ثم قال المؤلف: (باب صلاة التطوع).
أولًا: يجب أن نعلم أن من رحمة الله بعباده وحكمته أن شرع لهم في الواجبات نظيرها من التطوع، كل ركن من أركان الإسلام فله نظير من التطوع؛ الصلاة لها تطوع، والزكاة؟
طلبة: لها تطوع.
الشيخ: والصيام؟
طلبة: له تطوع.
الشيخ: والحج؟
طلبة: له تطوع.
الشيخ: له تطوع، وهذا من رحمة الله بالخلق ومن حكمته؛ أما كونه من رحمته فلأن هذا التطوع يزداد به الإنسان ثوابًا وأجرًا وقُربة إلى الله، وأما كونه من حكمته فلأن هذا التطوع يكمل به نقص الفرائض يوم القيامة، وما من إنسان إلا وفي فرائضه نقص، فمن حكمة الله ورحمته أن جعل هذا التطوع ليجبر به النقص. نعم.
آكَدُها كُسوفٌ ثم استسقاءٌ ثم تَراويحُ ثم وِتْرٌ يُفْعَلُ بينَ العشاءِ والفجْرِ، وأَقَلُّه رَكعةٌ وأَكثرُه إحدى عشرةَ مَثْنَى مَثْنَى، ويُوتِرُ بواحدةٍ، وإن أَوْتَرَ بخَمْسٍ أو سَبْعٍ لم يَجْلِسْ إلا في آخِرِها، وبتِسْعٍ يَجلِسُ عَقِبَ الثامنةِ ويَتَشَهَّدُ ولا يُسَلِّمُ ثم يُصَلِّي التاسعةَ ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، وأَدْنَى الكمالِ ثلاثُ رَكَعَاتٍ بسلامَيْنِ يَقرأُ في الأُولى بسَبِّح وفي الثانيةِ بالكافرونَ وفي الثالثةِ بالإخلاصِ، ويَقْنُتُ فيها بعدَ الركوعِ
آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر يفعل بين العشاء والفجر، وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة؛ مثنى مثى، ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة، ويتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم، وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين، يقرأ في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (الكافرون)، وفي الثالثة بـ (الإخلاص).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم،
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة التطوع)، (صلاة التطوع) من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأن الصلاة جنس ذو أنواع، فصلاة التطوع يعني: الصلاة التي تكون تطوعًا؛ أي: نافلة.
[ ١ / ١٦١٦ ]
والتطوع يطلق على فعل الطاعة مطلقًا، فيشمل حتى الواجب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] مع أن الطواف بهما ركن من أركان الحج والعمرة، ولكن المراد بالتطوع في اصطلاح الفقهاء: كل طاعة ليست بواجبة.
ومن حكمة الله ﷿ ورحمته بعباده أن شرع لكل فرض تطوعًا من جنسه؛ ليزداد المؤمن إيمانًا بفعل هذا التطوع، ولتكمل به الفرائض يوم القيامة، فإن الفرائض يعتريها النقص، فتكمل بهذه التطوعات التي من جنسها، وإذا نظرنا إلى العبادات وجدنا أن كل عبادة مفروضة لها تطوع من جنسها؛ فالوضوء واجب وتطوع، والصلاة واجب وتطوع، والصدقة واجب وتطوع، والصيام واجب وتطوع، والحج واجب وتطوع، والجهاد واجب وتطوع، والعلم واجب وتطوع، كل العبادات، صلاة التطوع هي الصلاة التي ليست بواجبة.
وهي أنواع في الحقيقة:
منها ما يُشرَع له الجماعة، ومنها ما لا يُشرَع.
ومنها ما هو تابع للفرائض، ومنها ما ليس بتابع.
ومنها ما هو موقت، ومنها ما هو غير موقت.
ومنها ما هو مقيد بسبب، ومنها ما ليس مقيدًا بسبب.
المهم أنها أنواع، وكلها يطلق عليها صلاة تطوع.
قال المؤلف ﵀: (آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر) قال المؤلف: إن (آكدها الكسوف)؛ لأن النبي ﷺ أمر به، وخرج إليه فزعًا، وصلى صلاة غريبة، وعرضت عليه في صلاته هذه الجنة والنار، وخطب بعدها خطبة بليغة عظيمة، وشرع لها الجماعة، فنادى؛ يعني: أمر مناديًا أن ينادي: الصلاة جامعة (٣)، فهي آكد صلاة التطوع.
[ ١ / ١٦١٧ ]
وفهم من كلام المؤلف أن صلاة الكسوف نافلة من باب التطوع، وفيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن صلاة الكسوف فرض واجب؛ إما على الأعيان، وإما على الكفاية، وأنه لا يمكن للمسلمين أن يروا إنذار الله بكسوف الشمس والقمر ثم يَدَعُوا الصلاة، مع أن الرسول ﷺ أمر بها، وأمر بالصدقة والاستغفار والتكبير والفزع إلى الصلاة، وحصل منه شيء لم يكن مألوفًا من قبل، فكيف تقترن بها هذه الأحوال ثم نقول: هي سنة، لو تركها المسلمون لم يأثموا؟ ! فأقل ما نقول فيها: إنها فرض كفاية، وعلى هذا فتنزع من باب صلاة التطوع لتلحق بصلاة الفريضة.
(ثم استسقاء) الاستسقاء يلي صلاة الكسوف في الآكدية، على ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن المؤلف ﵀ جعل مناط الفضيلة بالاجتماع على الصلاة، فما شرع له الاجتماع فهو أفضل مما لم يشرع له الاجتماع، فالاستسقاء عنده أفضل من الوتر مثلًا، لماذا؟ لأن صلاة الاستسقاء تشرع فيها الجماعة بخلاف الوتر، وما شرعت له الجماعة فهو أوكد من غيره.
ولكن في هذا نظر، والصواب أن الوتر أوكد من الاستسقاء؛ لأن الوتر داوم عليه النبي ﷺ وأمر به فقال: «إِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (٤)، وقال: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا» (٥).
وأما الاستسقاء فإنه لم يرد إلا من فعل الرسول ﷺ، ولم يكن يستسقي بالصلاة، فقد يستسقي بالدعاء في خطبة الجمعة أو في غيرها (٦).
والاستسقاء هو أن الناس إذا أجدبت الأرض وقحط المطر وتضرروا بذلك، خرجوا إلى الصحراء إلى مصلى العيد، فصلوا كصلاة العيد، ثم دعوا الله ﷿.
[ ١ / ١٦١٨ ]
قال: (ثم تراويح) تلي الاستسقاء، (ثم وتر) فقدمها على الوتر -أي: التراويح- بناء على أن مناط الفضيلة هو الجماعة، والتراويح تشرع لها الجماعة بفعل الرسول ﷺ، فإنه ﵊ صلى بالناس في رمضان ثلاث ليال، ثم تخلَّف في الثالثة أو في الرابعة، وقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» (٧)، فبقيت الأمة الإسلامية لا تقام فيها صلاة التراويح جماعة حتى جمعهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على تميم الداري وأبي بن كعب (٨).
فالمؤلف يرى أن التراويح مقدمة على الوتر، والتراويح من صلاة الليل، ولكن الصحيح أن الوتر مقدم عليها وعلى الاستسقاء؛ لأن الوتر أمر به وداوم عليه النبي ﷺ، حتى قال بعض أهل العلم: إن الوتر واجب، وألحقوه بالصلاة المفروضة.
وقال بعض العلماء: إنه واجب على من له وِرْدٌ من الليل؛ يعني: على من يقوم الليل، وقال آخرون: إنه سنة.
وصلاة هذا شأنها عند أهل العلم، كيف نجعل التراويح الذي اختلف في استحباب الجماعة لها أفضل منه؟ ! إذن فالصواب: الكسوف، ثم الوتر، ثم الاستسقاء، ثم التراويح؛ لأن الاستسقاء صلاة يقصد بها رفع الضرر، فالناس في حاجة إليها أكثر من التراويح.
[ ١ / ١٦١٩ ]
قال: (ثم تراويح، ثم وتر) التراويح: هو قيام الليل في رمضان، وسمي تراويح؛ لأن الناس كانوا يطيلون القيام فيه والركوع والسجود، فإذا صلوا أربعًا استراحوا، ثم استأنفوا الصلاة أربعًا، ثم استراحوا، ثم صلوا ثلاثًا، على حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا (٩)، وهذه الأربع التي كان يصليها أولًا ثم ثانيًا يسلم فيها من ركعتين، كما جاء ذلك مفسرًا عنها ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي في الليل إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين (١٠).
وبه نعرف أن من توهم أن هذه الإحدى عشرة تجمع الأربع في سلام واحد والأربع في سلام واحد فإنه واهم، ولعله لم يطلع على الحديث الذي صرحت فيه بأنه يسلم من كل ركعتين.
وفي الحقيقة أن هذا المسلك الذي يسلكه بعض الناس -وهو التسرع في الحكم من غير تأمل- مسلك مُشْكِل؛ لأننا حتى على فرض أن عائشة لم تفصِّل، فإن قول الرسول ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (١١) يحكم على هذه الأربع بأنها يُسلِّم فيها من كل ركعتين؛ لأن فعل الرسول الْمُجْمَل يفسِّره قوله المفصَّل.
أما الوتر فإنه سيأتينا -إن شاء الله- أن أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، ويأتي بيان صفته أيضًا.
والوتر سنة مؤكدة، حتى عند القائلين بأنه سنة يرون أنه من السنن المؤكدة جدًّا، حتى إن الإمام أحمد ﵀ قال: من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة، فوصفه بأنه رجل سوء، وحكم عليه بأنه غير مقبول الشهادة، وهذا يدل على تأكد صلاة الوتر.
[ ١ / ١٦٢٠ ]
قال المؤلف في بيان الوتر: (يفعل بين صلاة العشاء والفجر) يعني: هذا وقته بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صلى العشاء في وقتها أو صلاها مجموعة إلى المغرب تقديمًا، فإن وقت الوتر يدخل من حين أن يصلي العشاء؛ لقول النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ؛ صَلَاةُ الْوِتْرِ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» (١٢)، ولأن صلاة الوتر يختم بها صلاة الليل، وإذا انتهت صلاة العشاء فقد انتهت صلاة الليل المفروضة، ولم يبق إلا صلاة التطوع، فللإنسان أن يوتر من بعد صلاة العشاء مباشرة ولو كانت مجموعة إلى المغرب تقديمًا.
وقوله: (والفجر) يعني: طلوع الفجر؛ لقول رسول الله ﷺ: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى»، فإذا طلع الفجر فلا وتر.
وما يروى عن بعض السلف أنه كان يوتر بين أذان الفجر وإقامة الفجر فإنه عمل مخالف لما تقتضيه السنة، ولا حجة بقول أحد بعد رسول الله ﷺ.
فالوتر ينتهي بطلوع الفجر؛ إذا طلع الفجر وأنت لم توتر فلا توتر، لكن ماذا تصنع؟ تصلي في الضحى وترًا مشفوعًا بركعة، فإذا كان من عادتك أن توتر بثلاث صليت أربعًا، وإذا كان من عادتك أن توتر بخمس فصلِّ ستًا؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا غلبه وجع أو نوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (١٣).
إذنْ وقته ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر ولَّا صلاة الفجر؟
الطلبة: طلوع الفجر.
[ ١ / ١٦٢١ ]
الشيخ: قال المؤلف: (وأقله ركعة) لم يتكلم المؤلف ﵀ هل الأفضل تقديمه في أول الوقت أو تأخيره، ولكن دلت السنة على أن من طمع أن يقوم من آخر الليل فالأفضل تأخيره؛ لأن صلاة الليل أفضل وهي مشهودة، ومن خاف ألَّا يقوم فأول الليل أفضل، فصار وقته من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، والأفضل أن يكون في آخر الوقت إلا إذا خاف ألَّا يقوم من آخر الوقت فليوتر أوله.
ثم قال المؤلف: (وأقله ركعة)؛ لأنه يحصل بها الوتر؛ ولقول النبي ﷺ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ»، أخرجه مسلم (١٤)، وقوله: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»، وهو في الصحيحين، فقوله: «صَلَّى وَاحِدَةً» يدل على أن أقل الوتر واحدة، فإذا اقتصر الإنسان عليها فقد أتى بالسنة وليس عليه إثم، لو أنه صلى العشاء ثم أتى بركعة على أنها الوتر ولم يأت براتبة العشاء، ماذا نقول له؟ نقول: لا بأس ولا حرج، وإذا كنت في سفر فهذا هو السنة؛ أي: أن السنة ألَّا تصلي راتبة العشاء، ثم لك أن توتر بركعة.
يقول: (أكثره إحدى عشرة ركعة؛ مثنى مثنى، ويوتر بواحدة) يعني: يصليها مثنى مثنى؛ أي: اثنتين اثنتين.
(ومثنى مثنى) مرت علينا قريبًا في النحو أنها وصف فيه الوصف والعدل فهو لا ينصرف، لكنه هنا في محل نصب؛ يعني: ما نقول: إنه مجرور بالفتحة.
قال: (ويوتر بواحدة) لقول عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، وفي لفظ: يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة (١٠).
ويجوز الوتر بثلاث، ويجوز بخمس، ويجوز بسبع، ويجوز بتسع، فإن أوتر بثلاث فله صفتان كلتاهما مشروعة:
الصفة الأولى: أن يسرد الثلاثة بتشهد واحد.
والثانية: أن يسلم من ركعتين، ثم يوتر بواحدة.
كل هذا جاءت به السنة، فإذا فعل هذا مرة وهذا مرة فحسن.
[ ١ / ١٦٢٢ ]
أما إذا أوتر بخمس فإنه لا يتشهد إلا مرة واحدة في آخرها ويسلم، هكذا ثبت عن النبي ﷺ (١٥)، وإذا أوتر بسبع فكذلك لا يتشهد إلا مرة واحدة في آخرها، وإذا أوتر بتسع تشهد مرتين؛ مرة في الثامنة، ثم يقوم ولا يسلم، ومرة في التاسعة يتشهد ويسلم، وإن أوتر بإحدى عشرة فإنه ليس له إلا صفة واحدة؛ يسلم من كل ركعتين، ويوتر منها بواحدة.
قال المؤلف: (وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وإن أوتر بتسع يجلس عقب الثامنة فيتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ويتشهد ويسلم) إذنْ ذكر المؤلف ﵀ صفة الوتر في جميع الركعات.
ثم قال: (وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين) هذا أدنى الكمال، ويجوز أن يجعلها بسلام واحد، لكن بتشهد واحد لا بتشهدين؛ لأنه لو جعلها بتشهدين لأشبهت صلاة المغرب، وقد نهى النبي ﷺ أن تشبه بصلاة المغرب (١٦).
قال: (يقرأ في الأولى (سبح)، وفي الثانية (الكافرون)، وفي الثالثة (الإخلاص) يقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ كاملة، وفي الثانية (الكافرون) أو (الكافرين)؟
الطلبة: الكافرون.
الشيخ: الكافرون، على وجه الحكاية؛ لأن (الكافرين) نفسها ما تقرأ، ولا يمكن أن يتسلط الفعل (يقرأ) على (الكافرين)، الكافر لا يُقرَأ، إذنْ يسلط الفعل على اسم هذه السورة، وهذه السورة تسمى سورة الكافرون.
(وفي الثالثة الإخلاص) وهي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وسميت الإخلاص؛ لأن الله أخلصها لنفسه، ليس فيها شيء إلا التحدث عن صفات الله، ولأنها تخلص قارئها من الشرك والتعطيل؛ لأن الإقرار بها ينافي الشرك وينافي التعطيل.
قال: (ويقنت فيها بعد الركوع) (يقنت فيها) أي: في الثالثة، (بعد الركوع).
[ ١ / ١٦٢٣ ]
القنوت يطلق على معانٍ؛ منها الخشوع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وكما في قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
ويطلق على الدعاء، كما هنا (يقنت بعد الركوع) يعني: يدعو بعد الركوع.
وظاهر كلام المؤلف أنه يدعو بعد أن يقول: ربنا ولك الحمد بدون أن يكمل التحميد، ولكن لو كمله فلا حرج؛ لأن التحميد مفتاح الدعاء، فإن الحمد والثناء على الله والصلاة على نبيه ﷺ من أسباب إجابة الدعاء.
يقول المؤلف: (يقنت فيها بعد الركوع) ولم يبين هل يرفع يديه أم لا؟ وظاهر كلامه أنه لا يرفع يديه، ولكن قد يقال: إن الكتاب مختصر، وترك ذكر رفع اليدين اقتصارًا لا اعتبارًا؛ يعني: ما تركه اعتبارًا بأنه لا ترفع، ولكن اقتصارًا على ذكر الدعاء فقط.
والصحيح أنه يرفع يديه؛ لأن ذلك صح عن عمر بن الخطاب ﵁ (١٧)، وعمر بن الخطاب ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة بأمر النبي ﷺ فيرفع يديه.
ولكن كيف يرفع يديه؟
قال العلماء: يرفع يديه إلى صدره، ولا يرفعهما كثيرًا؛ لأن هذا الدعاء ليس دعاء ابتهال يبالغ فيه الإنسان بالرفع، ولكنه يرفع إلى صدره؛ لأنه دعاء رغبة، ويبسط يديه هكذا وظهورهما إلى السماء، هكذا قال أصحابنا ﵏.
وظاهر كلام أهل العلم أنه يضم اليدين بعضهما إلى بعض؛ كحال المستجدي الذي يطلب من غيره أن يعطيه شيئًا، وأما بعض الناس يفرق هكذا فلا أعلم لهذا أصلًا؛ لا في السنة، ولا في كلام العلماء.
يقول: (يقنت بعد الركوع ويقول: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت)، إلى آخره إلى أن قال: (ويمسح وجهه بيديه).
[ ١ / ١٦٢٤ ]
يقول: (اللهم اهدني فيمن هديت) وظاهر كلامه أنه يبدأ بهذا الدعاء قبل أن يثني على الله ﷿، لكن صح عن عمر أنه يبدأ بقوله: اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق (١٨).
(اللهم اهدني فيمن هديت) واختار هذا الإمام أحمد ﵀؛ لأنه ثناء على الله، والثناء مقدم على الدعاء؛ لأنه فتح باب الدعاء.
يقول: (اللهم اهدني فيمن هديت) (اللهم) أصله: يا الله، لكن حذفت (يا) وعوض عنها الميم وبقيت (الله)، وإنما حذفت الياء لكثرة الاستعمال، وعوض عنها الميم للدلالة عليها، وأُخِّرت للبداءة باسم الله، وجُعِلت ميمًا للإشارة إلى جمع القلب على هذا الدعاء، ولم تجعل نونًا أو باءً؛ لم تجعل (اللهن) أو (اللهب)، وإنما يقال: اللهم؛ لأن الميم تدل على الجمع إشارة إلى جمع القلب على الله ﷿ في حال الدعاء.
(اللهم اهدني فيمن هديت) والذي يقول: اهدني هو المنفرد، أما الإمام فيقول: اللهم اهدنا، وقد روي عن رسول الله ﷺ: «مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَخَصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ خَانَهُمْ» (١٩)؛ لأنه إذا دعا الإمام فقال: اللهم اهدني والمأمومون يقولون: آمين، صار الدعاء له والمأموم ما له شيء، إلا أنه يؤمن على دعاء الإمام لنفسه، وهذا نوع خيانة، إذن يقول الإمام: اللهم اهدنا بالجمع؛ لأنه يدعو لنفسه ولمن وراءه.
قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) أي: في جملة من هديت، وهذا فيه نوع من التوسل بفعل الله ﷾، وهو هدايته من هدى، فكأنك تتوسل إلى الله الذي هدى غيرك أن يهديك في جملتهم، والهداية هنا يراد بها هداية الإرشاد وهداية التوفيق؛ هداية الإرشاد التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق التي ضدها الغي.
[ ١ / ١٦٢٥ ]
واسأل الآن من الذي فقد هداية الإرشاد من الأمم؟
الطالب: النصارى.
الشيخ: النصارى، والذي فقد هداية التوفيق اليهود.
فأنت إذا قلت: (اللهم اهدني) تسأل الله تعالى هدايتين؛ هداية الإرشاد وذلك بالعلم، وهداية التوفيق وذلك بالعمل؛ لأنه ليس كل من علم عمل، وليس كل من عمل عمل عن علم، وتمام التوفيق أن تعلم وتعمل.
وقوله: (وعافني فيمن عافيت) تسأل الله العافية، (فيمن عافيت) أي: في جملة من عافيت، وهذا -كما قلته آنفًا- فيه نوع من التوسل إلى الله تعالى بفعله في غيرك، فكأنك تقول: كما عافيت غيري فعافني.
والمعافاة هل المراد المعافاة في الدين أو في الدين والدنيا؟
طلبة: تشمل الأمرين.
الشيخ: تشمل الأمرين؛ أن يعافيك من أسقام الدين؛ وهي أمراض القلوب التي مدارها على الشهوات والشبهات، ويعافيك من أمراض الأبدان؛ وهي اعتلال صحة البدن.
والإنسان محتاج إلى هذا وإلى هذا، وحاجته إلى المعافاة من مرض القلب أعظم من حاجته إلى المعافاة من مرض البدن؛ ولهذا يجب علينا أن نلاحظ دائمًا قلوبنا، وننظر هل هي مريضة؟ هل هي صحيحة؟ هل صدئت تحتاج إلى دعك وغسل أو هي نظيفة؟ لا نطلق الأمر على علاته؛ لأنك إذا أطلقت الأمر -يا إخواني- ضعت، بقيت دائمًا ليس لك صلة مع الله، فإذا كنت تنظف قلبك دائمًا في معاملتك مع الله وفي معاملتك مع الخلق حصَّلت خيرًا كثيرًا، وإلا فإنك سوف تغفل، وتفقد الصلة مع الله، وحينئذٍ يصعب عليك التراجع.
حافظ على أن تكون دائمًا تفتش في قلبك؛ فيه غفلة، فيه مرض شبهة، فيه مرض شهوة، وكل شيء -ولله الحمد- له دواء، القرآن كله دواء للشبهات والشهوات، الترغيب في الجنة والتحذير من النار مثلًا هذا من أجل طرد الشهوات، بدل ما تميل إلى الشهوات في الدنيا التي فيها المتعة، تذكر متعة الآخرة ونخاف من الشر في الآخرة.
[ ١ / ١٦٢٦ ]
ولهذا كان نبينا ﷺ إذا رأى ما يعجبه من الدنيا قال: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (٢٠)، شوف كيف الدواء «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، فيقول: «لَبَّيْكَ» يعني: إجابة لك، من أجل أن يكبح جماح نفسه حتى لا تغتر بما شاهدت من متع الدنيا، «لَبَّيْكَ» فيقبل على الله، ثم يوطن نفسه ويقول: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» لا عيش الدنيا، وصدق رسول الله ﷺ.
المهم أن العافية تشمل سؤال العافية من أمراض القلوب التي مدارها على الشبهات والشهوات ودواؤها في كتاب الله، فكتاب الله كله مملوء بالعلم والبيان الذي تزول به الشبهات، ومملوء بالترغيب والترهيب الذي يزول به داء الشهوات، ولكننا في غفلة -في الحقيقة- عن هذا الكتاب العزيز الذي كله خير، وكذلك ما كمَّلته به السنة المطهرة عن رسول الله ﷺ.
أما عافية الأبدان فطبها نوعان:
طِبٌّ جاءت به الشريعة، فهذا أكمل الطب، والطب الذي جاءت به الشريعة نوعان أيضًا: طِبٌّ مادي، وطب معنوي روحي.
فالطب المادي كقول الله تعالى في (النحل): ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وكقول النبي ﷺ في الحبة السوداء: «إِنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» (٢١)، وكقوله ﷺ في الكمأة: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (٢٢)، وأمثال ذلك، هذا طب نبوي مادي.
[ ١ / ١٦٢٧ ]
والثاني الطب النبوي المعنوي الروحي، وذلك بالقراءة على المرضى، وهذا قد يكون أشد تأثيرًا وأسرع تأثيرًا، انظر إلى رُقْية النبي ﷺ للمرضى تجد أن المريض يشفى في الحال، فإنه لما قال في يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ» بات الناس تلك الليلة يخوضون من هذا الرجل؟ فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله ﷺ؛ يعني: راحوا في الصباح كل واحد متشوف لها؛ لأنه سوف يغنم مغنمًا كثيرًا؟ لا؛ لأنه سوف ينال هذا الوصف «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، فقال: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟» قالوا: يشتكي عينيه، فدعا به فجيء به، فبصق في عينيه ودعا، فبرئ في الحال (٢٣)، كأن لم يكن به أثر، فأعطاه الراية.
وكذلك عين أبي قتادة أظن لما ندرت حتى صارت على خده جيء به إلى الرسول ﵊ فأخذها بيده ووضعها في مكانها وبرئت (٢٤)، ما فيه عملية ولا شيء، لكن بإذن الله ودعاء الله؛ دعا الله فأجابه.
[ ١ / ١٦٢٨ ]
وكذلك أيضًا في قصة السرية الذين استضافوا قومًا فلم يضيفوهم فتنحوا ناحية، فقدر الله ﷿ أن يلدغ زعيم هؤلاء القوم الذين أبوا أن يضيفوا السرية، فلما لدغ؛ لدغته حية قالوا: من يرقي؟ قال بعضهم لبعض: شوفوا الجماعة الذين نزلوا عليكم ضيوفًا ولم تضيفوهم لعل فيهم قارئًا، فذهبوا إليهم، فقالوا: نعم، فينا من يقرأ، لكن ما نقرأ عليكم إلا بشيء؛ إلا بِجُعْل، فجعلوا لهم قطيعًا من الغنم، جاء الله بالضيافة غصبًا عليهم -الحمد لله- جعلوا لهم قطيعًا من الغنم، فذهب أحدهم يقرأ على هذا اللديغ سورة الفاتحة فقط كرَّرها، فقام اللديغ كأنما نشط من عقال، والذي لدغته حية، فلما غدوا إلى رسول الله ﷺ رجعوا إليه وأخبروه قال للقارئ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» (٢٥).
هذا طِبٌّ نبوي، لكنه معنوي بالقراءة، وما أكثر الذين نشاهدهم ونسمع بهم يؤثرون تأثيرًا بالغًا في المرضى أشد من تأثير الطب الذي يدرك بالتجارب.
فيه أيضًا قلنا: إن مرض القلوب له دواء نبوي، والدواء النبوي نوعان، وله دواء مادي بحت يعرف بالتجارب، وهو ما يكون على يد الأطباء، سواء درسوا في المدارس الراقية وعرفوا أو أخذوا بالتجارب؛ لأنه يوجد أناس من عامة الناس يجرون تجارب على بعض الأعشاب ويحصل منها فائدة، ويكونون بذلك أطباء بدون دراسة؛ لأن هذا يدرك بالتجارب.
فقول القائل: (عافني فيمن عافيت) يسأل الله العافية فيمن عافاه الله من أمراض القلوب وأمراض الأبدان، وأمراض القلوب قلنا: إن طبها يكون بماذا؟ بالقرآن، فيه الشفاء لأمراض القلوب من كل داء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ حتى من صدور الكفار؛ ولهذا قال بعدها: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فجعل الشفاء عامًّا، والهدى والرحمة للمؤمنين خاصًّا.
طالب: قوله: يوتر بعد الركوع؟
[ ١ / ١٦٢٩ ]
الشيخ: يقنت.
الطالب: ما يجوز قبل الركوع؟
الشيخ: لا، ما يدل على عدم الجواز، لكن يدل على أن السنة بعد الركوع، ويجوز أن يقنت بعد القراءة قبل أن يركع.
طالب: قلت -يا شيخ-: إذا صلى ركعة فقط لا يأثم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: إذا ما صلى يأثم؟
الشيخ: لا؛ لأن بعض العلماء قال: إنه يكره أن يوتر بركعة، ولكنه ليس بصحيح.
طالب: المسافر -يا شيخ- وجمع جمع تقديم العشاء والمغرب، هل له أن يوتر قبل أذان العشاء؟
الشيخ: إي نعم، من يوم يصلي العشاء، لو صلى العشاء والمغرب بعد أن مضى ربع ساعة من الوقت؛ يعني: استعجل حتى أكمل الصلاتين ربع ساعة، افرض المسافر صلى المغرب ثلاثًا من حين غربت الشمس والعشاء اثنتين فليوتر، ما فيه مانع.
طالب: أحسن الله إليك، عبارة بعض العلماء: ينبغي أو لا ينبغي، هل هذه يؤخذ منها وجوب أو استحباب أو ماذا؟
الشيخ: لا، إذا قال: ينبغي فهي تشير إلى أنه أعلى رتبة من (يُسن)، ولكنه ليس واجبًا، وكذلك إذا قال: لا ينبغي هو دون الحرام، لكنه لا ينبغي أن يفعله إلا في القرآن والسنة، لا ينبغي؛ يعني: الممتنع غاية الامتناع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وكما في قول الرسول ﵊: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» (٢٦).
الطالب: لكن يأثم -يا شيخ- إذا قيل: لا ينبغي أفعل كذا؟
الشيخ: لا، ما يأثم.
الطالب: جزاكم الله خيرًا، قول الإمام أحمد: من ترك الوتر عامدًا فهو رجل سوء، هل يؤخذ منه أن من ترك تطوعًا يلقب برجل سوء؟
الشيخ: أما هذا الكلام عن الإمام أحمد يحتمل أنه يرى وجوبه، ويحتمل أنه أراد بقوله: رجل سوء؛ لأن الذي يدع الوتر -وهو ركعة واحدة، وفيه هذه الآكدية- دليل على عدم اهتمامه بالشرع وأن لديه عزوفًا عن الطاعة، ولَّا كيف يترك الوتر وهو ركعة واحدة، وين الديانة والاستقامة؟ !
[ ١ / ١٦٣٠ ]
طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- بعض الناس يوتر أول الليل، فإذا استيقظ آخر الليل صلى واحدة، لكي تشفع الأولى ثم يوتر؟
الشيخ: هذا روي عن ابن عمر (٢٧) ويسمى نقض الوتر، لكنه ليس بصحيح.
() ذكرنا أن للتطوع اصطلاحَيْن؟
طالب: التطوع عند الفقهاء: كل طاعة غير واجبة، وأما عند غير الفقهاء يطلقون التطوع على النافلة.
الشيخ: في الشرع؟
الطالب: على النافلة.
الشيخ: لا، هذه نافلة هي طاعة غير واجبة.
طالب: على فعل الطاعة مطلقًا.
الشيخ: على كل طاعة ولو واجبة.
ما هي الحكمة من مشروعية التطوع؟
طالب: أولًا: حتى تجبر ما نقص في الواجبات، وتزيد إيمان المؤمن، وتعوده على كثرة الطاعات.
الشيخ: إذن جبر ما نقص من الفرائض، والثاني زيادة عمل المؤمن؛ لأنه لولا أن الله شرعها لكانت بدعة لا تحل.
ذكرنا أن كل واجب من واجبات الإسلام له تطوع؟
طالب: الصلاة لها تطوع، الحج له تطوع، الصيام له تطوع، الزكاة لها تطوع.
الشيخ: أو الصدقة.
الطالب: إي، الصدقة.
الشيخ: الصدقة لها تطوع. بر الوالدين؟
الطلبة: له تطوع.
الشيخ: له تطوع، أقل ما يسمى برًّا هذا واجب، وما زاد فهو تطوع، كل العبادات لها تطوع.
ما هو آكد عبادات البدن؟
طالب: على قول المؤلف صلاة الكسوف آكد.
الشيخ: لا، الصلاة، أنا أظن ما قلتها لكم الحقيقة.
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن نقولها الآن: آكد ما يتطوع به من العبادات البدنية الجهاد، وقيل: العلم، فمن العلماء من فضَّل العلم، ومن العلماء من فضل الجهاد.
والصحيح أنه يختلف باختلاف الفاعل وباختلاف الزمن، فقد نقول لهذا الشخص: إن الأفضل في حقك الجهاد، وللشخص الآخر: إن الأفضل في حقك العلم، فإذا كان هذا الرجل شجاعًا قويًّا نشيطًا بليدًا فالأحسن له الجهاد؛ لأن البليد غالبًا لو تعلمه ليلًا ونهارًا ما يستفيد، وإذا كان ذكيًّا حافظًا قوي الحجة فالأفضل العلم، هذه واحدة، هذه باعتبار الفاعل.
[ ١ / ١٦٣١ ]
قد يكون باعتبار الزمن؛ إذا كنا في زمن كثر فيه الجهل وكثرت فيه البدع وكثر فيه من يفتي بلا علم فالعلم أفضل من الجهاد، وإذا كنا في زمن كثر فيه العلماء واحتاجت الثغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية فهنا الأفضل الجهاد، فإن لم يكن مرجح لا لهذا ولهذا فالأفضل العلم.
قال الإمام أحمد: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، قالوا: كيف تصح النية؟ قال: ينوي بتواضع، وأن يرفع الجهل عن غيره، فقال: لا يعدله شيء لمن صحت نيته، وهذا صحيح؛ لأن مبنى الشرع كله على العلم، كل الشرع حتى الجهاد مبناه على العلم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فنفى الله أن ينفر المسلمون كلهم إلى الجهاد، وقد لا يمكن هذا ولكن ينفر طائفة ويبقى طائفة تتعلم، حتى إذا رجع قومهم إليهم أخبروهم بما عندهم من الشرع، ولكن يجب في الجهاد وفي العلم تصحيح النية وإخلاصها لله ﷿، وهو شرط شديد؛ إخلاص النية.
قال الإمام أحمد ﵀: شرط النية شديد، لكنه حُبِّب إلي فجمعته، لما سئل ﵀ عن علمه وعن نيته -وهو من هو- قال: شرط النية شديد، لكنه حُبِّب إلي فجمعته، ﵀، ولكن لا شك أن نيته صالحة، بدليل أنه صار إمامًا للمسلمين، قال ابن مفلح في كتاب الفروع قال: وهذا معنى قولهم: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله.
وقد ذكر ﵀ ابن مفلح في أول باب صلاة التطوع بحثًا جيدًا جدًّا في المفاضلة بين الأعمال وفي العلم وطلبه، ونقل نقولًا جيدة لا تكاد تجدها في غيره، بل أنا ما وجدتها في غيره، فمن أحب منكم أن يراجعه فهو طيب كتاب الفروع أول باب صلاة التطوع.
طالب: توضيح قول الإمام أحمد: شرط النية شديد؟
[ ١ / ١٦٣٢ ]
الشيخ: معناه أنه هو ﵀ يقول: شرط النية شديد؛ معناه أن الإخلاص صعب وشديد، كثير من طلبة العلم يطلبون العلم للعلم، ما يكن على بالهم أنهم يريدون أن يرفعوا الجهل عن أنفسهم وعن غيرهم، بس لأنهم يحبون العلم؛ ولهذا قال: ولكنه حُبِّب إلي العلم فجمعته.
ما هو أفضل التطوع في باب الصلاة؟
طالب: الكسوف على كلام المؤلف.
الشيخ: ثم؟
الطالب: الاستسقاء، ثم التراويح، ثم الوتر.
الشيخ: على أي أساس بنى المؤلف هذه المفاضلة؟
طالب: أن آكدها الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسم أمر بذلك.
الشيخ: على أي أساس؟ لأنه ذكر ثلاثة أشياء؛ يعني: ما هو اللي بنى المؤلف تفضيله عليه في باب صلاة التطوع؟
طالب: أنه ما يسن له الجماعة مقدم على ..
الشيخ: ما تشرع له الجماعة فهو مقدم على ما لا تشرع فيه الجماعة، هذه القاعدة عنده.
وذكر ثلاثة مما تشرع فيه الجماعة وبين أيها آكد، الكسوف آكد من الاستسقاء، لماذا؟
طالب: المؤلف قال: لا تشرع له الجماعة.
الشيخ: كله تشرع له الجماعة.
لكن سؤالي الكسوف قال: أفضل من الاستسقاء ليش؟
الطالب: لأن النبي ﷺ أمر به؛ لأن هناك أحوالًا احتفت بهذه الصلاة جعلتها أفضل من غيرها، فالنبي ﷺ أمر بها وأمر بالاستغفار وأمر بالصدقة، وصلاها على غير عادته ونادى بها.
الشيخ: وأما الاستسقاء فلم يأمر بالصلاة له لكنه فعله.
التراويح يقول المؤلف: إنها هي الثالثة، لماذا قدم الاستسقاء عليها؟
طالب: لأن الاستسقاء تفعل لأمر يحتاج له المسلمين مثل الجدب، فيها المراعاة لأمر يحتاج له المسلمين أكثر من غيرها.
الشيخ: لأنه دعاء حاجة، وهذا دعاء فضل؛ يعني: صلاة فضل زيادة تطوع فقط، أما هذه فهي صلاة حاجة الناس محتاجون إليها.
ما هو القول الراجح في الأفضل بين هذه الأربع؛ كسوف استسقاء تراويح وتر؟
[ ١ / ١٦٣٣ ]
الطالب: القول الراجح بعد الكسوف هو الوتر؛ لأن الوتر () رسول الله ﷺ، وكذلك بعض العلماء قال: واجبة؛ ولهذا مقدم.
الشيخ: على الاستسقاء والتراويح.
أما بين الكسوف والوتر؟
طالب: الصحيح أن الكسوف واجبة وليست ..
الشيخ: ومقدمة على الوتر.
طالب: يا شيخ، الوتر أحق للإنسان بعينه، والتطوع الثاني إذا قام بالوجوب بعض أبناء هذا البلد سقط عن الباقين، والرسول ﷺ معروف عنه يترك بعض الصلاة في السفر الرباعية يترك منها ركعتين ويصلي ركعتين، والوتر ما فيه شيء.
الشيخ: وأيش المقصد؟ ما فيه شك أنه مؤكد الوتر، لكنه ليس بواجب؛ لأن الرسول ﵊ لما سأله الأعرابي قال: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (٢٨)، وقال الله تعالى في ليلة المعراج: «هُنَّ خَمْسٌ بِالْفِعْلِ وَخَمْسُونَ فِي الْمِيزَانِ»، وقال: «أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» (٢٩)، فهو ليس بواجب، أما الكسوف فإنه واجب؛ لأن الرسول أمر به وفزع له، وصلى صلاة رهيبة وخطب له.
الوتر أولًا نسأل عن وقته؟
طالب: وقته ما بين صلاة العشاء إلى الفجر.
الشيخ: ولو جمعت؟
الطالب: ولو جمعت.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: الدليل قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ؛ صَلَاةُ الْوِتْرِ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ».
الشيخ: أحسنت. كم أقله؟
الطالب: واحدة.
الشيخ: أقله ركعة، ما الدليل؟
الطالب: الدليل أن الوتر أقله واحدة.
الشيخ: ما عندك دليل؟
طالب: أن في صحيح مسلم النبي ﷺ قال: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي آخِرِ اللَّيْلِ» (٣٠).
الشيخ: ما هنا أصح منه؟
طالب: فَعَلَه عشرة من الصحابة.
الشيخ: نعم، هذا فِعْل الصحابة، لكن نبغي دليلًا عن الرسول؟
[ ١ / ١٦٣٤ ]
طالب: الرسول ﷺ قال: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوتِرُوا فِي اللَّيْلِ».
الشيخ: ماذا الدليل؟ نبغي الدليل على أنه ركعة؟
طالب: الدليل في حديث أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، صلاة الليل أفعلها مثنى مثنى؟ «فَإِنْ خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» (٤)، رواه الجماعة.
الشيخ: صح، هذا الدليل قال: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»، قد صلى واحدة فأوترت.
طالب: لكن هل هذا دليل -يا شيخ- على أقل من ركعة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قال قبلها: «مَثْنَى مَثْنَى».
الشيخ: إي، هي صلاة الليل ما سماها وترًا، ثم قال: «إِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ».
أكثره؟
الطالب: إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: قول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: نعم، وقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة.
أوتر بخمس كيف يوتر؟
طالب: يسردها ويجلس آخر ركعتين.
الشيخ: وبسبع؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: وبتسع؟
الطالب: يجلس في الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم.
الشيخ: صح. هل يفعل هذه الصفة إذا كان إمامًا للناس في رمضان؟
طالب: أما السرد فلا ينبغي () ينبغي أن يسلم بعد كل ركعتين.
الشيخ: أو الخمس؟
الطالب: أو الخمس؛ لأن هذا يحدث () قد يكون بعض الناس ما يريد أن يوتر في () يصلي في ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: النبي ﷺ في رمضان ما فعله.
الشيخ: وأن الرسول ما فعله في رمضان، إنما كان يفعله في بيته.
طالب: فصارت التراويح مثل قيام الليل للمنفرد.
الشيخ: نعم، وصارت وترًا، لا، وفي أشد شيء.
طالب: هل هذا في صلاة الليل أخف عليهم من سردهم خمسًا؟
[ ١ / ١٦٣٥ ]
الشيخ: على من؟
الطالب: على المأمومين.
الشيخ: هذا هو كلام خالد يقول: يحجز المأمومين فيؤذيهم، وفيه أيضًا مفسدة الداخل سوف ينوي صلاة ليل فإذا هو وتر؛ لأنه ما يعلم أن هذا يوتر.
إذنْ ما فعله بعض الناس اجتهادًا فهذا من الاجتهاد الذي لم يكن مصيبًا، وهذا هو الذي أنا أحثكم عليه؛ على أن تطلبوا العلم، حتى لا تأخذوا بأطراف الأدلة وتمسكوا العصا من وسطها، حتى تعرفوا ويتبين لكم الشيء الذي هو مراد الله ورسوله والذي ليس مراد الله ورسوله.
إذا أوتر بثلاث فلها ثلاث صفات؟
طالب: يجمع الثلاثة مع بعض؛ يصلي ركعتين ويسلم ويوتر بواحدة، هذه هي.
الشيخ: أنا قلت: ثلاثة.
الطالب: وهي اثنين، الموجودة اثنين.
طالب آخر: الثالثة صلاة المغرب منهي عنها.
الشيخ: أحسنت، الثالثة أن يوتر كالمغرب وهذه منهي عنها ليست مشروعة؛ يعني: يتشهد بعد الثانية ثم يأتي بالثالثة فهذه غير مشروعة منهي عنها.
إذا أوتر بثلاث يقرأ؟
الطالب: بـ (سبح) و(الكافرون) و(الإخلاص).
الشيخ: في كل ركعة؟
الطالب: في الأولى بـ (سبح)، والثانية (الكافرون)، والثالثة (الإخلاص)، سنة.
الشيخ: سنة.
قال المؤلف ﵀: (ويقنت فيها) يؤخذ من كلام المؤلف ﵀ أنه يقنت كل ما أوتر؛ لأنه جعل القنوت من صفة الوتر اللازمة.
قال: (يقنت فيها بعد الركوع)، ولكن من تدبر صلاة النبي ﷺ في الليل التي شهدها جماعة من الصحابة تبين له أنه كان لا يقنت؛ لأنهم لا يذكرون القنوت مع أن الحاجة داعية إلى ذكره وذكروا ما هو أدنى منه، فدل هذا على أن الرسول ﷺ لم يكن يقنت في الوتر؛ ولهذا لم يصح عنه أنه قنت في الوتر، لكن روي أحاديث قد تصل إلى درجة الحسن وقد تنقص عنه.
[ ١ / ١٦٣٦ ]
ويَقْنُتُ فيها بعدَ الركوعِ ويَقولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وعافِنِي فيمَن عَافَيْتَ، وتَوَلَّنِي فيمَنْ تَوَلَّيْتَ وبارِكْ لي فيما أَعْطَيْتَ وقِنِي شرَّ ما قَضَيْتَ، إنك تَقْضِي ولا يُقْضَى عليك، إنه لا يَذِلُّ مَن وَالَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ، تَبارَكْتَ رَبَّنَا وتَعَالَيْتَ. اللهمُّ إني أَعوذُ برِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبعَفْوِك من عُقوبتِك، وبك منك، لا نُحْصِي ثناءً عليك أنتَ كما أَثْنَيْتَ على نفسِك، اللهمَّ صلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ، ويَمْسَحُ وَجْهَه بيَدَيْه، ويُكْرَهُ قُنوتُه في غيرِ الوتِرِ إلا أن تَنْزِلَ بالمسلمينَ نازلةٌ غيرَ الطاعونِ فيَقْنُتُ الإمامُ في الفرائضِ.
والتراويحُ عشرون رَكعةً
أنه يقنت كلما أوتر؛ لأنه جعل القنوت من صفة الوتر اللازمة.
قال: (يقنت فيها بعد الركوع).
ولكن من تدبر صلاة النبي ﷺ في الليل التي شهدها جماعة من الصحابة، تبين له أنه كان لا يقنت؛ لأنهم لا يذكرون القنوت مع أن الحاجة داعية إلى ذكره، وذكروا ما هو أدنى منه، فدل هذا على أن الرسول ﷺ لم يكن يقنت في الوتر، ولهذا لم يصح عنه أنه قنت في الوتر، لكن روي أحاديث قد تصل إلى درجة الحسن، وقد تنقص عنه، إلا أنه أخرج أهل السنن من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ أن النبي ﷺ علمه دعاء يدعو به في قنوت الوتر (١)، وهذا يقتضي أن للوتر قنوتًا، ولكن ليس بالسنة الدائمة التي يحافظ عليها كلما قنت؛ لأن السنة الدائمة لا يمكن أن يدعها الرسول ﷺ، لكنها من السنن التي تفعل، وإذا فعلها الإنسان فإنه يدعو بالدعاء الذي علمه النبي ﷺ الحسن.
[ ١ / ١٦٣٧ ]
أيضًا قال المؤلف: (بعد الركوع) فهل هذا المكان هو المتعين أو يجوز أن يقنت قبل ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشرع القنوت قبل الركوع، ولكن المشهور من المذهب أنه يجوز القنوت قبل الركوع وبعد القراءة؛ فإذا انتهى من قراءته قنت، ثم ركع؛ لأنه ورد ذلك عن النبي ﵊ (٢).
وعليه: فيكون موضع القنوت من السنن المتنوعة؛ التي يفعلها أحيانًا هكذا، وأحيانًا هكذا.
وقول المؤلف: (اللهم اهدني فيمن هديت) سبقت الإشارة إليه، وقلنا: إنه يقول هذا إذا كان منفردًا، أما الإمام فيقول: اللهم اهدنا؛ لأنه يدعو لنفسه ولغيره.
وسبق لنا أن قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) يعني: في جملتهم، وهذا نوع من التوسل، كأنه يقول: كما هديت غيري فاهدني فيهم.
(وعافني فيمن عافيت) كذلك نقول فيها ما قلنا في (اللهم اهدني فيمن هديت).
وسبق لنا أن المعافاة تكون من أمراض القلوب وأمراض الأبدان، وقال بعضهم: المعافاة أن يعافيك الله من الناس ويعافي الناس منك، وهذا معنى طريف أن يعافيك الله من الناس ويعافي الناس منك، يعافيك الله من الناس فيكفّ ألسنتهم عن الخوض فيك، ويعافي الناس منك يكف لسانك عن الخوض فيهم، وهذا لا شك أنه من العافية، إذا عافاك الله من الناس وعافى الناس منك فلا شك أنه من العافية، لكنه يعود على ما شرحنا بالأمس، عافية البدن أو عافية القلب؟ عافية القلب هذا في معافاة الناس منك، معافاة من الناس أقرب ما لها أن تكون للبدن.
قال: (وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت) هل هي من الولاية أو من الوِلَى؛ يعني: أن يليك، أو منهما جميعًا؟
منهما جميعًا؛ يعني: تولني فيمن توليت اجعلني قريبًا منك، كما يقال: ولي فلان فلانًا، وقال النبي ﵊: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أَولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٣)؛ يعني: من الولاية، وهي القرب.
[ ١ / ١٦٣٨ ]
أو (تولني فيمن توليت) يعني: اعتن بي، وكن لي وليًّا، ناصرًا لي، معينًا لي في أموري، أيهما؟ نقول: يشمل الأمرين، وإن كان المتبادر إلى الذهن أنه من الموالاة وهي النصرة.
ونقول: فيها اجعلني لك وليًّا، وليًّا بالولاية العامة أو الخاصة؟ بالولاية الخاصة؛ لأن الولاية العامة شاملة لكل أحد مؤمن وكافر، بر وفاجر، كل أحد فالله تعالى مولاه، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، فقال: ﴿رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يشمل كل من مات من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وهذه ولايته العامة؛ لأن الله يتولى شؤون جميع الخلق.
أما الولاية الخاصة فهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وفي قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]، والسائل الذي قال: (تولني فيمن توليت) يريد الولاية الخاصة.
[ ١ / ١٦٣٩ ]
(وبارك لي فيما أعطيت) أي: أنزل البركة لي فيما أعطيت، من المال من العلم من الجاه، من الولد، من كل ما أعطيتني ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، إذن: بارك لي في جميع ما أنعمت به عليَّ، وإذا أنزل الله البركة لشخص فيما أعطاه صار القليل منه كثيرًا، وإذا نُزعت البركة صار الكثير قليلًا، كم من إنسان يجعل الله على يديه من الخير في أيام قليلة ما لا يجعل على يد غيره في أيام كثيرة؟ وكم من إنسان يكون المال عنده قليلًا لكنه متنعم في بيته، قد بارك الله له في ماله، ولا تكون البركة عند شخص آخر أكثر منه مالًا؟ أحيانًا تحس بأن الله بارك لك في هذا الشيء بحيث يبقى ويبطئ عندك، حتى تقول: كيف ما قضى إلى الحين؟ ربما تمل تقول: عسى الله يخلصه، من بركته.
ومن أسباب البركة في الطعام: ألا تقتر وتكيل؛ لأن الرسول قال: «لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكَ» (٤)، فإذا قترت وكلت نُزعت البركة، ولهذا تقول عائشة أم المؤمنين: كان عندها شيء من الشعير قد بارك الله لها فيه، تأخذ منه، وكأنه لا ينقص، تقول: فكلته ذات يوم -أشوف أيش اللي بقى منه- ففني بسرعة (٥).
إذن (بارك لي فيما أعطيت) يشمل البركة في المال، البركة في العلم، البركة في الجاه، البركة في الأولاد، كل شيء حتى في الزوجات وغيرها، إذا أنزل الله البركة للإنسان فهذا من نعمة الله عليه.
(وقني شر ما قضيت) (ما) اسم موصول ولّا مصدرية؟
طالب: اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول؛ يعني: قني شر الذي قضيت؛ لأن الذي يقيه الله منه ما هو خير ومنه ما هو شر، فالمرض من قضاء الله، شر ولّا خير؟
طلبة: شر.
الشيخ: شر بذاته، لكن قد يكون يوصل إلى خير، إذا وفق الإنسان وصبر على هذا المرض صار خيرًا له، لكن هو في حد ذاته شر.
[ ١ / ١٦٤٠ ]
المصائب التي تصيب الإنسان في بدنه، في ماله، في أهله، كلها شر، لكن قد تكون خيرًا باعتبارٍ آخر، إنما هي من قضاء الله ولّا من غير قضاء الله؟ من قضاء الله، نفسك من الله، ولها شر ولّا ما لها شر؟ لها شر، اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي.
إذن: (قنا شر ما قضيت) أي: شر الذي قضيته.
لو قال قائل: (شر ما قضيت) أجعل (ما) مصدرية، وأقول: شر قضائك. قلنا: هذا لا يصح إلا إذا أردت بالقضاء المقضي، أما أن يكون قضاء الله نفسه؛ فإن قضاء الله ليس بشر، لقول النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، قال: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (٦).
ولهذا لا يجوز أن تقول: بيدك الخير والشر؛ لأن النبي ﷺ عدل عن قوله بيدك الخير والشر، إلى قوله: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ».
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن من الإيمانِ الإيمانَ بالقدر خيره وشره؟
نقول: نعم، نقول: هذا ولا بد، ولكن لنا على هذا جوابان: الجواب الأول: أن المراد بالقدر المقدور، والمقدور فيه الشر ولَّا لا؟ فيه الشر، فالشر باعتبار المفعول لا باعتبار الفعل.
الوجه الثاني أن نقول: إنه شر باعتبار الفعل، لكن هذا الشر يترتب عليه خير كثير، هو شر من قضاء الله، لكن فيه خير كثير، مراد به خير كثير، الفساد في البر والبحر شر، لكن خير ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، ألست أنت تأتي بولدك الذي هو أحب الناس إليك، ولدك ريحانة، أحب الناس إليك، وهو مريض، وتأتي بالحديدة تحميها على النار حتى تتلهب وتكويه بها حتى يصرخ ويتألم، هذا شر ولّا ما هو بشر؟ شر لكن ثمرته خير، كذلك أفعال الله ﷿ هي شر باعتبار ذاتها، أما باعتبار ما أراد الله بها من الخير فهي خير.
فالشر إذن أمر نسبي، أما حقيقة فعل الله فإنه ليس بشر إطلاقًا، حتى لو وقع من الله ﷿ ما يسمى شرًّا فهو خير باعتبار آثاره الحميدة.
[ ١ / ١٦٤١ ]
وقوله: (ما قضيت) أي شرعًا أو قدرًا؟
طلبة: قدرًا.
طلبة آخرون: شرعًا.
الشيخ: لا قدرًا، شرع؟ مال الشرع، كل ما قضاه الله شرعًا فهو خير سواء كان أمرًا أم نهيًا، إذن المراد بالقضاء هناك القضاء القدري دون الشرعي؛ لأن الشرع كله خير.
القضاء القدري موجود في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] هذا قضاء قدري ولّا شرعي؟
طلبة: قدري.
الشيخ: لماذا؟ لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد بل لا يحب الفساد.
القضاء الشرعي مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان قضاء كونيًّا للزم أن يعبد الناس كلهم الله؛ لأن القضاء الكوني لا يتخلف أبدًا.
إذن فالقضاء في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ﴾ قضاء كوني قدري.
وفي قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ قضاء شرعي.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، لو قلنا إنه قد يكون بالفعل، قوله: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»؛ يعني: الشر المحض.
الشيخ: الشر المحض، نعم.
***
() لنا قول المؤلف رحمه الله تعالى في الوتر: (ويقنت فيها بعد الركوع) يقنت في الركعة الثالثة بعد الركوع هذا هو الأكثر، وإن قنت قبله فلا بأس، إذا أتم القراءة قنت ثم كبر وركع، فهذا جائز أيضًا.
وقول المؤلف: (يقنت فيها) أفادنا -﵀- أن القنوت سنة في الوتر، وإلى هذا ذهب أصحاب الإمام أحمد، وقالوا: إنه يسن أن يقنت في الوتر في كل ليلة، وقال بعض أهل العلم: لا يقنت إلا في رمضان، وقال آخرون: يقنت في رمضان في آخره.
[ ١ / ١٦٤٢ ]
ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في القنوت في الوتر، لكن فيه حديث أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف، ولكن حسنه بعضهم لشواهده؛ أن النبي ﷺ كان يقنت في الوتر (٧).
أما الإمام أحمد فقال: إنه لم يصح عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر قبل الركوع ولا بعده شيء، لكن صح عن عمر ﵁ أنه كان يقنت من السنة إلى السنة (٨).
والمتأمل لصلاة النبي ﷺ في الليل يرى أنه لا يقنت في الوتر، إنما يصلي ركعة يوتر بها ما صلى وينتهي (٩)، وهذا هو الأحسن؛ ألّا تداوم على قنوت الوتر؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله ﷺ، ولكنه عَلَّم الحسن بن علي ﵁ دعاء يدعو به في قنوت الوتر (١)، وهذا يدل على أنه سنة، لكن ليس من فعله، بل من قوله.
على أن بعض أهل العلم أعل حديث الحسن بعلة، وهي: أن الحسن حين مات الرسول ﷺ كان له ثماني سنوات، ولكن هذه العلة ليست بقادحة؛ لأن من له ثماني سنوات يمكن أن يُعلم ويتلقن ويحفظ، فها هو عمرو بن سلمه الجرمي ﵁ كان يؤم قومه، وله سبع أو ست سنين (١٠)؛ يؤم قبيلة وله ست أو سبع سنين يكون إمامًا لهم؛ لأنه كان أقرأهم.
قال المؤلف: (فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت) وسبق الكلام عليهم.
(وتولني فيمن توليت) يعني: أسبغ عليَّ ولايتك فيمن توليت.
والولاية: هنا يراد بها الولاية الخاصة؛ دون الولاية العامة؛ لأن ولاية الله للخلق تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة، وولاية خاصة.
فالعامة: هي ولاية الملك والتدبير، وهذه شاملة لجميع الخلق، كل الخلق، فوليهم الذي يدبرهم من؟
طالب: الله ﷾.
الشيخ: الله، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢].
[ ١ / ١٦٤٣ ]
أما الولاية الخاصة: فهي ولاية تقتضي العناية، وهي الولاية التي استحقها من قال الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]، هؤلاء هم أهل الولاية الخاصة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فجمعوا بين الولاية والتقوى، ولهذا نقول: من كان مؤمنًا تقيا كان لله وليًّا.
والمراد بقوله: (تولني فيمن توليت) المراد بذلك أي الولايتين؟
طلبة: الخاصة.
الشيخ: الخاصة؛ لأن الأولى ثابتة سواء طلبتها أم لم تطلب، وليك الله شئت أم أبيت، لكن الولاية الخاصة هي التي تطلب.
وقوله: (فيمن توليت) أي: في جملتهم، في جملة من توليت، وهذه كما أسلفنا يقصد بها التوسل إلى الله ﷿ بولايته لغيرك أن يتولاك، كما أن فيها الثناء على الله من جهة أخرى أنه قد مَّن على كثيرٍ من عباده بالولاية.
قال: (وقنا شر ما قضيت) هذا وقفنا عليه وقلنا إن ما قضاه الله ﷿ قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا فما هو الخير وما هو الشر؟ ما كان يلائم الإنسان وفطرته فإن ذلك خير، وما كان لا يلائمه فذلك شر، فالصحة والقوة والعلم والمال والولد الصالح وما أشبه ذلك هذا خير، والمرض والجهل والضعف والولد الطالح وما أشبه ذلك هذا شر؛ لأنه لا يلائم الإنسان، فما لاءم الإنسان وطبيعته فهو خير، وما نافر الإنسان وطبيعته فهو شر.
وقوله: (قني شر ما قضيت) (ما) هنا بمعنى الذي، أي: الذي قضيته، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: شر قضائك.
[ ١ / ١٦٤٤ ]
والمراد: قضاؤه الذي هو مَقْضِيُّه؛ لأن قضاء الله الذي هو فعله، وإن كان شرًّا لكنه في الحقيقة خير؛ لأنه لا يراد إلا لحكمة عظيمة، فالمرض مثلًا قد لا يعرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالصحة إلا إذا مرض، وقد يُحدث له المرض توبة ورجوعًا إلى الله، ومعرفة لقدر نفسه، وأنه ضعيف، وأنه محتاج إلى الله ﷿، بخلاف ما لو بقي الإنسان صحيحًا معافى، فإنه قد ينسى قدر هذه النعمة، ويفتخر كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩، ١٠]؛ يعني: إذا أصابته النعمة فرح وفخر بها والعكس بالعكس، فالحاصل: أن قضاء الله ﷿ وإن كان يكون فيه شر فإنه خير من وجه آخر.
يقول: (قني شر ما قضيت)، فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله: (قني شر ما قضيت) وقوله ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (٦)؟
فالجواب عن ذلك: أن نقول: إن الشر لا ينسب إليه؛ لأن ما قضاه وإن كان شرًا فهو خير، بخلاف غيره، فإن غير الله ربما يقضي بالشر لشر محض، ربما يعتدي عليك إنسان، على مالك، على بدنك، على أهلك، لقصد الشر والإضرار بك، لا لقصد مصلحتك، وحينئذٍ يكون فعله شرًا محضًا.
وفي قوله: (ما قضيت) إثبات القضاء لله، وقد بينا أن قضاء الله: شرعي، وقدري.
فالشرعي: مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والقدري: مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.
فالأول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ شرعي، والثاني: قدري، والفرق بينهما من وجهين:
[ ١ / ١٦٤٥ ]
الوجه الأول: أن القضاء الكوني لا بد من وقوعه، وأما القضاء الشرعي فقد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع.
والثاني: أن القضاء الشرعي لا يكون إلا فيما أحب، سواء أحب فعله أو أحب تركه، وأما القضاء الكوني فيكون فيما أحب وفيما لم يحب.
قال: (إنك تقضي ولا يقضى عليك)، نعم الله تعالى يقضي بما أراد، ولا يُقضى عليه، لا أحد يقضي على الله ويحكم عليه، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أبدًا لا حق ولا غير حق؛ لأنها جمادات، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠].
فإن قال قائل: (ولا يقضى عليك) أليس الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، ولكن كتابته على نفسه الرحمة ليست قضاء عليه، بل هو الذي قضى بها على نفسه، إذن: فهو قاضٍ، هو القاضي ليس العباد هم الذين قضوا بها على الله، ولهذا قال ابن القيم ﵀:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ
هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيم الشَّانِ
كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعٌ
إِنْ كَانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ
[ ١ / ١٦٤٦ ]
(إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت)، (إنه لا يذل من واليت) أي ولاية خاصة، (ولا يعز من عاديت) أي: لا يغلب من عاديته، هذا هو الوقع؛ لأن من والاه الله فهو منصور، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]، وأما من عاداه الله فهو ذليل؛ لأن الله إذا نصر أولياءه فعلى من؟ على أعدائه.
إذن فالعز للأولياء، والذل للأعداء.
فإن قال قائل: هل هذا على عمومه؛ لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت؟
نقول: ليس على عمومه، فإن الذل قد يعرض لبعض المؤمنين، والعز قد يعرض لبعض المشركين، ولكنه ليس على سبيل الإدالة المطلقة الدائمة المستمرة، فالذي وقع في أُحُد للنبي ﷺ وأصحابه لا شك أن فيه اعتزاز المشركين، ولهذا افتخروا به، فقالوا: يوم بيوم بدر، والحرب سجال (١١)، افتخروا، ولا شك أنه أصاب النبي ﷺ وأصحابه من الجراح والضعف ما لم يسبق من قبل، ولكن هذا شيء عارض ليس عزًّا دائمًا مطردًا للمشركين، وليس ذلًّا للمؤمنين على وجه الدوام والاستمرار، وإنما هو عارض، ومع هذا ففيه مصالح عظيمة كثيرة ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران، واستوعب الكلام عليها ابن القيم -﵀- في زاد المعاد في فقه هذه الغزوة، ذكر فوائد عظيمة من هذا الأمر الذي حصل للنبي ﷺ وأصحابه.
[ ١ / ١٦٤٧ ]
إذن، فلنا أن نقول: نعم، هذا ليس على عمومه، ويُخص بالأحوال العارضة، ولنا أن نقول: إنه عامٌّ؛ باقٍ على عمومه، لا يخصص منه شيء، لكنه عام أريد به الخصوص؛ يعني: أن المراد: لا يذل ذلًّا دائمًا، ولا يعز عزًّا دائمًا، وعلى هذا فلا يحتاج أن نقول: إنه عام دخله التخصيص، بل نقول: إنه من الأصل، لم يقصد به العموم، وإنما قصد به العز المعين والذل المعين، فالذل على سبيل الإطلاق هذا منفي عن أولياء الله، والعز لأعداء الله على سبيل الإطلاق هذا أيضًا منفي.
(تباركت ربنا وتعاليت) في هذا إشكال، (تباركت ربَّنا) كيف قال: (ربَّنا)، والمعروف أن الفاعل مرفوع؟
طالب: هذا منادى ()، والـ (يا) محذوفة؛ يعني: يا ربنا.
الشيخ: إي، وأين الفاعل؟ (تباركت) اعتبارًا.
الطالب: والجملة منادى كلها.
الشيخ: إي، لكن فاعل تبارك.
الطالب: التاء.
الشيخ: التاء.
(تباركت ربَّنا) التقدير: تباركت يا ربنا، ومعنى التبارك في الله ﷿: أنه ﷾ منزل البركة، وأن بذكره يحصل البركة، وباسمه يحصل البركة، ولذلك نجد أن الرجل لو قال على الذبيحة: باسم الله صارت حلالًا، ولو لم يقل: باسم الله صارت حرامًا، ولو قال: باسم الله على وضوئه صار صحيحًا، ولو لم يقل: باسم الله صار غير صحيح عند كثير من أهل العلم.
وإن كان الصحيح أنه لا يشترط ولا تجب التسمية في الوضوء، لكن على القول بأنها واجبة إذا تركها عمدًا لم يصح وضوؤه.
وقوله: (ربنا)، أي: يا ربنا، وحذفت ياء النداء لسببين: لكثرة الاستعمال، وللتبرك بالبداءة باسم الله ﷿.
[ ١ / ١٦٤٨ ]
وقوله: (ربنا) اسم من أسماء الله، يأتي مضافًا أحيانًا كما هنا، وكما في: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٦] ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]، ويأتي غير مضاف محلى بـ (ال)؛ مثل قوله ﷺ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (١٢)، وقوله ﷺ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (١٣).
وقوله: (تعاليت) من التعالي، وهو العلو، وزيدت التاء للمبالغة في علوه، (تعاليت) ولم يقل: علوت، فزيدت التاء والألف من أجل المبالغة في العلو.
وعلو الله ﷾ ينقسم إلى قسمين: علو الذات، وعلو المعنى.
فأما علو الذات فمعناه: أن الله فوق كل شيء، وأما علو المعنى فمعناه: أن الله تعالى موصوف بكل صفات عليا.
أما الأول: فقد أنكره حلولية الجهمية الذين قالوا: إن الله في كل مكان، كل مكان فالله فيه، وأنكره أيضًا المغالون في التعطيل، حيث قالوا: إن الله ليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وين؟
طلبة: عدم.
الشيخ: عدم، ولهذا أنكر محمود بن سبكتكين -﵀- على من وصف الله بهذه الصفة، وقال: هذا هو العدم. وصدق، هذا هو العدم.
فأنكر ذلك طائفتان؛ طائفة غلوا في الإثبات، وطائفة غلوا في النفي، طائفة قالوا: ما يمكن نقول الله في جهة إطلاقًا، وطائفة قالوا: بل نقول في كل مكان.
أما أهل السنة والجماعة، فقالوا: إن الله ﷾ فوق كل شيء بذاته.
واستدلوا لذلك بأدلة خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أدلة، كل ما يمكن من أجناس الأدلة فهي موجودة في ثبوت علو الله.
الكتاب مملوء بذلك، تارة بلفظ العلو مثل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وتارة بلفظ الفوقية مثل: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
[ ١ / ١٦٤٩ ]
وتارة بذكر عروج الأشياء إليه وصعودها إليه مثل: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
وتارة بنزول الأشياء منه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥].
وأما السنة: فكذلك اجتمع فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والإقرار.
أما القول: فكان رسول الله ﷺ يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» (١٤).
وأما الفعل: فإنه لما خطب الناس يوم عرفة، فقال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟»، قالوا: نعم، قال: «اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ» (١٥)، يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس، وهذا إثبات للعلو بالفعل.
وأما إقراره: فإقراره للجارية حين سألها: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء (١٦)، جارية مملوكة ما تعرف، ما درست، قال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء.
وأما الإجماع: فإن السلف مجمعون على ذلك، الصحابة والتابعون والأئمة، كلهم مجمعون على هذا، ما طريق إجماعهم؟ أنهم لم يرد عنهم صرف للكلام عن ظاهره فيما ذكر من أدلة العلو، وقد مر علينا أن هذا طريق جيد، وهو أنه إذا قال لك قائل: من الذي يقول: إنهم أجمعوا؟ من قال: إن أبا بكر ذكر أن الله في العلو في ذاته؟ من قال: إن عمر قال هذا؟ من قال: إن عثمان قال هذا؟ من قال: علي قال هذا؟ ويش نقول؟ لَمَّا لم يرد عنهم ما يخالف النصوص عُلِم أنهم أثبتوها على ظاهرها.
العقل: فلأننا نقول: إن العلو صفة كمال، وهو من تمام السلطان، من تمام سلطان الله يكون فوق كل شيء، ولهذا نجد في الدنيا الملوك يوضع لهم منصة يجلسون عليها.
إذن، العقل دل على أن الله تعالى فوق كل شيء؛ لأن العلو صفة كمال، وضده صفة نقص، والله منزه عن النقص.
[ ١ / ١٦٥٠ ]
الفطرة: حدث ولا حرج، العجوز التي لا تعرف القرآن قراءة تامة، ولا تعرف السنة، ولا راجعت فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا غيره من كتب السلف، تعرف أن الله في السماء، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: كل المسلمين إذا دعوا الله يرفعون أيديهم إلى أين؟ إلى السماء، ما فيه واحد من الناس يقول: اللهم اغفر لي، ويحط أيديه إلى الأرض أبدًا كل الناس يرفعون أيديهم إلى السماء.
ولهذا احتج بهذه الفطرة الضرورية، احتج الهمذاني على أبي المعالي الجويني، كان أبو المعالي الجويني يقول: كان الله ولم يكن شيء غيره، وهو الآن على ما كان عليه، يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش.
فقال له أبو العلاء الهمذاني -﵀-: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش -لأن استواء الله على العرش دليله سمعي، لولا أن الله أخبرنا بذلك ما أثبتناه- فما تقول في هذه الضرورة؛ ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو؟ صح؟ كل واحد يقول: يا الله، وين يروح قلبه؟ () قلبه إلى السماء، فجعل يضرب على رأسه يقول: حيرني، حيرني. ما لقي جوابا على هذا؛ لأن هذا دليل فطري.
حتى إن الحيوان مفطور على ذلك؛ كما يروى في قصة سليمان ﵊ حين خرج يستسقي، فلما خرج وإذا بنملة مستلقية على ظهرها؛ رافعة قوائمها نحو السماء، تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (١٧)، وسقوا بدعوة هذه النملة.
هذه النملة ما الذي أعلمها أن الله في السماء؟ درست؟ ما درست، لكن فطرتها التي فطر الله عليها الخلق دلتها على أن الله في السماء.
والعجب أنه مع ظهور هذه الأدلة قد أعمى الله عنها بصائر قوم؛ فأنكروا علو الله، وقالوا: لا يمكن أي إنسان يقول: إن الله بذاته فوق، فهو كافر، ليش؟ قال: لأنه حدد الله.
[ ١ / ١٦٥١ ]
والذي يقول: إن الله فوق، هل هو محدد لله؟ أبدًا؛ إحنا نقول: لا، فوق، ولم يحط به شيء، الذي يحدد الله ويعدد الله هو الذي يقول: إن الله في كل مكان، إن كنت في المسجد فالله في المسجد، في السوق الله في السوق، طيب أنا في مسجد الجامع الله معي وواحد في مسجد الضليعة الله هناك كم صار؟ اثنين، وهلم جرا.
أو يتجزأ بعضه هنا وبعضه هناك، فهذا هو القول المنكر، أما قوم يقولون: إن الله في السماء لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فهذا غاية التنزيه.
أما علو الصفة فدليله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]؛ يعني: الوصف الأكمل، هذا دليل سمعي، أما العقلي؛ فلأن العقل يهتدي إلى أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات.
قال: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا نحصي ثناء عليك) هذا من التداوي من الشيء بضده.
(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، (أعوذ برضاك) هذا من باب التوسل برضا الله، أن يعيذك من سخطه، فأنت الآن استجرت من الشيء بضده، جعلت الرضا وسيلة، تتخلص به من السخط.
ثانيًا: (وبعفوك) والحديث: «وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» (١٨).
المعافاة هي أن الله تعالى يعافيك من كل بَلِيّة، في الدين أو في الدنيا، ما ضد المعافاة؟ ضد المعافاة العقوبة، والعقوبة لا تكون إلا بذنب، وإذا استعذت بمعافاة الله من عقوبته، فإنك تستعيذ من ذنوبك حتى يعفو الله عنك، إما بمجرد فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التوبة.
وقال: (وأعوذ بك منك) أعوذ بك منك! نعم، لا يمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله، إذ لا أحد يعيذك من الله «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (١٩)، فلا أحد يعيذك من الله.
[ ١ / ١٦٥٢ ]
إذن بمن تستعيذ من الله؟ تستعيذ من الله بالله، فهو الذي يعيذني مما أراد بي من سوء، ومعلوم أن الله تعالى قد يريد بك سوءًا، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله، وأن الإنسان يقر بقلبه ولسانه أنه لا مرجع له إلا ربه ﷾.
ثم قال: (لا نحصي ثناء عليك) يعني: لا ندركه، ولا نبلغه، ولا نصل إليه.
والثناء هو: تكرار الوصف بالكمال، ودليل ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْإِنْسَانُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (٢٠)، فلا يمكن أن تحصي الثناء على الله أبدًا، ولو تبقى أبد الآبدين ما أحصيت ثناء على الله، وذلك؛ لأن أفعال الله غير محصورة، وكل فعل من أفعاله فهو كمال، وأقواله غير محصورة، وكل قول من أقواله فهو كمال، وما يدافع عن عباده أيضًا غير محصور فالثناء على الله به لا يمكن؛ يعني: لا يمكن أن يصل الإنسان مهما بلغ من الثناء على الله غاية ما يجب لله من الثناء.
وغاية الإنسان أن يعترف بالنقص والتقصير، فيقول: (لا أُحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك) يعني: أنت يا ربنا كما أثنيت على نفسك، أما نحن فلا نستطيع أن نحصي الثناء عليك، وفي هذا من الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهر معلوم.
ثم قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) يعني: يختم الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة؛ كما يروى ذلك في حديث فيه مقال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك (٢١).
وظاهر كلام المؤلف: الاقتصار على هذا الدعاء، ولكن لو أن الإنسان زاد فلا بأس؛ لأن المقام مقام دعاء، وكان أبو هريرة ﵁ يقنت بلعن الكافرين، فيقول: اللهم العن الكفرة (٢٢)، وهذا ليس في هذا الدعاء، مما يدل على أن الأمر في ذلك واسع.
[ ١ / ١٦٥٣ ]
وأيضًا لو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يدعو بهذا الدعاء؛ فله أن يدعو بما شاء مما يحضره.
ثم قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) الصلاة على النبي ﷺ؛ يعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى؛ يعني: أن الله تعالى يبين صفاته الكاملة عند الملائكة.
(وعلى آله) آله من هم: آله أتباعه على دينه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ يعني: أتباعه على دينه، ما لم يذكر الأتباع.
فإن قيل: وعلى آله وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من أهل بيته، وقد قال الشاعر مبينًا أن المراد بالآل الأتباع:
آلُ النَّبِيِّ هُمُ أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ
مِنَ الْأَعَاجِمِ وَالسُّودَانِ وَالْعَرَبِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ آلُهُ إِلَّا قَرَابَتَهُ
صَلَّى الْمُصَلِّي عَلَى الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ
وهذا الإيراد ليس بوارد، لماذا؟ لأن الذين يقولون: إن المراد بآله قرابته، يقيدون ذلك بالمؤمنين منهم، وأما غير المؤمنين فليسوا من آله.
قال: (ويمسح وجهه بيديه) ظاهر كلام المؤلف: أنه سنة، يسن المسح باليد بعد الدعاء سواء في القنوت أو في غيره.
ودليل ذلك: حديث أخرجه أبو داود وغيره عن عمر ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رفع يديه لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه (٢٣)، لكن هذا الحديث ضعيف، والشواهد له ضعيفة؛ ولهذا رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، وقال: إنه لا يمسح الداعي وجهه بيديه؛ لأن المسح باليدين عبادة تحتاج إلى دليل صحيح، يكون حجة للإنسان عند الله إذا عمل به، أما حديث ضعيف فإنه لا تثبت به حجة، لكن ابن حجر في بلوغ المرام قال: إن مجموع الأحاديث الشاهدة لهذا يقضي بأنه حديث حسن.
[ ١ / ١٦٥٤ ]
فمن حسَّنه كان العمل بذلك سنة عنده، ومن لم يحسِّنه بل بقي ضعيفًا عنده كان العمل بذلك بدعة؛ ولهذا كانت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة: قول بأنه سنة، وقول بأنه بدعة، وقول بأنه ليس سنة ولا بدعة؛ يعني: أنه مباح، إنْ فعل لم نبدعه، وإن ترك لم ننقص عمله.
والأقرب أنه ليس بسنة؛ لأن الأحاديث الواردة في هذا ضعيفة، ولا يمكن أن نثبت سنة بحديث ضعيف، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: شيخ كيف يكون الإنسان () من الله، هذا ليس فيه سوء أدب؟
الشيخ: لا، يفرون من الله من سوء قضائه إلى الله؛ يعني -مثلًا- لو قضى الله عليك بسوء إلى من تفر؟ إلى الله، قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، ففروا إلى الله من أين؟ منه، الآن مثلًا -ولله المثل الأعلى- لو أن شخصًا أراد أن يبطش بشخص، ثم جاء يركض يتخمخم، ويتوسل إليه، ويش صار؟ فر منه إليه، وهذا معروف حتى عند الصغار، إذا أراد أبوه جاء يركل، يخمخم، ويقول: دخيلك، دخيلك. يعني: أستعيذ بك منك، هذا هو المعنى.
طالب: شيخ، القائلون يا شيخ بالإباحة المطلقة () وجه قولهم يا شيخ؟
الشيخ: وجه قولهم -﵏: كأنه لما تعارضت عندهم الأدلة بالصحة أو الضعف، قالوا: لا نأمره ولا ننهاه.
الطالب: يعتبر يا شيخ ليس عليه دليل، دليل ضعيف.
الشيخ: لا هم يقولون: فيه احتمال أنه صحيح، أنه حسن يعني، ولأجل هذا الاحتمال لا نكرهه.
طالب: شيخ، قول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» (١٨)، هل بها يا شيخ التوسل بصفات الله ﷾؟
الشيخ: بلى، التوسل بصفات الله جائز.
الطالب: ذكرنا يا شيخ أنه لا يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز دعاء صفات الله، دعاء الصفة هو الذي لا يجوز، أما التوسل بها فهو جائز.
طالب: شيخ، الزيادة بالأدعية المسجوعة؟
[ ١ / ١٦٥٥ ]
الشيخ: الزيادة بالأدعية المسجوعة؛ إن كانت هذه الأدعية ليس لها معنى أو ربما يكون معناها مشكلا، مثل: أنخنا مطايانا ببابك فلا تبعدنا عن جنابك فإن أبعدتنا فلا حول ولا قوة إلا بك، فهذا لا شك أنه أقل أحواله الكراهة.
وإذا كان سجعًا لي فيه شيء ليس بمحذور، فإن أطال على الناس حتى شق عليهم فهو منهي عنه؛ لأن النبي ﷺ غضب على معاذ بن جبل حين أطال على الناس (٢٤)، إلا أن يكون عدد الناس محصورًا، وقالوا: يا فلان أطل من الدعاء لنا. فإذا كان العدد محصورًا مثل أن كان أهل المزرعة في مسجد محصورون، وقالوا لإمامهم: أطل بنا في الدعاء. فهذا لا بأس.
طالب: شيخ جزاك الله خيرا، سمعت واحدا في رمضان يدعو في الوتر يقول: سبحان من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون، صحيح هذا؟
الشيخ: هذا؛ لأنه أشعري.
طالب: ويش معنى: ولا تخالطه الظنون؟
الشيخ: لا، ويش معنى لا تراه العيون؟ والرسول ﵊ يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» (٢٥).
طلبة: يقصد في الدنيا.
الشيخ: ما قال في الدنيا.
طالب: لكن لو قصد في الدنيا كان صحيحًا؟
الشيخ: وحتى أيضًا لو قصد في الدنيا مشكل؛ لأن الرسول اختلف العلماء: هل رأى ربه أم لا؟
أما الثاني: ولا تخالطه الظنون، فالمعنى: أن الإنسان لا يدرك الله تعالى بظنه أو وهمه، هذا معناه، وعلى كلٍّ هذا من السجع المذموم الذي يحمل معنى منكرًا من وجه ومعنى مبهمًا من وجه آخر.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، () عند البخاري عن ابن عباس، أنه قال: نُهينا أن نسجع في الدعاء (٢٦).
الشيخ: هذا مراده السجع الذي يختلف به المعنى أو السجع المتكلف، وأما السجع الذي لا يتكلف فالرسول سجع بالدعاء: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» (٢٧)، سجع، نوع من السجع، وله أمثلة كثيرة.
[ ١ / ١٦٥٦ ]
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، دعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» (١٨) ما ورد يا شيخ أنه قاله في السجود؟
الشيخ: إيه المشكلة، قاله في السجود، ولا مانع أن يقول في السجود، وفي دعاء الاستفتاح أيضًا، ورد أدعية في الاستفتاح تقال في السجود.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، جملة ().
طالب آخر: (كما أثنيت على نفسك) موقعها مما قبلها في المعنى؟
الشيخ: الظاهر أنها كالتعليل لما قبلها، لما قال: (لا نحصي ثناء عليك) لأنك (كما أثنيت على نفسك).
الطالب: يعني الله ﷾ أحسنَ صفات الثناء على نفسه؟
الشيخ: معلوم، الله ﷿ يحسن كل شيء.
طالب: شيخ بالنسبة للدعاء في السجود، كون الواحد يدعي في السجود، هل يجوز أن يختم بالصلاة على النبي ﷺ؟
الشيخ: ويش تقولون في سؤاله؟ يقول: هل يختم إذا دعا في السجود بالصلاة على النبي ﷺ؟ الجواب: لا؛ لأن الصلاة لها ختام بالصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، نصلي على النبي ﷺ.
الطالب: يكون الحديث للعموم، كون الواحد يدعو وما صلى على الرسول ﷺ يكون معلقًا بين السماء ..
الشيخ: إي نعم؛ لأن الصلاة عبادة واحدة آخرها تبع لأولها.
طالب: شيخ، سمع من بعض الأئمة يدعون في رمضان: اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا.
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ الأحسن أن يقال: اللهم كِد لنا ولا تكد علينا، ويجوز أن تقول: اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا؛ لأن الله قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، كدنا له، وقال في الكافرين: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦] ما هو أكيد لهم، أكيد عليهم.
الطالب: لكن في المقابل يا شيخ ().
الشيخ: لا ما فيها شيء، لكن لو إن كان هذا واردا في الحديث فلا بأس، وإن كان ما ورد فهو بمعنى: أكيد؛ كِد لنا ولا تكد علينا.
[ ١ / ١٦٥٧ ]
طالب: زيادة قول النبي ﷺ () الحسن يعلمه الدعاء () يعني من دعائه.
الشيخ: هو حديث الحسن ما يدل على انحسار الدعاء بهذا؛ لأنه طلب قال: علمني دعاء أدعو به في قنوت الوتر (١)، ما قال: أجعله قنوتَ الوتر، فدل على أن هناك دعاء آخر غير هذا الدعاء المعلم.
طالب: فيه زيادة ().
الشيخ: ما أدري عنها.
طالب: () يدعون بأبيات شعرية ويؤمن بها المصلون.
الشيخ: من؟
الطالب: الخطباء الجدد، والمصلون يؤمِّنون خلفهم، فما رأيكم؟
الشيخ: يؤمنون خلفه، الرسول دعا بشعر:
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فإذا دعا الخطيب وأمن المستمعون فلا بأس.
***
() والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(يمسح وجهه بيديه) يعني: بعد أن ينتهي من القنوت من الدعاء يمسح وجهه بيديه؛ لأنه جاءت في هذا أحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا دعا لا يرد يديه حتى يمسح بهما وجهه (٢٨)، ولكن هذه الأحاديث قال شيخ الإسلام ﵀: إنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وذكر ابن حجر في بلوغ المرام أن مجموعها يقضي بأن الحديث حسن يعني: حسنًا لغيره لا حسنًا لذاته.
والأقرب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما كان الرسول ﷺ يدعو ويرفع يديه ولا يمسح بهما وجهه، ومثل هذه السنة التي ترد كثيرًا؛ وتتوافر الدواعي على نقلها إذا لم تكن معلومة في مثل هذه المؤلفات المعتبرة كالصحيحين وغيرهما، فإنها تدل على أنه لا أصل لها.
وعلى هذا؛ فالأفضل ألا يمسح، ولكن لا ننكر على من مسح اعتمادًا على تحسين الأحاديث الواردة في ذلك؛ لأن هذا مما يختلف فيه الناس.
يقول المؤلف ﵀: (ويمسح وجهه بيديه، ويكره قنوته في غير الوتر) (يكره قنوته) أي: قنوت المصلي (في غير الوتر).
[ ١ / ١٦٥٨ ]
ويريد بـ (قنوته): قنوته بهذا الدعاء: (اللهم اهدني فيمن هديت) إلى آخره فإنه يكره (في غير الوتر) فيشمل القنوت في الفرائض، ويشمل القنوت في الرواتب، ويشمل القنوت في النوافل الأخرى، فكلها لا يقنت فيها مهما كان الأمر، وذلك لأن القنوت دعاء خاص في مكان خاص في عبادة خاصة، وهذه الخصوصيات الثلاث تحتاج إلى دليل؛ يعني: أنها لا تدخل في عموم استحباب الدعاء مثلًا.
يعني لو قال قائل: أليس القنوت دعاء فليكن مستحبًّا؟
نقول: هو دعاء خاص في مكان خاص في عبادة خاصة، ومثل هذا يحتاج إلى دليل، فإن الشيء الذي يستحب على سبيل الإطلاق لا يمكن أن نجعله مستحبًّا على سبيل التخصيص والتقييد إلا بدليل؛ ولهذا لو قال لنا قائل: سأفعل في ليلة مولد الرسول ﷺ صلوات على الرسول ﷺ واردة جاءت بها السنة، أصليها؟
قلنا: لا تفعل؛ لأنك قيدت العام بزمن خاص، وهذا يحتاج إلى دليل، فليس كل ما شرع على سبيل العموم يمكن أن نجعله مشروعًا على سبيل الخصوص.
فما هو الذي قلنا في القنوت يا أخ؟
طالب: نقول: لا نثبت القنوت إلا ما يثبت بالدليل، وما كان خارجًا عن ذلك فيحتاج إلى دليل.
الشيخ: طيب، علّل؟
الطالب: لأن هذه عبادة، والعبادة لا نثبتها إلا بدليل.
الشيخ: ذكرنا ثلاثة أوجه، قلها لنا؟
الوساوس في قلوب الإنسان عند الصلاة وعند طلب العلم حتى يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، قل؟
طالب: ().
الشيخ: عام، لو كان دعاء عامًّا قلنا: بعد التشهد قل ما شئت، أيضًا في مكان خاص، وهو ما بعد الركوع أو ما قبله، والثالث في عبادة خاصة، فيحتاج إثباته إلى دليل.
[ ١ / ١٦٥٩ ]
ومن ثم قلنا: إن دعاء ختم القرآن في الصلاة لا شك أنه غير مشروع؛ لأنه حتى وإن ورد عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو (٢٩)، فهذا خارج الصلاة، وفرق بين ما يكون خارج الصلاة وداخلها، فلهذا يمكن أن نقول: إن هذا الدعاء عند ختم القرآن في الصلاة لا أصل له، ولا ينبغي فعله، حتى يقوم دليل من الشرع على أن هذا مشروع في الصلاة.
القنوت في غير الوتر أطلق المؤلف أنه يكره، مع أن بعض الصحابة ﵃ أثبتوا أنه بدعة، وإذا كان بدعة فأقل أحواله الكراهة، وكأن المؤلف -﵀- لم يرفعه إلى حد التحريم لوجود خلاف بين العلماء فيه.
قال المؤلف: (إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض)، بالمسلمين، أما إن نزلت بالكفار نازلة فذلك مما يشكر الله عليه، وليس مما يدعى برفعه، لكن إذا نزلت بالمسلمين نازلة.
والنازلة: هي الشديدة من شدائد الدهر، إذا نزل بهم شدة من شدائد الدهر بالمسلمين، يقول المؤلف: (غير الطاعون).
الطاعون: وباء معروف فتاك معدٍ، إذا نزل بأرض فإنه لا يجوز الذهاب إليها، وإذا وقع في أرض فإنه لا يجوز الخروج منها فرارًا منه؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ وَقَعَ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ» (٣٠).
وهذا الطاعون -نسأل الله العافية- إذا نزل أهلك أمما كثيرة، كما في طاعون عمواس الذي وقع في الشام في عهد عمر ﵁ حتى قيل: إنه يموت في اليوم الواحد نحو ألف نفر، مع أن العدد في ذلك الوقت ليسوا بمثل هذا العدد الحاضر.
هذا النوع من الوباء إذا نزل بالمسلمين فقد اختلف العلماء -﵏- هل يدعى برفعه أو لا؟
[ ١ / ١٦٦٠ ]
فقال بعض العلماء: إنه يدعى برفعه؛ لأنه نازلة من نوازل الدهر، وأي شيء أعظم من أن يفني هذا الوباء أمة محمد ﷺ، ولا ملجأ للناس إلا الله ﷿، فيدعون الله ويسألونه رفعه.
ومنهم من قال: لا، لا يدعى. وعلل ذلك: بأنه شهادة، فإن الرسول ﷺ أخبر بأن المطعون شهيد (٣١)، قالوا: ولا ينبغي أن نقنت من أجل رفع شيء يكون سببًا لنا في الشهادة، بل نسلم الأمر إلى الله، وإذا شاء الله واقتضت حكمته أن يرفعه رفعه، وإلا يبقى، ومن فني بهذا المرض فإنه يفنى على الشهادة كما أخبر بذلك النبي ﷺ.
فصار للعلماء قولان: هل يقنت لرفع الطاعون أو لا يقنت؟ فمنهم من قال: إنه يقنت؛ لأنه نازلة عظيمة تؤدي إلى فناء المسلمين، ومنهم من قال: إنه لا يقنت له؛ أي لرفعه؛ لأنه شهادة.
قال: (فيقنت الإمام في الفرائض)، (فيقنت) نقرؤها بالرفع ولا بالنصب؟
طالب: بالنصب.
الشيخ: لا، بالرفع استئنافًا؛ يعني: إلا أن تنزل فحينئذٍ يقنت الإمام؛ لأنك لو قلت: إنها معطوفة (تنزل)، وقلت: إلا أن تنزلَ فيقنتَ ما بينت الحكم هل يقنت أم لا؟
المهم: إذا نزل بالمسلمين نازلة قال: (فيقنت الإمام في الفرائض)، يقنت، ولم يبين المؤلف حكم هذا القنوت، لكنه استثناه من الكراهة، (يكره قنوته في غير الوتر إلا أن تنزل فيقنت) فحينئذٍ يستثنى من الكراهة، وإذا استثني من الكراهة وثبت فعله في الصلاة فإنه يكون مستحبًّا؛ لأنه إذا ثبت فعله في الصلاة بموجب الاستثناء لزم أن يكون من أذكار الصلاة وحينئذٍ يكون مستحبًّا.
وعلى هذا؛ فقول المؤلف: (فيقنت الإمام) يعني: استحبابًا، وقد أجمع العلماء: على أن هذا القنوت ليس بواجب؛ يعني: لو تركه الناس لم يأثموا لكن الأفضل أن يقنت الإمام.
[ ١ / ١٦٦١ ]
وقول المؤلف: (الإمام) من يعني بالإمام؟ إذا أطلق الفقهاء (الإمام) فالمراد به: القائد الأعلى في الدولة؛ يعني: الذي له السلطة العليا هو الإمام، فيكون القانت الإمام وحده، أما بقية الناس فلا يقنتون؛ يعني: لا يقنت إلا المسجد الذي يصلي فيه الإمام فقط، فيقنت الإمام، لماذا؟ قالوا: لأن الرسول ﷺ قنت عند النوازل ولم يأمر أحدًا بالقنوت، ولم يقنت أحد من المساجد في عهده ﷺ؛ ولأن هذا القنوت لأمر نزل بالمسلمين عامة، والذي له الولاية العامة على المسلمين هو الإمام، فيختص الحكم به، ولا يشرع لغيره، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني في المسألة: أنه يقنت كل إمام فتقنت المساجد، يقنت بها أئمتها.
والقول الثالث ().
والأخير: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- واستدل بعموم قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣٢)، وهذا العموم يشمل ما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته على سبيل الاستمرار، وما يفعله في صلاته على سبيل الحوادث النازلة، فيكون القنوت عند النوازل مشروعًا لكل أحد.
ولكن، على كل حال، الذي أرى في هذه المسألة: أن يُقتصر على أمر ولي الأمر، فإن أمر بالقنوت قنتنا، وإن سكت سكتنا، ولنا -ولله الحمد- مكان آخر في الصلاة ندعو به، أو ندعو فيه، وهو السجود، وفي التشهد، وهذا فيه خير وبركة، أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ.
[ ١ / ١٦٦٢ ]
وقول المؤلف: (يقنت الإمام في الفرائض) ليس المراد أن يدعو بدعاء القنوت الذي علمه الرسول ﷺ الحسن، بل يقنت بدعاء مناسب للنازلة التي نزلت، ولهذا كان الرسول ﷺ يدعو في هذا القنوت بما يناسب النازلة، ليس يدعو فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت كما يفعله بعض العامة، هذا لم يرد عن الرسول ﵊ أبدًا -لا في حديث صحيح ولا ضعيف- أنه كان يقول: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ في الفرائض، إنما يدعو بالدعاء المناسب لتلك النازلة، فمرة دعا ﷺ لقوم من المستضعفين أن ينجيهم الله ﷿ حتى قدموا (٣٣).
وقد روي أنه دعا لهم من النصف من شهر رمضان إلى صبيحة يوم العيد، حيث قدموا في صبيحة يوم العيد (٣٤)، فيكون قنوته لهم خمسة عشر يومًا.
وقنت على قوم دعا عليهم؛ على رعل وذكوان وعصية شهرًا كاملًا، فقيل: إنهم قدموا مسلمين تائبين فأمسك (٣٥)، ودعا على قوم معينين دعا عليهم باللعن: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَالْعَنْ فُلَانًا»، حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فأمسك (٣٦)، فصار دعاء النبي ﷺ بالقنوت دعاء مناسبًا، وعلى قدر الحاجة، لم يستمر.
يقول: (إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض) قال في الشرح: فيقنت الإمام الأعظم استحبابًا، الإمام الأعظم قلت لكم إنه من له السلطة العليا في البلد.
إذا قنت يقول: (في الفرائض) (ال) دخلت على جمع فتفيد العموم؛ يعني: في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وليس خاصًّا بصلاة الفجر، بل في كل الصلوات، هكذا صحّ عن النبي ﷺ أنه قنت في جميع الصلوات.
[ ١ / ١٦٦٣ ]
واستثنى بعض العلماء الجمعة، وقال: إنه لا يُقنت فيها؛ لأن الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ أنه قنت في الصلوات الخمس؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم تذكر الجمعة، والجمعة صلاة مستقلة لا تدخل في مسمى الظهر عند الإطلاق؛ ولهذا لا تجمع العصر إليها فيما لو كان الإنسان مسافرًا وصلى الجمعة، وهو يريد أن يمشي، وأراد أن يجمع العصر إلى الجمعة، نقول: لا يجوز هذا؛ لأنها صلاة من جنس آخر مستقلة.
وعلل بعضهم أيضًا ذلك: بأن الإمام يدعو في خطبة الجمعة يدعو دعاء عامًّا يؤمّن الناس عليه في خطبة الجمعة، فيدعو لرفع النازلة في خطبة الجمعة، ويكتفى بهذا الدعاء عن القنوت في صلاة الجمعة.
ويرى بعض أهل العلم أنه لا وجه للاستثناء، وإنما لم ينص عليها في الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ؛ لأنها يوم واحد في الأسبوع فلهذا تركت، ويدل لهذا أن الرسول ﷺ إذا علّم عن الصلاة المفروضة لا يذكر إلا الصلوات الخمس؛ لأنها هي الراتبة الموجودة التي ترد على الإنسان في كل يوم، بخلاف الجمعة.
فالظاهر أنه يقنت حتى في صلاة الجمعة.
وإذا قلنا بالقنوت في الصلوات الخمس، فإن كان في الجهرية فمن المعلوم أنه يجهر به، وإن كان في السرية فإنه يجهر به أيضًا؛ كما ثبتت به السنة أنه كان يقنت ويؤمن الناس وراءه (٣٧)، ولا يمكن أن يؤمنوا عليه إلا إذا كان يجهر، وعلى هذا؛ فيسن أن يجهر ولو في الصلاة السرية.
القنوت هل يكون قبل الركوع أو بعد الركوع؟
أكثر الأحاديث، والذي عليه أكثر أهل العلم، أن القنوت بعد الركوع، وإن قنت قبل الركوع فلا حرج؛ يعني: كمل القراءة ثم دعا ثم ركع، فلا حرج، فهو الآن يخير بين أن يركع إذا كمل القراءة، ثم إذا رفع وقال: ربنا ولك الحمد، قنت، كما هو أكثر الروايات، وعليه أكثر أهل العلم، أو إذا أتم القراءة دعا ثم كبر وركع، كل هذا جاءت به السنة ولا حرج فيه.
[ ١ / ١٦٦٤ ]
قال: (فيقنت الإمام في الفرائض، والتراويح عشرون ركعة) (التراويح) مبتدأ، و(عشرون ركعة) خبر المبتدأ، والتراويح: سنة مؤكدة؛ لأنها من قيام رمضان، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣٨)، حكمها؟
طالب: أنها سنة مؤكدة.
الشيخ: الدليل؟
طالب: لأنها من قيام رمضان، وقال ﷺ في قيام رمضان: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الشيخ: نعم، وسميت تراويح؛ لأن من عادتهم أنهم إذا صلوا أربع ركعات جلسوا قليلًا ليستريحوا؛ بناء على حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا (٣٩)، ووجه ذلك أنها قالت: (يصلي أربعًا ثم)، و(ثم) تدل على الترتيب بمهلة، وأنه هناك فاصل بين الأربع الأولى والأربع الثانية والثلاث الأخيرة، وهذه الأربع يسلم من كل ركعتين، كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث عائشة؛ أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين (٤٠).
خلافًا لمن توهم من بعض طلبة العلم أن الأربع تجمع الأولى، والأربع الثانية تجمع، فإن ذلك وهم، سببه عدم تتبع طرق الحديث من وجه، وعدم النظر إلى الحديث العام؛ حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ سئل عن صلاة الليل فقال: «هِيَ مَثْنَى مَثْنَى» (٩).
وعلى هذا؛ فكل حديث مطلق في عدد الركعات في الليل يجب أن يحمل على هذا الحديث المقيد، وهو أنها مثنى مثنى.
أما ما صُرِّح فيه بعدم ذلك كالوتر بخمس أو سبع أو تسع، فهذا يكون مخصصًا لعموم هذا الحديث.
إذن لماذا قالت عائشة: يصلي أربعًا، ثم يصلي أربعًا؟
[ ١ / ١٦٦٥ ]
نقول: لأنه جمع الأربع الأولى في آن واحد، فصلى ركعتين، ثم وصلهما فورًا بالركعتين الأخريين، ثم جلس وأمهل، ثم استأنف وصلى ركعتين، ثم أتبعهما بركعتين، ثم جلس فأمهل، ثم صلى ثلاثًا.
أخذ السلف من هذا أن يصلوا أربع ركعات بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلوا أربعًا، ثم يستريحوا، ثم يصلوا ثلاثًا إذا قاموا بإحدى عشرة ركعة.
والمؤلف يقول ﵀: (التراويح عشرون ركعة) إذا أضفنا إليها أدنى الكمال في الوتر تكون؟
طالب: واحدا وعشرين.
الشيخ: لا، تكون ثلاثًا وعشرين، فيصلي التراويح عشرين ركعة، ثم يصلي الوتر ثلاث ركعات، ويكون الجميع ثلاثًا وعشرين ركعة، هذا قيام رمضان.
فما هو الدليل؟ الدليل يقول: لما روى أبو بكر عبد العزيز في الشافي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة (٤١)، ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي ﷺ، والذي صح عنه، من أعلم الناس به في الليل عائشة أم المؤمنين ﵂، أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة فقد سئلت: كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على () ركعة (٤٢). وهذا نص صريح من عائشة، وهي من أعلم الناس به فيما يفعله ليلًا، تقول: إنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة.
فإن قال قائل: قد ذكر عن عمر أنه كان أمر أُبَيّ بن كعب أن يصلي بالناس بثلاث وعشرين ركعة (٤٣)؟
قلنا: هذا أيضًا ليس بصحيح، وإنما روى يزيد بن رومان قال: كان الناس يصلون في عهد عمر في رمضان ثلاثًا وعشرين ركعة (٤٤)، انتبهوا، يزيد بن رومان لم يدرك عهد عمر، فيكون في الحديث انقطاع.
[ ١ / ١٦٦٦ ]
ثم الحديث ليس فيه نص أن عمر اطلع على ذلك، وما فعل في عهد عمر فإنه لا يكون حجة بخلاف ما فعل في عهد الرسول ولم ينكره، فإنه يكون حجة؛ لأن الرسول ﷺ إن كان علمه فقد أقره، وإن لم يكن علمه فقد أقره الوحي، لكن في عهد عمر ما فيه الوحي، فلم ينسب إلى عمر من إقراره حتى يكون صريحًا بنسبته إلى عمر.
ولكن روى مالك في الموطأ بإسناد من أصح الأسانيد أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر تميمًا الداري وأبي بن كعب أن يقوما في الناس بإحدى عشرة ركعة (٤٥)، وهذا نص صريح، أمر من عمر ﵁، وهو اللائق به ﵁؛ لأنه من أشد الناس تمسكًا بالسنة، وإذا كان الرسول ﷺ لم يزد على إحدى عشرة ركعة، فإننا نعتقد بأن عمر بن الخطاب ﵁ سوف يتمسك بهذا العدد.
وعلى هذا؛ فيكون الصحيح في هذه المسألة: أن السنة في التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يصلي عشرًا شفعًا، وواحدة وترًا، والوتر كما قال ابن القيم: هو الواحدة، ليس الركعات التي قبله من صلاة الليل، والوتر هو الواحدة، وإن أوتر بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاث عشرة ركعة فلا بأس؛ لأن هذا أيضًا صح من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى ثلاث عشرة ركعة (٤٦).
فهذا هو السنة، ومع ذلك: لو أن أحدًا من الناس صلى بثلاث وعشرين، أو بأكثر من ذلك، فإنه لا ينكر عليه؛ ولكن لو طالب أهل المسجد بألَّا يتجاوز عدد السنة كانوا أحق منه بالموافقة؛ لأن الدليل معهم، إنما لو سكتوا ورضوا؛ فهو لو صلى بهم تسعًا وتسعين ركعة ما فيه مانع.
ولا فرق في هذا العدد حتى على المذهب بين أول الشهر وآخره، لا فرق ..
والتراويحُ عشرون رَكعةً تُفعلُ في جماعةٍ مع الوِترِ بعدَ العشاءِ في رَمضانَ ويُوتِرُ الْمُتَهَجِّدُ بعدَه فإن تَبِعَ إمامَه شَفَعَه بركعةٍ، ويُكْرَهُ التنَفُّلُ بينَهما لا التعقيبُ في جماعةٍ.
[ ١ / ١٦٦٧ ]
ثم (السنَنُ الراتبةُ) ركعتان قبلَ الظهْرِ وركعتانِ بعدَها وركعتان بعدَ المغرِبِ ورَكعتانِ بعدَ العشاءِ وركعتانِ قبلَ الفجْرِ وهما آكَدُها، ومَن فاتَه شيءٌ منها سُنَّ له قضاؤُه.
و(صلاةُ الليلِ) أفْضَلُ من صَلاةِ النهارِ وأَفْضَلُها ثُلُثُ الليلِ بعدَ نِصفِه،
أن السنة في التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يصلي عشرًا شفعًا، وواحدة وترًا، والوتر -كما قال ابن القيم- هو الواحدة ليس الركعات اللي قبله، الركعات التي قبله من صلاة الليل، والوتر هو الواحدة، وإن أوتر بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاث عشرة ركعة فلا بأس، لأن هذا أيضًا صح من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى ثلاث عشرة ركعة (١).
فهذا هو السنة، ومع ذلك لو أن أحدًا من الناس صلى بثلاث وعشرين، أو بأكثر من ذلك فإنه لا يُنْكَر عليه؛ ولكن لو طالب أهل المسجد بألا يتجاوز عدد السُّنة كانوا أحق منه بالموافقة؛ لأن الدليل معهم، إنما لو سكتوا ورضوا فهو لو صلى بهم تسعًا وتسعين ركعة ما فيه مانع.
ولا فرق في هذا العدد حتى على المذهب بين أول الشهر وآخره، وعلى هذا فيكون القيام في العشر كالقيام في أول الشهر.
فإذا قلنا: إن الأفضل إحدى عشرة في العشرين الأولى قلنا: إن الأفضل إحدى عشرة في العشر الأخيرة ولا فرق؛ لأن عائشة تقول ﵂: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره (٢)، ولم تستثن العشر الأواخر، لكن تختص العشر الأواخر بالإطالة فإن الرسول ﷺ كان يقوم فيها الليل كله (٣)، وعلى هذا فيطيل.
[ ١ / ١٦٦٨ ]
لكن لو اختار أهل المسجد أن يُقَصِّر بهم القراءة والركوع والسجود، ويكثر من عدد الركعات، وقالوا له: إن هذا أرفق بنا لأنه لو بقي يقرأ جزءا في كل ركعة ويطيل الركوع والسجود ربما يشق عليهم؛ فإذا طلبوا أن يُقَصِّر القراءة والركوع والسجود ويزيد في العدد فلا حرج عليه إذا وافقهم؛ لعموم قول النبي ﷺ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٤) وعموم قوله ﵊: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ» (٥) وما دام الأمر غير محظور علينا فإن تيسيرنا على من ولانا الله عليه أولى وأحسن، والإمام ولي المسجد مولًّى على المأمومين، ولهذا يقال: إمام، فهو إمام، والإمام أيضًا يأمرهم ويقول: سووا اعتدلوا سوُّوا الصفوف، تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، فهو في الحقيقة ولي أمر بالنسبة للمأمومين.
فإذا طلب المُوَلَّى عليهم أن يَرْفُق بهم بكثرة العدد مع تخفيف الركوع والسجود والقراءة فليس في هذا بأس.
وهنا نقول: لا ينبغي لنا أن نتطرف لا يمينًا ولا شمالًا؛ لأن بعض الناس يتطرف من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنة، وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصٍ، وهذا لا شك أنه خطأ، وكيف يكون آثما عاصيًا، وقد سئل النبي ﵊ كيف صلاة الليل؟ فقال: «مَثْنَى مَثْنَى» (٦)؟ ولم يحدد بعدد.
ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد؛ لأن مَنْ لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى، وهو ليس من خَدَمِ الرسول حتى نقول: يعلم داخل بيته، فإذا كان النبي ﵊ بَيَّن له كيفية الصلاة دون أن يُحَدِّد له بعدد علم أن الأمر في هذا واسع، وأن للإنسان أن يصلي مئة ركعة ويوتر بواحدة، مَنْ يمنعه من هذا؟ !
[ ١ / ١٦٦٩ ]
وأما قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٧)، فهذا ليس على عمومه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أن يوتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع، لا يوجبون هذا ولو أخذنا بالعموم لقلنا: يجب أن توتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع سردًا، وإنما المراد: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» في الكيفية، أما في العدد فلا.
فالإنسان على كل حال؛ نحن نقول: إن الإنسان ينبغي له ألا يشدد على الناس بمجرد وَهْمٍ توهَّمه، حتى إننا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا مَنْ يبدِّعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة، ويخرجون من المسجد، شوف كيف يعني الوهم، يخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول ﷺ: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨) وربما يجلسون إذا صلوا عشر ركعات يجلسون فتتقطع الصفوف بجلوسهم، يجلسون والناس صفوف عن اليمين وعن اليسار وربما يتحدثون أحيانًا فإذا جاء الوتر قاموا فأوتروا، كل هذا من الخطأ، نحن لا نشك في أنهم يريدون الخير، وأنهم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهد يكون مُصيبًا.
الطرف الثاني عكس هؤلاء أنكروا على مَنْ اقتصر على إحدى عشرة ركعة، أنكروا إنكارًا عظيمًا، وقالوا: خرجت عن الإجماع، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] كيف تخرج عن الإجماع من أين جئت لنا بهذا؟ كل الناس قبلك لا يعرفون إلا ثلاثًا وعشرين ركعة، ثم يشددون في التنفير والنكير، وهذا أيضًا خطأ ما هو صحيح.
[ ١ / ١٦٧٠ ]
ولكن لو فرضنا أننا في بلد لا يعرفون إلا ثلاثًا وعشرين ركعة، فليس من الحكمة أن نجابههم، فنصلي إحدى عشرة ركعة من أول ليلة، وإنما نصلي ثلاثًا وعشرين ركعة، ثم نتحدث إليهم بما جاءت به السنة، وأن الأفضل إحدى عشرة، ثم نقول لهم: ما ترون؟ هل ترون أن نقتصر على هذا العدد مع الطمأنينة وإطالة الركوع والسجود نوعًا ما؛ لنتمكن من الدعاء، ونكثر من الذكر، أو ترون أن نبقى على حالنا؟ حينئذٍ سوف يوافقون أو يخالفون أو يختلفون، أليس كذلك؟ ما تخلو الحال من واحد من ثلاثة أمور.
فإذا رأى الأكثر على أننا لا نوافق، خلينا على ما كان عليه آباؤنا، ويش يعمل؟ يبقى على ما هو عليه؛ لأن الأمر واسع، وما دام الأمر فيه التأليف فهو خير، لكن لا ييأس؛ يعيد الكرة مرة ثانية، ما يضر، فإن أَبَوا وأصرُّوا على الثلاث والعشرين يستعمل معهم ما يراه من الحكمة في إقناعهم.
ومع هذا لو أنهم أَبَوا إلا ثلاثًا وعشرين فليتوكل على الله، وليعطهم هذا، لكن ليحذر مما يصنعه بعض الأئمة من السرعة العظيمة في الركوع والسجود، حتى إن الواحد لا يتمكن وهو شاب من متابعة الإمام وهو شاب، كيف عاد بكبير السن أو المريض أو ما أشبه ذلك اللي ما يستطيع؟ !
وقد حدثني مَنْ أثق به أنه دخل مسجدًا في ليلة من ليالي رمضان ودخل مع الإمام في صلاة التراويح وعجز عن إدراك المتابعة وهو نشيط وشاب، يقول: كأني أصلي معه على الجمر، فلما نمت في الليل وجدت كأني دخلت على هذا المسجد، وإذا أهله يرقصون؛ لأن هكذا هذا هو الرقص.
فالقصد من هذا أن بعض الأئمة -نسأل الله لنا ولهم الهداية- يتلاعبون في التراويح، يصرون على العدد وهو سنة، بل وهو خلاف السنة، السنة إحدى عشر، ولكنهم يقصرون في الواجب؛ في السرعة العظيمة، والعلماء يقولون ﵏: يُكْرَه للإمام أن يُسْرِع سرعة تمنع المأموم فعل ما يُسَنُّ.
[ ١ / ١٦٧١ ]
ويَحْرُم أن يسرع سرعة تمنع المأموم فعل ما يجب؛ لأنه مؤتمن، والأمين يجب أن يراعي حال المؤتمن عليه فيسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يجب، هذا لا يجوز.
لو أن أحدًا صلى مع هذا الإمام الذي يسرع سرعة تمنع المأموم فعل ما يجب، يعجز أن يدركه في الطمأنينة، فهل له أن يخرج وينفرد؛ يعني: ينفصل عن الإمام؟
الجواب: نعم، بل يجب عليه أن ينفصل عن الإمام، سواء في التراويح أو في الفريضة، أيضًا أحيانًا في الفريضة تجي تجد واحدًا يصلي بالناس قد فاتتك الصلاة وتدخل معهم وإذا هو يسرع إسراعًا تعجز أنت أن تدرك معه الواجب، ففي هذه الحال نقول: انفصل، انْوِ الانفراد وأتم لوحدك؛ لأنه لا يمكن الآن أن تجمع بين المتابعة وبين القيام بالركن وهو الطمأنينة فلا بد من أحد الأمرين، وإذا كان النبي ﷺ أقرَّ الرجل على الانفراد من أجل تطويل الإمام، فالإقرار على الانفراد من أجل القيام بالركن من باب أولى.
***
طالب: ().
الشيخ: النوازل طارئة ما هي بدائمة؛ ولهذا سجود الشكر يُشْرَع -كما سيأتينا إن شاء الله- عند تجدِّد النعم، ما هو عند كل نعمة وإلَّا لبقي الإنسان دائمًا في السجود، وهذه أيضًا بقي الإنسان دائمًا في قنوته.
طالب: () الذين قالوا: () لا يقال لهؤلاء: إن النبي ﷺ كان الإمام الأعلى من الناحية الدينية ومن الناحية ()؛ لأنه كان يحج بهم ويصلي بهم () الأمور الدنيوية.
الشيخ: والتشريعية.
طالب: والتشريعية بالنسبة للطاعات.
الشيخ: تبعًا للرسول؛ ولهذا قنت أبو بكر ﵁ في الردة، في قتال مسيلمة قنت ﵁.
طالب: بعد الخلفاء الراشدين أصبحنا () الفقهاء مثلًا الإمام مالك ().
الشيخ: هذا قول الفقهاء فيه خلفاء ().
هل يمسح بيديه إذا انتهى من دعاء القنوت؟
طالب: ().
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟
طالب: يمسح.
الشيخ: يمسح، الراجح لا يمسح.
[ ١ / ١٦٧٢ ]
ما هو دليل مَنْ قال: يمسح، ومَنْ قال: لا يمسح؟
طالب: دليل مَنْ قال: يمسح ما روي عن عمر أنه كان لا يُنْزِل يده حتى يمسحها.
الشيخ: نعم.
طالب: أما دليل مَنْ قال: إنه لا يمسح فهو تَتَبُّعٌ لأحوال نبي الله ﷺ بعد القنوت أنه كان لا يمسح.
الشيخ: لا بعد الدعاء.
طالب: بعد الدعاء أنه كان لا يمسح.
الشيخ: طيب.
وما جوابهم ()؟
طالب: جوابهم أنه روي عن عمر، ولكن ..
الشيخ: ولكنه ضعيف لا تقوم به حجة.
حكم القنوت في غير الوتر؟
طالب: حكم القنوت في غير الوتر يُكْرَه أن يقنت الإمام في غير الوتر.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه قول له مكان مُعَيَّن وله وقت مُعَيَّن وصلاة معينة.
الشيخ: يعني: لأنه لم يرد عن النبي ﷺ، وما لم يرد فهو بدعة، استثنى المؤلف ﵀، ماذا استثنى؟
طالب: إذا نزلت بالناس نازلة، واستثنى () الطاعون ().
الشيخ: الدليل على القنوت عند النازلة؟
طالب: النبي ﷺ قنت في النوازل دعا على أقوام.
الشيخ: نعم دعا لأقوام ودعا على أقوام، أحسنت.
ذكرنا أنه دعا للمستضعفين مدة معينة؟
طالب: خمسة عشر يومًا.
الشيخ: خمسة عشر يومًا، ابتداؤها نصف ذي القعدة وانتهاؤها؟
طالب: من خمسة عشر رمضان إلى يوم العيد.
الشيخ: إي نعم، في النصف الأخير من رمضان، وقنت على قوم؟
طالب: مدة شهر حتى نزل قول الله ﷾: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
الشيخ: لا، اللي شهر غير هذا.
طالب: على ذكوان.
الشيخ: شهرًا، ثم تركه لأنهم أسلموا، والآخرون الذين دعا عليهم أيضًا.
طالب: مدة ولا ..
الشيخ: مدة ما نعلم عنها.
طالب: حتى نزل قول الله ﷾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
الشيخ: أحسنت، تمام.
لمن يشرع القنوت عند النوازل؟
طالب: الإمام الأعظم على قول ..
الشيخ: المؤلف.
طالب: المؤلف، ورجحتم في الدرس أنه ().
[ ١ / ١٦٧٣ ]
الشيخ: إي، لكن على كلام المؤلف للإمام الأعظم؛ لأن هذا شيء يتعلق بعموم المسلمين فصار الحكم فيه مختصًّا بإمامهم فقط.
قال المؤلف ﵀: (التراويح عشرون ركعة) فلماذا سميت تراويح؟
طالب: سميت تراويح؛ لأنهم كانوا يصلون أربعًا ثم يستريحون، ثم يصلون أربعًا ثم يستريحون، ثم يصلون ثلاثًا ().
الشيخ: استندوا إلى حديث عائشة، تمام أحسنت.
قول المؤلف: إنها عشرون ركعة، نحن رجحنا خلاف كلام المؤلف.
طالب: رجحنا أنها تكون إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: أو؟
طالب: أقل.
الشيخ: لا.
طالب: أو لا يحددها.
طالب آخر: ثلاثة عشرة ركعة.
الشيخ: أو ثلاثة عشرة ركعة، صحيح.
استدل المؤلف بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة (٩)، فما جوابك عن هذا؟
طالب: هذا الحديث لم يصح عن النبي ﷺ.
الشيخ: لم يصح عن النبي ﷺ فلا يعتمد عليه.
استدلوا أيضًا بما روي عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يصلون في عهد عمر بن الخطاب في رمضان ثلاثًا وعشرين ركعة (١٠).
طالب: أنَّ يزيدَ لم يُدرِك عمر، فالحديث منقطع.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: وأن عمر لم يثبت حقيقة أنه صلى.
الشيخ: يعني: أنه نسبه إلى عهده دون أمره، ثالثًا؟
طالب: روي عن عمر ..
الشيخ: أنه مُعارَض بما صحَّ عن عمر.
طالب: أو صلى في عهد أبي بكر.
الشيخ: لا، ما هو أن يصلى.
طالب: أنه أمر ابنَ عباس.
الشيخ: أمر ابن عباس، أيهما الفضل ولا عبد الله؟ !
طالب: أمر أُبَيًّا.
الشيخ: أُبَيّ بن عباس؟ !
طالب: لا، أُبَيّ بن كعب يا شيخ.
الشيخ: أبي بن كعب، والثاني؟
طالب: هو الذي أمره عمر.
الشيخ: إي هو عمر، اثنين؟
طالب: عمر بن الخطاب.
الشيخ: عمر بن الخطاب أمر رجلين.
طالب: أمر أُبَيَّ بن كعب.
الشيخ: أبي بن كعب، والثاني؟
طالب: وهذا هو الذي دل على ..
الشيخ: إي، والرجل الثاني عشان نكمل الدليل؟
طالب: ما أعرف.
الشيخ: إي، الثاني؟
طالب: تميم الداري.
[ ١ / ١٦٧٤ ]
الشيخ: نعم، الثاني تميم الداري؛ أن يقوما الناس بإحدى.
طالب: عشرة ركعة، وهذا () الحديث الصحيح.
الشيخ: أحسنت تمام، إذن صار الحديث الأول حديث يزيد بن رومان ضعيف من ثلاثة أوجه؛ الانقطاع أنه منسوب إلى عهد عمر، وما نُسِبَ إلى عهد أحد من الخلفاء فليس بحجة، وأما ما نُسِبَ إلى عهد الرسول فهو حجة؛ لأن الوحي ينزل، الثالث أنه معارض بأيش؟
طالب: بما صح.
الشيخ: بما صحَّ عن عمر أنه أمر تميمًا الداري وأبيَّ بن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وذكرنا أن هذا هو اللائق بعمر، لماذا؟
طالب: لأن عمر من أحرص الناس على اتباع سنة النبي ﷺ.
الشيخ: نعم، كان وقَّافًا عند الحق؛ حتى إن المرأة تعارضه أحيانًا وهو يخطب الناس فيرجع لقولها، أحسنت.
***
يقول: (عشرون ركعة)، المؤلف هل أفصح بحكم التراويح أو لا؟
طالب: أفصح.
الشيخ: وين؟
طلبة: في الأول.
الشيخ: في أول الباب؛ حيث قال: (آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح) إذن فالتراويح سنة.
وهنا نسأل: هل هي من سنن عمر أو من سنن النبي ﷺ؟
ادَّعى بعض الناس أنها من سُنَنِ عمر؛ واستدل لذلك بأن عمر بن الخطاب أمر أبيَّ بن كعب وتميمًا الداريَّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (١١)، وخرج ذات ليلة والناس يصلون، فقال: نعمت البدعة هذه، (١٢) هذا يدل على أنها لم يسبق لها مشروعية، وعلى هذا؛ فتكون من سنن عمر لا من سنن النبي ﷺ.
وحينئذ لنا أن نعارض فنقول: إنها ليست بسنة؛ لأن سببها وُجِدَ في عهد الرسول علية الصلاة والسلام ولم يفعله، والقاعدة: أن ما وُجِدَ سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فإنه ليس بسنة؛ لأنه كيف يتركه الرسول والسبب موجود؟ والسبب هنا ما هو؟ رمضان، موجود في عهد الرسول ﷺ، فلما لم يفعله لم تكن سنة، وعلى هذا؛ فإذا صليت الفريضة في رمضان، فاذهب إلى بيتك وصلِّ، ولا تصلِّ مع الناس.
[ ١ / ١٦٧٥ ]
ولكن هذا قول ضعيف، غفل قائله عما ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن النبي ﷺ قام بأصحابه ثلاثَ ليال، وفي الثالثة أو في الرابعة تخلَّف لم يصلِّ، وقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» (١٣) فثبتت التراويح بماذا؟ بسنة النبي ﷺ، وذكر النبي ﷺ المانع من الاستمرار فيها -لا من مشروعيتها- خوف أن تفرض، وهذا الخوف قد زال بوفاة الرسول ﷺ؛ لأنه لما مات ﷺ انقطع الوحي فأُمِنَ من فرضيتها، فلما زالت العلة وجب زوال المعلول؛ لما زالت العلة وهو خوف الفريضة بنزول الوحي ثبت زوال المعلول، وحينئذٍ تعود إلى السُّنِّيَّة.
ويبقى النظر لماذا لم يفعل هذا أبو بكر؛ لم يُعِد إقامتها جماعة؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن مدة أبي بكر ﵁ كانت سنتين وأشهرًا، وكان مشغولًا بتجهيز الجيوش لقتال المرتدين وغيرهم، فكان الناس منهم يصلي وحده، ومنهم من يصلي مع الرجلين، ومنهم من يصلي مع الثلاثة، أحزابًا، لما كان عمر خرج ذات ليلة فوجدهم يصلون أوزاعًا فلم يعجبه هذا التفرق، وأمر تميمًا الداريَّ وأبيَّ بن كعب أن يقوما للناس يجمعون الناس جميعًا، ويصليا بالناس إحدى عشرة ركعة، وبهذا عرفنا أن فعل عمر ما هو إلا إعادة لأمر كان مشروعًا إعادة وتجديد.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول عمر: نعمت البدعة، وهذا يدل على أنها مبتدعة؟
[ ١ / ١٦٧٦ ]
فالجواب: أن هذه البدعة نِسْبِيَّة، فهي بدعة باعتبار ما سبقها، لا باعتبار أصل المشروعية؛ لأنها بقيت في آخر حياة الرسول ﷺ وفي عهد أبي بكر لم تقم، فلما استؤنفت إقامتها، صارت كأنها ابتداء من جديد، إذن هي بدعة بالنسبة لما سبق؛ حيث تُرِكَت في آخر حياة النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر ﵁، ولا يمكن لعمر بن الخطاب أن يثني على بدعة شرعية أبدًا، وقد قال النبي ﵊: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (١٤).
والعجب أن بعض أهل البدع أخذ من قول عمر: نِعْمَت البدعة (١٥) أخذ بابًا ليس له مفاتيح، بل أخذ بابًا ليس عليه بابٌ، فجاء وصار يبتدع ما شاء ويقول: نعمت البدعة هذه، ولا شك أن هذا من الأخذ بالمتشابه، حتى لو فرض أن عمر ﵁ ابتدع وحاشاه من ذلك فإن له سُنَّة متبعة «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ» (١٦) ليس مثلك أنت تأتي بالقرن الرابع عشر وتقول: بأبتدع ونعمت البدعة، أو في القرن الثامن أو السابع أو الثالث، عمر له سُنَّة مُتَّبَعَة، مع أننا لا نعلم أن عمر ابتدع شريعة، إنما ابتدع سياسات لم تكن في عهد الرسول ﷺ سياسات يرى أن فيها مصلحة.
مثل: إلزامه بالطلاق الثلاث أن يكون ثلاثًا، ومثل: منعه من بيع أمهات الأولاد، مع أنهن يبعن في عهد الرسول ﵊، ومثل: زيادة العقوبة في شرب الخمر من نحو أربعين إلى ثمانين.
هذه () لكن سياسات يرى أنها تحقق المصلحة، لكن هل زاد عمر في الصلوات جعلها ستًّا؟ لا، أو جعل ركعات الظهر خمسًا؟ لا إي نعم.
طالب: قول عمر: نعمت البدعة، بعضهم أخذ منه تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة قبيحة.
الشيخ: إي نعم، قلت: هذه صارت بابًا عظيمًا، صارت بابًا ليس له حجاب.
طالب: يقيس على مثل فعل عمر قوله: نعمت البدعة أن ما شابهها يُسَمَّى بدعة حسنة.
[ ١ / ١٦٧٧ ]
الشيخ: لا أبدًا بَيَنَّا لك أنها بدعة نسبية، ما هي بدعة أصلية بدعة بالنسبة لتركها في المدة السابقة.
طالب: بالنسبة للقاعدة التي ذكرنا فيها أنه إذا وجد سبب شيء في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فإنه ليس بِسُنَّة، قال بعض أهل العلم: الخطوط لإقامة الصفوف في الصلاة قالوا: إنه وُجِدَ سببُها وهو إقامة الصفوف ولم يفعله الرسول.
الشيخ: لا، نقول: هذا مردود من وجهين؛ الأول أنه ليس موجودًا في عهد الرسول ﵊؛ لأن الموجود في عهده أن الأرض تفرش بالحصباء، والحصباء ما يمكن يكون فيها خطوط، فإذا قال: يمكن يجعل فيها خيوط، الخيوط نقول: سبب لعثرة الناس فيها ولا تستقيم، يكون فيها أذية، هذا واحد.
الوجه الثاني أن هذه ليست غاية، هذه وسيلة لإقامة الصفوف، ونحن نعلم -والعلم عند الله ﷿- أن هذا لا يغير شيئًا، هذا يحصل به المقصود الشرعي وهو تسوية الصف.
طالب: كيف يدخل الطلاق في السياسة؟
الشيخ: إي نعم، يدخل الطلاق في السياسة؛ لأجل منع الناس من الطلاق المحرَّم؛ لأن جَمْعَ الثلاث بكلمة واحدة حرام، والإنسان إذا علم أنه سيُمْنَع من مراجعة زوجته سيتوقف؛ ولهذا صرَّح قال: أرى الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم. (١٧)
***
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: والتراويح عشرون ركعةً تُفْعَل في جماعة مع الوتر بعد العشاء في رمضان، ويوتِر المتهجِّد بعده فإن تَبِعَ إمامه شَفَعه بركعة، ويُكْرَه التنفل بينها لا التعقيب في جماعة، ثم السنن الراتبة ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان بعد الفجر وهما آكدها، ومن فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
من السنن المؤكدة صلاة التراويح، فما هو الدليل على مشروعيتها؟
[ ١ / ١٦٧٨ ]
طالب: قوله ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١٨)، صلاة التراويح وقيام الليل.
الشيخ: قوله: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، لكن هذا لا يعني أن نصلي جماعة.
طالب: كان عادته ﷺ أنه كان ().
الشيخ: كيف هذا؟ ويش اللي ثبت عنه؟
طالب: التراويح ().
الشيخ: لأن التراويح جماعة تحتاج إلى دليل خاص.
طالب: قال النبي ﷺ: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨).
الشيخ: ما يكفي هذا.
طالب: أولًا: فِعلُه ﷺ فعلها ثلاث أو أربع ليال، ثم عملُ عمر سنة متبعة، وإجماع الصحابة على فعله.
الشيخ: إذن فِعل الرسول ﷺ وفِعل عمر وإقرار الصحابة على ذلك يعني: الكثير منهم أقر، فعل النبي ﵊ كيف كان؟
طالب: أنه صلى جماعة الليلة الأولى والثانية والثالثة وترك الرابعة، ثم عندما تركها سأله الصحابة قال: مخافة أن تُفْرَضَ عليكم أو خشيت أن تفرض عليكم ..
الشيخ: وتركها بعد في الثالثة أو الرابعة وقال: خشيت أن تُفْرَض عليكم، وهذه العلة زالت بعد وفاته، فإذا زالت العلة زال المعلول وأكَّدَ ذلك سنة عمر ﵁.
ما هو الدليل على أنها عشرون ركعة كما قال المؤلف؟
طالب: الدليل حديث عبد الله بن عباس أنه ..
الشيخ: حديث عبد الله بن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي في رمضان (١٩) كم؟
طالب: عشرون ركعة.
الشيخ: عشرون ولَّا عشرين؟ أنت ما درست معنا في النحو. ويش تقولون يا أهل الآجرومية؟
طلبة: عشرين.
الشيخ: عشرين، إي نعم؛ لأن الملحق بجمع المذكر السالم يُنْصَب بالياء، فيه دليل غير هذا؟
طالب: أنه قيل عن عمر ﵁: إنه أمر أُبَيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يصليا بالناس عشرين ركعة.
[ ١ / ١٦٧٩ ]
الشيخ: وهذه من كيسك.
طالب: يزيد بن رومان.
الشيخ: يزيد بن رومان قال: كان الناس يصلون في عهد عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. فيه رأي آخر؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
طالب: أنها إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: أنها إحدى عشرة ركعة، ما دليل هذا؟
طالب: فعل عمر ﵁.
الشيخ: لا.
طالب: حديث عائشة ﵂ حينما سئلت عن قيام النبي ﷺ في رمضان قالت: ما صلى رسول الله ﷺ.
الشيخ: ما كان.
طالب: ما كان يصلي رسول الله ..
الشيخ: يزيد.
طالب: يزيد عن إحدى عشرة ركعة في رمضان وغير رمضان.
الشيخ: إي، سمعتم الدليل حديث عائشة أنها سُئِلَت كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان قالت: كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (٢٠).
فيه دليل آخر؟
طالب: الدليل الآخر ما روى الإمام مالك رحمه الله تعالى بإسناد صحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أُبَيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة (٢١).
الشيخ: أحسنت تمام، إذن الصحيح أنها إحدى عشرة ركعة.
بقي علينا الشق الثاني من المناظرة أو المقارنة؛ لأنا ذكرنا أن الإنسان إذا أراد أن يناظر غيره أو يقارن بين قولين فلا بد من إثبات الدليل والرد على دليل خصمه، فبماذا نرد على حديث ابن عباس أنه كان يقوم عشرين ركعة، حديث ابن عباس المرفوع.
طالب: نرد عليه بأن الحديث ضعيف.
الشيخ: أحسنت، يُرَدُّ عليه بأن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا يُعْمَل به فضلًا عن أنه يعارض حديث من؟ عائشة، وهي أعلم الناس بصلاة الرسول في الليل، إذن هو ضعيف سندًا وشاذ متنًا لمخالفته لحديث عائشة، بماذا نجيب عن أثر يزيد بن رومان؟
طالب: أولًا نقول: إن يزيد بن رومان لم يدرك عمر.
الشيخ: لم يدرك زمنه فيكون.
طالب: فيكون منقطعًا.
الشيخ: نعم، هذا واحد.
طالب: أيضًا أنه لم ينسب إلى عمر أنه قاله.
[ ١ / ١٦٨٠ ]
الشيخ: لم ينسبه إلى عمر، وإنما نسبه إلى زمان عمر، وزمان عمر ليس بحجة أو لا يُنْسَب إليه ما يفعل في زمانه إلا إذا علم به، تمام.
ثم قال المؤلف ﵀: (تُفْعَل في جماعة مع الوتر بعد العشاء في رمضان) شوف القيود (تفعل في جماعة) فإن صلاها الإنسان منفردًا في بيته لم يدرك السنة، السنة أن تكون في جماعة.
والدليل ما سمعتم من فعل الرسول ﷺ، وأمر عمر ﵁، وموافقة أكثر الصحابة على ذلك.
الثاني قال: (مع الوتر) يعني: أنهم يوترون معها.
ودليل ذلك: أن الرسول ﷺ صلى بالصحابة في ليلة ثلاثًا وعشرين، وخمسًا وعشرين، وسبعًا وعشرين، في الليلة الأولى نحو ثلث الليل، الثانية نصف الليل، والثالثة إلى قريب الفجر، ولما قالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا قال: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨) وهذا يدل على أنه يوتر، فينبغي أن يكون الوتر مع التراويح جماعة.
الثالث قال: (بعد العشاء) فلو صلَّوا التراويح بين المغرب والعشاء لم يدركوا السُّنة، لا بد أن تكون بعد العشاء، وكذلك أيضًا ينبغي أن تكون بعد العشاء وسُنَّتِها، فإذا صلَّوا العشاء صلَّوا السنة، ثم صلَّوا التراويح، ثم الوتر.
وقوله: (في رمضان) لأن في غير رمضان بدعة، لو أراد الناس أن يجتمعوا على قيام الليل في المساجد جماعة في غير رمضان لكان هذا من البدع، لكنها سُنَّة في رمضان.
ولا بأس أن يصلي الإنسان جماعة في غير رمضان في بيته أحيانًا؛ لفعل الرسول ﷺ؛ فقد صلَّى بابن عباس وابن مسعود وحذيفة بن اليمان جماعة في بيته، لكن لم يتخذ ذلك سُنَّةً راتبة يكون دائمًا يصليها جماعة، ولم يكن أيضًا يفعلها في المسجد.
القيود الآن أن تكون في جماعة بعد العشاء في رمضان، الوتر تبع لها.
قال المؤلف: (ويوتر المتهجد بعده).
[ ١ / ١٦٨١ ]
فإذا قال قائل: أنتم الآن صححتم أنها إحدى عشرة، فما رأيكم لو صلينا خلف إمام يصليها ثلاثًا وعشرين، هل إذا قام إلى التسليمة السادسة نجلس وندعه، أو الأفضل أن نُكْمِل معه؟
نقول: الأفضل أن نكمل معه، ودليل ذلك من وجهين:
الوجه الأول قول النبي ﷺ في قيام رمضان: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (٨) ومن جلس ينتظر حتى يصليَ الإمام إلى الوتر ثم أوتر معه، فإنه لم يصلِّ مع الإمام حتى ينصرف؛ لماذا؟ لأنه ترك جزءًا كبيرًا من صلاته.
الوجه الثاني عموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٢٢) وهذا يشمل كل فعل فعله الإمام ما لم يكن منهيًّا عنه، والزيادة على إحدى عشرة منهيٌّ عنها أو لا؟ أبدًا، ليس منهيًّا عنها، وحينئذٍ نتابع الإمام.
أما لو كانت الزيادة منهيًّا عنها مثل أن يصلي الإنسان صلاة الظهر خمسًا فإننا لا نتابعه.
[ ١ / ١٦٨٢ ]
إذن نقول: الأفضل لمن صلى خلف إمام يصلي ثلاثًا وعشرين أو أكثر الأفضل أن يصلي معه جميع ما يصلي، والدليل هذان الحديثان اللذان أشرت إليهما، ثم إنه ينبغي أن نعلم أيها الإخوة أن اتفاق الأمة مقصود قصدًا أوليًّا بالنسبة للشريعة الإسلامية؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، والتنازع بين الأمة أمر مرفوض، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال النبي ﷺ: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُم» (٢٣)، يقوله في تساوي الناس في الصف.
ولما صلى عثمان ﵁ في مِنى في الحج صلى الرباعية أربعًا ولم يُقْصِر (٢٤) بعد أن مضى من خلافته ثماني سنوات، وأنكر الناس عليه، وقالوا: قصر النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك، لكنه ﵁ تأوَّل، فكان الصحابة الذين ينكرون عليه يصلُّون خلفه أربعًا وهم ينكرون عليه، مع أن هذه زيادة متصلة في الصلاة مُنْكَرَةٌ عندهم، ولكن تابعوا الإمام فيها.
فما بالك بزيادة منفصلة، لا تُؤَثِّر لو تعمدها الإنسان، ما أثرت على بطلان الصلاة، ونحن نقول: إننا متمسكون بالسنة ومتَّبِعون لآثار الصحابة ثم نخالف في هذه المسألة.
[ ١ / ١٦٨٣ ]
إني أقول: إن كل إنسان يقول: إنه متبع للسنة ومتبع لهدي السلف؛ فإنه لا يسعه أن يدع الإمام إذا صلى ثلاثًا وعشرين ويقول: أنا سأتبع السُّنَّة إحدى عشرة؛ لأنك مأمور بمتابعة إمامك مَنْهِيٌّ عن المخالفة، ولست منهيًّا عن الزيادة عن إحدى عشرة.
فالمهم أنه يجب على طلبة العلم خاصة، وعلى الناس عامة أن يحرصوا على الاتفاق مهما أمكن؛ لأنه مُنْيَة أهل الفسق وأهل الإلحاد، منيتهم أن يختلف أصحاب الخير؛ لأنه لا يوجد سلاح أشدُّ فتكًا من الاختلاف أبدًا، لما قال موسى للسحرة: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] اللي حصل أنهم تنازعوا أمرهم بينهم، لما تنازعوا خلاص فشلوا وذهبت ريحهم.
فهذا الخلاف الذي نجده من بعض الإخوة الحريصين على اتباع السنة في هذه المسألة وفي غيرها أيضًا، أنا أرى أنه خلاف السنة، وخلاف ما تقصده الشريعة من تَوَحُّد الكلمة واجتماع الكلمة، لأن هذا أمر سائغ ولله الحمد، ليس أمرًا محرمًا ولا منكرًا، أمر يسوغ فيه الاجتهاد، فكوننا نُوَلِّد الخلاف ونشحن القلوب من العداوة والبغضاء والهزء بهؤلاء الذين يخالفوننا في الرأي مع أنه سائغ لا شك أنه خلاف السنة، فالواجب على الإنسان أن يحرص على اجتماع الكلمة مهما أمكن.
طالب: المتابعة في الختمة يا شيخ.
الشيخ: حتى المتابعة في الختمة لا بأس أيضًا؛ لأن الختمة نص الإمام أحمد ﵀ وغيره من أهل العلم: على أنها سُنَّة، على أنه يستحب أن يَخْتِمَ بعد انتهاء القرآن قبل الركوع، وهي وإن كانت من ناحية السُّنَّة ليس لها دليل لكن ما دام أئمة المسلمين قالوا بها ولها مساغ أو اجتهاد، وليكن مخطئًا: لكن ما دام ليس فيه حرام؛ فلماذا نخرج أو نُسَفِّه أو نخطئ أو نبدِّع مَنْ فعل؟ أنت لا تفعلها إذا كان الأمر إليك، ولكن إذا كان إمامك يفعلها فلا مانع.
[ ١ / ١٦٨٤ ]
انظروا إلى الأئمة الذين يعرفون مقدار الاتفاق، كان الإمام أحمد ﵀ يرى أن القنوت في صلاة الفجر بدعة، ويقول: إذا كنتَ خلف إمام يقنت فتابعه على قنوته، وأَمِّن على دعائه، أكثر من هذا! كل ذلك من أجل اتحاد الكلمة، واتفاق القلوب، وعدم الكراهة بعضنا لبعض.
يقول المؤلف: (ويوتر المتهَجِّد بعده) أي: بعد تهجده، يعني: إذا كان الإنسان يحب أن يتهجد بعد التراويح، والتراويح تفعل متى؟ بعد العشاء في أول الليل، وهذا رجل يحب أن يتهجد في آخر الليل، فهل يوتر مع الإمام أو يوتر بعده؟
يقول المؤلف: (يوتر بعده)؛ يعني ولا يوتر مع الإمام؛ لأنه لو أوتر مع الإمام خالف أمر النبي ﷺ في قوله: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (٢٥) لكن لا يوتر مع الإمام، ويوتر بعد تهجده، إذن إذا قام الإمام ليوتر ينصرف هو ولا يوتر معه، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
وقال بعض العلماء: بل يوتر مع الإمام ولا يتهجَّد بعده؛ لأن الصحابة لما طلبوا من النبي ﷺ أن يُنْفِلَهم بقيةَ ليلتهم قال: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ» (٨)، وفي هذا إشارة إلى أن الأولى الاقتصار على الصلاة مع الإمام؛ لأنه لم يرشدهم إلى أن يَدَعُوا الوتر مع الإمام ويصلوا في آخر الليل؛ فدلَّ هذا على أنه يَحْصُل له قيام الليل كأنه قامه فعلًا، فيكتب له أجر العمل مع راحته، وهذه نعمة.
هناك أيضًا طريق أخرى وهو قوله: (فإن تبع إمامه شفعه بركعة) إن تبع إمامه شفعه؛ أي: شفع وتر إمامه بركعة من أجل أن يكون آخر صلاته وترًا.
إذن يتابع الإمام، فإذا سَلَّم الإمام من الوتر قام فأتى بركعة وسلَّم، فيكون صلى ركعتين، أي: لم يوتر، فإذا تهجد في آخر الليل أوتر بعد التهجد، فيحصل له في هذا العمل متابعة الإمام حتى ينصرف، ويحصل معه أيضًا أن يجعل آخر صلاته بالليل وترًا، وهذا عمل طيب.
[ ١ / ١٦٨٥ ]
فإن قال قائل: من أين لكم أنه يجوز أن يخالف المأموم إمامه بالزيادة على ما صلى إمامه، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٢٢)؟
قلنا: الدليل لنا على هذا أن رسول الله ﷺ لما كان يصلي في أهل مكَّة في غزوة الفتح كان يصلي بهم ركعتين، ويقول: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَتِّمُوا، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» (٢٦) فكانوا يَنْوُون الأربع وهو ينوي ركعتين، فإذا سلَّم من الركعتين قاموا فأكملوا، هذا الذي دخل مع إمامه في الوتر لم يَنْوِ الوتر وإنما نوى الشفع، يعني: نوى ركعتين، فإذا سلم إمامه قام فأتى بالركعة، وهذا قياس جَلِيٌّ، واضح ليس فيه إشكال.
فإن قال قائل: ألا يخالف هذا قوله ﷺ: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»؟
قلنا: لا يخالفه؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: من قام مع الإمام فانصرف معه كتب له قيام ليلة، بل جعل غاية القيام حتى ينصرف الإمام، وهذا لا ينافي الزيادة، أَمَّا لو قال: من قام مع الإمام وانصرف معه كُتِبَ له قيام ليلة فهذا يحتمل أن يقال: إن مَنْ زاد على الإمام لا يعد منصرفًا معه؛ لأن الإمام انصرف قبله والنبي ﷺ يقول: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ» فأنا قمت مع الإمام حتى انصرف وزدت ركعة وهذا لا ينافي قوله: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ».
قال: (ويُكْرَه التَّنَفُّلُ بينها) التنفل بين التراويح مكروه، وهذا يقع على وجهين:
الوجه الأول: أن يتنفل والناس يصلون، وهذا لا شك في كراهته؛ لماذا؟ لخروجه عن جماعة الناس، الناس يصلون تراويح، وأنت تقوم تصلي وحدك؟
[ ١ / ١٦٨٦ ]
قال: والله أنا عَجِل، الإمام يقرأ نصف صفحة بالركعة وأنا عجل، بأقرأ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وأؤدي عشرة ركعات وأوتر وأمشي قبل أن يصلي الإمام تسليمتين معلوم هذا ولّا لا؟ نقول: هذا مكروه، كيف تُصَلِّى وحدك والمسلمون يُصَلِّون جماعة؟ هذا لا شك في كراهته.
فإن قال: أنا الآن قد فاتتني الصلاة فصليت الفريضة، وأريد أن أصلي راتبة العشاء؟
نقول: لا مانع، ادخل مع الإمام في التراويح بنِيَّة الفريضة، يعني: بنية العشاء، فإذا سلَّم فقم وائت بكم ركعة؟ بركعتين تكمل الفريضة، ثم ادخل معه في التراويح بنية راتبة العشاء، فإذا صليت راتبة العشاء ادخل معه في التراويح، ولا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم، يعني: يجوز أن الإمام ينوي النافلة والمأموم ينوي فريضة، والغريب أن هذا منصوص الإمام أحمد نص عليه الإمام أحمد نفسه بأنه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح، وهذا هو الصحيح هذا وجه.
الوجه الثاني أن يصلي بين التراويح إذا جلسوا للاستراحة، لأننا مر علينا أنها سميت تراويح؛ لأنهم يصلون أربعًا ثم يستريحون في هذه الاستراحة.
قام رجل يتنفل، نقول: لا تتنفل، قال: يا جماعة تمنعونني من فضل الله، نقول: لكننا نمنعك بما اختار الله أن توافق من الجماعة والمسلمين لا تتنفل؛ ولهذا قال: (يُكْرَه التَّنَفُّل بينها).
(لا التعقيب في جماعة) ويش معنى التعقيب؟ التعقيب قالوا: معناه أن يصلِّي بعدها، وبعد الوتر في جماعة، وظاهر كلامهم: ولو في المسجد.
[ ١ / ١٦٨٧ ]
مثال ذلك: صلوا التراويح في المسجد، وقالوا: يا جماعة في آخر الليل احضروا لنقيم جماعة، يقول المؤلف: إن هذا لا يُكْرَه، ولكن هذا القول ضعيف، لأنه مستند إلى أثر عن أنس بن مالك ﵁والله أعلم بصحته عنه- أنه قال: لا ترجعوا إلا لخير ترجونه (٢٧) يعني: لا ترجعوا إلى الصلاة إلَّا لخير ترجونه، لكن هذا الأثر إن صح عن أنس معارض لقوله ﷺ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلَ وِتْرًا» (٢٥) وهؤلاء الجماعة صلوا التراويح والوتر ثم عادوا جماعة بعد التراويح والوتر.
إذن نسأل الآن: ما هو التعقيب؟ صلاة الجماعة بعد التراويح والوتر، وليس بمكروه للأثر المروي عن أنس، والصحيح أنه مكروه أقل أحواله أن يكون مكروهًا لأنه مخالف لقول النبي ﷺ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» وهذا القول إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀، وأطلق الروايتين في المقنع والفروع والفائق وغيرها؛ يعني أن الروايتين متقابلتين بالنسبة للإمام أحمد، لا يرجح إحداهما على الأخرى فالصحيح أنه مكروه.
نعم، لو أن هذا التعقيب جاء بعد التراويح وقبل الوتر، لكان القول بعدم الكراهة صحيحًا، وهو عمل الناس الآن في العشر الأواخر من رمضان؛ يصلي الناس صلاة التراويح في أول الليل، ثم يرجعون في آخر الليل، ويقومون يتهجدون فهذا صحيح، يعني أنه غير مكروه فصار التعقيب حسبما قال الفقهاء: إنه بعد صلاة التراويح والوتر، وقالوا: إنه غير مكروه، نقول: الصحيح أنه مكروه، أما إذا كان بعد التراويح وقبل الوتر فهذا ليس بمكروه.
[ ١ / ١٦٨٨ ]
قال: (التعقيب في جماعة)، ثم قال المؤلف: (ثم السنن الراتبة) ثم بعد أيش؟ بعد التراويح، يعني: يلي التراويح السنن الراتبة، ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأنه مر علينا في أول كتاب التطوع، ويش يقول المؤلف: (آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر) فينبغي أن نقول: ثم السنن، يعني: ثم يلى الوترَ، ما هو التراويح، ثم يلى الوترَ السننُ الرواتب، فتكون السنن الرواتب على كلام المؤلف في المرتبة؟
طالب: الخامسة.
طالب آخر: السادسة.
الشيخ: الخامسة، السادسة، السابعة؟
طالب: الخامسة.
الشيخ: كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر، ثم رواتب خامسة، طيب الخامسة.
(ثم السنن الراتبة) الراتبة يعني الدائمة المستمرة، وهي تابعة للفرائض، سنن راتبة يعني: مستمرة ثابتة تابعة للفرائض.
قال المؤلف: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) هذه عشر ركعات، عُدَّها؟
طالب: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر.
الشيخ: بعد الظهر ولّا قبل؟
طالب: قبل.
الشيخ: قبل الظهر.
طالب: ركعتان قبل الظهر وبعد الظهر.
الشيخ: وبعد الظهر ركعتان.
طالب: وركعتان قبل المغرب.
الشيخ: ركعتان قبل المغرب.
طالب: وركعتان قبل العشاء.
الشيخ: قبل العشاء! إذن معناه لست تصلي الرواتب، هذه ما تحتاج إلى فقه؛ لأن الناس كلهم يصلونها.
طالب: ركعتان قبل الفجر وركعتان قبل الظهر وركعتان بعد الظهر وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء.
الشيخ: كم هذه؟
طالب: هذه عشرة.
الشيخ: هذه عشر ركعات؛ ركعتان قبل الفجر وركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، عشر.
إذن صلاة العصر ليس لها سنة راتبة، ولّا لا؟ وهو كذلك، ليس لها سنة راتبة، لكن لها سنة مطلقة، وهي السنة الداخلة في قوله ﷺ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (٢٨).
[ ١ / ١٦٨٩ ]
وقول المؤلف: إن الرواتب عشر، استند في ذلك إلى حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات (٢٩) وذكرها.
ولكن القول الثاني في المسألة أن السنن الرواتب اثنتا عشرة ركعة؛ استنادًا إلى ما ثبت في الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ لا يَدَعُ أربعًا قبل الظهر (٣٠) وكذلك صح عنه أن «مَنْ صَلَّى اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (٣١) وذكر منها أربعًا قبل الظهر، والباقي كما سمعتم.
وعلى هذا فالقول الصحيح أن الرواتب اثنتا عشرة ركعة؛ ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
والأحاديث في هذا مشهورة يعني: أدلة هذه الرواتب مشهورة، وفائدتها أي هذه الرواتب أنها ترقع الخلل الذي يحصل في هذه الصلوات المفروضة.
قال: (وركعتان قبل الفجر وهما) أي: الركعتان قبل الفجر (آكدها) أي: آكد هذه الرواتب.
ودليل آكديتهما: قول النبي ﷺ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٣٢) سبحان الله ركعتان خفيفتان تصليهما قبل الفجر خير من الدنيا وما فيها، اللهم لك الحمد، الدنيا ما هي؟ الدنيا اللي أنت فيها فقط؟ الدنيا منذ خلقت إلى قيام الساعة بما فيها من كل الزخارف من ذهب وفضة ومتاع وقصور ومراكب وغير ذلك، هاتان الركعتان خير من الدنيا وما فيها؛ لأن هاتين الركعتين باقيتان والدنيا زائلة، فهاتان الركعتان خير من الدنيا وما فيها.
ودليل آخر على آكديتهما أن النبي ﷺ: كان لا يَدَعُهُما حَضَرًا وَلَا سَفَرًا (٣٣) وهذا يدل على تأكدهما.
تختص هاتان الركعتان بأمور:
[ ١ / ١٦٩٠ ]
أولًا: أنه يُسَنُّ تخفيفهما، خَفِّفْهُما بقدر ما تستطيع، لكن بشرط ألَّا تُخِلَّ بواجب؛ لأن عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ يخففهما حتى إني أقول: أَقَرَأَ بأمِّ الكتاب؟ (٣٤) من شدة تخفيفه إياهما.
ثانيًا: أن لهما قراءة خاصة يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، أو في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية في سورة البقرة و﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية في سورة آل عمران، فتقرأ أحيانًا بسورتي الإخلاص، وأحيانا بآيتي البقرة وآل عمران، وإن كنت لا تحفظ آيتي البقرة وآل عمران، فاقرأ بسورتي الإخلاص.
ثالثًا: أنه يُسَنُّ بعدهما الاضطجاع على الجنب الأيمن، وهذا الاضطجاع اختلف العلماء فيه؛ فمنهم من قال: إنه ليس بسُنَّةٍ مطلقًا.
ومنهم من قال: إنه سنة مطلقًا.
ومنهم من قال: إنه سُنَّةٌ لمن يقوم الليل؛ لأنه يحتاج إلى راحة حتى ينشط لصلاة الفجر.
ومنهم من قال: إنه شرط لصحة صلاة الفجر، وأن من لم يضطجع بعد الركعتين فصلاة الفجر باطلة.
فالأقوال إذن أربعة: سنة مطلقًا، الثاني ليس بسنة مطلقًا، تفصيل؛ سنة لمن قام الليل دون غيره، شرط لصحة صلاة الفجر وإلى هذا ذهب ابن حزم ﵀، أنه شرط لصحة صلاة الفجر وقال: إن النبي ﷺ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ بَعْدَهُمَا» (٣٥)، فأمر بالاضطجاع.
ولكن أولًا: هذا الحديث ضعيف، بل يكاد يكون موضوعًا؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ من أمره، بل صح من فعله.
وثانيًا: ما علاقة هذا بصلاة الفجر؟ ! ولكن هذا يُدِلُّك على أن الإنسان مهما بلغ في العلم فلن يَسْلَم من الخطأ، الإنسان معرض للخطأ، كل إنسان معرض للخطأ.
[ ١ / ١٦٩١ ]
وأصحُّ ما قيل في هذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو التفصيل؛ سُنَّة لمن يقوم الليل؛ لأنه يحتاج إلى أن يتريح، ولكن ماذا ترون بارك الله فيكم لو كان من الناس الذين إذا وضع جنبه على الأرض نام ولم يستيقظ إلا بعد ثلاث ساعات؛ هل يُسَنُّ له ذلك؟
طالب: حرام.
الشيخ: ليش؟
طالب: يفضي إلى ترك واجب.
الشيخ: هذا يفضي إلى ترك واجب، هذا ربما نقول: حرام عليك، ولا سيما إذا قلنا: إنه مشروع لمن يقوم الليل، فيكون النوم عنده ألذ من كل شيء فإذا نام ما قام، هذا نقول: لا تنم أبدًا ولا تفكر في النوم، من حين ما تصلي السنة اخرج إلى المسجد.
طالب: إذا دخل مع الإمام والإمام في التراويح، هل يحصل على أجر الجماعة؟
الشيخ: إي نعم، يحصل، لكنه ليس كأجر الجماعة الأولى.
طالب: الإمام أحمد نصَّ على أن يُصَلِّي خلف من يصلي التراويح، والمذهب يقولون: إن المفترض ما يصلي خلف ..
الشيخ: إي نعم؛ لأن المذهب مذهبان مذهب شخصي ومذهب اصطلاحي، فما في كتب المتأخرين هذا مذهب اصطلاحي، أحيانًا يكون نصُّ الإمام أحمد على خلاف هذا الشيء لا في العبادات ولا في المعاملات.
طالب: جزاك الله خيرًا يا، شيخ في رمضان بعض المصلين الذين يصلون التراويح يجلسون حتى يقترب الإمام من الركوع ثم يقومون يبدأون الركوع مع الإمام تكاد تفوتهم ..
الشيخ: ويش يزينون دولا؟
طالب: يستريحون استراحة.
الشيخ: إذا كان لحاجة لا بأس، أما إذا كان لغير حاجة فأخشى ألا يكونوا قاموا مع الإمام حتى ينصرف لأنهم تأخروا عن الإمام.
طالب: سنة ما بين الأذانين هل يدوام الإنسان عليها دائمًا؟
الشيخ: لا، لأنه لو داوم عليها صارت راتبة.
طالب: أحسن الله إليك، ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين هل يدل هذا على عدم كراهية التعقيب؟
الشيخ: لا، أولًا أن أكثر فعله أنه ما يصلي ﵊ ركعتين، هذا أكثر فعله، وكان يصلي أحيانًا ركعتين جالسًا، ما هو قائم.
[ ١ / ١٦٩٢ ]
فالعلماء اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: إن هذا فعل الرسول ﷺ، ولا يمكن أن يعارض فعلُه قولَه، فإذا كان «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (٢٥) فهذا قول صريح، وإذا فعل هو -صلى ركعتين جالسًا بعد الوتر- ولم يكن يداوم عليها؛ فهذا لا يمكن أن نجعله تاركًا لهذا الحديث؛ لأن فيه تعارضًا، وفعله لا يعارض قولَه، وهذا جواب سديد بلا شك.
وقال ابن القيم في توجيه هاتين الركعتين: إن هاتين الركعتين بمنزلة الراتبة لصلاة الفريضة؛ يعني أنها تابعة للوتر، فلا تنافي أن يكون جعل آخر صلاته بالليل وترًا، قال: ودليل ذلك أنه جلعها في مرتبة أقل من الوتر، كان يصليها وهو جالس، ما أدري هل هو قال هذا أو إنها من عندي؟ لكن إنما هو قال: إنها بمنزلة الراتبة التابعة للفريضة.
***
الطالب: () أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السنن الراتبة: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر وهما آكدها، ومن فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه.
وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه، وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى، وإن تَطَوَّع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس، وأجر صلاة قاعدًا على نصف أجر صلاة قائمًا، وتُسَنُّ صلاة الضحى، وأقلُّها ركعتان وأكثرها ثمان، ووقتها من خروج وقت النهي إلى قُبَيْل الزوال.
وسجود التلاوة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
التعقيب في التراويح ما حكمه؟
طالب: على المذهب لا يجوز، وعلى قول المؤلف لا يُكْرَه.
الشيخ: نعم لا يكره عند المؤلف، وما هو التعقيب؟
طالب: التعقيب هو بعد أن يصلوا التراويح ويوتروا يصلون في جماعة.
الشيخ: بعد أن يصلوا بعد التراويح والوتر يصلون جماعة.
القول الثاني؟
طالب: قول إنه يكره.
[ ١ / ١٦٩٣ ]
الشيخ: يكره، ما هو دليل القول الأول ودليل القول الثاني؟
طالب: دليل القول الأول: استندوا إلى أثر عن أنس قال: فارجعوا إلا لخير ترجونه، ودليل القول الثاني: قول الرسول ﷺ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» (٣٦).
الشيخ: لا.
طالب: قول الرسول ﷺ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا».
الشيخ: أحسنت، وهذا هو الصحيح. السنن الرواتب لماذا سميت رواتب؟
طالب: لأنه يداوم عليها.
الشيخ: لأنه يداوم عليها، هل هي مستقلة أو تابعة؟
طالب: تابعة للصلوات.
الشيخ: للصلوات الخمس ولّا الأربع؟
طالب: الأربع، العصر ..
الشيخ: العصر ليس لها سُنَّة راتبة، اذكرها؟
طالب: ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر ..
الشيخ: لا، امش على ما قال المؤلف.
طالب: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
الشيخ: نعم أحسنت، هذه عشر، القول الثاني: أن الرواتب؟
طالب: اثنتا عشر ركعة.
الشيخ: اثنتا عشرة ركعة، والدليل؟
طالب: الدليل حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يدع أربعًا قبل الظهر.
الشيخ: «كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ» (٣٠)، وحديث أم حبيبة أيضًا: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (٣١)، تتميز راتبة الفجر عن غيرها بأمور قلها.
طالب: يُسَنُّ فيها التخفيف؛ لقول عائشة ﵂.
الشيخ: اصبر ما بعد طلبنا الدليل، الأمر أنه يُسَنُّ تخفيفهما والثاني؟
طالب: لها قراءة خاصة.
الشيخ: أنها يقرأ فيها بسور خاصة، والثالث؟
طالب: يُسَنُّ الاضطجاعُ بعدها.
الشيخ: هذا ما هو متفق عليه، الثالث؟
طالب: ما تركها رسول الله ﷺ.
الشيخ: أنها تُسَنُّ حضرًا وسفرًا، هذه ثلاثة أشياء.
طالب: أنها تُفْعَل، ولا () يعني بعد الصلاة.
[ ١ / ١٦٩٤ ]
الشيخ: لا، ما هي بخاصة، إذن ثلاثة أشياء؛ تخفيف، تعيين قراءة، أنها يُحافَظ عليها في الحضر والسفر، ما هي القراءة المعينة فيها؟
طالب: القراءة المعينة هي سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وسورة الإخلاص، وآية من سورة البقرة.
الشيخ: أو يجمع بين الأربع يعني تقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وآية البقرة والإخلاص وآية آل عمران؟
طالب: لا، بعض الأحيان هذا، وبعض الأحيان هذا.
الشيخ: يعني: بعض الأحيان (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وآية البقرة؟
طالب: لا مع الإخلاص.
الشيخ: وآية البقرة مع؟
طالب: مع الإخلاص.
الشيخ: وآية البقرة مع الإخلاص! ويش تقول؟ !
طالب: لا، تقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) والإخلاص.
الشيخ: هذه مرة يعني أحيانًا.
طالب: أحيانًا وأحيانًا يقرأ: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٣٦] البقرة، وتقرأ؟
الشيخ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ من آل عمران، التخفيف ما دليله؟
طالب: دليله حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يُخَفِّف حتى يقال.
الشيخ: «كَانَ يُخَفِّفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حَتَّى أَقُولَ أَقَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْكِتَابِ»، الخصيصة الثالثة؟
طالب: تُفْعَل في السفر والحضر.
الشيخ: الدليل؟
طالب: الدليل أن النبي ﷺ ما كان يتركها، فَعْل النبي في السفر ولا في الحضر.
الشيخ: وحديث عائشة: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» (٣٧) وفيه أيضًا: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٣٢).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه) (مَنْ) اسم شرط، فعل الشرط (فاته)، وجوابه (سُنَّ له قضاؤه)، من فاته شيء من هذه الرواتب فإنه يُسَنُّ له قضاؤه، بشرط أن يكون الفوات لعذر.
[ ١ / ١٦٩٥ ]
ودليل ذلك ما ثبت من حديث أبي هريرة وأبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه وهم في السفر عن صلاة الفجر (٣٨)؛ حيث صلى النبي ﷺ راتبة الفجر أولًا، ثم الفريضة ثانيًا.
وكذلك أيضًا حديث أم سلمة أن النبي ﷺ شُغِلَ عن الركعتين بعد صلاة الظهر، وقضاهما بعد صلاة العصر (٣٩)، وهذا نص في قضاء الرواتب.
دليل ثالث عام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَها» (٤٠) وهذا يَعُمُّ الفريضة والنافلة، هذا إذا تركها لعذر كالنسيان والنوم والانشغال بما هو أهم.
أما إذا تركها عمدًا حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، ولو قضاها لم تصح منه راتبة؛ وذلك لأن الرواتب عبادات موقتة، والعبادات الموقتة إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تُقْبَل منه.
ودليل ذلك قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٤١)، والعبادة الموقتة إذا أخرتها عن وقتها عمدًا فقد عملت عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأن أمر الله ورسوله يقول لك: صلِّها في هذا الوقت، فإذا تعمدت إخراجها فقد فعلتها على غير أمر الله ورسوله فلا تكون مقبولة.
وأيضًا فكما أنها لا تصح قبل الوقت فلا تصح كذلك بعده؛ لعدم وجود الفرق الصحيح بين أن تفعلها قبل دخول وقتها أو بعد خروج وقتها إذا كان لغير عذر.
إذن كلام المؤلف في قوله: (من فاته شيء منها سُنَّ له قضاؤه) يجب أن يقيد بماذا؟ بما إذا فاته لعذر، وربما يشعر به قوله: (من فاته شيء) لأن الفوات سَبْقٌ لا يُدْرَك، والمؤلف لم يقل: ومن لم يصلها فليقضها، قال: (من فاته)، والفوات -كما قلت لكم- سبق لا يدرك، ومنه قولهم: من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج.
ثم قال المؤلف ﵀ فصل: (وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار).
[ ١ / ١٦٩٦ ]
الصلاة نوعان؛ نوع مطلق ونعني بذلك النوافل، ونوع مقيد؛ أما المقيد فهو أفضل في الوقت الذي قُيَّد به، أو في الحال التي قيد بها.
فمثلًا سنة المسجد إذا دخلت أفضل من صلاة الليل، ولو كانت في النهار؛ لماذا؟ لأنها مقيدة بحال من الأحوال وهي دخول المسجد، سنة الوضوء إذا توضأت فإنه يُسَنُّ لك أن تصلي ركعتين أفضل من صلاة الليل، ولو كانت في النهار؛ لأنها مقيدة بسبب من الأسباب.
لكن النفل المطلق الذي يريد المصلي أن يقوم فيصلي: لأن الصلاة يُسَنُّ الإكثار منها كل وقت كما قال النبي ﵊ للرجل الذي قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قال: هو ذاك، قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكِ بِكَثْرَةِ السِّجُودِ» (٤٢).
المهم أن الصلاة المطلقة هي في الليل أفضل منها في النهار؛ لقول النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (٤٣).
فإذا قال قائل: أيهما أفضل أن أصلي ركعتين في الليل نفلًا مطلقًا أو ركعتين في النهار؟
قلنا: في الليل، والليل يدخل من غروب الشمس، فالصلاة مثلًا بين المغرب والعشاء أفضل من الصلاة بين الظهر والعصر؛ لأنها صلاة ليل فهي أفضل.
قال المؤلف: (وأفضلها) أي: صلاة الليل (ثُلُثُ الليل بعد نصفه)؛ يعني: أنك تُقَسِّم الليل أنصافًا، ثم تقوم في الثلث من النصف الثاني، تقوم ثلث الليل من النصف الثاني، وفي آخر الليل تنام.
ودليل ذلك: قول النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» (٤٤)، وفي صحيح البخاري (٤٥) عن عائشة ﵂ قالت: ما أَلْفَاهُ يعني: النبي ﷺ السَّحَرَ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا، يعني معناه: أنه كان النبي ﵊ ينام في السحر في آخر الليل، فهذان دليلان.
[ ١ / ١٦٩٧ ]
وهناك تعليل: وهو أن نوم الإنسان بعد القيام يُكسِب البدن قوة ونشاطًا، فيقوم لصلاة الفجر وهو نشيط.
تعليل آخر أنه إذا نام سدس الليل نقضت هذه النومة سهره، وأصبح أمام الناس وكأنه لم يقم الليل، فيكون في هذا إبعاد له عن الرياء، بخلاف ما لو قام إلى الفجر فإنه تجده في أول النهار ينعس فيقول الناس: هذا الرجل لم يبت الليل إلا قائمًا.
وأَفْضَلُها ثُلُثُ الليلِ بعدَ نِصفِه، وصلاةُ ليلٍ ونهارٍ مَثْنَى مَثْنَى وإن تَطَوَّعَ في النهارِ بأربعٍ كالظُّهْرِ فلا بَأْسَ، وأَجْرُ صلاةِ قاعدٍ على نصفِ أجْرِ صلاةِ قائمٍ.
وتُسَنُّ (صلاةُ الضُّحَى)، وأَقَلُّها رَكعَتانِ وأَكثرُها ثَمَانٌ، ووَقْتُها من خروجِ وقتِ النَّهْيِ إلى قُبَيْلِ الزوالِ.
و(سُجودُ التِّلاوةِ) صلاةٌ يُسَنُّ للقَارئِ والْمُسْتَمِعِ دونَ السامعِ، وإن لم يَسْجُد القارئُ لم يَسْجُدْ، وهو أربعَ عشرةَ سَجدةً في الْحِجِّ منها اثنتان،
تعليل آخر أنه إذا نام سدسَ الليل نقضت هذه النومةُ سهرَه وأصبح أمام الناس وكأنه لم يقم الليل؛ فيكون في هذا إبعاد له عن الرياء، بخلاف ما لو قام إلى الفجر فإنه تجده في أول النهار ينعس فيقول الناس: هذا الرجل لم يبت الليل إلا قائمًا.
إذن الأفضل ثلث الليل بعد النصف لينام في آخر الليل.
فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون الأفضل ثلث الليل الآخر؛ لأن ذلك وقت النزول الإلهي؟
فنقول جوابًا عليه: إن الذي يقوم ثلث الليل بعد نصفه سوف يدرك نصف النزول الإلهي؛ لأنه سيأخذ السدس الأول من الثلث الأخير فيحصل المقصود.
والنبي ﵊ هو الذي قال: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ» (١) وفصَّلها ﷺ فهذا الرجل الذي يقوم الثلث بعد النصف لا يفوته النزول الإلهي؛ ولهذا قال: (أفضلها ثلث الليل بعد نصفه).
يبقى النظر من أين يتقيَّد النصف؟ أو من أين يبتدئ وإلى أين ينتهي؟
[ ١ / ١٦٩٨ ]
الظاهر أنه من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فيكون في الشتاء بعد مُضِيِّ ست ساعات من الغروب؛ لأن الشتاء ليله اثنتا عشْرة ساعة، ويكون في مثل هذا الوقت بعد خمس ساعات من الغروب؛ لأن هذه الأيام الليل حوالي عشر ساعات، المهم أنه يختلف، فقس من غروب الشمس إلى طلوع الفجر والنصف نصف ما بينهما هذا هو نصف الليل.
قال: (وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه، وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى).
صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يعني اثنتين اثنتين فلا يصلي أربعًا جميعًا وإنما يصلي اثنتين اثنتين؛ لما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عمر ﵄ أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: ما تقول أو ما ترى في صلاة الليل؟ قال: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (٢)، وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما أن صلاة الليل مثنى مثنى.
وأما النهار فقد رواها أهل السنن واختلف العلماء في تصحيحها، والصحيح أنها ثابتة كما صحح ذلك البخاري ﵀، وعلى هذا فتكون صلاة الليل وصلاة النهار كلتاهما مثنى مثنى يسلِّم من كل اثنتين.
ويُبنى على هذه القاعدة كل حديث ورد بلفظ الأربع من غير أن يُصرَّح فيه بنفي التسليم؛ يعني أنه إذا جاءك حديث فيه أربع ولم يُصرَّح بنفي التسليم فإنه يجب أن يحمل على أنه يسلم من كل ركعتين؛ لأن هذه هي القاعدة، والقاعدة تُحمَل الجزئيات عليها.
فقول عائشة ﵂ لما سُئِلت عن صلاة النبي ﷺ في رمضان، قالت: مَا كَانَ يَزيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ (٣)، فإن ظاهر الحديث أن الأربع بسلام واحد، ولكن يحمل هذا الظاهر على القاعدة العامة؛ وهي: أن صلاة الليل مثنى مثنى كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ.
[ ١ / ١٦٩٩ ]
ويقال: إنها ذكرت أربعًا وحدها ثم أربعًا وحدها؛ لأنه صلى أربعًا ثم استراح بدليل (ثم) التي للترتيب والمهلة.
إذا كانت صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فما الحكم لو قام الإنسان في صلاة الليل إلى ثالثة ورابعة؟
الحكم أن صلاته تَبْطُل إذا تعمد؛ لأنه إذا تعمد الزيادة على اثنتين فقد خالف أمر رسول الله ﷺ الدالَّ على أن صلاة الليل مثنى مثنى، وإذا خالف أمر رسول الله ﷺ فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٤)؛ ولهذا قال الإمام أحمد: إذا قام إلى ثالثة في صلاة الليل فكأنما قام إلى ثالثة في صلاة الفجر، ومن المعلوم أنه إذا قام إلى ثالثة في صلاة الفجر متعمِّدًا بطلت صلاته بالإجماع، فكذلك إذا قام إلى ثالثة في التطوع في صلاة الليل، فإن صلاته تبطُل إن كان متعمدًا، وإن كان ناسيًا وجب عليه الرجوع متى ذكر ويسجد للسهو متى؟
طلبة: بعد السلام.
الشيخ: بعد السلام؛ من أجل الزيادة.
وبه نفهم جهل من يتعمَّد في التراويح في رمضان إذا قام إلى ثالثة، ثم ذُكِّر يتعمد أن يستمر ثم يفتي نفسه ويقول: إن استتم قائمًا كره الرجوع وإن شرع في القراءة حَرُم الرجوع، فيكون جاهلًا مركَّبًا؛ لأن هذا الحكم فيمن قام عن التشهد الأول، أما من قام إلى زائدة فحكمه وجوب الرجوع على كل حال، لكن مشكلتنا أن من الناس من يتكلم بما لا يدري وهذا خطير جدا؛ لأن الجهل المركب ضرره عظيم، فإن الجاهل المركب يرى أنه على حق، فهو يمد يدًا طويلة، وربما يعتقد أنه أعلم من الإمام أحمد وابن تيمية.
وهو كما قال حمارُ توما يقول:
قَالَ حِمَارُ الْحَكِيمِ تُومَا
لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ
توما رجل حكيم يدعي الحكمة ويركب على الحمار، وقال الحمار:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ
[ ١ / ١٧٠٠ ]
ما هو اللي يركبني أنا اللي أركبه وعلل ذلك يعني جاء بالحكم والعلة، قال:
لِأَنَّنِي جَاهِلٌ بَسِيطٌ
وَصَاحِبِي جَاهِلٌ مُرَكَّبْ
والجاهل البسيط حاله أكمل من الجاهل المركب.
المهم على كل حال أن بعض الأئمة يذكر لي أنهم في رمضان إذا قاموا إلى ثالثة في التراويح ونُبِّهوا استمروا وجادلوا وقالوا: إن الإنسان إذا قام حتى شرع في القراءة حَرُم الرجوع.
وذكر لي أن بعض الناس يطرد هذه القاعدة فيما إذا قام إلى خامسة في الظهر يقول: إذا شرع في القراءة حَرُم الرجوع وهذه مشكلة.
إذا قام إلى ثالثة في النهار فمقتضى الحديث أن يكون كما لو قام إلى ثالثة في الليل وأنه حرام؛ يعني قصدي حرام أنها لو استمر لبطلت صلاته، لكن المؤلف يقول: (إن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس) إن تطوع المصلي في النهار بأربع كالظهر فلا بأس.
وقوله: (كالظهر) يعني: بتشهدين تشهد أول وتشهد ثان، واستدل في الشرح بحديث أبي أيوب أن النبي ﷺ كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم، ولكن الحديث ليس فيه أن الأربع تكون بتشهدين؛ ولهذا نرى أنه إذا صلى أربعًا بتشهُّدَين فهو إلى الكراهة أقرب بدليل أن النبي ﷺ قال: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ؛ لَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» (٥) وهذا يدل على أن الشارع يريد ألا تلحق النوافل بالفرائض.
والرجل إذا تطوَّع بأربع وجعلها كالظهر بتشهُّدَين فقد ألحق النافلة بالفريضة، فالصحيح أنه يُكْرَه أن يصلي أربعًا بتشهدين، وحديث أبي أيوب اللي ذكره المؤلف ما فيه أنه كان يجلس بعد الثانية وتشهَّد، ولكن مع ذلك إن صح عن النبي ﵊ أنه فعل هذا فمن المعلوم أن الواجب قبوله، وأن يكون هذا مستثنى من الحديث الذي هو قاعدة عامة في أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
ثم قال المؤلف: (وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم) يعنى وتصح أو لا؟
طلبة: نعم، تصح.
[ ١ / ١٧٠١ ]
الشيخ: تصح صلاة القاعد لكنه على النصف من أجر صلاة القائم، والمراد هنا في النفل؛ ولهذا ساقها المؤلف ﵀ في صلاة التطوع، أما الفريضة فصلاة القاعد القادر على القيام ليس فيها أجر؛ لأنها صلاة باطلة إذ من أركان الصلاة في الفريضة القيام مع القدرة.
وقول المؤلف ﵀: (أجرُ صلاة القاعد) مراده إذا كان قاعدًا بلا عذر، أما إذا كان قاعدًا لعذر وكان من عادته أن يصلي قائمًا فإن له الأجر كاملًا؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (٦) وهذه من نعمة الله وتوجب للإنسان العاقل أن يُكثِر من النوافل ما دام في حال الصحة؛ لأن جميع النوافل التي يعملها في صحته إذا مرض وعجز عنها كُتِبَت له كاملة يعني: كأنه يفعلها، فعلى هذا نقول: أجر صلاة القاعد إذا كان لعذر وكان من عادته أن يصلِّيَ قائِمًا في حال القدرة كامل؛ للحديث الذي أشرت إليه أو الذي ذكرته: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» أما إذا كان لغير عذر فهو على النصف من أجر صلاة القائم، فإذا كان أجر صلاة القائم عشر حسنات كان لهذا القاعد خمس حسنات.
وورد في الحديث: «وَأَجْرُ صَلَاةِ الْمُضْطَجِعِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ صَلَاةِ الْقَاعِدِ (٧)، لكن هذا الشطر من الحديث لم يأخذ به جمهور العلماء، ولم يروا صحة صلاة المضطجع إلا إذا كان معذورًا.
وذهب بعض العلماء إلى الأخذ بالحديث وقالوا: يجوز أن يتنفل وهو مضطجع، لكن أجره على النصف من أجر صلاة القاعد، فيكون بالنسبة للقائم على الربع من أجر صلاة القائم.
[ ١ / ١٧٠٢ ]
والحقيقة أن هذه الجملة من الحديث لو عُمِلَ بها لكان العمل بها صحيحًا وسديدًا؛ وذلك لأنها وردت في الحديث، وأيضا فيها تنشيط على صلاة النفل؛ لأن الإنسان أحيانًا يكون كسلان هو قادر أن يصلي قاعدًا لكن معه شيء من الكسل فيُحب أن يصلي وهو مضطجع، فمن أجل أن ننشطه على العمل الصالح نفلًا نقول صلِّ مضطجعًا، وليس لك إلا ربع صلاة القائم ونصف صلاة القاعد؛ ولهذا رَخَّص العلماء في صلاة النفل أن يشرب الماء اليسير من أجل تسهيل التطوع عليه، والتطوع أوسع من الفرض.
طالب: شيخ، قلنا: ينبغي في وقت السحر أن ينام الإنسان، والله سبحانه أثنى على عباده المؤمنين، ومن أوصافهم قال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ()
الشيخ: ما يمنع؛ لأن السحر من آخر الليل، ما هو بآخر الليل مرة، ما هو بسدس الليل السحر، كل آخر ليل سحر.
الطالب: بارك الله فيكم النفل المطلق إذا الإنسان قيده واستمر على تقييده، فهل ينقلب النفل إلى أمر مُبْتَدَع؟
الشيخ: ما أظن هذا؛ لقول النبي ﵊: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ». (٨)
الطالب: ()؟
الشيخ: الظاهر أنه ما فيه مانع ما دام أنه مشروع في الجملة، لكن لا يعتقد أن هذا العدد نفسه مشروع.
طالب: شيخ، هو يعتقد أن هذا العدد هو أفضل من غيره.
الشيخ: لا، ما يجوز هذا إلا بدليل، لكن هو يتنفَّل نفلًا مطلقًا ويحافظ عليه.
الطالب: إذا فاتت الإنسان راتبة قبلية فكيف قضاؤها إذا كان لها راتبة بعدية؟
الشيخ: إذا فاتت القبلية ولها راتبة بعدية، فليصلِّ البعديَّة أولًا ثم القبلِيَّة كراتبة الظهر، فيصلي الراتبة البعديَّة ثم يصلي القبليَّة التي فاتته.
طالب: شيخ، المضطجِع كيف يُصَلِّي؟ إيماء ولَّا ..؟
الشيخ: إي نعم، بالإيماء كالقاعد أيضًا، القاعد بيصلي بالإيماء.
الطالب: القاعد يمكن ..
الشيخ: السجود فقط، أما الركوع فبالإيماء
[ ١ / ١٧٠٣ ]
الطالب: والمضطجع كله بالإيماء.
الشيخ: إي نعم، كله بالإيماء.
الطالب: أقول: أيش الأفضل للإنسان، وهو جالس يصلي أكثر، وإذا قام يصلي أقل، أيش الأكمل من هذا؛ القيام أو الجلوس؟
الشيخ: يقول: رجل إذا صلى قاعدًا أكثرَ من الصلاة، وإن صلى قائمًا قلَّل، فأيهما أفضل؟ الأفضل الثاني أن يصلي قائمًا، ويصلي نشاطه.
الطالب: حتى وإن صلى أضعاف قيامه؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا صلى ركعة قاعدًا وركعة قائمًا، هل يُلْحَق بالقائم أو القاعد أو يكون بينهما؟
الشيخ: الظاهر إن كان لعذر فالأمر واضح، إن كان لغير عذر فله أجر ما عمل.
طالب: واحد يا شيخ بيسأل يقول: والله جاء الإمام وصلى بهم ست ركعات جمع سرد () يجلس ويسلم، بعض الناس فارقوه () سلم من الست () ما يجوز وصلى أربعًا جميعًا بعد زيادة ومن بعد صلى وحده، وقال: هذه السنة، وأنه تابعة لحديث في البخاري ومسلم، حرام عليكم.
الشيخ: هذا سنده متصل.
الطالب: قال: حرام عليكم.
الشيخ: لا، هذا غلطان، هذا جاهل مركب معتدٍ بعد.
الطالب: إذا تطوع بالنهار نسي؛ نوى ركعتين ثم قام إلى ثالثة قال: أجعلها أربعًا ()؟
الشيخ: الأفضل إنه يجلس ويتشهد ويسجد للسهو بعد السلام كالليل، الصحيح أن النهار كالليل إلا إذا ثبت أن الرسول تطوع بأربع، فما ثبت فهو أفضل، نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، لم لا يحمل حديث أبي أيوب على حديث مثنى مثنى ويكون حديث أبي أيوب ()؟
الشيخ: لا يقول: يفصل بينهن بتسليم؛ حديث أبي أيوب.
الطالب: حديث () مثنى مثنى صلاة الليل، وصلاة النهار مثنى مثنى يكون معنى هذا أنه تشهد ويسلم، يُحْمَل هذا الحديث على هذا.
الشيخ: لكن يقول: ليس بينهم تسليم، أربع ليس بينهم تسليم.
الطالب: مريض تفوته صلاة الوتر، فهل يمكن أن يأتي بها بعد الظهر مثلًا أو يجب أن يبادر إليها؟ يشرع بها في النهار؟
الشيخ: نقول: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فوقتها عند ذكرها ().
***
[ ١ / ١٧٠٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (التراويح عشرون ركعة).
ما هو دليل كونها عشرين ركعة؟
طالب: أمر عمر بن الخطاب ﵁ لأُبَيِّ بن كعب أن يقيم بالناس عشرين ركعة.
الشيخ: من أين لك هذا؟
طالب: أقول: هذا الأثر فيه نظر، ولحديث ابن عباس.
الشيخ: حديث ابن عباس مرفوعًا ولَّا موقوفًا؟
الطالب: حديث ابن عباس مرفوعًا لكنه ضعيف.
الشيخ: أحسنت، حديث ابن عباس مرفوعًا: أن النبي ﷺ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة (٩)، لكنه ضعيف، ما هو العدد الصحيح؟
الطالب: إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة.
الشيخ: إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل حديث عائشة في الصحيح قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي لا يزيد في رمضان ولا غيرِه على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعًا فلا تسأل عن حُسْنِهِنَّ وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي ثلاثًا (٣).
الشيخ: وصحَّ عنها أنها قالت: كان يصلِّي ثلاث عشرة ركعة (١٠)، أحسنت.
هل في ذلك أثرٌ عن عمر؟
طالب: في عهد عمر بن الخطاب كانت تُصَلَّى عشرين.
الشيخ: لا لا، أنا أريد أثرًا على أنها إحدى عشر.
طالب: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أُبيَّ بن كعب وتميمًا الداريَّ أن يُصلِّيا بالناس إحدى عشرة ركعة.
الشيخ: إحدى عشرة ركعة، أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، أحسنت.
يقول المؤلف ﵀: إنها تُفْعَل جماعة، ما هو الدليل على أنها تُفْعَل جماعة؟
طالب: عهد النبي ﷺ.
الشيخ: بعد؟
الطالب: وفي عهد عمر بعد النبي ﷺ.
الشيخ: وأما الرسول فلم يفعلها.
الطالب: فعلها الرسول ﷺ، تركها خَشيةَ أن تُفْرَض عليه.
الشيخ: إذن، ليش تستدل بأثر عمر وعندك فعل الرسول ﷺ؟
الطالب: فَعَل الرسول ﷺ، وجدَّدها عمر مِن بعده.
[ ١ / ١٧٠٥ ]
الشيخ: المهم الآن لو سألك سائل: هل هناك دليل على أن التراويح تُفْعَل جماعة، فماذا تقول؟
الطالب: أقول: فَعَلَها النبي ﷺ.
الشيخ: تقول: نعم، عندي دليل؛ وهو أن الرسول؟
الطالب: فعلها ﷺ.
الشيخ: كم ليلة؟
الطالب: ثلاث ليال.
الشيخ: ثلاث ليال ثم تخلَّف، وقال: «خَشِيتُ»؟
الطالب: «خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» (١١)
الشيخ: أحسنت، ومتى أقيمت بعده؟ أي: متى جُمِعَ الناس على إمام واحد بعده؟
الطالب: على وقت عمر ﵁.
الشيخ: في وقت عمر ﵁، أحسنت.
إذن اجتمع فيها سنة الرسول ﷺ وسنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، أحسنت.
هل هناك دليل خاص على قضاء الراتبة؟
طالب: حديث النبي ﷺ () الركعتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر ().
الشيخ: أن النبي ﷺ قضى الركعتين بعد العصر؛ لأنه شُغِلَ عنهما، فيه دليل آخر؟
طالب: حديث النبي ﷺ عندما نام عن صلاة الفجر هو والصحابة ثم قاموا عندما طلعت الشمس، فأمر بالأذان ثم صلى سنة الفجر قبلُ ثم صلى ().
الشيخ: أحسنت. يعني حديث () هذا، وكذلك روى أبو هريرة نحوه.
يقول المؤلف: إن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، هل هذا على إطلاقه؟
طالب: لا، فيه تفصيل.
الشيخ: فَصِّل.
الطالب: الصلاة إما مطلقة أومقيدة؛ فإذا كانت مقيدة في النهار مثل تحية المسجد فهي أفضل من صلاة الليل.
الشيخ: يعني: إذن الصلاة مطلق ومقيد؛ فالمقيد في وقته أفضل من المطلق، إذن صلاة الليل في حال الإطلاق؛ يعني: إنسان مثلًا () صلي، يقول: صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، هل لك دليل في هذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: قول النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (١٢).
[ ١ / ١٧٠٦ ]
الشيخ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»، أحسنت، نقرأ الآن، انتهت المناقشة.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتُسَنُّ صلاةُ الضحى) (صلاة الضحى) من باب إضافة الشيء إلى وقته، ولك أن تقول: إنها من باب إضافة الشيء إلى سببه، كما تقول: صلاة الظهر نسبة للوقت والوقت سبب، هكذا أيضًا صلاة الضحى نسبة للوقت والوقت سبب.
وقول المؤلف: (تُسَنُّ) من المعلوم أن السُّنَّة ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام، وأن حكم السنة أن يثاب فاعلُها ولا يُعاقَب تاركها، فأفادنا المؤلف أنها سنة وليست بواجبة؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال للرجل الذي علَّمه الصلوات الخمس حين سأله الرجل: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (١٣)، ودليل آخر حديث معاذ بن جبل لما بعثه النبي ﷺ في آخر حياته إلى اليمن قال: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» (١٤) ولم يذكر صلاة الضحى، ولو كانت واجبة لذكرها النبي ﷺ.
وقول المؤلف: (تُسَنُّ صلاةُ الضحى) ظاهره أنها سُنَّة مطلقة؛ ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ وأبي الدرداء وأبي ذر أن النبي ﷺ أوصاهم بصلاة ركعتين للضحى؛ قال أبو هريرة ﵁: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: ركعتي الضحى، وأن أُوتر قبلَ أن أنام، وصيامِ ثلاثة أيام من كل شهر (١٥)، وظاهر هذا أنها سنة مطلقة في كل يوم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها ليست بسنة؛ لأن أحاديث كثيرة وردت عن النبي ﷺ أنه كان لا يصلِّيها.
وفصَّل بعضهم فقال: أما مَنْ كان من عادته قيام الليل فإنه لا يُسَنُّ له أن يصلي الضحى، وأما من لم تكن له عادة بصلاة الليل فإنها سُنَّة في حقه مطلقًا كل يوم، هذه ثلاثة أقوال.
[ ١ / ١٧٠٧ ]
القول الرابع: أنها سنَّةٌ غير راتبة؛ يعني: يفعلها أحيانًا وأحيانًا لا يفعلها.
وظاهر الأدلة من حيث العمل أنها سُنَّة مطلقًا دائمًا إلا لمن كان له صلاة من الليل، ولكن قد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: «عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ» (١٦) «عَلَى كُلِّ سُلَامَى -السُّلَامى العضو- مِنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ».
وقد ذكر العلماء ﵏ أن السلامى ثلاث مئة وستون مفصلًا في الجسم، فيكون على كل واحد من الناس كل يوم ثلاث مئة وستون صدقة، ولكن هذه الصدقة ليست صدقة مال، بل كل ما يُقَرِّب إلى الله لقول النبي ﷺ: «فَفَي كُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٍ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينَ ..» إلى أن قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» (١٧).
قال: «وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ» أو قال عن ذلك: «رَكْعَتانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (١٨)؛ وبناء على هذا الحديث نقول: إنه يُسَنُّ أن يصليَهما دائمًا لأن أكثر الناس لا يستطيعون أن يأتوا بهذه الصدقات التي تبلغ ثلاث مئة وستين صدقة، وعلى هذا فيُسَنُّ أن يصليها كل يوم بناء على هذا الحديث.
يقول: (وأقلها ركعتان وأكثرها ثمان) أقلُّها ركعتان؛ لحديث أبي هريرة «رَكْعَتَيِ الضُّحَى»، ولأنه لا يُسَنُّ التطوع بأقل من ركعتين إلا في الوتر.
(وأكثرها ثمان)؛ لأن النبي ﷺ لما فتح مكة دخل بيت أم هانئ فصلى فيه ثماني ركعات، ولكن هل هذا يدل على أنه لا زيادة؟
[ ١ / ١٧٠٨ ]
الذين قالوا بأن أكثرها ثمان قالوا: يدل على أنه لا زيادة، ولكن الصحيح أنه لا حدَّ لأكثرها لقول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يصلي كل يوم من الضحى ركعتين، ويزيد ما شاء الله (١٩) فقولها: (يزيد ما شاء الله) هذا يدل على عدم التحديد.
وأما حديث أم هانئ أنه صلى في بيت أم هانئ ثماني ركعات فلا يدل على التحديد؛ لماذا؟ لأنها قضية عَين، صلى ثماني ركعات؛ لأنه يريد أن يشتغل بشغل آخر، ولم يقل لها: لا تزيدوا على هذا.
فالصحيح أنه لا حدَّ لأكثرها، وأن الإنسان لو بقي يصلي من خروج وقت النهي بعد طلوع الشمس إلى وقت النهي عند الزوال وصلى أربعين ركعة فهذه من الضحى؛ إذن الصحيح أن أكثرها لا حدَّ له.
(أكثرها ثمان) (أكثر) مبتدأ (وثمان) خبر، لكن كيف نعرب (ثمان)؟
نعربها إعراب المنقوص، كيف إعراب المنقوص؟
أنها بياء مفتوحة في النصب منوَّنة؛ فتقول: اشتريت من الغنم ثمانيًا، كما تقول: رأيت قاضيًا؛ في حال الرفع والجر نحذف الياء وتبقى الكسرة دليل عليها، لكنها منونة، وهذا التنوين عوض عن الياء المحذوفة، فتقول: عندي من الضأن ثمانٍ ولَّا ثمانٌ؟
طلبة: ثمانٍ.
الشيخ: ثمانٍ، وعليه فنقول: (ثمان) مرفوعة بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن الياء المحذوفة، هذا إذا لم تُرَكَّب؛ يعني: إذا لم تركَّب مع عشر فإنها تعرب أيش؟
طلبة: إعراب المنقوص.
الشيخ: إعراب المنقوص.
وفيها لغة رديئة قليلة أن تُعْرَب بالحركات على النون؛ فتقول: اشتريت من الضأن ثمانًا، وعندي من الضأن ثمانٌ، ونظرت في الضأن إلى ثمانٍ، وهذه اللغة تناست الياء نهائيًّا كأنها لم تكن موجودة، وصار الإعراب على النون.
إذن لنا في إعرابها وجهان إذا لم تُرَكَّب، ما هما؟
طلبة: إعراب المنقوص.
الشيخ: تُعْرَب إعراب المنقوص وهذا هو المشهور، وأن تُعْرَب بحركات على النون على حسب العوامل.
[ ١ / ١٧٠٩ ]
أما إذا رُكِّبت مع عشر أو عشرة -مع عشر لأنها ما تركب مع عشرة- فإنها تُبْنى على الفتح، فيقال: ثمانيَ عشرة امرأة، ويجوز إسكان الياء فتقول: ثماني عشرة.
إذن فيها وجهان ثماني عشرة، والثاني.
طلبة: ثمانيَ عشرة.
الشيخ: ثمانيَ عشرة تبنى على الفتح.
(أكثرها ثمان)، ويش اللي أفصح فيها؟ (أكثرها ثمانٌ) ولَّا (ثمانٍ)؟
طلبة: ثمانٍ
الشيخ: ثمانٍ بالكسر، على أنها معربة إعراب؟
طلبة: المنقوص.
الشيخ: المنقوص، نعم.
الطالب: حديث عائشة بيكون نصًّا () من الضحى؟
الشيخ: لا، يصلي من الضحى ما ().
طالب: إذا قلنا: صلاة الضحى، وقلنا بالقول الآخر إنه يصلي أكثر من ثماني ركعات فإنها تخرج عن كونها صلاة الضحى، ثم إن الصحابة يوم الجمعة كانوا يصلون حتى يأتي الإمام.
الشيخ: يصلون كم؟
الطالب: يصلون حتى يأتي الإمام يوم الجمعة، ولوكان هذا يفعلونه في غير الجمعة، مما يدل على أنها قُيِّدَت بثمان.
الشيخ: ما هو صحيح؛ لأنه () تصلي ثمانين ركعة قبل زوال الشمس، ما هو ثمان ركعات.
الطالب: خرجنا عن الضحى إذن.
الشيخ: لا، أصل الضحى بيجيك وقتها الآن من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال، وقتها واسع؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ» (٢٠) أخرجه مسلم.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للقول اللي يقول: إن صلاة الضحى لمن كان له ورد بالليل تركه أو نام عنه، كيف يكون هذا القول مع قول عائشة: إن النبي ﷺ كان إذا فاته شيء من الليل ..
الشيخ: لا يقول للذي له صلاة من الليل: لا يصليها.
الطالب: () النبي ﷺ، أما كان إذا فاته شيء من الليل كان يقضيه بالنهار اثنا عشرة ركعة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: () صلَّى ثمانيًا؟
الشيخ: صلَّى ثمانيًا في عام الفتح.
الطالب: هذا عامٌّ () الفتح.
[ ١ / ١٧١٠ ]
الشيخ: ولهذا بعض العلماء يقول: إنَّ ثمانيًا هذه سنة الفتح، وإنه ينبغي للإمام إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات.
طالب: ()؟
الشيخ: لا، الله أعلم.
طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» (٢٠) أنَّ هذا أفضل وقت لأداء الضحى؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني: أفضلها.
الشيخ: آخر وقتها أفضل من أولها.
الطالب: آخر وقتها؟
الشيخ: أفضل من أولها، وبيجينا إن شاء الله.
الطالب: شيخ، هل تصلى في جماعة؟
الشيخ: ()
طالب: فعل الصحابة أنهم تطوعوا يوم الجمعة حين يدخل الإمام على أنهم لم يعرفوا النهي في هذا أو أنه خاص ()؟
الشيخ: بعض العلماء يرى أن يوم الجمعة ما فيه نهي، وهذه أيضًا تأتينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، () ما ليس براتب ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني: غير السنن الراتبة ().
الشيخ: لا.
الطالب: الصلاة قبل المغرب؟
الشيخ: إي نعم، هذه يقال: () راتبة؛ لأن السنن الرواتب تابعات للصلاة، أما السنن غير الرواتب غير التابعة للصلاة فهذا وتر، سنة راتبة.
طالب: هم يتركوها ().
الشيخ: أيهم؟
الطالب: النوافل المطلقة.
الشيخ: لا، ما هو لازم.
طالب: أحسن الله إليك، قضاء النبي ﷺ الراتبة للظهر بعد العصر، هل يدل هذا على جواز القضاء بعد العصر، يعني إذا فاتته؟
الشيخ: تجينا إن شاء الله في وقت النهي في آخر الباب.
طالب: شيخ، حديث أبي هريرة المتفق عليه قال: أوصاني خليلي أن أوتر قبل أن أنام، ثم قال: ركعتي الضحى، ألا يدل هذا على أنه إذا أوتر قبل أن ينام فإنه لا يقوم من الليل، فما يدل على أنه ما قام من الليل فيأتي بركعتي الضحى؟
الشيخ: هذا استدل به من قال بهذا؛ على أن من يقوم الليل لا يأتي بصلاة الضحى، لكن أنا ذكرت لكم أننا نرجحها من جهة الصدقة.
[ ١ / ١٧١١ ]
طالب: شيخ بالنسبة () السنن الراتبة عشر ركعات وثماني ركعات، لماذا لا نقول بقول شيخ الإسلام في الجمع بينهما هذا نفعله مرة بعشر، ونفعله مرة بثمان، جميعًا جاء في السنة؟
الشيخ: لا، لأن ابن عمر شهد ما رأى، وهذه زيادة.
الطالب: شيخ، ورد عن النبي ﷺ نام عن أربعة فروض؟
الشيخ: أربعة فروض كل اليوم () ما أذكر.
طالب: ().
الشيخ: () بس ما أعلم معناه.
طالب: ما ورد أنه صلى ().
الشيخ: المسافر.
طالب: ()؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- في صلاة الليل ذكرنا أن داود ﵊ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام السدس، أقول: كيف يتأتى هذا -أحسن الله إليكم- مع أن الآن الليل يبدأ من غروب الشمس؟ لأن الإنسان الآن في وقتنا هذا إذا قلنا مثلًا: إن الليل مثلًا الساعة الحادية عشر واثنين وعشرين دقيقة، وصلاة العشاء مثلًا يفرغ منها الساعة ثمان ونصف تقريبًا كيف ينام النصف ويقوم الثلث ويقوم السدس؟
الشيخ: ما ()؟
الطالب: الآن نصف الليل سيكون الساعة إحدى عشر واثنين وعشرين دقيقة، الآن نحن ..
الشيخ: من إحدى عشر واثنين وعشرين يبدأ نصف الليل.
الطالب: يبدأ النصف الثاني.
الشيخ: خذ من إحدى عشر واثنين وعشرين ثلث الليل.
الطالب: لكن إحنا كلامنا عن داود ﵊ أنه كان ينام نصف الليل، مع أنه الآن إحنا قلنا: إن الليل يبدأ من المغرب، كيف ينام نصف الليل؟
الشيخ: () بعد صلاة العشاء.
الطالب: العشاء والمغرب إذا قلنا ..
الشيخ: إي ما يخالف، العشاء والمغرب نقول: أما داود ﵊ ما نعرف أن العشاء عندهم هو وقت العشاء في هذه الملة أو في هذه الشريعة أو يختلف، فإن كان لا يختلف فيقال: إنه ينام بعد العشاء إلى أن ينتصف الليل، العشاء الآن كم؟
طالب: ثمانية.
طالب آخر: إلا خمس.
الشيخ: ثمانية إلا خمس، من ثمانية إلا خمس إلى إحدى عشر واثنين وعشرين ينام.
[ ١ / ١٧١٢ ]
الطالب: ما صرنا إلى النصف.
الشيخ: إي، يعني: يُحْمَل على أنه إلى نصف الليل، هذا إذا قلنا: إنه مثلنا، يعني: شريعته مثلنا، يعني: صلاة المغرب والعشاء تستوعب هذا، مع أن فيه احتمالًا؛ أن صلاة العشاء عندهم مع صلاة المغرب يكون الوقت متسعًا.
الطالب: لكن فِعْل النبي ﵊ حينما قال: () في السَّحَر إلا نائمًا، هذا يدل على أنه كان يفعل كما يفعل داود ﵊.
الشيخ: إي نعم، ينام قليلًا ثم يقوم.
الطالب: يعني: يكون المعنى إلى نصف الليل؟
الشيخ: نعم.
طالب: جزاك الله خيرًا، إذا نوى الشخص أن يقوم من الليل وخشي ألا يقوم فأوتر، ثم وفقه الله ﷾ إذ استيقظ، فهل يكتفي بهذا الوتر الذي أوتره قبل أن ينام أم يوتر مرة ثانية أم كيف؟
الشيخ: لا يوتر مرة ثانية يكتفي بالأول ويصلي ركعتين ركعتي إلى الفجر.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
وتُسنُّ صلاةُ الضحى وأقلُّها ركعتان وأكثرها ثمان، ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال.
وسجود التلاوة صلاة، ويُسَنُّ للقارئ والمستمع دون السامع، وإن لم يسجد القارئ لم يسجد، وهو أربع عشرة سجدة؛ في الحج منها اثنتان، ويكبر إذا سجد وإذا رفع، ويجلس ويسلم ولا يتشهد، ويُكْرَه للإمام قراءة سجدة في صلاة سر وسجوده فيها، ويلزم المأموم متابعته في غيرها، ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
من صلاة التطوع صلاة الضحى، وإضافة الصلاة هنا من باب إضافة؟
طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إلى وقته.
الشيخ: من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إلى وقته.
وأفادنا المؤلف أن صلاة الضحى؟
طالب: ().
الشيخ: سنة؟ عندك كتاب أيش يقول؟ (تُسَنُّ صلاة الضحى) ().
طالب: سُنَّةٌ.
الشيخ: سنة، ما هو الدليل عليها على سُنِّيتها؟
[ ١ / ١٧١٣ ]
الطالب: أن النبي ﷺ لما علم الرجل أن ..
الشيخ: ما الدليل على سُنِّيَّتها، ما هو على أنها ليست بواجبة؟
الطالب: حديث أبي هريرة أنه قال: أوصاني خليلي ﷺ بركعتي.
الشيخ: بثلاث.
الطالب: بثلاث؛ ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام (١٥).
الشيخ: ما هو الدليل على أنها ليست بواجبة؟
طالب: الدليل على أنها ليست واجبة عندما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن وقال: فُرِضَت عليهم خمس صلوات ..
الشيخ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّه افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» (٢١) ولو كانت الضحى واجبة لكانت الصلوات كم؟
الطالب: لكانت الصلوات ستة.
الشيخ: هل هي سنة على كل حال، أو في ذلك تفصيل، أو في ذلك خلاف؟
طالب: فيها خلاف، وفيها تفصيل.
الشيخ: اذكر الخلاف.
الطالب: منهم من قال: إنها سُنَّة مطلقًا، ومنهم من قال: إنها ليست بسُنَّة مطلقًا، ومنهم من فصَّل.
الشيخ: فماذا قال؟
الطالب: قال: مَنْ كان له صلاة من الليل فهي ليست في حقه سُنَّة أو ليست له بسنة، ومن ليس له صلاة من الليل فهي في حقه سُنَّة، هناك قول آخر: أنها سنة لمن ليس له صلاة من الليل لعل هذا هو الأصوب.
الشيخ: ().
طالب: سنة في بعض الأحيان () غبا ().
الشيخ: يعني تُسَنُّ غِبًّا أحيانًا وأحيانًا، اخترنا رأيًا آخر، ما هو؟
طالب: اخترنا -يا شيخ- رأي أنها سُنَّة مطلقة؛ وذلك لحديث الرسول ﷺ صدقة ..
الشيخ: أخبر بأن على كل سُلامى من الناس صدقة.
الطالب: ويكفي ذلك ..
الشيخ: «وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (١٨).
قلنا: هذا فيه فائدة أن الإنسان يكون أدى ما عليه من هذه الصدقات.
[ ١ / ١٧١٤ ]
قال المؤلف ﵀: (وأقلها ركعتان)؛ لأن هذا أقل ما يُشْرَع في الصلوات غير الوتر، فلا يُسَنُّ للإنسان أن يتطوع بركعة ولا يُشْرَع له ذلك إلَّا في الوتر، فأقل ما يمكن من الصلاة ركعتان؛ ولهذا قال النبي ﵊ للرجل الذي دخل وهو يخطب يوم الجمعة قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٢٢) ولو كان يُشْرَع شيء أقل من ركعتين لأمره به من أجل أن يستمع لأيش؟
طالب: للخطبة.
الشيخ: للخطبة، إذن فأقلها ركعتان؛ ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ حيث قال: «وَرَكْعَتِي الضُّحَى» (١٥) ولأنه لا يشرع شيء من صلاة التطوع أقل من ركعتين إلَّا؟
طلبة: الوتر.
الشيخ: إلا الوتر فقط، فالصحيح أن التطوع بركعة لا يصح، وإن كان بعض أهل العلم قال: إنه يصح، نقول: لا، لا يصح، أقل ما يمكن ركعتان، فلا يمكن أن يتطوع الإنسان بركعة إلا في الوتر.
قال: (وأكثرها ثمان) ثمان ركعات بأربع تسليمات، ودليل ذلك أن النبي ﷺ دخل بيت أم هانئ في غزوة الفتح حين دخل مكة فصلى فيه ثماني ركعات قالوا: وهذا أعلى ما ورد.
وعلى هذا فلو صلى الإنسان عشر ركعات بخمس تسليمات صارت التاسعة والعاشرة تطوعًا مطلقًا لا صلاة ضحى، ليش، لأي شيء؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن أكثرها ثمان، فمن زاد عن ثمان فليس من صلاة الضحى، ولكن الصحيح أنه لا حدَّ لأكثرها؛ لأن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي ركعتين ويزيد ما شاء الله (١٩)، ولم تُقَيِّد فالصواب أنه لا حدَّ لها، لو صلى من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال أربعين ركعة مثلًا لكان هذا كله داخلًا في صلاة الضحى.
ويجاب عن حديث أم هانئ بجوابين:
[ ١ / ١٧١٥ ]
الجواب الأول أن كثيرًا من أهل العلم قال: إن هذه الصلاة ليست صلاة ضحى، وإنما هي صلاة فتح واستُحِبَّ للقائد إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات شكرًا لله ﷿ على فتح البلد؛ لأن الإنسان، بل لأن القائد من نعمة الله عليه أن يفتح الله عليه البلد، وهذه النعمة تقتضي الخشوع والذلة لله والقيام بطاعته؛ ولهذا لا نعلم أن أحدًا فتح بلدًا أعظم من مكة، ولا نعلم فاتحًا أعظم من محمد ﷺ، ومع ذلك دخل مكة حين فتحها وهو مطأطئ رأسه حتى إنه ليصيب مَوْرِكَ رحله عليه الصلاة السلام لشدة خفضه رأسه، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ويرددها يرجع فيها يعني: ٤ يرجع يعني كأنه يردد الحرف مرتين، وهذا من كمال تواضعه ﵊؛ لأنه رأى أن هذا أكبر نعمة أن الله يفتح بلد أعدائك على يديك ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، وما أحلى العذاب إذا كان بأيدينا لأعدائنا.
إذن نقول: هذا أحد الوجهين في الجواب عن حديث أم هانئ أن هذه الثماني ركعات ليست صلاة ضحى، وإنما هي شكر لله على هذا الفتح؛ ولهذا استحب بعض العلماء للقائد إذا فتح البلد أن يصلي ثماني ركعات.
الوجه الثاني أن نقول: إن الاقتصار على الثماني لا يستلزم ألا يزيد، لأن هذه قضية عين أرأيت لو لم يصلِّ إلا ركعتين، هل تقول: لا تزِد على ركعتين؟ لا، لأن قضاء العين وما وقع مصادفة فإنه لا يعتبر تشريعًا وهذه قاعدة مفيدة جدًّا أن ما وقع مصادفة لا يعتبر تشريعًا.
[ ١ / ١٧١٦ ]
ولهذا لا يُسْتَحب للإنسان إذا دفع من عرفة وأتى الشِّعْب الذي حول مزدلفة لا يُستحَب له أن ينزل فيبول ويتوضأ وضوءا خفيفًا كما فعل الرسول ﷺ فإن النبي ﷺ لما دفع من عرفة في الحج ووصل إلى الشِّعْب نزل فبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا (٢٣). فهل نقول: إن هذا مشروع؟
الجواب لا، لأن هذا وقع مصادفة احتاج النبي ﷺ أن يبول فنزل فبال وتوضأ، توضأ لأجل أن يكون فعله للمناسك على طهارة.
على كل حال ما فُعِلَ على وجه المصادفة دون القصد فإنه لا يُعْتَبر تشريعًا، فكون الرسول ﷺ اقتصر على ثمان دون أن ينبه على أن هذا أكثر صلاة الضحى لا يدل على أن هذا هو الأكثر.
ثم قال المؤلف: (ووقتها من خروج وقت النهي إلى قُبَيل الزوال) (وقتها) أي وقت صلاة الضحى من خروج وقت النهي والمؤلف -﵀- لم يبين وقت النهي لكن سيبينه إن شاء الله في آخر الباب.
وقت النهي من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح يعني بعين الرائي، وإلا هذا الارتفاع قيد رمح بحسب الواقع أكثر من مساحة الأرض مئات المرات، لكن نحن نرى في الأفق قيد رمح يعني: نحو متر وهذا بالزمن أو بالدقائق والساعات المعروفة حوالي اثني عشرة دقيقة، ولنجعله ربع ساعة خمس عشرة دقيقة؛ لأنه أحوط فإذا مضى خمس عشرة دقيقة من طلوع الشمس فإنه يزول وقت النهي ويدخل وقت الضحى فمن ذلك الوقت يدخل وقت صلاة الضحى إلى قبيل الزوال، قُبيل تصغير أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: تصغير قبل، يعني: زمن قليل، قبل زوال الشمس بزمن قليل كم؟ حوالي عشر دقائق بعد، يعني: إذا أكثرنا قلنا: قبل الزوال بعشر دقائق؛ لأن ما قبيل الزوال وقت نهي ينهى عن الصلاة فيه فإنه الوقت الذي تُسْجَر فيه جهنم فنهى النبي ﷺ أن يُصَلَّى فيه.
[ ١ / ١٧١٧ ]
قال عقبة بن عامر ﵁: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن وأن نقبُر فيهنَّ موتانا؛ حين تخرج الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب (٢٤)، قائم الظهيرة يكون قبيل الزوال بنحو عشر دقائق، فإذا كان قبيل الزوال بنحو عشر دقائق وقف الإنسان ما يصلي، إذن الوقت من زوال النهي في أول النهار إلى وجود النهي في وسط النهار.
وفعلها في آخر الوقت أفضل؛ لأن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» (٢٠) وهذا في صحيح مسلم: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ»، ما معنى تَرْمَض؟ يعني: تقوم من شدة حَرِّ الرمضاء، وهذا يكون قبيل الزوال بنحو عشر دقائق فهذا وقتها.
قال: (ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال).
ثم قال المؤلف: (وسجود التلاوة صلاة) (سجود) مبتدأ و(صلاة) خبرها، والخبر هنا مفرد ولَّا جملة؟
طلبة: ().
الشيخ: تأملوا (سجود التلاوة صلاة).
طلبة: مفرد.
الشيخ: مفرد؛ لأنه ليس جملة ولا شبه جملة.
طالب: ()؟
الشيخ: (سجود التلاوة صلاة) (صلاة) خبر، يعني أن سجود التلاوة حكمه حكم الصلاة، بل هو صلاة، والإضافة هنا سجود التلاوة من باب إضافة الشيء إلى سببه لكنه سبب غير تام؛ لأن التلاوة نفسها ليست سببًا للسجود، بل السبب للسجود المرور بآية سجدة، إذن فليست التلاوة سببًا أيش؟ تامًّا، بل السبب للسجود هو المرور بآية سجدة، يعني قراءة آية سجدة، إذا قرأ الإنسان آية سجدة سُنَّ له أن يسجد.
حكمه؛ يقول المؤلف: إنه صلاة، ووجه ذلك أن تعريف الصلاة ينطبق عليه فهو عبادة ذات أقوال وأفعال مُفْتَتَحَة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
[ ١ / ١٧١٨ ]
إذن هي صلاة يُعْتَبَر له ما يعتبر لصلاة النافلة؛ لأنه سنة، يعتبر له ما يعتبر لصلاة النافلة، وانتبهوا لقولي: صلاة النافلة من أجل أن تستحضروا الفرق بين صلاة الفرض وصلاة النفل، وقد عددناه فيما سبق فبلغ نحو ثلاثين فرقًا. إي نعم تقريبًا ثلاثين فرقًا.
هذا ما مشى عليه المؤلف على أنه صلاة، وعلى هذا فتُعْتَبر له الطهارة من الحدث والطهارة من النجاسة في البدن والثوب والمكان واستقبال القبلة وستر العورة، وكل ما يشترط لصلاة النافلة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس بصلاة، وقال: لأنه لا ينطبق عليه تعريف الصلاة؛ إذ لم يثبت في السُّنَّة أن له تكبيرًا أو تسليمًا، فالأحاديث الواردة في سجود التلاوة ما فيها إلا مجرد السجود فقط؛ سجد فسجدنا معه (٢٥)، وما أشبه ذلك، ليس فيها حديث واحد يدل على التكبير إلا حديثًا أخرجه أبو داود في إسناده نظر؛ أنه كبَّر عند السجود (٢٦)، ولكن ما فيه التسليم، لم يرد لا بحديث ضعيف ولا صحيح أنه سلَّم من سجدة التلاوة، وإذا لم يصح فيها تسليم لم تكن صلاة؛ لأن الصلاة يجب أن تكون مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعلى هذا فليست بصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ وبناء على ذلك لا يُشتَرط لها طهارة ولا ستر عورة ولا استقبال قبلة فيجوز أن يسجد ولو كان محدثًا حدثًا أصغر، بل ولو كان محدثًا حدثًا أكبر، إن قلنا بجواز القراءة للجنب، والصحيح أنه لا يجوز.
ومن طالع كلام شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة تبين له أن القول الصواب ما ذهب إليه أن سجود التلاوة ليس بصلاة ولا يشترط له ما يشترط للصلاة، فلو كنت تقرأ القرآن عن ظهر قلب وأنت غير متوضئ ومررت بآية سجدة فعلى هذا القول تسجد ولا حرج، وكان ابن عمر ﵄ مع تشدده كان يسجد على غير طهارة.
[ ١ / ١٧١٩ ]
يقول: (سجود التلاوة صلاة يُسَنُّ للقارئ) (يسن) كلمة (يسن) تفيد أن سجود التلاوة ليس بواجب وإنما هو سنة؛ لأنه قال: (يسن للقارئ)، وهذه المسألة -أعني سجود التلاوة- محل خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن سجود التلاوة واجب؛ لأن الله أمر به وذم من تركه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] اركعوا واسجدوا وهذه آية سجدة ولَّا لا؟ آية سجدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فأمر بالسجود، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] فذمهم لعدم السجود، وامتدح الساجدين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] قالوا: هذا يدل على أن السجود واجب لمدح فاعله وذم تاركه والثالث؟
طلبة: ()
الشيخ: ألا ليت شعري!
طلبة: والأمر به.
الشيخ: والأمر به، صح، إذن الأمر به والحث على فاعله وذم من لم يفعله وهذا يدل على الوجوب.
وقال آخرون: بل إنه سنة، وليس بواجب واستدلوا لذلك بأن زيد بن ثابت ﵁ قرأ على النبي ﷺ سورة النجم ولم يسجد فيها (٢٧) ولو كان السجود واجبًا لم يقره النبي ﷺ على ترك السجود.
فإن قال قائل: أفلا يحتمل أن زيدًا ليس على وضوء؟
فالجواب: هذا احتمال لكنه ليس بمتعين، بل الظاهر أنه على وضوء؛ لأنه يبعد أن يقرأ القرآن على غير وضوء.
ثانيًا: أن عمر بن الخطاب ﵁ ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره أنه قرأ على المنبر سورة النحل، فلما أتى على السجدة سجد، نزل من المنبر وسجد فسجد الناس، ثم قرأها في الجمعة الثانية ولم يسجد ثم قال -إزالة للشبهة- إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء (٢٨).
[ ١ / ١٧٢٠ ]
وهذا قول عمر، وناهيك به عمر الذي قال فيه الرسول ﷺ: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» (٢٩) محدَّثون يعني: ملهمون للصواب يوحى إليهم فعمر، ومع هذا فَعَلَه بمحضر الصحابة علنًا على المنبر، ولم ينكر عليه أحد، وهذا يدل على أن السجود ليس بواجب، إذن الصحيح بلا شك أن سجود التلاوة ليس بواجب، لكنه سُنَّة.
بقي علينا الشطر الثاني في باب المناظرة لأن باب المناظرة لابد أن تثبت دليل قولك وتجيب عن دليل خصمك، فما هو الجواب عن الآيات التي استدل بها مَن قال: إنها واجبة؟
الجواب بسيط؛ نقول: إذا استدللت بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فقل: يجب الركوع أيضًا، أما أن تقول: يجب السجود ولا تقول: يجب الركوع فهذا تناقض؛ لأن الدليل واحد وبه نعرف أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ أمر بالصلاة التي ذات ركوع وسجود.
وأما قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] فنقول له: أنت لا تقول بهذه الآية، لا تقول: إن كل من قرأ القرآن وجب عليه أن يسجد مع أن ظاهر الآية أن كل مَنْ قُرئ عليه القرآن يجب أن يسجد، والسجود هنا بمعنى التذلل ليس هو السجود الحركة المعروفة، أي إذا قرئ عليهم القرآن لا يَذِلُّون له، وهذا ثابت لكل القرآن، كل القرآن يجب أن تذل له، وأما مدح الملائكة بالسجود فالمراد بالسجود سجود الصلاة؛ لأنه ما من أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد، وهذا مما خالفنا فيه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ شيخ الإسلام يرى أن سجود التلاوة واجب، والصحيح أنه ليس بواجب ().
***
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المناقشة في صلاة الضحى أظن؟
طالب: نعم.
الشيخ: كم عدد صلاة الضحى؟
[ ١ / ١٧٢١ ]
طالب: أقلُّها ركعتان، وقال المؤلف: (وأكثرُها ثمان ركعات)، ولكن الصحيح أنها لا حدَّ لأكثرها.
الشيخ: نعم، أحسنت، دليل أنه لا حدَّ لأكثرها حديث عائشة في صحيح مسلم: كان النبي ﷺ يصلِّي في الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله. (٣٠) فأطلقت، وهذا دليل على أنه لا حدَّ لأكثرها.
متى دخول وقتها؟
طالب: دخول وقتها من بعد النهي عن طلوع الشمس إلى قبيل الزوال.
الشيخ: من خروج وقت النهي بعد طلوع الشمس إلى قبيل الزوال، متى يخرج وقت النهي بعد طلوع الشمس.
طالب: ().
الشيخ: إذا ارتفعت قِيد رمح، لماذا لم يقل: المؤلف إلى الزوال؟
طالب: لأن قبيل الزوال فيه وقت نهي.
الشيخ: لأن قبيل الزوال وقت نهي، تمام.
ما هو دليل من قال: إن سجود التلاوة واجب؟
طالب: استدلوا بأن قالوا: إن الله ﷾ ذمَّ من تركه وامتدح من فعله وأمر به.
الشيخ: اصبر اصبر، ذم من تركه؟
الطالب: نعم
الشيخ: تركه؟ !
الطالب: نعم.
الشيخ: ما أدري.
الطالب: من ترك سجود التلاوة.
الشيخ: من ترك سجود التلاوة؟
الطالب: إي نعم، ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] هذا ذم ..
الشيخ: إي، لكن هل سجود التلاوة هو الذي يريدون؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هل هو سجود التلاوة الذي يريدون؟
الطالب: لا، هذا سجود الصلاة، يعني: هذا بس دليلهم.
الشيخ: إذن ذم من ترك السجود؟
الطالب: وامتدح من فعله.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأَمَر به.
الشيخ: وأمر به، هات الأدلة على هذه الأمور الثلاثة.
الطالب: أما الأمر به فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما الذم فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُون﴾ [الانشقاق: ٢١].
الشيخ: نعم.
[ ١ / ١٧٢٢ ]
الطالب: وأما الامتداح فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
الشيخ: أحسنت، القائلون بأنه سنة -سجود التلاوة- ما دليلهم؟
طالب: () السُّنِّيَّة عدة أحاديث منها حديث ما ثبت في البخاري عن زيد بن ثابت.
الشيخ: في الصحيحين هذا؟
الطالب: في الصحيحين أنه قرأ عند رسول الله ﷺ سورة النجم ولم يسجد ولم يأمره النبي ﷺ بالسجود، ولو كان واجبًا لأمره النبي ﷺ.
الشيخ: أحسنت، هذا واحد، وهذا من السُّنَّة، الدليل الثاني؟
طالب: حديث عمر ﵁ أنه لما قرأ () في خطبة الجمعة نزل وسجد، وفي خطبة الجمعة الأخرى لم يسجد، قرأ سورة النحل.
الشيخ: قرأ السجدة في سورة النحل يوم الجمعة على المنبر فنزل فسجد، وقرأ في الجمعة الثانية فلم؟
الطالب: فلم يسجد.
الشيخ: وقال؟
لطالب: إن الله ﷿ أمر بها لمن شاء.
الشيخ: لا.
طالب: () لمن شاء.
الشيخ: لا.
طالب: قال: من سجد فقد أصاب.
الشيخ: لا.
طالب: ()
الشيخ: لا.
طالب: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء.
الشيخ: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء.
وجه الدلالة من أثر عمر؟
طالب: أن عمر بن الخطاب فعله في مرة وتركه مرة أخرى.
الشيخ: إذن، فَعَلَه.
الطالب: فعله، وأيضًا قوله.
الشيخ: قوله؟
الطالب: إن الله ﷾ لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء.
الشيخ: إلا أن نشاء، يعني: إلا أن نشاء فرضه.
الطالب: لا، إلا أن نشاء فعله.
الشيخ: يعني: لكن إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل، فالاستثناء إذن منقطع، ولَّا لا؟
الطالب: منقطع.
الشيخ: وغير فعل عمر وقوله؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: وإقرار الصحابة له.
يقول المؤلف: إن سجود التلاوة صلاة، هل مراده صلاة فريضة أو صلاة نافلة؟
ما معنى قوله: سجود التلاوة صلاة؟
[ ١ / ١٧٢٣ ]
طالب: أنه يجب له ما يجب للصلاة.
الشيخ: أي الصلاتين الفريضة والنافلة؟
الطالب: النافلة.
الشيخ: النافلة، كأن (آدم) يريد أن يعارض، عندك معارضة؟
طالب: سجود التلاوة والفرض معاملته كله واحدة.
الشيخ: كله واحد، الفريضة والنافلة سواء؟
الطالب: الفرض الواحد يثاب إذا تركه.
الشيخ: إذا ترك الفرض يثاب ولَّا يعاقب؟
الطالب: يُعاقَب.
الشيخ: والسنة لا يعاقب؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
طالب: ذكرنا فروقًا كثيرة بين ..
الشيخ: فروقًا كثيرة بين صلاة النافلة وصلاة الفريضة، ذكرنا ثلاثين فرقًا، وكتبناها لكم وأعطيناكم إياها، فين راحت؟
طالب: ().
الشيخ: على كل حال المراد به صلاة النافلة؛ بدليل قوله: (يُسنَُّ للقارئ) فإذا كان سنة أعطي حكم صلاة أيش؟
طلبة: النافلة.
الشيخ: النافلة، فيه قول آخر؟
طالب: أنه ليس بصلاة.
الشيخ: ليس بصلاة، وعليه؟
الطالب: وعليه، فيصح أن يسجد لغير قبلة.
الشيخ: فلا يشترط له شروط الصلاة، فالسجود مجرد إلى القبلة وإلى غيرها محدثًا كان أم طاهرًا.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يُسَنُّ للقارئ والمستمع) (يُسَنُّ للقارئ)؛ لأن النبي ﷺ كان يسجد إذا مر بآية السجدة، وفِعْلُ الرسول ﷺ الشيءَ على سبيل التعبد يقتضي سُنيَّتِه؛ ولهذا نقول: من قواعد أصول الفقه أن فِعْل الرسول ﷺ الذي فعله على سبيل التعبد يكون للاستحباب لا للوجوب إلا أن يُقْرَن بأمر أو يكون بيانًا لأمر أو ما أشبه ذلك من القرائن التي تدل على الوجوب، أما مجرد الفعل فإنه للاستحباب.
[ ١ / ١٧٢٤ ]
يقول ابن عمر: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدُنا موضعًا لجبهته (٣١) يعني: أنهم يسجدون، ولقربهم من الرسول ﷺ، فإن الجلوس يكون فيه ازدحام عند السجود؛ لأن الساجد يشغل مكانًا أكثر من الجالس فلهذا يزدحمون حتى ما يجد أحدهم مكانًا لجبهته يسجد عليه، هذا دليل استحبابه، وكذلك ما مرَّ من أثر عمر.
وقوله: (يُسَنُّ للمستمع) دليله حديث ابن عمر ﵁ وعن أبيه؛ حيث كانوا يسجدون مع رسول الله ﷺ.
وقوله: (دون السامع) يعني أن السامع لا يُسَنُّ له أن يسجد، والفرق بين المستمع والسامع، أن المستمع هو الذي ينصت للقارئ ويتابعه في استماعه، والسامع هو الذي يسمع الشيء دون أن يُنْصِت إليه؛ ولهذا لو سمع الإنسان صوت ملهاة؛ يعني: صوت آلة لهو سماعًا فقط؛ فإنه لا يأثم، ولو استمع إليه لأثم.
مثال السامع: إنسان مرَّ مع السوق، وفيه آلة لهو أغاني وغيرها تشتغل، هذا نقول: إنه سامع، وإنسان آخر لما سمع هذه الملاهي جلس يتسمع إليها نقول: هذا مستمع.
[ ١ / ١٧٢٥ ]
كذلك السامع بالنسبة لقراءة القرآن نقول: إن السامع هو الذي مرَّ وقارئ يقرأ فمر بآية سجدة فلا يُسَنُّ للسامع أن يسجد لأنه ليس له حكم القارئ، أما المستمع فيسجد لأن له حكم القارئ، هذا من حيث التعليل، أما الدليل فحديث ابن عمر بالنسبة للمستمع أن الصحابة كانوا يسجدون مع رسول الله ﷺ، والدليل على أن المستمع له حكم الناطق أن موسى ﷺ قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩] دعوتكما مثنى والقائل واحد وهو موسى، فمن أين جاءت التثنية؟
قال العلماء: لأن موسى يدعو وهارون يستمع ويُؤَمِّن، فجعل الله تعالى للمستمع حكم الناطق القائل.
إذن فالذي يستمع إلى قراءة القارئ إذا سجد القارئ سجد، فعندنا الآن ثلاثة: قارئ، والثاني مستمع، والثالث سامع.
الذي يُسَنُّ له السجود هو القارئ والمستمع، أما السامع فلا يُسَنُّ له.
فإذا قال قائل: كيف لا يُسَنُّ له وقد سمع آية السجدة وسجد القارئ؟
نقول: لأنه لا يلحقه حكم القارئ فليس له ثوابه ولا يطالب بما يطالب به القارئ، ولهذا قال المؤلف: (دون السامع).
يقول: (وإن لم يسجد القارئ لم يسجد) إن لم يسجد القارئ لم يسجد مَنْ؟ المستمع؛ لأن سجود المستمع تبع لسجود القارئ، فالقارئ أصل والمستمع فرع، فإذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع.
وعندنا دليل غير التعليل؛ حديث زيد بن ثابت أنه قرأ على النبي ﷺ سورة النجم فلم يسجد فيها (٢٧).
[ ١ / ١٧٢٦ ]
فقوله: قرأ عليه سورة النجم فلم يسجد فيها يدل على أن زيد بن ثابت لم يسجد؛ لأنه لو سجد لسجد النبي ﷺ، كما كان الصحابة يسجدون مع الرسول ﷺ ولم ينكر عليهم، لم يقل: لا تسجدوا لأنكم لم تقرؤا، بل كان يقرهم.
إذن فحديث زيد بن ثابت يُسْتَدَلُّ به على أنه إذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع، ولا يصح أن نستدل به على نسخ سجود التلاوة في المفصَّل كما قال به بعض العلماء؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن الرسول ﷺ سجد في (إذا السماء انشقت)، وفي سورة (اقرأ) (٣٢) وهما من المفصَّل، ومع ذلك فإن أبا هريرة كان متأخر الإسلام لم يسلم إلا في السنة السابعة فأين النسخ، لكن يستدل بحديث زيد بن ثابت على أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد المستمع، والتعليل واضح لأن المستمع فرع وتابع للقارئ، فإذا لم يسجد لم يسجد.
هل للمستمع أن يُذَكِّر القارئ فيقول: اسجد؟
نقول: إن احتمل الأمر أنه ناسٍ -يعني أحيانًا ينسى الإنسان- فليذكِّرْه، أما إذا لم يحتمل مثل أن يقول عندما بدأ يقرأ قال: الآن أقبلنا على السجدة، إذا لم يحتمل أنه ناسٍ فلا يذكِّره؛ لأنه تركها عن عمد ليبين مثلًا إذا كان طالب علم متبوعًا ليبين أن سجود التلاوة ليس بواجب، إذن ففي المسألة التفصيل إن غلب على ظنك أنه قد نسي فذكره وإن لا فلا تذكِّره.
قال المؤلف: (وإن لم يسجد القارئ لم يسجد) ثم قال: (وهو) أي سجود التلاوة (أربع عشرة سجدة) يعني: آيات السجود التي في القرآن أربع عشرة سجدة فقط لا تزيد ولا تنقص ما الدليل؟
[ ١ / ١٧٢٧ ]
الدليل السُّنة؛ فإن أهل العلم تتبعوا آيات السجود؛ فمنها ما صح مرفوعًا ومنها ما صح موقوفًا، والذي صح موقوفًا له حكم الرفع؛ لأن هذا من الأمور التي لا يسوغ فيها الاجتهاد فهي توقيفية؛ فنقول: ما صح مرفوعًا فأمرُه ظاهر، وما لم يصح فلأن هذا من الأمور التي لا يدخلها الاجتهاد، فالموقوف فيها له حكم الرفع، إذن ما هو الدليل؟
طالب: السُّنة.
الشيخ: السُّنة؟
الطالب: أحاديث مرفوعة وأحاديث موقوفة؛ لأن الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه لا يسوغ فيه الاجتهاد.
الشيخ: المرفوع ظاهر، والموقوف؟
الطالب: لا يسوغ فيه الاجتهاد.
الشيخ: له حكم الرفع؛ لأنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ما يمكن يجتهد الصحابي فيسجد إلا بدليل.
وقول المؤلف: (أربع عشرة سجدة) لماذا لم يقل: أربعة عشر سجدة؟
طالب: () المعدود
طالب: مؤنث () السجدة
الشيخ: المعدود مؤنث، وإذا كان المعدود مؤنثًا صار العدد المركب أوله مذكر وآخره مؤنث صح؟
طلبة: صحيح ().
الشيخ: إذا كان المعدود مؤنثًا صار أول العدد المركب مذكَّرًا وآخره مؤنثًا، وإذا كان المعدود مذكرًا صار أول العدد مؤنثًا وثانيه مذكَّرًا؛ فتقول أربع عشرة امرأة وأربعة عشر رجلًا.
يقول: (في الحج منها اثنتان) عندي عدَّها في الشرح قال: في الأعراف ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، ووجه كون ذلك سجدة () سجدة أن الله امتدح هؤلاء الذين عنده بكونهم لا يستكبرون عن عبادة الله ويسبحونه ويسجدون له وما امتدح الله فاعله فهو محبوب إليه؛ إذن فلنسجد.
الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ [الرعد: ١٥].
[ ١ / ١٧٢٨ ]
النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩، ٥٠].
في الإسراء: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.
طالب: ﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ ..
الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
ويُكَبِّرُ إذا سَجَدَ وإذا رَفَعَ ويَجْلِسُ ويُسَلِّمُ ولا يَتَشَهَّدُ، ويُكرَهُ للإمامِ قراءةُ سَجْدَةٍ في صلاةِ سِرٍّ وسجودُه فيها، ويَلْزَمُ المأمومَ متابَعَتُه في غيرِها، ويُسْتَحَبُّ (سجودُ الشكْرِ) عندَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ واندفاعِ النِّقَمِ، وتَبْطُلُ به صَلاةُ غيرِ جاهلٍ وناسٍ.
و(أوقاتُ النَّهْيِ) خمسةٌ من طُلوعِ الفجْرِ الثاني إلى طُلوعِ الشَّمسِ، ومِن طُلُوعِها حتى تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وعندَ قِيامِها حتى تَزولَ، ومِن صلاةِ العَصْرِ إلى غُروبِها، وإذا شَرَعَتْ فيه حتى يَتِمَّ، ويَجوزُ قَضاءُ الفرائضِ فيها وفي الأوقاتِ الثلاثةِ فِعْلُ رَكْعَتَي الطوافِ، وإعادةُ جماعةٍ،
في الحج منها اثنتان، عدَّها في الشرح، قال: في الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، ووجه كون ذلك محل سجدة أن الله امتدح هؤلاء الذين عنده بكونهم لا يستكبرون عن عبادة الله ويسبحونه ويسجدون له، وما امتدح الله فاعله فهو محبوب إليه؛ إذن فلنسجد.
[ ١ / ١٧٢٩ ]
الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ [الرعد: ١٥].
النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩، ٥٠].
في الإسراء: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٥٨].
طلبة: ﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾.
الشيخ: لا، في الإسراء.
طالب: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾.
الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
مريم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
في الحج منها اثنتان: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
في الحج منها اثنتان الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [الحج: ٧٧].
في الفرقان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠].
[ ١ / ١٧٣٠ ]
في النمل: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ [النمل: ٢٥، ٢٦].
في (الم (١) تَنْزِيلُ) السجدة؟
طلبة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
الشيخ: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
في (حم) السجدة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٧، ٣٨].
والنجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢].
الانشقاق: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢٢].
(اقرأ باسم ربك): ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٩].
طالب: في (ص).
الشيخ: لا، (ص) سجدة شكر، إذن هذه أربع عشرة سجدة: الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، و(الم تنزيل) السجدة، و(حم) السجدة، والنجم، والانشقاق.
طلبة: ().
الشيخ: كم دول؟
طلبة: أربعة عشر.
الشيخ: نعدها: الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج اثنتان، والفرقان، والنمل، و(الم تنزيل)، و(حم) السجدة، والنجم، والانشقاق.
طلبة: و(اقرأ باسم ربك).
[ ١ / ١٧٣١ ]
الشيخ: و(اقرأ باسم ربك) ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٩]، أما سجدة (ص) فإنها سجدة شكر، ولكن صحّ عن ابن عباس ﵄، أنه رأى النبي ﷺ يسجد فيها (١)، والصحيح أنها سجدة تلاوة، وعلى هذا فتكون السجدات؟
طلبة: خمس عشرة.
الشيخ: خمس عشرة سجدة، وأنه يُسجد في (ص) في الصلاة وخارج الصلاة.
فإن قال قائل: في القرآن آيات فيها سجود، ولم تكن آية سجدة، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨]. قال: ﴿كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وليس فيها سجدة، لماذا؟
إن قال قائل بأن هذا أُمِر به النبي ﵊ في حالة خاصة ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨] فأُمر بالسجود في حال معينة، وهذا لا يقتضي السجود عند الإطلاق، فيه شيء؟
طالب: الدليل على أنه يسجد في الآية أنه أمر بالسجود.
الشيخ: هذه معلومة؛ يعني لو قال قائل بهذا التعليل ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]، فأمر الله تعالى رسوله أن يسبح بحمد ربه ويكون من الساجدين في حال معينة؛ وذلك إذا ضاق صدره وآذاه المشركون، وهذا لا يقتضي السجود على الإطلاق، والسجود الذي يسجد للتلاوة على الإطلاق فهل يمكن أن يُردّ هذا التعليل لسجدة (اقرأ)؟ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٧ - ١٩]؛ لأن هذه في الحقيقة أمر بالسجود.
[ ١ / ١٧٣٢ ]
قد يقول قائل: إنه أمر بالسجود في حال معينة، وهو إذا قام ذلك الرجل يتكلم على الرسول ﵊، وينهاه عن الصلاة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ٩ - ١٤] ويش بعده؟
طلبة: ﴿كَلَّا﴾ [العلق: ١٩].
الشيخ: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٥ - ١٩].
طالب: النبي ﵊ لما قرأ: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ لما تلاها سجد، لكن ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] لما تلاها ما سجد.
الشيخ: إذن كما قال الأخ؛ يعني إذن لنا المرجع السنة، فالحقيقة أنه كان يبدو لي التعليل الأول، وأن قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ إنما هو في حال معينة لا على الإطلاق، لكن قد يرد هذا الإيراد الذي ذكرته في سورة (اقرأ)، وحينئذٍ يكون المرجع الأصلي هو التوقيف، السُّنة، فنقول: وردت السنة بالسجود في آيات السجود، ولم ترد هنا، فنتوقف على ما جاءت به السُّنَّة.
[ ١ / ١٧٣٣ ]
ثم قال المؤلف: (ويكبر إذا سجد)؛ لأنها صلاة، والصلاة لا بد له من تحريمة، وتحريمها التكبير. وأما عند من يقول: إنها ليست بصلاة فإنه يقول لا يُكبِّر؛ لأنه سجود مجرد، والأحاديث التي رُويت عن رسول الله ﷺ في السجود ليس فيها أنه كان يكبر وليس فيها أيضًا أنه كان يقوم، ثم يخر، بل يسجد عن قعود، إذن فلا قيام، ولا تكبير؛ لأن القيام تعبدًا لله يحتاج إلى دليل، والتكبير ذِكر يحتاج أيضًا إلى دليل، أما على رأي المؤلف -﵀- فيقول: إن سجود التلاوة صلاة، والصلاة لا بد فيها من تكبير؛ ولهذا قال: (يكبر إذا سجد).
(ويكبر إذا رفع)؛ لأن سجود الصلاة يكبر إذا سجد وإذا رفع، وهي صلاة سجود التلاوة، فيكبر إذا سجد، ويكبر إذا رفع.
قال المؤلف: (ويجلس) يجلس وجوبًا جلوسًا، لكنه جلوس لا ذِكر فيه إلا شيئًا واحدًا؛ ولهذا قال: (ويُسلِّم ولا يتشَهَّد) فصار -على كلام المؤلف- السجود فيه تكبير قبل، تكبير بعد، تسليم، جلوس، تسليم. أربع، وليس فيه تشهُّد؛ لأن التشهد إنما ورد في الصلاة، ولكن ظاهر السنة أنه ليس فيها تكبير، وليس فيها سلام، بل يسجد، ويذكر الله بأذكار السجود، ويقوم وينصرف.
إلا إذا كان في صلاة فإنه يجب أن يكبر إذا سجد، ويكبر إذا رفع وجوبًا؛ لأنها إذا كانت في الصلاة ثبت لها حكم الصلاة قولًا واحدًا، انتبه، حتى الذين يقولون: يمكن أن يسجد إلى غير القبلة، إذا كان في الصلاة لا يقولون بذلك، لا يقولون: يجوز عند سجود التلاوة أن تنصرف وتسجد إلى غير القبلة، فهي إذا كانت في الصلاة كان لها حكم سجود الصلاة؛ يعني يُكبِّر إذا سجد، ويُكبِّر إذا رفع، ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان يسجد في صلاته، كما صح ذلك عن أبي هريرة ﵁، أن الرسول سجد في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) في صلاة العشاء (٢)، وثبت عنه أنه كان يكبر في كل رفع وخفض، كلما رفع وخفض كبَّر فيدخل في هذا العموم سجود التلاوة.
[ ١ / ١٧٣٤ ]
وأما ما يفعله بعض الأئمة من التكبير إذا سجد دون ما إذا رفع فهو مبني على فهم خاطئ، ليس على علم، ولا على فهم صحيح، لكنه لما رأى أن بعض أهل العلم اختار في سجود التلاوة أن يكبر إذا سجد دونما إذا رفع ظن أن هذا في الصلاة وغيرها، وليس كذلك؛ لأن سجود التلاوة في خارج الصلاة كما سمعتم، المذهب يرون أنه يُكبِّر إذا سجد وإذا رفع، فيه قول ثانٍ: يُكبِّر إذا سجد لا إذا رفع، وفيه قول ثالث أنه لا يُكبِّر عند السجود ولا عند الرفع، لكن هذا كله فيما إذا سجد خارج الصلاة، أما إذا سجد داخل الصلاة؛ فإن له حكم سجود الصلاة بلا إشكال.
لم يذكر المؤلف -﵀- ماذا يقول في هذا السجود، فيقول: يقول في هذا السجود: سبحان ربي الأعلى؛ لأن النبي ﷺ لما نزلت قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» (٣)، وهذا يشمل أيش؟
طالب: السجود.
الشيخ: أي السجود؟
طالب: السجود في العام.
الشيخ: عام؛ سجود التلاوة وسجود الصلاة. إذن يقول: سبحان ربي الأعلى، يقول أيضًا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي؛ لدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، وهذه آية سجدة.
وحديث عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٤)، فإذن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
[ ١ / ١٧٣٥ ]
فيه أيضًا حديث أخرجه بعض أهل السنن: يقول «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» (٥)، فإن قال هذا فحسن وإن قال غيره فلا بأس.
قال المؤلف ﵀: (ويُكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر وسجوده فيها) قال: (يكره للإمام) الكراهة عند المتأخرين تُطلق على مرتبة بين الإباحة والتحريم، تُطلق على ما يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يُعاقب فاعله، وتطلق في عُرف المتقدمين تطلق على التحريم، فإذا رأيت في كلام الصحابة والتابعين (أكره)، أو في كلام النبي ﵊ (أكره) فهو للتحريم، حتى في القرآن الكريم إذا وجدت (مكروه) فهو حرام قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ثم ذكر أشياء كثيرة منهيات ومأمورات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] مكروهًا أيش؟
طلبة: محرم.
الشيخ: حرام، كل ذلك كان حرامًا، لكن اصطلاح المتأخرين الذين قسَّموا الأحكام إلى خمسة أقسام واجب، وضده؟
طلبة: محرم.
الشيخ: مستحب وضده؟
طلبة: مكروه.
الشيخ: الخامس؟
طلبة: مباح.
[ ١ / ١٧٣٦ ]
الشيخ: مباح، هؤلاء هم الذين قالوا: إن المكروه في مرتبة بين المباح وبين الحرام، المؤلف -﵀- يرى أنه يُكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في صلاة السر، الكراهة حُكم شرعي يحتاج إلى دليل من السمع أو إلى تعليل من النظر مبني على قواعد الشرع؛ الدليل من السمع واضح آية أو حديث، من النظر تعليل، طريقه العقل، هذا التعليل يكون مبنيًّا على أيش؟
طلبة: قواعد الشريعة.
الشيخ: قواعد الشريعة، هم يقولون: إنه يكره للإمام قراءة آية في صلاة السر؛ لأنه بين أمرين: إما أن يقرأ الآية ولا يسجد، وإما أن يقرأها ويسجد فيشوِّش على من خلفه، ولكن كلا التعليلين عليل؛ أما الأول فقولهم: لأنه إما أن يقرأها ويترك السجود لا يسجد، نقول: حتى لو ترك السجود، فإن ذلك لا يقتضي الكراهة؛ لأن ترك المسنون ليس مكروهًا، وإلا لقلنا: إن صلاتنا في غير النعال؟
طلبة: مكروهة.
الشيخ: مكروهة. ولقلنا: إن الإنسان إذا لم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، فقد فعل مكروهًا، ولقلنا: إن الإنسان إذا لم يجهر في الجهرية فقد فعل مكروهًا، وما أشبه ذلك، وهذا ليس بصحيح.
إذن فنقول: لو قرأها ولم يسجد، فكيف نقول: إنه فعل مكروهًا؟ أليس لو قرأها ولم يسجد خارج الصلاة -هذا شيء مستحب- هل نقول: فعلت مكروهًا؟ لا، إذن نقول هذا التعليل عليل ما يُقبل، تعليل عليل مريض؛ معناه ما هو مقبول.
التعليل الثاني؟
طالب: التشويش.
الشيخ: أو يسجد، ويشوش على المأموم، فنقول: نعم، هذا قد يكون، إذا سجد من قيام قبل أن يركع سيُشوِّش؛ ولهذا لو سجد قال الناس كلهم: سبحان الله، فشوَّش عليهم، وربما إذا أبى واستمر ساجدًا تركوه، قالوا: هذا ترك ركنًا مُتعمدًا، ما نتابعه، لكن هذا يمكن أن يزول بأن يرفع صوته قليلًا عند آية السجدة، فإذا رفع صوته قليلًا عند آية السجدة سجد الناس.
[ ١ / ١٧٣٧ ]
لكن هذا ربما يُقال: يسجد من يعرف أن هذه الآية آية سجدة، لكن من لا يعرف لا يسجد، ولهذا أذكر أننا مرة قرأنا في سورة الجمعة، قرأنا آخر سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، فسجدتُ فركع أكثر الناس، أكثر الناس اللي ما رأوني ركعوا في يوم الجمعة؛ لأنه ليس من عادة الأئمة أن يقرؤوا يوم الجمعة آية سجدة؛ ولهذا قال بعض الناس: ما عمرنا سمعنا بهذا، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، ما فيه واحد من الناس قرأ آية سجدة في صلاة الجمعة؛ فلذلك لما قرأت آية السجدة وسجدت ركعنا، هذا ربما نقول: إنه إذا حصل تشويش ربما نقول: لا تقرأ، أو اقرأ ولا تسجد، فنأخذ بالاحتمال الأول، ما هو الاحتمال الأول؟
الاحتمال الأول: أن يقرأ ولا يسجد؛ لأنه إذا قرأ ولم يسجد لم يأتِ مكروهًا، لكن قد ورد في السنن بسند فيه نظر أن الرسول ﷺ قرأ في صلاة الظهر (ألم تنزيل) السجدة، وسجد فيها (٦)، فلو صح هذا الحديث لكان فاصلًا للنزاع، وقلنا: إنه يجوز أن يقرأ آية سجدة في صلاة السر، ويسجد فيها كما فعل النبي ﷺ.
طالب: شيخ، إذا كان الإنسان يستمع لشريط مسجل، ثم مر بآية سجدة هل يسجد، ربما أن القارئ إذا سجد والتسجيل مقطوع؟
الشيخ: يسأل ويقول: إذا سمع آية السجدة من الشريط فهل يسجد؟ الجواب: يا جماعة استمعوا، إن سجد الشريط فليسجد، هذا الجواب، وإن لم يسجد إحنا ما قلنا: إذا سجد القارئ سجدنا، وإن لم يسجد؟
الطالب: يمكن مقطوع يا شيخ، القارئ يقول: الله أكبر، ثم سجد؟
الشيخ: لا، يمكن يرى رأي من لا يُكبِّر عند السجود.
الطالب: لا، أحيانًا يا شيخ تكون مقطوعة مثل قراءة التراويح، يقطعون السجدة حتى يصلون الآية بالآية؟
الشيخ: يعني لو نقلوا صلاة التراويح.
الطالب: لكن يقولون ..
الشيخ: إذن الحمد لله ما سمعته ساجدًا فلا أسجد.
[ ١ / ١٧٣٨ ]
الطالب: يا شيخ، ما جاء في أسانيد سجدة (ألم تنزيل) السجدة، يقول الحافظ: لم أرَ في شيء من الطرق التصريح بأنه سجد، ثم ذكر في كتاب الشريعة، وذكر وقال: في إسناده من ينظر في حاله. وللطبراني في الصغير من حديث علي، فذكره مرفوعًا وقال: ولكن في إسناده ضعف.
الشيخ: إي نعم، هذا هو.
الطالب: ما جاء في إسناده.
الشيخ: لا، فيه تصريح الثاني، لكن بس أنها أسانيدها ضعيفة.
طالب: بعض الناس لا يسجد، ولكن يُسبِّح الله ﷾، ويُكبِّر، ويُهَلِّل.
الشيخ: لا، ما هو مشروع؛ يعني بعض الناس إذا كان وقت نهي لا يسجد ويُسبِّح كما قال الأخ، نقول: هذا ليس بصحيح.
طالب: إنسان يقود السيارة وهو يقرأ القرآن، ومر بآية سجدة، هل يومئ إيماء؟
الشيخ: يعني يقرأ وهو يقود السيارة.
الطالب: فمر بآية سجدة.
الشيخ: أنا أرى أنه ما يسجد؛ لأن سجوده في هذه الحال خطير، تعرف السيارة سريعة، وربما إذا قال هكذا ما يشوف الطريق.
الطالب: إذا أمن؟
الشيخ: ما هو آمن، هل يمكن يأمن يا جماعة؟
طلبة: ().
الشيخ: إيه () لازم ().
طلبة: ().
الشيخ: لا، الأحسن ما يسجد.
طالب: () المشروع قصدي.
الشيخ: مشروع أيش؟
الطالب: أن يومئ؟
الشيخ: هو لا بأس أن يومئ، لكن الإيماء ينحني بقدر ما يمكنه، ما هو بيومئ بس.
الطالب: لا، واقف عند الإشارة.
الشيخ: أي، لا بأس حينئذٍ يمكن، لكن إذا ولعت الخطر، ثم ذهب () كالبوري، مشكلة!
طالب: () يستمع الإنسان للأخبار غالبًا يستمع للموسيقى أو غناء، وهو محتاج إلى السماع؟
الشيخ: الآية؟
الطالب: لا، أقصد الآن، بناء على قول المؤلف: السامع والمستمع، أحيانًا يسمع موسيقى أو غناء أو شيء محرم () الأخبار وهو مضطر إلى سماعها؟
الشيخ: هذه، نعم أحيانًا تكون مثلًا إذاعة مختلطة بإذاعة أخرى، الإذاعة الأخرى يُصادف أنها تغني، نقول: أيهما أغلب وأرفع صوتًا؟ الأرفع صوتًا هي المعتمدة.
[ ١ / ١٧٣٩ ]
طالب: لكن يفهم الأخبار ويفهم الغناء أحيانًا يفهم.
الشيخ: إي، لكن أي أخفى، إي، يقدم الريشة شوي ولا يؤخرها.
الطالب: يسمع، يجوز له.
الشيخ: إي، بس مثلما أقول لك: أيهما أغلب ().
***
على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن سجود التلاوة سنة، وأن عدد آيات السجود في القرآن أربع عشرة سجدة، وأن الإنسان يُكبِّر إذا سجد، ولا يُكبِّر على القول الراجح إذا رفع ولا يُسَلِّم.
وسبق لنا أيضًا أنه يُكره للإمام قراءة آية فيها سجدة في صلاة السر، وبينا أن علة ذلك أنه إما أن يسجد فيشوِّش على المأمومين، أو لا يسجد فيترك سُنَّة، وبينَّا أن هذا التعليل عليل؛ وذلك لأنه إذا لم يسجد فإن أعلى أحواله أن يكون تَرَك سُنَّة، وترْك السنة لا يستلزم الكراهة، وأما التشويش فإنه يزول بأن يرفع صوته عند آية السجدة حتى يتبين للناس، هذا إذا كان الناس لا يشاهدونه، أما إذا شاهدوه فالأمر أهون، وأيضًا ذكرنا أنه قد روى أصحاب السنن أن النبي ﷺ صلَّى ذات يوم صلاة الظهر فسجد (٦)، ففهم الصحابة أنه قرأ سورة (ألم تنزيل) السجدة.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويلزم المأمومَ متابعتُه في غيرها) يلزم المأموم إذا سجد إمامه أن يتابعه (في غيرها) أي: في غير صلاة السر؛ وهي صلاة الجهر.
وعُلم من كلامه -﵀- أنه لا يلزمه متابعة الإمام في صلاة السر؛ يعني لو قرأ الإمام آية سجدة في صلاة السر كالظهر والعصر، ثم سجد فإن المأموم لا يلزمه أن يتابعه، وعلَّلوا ذلك بأن الإمام فعل مكروهًا فلا يُتابَع.
[ ١ / ١٧٤٠ ]
ولكن الصحيح أنه يلزم المأمومَ متابعتُه حتى في صلاة السر؛ وذلك لأن الإمام إذا سجد فإن عموم قوله ﷺ: «إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (٧)، يتناول هذه السجدة، وهذه السجدة لا تبطل صلاة الإمام؛ لأن أعلى ما يقال فيها أنها مكروهة على كلام الفقهاء، والصحيح أنها ليست بمكروهة، وأنه يسجد، وفي هذه الحال يلزم المأموم متابعته؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
إذن القول الراجح أن المأموم يلزمه متابعة الإمام في سجود التلاوة؛ في الصلاة السرية وفي الصلاة الجهرية.
ثم انتقل المؤلف إلى نوع آخر من السجود فقال: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم)
إذا قال العلماء: (يُستْحب) أو (يُسنّ)، فإن حكم ذلك أن يُثاب فاعله امتثالًا، ولا يُعاقَب تاركه؛ إذن فسجود الشكر إن فعلته أُثبت وإن تركته لم تأثم.
وسجود الشكر الإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى نوعه، كما تقول: خاتم من حديد؛ لأن هذا السجود نوع من الشكر، والشكر في الأصل هو الاعتراف بالنعم باللسان والإقرار بها بالقلب، والقيام بطاعة الْمُنعِم في الجوارح، وعلى هذا قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
يدي (الجوارح)، لساني (اللسان)، الضمير المحجب هو (القلب)، فتعترف بقلبك أن النعمة من الله، وتنطق بذلك بلسانك ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وتشكر الله بجوارحك، تقوم بطاعته، ولهذا فسَّر بعض العلماء الشكر بأنه طاعة الْمُنعِم.
هناك نوع خاص من أنواع الشكر، وهو هذا السجود، لكن هذا السجود كما قال المؤلف: (يُستحب عند تجدد النعم واندفاع النقم).
[ ١ / ١٧٤١ ]
وقوله: (عند تجدد النعم) يعني عند النعمة الجديدة احترازًا من النعمة المستمرة، النعمة المستمرة لو قلنا للإنسان: إنه يستحب أن تسجد لها لكان الإنسان دائمًا في سجود؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والنعمة المستمرة دائمًا مع الإنسان، سلامة السمع، وسلامة البصر، وسلامة النطق، وسلامة الجسم، كل هذا من النعم، التنفس من النعم، ومن الذي يُحصي التنفس؟
لهذا نقول: عند تجدد النعم الجديدة الطارئة، مثال ذلك: إنسان نجح في الاختبار وهو مشفق ألا ينجح، نقول هذه أيش؟ تجدد نعمة، يسجد لها، إنسان سمع انتصارًا للمسلمين في أي مكان، هذا تجدد نعمة، يسجد لله شكرًا، إنسان بُشِّر بولد، هذه تجدد نعمة يسجد لها، وعلى هذا فَقِس. وليس هذا على سبيل الوجوب، بل هو على سبيل الاستحباب، اندفاع النِّقم، رجل حصل له حادث في السيارة، وهو يسير وانقلبت السيارة، وخرج سالِمًا هنا يسجد أو لا؟
يسجد؛ لأن هذه النقمة وُجِد سببها وهو الانقلاب، لكنه سلِم، فنقول: الآن اندفعت عنك نقمة وُجِد سببها فاسجد للشكر.
إنسان شب في بيته حريق فيسَّر الله القضاء عليه وأطفأها، هذا أيضًا اندفاع نقمة، يسجد لله تعالى شكرًا، كذلك أيضًا إنسان سقط في بئر، فخرج سالمًا، هذا اندفاع نقمة، يسجد للشكر.
المهم أن المراد بذلك اندفاع النقم أيش المستمر ولَّا المتجدد؟
المتجدد، الشيء الطارئ، أما المستمر فلا يمكن إحصاؤه، ولو أننا قلنا لإنسان: يستحب لك أن تسجد لكان دائمًا في سجود.
دليل ذلك أن رسول الله ﷺ كان إذا جاءه أمر يُسرُّ به سجد لله شكرًا (٨)، وكذلك عمل الصحابة، فإن علي بن أبي طالب ﵁ لما قاتل الخوارج وقيل له: إن في قتلاهم ذا الثُّدية الذي أخبر النبي ﷺ أنه يكون فيهم؛ سجد لله شكرًا (٩)؛ لأنه إذا كان ذو الثدية مع مقاتليه صار هو على الحق وهم على الباطل، فسجد لله شكرًا.
[ ١ / ١٧٤٢ ]
وكذلك كعب بن مالك ﵁ لما جاءه البشير، أو سمع صوت البشير بتوبة الله عليه سجد لله شكرًا (١٠)، وهذا ثابت في الصحيحين. إذن كلما تجددت النعم واندفعت النقم سُنَّ لك أن تسجد للشكر. كعب بن مالك هل هو من باب اندفاع النقم أو من باب تجدد النعم؟
طلبة: باب النعم.
طلبة آخرون: اجتماع الأمرين.
الشيخ: الأمرين، فهو من باب تجدد النعم حيث جدد الله له التوبة تاب الله عليه، واندفاع النقم حيث اندفع هجران المسلمين إياه، وصاروا يتكلمون معه ويعاملونه معاملة عادية.
قال: (وتبطل به) المؤلف -﵀- لم يبين كيف سجود الشكر، لكن الكتب المطولة بيَّنت أن سجود الشكر كسجود التلاوة، وبناء عليه تكون صفته على ما مشى عليه المؤلف أن يُكبِّر إذا سجد، وإذا رفع، ويجلس ويُسلِّم، ولكن الصحيح أنه يكبر إذا سجد فقط، ولا يكبر إذا رفع، ولا يُسلِّم على أن في التكبير عند السجود فيه شيء من النظر، لكن ورد فيه حديث في السنن صدَّر به ابن القيم -﵀- الكلام على سجود التلاوة في كتاب زاد المعاد.
يقول: (وتبطل به صلاة غير جاهل وناس) (تبطل به) يعني بسجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس) يعني صلاة من سجد عالِمًا بالحكم ذاكرًا له فإن صلاته تبطل.
مثال ذلك: رجل وهو يصلي سمع انتصار المسلمين في معركة من المعارك فسجد، نقول لهذا الساجد: إن كنت تعلم أن سجود الشكر في الصلاة يبطل الصلاة فصلاتك باطلة؛ لأنك زدت فيها شيئًا متعمدًا؛ يعني تعمدت الزيادة التي من جنس الصلاة فبطلت صلاتك، فإن كان لا يدري أن سجود الشكر في الصلاة مبطل لها فصلاته صحيحة؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
[ ١ / ١٧٤٣ ]
وكذلك لو نسي حينما بُشِّر بالخبر السار وهو يصلي سجد ناسيًا أنه لا يجوز سجود الشكر في الصلاة أو ناسيًا أنه في صلاة، فإن صلاته لا تبطل للآية التي ذكرت ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فإن كان عالِمًا ذاكرًا بطلت صلاته، لكن لاحظوا أن هذا لا يمكن أن يقع؛ يعني لا يمكن لشخص يعلم بأن سجود الشكر أثناء الصلاة مبطل لها، ويذكر ذلك، ثم يسجد؛ لأن معنى هذا أنه تعمد إبطال صلاته.
وما ذكره المؤلف صحيح؛ أي أن الصلاة تبطل بسجود الشكر؛ لأن هذا لا علاقة له بالصلاة بخلاف سجود التلاوة؛ لأن سجود التلاوة كان لأمر يتعلق بالصلاة وهو القراءة، أما الشكر ما له دخل في الصلاة، فإذا سجد للشكر أثناء الصلاة بطلت صلاته.
يبقى النظر ماذا نقول في سجدة (ص)؟
الفقهاء -﵏- يقولون: إن سجدة (ص) سجدة شكر، وعلى هذا فلو سجد الإنسان إذا مر بآية سجدة (ص)، وهو يصلي لبطلت صلاته؛ لأنها سجدة شكر، ولكن القول الصحيح في هذه المسألة أن السجدة في (ص) سجدة تلاوة؛ لأن سبب سجودي لها أنني تلوت القرآن لم يحصل لي نعمة، ولم يندفع عني نقمة، فإذا كان السبب هو تلاوتي لهذه الآية صارت من سجود التلاوة، وهذا القول هو القول الراجح كما سبق.
[ ١ / ١٧٤٤ ]
ثم قال المؤلف: (وأوقات النهي خمسة) أوقات النهي أيش النهي؟ يعني الأوقات التي نهى الشارع عن الصلاة فيها، عن أي صلاة؟ عن صلاة التطوع؛ ولهذا ذكر المؤلف هذه الأوقات في باب صلاة التطوع؛ يعني أوقات النهي عن صلاة التطوع خمسة، وذلك أن الأصل أن صلاة التطوع مشروعة دائمًا؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وعموم قول النبي ﷺ للرجل الذي قضى له حاجة فقال له النبي ﷺ: «سَلْ» -يعني اسأل شيئًا أكافئك به- قال: أسألك مرافقتك في الجنة -ما قال أسألك دراهم أو متاعًا، أسألك مرافقتك في الجنة- فقال النبي ﷺ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» -يعني أو تسألني غير ذلك- قال: هو ذاك -يعني لا أسألك غيره- قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (١١).
وعلى هذا فالأصل في صلاة التطوع أنها مشروعة كل وقت للحاضر والمسافر، هذا هو الأصل، لكن هناك أوقاتًا نهى الشارع عن الصلاة فيها، هذه الأوقات خمسة بالبسط، وثلاثة بالاختصار، يُفهم هذا من كلامه.
[ ١ / ١٧٤٥ ]
قال المؤلف ﵀: (أوقات النهي خمسة من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس) هذا واحد، فقول المؤلف: (من طلوع الفجر الثاني)، الفجر الثاني هو الفجر المعترض في الأفق، والفجر الأول مقدمة للفجر الثاني، لكنه لا يكون معترضًا في الأفق، يكون مستطيلًا في الأفق، وأظنكم تعرفون الفرق بين المستطيل وبين المعترض، ولهذا جاء في الحديث في وصف الفجر الثاني أنه المستطير بالراء، والأول المستطيل؛ المستطير يعني كالطير يمد جناحيه هكذا، فيكون النور عرضًا يعترض في الأفق من الشمال إلى الجنوب، الفجر الأول بالعكس يمتد طولًا من الشرق إلى الغرب هكذا، هذا الفجر الأول، الفجر الأول يبدو قبل الفجر الثاني بنحو نصف ساعة، ثم يضمحل ويرجع الجو مظلمًا، ثم يخرج الفجر الثاني.
قال أهل العلم: والفروق بينهما ثلاثة:
الأول: أن الفجر الثاني مستطير؛ يعني معترضًا، والأول مستطيل؛ يعني ممتدًا نحو وسط السماء.
الفرق الثاني: أن الفجر الثاني لا ظلمة بعده، والأول يظلم يزول.
الفرق الثالث: أن الفجر الثاني متصل بالأفق، والفجر الأول غير متصل؛ بمعنى أن الفجر الثاني تجده على وجه الأرض متصلًا، الفجر الأول لا، بينه وبين أسفل السماء سواد، ثم هذا البياض. فهذه ثلاثة فروق بين الفجر الأول والفجر الثاني.
المؤلف يقول: (من طلوع الفجر الثاني). احترازًا من أيش؟ من الفجر الأول.
(إلى طلوع الشمس) إلى أن تطلع الشمس؛ يعني يتبين قرصها، هذا واحد.
[ ١ / ١٧٤٦ ]
وقول المؤلف ﵀: (من طلوع الفجر الثاني) استدل لذلك بحديث ضعيف: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» (١٢)، ولا نافية، والأصل في النفي نفي الوجود، ثم نفي الصحة، ثم نفي الكمال. يعني إذا جاءت النصوص لا صلاة، لا وضوء، لا حج، لا صوم، فالأصل نفي الوجود، فإن كان الشيء موجودًا بحيث لا يمكن نفيه صُرِف إلى نفي الصحة، وصار هذا النفي نفيًا للصحة؛ لأن ما لا يصح شرعًا يكون معدومًا شرعًا، لو صلى الإنسان صلاة بغير وضوء، وأتى فيها بكل شيء فهي غير موجودة في الواقع؛ لأنها لا تصح شرعًا، فإن لم يمكن ذلك بحيث تكون العبادة صحيحة مع وجود هذا الشيء صار النفي لأيش؟ صار النفي للكمال، فمثلًا إذا قلنا: لا خالق إلا الله أيش هذا؟ نفي للوجود، يعني لا يوجد خالق إلا الله ﷿.
إذا قلت: لا صلاة بغير طهور، نفي الصحة، لماذا؟ لأن الإنسان ربما يصلي بغير طهور، ربما يصلي يقوم يستقبل القبلة، ويكبر، ويقرأ الفاتحة وكل شيء وهو غير متطهر، هذا لا يمكن أن تنفي الصلاة ذاتها، لماذا؟ لأنها موجودة، إذن النفي للصحة، لو كانت الصلاة صحيحة؛ يعني دل الدليل على أنها تصح صار النفي للكمال مثل: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» (١٣)؛ أي لا إيمان كامل. «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١٤). أي لا إيمان كامل، وعلى هذا فقِسْ.
«لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ»؛ يعني لا توجد الصلاة، ولَّا لا تصح؟ لا تصح.
[ ١ / ١٧٤٧ ]
ولكن القول الصحيح أن النهي يتعلق بصلاة الفجر؛ بالصلاة نفسها؛ وذلك لأنه ثبت في صحيح مسلم وغيره تعليق الحكم بنفس الصلاة: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (١٥)؛ ولأن النهي في العصر يتعلق بماذا؟ بالصلاة لا بالوقت، فكان الفجر مِثله يتعلق فيه النهي بنفس الصلاة، فإذا كان هذا هو القول الصحيح، فما الجواب عن الحديث الذي استدل به المؤلف؟
الجواب على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن الحديث ضعيف، تكلم فيه أهل العلم وضعَّفوه.
الثاني: على تقدير أن الحديث ليس بضعيف، وأنه حسن حجة يحمل قوله: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ» (١٦) على نفي المشروعية؛ يعني لا يُشرع للإنسان أن يتطوع بنافلة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
وهذا حق؛ فإنه لا ينبغي للإنسان بعد طلوع الفجر أن يتطوع بغير ركعتي الفجر؛ يعني لو دخلت المسجد، وصليت ركعتي الفجر، ولم يحِن وقت الصلاة، وقلت: سأستغل هذا الوقت بالتطوع نافلة، قلنا لك: لا تفعل؛ لأن هذا غير مشروع، لكن لو فعلت لم تأثم، وإنما قلنا: إنه غير مشروع؛ لأن الرسول ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين؛ يعني حتى تطويل الركعتين ليس بمشروع.
إذن القول الراجح أن ابتداء وقت النهي بعد صلاة الفجر، حتى تطلع الشمس هذا واحد.
الثاني: قال: (ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح) يعني برأي العين. (قِيد) بمعنى قدر، إذا طلعت الشمس فانظر إليها، إذا ارتفعت قدر رمح والرمح متر تقريبًا، إذا ارتفعت في سيرها في الأفق أو في سيرها حسب رأْي العين؟ حسب رأي العين؛ لأن هذا الذي مقداره رمح مسافات طويلة لا يعلمها إلا الله، لكن إذا ارتفعت قيد رمح في رأي العين خرج وقت النهي، يُقدَّر بالنسبة للساعات، يقدر باثنتي عشرة دقيقة إلى عشر دقائق؛ يعني ليس بطويل، لكن الاحتياط أن يزيد إلى ربع ساعة فنقول: بعد طلوع الشمس بربع ساعة ينتهي وقت النهي.
[ ١ / ١٧٤٨ ]
الثالث: قال: (وعند قيامها حتى تزول) (عند قيامها) أي: الشمس حتى تزول، وقيامها يعني منتهى ارتفاعها في الأفق؛ لأن الشمس ترتفع في الأفق، فإذا انتهت بدأت بالانخفاض، فعند قيامها حتى تزول هذا أيضًا وقت نهي، دليل ذلك حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب (١٧)، فالشاهد من هذا قوله: أن نصلي فيهن.
وأما ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ومن صلاة العصر إلى الغروب فقد ثبت عن عدة من الصحابة، عن ابن عباس وعمر وغيرهما، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر -أي بعد الصلاة على القول الراجح- حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب (١٨).
يقول: (الرابع من صلاة العصر إلى غروبها) لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد، أن الرسول ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
بقي إذا شرعت فيه حتى يتم. إذا شرعت فيه أي في الغروب حتى يتم، قرص الشمس إذا دنا من الغروب يبدو ظاهرًا بينًا كبيرًا واسعًا، فإذا بدأ أوله يغيب، ثم انتهى بالغيبوبة، فهذا هو وقت النهي إذا شرعت فيه حتى يتم، على أي شيء نستند على قوله في حديث عقبة: وحين تضيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب (١٩).
[ ١ / ١٧٤٩ ]
هكذا قرر المؤلف -﵀- الاستدلال، وجعل معنى تضيَّف للغروب يعني تشرع في الغروب، ولكن الظاهر خلاف ما قرره المؤلف من الاستدلال بهذا الحديث، وأن معنى تضيَّف يعني تميل للغروب، وينبغي أن يُجعل هذا الميل بمقدارها عند طلوعها؛ يعني قدر رمح، فإذا بقي على غروبها قدر رمح دخل الوقت النهي الذي في حديث عقبة، لكن مع ذلك ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إذا غاب القرص (٢٠)؛ يعني حتى يغيب، ولو استدل به المؤلف لكان الاستدلال أظهر وأبين، فهذه خمسة أوقات، قلها؟
طالب: من طلوع الفجر الثاني، ومن بعد صلاة العصر.
الشيخ: إلى وين؟
الطالب: من طلوع الفجر الثاني إلى الصلاة.
الشيخ: كيف إلى الصلاة؟
الطالب: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
الشيخ: هذا واحد، الثاني؟
الطالب: من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
الشيخ: هذا اثنين، حين يقوم قائم الظهيرة، هذه ثلاثة.
الطالب: ().
الشيخ: من بعد الفجر سواء الصلاة، ولا طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، هذا واحد.
الطالب: بعد طلوع الشمس.
الشيخ: بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح.
الطالب: وحين يقوم قائم الظهيرة.
الشيخ: وحين يقوم قائم الظهيرة، هذه ثلاث.
الطالب: () حتى تغيب الشمس.
الشيخ: حتى تشرع في الغروب، وإذا شرعت فيه حتى يتم، هذه خمسة، هذا بالتبسيط أو بالبسط، بالاختصار يمكن أن نجعلها ثلاثة، فنقول: من الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، حين يقوم قائم الظهيرة، ومن صلاة العصر حتى يتم غروب الشمس، نختصرها فنجعلها ثلاثة أوقات.
طالب: بالتفصيل يا شيخ صارت ستة.
الشيخ: لا خمسة.
الطالب: بداية بياض القرص إلى أن يختفي، هذا وقت يعتبر سادسًا.
[ ١ / ١٧٥٠ ]
الشيخ: لا، هذا اختلاف التفسير معنى تضيف، فإذا قلنا: (تضيَّف)؛ يعني تميل إذا بقي مقدار رمح اعتُبر شيئًا واحدًا مع الذي تشرع فيه () أن نجعله سادسًا، لكن ما رأيت أحدًا قال بذلك. هذه إذن خمسة، وبالاختصار ثلاثة، والأدلة سمعتموها، لكن ما الحكمة في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟
أولًا: يجب أن نعلم أن ما أمر الله به ورسوله فهو الحكمة، فعلينا أن نُسلِّم ونقول: إذا سألنا أي واحد يسألنا عن الحكمة في أمر من الأمور، الحكمة أمر الله ورسوله في المأمورات، الحكمة نهي الله ورسوله في المنهيات.
ودليل ذلك من القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ما نختار إلا أمر الله ورسوله.
وسُئلت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢١). فاستدلت بماذا؟ بالسُّنَّة، ولم تذكر العلة، وهذا هو حقيقة التسليم والعبادة أن تكون مُسلِّمًا لأمر الله ورسوله سواء عرفت حكمته أم لم تعرف، ولو كان الإنسان لا يؤمن بالشيء حتى يعرف حكمته لقلنا: إنك ممن اتبع هواه، فلا تمتثل إلا حيث ظهر لك أن الامتثال خير، هذا جواب انتبهوا له.
الحكمة الثانية: أن هذه الأوقات يعبد المشركون فيها الشمس، فلو قمت تصلي لكان في ذلك مشابهة للمشركين لكنه يرد علينا أن هذا التعليل ينطبق على ما كان من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قِيد رمح، وعلى ما كان حين تضيف الشمس للغروب إلى الغروب، لكن كيف ينطبق على ما كان من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، أو من بعد صلاة العصر إلى أن تتضيَّف الشمس للغروب؟ وكيف ينطبق على النهي في انتصاف النهار حين يقوم قائم الظهيرة؟ فهمت السؤال؟
[ ١ / ١٧٥١ ]
ماذا قلنا في العلة؟ لأن الصلاة في هذه الأوقات فيها مشابهة للمشركين الذين يسجدون للشمس عند طلوعها وعند غروبها كما علَّل بذلك الرسول ﵊، قلنا: يرد على هذا ما كان من النهي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تتضيف للغروب، وكذلك حين يقوم قائم الظهيرة، كيف عبادة المشركين؟
فنقول: لما كان الشرك أمره خطير، وشره مستطير سدَّ الشارع كل طريق يوصل إليه ولو من بُعْد، فلو أُذِن للإنسان أن يصلي بعد صلاة الصبح لاستمرت به الحال إلى أن تطلع الشمس، ولا سيما من عندهم رغبة في الخير، وكذلك لو أُذِن له أن يصلي بعد صلاة العصر لاستمرت به الحال إلى أن تغيب الشمس، فلما كان الشرك أمره خطير سُدَّت كل ذريعة توصل إليه ولو من بُعد، أما عند قيامها -يعني فيما عند الزوال- فقد علله النبي ﷺ بأن جهنم تُسجَّر في هذا الوقت يعني توقد، يُزاد في وقودها، فناسب أن يبتعد الناس عن الصلاة في هذا الوقت؛ لأنه وقت تسجير النار، فهذه عِلَّة، فصار لو سئلنا: ما هي العلة؟
الجواب الأول: أن هذا مقتضى الشرع، وكون الشيء مقتضى الشرع كافٍ في كونه علة، واستدللنا لذلك بآية من القرآن وأثر عن مَنْ؟ عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١٧٥٢ ]
الثاني: أنه لا بأس أن نلتمس علة لهذا النهي، جاءت بها السنة، وهو أن المشركين إذا طلعت الشمس أو غابت سجدوا لها، فنُهِي المؤمن أن يصلي في هذه الأوقات لئلا يقع في مشابهة المشركين، والواجب على المسلم أن يكون مباينًا للمشركين في كل شيء؛ لأنه مسلم حتى إن عمر ﵁ لما كان الناس في عزة الإسلام كان لا يُمَكِّن أهل الذمة أن يركبوا الخيل؛ لأن بها عز الإسلام، وهي آلة الحرب، فلو ركب الذمي الخيل لحصل في نفسه عزة وأنفة، والمطلوب من المسلم أن يذل الكافر، هذا هو المطلوب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِين وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، وكان يمنعهم من أن يركبوا كما يركب المسلمون، بل يركبون عرضًا غير الخيل، يركبونها عرضًا، كيف يركبون عرضًا؟
أنت إذا ركبت جعلت الرجل اليمنى من اليمين واليسرى من اليسار، أما هم قال لهم عمر: لا تركبوا هكذا؛ لأنكم لو ركبتم هكذا ورآكم الناس قالوا: هؤلاء مسلمون، لكن لازم تميزوا عن المسلمين، كيف يركبون؟ يركبون على جانب واحد، اجعل رجليك من الجانب الأيمن كلها أو من الجانب الأيسر لئلا تشبه بالمسلمين، فكذلك نحن مثلًا في الصلاة خطيرة المسألة، إذا صلى الإنسان عند طلوع الشمس أو غروبها تشبه بالمشركين بأي شيء؟ بالعبادة، أهم من التشبه باللباس أو بالركوب أو ما أشبه ذلك.
الطالب: شيخ، قبر الموتى، وأن نقبر فيهن موتانا، ما العلة؟
الشيخ: لا، هذه الله أعلم، ما نعرف يعني النهي عن القبر في هذه الأوقات الله أعلم.
طالب: شيخ، الزمن يا شيخ بين قائم الظهيرة وزوالها؟
الشيخ: الزمن حوالي عشر دقائق فأقل، من العشر فأقل.
طالب: شيخ، هل يشترط يا شيخ في سجود الشكر استقبال القبلة؟
الشيخ: ذكرنا أنه كسجود التلاوة، وذكرنا في سجود التلاوة خلافًا.
[ ١ / ١٧٥٣ ]
طالب: شيخ، رجل يصلي من الليل، وكان يقرأ ونسي آية، فأخذ يكرر في تذكرها فتذكرها، فهذه نعمة من الله ﷿ فهل يشكر ()؟
الشيخ: لا، هذا ما يظهر، هذه نعمة في الحقيقة عادية ما هي إلى ذاك؛ ولهذا ما كان الرسول إذا ذُكِّر بآية سجد.
طالب: شيخ، بالنسبة للعلة، هذه () صلاة ذات السبب ما؟
الشيخ: إي، ما بعد وصلناها، وإلا كما قلت: التي لها سبب تزول هذه العلة فيها، ولهذا كان القول الراجح أن ذوات الأسباب تُفعل حتى في وقت النهي.
طالب: شيخ، سجود الشكر مثلًا من بعدما وضعت () تسجد ()؟
الشيخ: إي وأيش تقولون؟ الأخ يبغيها تسجد وهي نفساء! !
إذا قلنا باشتراط الطهارة كيف تسجد؟ !
طالب: ().
الشيخ: إذا قلت: إنها لا يشترط. إذا كان هناك طلق صعب يعني خافت منه الموت فتسجد؛ لأن هذا خلاف العادة، أما إذا كان على العادة فهو عادة، الإنسان مثلًا إذا بال أو تغوط، ما هي من نعمة الله أنه خرج هذا البول والغائط، ولَّا لا؟
هل يسجد للشكر؟ ما يسجد. لكن لو انحبس بوله أو غائطه ووجد من ذلك مشقة، ثم أخرجه الله يسجد ولَّا لا؟ يسجد، ليش؟ لأن هذا خارج عن المعتاد؛ تجدُّد نعمة أو اندفاع نقمة.
طالب: بعض الناس إذا قرأ آية التلاوة يقوم فيسجد فيخر ساجدًا وهو قائم؟
الشيخ: ذكرنا في هذا خلافًا، وأن ظاهر السنة ألا يقوم الإنسان.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- سجود الشكر، هل هو على الفورية أو على التراخي، ركب السيارة وحدث شيء من مستلزمات الشكر، هل على التراخي أو إذا نزل من السيارة؟
الشيخ: كل عبادة ذات سبب فهي مرتبطة بسببها على الفور، ويستطيع أن يسجد في السيارة بالإيماء؛ لأن هذه نافلة.
الطالب: إذا كان الفاصل يسيرًا؟
الشيخ: لا، الفاصل يسير ما يضر يعني مثلًا بس بيوقف السيارة وينزل، ما فيه شيء.
طالب: شيخ ().
الشيخ: لا يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، هؤلاء صلوا مع الجماعة تبعًا.
[ ١ / ١٧٥٤ ]
طالب: شيخ، () حديث يقول: إنه في الصحيحين عن النبي ﵊ قال: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا تُصَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ» (٢٢)
الشيخ: لا، ما هو بصحيح، ما هو في الصحيحين. ()
***
طالب: قضاء الفرائض فيها، وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي الطواف، وإعادة جماعة، ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن أوقات النهي خمسة، فعُدَّها علينا؟
الطالب: الأول: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، والثاني: من طلوع الشمس إلى الارتفاع قيد رمح. والثالث: عند قائم الظهيرة إلى أن تزول.
الشيخ: عند قيامها حتى تزول.
الطالب: والرابع من صلاة العصر حتى تغرب.
والخامس: من الغروب حتى تغيب.
الشيخ: من الغروب حتى تغيب؟ !
الطالب: لا، الخامس من بعد صلاة العصر.
الشيخ: الرابع من صلاة العصر إلى؟
الطالب: إلى الغروب.
الشيخ: والخامس؟
الطالب: حتى تغيب.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الأول: من طلوع الفجر.
الشيخ: انتهينا الأول، والثاني، والثالث، والرابع!
الطالب: من بعد صلاة العصر إلى الغروب.
الشيخ: والخامس؟
الطالب: بداية الغروب حتى تغيب الشمس.
الشيخ: إي؛ يعني إذا شرعت في الغروب حتى يتم غروبها. هذا ما يراه المؤلف والقول الخامس.
طالب: اللي هو قبل أن تغيب برمح.
الشيخ: نعم، قبل أن تغيب برمح؛ يعني إذا كانت من الغروب نظير ما كانت عليه بعد الشروق دخل الوقت المضيّق. هذه خمسة أوقات يمكن أن نختصرها ولَّا لا؟ إلى كم نختصرها؟
الطالب: ثلاثة؛ من طلوع الفجر الثاني إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، عند قيامها حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب.
الشيخ: وسبق لنا أن القول الراجح أن ابتداء وقت النهي في الفجر من؟
الطالب: من بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس.
[ ١ / ١٧٥٥ ]
الشيخ: من بعد صلاة الفجر، وليس من طلوع الفجر؛ لأن هذا هو الثابت في صحيح مسلم وغيره أنه من صلاة الفجر.
هذه الأوقات الخمسة يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (يجوز قضاء الفرائض فيها) يعني هذه الأوقات الخمسة تحرم فيها الصلاة (إلا ما استثني منها) أي: مما استثني ما ذكره في قوله: (يجوز قضاء الفرائض فيها) أي في هذه الأوقات، مثل أن ينسى الإنسان الصلاة؛ صلاة فريضة، نسي صلاة الظهر وصلى العصر على أنه قد صلى الظهر، وبعد أن صلى العصر ذكر أنه لم يصلِّ الظهر، ففي هذه الحال يقضيها ولو بعد صلاة العصر، الدليل قوله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٢٣)، وهذا عام يشمل جميع الأوقات؛ ولأن الفرائض دين واجب فوجب أداؤه على الفور من حين أن يعلم به، هذا تعليل.
مثال آخر: رجل لما صلى العصر وجد على ثوبه أثر جنابة من قيلولة قالها، أو لا يصح هذا المثال، لا يصح هذا المثال؛ وذلك لأنه إذا كان عليه جنابة من قيلولة قالها قبل الظهر فصلاة الظهر لم تصح وصلاة العصر لم تصح، وحينئذٍ لا يدخل وقت النهي، لكن لو فُرض أنه وجد عليه نجاسة أصابته في ثوب له خلعه، وكانت هذه النجاسة مما لا يُعفى عنه على المشهور من المذهب، ففي هذه الحال يلزمه أن يعيد صلاة الظهر ولو بعد صلاة العصر. المهم أن قضاء الفرائض يجوز في أوقات النهي، والدليل ما سمعتم، والتعليل أيضًا ما سمعتم، هذه واحدة.
قال: (وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف) يعني بها القصيرة التي ذُكرت في حديث عقبة بن عامر، وهي من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تضيفت للغروب حتى تغرب لقول عقبة بن عامر: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا (١٩)، وذكر هذه الأوقات الثلاثة.
[ ١ / ١٧٥٦ ]
فيجوز فعل ركعتي طواف؛ يعني إذا طاف الإنسان بعد طلوع الشمس وقبل ارتفاعها قِيد رمح؛ فإنه يُصلِّي ركعتي الطواف.
إذا طاف عند قيام الشمس؛ يعني عند الظهر فإنه يصلي ركعتي الطواف.
إذا طاف حين تتضيف الشمس للغروب فإنه يصلي ركعتي الطواف، فما الدليل؟ قول النبي ﵊: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (٢٤).
وهذا صريح في أنه لا يجوز لهم أن يمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت في أي ساعة كانت؛ لا في العصر، ولا في الصبح، ولا في أي وقت، ولكن قد يُنازَع في الاستدلال بهذا الحديث، فيقال: إن هذا الحديث مُوجَّه إلى من تولى البيت فإنه لا يجوز له أن يمنع أحدًا من الطواف، ولكن الشرع له حُكم بالمنع في أوقات النهي؛ لأننا لو أخذنا بعموم الحديث لكان دالًّا على أنه لا نهي عن الصلاة في المسجد الحرام سواء كانت ركعتي الطواف أم لم تكن؛ لأنه قال «طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ»، طاف وصلى، فلو أخذنا بظاهره لكان دالًّا على أنه لا نهي عن الصلاة في المسجد الحرام، ولو في أوقات النهي، ولكن نقول: إن هذا الحديث موجه إلى أين؟ إلى من تولى البيت، فليس له الحق في أن يمنع أحدًا من الصلاة فيه، ثم هل يصلي أو لا يصلي، هذا يتوقف على إذن الشارع إن أذن له أن يصلي صلَّى، وإن لم يأذن فلا يصلي، ولذلك ربما ينازِع منازِع في الاستدلال بهذا الحديث؛ من وجهين:
الوجه الأول: أن ظاهره أنه لا بأس بالصلاة ولا بالطواف في كل وقت، وأنتم تخصون الصلاة بماذا؟ بركعتي الطواف.
ثانيًا: أنه -أي الحديث- مُوجَّه إلى الولاية؛ يعني إلى ولاة الأمر في المسجد الحرام؛ أنه لا يحل لهم أن يمنعوا أحدًا من الصلاة فيه، ثم هل تجوز الصلاة أو لا تجوز، هذا موكول إلى الشرع، والشرع بيَّن أنه لا صلاة في هذه الأوقات المنهي عنها.
[ ١ / ١٧٥٧ ]
على كل حال سيأتينا -إن شاء الله- أن ركعتي الطواف جائزة لا لهذا الحديث، ولكن لأن لها سببًا، وذوات الأسباب يجوز فعلها في وقت النهي.
الثالث مما يستثنى: قول المؤلف: (في الأوقات الثلاثة)، مفهومه أن الوقتين الآخرين لا يجوز فيهما فعل ركعتي الطواف، ولكن هذا ليس بصحيح؛ إذ إن المفهوم هنا مفهوم.
أولوية، لا مفهوم مخالفة؛ لأنه إذا جازت الصلاة في الأوقات الثلاثة القصيرة، وهي أغلظ تحريمًا من أوقات العامة، ففي الأوقات الأخرى من باب أولى.
وليت المؤلف لم يقل في الأوقات الثلاثة، لكنه قال؛ لأن بعض العلماء قال: إن الأوقات الثلاثة القصيرة لا يجوز فيها فعل ركعتي الطواف، وإنما تجوز في الأوقات الطويلة. ما هما الوقتان الطويلان؟
طلبة: ().
الشيخ: من صلاة العصر إلى أن تتضيَّف الشمس للغروب، ومن طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس. هذه الأوقات الطويلة.
عندنا الآن نقول: يجوز في الأوقات الثلاثة، وفيما سواها من باب أولى فعل ركعتي طواف.
الثاني: وإعادة جماعة؛ يعني أنه يجوز في هذه الأوقات -أوقات النهي- أن يعيد الإنسان الجماعة، إذا أتى مسجد جماعة ووجدهم يصلون وقد صلى فإنه يصلي معهم، ولو كان وقت نهي.
[ ١ / ١٧٥٨ ]
مثال ذلك: رجل صلى العصر في مسجده، ثم أتى إلى مسجد آخر ليحضر الدرس أو لغرض ما فوجدهم يصلون فإنه يصلي معهم؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ صلى ذات يوم صلاة الفجر في منى، فلما انصرف إذا برجلين قد اعتزلا لم يُصلِّيا مع الناس، فدعا بهما فجِيء بها ترعد فرائصهما -خوفًا وهيبة من رسول الله ﷺ؛ يعني اتنفضوا كما نقول- فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا؟». قالا: يا رسول الله، صلَّينا في رحالنا. فقال لهما: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (٢٥) «إِنَّهَا» أي: الصلاة الثانية «لَكُمَا نَافِلَةٌ» تطوع، وهذا صريح في جواز النفل في وقت النهي من أجل موافقة الجماعة.
انتبه هذا الحديث يدل على أنه تجوز إعادة الجماعة في وقت النهي، وهو صريح في هذا؛ لأنه جيء بهما بعد صلاة الفجر؛ يعني قد دخل وقت النهي.
وفي هذا الحديث دليل على أنه يُنكر على من جلس والناس يصلون؛ لأن ذلك شذوذ وخروج عن الجماعة، ومن هذا ما يفعله بعض الناس في قيام رمضان، إذا صلوا مع إمام يصلي ثلاثًا وعشرين ركعة، قالوا: نحن لا نزيد على عشر ركعات، ثم جلسوا، إما يتحدثون فيُشوِّشون على من حولهم، وإما يقرؤون فيما بينهم قرآنًا؛ يعني كل واحد يقرأ مع نفسه، وهذا لا شك أنه حرمان، وشذوذ عن الأمة، والشرع يريد من الأمة أن تكون مُتَّفِقة لا مختلفة، فهؤلاء أصابوا من وجه وأخطؤوا من وجه، وخطؤهم أعظم من صوابهم، صحيح أن الأفضل أن يقتصر الإنسان على إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك نهي عن الزيادة.
[ ١ / ١٧٥٩ ]
على كل حال فيه دليل على أنه ينبغي للإنسان ألا يتخلف عن الجماعة، بل يصلي معهم حتى إن النبي ﷺ قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (٢٦) وفي لفظ: «إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ» (٢٧). يعني حتى لو عليك فريضة تبغي تؤديها والإمام يصلي وتصلي وحدك لتؤدي الفريضة السابقة فأنت منهي عن ذلك «لَا صَلَاةَ إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ».
واستدل بعض الناس بهذا الحديث على جواز إقامة الجماعة في الرحل دون المسجد؛ يعني أنه لا يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد، بل يجوز أن يصلي جماعة في رحله، وعلى هذا فإذا كنا جماعة في بيت، وأذَّن المؤذن فإنه يجوز لنا أن نصلي في بيتنا، ولا نذهب إلى المسجد؛ لقولهما: صلينا في رحالنا. فقال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ» (٢٨)، ولم يقل: لا تُصلِّيا في رحالكما، بل صَلِّيا في الجماعة في المسجد، وهذا لا شك أنه فيه شيء من الشبهة، وهنا فيه فِعْل الصحابيين، وفيه إقرار، أما مجرد فعلهما فليس فيه دليل بلا شك.
ويَحْرُمُ تَطَوُّعٌ بغَيْرِها في شيءٍ مِن الأوقاتِ الخمسةِ حتى ما له سَبَبٌ.