث أيضًا على المتنفل، على أن النبي ﷺ عندما كان يصلي جالسا قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ» (١٥)، فيدل على أن نفله لم يكن على النصف، فقال هذا الذي ذكرته الآن يا شيخ.
الشيخ: على كل حال يظهر أنه يبتدئها قائمًا، ثم إذا تعب جلس.
وأيضًا ربما يظن أنه يعجز عن القيام، فإذا قلنا: صلِّ جالسًا، ثم إذا قررت الركوع فقم؛ فنقول: هذا مبني على ظن، يعني ربما يظن أنه لا يستطيع القيام وهو يستطيع، فالذي يترجح عندي الآن بعد هذا البحث أنه يبتدئ الصلاة قائمًا، الفريضة، أما النافلة فنعم له أن يبتدئها جالسًا؛ لأن أصل القيام بالنافلة ليس بواجب.
طالب: لكن يا شيخ يخل بعدة أركان، لكن ().
الشيخ: نعم، ما يخل إلا بالركوع فقط، والركوع له بدل، وهو الإيماء.
الطالب: والقيام من الركوع؟
الشيخ: والقيام من الركوع تبع له، لكن هذا أيضًا يخل بتكبيرة الإحرام، ويخل بقراءة الفاتحة.
طالب: فعل النبي صل الله عليه وسلم؟ أقول يا شيخ: فعل النبي.
الشيخ: فعل النبي هذا في النافلة.
الطالب: ما ثبت في النافلة، ثبت في الفريضة.
الشيخ: إلا بدليل، على كل حال هذا الذي تبين لي، وهو محل اجتهاد، فالذي يتبين لي هو هذا، نعم.
طالب: يا شيخ ما تكتبون بيه يا شيخ، تحذير يعني؟
[ ١ / ٢١٤٣ ]
الشيخ: لا ما نكتب فيه، لو كنا كلما رأينا مسألة فقهية كتبنا تحذيرًا؛ مشكلة، مسألة الحمد لله الأمر فيها واسع ().
اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، هل يجوز للمسلم أن يصلي قاعدًا وهو قادر على القيام بقول الطبيب؟
الطالب: نعم يا شيخ، يجوز يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ أنت فاهم السؤال؟ هل يجوز للمسلم أن يصلي قاعدًا وهو قادر على القيام بقول الطبيب؟
الطالب: على المذهب يا شيخ؟
الشيخ: على اللي تبغي.
الطالب: على المذهب، اشترط أن يكون الطبيب مسلمًا ثقة، ورجحنا أن يكون الطبيب ثقة ولو كان كافرًا.
الشيخ: نعم، أحسنت، اشتراط الإسلام في الطبيب على أي أساس مبني؟
طالب: على الأمانة.
الشيخ: على الأمانة؛ لأن غير المسلم لا يؤتمن، يشترط أن يكون طبيبًا، فإن كان متعلمًا هل يؤخذ بقوله؟
الطالب: لا يؤخذ.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه عندما اشترط الطب هذا دلالة على القوة في العمل.
الشيخ: إي، لماذا لا نأخذ بقول المتعلم؟
الطالب: لأنه ظن أنه يخطئ أكثر مما يصيب.
الشيخ: إذن لأنه لا يوثق بقوله، حينئذٍ نعرف أن المدار على؟
طالب: الأمانة.
الشيخ: الأمانة؟
الطالب: العلم، وعلى القوة في العلم.
الشيخ: على الأمانة؟ وبناءً على هذا نقول: إنه يجوز أن يعمل بقول غير المسلم إذا وثقنا من قوله، هل هناك أثر يدل على ذلك؟
طالب: هناك قصة النبي ﷺ في الهجرة، عندما استأجر دليلًا ليس مسلمًا (٣)، مع أن الحال لا يقتضي؛ لأنه كان هناك طلب من قريش وجائزة مئة ناقة، لكن ().
الشيخ: إذن الدليل هو أن الرسول استأجر رجلًا مشركًا يدله على الطريق في سفر الهجرة، مع أن المسألة خطيرة جدًّا.
هل يجوز تجوز صلاة الفرض على الراحلة؟
طالب: صلاة الفرض؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لا تجوز على الراحلة دون عذر.
الشيخ: بدون عذر.
الطالب: إما إذا خشي التأذي، فإنه لا ().
الشيخ: طيب والنافلة؟
الطالب: النافلة يصح.
الشيخ: تصح على الراحلة ولو بلا عذر؟
[ ١ / ٢١٤٤ ]
الطالب: ولو بلا عذر.
الشيخ: طيب، ما تقول؟
طالب: نعم صحيح.
الشيخ: صحيح؟ أفهمت جوابه؟
الطالب: فهمت، وقال: النافلة صحيح، والفريضة لا يصح.
الشيخ: إلا لعذر، تمام.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: من سافر سفرًا) إلى آخره، نحن ذكرنا أن الأعذار التي عقد لها المؤلف بابًا للصلاة فيها ثلاثة: السفر، والثاني؟
الطلبة: المرض.
الشيخ: والثالث؟
الطلبة: الخوف.
الشيخ: الخوف، بدأ المؤلف ﵀ بالسفر بعد أن تكلم عن المرض، بدأ بالسفر فقال: (من سافر سفرًا مباحًا أربعة برد) إلى آخره.
قال: (من سافر) (من) هذه اسم شرط، والمعروف أن أسماء الشرط تفيد العموم، فيشمل كل من سافر من ذكر أو أنثى، أو حر أو عبد، أو صغير أو كبير.
وقوله: (سافر سفرًا مباحًا) السفر: مفارقة محل الإقامة، وسمي بذلك لأن الإنسان يسفر بذلك عن نفسه، فبدلًا من أن يكون مكنونًا في بيته أصبح ظاهرًا بينًا بارزًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أي: تبين وظهر.
ولهذا نقول: إن السفر هو مفارقة محل الإقامة، وقال بعض العلماء: إنما سمي السفر سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي: يوضحها ويبينها، فإن كثيرًا من الناس لا تعرف أخلاقه ولا تعرف حسن سيرته إلا إذا سافرت معه، وكان بعض القضاة من السلف إذا شهد شخص لآخر بتزكية قال له: هل سافرت معه؟ قال: لا، هل عاملته؟ قال: لا، قال: إذن لا تعرفه.
فالسفر لا شك أنه يبين أخلاق الرجال، وكم من إنسان في البلد تراه كل يوم وتشاهده كل يوم ولا تعرف عن أخلاقه شيئًا، فإذا سافرت معه تبينت لك أخلاقه، لا سيما فيما سبق من الزمان حيث كانت الأسفار تستوعب أيامًا كثيرة، أما سفرنا اليوم فإنه لا يبين عن أخلاق الرجال؛ لأن السفر مثلًا من الرياض إلى القصيم خمس وثلاثون دقيقة لا يبين كثيرًا، لكن الأسفار الطويلة هي التي تبين الرجال.
[ ١ / ٢١٤٥ ]
على كل حال، السفر في اللغة: مفارقة محل الإقامة، هكذا قال ابن حزم في المحلى، وهذا هو الظاهر؛ لأنه من أسفر أي بان، والإنسان إذا فارق محل إقامته ظهر وانكشف وبان.
وقول المؤلف: (سفرًا مباحًا) المراد بالمباح هنا: ما ليس بحرام ولا مكروه، فيشمل الواجب والمستحب والمباح إباحة مطلقة؛ لأن الأسفار تنقسم إلى خمسة أقسام: حرام، ومكروه، ومباح، ومستحب، وواجب.
فالسفر لفريضة الحج: واجب، والسفر للمرة الثانية في الحج: مستحب، والسفر للنزهة: مباح، والسفر وحده: مكروه، والسفر لفعل محرم: حرام، ومنه سفر المرأة بلا محرم.
ما مراد المؤلف بكلمة (مباح) هنا؟ مراده ما ليس أيش؟ ما ليس بحرام ولا مكروه، فيشمل المباح المطلق والواجب والمستحب.
وقال: (أربعة برد) برد: جمع بريد، والبريد نصف يوم، وسمي بريدًا لأنهم فيما سبق كانوا إذا أرادوا في المراسلات السريعة يجعلونها في البريد، يرتبون بين كل نصف يوم مستقرًّا ومستراحًا يكون فيه خيل، إذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس لتستريح، وركب فرسًا آخر إلى مسيرة نصف يوم، فيجد بعد مسيرة نصف يوم مستراحًا آخر فيه خيل ينزل عن الفرس التي كان راكبها ثم يركب آخر، وهكذا؛ لأن هذا أسرع، وفي الرجوع بالعكس.
فالبريد عندهم مسيرة نصف يوم، فتكون أربعة البرد يومين.
البريد: قدروه بالمساحة الأرضية أربعة فراسخ، البريد أربعة فراسخ، فتكون أربعة البرد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ قدروه بثلاثة أميال، فتكون كم؟
طلبة: ثمانية وأربعين.
الشيخ: ثلاثة في ستة عشر؟ ثلاثة في ستة عشر.
الطلبة: ثمانية وأربعين.
الشيخ: ثمانية وأربعين؟ ثمانية وأربعين ميلًا، هذا هو مسافة القصر، فهو مقدر بالمساحة.
[ ١ / ٢١٤٦ ]
بالزمن قالوا: إن مسيرته يومان قاصدان بسير الإبل المحملة، ما هي الهملاجة السريعة. يومان قاصدان: يعني معتدلين، بمعنى أن الإنسان لا يسير فيهما ليلًا ونهارًا سيرًا بحتًا، ولا يكون كثير النزول والإقامة، فهما يومان قاصدان.
على كل حال، الفقهاء ﵏ يقدرون ذلك بالمساحة كما قلت لكم، ثمانية وأربعين ميلًا.
طالب: الميل المعروف.
الشيخ: أي الميل المعروف، أظنه كيلو وستين تقريبًا، نعم كيلو وستين، ظاهر الأحوال هذا.
يقول المؤلف: (سن له قصر رباعية ركعتين)، (سن) هذه جواب الشرط، جواب من سافر.
والسنة في اصطلاح العلماء: ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه، فلا يدخل فيها الواجب.
وقوله: (قصر رباعية) هي ثلاث صلوات: الظهر والعصر والعشاء.
أما الثلاثية فلا تقصر؛ لأنها لو قصرت لفات المقصود منها وهي الوترية، ولأنها لا يمكن أن تقصر على سبيل النصف؛ إذ ليس هناك صلاة تكون ركعة ونصفًا.
وأما الثنائية فلا تقصر أيضًا؛ لأنها لو قصرت لكان في ذلك إجحاف كبير؛ إذ تبقى ركعة واحدة، ثم لو قصرت لكانت وترًا ففات المقصود، فانحصر القصر بالرباعيات فقط.
وهذا التعليل الذي قلته إنما هو بيان لوجه الحكمة، وإلا فالأصل هو اتباع النص؛ لأن ركعات الصلاة من الأمور التي لا تعقل، أي: لا تبلغها العقول، ولكننا نقول هذا من باب ذكر المناسبة، لماذا لم يشرع القصر إلا في الرباعيات.
أفادنا المؤلف بقوله ﵀: (من سافر) أنه لا يمكن قصر بدون سفر، حتى لو كان الإنسان في أشد المرض فإنه لا يقصر، عرفتم؟ لأنه ليس هناك سبب للقصر سوى السفر.
[ ١ / ٢١٤٧ ]
المرض، الشغل، والتعب لا يمكن أن يكون سببًا للقصر، ولهذا لو أن أحدكم زار مريضًا وسأله عن حاله وصلاته وهو في بلده فقال: الحمد لله على كل حال، لي خمسة عشر يومًا ما أصلي إلا ركعتين من شدة المرض، ماذا تقول له؟ أقول: أعد صلاتك، لماذا؟ لأنه لا سبب للقصر سوى السفر، أما لو كان يعالج في بلد أخرى غير بلده وقال مثل هذا الكلام فهل تكون صلاته صحيحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه مسافر.
زار أحدكم مريضًا فسأله عن حاله وصلاته، قال الحمد لله على كل حال، لي خمسة عشر يومًا أجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، صحيح؟
الطلبة: نعم صحيح.
الشيخ: ليش؟ لأن الجمع يجوز للمرض، فالجمع يجوز للمشقة، أينما وجدت المشقة في سفر أو حضر جاز الجمع بخلاف القصر.
زار أحدكم مريضًا ثالثًا فقال له: كيف أنت وكيف حالك وكيف صلاتك؟ قال: الحمد لله على كل حال، لست أصلي الصلوات الخمس إلا جميعًا عند النوم؛ لأن ذلك يتعبني، ماذا نقول له؟
طلبة: أعد بعضها.
الشيخ: لا، نقول: تب فقط، كيف يعيد صلاته الآن، لو أعاد صلاته ما استفاد؛ لأنه يصلي الصلاة كاملة لكنه يؤخر الظهر والعصر عن وقتهما، أليس كذلك؟ وإذا كان يصلي العشاء أيضًا بعد نصف الليل فكان ترك الصلوات كلها أخرجها عن وقتها.
طالب: الفجر؟
الشيخ: نعم؟ الفجر لا، أنا قصد، يقول: قبل النوم، الفجر دخلها معه، يصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا أراد أن ينام لأنه مريض، نقول: هذا خطأ، ولا يحل لك أن تؤخر الصلاة عن وقتها، صل الصلاة على وقتها على أي حال كانت، واضح؟
أفادنا المؤلف: (من سافر) أنه لا سبب يبيح القصر سوى السفر.
[ ١ / ٢١٤٨ ]
وقول المؤلف: (سفرًا مباحًا) خرج به المحرم والمكروه، وعلى هذا فلو سافر الإنسان سفرًا محرمًا لم يبح له القصر، لماذا؟ لأن المسافر سفر معصية لا ينبغي له أن يترخص؛ إذ إن الرخصة تسهيل وتيسير على المكلف، والمسافر سفرًا محرمًا لا يستحق أن يسهل عليه ويرخص له، فلهذا منع من رخص السفر، منع من القصر، منع من مسح الخفين ثلاثة أيام، منع من الفطر في رمضان.
ولكن العلاج سهل، ماذا نقول له؟ نقول: تب إلى الله، تب إلى الله واقصر، فإذا كان في منتصف الطريق في السفر المحرم وقال: أستغفر الله وأتوب إليه، رجعت الآن إلى بلدي، في رجوعه هنا يقصر أو لا؟
الطلبة: يقصر.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: سفر مباح.
الشيخ: سفر مباح، انقلب السفر المحرم مباحًا، طيب.
وذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه لا تشترط الإباحة لجواز القصر، وأن الإنسان يجوز أن يقصر حتى في السفر المحرم، وقالوا: إن هذا ليس برخصة، بل إن صلاة الركعتين في السفر ليست تحويلًا من الأربع إلى الركعتين، بل هي من الأصل ركعتان، والرخصة هي التحويل من العزيمة أو من الأثقل إلى الأخف، أما صلاة المسافر فهي مفروضة من أول الأمر ركعتين، وعلى هذا فيجوز للمسافر سفرًا محرمًا أن يصلي ركعتين، ولا يشترط على هذا الرأي لا تشترط إباحة السفر.
وهذا القول كما ترون قول قوي؛ لأن تعليله ظاهر، فالقصر منوط بالسفر، على أن الركعتين هما أيش؟ هما الفرض فيه، لا على أن الصلاة حولت من أربع إلى ركعتين، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن عائشة ﵂، قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم سافر رسول الله ﷺ فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على ركعتين (١٦).
وحينئذٍ يتبين أن الركعتين في السفر أيش؟ عزيمة، لا رخصة، وعليه فلا فرق بين السفر المحرم والسفر المباح.
وقول المؤلف، ما نكمل؟
طالب: الخوف.
الشيخ: لا، الخوف في الحضر؟
[ ١ / ٢١٤٩ ]
الطالب: في الجهاد.
الشيخ: في الحضر يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني الجهاد في بلدك؟ لا، ما فيه قصر.
الطالب: عموم الآية.
الشيخ: ما فيه قصر، الآية يصلي ركعتين ويصلي في الطائفة الأخرى ركعتين.
طالب: نلتمس مثالًا للسفر المكروه.
الشيخ: ما ذكرناه؟
الطالب: ذكرنا ضابطًا، بس مثال.
الشيخ: ذكرنا مثالًا.
الطالب: مثال للسفر؟
الشيخ: قلنا: لو سافر الرجل وحده، على القول بأنه مكروه، فهذا منه، وبعضهم قال: لو سافر ليأكل البصل، ما أظن واحدًا يسافر علشان يأكل بصلًا، البصل موجود بكل مكان. نعم.
طالب: سفر النزهة يا شيخ؟ النزهة هل يجوز فيه القصر؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه داخل العموم.
الطالب: () سافر، فقط نزهة.
الشيخ: إي لكن تجاوز أربعة برد.
الطالب: على قول المذهب؟
الشيخ: إي إحنا بنمشي على المذهب، بعدما نحلل نشوف. نعم.
طالب: شيخ، جاء عند أبي داود وغيره وصححه جمع من العلماء: النهي عن صلاة النساء على الرواحل في السفر وفي الحضر (١٧).
الشيخ: على الرواحل؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: في فريضة ولا النافلة؟
الطالب: فريضة ولا النافلة.
الشيخ: النافلة لا وجه لها، والفريضة حتى الرجال منهيون عن الصلاة على الراحلة.
الطالب: كيف نوجه هذا الحديث؟
الشيخ: ما أدري ما وجهه. نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لقاعدة شيخ الإسلام عندما قال: الرخصة من الأثقل إلى الأخف، فعلى هذه القاعدة هل يعني الذي ليس عليه مشقة نقول له: لا تجمع في الصلاة؟
الشيخ: لا؛ لأن العلة إذا لم تكن منصوصة فالحكم ثابت، والنبي ﵊ كما تعلم قصر في منى، وفي مزدلفة، في عرفة، وليس عليه مشقة.
طالب: يا شيخ، جزاك الله خيرًا، طيب لو مسافر صلى أربع ركعات، أتم، هل يقول شيخ الإسلام: إنها تبطل الصلاة هذه لأنها عزيمة؟
الشيخ: ما وصلنا لهذه.
الطالب: بس ذكر.
الشيخ: سن له، ما وصلنا، إحنا سن، بنتكلم على (سن) إن شاء الله.
الطالب: بس تعليل شيخ الإسلام.
[ ١ / ٢١٥٠ ]
طالب آخر: لماذا قلنا للذي قعد خمسة عشر يومًا يجمع: أعد صلاتك، ولا قلنا للثاني: لا تعد صلاتك؟
الشيخ: إي نعم، السؤال: يسأل في الذين عادوا المرضى، أحد المرضى قال: إني خمسة عشر يومًا لست أصلي إلا ركعتين، فقلنا: أعد صلاتك، واضح؟ لأن الصلاة ركعتين ما تجزئ، الذي قال لي: خمسة عشر يومًا ما أصلي الصلوات الخمس إلا عند النوم، قلنا: لا تعد صلاتك، لماذا؟
طالب: في غير وقتها.
الشيخ: إي في غير وقتها، نقول: أنت آثم الآن، أنت آثم في تأخيرك ولكن الصلاة صحيحة.
طالب: أخرج الصلاة عن وقتها يا شيخ؟
الشيخ: لكن جاهل ما يدري.
طالب: حديث عائشة ﵂ () في صحيح البخاري كيف توجيهه: أول ما صلى الصلاة ركعتين ثم ..
الشيخ: يأتينا إن شاء الله عند قول المؤلف: (سن له قصر رباعية) نعم؟
طالب: بارك الله فيكم، تحديد المسافة بأربعة برد، شنو دليله؟
الشيخ: يأتينا إن شاء الله، إحنا الآن على سفر مباح، نعم؟
طالب: نحن أخذنا قاعدة، قال: إنه إذا كانت العبادة من باب المأمور فإنها لا تسقط حتى لو صلاها الشخص على غير أصلها، فالمريض مثلًا إذا صلى الصلوات كلها مثلًا بعد العشاء مثلًا () غيره.
الشيخ: نعم، جاهلًا.
الطالب: لكن من باب المأمور يا شيخ.
الشيخ: أقول: جاهلا ولَّا لا؟
الطالب: جهل نعم.
الشيخ: طيب، الآن ماذا يستفيده، هو صلى الصلاة على وجه التمام، فماذا يستفيد لو أعادها؟ هل سيأتي بمأمور جديد؟
طالب: يعيدها في وقتها.
الشيخ: راح وقته الآن.
الطالب: العصر بالعصر.
الشيخ: لا، عصر اليوم ليس عصرًا لصلاة أمس، ولهذا نقول لمن نسي العصر مثلًا: لا تصبر إلى عصر الغد، يجب تصليها الآن، مثلما ذكرت، ولو بنصف الليل؛ لأنه راح وقتها، إي نعم. نعم.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للطبيب هل يشترط العدد أكثر من واحد؟
الشيخ: لا ما هو بشرط، الطبيب الواحد يكفي، نعم.
طالب: على رأي المؤلف يا شيخ اللي سافر وحده ما يقصر؟
الشيخ: إي نعم.
[ ١ / ٢١٥١ ]
الطالب: صحيح هذا يا شيخ؟
الشيخ: ولكن لاحظوا مسألة، ما ذكرنا الخلاف تو؟ ذكرنا الذي يسافر سفرًا محرمًا فيه خلاف، وذكرنا اختيار شيخ الإسلام ومذهب أبي حنيفة.
السفر وحده: بالنسبة للوقت الحاضر لا يعتبر وحده في الطريق المأهول، يعني مثلًا طريق ما بين القصيم والرياض لو سافر الإنسان في السيارة وحده ما نقول: هذا السفر وحده، عرفت؟ لماذا؟ لأن الخط معمور، كأنما يمشي في شارع البلد، هو راكب وحده ولكنه ليس مسافرًا وحده، الخط ماشي، أما الخطوط التي ليس فيها أحد فهذه يكون الإنسان مسافرًا وحده، وعلى أن المسألة خلافية، والبخاري ﵀ في صحيحه يميل إلى أنه لا يكره السفر وحده ويشير إلى ضعف الحديث: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» (١٨).
طالب: أحسن الله إليك، في باب الصوم، من سافر ليفطر فإنه لا يفطر، يحرم عليه الفطر، الصلاة لو سافر سفرًا محرمًا يترخص؟
الشيخ: إي نعم، حتى في السفر في رمضان لو سافر سفرًا محرمًا؛ فعند من يقول: إنه يقصر يجوز أن يفطر، ففرق بين من سافر ليسقط الواجب، فالذي سافر ليسقط الواجب نقول: لا يمكن؛ لأن التحايل على إسقاط الواجب لا يسقطه، ولهذا لو أنه سافر لأجل أن يقصر قلنا: لا تقصر.
طالب: شيخ، الراجح قول ابن تيمية شيخ الإسلام؟
الشيخ: قلت لكم: تعليله قوي.
الطالب: () ما رجحت.
الشيخ: أقول: تعليله قوي، ومعنى قوي: إذا قويت العلة قوي القول.
طالب: شيخ إذا كان المريض مبنجًا، في البنج، ما فاق إلا بعد العشاء، يفيق قبل المغرب لكن ما واعٍ كليًّا، يعني يوعى عادي يكلم، لكن ما يستطيع يصلي، كيف يصلي الصلاة الأربعة؟
الشيخ: يصليها جميعًا إذا صحا.
الطالب: كيف كونه يجمع الأربع ()؟
الشيخ: من؟
الطالب: يجمع أربع صلوات جميعًا؟
الشيخ: اللي هو المبنج؟
الطالب: هذا قلنا: يصلي.
الشيخ: الذي غاب بالبنج؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يصلي الأربع جميعًا.
[ ١ / ٢١٥٢ ]
الطالب: والذي صلاهن جاهل يجمعهم جميعًا؟
الشيخ: إي قلنا: خلاص صلى.
الطالب: نعذره بالجهل يا شيخ ولّا ليس ()؟
الشيخ: إي ما يعيده، يصليهن، صلاهن الآن.
الطالب: نعم.
الشيخ: قلنا: لا تعيدهن لأنه صلاهن.
الطالب: نعم.
الشيخ: صاحب البنج ما صلاهن ().
***
طالب: سن له قصر رباعية.
الشيخ: (من سافر) تجيب جواب الشرط بدون فعل الشرط، والله بخل عظيم هذا.
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى:
[صلاة المسافر]
فصل
من سافر سفرًا مباحًا أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين إذا فارق عامر قريته، أو خيام قومه، وإن أحرم ثم سافر أو في سفر ثم أقام أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو عكسها، أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها فسدت وأعادها، أو لم ينو القصر عند إحرامها، أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملاحًا معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم. وإن كان له طريقان
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو السفر؟
طالب: السفر.
الشيخ: هاه؟
الطالب: () السفر لأنه ().
الشيخ: ما هو السفر قبل؟
الطالب: هو أظن أن يخرج عن طريقه من بلده.
الشيخ: عن؟
الطالب: عن بلده.
الشيخ: يعني مفارقة محل الإقامة، هذا السفر، لماذا سمي به؟
الطالب: سمي لأنه قيل: من يسافر يسفر عن قريته أو بلدته.
الشيخ: فيظهر ويتبين، نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، ومنه سفور المرأة، أي: ظهورها وبروزها.
قوله: (سفرًا مباحًا) ما المراد بالمباح هنا؟
طالب: ألا يكون سفر معصية.
الشيخ: ألا يكون سفر معصية؟ يعني: لا يدخل فيه المكروه؟
طالب: غير المحرم، ألا يكون محرمًا ولا مكروهًا.
الشيخ: المراد به: ألا يكون محرمًا ولا مكروهًا، فيشمل.
الطالب: فيشمل الواجب والمستحب والمباح.
الشيخ: والمباح إباحة مطلقة.
[ ١ / ٢١٥٣ ]
مثال الواجب، السفر الواجب؟
طالب: السفر إلى الحج.
الشيخ: نعم، والمستحب؟
الطالب: والمستحب كما يكون مرة ثانية إلى الحج.
الشيخ: أحسنت، السفر مرة ثانية إلى الحج. والمباح؟
الطالب: المباح كالسفر إلى الصيد.
الشيخ: نعم، كالسفر للصيد، أحسنت، تمام، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
قوله: (أربعة برد).
الطالب: أربعة برد؟
الشيخ: إي نعم، ما هي البرد، تصريفها؟
طالب: البرد هو عبارة عن ..
الشيخ: لا، تصريفها اللغوي؟
الطالب: جمع بريد.
الشيخ: جمع بريد، فكم مسافتها؟
الطالب: البريد الواحد يساوي مسيرة نصف يوم، أربعة برد صارت مسيرة يومين.
الشيخ: نعم، وبالفراسخ؟ البريد بالفراسخ؟
الطالب: البريد يساوي أربعة فراسخ.
الشيخ: نعم، فتكون أربعة البرد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ كم ميل؟
الطالب: ثلاثة أميال.
الشيخ: فتكون ثمانية.
الطالب: وأربعين ميلًا.
الشيخ: نعم، طيب، لماذا سمي بريدًا؟
طالب: سمي بريدًا لأن () في العهد الماضي كانوا يتخذون، يجعلون مستقرًّا بين، كل بين نصف يوم.
الشيخ: كل ما بين نصف يوم مستقرًّا ومستراحًا للبريد اللي يحمل الرسائل.
الطالب: وإذا كانت الرسالة مستعجلة يأخذها رجل على فرس كلما وصل إلى مستقر وضع فرسه الأولى وأخذ فرسًا أخرى، حتى يصل لمكانه المنشود ثم يرجع إليه.
الشيخ: تمام أحسنت.
قال المؤلف ﵀: (سن له قصر رباعية ركعتين)، سن له، يجب أن نعلم السنة؛ لها اصطلاحان: اصطلاح عند الفقهاء، واصطلاح في عرف الصحابة وسلف الأمة.
[ ١ / ٢١٥٤ ]
فالسنة في سلف الأمة وعند الصحابة: هي الطريقة التي كان عليها النبي ﷺ، سواء كانت واجبة أم مستحبة، فكلها تسمى سنة، ومن ذلك قول أنس بن مالك ﵁: من السنة إذ تزوج البكر على الثيب أن يقيم عندها سبعًا (١٩)، هذه سنة واجبة، وقول ابن عباس ﵄ حين سئل عن الرجل يصلي مع الإمام المقيم أربعًا، وإذا صلى وحده وهو مسافر صلى ركعتين قال: تلك هي السنة (٢٠) أي السنة الواجبة.
أما عند الفقهاء فإن السنة: هي التي يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها، يعني معناها: الشيء المستحب، الشيء المستحب الذي إذا فعله الإنسان أثيب، وإذا تركه لم يعاقب.
فقول المؤلف هنا: (سن له قصر رباعية) سنة اصطلاحية ولَّا سنة حسب استعمال السلف؟ سنة اصطلاحية، يعني أن الراجح والذي يثاب عليه قصر رباعية ركعتين، يسن أن يقصر الرباعية ركعتين. الرباعية هي: الظهر والعصر والعشاء، ركعتين.
ودليل ذلك في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وإجماع الأمة.
أما في القرآن فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقال: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة، ونفي الجناح هنا لا يعني ارتفاع الإثم فقط؛ كقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فنفي الجناح هنا ليس معناه رفع الإثم فقط، بل انتفاء المانع، أي: ليس بمانع أن يطوف بهما، وليس بمانع أن تقصروا من الصلاة، فإذا انتفى المانع نرجع إلى ما تقتضيه الأدلة الأخرى، فالأدلة الأخرى في الصلاة تقتضي أن القصر أمر راجح على الإتمام، أليس كذلك؟
[ ١ / ٢١٥٥ ]
الدليل: النوع الثاني من الأدلة التي ذكرناها، وهو فعل الرسول ﷺ، فإن النبي ﷺ كان إذا سافر صلى ركعتين، ولم يحفظ عنه ﷺ أنه صلى أربعًا في سفر قط، بل كل أسفاره –الطويلة والقصيرة- كان يصلي ركعتين.
وأما إجماع المسلمين فهذا أمر معلوم بالضرورة، كما قال ابن عمر: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يزيدون على ركعتين في السفر (٢١)، والمسلمون مجمعون على هذا. إذن قصر الرباعية ركعتين ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولكن في دليل الكتاب شيء من التوقف والإشكال؛ وهي أن الله تعالى قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقيد الله ﷿ هذا بخوف الفتنة من الكفار. والمراد من خوف الفتنة هنا: أن يمنعوكم من إتمام صلاتكم، ولكن هذا الشرط مرتفع بسنة الرسول ﵊ التي أخبر بها عن ربه؛ فإن عمر بن الخطاب ﵁ أشكل عليه هذا القيد فسأل النبي ﷺ عن ذلك؛ قال: يا رسول الله، ما بالنا نقصر ونحن في أمن؟ لأن النبي ﵊ قصر في آمن ما يكون، في أسفاره قصر في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ: «إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (٢٢)، فصارت إباحة القصر في الأمن صدقة تصدق الله بها علينا، وإلَّا فإن الأصل أيش؟ الأصل الإتمام، أن الحضر والسفر سواء، فهذا هو الجواب عن هذا القيد في الآية.
وقال بعض العلماء: إن قصر الصلاة ينقسم إلى قسمين: قصر عدد، وقصر هيئة، فإذا اجتمع الخوف والسفر اجتمع القصران، وإن انفرد أحدهما انفرد بالقصر الذي يلائمه، فإذا انفرد السفر صار القصر بالعدد، وإن انفرد الخوف صار القصر في الهيئة، وإن اجتمعا صار في هذا وفي هذا.
[ ١ / ٢١٥٦ ]
وعلى كل حال هذه لا شك أنه مناسبة جيدة وطلب للعلة والحكمة، ولكن الذي يفصل هو السنة، هو قول الرسول ﵊: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (٢٢).
إذن القصر ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا إشكال فيه.
ولكن يقول المؤلف: (سن له قصر رباعية ركعتين) إلى آخره.
ونحن نتكلم أولًا على قوله: (سن) وعلى قوله: (أربعة برد)، وعلى قوله: (سفرًا مباحًا).
أما قوله: (سفرًا مباحًا) فقد تقدم لنا أن من أهل العلم من قال: إن القصر رخصة في السفر مطلقًا، سواء كان مباحا أم محرمًا، وذكرنا أن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب أبي حنيفة.
وقال بعض العلماء: إنه لا قصر إلا في سفر طاعة، كالحج والعمرة والجهاد وزيارة الوالدين وما أشبه ذلك، وأما المباح فلا قصر فيه، وهذا القول في الطرف المقابل لقول من يقول: إنه يقصر حتى في السفر المحرم.
والصحيح ما سبق: أن القصر ثابت في كل سفر إلَّا في السفر المحرم؛ لأننا لو أبحنا له القصر لكان هذا فيه شيء من الإقرار على المعصية التي كان مقيمًا عليها، وحاله تقتضي عكس التخفيف، والمسألة ليست عندي بذاك القوة: أي ترجيح أنه لا بد أن يكون السفر مباحًا.
أربعة البرد: المؤلف اشترط أربعة برد، وهذا يقتضي أن ما دونها ولو بمتر واحد لا يبيح القصر، وما بلغها وتجاوزها فهو قصر ولو قطعه في نصف ساعة؟ إذا اعتبرنا المسافة بالأميال والفراسخ فإن ما دونها ولو بشبر، أنا قلت: بذراع أو بمتر، أقول: بشبر ليس بسفر يترخص فيه، وما زاد عليها فهو سفر يترخص فيه ولو قطعه بنصف ساعة أو أقل، ولو رجع في ساعته، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء.
[ ١ / ٢١٥٧ ]
ولكن الصحيح أنه لا حد للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد -كما قال صاحب المغني- يحتاج إلى توقيف، وأيش معنى توقيف؟ يعني نصًّا من الشارع، والله ﷿ يعلم أن المسلمين يسافرون، فكم من شخص يسافر في اليوم الواحد، والنبي ﵊ يعلم أن الناس يسافرون في الليل والنهار، ولم يرد عنه حرف واحد يقول: إن تحديد السفر مسافته كذا وكذا، ولم يتكلم أحد من الصحابة بطلب التحديد للسفر، مع أنهم في الأشياء المجملة يسألون عن تفسيرها وبيانها، فلما لم يسألوا علم أن الأمر عندهم واضح ..
سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ رَكعتينِ إذا فَارَقَ عامِرَ قَريتِه أو خِيامَ قَوْمِه، وإن أَحْرَمَ ثم سافَرَ، أو في سَفَرٍ ثم أَقامَ أو ذَكَرَ صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ أو عَكْسَها أو ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ أو بِمَنْ يَشُكُّ فيه، أو أَحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إتمامُها ففَسَدَتْ وأَعادَها، أو لم يَنْوِ الْقَصْرَ عندَ إحرامِها، أو شَكَّ في نِيَّتِه، أو نَوَى إقامةَ أكثرَ من أربعةِ أيَّامٍ،
إذا اعتبرنا المسافة بالأميال والفراسخ فإن ما دونها ولو بشبر -ما هو أنا قلت: بذراع أو بمتر- أقول: بشبر، ليس بسَفَر يترخص فيه، وما زاد عليها فهو سفر يترخص فيه، ولو قطعه بنصف ساعة أو أقل، ولو رجع في ساعته، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء.
ولكن الصحيح: أنه لا حَدَّ للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد كما قال صاحب المغني: يحتاج إلى توقيف، أيش معنى توقيف؟ يعني نَصٌّ من الشارع.
والله ﷿ يعلم أن المسلمين يسافرون، فكم من شخص يسافر في اليوم الواحد، والنبي ﵊ يعلم أن الناس يسافرون في الليل والنهار ولم يَرِد عنه حرف واحد يقول: إن تحديد السفر مسافته كذا وكذا.
[ ١ / ٢١٥٨ ]
ولم يتكلم أحد من الصحابة بطلب التحديد للسفر، مع أنهم في الأشياء المجمَلة يسألون عن تفسيرها وبيانها، فلما لم يسألوا عُلِمَ أن الأمر عندهم واضح، وأن هذا معنًى لغوي يرجع فيه إلى ما تقتضيه اللغة.
وإذا كان كذلك ننظر هل للسفر حد في اللغة العربية؟ لا، ما سموه الناس سفرًا فهو سفر.
إذن لم يَرِد عن النبي ﵊ تحديد السفر بالمسافة، والآثار الواردة عن الصحابة مختلفة اختلافًا عظيمًا، حتى عن الواحد منهم تختلف، أحيانًا يقيد السفر بما يقتضي أن يكون نصف ما قيَّدَه في موضع آخر.
إذا كان لم يَرِد عن الرسول ﵊ تقييد السفر بالمسافة، وليس هناك حقيقة لغوية تبينه كان المرجع فيه إلى العُرْف.
ويقول شيخ الإسلام ﵀: إنه ليس عند النبي ﷺ في عهده أناس مسَّاحون يمسحون الأرض ويقيسونها بالذراع وبالأصابع، وحبة الشعير، وشعر البرذون؛ لأن هذه المسافة أربعة بُرُد تتحول في النهاية إلى شعرة الفرس.
لأنهم يقولون مثلًا: الميل كذا وكذا ذراعًا، والذراع كذا وكذا قدمًا، والقدم كذا وكذا أصبعًا، والأصبع كذا وكذا حبة الشعير، وحبة الشعير كذا وكذا شعرة، ثم تنزل إلى أن يكون ما بين حبة الرمل وحبة الرمل الأخرى مسافة قصر أو عدم مسافة قصر، وهذا شيء غريب أن يقيَّد بهذا التقييد.
فالصواب أن المرجع في ذلك إلى العرف، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال:، كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين (١)، ثلاثة أميال أو فراسخ -الشك من شعبة- صلى ركعتين، ومعلوم أن ثلاثة فراسخ نسبتها إلى ستة عشر فرسخًا يسيرة جدًّا.
إذن الصحيح أنه لا حَدَّ للمسافة، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والإقامة الطويلة في المسافة القصيرة سفر، فالمسألة لا تخلو من أربع حالات:
[ ١ / ٢١٥٩ ]
سفر طويل في مسافة طويلة، هذا سفر لا إشكال فيه، كما لو ذهب إلى مكة من القصيم، وبقي مثلًا عشرة أيام، هذا لا شك أنه سفر.
زمن قصير في مسافة قصيرة، هذا ليس بسفر، كما لو خرج مثلًا من عنيزة إلى بريدة في ضحى يوم ورجع، أو إلى الرَّسِّ، أو إلى أبعد من ذلك، لكنه قريب لا يُعَدُّ مسافة طويلة، فهذا ليس بسفر.
مسافة قصيرة لكن في زمن طويل، بمعنى أنه ذهب إلى مكان قريب لا يُنْسَب لبلده، وليس منها، وبقي يومين أو ثلاثة مثلًا فهذا سفر، فلو ذهب إنسان من عنيزة إلى بريدة مثلًا ليقيم ثلاثة أيام أو يومين أو ما أشبه ذلك فهو مسافر.
القسم الرابع: مسافة بعيدة في زمن قصير، ذهب مثلًا من القصيم إلى جدة في يومه ورجع، فهذا يسمى سفرًا؛ لأن الناس يتأهَّبُون له، ويرون أنهم مسافرون.
فإن أشكل عليك، أحيانًا يشكل هل يكون هذا سفرًا عُرْفًا أو لا؟ فهنا يتجاذب المسألة أصلان:
الأصل الأول: أن السفر مفارقة محل الإقامة، فالأصل أن كل مَن فارَق محل إقامته فهو مسافِر، وحينئذٍ نقول: نأخذ بهذا الأصل.
والأصل الثاني اللي يتجاذبه أن يقال: الأصل الإقامة حتى يتحقق السفر، وما دام الإنسان شاكًّا في السفر، فهو شاكٌّ هل هو مقيم أو مسافر، والأصل الإقامة، وعلى هذا فنقول في مثل هذه الصورة: الاحتياط أن تُتِمَّ؛ لأن الأصل هو الإقامة حتى نتحقق أنه يسمى سفرًا.
إذن هذه نقطة هل يتقيد السفر بمسافة أو لا؟
نقول: للعلماء في ذلك أكثر من عشرين قولًا، أكثر من عشرين قولًا في مسألة واحدة، ليش؟ لأنه ليس هناك نص فاصل؛ فلذلك اختلفوا فيها، ومن أجمل ما رأيت في نقل الآثار في هذا ما جمعه ابن حزم في المحلَّى، فإنه جمع في ذلك آثارًا لا تكاد تجدها في غيرها عن السلف في اختلافهم في هذه المسألة.
القول الراجح الذي تطمئن إليه النفس هو أن السفر ما سمَّاه الناس سفرًا في عُرفهم، يرجع في ذلك إلى العرف.
[ ١ / ٢١٦٠ ]
(سنَّ له قَصْر رباعيةٍ)، المؤلف أفادنا بقوله: (سنَّ) أن القَصْر سُنَّة، وهذا أيضًا موضع خلاف، فعلى ما ذهب إليه المؤلف من أن القَصْر سنة، نقول: لو أتم فهل يأثم؟
طلبة: لا يأثم.
الشيخ: لا يأثم، هل يوصف بأن عمله مكروه، ونقول: هذا فَعَلَ مكروهًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأننا نقول: لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه، ولهذا لو إنسانًا لم يرفع يديه في الصلاة مثلًا عند الركوع هل نقول: إن هذا فَعَل ما يُكْرَه؟ لا، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه لا يلزم من ترك المستحب أيش؟ الوقوع في المكروه.
وقال بعض أهل العلم: إن الإتمام مكروه؛ لأن ذلك خلاف هدي النبي ﷺ المستمر الدائم، فإن الرسول ﷺ ما أتم أبدًا في سفر، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢)، فأقَلُّ ما نقول في الإتمام: إنه مكروه، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو قول قوي، بل لعله أقوى الأقوال.
القول الثالث في المسألة: أن القصر واجب، وأن من أتم فهو آثم.
ودليل هذا: حديث عائشة ﵂ قالت: أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين، ثم زِيدَ في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر على الفريضة الأولى (٣).
فقالت: أول ما فُرِضَت ركعتين، ثم قالت: وأُقِرَّت صلاة السفر على الفريضة الأولى، وهذا قول صحابي يَعْلَمُ الحكم، ويعلم مدلول الألفاظ، وقد صرح بأن الركعتين فريضة المسافر.
وفيه أيضًا آثار أخرى عن ابن عباس وعمر وغيرهما.
وأيضا يقول النبي ﵊: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وهذا كما تدخل فيه الهيئة، وهي كيفية، يدخل فيه القَدْر وهو كمية، فكما أن الرسول ﷺ في سفره لا يزيد على الركعتين أبدًا، فإنا نقول: الذي يريد أن يطبق هذا الحديث يصلي في الحضر كم؟
طلبة: أربعًا.
[ ١ / ٢١٦١ ]
الشيخ: أربع، عسى الله أن يعصمنا من اللي يقول: ثمانيًا، كيف تقول: ركعتين، يصلي في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، نقول: هكذا صلى النبي ﵊، وأنت أُمِرْتَ أن تصلي كما صلى، فإذن صَلِّ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين
هذا القول كما ترون قوي جِدًّا جِدًّا، وكنت أقول به أولًا، أقول بأن القصر في السفر واجب؛ لحديث عائشة، ولقول النبي ﵊: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢)، ولأن هذا فعله مستمر، ولكن يعارض القول بالوجوب أصول:
أولًا: أن المؤتَمَّ بالْمُقِيم إذا كان مسافرًا يصلي أربعًا تبعًا للإمام، ومتابعة الإمام واجبة لا شك، والزيادة على الفريضة تُبْطِل الصلاة، ولهذا لو قام إمامك إلى ركعة خامسة وأنت تتيقن أنها الخامسة وجب عليك أن تفارقه وألَّا تتابعه.
فهنا نقول: لو كان القصر واجبًا لكانت متابعة الإمام في الإتمام حرامًا، كما لو صلى إنسان الفجر خلف مَن يصلي الظهر، فإن هذا الذي يصلي الفجر خلف من يصلي الظهر لا يمكن أن يتابعه على أربع، بل إذا قام للثالثة جلس.
ولكن هذا الأصل قد يعارَض فيُقَال: إنما لا تجوز الزيادة على الأربع فيما لو قام الإمام إلى الخامسة؛ لأن هذا غير مشروع، أي: لم تُشْرَع صلاة عددها خمسة، ومتابعة المسافر للإمام الْمُتِمّ مشروعة، بل هي الأصل في صلاة الحاضر المقيم، فبينهما فرق.
وكذلك نقول فيمن صلى الفجر خلف من يصلي الظهر، نقول: لا يمكن أن يقوم معه فيتم الأربع؛ لأن صلاة الفجر لا يمكن أن تكون أربعًا، لا في حضر، ولا في سفر، بخلاف من تابع الإمام في صلاة مقصورة والإمام يُتِمُّ، فإن هذه الصلاة نفسها تصلَّى أربعًا في الحضر.
إذن هذا الأصل فيه ضعف.
الأصل الثاني: أن الصحابة ﵃ أتموا خلف عثمان بن عفان ﵁ حينما صلى أربعًا في مِنًى.
[ ١ / ٢١٦٢ ]
وذلك أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان في أول خلافته إلى ست أو ثمانِ سنين من خلافته كان يصلي ركعتين في منى، ثم صار في آخر خلافته يصلي أربعًا، وكان الصحابة يصلون خلفه مع إنكارهم عليه، حتى إن ابن مسعود لما بلغه أنه صلى أربعًا استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون (٤).
فلو كان القصر واجبًا أيش؟ ما تابعوه، ما تابعه الصحابة ﵃؛ لأنه إذا كان واجبًا فإن الإتمام معصية لله، ولا يمكن أن يتابِع الصحابة عثمان فيما يرونه معصية لله ﷿.
ولكن هذا الأصل أيضًا ربما يعارَض بما عُورِض به الأصل الأول بأنهم إنما يتابعونه فيصلون أربعًا في صلاة تصلى أربعًا، فلا غرابة أن يدَعُوا الركعتين الواجبتين إلى واجب الاتباع، لا سيما وأنهم لاحظوا معنى آخر، وهو الخلاف بين الناس وبين خليفتهم.
ولهذا لما سُئِل ابن مسعود ﵁: كيف تصلي مع عثمان أربعًا، يعني وأنت تنكر عليه؟ قال: الخلاف شر (٥). رضي الله عن الصحابة، ما أفقههم وأعمق عِلْمَهُم! يتابعون عثمان في أمر عظيم، زيادة عما هو مشروع بالعدد.
وبعض إخوتنا الذين يرون أنهم مُتَّبِعُون للسلف والسنة يخرجون من المسجد الحرام لئلا يتابعوا الإمام على دعاء الختمة.
وبعضهم لئلا يتابع الإمام على ثلاث وعشرين ركعة، وكأن ثلاثًا وعشرين ركعة من الفسوق والمعصية العظيمة التي يخالف فيها الإمام، ويخرج من المسجد الحرام من أجلها.
وبعضهم يجلس بين الناس ويتحدث إلى أخيه، وربما يجهر بالحديث من أجل أن يشوِّش على هذه الصلاة البِدْعِيَّة، الله أعلم، هل هذا قصدهم أم لا.
على كل حال، أقول: إن هذا من قلة الفقه في الدين، وقلة اتباع السلف والبعد عن منهاجهم، السلف يكرهون الخلاف، وإن اختلفت الأقوال قلوبهم متَّفِقَة، وما أُمِرُوا بالاتفاق فيه فعلوه ولو كانوا لا يرونه، وهذا من فقه الصحابة ﵃.
[ ١ / ٢١٦٣ ]
وهذه المخالفات التي تقع من قلة الفقه بيننا، وبُعْدِنا عن عصر النبوة؛ عصر النور، ولهذا كلما كانت الأمة أقدم كانت للصواب أقرب بلا شك.
على كل حال، نقول: الذي يترجَّح لي، وليس ترجحًا كبيرًا، هو أن الإتمام مكروه وليس بحرام، وأن مَن أَتَمَّ فإنه لا يكون عاصيًا، أنا أقول هذا من الناحية النظرية.
لكن من الناحية العملية هل يجدر بالإنسان أو يليق به أن يفعل شيئًا يُخْشَى أن يكون عاصيًا فيه، ويقول: ما دام أنه غير واجب ما يهم؟ لا والله، لا ينبغي من الناحية المسلكية والتربوية، افعل ما يكون هو السنة، فإن ذلك أصلح لقلبك، حتى وإن كان يجوز لك خلافه.
ليس معنى ذلك إما أن يكون الشيء حرامًا أو واجبًا، أو لك الحرية، ما دام القول بوجوب القصر بهذه المثابة فلا ينبغي للإنسان أن يتم.
يعني أقل ما نقول: إن إتمامه مكروه؛ لأن النصوص تكاد تكون متكافئة، فاحرص على أن تصلي ركعتين في سفرك، ولا تَزِد على ذلك، ولكن إذا ائتممت بمن يُتِمُّ فسيأتي إن شاء الله أنه يلزمك الإتمام، لئلا تقع في المخالفة، وهذا من نظر الشرع لاتفاق الأمة؛ لئلا تقع في مخالفة إمامك أَتِمَّ، وإن كان ذلك خلاف الأولى بك لو صليت منفردًا.
يقول المؤلف: (سن قَصْر الرباعية)، خرج بالرباعية الثنائية والثلاثية فلا تُقْصَرَان؛ لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ، ولدينا قاعدة مهمة وهي أنه كما أن الفعل سُنَّة، فالترك مع وجود سبب الفعل سنة.
هذه أيضًا قاعدة مفيدة؛ ترك الشيء مع وجود سببه يكون سنة، مع أنه ترك وليس بفعل.
ولهذا أمثلة كثيرة، أذكر منها على سبيل العجلة: إذا دخل الإنسان المسجد هل يُسَنُّ له أن يتسوَّك عند دخول المسجد؟ لا، وبعض العلماء قال: بلى، يُسَنُّ له أن يتسوَّك.
مبنى ذلك على أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك (٦)، ولهذا يُسَنُّ لنا إذا دخلنا بيتنا أول ما ندخل أن نتسوك اقتداء برسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢١٦٤ ]
فقاس بعض العلماء دخول المسجد على دخول البيت، وقالوا: إذا كان الإنسان يتسوَّك إذا دخل بيته من أجل أن يقابل أهله بطهارة فم، فكذلك إذا دخل المسجد من أجل أن يناجي ربه بطهارة فم.
فنقول: إن النبي ﷺ كان يدخل المسجد، ولم يرد عنه أنه كان إذا دخل المسجد بدأ بالسواك، ولو كان هذا سنة لفعله النبي ﵊.
إذن فالسنة تركه، السنة ألا يتسوك عند دخول المسجد، بناء على أن سبب سواكه دخول المسجد، أما لو كان الإنسان إذا دخل المسجد سيصلي ركعتين فورًا، وأراد أن يتسوك من أجل الصلاة، لا من أجل دخول المسجد، فإن هذا مشروع.
***
طالب: قد يقول قائل يا شيخ: عدم الصلاة مثلًا في المسجد الحرام لا يؤدي إلى فتنة، بينما صلاة عبد الله بن مسعود مع عثمان يترتب عليها.
الشيخ: نحن نقول: الموافقة؛ موافقة الأئمة، هذه سنة مفروضة، ولهذا أُمِرْتَ بالإتمام معه، وأنت مشروع لك أن تصلي ركعتين، قلنا: أتم الصلاة زيادة في عدد ركعاتها من أجل الموافقة.
الطالب: طيب نقطة الخلاف شر ..
الشيخ: ما يخالف، الخلاف شر؛ لأنه ﵁ في ذلك الوقت فيه نوع من الخلاف على عثمان ﵁، خصوصًا في آخر خلافته، لكن نحن نقول: حتى إن الخلاف شر هذا سبب لا شك، حتى مخالفة الإمام خلاف السنة.
الطالب: لكن لا يؤدي يا شيخ.
الشيخ: لا والله يؤدي، كيف.
الطالب: إذا خرج أحد الناس مثلًا.
الشيخ: نعم يؤدي إلى أنك خالفت ما كان الصحابة يفعلونه، يوافقون أئمتهم، إذا كنت الآن مع الإمام وأنت مسافر وهو يصلي أربعًا، تترك السنة التي هي صلاة ركعتين من أجل موافقة إمامك.
ولهذا أنا من هذا المكان ومن غير هذا المكان أنا أحث على عدم اختلاف القلوب في خلاف الآراء، يعني هذا هو اللي ضَرَّ الناس، ما ضَرَّ الأمة إلا هذا.
[ ١ / ٢١٦٥ ]
كون كل واحد يقول: لا، أنا برأيي هو الذي يُتَّبَع، وإذا كان في مقام يؤمَر بالاتباع والموافقة خالف، هذا غير صحيح، ولا يخدم المصلحة، وربما في يوم من الأيام يتبين لك أن الذي أنت عليه اليوم خطأ.
وهذا يقع كثيرًا، يكون الإنسان اليوم يرى أن هذا القول صواب، وفي يوم من الأيام يرى أن القول الذي عليه صاحبه هو الصواب.
فكوننا مثلًا نبعثر وحدة الأمة ونلقي الاختلاف بينها في خلاف آراء، الصحابة يختلفون في أكبر من هذا، اختلفوا في الصلاة في وقتها، ولكن قلوبهم مؤتلفة متفقة.
لَمَّا ندبهم الرسول ﵊ إلى الخروج لبني قريظة قال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (٧). وخرجوا جميعًا، فأدركتهم الصلاة، فقال بعضهم: نصلي ولا نُخْرِجُ الصلاة عن وقتها، وقال آخرون: لا نصلي إلا في بني قريظة، اتباعًا لظاهر النص.
فبلغ ذلك النبي ﷺ، فلم يُعَنِّفْ أحدًا منهما من الطائفتين.
ومع ذلك لم يكن في قلب واحد على الآخر شيء أبدًا، فمثل هذه المسائل ينبغي ألا نبعث الخلاف أو المخالفة الظاهرة فيما بين المسلمين ما دام الاتفاق ممكنًا.
طالب: بعض الناس () مدينة في بلدته مئة وخمسون كيلو متر، وقد تبعد عن دولة خمسة وعشرين أو ثلاثين كيلو متر، في عرف الناس هنا أن هذه الدولة التي تبعد ثلاثين كيلو تعتبر سفرًا، لكن في عرفهم أن المئة وخمسين كيلو هذه لا تعتبر سفرًا؟
الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا مما يختلف فيه العرف.
الطالب: هل يصير سفرًا؟
الشيخ: إي، تعتبر ()، نقول: إذا ذهبت إلى الدولة التي ليس بينك وبينها إلا مسافة قصيرة فأنت مسافر، وإذا كان فيه قرية على الحدود وصلتها فقد تكون غير مسافر.
طالب: أقول يا شيخ، عفا الله عنك، الأصل أنها لو كانت واجبة لما أكمل مع الإمام المقيم، ثم قلنا: يعارضه أن هذا أصل مشروع، لكن إذا قلنا: إن القصر واجب يصير ما هو مشروع أصلًا، مثله مثل الزيادة ..
[ ١ / ٢١٦٦ ]
الشيخ: لا قصدي أنه مشروع في الجملة يعني، أن زيادة العدد مشروع في الجملة لا يبطل الصلاة.
الطالب: أما إذا كان مُفَرَّعًا على القول بالوجوب ما يدل ..
الشيخ: مُفَرَّع على القول بالوجوب، ونقول: إن القول بالوجوب إذا كان الإنسان مع إمام يُتِمُّ وجب عليه الإتمام، فلو كان هذا واجبًا لقلنا: لا يصح أن تتم؛ لأن الصلاة المحصورة بعدد معين لا يجوز أن تزيد عليه ولو مع الإمام، بدليل أنك لو صليت مع إنسان يصلي الظهر وأنت تصلي الفجر مثلًا فإنه لا يجوز أن تتابعه.
الطالب: لكن عدم مشروعية الزيادة على أربع ما هي بمثل عدم مشروعية الزيادة إلى ثمانية وإذا قلت بالوجوب؟
الشيخ: لا، ما هي بمثلها، ولذلك لو زاد على الركعتين عند القائلين بالوجوب فإن كثيرًا منهم يقول: لا تبطل الصلاة، لكن يكون آثمًا.
طالب: ما هو الدليل على صحة الختمة؟
الشيخ: صحة الختمة؟
الطالب: في القرآن.
الشيخ: لا، ما فيه دليل، بل الدليل على أنها ليست مشروعة في الصلاة، على أن دعاء ختم القرآن في الصلاة ليس بمشروع؛ لأني أعلم فيه أنه ورد عن بعض السلف أو عن بعض الصحابة أنهم كانوا إذا أتموا القرآن في بيوتهم جمعوا أهليهم ودعوا الله (٨)، أما في نفس الصلاة فلم نعلم في ذلك، لا عن الصحابة، ولا عن النبي ﵊.
الطالب: فلماذا لا تكون بدعة يا شيخ؛ لأنها في الصلاة؟
الشيخ: نعم، لماذا لا تكون؛ لأنها فيها تأويلًا، فالذين استحبوها من العلماء ليسوا من أهل البدع، من أهل السنة، وقاسوا حال الصلاة على حال ما كان خارج الصلاة، إي نعم.
الطالب: نقول: كل يؤخذ من قوله ويرد.
الشيخ: نعم، أنا لست أوافق على أنها مشروعة، لكن أنا أقول: إذا كانت محل خلاف ومحل اجتهاد فلا تخرج من المسجد من أجلها.
[ ١ / ٢١٦٧ ]
الإمام أحمد ﵁ ورحمه يرى أن القنوت في الفجر ليس بسُنَّة، ومع هذا يقول: إذا ائتم بإمام يقنت في الفجر فإنه يتابع الإمام، ويُؤَمِّن على دعائه، كل هذا من أجل الاتفاق.
يعني الحقيقة أنتم ما تعرفون قدر الاتفاق، الاتفاق هذا مهم جدًّا.
***
الطالب: في باب صلاة أهل الأعذار في حق مَن سافر: إذا فارق عَامِرَ قَرْيَتِهِ أو خيام قومه.
وإن أحرم ثم سافر، أو في سفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو عكسها، أو ائتم بمقيم، أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها، أو لم يَنْوِ القصر عند إحرامها، أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملَّاحا معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الذين قالوا بوجب القصر ما هو دليلهم؟
طالب: الدليل أن الرسول ﷺ كان في مكة يقصر الصلاة.
الشيخ: لا.
الطالب: أو في مِنى.
طالب آخر: دليلهم حديث عائشة ﵂ أنها قالت: أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين، زِيدَت في الحضر، وأُقِرَّت في السفر على الفريضة الأولى (٣)، واستدلوا أيضًا بحديث أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢)، فقالوا: كما أن هذا الحديث في الهيئة فهو يدخل في حكم القَدْر.
الشيخ: ولم يتم النبي ﷺ صلاة واحدة في أسفاره.
طالب: الإتمام في السفر ركعتين تمام غير قصر.
الشيخ: هذه ثلاثة، الذين قالوا بأنه سنة؟
طالب: استدلوا بأن هدي الرسول ﷺ في السفر القصر، وأن هدي الرسول ﷺ كان يقصر، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
الشيخ: وبماذا ينفون أدلة الوجوب؟
[ ١ / ٢١٦٨ ]
الطالب: ينفون أدلة الوجوب، هناك تعليلان؛ التعليل الأول: أن الإنسان أو المصلي إذا كان مؤتَمًّا بمقيم وهو مسافر فإنه يُتِمُّ.
مثل لو صلى العصر يصلي أربعًا مع الإمام، فقالوا: لو كان القصر واجبًا لكان تبطل صلاته، كما لو صلى مَن يصلي الفجر خلف من يصلي الظهر، فإنه لا يُتِمُّ، إنما يصلي ركعتين ويسلِّم، فلو كان على الوجوب لصلى ركعتين ثم سلَّم.
ثم تعليل آخر، قالوا: إن عثمان صلى أربعًا فأتم الصحابة خلفه، مع أن الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وفي أول خلافة عثمان كان يصلي ركعتين، فأتموا خلفه، وكذلك عبد الله بن مسعود. (٤)
الشيخ: ولو كان الإتمام حرامًا ما تابعوه على ذلك.
الطالب: لأنها معصية.
طالب آخر: ثم قول النبي ﷺ: هي صدقة، والصدقة لا يلزم قبولها.
الشيخ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ». (٩)
هذا نوقش الدليل، قالوا: إن الرسول قال: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، فَرُدَّ هذا بأن الأمر هنا للإباحة، بمعنى اقبلوا صدقته، يعني لا تردوها.
على كل حال، نحن رجَّحنا أن القول بأنه مستحب لا واجب أقرب قليلًا إلى الصواب، ولا سيما عندما يُقْرَأ قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فإن هذا يدل على أن الصلاة كانت أولًا أكثر من ذلك.
ومع هذا نقول: يُكْرَهُ للإنسان أن يُتِمَّ، ولا ينبغي للإنسان أن يُعَرِّض صلاته للخطر، أما بالنسبة لصلاته إذا أتم فإنَّا ذكرنا أننا لا نعلم ماذا يقول القائلون بوجوب القصر.
لكن رأيت مذهب أبي حنيفة ﵀ حسب كتب أصحابه أنه إن جلس للتشهد ثم قام فأتم فصلاته صحيحة، جعلًا للثنتين الزائدتين نفلًا، ولما تشهَّد تمت الصلاة الأولى وإن لم يسلِّم، أما إذا لم يتشهد التشهد الأوسط فإن صلاته تبطل.
[ ١ / ٢١٦٩ ]
وفيه قول ثان في مذهبهم: أن صلاته إذا أتم تبطل مطلقًا؛ لأنه أتى بركعات زائدة محرَّمة، فبطلت الصلاة.
ثم قال المؤلف ﵀: (إذا فارق عامِرَ قريَتِه)، هذا الشرط شرط للقصر الفعلي، يعني: لا يقصر إلا إذا فارق عامرَ قريَتِه.
المفارقة ليس المراد بها إذا غابت عن نظره؛ لأنها ربما لا تغيب عن نظره إلا بعد مسافة طويلة، وقد ذُكِرَ أن زرقاء اليمامة تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.
فالمراد بالمفارقة: المفارقة البدنية، لا المفارقة البصرية، المفارقة البدنية بمعنى أن يتجاوز البيوت، ولو بمقدار ذراعٍ، فإذا خرج عن مُسَامَتَة البيوت ولو بمقدار ذراع فإنه يعتبر مفارِقًا.
وقوله: (عامر قريته) لم يقل: بيوت قريته، بل قال: (عامر)؛ لأنه قد يكون هناك بيوت قديمة في أطراف البلد هُجِرَت وتُرِكَت ولم تُسْكَن، فهذه لا عبرة بها، العبرة بالعامر من القرية.
فإذا قُدِّرَ أن هذه القرية كانت معمورة كلها، ثم نزح أهلها أو انصاعوا إلى جانب آخر، وهُجِرَت البيوت التي من هذا الجانب فلم يبق فيها سكان، فالعبرة بمفارقة هذه البيوت التي هُجِرَت ولم تعمر، أو العبرة بالعامر؟
طلبة: بالعامر.
الشيخ: العبرة بالعامر، فإن كان في القرية بيوت عامرة، ثم بيوت خربة لا تسكن، ثم بيوت عامرة، العبرة بمفارقة البيوت العامرة، وإن كان يتخللها بيوت غير عامرة.
وقوله: (إذا فارق عامر قريته) أضافها إلى نفسه (قريته) يعني: التي يسكنها، فلو فُرِضَ أن هناك قريتين متجاورتين، ولو لم يكن بينهما إلا ذراع أو أقل، فإن العبرة بمفارقة أيش؟ قريته هو، وإن لم يفارق القرية الثانية الملاصقة أو المجاورة، ولهذا قال: إذا فارق عامر قريته.
(أو خيام قومه) كيف خيام قومه؟ يعني: إذا كانوا يسكنون الخيام فالعبرة بمفارقة الخيام، إذا فارق الخيام حَلَّ له القصر.
[ ١ / ٢١٧٠ ]
وعُلِمَ من كلامه ﵀ أنه لا يجوز أن يقصر ما دام في قريته، ولو كان عازمًا على السير، ولو كان مرتحلًا، ولو كان راكبًا يمشي بين البيوت، فإنه لا يقصر حتى يبرز، وذلك لأن النبي ﷺ كان لا يقصر إلا إذا خرج (١)، إذا خرج وارتحل قصر، أما ما دام في البلد فإنه كان لا يقصر ﵊.
ولأن السفر هو أن يسفر الإنسان ويبرز ويخرج، كما سبق أن السفر مفارقة محل الإقامة، ومن كان في محل إقامته فإنه ليس مسافرًا.
قال المؤلف: (إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه).
في القصيم الآن إذا خرج الإنسان إلى المطار هل يقصر في المطار؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يقصر؛ لأنه فارق عامر قريته، جميع القرى التي حول المطار منفصلة عنه، أما من كان من سكان المطار فإنه لا يقصر في المطار، لماذا؟ لأنه لم يفارق عامر قريته.
وهل له أن يفطر في المطار؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، له أن يفطر، يعني لو أراد أن يسافر في رمضان وخرج وبقي في المطار ينتظر الطائرة، وأقصد بذلك مطار القصيم، فإنه يفطر؛ لأنه فارق عامر قريته.
لو قُدِّرَ أن الطائرة لم تنزل ولم يحصل السفر ذلك اليوم، هل يعيد الصلاة التي كان قصرها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه أتى بها بأمر الله موافِقةً لشرعه، فتكون مقبولة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٠)، فمفهومه من عمل عملًا عليه أمر الله ورسوله فهو قَبُول.
هل يلزمه إذا رجع وهو مُفْطِر ولم تأت الطائرة فرجع إلى بلده هل يلزمه الإمساك؟
طالب: لو رجع أثناء النهار يا شيخ يلزمه من أجل الحفاظ على حرمة الشهر.
طالب آخر: يلزمه الإمساك.
طالب آخر: لا يلزمه.
الشيخ: فيه قولان للعلماء، والصحيح أنه لا يلزمه، وذلك لأنه أفطر بعذر شرعي على وجه مباح، فزالت حرمة النهار في حقه، فبقي آخر النهار غير محترَم بالنسبة له.
[ ١ / ٢١٧١ ]
يقول: (وإن أحرم حضرًا ثم سافر)، فيه سؤال: هذا رجل سافر من أجل أن يترخص، هل يترخص؟
طلبة: لا.
الشيخ: لأن السفر حرام، ولأنه يعاقَب بنقيض قصده، مَن أراد التحيل على إسقاط الواجب أو فِعْل المحرَّم.
الرجل التائه، إنسان تائه ضائع، خرج من بلده يتمشى، فجأة هبَّت رياح أضلته عن الطريق، فصار تائهًا، يطلب الطريق ولكنه لم يَهْتَدِ إليه، ماذا نقول؟
يقولون: إنه لا يقصر؛ لأنه لم يَنْوِ المسافة المعيَّنة، وكذلك من خرج لطلب بعير شارد يطلبه، يقولون: فإنه لا يقصر؛ لأنه لم يَنْوِ المسافة.
ولكن الصحيح أنه يقصر؛ لأن كل هؤلاء على سفر.
يقول: (وإن أحرم ثم سافر)، (أحرم) يعني: دخل في الصلاة، فالدخول في الصلاة يعتبر إحرامًا، ولهذا نُسَمِّي التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام.
فهذا رجل أحرم يعني كَبَّر للإحرام ثم سافر، كيف يكبر ثم يسافر، يمكن؟ يمكن، كما لو كان في سفينة، أو كان في سيارة، السفينة تجري في نهر في البلد، يشق البلد، وكانت راسية، فكَبَّرَ للصلاة، ثم مشت السفينة ففارقت البلد وهو في أثناء الصلاة.
إذن هذا أحرم في الحضر ثم سافر، فماذا يلزمه؟ يقول المؤلف: إنه يلزمه الإتمام، يلزمه أن يتم؛ لأنه ابتدأ الصلاة في حال يلزمه إتمامها، فلزمه الإتمام.
المسألة الثانية: قال: (أو في سفر ثم أقام)، يعني: أحرم بالصلاة في سفر ثم أقام، يمكن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طلبة: عكس الثانية.
الشيخ: عكس الأولى، السفينة مُقْبِلَة على البلد، والنهر قد شق البلد، فكَبَّرَ للإحرام وهو في السفينة قبل أن يدخل البلد، ثم دخل البلد، نقول: يلزمه الإتمام، لماذا؟
قالوا: لأنه اجتمع في هذه العبادة سببان؛ أحدهما يبيح القصر، والثاني يمنع القصر، فغُلِّبَ جانب المنع.
[ ١ / ٢١٧٢ ]
ما الذي يبيح القصر؟ السفر، وهو الذي ابتدأ الصلاة فيه، والذي يمنعه الإقامة، وهو الذي أتم الصلاة فيها، فيُغَلَّب هذا الجانب؛ لأن عند الفقهاء قاعدة: إذا اجتمع مُبِيحٌ وحاظر فالحكم للحاظر، ولَّا للحاضر؟
طلبة: للحاضر.
الشيخ: بالظاء ولا بالضاد؟
طلبة: بالضاد.
الشيخ: بالظاء الْمُشَالَة، إذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحظر.
ودليل هذه القاعدة قول النبي ﵊: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١١)، وقوله: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (١٢)، ولها أيضًا أدلة أخرى.
هاتان مسألتان فيهما إتمام.
قال المؤلف: (أو ذَكَرَ صلاة حضر في سفر).
رجل مسافر، وفي أثناء السفر ذكر أنه صلى الفجر وعليه جنابة، يتم ولَّا لا؟
طلبة: ما فيها قصر.
الشيخ: تمام، إذن أنتم الحمد لله فيه انتباه.
في أثناء السفر ذكر أنه صلى الظهر في البلد بغير وضوء، يتمها أربعًا؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١٣)، «فَلْيُصَلِّهَا»، يصلي هذه الصلاة بعينها إذا ذكرها، ولأن هذه الصلاة لزمته تامة فوجب عليه قضاؤها تامة، وهذا واضح.
قال المؤلف: (أو عكسها)، يعني: أو ذكر عكسها، بأن ذكر صلاة سفر في حضر، يعني لما وصل إلى بلده ذكر أنه صلى الظهر ركعتين في السفر لكن بلا وضوء.
يقول المؤلف: يلزمه أن يصلي أربعًا، لماذا؟ لأنها صلاة وجبت عليه في الحضر، القضاء، فلزمه الإتمام، ولأن القصر من رُخَص السفر، وقد زال السفر فيلزمه الإتمام.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن القول الراجح خلافه، وأنه إذا ذكر صلاة سفر في حضر صلَّاها قصرًا؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، قال: فليصلها هي.
[ ١ / ٢١٧٣ ]
وهذا الرجل ذكر أنه صلى صلاة مقصورة بغير وضوء، فيلزمه أن يصليها صلاة مقصورة، ولأننا نقول كما قالوا في الأولى: هذه صلاة وجبت عليه في سفر، وصلاة السفر مقصورة، فلا يلزمه إتمامها، وهذا القول هو الراجح.
كم مسألة ذكرها؟
طالب: أربع.
الشيخ: إذا أحرم في الحضر ثم سافر، أو في السفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو ذكر صلاة سفر في حضر.
(أو ائتم بمقيم)، يعني: ائتم المسافر بمقيم، فإنه يتم؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (١٤)، ولقوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (١٥)، قال: ما أدركتم فصلوا، فيشمل كل ما أدرك الإنسان وما فاته فليتم.
ولأن ابن عباس سُئِلَ: ما بال الرجل المسافر يصلي ركعتين، ومع الإمام أربعًا؟ فقال: تلك هي السنة. (١٦)
ولأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون خلف عثمان بن عفان وهم في سفر، يصلون أربعًا في منى (٤)، فهذه أدلة أربعة كلها تدل على أن المأموم يتبع إمامه.
فإن قال إنسان: إذا أدرك من صلاة الإمام ركعة، من الصلاة الرباعية فبكم يأتي؟
طلبة: يأتي بثلاث.
الشيخ: يأتي بثلاث، وإن أدرك ركعتين أتى بركعتين، وإن أدرك ثلاثًا أتى بركعة، وإن أدرك التشهد أتى بأربع؛ لعموم قوله ﷺ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(أو بمن يشك فيه) يعني: ائتم بمن يشك فيه؛ هل هو مسافر أو مقيم، وهذا إنما يكون في محلٍّ يكثر فيه المقيمون والمسافرون، مثل المطار، المطار فيه مقيمون، وفيه مسافرون، أحيانًا يكونون بعلامة، وأحيانًا يكونون بغير علامة، إن كانوا بعلامة فالأمر ظاهر.
فمثلًا إذا رأينا جنديًّا في المطار فهو مقيم، إذا رأينا شخصًا يحمل حقيبة سفر فهو مسافر، إذا شككنا ولم يوجد قرينة تؤيد أنه مسافر أو أنه مقيم فإنه يلزمه أن يتم، لماذا؟
[ ١ / ٢١٧٤ ]
قالوا: لأن من شرط القصر أن ينويه بنية جازمة، لا مع التردد، والإنسان إذا ائتم بمن يشك فيه لا يدري هل هو مسافر فيصلي معه ركعتين، أو مقيم فيصلي معه أربعًا.
فإن قال حينما رأى إمامًا يصلي بالناس في مكان خليط ما بين مسافرين ومقيمين: إن أتم إمامي أتممت، وإن قصر قصرت، هل يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: قالوا: إنه يصح، وإن كان معلَّقًا؛ لأن هذا التعليق يطابق الواقع، فإن إمامه إن قصر ففرضه هو القصر، وإن أتم ففرضه الإتمام.
قالوا: هذا التعليق لا يضر؛ لأنه تعليق مطابق للواقع شرعًا، وعليه فيدخل معه؛ إن أتم أتم، وإن قصر قصر.
وليس هذا من باب الشك، لكن هذا من باب تعليق الفعل بأسبابه، علَّق الفعل اللي هو الإتمام والقصر بأسباب القصر أو الإتمام، ما سبب القصر؟ قصر الإمام في هذه الحال، وسبب الإتمام إتمام الإمام.
(أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها).
قوله: (أو أحرم) يعني بذلك: المسافر أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، مثل لو ائتم بمقيم، فرضنا أنه مسافر وائتم بمقيم، فقد أحرم بصلاة أيش؟ يلزمه إتمامها، فسدت الصلاة، ثم أعادها، فإنه يلزمه الإتمام.
مثاله: أحرم مع الإمام في إقامة، يعني خلف إمام مقيم، دخل يصلي الظهر خلف هذا الإمام المقيم، كم يلزمه؟
طلبة: أربع ركعات.
الشيخ: أربع ركعات، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا المأموم في أثناء الصلاة أحدث وانصرف وتوضأ، ورجع ووجد الناس قد صلوا، فأراد أن يصلي لنفسه، ماذا نقول له؟ يلزمك أن تصلي أربعًا، لماذا؟
لأن هذه الصلاة إعادة لصلاة يجب إتمامها، فإنك حينما شرعت في صلاة الظهر أولًا لزمك أن تصلي أربعًا، فالصلاة وجبت في ذمتك أربعًا فيلزمك أن تصلي أربعًا.
طالب: كيف يتم إنسان لهذا الحال؟
الشيخ: إي؛ لأنه شرع مع الإمام في صلاة يلزمه إتمامها.
الطالب: فُسِخَت النية خلاص، نوى نية ثانية.
الشيخ: كأن الأخ يعارض في هذه المسألة.
الطالب: إي نعم.
[ ١ / ٢١٧٥ ]
الشيخ: في المسألة الثانية دخل مع الإمام المقيم وهو مسافر، ولما شرع في الصلاة ذكر أنه على غير وضوء، يجب عليه أن ينصرف، انصرف وتوضأ، فلما رجع وجد الناس قد صلوا، فما الذي يلزمه هنا؟
طالب: ركعتان.
الشيخ: نعم، لا يلزمه الإتمام؛ لأن المؤلف يقول: (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت)، فدل قوله: (ففسدت) على أن الفساد طارئ.
أما إذا ذكر أنه صلى بغير وضوء، فإن الصلاة لم تنعقد أصلًا، وعلى هذا فلا يلزمه الإتمام، في المسألة الثانية وهي ما إذا ذكر في أثناء الصلاة أنه على غير وضوء لا يلزمه الإتمام.
المسألة الأولى إذا فسدت بعد أن انعقدت، يقول المؤلف: إنه يلزمه الإتمام، ويقول الأخ: لا أُسَلِّم لهذا، ولعل قول الأخ قريب من الصواب، وذلك لأن الصلاة الأولى التي شرع فيها إنما يلزمه إتمامها أيش؟ تبعًا لإمامه لا من أصل، فهي في ذمته مقصورة، لكن يلزمه الإتمام تبعًا لإمامه، والآن وبعد أن فسدت زالت التبعية، فلا يلزمه إلا صلاة مقصورة.
وهذا التعليل أقوى من التعليل الذي ذكروه ﵏، فيكونهذا القول أرجح أنه إذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها في حال يجوز له القصر، فإنه لا يلزمه الإتمام.
طالب: شيخ، الدليل على مفارقة العامر إذا قصر؟
الشيخ: أن الرسول ﵊ ما كان يقصر إلا إذا خرج. (١) يعني لم يُحْفَظ عنه أنه قصر في مكانه، هذا الراجح
طالب: الحكم ثابت في مفارقة البلد في الذهاب والإياب؟
الشيخ: إي نعم، في الذهاب والإياب.
الطالب: يعني لو قدم قادم من مكة مثلًا ونزل بالمطار وهو يؤذَّن لصلاة الفجر في شهر رمضان، هل يفطر؟
الشيخ: هو ناوٍ الإفطار، يعني ما نوى الصوم؟
الطالب: قدم من مكة الآن، هو قادم إلى أهله.
الشيخ: نعم، له أن يُفْطِر.
الطالب: حتى لو كان ما بينه وبين البلد خمسة سنتي يعني؟
الشيخ: لا هذه خمسة سنتي والله ما أدري.
الطالب: إذن مفارقة البلد لغويًّا ما هو دليلها، هل هي ..
[ ١ / ٢١٧٦ ]
الشيخ: لا واضح، إذا فارق عامرَ قريته.
الطالب: لو كان فارق مدى الخمسة سنتي ينطبق عليه ..
الشيخ: لا، هذه الخمسة ما أظنها، المسألة تقريبية، السنتي ما هو بشيء.
طالب: لو قلنا مفارقة عرفية؟
الشيخ: إذا قلنا مفارقة عرفية فالناس من يوم يخرجون ()، ولهذا لما أقبلوا على الكوفة مع علي بن أبي طالب أقبلوا على الكوفة ينظرونها قريبةً صلى ركعتين، فسألوه، قال: إنا لم ندخلها (١٧)، وهذا يدل على أن العبرة بنفس البلد.
طالب: في قولنا: إن الإنسان إذا كان مسافرًا أحرم في الصلاة وهو مسافر ثم دخل البلد فإنه يتم، مع أن القول بقصر الصلاة بالوجوب قول قوي، ألا يكون مرجِّحًا للقصر، والعكس؟
الشيخ: لا؛ لأن هذه الصلاة الآن اجتمع فيها سببان؛ مبيح وحاظر، فغُلِّب جانب الحظر.
الطالب: لكن هناك حاظر وهو إتمام الصلاة.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: قصر الصلاة على الوجوب، وهو حظر الإتمام.
الشيخ: إي، لكن القائلين بالوجوب يقولون بوجوب القصر في السفر، الآن زال السفر في أثناء الصلاة، فموجِب القصر وهو السفر زال، وموجِب الإتمام وهو الإقامة وُجِدَ، واضح؟ تأمل.
الطالب: أتأمل لكن ما أقتنع.
الشيخ: لا، اقتنع.
طالب: شيخ، تعليل الفقهاء تعليلًا آخر فيمن أحرم بمقيم ثم ..
الشيخ: من ائتم بمقيم؟
الطالب: إي، مسافر أحرم بمقيم.
الشيخ: يعني ائتم بإمام مقيم؟
الطالب: إي نعم، وبعد فسدت صلاته، يعني أحدث وخرج من المسجد وتوضأ، يجب عليه أربع لأجل هذا؛ لأن كل من نوى شيئًا فهو كالمنذور عليه، يعني هذا لزم عليه يصلي أربعة لأنه كالمنذور.
الشيخ: إي نعم، يعني هذا أيضًا تعليل لا بأس به؛ أنه لما شرع فيها تامة لزمته؛ لأنه التزم بها تامة، لكن هؤلاء يقولون: التزم بها تامة ثم بطلت.
الطالب: وكذلك هذا عامٌّ في الصيام كذلك، وهذا التعليل.
الشيخ: وكذلك الصيام لو أنه شرع في الصيام ثم أفطر وجب عليه القضاء.
الطالب: الصيام مستحق؟
الشيخ: لا، ما يلزم، الصحيح أنه لا يلزم.
[ ١ / ٢١٧٧ ]
طالب: إذا أذَّن المؤذِّن ثم شرع في السفر، المسافر بعدما يشرع يلتزم إتمام الصلاة؟
الشيخ: هذه المسألة: لو دخل وقت الصلاة وهو في البلد في الحضر، ثم سافر بعد ذلك، فإن القول الراجح أنه يصلي ركعتين اعتبارًا بفعل الصلاة، ولو كان بالعكس؛ دخل عليه الوقت وهو في السفر، ثم وصل البلد فإنه يصليها أربعًا؛ لأن العبرة بفعل الصلاة.
***
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في بيان المسافر الذي يجب عليه أن يتم صلاته:
أو لم يَنْوِ القصرَ عند إحرامها، أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملَّاحًا معه أهله لم يَنْوِ الإقامة ببلد لزمه أن يتم.
وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما، أو ذكر صلاةَ سفرٍ في آخر قصر.
وإن حُبِسَ وَلم يَنْوِ إقامة، أو أقام لقضاء حاجة بلا نيةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى يبدأ المسافر برُخَصِ السفر؟
طالب: إذا خرج من عامِرِ قريته.
الشيخ: إذا فارق عامر قريته.
وإذا كان فيه خيام، يعني مثلًا ناس نازلين في البر كالبادية؟
الطالب: إذا فارق خيام ..
الشيخ: إذا فارق خيام قومه.
رجل أحرم بالصلاة حاضرًا ثم سافر في أثناء الصلاة؟
طالب: هذا يصليها قصرًا.
الشيخ: يصليها قصرًا، لماذا؟
الطالب: على كلام المؤلف أنه يتم.
الشيخ: وعلى كلام غير المؤلف؟
الطالب: يعني يصليها قصرًا؛ لأنها غُلِّبَت العلة من الطرف الآخر.
الشيخ: لكنه ابتدأها وهو مقيم؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: يصليها تمامًا.
الشيخ: يصليها تمامًا، ولم نذكر نحن قولًا آخر، عَلِّل؟
الطالب: قوله ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». (١٨)
الشيخ: أيش اللي يريبنا هنا؟
الطالب: اجتمع السفر والحضر، فالذي لا يريبنا هو الحظر، وكذلك القاعدة؛ إذا اجتمع الحاظر والمبيح غُلِّبَ جانب الحظر.
[ ١ / ٢١٧٨ ]
الشيخ: الحظْر أي المنع.
طالب: قالوا كذلك: إنه ابتدأ الصلاة تامة فلزمه إتمامها كما بدأها.
الشيخ: لما شرع فيها تامة لزمه الإتمام؛ لأنه التزم بها.
على العكس من ذلك؛ أحرم بالصلاة مسافرًا، ثم وصل البلد؟
طالب: يتمها أربعًا.
الشيخ: يتمها أربعًا، العلة؟
الطالب: لأنه زال السبب المانع من القصر فيُغَلَّبُ جانب الحظر.
طالب آخر: لأنه اجتمع جانب الحظر وجانب المبيح للقصر، وقالوا: يُغَلَّبُ جانب الحظر.
الشيخ: يغلب جانب الحظر.
الطالب: لقول النبي ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».
الشيخ: هل يفرق بين ما إذا صلى ركعة أو لا؟ يعني هل يفرق بين ما إذا وصل إلى بلده بعد أن صلى ركعة وهو في السفر، أو وصل إلى بلده في أول الركعة؟
طالب: لا، ما يُفَرَّق.
الشيخ: لا يُفَرَّق؛ لأنه اجتمع سببان أحدهما مبيح والثاني حاظر فغُلِّب جانب الحظر أو الحاظر.
رجل أدرك مع إمام مقيم ركعة، والرجل المدرِك للركعة مسافر؟
طالب: يتم أربعًا.
الشيخ: يتم أربعًا.
الطالب: يقوم ويجيب ثلاثة ويتم أربعًا.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل الرسول ﷺ يعني ما أدركتم فأتموا.
الشيخ: ما أدركتم فأتموا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما أدركنا أدركنا، كيف نتم؟
الطالب: إذا مثلًا إنسان مسافر إذا صلى وراء المقيم يتابع الإمام.
الشيخ: إي نعم، لكن ما هو الدليل إذا أدرك ركعة، لماذا لا نقول: ائت بركعة وسَلِّم؟
طالب: قول الرسول ﷺ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». (١٥)
الشيخ: وجه الدلالة من هذا الحديث؟
الطالب: الإتمام.
الشيخ: إي، ما وجه الدلالة؟
الطالب: أننا أدركنا أول الصلاة الرباعية ..
الشيخ: لكن لو قال قائل: هذا في الحضر، إذا ما أدركتم فصلوا، يعني في الحضر، وما فاتكم فأتموا؟
الطالب: نقول: نستشهد بحديث ابن عباس يا شيخ أنه لما سُئِلَ عن ..
[ ١ / ٢١٧٩ ]
الشيخ: أنت الآن أتيت بدليل، وَجِّه هذه الدلالة؟
الطالب: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، فالآن نحن أدركنا ..
الشيخ: لو قال لك قائل: هذا فيما إذا كان مقيمًا؟
الطالب: الحديث عام يا شيخ.
الشيخ: إي، هذا هو، إذن نقول: لعموم حديث «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
رجل مقيم صلى خلف إمام مسافر؟
طالب: يقوم ويكمل الركعتين اللي فاته ..
الشيخ: إذا سلم الإمام؟
الطالب: يكمل إذا كانت رباعية ..
الشيخ: هي رباعية، ما فيه قصر إلا في الرباعية.
طالب: إي، يعني المسافر هو المأموم.
الشيخ: المأموم كان مقيمًا، والإمام كان مسافرًا، فهل يتبع إمامه في القصر كما تبعه في الإتمام في المسألة الأولى، أم ماذا؟
طالب: لا، ما يتبعه في القصر.
الشيخ: لا يتبعه في القصر؟
طالب: المسافر هو الإمام؟
الشيخ: إي نعم، والمأموم مقيم.
الطالب: يقوم ويكمل يعني الركعتين إذا كانت الصلاة رباعية اللي هو الحاضر، ما يتبع الإمام.
الشيخ: ما الدليل؟ لو قال قائل: إنا أقيسها على المسألة الثانية عكس هذه؟
طالب: أن الرسول ﷺ لما سلَّم قال: «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ إِنَّا قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ». (١٩)
الشيخ: لمن قاله؟
طالب: قال لمن خلفه.
الشيخ: من هم؟
طالب: الصحابة.
الشيخ: الصحابة، أهل الرياض ولَّا أهل القصيم! !
الطالب: أو حديث الرسول ﷺ يقول: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». (١٥)
الشيخ: ما فاتنا شيء، الإمام صلى ركعتين وجلس وسَلَّم، وأنا داخل معه من أول الصلاة.
الطالب: لأنه ما له أي حق أن يقصر.
الشيخ: كلمة ما له أي حق هذه ما هو جواب.
طالب: اللي ذكره الأخ حديث النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّا قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ فَأَتِمُّوا» يشير إلى الصحابة من أهل مكة.
الشيخ: إلى أهل مكة، كان يصلي بهم عام الفتح فيقول: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ».
[ ١ / ٢١٨٠ ]
رجل ذكر صلاة حضر في سفر؟
طالب: يتم.
الشيخ: متأكد؟
الطالب: إي نعم، لزم عليه أربع، وهو الإعادة لما لزم.
الشيخ: إي نعم، هذا تعليل جيد، ما فيه دليل؟
الطالب: والدليل قول الرسول ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». (٢٠)
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: قال: يصلي ما هو معيَّن، الصلاة المعيَّنة الذي لزم عليه.
الشيخ: إي نعم، تمام، فليصلها، هذه تُعَيِّن الصلاة، ولهذا لو قضى صلاة نهار في ليل أَسَرَّ، ولو قضى صلاة ليل في نهار جهر.
رجل ذكر صلاة سفر في حضر؟
طالب: فيه قولان؛ على قول المؤلف أنه يتم لأنه اجتمع مبيح وحاظر، وعلى القول الثاني أنه يقصر الصلاة.
الشيخ: يعني فيها قولان؛ القول الأول أنه يتم.
الطالب: لاجتماع المبيح والحاضر، والقول الثاني أنه يصلي صلاة المسافر.
الشيخ: والقول الثاني أنه يصلي ..
الطالب: صلاة المسافر؛ لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
الشيخ: لعموم قوله: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، يعني: يصلي هذه الصلاة المعيَّنة على صفتها إذا ذكرها، ولأن القضاء؟
طالب: يحكي الأداء.
الشيخ: يحكي الأداء، هذه قاعدة فقهية، القضاء يحكي الأداء، يعني يكون شبهه مماثلًا له.
إنسان في المطار، فوجد رجلًا يصلي بجماعة، وشك هل هو من المسافرين أم من المقيمين، فهل يلزمه الإتمام، أو يجوز له القصر؟
طالب: نقول: إذا كان هناك أناس معروفون جنود مثلًا، فإنه إذا كان إمامًا يعني من أهل المطار فإنه يتم، ولكن قد يعلِّق يقول: إذا أَتَمَّ الإمام أُتِمُّ، وإذا قصر قصرت.
الشيخ: نحن ذكرنا أنه ثلاثة أقسام؛ أن يوجد عليه علامة السفر، أن يوجد عليه علامة الإقامة، فهنا؟
طالب: هنا يتم.
الشيخ: إن وجد عليه علامة الإقامة أتم، أو علامة السفر قصر، إذا لم يجد شيئًا لا هذا ولا هذا؟
[ ١ / ٢١٨١ ]
طالب: يقول: إن أتم الإمام أتمت، وإن قصر قصرت.
الشيخ: فلا حرج أن يقول: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، وإذالم يقل؟
الطالب: إن أتم الإمام أتم، وإن قصر قصر.
الشيخ: ويش يدريه الآن؟ المسألة هو الآن أدركه فسلَّم الإمام، ما يدري هل صلى قبل أن يدخل معه ركعتين، أو أنه أدركه في الركعة الأولى، هو لو أتم ما هي مشكلة، لكن قد يكون أدركه في الركعة الثالثة، وقد تكون هذه الثالثة هي الأولى.
طالب: يلزمه أن يتم.
الشيخ: يلزمه أن يتم.
الطالب: لأنه شك.
الشيخ: لأنه شك، يعني شك في السبب المبيح للقصر، فيلزمه أن يتم.
رجل أحرم بالصلاة خلف إمام مقيم وهو مسافر، فلما أتم الصلاة ذكر أنه ليس على وضوء، فكيف يقضي هذه الصلاة؟
طالب: يقضيها بالقصر على الاتفاق.
الشيخ: يقضيها بالقصر، ليش؟
الطالب: لأن الصلاة التي أحرم بها ما كان فيها شرط الوضوء.
الشيخ: يعني لم تنعقد.
الطالب: لم تنعقد.
الشيخ: زين، نقول: هنا له أن يصلي قصرًا، ليش؟ لأنه تَبَيَّن أن صلاته خلف هذا الإمام لم تنعقد.
في هذه الصورة أحدث في أثناء الصلاة، ثم بعد ذلك ذهب يتوضأ، فجاء فوجدهم قد صلوا، فهل يصلي أربعًا أو ركعتين؟
طالب: على قول المؤلف أنه يتم الصلاة، وجب عليه أن يصلي أربعًا؛ لأنه يجب عليه إعادة ما أتم من الصلاة، والقول الراجح أنه يصلي ركعتين؛ لأن التبعية هنا زالت.
الشيخ: نعم، أحسنت.
قال المؤلف ﵀: (أو لم يَنْوِ القصر عند إحرامها).
المسألة الثامنة مما يجب فيه الإتمام: إذا لم يَنْوِ القصر عند إحرامها، يعني: رجل دخل في صلاة الظهر وهو مسافر، لكن على العادة نوى صلاة الظهر، ولم يستحضر تلك الساعة أنه مسافر لينويها ركعتين، فماذا يلزمه؟
يقول المؤلف: يلزمه أن يتم، وهذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن ينوي الإتمام.
الصورة الثانية: أن ينوي القصر.
الصورة الثالثة: أن ينسى، ما على باله لا قصر ولا إتمام.
[ ١ / ٢١٨٢ ]
فإذا نوى الإتمامَ لزمه الإتمام، على رأي من يرى جواز إتمام المسافر.
وإذا نوى القصر قصر، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». (٢١)
وإذا لم يَنْوِ هذا ولا هذا، لم يَنْوِ القصر ولا الإتمام، فالمؤلف يرى أنه يتم، وعلَّلُوا ذلك بأن هذا هو الأصل، الأصل وجوب الإتمام، فإذا لم يَنْوِ القصر لزمه الأصل، وهو الإتمام، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا لم يَنْوِ القصر قَصَرَ؛ لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، وما دُمْنَا نُعَلِّل بأنه الأصل فنقول: ما هو الأصل في صلاة المسافر؟ القصر، إذن يقصر وإن لم يَنْوِ.
وهذا يقع كثيرًا، يكبِّر الإنسان في الصلاة الرباعية وهو مسافر، ولا يخطر على باله القصر، لكن بعدما يُكَبِّر ويقرأ الفاتحة أو يركع أو ما أشبه يذكر أنه مسافر، فينوي القصر، على كلام المؤلف يجب عليه الإتمام.
والصحيح أنه لا يلزمه الإتمام، بل يقصر؛ لأنه الأصل.
التاسعة: قال: (أو شك في نيته)، شك في نيته، أي: في نية القصر، يعني: شك هل نوى القصر أم لم يَنْوِ؟ فيلزمه الإتمام، وهذه المسألة غير المسألة الأولى؛ الأولى جزم بأنه لم يَنْوِ، الثانية شك هل نوى أم لا، فيرى المؤلف أنه يلزمه الإتمام، العلة لأن الأصل عدم النية.
وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق: أن مَن شك في وجود شيء أو عدمه فالأصل العدم، فهنا شك هل نوى القصر أم لا، نقول: الأصل عدم النية، وإذا لم يَنْوِ القصر لزمه الإتمام.
ووجوب الإتمام في هذه المسألة أضعف من وجوب الإتمام في المسألة التي قبلها، وهي: إذا جزم بأنه لم يَنْوِ، فإذا كان القول الصحيح في المسألة الأولى أنه يقصر كان القول بجواز القصر في هذه المسألة من باب أولى.
وعلى هذا فنقول: إذا شك هل نوى القصر أو لم يَنْوِهِ، فإنه يقصر، ولا يلزمه الإتمام؛ لأن الأصل في صلاة المسافر هو القصر.
[ ١ / ٢١٨٣ ]
المسألة العاشرة: قال: (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام).
(أو نوى) أي: المسافر، (إقامة أكثر من أربعة أيام) في أي مكان كان، سواء نوى الإقامة في البر، أو نوى الإقامة في بلد، إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام في مكان لزمه أن يتم.
إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام في البلد؛ كرجل سافر إلى العمرة، ونوى أن يقيم في مكة أسبوعًا، فيلزمه الإتمام؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
مثال الإقامة في غير بلد: رجل مسافر انتهى إلى غدير، أتعرفون الغدير؟ مجتمع مياه السيول، فأعجبه المكان فنزل، وقال: سأبقى في هذا المكان؛ لأن الجو معتدل، والوقت ربيع، سأبقى لمدة أسبوع في هذا المكان، يلزمه أن يتم؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
هل هو مسافر أو غير مسافر؟
طلبة: مسافر.
الشيخ: هو مسافر لا شك، ولم يَنْوِ الإقامة إلا خمسة أيام فقط، ثم يرجع لأهله، أو أسبوعًا ثم يرجع لأهله، فهو مسافر.
ما الدليل على أنه يقصر في هذه المدة، ويتم فيما زاد على أربعة أيام؟
الدليل على هذا هو أن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع، قدمها يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء، وخرج يوم الخميس إلى منى، فأقام في مكة أربعة أيام يقصر الصلاة (٢٢).
إذن نأخذ من هذا أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام فإنه يقصر؛ لفعل النبي ﷺ، ونحن نعلم علم اليقين أن الرسول ﷺ قد عزم على أن يبقى هذه الأيام الأربعة.
لماذا عَلِمْنَا؟ لأنه قدم إلى الحج، ولا يمكن أن ينصرف قبل الحج، إذن فضروري أنه نوى إقامة أربعة أيام.
فإذا قال قائل: إقامة النبي ﷺ هذه الأيام الأربعة هل وقعت اتفاقًا؟ يعني بلا قصد، أو عن قصد؟
[ ١ / ٢١٨٤ ]
فالجواب: أنها وقعت اتفاقًا بلا شك، يعني أن رحلته ﵊ صادفت القدوم في اليوم الرابع من ذي الحجة؛ لأنه لم يَرِد عنه أنه قال: إننا سنقدم في اليوم الرابع، أو حدد يومًا معينًا للقدوم حتى نقول: إن هذا القدوم وقع عن قصد، لكنه وقع كما يقع للمسافر، يقدم قبل بيوم أو بعد بيوم كما هي العادة.
فإذا قال قائل: ألا يمكن أن نقول: إنه لو أقام خمسة أيام يقصر، ما دمتم قلتم: إنه وقع اتفاقًا لا قصدًا؟
قلنا -بلسان المؤلف ﵀-: الأصل أن إقامة المسافر في أي مكان تقطع السفر، هذا الأصل عندهم؛ لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضحوة أو عشية، أما أن ينزل أكثر من ذلك فإن هذا خلاف الأصل، فإذا كان الأصل أن المسافر إذا أقام في البلد، أو في مكان غير البلد، الأصل أن إقامته تقطع السفر، فنقول: سُمِح بالأيام الأربعة؛ لأن النبي ﷺ أقامها ولم ينقطع السفر في حقه ..
أو مَلَّاحًا معه أهلُه لا يَنْوِي الإقامةَ ببَلَدٍ لَزِمَه أن يُتِمَّ.
وإن كان له طريقان فَسَلَكَ أبعدَهما، أو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في آخَرَ قَصَرَ، وإن حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أَقامَ لقَضاءِ حاجةٍ بلا نِيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أَبَدًا.
قلنا بلسان المؤلف ﵀، قلنا: الأصلُ أنَّ إقامةَ المسافرِ في أيِّ مكانٍ تقطع السفر، هذا الأصلُ عندهم؛ لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضَحْوةً أو عَشِيَّةً، أمَّا أن ينزل أكثر من ذلك فإنَّ هذا خلافُ الأصلِ، فإذا كان الأصلُ أنَّ المسافر إذا أقام في البلد أو في المكان غيرِ البلدِ الأصلُ أن إقامتَه تقطع السفر؛ فنقول: سُومِح في الأيام الأربعة؛ لأن النبي ﷺ أقامها ولم ينقطع السفرُ في حقِّه، وقَصَر، فيبقى ما زادَ عليها على القاعدة؛ وهي أنَّ الأصلَ أنَّ المسافرَ إذا وَصَلَ إلى بلدٍ، الأصل فيه أنه ينقطع سَفَرُه.
[ ١ / ٢١٨٥ ]
فإذا كان هو الأصلَ نقول: خولِفَ فيما كان أربعةَ أيامٍ بفِعْل الرسول ﵊، فيبقى ما عداه على الأصل؛ وهو المنعُ من الترخُّص، ووجوبُ الإتمامِ، وامتناعُ المسحِ على الخفَّينِ أكثر من يومٍ وليلةٍ، ومنعُ الإفطار في رمضان، المهم جميعُ أحكامِ السفرِ تنقطع إلَّا حكمًا واحدًا فإنه يبقى، وهو صلاة الجمعة؛ فإن صلاة الجمعة تَلْزم هذا الرجل، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها، ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا أن يَتِمَّ به العدد على القول باشتراط العدد، فصار هنا مسافرًا من وجْهٍ، مقيمًا من وجْهٍ؛ ففي الجمعة ليس من المقيمين؛ لأنها لا تنعقد به الجمعة، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا تسقطُ عنه، بلْ تجب عليه، فيما عدا ذلك حُكْمه حُكْم المقيم، لكنْ في الجمعة لا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وهذه المسألةُ من مسائل الخلاف التي كثرتْ فيها الأقوالُ؛ فقد زادت الأقوالُ فيها على عشرين قولًا لأهل العلم ﵏، وسببُ ذلك أنه ليس فيها دليلٌ فاصلٌ ينقطع به النزاع، فلهذا اضطربت فيها أقوال أهل العلم، فأقوال المذاهب المتبوعة هي:
أولًا: مذهب الحنابلة ﵏؛ المشهور عندهم أنه إذا نَوَى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ انقطعَ حُكم السفر في حقِّه ولَزِمه الإتمامُ، لكنْ لا ينقطع بالنسبة للجمعة؛ لأن الجمعة يُشترط فيها الاستيطانُ، وهذا غيرُ مستوطِن. وبناءً على هذا القول ينقسم الناس إلى: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ.
المسافرُ أحكامُ السفرِ في حقِّهِ ثابتةٌ.
والمستوطِنُ أحكامُ الاستيطان في حقِّه ثابتةٌ، ولا يُستثنى من هذا شيءٌ.
والمقيمُ غيرُ المستوطِن تثبتُ في حقِّه أحكامُ السفر من وجْهٍ وتنتفي من وجْهٍ آخر.
[ ١ / ٢١٨٦ ]
لكن هذا التقسيم يقول شيخ الإسلام: إنه ليس عليه دليلٌ لا من الكتابِ ولا من السُّنةِ ولا من الإجماعِ. تقسيمُ الناسِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ، هذا لا دليل عليه.
القول الثاني من أقوال المذاهب المتبوعة، يقول: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ فأكثر فإنه يَلْزمه الإتمام، لكنْ لا يُحسَب منها يومُ الدخول ويومُ الخروج، وعلى هذا تكون الأيام؟
طلبة: ستة.
الشيخ: ستة؛ يومُ الدخولِ، ويومُ الخروجِ، وأربعةٌ بينهما. وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي.
القول الثالث: إذا نَوَى إقامة أكثر من خمسةَ عشَرَ يومًا أتَمَّ، وإنْ نَوَى دونها قَصَرَ. وهذا مذهبُ أبي حنيفة ﵀.
فيه أيضًا مذاهب أُخرى لا حاجةَ لنا بها؛ لأنها مذاهبُ فرديَّةٌ؛ مثل ما ذَهَبَ إليه ابنُ عباس ﵄ بأنه إذا نَوَى إقامةَ تسعةَ عشَرَ يومًا قَصَرَ، وما زادَ فإنه لا يَقصُر (١).
[ ١ / ٢١٨٧ ]
ولكنْ إذا رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهرُ الكتابِ والسُّنةِ وجدْنا أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ هو القول الصحيح؛ وهو أن المسافرَ مسافرٌ، سواء نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ أو دونها؛ وذلك لعموم الأدلَّة الدالَّة على ثبوتِ رُخَصِ السفرِ للمسافر بدون تحديدٍ؛ لم يحدِّد النبي ﵊، بلْ لم يحدِّد اللهُ في كتابه ولا رسولُه ﷺ المدةَ التي ينقطع بها حُكم السفر؛ ففي القرآن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا عامٌّ يشمل كلَّ ضاربٍ، ومن المعلوم أن الضربَ في الأرض أحيانًا يحتاج إلى مدَّةٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فالذين يضربون في الأرض للتجارة -مَثَلًا- هل التاجر يكفيه أن يُقيم أربعةَ أيامٍ فأقلَّ في البلد؟
ربما يكفيه وربما لا يكفيه، قد يكفيه يومٌ واحدٌ يُصفِّي ويمشى، وقد تكون السلعة ثقيلة المشي يتأخر أربعة أيامٍ، خمسةَ أيامٍ، عشرةَ أيامٍ، وقد يكون هو يطلبُ سلعةً لا تَحْصل في أربعة أيام يجمعها من هنا وهناك، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ عامَّة؛ ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾.
[ ١ / ٢١٨٨ ]
والنبي ﷺ أقام مُدَدًا مختلفة يَقْصُر فيها؛ فأقام في تبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عامَ الفتح تسعةَ عشَرَ يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عام حجَّة الوداع عشرة أيامٍ يقصُر الصلاة؛ لأن أَنَسًا سُئِل ﵁: كمْ أقمتم في مكة؟ -يعني في حجَّة الوداع- قال: أقَمْنا بها عشرًا (٢). لأنه أضاف أيامَ الحجِّ إلى الأيام المتقدمة؛ يعني إلى الأيام الأربعة، ومن المعلوم أن النبي ﵊ قدم مكة في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وخرج في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، فتكون الإقامة عشرة أيام.
فإن قال قائل: ما تقولون في دليل من يَرَى أنه إذا أقام أكثر من أربعة أيامٍ لَزِمه الإتمام، وهو الاحتجاج بأن الرسول ﷺ أقام أربعة أيامٍ قبل أن يخرج إلى مِنى؟
[ ١ / ٢١٨٩ ]
فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا دليلٌ عليهم وليس دليلًا لهم، هو في الحقيقة دليلٌ عليهم لِمَنْ تأمَّله وليس دليلًا لهم؛ لأن النبي ﷺ قَدِم مكةَ في اليوم الرابع كما قلنا اتفاقًا، ولا أحد يشكُّ في هذا، وهل عندنا دليلٌ على أنه لو قَدِم في اليوم الثالث أتَمَّ؟ ما فيه دليل، بلْ نعلم أن النبي ﷺ يعلم بأن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع؛ يعني ليس كل الحجاج لا يقدمون إلا من الرابع فأقل؛ يقدمون قبل الرابع، يقدمون في أول ذي الحجة، في ذي القعدة، في شوال؛ لأن أشهر الحج تبتدئ من شوال، ولم يقُل للأمَّة: من قَدِم مكةَ قبل اليوم الرابع فلْيُتِمَّ. ومن المعلوم لو كانت شريعة الله أن مَن قَدِم قبل اليوم الرابع من ذي الحجة إلى مكة لَزِمه أن يُتِمَّ، لو كانت هذه شريعةَ الله لَوَجَبَ على النبي ﷺ أن يُبيِّنها لدُعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، فلما لم يبيِّن ولم يقلْ للناس: مَنْ قدم قبل اليوم الرابع فإنه يلزمه الإتمام، عُلِم أنه لا يَلْزمه، فيكون هذا الحديث دليلًا على أنه لا يَلْزم الإتمامُ مَن نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيام.
ثم نقول: سبحان الله! أربعة أيامٍ كمْ مِن ساعة؟
طالب: ستٌّ وتسعون.
الشيخ: ستٌّ وتسعون ساعة. نقول: مَن نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين ساعةً فله أن يقصُر، ومَن نوى إقامة ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر دقائق فليس له أن يقصُر؛ لأن الأولَ مسافرٌ والثانِيَ غيرُ مسافرٍ؛ مقيمٌ، أين هذا التحديد في الكتاب والسُّنة حتى نقول بأنه واجب؟
[ ١ / ٢١٩٠ ]
والصلاةُ -كما نعلم- أعظمُ أركانِ الإسلامِ بعد الشهادتين، فكيف نقول للأمَّة: هذا الرجل الذي نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر دقائق لو قَصَر قُلنا: صلاتك باطلة؟ ! مسألةٌ عظيمةٌ ما هي هيِّنة، ومِثْل هذا لا يمكن أن يُترك بلا بيان، وتَرْك البيان بيانٌ في الحقيقة؛ تَرْك البيان في موضعٍ يحتاج إلى البيان يُعتبر بيانًا؛ إذ لو كان خلافَ الواقعِ والواجبِ لبُيِّن، وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أن المسافرَ مسافرٌ ما لم ينوِ واحدًا من أمرينِ: الإقامة المطْلقة، أو الاستيطان.
والفرق بينهما أن (الاستيطان) ينوي أن يتَّخذ هذا البلدَ وطنًا، انتهى، طلَّق جميع البلدان سِوَاه بالثلاث واتَّخذ هذا البلدَ وطنًا.
(الإقامة المطْلقة) أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركةَ فيه كبيرةٌ أو طلب العلمِ فيه قويٌّ، فينوي الإقامة مطْلقًا بدون أن يقيِّدها بزمنٍ أو بعملٍ، لكن نيَّته أنه مقيمٌ؛ لأن البلد أجاز له إمَّا بكثرة العلم، أو بقوَّة التجارة، أو إنسان موظَّف للحكومة ووضعته هنا كالسُّفراء مثلًا، الأصل عَدَم السفر في هذا ولَّا السفر؟ عَدَم السفر؛ لأنه نوى الإقامة، فنقول: هذا ينقطع حُكم السفر في حقِّه. أمَّا من قيَّد الإقامةَ بعملٍ ينتهي أو بزمنٍ ينتهي فهذا مسافرٌ ولا تتخلَّف أحكام السفر عنه.
[ ١ / ٢١٩١ ]
ثم إننا إذا تأمَّلنا القولَ بأنه تنقطع أحكامُ السفر إذا نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيامٍ وجدْنا هذا القول متناقضًا، وجْهُ التناقض ذكرناه قبل قليلٍ؛ أنه في الجمعة في حُكم المسافرين، وفي غير الجمعة في حُكم المقيمين، أين هذا التفصيل؟ ! فمِثْل هذه الأمور تحتاج إلى دليلٍ وتوقيفٍ، ولهذا ما أَحْسنَ قولَ صاحبِ المغني ﵀ لَمَّا ذكر أن تحديد السفر بالمسافة مرجوحٌ؛ قال: إن التحديد توقيفٌ، حدٌّ من حدود الله يحتاج إلى دليلٍ، فأيُّ إنسانٍ يحدِّد شيئًا أطْلقه الشارعُ فعليه الدليل، أيُّ إنسانٍ يخصِّص شيئًا عمَّمَه الشارعُ فعليه الدليل. لماذا يا إخوان؟ لأن التقييد زيادةُ شرطٍ، والتخصيص أيضًا إخراجُ شيءٍ من نصوص الشارع، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُضيف إلى ما أطْلقه الشارع شرطًا، ولهذا قلنا في المسح على الخفَّينِ: الصحيح أنه لا يُشترط فيه ما اشترطه الفقهاء من كونه ساترًا لمحلِّ الفرض بحيثُ لا يتبيَّن فيه ولا موضع الخَرْز، وقُلنا: إن ما سُمِّي خُفًّا فهو خُفٌّ، سواءٌ كان مُخرَّقًا أو كان رقيقًا أو ثخينًا أو سليمًا؛ لأن الشرع إذا أَطْلق شيئًا فلا يحلُّ لنا أن نقيِّده، كما أنه إذا عمَّمَ شيئًا لا يحل لنا أن نُخرِج بعضَ أفراده بتخصيصٍِ إلا بدليل، ولنا في هذه المسألة رسالةٌ كتبناها أظن في عامِ ألْفٍ وأربعِ مئةٍ وخمسةٍ تقريبًا، ربما -إن شاء الله- نقرؤها في الدرس القادم لأنها مفيدةٌ جدًّا، وتُبيِّن مَن اختارَ هذا القولَ من العلماء؛ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، شيخنا عبد الرحمن بن سعدي، الشيخ محمد رشيد رضا، وبعضُ الإخوان المتخرِّجين من الجامعة الإسلامية كتبوا في هذا مُؤَلَّفًا، وعلى كلِّ حالٍ نحن لا نعرف الحقَّ بكثرة الرجال، إنما نعرف الحقَّ بموافقة الكتاب والسُّنة.
[ ١ / ٢١٩٢ ]
طالب: يُجيز الفقهاء خمسةَ عشَرَ يومًا، وأربعةَ أيامٍ، وهم يقولون: مَن () إقامة رسول الله ﷺ عشرين يومًا، والجواب عن هذا هم يقولون: كلُّ مَن نَوَى خمسةَ عشَرَ يومًا ولَّا أربعةَ أيامٍ نَوَى يُتِمُّ الصلاةَ، ومَن لم يَنْوِ ولو كان سكن في مَحَلٍّ واحدٍ سَنَةً كاملةً؛ يعني يقول: بُكرة وبَعده، ومضى عليه سنة ..
الشيخ: هذه إن شاء الله ستأتينا في كلام المؤلف
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
هذه إحدى المسائلِ الأربعةِ التي كتبها أبو البراء غسَّانُ بن يوسفَ البرقاوي في القصر.
(المسألة الرابعة: مقدار المدة التي يَقصُر فيها المسافر سائرًا كان أمْ لبِثَ لقضاء حاجةٍ ولم يستوطِن المكانَ).
قال: (يَقصُر المسافرُ الصلاةَ ما دام غائبًا عن بلده الذي اتخذه موطنًا وفي نيَّته الرجوعُ إليه ولو بعد حينٍ، سواءٌ أكان شاخصًا سائرًا، أو أقام في بلدٍ آخر مدَّةً معلومة لَدَيْهِ عددُ أيامها ولو لبِثَ سنين ما لم يتخذْه موطنًا، أو لم يكنْ يعلم المدَّةَ وفي نفْسِه يقول: اليوم أَخرُجُ، غدًا أَخرُجُ).
الشيخ: المسألةُ الآن معلومةٌ أظنُّ.
الطالب:
(الأدلَّة على ذلك:
أولًا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجْنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلَّى ركعتينِ ركعتينِ حتى رَجَعَ. قلتُ: كم أقام بمكة؟ قال: عَشْرًا (٣).
ثانيًا: عن ابن عباسٍ ﵁ قال: سافرَ رسول الله ﷺ فأقام تسعَ عشرةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ. قال ابن عباس: فنحن إذا سافرنا فأقمْنا تسعَ عشرةَ صلَّينا ركعتينِ ركعتينِ، فإذا أقمْنا أكثرَ مِن ذلك صلَّينا أربعًا (٤).
[ ١ / ٢١٩٣ ]
ثالثًا: عن أبي فروة الهمْدانيِّ، قال سمعتُ عونًا الأزديَّ قال: كان عُمر بن عبيد الله بن مَعْمرٍ أميرًا على فارسٍ، فكتب إلى ابن عمر يسأله عن الصلاة، فكتب ابنُ عمر: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا خرج من أهله صلَّى ركعتينِ حتى يرجعَ إليهم (٥).
رابعًا: عن ثُمامةَ بنِ شراحيلَ قال: خرجتُ إلى ابن عمر فقلْنا: ما صلاةُ المسافر؟ فقال: ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا صلاةَ المغربِ ثلاثًا. قلتُ: أرأيتَ إنْ كُنَّا بذي المجاز. قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكانٌ نجتمعُ فيه ونبيعُ فيه، ونَمْكثُ عشرين ليلةً أو خَمسَ عشرةَ ليلةً. قال: يا أيها الرجل، كنتُ بأذربيجانَ -لا أدري قال: أربعةَ أشهرٍ، أو: شهرينِ- فرأيتهم يصلُّونها ركعتينِ ركعتينِ، ورأيتُ نبِيَّ الله ﷺ نُصْبَ عيني يصلِّيهما ركعتينِ ركعتينِ. ثم نزع هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ حتى فرغ من الآية (٦).
خامسًا: عن بِشْر بن حربٍ قال: سألتُ ابن عمر: كيف صلاةُ المسافرِ يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: إمَّا أنتم تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم ﷺ أخبرتُكم، وإمَّا أنتم لا تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم لم أُخبِرْكم. قال: قلنا: فخيرُ السُّنن سُنَّةُ نبيِّنا ﷺ يا أبا عبد الرحمن. فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خَرَجَ من هذه المدينةِ لم يَزِدْ على ركعتينِ حتى يرجع إليها (٧).
سياقُ أقوال جماعةٍ من العلماء ذهبوا إلى ما ذكرْنا:
[ ١ / ٢١٩٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأمَّا من تبيَّنتْ له السُّنةُ وعَلِم أن النبي ﷺ لم يشرع للمسافر أن يصلِّي إلا ركعتين، ولم يَحُدَّ السفرَ بزمانٍ أو بمكانٍ، ولا حدَّ الإقامةَ أيضًا بزمنٍ محدودٍ؛ لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عَشَرَ، ولا خمسةَ عَشَرَ؛ فإنه يَقصُر كما كان غيرُ واحدٍ من السلف يفعل، حتى كان مسروقٌ قد ولَّوْه ولايةً لم يكنْ يختارها، فأقام سنين يقصُر الصلاةَ (٨)، وقد أقامَ المسلمون بنهاوندَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاةَ، وكانوا يقصُرون الصلاةَ مع علمهم أنَّ حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيامٍ ولا أكثر، كما أقامَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه بعد فتْحِ مكةَ قريبًا من عشرين يومًا يقصُرون الصلاةَ (٩)، وأقاموا بمكة عشرة أيامٍ يُفطرون في رمضان (١٠)، وكان النبي ﷺ لَمَّا فَتَحَ مكةَ يعلم أنه يحتاج أن يُقيم بها أكثر من أربعة أيامٍ، وإذا كان التحديدُ لا أصل له فما دام المسافرُ مسافرًا يقصُر الصلاةَ ولو أقام في مكانٍ شهورًا، والله أعلم.
انتهى، مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
وقال العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ بعد حديث ثُمامة: وهذا الحديثُ يدلُّ على أن السفر لا ينقطعُ بإقامةِ مدَّةٍ معيَّنةٍ في جِهَةٍ واحدةٍ أيًّا كانت المدَّةُ؛ طالتْ أو قصُرتْ، وتوجيهُ الاستدلال دقيقٌ جدًّا وقد يخفى على بعض الناظرينَ، ولذلك حَذَفَ المجدُ آخرَه المرفوعَ حين ذَكَره في المنتقى مكتفيًا بالأثر عن ابن عمر، والموقوفُ ليس حجَّةً وحدَه، والمرفوعُ الذي حَذَفَه ليس نصًّا في الموضوع.
[ ١ / ٢١٩٥ ]
ووجْهُ الاستدلال أن ابن عمر أجاب سائله إذْ سأله عن طُولِ مُكْثِ المسافرِ في مكانٍ بعينه؛ لأنه هو والصحابةُ الذين كانوا بأذربيجانَ أقاموا مدَّةً أطولَ من هذه شهرينِ أو أربعةَ أشهرٍ في هذه الرواية، فكانوا يقصرون، ثم وكَّد الاستدلالَ بأنه رأى النبي ﷺ يقصُر في السفر، فكأنه يقول للسائل: ثَبَتَ مِن فِعْل رسولِ الله ﷺ القصرُ في السفر، ولم يثبتْ لديهم أنه جَعَلَ لذلك حدًّا معيَّنًا فيما إذا أطال المسافرُ الْمُكْثَ في مكانٍ ما، وأنَّه هو ومَنْ معه من أصحاب رسول الله ﷺ أخذوا هذا على إطلاقه فأطالوا المكثَ وقَصَرُوا، وأنه لو كان عند واحدٍ منهم سُنَّةٌ في تحديد وقتٍ معيَّنٍ للمُكْثِ لَمَا سَكَتَ على ذلك ولَأَبانَهُ لهم حتى لا يُصَلُّوا صلاةَ المسافرين، وهذا قويٌّ دقيقٌ فيما أرى. انتهى من تحقيق أحمد شاكر على المسند.
وقد أفتى بذلك من التابعينَ أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، واسمُه: رُفَيْعُ بن مِهرانَ البصريُّ؛ قال عثمانُ الطويلُ عن أبي العالية الرِّياحيِّ قال: خطبنا أبو بكر فقال: قال رسول الله ﷺ: «لِلْمُقِيمِ أَرْبَعٌ، وَلِلظَّاعِنِ رَكْعَتَانِ، مَوْلِدِي بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرِي بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَصَاعِدًا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا» فقلتُ لرُفَيْعٍ: إني آتي البلدَ فأُقيمُ به شهرينِ أفأقصُر الصلاةَ. قال: نعم، وإنْ أقمتَ به خمسين سَنَةً حتى ترجع إلى قارِّكَ (١١).
[ ١ / ٢١٩٦ ]
قال الشيخ السيِّد سابق حفظه الله: المسافر يقصُر الصلاةَ ما دام مسافرًا، فإنْ أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها قَصَرَ الصلاةَ كذلك لأنه يُعتبر مسافرًا، وإنْ أقام سنين فإنْ نَوَى الإقامةَ مدَّةً معيَّنةً فالذي اختاره ابن القيم أن الإقامةَ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أمْ قصُرتْ ما لم يستوطن المكانَ الذي أقامَ فيه، وللعلماء في ذلك آراء كثيرة لَخَّصها ابنُ القيم. انتهى من كتاب فقه السُّنة.
ردُّ شُبَهِ المخالفين:
قال العلامة ابن القيم ﵀: أنَّه ﷺ أقامَ بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ (١٢)، ولم يقُل للأمَّة: لا يقصُر الرجُلُ الصلاةَ إذا أقام أكثر من ذلك. ولكن اتَّفقتْ إقامتُه هذه المدَّة، وهذه الإقامةُ في حالِ السفرِ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أو قصُرتْ إذا كان غير مستوطِنٍ ولا عازمٍ على الإقامة بذلك الموضع.
وقد اختلفَ السلفُ والخلَفُ في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ ففي صحيح البخاري (١٣) عن ابن عباسٍ ﵁ قال: أقامَ رسولُ الله ﷺ في بعض أسفاره تسْعَ عشرةَ يُصلِّي ركعتينِ، فنحن إذا أقَمْنا تسعَ عشرةَ نُصلِّي ركعتينِ، وإذا زِدْنا على ذلك أتْمَمْنا.
وظاهر كلام أحمد أن ابن عباسٍ أراد مدَّةَ مُقامه بمكة زمنَ الفتح؛ فإنه قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثمانَ عشرةَ زمنَ الفتحِ; لأنه أراد حُنَيْنًا ولم يكنْ، ثُمَّ أجْمَعَ الْمُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس.
وقال غيره: بلْ أرادَ ابنُ عباسٍ مُقامَه بتبوكَ؛ كما قال جابر بن عبد الله: أقامَ النبيُّ ﷺ بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ. رواه الإمام أحمد (١٤).
وقال عبد الرحمن بنُ الْمِسْورِ بن مخرمة: أقمْنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشام أربعين ليلةً يقصُرها سعدٌ ونُتِمُّها (١٥).
[ ١ / ٢١٩٧ ]
وقال نافعٌ: أقامَ ابنُ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يُصلِّي ركعتينِ، وقد حَالَ الثلْجُ بينه وبين الدخول.
وقال حفص بن عبيد الله: أقامَ أنسُ بن مالكٍ بالشام سنتينِ يُصلِّي صلاة المسافر (١٦).
وقال أنس: أقامَ أصحابُ رسول الله ﷺ برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاة (١٦).
وقال الحسن: أقمتُ مع عبد الرحمن بن سَمُرَةَ بكابُلَ سنتينِ يقصُر الصلاةَ ولا يجمع (١٧).
وقال إبراهيم: كانوا يُقيمون بالرَّيِّ السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وسجستانَ السنتينِ.
فهذا هَدْيُ رسولِ الله ﷺ وأصحابِه كما ترى، وهو الصواب.
وأمَّا مذاهبُ الناسِ فقال الإمام أحمد: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ أتَمَّ، وإنْ نَوَى دونها قَصَرَ. وحَمَلَ هذه الآثارَ على أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابَه لم يُجمِعوا الإقامةَ البتَّةَ، بلْ كانوا يقولون: اليومَ نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نَظَرٌ لا يخفى؛ فإنَّ رسول الله ﷺ فَتَحَ مكةَ، وهي ما هي! وأقامَ فيها يؤسِّس قواعدَ الإسلام، ويهدم قواعدَ الشِّرك، ويمهِّد أمْرَ ما حولها من العرب، ومعلومٌ قطْعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيامٍ، لا يتأتَّى في يومٍ واحدٍ ولا يومينِ، وكذلك إقامته بتبوكَ؛ فإنه أقامَ ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطْعًا أنه كان بينه وبينهم عِدَّةُ مراحلَ يحتاج قطْعها إلى أيامٍ، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام.
وكذلك إقامةُ ابنِ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجْل الثلْج، ومن المعلوم أن مِثْل هذا الثلْج لا يتحلَّل ويذوب في أربعةِ أيامٍ بحيثُ تنفتح الطُّرُق.
وكذلك إقامةُ أنسٍ بالشام سنتينِ يقصُر الصلاةَ، وإقامةُ الصحابةِ برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون، ومن المعلوم أنَّ مِثْل هذا الحصار والجهاد يُعلم أنه لا ينقضي في أربعةِ أيامٍ.
[ ١ / ٢١٩٨ ]
وقد قال أصحابُ أحمد: إنه لو أقامَ لجهادِ عدوٍّ أو حبسِ سُلطانٍ أو مَرَضٍ قَصَرَ، سواءٌ غَلَبَ على ظنِّه انقضاءُ الحاجةِ في مدَّةٍ يسيرةٍ أو طويلةٍ. وهذا هو الصواب، لكنْ شَرَطوا فيه شرطًا لا دليل عليه مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا عملِ الصحابة؛ فقالوا: شَرْطُ ذلك احتمالُ انقضاءِ حاجتِهِ في المدَّة التي لا تقطع حُكمَ السفر، وهي ما دون الأربعةِ الأيامِ.
فيُقال: مِن أين لكم هذا الشرطُ؟ ! والنبيُّ لَمَّا أقامَ زيادةً على أربعة أيامٍ يقصُر الصلاةَ بمكة وتبوك ولم يقُل لهم شيئًا، ولم يبيِّن لهم أنه لم يَعْزِم على إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ، وهو يعلم أنهم يقتدونَ به في صلاته ويتأسَّوْنَ به في قَصْرِها في مدَّةِ إقامته، فلمْ يقُل لهم حرفًا واحدًا: لا تقصُروا فوق إقامةِ أربع ليالٍ. وبيانُ هذا من أهمِّ المهمَّات، وكذلك اقتداء الصحابة به بَعْده ولم يقولوا لِمَنْ صلَّى معهم شيئًا من ذلك.
ثم ساق -﵀- مذاهبَ جماعةٍ آخرينَ من أهل العلم، وما سبق يتضمَّن الردَّ عليهم. انتهى من زاد المعاد.
فوائد ومهمات:
الأولى: قال ابن القيم ﵀: والأئمَّة الأربعة متَّفقون على أنه إذا أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها يقول: اليومَ أخرجُ، غدًا أخرجُ، فإنه يقصُر أبدًا، إلَّا الشافعيَّ في أحد قولَيْهِ فإنه يقصُر عنده إلى سبعةَ عشَرَ أو ثمانيةَ عشَرَ يومًا ولا يقصُر بعدها، وقد قال ابنُ المنذر في إشرافه: أجمعَ أهلُ العلم أن للمسافر أن يقصُر ما لم يُجمِع إقامةً وإنْ أتى عليه سنون. انتهى من زاد المعاد.
الثانية: قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمدَّة التي في حديث أنسٍ يُستدَلُّ بها على من نوى الإقامةَ؛ لأنه ﷺ في أيام الحجِّ كان جازمًا بالإقامة تلك المدة. انتهى من فتح الباري.
[ ١ / ٢١٩٩ ]
الثالثة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والعلماء متنازِعون في المسافر؛ هلْ فرضُه الركعتانِ ولا يحتاج قَصْره إلى نِيَّةٍ أمْ لا يقصُر إلا بنِيَّةٍ، على قولَينِ؛ والأولُ قولُ أكثرِهم كأبي حنيفة ومالكٍ، وهو أحد القولينِ في مذهب أحمد؛ اختاره أبو بكرٍ وغيرُه، والثاني قولُ الشافعيِّ، وهو القولُ الآخَر في مذهب أحمد؛ اختاره الخرقي وغيرُه.
والأولُ هو الصحيحُ الذي تدلُّ عليه سُنَّةُ النبي ﷺ؛ فإنه كان يقصُر بأصحابه ولا يُعلِمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصُر، ولا يأمرهم بنيَّة القصر؛ ولهذا لَمَّا سلَّم من ركعتينِ ناسيًا قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أمْ نسيتَ؟ فقال: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». قال: بلى، قد نسيتَ (١٨). وفي رواية: «لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ» (١٩). ولم يقُلْ: لو قُصِرتْ لأَمَرتُكم أن تنوُوا القصْر. وكذلك لما جَمَعَ بهم لم يُعلِمهم أنه جَمْعٌ قبل الدخول، بلْ لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاةَ الأولى، فعُلِمَ أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأُولى كقول الجمهور، والمنصوصُ عن أحمد يوافق ذلك. انتهى من الفتاوى الكبرى.
الشيخ: مرَّ علينا أن الصحيح أن المسافر لا يحتاج إلى نيَّةِ القصْرِ لأنَّ الأصلَ أن صلاته ركعتانِ، وكذلك الجمعُ أيضًا إذا وُجِدَ سببُه فلا يحتاج إلى نيَّةِ الجمعِ، حتى لو كان لا يريد أن يجمع ثم لما سلم من الأولى هم بالجمع فيجمع ولا حرج.
***
الطالب:
الرابعة: حديثانِ ضعيفانِ أذكرهما للتنبيه:
[ ١ / ٢٢٠٠ ]
الأول: حديث ابن عباسٍ مرفوعًا: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ». هذا حديثٌ ضعيفٌ رواه الدارقطني (٢٠)، وعنه البيهقي (٢١) والطبراني (٢٢)، وقد ضعَّفه غيرُ واحدٍ؛ منهم البيهقيُّ، وابنُ الجوزيِّ، والحافظُ في الفتح، والصحيح أنه موقوفٌ على ابن عباسٍ كما رواه ابن أبي شيبة (٢٣) بلفظ: لا تقصُر إلى عرفةَ وبطنِ نَخْلةَ، واقصُر إلى عُسفانَ والطائفِ وجُدَّةَ، فإذا قدمتَ على أهلٍ أو ماشيةٍ فأتِمَّ. وسَنَدُهُ صحيحٌ، وانظر تفصيلَ الكلام على الحديث في إرواء الغليل للشيخ الألباني حفظه الله.
الثاني: حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: كان -يعني النبيَّ ﷺ- كان إذا سافرَ فرسخًا قَصَرَ الصلاةَ وأفطرَ. حديثٌ ضعيفٌ جدًّا، رواه ابن أبي شيبة (٢٤)، وعبد بن حميد (٢٥)، وسعيد بن منصور (٢٦)، من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد به، وأبو هارون اسمه عمارة بن جُوَين، وهو متروكٌ، ومنهم من كذَّبه كما في التقريب، ولم يُصِب الحافظ في سكوته عن الحديث في التلخيص، وانظر للكلام على الحديث إرواء الغليل.
الخامسة: مع قولنا بوجوب القصْرِ في السفر فإنَّ المسافر إذا ائْتَمَّ بمقيمٍ أتَمَّ، ومن الأدلة على ذلك ما رواه قتادةُ قال: سمعتُ موسى -وهو ابنُ سلمة- قال: قلتُ لابن عباسٍ: كيف أصلِّي بمكة إذا لم أُصَلِّ في جماعة؟ قال: ركعتينِ، سُنَّةُ أبي القاسم ﷺ (٢٧).
وعن الشعبي أن ابن عمر كان إذا كان بمكةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا أن يجمعه إمامٌ فيصلِّي بصلاته، فإن جَمَعَهُ الإمامُ يصلِّي بصلاته (٢٨).
السادسة: اقتداء المقيم بالمسافر؛ عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا قَدِم مكةَ صلَّى بهم ركعتينِ ثم يقول: يا أهل مكة، أتِمُّوا صلاتكم؛ فإنَّا قومٌ سَفْرٌ (٢٩).
خاتمة:
[ ١ / ٢٢٠١ ]
إذا كنتُ قد وُفِّقتُ فإنما هو فضْلُ اللهِ وله الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كان غير ذلك فأستغفرُ اللهَ العليَّ العظيمَ وأتوبُ إليه، وقولي قولُ الإمامِ الشافعيِّ ﵀: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي.
أمَّا أنتم إخواني -وخاصَّة مَنْ أقمتم للدراسة في بلادٍ غيرِ بلادِكم لم تتَّخِذوها وطنًا- فهذا البحثُ إنما كُتِبَ نُزولًا على رغبةِ بعضِكم، فاعملوا به مهما طالتْ إقامتُكم ما لم يَرِدْ نصٌّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، واعلموا أنه لا حَرَجَ في دينِ اللهِ، ولا يقبل عبادةً نعبدُهُ بها إلا ما شرع، وهذا هو تشريعه في السفر كما أن ذاك تشريعه في الحضَر كما تعلمون، عضُّوا عليها بالنواجذ، ولا تأبَهُوا بنَعْقِ المقلِّدين، ولا تأخذْكم في الله لومةُ لائمٍ ما دام همُّكم رضوانَ ربِّكم عنكم، واعلموا أننا في العصر الذي تحدَّث عنه ابن مسعودٍ ﵁ يقول: كيف أنتم إذا لبِستْكم فتنةٌ يَهْرَمُ فيها الكبيرُ، ويربو فيها الصغيرُ، ويتَّخِذُها الناسُ سُنَّةً، فإذا غُيِّرتْ يومًا قالوا: غُيِّرت السُّنَّةُ. قالوا: ومتى ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثُرتْ قُرَّاؤكم، وقَلَّتْ فقهاؤكم، وكثُرتْ أُمَراؤكم، وقَلَّتْ أُمَناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة (٣٠)، وهذا الخبر حُكمه الرفعُ، واعلموا أنه مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومَن ضلَّ فإنما يضِلُّ عليها، ولا عُذْرَ لكم عند الله في أن تعبدوه بغير دليلٍ مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، ومَن قلَّدتموه دِينَكم لنْ يُغْنوا عنكم من الله شيئًا، واللهُ كافٍ عبدَهُ، فما علِمْتموه حقًّا فقولوا: هذا الحقُّ من ربِّنا، فمَنْ شاء فلْيُؤمِنْ ومَن شاء فلْيكفرْ. وحَسْبُنا اللهُ ونِعْم الوكيلُ، سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك.
[ ١ / ٢٢٠٢ ]
كَتَبَهُ على عُجالةٍ العبدُ الفقيرُ إلى الله، راجي عَفْوِ ربِّه الكبيرِ المتعالِ أبو البراء غسَّان بن يوسف البرقاوي، وكان الفراغُ منه قُبَيْلَ عصرِ يوم الإثنينِ بقليلٍ في اثنين وعشرين من ذي القعدة سنة ١٤٠١ للهجرة.
***
طالب: ذكرْنا يا شيخ الآن الحكم يدور مع العِلَّة وجودًا وعدمًا، كيف نقول لشخصٍ يريد الإقامة مثلًا عشْرَ سنواتٍ نقول له: اقصُر، ونستدلُّ بفِعْل النبي ﷺ أنه أقام عشرين يومًا، مع أنه ما قال: إذا أقمتُ فوق العشرين يومًا فاقصُر، والنبيُّ ﷺ ما دام ما قال هذا، دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك.
الشيخ: الإنسان -مثلما قال الأخ- الإنسان اللِّي ما تطمئنُّ نفْسه لهذا القول لا حَرَجَ عليه أن يتبع هذا.
الطالب: لكن كيف يا شيخ نقول لشخص () سنة في أيِّ مكان، ولا زالت العلة، أقول: زالت العِلَّة؛ ما عنده مشقَّة ولا عنده تَعَب ()؟
الشيخ: المشقَّة ما هي بشرط باركَ الله فيك، الإنسان إذا سافر حلَّ له جميعُ رُخَصِ السفر ولو كان في آمَنِ ما يكون وفي أَرْيح ما يكون.
الطالب: لكنْ فيه سَفَر يا شيخ دون سَفَر؛ فيه سَفَر مثلًا فيه مشقَّة وفيه تَعَب ..
الشيخ: ما هو بشرطٍ يا أخي، لم يشترط الله إلَّا ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، والحمدُ لله ألغاها الله.
الطالب: ويش يكون نحن أفقه من ابن عباس وأحمد بن حنبل؟ !
الشيخ: على كلِّ حالٍ ما إحنا نبغي أفقه منهم، ولكننا نتبع على الأقل؛ نقلِّد رجُلًا عالِمًا فاضلًا معروفًا بالعلم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
طالب: لعلَّ مِن أقوى الأدلَّة اللِّي استُدِلَّ بها للقصْر فِعْل النبي ﷺ في أوقاتٍ متعدِّدةٍ ومُدَدٍ متعدِّدةٍ، وكان يقصُر، فوجَّهه مَنْ قال الرأي الثاني بأن النبي ﷺ ينتظر الوحي، ما يأتيه في أيِّ يوم، فما دام ينتظر الوحيَ ما يعرف كم مدته.
[ ١ / ٢٢٠٣ ]
الشيخ: وهلْ جاءه وحيٌ يقول له: امش؟
طالب: إي، هم يقولون: إن الرسول ﷺ لا يسير إلا بوحيٍ.
الشيخ: ما هو بصحيح.
الطالب: لأنه كان ينتظر.
الشيخ: لا، ذي دعوى، صعبة ذي صعبة، يعني الآن لو قيل لواحد: تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا لأجْل أن ينتظر الوحي؟ ما يقدر يشهد.
الطالب: ما هو بصحيح هذا؟
الشيخ: ما هو بصحيح؛ لأنه يحتاج إلى أنك تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا ينتظر الوحي، ثم ما هو الوحي الذي رخَّص له أن يسافر؛ يعني أنه يمشي؟ !
الطالب: كلُّ أفعالِ الرسول ﷺ كلُّها بوحيٍ من الله ﷿.
الشيخ: إمَّا أن يكون الوحيُ إقراريًّا إذا أقرَّه الله عُلِم أنه شَرْعُ اللهِ، أحيانًا قد لا يكون بوحيٍ مباشرٍ، قد يكون بالإقرار.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، على القول هذا إذا خافَ الإنسانُ -مَثَلًا- وهو يؤمُّ بعامَّةٍ، خافَ من البَلْبَلةِ وخافَ من القِيلِ والقالِ، هلْ يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة؟
الشيخ: واللهِ أحيانًا أقول: نَعَمْ، يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة، وأحيانًا أقول: إذا كان الرجلُ قُدوةًَ -يعني ما يُمْكن يتسلَّط عليه أحدٌ يقول مثلًا: إنه قاصرُ عِلْمٍ، أو ما أشْبَهَ ذلك- فلْيفعل السُّنة اللِّي يرى أنه سُنَّة، وإنْ تَرَكَهُ وأتَمَّ ما فيه مانع؛ هذا الذي يقول: إنه يجوز أن يقصُر، ليس يقول: إنه يجب، إلَّا عاد على رأي الأخ هذا يرى وجوبَ القَصْر، لكنْ إحنا نقول: ما هو بواجب، أصْل القَصْر ما هو بواجب.
ثم هذه المسألة أيضًا متى كان في نفْسك شكٌّ فدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، أمَّا إذا تبيَّنتْ لك السُّنة مثلما قال شيخ الإسلام: إذا تبيَّنتْ للإنسان السُّنة فلا وجْهَ للاحتياط، إنما الاحتياط في اتِّباع السُّنة.
[ ١ / ٢٢٠٤ ]
طالب: شيخ، بالنسبة لعَمَلِ الرسول ﷺ وما يتعلق بالنية؛ بالنسبة يعني أقام عشرين يومًا، يعني ما دامَ يكون الرجلُ هذا نِيَّتُهُ نِيَّةُ السفرِ ما احتاج أن الرسول ﷺ يشرح؛ لأنه جَلَسَ الرسول ﷺ عشرين يومًا، وهذا الرجُل الجالسُ عشرين يومًا أو أكثر مِن عشرين يومًا نِيَّته نِيَّة السفرِ، ما احتاج يكون كلام الأخ يقول: الرسول يشرح، أو يقول: كان -مَثَلًا- زِدتَ مِن عشرين أو زِدتَ مِن ..
الشيخ: هو على كلِّ حالٍ دليلُ هؤلاء يقولون: إن الرسول أقامَ إقاماتٍ مختلفةً؛ عشرين، تسعةَ عشَرَ، وأربعةَ أيامٍ، ومع ذلك ما قال للناس: مَن زاد على ذلك فلْيُتِمَّ، والعِلَّة هي وجودُ السفر.
طالب: بعضُ العلماء يا شيخ اختارَ أنه يُمْكن أن يكون للمسلم مَحَلَّانِ للإقامة، وبهذا القول نرتاح من مسألة اللِّي بيجلسوا سنين للدراسة أو للعمل، هل فيه اللِّي يدفع هذا القول؟
الشيخ: إي فيه؛ لأن الذين نووا الإقامةَ ما نووا الإقامةَ المطْلقةَ ولا نووا أن يتَّخذوا هذا البلدَ بلدًا لهم، الذي له مَحَلَّانِ مَثَلًا لو فرضْنا واحدًا له سَكَنٌ في الطائف في أيام الصيفِ، وسَكَنٌ في البلد الآخر في أيام الشتاء، هذا له وَطَنانِ مستقِرٌّ فيهما دائمًا، أمَّا الذي ذهب للدراسة فهو يقول: لو أُعطَى شهادتي اليومَ مَشَيْتُ. بينهما فرقٌ.
[ ١ / ٢٢٠٥ ]
ولهذا قُلنا: إنَّ مسألة السُّفَراء ما ينطبق عليها هذا الحكْم؛ لأن السُّفَراء بَقُوا على أصْلِ الإقامة ما لم يُنقَلوا؛ يعني ما حُدِّد بقاؤهم، الأصلُ أنهم باقونَ حتى يُنقَلوا، ولهذا في كلام ابن القيم ﵀ وكلام شيخ الإسلام قالا: ما لم يستوطِن أو يعزِم إقامةً. ومرادهم بالإقامة يعني الإقامة المطْلقة التي لا تحدَّد، فما حُدِّدَ بزمنٍ أو حُدِّدَ بعملٍ فإنه لا فَرْقَ بينهما، فكما أنهم يقولون: لو أقامَ من أجْلِ العلاجِ وهو يعرف أن علاجه هذا سيبقى سنواتٍ قالوا: إنه يقصُر أبدًا، حتى لو بَقِيَ أربعين سَنَةً ومات فهو يقصُر. فنحن نقول: كلُّ مَن قيَّدَ إقامتَه بعَمَلٍ أو مُدَّةٍ فإنه مسافرٌ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، بعض العلماء الذين قالوا: إنْ كان له زوجتانِ في بلدتينِ فإنه في كلِّ بلدةٍ يُتِمُّ. القول هذا يا شيخ ما رأيك؟
الشيخ: يعني يسكن في هذه وهذه؟
الطالب: لا، ما يسكن، بس يقولون: إذا كان له زوجتانِ -مثلًا- يأتي إلى هذه فترةً وإلى هذه ..
الشيخ: هذا معناه أنَّ له وطَنَينِ.
الطالب: بس ما يُقيم في هذه إلا قليلًا.
الشيخ: ما يخالف، لكنْ نسأله نقول: هل أنت اتَّخذْتَ هذا وطنًا؟ إذا قال: لا، إنه بس جاي يزور -مثلًا- زوجته ويرجع لبلده الأصلي صار مسافرًا.
الطالب: هذا عادةٌ عنده يا شيخ، عنده عادةٌ أن يأتي إلى هذه.
الشيخ: على كلِّ حالٍ هذا النيَّة نيَّتُه؛ إذا قال: واللهِ أنا أعتبر أن بيتي هنا هو كبيتي هنا، لكنني أُطِيل المقام في البيت الثاني لأن فيه أولادًا وفيه مدارس وما أشْبَهَ ذلك؛ صار له وطنانِ.
طالب: بالنسبة يا شيخ لإمامِ المسلمينَ؛ أَلَا تكون البلاد كلُّها التي تحت يده موطنًا له أو وطنًا له؟
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: فكيف النبيُّ ﷺ ..
الشيخ: ولذلك نحن نُورِد عليك؛ إمامُ الإئمَّةِ رسول الله ﵊ كان إذا خرج من المدينة يقصُر حتى يرجع إليها.
[ ١ / ٢٢٠٦ ]
طالب: وهذا اللي أسأل يا شيخ، هذا سؤالي.
الشيخ: قول بعض العلماء ..؛ لأن بعض العلماء اعتذرَ عن عثمان ﵁ أنه أتَمَّ في مِنًى لأنه كان خليفةً على المسلمين، وإمامُ المسلمين كلُّ اللي تحت إمْرتِهِ هو بَلَدٌ له، هذا غير صحيحٍ، نقول: هذا النبي ﵊ أقوى منه إمامةً، ومع ذلك كان يترخَّص.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بقية أحكام السفر كالفِطْرِ والمسْحِ على الخفَّينِ، يُسمَح له ولَّا؟
الشيخ: إي له كلُّها، لكن مسألة الصوم الذي أرى أنه لا يؤخِّرها إلى رمضان الثاني؛ لأن الصوم كما تعرفون ليس الإفطارُ فيه كالقَصْر، وأيضًا لو أخَّر شهرًا أو شهرينِ تراكمتْ عليه، ربما يعجز أو يتهاون فيضيع عليه الفرض.
طالب: ما دامت العِلَّة موجودة فيجوز أن يُفطر.
الشيخ: يجوز، لكنْ إذا كان يُخشى .. هو الأصْل أنه يجوز أنه يُفطر إلى أن يرجع إلى أهله، لكن نحن نقول: نخشى أنه إذا بَقِي خمسَ سنواتٍ صار عنده خمسة أشهر، فربما يصعب عليه ذلك ويتهاون، فدَرْءًا لهذه الْمَفْسَدة أنا أرى أنه لا يؤخِّره إلى رمضان الثاني، ولهذا كان الرسول ﵊ يصوم في السفر ويقصُر، فدلَّ هذا على أن تأكُّد الفِطْر ليس كتأكُّد القصر.
طالب: ما الفرق بين السُّفَراء والطلاب ()؟
الشيخ: الفرق بينهما: السفيرُ إذا عُيِّنَ في البلدِ فالأصلُ أنه مقيمٌ دائمًا؛ يعني ليس مِن عادة الحكومة أن تُعَيِّنَ السفيرَ لمدَّة أربع سنوات أو خمس سنوات ثم تنقله، لكن المقيم للدراسة يعرف أنه ما أقامَ إلَّا إلى حدِّ الدراسةِ فقط، هذا سواء جاء في أربع سنين أو في ثلاث سنين أو في أكثر.
طالب: بس السفير يا شيخ () فيه احتمال أن ().
الشيخ: فيه احتمال، لكنْ ويش الأصل؟ الاستقرار.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليكم، بعضُ الناس ما يحدِّد إقامةً، لكنْ يقول مَثَلًا: إذا تعلَّمتُ أرجعُ إلى أهلي، مَثَلًا، فهل هذا يُعتبر؟
[ ١ / ٢٢٠٧ ]
الشيخ: ما يستديم، هذا يُعتبر -الظاهر- أنه مستوطِن؛ لأن كلمة: إذا تعلَّمْتُ، ما بيحدِّد العلم.
طالب: العُمَّال -يا شيخ- يَسرِي عليهم ما سَرَى على الطُّلَّاب أو ما سَرَى على السُّفَراء؟
الشيخ: واللهِ الظاهر أنَّ العامل يُعطي فلوسًا لأجْل يجلس، والطالب يُعطي فلوسًا لأجْل يروح إن حصل له، فالعُمَّال الآن يحاولون -حَسَب الظروف الحالية- أنهم يبقون، فأنا أتوقَّف في هذه المسألة، أنا أرى أنَّ العُمَّال يجب عليهم أنهم يُتِمُّون؛ لأنهم لو حصل لهم .. وها هُمْ يحاولون أيضًا تمديدَ المدَّة.
طالب: ونحن الطلاب -على قول شيخ الإسلام- من كان مسافرًا فهو مسافر () نحن الطلاب جميعًا مسافرون إلا إخواني الذين ()، هل نحن نقصُر؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ()؟
الشيخ: () الإنسان لازم يحاول يُصلِّي مع الجماعة، هذه واحدة، لكنْ لو فاتتْه يُصَلِّي ركعتينِ.
طالب: والسُّنن؟
الشيخ: والسُّنن يتسنَّن، إحنا قلنا: ما فيه إلا سُنَّة المغرب والعِشاء والظُّهر، والباقي على الأصل.
طالب: ويُصلُّون بالناس؛ بأهل عنيزة مثلًا العوام () يصلِّي إمامًا.
الشيخ: إي، كنْ إمامًا، ما فيه مانع.
طالب: بس يقصُر يا شيخ؟
الشيخ: يعني قصْده يقصُر، هذه ترجع إلى قضية الأخ اللِّي سأل؛ يعني إذا كان يشوِّش على أحدٍ؛ إنْ خشيتَ أنك تشوِّش () ما فيه مانع.
طالب: لو كان الإمام راتبًا يا شيخ؟
طالب آخر: الآن اللِّي يسافر من دولة إلى دولة أخرى يا شيخ بموجب تأشيرة، ما نقول: إذا كانت التأشيرةُ إقامةً فيُتِمُّ، وإذا كانت الزيارة لمدَّة فيقصُر فيعتبر مسافرًا؟
الشيخ: طيِّب الإقامة هذه .. ما أعرفُ الفرقَ بينهما، الإقامة مدَّة محدَّدة الظاهر، الإقامة محدَّدة.
الطالب: الإقامة قابلة للتجديد، أمَّا الزيارة قابلة لمدَّة معيَّنة.
الشيخ: الظاهر أنَّ الإقامة محدَّدة أيضًا.
الطالب: محدَّدة لسَنَةٍ أو سنتينِ ..
[ ١ / ٢٢٠٨ ]
الشيخ: لكنْ أنا أقول: العُمَّال -مثلما قال الأخ- إنَّ العُمَّال يحاولون تمديدَ الإقامةِ، فهم يرغبون الإقامةَ المطْلقةَ لو حصل ..
طالب: ()؟
الشيخ: إي، ما يخالف.
طالب: بعضهم يأتون حتى يؤسِّس نفْسَه في بلده ..
الشيخ: أحسنتَ، إذَن يقصُر () حتى يمكن أنْ يتنزَّل على المذهب؛ الذي يقول: أنا سأُقيم لحاجةٍ متى انتهتْ رجعْتُ. وهادولا يقولون: نحن نُقيم إلى أن نجمع ما تقوم به حاجتُنا. يمكن يجمع بسهولة، يمكن يجمعها بشهر يمكن يجمعها بسنة، هذا حتى على المذهب يقصُرون.
طالب: إذَنْ يقصُرون يا شيخ؟
الشيخ: هذا على القواعد.
طالب: يا شيخ، لي رأي؛ هلْ هذه المسألة من المسائل المهمَّة جدًّا واللِّي الحقيقة يعني الواحد احتارَ فيها، أنا أقترح أنه يجمع أقوال -بالنسبة لنا كطلبةِ عِلْمٍ- يجمع أقوال الطرفينِ وأدلَّتَها، ونعرضها على الكتاب والسُّنة، ونشوف مَن أقوى أدلَّةً عسى تطمئنُّ قلوبنا.
الشيخ: هذا الواجب، لكن الأدلة -الحمد لله- محصورةٌ الآن.
الطالب: يعني نأخذ دليلَ مَنْ قال كذا، والدليل الثاني.
الشيخ: إي، طبعًا.
الطالب: ونشوف ويش الأدلَّة؛ اللِّي أَوْرد حديثًا -مثلًا- أقوى.
الشيخ: هو الآن ما فيه في السُّنةِ حديثٌ يحدِّد إطْلاقًا، أبدًا.
الطالب: طيِّب، نرى الأدلَّة.
الشيخ: زين، طيِّب، ما يخالف، الله يعينك، أنت أَوْلَى بها.
طالب: ما يخالف.
طالب آخر: لا () ننسى الأدلة يا شيخ.
الشيخ: أنا واللهِ -في الحقيقة- تعرفون، هذه المسألة ما هي واردة زمانِها، ما هي من الآن، يعني لنا أكثر من عشرين سَنَة.
الطالب: بس إنها عرضتْ لنا الآن.
الشيخ: أكثر من عشرين سَنَة ونحن نُفْتي بها، وراجعْنا كلام العلماء من قديمٍ وحديثٍ، وما تبيَّنَ لي إلا أن هذا هو السُّنة؛ أنه إذا لم يَنْوِ الإقامةَ المطْلَقةَ أو الاستيطانَ فإنه مسافرٌ.
الطالب: يقصد -سلَّمك الله- أنه ما نطلع مِن ها المسألة إلا قلوبنا اطمأنتْ.
[ ١ / ٢٢٠٩ ]
الشيخ: طيب، هذه من الممكن نقرأ الرسالة اللِّي إحنا كتبناها، أو الجواب اللِّي كتبناه، يمكن يتبيَّن.
طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال الأخ؛ يأتي يقول: متى تعلَّمتُ رجعتُ. ما هي لحاجةٍ متى انتهتْ حاجتُه يرجع، فيقصُر؟
الشيخ: لا، بس العِلْم معروف أنه ما بيتعلَّم بيوم وليلة.
الطالب: قد يطول لسنتينِ.
الشيخ: إي، لكنْ بس ما هو مِثْل أن يقول: حاجتي. ربما حاجته يقضيها بيومٍ ويرجع، أمَّا العِلْم ما هو بيتعلَّم بيوم وليلة.
طالب: جزاكم الله خيرًا، إنْ كان موظَّف يعمل في شركة، وطلبَ النقلَ إلى مدينة أُخرى، وما جاء الجواب، هل يقصُر إلى أن يأتي جواب النقل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإنْ طالت الفترة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يقول: متى ما جاء مشيت.
الطالب: بس ما يتوقع مثلًا أنه يأتي ..
الشيخ: إي، ما يدري، يبقى حتى يأتي الخبر.
طالب: كثير مِن المسائل اللِّي تمرُّ علينا أحيانًا نقول: عامِل الناسَ بالتربية فيها. المسألة هذه ما تدخل فيها؛ يعني سد الذرائع وغيرها؟
الشيخ: ويش الذريعة؟ ! أخطرُ ما فيها مسألةُ الصيام، ومسألة الصيام إذا حدَّدْنا هذه وقُلنا: إنَّ الإنسان لا يمكن يتأخر إلى ما بعد رمضان، انتهى الموضوع، زالَ الإشكال.
الطالب: بس ما هو على سبيل الإلزام يا شيخ، الواقع الآن في الخارج يقولون: الشيخ ما يقول على سبيل الإلزام.
الشيخ: أيُّ إلزام؟
الطالب: الصيام أنه إلى رمضان الثاني وأنَّا ممكن نتركه.
الشيخ: إحنا نقول: هذه -الحقيقة- ما نُرخِّص فيها؛ لأنه مثلما قلتُ لك: نخشى أنه إذا تكرَّرتْ عليه الشهور تعاجز وتكاسل وخلَّاه، لكنْ ينقله من أيام القيظ إلى أيام الشتاء ما فيه مانع.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعدُ:
[ ١ / ٢٢١٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو نَوَى إقامةَ أكثرَ مِنْ أربعةِ أيامٍ، أو ملَّاحًا معه أهلُه لا ينوي الإقامة ببلدٍ، لَزِمَهُ أن يُتِمَّ.
وإنْ كان له طريقانِ فسَلَكَ أبْعدَهما أو ذَكَرَ صلاةَ سفرٍ في آخرَ قَصَرَ.
وإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أقامَ لقضاءِ حاجةٍ بلا نيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ٢٢١١ ]
سبق لنا أنَّ المشروع للمسافر أن يصلِّي ركعتينِ وأنَّ ذلك قد دلَّ عليه الكتاب والسُّنة والإجماع؛ في الكتاب قولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، ونَفْيُ الْجُناحِ سبق أنه لا يمنع الطلبَ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وسبق لنا أيضًا أن الذي يتبيَّن من الأدلة أن القصْر ليس بواجبٍ وإنما هو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، ويُكره الإتمام إذا لم يوجد له سببٌ، وسبق أن المؤلف ﵀ ذَكَر مسائل يجب فيها الإتمامُ؛ منها ما ذَكَره الآن في قوله: (أو نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ)؛ يعني: إذا نَوَى المسافر أن يُقيم في مكانٍ سواء في بلدٍ أو في أثناءِ سَفَره؛ كما لو وَجَدَ مَرْبعًا خصبًا ترعى فيه الإبلُ ونَوَى أن يُقيم في هذا المكان أكثر من أربعة أيامٍ، فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ؛ لأنه قال: (نَوَى إقامةَ أكثر مِنْ أربعةِ أيامٍ)، ولم يقُل: في البلد، فيتناول ما إذا نوى هذه الإقامةَ في بلدٍ أو نواها في نفْس البَرِّ أثناء سفره فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ، مع أنه في الحقيقة على سَفَرٍ بعد الأربعة الأيام، لكنهم يقولون: إن الأصل في الإقامة منع القصْر، هذا هو الأصل، وأجزْناه في الأربعة الأيام لأن النبي ﷺ فَعَل ذلك حين قَدِم إلى مكةَ في اليوم الرابع من ذي الحجة وأقامَ فيها إلى اليوم الثامن ثم خَرَجَ إلى مِنى. قالوا: فقد أقامَ الرسول ﵊ أربعةَ أيامٍ يقصُر الصلاةَ، فنحن إذا أقمْنا هذه المدَّة نقصُر، وإنْ زِدْنا نُتِمُّ؛ لأن الأصل أن المسافر إذا أقامَ في مكانٍ فقد انقطع سفره.
[ ١ / ٢٢١٢ ]
ولكن هذا الأصل ليس متَّفَقًا عليه بين العلماء؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن هذا الأصل ليس عليه دليلٌ لا من الكتاب ولا من السُّنة ولا من العُرف، وإذا لم يكن عليه دليلٌ فإن الحكْم يُعلَّق بالمعنى الذي من أجْلِهِ شُرِعَ القصْر، وهو السفر. فما دامَ الإنسانُ مسافرًا مُفارِقًا لمحلِّ إقامتِهِ فهو مسافرٌ؛ لأنه لا فرق بين شخصٍ ينوي أن يُقيم أربعة أيامٍ لشُغلٍ أو أن يُقيم خمسة أيامٍ، كلٌّ منهما يعتقد أنه مسافرٌ وأنه في انتظار انتهاء شُغله، فمتى انتهى رَجَعَ إلى وطنه.
وأيُّ شيءٍ يحدَّد من مدَّةٍ تزيد على أربعة أيامٍ فإنه يُقال للمحدِّد: أين الدليل؟ وهذا هو الذي جَعَلَنا نميل إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة، وأنَّ الإنسان إذا كان عازمًا على الرجوع إلى بلده وأنه لم يحبسْه في هذا المكان إلا الشغل فإنه مسافرٌ ولو طالت المدة؛ لأننا مهما قدَّرْنا من تقدير سواء كان شهرًا أو شهرينِ أو أسبوعًا أو أسبوعينِ أو أربعةَ أيامٍ أو عشرةَ أيامٍ فإننا سوف نطالب بالدليل على التحديد، وهذا يحتاج إلى توقيفٍ من الشرع، فإذا لم يوجَد رَجَعْنا إلى الأصل الذي من أجْله شُرِع القصْر؛ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، هذا عامٌّ ما دُمْنا ضاربينَ في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقد عُلِم أن التجار لا تنقضي إقامتهم في البلد في خلال أربعة أيامٍ لا تزيد، بلْ ربما يبقون يومًا واحدًا إذا كان السوقُ نشيطًا والسلعُ قليلةً، وربما يبقون شهرًا إذا كانت السلعُ كثيرةً وكان السوقُ ضعيفًا، ولم يحدِّد الله ﷿ للذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقتًا معيَّنًا، فالذي نميل إليه هو ما اختاره شيخ الإسلام، وهو مطْلَق السفر.
[ ١ / ٢٢١٣ ]
وعلى هذا فنقول: إنَّ فِعْل النبي ﵊ ليس دليلًا على التحديد؛ وجْهُ ذلك أنه وَقَعَ مصادفةً لا تشريعًا، والذي يقع مصادفةً لا تشريعًا لا يُعتبر تشريعًا، هذه القاعدة. ولهذا لو قال لنا قائلٌ مثلًا: إذا دفعْتَ من عرفة إلى مزدلفة يُسَنُّ لك أن تنزل عند المأْزِمَينِ ثم تبول وتتوضأ وُضوءًا خفيفًا. هل هذا مشروع؟ لا؛ لأنه وقع من الرسول ﷺ على سبيل المصادفة والاتفاق، لا على سبيل القَصْد حتى نقول: يُسَنُّ أن تفعل هذا الوضوءَ الخفيفَ في أثناء الطريق.
ونعلم أيضًا أن الرسول ﷺ كان يَعْلم أنَّ مِن الناس مَنْ يأتي للحجِّ في اليوم الثالث مَثَلًا أو اليوم الثاني أو الأول، فمَنْ جاء في اليوم الأول سوف يبقى ثمانية أيامٍ قبل الطلوع إلى مِنى، ومَنْ جاء في ذي القعدة سيكون أطْول، فلمَّا لم يَقُل النبي ﵊ للناس: مَنْ قَدِم مكة قبل اليوم الرابع فعليه أن يُتِمَّ، عُلِمَ أنَّه لا فَرْق بين من قَدِم في اليوم الرابع وقَدِم في اليوم الأول، هذا هو الحقيقة، لكن مَنْ أرادَ أن يحتاط وقال: أنا أريدُ أنْ أُتِمَّ إذا أنهيتُ أقصى مدَّةٍ قال بها مَن يحدِّد، فإنَّنا لا نقول: هذا حرامٌ عليك، لا سِيَّما إذا لم يكن الدليل في نفْسه قويًّا، أمَّا مَنْ كان الدليلُ في نفْسه قويًّا واطْمأنَّ إليه فليأخذْ به ولا حرج عليه؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها.
(أو نَوَى إقامةَ أكثر مِن أربعة أيامٍ)، وقد عَلِمتم كما مرَّ عليكم في المذكِّرة أنَّ من العلماء مَن قال: أربعة أيامٍ ليس منها يوم الدخول والخروج، وهم الشافعية، ومنهم مَن قال: تسعةَ عَشَرَ يومًا، كابن عباسٍ، ومنهم مَن قال: خمسةَ عَشَرَ يومًا، كأبي حنيفة، وهكذا اختلف العلماء؛ لأن المسألة ليس فيها نصٌّ يجب المصير إليه، فمِنْ ثَمَّ تجد الأقوال فيها أكثر من عشرين قولًا في مسألةٍ واحدةٍ.
[ ١ / ٢٢١٤ ]
يقول: (أو نَوَى أكثر من أربعة أيامٍ، أو مَلَّاحًا معه أهلُه لا ينوي الإقامةَ ببلدٍ؛ لَزِمه أن يُتِمَّ).
(مَلَّاحًا) الملَّاح: قائد السفينة، وقوله: (معه أهلُه) أي: مصاحبون له، والجملة في محلِّ نصبٍ على الحال؛ يعني ملاحًا والحالُ أنه أهلُه معه، ويجوز أن تكون في موضع نصبٍ على أنها صفةٌ لـ (ملَّاحًا).
لكنه قال: (لا ينوي الإقامة ببلدٍ) يعني: لا ببلدِ المغادَرةِ، ولا ببلدِ الوصولِ، فهذا يجب عليه أنْ يُتِمَّ؛ لأن بَلَده سفينتُه، هي بَلَده؛ أهلُه معه وليس له بَلَدٌ، إذَنْ أين يكون بَلَده؟ السفينة.
وعُلِم من قول المؤلف: (معه أهلُه) أنه لو كان أهلُه في مكانٍ في بلدٍ فإنه مسافرٌ ولو طالتْ مدَّتُه في السفر.
وكذلك عُلِم منه أنه لو كان له نيَّةُ الإقامة في بلدٍ فإنه يقصُر لأنه مسافرٌ؛ لأن المؤلف اشترط لوجوب الإتمام على الملَّاح شرطَينِ: أنْ يكون معه أهله، وألَّا ينوي الإقامةَ ببلدٍ.
فمثلًا إذا كان ملَّاحًا في سفينةٍ وأهلُه في جدَّة مثلًا، لكنْ يروح يجوب البحار؛ البحر المحيط والهادي، ويأتي بعد شهرٍ أو شهرينِ إلى جدَّة، ماذا نقول لهذا؟ مسافرٌ. لماذا؟ لأنه ليس معه أهلُه، له بلدٌ يأوي إليه.
وكذلك أيضًا لو فُرِض أن الرجل ينوي الإقامة ببلدٍ، هو ليس له أهلٌ، هو ينوي الإقامة ببلدٍ؛ يعني بمعنى أنه جعل مأواه ومثواه البلد الفلاني الذي على الساحل، فهذا نقول له: إنك مسافر؛ لأن لك بلدًا معيَّنًا عيَّنْتَه بالنيَّة.
مثلُ ذلك أهلُ التكاسي الآن الذين دائمًا في البر نقول: إنْ كان أهلهم معهم ولا ينوون الإقامة ببلدٍ فهم غيرُ مسافرين لا يقصُرون ولا يُفطرون في رمضان، وإنْ كان لهم أهلٌ في بلدٍ فإنهم إذا غادروا بلدَ أهلهم فهم مسافرون يُفطرون ويقصُرون، وكذلك لو لم يكن لهم أهلٌ لكنهم ينوون الإقامة ببلدٍ يعتبرونها مثواهم ومأواهم فهم مسافرون حتى يرجعوا إلى البلد التي نووا أنها مأواهم.
[ ١ / ٢٢١٥ ]
فإذا قال قائل: هؤلاء الملَّاحون أو السائقون لسيَّارات الأُجرة دائمًا في سَفَرٍ، فإذا قلنا: أنتم مسافرون لكم الفطر، فمتى يصومون؟
نقول: هم يمكن أنْ يصوموا في أيام الشتاء فنعطيهم رخصة؛ نقول: صوموا في أيام الشتاء لأنها أيامٌ قصيرةٌ وأيامٌ باردةٌ، والصوم فيها لا يشُقُّ، كذلك لو فُرِضَ أنهم قدموا إلى بلدهم في رمضان فإنهم يَلْزمهم الصومُ ما داموا في بلدهم.
فإنْ قَدِموا في أثناء اليوم إلى بلدهم ففي لزوم الإمساك عليهم قولانِ لأهل العلم، هما روايتانِ عن الإمام أحمد ﵀، والصحيح أنَّه لا يَلْزمهم الإمساكُ؛ لأنهم لا يستفيدون بهذا الإمساك شيئًا، وليس هذا اليوم في حقِّهم يومًا محترمًا لأنهم يأكلون ويشربون في أوله وهم مباحون في ذلك، فهُمْ لم ينتهكوا حُرمة اليوم، بخلاف من أفطر أول النهار لغير عُذرٍ فإنه يَلْزمه الإمساكُ ولا يقول: أنا أفطرتُ وأفسدتُ صومي فآكلُ وأشربُ. نقول: لا أنت انتهكْتَ حُرمةَ اليوم.
ومثلُ ذلك أيضًا -هذه جملة معترِضة- لو أنَّ الحائض طهُرتْ في أثناء اليوم في رمضان فإنه لا يَلْزمها على القول الراجح أن تُمسِك؛ لأن هذه المرأة يُباح لها الفطر أول النهار إباحةً مطْلقةً، فاليوم في حقها ليس يومًا محترمًا، ولا تستفيد من إلزامها بالإمساك إلا العَنَتَ، فالقول الراجح في مسألة المسافرِ إذا قَدِمَ والحائضِ إذا طهُرتْ والمريضِ إذا بَرِئ أنه لا يَلْزمهم الإمساك.
ما تقولون فيمن أفطر لإنقاذ معصومٍ، هل يَلْزمه الإمساك بقيَّة اليوم؟
طلبة: لا يَلْزمه.
الشيخ: أفطر لإنقاذ معصومٍ؛ يعني مثلًا رأى شخصًا غَرِق في الماء، ولا يستطيع أن ينجيه من الغرق إلا إذا أفطر، فأفطر ثم أنقذه وأنجاه؟
طلبة: لا يَلْزمه.
[ ١ / ٢٢١٦ ]
الشيخ: لا يَلْزمه على القول الراجح؛ لأنه أفطر بسببٍ مباحٍ، بخلاف الرجل الذي بَلَغ في أثناء اليوم فإنه يَلْزمه الإمساك، والفرقُ بين هذا والمسائل التي قَبْله أنَّ المسائل التي قَبْله زالَ فيها المانعُ، وهذا وُجِد سببُ الوجوب، فإذا وُجِد سببُ الوجوب في أثناء النهار لَزِمه الإمساكُ؛ كالصغيرِ يبلغ، والمجنونِ يَعقِل، والكافرِ يُسْلم، وفي المسألة خلاف، لكن الصحيح وجوب الإمساك.
طالب: يقضي اليوم؟
الشيخ: لا، ما يقضي.
***
يقول المؤلف ﵀: (وإنْ كان له طريقانِ فسَلَكَ أبعدَهما).
(له طريقانِ) يعني: رجُل في بلدٍ يريد أنْ يسافر إلى بلدٍ آخَر، وللبلد هذا طريقانِ أحدُهما بعيدٌ والثاني قريبٌ -يعني أنَّ أحدَهما يبلغُ المسافةَ والآخَر لا يبلغُها- فسَلَكَ أبعدَهما فإنه يقصُر؛ لأنه يصدق عليه أنه مسافرٌ سَفَرَ قصْرٍ، ولكنْ لو فُرِضَ أنه تعمَّد أن يسلك الطريقَ الأبعدَ في رمضان من أجْل أن يُفطر فهنا نقول له: لا يجوز لك الفطر؛ لأنه يمكنك أن تسلك طريقًا قصيرًا بدون فطر. هذا هو الظاهر، ومع ذلك ففي النفْس من هذا شيء.
يقول: (فسَلَكَ أبعدَهما، أو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في آخَر؛ قَصَر)
(آخَر) هذه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقدير: في سَفَرٍِ آخَر قَصَرَ.
مثاله: سافرَ إلى العمرة وصلَّى بغير وُضوءٍ ناسيًا، ولَمَّا رجعَ من العمرة سافرَ إلى المدينة، وفي أثناء سفرِهِ إلى المدينة ذَكَر أنه صلَّى في سفرِهِ للعمرة صلاةً بغير وُضوءٍ، ماذا نقول؟ يصلِّيها قصْرًا؛ لأن الصلاةَ وجبتْ في السفر أداءً وقضاءً، وكذلك لو نَسِيها في سفرِ العمرة ثم ذَكَرها في سفرِ زيارة المدينة فإنه يقصُر؛ لأن هذه الصلاة سَفَريَّةٌ أداءً وقضاءً.
طيب، وإنْ ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: لم يقصُر.
الشيخ: يُتِمُّ.
وإنْ ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ؟
الطلبة: ().
[ ١ / ٢٢١٧ ]
الشيخ: يُتِمُّ. إذا ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حضَرٍ فإنه يُتِمُّ على المذهب، والصحيح أنه يقصُر إذا ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حَضَرٍ؛ لأن هذه صلاةٌ مقْضِيَّةٌ، وقد وجبتْ عليه كمْ؟ ركعتينِ، فلا يَلْزمه أكثر مما وجب عليه، هذا تعليلٌ.
أمَّا الدليل الأثريُّ فهو قول الرسول ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٣١)، «فَلْيُصَلِّهَا» يعني: يصلِّي نفْسَ الصلاة، والصلاةُ التي نسيتُها في السفر وذكرتُها في الحضر ركعتانِ، إذَنْ يصلِّي ركعتينِ.
أمَّا إذا ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ فالواجب أن يصلِّي أربعًا؛ لأنها وجبتْ عليه أربعًا، وقد قال النبي ﷺ: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا يعني أن أُصلِّيها أربعًا.
طيب، وإنْ ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: ().
الشيخ: يصلِّي أربعًا، قُلْنا هذا لتَتِمَّ القِسْمة.
ذَكَر صلاةَ سفرٍ في سفرٍ؟
الطلبة: يقصُر.
الشيخ: صلاة حضرٍ في حضرٍ؟
الطلبة: يُتِمُّ.
الشيخ: يُتِمُّ.
صلاة سفرٍ في حضرٍ؟
الطلبة: يقصُر.
الشيخ: يقصُر على الصحيح.
صلاة حضرٍ في سفرٍ؟
الطلبة: يُتِمُّ.
الشيخ: يُتِمُّ.
***
يقول المؤلف ﵀: (وَإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً).
(إنْ حُبِسَ) أي: مُنِع من السفر، (ولم يَنْوِ إقامةً) فإنه يقصُر ولو طالت المدَّة.
وقول المؤلف: (حُبِس) لم يبيِّن نوعَ الحبس، فيشمل مَن حُبِس ظُلْمًا، ومَن حُبِس بحقٍّ، ومَن حُبِس بعدوٍّ، ومَن حُبِس بمرضٍ، ومَن حُبِس بتغيُّراتٍ جوِّيَّةٍ، ومَن حُبِس بخوفٍ على نفْسه، المهم مَن مُنِعَ السفر بأيِّ سببٍ يكون فإنه يقصُر.
[ ١ / ٢٢١٨ ]
ودليل ذلك أنَّ ابنَ عمر ﵄ حَبَسَهُ الثَّلْجُ بأذْربيجانَ لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ وهو يقصُر الصلاةَ (٣٢)، وابن عمر صحابِيٌّ، والقولُ الراجحُ أنَّ فِعْل الصحابِيِّ وقول الصحابِيِّ حجَّةٌ بشرطينِ وهما: ألَّا يخالف نصًّا، وألَّا يعارضه قول صحابِيٍّ آخَر، فإنْ خالفَ نصًّا أُخِذَ بالنصِّ مهما كان الصحابِيُّ، وإنْ عارضه صحابِيٌّ آخَر طُلِبَ المرجِّحُ واتُّبِعَ ما ترجَّحَ من القولينِ.
ثم نقول: إنَّ فِعْل ابن عمر هذا -﵁- مؤيَّدٌ بعموماتِ الكتابِ والسُّنَّةِ الدالَّةِ على أنَّ المسافر يقصُر، حتى لو بَقِي باختياره على القول الراجح لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ أو أربعةٍ أو سَنَةٍ ولكنه لعَمَلٍ ينتظر انتهاءه؛ فإنَّ القول الراجح أنه يقصُر كما سبق.
قال: (وإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً) هذا الشرط لا بدَّ منه؛ فإنْ نوى إقامةً مطْلَقةً لا إقامةً ينتظر بها زوالَ المانعِ؛ فإنه إذا نوى أكثر مِن أربعةِ أيامٍ يُتِمُّ على المذهب، وما دون الأربعة يقصُر.
إذَنْ لا بدَّ من شرطٍ على كلام المؤلف: ألَّا ينوي إقامةً تقطع حُكم السفر، فإنْ نوى إقامةً تقطع حُكم السفر فإنه يُتِمُّ.
يقول: (أو أقامَ لقضاء حاجةٍ بلا نيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا). إذا أقامَ لقضاء حاجةٍ ولم يَنْوِ إقامةً؛ يعني: لَمْ يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وإلَّا الإقامة لا بدَّ منها، قد نوى إقامةً لقضاءِ حاجةٍ، ولكنْ لا يدري متى تنقضي، ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، فإنه يقصُر أبدًا.
ما معنى (أبدًا)؟ يعني: لو بَقِي طولَ عمرِهِ فإنه يقصُر؛ لأنه إنما نوى الإقامةَ من أجْل هذه الحاجةِ ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وهناك فرقٌ بين شخصٍ ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ وشخصٍ آخَر ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ؛ فالذي ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ لا يُعَدُّ مستوطِنًا، والذي ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ يُعَدُّ مستوطِنًا.
[ ١ / ٢٢١٩ ]
الإقامة المطْلقةُ معروفة: أنَّ الإنسان ينوي أنه مقيمٌ ما لم يوجَد سببٌ يقتضي مغادرتَه، ومِن ذلك السُّفَراءُ؛ سُفَراءُ الدول، لا شكَّ أنَّ الأصل أنَّ إقامتهم مطْلقةٌ لا يرتحلون إلَّا إذا أُمِروا بذلك، وإلَّا فالأصلُ أنَّ إقامتهم مطْلقةٌ، وعلى هذا فيَلْزمهم الإتمام، ويَلْزمهم الصوم في رمضان، ولا يزيدون عن يومٍ وليلةٍ في مسْحِ الخفَّينِ؛ لأن إقامتهم مطْلقةٌ.
وكذلك أيضًا الذين يسافرون إلى بلدٍ يرتزقون فيها هؤلاء إقامتهم مطْلَقةٌ؛ لأنهم يقولون: سنبقى، ما دام رِزْقُنا موجودًا سنبقى.
الإقامة المقيَّدة تارةً تُقيَّدُ بزمنٍ، وتارةً تُقيَّدُ بعَمَلٍ.
المقيَّدة بزمنٍ سبق لنا أنَّ المشهور من المذهب أنه إذا نوى أكثرَ مِن أربعةِ أيامٍ يُتِمُّ، ودونها يقصُر، والخلاف معروف لكم.
المقيَّدة بعَمَلٍ يقصُر أبدًا ولو طالت المدَّة، ومن ذلك لو أنَّه سافر للعلاج ولا يدري متى ينتهي فإنه يقصُر أبدًا، حتى لو غَلَبَ على ظنِّه أنه سيطول فإنه يقصُر؛ لأنه ينتظر هذه الحاجة، وهذا هو عُمدة مَن قال: إنه لا حدَّ للإقامة؛ لأنهم يقولون: ما دام الحاملُ له على الإقامة هو الحاجة فلا فَرْق في الحقيقة بين أنْ يحدِّد أو لا يحدِّد، فهو مُقيمٌ لشيءٍ ينتظره متى انتهى منه رجع إلى بلده.
وقوله: (قَصَرَ أبدًا) هذا هو المشهور من المذهب كما عرفتم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا أقامَ وانتهت المدة المحدَّدة لحكم السفر فإنه يجب عليه الإتمام، وعليه فإذا أقامَ لحاجةٍ لا يدري متى تنقضي وانتهتْ أربعةُ أيامٍ يَلْزمه الإتمام.
لكن قول الجمهور -حتى إنَّ ابن المنذر حكى الإجماعَ عليه- أنه لا يَلْزمه الإتمامُ ما دام ينتظر انتهاء الحاجة. يقول: (قَصَرَ أبدًا).
***
بقينا في مسألة: هل تجب نِيَّة القصر أو لا؟
طلبة: سَبَقَ.
الشيخ: إي، من أجْل أنه سَبَقَ سألتُكم.
طالب: الصحيح: لا يجب.
[ ١ / ٢٢٢٠ ]
الشيخ: الصحيح أنه لا تَلْزم نِيَّة القصْر؛ لأن صلاة السفر مقصورة، فلا حاجة إلى نِيَّتِهِ كما أنَّ المقيم لا حاجة أنْ ينوي الإتمام؛ يعني لو أنَّا الآن نصلي العِشاء هلْ يَلْزمنا أنْ ننوي الإتمام؟ لا؛ لأنه هو الأصل، كذلك المسافر لا يَلْزمه أنْ ينوي القصْر؛ لو أنه كبَّر لصلاة العِشاء وهو مسافرٌ ولم يَنْوِ القصْر بناءً على أنه يصلِّي العِشاء فقط، ثم في أثناء الصلاة قال في نفْسه: ما نويتُ القصْر. على المشهور من المذهب يَلْزمه الإتمامُ، والصحيح أنَّه لا يَلْزمه؛ لأن الأصلَ في صلاةِ السفرِ القصْرُ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، يُقيِّد الإقامةَ بالزمنِ والعملِ، هل يُحسَب على المذهب؟
الشيخ: لا، ما دام زادت المدَّة على أربعةِ أيامٍ امتنعَ القصْر ولو لعملٍ.
طالب: ولو لعملٍ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان مقرونًا بالزمن؟
الشيخ: نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كان الإنسانُ مقيمًا في بلدٍ وصارتْ هذه البلدُ له بلدَ سَفَرٍ، لكن لسَّه ما انتقل منها يا شيخ، فهل يستمرُّ ..؟
الشيخ: ويش لون هذا؟ كيف؟
الطالب: يعني نَوَى ..
الشيخ: نَوَى الإقامة المطْلَقة.
الطالب: أولًا نَوَى الإقامة المطْلقة؛ يعني: كان مُقيمًا في البلد، كان من أهل البلد.
الشيخ: إي نعم، ثم بعد ذلك؟
الطالب: نوى الانتقال.
الشيخ: نوى أن ينتقل، نقول: لا تقصُر حتى تخرج.
الطالب: يعني الحكْم يستمر؟
الشيخ: يكون كالمستوطِن تمامًا، إي نعم.
الطالب: ثم إذا انتقلَ يا شيخ يصير بلدَ سفرٍ له.
الشيخ: يعني إذا اتَّخذَ وطنًا غير الأُولى؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فإنه إذا رجع إلى الأُولى مسافرًا فهي محلُّ سَفَرٍ؛ كما فَعَل النبي ﵊ في مكة؛ فإنه كان يقصُر في مكة مع أنها بلده الأول.
طالب: شيخ، حتى في صلاة الجمعة بالنسبة لنيَّةِ القصْر لا يَلْزم أنْ ينوي، حتى في نِيَّةِ صلاة الجمعة؛ لأنه إذا ما نوى، يعني شرط نِيَّته؛ نِيَّة الجمعة.
[ ١ / ٢٢٢١ ]
الشيخ: كيف يعني؟ وهو مُقيم؟
الطالب: لا، هو مسافرٌ، فأدركته صلاةُ الجمعة، فهل ..
الشيخ: هو سينويها جمعة.
الطالب: على مَن يصحِّح حديث ابن عمر: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» (٣٣)؟
الشيخ: لا، «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» يعني اللِّي في حال السفر، وأمَّا مَن كان في نفْس البلد وسمع النداء فإنه يجيب.
الطالب: يجيب ويصلِّيها على أنها جمعة.
الشيخ: إي، على أنها جمعة، بعض الناس -انتبهوا لهذه الحيلة الفقهية ..
(فصلٌ)
يَجوزُ الْجَمْعُ بينَ الظُّهرينِ وبينَ العِشائينِ في وَقْتِ إحداهما في سَفَرِ قَصْرٍ، ولِمَرِيضٍ يَلْحَقُه بتركِه مَشَقَّةٌ، وبينَ العِشاءَيْنِ لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيابَ ووَحْلٍ ورِيحٍ شَديدةٍ باردةٍ ولو صَلَّى في بيتِه أو في مَسجدِ طريقِهِ تحتَ ساباطٍ، والأَفْضَلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به من تَأخيرٍ وتقديمٍ، فإن جَمَعَ في وقتِ الأُولَى اشْتَرَطَ نِيَّةَ الْجَمْعِ عندَ إحرامِها ولا يُفَرَّقُ بينَهما إلا بِمِقدارِ إقامةٍ ووُضوءٍ خَفيفٍ، ويَبْطُلُ برَاتِبَةٍ بينَهما، وأن يكونَ العُذْرُ مَوجودًا عندَ افتتاحِهما وسَلامِ الأُولَى،
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، حتى في صلاة الجمعة بالنسبة لنيَّةِ القصْر لا يجب أنْ ينوي حتى في نِيَّةِ صلاة الجمعة؛ لأنه إذا ما نوى .. يعني يُشترط نِيَّته؛ نِيَّة الجمعة ..
الشيخ: كيف يعني؟ وهو مُقيم؟
الطالب: لا، هو مسافرٌ، فأدركته صلاةُ الجمعة، فهل ..
الشيخ: هو سينويها جمعة.
الطالب: على مَن يصحِّح حديث ابن عمر: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» (١)؟
الشيخ: لا، «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» يعني اللِّي في حال السفر، وأمَّا مَن كان في نفْس البلد وسمع النداء فإنه يجيب.
الطالب: يجيب ويصلِّيها على أنها جُمْعة.
[ ١ / ٢٢٢٢ ]
الشيخ: إي، على أنها جُمْعة، بعضُ الناسِ -انتبهوا لهذه الحيلة الفقهية- بعضُ الناسِ لَمَّا قيل له: إنه لا يجوز أنْ تَجمع العصرَ إلى الجمعةِ .. يعني المسافر؛ إنسانٌ -مثلًا- مسافرٌ ومرَّ ببلدٍ وهم يصلُّون الجمعة، دخل معهم في صلاة الجمعة، ومعلومٌ أن العصر لا تُجمَع لصلاة الجمعة، قال: أنا أُصَلِّي خلف الإمام وأنويها ظُهرًا من أجْل أن أجمع إليها العصرَ.
نقول: هذا صحيح، إذا نويتَها ظُهرًا فلا بأسَ، لكنْ يأتينا على كلام العلماء أنَّ نيَّتك ستخالف نيَّةَ الإمامِ، الإمام جمعة وأنت ظُهر، فعلى مَن يشترط اتفاقَ اتحادِ النيَّةِ بين الإمام والمأموم على قوله لا تصحُّ الصلاةُ؛ لأنه لا يُستثنى مِن ذلك إلا مسألتانِ ليس هذا منها.
ثم نقول: لو قُلنا بصحَّةِ صلاةِ الظُّهرِ خلْف الجمعةِ على الصحيح أنَّه لا يُشترط اتحادُ النيَّةِ بين الإمام والمأموم، فإنه إذا نواها ظُهرًا فاتَهُ خيرٌ كبيرٌ، ما هو؟
طلبة: أجْرُ الجمعة.
الشيخ: أجْرُ الجمعة، أجرُ الجمعةِ ليس بالأمرِ السهل، ولهذا حُرِم أجْرَها من يتكلَّم والإمامُ يخطب، إذا تكلَّمَ الإنسانُ والإمامُ يَخطُب يومَ الجمعةِ حُرِمَ أجْرَ الجمعة كما قال الرسول ﵊: «فَقَدْ لَغَوْتَ» (٢)، «وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» (٣). يعني أنَّه لا يُثاب ثوابَ الجمعةِ.
فهذه الحيلةُ حيلةٌ تمشي على رأْيِ بعضِ الفقهاءِ، لكنه يفوته بذلك أجْرُ الجمعة، فنقول: صلِّ الجمعةَ وسافِرْ، استمرَّ في سَفَرك، وإذا جاء وقتُ العصرِ صلِّ العصرَ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، النيَّة تنطبقُ على الصوم؟
الشيخ: كيف النية؟
الطالب: نيَّةُ المسافرِ تنطبقُ على الصوم؟
الشيخ: إي نعم، يعني مَن قَصَرَ أفْطَرَ، القاعدةُ أنَّ مَنْ قَصَرَ أفطرَ، ومَن لَزِمه الإتمامُ لَزِمه الصومُ.
***
[الجمع بين الصلاتين]
طالب: فصل.
[ ١ / ٢٢٢٣ ]
الشيخ: سمِّ اللهَ أولًا، واحمدِ اللهَ، وصلِّ على النبيِّ، ثم قُل: قال المؤلف رحمه الله تعالى.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحْبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(فصل: يجوز الجمعُ بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ في وقتِ إحداهما في سفرِ قصرٍ، ولمريضٍ يلحقُه بترْكِهِ مشقَّةٌ، وبين العِشاءين لمطرٍ يبلُّ الثيابَ ولوحْلٍ وريحٍ شديدةٍ باردةٍ، ولو صلَّى في بيته أو في مسجدٍ طريقُهُ تحتَ ساباطٍ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَنْ تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ.
سبق لنا من الأعذار كم؟
طالب: ثلاثة: الخوف، والسفر، والمرض.
الشيخ: نعم، ما الذي سبق لنا منها؟
الطالب: السفر، والمرض.
الشيخ: والمرض، طيب، الخوفُ لم يأتِ بعدُ.
بسم الله الرحمن الرحيم
مِن توابع الأعذارِ ما أشارَ إليه في هذا الفصلِ، فقال المؤلف: (فصل)؛ يعني: في الجمعِ، والذي سَبَقَ في القصْرِ، وهذا الجمعُ.
والجمعُ هو ضمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخرى، وهذا التعريفُ يشمل جمعَ التقديم وجمعَ التأخير.
وقولنا: ضمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخرى. يُراد به الصلاتانِ اللتانِ يصحُّ الجمعُ بينهما، فلا يدخلُ في ذلك ضمُّ صلاةِ العصر إلى صلاةِ المغرب؛ لأنَّ صلاةَ المغربِ نوعٌ يخالف نوعَ صلاةِ العصر؛ فإنَّ صلاةَ العصرِ نهاريَّةٌ، وصلاة المغربِ ليليَّةٌ، ولا يدخل فيه أيضًا ضمُّ صلاةِ العِشاء إلى الفجر؛ وذلك لأنَّ وقتيهما منفصلٌ بعضُهما عن بعضٍ، فالجمعُ إذَنْ كما قال المؤلف؛ قال: (يجوز الجمعُ بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ في وقتِ إحداهما في سفرِ قَصْرٍ).
[ ١ / ٢٢٢٤ ]
(يجوز الجمع) التعبير بكلمة (يجوز) يحتملُ أن مراد المؤلف -﵀- أنه لا يُمنع، فيكونُ المراد بذِكْر الجوازِ دفعُ قولِ مَنْ يقولُ: إنه لا يجوز، فلا يُنافي أنْ يكون مستحبًّا، هذا احتمالٌ.
احتمالٌ آخرُ: أنه يريد بقوله: (يجوز) الإباحةَ؛ أيْ: إن الجمع مستوي الطرفينِ وليس بممنوع، ثم هلْ يُستحبُّ أو لا يُستحبُّ فيه كلامٌ آخرُ.
وعلى كلِّ حالٍ فالمعروفُ من المذهبِ أنَّ الجمعَ جائزٌ وليس بمستحَبٍّ، بلْ إنَّ تركَهُ أفضلُ، جائزٌ وليس بمستحَبٍّ، فهو رُخْصةٌ، غيرُ مستحبٍّ، وتَرْكُهُ أفضلُ للخِلاف في جوازه؛ فإنَّ مذهب أبي حنيفة ﵀ أنَّه لا يجوز الجمعُ إلا بين الظُّهرِ والعصرِ في عرفةَ، وبين المغربِ والعِشاء في المزدلفة، والعلَّة في ذلك عنده أن هذا من باب النُّسُكِ وليس من باب العُذر، وأنَّ الجمع بينهما من أجْل النُّسُك لا من أجْل السفرِ، ولكن قوله ضعيفٌ.
والصحيحُ أنَّ الجمعَ مستحبٌّ إذا وُجِد سببُه لوجهينِ:
الوجهُ الأولُ أنه مِن رُخَصِ اللهِ ﷿، واللهُ ﷾ يحبُّ أن تؤتَى رُخَصُه.
الوجهُ الثاني: أنَّ فيه اقتداءً برسول الله ﷺ؛ فإنه كان يجمع عند وجودِ السببِ الْمُبيحِ للجمعِ، فيكون الدليلُ من وجهينِ:
الوجه الأول؟
طالب: هي أولًا هي الرُّخْصة، ثانيًا ..
الشيخ: أنَّه مِن رُخَصِ اللهِ. كَمِّل.
الطالب: الثانية ..
الشيخ: كَمِّلْ، إلى الآن ما بعدُ انتهى هذا الدليل.
طالب: واللَّهُ يُحبُّ أنْ تؤتَى رُخَصه.
الشيخ: واللَّهُ يُحبُّ أنْ تؤتَى رُخَصه. تمام.
طالب: الدليلُ الثاني أنَّ النبيَّ ﷺ جَمَعَ عند وجودِ سبب الجمع.
[ ١ / ٢٢٢٥ ]
الشيخ: نعم، فيكون في الجمع اقتداءٌ برسول الله ﷺ وقد يدخل هذا في عموم قوله ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٤) إذَن الصوابُ أنَّ الجمع سُنَّةٌ حيثُ وُجِدَ سببُه، ولا يُقتصَرُ فيه على الإباحة للوجهينِ اللذينِ سمعتموهما.
قال: (يجوز الجمعُ بين الظُّهرينِ). (الظُّهرينِ) هما الظُّهر والعصر، لكنَّه أطْلقَ عليهما لفظ الظُّهرينِ من باب التغليبِ كما يُقال: (القَمَرانِ) للشمس والقمر، وكما يقال: (العُمَرانِ) لأبي بكرٍ وعُمَر.
(بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ). (العِشاءينِ) أيضًا: المغربُ والعِشاء، وهو من باب التغليبِ كالظُّهرينِ.
(في وقتِ إحداهما) الأُولى أو الثانية، واعلمْ أنَّه إذا جازَ الجمعُ صارَ الوقتانِ وقتًا واحدًا، فإنْ شئتَ اجمعْ في وقتِ الأُولى أو في وقتِ الثانيةِ أو في الوقتِ الذي بينهما، وأمَّا ظنُّ بعض العامَّةِ أنه لا يُجمَع إلا في آخرِ وقْتِ الظُّهر وأولِ وقتِ العصرِ فهذا لا أصلَ له إلا عند مَن يرى الجمعَ الصُّوريَّ، وهو غير صحيحٍ كما سنُبَيِّنه إنْ شاء اللهُ، إذَنْ في وقتِ إحداهما: الأُولى أو الثانية، وإذا جازَ الجمعُ بين الصلاتينِ صارَ الوقتُ وقتًا واحدًا.
(في سفرِ قَصْرٍ) هذا أحدُ الأسبابِ المبيحة للجمع: (في سفرِ قَصْرٍ)، وإذا قال العلماءُ: في سفرِ قصْرٍ، فمرادُهم به السفر الذي تُقصَر فيه الصلاةُ، فيخرج به السفرُ الذي لا تُقصَر فيه الصلاةُ، وسَفَرُ القصْرِ سَبَقَ الكلامُ عليه هلْ هو مقيَّدٌ بمسافةٍ معيَّنة أو بالعُرف.
وقوله: (في سفرِ قَصْرٍ) ظاهرُ كلامِه أنه يجوز الجمع للمسافر سواءٌ كان نازلًا أمْ سائرًا، وهذه المسألةُ ذاتُ خِلافٍ بين العلماء:
[ ١ / ٢٢٢٦ ]
فمنهم مَنْ يقول: إنه لا يجوز الجمعُ للمسافر إلَّا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا، ويستدلُّ بحديث ابن عُمَر أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَجْمعُ إذا جَدَّ به السَّيرُ (٥)، يعني إذا كان سائرًا، وبأنَّ النبيَّ ﷺ لم يجمعْ بين الصلاتينِ في مِنًى في حجَّةِ الوداعِ لأنه كان نازلًا، وإلَّا فلا شكَّ أنه في سَفَرٍ لأنَّه يقصُر الصلاةَ.
وأُورِدَ عليهم أنَّ النبي ﷺ جمعَ بين الظُّهرينِ في عرفةَ وهو نازلٌ.
وأجابوا بأنَّ النبي ﷺ جمعَ بين الظُّهرينِ في عرفةَ وهو نازلٌ ليُدرِكَ الناسُ صلاةَ الجماعةِ؛ لأن الناس بعد الصلاةِ سوف يتفرَّقون في مواقفهم في عرفة ويكونُ جَمْعُهم بعد ذلك صعبًا وشاقًّا، فأراد النبيُّ ﵊ أنْ يجمع بين الظُّهرِ والعصرِ مع أنه نازلٌ من أجْلِ حصول الجماعةِ، ونظير ذلك أن الناس يجمعون بين المغرب والعِشاء في المطر من أجْل تحصيل الجماعةِ، وإلَّا فبإمْكانِهِمْ أنْ يُصلُّوا الصلاةَ في وقتها في بيوتهم لأنهم معذورونَ بالوحْلِ. هذا قولٌ.
القول الثاني: أنه يجوز الجمعُ للمسافر سواءٌ كان نازلًا أمْ سائرًا، واستدلُّوا لذلك بأنَّ النبيَّ ﷺ جَمَعَ في غزوة تبوكَ وهو نازلٌ (٦)، وبأنَّ المسافر في الغالب يشقُّ عليه أن يُفرِد كُلَّ صلاةٍ في وقتها؛ إمَّا للمشقَّةِ والعناءِ، وإمَّا لقِلَّة الماءِ وإمَّا لغير ذلك.
واستدلُّوا أيضًا بظاهرِ حديثِ أبي جُحيفة ﵁ الثابتِ في الصحيحينِ أنَّ النبيَّ ﷺ كان نازلًا في الأَبْطحِ في حجَّةِ الوداعِ، وأنَّه خرجَ ذاتَ يومٍ وعليه حُلَّةٌ حمراءُ فأمَّ الناسَ، فصلَّى الظُّهرَ ركعتينِ والعصرَ ركعتينِ (٧). قالوا: فظاهرُ هذا أنهما كانتا مجموعتينِ.
واستدلُّوا أيضًا بأنه إذا جازَ للمَطَرِ ونحوِهِ فجوازُهُ في السفرِ من باب أَوْلى.
[ ١ / ٢٢٢٧ ]
واستدلُّوا أيضًا بعموم حديث ابن عباسٍ أنَّ الرسولَ جمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ وبين المغربِ والعِشاءِ في المدينة من غيرِ خوفٍ ولا سَفَرٍ (٨).
والصحيحُ أنَّ الجمعَ للمسافرِ جائزٌ، لكنَّه في حقِّ السائرِ مستحَبٌّ، وفي حقِّ النازلِ جائزٌ غيرُ مستحَبٍّ؛ إنْ جَمَعَ فلا بأسَ، وإنْ تَرَكَ فهو أفضل.
إذَن القولُ الراجحُ في مسألةِ الجمعِ للمُسافرِ أنَّهُ سُنَّةٌ في حقِّ السائرِ، وفي حقِّ النازلِ جائزٌ وليس بسُنَّةٍ، لكنْ إِنْ فَعَل لا يُنْكَر عليه.
قال المؤلف ﵀: (في سفرِ قَصْرٍ)، هذه المسألةُ الأُولى.
المسألةُ الثانيةُ قال: (ولِمَريضٍ يَلْحقُهُ بتَرْكِهِ مشقَّةٌ).
و(ولِمَريضٍ) يعني: ويُباح الجمعُ أو يجوزُ الجمعُ لمريضٍ يَلْحقُه بتَرْكِهِ مشقَّةٌ، مريض أَيّ مَرَضٍ كانَ، سواءٌ كانَ صُداعًا في الرأسِ أو وجعًا في الظَّهْرِ أو في البطنِ أو في الجلدِ أو في غير ذلك، أيُّ مريضٍ يَلْحقُه بتَرْكِ الجمعِ مشقَّةٌ فإنه يجوزُ له أنْ يجمع، دليلُ ذلك عمومُ قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وعمومُ قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وحديثُ ابن عباسٍ ﵄ جَمَعَ النبيُّ ﷺ في المدينة بين الظُّهرِ والعصرِ وبين المغربِ والعِشاءِ من غير خوفٍ ولا مَطَرٍ (٩). قالوا: فإذا كان انتفى الخوفُ والمطرُ وهو في المدينةِ وانتفى السفرُ أيضًا لم يَبْقَ إلَّا المرض.
[ ١ / ٢٢٢٨ ]
وعلى كلِّ حالٍ هذا قد يكونُ غيرَ حاصلٍ؛ يعني قد يكون هناك عُذرٌ غيرُ المرضِ، ولكن ابن عباسٍ سُئِلَ: لماذا صنع ذلك؟ قال: أرادَ ألَّا يُحرج أُمَّتَهُ (٩). أي ألَّا يُلْحِقَها حرجًا في عدم الجمع، ومن هُنا نأخذ أنه متى لَحِقَ المكلَّفَ حرجٌ في تَرْكِ الجمْع جازَ له أن يجمع، ولهذا قال المؤلف هنا: (ولِمَريضٍ يَلْحَقُهُ بتَرْكِهِ مشقَّةٌ).
وفُهِمَ من قول المؤلف: (يَلْحَقُهُ بتَرْكِهِ مشقَّةٌ) أنه لو لم يَلْحَقْهُ مشقَّةٌ فإنه لا يجوز له الجمعُ.
طيب، إذا قال قائلٌ: مثال المشقة؟
المشقةُ أنْ يكون يتأثَّر بالقيامِ والقُعودِ إذا تفرَّق، أو كان مثلًا يريد أنْ ينامَ مبكرًا فأراد أنْ يقدِّم العِشاء، أو كان يشقُّ عليه أنْ يتوضأ لكُلِّ صلاةٍ، المهمُّ أن المشقَّاتِ متعدِّدةٌ، فإذا كان يَلْحقه بتَرْكِ الجمْع مشقَّةٌ جازَ له أن يَجْمع.
قال المؤلف: (ويُباح الجمْعُ بين العِشاءينِ لمطرٍ يَبُلُّ الثيابَ).
قوله: ويجوز الجمْعُ بين العشاءينِ؛ يعني: بين المغرب والعِشاء، وأمَّا بين الظُّهرِ والعصرِ فلا يجوز؛ والدليل أن هذا مرادُ المؤلِّف لأنه قال في أول كلامه: (يجوزُ الجمْعُ بين الظُّهرينِ وبين العِشاءينِ) ثم هُنا قال: (وبين العِشاءينِ)، فدلَّ هذا على أنه لا يجوز الجمْعُ بين الظُّهرينِ للأعذار التالية:
قال المؤلف: (لمطرٍ يَبُلُّ الثيابَ) الظاهرُ أنها .. قبل أنْ نتعدَّى الموضعَ الأولَ، الموضعُ الأولُ حاصلُ القاعدةِ فيه أنَّهُ كلَّمَا لَحِقَ الإنسانَ مشقَّةٌ بتَرْكِ الجمْعِ جازَ له الجمْعُ حَضَرًا وسَفَرًا.
[ ١ / ٢٢٢٩ ]
قال: (وبين العِشاءينِ لمطرٍ يَبُلُّ الثيابَ). يعني: إذا كان هُناك مَطَرٌ يَبُلُّ الثيابَ لكثرته وغزارته فإنه يجوزُ الجمْعُ بين العِشاءينِ، فإنْ كان مَطَرًا قليلًا لا يَبُلُّ الثيابَ فإنَّ الجمْعَ لا يجوز؛ لأن هذا النوع من المطر لا يَلْحقُ المكلَّفَ فيه مشقَّةٌ، بخلافِ الذي يَبُلُّ الثيابَ، ولا سِيَّما إذا كان في أيام الشتاءِ فإنه يَلْحَقُهُ مشقَّةٌ من جهةِ البللِ ومشقَّةٌ أُخرى من جهةِ البَرْدِ، ولاسِيَّما إن انْضَمَّ إلى ذلك ريحٌ فإنه تزدادُ المشقَّة.
ثم قال: (ولِوَحَلٍ) الوَحَلُ: الزَّلَقُ والطينُ، فإذا كانت الأسواقُ قد ربصت من المطر فإنه يجوز الجمْعُ وإنْ لم يكن المطرُ ينزل؛ وذلك لأنَّ الوحلَ والطينَ يشُقُّ على الناسِ أن يمشوا عليه، وانظروا إلى المشقَّةِ الآنَ، ليست المشقَّةُ شديدةً، لكنْ مع ذلك لَمَّا كان فيه نوعٌ من المشقَّة جازَ الجمعُ بين العِشاءينِ، إذَن المطرُ والوحلُ يُباح لهما الجمعُ بين العِشاءينِ لا بين الظُّهرينِ.
الثالث مما يختصُّ بالعشاءينِ قال: (وريحٍ شديدةٍ باردةٍ).
(ريح شديدة) اشترط المؤلف شرطَينِ في الريح: أنْ تكون شديدة، وأنْ تكون باردة.
وظاهرُ كلامه أنه لا يُشترط أنْ تكون الليلةُ مُظْلمةً، إي نعم، أنه لا يُشترط أن يكون في ليلةٍ مُظْلمةٍ، بلْ يجوزُ الجمْعُ للريحِ الشديدةِ الباردةِ في الليل وفي النهار.
الطلبة: في النهار لا، ().
الشيخ: ليش؟
الطلبة: ().
الشيخ: لأن الكلام: (بين العِشاءينِ)، وبين العشاءينِ لا يُمْكن أنْ يكون فيه نهار.
إذَنْ لا يُشترط أن تكون الليلةُ مظْلمةً، حتى لو كانتْ مُقْمِرةً وفيها ريحٌ شديدةٌ باردةٌ فإنه يُباح الجمْع.
ولكنْ إذا قال قائلٌ: ما هو حدُّ البرودة؟
[ ١ / ٢٢٣٠ ]
فالجواب عن ذلك أن يُقال: المراد بالريحِ الشديدةِ ما خَرَجَ عن العادة، وأمَّا الريحُ المعتادةُ فإنها لا تُبيح الجمْع، لكن الريح الخارجة عن العادة التي يكون فيها برودةٌ تشقُّ على الناس يجوز فيها الجمْع.
فإنْ قال قائلٌ: إذا وُجِدتْ شِدَّةُ بَرْدٍ دون ريحٍ هلْ يُباح الجمْع؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنَّ شدَّة البردِ بدون الريح يمكن أن يتوقَّاها الإنسانُ بكثرةِ الثياب، لكنْ إذا كان هناك ريحٌ مع شِدَّةِ البردِ تدخلُ في الثياب.
طيب، لو كان هناك ريحٌ شديدةٌ بدون بَرْدٍ؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: فلا جَمْع؛ لأن الريحَ الشديدةَ بدون بَرْدٍ ليس فيها مشقَّةٌ، لكنْ لو فُرِضَ أنَّ هذه الريح الشديدة تحمل تُرابًا يتأثَّر به الإنسانُ ويشقُّ عليه فإنها تدخل في القاعدةِ العامةِ وهي المشقَّةُ، وحينئذٍ يجوز الجمع.
إذا قال قائلٌ: ما هو الدليلُ على اختصاصِ الجمْع للريحِ الشديدةِ والمطرِ والوحلِ بالعشاءينِ؟
الدليلُ أنَّ الرسولَ ﵊ جَمَعَ بين المغربِ والعشاءِ في ليلةٍ مطيرةٍ (١٠).
ولكن الصحيح:
أولًا: هذا الحديثُ فيه نَظَرٌ؛ عندكم: رواه البخاري -أظُنُّ- والذي رواه النجادُ وليس البخاري.
ثانيًا: أن كونه جمع في ليلةٍ مطيرةٍ لا يمنع أن يجمع في يومٍ مطيرٍ؛ لأن العلَّة هي المشقَّة.
ولهذا كان القولُ الصحيحُ لهذه المسألة أنه يجوز الجمْع بين الظُّهرينِ لهذه الأعذارِ كما يجوز الجمع بين العشاءينِ، والعِلَّة هي: المشقة، فإذا وُجِدت المشقَّة في ليلٍ أو نهارٍ جاز الجمع.
إذَنْ ننظر إلى أسباب الجمع كم سببًا كان؟
السفر، المرض، ويش بعد؟
طلبة: المطر.
الشيخ: المطر.
طلبة: الريح.
الشيخ: الوَحَل.
طلبة: الريح.
[ ١ / ٢٢٣١ ]
الشيخ: الريح الشديدة الباردة، هذه خمسةُ أسبابٍ، ولكن اعلموا أنَّ الأسباب لا تنحصر في هذه الخمسة، بلْ هذه الخمسة التي ذكرها المؤلف كالتمثيل لقاعدةٍ عامةٍ وهي المشقَّة، ولهذا يجوز الجمعُ للمستحاضةِ بين الظُّهرينِ وبين المغربِ والعشاءِ لمشقَّةِ التوضي عليها لكلِّ صلاةٍ، ويجوز الجمع أيضًا للإنسان إذا كان في سفرٍ وكان الماءُ بعيدًا عنه ويشقُّ عليه أنْ يذهب إلى الماء ليتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ فإنه يجوز له الجمع، حتى وإنْ قُلْنا بعدمِ جوازِ الجمع في السفر للنازل، وذلك لمشقَّة الوضوء عليه لكلِّ صلاةٍ، فالمدار كُلُّه على المشقَّة.
هلْ مِن لازمِ جوازِ الجمعِ جوازُ القصْرِ؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، قد يجوزُ الجمعُ ولا يجوز القصْرُ، وقد يجوز القصْرُ ولا يجوزُ الجمعُ على رأْيِ من يرى أن الجمعَ لا يجوز للمسافر النازل، فلا تلازم بينهما.
ثم قال: (ولو صَلَّى في بيتِهِ أو في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباطٍ).
(لو) هذه إشارة خلاف تشير إلى أن بعض العلماء يقول إذا كان يمكنه أن يصلي في بيته فإنه لا يجوز أن يجمع لأجل المطر لأنه يمكنه أن يتحرز من هذه المشقة بصلاته في البيت أيضا إذا كان (في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباطٍ).
ما هو الساباطُ؟
الساباطُ: السقف؛ يعني لو فَرَضْنا أنَّ الشارعَ أو السوقَ الذي يؤدِّي إلى المسجدِ طريقُهُ مسقوفٌ بساباطٍ فإنه يجوزُ له أن يجمع.
والصحيحُ ما ذكره المؤلف أنه يجوز أنْ يجمع ولو كان طريقُهُ إلى المسجد تحت ساباطٍ أو صلى في بيتِهِ، هذا إذا كان من أهلِ الجماعةِ، وذلك لئلَّا تفوته الجماعة.
[ ١ / ٢٢٣٢ ]
أمَّا إذا كان يصلِّي في بيته لمرضٍ وهو لا يحضُر المسجدَ أو كانت امرأة فإنه لا يجوز لها الجمعُ من أجْل المطر، لماذا؟ لأنها لا تستفيدُ بالجمع شيئًا، فهي ليستْ مِن أهلِ الجماعةِ، ستُصلِّي في البيت، وكذلك إذا كان المريضُ لا يَصِلُ إلى المسجدِ فهو سيُصلِّي في البيت فلا يستفيدُ بالجمعِ شيئًا، فمُراد المؤلف في قوله: (ولو صَلَّى في بيتِهِ أو في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباطٍ) إذا كان من أهلِ الجماعةِ ويصلِّي مع الجماعة فإنَّنا نقول له: لا حَرَجَ أنْ تجمع مع الناس لئلَّا تفوتك صلاةُ الجماعة، أمَّا مَن ليس مِن أهل الجماعة كالنساء أو مَن سقطتْ عنه لعُذْرٍ كالمريض الذي يصلِّي في بيته فإنه لا يجوز أنْ يجمع؛ لأنه لا فائدة له في هذا الجمع.
ثم قال المؤلف: (والأفضلُ فِعْلُ الأرفقِ به).
طالب: إذا كان الرياح شديدة الحر؟
الشيخ: نعم، شديدة السَّموم، ماذا تقولون؟
طالب: وجود مشقَّة، القاعدة.
الشيخ: إي نعم، إذا كانت الريح شديدةَ الحرِّ تَلْفَحُ الوجْهَ كما يَلْفَحُ الوجْهَ النارُ فإنَّنا قد أصَّلْنا قاعدةً وهي المشقَّة، متى وُجِدت المشقَّةُ جازَ الجمع.
طالب: ولو في النهار؟
الشيخ: ولو في النهار.
الطالب: ().
الشيخ: المشقَّة؟ المشقَّةُ: ما يَحصُل به شيءٌ من الحرج، ولا هي معنى المشقة الضرورة، الضرورة ليست بشيء، ولهذا قُلنا قبل قليل: المطر الذي يبلُّ الثيابَ مبيحٌ للجمع، مع أنَّه ما فيه مشقةٌ إلى ذاك.
طالب: فرَّقْنا يا شيخ بين النازلِ والسائرِ؛ قلنا: السائرُ يُستحَبُّ له الجمْع، والنازل يجوز. () عن النبي ﷺ؟
[ ١ / ٢٢٣٣ ]
الشيخ: نعم، السبب في ذلك هو أنَّ الرسول لَمَّا كان نازلًا في مِنًى كان لا يجمع، وجَمْعُهُ في تبوكَ أو في الأبطحِ كما يقتضيه ظاهر حديثِ أبي جُحيفة ليس بيِّنًا في أنَّ العِلَّة سَفَرٌ، قد يكون أنَّ الرسول ﵊ إنما جَمَعَ هناك من أجْلِ أنه احتاج إلى الجمع لِتَعَبٍ أو قِلَّةِ ماءٍ أو غيرِه، فلهذا قُلْنا: إنه لا يُسَنُّ الجمع، لكنه يُباح على ظاهر الفعل.
وأمَّا إذا كان سائرًا فإنه ثَبَتَ أنَّ الرسول ﵊ كان إذا ارْتَحَلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى العصرِ، وإذا زالت الشمسُ وهو في مكانه صلَّى الظُّهرَ والعصرَ ثم رَكِبَ (٦).
طالب: والقاعدة المشقَّة، وكيف خرجتْ صلاةُ الصبح من الجمع وكذلك هذه القاعدة من ..؟
الشيخ: نعم، يقول: إذا كانت العِلَّةُ المشقَّةَ فلماذا خرجتْ صلاةُ الصبح عن الجمع؟
الجوابُ سهلٌ؛ صلاةُ الفَجْر مستقِلَّةٌ بوقْتِها، منفردة، فلا يُمْكن أنْ نجمعها؛ لأنَّا لو أخَّرْنا العِشاء إليها لكان حالَ بينها وبين العِشاء زمنٌ ليس بوقتٍ لا لهذه ولا لهذه.
الطالب: وكذلك بين الظُّهر و..
الشيخ: وكذلك بين العصرِ والمغربِ؛ لأنَّ العصر نوعُها غيرُ نوعِ المغرب، وكذلك بين الظُّهرِ والفجرِ للوقت الذي بينهما وليس بوقتٍ لا للفَجْرِ ولا للظُّهر.
طالب: () إذا جَمَعَ بالنسبة للمَطَر هلْ يجمع تقديمًا أو تأخيرًا؟ وإذا زالَ العُذر إذا جمعَ جمعَ تقديمٍ يُعيد أو لا يُعيد؟
الشيخ: الغالبُ أنَّ الأرفقَ في المطرِ جمعُ تقديمٍ، هذا الغالب.
طالب: وإذا زالَ العذر؟
الشيخ: وإذا زالَ لا يُعيد، كما أنَّه لو صلَّى الصلاةَ ركعتينِ ثم قَدِمَ البلدَ لا يُعيد.
طالب: شيخ، مَن أراد أنْ يسافر قبل أنْ يدخل العصرُ، فهو سيصلي الظُّهر ثم ينام ويلحق قبل العصرِ () نصف ساعة، هل يجوز له أن يجمع الظهر ..؟
الشيخ: وهو في بلده؟
الطالب: وهو في بلده.
[ ١ / ٢٢٣٤ ]
الشيخ: لا، لا يجوز أنْ يجمع العصرَ إلى الظهرِ وهو في بلده إلا إذا كان يخشى ألَّا يتمكَّن من صلاة العصر في وقتها؛ مثل أن تكون الرحلةُ في طائرةٍ لا يتمكَّن من صلاة العصر في وقتها، أو في نقْلٍ جماعيٍّ يخشى ألَّا يقِفوا له، ففي هذه الحالِ لا بأس أنْ يجمع.
الطالب: شيخ، يشقُّ عليه وهو يسافر أن ينزل ()؟
الشيخ: أبدًا، ولا فيه مشقَّة.
الطالب: ().
الشيخ: ما فيه مشقَّة، لكن السبب الآن غير موجود، السبب -وهو السفر- غير موجود.
الطالب: بس المشقة الآن؛ ربما يشقُّ عليه أنه ينزل.
الشيخ: ما هي مشقَّةً؛ النزول، () لا تنزل.
ماذا يرى المؤلف ﵀ في قصْرِ الصلاةِ لِمَنْ سافر؟
طالب: أنْ يقصُرَ الصلاةَ.
الشيخ: إي، ما رأيُه؟ هلْ هو حرام ولَّا واجب ولَّا مكروه ولَّا أيش؟
الطالب: لا، واجب.
الشيخ: واجب! يرى المؤلف أن القصر للمسافر واجب! نعم، اقرأ العبارة التي تُفيد ذلك.
طالب: مباح.
الشيخ: مباحٌ ليس بواجب! اقرأ العبارة التي تفيد ذلك.
طالب: مَن سافر سفرًا مباحًا، سُنَّة ..
الشيخ: يرى أنه؟
الطالب: سنة.
الشيخ: مِن أين يؤخذ؟ العبارة التي تفيد ذلك.
الطالب: (سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ ركعتينِ).
الشيخ: أحسنت، من قوله: (سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ ركعتينِ).
ما شروط السفرِ الذي يُباح فيه القَصْر أو الذي يُسَنُّ؟
طالب: () المسافر يعني.
الشيخ: نعم.
الطالب: أنْ يكون السفرُ مباحًا.
الشيخ: أنْ يكون السفر مباحًا.
طيب، مِن أين تؤخذ من عبارته؟
الطالب: قال: (مَن سافرَ سفرًا مباحًا أربعةَ بُرُدٍ).
الشيخ: (أربعةَ بُرُدٍ)، طيِّب، كم البريد؟
طالب: البريد نصفُ يومٍ.
الشيخ: نصف يومٍ، وبالتقدير المساحي؟
الطالب: ثلاثة فراسخ.
الشيخ: ثلاثة فراسخ!
طالب: البريد أربعة فراسخ.
الشيخ: والفرسخ؟
الطالب: الفرسخ ثلاثةُ أميال.
الشيخ: أحسنت، صحَّ، إذَنْ تكون المسافةُ بالأميال؟
طالب: ثمانيةً وأربعينَ ميلًا.
[ ١ / ٢٢٣٥ ]
الشيخ: ثمانيةً وأربعين ميلًا، نعم.
المؤلف يرى أنَّ القَصْر سنَّةٌ، هلْ هناك أحدٌ يرى خِلافَ رأيِ المؤلف؟
طالب: نعم، أبو حنيفة وابنُ تيمية يريانِ أنَّ القصْر واجبٌ.
الشيخ: فيمَنْ يرى أن القصْر واجبٌ، ما هو الدليل على هذا القول أو لهذا القول؟
طالب: روى البخاريُّ وغيره عن عائشة قالت: أول ما فُرِضَت الصلاةُ ركعتينِ، فأُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ وزِيدَ في صلاةِ الحضَرِ ركعتانِ (١١).
الشيخ: أول ما فُرِض ..؟
الطالب: أقول: الأصل أنَّ الأصل ركعتان.
الشيخ: أول ما فُرِضت الصلاةُ ركعتين، ثم زيد ..؟
الطالب: في صلاة الحضر.
الشيخ: نعم، وأُقِرَّتْ ..؟
الطالب: صلاةُ السفرِ.
الشيخ: على الفريضة الأولى. هذا دليل.
دليل آخر؟
طالب: قولُه ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٤).
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: وقد كان لا يُتِمُّ الصلاةَ في السفر، لم يُحفَظ عنه أنه أَتَمَّ الصلاةَ في السفر أبدًا، ما دليل المؤلف؟ ما هو الدليل لرأيِ المؤلف أنه سُنَّةٌ وليس بواجبٍ؟
طالب: الآية؛ قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: ١٠١]
الشيخ: نعم، ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
الطالب: () النبي ﷺ.
الشيخ: هذا قد يَرُدُّ على الوجوب.
الطالب: الآية ().
الشيخ: طيب، يَرِد علينا السعيُ بين الصفا والمروة، الحج والعمرة؛ قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
الطالب: () عائشة () فسَّرتْ بأنه ليس المراد ().
الشيخ: اللي هي؟
الطالب: الصفا والمروة.
طالب: قولُ النبيِّ ﷺ: «هِيَ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (١٢)، سَمَّاها النبيُّ ﷺ صدقةً.
[ ١ / ٢٢٣٦ ]
الشيخ: نعم، طيب، الصدقة منها ما هو واجبٌ؛ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾ [التوبة: ٦٠].
الطالب: إي، لكن الأصل، والأصل أنها أربع، وسماها النبي عليه الصلاة ..
الشيخ: كيف الأصل أنها أربع وهي أوَّل ما فُرِضَت ركعتينِ ثُمَّ زِيدَ؟
الطالب: لكن الصدقة الآن ..
الشيخ: الصدقة، وأيضًا الرسول قال: «اقْبَلُوا صدقتَهُ»، أَمَرَنا بقبولها، والأصلُ في الأَمْرِ الوجوبُ.
طالب: هو أنَّ عُثمان ﵁ صلَّى بِمِنًى أربعًا، وكان الصحابةُ كلُّهم موجودين، فلمْ تَبْطُل الصلاةُ، فدلَّ على ().
الشيخ: يعني الدليل ما هو كالإجماعِ للصحابةِ من الإتمامِ خلفَ عثمانَ مع إنكارهم عليه، كذا؟
طيب، لو قال قائلٌ: إنَّ وجوبَ القَصْر عارَضَهُ وجوبُ متابعةِ الإمامِ، فسقط القصْر كما سقط التشهدُ الأولُ إذا نَسِيهُ الإمامُ وقامَ.
المسألة في الحقيقة جيِّدة، ما هي هيِّنة، القولُ بالوجوبِ قويٌّ جدًّا ما هو هيِّن
طالب: إذا قُلنا: إنَّ الإتمامَ يُبطل الصلاةَ فإنه لا يجوز متابعةُ الإمامِ على هذا.
الشيخ: يعني إذا قلنا بوجوب القَصْر لَزِم مِن ذلك بُطْلانُ الصلاةِ بالإتمام، ومتابعةُ الإمامِ فيما يُبطِل الصلاةَ لا تجوز، ولهذا لو صلَّى الإمامُ سِتًّا لا يجوز أن نصلِّي سِتًّا، هذا أَدْنى ما يُقال في دَفْعِ القولِ بالوجوبِ؛ أنْ يُقال: إنَّ الصحابةَ شِبهُ مُجْمِعينَ على الإتمام خلفَ عثمان ﵁، ولو كان القَصْر واجبًا ما أَتَمُّوا خَلْفه، وقد استدلُّوا أيضًا بما قال الأخ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ».
لكن هذا أُجِيبَ عنه بأنَّ الصدقةَ قد تكون واجبةً؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وأيضًا يُقَرِّر وجوبَ هذه الصدقةِ أنَّ الرسولَ قال: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»، والأصلُ في الأمْرِ الوجوبُ.
على كلِّ حالٍ أدنى أحوالِ الإتمام أنْ يكون مكروهًا، إي نعم.
[ ١ / ٢٢٣٧ ]
طيب، رجلٌ ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في سَفَرٍ؟
طالب: يُصَلِّيها قَصْرًا.
الشيخ: كيف؟ لكنْ تخلَّلَهُما إقامةٌ.
الطالب: نعم؛ لأنه ذكرَها في سفرٍ، والأصل ..
الشيخ: يعني هو سافرَ مثلًا مِن مكةَ إلى المدينةِ ونَسِيَ صلاةً، والمدينةُ هي بلدُهُ، ثم رجعَ إلى مكة، وفي أثناء السفر ذَكَر أنه لم يُصَلِّ.
الطالب: يُصلِّيها قصرًا.
الشيخ: ولو تخلَّلَهما إقامةٌ؟ ماذا تقولون؟
الطلبة: صح.
الشيخ: صح، تمام؛ لأن هذه الصلاةَ وجبتْ أداءً وقضاءً في سفرٍ.
لو ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ؟
طالب: يُتِمُّ.
الشيخ: ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ يُتِمُّ؟
الطالب: هذا على رأي المؤلف.
الشيخ: إي، يُتِمُّ، كيف يُتِمُّها وهو ذَكَرها في السفر؟
الطالب: هذا رأي المؤلف؛ لأنها وجبتْ تامَّةً.
الشيخ: تامَّة، هل فيه دليل من السُّنةِ على هذا؟
الطالب: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١٣).
الشيخ: نعم، وجْهُ الدلالة؟
الطالب: أنه متى ذَكَرَها ().
طالب: وجهُ الدلالةِ: «فَلْيُصَلِّهَا».
الشيخ: «فَلْيُصَلِّهَا» الضمير يعود على الصلاةِ المنسِيَّةِ، إذَنْ إنْ كانتْ تامَّةً فلَزِمتْهُ تامَّةً، وإنْ كانتْ مقصورةً لَزِمتْهُ مقصورةً، ولهذا لوْ ذَكَرَ صلاةَ ليلٍ في نهارٍِ صلَّاها جهريَّةً، ولوْ ذَكَرَ صلاةَ نهارٍ في ليلٍ صلَّاها سِرِّيَّةً.
طالب: العلَّة موجودة.
الشيخ: هذا الدليل.
الطالب: للسفر.
الشيخ: أقول: هذا هو الدليل؛ «فَلْيُصَلِّهَا» هذه مَقضيَّة، ما هي أصليَّة.
لو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: صلى قصْرًا.
الشيخ: صلاة سفرٍ في حضرٍ.
الطالب: يقصر.
الشيخ: يعني يُصَلِّيها قصرًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: وهو ببلده؟ ما الدليل؟
الطالب: قولُ الرسولِ ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، «فَلْيُصَلِّهَا».
[ ١ / ٢٢٣٨ ]
الشيخ: وهذه صلاةٌ وجبتْ ركعتينِ، فلا يَلْزمُهُ إلا ركعتانِ، صحيح؟
طالب: القول الصحيح ..
الشيخ: هذا القول الصحيح الثاني المؤلف يرى
طالب: يذكر أنه يتم
الشيخ: يتم؟
الطالب: نعم
الشيخ: ليش؟ حجته؟
الطالب: ().
طالب: كان يقول: إذا اجتمعَ مُبِيحٌ وحاظِرٌ ().
الشيخ: إي، اجتمعَ مُبيحٌ وحاظِرٌ فغُلِّبَ جانبُ الحظْر، تمام.
رجلٌ صاحبُ نَقْلِيَّاتٍ، دائمًا في سَفَرٍ، هلْ يَقْصُر أو لا يَقْصُر؟
طالب: يَقْصُر.
الشيخ: تراه دائمًا في سفرٍ؛ مِن مكةَ إلى المدينةِ إلى الرياضِ إلى الدمَّامِ.
الطالب: لأنه مفارقٌ عامرَ قريتِهِ.
الشيخ: عامرَ قريتِهِ، فيقصُر، والحديث عامٌّ، والآية عامَّةٌ؛ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض﴾ [النساء: ١٠١]، فما داموا ضاربينَ في الأرضِ فإنهم يقصُرون.
صاحبُ سفينةٍ دائمًا في البحر مِن ميناءٍ إلى ميناءٍ؟
الطالب: اشترطَ المؤلف شرطينِ ().
الشيخ: هلْ يَقْصُر أو يُتِمُّ؟
الطالب: () شرطين.
الشيخ: أولًا أجبْ ثم اذْكُر الشروط، هلْ يَقْصُر أو يُتِمُّ؟
الطالب: معه أهلُهُ أمْ لا؟
الشيخ: لا، السؤالُ هلْ يقصُر أمْ يُتِمُّ؟ قلْ لي: يقصُر بشروط، أو: يُتِمُّ بشروط، اللِّي تبغيه.
الطالب: في سَفَر؟
الشيخ: ملَّاحٌ في البحرِ دائمًا.
الطالب: يقصُر.
الشيخ: بدون شرط؟
طالب: إنْ كان معه أهلُه ولا ينوي الإقامةَ في البلد لَزِمَهُ أن يُتِمَّ، وإنْ كان ليس معه أهلُه وينوي الإقامةَ في البلد يقصُر.
الشيخ: نعم، تمام، صح، إذا كان معه أهلُه ولا ينوي الإقامةَ في البلد لَزِمَهُ أنْ يُتِمَّ؛ لأنه أصبح بلدُه أيش؟ سفينتَهُ، تمام.
هل الجمعُ سُنَّةٌ أو واجبٌ أمْ ماذا؟
طالب: الجمع إذا كان بسببٍ فهو سُنَّة ..
الشيخ: نريد كلامًا على رأْيِ المؤلف.
الطالب: جائز.
الشيخ: جائز، ليس بسُنَّةٍ ولا واجبٍ ولا مكروهٍ ولا حرامٍ، جائز.
أيُّ عبارة تدلُّ على هذا من كلام المؤلف؟
طالب: قوله: (يجوز الجمع).
[ ١ / ٢٢٣٩ ]
الشيخ: (يجوز الجمع)، تمام.
ما تقول يا أخ في الجمع بين العِشاء والفجر؟
طالب: لا يوجد جَمْعٌ بين العِشاء والفجر؛ لأن بينهما وقتًا مفصولًا عنهما.
الشيخ: لانفصالها في الوقت عن؟
الطالب: عن العِشاء.
الشيخ: عن العِشاء.
ما الذي فَصَلَهما؟
الطالب: الوقتُ الذي من نصف الليلِ إلى طلوعِ الفجر.
الشيخ: أحسنتَ.
الجمعُ بين المغربِ والعصرِ؟
طالب: لا يجوز الجمع.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن العصرَ في صلاةِ النهارِ والمغربَ في صلاةِ الليلِ.
الشيخ: يعني اختلاف الجنس؛ العصرُ نهاريَّةٌ، وهذه ليليَّةٌ، وإلَّا فالوقت بينهما متَّصل، تمام.
ما هو القولُ الراجحُ في القصْر؟
الطالب: القولُ الراجحُ في القصْر أنه سُنَّة.
الشيخ: سُنَّة، مطْلقًا؟
الطالب: لا، سُنَّةٌ للجادِّ في السير.
الشيخ: إذا جدَّ في السير، وإنْ كان لم يَجِدَّ بالسير فهو جائزٌ ولكن تَرْكه أفْضَل، تمام.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
نأخذ الدرس الجديد إنْ شاء الله.
قال المؤلف ﵀: (والأفضلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ).
(الأفضل) أي: لِمَنْ يُباح له الجمْعُ (فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ)، فإنْ كان التأخيرُ أَرْفَقَ فلْيُؤَخِّرْ، وإنْ كان التقديمُ أَرْفَقَ فلْيُقَدِّمْ، هذا هو الأفضل، ودليلُ هذا قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقولُ النبيِّ ﷺ «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ» (١٤)، هذا دليلٌ، ولأنَّ الجمْعَ إنما شُرِع رِفْقًا بالمكلَّف، فما كان أَرْفَقَ به فهو أفضل، فصارَ لدينا دليلانِ من الكتاب والسُّنة، وهذانِ دليلانِ أثريَّانِ، والثالثُ دليلٌ نظريٌّ؛ وهو أنَّ الجمع إنما شُرِع؟
طالب: رِفْقًا بالمكلَّف
الشيخ: رِفْقًا بالمكلَّف، فما كان أَرْفَقَ فهو أفضل.
[ ١ / ٢٢٤٠ ]
وسُنَّةُ الرسولِ ﵊ تدلُّ على هذا؛ فإنه ﷺ كان إذا ارتَحَلَ قبْلَ أنْ تَزِيغَ الشمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى العصرِ، وإذا ارتَحَلَ بعدَ أنْ تَزِيغَ الشمسُ صلَّى الظُّهرَ والعصرَ ثم ركِبَ (٦).
وكذلك المريضُ لو كان الأرفقُ به أنْ يُقَدِّم صلاةَ العِشاء مع المغربِ قُلنا: هذا أفضل، ولو كان بالعكس أنْ يؤخِّر المغربَ إلى العِشاء قُلنا: هذا أفضل.
طيب، الجمعُ في المطرِ، هل الأفضل التقديم أو التأخير؟
الطلبة: التقديم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: أَرْفَق.
الشيخ: لأنه أَرْفَقُ بالناس، ولهذا نجد الناسَ كلَّهم في المطر لا يَجْمعون إلا جَمْعَ تقديمٍ.
يقول: (الأفضلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ).
واعلمْ أنَّ كلام المؤلف هنا لا يعني أنه إذا جازَ الجمعُ فلا بُدَّ أنْ يكون تقديمًا أو تأخيرًا، بلْ إذا جازَ الجمعُ صار الوقتانِ وقتًا واحدًا، فيجوز أنْ تُصلِّي المجموعتينِ في وقت الأُولى أو في وقت الثانيةِ أو فيما بين ذلك، وأمَّا ظنُّ العامةِ أنَّ الجمعَ لا يجوز إلَّا في وقت الأُولى أو وقت الثانية فهذا لا أصلَ له؛ لأنه متى أُبِيحَ الجمعُ صارَ الوقتُ وقتًا واحدًا.
قال: (الأفضلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ به مِن تأخيرٍ وتقديمٍ). استثنى بعضُ العلماء قال: إلَّا جَمْع عَرَفَةَ فالأفضلُ التقديمُ، أو مزدلفةَ فالأفضلُ التأخيرُ. ولكنَّ هذا لا وجْهَ له؛ لأنَّ جَمْع عَرَفَةَ تقديمًا أَرْفَقُ بالناسِ من الجمْعِ تأخيرًا؛ لأن الناس لا يمكن أن يُحبَسوا إلى وقت العصرِ مجتمعين وهُم يريدون أن يتفرَّقوا في مواقفهم ويدْعُون الله، فالأرفقُ بهم بلا شكٍّ أيش؟ التقديمُ، أمَّا في مزدلفة فالأرفقُ التأخيرُ؛ لأن إيقافَ الناسِ في أثناء الطريقِ وهُم في سَيْرِهم إلى مُزدلفة فيه مشقَّة، فالأرفقُ إذَنْ هو التأخيرُ، وعلى هذا فإنه لا وجْهَ للاستثناء.
[ ١ / ٢٢٤١ ]
فإنْ قال قائلٌ: إذا تساوى الأمْرانِ عند الإنسان -أي: التقديم أو التأخير- فأيُّهما أفْضَل؟
قالوا: الأفضلُ التأخير؛ لأن التأخير غايةُ ما فيه تأخيرُ الأُولى عن وقتِها، والصلاةُ بعدَ وقتِها جائزةٌ مُجزِئة، وأمَّا التقديم ففيه صلاةُ الثانيةِ قبلَ دخولِ وقتِها، والصلاةُ قبلَ دخولِ الوقتِ لا تصِحُّ ولو جهْلًا.
على كلِّ حالٍ يقول العلماءُ ما سمعتم: إذا استويا في الأَرْفَقيَّة .. أجيبوا.
طالب: الأفضل التأخير.
الشيخ: فالأفضل التأخير، نعم.
(فإنْ جَمَعَ في وقتِ الأُولى اشتُرِطَ نِيَّةُ الجمْعِ عند إحرامِها، ولا يفرق بينهما إلا بمقدارِ إقامةٍ ووُضُوءٍ خفيفٍ وأنْ يكون العُذْرُ موجودًا عند افتتاحِهما وسلامِ الأُولى).
إذا جمعَ في وقتِ الأُولى اشتُرِطَ ثلاثةُ شروطٍ:
الشرطُ الأولُ: نيَّةُ الجمْعِ عند إحرامِها، وهذا مبنِيٌّ على اشتراطِ نيَّةِ القصْرِ للمسافرِ، يقول: لأنَّ الجمعَ ضمُّ إحدى الصلاتينِ إلى الأُخرى، فلا بدَّ أنْ تكون نيَّةُ الضمِّ مشتمِلةً على جميعِ أجزاءِ الصلاةِ، فلا بُدَّ أن ينويَ عند إحرامِ الأُولى، فلو فُرِضَ أنه دخلَ في الأُولى وهو لا ينوي الجمْعَ، ثمَّ في أثناء الصلاةِ بَدَا له أنْ يجمعَ؛ فإنَّ الجمعَ لا يصحُّ، لماذا؟ لأنه لم يَنْوِهِ عند إحرامِها -عند إحرامِ الأُولى- فخلا جزءٌ منها عن نيَّةِ الجمْع، والجمْعُ هو الضَّمُّ، ولا بدَّ أنْ يكون الضَّمُّ مشتمِلًا لجميعِ الصلاة.
طيب، لو أنه سلَّمَ من الأُولى ثم نوى الجمْع، يجمع؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجمع من بابِ أَوْلى، لماذا؟ لأنه لم يَنْوِهِ عند إحرامِ الأُولى، هذا ما رآهُ المؤلفُ ﵀.
[ ١ / ٢٢٤٢ ]
والصحيحُ أنه لا يُشترَطُ نيَّةُ الجمْع عند الأُولى الذي يُشترَطُ هو وجودُ سببِ الجمْع، وأيضًا يُشترَطُ وجودُ سببِ الجمْعِ عند الجمْع؛ أي: ضمِّ الثانيةِ للأُولى، لا عند إحرامِ الأُولى، إحرامُ الأُولى ليس له شأنٌ أو ليس له دَخْلٌ في الموضوع، فالصحيح أنه لا تُشترَطُ نيَّةُ الجمْعِ عند إحرامِ الأُولى، بلْ له أنْ ينويَ الجمْعَ ولو بعد سلامِهِ من الأُولى، ولو عند إحرامِهِ في الثانيةِ ما دامَ السببُ موجودًا، ويظهرُ هذا بالمثال.
مثلًا لوْ أنَّ الإنسانَ كان مسافرًا وغابت الشمسُ، ثم شَرَعَ في صلاة المغربِ بدون نيَّةِ الجمعِ، لكن في أثناء الصلاةِ طرأَ عليه أنْ يجمع، فعلى رأي المؤلفِ: لا يجوز، وعلى الرأي الثاني: يجوز، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابن تيمية ﵀.
يقول: (ولا يفرقَ بينهُما). ولَّا (ولا يفرقُ)؟
طالب: مضمومة.
الشيخ: بالضم؟
طالب: ().
الشيخ: مُعربة عندكم؟
طالب: لا.
طالب آخر: مُعربة.
الشيخ: بالضمِّ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، الصواب النصب؛ (ولا يفرقَ بينهُما)؛ لأنها على تقدير (أنْ)؛ يعني: وأَلَّا يفرقَ، معطوفًا على مصدرٍ صريحٍ وهو قولُه: (نيَّة الجمْعِ)، والفعلُ المضارعُ إذا عُطِفَ على مصدرٍ صريحٍ فإنه يُنصب بـ (أنْ) مُضمَرةٍ، ومنه قولُ الشاعر:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
(لُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ) أي: وأنْ تَقَرَّ عيني.
وتقول: زيارتي زيدًا ويُكرمَني أحبُّ إليَّ من التأخُّرِ عنه. (زيارة زيدٍ ويُكرمَني) أي: وأنْ يُكرمَني.
إذَنْ (ولا يفرقَ) يعني: ويُشترَطُ ألَّا يفرقَ بينهما؛ أي: بين المجموعتينِ، ونحن الآن في جمعِ التقديم.
[ ١ / ٢٢٤٣ ]
(إلا بمقدارِ إقامةٍ ووُضوءٍ خفيفٍ). خلاصةُ هذا الشرطِ الموالاةُ بين الصلاتينِ؛ يعني أنْ تكون الصلاتانِ متواليتينِ لا يفصل بينهما إلا بشيءٍ يسير؛ إلا بمقدارِ إقامةٍ؛ لأن الإقامة للثانية لا بدَّ منها ولو حَصَلَ الفصلُ.
(ووُضُوءٍ خفيفٍ) لأن الإنسانَ ربما يحتاجُ إلى الوُضوءِ بين الصلاتينِ، فسُومِحَ في ذلك.
قال: (ويَبْطُلُ براتِبَةٍ بينهما).
(يَبْطُل) يعني الجمع (براتبةٍ) أي: بصلاةٍ راتبةٍ بينهما، بين أيش؟
طلبة: بين الصلاتينِ.
الشيخ: بين الصلاة الأولى والثانية؛ يعني لو جَمَعَ بين المغربِ والعِشاءِ جمْعَ تقديمٍ، فلمَّا صلَّى المغربَ صلَّى الراتبةَ -راتبةَ المغربِ- فإنه لا جَمْعَ حينئذٍ، لماذا؟ لوجودِ الفصلِ بينهما بصلاةٍ.
لو فَصَلَ بينهما بفريضةٍ؟
طلبة: ما يُمْكن.
الشيخ: يُمْكن؛ بعد أنْ سلَّمَ من المغربِ ذَكَرَ أنه صلَّى العصرَ بلا وضوءٍ فصلَّى العصر، فلا جَمْعَ؛ لأنه إذا بَطَلَ الجمْعُ بالراتبةِ التابعةِ للصلاةِ المجموعةِ فبُطْلانُهُ بصلاةٍ أجنبيَّةٍ مِن بابِ أَوْلى.
لو صلَّى تطوُّعًا غير راتبةٍ؟
طلبة: ().
الشيخ: مِن بابِ أَوْلى؛ لأنه إذا بَطَلَ بالراتبةِ التابعةِ للمجموعةِ فما كان أجنبيًّا عنها وليس تابعًا لها فهو من بابِ أَوْلى.
(يَبْطُل براتبةٍ بينهما) طيب، هذا الشرطُ أيضًا فيه خلافٌ بين العلماء، واختارَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية أنَّه لا تُشترَطُ الموالاةُ بين المجموعتينِ وقال: إنَّ معنى الجمْع هو الضَّمُّ في الوقتِ؛ أي: ضمُّ وقتِ الثانيةِ للأُولى بحيثُ يكونُ الوقتانِ وقتًا واحدًا، وليس ضَمَّ الفِعْلِ.
وعلى هذا -على رأي شيخ الإسلام- لو أنَّ الرجُلَ صلَّى الظُّهرَ وهو مسافرٌ بدون أنْ ينويَ الجمْعَ ثم بَدَا له أنْ يمشيَ، كان بالأول مقيمًا ثم بدا له أن يمشي قبل العصر، فهل يجمع؟
[ ١ / ٢٢٤٤ ]
على رأي شيخ الإسلام يجمع، وعلى ما ذَكَره المؤلف لا يجمع لسببينِ: أولًا: أنه لم يَنْوِ الجمْعَ عند إحرامِ الأُولى، والثاني: أنه فَصَلَ بينهما.
وقد ذَكَر شيخُ الإسلامِ ﵀ نصوصًا عن الإمام أحمد تدلُّ على ما ذهبَ إليه مِنْ أنَّه لا تُشترَطُ الموالاةُ في الجمْعِ بين الصلاتينِ تقديمًا، كما أنَّ الموالاةَ لا تُشترَطُ في الجمْعِ بينهما تأخيرًا كما سيأتي.
طالب: والراجح يا شيخ؟
الشيخ: واللهِ لا شكَّ أنَّ الأحوطَ ألَّا يجمع إذا لم يتَّصِل، ولكنَّه رأي شيخ الإسلام له قُوَّةٌ، وربما نتكلَّم على ما يؤيِّده في الجمْعِ بالثانية.
طالب: مشى بالطائرة، وأقلعتْ، وفارقَ القريةَ، ثم أحيانًا تعودُ الطائرةُ فوق البلد، يُصلِّي قَصْرًا أو جمْعًا، ولَّا هو تابع للأرض؟
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذه المسألة؟ يقول: سافرَ بالطائرة، والمطار خارج البلد، وركِبَ الطائرة، ولكن الطائرة أخذت دورةً فمَرَّتْ ببلدِهِ وهو يُصلِّي، فهلْ يَلْزمه الإتمامُ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرارِ.
طلبة: لا يَلْزمه يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن من عادة نزولِ الطائرة ما تَصِل في وقتٍ يسيرٍ () عن البلد () ..
الشيخ: على كلِّ حال ما يخالف، خلِّها لا تأخذ إلا شيئًا يسيرًا، لكنْ هو مَرَّ ببلده.
الطالب: الطائرة .. ما يُمْكن أنْ تكون طائرة تسافر ثم ترجع البلد ()، إذا أقلعتْ من المطار ()، يوجد سبع دقائق () تتجاوز البلد كلها، ثم بعد ذلك يصلِّي صلاةَ قصْر.
الشيخ: لكنْ ربما أنه الطيار ودُّه يتفرج على ()، يمكن قائد الطائرة هذا بلده ودُّه يتفرج عليها.
طالب: هذا عامٌّ إذا فارقَ عامرَ القريةِ؛ لأنه سواء كان فوقه ولَّا سواء كان ()، فارق.
الشيخ: فارق، يعني هذا المرور مرورٌ غيرُ مستقِرٍّ.
الطالب: فارقَ سواءٌ كان فوقًا ولَّا جَنْبًا، وليس هذا مسألة ..
الشيخ: إي، لكنْ يقول: إنَّ الهواء تابعٌ للقرار، هذه قاعدة مطَّردة عندكم.
[ ١ / ٢٢٤٥ ]
الطالب: في الْمِلْكيَّة ليس في الصلاة.
الشيخ: يعني معناه لو مَرِّيت في المطار في الطيارة فوق الميقات وأنا أُريد الإحرام، نقول: لا تُحْرِم؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، تُحرِم.
اللِّي يظهر لي أنَّه لا يَلْزمه الإتمامُ؛ لأن هذا المرور مرور سَفَر عابر، ما هو مرور استقرارٍ وانتهاءِ سَفَرٍ، الظاهر أنَّ هذا يتبع، ثم إنَّ المدة في الغالب تكون وجيزةً، إي نعم.
طالب: () المسافر أصلًا، أو يصدق عليه ..
الشيخ: إي نعم () هذا مرور عبور.
الطالب: شيخ، البرهان على أنَّ السفينة تصبح منزلًا للراكب إذا كان معه أهلُه، ويش الدليل؟
الشيخ: الدليل هذا الواقع.
الطالب: هو يصْدُق عليه أنه مسافر.
الشيخ: لا؛ لأنَّه ما له بلد، السفر مفارقة الإقامة.
الطالب: هو الآن تَرَكَ مدينته ..
الشيخ: لا، ما تَرَك مدينته، لنفرض أن الرجل هذا من إفريقيا، وجاء للسعودية في مواني السعودية، ما هو بلده، يعني معناه تَرَكَ البلد، غَادَر مرة، تركه.
طالب: تصبح السفينة منزلًا؟
الشيخ: نعم، تصبح السفينةُ منزلًا، لكنها لا تكون قبرًا، إذا مات في أثناءِ البحر يُدفَن في البحر.
طالب: يعني ما يَصْدُق عليه أنه مسافر؟
الشيخ: لا، ما يَصْدُق عليه؛ لأنه ما له بلد.
طالب: شيخ، ويش الدليل على أنه يُسَنُّ الجمع إذا جدَّ به السير؟
الشيخ: فِعْلُ الرسول ﵊.
الطالب: يعني النبي ﷺ ما كان يجمع إلَّا إذا جدَّ به السير.
الشيخ: لا، قد يجمع أحيانًا وهو مقيم.
الطالب: يعني تارةً يجمع وهو مقيم، وتارةً () يجمع قبل أن يمشي ().
الشيخ: مِن المدينة يعني؟ ما وَرَدَ هذا.
الطالب: ما جَمَع إلَّا وهو في السير يعني.
الشيخ: ما جَمَع إلَّا وهو في السير، لكنْ جَمَعَ وهو مقيمٌ في مكة في حجة الوداع كما هو ظاهرُ حديثِ أبي جُحيفة، وجَمَع أيضًا في تبوكَ كما في حديث -أظُنُّ- معاذ بن جبل أو جابر، نَسِيتُ.
طالب: جابر.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٢٢٤٦ ]
طالب: قُلْنا قاعدة أنَّ النبي ﷺ، قُلْنا في الجمع: إنه إذا شقَّ عدمُ الجمعِ جازَ الجمعُ سواءٌ كان حاضرًا أو مسافرًا، لكنَّ النبيَّ ﷺ في حديث ابنِ عباسٍ رضي الله تعالى عنهما قال: جَمَعَ النبيُّ ﷺ في المدينةِ مِنْ غيرِ خوفٍ ولا مَطَرٍ (١٥). يعني ما فيه مشقَّة على النبي ﷺ، فهلْ يجوز -مَثَلًا- الجمْعُ بلا أيِّ مشقَّة؟
الشيخ: لكنْ فسَّر ابنُ عباسٍ هذا لَمَّا سُئل قال: أراد ألَّا يُحرِجَ أُمَّته. وفَهْمُ الصحابي أصحُّ مِن فَهْمِنا؛ يعني ظاهر الحديثِ أنه جَمَعَ مِنْ غيرِ شيءٍ، لكن كَوْنه يقول: مِن غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ، هذا إشارةٌ إلى العِلَّة، لو قال: جَمَعَ مِن غيرِ شيءٍ، كان نقول: ربما يدلُّ على أنه يجوز الجمْع بدون مشقَّة، لكنْ لَمَّا أشارَ إلى شيءٍ تكون به المشقَّةُ غالبًا -وهو الخوفُ والمطرُ- عُلِمَ أنه جَمَعَ لشيءٍ آخَر في تَرْكِ الجمعِ فيه مشقَّةٌ.
طالب: الرسول ﷺ قَصَرَ في السفرِ، جَمَعَ بين الظُّهرِ والعصرِ.
الشيخ: جَمَع ولَّا قَصَر؟
الطالب: () قصر جمع.
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان بعضُ الناسِ تهوى وجه دلالته، اللي يعترضوا على فِعْل الرسول ﷺ، ويش نقول؟
الشيخ: مين اللِّي يعترض؟
الطالب: يعني ذِي أقوالهم أنهم يقولون: هذا جائز، وهذا ().
الشيخ: إي، يعني هل العامَّة ولَّا العلماء؟
الطالب: أقوال () أبو حنيفة ﵁ () يقول: ما يجوز القصر إلا في ().
الشيخ: لا، أبو حنيفة يقول: ما يجوزُ الجمْعُ. وإلا القَصْر يرى أنه واجب، أبو حنيفة يرى أنه واجب، لكنْ يقول: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة فقط، ويحمل الأحاديثَ الواردةَ في الجمعِ في غيرِ عرفةَ ومزدلفةَ على أنَّ الجمع جمعٌ صُورِيٌّ. تعرف الجمعَ الصُوريَّ؟
الطالب: إي نعم.
[ ١ / ٢٢٤٧ ]
الشيخ: أنْ تكون الأُولى في آخرِ وقْتِها والثانيةُ في أول وقْتِها.
ونحن نقول: إنَّ هذا دفاعٌ بغير سلاحٍ يستعمله بعضُ العلماء عند المضايق؛ إذا ضُيِّقَ عليه قال: المرادُ كذا وكذا. وإلَّا هذا الذي ذهبَ إليه -الجمع الصوري- هذا لا يُمكن، لا يُمكنُ الجمع الصُّوري، في عهد الرسول ﵊ لا يمكن، لماذا؟ لأن معناه لا بدَّ أن تكون هذه في آخِرِ وقْتِها وهذه في أول وقْتِها بحيثُ لا يَفْصِل بينهما مدَّةٌ طويلة، وفي عهد النبيِّ ﷺ ما هناك ساعات تَضبِط بالضبط، إنما هو باتِّباع الشمس ومن يتبع الشمس، ولهذا يُعتبر القولُ بالجمع الصوري قولًا شاذًّا بعيدًا عن الواقع.
***
طالب: () على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
(ولا يفرقَ بينهما إلا بمقدارِ إقامةٍ ووضوءٍ خفيفٍ، ويَبطُل براتبةٍ بينهما، وأنْ يكون العُذْرُ موجودًا عند افتتاحهما وسلامِ الأُولى.
ومَنْ جمعَ في وقْتِ الثانيةِ اشتُرِطَ نيَّةُ الجمعِ في وقْتِ الأُولى إنْ لم يَضِقْ عن فِعْلها، واستمرارُ العُذْرِ إلى دخولِ وقْتِ الثانية).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ما حُكم الجمعِ عند وجود سببه؟
طالب: الجمع عند وجود سببِهِ جائزٌ ().
الشيخ: جائز، يعني وليس فيه فضْل.
طالب: ().
الشيخ: فيه قول آخر؟ لا؟ أوْ لا تدري؟
طالب: لا.
الشيخ: ليس فيه قول آخر؟ !
طالب: () لحاجة.
الشيخ: هو معلوم، ما فيه جَمْع إلا لوجود السبب، لكنْ عند وجود السبب هلْ يكون الجمعُ مطلوبًا أو جائزًا مستويَ الطرفينِ؟ هذا هو السؤال.
طالب: أنه سُنَّة؛ لاتِّباع النبي ﷺ ..
الشيخ: القول الثاني؟
الطالب: أنه سُنَّة.
الشيخ: أنه سُنَّة عند وجودِ سببه.
[ ١ / ٢٢٤٨ ]
الطالب: قال ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٦). اتباع النبي ﷺ في الكيفية ().
الشيخ: طيب، هذه واحدة، فيه أيضًا .. احنا ذكرْنا أدلة.
الطالب: () قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ» (١٢)، وحديث عائشة ﵂ ..
الشيخ: لا، الصدقة هذه في القَصْر.
طالب: أحسن الله إليك، قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» (١٧).
الشيخ: نعم
الطالب: ولأن ..
طالب آخر: فعل النبي ﷺ
الشيخ: ذكره، فِعْل النبي لأنه قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
طالب: لأنه الأرفقُ بالمكلَّف، والشريعةُ قد أتتْ بكلِّ ما هو فيه يُسْرٌ وسهولة ..
الشيخ: لأنه أرفقُ وأيسرُ للمكلَّف، والشريعةُ جاءت باليُسر والرِّفق. ما هو الدليل على أنها جاءتْ باليُسر والرِّفق؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الشيخ: وقول النبي؟
الطالب: وقول النبي ﷺ: ().
الشيخ: لا.
طالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ» (١٤).
الشيخ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ».
ما هو الأفضل: جَمْع التقديم أو جَمْع التأخير؟
طالب: لينظر إذا كان الأَرْفق ().
الشيخ: يعني الأفضلُ الأرفقُ، سواء جمْع تقديم أو جمْع تأخير.
ما هو الدليل على أنَّ هذا هو الأفضل؟
طالب: الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
الشيخ: إي، صح.
وفيه دليل من فِعْل الرسول ﷺ؟
طالب: لأن النبي ﵊ كان إذا ارتَحَلَ وقد دَخَلَ الوقتُ صلَّى ثم رَكِبَ، وإذا لم يدخل الوقتُ ارتَحَلَ، فإذا دخلَ وقتُ الثانيةِ صلَّى (١٨).
[ ١ / ٢٢٤٩ ]
الشيخ: إي، إذا ارتحلَ قبْلَ أن تَزِيغ الشمسُ ..؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، قَبْل أنْ تَزِيغ.
الطالب: قبْل أنْ تَزِيغ، لا، قبل أنْ تَزِيغ الشمسُ في وقت ..
الشيخ: ارتَحَلَ ثُمَّ أخَّر، وإنْ كان قبْل صلَّى ثُمَّ ركِبَ، إذَن الدليلُ قولٌ وفِعْلٌ.
الجمع للمطر، أيُّهما أَرْفَقُ: التقديم أو التأخير؟
طالب: التقديم؛ لأن عادة الناس إذا جاء المطر يصلُّون تقديمًا المغربَ والعِشاء.
الشيخ: والعادة هي تحكم على الشرع؟
طالب: ()، إلا إذا كان الناس مجتمعين للمغرب ونزل المطر، هذه العلة وجبت بالسبب، والسبب هو المطر، () اجتمعوا، وإذا تفرقوا يصعب عليهم.
الشيخ: على كلِّ حالٍ لا شكَّ أنَّ الأرفق في جَمْع المطر للمغربِ والعِشاء هو التقديم؛ لأن الناس يأتون للمغرب، وفي عهد العلماء -﵏- لم يكن هناك كهرباء تُنير الأسواق.
طالب: الظُّهر والعصر يا شيخ؟
الشيخ: الظُّهر والعصر على المذهب ما يَرِد؛ لأنه ما فيه جَمْع للمطر، لكن على القول الراجح قد يكون الأَرْفقُ التقديمَ وقد يكون التأخيرَ؛ حسب الحال.
طيب، اشترطَ المؤلف .. يقول: إنه اشتُرط للجمع شروط؛ الشرط الأول لم يَذْكُره لوضوحه، ولا أدري هلْ ذكرتُهُ لكم أمْ لا، وهو الترتيب؛ أنْ يبدأ بالأُولى قبل الثانية؛ فبين الظُّهرِ والعصرِ يبدأ بأيش؟
طالب: بالظُّهر.
الشيخ: وبين المغربِ والعِشاء؟
طلبة: بالمغرب.
الشيخ: وبين العصر والمغرب؟
طلبة: ما فيه جمع.
الشيخ: ما فيه جمع.
الثاني: إذا جَمَعَ في وقتِ الأُولى يُشترط له ثلاثة شروط، إذا جمع في وقت الأولى اشتُرط له؟
الطالب: نيَّةُ الجمعِ عند إحرامِ الأُولى، شرطان.
الشيخ: شرطان ولَّا.
طالب: أن ينوي نيَّة الجمع عند إحرام الأولى.
الشيخ: نيَّة الجمعِ عند إحرام الأُولى، أحسنت.
ما هو الدليل أو التعليل؟ قد لا يكون في المسألة دليل لكنْ بها تعليل، والتعليل قد يُقبل وقد يُرفض.
طالب: لأن هذه عبادة، ضمَّ عبادة إلى عبادة.
[ ١ / ٢٢٥٠ ]
الشيخ: لأنَّ الجمع.
الطالب: لأنَّ الجمع ضمُّ عبادةٍ إلى أُخرى، فتحتاج إلى نيَّة.
الشيخ: إلى نيَّةِ الضمِّ في جميع أجزاء العبادتينِ.
ماذا تقول؟ هلْ هذا الشرط مُسلَّمٌ لسلامةِ عِلَّتِهِ، أو غيرُ مُسلَّمٍ لعدم سلامةِ علَّته؟
طالب: غيرُ مُسلَّم.
الشيخ: غيرُ مُسلَّم لأنك كأنَّك شعرتَ أنَّ هذا اللي أُريد.
ماذا تقول في العِلَّة؛ لأن الجمع هو الضمُّ، فلا بدَّ أن ينوي الضمَّ في العبادتينِ جميعًا، في كلِّ العبادتينِ؟
طالب: () الوقت ().
الشيخ: لأن المراد بالجمع ضمُّ الصلاةِ إلى الصلاةِ في الوقت إذا وُجِد السببُ المبيحُ؛ يعني إذَنْ لا نُسَلِّم التعليلَ الذي قال المؤلف، هذه واحدة.
الشرط الثاني؟
طالب: ألَّا يفرقَ بينهما.
الشيخ: ألَّا يفرقَ بينهما، إذَنْ نُعبِّر عن هذا بالموالاة، وهي ألَّا يفرقَ بينهما بزمنٍ طويلٍ.
ما هو التفريقُ المعفوُّ عنه؟
طالب: التفريق المعفوُّ عنه () الإقامة؛ لأن الصلاة الثانية تحتاجُ إلى إقامةٍ ()، هذا على قول المؤلف.
الشيخ: نعم، أحسنت.
ما تقول فيما لو جَمَع بين المغرب والعِشاء جَمْعَ تقديم وصلَّى الراتبةَ بينهما؟
طالب: على قول المؤلف لا يصح.
الشيخ: على قول المؤلف لا يصح الجمعُ؛ لوجود التفريقِ بينهما، أحسنت.
فرقَ بينهما بنفْلٍ مطْلَق؟
طالب: غير الراتبة؟
الشيخ: غير الراتبة، إي نعم، هو لما قرأ زاد المستقنع وقال: (ويَبْطُلُ براتبةٍ بينهما)، قال: أتنفَّل نفْلًا مطْلَقًا.
طالب: () مرجوح على القول الأول.
الشيخ: المهم سؤالي: هلْ يصحُّ الجمْعُ أوْ لا؟
طالب: على قول المؤلف لا يصحُّ.
الشيخ: لا، هو يقول: (براتبةٍ)، كيف على قول المؤلف؟ ! هو يقول: (براتبةٍ)، خصَّ بالراتبة () تأتون بنصف الجواب ()، ما عندك عِلْم؟
طالب: من بابِ أَوْلى.
[ ١ / ٢٢٥١ ]
الشيخ: يعني إذا بَطَلَ بالراتبة مع أنها تابعةٌ للصلاة فغيرها من بابِ أَوْلى، وإنما ذكر الراتبةَ لأنَّ بعضَ العلماء قال: إنه لا يَبْطُل بالراتبة بينهما؛ لأن الراتبة تَبَعٌ للصلاة السابقة.
إذَنْ فقول المؤلف: (يَبْطُل براتبةٍ)، نقول: ما سِواها من باب أَوْلى.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف، الثالث: (أنْ يكون العُذْرُ موجودًا عند افتتاحهما وسلامِ الأُولى).
(أنْ يكون العُذْرُ) يعني عُذرًا مُبيحًا (موجودًا عند افتتاحهما) أي: افتتاح الصلاتينِ الأُولى والثانية (و) عند (سلامِ الأُولى)، وذلك لأن افتتاح الأُولى محلُّ النيَّة، وقد سبق أنه يُشترط في الجمع نيَّتُه، متى؟
طالب: عند تكبيرة الإحرام.
الشيخ: عند تكبيرة الإحرام، فإذا كان يُشترط نيَّةُ الجمعِ عند تكبيرة الإحرام لَزِمَ من هذا الشرط أنه يُشترط وجودُ العُذرِ عند تكبيرةِ الإحرامِ؛ لأن نيَّة الجمعِ بلا عذرٍ غيرُ صحيحةٍ، لا يمكن أن تصحَّ نيَّةُ الجمعِ إلا إذا وُجِدَ العُذْرُ؛ فإذا قُلْنا: إنه لا بدَّ من نيَّةِ الجمعِ عند تكبيرة الإحرامِ صار لا بدَّ أيضًا من أيش؟
طالب: وجود العُذرِ.
الشيخ: مِنْ وجودِ العُذرِ عند تكبيرة الإحرامِ. إذَنْ هذا الشرط مبنيٌّ على أيش؟
طالب: على الشرط الأول.
الشيخ: على الشرط الأول الذي هو نيَّةُ الجمع عند افتتاح الصلاة الأُولى؛ وجْهُ كَوْنِه مبنيًّا عليه أنه لا يمكن أن تصحَّ نيَّةُ الجمعِ إلا إذا وُجِدَ العُذر المبيحُ للجمع، وحينئذٍ يكون هذا الشرط مبنيًّا على الشرط الأول.
[ ١ / ٢٢٥٢ ]
وقد علمتم أنَّ القولَ الصحيحَ في الشرطِ الأولِ إلغاؤه، وأنه يُشترط وجود العُذر عند السلام من الأُولى، فلو لم ينزل المطر مثلًا إلا في أثناء الصلاة فإنه يصِحُّ الجمعُ على الصحيحِ، بل لو لم ينزل إلا بعد تمام الصلاة الأولى -يعني كانت السماء مغيِّمة والبرق والرعد ولكنْ لم ينزل مطر، بعد أنْ سلَّمْنا من الصلاة الأُولى نزل المطر- فالصحيح أنَّ الجمع جائزٌ. بناءً على هذا القول الراجح يكون اشتراطُ نيَّةِ الجمع عند تكبيرة الإحرام في الأُولى أيش؟
طلبة: غير شرطٍ.
الشيخ: لاغيًا، غير شرطٍ.
إذَن القول الراجح أنه لا يُشترط الشرطُ الأول، ولا يُشترط الشرطُ الثالث، ويش بقينا؟
طالب: الثاني.
الشيخ: بقينا في الشرط الثاني وهو الموالاة؛ ألَّا يفرق بينهما، وهذا -كما سبقت الإشارة إليه- فيه خِلافٌ أيضًا؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنه لا تُشترط الموالاةُ؛ وذلك لأن العُذرَ المبيحَ للجمعِ إذا وُجِدَ جعلَ الوقتينِ وقتًا واحدًا، فاندمجَ وقتُ الثانيةِ في وقتِ الأولى، وصار الإنسان إذا فَعَلَ الأولى في أولِ الوقتِ والثانيةَ في آخِرِ الوقتِ فلا بأس.
وبناءً على هذا القولِ تكون جميعُ الشروطِ هذه لاغيةً، أهمُّ شيءٍ أنْ يوجد العُذر، فإذا وُجِدَ العُذر جازَ الجمعُ سواءٌ كان العُذر مرضًا، أو سفرًا، أو مطرًا، أو ريحًا شديدةً باردةً، أو غيرَ ذلك.
فيه الشرط الرابع الذي ذكرناه ونبَّهْنا عليه الليلةَ هذه.
طالب: الترتيب.
[ ١ / ٢٢٥٣ ]
الشيخ: وهو الترتيب؛ يُشترط الترتيب بأنْ يبدأ بالأولى ثم بالثانية؛ لأن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٦)، ولأن الشرع جاء بترتيبِ الأوقاتِ في الصلوات، فوجبَ أن تكون كلُّ صلاةٍ في المحلِّ الذي رتَّبَها الشارعُ فيه، ولكنْ لو نَسِيَ الإنسانُ أو جَهِلَ أو حَضَرَ قومًا يُصَلُّون العِشاء وهو قد نوى الجمعَ؛ جمْعَ التأخيرِ، ثم صلَّى معهم العِشاء ثم المغرب، فهلْ يسقط الترتيب في هذه الأعذار أو لا يسقط؟
المشهور عند فقهائنا ﵏ أنه لا يسقط، وإنْ كانوا يُسقِطونه بالنسيان في قضاء الفوائت، لكن هنا لا يُسقِطونه؛ لأنهم يقولون: هناك قضاءٌ، وهذا أداءٌ. وبناءً على هذا لو أنَّ الإنسانَ قدَّمَ الثانيةَ على الأولى سهوًا أو جهلًا أو لإدراكِ الجماعةِ أو لغيرِ ذلك من الأسباب فإنَّ الجمْعَ لا يصحُّ.
إذَنْ ماذا يصنع في هذه الحال؟
نقول: صلِّ اللِّي صليتَها أوَّلًا صَلِّها الآنَ، الحلُّ سهلٌ، فيظهر بالمثال؛ كان جامعًا جَمْعَ تأخيرٍ، ثم دخلَ المسجدَ ووجدَ ناسًا يُصَلُّون العِشاءَ، فدخلَ معهم بنيَّةِ العِشاء، ولَمَّا انتهى من العِشاء صلَّى المغربَ، نقول: صلاةُ العِشاء لا تصحُّ. لماذا؟ لأنه قدَّمَها على المغرب، والترتيبُ شرطٌ، إذَنْ ماذا يصنع؟
طلبة: يصلِّي العِشاء.
الشيخ: يصلِّي العِشاء، المغربُ صحيحةٌ في مكانها، فيُصلِّي العِشاءَ.
[ ١ / ٢٢٥٤ ]
وتصحُّ الصلاتانِ في شرطٍ خامسٍ: ألَّا تكون الجمعة، فإنْ كانت الجمعة فإنَّه لا يصحُّ أن يجمع إليها العصر؛ وذلك لأن الجمعة صلاةٌ منفردةٌ في شروطِها وهيئتِها وأركانِها وثوابِها أيضًا، والسُّنة إنما وردتْ بين الظُّهرِ والعصرِ، لم يَرِدْ عن النبي ﷺ أنه جَمَعَ العصرَ إلى الجمعةِ أبدًا، ولا يصحُّ أنْ تُقاس الجمعةُ على الظُّهر؛ لأنها -كما ذكرتُ لكم- منفردةٌ عن الظُّهر بعِدَّةِ أشياء: بِهيئتها، وشروطِها، وأركانِها، بلْ ووقتِها؛ وقتُها على المشهور مِن مذهبِ الحنابلةِ من ارتفاعِ الشمس قدرَ رُمْحٍ إلى العصرِ، والظُّهرُ مِن الزوالِ إلى العصرِ، أيضًا الجمعةُ لا تصحُّ إلا في وقتِها، فلو خرج الوقتُ صلَّوْا ظُهرًا، والظُّهر تصحُّ في الوقتِ وتصحُّ بعده للعُذر، فهي تختلف.
لكنْ لو قال قائل: أنا أُريد أنْ أتحيَّل فأنوي الجمعةَ ظُهرًا لأني مسافرٌ، وصلاةُ الظُّهرِ في حقِّي كَمْ؟
طالب: ركعتانِ.
الشيخ: ركعتانِ، يعني على قَدْرِ الجمعة، فأنا سأنويها ظُهرًا، فماذا نقول له؟
نقول: هذه النيَّةُ لا تصِحُّ على قول من يقول: إنه يُشترَطُ اتفاقُ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ؛ لأنهم لم يستثنوا في هذه المسألةِ إلا مَنْ أدركَ مِن الجمعةِ أقلَّ مِن ركعةٍ، فإنه يدخلُ مع الإمامِ بنيَّةِ الظُّهرِ لتعذُّرِ الجمعةِ في حقِّه، أمَّا هذا فهي ممكنةٌ، فلا يصحُّ أن ينويَ الظُّهر خلْفَ مَن يصلِّي الجمعة، هذا القولُ واضحٌ أنَّه لا يصحُّ أنْ ينويَها ظُهرًا.
أمَّا على القولِ الراجحِ أنَّ نيَّةَ الإمامِ والمأمومِ لا يضرُّ الاختلافُ بينهما فإنَّنا نقول: لا تَنْوِهَا ظُهرًا؛ لأنك إذا نويتَها ظُهرًا حَرَمْتَ نفْسك أجْرَ الجمعةِ، وأجْرُ الجمعةِ أكبر بكثيرٍ مِن أجْرِ الظُّهر، فكيف تَحرِمُ نفْسَك أجْرَ الجمعةِ مِن أجْلِ أنْ تجمع! والأمرُ يسيرٌ، اترك العصرَ حتى يدخل وقتُها ثم صَلِّها.
[ ١ / ٢٢٥٥ ]
إذَنْ هذه الحيلة لا تصحُّ على رأي مَن يرى اشتراطَ اتِّفاقِ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ، وتصحُّ على رأي مَن يرى أن الاختلاف لا يضرُّ، لكن نقول: إنك فَوَّتَّ نفْسَك خيرًا كثيرًا، وهو أجْرُ الجمعةِ التي أضلَّ اللهُ عنها اليهودَ والنصارى وهدى هذه الأُمَّةَ لها.
وإن جَمَعَ في وقتِ الثانيةِ اشْتَرَطَ نِيَّةَ الْجَمْعِ في وقتِ الأُولَى إن لم يَضِقْ عن فِعْلِها واستمرارِ العُذْرِ إلى دُخولِ وَقْتِ الثانيةِ.
(فصل)
وصلاةُ الخوفِ صَحَّتْ عن النبيِّ ﷺ بصفاتٍ كُلُّها جائزةٌ،
أما على القول الراجح أن نية الإمام والمأموم لا يضر الاختلاف بينهما، فإننا نقول: لا تَنْوِها ظهرًا؛ لأنك إذا نويتها ظهرًا حرمتَ نفسك أجرَ الجمعة، وأجرُ الجمعة أكبر بكثير من أجر الظهر، فكيف تحرم نفسك أجر الجمعة من أجل أن تجمع؟ والأمر يسير، اترك العصر حتى يدخل وقتها، ثم صلِّها، إذن هذه الحيلة لا تصح على رأي من يرى؟
طلبة: اشتراط اتفاق نية الإمام.
الشيخ: اشتراط اتفاق نية الإمام والمأموم، وتصح على رأي من يرى أن الاختلاف يضر، لكن نقول: إنك فوَّت نفسك خيرًا كثيرًا، وهو أجر الجمعة التي أضل الله عنها اليهود والنصارى، وهدى هذه الأمة لها، كيف تضيع نفسك؟ ! من أجل أن تقول: هذا أسهل عليَّ! هذا إذا جمعت في وقت الأولى.
يقول المؤلف: (وأن يكون العذر موجودًا عند افتتاحهما) فهمنا وجه اشتراط كون العذر موجودًا عند افتتاح الأولى، فما وجه اشتراط كونه موجودًا عند افتتاح الثانية؟
[ ١ / ٢٢٥٦ ]
يقولون: لأن افتتاح الثانية هو محل الجمع، هو الذي حصل به الجمع، وهذا صحيح؛ يعني يُشترط أن يكون العذر موجودًا عند افتتاح الثانية؛ لأنه لا يمكن أن يباح الجمع إلا إذا وُجد العذر عند افتتاح الثانية، وهل يشترط أن يكون موجودًا إلى انتهاء الثانية؟ لا، فلو فُرض أن الجمع كان لمطر، وأن المطر استمر إلى أن صلوا ركعتين من العشاء، ثم توقف، ولم يكن هناك وحل؛ لأن الأسواق مفروشة بالأسفلت، ما فيه وحل، فهل يبطل الجمع في هذا الحال، أو لا؟
نقول: لا يبطل الجمع، لماذا؟ لأنه لا يشترط استمرار العذر إلى الفراغ من الثانية، ليس بشرط، ومثل ذلك لو أن الإنسان جمع لمرض، وفي أثناء الصلاة الثانية ارتفع عنه المرض، فإن الجمع أيش؟ يبطل ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يبطل، لماذا؟ لأنه لا يُشترط استمرار العذر إلى الفراغ من الثانية.
ثم قال: (وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى) يشترط إذا نوى الجمع في وقت الثانية أن ينوي الجمع في وقت الأولى؛ وذلك لأنه لا يجوز أن يؤخِّر الصلاة عن وقتها إلا بنية الجمع حيث جاز، ودليل عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها معروف، فإن النبي ﷺ حدد الصلوات بأوقات معينة، فلا يجوز أن تؤخِّر الصلاة الأولى عن وقتها إلا بنية الجمع حيث وُجد سببه، فلا بد من نية الجمع قبل خروج وقت الأولى، ولهذا قال (يُشترط نية الجمع في وقت الأولى) قال: (إن لم يَضِق عن فعلها) ﵏ الفقهاء عندهم احترازات عجيبة.
(إن لم يَضِق عن فعلها) فإن ضاق عن فعلها لم يصح الجمع؛ لأن تأخير الصلاة حتى يضيق وقتها عن الفعل محرم، والجمع رخصة، والرخص لا تُستباح بالمحرم، واضح؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: ما هو بواضح، نقول: لو أن رجلًا مسافر ومضى عليه الوقت، فلما بقي عليه من الوقت ما يضيق عن فعل صلاة الظهر نوى الجمع؛ نوى جمع الظهر إلى العصر، نقول: هذا لا يصح، لا تصح هذه النية، لماذا؟
[ ١ / ٢٢٥٧ ]
لأنه يحرُم تأخير الصلاة حتى يضيق الوقت؛ يعني يحرم أن يؤخر الإنسان الصلاة إلى أن يضيق الوقت، هذا حرام، إذ إن الواجب أن يصلي الصلاة كلها في الوقت، فإذا كان قد بقي من الوقت مقدار ركعتين فقط، نقول: الآن لو نويت جمع التأخير لا يصح، السبب؟ لأنه يحرم عليك أن تؤخر الصلاة حتى يضيق وقتها عنها، والجمع رخصة، والرخص لا تُستباح بالمحرم، الرخص تسهيل وتيسير، وفاعل المحرم لا يستحق أن ييسر عليه، ولهذا لو أن شخصًا سافر سفرًا محرمًا؛ يعني قصده بسفره الحرام، كرجل سافر إلى بلادٍ ليُفسد فيها، فهل يجوز له القصر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
طلبة: سفره محرم.
الشيخ: لأن هذا السفر محرم، والرخصة لا تتناسب مع المحرم، إذن ماذا يفعل؟ نقول: تُبْ إلى الله وارجع من سفرك، وفي أثناء رجوعك تقصر، كذلك صاحبنا في الجمع الذي أخَّر حتى ضاق الوقت، نقول: لا يصح لك الجمع الآن، ويش يسوي؟ نقول: صلِّ الصلاة الآن حسب ما أدركت من وقتها، واستغفر الله عن التأخير، وإذا دخل وقت الثانية، وسيدخل وقت الثانية قبل تمام صلاتك، فصلِّها، ولكن لا على أنه جمع، بل على أنه أداء وقضاء، قضاء لبعض الصلاة الأولى، وممكن لا.
يقول: (واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية) نعم، صحيح، لا بد أن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية، فإن لم يستمر فالجمع حرام، مثاله: رجل مسافر، نوى جمع التأخير، ولكنه قدم إلى بلده قبل خروج وقت الأولى، هل يجوز أن يجمع إلى الثانية؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: زال الوقت.
الشيخ: لأن العذر انقطع، زال، انقطع وزال، فيجب أن يصليها في وقتها، وهذه مسألة تُشكل على كثير من الناس، كثير من الناس ينوي جمع التأخير، ويقدم بلده قبل أن يخرج وقت الأولى، نقول: لا تجمع الآن؛ لأن علة الجمع السفر، والسفر انقطع وزال، إذن ماذا يصنع؟ نقول: صلِّ الصلاة الآن فورًا في وقتها قبل أن يخرج.
ويرد على هذا سؤال: هل يصليها أربعًا أو يصليها ركعتين؟
طلبة: ركعتين.
[ ١ / ٢٢٥٨ ]
طلبة آخرون: أربعًا.
الشيخ: أربعًا، العلة؟
طالب: وجبت.
الشيخ: لأن علة القَصْر السفر، وقد زال، فإذا قال: قد دخل عليَّ الوقت وأنا مسافر، فوجبت عليَّ مقصورة، ماذا نقول؟ نقول: نعم، وجبت عليك مقصورة؛ لأنك في سفر، والآن ذمتك مشغولة بها، ولَّا لا؟
طلبة: نعم، مشغولة.
الشيخ: متأكدون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، الذمة مشغولة بها، إذن إلى الآن ما صلَّى، وما دامت مشغولة، فإنك إذا وصلت البلد وجبت عليك تامة.
وبهذا نعرف أن القول الصحيح أن الإنسان إذا دخل عليه الوقت وهو في البلد، ثم سافر قبل أن يصلي فله القَصْر، لماذا؟ لأنه سافر وذمته مشغولة بها، والمسافر يقصر الصلاة، إذن فالعِبرة في كون الإنسان مسافرًا أو مقيمًا، العبرة بالفعل لا بالوقت، فإذا دخل عليك الوقت وأنت مسافر، وقدمت البلد قبل الصلاة فصلِّها أربعًا، وإذا دخل عليك الوقت وأنت مُقيم وسافرت، فصلِّها ركعتين، العبرة بالفعل.
قال المؤلف ﵀: (واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية) أسقط المؤلف الموالاة، أسقطها؟
طالب: معلوم.
الشيخ: لا تتعجلون، أسقط الموالاة؛ لأن الموالاة في جمع التأخير ليست بشرط، فلو أنه جَمَعَ جمْع تأخير ودخل وقت الثانية، وصلَّى الأولى، وبقي ساعة أو ساعتين، ثم صلى الثانية، فالجمع صحيح؛ لأن الموالاة شرط في جمع التقديم، وليست شرطًا في جمع التأخير، وذهب بعض العلماء إلى أن الموالاة شرط كالتقديم، وذهب بعض العلماء إلى أن الموالاة ليست شرطًا لا في التقديم ولا في التأخير، فالأقوال إذن ثلاثة:
الأول: أن الموالاة ليست شرطًا لا في التقديم ولا في التأخير، وهذا رأي مَنْ؟ شيخ الإسلام ابن تيمية.
والثاني: أنها شرط في الجمعين؛ لأن الجمع هو الظن، وهو قول لبعض العلماء.
والثالث: التفريق، فتشترط الموالاة في جمع التقديم، ولا تشترط في جمع التأخير، وهذا هو المشهور من المذهب، لم يَذْكُر الترتيب.
طالب: معلوم.
[ ١ / ٢٢٥٩ ]
الشيخ: معلوم؟ إي نعم، معلوم. لم يذكر أن يكون العذر موجودًا عند افتتاحهما وسلام الأولى؟
طلبة: لأنه أسقط الموالاة.
الشيخ: لأنه لا يُشترط استمرار العذر إلا إلى دخول الوقت فقط؛ لأن خروج وقت الأولى هو الذي استبحناه، وأخَّرنا صلاته إلى الثانية، فإذا انتهى الوقت فإننا لا نقول: استبحنا؛ وذلك لأنه إذا خرج الوقت ودخل وقت الثانية زالت المطالبة بالصلاة الأولى، لجواز الجمع، وقد حصل، إذن وجود العُذر عند افتتاحهما وسلام الأولى في جمع التأخير ليس بشرط، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأن المؤلف الآن ما ذكره في الشروط، الآن أضرب مثلًا، رجل مسافر ونوى جمع التأخير، وخرج وقت الأولى وهو في السفر وقدِم البلد في وقت الثانية، يجمع ولَّا ما يجمع؟
طلبة: يجمع.
الشيخ: يجمع؛ لأنه بيصلي الأولى الآن، ثم يصلي الثانية، والمؤلف يقول: (استمرار العذر) إلى متى (إلى دخول وقت الثانية) فقط، بس مسألة القصر عرفتم أنه إذا قدم البلد فإنه لا يقصر؛ لأنه انتهى وقت القصر.
[صلاة الخوف]
ثم قال: (فصل: وصلاة الخوف صحَّت عن النبي ﷺ بصفات كلها جائزة) هذا العذر الثالث من الأعذار.
العذر الأول: السفر.
والثاني: المرض.
والثالث: الخوف. الخوف ممن؟ من العدو، أيّ عدو يكون، سواء كان العدو كافرًا، أو العدو السباع مثلًا، في أرض مَسْبَعة، نحتاج إلى صلاة الخوف، تُصلَّى صلاة الخوف، يعني ما هو شرط أن يكون العدو من بني آدم، أي عدو يكون، يخاف الإنسان على نفسه منه، فإنها تُشرع صلاة الخوف.
صلاة الخوف يقول المؤلف: (إنها وردت عن النبي ﷺ بصفات كلها جائزة) وردت على ستة أوجه أو سبعة أوجه عن النبي ﵊.
وقول المؤلف: (كلها جائزة) ظاهره أن كل صفة منها تجوز في أي موضع؛ لأنه قال: كلها جائزة.
[ ١ / ٢٢٦٠ ]
ولكن قد يقول قائل: إن هذه الصفات من الصلاة لا يجوز نوع منها إلا في موضعه الذي صلَّاه النبي ﷺ فيه، ونأتي بصفتين منها؛ الصفة الأولى: ما يوافق ظاهر القرآن، وهي أن يقسِم القائد قائد الجيش، أن يقسمهم إلى طائفتين؛ طائفة تصلي معه، وطائفة أمام العدو، لئلا يهجم، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم؛ يعني نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم، والإمام لا يزال قائمًا، ثم إذا أتموا لأنفسهم ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الأولى، أمام العدو، وجاءت الطائفة الأولى ودخلت مع الإمام في الركعة الثانية، في هذه الحال الإمام سيُضطر إلى تطويل الركعة الثانية أكثر من الأولى، صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: إي نعم، لكن هذه مستثناة مما سبق في باب صلاة الجماعة، أنه يسن تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية، يستثنى من هذا صلاة الخوف على هذا الوجه، تدخل مع الإمام فيصلي بهم الركعة التي بقيت، ثم يجلس للتشهد، إذا جلس للتشهد قبل أن يُسلِّم يقومون هم، تقوم الطائفة هذه من السجود رأسًا وتكمِّل الركعة التي بقيت، وتدرك الإمام في التشهد فيُسلِّم بهم، هذا موافق لظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] إذا سجدوا؛ يعني أتموا الصلاة ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾، وهي التي أمام العدو ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
[ ١ / ٢٢٦١ ]
فهو مطابق للقرآن تمامًا، ولكن الله ﷿ قال للطائفة الثانية: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ وللطائفة الأولى قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فلماذا؟ لأن الطائفة الثانية الخوف عليها أشد؛ فإن العدو قد يكون قد تأهب؛ لما رأى أن الجيش انقسم إلى قسمين، قد يكون تأهب وأعد العدة للهجوم؛ فلهذا أمر الله بأخذ الحذر والأسلحة، ويأتي -إن شاء الله- السبب الثاني.
طالب: أحد المسافرين يجمع جمع تقديم في وقت الأولى، وهو يعلم ويغلب على ظنه أنه سيقدم بلده وقت الأذان، ويدرك الجماعة فيه، فهل يحل له أن يجمع؟
الشيخ: وهو واحد هو، يسافر هو، واحد؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ولَّا مع جماعة؟
طالب: لا واحد.
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: إذا كان المسافر واحدًا، وهو يعلم أنه سيُدرك وقت الثانية في بلده، ويدرك الجماعة، فهل يجوز له الجمع في هذه الحال أو لا؟
نقول: إن أهل العلم يقولون: إن رخص السفر لا تنقطع إلا بدخول البلد، حتى إن علي بن أبي طالب ﵁ صلى قصرًا وهم يشاهدون الكوفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذه الكوفة فقال: إنا لن ندخلها (١)، فما دام الإنسان لم يدخل فجميع رخص السفر له، لكن الأفضل إذا كان يغلب على ظنه أنه سيقدم قبل خروج وقت الأولى، الأفضل ألا يجمع.
طالب: ولو جَمَع يا شيخ؟
الشيخ: ولو جمع صحَّت صلاته.
الطالب: ما يعيد الصلاة؟
الشيخ: ما يعيد الصلاة، لا؛ لأنها برئت الذمة.
الطالب: لو كانت الموالاة يا شيخ، موالاة الجمع، لو قيل: إن النبي ﷺ والَى وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢)؟
الشيخ: لا هو ما، هو في جمع التأخير لم يوالِ، في مزدلفة، لما وصل إلى مزدلفة صلوا المغرب، ثم حطوا الرحال، وبعد ذلك صلوا العشاء، ففصَّل بينهما.
طالب: هذا في جمع التأخير، لكن في جمع التقديم؟
الشيخ: إي بس، شيخ الإسلام يقول: ما الفرق؟
طالب: هو النبي فرَّق.
[ ١ / ٢٢٦٢ ]
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، ما نجزم الآن أن الرسول لما جمَعَ جمْعَ تقديم أنه والَى في كل جمع، وإلا في عرفة الموالاة ظاهرة، وكذلك حديث أبي جحيفة، الموالاة ظاهرة، لكن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب.
الطالب: أقول: احتاج إلى التفريق في مزدلفة.
الشيخ: لا، ما فيه حاجة، الإبل ما هو الواضح أنها تركب في خلال ركعتين.
على كل حال لا شك أن الأحوط الموالاة.
طالب: شيخ، إذا كان في بلد لا يطبقون سنة الجمع بين الصلاتين لعذر، فطلبوا منهم أن يجمعوا، ما وافقت الجماعة أن يصلي بهم العشاء، فصلوا هم العشاء، فهل هو يجمع بين الصلاتين في مثل هذا؟
الشيخ: لا، هو على كل حال معذور، إذا ذهب إلى بيته يصلي في بيته، هذا شأنه، ولا حاجة إلى الجمع في هذه الحال؛ لأنه لا يستفيد، الجماعة لديه حاصلة ولا يستفيد شيئًا.
طالب: إذا وافق معه اثنان أو ثلاثة.
الشيخ: لا بأس، لكن ربما يحصل في هذا فتنة وتفريق للناس، فكونهم يصلون في بيوتهم أحسن من كونهم ييجوا إلى المسجد؛ لأنهم معذورون في المطر؛ يعني إذا حصل المطر عُذر الإنسان في ترك المسجد.
طالب: أحسن الله إليكم، الآن الأسلحة تختلف عن الأسلحة في السابق، فتأتي من الجو، ومن البحر، ومن البر، في كل مكان، فهيئة صلاة الخوف يعني ..
الشيخ: ما بعد كملنا جزاك الله خيرًا، توّنا بادئين، وهذه تحتاج إلى مناقشة.
لا شك أنها اختلفت أساليب الحرب الآن.
طالب: بالنسبة لترتيب الصلاة () القول الراجح.
الشيخ: القول الراجح وجوب الترتيب إلا لعذر، يسقط بالعذر.
طالب: ().
الشيخ: لا، الذي نرى أنه إذا جاء والإمام يصلي العشاء وهو لم يصلِّ المغرب أن يدخل مع الإمام بنية المغرب، ثم إن كان قد دخل معه في الركعة الأولى فإنه يجلس إذا قام الإمام إلى الرابعة ويُسلِّم، ويدخل معه فيما بقي من العشاء، وإن دخل معه في الثانية سلَّم معه، وإن دخل في الثالثة أتى بعده بركعة.
طالب: () ما ييجي إلا بعد الثانية؟
[ ١ / ٢٢٦٣ ]
الشيخ: () ما يأتي إلا بعد الثانية، يقول مثلًا: لو انقطع العذر عند سلام الأولى، ثم احتاج إلى وضوء، ثم تجدد العذر، يعني يكون فيه فسحة فإذا صار ما فيه فسحة، صحيح ما يظهر أثر لها، لكن يقول: لو فُرِض أنه راح مثلًا يتوضأ الوضوء الخفيف، لا بأس به، فانقطع عند سلام الأولى العذر، ثم عاد العذر قبل أن يفتتح الأولى لا بد من ..
طالب: إي نعم، وكذلك سلام الثانية.
الشيخ: ما هو شرط سلام الثانية، ليس بشرط.
طالب: ().
الشيخ: إي، في الثانية يقول: لا بد أن يوجد عند سلام الأولى وافتتاح الثانية.
***
طالب: قال رحمه الله تعالى: ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدفع به عن نفسه، ولا يثقله كسيف ونحوه.