تَلْزَمُ الرجالَ الصلواتُ الخمْسُ لا شَرْطًا،
صحيح أن الأفضل أن يقتصر الإنسان على إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك نهي عن الزيادة.
على كل حال فيه دليل على أنه ينبغي للإنسان ألا يتخلف عن الجماعة بل يصلي معهم؛ حتى إن النبي ﷺ قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (١). وفي لفظ: «إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ»، يعني حتى لو عليك فريضة تبغي تؤديها والإمام يصلي، وتصلي وحدك لتؤدي الفريضة السابقة؛ فأنت منهيّ عن ذلك «لَا صَلَاةَ إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ».
[ ١ / ١٧٦٠ ]
واستدل بعض الناس بهذا الحديث على جواز إقامة الجماعة في الرَّحْل دون المسجد؛ يعني أنه لا يجب على الإنسان أن يُصلِّي مع الجماعة في المسجد، بل يجوز أن يُصلِّي جماعة في رَحْله، وعلى هذا؛ فإذا كنا جماعة في بيت، وأذَّن المؤذن، فإنه يجوز لنا أن نصلي في بيتنا، ولا نذهب إلى المسجد؛ لقولهما: صلَّينا في رحالنا فقال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ» (٢). ولم يقل: لا تصليا في رحالكما، بل صلِّيا في الجماعة في المسجد، وهذا لا شك أنه فيه شيء من الشُّبهة، وهنا فيه فعل الصحابيين، وفيه إقرار؛ أما مجرد فعلهما فليس فيه دليل بلا شك؛ لأنه يحتمل أنهما لم يعلما بوجوب الصلاة في المسجد، ويحتمل أنهما ظنَّا أن الجماعة قد أُقيمت، وأنهما لا يدركان جماعة المسجد فصلَّيَا في رحالهما، لكن اللي فيه الإشكال قوله: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا»، ولم يقل: لا تصليا في رحالكما، ولا شك أن هذا فيه شُبهة، وفيه شيء من المستند لمن قال بأنه لا تجب الصلاة في المسجد، ولكن هناك أدلة أخرى أصرح من هذا، والقاعدة الشرعية عندنا: أنه إذا وجد دليل مشتبِه ودليل محكم لا اشتباه فيه، فما الواجب؟ حمل المشتبه على المحكم.
فيه أحاديث تدل على أنه لا بد من الحضور في المسجد، مثل حديث أبي هريرة، أن الرسول ﵊ قال: «ثُمَّ أَنْطَلِق إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (٣). «إِلَى قَوْمٍ»، مع أن القوم يمكن أن يصلوا جماعة في مكانهم، فجعل تخلفهم مُوجبًا لإحراقهم بالنار، الذي هم به ﵊.
ومنها: أن النبي ﷺ لما استأذنه الرجل الأعمى أن يصلي في بيته أذِن له؛ ثم دعاه، فقال: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟». قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ». (٤) ولم يقل: انظر من يصلي معك.
[ ١ / ١٧٦١ ]
فالصحيح في هذه المسألة: أنه لا بد من حضور المسجد، ويجاب عن حديث الرجلين بأنه من المشتبِه، والواجب حملُه على المحكم الذي لا اشتباه فيه.
كم استثنى المؤلف مما يجوز في أوقات النهي؟
طالب: ثلاث.
الشيخ: ثلاث: قضاء الفرائض فيها، فعل ركعتي الطواف، إعادة الجماعة.
ثم قال: (ويحرم تطوع بغيرها) إلى آخره.
فيه أيضًا مستثنى غير هذا على المذهب؛ وهي سُنة الظهر التي بعدها إذا جُمعت مع العصر، مثل: رجل مريض يجمع الظهر والعصر، فصلى الظهر والعصر، فقد دخل وقت النهي في حقه، حتى وإن كان لم يُؤذن أذان العصر؛ يعني لو فُرض رجل جمع العصر مع الظهر جمْع تقديم، فقد دخل وقت النهي في حقه؛ لأن النهي معلق بماذا؟ بالصلاة، في هذه الحال لم يُصلِّ راتبة الظهر البعدية؛ نقول: لا بأس أن تصليها بعد العصر. هذه أربعة.
الخامس: من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فإنه يصلي ركعتين خفيفتين؛ ودليل ذلك: أن رجلًا دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فجلس، فقال له: «أَصَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٥).
فلو فُرض أن الإمام جاء قبل أن تزول الشمس، والجمعة يجوز أن يحضر الإمام فيها قبل الزوال، وشرع في الخطبة عند قيام الشمس وقبل أن تزول؛ يعني: في وقت النهي، ودخل رجل، ففي هذه الحال نقول: صلِّ تحية المسجد ولو في وقت النهي، والدليل: هذا الحديث الذي ذكرناه، فهذه خمس مسائل.
السادسة: صلاة الجنازة تُفعل في أوقات النهي؛ يعني: لو صلّينا العصر، وحضرت جنازة، فإننا نصلي عليها؛ هذه ست مسائل تجوز في أوقات النهي، وعرفتم الدليل في قضاء الفرائض، والدليل في ركعتي الطواف، والدليل في إعادة الجماعة، والدليل فيمن دخل والإمام يخطب.
[ ١ / ١٧٦٢ ]
أما من جَمَعَ الظهر والعصر، فدليله هو أن سُنَّة الظهر التي بعدها سُنَّة راتبة، ولا يمكن أن يفصل بين الظهر والعصر بها؛ لأن الجمع لا بد فيه من التوالي، فلا يمكن الجمع بدون توالي، فصار جوازها بعد صلاة العصر جواز ضرورة، وأما صلاة الجنازة فلعموم الأدلة في وجوب الصلاة على الميت، وفي أنه ينبغي الإسراع في دفنه.
يقول المؤلف ﵀: (ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة).
الأوقات الخمسة عرفتموها أنها بالبسط خمسة على المذهب، الآن نعدها على المذهب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، من طلوعها حتى ترتفع قيد رمح عند قيامها حتى تزول من صلاة العصر حتى تشرع في الغروب إذا شرعت فيه حتى يتم.
يقول المؤلف: (ويحرم تطوع بغيرها) أي: بغير المتقدمات من إعادة الجماعة، وركعتي الطواف، وتحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب.
(حتى ما له سبب) يعني: لا يجوز التطوُّع في هذه الأوقات حتى الذي له سبب؛ وذلك لعموم الأدلة في أنه «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٦)، وحديث عقبة بن عامر: أن نُصلِّي فِيهنَّ (٧)، وما أشبه ذلك.
قالوا: فالعموم مُقدَّم على العموم الثاني؛ لأن الذي له سبب في الواقع تعارض مع أحاديث النهي حيث كان كل منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه، ولنأخذ مثلًا: تحية المسجد، فيها قوله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٨). هذا فيه عموم في الوقت، مستفاد من قوله: «إِذَا دَخَلَ»؛ لأن (إذا) شرطية ظرفية؛ يعني في أي وقت يدخل المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، هذا العموم.
فيه خصوص؛ وهو أن هذه الصلاة المأمور بها على سبيل العموم صلاة مخصوصة، وهي تحية المسجد؛ ففيه عموم وفيه خصوص.
[ ١ / ١٧٦٣ ]
«لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (٩)، فيه عموم، وفيه خصوص؛ العموم في الصلاة في قوله: «لَا صَلَاةَ»، العموم لا تحية مسجد ولا غيرها، لا صلاة، الخصوص: الزمن «بَعْدَ الْعَصْرِ»، فصار عموم الزمن في قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ». مخصوصًا بخصوص الزمن في قوله: «بَعْدَ الْعَصْرِ»، وصار عموم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» يتعارض مع خصوص تحية المسجد؛ فلهذا صار بينهما عموم وخصوص؛ فإذا دخل إنسان المسجد إن قلت له: صلِّ خالفت النهي، ووافقت الأمر، وإن قلت: لا تُصلِّ وافقت النهي وخالفت الأمر، إذن ماذا؟ هل أوافق الأمر أو أوافق النهي؟ يقول المؤلف: وافق النهي؛ يعني معناه انتهِ لا تخالف النهي فلا تُصلِّ.
عِلّتهم في ذلك يقولون: إنه اجتمع مُبيح وحاظِر، أو اجتمع أمر ونهي؛ فالاحتياط التجنب خوفًا من الوقوع في النهي، كما قالوا: إذا اجتمع مُبيح وحاظر قُدِّم الحاظر؛ فلذلك نمنع ونقتصر على ما ورد به النص من إعادة الجماعة وركعتي الطواف وما أشبهها.
وذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح الأمر الخاص، وعلَّلوا ذلك بأنه تعارَض عامَّان وخاصَّان؛ والعام في النهي مخصوص بمسائل مُتفق عليها.
[ ١ / ١٧٦٤ ]
ما هو العام في النهي؟ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (١٠)، مخصوص بمسائل متفق عليها، وهي قضاء الفرائض؛ متفق عليها، إعادة الجماعة؛ متفق عليها، ركعتا الطواف متفق عليها، ركعتا تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة؛ متفق عليها، فلما كان هذا العموم مخصوصًا بمسائل متفق عليها؛ صارت دلالته على العموم ضعيفة؛ لأنه صار عمومًا مُخرَّقًا؛ يعني مستثنى فيه أشياء متفق عليها، فضعف عمومه؛ حتى إن بعض العلماء من الأصوليين قال: إن العام إذا خُصّ بطلت دلالته على العموم نهائيًّا؛ لأن تخصيصه يدل على عدم إرادة العموم، وإذا بطل عمومه لم يكن معارِضًا للأحاديث الدالة على فعل هذه الصلوات التي لها سبب.
ولهذا نقول: إن القول الصحيح في هذه المسألة: أن ما له سبب يجوز في أوقات النهي كلها، الطويلة والقصيرة؛ لأن عمومه محفوظ، هذا واحد، والعموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص؛ لأن معنى محفوظ أنه لم يُخصَّص، فهذا العموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص.
ثانيًا: أن نقول: ما الفرق بين العموم في قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١١). وقوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٨)؟
فإذا قلتم: إن قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا» عام في الزمن فليكن قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ» عامًّا في الزمن ولا فرق؛ فإن قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» خاص في الصلاة عام في الزمن.
[ ١ / ١٧٦٥ ]
كذلك «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» خاص في الصلاة، عام في الزمن، فكيف تأخذون بعموم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا»، وتقولون: إنه مخصص لعموم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ» أو «بَعْدَ الْعَصْرِ» ولا تأخذون بعموم: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»؟ فالصحيح أن ما له سبب يُفعل في أوقات النهي للأوجه الآتية:
أولًا: أن عمومها محفوظ؛ والعموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص.
ثانيًا: أنها مقرونة بسبب، فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين؛ لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ لئلَّا يتشبه المصلي بالمشركين الذين يُصلُّون لها -أي للشمس- إذا طلعت وإذا غربت، فإذا أُحِيلت الصلاة على سبب معلوم كانت المشابهة بعيدةً أو غير بعيدة؟ بعيدة؛ لأن أي واحد يقول: ليش أصلي الآن؟ قال: لأنه دخل المسجد مثلًا؛ لأنه توضأ، والوضوء يسن عقبه الصلاة.
ثالثًا: أنه في بعض ألفاظ أحاديث النهي: «لَا تَتَحَرَّوُا الصَّلَاةَ» (١٢)، والذي يصلي لسبب هل يقال: إنه متحرٍّ للصلاة عند طلوع الشمس وغروبها؟ لا، ما يقال إنه متحرٍّ، بل يقال: صلَّى لسبب.
المتحرّي: هو الذي يرقب الشمس، فإذا قاربت الطلوع مثلًا قام وصلَّى، أو الذي يرقُب وقت النهي، فإذا جاء وقت النهي قام فصلى؛ فلهذه الوجوه الثلاثة كان القول الراجح أن ما له سبب يجوز أن يُصلَّى في أوقات النهي، وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، وشيخنا عبد العزيز بن باز، وهو الراجح، المهم أن الأدلة تؤيد هذا القول.
[ ١ / ١٧٦٦ ]
وعلى هذا؛ فإذا دخلت المسجد لصلاة المغرب قبل الغروب بربع ساعة هل تجلس أو تُصلِّي؟ تُصلِّي ولا حرج، بل لو جلست لكنت واقعًا في نهي الرسول ﷺ عن الجلوس لمن دخل المسجد حتى يصلي ركعتين.
وقول المؤلف: (حتى ما له سبب) إشارة إلى أي شيء؟ إلى الخلاف في هذه المسألة، مع أن الخلاف قوي، وقد ذكر بعض المتأخرين أنهم إذا قالوا: (ولو كذا) فالخلاف قوي، وإذا قالوا: (وإن كان كذا) فالخلاف أضعف؛ يعني قوي، ولكنه أضعف، وإذا قالوا: (حتى) فالخلاف ضعيف.
ولكن الخلاف في هذه المسألة قوي جدًّا، لا من حيث الدليل، ولا من حيث المخالفين.
ما تقولون في رجل توضأ بعد صلاة العصر؟ هل يصلي سُنّة الوضوء أو لا يُصلي؟
طلبة: يصلي.
الشيخ: لا، إن قلتم: يُصلِّي؛ فخطأ، وإن قلتم: لا يصلي؛ فخطأ، إن توضأ ليصلي؛ فلا يجوز؛ لأنه تعمَّد الصلاة في أوقات النهي، وإن توضأ للطهارة؛ فحينئذ يُصلي على القول بأنه يجوز أن يصلي النافلة التي لها سبب في أوقات النهي، أما على رأي من يقول: إنه لا يُصلَّى من النوافل إلا ما خصَّصوها، فلا يجوز.
لو أن رجلًا تقدم إلى صلاة المغرب يوم الجمعة في آخر النهار من أجل أن يصلي تحية المسجد حتى يشمله الحديث: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (١٣)، فهل نقول: إن هذا حرام، أو نقول: إن هذا جائز؟
طالب: الأول.
الشيخ: نقول: إن قصد المسجد ليصلي؛ فهذا حرام، كما قلنا: لو توضأ ليصلي، وإن قصد المسجد من أجل التقدم لصلاة المغرب، ثم لما دخل قام يُصلي ركعتين من أجل أنه دخل المسجد؛ فهذا لا بأس به، حتى وإن كان لا يتقدم إلا يوم الجمعة؛ فإنه لا بأس به.
إذن هناك فرق بين من يتوضأ ليصلي، وبين من يتوضأ لا للصلاة، ولكن قلنا له: إذا توضأت فصلِّ، أليس كذلك؟
ثم قال المؤلف ﵀: باب صلاة الجماعة.
[ ١ / ١٧٦٧ ]
طالب: السلام عليك يا شيخ، ما نجاوب عن حديث الرجلين بمنى، نقول مثلًا: الصلاة في منى ما تُشرع في المسجد؛ يعني يجوز الصلاة في الراحلة أصلًا.
الشيخ: المسجد مبني؟
الطالب: في منى يا شيخ.
الشيخ: إي.
الطالب: الآن المشروع يا شيخ في منى الصلاة كيف تكون؟
الشيخ: المشروع في منى أنه إذا لم يشق أن يُصلوا في المسجد، لكن لا شك أن الصلاة في المسجد فيها صعوبة الآن، ولا حصل لك أيضًا، لو تروح ما حصل لك إلا في السوق الذي حول المسجد، وكله ملوَّث بنجاسات.
طالب: يُنكر يا شيخ على من لم يصلِّ سنة تحية المسجد بعد العصر؟
الشيخ: لا، ما ينكر؛ لأن بعض العلماء يقولون: ما تصلى، والمسائل الخلافية لا تنكر، لكن لا بأس أن تناقشه إذا كان أهلًا للنقاش، أما إذا كان مُقلِّدًا، إذا كلمته قال: ما أنت بأعرف من فلان، فهذا ما يمكن تقول له.
طالب: تحية المسجد في مُصلَّى العيد؟
الشيخ: نعم، مُصلَّى العيد يُصلَّى فيه تحية المسجد؛ لأنه مسجد؛ ولهذا منع النبي ﵊ الْحُيِّض منه، ولا تمنع المرأة الحائض إلا من مسجد.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قول الرسول ﷺ: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟». قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ» (١٤)، فهل هذا يحمل على النداء الذي بدون ميكرفون؟
الشيخ: هو الظاهر؛ لأننا لو اعتبرنا النداء بالميكرفون كان ما شاء الله يصل أقصى البلد.
الطالب: فلو أنكرنا على واحد ()، ولكن يسمعه ولو بالميكرفون يجوز له أن يصلي في بيته؟
الشيخ: ما يجوز إلا إذا كان فيه مشقة؛ لأن قول الرسول: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» معناه أنك لما سمعت النداء أجب؛ ولهذا لو فُرض أنك ما تسمع لطرش؛ يعني لصمم وجب عليك، ثم لو قلنا بهذا كان حصل فيه تلاعب؛ لأنه إذا كان الهواء من جهتك سمتعه يصير الفجر حيث إن الهواء شمال وأنت جنوب عن المسجد يجب عليك حضور الجماعة، والظهر لما كان الهواء جنوب وأنت جنوب عن المسجد ما تسمع نقول: ما تجب عليك؟ !
[ ١ / ١٧٦٨ ]
طالب: كيف نحملها على أنه ..؟
الشيخ: يعني معناه ما كان يسمعه لولا المانع وجب عليه.
طالب: شيخ، بالنسبة للأمر في قوله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٨).
الشيخ: النهي، هذا ما هو أمر، هذا نهي.
طالب: لا الأمر بالصلاة بس يا شيخ.
الشيخ: ولا أمر بالصلاة.
طالب: النهي عن عدم الجلوس قبل الصلاة، ما نوعه؟ يعني يجب أن الواحد يصلي ولَّا؟
الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ هل تحية المسجد واجبة أو لا؟
فمنهم من قال: إنها واجبة، واستدل بما ذكرت بالنهي؛ والأصل في النهي التحريم، واستدل بقول الرسول ﷺ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١٥)، فأمره أن يصلي ركعتين مع أنه يجب عليه الإنصات لسماع الخطبة، قالوا: ولا يمكن أن يُؤمر بشيء يتضمن ترك واجب إلا وهو واجب.
والحقيقة أن القول بوجوب تحية المسجد قول قوي جدًّا، وأنه يُخشى على من لم يُصلِّ تحية المسجد أن يكون آثمًا، لكن هناك أدلة قد يكون ظاهرها عدم الوجوب، مثل: دخول الرسول ﵊ يوم الجمعة المسجد، فيشرع في الخطبتين ويجلس بينهما دون صلاة، وإن كان هذا قد يقال: إن الخطبة تابِعة لصلاة الجمعة، وفيه أيضًا أن كعب بن مالك لما دخل المسجد بعد أن تاب الله عليه لم يُصلِّ ركعتين، وأقرَّه النبي ﵊ على ذلك، وتعلمون أن قصة كعب بن مالك متأخرة في السنة التاسعة، وفيه أيضًا قصة الثلاث رجال الذين دخلوا والنبي ﵊ جالس في أصحابه، فبعضهم جلس في الحلقة، وبعضهم استحيا وجلس خلفها، والثالث انصرف، وظاهره أنهم لم يصلوا، ولم يأمرهم النبي ﵊ (١٦).
المهم أن فيه أحاديث قد تمنع الإنسان من الجزم بوجوب تحية المسجد، لكن لا شك أن الذي يتركها على خطر، أما صلاة الكسوف؛ فالصحيح أنها واجبة، وأنه لو كسفت الشمس بعد صلاة العصر فإنها تُصلّى الكسوف.
[ ١ / ١٧٦٩ ]
طالب: هل يؤمر يا شيخ أن يصليها ..؟
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: مَنْ دخل المسجد ولم يُصلِّ؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان جاهلًا يُرشد، لكن ننكر عليه، نقول: يا فلان، أنت أخطأت؛ ما ننكر عليه، نرشده.
طالب: شيخ، فيه بعض الناس بالنسبة عندهم شبهة بالنسبة للجلوس وتحية المسجد والوقوف؛ يعني مثلًا أحد الطلاب رأيناه لا يتخذ مثلًا في وقت النهي؛ مثلًا صلاة الفجر، أو بعد المغرب؟
الشيخ: بعد المغرب ما فيه نهي!
طالب: يعني قبل المغرب؛ يعني يقرأ ما يصلي تحية المسجد، إذا سألناه يقول: أنا ما جلست ..
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ يعني يقول: ما يجلس، يقف، ولَّا يبقى يتردد في المسجد، ويقول: أنا ما جلست، نقول: هذا ظاهريّ ظاهريّ، فلا يجلس، الْمُكث في المسجد نوع من الجلوس؛ ولهذا نهى النبي ﵊ الحائض أن تطوف بالبيت مع أنها ما جلست فجعله مُكثًا مع الدوران مِن باب إضافة؟
طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه.
الشيخ: إلى سببه؛ يعني باب الصلاة التي سببها التطوع.
طالب: من باب إضافة الشيء إلى نوعه.
الشيخ: من باب إضافة الشيء إلى نوعه.
طالب: وأن الصلاة تجوز.
الشيخ: نعم، طيب ما هي الحكمة من صلاة التطوع؟
طالب: حكمتان؛ أولًا: ليزيد بها إيمان العبد. ثانيًا: لتكون تكملة لما نقص من الفرائض.
الشيخ: نعم، زيادة الإيمان والعمل الصالح، وتكميل ما نقص من الفرائض، وهكذا جميع التطوعات.
المؤلف رتَّب صلاة التطوع بناءً على أيش؟
طالب: بناءً على آكدها.
الشيخ: إي نعم، معلوم هي مرتبة على الآكدية، لكن على أي شيء من الآكدية؟
طالب: على أنها تفعل في جماعة.
الشيخ: نعم، رتَّب الآكدية على فِعلها في جماعة، فما كان يُفعل في جماعة فهو أَوْكد من غيره.
آكد صلاة التطوع؟
طالب: آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر.
الشيخ: تمام.
الوتر له صفات؟
طالب: أما الوتر فركعة واحدة، أو بثلاث يفصل بينهما بسلام أو جلوس.
[ ١ / ١٧٧٠ ]
الشيخ: يعني يُسلِّم من ركعتين، ويجوز السرد؟
طالب: ويجوز السرد.
الشيخ: ويجوز السرد، طيب.
طالب: ويُوتر بخمس أو سبع سردًا.
الشيخ: سردًا، لا يتشهد إلا في آخرها، تمام.
الطالب: يتشهد في الثامنة ويُسلِّم ويأتي بواحدة.
الشيخ: يتشهد؟
الطالب: يتشهد ولا يُسلِّم، ويأتي بالتاسعة ويُسلِّم.
الشيخ: ويأتي بالتاسعة ويُسلِّم. القنوت في غير الوتر، حكمه؟
طالب: حكمه إن كان نزل في المسلمين نازلة فيقول المؤلف: إنه () إن نزل، أما في غير النازِلة فلا يجوز.
الشيخ: فلا يقنت، لكن ما حكمه؟
الطالب: ما حكمه؟ كيف؟
الشيخ: في غير النازلة؟
الطالب: في غير النازلة مكروه.
الشيخ: مكروه إي نعم، وهو الحق، على قول المؤلف هو الحق.
هل يُستثنى من النوازل شيء؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: قال المؤلف: (في غير الطاعون).
الشيخ: الطاعون، لماذا؟
الطالب: لأن من يموت في الطاعون يكون شهيدًا، ولا ينبغي أن يدعو برفع شيء يكون سببًا لشهادته.
الشيخ: أحسنت، علَّلوا ذلك بأن الطاعون شهادة كما جاء به الخبر، ولا ينبغي أن يقنت في رفع شيء يكون سببًا للشهادة.
مَن الذي يُسنّ له القنوت في النوازل؟
طالب: الإمام الأكبر.
الشيخ: الإمام الأعظم؛ يعني الرئيس الأعلى في الدولة هو الذي يُسنّ له أن يقنت، أما من سواه؟
الطالب: من سِواه فقد اختُلف فيه.
الشيخ: فقد اختُلف فيه، والمؤلف يرى؟
الطالب: أنه في حق الإمام الأعظم.
الشيخ: ومن سِواه لا يقنت.
ما هي العِلَّة في أنه لا يقنت في النوازل إلا الإمام الأعظم؛ يعني بقية المساجد ما تقنت؟
الطالب: أن ذلك هو ().
الشيخ: أن النبي ﷺ قنت، ولم يُنقل أن غيره من المساجد قنتوا، هذه واحدة، هذا دليل.
طالب: الثاني: أنه لو قنت مثلًا مسجد فلان، وبقي مسجد فلان لقالوا: فلان كاره له، وفلان محب له، ().
الشيخ: لكن () ما نقول: كلهم يقنتون.
طالب: إذا جاء أمر ().
[ ١ / ١٧٧١ ]
طالب آخر: أن يجتمعوا يا شيخ في مسجد واحد.
الشيخ: لا، ما هو مشروع الاجتماع.
طالب: لأن السلطان له الولاية العامة.
الشيخ: فهو المعنيّ بشؤون المسلمين، وهذه نازِلة عامة في المسلمين فيقنت الإمام؛ ولهذا لو نزل بالإنسان نفسه نازلة، مثل هلك ماله أو ولده أو ما أشبه ذلك لا يسن له أن يقنت.
فيقولون: ما دامت النازِلة عامة فالمعنيّ بشؤون المسلمين هو الإمام، فيكون طلب القنوت موجهًا إليه.
التراويح كم عددها؟
طالب: إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، وقد تزيد.
الشيخ: أحسنت، والمؤلف ويش يرى؟
طالب: إحدى عشرة.
الشيخ: طيب.
طالب: المؤلف يرى أنها ثلاث وعشرون ركعة، التراويح ثلاث وعشرون ركعة.
الشيخ: مع الوتر ثلاث تكون ثلاثًا وعشرين، هذا الذي يراه المؤلف، والصحيح ما أجاب به الأخ أن التراويح إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة.
***
[باب صلاة الجماعة]
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(باب صلاة الجماعة
تلزم الرجال للصلوات الخمس لا شرط، وله فعلها في بيته، وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة الجماعة) الظاهر أن هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته؛ يعني باب الصلاة التي تُجمع وتفعل جماعة.
صلاة الجماعة مشروعة بإجماع المسلمين، وهي من أفضل العبادات، وأجلّ الطاعات، ولم يخالف فيها إلا الرافضة الذين قالوا: إنه لا جماعة إلا خلف إمام معصوم؛ ولهذا لا يُصلّون جمعةً ولا جماعةً، قال فيهم شيخ الإسلام ﵀: إنهم خربوا المساجد، أو هجروا المساجد، وعمروا المشاهد.
[ ١ / ١٧٧٢ ]
يعني: القبور؛ فهم لا يرون الجماعة، وإلا فإن المسلمين جميعًا اتفقوا على مشروعيتها، ولم يقل أحد بأنها غير مشروعة، ولا بأنها جائزة، ولا بأنها مكروهة، لكن اختلفوا في فرضيتها، هل هي فرض عيْن، أو فرض كفاية، أو سُنة مؤكدة؟ وهي واجبة كما سنذكره.
قال المؤلف: (تلزم الرجال) اللزوم: الثبوت، لزوم الشيء؛ يعني: ثبوته، وشيء لازم، أي: ثابت لا بد منه، والفقهاء -﵏- تارةً يُعبّرون بـ (تلزم)، وتارة يُعبِّرون بـ (تجب)، وتارة يُعبّرون بـ (فرض)، وما أشبه ذلك، وكلها عبارات مختلفة اللفظ متفقة المعنى، واللفظ المختلف مع اتفاق المعنى يُسمى عند علماء اللغة مترادفًا.
قال المؤلف: (تلزم الرجال) (تلزم) هذا وصف، و(الرجال) وصف، فنبدأ أولًا بذكر دليل الحكم الذي هو اللزوم؛ لأن تلزم؛ يعني ليست سنة، بل هي واجبة، ودليل وجوبها من كتاب الله وسُنة رسوله ﷺ.
ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] ﴿فَلْتَقُمْ﴾، واللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب. ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، ويؤكد أن الأمر للوجوب هنا أنه أُمِر بها مع الخوف مع أن الغالب أن الناس إذا كانوا في خوف يكونون متشوشين، يحبون أن يبقى أكثر الناس يرقب العدو.
﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ معهم حتى لا يفجأهم العدو، وظاهر الآية أنه لا فرق بين السلاح الخفيف والثقيل، والطاهر والنجس، كما لو كانت السيوف متلوِّثة بالدماء، وقد رخص العلماء -﵏- هنا في حمل السلاح النجس للضرورة.
﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ سجدوا بمعنى أتموا صلاتهم.
[ ١ / ١٧٧٣ ]
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ يعني: لم يصلوا مع الأولى ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، الطائفة الثانية أُمِروا بأمرين؛ بأخذ الحذر والسلاح، والأولى بأمر واحد؛ وهو أخذ السلاح، والسبب ظاهر؛ لأن الطائفة الثانية ربما تكون صلاتهم في وقت تَفطَّن العدو لهم، وعرف أن نصف الجند مشتغلون بالصلاة، فيكون توقع هجومه أقرب من توقُّع هجومه في الطائفة الأولى؛ ولهذا قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، فهنا أمر الله ﷿ بصلاة الجماعة، وتفريق الجند إلى طائفتين، فيُستفاد منه أن صلاة الجماعة فرض عين.
وجه ذلك أنها لو كانت فرض كفاية لسقط الفرض بصلاة الطائفة الأولى؛ إذن فهي فرض عين، يؤخذ من هذه الآية الكريمة أنها فرض، وفرض عين.
[ ١ / ١٧٧٤ ]
أما الأحاديث -يعني السنة- فكثيرة؛ منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (١٧). فقد هَمَّ بذلك؛ لكنه لم يفعل، ولم يمنعه من الفعل؛ لأن الصلاة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت غير واجبة ما صح أن ينطق بهذا اللفظ، لو كانت غير واجبة لكان هذا الكلام لغوًا لا فائدة منه، لكن الذي منعه -والعلم عند الله- أنه لا يعاقِب بالنار إلا رب النار ﷿ (١٨)، وإن كان قد روى الإمام أحمد وبعض أصحاب السنن أنه قال: «لَوْلَا مَا فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ» (١٩)، لكن هذه الزيادة ضعيفة، ولكننا لسنا بحاجة لها، نقول: الذي منعه هو أنه لا يُعاقِب بالنار إلا الله، ولولا الوجوب لكان هذا القول لغوًا لا فائدة منه، ويش الفائدة أنك تخبر بأنك هممت بأن تُحرِّق هؤلاء على أمر ليس بواجب عليهم؟ !
كذلك أيضًا: استأذنه رجل أعمى ألَّا يُصلِّي فقال له: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟». قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» (١٤).
وأيضًا أخرج أصحاب السنن أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ؛ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» (٢٠).
[ ١ / ١٧٧٥ ]
وصح في مسلم، جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: لقد رأيتنا -يعني مع رسول الله ﷺ- وما يتخلف عنها إلا منافِق أو مريض. أو قال: منافق معلوم النفاق أو مريض، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصَّف (٢١). إلى هذا الحد، الرجل مريض ويُؤتى به يُهادَى بين الرجلين، يُمشّى بين الرجلين شوي شوي حتى يُقام في الصف؛ ولأن ما فيها من المصالح والمنافع يدل على أن الحكمة بوجوبها.
ففيها: التواد بين الناس؛ لأن ملاقاة الناس بعضهم بعضًا، ومصافحة الناس بعضهم بعضًا تُوجِب المودة.
ثانيًا: فيها التعارف، ولهذا نجد أن الناس إذا صلَّى عندهم رجل غريب في المسجد، جعلوا يسألون عنه: من هذا؟ من الذي صلَّى معنا؟ فيحصل التعارف، والتعارف فيه فائدة؛ منها: أنه قد يكون قريبًا لك فيلزمك من صلته بقدر قرابته.
ومنها: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، بل من أعظم شعائر الإسلام؛ وهي الصلاة؛ لأن الناس لو بقوا يصلون في بيوتهم ما عُرف أن هنالك صلاةً.
ومنها: إظهار العز؛ عز المسلمين، إذا دخلوا المساجد، ثم خرجوا جميعًا بهذا الجمع.
ومنها: تعليم الجاهل؛ فإن كثيرًا من الناس يستفيد ما يُشرع في الصلاة بواسطة صلاة الجماعة، حيث يقتدي بمن إلى جنبه، ويقتدي بالإمام وما أشبه ذلك.
ومنها: تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع، وعدم التفرق؛ لأن هذا الاجتماع يُشكِّل اجتماع الأمة عمومًا؛ إذ إن الأمة عمومًا مجتمِعة على طاعة ولي أمرها وقائد مسيرتها، هذه الصلاة في الجماعة ولاية صُغرى؛ لأنهم يقتدون بمن؟ بإمام واحد، يتابعونه تمامًا؛ فهي تشكل النظرة العامة للإسلام؛ وهي أن المسلمين يجتمعون على إمام يقودهم حتى لا يختلفوا ويتشتتوا.
[ ١ / ١٧٧٦ ]
ومنها أيضًا؛ من فوائدها: ضبط النفس؛ لأن الإنسان إذا اعتاد على أن يتابع إمامًا متابعةً دقيقةً، إذا كبَّر فكبّروا متابعة، لا تتقدم ولا تتأخر كثيرًا، ولا توافِق، بل تابِع، فيتعود الإنسان بهذا ضبط النفس.
ومنها: استشعار الناس وقوفهم صفًّا في الجهاد، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، وهؤلاء الذين صاروا صفًّا في الجهاد؛ لا يتقدم بعضهم على بعض لا شك أنهم إذا تعودوا ذلك في الصلوات الخمس، كل يوم خمس مرات، سوف يكون وسيلةً إلى ائتمامهم بقائدهم في صف الجهاد حيث لا يتقدمون ولا يتأخرون عن أوامره.
ومنها: شعور المسلمين بالمساواة؛ لأنه في هذا المسجد يجتمع أغنى الناس إلى جنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا فيشعر الناس بأنهم سواء، ولهذا أُمِروا بمساواة الصفوف حتى قال الرسول ﵊: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» (٢٢).
ومنها أيضًا: ما يحصل من تفقّد الأحوال؛ أحوال الفقراء، أحوال المرضى، فإن الإنسان إذا روئِي مع الناس وعليه ثياب بالية، ويبدو عليه علامات الجوع؛ رحمه الناس، ورقوا له، وتصدَّقوا عليه، كذلك إذا تخلَّف عن الجماعة وفُقِد عرف الناس أنه كان مريضًا مثلًا، أو ماذا حصل له، فيسألون عنه.
فالمهم هذه عشر فوائد، وحكم من مشروعية صلاة الجماعة مع ما فيها من الأصل الأصيل، وهو التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع؛ يعني إذا كان الناس يجتمعون على ملاعب الكرة آلافًا مؤلَّفة؛ فهم يجتمعون على لغو ولهو، لا فائدة فيه إلا فائدة قليلة للاعبين فقط، أما المشاهدون فليس لهم فائدة إطلاقًا.
أقول: إذا كانوا يجتمعون على هذا، فاجتماعهم على هذه الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين عبادة عظيمة لله ﷿، فيؤدّون بذلك هذه العبادة العظيمة، خَلِّ هذه الحادي عشر.
[ ١ / ١٧٧٧ ]
الثاني عشر: استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أوَّلها؛ أي: بأحوال الصحابة، كأنما يستشعر الإمام أنه في مقام الرسول ﵊ في إمامة الجماعة، ويستشعر المأمومون أنهم في مقام مَنْ؟ في مقام أصحاب الرسول ﵊، ولا شك أن ارتباط آخر الأمة بأولها يُعطي الأمة الإسلامية دَفعة قوية إلى اتباع السلف واتباع هديهم، وليتنا كُلَّما فعلنا فعلًا مشروعًا نستشعر هذا الشعور أننا نقتدي برسول الله ﷺ، وبأصحابه الكرام؛ فإن الإنسان لا شك سيجد دفعةً قويةً في قلبه تجعله ينضم إلى سلك مَنْ؟ سلك السلف الصالح، فيكون سلفيًّا لا زمنًا، ولكن عقيدةً وعملًا وسلوكًا ومنهجًا.
طالب: شيخ، إذا كان من فوائد الجماعة التوادد، ما رأيك في بعض الأفعال التي تجلب التوادد، مثل المصافحة وإلقاء السلام؟
الشيخ: إي نعم، هذه أيضًا فيها فائدة.
الطالب: لكن بعد الإقامة يتصافحون يا شيخ؟
الشيخ: أوما قلنا: إن السنة قد تكون بدعة بسبب المكان؟ يعني لا بد من موافقة العمل للسنة في المكان والزمان كما هو معروف، فهل من عادة الصحابة أن يتصافحوا؟ هم أسبق منا إلى الخير، وليس من عادتهم هذا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل هذا معناه أن الذهاب إلى مباريات الكرة في التليفزيون أنه حرام؟
الشيخ: أن أيش؟
طالب: يعني ما يجوز؟
الشيخ: لا، كيف ما يجوز؟ لا، صعب، لكن أنا أرى أنه إضاعة وقت، وإذا كان يترتب عليه إضاعة مال فهو إضاعة مال، أنا سمعت في بعض الأحيان تصل البطاقة للدخول إلى عشرة ريالات.
طالب: لا، أكثر.
طالب آخر: مباريات كأس العالم تُباع في الأسواق السوداء.
الشيخ: السوداء يعني اللي أيش؟
الطالب: يعني بالعملة الصعبة، وبشق الأنفس يحصلون على التذاكر.
الشيخ: وبدراهم كثيرة .. ويش أعلى تذكرة سمعتموها؟
طلبة: ثلاث مئة ريال.
طلبة آخرون: خمس مئة.
الشيخ: ثلاث مئة ريال، أو خمس مئة ريال.
[ ١ / ١٧٧٨ ]
ما الذي يجعلك تتلف هذا المال وتضيعه في مشاهدة؟
طالب: والعورة؟ !
الشيخ: ثم الحقيقة أن مشاهدة الكرة فيها مفاسد إذا كان فيه فلوس، هذا واضح، إذا كان في غير فلوس؛ فإذا كان على شاشة تلفزيون فيها إضاعة مال، ولَّا لا؟
طلبة: نعم، الكهرباء.
الشيخ: التلفزيون يُنفق كهرباء ولَّا لا؟ يُنفق كهرباء، وقيمته إذا كان بيشتريه لهذا الغرض، أيضًا فيه أن الإنسان ربما يقع في قلبه تعظيم رجل كافر، وهذا خطير جدًّا، تعظيم الكافر خطير جدًّا، أنا سمعت بعض اللاعبين كانوا يهدون إليه وهو معه زوجته، يهدون إليه الذهب، وإذا وقف عند صاحب الدكان قال: أعطه ما يريد، كل ما يشاء وعلينا حسابه، ويش الكلام هذا؟ ! غلط.
الثالث: أنه يكون فيه أحيانًا كشف عورة بل غالبًا، وهذا لا يجوز؛ لأن النظر إلى فخذ الشباب حرام، ولا يجوز، وفيه فتنة، فعلى كل حال الإنسان العاقل لا يُضيع وقته وماله وفكره في مشاهدة هذا الشيء.
طالب: شيخ، إذا عُلم في بعض البلاد يا شيخ الإسلامية أن ولي الأمر لا يُصلي في جماعة، فهل الجماعات الثانية تقنت؟
الشيخ: لا، ما تقنت على رأي المؤلف، أما على القول الثاني إحنا ذكرنا فيها ثلاثة أقوال.
طالب: شيخ، هل الدم نجس؛ يعني بحمل السلاح؟
الشيخ: إي نعم، عند أكثر أهل العلم نجس، أكثر أهل العلم على أن دم الآدمي كغيره نجس.
الطالب: والصحيح؟
الشيخ: الصحيح أنه ليس بنجس، ما فيه دليل على نجاسته، لكن الاحتياط أولى كونك تغسله خروجًا من خلاف أكثر العلماء أحسن.
طالب: شيخ، حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ أنه قال: كان يؤتى بالرجل يتهادى بين رجلين حتى يقف في الصف (٢٣)، هل هذا الرجل الذي اتصف بهذه الصفة صلاة الجماعة عليه واجبة؟
الشيخ: الصحيح .. المريض؟
طالب: في نص قصة ابن مسعود.
الشيخ: لا، هذا ابن مسعود يمكن بعض الصحابة يفعل، وإن كان معفوًّا عنه.
[ ١ / ١٧٧٩ ]
طالب: قلتم في بداية الحديث: وخالف في ذلك غير المسلمين الرافضة، هل معنى ذلك أن عامة الروافض لا يُكفَّرون؟
الشيخ: ما نقدر نُكفرهم؛ لأن فيهم عوامّ، ما يعرفون ويظنون أن الحق معهم، وتعرف أن الكُفر لا يكون إلا إذا قامت الحجة على الإنسان، وتبيّنت له ولم يرجع لها صار كافرًا، أما عامّي ما يعرف وعاش في مجتمع بهذا الشيء ولا يعرف سواه، فلا يمكن أن نكفِّره وهو ينتسب إلى الإسلام.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة ليوم الجمعة إذا دخل رجل في الأذان الثاني، هل يقول كما يقول المؤذن أو يتطوع؟
الشيخ: الصحيح أنه يُصلِّي تحية المسجد.
الطالب: ولا يقول؟
الشيخ: يقول: إن أمكنه أن يقول، أما على رأي شيخ الإسلام يمكن أن يقول؛ لأنه يرى أنه تجوز متابعة المؤذن، ولو كان الإنسان يُصلي؛ عند شيخ الإسلام يقول: كُل ذِكر وُجد سببه في الصلاة فهو مشروع؛ كالعطاس، وإجابة المؤذن، وما أشبهها، وأما القول بأنه لا يُجيب في حال الصلاة، فنقول: لأن استماع الخطبة أهم من إجابة المؤذن؛ فإن استماع الخطبة واجب، وإجابة المؤذن ليست بواجبة، ثم إنه إذا بادر بالصلاة؛ صلاة تحية المسجد أولى من تأخيرها فيستفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى: المبادرة -كما هو الأصل- في تحية المسجد، والفائدة الثانية: التفرغ لسماع الخطبة.
طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- بالنسبة لحديث الأعمى، قال له: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟». «فَأَجِبْهُ»، (١٤) قد يقصد فيه () يكون جارًا يمكن للمسجد، لكن على مسافة بعيدة ما يسمع صوته، فهل نقول: يجب عليك أن تذهب إلى المسجد؟ يعني يرى المسجد، لكن على مسافة كذا كيلو يعني يحتاج ()؟
الشيخ: يقولون: إن زرقاء اليمامة ترى الشيء مسيرة ثلاثة أيام، فإذا كان رجل قوي البصر، ويرى المسجد مسيرة ثلاثة أيام، نقول له: اذهب إلى المسجد لتصلي الظهر فيقعد ثلاثة أيام ما وصل علشان يصلي الظهر قبل ثلاثة أيام!
طالب: مسافر يعني تعتبر بعيدة؟
[ ١ / ١٧٨٠ ]
الشيخ: على كل حال، هذه تأتي -إن شاء الله- في الخلاف، هل تجب الجماعة في المسجد أو الواجب حصول الجماعة، ولو في البيت؟
فيها خلاف؛ إذا قلنا: الواجب حصول الجماعة، ولو في البيت، فمعناه يجوز نُصلّي جماعة في بيتنا والمسجد إلى جانبنا، ولكن سيأتي الخلاف في هذا.
طالب: الضرورة؟
الشيخ: ما ضبطت.
طالب: ميل الغروب قريب من عشر دقائق.
الشيخ: إحنا ما قيدناها يا جماعة، قلنا: عند الغروب كالذي عند الشروق.
طالب: إذا شرعت في الغروب.
الشيخ: لا.
طالب: من قبل أن تغرب () عشر دقائق؛ يعني نفس الوقت ..
الشيخ: ذكرنا لكم -بارك الله فيكم- تضيّف الشمس للغروب إذا كان بينها وبين الغروب قيد رمح، تقريبًا عشر دقائق أو أكثر، المهم قيد رمح، كما ذكر في طلوع الشمس.
صلاة الجماعة، حكمها؟
طالب: واجبة.
الشيخ: واجبة، دليل ذلك؟
طالب: أن الرسول ﷺ قال: بمعنى الحديث لو أجد أحدًا يصلي بداره لأحرقت بيوت من لا يحضرون الجماعة.
الشيخ: اللي ما يحضرون الجماعة يحرق عليهم بيوتهم بالنار. فيه غير هذا من القرآن؟
طالب: أن الله ﷿ لم يُسقط صلاة الجماعة في حالة الخوف وفي حالة الحرب.
الشيخ: نعم، أوجبها في حال الحرب، ففي حال الأمن؟
الطالب: فهي من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
ذكرنا لصلاة الجماعة فوائد؛ اثنتي عشرة فائدة؟
طالب: أولًا: التعارف بين المسلمين.
ثانيًا: التواد.
الشيخ: التواد بينهم.
الطالب: ثالثًا: اعتياد الصفوف، وصف الصفوف عند مقابلة الأعداء.
الشيخ: يعني كأنه تهيئة.
الطالب: تهيئة، ورابعًا: ضبط النفس.
الشيخ: نعم؛ لأن الذي يصلي وحده دائمًا لا يستقر، ولا يطمئن في صلاته.
الطالب: خامسًا: التعبد لله ﷾.
سادسًا: إحياء شعيرة من شعائر الإسلام.
الشيخ: إظهار.
الطالب: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام.
الشيخ: هذه ست، البقية؟
طالب: الوقوف صفًّا واحدًا كما في الجهاد.
الشيخ: ذكرها.
طالب: تعليم الجاهل.
[ ١ / ١٧٨١ ]
الشيخ: تعليم الجاهل نعم.
الطالب: إظهار عز الإسلام بإظهار الجماعة.
الشيخ: هذا يعتبر إظهار شعيرة من شعائر الإسلام.
طالب: أنه إذا كان مثلًا فيهم يعني فقيرًا، العطف على الفقير مثلًا والمسكين وابن السبيل.
الشيخ: يعني تفقُّد أحوال المسلمين؛ إنسان فقير، إنسان مرض، إنسان تخلَّف، يساعد ويعاون على البر والتقوى.
طالب: عموم البركة.
الشيخ: البركة، كيف؟ يعني حصول الأجر بذلك؟
الطالب: مضاعفة الثواب.
طالب آخر: الطمأنينة في الصلاة.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: استشعار آخر هذه الأمة لأولها.
الشيخ: نعم، استشعار آخر هذه الأمة بحال أولها كأنما هم الصحابة مع الرسول ﷺ.
طالب: ما هو في صلاة الجماعة ما كان الإسلام فيه شعائر.
الشيخ: يعني معناه إظهار الشعائر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه ذكرناها.
طالب: تعليم الأمة على الاجتماع.
الشيخ: إي، لا، يعني معناه أنه يعود الأمة على الاجتماع، وهذا من التفرُّد.
طالب: تساوي بين الفقير والغني.
الشيخ: نعم، التساوي في الدين بين الأغنياء والفقراء والصغير والكبير.
طالب: امتثال أمر الله ﷾.
الشيخ: أظن ذكرناها، الآن تعدت اثنتي عشرة.
طالب: إظهار عِز المسلمين، عند دخول المساجد والخروج منها.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: عندما يدخلون المساجد يكون فيه إظهار لعز المسلمين عند تجمعهم، وكذلك عند الخروج.
طالب آخر: ذكرناها يا شيخ.
الشيخ: يمكن هذه إذا صار مثلًا أمام الأعداء أو مثلًا هم بعضهم يعتز ببعض؛ يعني التقوية، تقوية الروح المعنوية فيهم.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (تلزم). قلنا: إن كلمة تلزم وتجب بمعنى واحد (تلزم الرجال) الرجال جمع (رَجُل)، والرَّجُل هو الذَّكر البالغ، فيخرج بذلك النساء؛ فالنساء لا تلزمهن صلاة الجماعة؛ لأنهن لسن من أهل الاجتماع، ولسن ممن يُطلب منهن إظهار الشعائر؛ لأن النبي ﷺ قال: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (٢٤).
[ ١ / ١٧٨٢ ]
ولكن اختلف العلماء: هل الجماعة سُنّة للنساء -والمراد المنفردات عن الرجال- أو مكروهة، أو مباحة؟ فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:
فمن العلماء من قال: إنها سُنة؛ لأن النبي ﷺ أمر أُمَّ ورقة أن تؤم أهل دارها (٢٥).
ومنهم من قال: إنها مكروهة، وضعَّف الحديث، وقال: إن المرأة ليست من أهل الاجتماع وإظهار الشعائر، فيُكره لها أن تقيم الجماعة في بيتها؛ ولأن هذا غير معهود في أمهات المؤمنين وغيرهن غاية ما فيه هذا الحديث الذي فيه نظر، فلا يمكن أن نشرع حكمًا إلا بدليل يُطمأن إليه.
ومنهم من قال: إن هذا مُباح، وقال: إن النساء من أهل الجماعة في الْجُملة، ولهذا أُبيح لها أن تحضر إلى المسجد لإقامة الجماعة، فتكون إقامة الجماعة في بيتها مباحة مع ما في ذلك من التستُّر والاختفاء.
وهذا القول لا بأس به؛ أنها مُباحة، وإن فُعِلت أحيانًا فلا حرج.
المهم أن قوله: (الرِّجال) أخرج به صِنفين من الناس، مَنْ؟
طالب: النساء والوِلْدان.
الشيخ: النساء والصبيان غير البالغين، وخرج بذلك أيضًا صنف ثالث، وهم الْخَناثى؛ الخنثى، وتكلَّم عليه الفقهاء في باب الفرائض هو الذي لا يُعلم أذَكر هو أم أُنثى، هذا هو الخنثى، هذا لا تجب عليه الجماعة، وذلك لأن الشرط فيه غيرُ متيقن، والأصل براءة الذمة، وعدم شغلها، فما دام وصف الوجوب ليس متيقنًا فيه وهو الرجولة؛ فإنها لا تجب عليه.
إذن خرج بذلك ثلاثة أصناف.
عموم كلام المؤلف (الرجال) يدخل فيه العبيد، فتلزم صلاة الجماعة العبيد؛ لأن النصوص عامة، ولم يُستثنَ منها العبيد؛ ولأن حَقّ الله مُقدم على حق البشر، ولهذا لو أمره سيده بمعصية حرم عليه أن يطيعه، فإذا كان لا يجوز للعبد أن يفعل المعصية بأمر سيده، فكيف إذا لم يَأمره؟ وهو إذا ترك الجماعة فقد فعل معصية، وهذا القول هو الصحيح أنها تلزم العبيد، كما تلزم الأحرار.
[ ١ / ١٧٨٣ ]
وكذلك الْجُمعة تلزم العبيد كما تلزم الأحرار من باب أولى؛ لأنه إذا وجب عليه حضور الجماعة التي تتكرر في اليوم والليلة كم؟ خمس مرات، فلأن تجب عليه الجمعة التي لا تكرر في الأسبوع إلا مرة من باب أوْلَى؛ ولأن الجماعة شرط في الجمعة بالاتفاق، وليست شرطًا في صلاة الجماعة إلا على قول ضعيف، فإذا سقط حق السيد في الصلوات الخمس، وأوجبنا على العبد أن يصلي فإننا نوجب عليه أيضًا أن يصلي الجمعة.
وعموم كلام المؤلف أنها لازمة حتى في السفر؛ لأنه لم يقيدها في الحضر، فإذا لم يُقيدها أخذنا بالعموم والإطلاق، فتجب صلاة الجماعة حتى في السفر؛ ودليل ذلك ما مر علينا في الدرس السابق أن الله أمر نبيَّه ﷺ إذا كان فيهم أن يُقيم لهم الصلاة جماعة، ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يُقاتل إلا في سفر، فعليه؛ تجب الصلاة في السفر كما تجب في الحضر.
(للصلوات الخمس) للصلوات يعني أنها واجبة للصلاة، وليست واجبةً في الصلاة؛ لأن الواجب تارةً يكون واجبًا للصلاة، وتارةً يكون واجبًا فيها؛ فالواجب فيها يكون من ماهيتها، مثل: التشهد الأول، التكبير، التسميع، التحميد، هذا واجب فيها، الواجب لها: ما كان خارجًا عنها مثل: الأذان، والإقامة، والجماعة؛ لأن هذا خارج عن ماهية الصلاة، فيكون واجبًا لها، وليس واجبًا فيها.
وقوله: (للصلوات الخمس) هي الصلوات الخمس، ما هي؟
طالب: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
الشيخ: هذه الصلوات الخمس.
إذن لا تجب الصلاة للمنذورة؛ يعني: لو نذر الإنسان أن يصلي لله ركعتين، فإنه لا تلزمه الجماعة؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس.
ولا تجب للنوافل، فلو أراد الإنسان أن يصلي تطوعًا فإنه لا يجب عليه صلاة الجماعة؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس.
ولكن هل تجوز صلاة النافلة جماعة، أو نقول: إن ذلك بدعة؟
في هذا تفصيل:
[ ١ / ١٧٨٤ ]
منها -أي من النوافل-: ما تُشرع له الجماعة، كالاستسقاء، والكسوف، إذا قلنا: بأن الكسوف سُنَّة، وقيام الليل في رمضان، فهذا ظاهر.
ومنها -أي من النوافل-: ما لا تسن له الجماعة؛ كالرواتب التابعة للمكتوبات، وكصلاة الليل في غير رمضان، فهذا لا تُشرع له الجماعة، لكن لا بأس أن يُصلِّيه جماعة أحيانًا.
ودليل ذلك: أن الرسول ﷺ كان يصلي أحيانًا جماعة في صلاة الليل، كما صلى معه ابن عباس، وصلَّى معه حذيفة بن اليمان، وصلَّى معه عبد الله بن مسعود، وأحيانًا يصلي حتى غير صلاة الليل جماعة، كما صلَّى بأنس، وأم سليم، ويتيم مع أنس، وكما صلى جماعة في عتبان بن مالك ﵁ في بيته؛ حين طلب من النبي ﷺ أن يأتي إليه ليصلي في مكان يتخذه عتبان مُصلّى، ففعل النبي ﵊.
المهم صلاة النافلة، الآن فهمنا أنها تنقسم إلى قسمين:
قسم يُشرع له الجماعة، مثل: الكسوف، والاستسقاء، وقيام رمضان.
وقسم لا يشرع له الجماعة، لكن لا بأس من فعله أحيانًا؛ كالرواتب، وصلاة الليل في غير رمضان، وبقية النوافل.
قوله: (للصلوات الخمس) ظاهره: أنه لا فرق بين أن تكون مؤداة أو مقضيَّة.
المؤداة: ما فُعل في وقته، والْمَقْضِي: ما فُعل بعد وقته، فلو كان جماعة في سفر ناموا في آخر الليل، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فالصلاة في حقهم قضاء؛ لأنها بعد الوقت، فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة جماعة تجب عليهم.
وهذا الظاهر هو الصحيح؛ أنها تجب للصلوات الخمس ولو مقضية، على أن الإنسان الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها لعُذر شرعي لا تكون الصلاة في حقه قضاءً، بل هي أداء على القول الصحيح؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢٦).
[ ١ / ١٧٨٥ ]
لكن على كل حال الصحيح أنها تجب للمقضِيَّة؛ لعموم الأدلة؛ ولأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة أمر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى سُنَّة الفجر، ثم صلَّى الفجر كما يصليها في العادة جماعةً، ويجهر بالقراءة (٢٧).
فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، قلنا لهم: افعلوا كما تفعلون في العادة تمامًا، أذِّنوا، وقولوا: الصلاة خير من النوم، وصلُّوا سُنّة الفجر، وأقيموا الصلاة، واجهروا فيها بالقراءة كالعادة.
وقول المؤلف: (تلزم الرجال للصلوات الخمس) ظاهر كلام المؤلف أنها تلزمهم وجوب عين؛ يعني أنها فرض على الأعيان، وهذا القول هو الصحيح؛ أنها فرض على الأعيان، على كل واحد، ومقابل هذا القول أنها فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وقول آخر: أنها سُنَّة، وليست بواجبة، وكلا القولين ضعيف، أما القول بأنها سُنَّة فقد سبق لنا الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة، ولا أعلم للذين قالوا بأنها سُنَّة إلا أنهم استدلوا بقوله ﷺ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٢٨).
فقال: «أَفْضَلُ»، والأفضل ليس بواجب. ولكن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا؛ لأن المراد هنا: بيان ثواب صلاة الجماعة، لا حكم صلاة الجماعة؛ ولهذا قال: «أَفْضَلُ .. بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، أما لو قال: أفضل فقط، لو قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ؛ لكان الاستدلال قد يكون له وجه، لكن أما لما قال: أفضل بسبع؛ فعُلم بهذا أنه يريد بيان أن أجرها أفضل وأكثر.
ونقول لهم أيضًا: هل تقولون: إن الإيمان بالله واجب.
طالب: لا شك أنهم يقولون: واجب.
[ ١ / ١٧٨٦ ]
الشيخ: لا شك أنهم يقولون: واجب. ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، خير يعني: أخير وأفضل.
فهل تقولون: إن الإيمان بالله والجهاد في سبيله سُنة؟ لا أحد يقول بذلك.
هل تقولون: إن صلاة الجمعة سنة؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩] من البيع؟ هل تقولون: إنه سنة؟
لا أحد يقول بأن صلاة الجمعة سُنة، المهم أن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لا شرْط)، أنا عندي (لا شرطًا)، وقيَّدت الكتاب هذا على أنها (لا شرْط)، والصحيح من حيث العربية: (لا شرْطٌ)، أما (لا شرطًا) فلا تصِحّ؛ لأن (لا) لا تتحمل الضمير حتى نقول: إن اسمها مستتر، وإن (شرطًا) خبرها، ولكن (لا شرطٌ)؛ أي: لا هي شرطٌ؛ يعني: ليست صلاة الجماعة شرطًا في صحة الصلاة، فلو صلَّى الإنسان منفردًا بلا عُذْر فصلاته صحيحة، لكنه آثِم.
المؤلف قال: (لا شرط)، قد يقول قائل: لماذا قال: (لا شرط)؟
فنقول: إنه قال: (لا شرط) لئلا يتوهم واهم أنه لما كانت صلاة الجماعة واجبة كان تركها عمدًا مُبطلًا للصلاة كواجبات الصلاة؛ فإن واجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، فنفَى هذا التوهم بقوله: (لا شرطٌ).
وقد يقال: إنه قال: (لا شَرْط) دفعًا لقول من يقول: إنها شرط لصحة الصلاة، فصار الآن لو سألنا سائل: لماذا قال المؤلف: لا شرط مع أنه لا حاجة إليه؟
[ ١ / ١٧٨٧ ]
قلنا: يحتمل أمرين؛ الأمر الأول: دَفْع تَوهُّم بُطلان صلاة المنفرد بلا عُذر؛ حيث إنه قال: إنها واجبة، والمعروف أن الواجب إذا تركه الإنسان عمدًا بطلت صلاته.
الاحتمال الثاني: دفع قول من يقول: إنها شرط، والذي قال: إنها شرط لصحة الصلاة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وابن عقيل، وكلاهما من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وعلى هذا القول: لو صلَّى الإنسان منفردًا بِلا عُذر شرعي فصلاته باطلة، كما لو ترك الوضوء مثلًا.
إذا قال قائل: لا بد أن تُبيّنوا لنا الدليل الذي تمسك به من قال: إنها شرط للصحة.
فنقول: استدل هؤلاء بأن الجماعة واجبة للصلاة، توعَّد النبي ﷺ على مَنْ تركها بأنه هَمَّ أن يُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار، وإذا كانت واجبة فالقاعدة الشرعية أن من ترك واجبًا في عبادة بلا عُذر؛ فإن تلك العبادة تبطل، هذه القاعدة الشرعية، فإذا أقررت بأنها واجبة للصلاة لزمك أن تقول ببطلان صلاة من ترك هذا الواجب، ولكن هذا القول ضعيف، ويُضعِّفه أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٢٨).
والمفاضلة تدل على أن الْمُفضَّل عليه فيه فضل، أو لا؟ ويلزم من وجود الفضل فيه أن يكون صحيحًا؛ لأن غير الصحيح ليس فيه فضل، بل فيه إثم، وهذا دليل واضح على أن صلاة الفذ صحيحة، ضرورة أن فيها؟ أتموا.
طلبة: فضل.
طالب آخر: إثم.
الشيخ: صحيحة، ضرورة أن فيها فضلًا؛ إذ لو لم تكن صحيحة لم يكن فيها فضل، لكنه آثِم، لكن شيخ الإسلام -﵀- أجاب بأن هذا الحديث في حق المعذور؛ يعني: من صلَّى مُنفردًا لعُذر، فصلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً.
[ ١ / ١٧٨٨ ]
قال: ولا مانع من وجود الفضل مع العذر، فها هي المرأة وصفها النبي ﷺ بأنها ناقصة دين (٢٩)؛ لتركها الصلاة أيام الحيض، مع أن تركها للصلاة أيام الحيض لِعُذْر شرعي، لو صامت لأثمت؛ فهي ممنوعة شرعًا من الصلاة، ومع ذلك صارت ناقصةً عن الرجل، وهي لم تأثم بهذا الترك. قال: (فالمعذور إذا صلَّى في بيته فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً).
ولكن هذا يورد عليه: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (٣٠)، فهذا دليل على أن من ترك الطاعة لعذر المرض كُتِبت له.
ويمكن أن نجيب عنه بأن المراد من كان من عادته أن يفعل؛ لأنه قال: «كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»، ولكن مع كل هذا؛ فإن مأخذ شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة ضعيف ﵀.
والصواب: ما عليه الجمهور من أن الصلاة صحيحة، ولكنه آثِم لترك الواجب، وأما قِياس ذلك على التشهد الأول مثلًا وعلى التكبيرات الواجبة والتسبيح، فهو قياس مع الفارق؛ لأن صلاة الجماعة واجب للصلاة، وأما التشهد الأول والتسميع والتكبير، فهذا واجب في الصلاة؛ فهو ألصق بها من الواجب لها.
إذن ما ذهب إليه المؤلف هو القول الصحيح؛ أن صلاة المنفرد صحيحة لا يُلزم بالإعادة، ولكن عليه الإثم.
قال: (لا شرط).
طالب: لو استدلوا () قول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣١)، مثل الرجل يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها فيصليها.
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن الصلاة لا تصح إلا في هذا الوقت.
الطالب: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا».
الشيخ: لا، ترك عملًا واجبًا، أما الصلاة مأمور بها، الصلوات الخمس مفروضة.
طالب: نجيب «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (٣٢) حديث؟
[ ١ / ١٧٨٩ ]
الشيخ: هذا الحديث يقال: إن المراد لا صلاة كاملة؛ بدليل حديث أبي هريرة وابن عمر: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (٢٨).
طالب: إذا قلنا: إن صلاة الجماعة فرض عين، فلا يلزم () أفواج يعني؟
الشيخ: لا؛ لأن الجماعة وَصْف فيها، ما هو يعود على ذاتها، وصف اجتماع.
وله فِعْلُها في بَيْتِه، وتُسْتَحَبُّ صلاةُ أهلِ الثَّغْرِ في مَسجدٍ واحدٍ، والأَفْضَلُ لغيرِهم في المسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه الجماعةُ إلا بحضورِه ثم ما كان أكثرَ جماعةً، ثم المسجِدُ العتيقُ، وأَبْعَدُ أَوْلَى من أَقْرَبَ، ويَحْرُمُ أن يَؤُمَّ في مَسجدٍ قبلَ إمامِه الراتِبِ إلا بإذنِه أو عُذْرِه، ومَن صَلَّى ثم أُقيمَ فَرْضٌ سُنَّ أن يُعيدَها إلا المغْرِبَ، ولا تُكْرَهُ إعادةُ الجماعةِ في غيرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ والمدينةِ. وإذا أُقيمَتِ الصلاةُ فلا صَلاةَ إلا المكتوبةَ،
وأن الدليل عليها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكذلك ما تتضمنه من المصالح العظيمة يؤكد وجوبها، وسبق أنها لا تجب إلا على الرجال دون الإناث ودون الصغار، وسبق أنها تجب على القول الراجح على العبيد؛ لعموم الأدلة، وسبق أيضًا أنها تجب للصلوات الخمس، سواء كان مؤداة أو مقضية على القول الراجح، وسبق لنا أن العلماء اتفقوا على أنها من أجل الطاعات وأفضل العبادات، ولكن اختلفوا هل هي سنة أو فرض عين أو فرض كفاية أو شرط، والصحيح أنها فرض عين.
قال المؤلف ﵀: (وله فعلها في بيته): (له) أي: للإنسان (فعلها) أي: فعل الجماعة في بيته، يعني: يجوز أن يصلي الجماعة في بيته ويدع المسجد، ولو كان قريبًا منه، ولكن المسجد أفضل بلا شك، إنما لو فعلها في بيته فهو جائز، وإذا قلنا بأنها تنعقد باثنين ولو بأنثى فهذا يلزم منه أن يصلي الرجل وزوجته في البيت، ولا يحضر المسجد. هذا على كلام المؤلف.
[ ١ / ١٧٩٠ ]
واستدل أصحاب هذا القول بأن النبي ﷺ قال: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١). فالأرض كلها مسجد، والمقصود الجماعة، والجماعة تحصل ولو كان الإنسان في بيته، لكنها في المسجد أفضل.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن كونها في المسجد من فروض الكفايات، وأنه إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وجاز لمن سواهم أن يصلي في بيته جماعة.
وذهب آخرون إلى أنها واجبة في المسجد.
أما الذين قالوا بأنها تجوز في البيت مطلقًا فاستدلوا بما ذكرت لكم «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
وأما الذين قالوا: إنها فرض كفاية، فقالوا: إنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وما زال المسلمون يقيمونها في المساجد، ولو تعطلت المساجد ما تبين أن هذه البلد بلد إسلام، فكما أن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة، وتقاتَل الطائفة إذا لم تؤذن، وهو فرض كفاية، فالصلاة في المساجد من باب أولى، فإذا وجد في المسجد من تقوم به الكفاية، فالباقون لهم أن يصلوا في بيوتهم.
وأما الذين قالوا: إنها تجب في المسجد فاستدلوا بقول النبي ﷺ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (٢) وكلمة (قوم) جمع تحصل بهم الجماعة، فلو كان يمكن أن يصلوا في بيوتهم جماعة لقال: إلا أن يصلوا في بيوتهم، واستثنى من يصلي في بيته، فعلم بهذا أنه لا بد من شهود جماعة المسلمين.
وهذا القول هو الصحيح: أنه يجب أن تكون في المسجد، وأنه لو أقيمت في غير المسجد فإنه لا يحصل بإقامتها سقوط الإثم، بل هم آثمون، وإن كان القول الراجح أنها تصح، وهذا الدليل كما عرفتم دليل واضح.
[ ١ / ١٧٩١ ]
أما القائلون بأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، فنقول: نعم هي من شعائر الإسلام الظاهرة، ومن تمام ذلك أن توجب على كل واحد؛ لأننا لو قلنا: إنها فرض كفاية لكان كل واحد يبقى في بيته ويقول: لعل في المسجد من يقوم بصلاة الجماعة.
وأما الذين استدلوا بقوله: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» فلا دليل فيه أصلًا؛ لأن هذا فيه بيّن أن الأرض كلها مسجد، وهو من خصائص هذه الأمة، بخلاف غيرها، فإنها لا تصلي إلا في الكنائس والصوامع والبِيَع، لكن هذه الأمة جعلت لها الأرض كلها مسجدًا، فليس المقصود بيان أن الجماعة يصح أن تكون في كل مكان، بل بيان أن الصلاة تصح في كل مكان، وهذا لا نزاع فيه.
ثم على فرض أنه عام، فإنه مخصوص بالأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد.
لكن هاهنا مسألة، وهي ما يشكل على كثير من الدوائر الحكومية التي فيها جماعة كثيرة، ولهم مصلًّى خاص يصلون فيه، والمساجد حولهم، فهل نقول لهم: اخرجوا من هذه الدائرة جميعًا وصلوا في المسجد، أو نقول: صلوا في مكانكم ولا حرج عليكم؟
الذي نرى أنه إذا كان المسجد قريبًا، ولم يتعطل العمل، فإنه يجب عليهم أن يصلوا في المسجد، أما إذا كان بعيدًا أو خِيف تعطل العمل؛ بأن تكون الدائرة عليها عمل ومراجعون كثيرون، أو كان يخشى من تسلل بعض الموظفين؛ لأن بعض الموظفين لا يخافون الله، إذا قالوا: نخرج للصلاة خرجوا لبيوتهم، وربما لا يرجعون، ففي هذه الحال نقول: صلوا في مكانكم؛ لأن هذا أحفظ للعمل وأقوم، والعمل تجب إقامته بمقتضى الالتزام والعهد الذي بين الموظف والحكومة.
فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، ولهذا ينبغي إن لم نقل: يجب أن يجعل هناك مسجد في الدوائر الكبيرة يكون له باب على الشارع تقام فيه الصلوات الخمس، حتى يكون مسجدًا لعموم الناس ويصلي فيه أهل هذه الدائرة، كما فعل ذلك في دار الإفتاء في الرياض، فإن هذا من خير ما يكون من المشاريع.
[ ١ / ١٧٩٢ ]
يقول: (وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد) يعني شرع المؤلف ﵀ في الأفضل من المساجد والأماكن التي تصلى فيها الجماعة، قال: الأفضل لأهل الثغر، أهل الثغر هم الذين يقيمون على حدود البلاد الإسلامية، يحمونها من الكفار، فالأفضل لهم أن يصلوا في مسجد واحد؛ لأنهم إذا صلوا في المسجد الواحد صاروا أكثر جمعًا، وحصلت بهم الهيبة، وهابهم الأعداء، وصار بعضهم يسأل بعضًا: من حولك من الكفار؟ وهل مكانك يحتاج إلى زيادة رجال وسلاح؟ المهم أن الأفضل أن يجتمعوا في مسجد واحد، بشرط أن يأمنوا العدو، فإن كانوا يخشون من العدو إذا اجتمعوا في المسجد الواحد، فصلاة كل إنسان في مكانه أولى، لكن مع الأمن الأفضل أن يصلوا في مكان واحد.
أما غير أهل الثغر قال: (والأفضل لغيرهم المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضورهم) إذا كان هناك مسجد قائم يصلي فيه الناس، لكن فيه رجل إن حضر وصار إمامًا أقيمت الجماعة، وإن لم يحضر تفرق الناس، فالأفضل لهذا الرجل أن يصلي في هذا المسجد من أجل عمارة المسجد؛ لأنه لو لم يحضر لتعطل المسجد، وتعطيل المساجد أمر لا ينبغي.
فإذا جاءنا هذا الرجل الذي يقول: أنا إن حضرت صرت إمامًا وأقمت الجماعة في هذا المسجد، وإن لم أحضر لم تقم فيه الجماعة، هل الأفضل أن أذهب إلى مسجد آخر يكون أكثر جماعة، أو أن أصلي في هذا المسجد؟ الجواب: أن تصلي في هذا المسجد.
[ ١ / ١٧٩٣ ]
لكن ينبغي أن يقيد هذا بشرط، وهو ألا يكون المسجد قريبًا من المسجد الأكثر جماعةً، فإن كان قريبًا منه بحيث يسهل على أهله أن يصلوا في المسجد الأكثر جماعة فقد يقال: إن الأفضل أن يجتمع المسلمون في مسجد واحد، وإن هذا أولى من التفرق؛ لأنه كلما اجتمع المسلون فهو أفضل لا شك، فإذا قدر أن هذا المسجد قديم ينتابه خمسة أو عشرة من الناس، وحولهم مسجد يجتمع فيه جمع كثير، ولا يشق على أهل المسجد القديم أن يتقدموا إلى المسجد الآخر، فربما يقال: إن الأفضل أن ينضموا إلى المسجد الآخر، وأن يجتمعوا فيه؛ لأنه كلما كثرت الجماعة فهو أفضل.
قال المؤلف: (ثم ما كان أكثر جماعة) يعني لو قدر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن يذهب إلى الأكثر جماعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (٣)، وهذا عام، فإذا وجد مسجدان: أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن تصلي مع من هو أكثر جماعة.
قال: (ثم المسجد العتيق) يعني القديم أولى من الجديد؛ وذلك لأن الطاعة فيه أسبق، فكان أولى بالمراعاة من الجديد، لكن هذا يأتي في أي مرتبة؟
طلبة: الرابعة.
الشيخ: الرابعة، هذا في المرتبة الرابعة، يعني: إذا صار عندك مسجدان يتساويان في الجماعة، لكن أحدهما قديم، والثاني عتيق، فالأفضل العتيق، وهذا باعتبار المكان. وعللوا ذلك بأن الطاعة فيه أسبق فيكون هذا المكان معمورًا بطاعة الله قبل أن يعمر الجديد.
[ ١ / ١٧٩٤ ]
قال: (وأبعد أولى من أقرب) هذا إذا استويا فيما سبق، فالأبعد أولى من الأقرب، يعني إذا كان لك مسجدان أحدهما أبعد من الثاني فالأفضل الأبعد، لماذا؟ لأن كل خطوة تخطوها إلى الصلاة يرفع لك بها درجة، ويحط عنك بها خطيئة، وكلما بعد المكان ازدادت الخطى فيزداد الأجر، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن في النفس من هذا شيء، والصواب أن يقال: إن الأفضل أن تصلي فيما حولك من المساجد؛ لأن هذا سبب لعمارته، إلا أن يمتاز أحد المساجد بخاصية فيه فيقدم، مثل لو كنت في المدينة، أو كنت في مكة، فإن الأفضل أن تصلي في المسجد الحرام في مكة وفي المسجد النبوي في المدينة أفضل مما حولك، أما إذا لم يكن هناك ميزة والأرض كلها سواء فإن صلاة الإنسان في مسجده أفضل؛ لأنه يحصل به عمارته، ويحصل به التأليف، ويندرئ به ما قد يكون في قلب الإمام إذا لم تصل معه، لاسيما إذا كنت رجلًا لك قيمتك واعتبارك.
وأما الأبعد فإننا نجيب عنه بأن المراد بالحديث في قوله ﵊: «إِنَّهُ لَا يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» (٤)، هذا في المسجد الذي ليس هناك أقرب منه، فإنه كلما بعد المسجد وكلفت نفسك أن تذهب إليه مع بعده كان هذا بلا شك أفضل مما لو كان قريبًا؛ لأنه كلما شقت العبادة إذا لم يمكن فعلها بالأسهل فهي أفضل، كما قال النبي ﵊ لعائشة: «إِنَّ أجْرَكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» (٥).
فالحاصل: أن الأفضل أن تصلي في مسجدك مسجد الحي الذي أنت فيه، سواء كان أكثر جماعة أو أقل؛ لما يترتب على ذلك من المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة؛ لقوله ﵊: «مَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (٣)، ثم يليه الأبعد، ثم يليه العتيق؛ لأن تفضيل المكان بتقدم الطاعة فيه يحتاج إلى دليل بيّن، وليس هناك دليل بين على هذه المسألة.
[ ١ / ١٧٩٥ ]
يبقى النظر إذا قال قائل: إذا كان المسجد البعيد الذي ليس في حيي إذا كان إمامه أحسن قراءة، ويحصل لي من الخشوع ما لا يحصل لي لو صليت في مسجدي، فهل الأفضل أن أذهب إليه وأدع مسجدي، أو بالعكس؟
الظاهر لي حسب القاعدة: أن الفضل الذي يتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل الذي يتعلق بمكانها، ومعلوم أنه إذا كان أخشع فإن الأفضل أن تذهب إليه، خصوصًا إذا كان إمام مسجدك لا يتأنى في الصلاة أو يلحن كثيرًا، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي توجب أن يتحول الإنسان عن مسجده من أجله.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره) إذا كان المسجد له إمام راتب، يعني مولى من قبل المسؤولين، أو مولى من قبل أهل الحي جيران المسجد، فإنه أحق الناس بإمامته؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (٦)، ومعلوم أن إمام المسجد سلطانه، والنهي هنا للتحريم، فلا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب إلا بإذن الإمام أو عذره، إذنه إذا وكله توكيلًا خاصًّا أو توكيلًا عامًّا، فالتوكيل الخاص أن يقول: يا فلان صل بالناس، والتوكيل العام أن يقول للجماعة: إذا تأخرت عن موعد الإقامة المعتاد كذا وكذا فصلوا، فإذا أذن سواء كان إذنًا خاصًّا أم عامًّا فإنه يجوز وإلا فلا.
ودليل ذلك؟
طالب: قول النبي ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ».
الشيخ: نعم «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والمعنى أيضًا يقتضي ذلك؛ لأنه لو جاز أن يؤم الإنسان في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره؛ أدى ذلك إلى الفوضى وإلى النزاع، والإمام لا يحب أن أحدًا يتقدم في مكانه وهو الإمام الراتب.
فإذن عندنا دليل وتعليل:
[ ١ / ١٧٩٦ ]
الدليل: الحديث «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والتعليل أنه يؤدي إلى الفوضى والنزاع والعداوة والبغضاء.
وقول المؤلف: (إلا بإذنه أو عذره) الإذن فهمناه، العذر مثل لو علمنا أن إمام المسجد حصل له مثلًا عذر أصيب بحادث مثلًا أو أصابه مرض أو أتاه ضيوف لا يمكنه التعذر منهم أو ما أشبه ذلك، المهم أننا علمنا أن الرجل معذور، فهنا لنا أن نصلي وإن لم يأذن؛ لأن عذره في التخلف عن الحضور أمر معلوم عندنا.
فإن فعل وخالف فهل تصح الصلاة أو لا تصح، يعني لو أن أهل المسجد قدموا شخصًا يصلي بهم بدون إذن ولا عذر وصلى بهم، فهل تصح الصلاة أو لا تصح؟
في هذا لأهل العلم قولان:
القول الأول: أن الصلاة تصح مع الإثم.
والقول الثاني: أن الصلاة لا تصح أنهم آثمون، ولا تصح صلاتهم، ويجب عليهم أن يعيدوها.
أما دليل الأول فيقولون: إن التحريم -أي تحريم الصلاة بدون إذن الإمام أو عذره- ظاهر من الحديث والتعليل، وأما صحة الصلاة فالأصل الصحة حتى يقوم دليل على الفساد. وتحريم الإمامة في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره لا يستلزم عدم صحة الصلاة؛ لأن هذا التحريم يعود إلى معنًى خارج عن الصلاة، ويش يعود إليه؟ يعود إلى الافتئات على الإمام، والتقدم على حقه، فلا ينبغي أن تبطل به الصلاة؛ لأن الصلاة وقعت في جماعة وعلى الوجه المشروع، فالأصل فيها الصحة، والذي يظهر لي أن الصحة أصح، يعني أن القول بالصحة أصح من القول بالبطلان؛ لأن هذا المعنى يعود إلى أمر خارج عن الصلاة، يعود إلى الافتئات على الإمام الراتب، والتقدم بين يديه، وحينئذ فالأصل الصحة لكن مع التحريم.
قال: (ومن صلى ثم أقيم فرض سن أن يعيدها إلا المغرب) من صلى يعني في جماعة أو في غير جماعة، الكلام عام، من صلى سواء في جماعة أو في غير جماعة ثم حضر مسجدًا أو مصلى وأقيمت الصلاة يقول المؤلف: (سن أن يعيدها إلا المغرب) يعني: فلا تسن إعادتها.
[ ١ / ١٧٩٧ ]
ودليل ذلك: قول النبي ﵊: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إِنِّي صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» (٧) صل الصلاة لوقتها يعني: إذا أخرت الصلاة فصل الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمت فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي.
ودليل آخر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى صلاةَ الفجرِ ذاتَ يومٍ في مسجدِ الخَيْفِ في مِنًى، فلما انصرفَ مِن صلاتِهِ إذا برَجُلين قد اعتزلا، فلم يصلِّيا، فدعا بهما، فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فرائصُهُما هيبةً مِن رسولِ الله ﷺ، فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟». قالا: يا رسولَ الله، صلَّينا في رِحالِنَا. قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (٨).
فاستفدنا من هذا الحديث المطول: أن الصلاة الثانية تقع نافلةً، والصلاة الأولى هي الفريضة، وعلى هذا فإذا قدر أن شخصًا صلى في مسجده، ثم جاء إلى مسجد آخر لحضور درس، أو لحاجة من الحوائج، أو لشهود جنازة ووجدهم يصلون، فالأفضل أن يصلي معهم، وتكون صلاته معهم نافلةً، والصلاة الأولى هي الفريضة، ولا تكون الثانية هي الفريضة؛ لأن الأولى سقط بها الفرض، فصارت هي الفريضة، والثانية تكون نافلةً.
ولكن إذا أدرك بعضها، فهل لا بد من إتمامها، أو له أن يسلم مع الإمام؟
نقول: هي نافلة، فإن سلم مع الإمام إذا صلى ركعتين مثلًا، إذا صلى ركعتين مع الإمام فإن سلم معه فلا بأس؛ لأنها نافلة لا يلزمه إتمامها، وإن أتم فهو أفضل؛ لعموم قوله ﷺ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٩).
وقول المؤلف: (إلا المغرب) يعني: فإنه لا تسن إعادتها.
[ ١ / ١٧٩٨ ]
وعللوا ذلك بأن المغرب وتر النهار كما جاء في الحديث، والوتر لا يسن تكراره، فإنه لا وتران في ليلة، أيضًا لا وتران في يوم.
ولكن هذا التعليل فيه شيء؛ لأنه يمكن أن نقول: الفارق بين هذا وبين وتر الليل: أن إعادة هذا الوتر له سبب، وهو إقامة الجماعة الثانية، بخلاف وتر الليل، فإنه لا يعاد، لكن هذا يعاد من أجل السبب الذي حدث، وهو حضور الجماعة، هذا وجه، يعني هذا وجه الفرق بين وتر الليل ووتر النهار.
الشيء الثاني نقول: إن عموم قول النبي ﷺ: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ» يشمل المغرب؛ لأن النبي ﷺ لم يستثن شيئًا.
وبهذا صار القول الصحيح في هذه المسألة: أنه يعيد حتى المغرب؛ لأن لها سببًا، وهو إقامة الصلاة مرة ثانية في هذا المسجد.
فإن قال قائل: هل يسن أن يقصد مسجدًا للإعادة، بمعنى أنه إذا صلى في جماعة مبكرة، وهو يعلم أن هناك جماعة متأخرة؛ هل يسن أن يذهب إلى المسجد للإعادة؟
الجواب: لا يسن؛ لأن ذلك ليس من عادة السلف، ولو كان هذا من أمور الخير لكان أول الناس فعلًا له من؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: الصحابة السلف، ولا كانوا يفعلون هذا، لكن إذا كان هناك سبب استوجب أن تحضر إلى المسجد، فإذا حضرت وأقيمت الصلاة فصلى معهم فإنها نافلة.
ونأخذ من هذه الحكم الشرعي: أن للشرع نظرًا في توافق الناس وائتلافهم وعدم تفرقهم؛ لأننا طالبنا هذا أن يعيد الصلاة من أجل أن يكون مع المسلمين، لا يدخل المسجد ويبقى وحده، ويقول: أنا صليت، نقول: صل مع المسلمين، فإن هذا أفضل، حتى يكون مظهر الأمة الإسلامية مظهرًا واحدًا، لا تختلف فيه.
[ ١ / ١٧٩٩ ]
ونخلص من هذا إلى أن ما يفعله بعض الناس في قيام رمضان؛ إذا صلوا عشر ركعات خلف إمام يصلي عشرين ركعة تجدهم يجلسون ويدعون الإمام، حتى إذا شرع في الوتر قاموا فأوتروا معه، فإن هذا عمل خلاف ما دلت عليه السنة، وخلاف ما كان السلف يتحرونه من موافقة الإمام في اجتهاداته.
وإذا كان الصحابة ﵃ وافقوا عثمان في زيادة الصلاة، في نفس ركوعاتها، فكيف بزيادة صلاة مستقلة؟ فالصحابة ﵃ تابعوا عثمان حينما أتم الصلاة في منى، فإن المعروف من سنة الرسول ﷺ، وسنة أبي بكر، وسنة عمر، وسنة عثمان، ثمانية سنوات أو ست سنوات من خلافته أنهم كانوا يصلون في منى ركعتين، وفي آخر خلافة عثمان صار يصلي أربعا، حتى إن ابن مسعود ﵁ لما بلغه ذلك استرجع، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فجعل هذا أمرًا عظيمًا، ومع ذلك كانوا يصلون خلفه أربع ركعات مع إنكارهم عليه، كل هذا من أجل درء الخلاف، حتى قيل لابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، كيف تصلي مع عثمان أربع ركعات وأنت تنكر هذا؟ فقال: إن الخلاف شر (١٠). وهذا هو الصحيح، هذا هو الذي أمر الله به، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
[ ١ / ١٨٠٠ ]
الأمة الإسلامية أمة واحدة، وإن اختلفت آراؤها يجب أن يكون مظهرها واحدًا لا تختلف؛ لأن الأمة الإسلامية لها أعداء يعلنون العداوة صراحةً، وهم الكفار الصرحاء، مثل اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين والشيوعيين وغيرهم، وأناس أعداء لكنهم يخفون عداوتهم، مثل المنافقين، وما أكثر المنافقين في زماننا، وإن كانوا يتسمَّون باسم غير النفاق، كحزب معين مثلًا، لكنهم منافقون، طوائف تختلف لها أسماء وأشكال لكن المسمى واحد، كلها حرب على الإسلام وعلى أهل الإسلام، لذلك يجب على أهل الإسلام أن يكونوا أمةً واحدة.
ويؤسفنا كثيرًا أن نجد من الأمة الإسلامية المتفتحة من تختلف في أمور يسوغ فيها الخلاف، لكن الخلاف فيها لا يصل إلى اختلاف القلوب، فإن الخلاف فيها موجود في عهد الصحابة، ومع ذلك بقيت قلوبهم متفقة، فالواجب على الشباب خاصة وعلى كل ملتزم الواجب أن يكونوا يدًا واحدة، ومظهرًا واحدًا؛ لأن لهم أعداء يتربصون بهم الدوائر.
ونعلم جميعًا أن التفرق أعظم سلاح يفتت الأمة ويفرق كلمتها، حتى إن من القواعد المشهورة عند الناس: أنك إذا أردت أن تنتصر على أحد فاحرص على التفرقة بينهم؛ لأنهم إذا اختلفوا صاروا سلاحًا لك على أنفسهم، فالواجب أن تكون الأمة كلمتها واحدة وليس أحد بمعصوم، لكن إذا خالفك شخص في الرأي في آية أو حديث مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فالواجب عليك أن تتحمل هذا الخلاف، بل أنا أرى أن الرجل إذا خالفك بمقتضى الدليل عنده لا بمقتضى العناد أرى أنه ينبغي أن تزداد محبةً له؛ لأن الذي يخالفك بمقتضى الدليل لم يصانعك ولم يحابك، صار صريحا مثلما أنك أنت صريح، أما الرجل المعاند فالمعاند معاند ما أراد الحق، لكن الإنسان اللي تعرف أنه لم يحمله على تلك المخالفة إلا الدليل فيجب أن تتمسك به أكثر، وأن تقول: هذا الرجل الصريح الذي لا يصانعني ولا يداريني ولا يماريني هذا هو الحق.
[ ١ / ١٨٠١ ]
فالحاصل أن نقول: إن الأمة الإسلامية يجب أن تكون واحدة، كلمتها واحدة متفقة، حتى لا تختلف القلوب؛ لأن اختلاف القلوب من أكبر الفشل والضعف والوهن في الأمة الإسلامية. نسأل الله أن يجمع قلوبنا على الحق.
طالب: لو إنسان صلى في مسجده ثم أراد أن يذهب إلى مسجد جماعة أخرى للدرس مثلًا، والجماعة قامت، فهل ينتظر خارج المسجد أو يدخل، أيهما؟
الشيخ: الأولى أن يدخل لا يحرم نفسه.
الطالب: إذا كان بقي قليل؟
الشيخ: إذا كانوا في التشهد لا بأس.
طالب: بعد إعادة صلاة المغرب إتمام الصلاة بركعة رابعة.
الشيخ: لا، ما حاجة؛ لأن هذا إنما كان تبعًا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة () يستثنى يا شيخ إذا كان المسجد أبعد () ما يشكل ().
الشيخ: ما يشكل على هذا؛ لأنه مجاور لمسجد الرسول؛ لأن فيه ميزة.
طالب: وإن أرادوا أن يقربوا المسجد لأجل الصلاة.
الشيخ: ما يخالف، لا يدعوا منازلهم، إحنا ما نقول للشخص: انزل قريبًا من المسجد، نقول: كونك تبقى في مكانك يكتب لك الأجر أحسن.
طالب: لو أراد أن يصلي مع الجماعة الثانية قلنا له أن يقطعها ..
طالب آخر: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان في الحي مسجدان، أحدهما أكثر جماعة، نأمر المسجد الذي فيه أقل جماعة أنهم ينضمون إلى المسجد الذي فيه أكثر جماعة.
الشيخ: لا، ما نأمرهم إلا في حالة نادرة، مثل لو كان المسجد هذا ما فيه إلا أربعة خمسة وذلك فيه كثير، ولا يشق عليهم، أما إذا كان يشق لا.
طالب: طيب يا شيخ الآن إذا كان فيه أربعة أو خمسة أمرناهم () إلى المسجد الثاني المسجد هذا يسكر يا شيخ.
الشيخ: لا، ما يسكر، يباع ويحط مسجد آخر.
طالب: يمكن تحويله يا شيخ إلى () قرآن وكذا.
الشيخ: ممكن إذا لم يكن هناك مسجد آخر محتاجين له ممكن.
[ ١ / ١٨٠٢ ]
طالب: جزاكم الله خيرًا، ذكرنا أن المغرب وتر النهار يجوز له الإعادة؛ لأن له سببًا، فهم يصلون الآن التراويح يا شيخ، يصلون مع الوتر ثم يأتون يصلون التهجد في آخر الليل، والإمام يصلي الوتر مرة أخرى، هل يعيد لأنه جماعة في المسجد؟
الشيخ: لا بأس، لكن إذا كان يعلم أنه سيأتي في آخر الليل فلا يوتر أول الليل.
الطالب: لكن إذا ما كان يعلم؟
الشيخ: أما إذا كان ما يعلم لكن صادف أنه جاء فنعم يوتر ولا حرج.
طالب: () يا شيخ.
الشيخ: إي هذا تابع.
طالب: نحن قلنا في بعض الأفعال التي في صلاة النفل مثلًا قلنا: النظر التلفت في صلاة النفل لا يجوز؛ لأن الإنسان لما أوجبها على نفسه أصبحت واجبة.
الشيخ: من قال هذا؟ أنت قلت أما نحن ما قلنا.
الطالب: يا شيخ صلاة النافلة.
الشيخ: صلاة النافلة نفل، حتى في أثنائها لك أن تتركها.
طالب: لا، قلنا: إذا دخل فيها لا يخل بأركانها.
الشيخ: يعني معناه أنه إما يأتي بها تامة الأركان ولا يتركها.
طالب: يا شيخ، والإنسان إذا صلى مع الإمام الآن ألزم نفسه بها، وألزم نفسه بالإمام، لما دخل فيها أصبح ملزمًا بمتابعة الإمام، لم نقول يا شيخ: يجوز له أن يقطعها؟
الشيخ: يجوز أن يقطعها حتى مع الإمام؛ لأنها نافلة بنص الحديث: «فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
الطالب: بس مطالب الآن بمتابعة الإمام ..
الشيخ: ما يخالف، هو مطالب، لكن كون الرسول يصرح بأنها نافلة حتى مع الإمام قال: «صَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
الطالب: يكون مخصصًا يا شيخ.
الشيخ: مخصص لكن لو بقيت مثلًا أنت بتصلي مع الإمام هذه النافلة وتركع قبله، تسجد قبله، قلنا: لا، ما دمت مع الإمام فالتزم بالإمام، أما إذا قطعتها كيف.
الطالب: ولا تحسب له شيئًا إذا قطعها ..
الشيخ: لا، ما تحسب له شيئًا، إذا قطعها ما تحسب له شيئًا.
الطالب: إذا صلى ركعتين.
الشيخ: لا، تحسب ركعتين.
[ ١ / ١٨٠٣ ]
طالب: إذا دخلت مسجد يا شيخ أصلي جماعة، وأدركت في التشهد الأخير وأنا ما أدري أنه التشهد الأخير، فسلم وأنا أدري فيه مسجد آخر الآن ما أقاموا الفريضة، هل أسلم وألحق بالمسجد ..
الشيخ: إذا كان تقطعها وتلحق بالمسجد الثاني، أو تقلبها نفلًا وتكمل ركعتين وتروح المسجد الثاني.
طالب: الأفضل يا شيخ؟
الشيخ: الأفضل إذا كانك تخشى ما تدرك المسجد الثاني من أول الصلاة فاقطعها، وإن كان معك وقت فاجعلها نفلًا وصل ركعتين.
طالب: يقال بأن رجل يا شيخ في هذا المسجد أقام الصلاة أيام المرحوم الريس، فجئت وصليت ثم أعدت الصلاة.
الشيخ: أنا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا ما هو صحيح، صليت معه وأتممت صلاتي.
طالب: شيخ، إذا كان إمام المسجد مبتدعًا صاحب موالد وصوفيًّا، ووكّل إنسانًا آخر أنه مثله مبتدع صوفي، أنا كنت ساكنًا في الحي، هل يحق لي إذا غاب الإمام أتقدم أنا بدون الموكل.
الشيخ: لكن ويش معنى صوفي؟
طالب: يعني: مبتدع صاحب بدع.
الشيخ: لكن أحيانًا ترى بعض الناس يظن أنه صوفي وما هو صوفي، بعض الناس إذا شاف واحد عليه أثر العبادة قال: هذا صوفي.
الطالب: لا، إذا كان أفعاله يقر أنه يقول: أنا صوفي ويتبع مثلًا الشخص الفلاني، والشخص الفلاني معروف أنه ..
الشيخ: إذا كانت بدعته مكفرة فلا يجوز أن يصلى خلفه، إذا كانت مفسقة جاز أن يصلى خلفه، لكن يجب على المسؤولين أن يزيلوا هذا عن الإمامة.
***
طالب: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة.
وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فإن كان في نافلة أتمها، إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها، ومن كبر قبل سلام إمامه لحق الجماعة، وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة. ولا قراءة على مأموم، ويستحب ..
[ ١ / ١٨٠٤ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن صلاة الجماعة.
طالب: حكمها واجبة.
الشيخ: واجبة طيب.
هل هي فرض عين أو كفاية؟
طالب: وجوب الجماعة فيه أقوال، نقول: إن الراجح أنه فرض عين.
الشيخ: أنها فرض عين، هل هي شرط؟
طالب: ليست شرطًا؟
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: أولًا لأنها واجبة للصلاة، لا في الصلاة.
الشيخ: لا نريد الدليل، ما هو التعليل؟
طالب: قول النبي ﵊: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (١١) ..
الشيخ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ». وجه الدلالة؟
طالب: حيث أثبت المفاضلة لصلاة الفذ، ولو كانت شرطًا لما كان لصلاة المنفرد فضل.
الشيخ: نعم صحيح.
إذا كانوا في الثغر فهل الأفضل أن يصلوا جماعات أو جماعة واحدة؟
طالب: يفضل أن يصلوا جماعة، إلا إذا كان لتركهم مواقعهم مضرة عليها، فيصلي كل واحد منهم ..
الشيخ: الأفضل أن يصلوا جماعة في مسجد واحد إلا.
الطالب: إلا أن يكون في ذلك.
الشيخ: ضرر في حماية الثغور.
الطالب: فكل في مكانه.
الشيخ: نعم.
الأبعد أولى من الأقرب، لماذا؟
طالب: لقول النبي ﷺ في حديث أنه «مَنْ خَرَجَ مُتَطَهِّرًا مِنْ بَيْتِهِ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً» (١٢).
الشيخ: «لِأَنَّهُ لَا يَخْطُو خُطْوَةً».
الطالب: «إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً».
الشيخ: «لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» ما فيه دليل آخر؟
طالب: الأبعد.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أيضًا قول النبي ﷺ في يوم الجمعة: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً» (١٣).
الشيخ: لا. نعم.
طالب: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» (١٤).
[ ١ / ١٨٠٥ ]
الشيخ: وغير؟
طالب: قول الرسول ﷺ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ ()».
الشيخ: «أَبْعَدُهُمْ مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى»، «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» (١٥).
هل هذا الدليل فيه دلالة على ما ذكر أن الإنسان يقصد الأبعد؟
طالب: الفضل.
الشيخ: ما يخالف، كل يريد الفضل، هل معناه أن نقول لأهل البلد الذين في شرق البلد: صلوا في المساجد التي في الغرب وأنتم يا أهل الغرب صلوا في المساجد التي في الشرق.
الطالب: لا نقول لهم هذا.
الشيخ: أيش نقول؟ لأنه يلزم من هذا إذا قلنا: إن الأبعد أفضل أن نقول: الذين في الشرق يذهبون إلى مساجد الغرب.
الطالب: الأمر ليس للوجوب.
الشيخ: طيب، الأفضل إحنا ندور الأفضل.
الطالب: نقول: لو أدى هذا الأمر إلى هجران المساجد التي بجانب ..
الشيخ: لا، ما هي بهجران يجيئونها الشرقيون يتقابلون في نصف الطريق.
طالب: شيخ، نقول: إن هذا لمن لا يوجد مسجد قريب عنده، أما إن كان يوجد مسجد قريب فهو أولى، وإنما الرسول ﷺ بين الفضل حتى لا يتوانى من كان المسجد بعيدًا عنه.
الشيخ: نعم وأيضًا حديث «أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى»، يعني معناه أن البعيد إذا سار مثلًا نحن حول المسجد جيران المسجد واللي وراهم اللي وراهم أفضل، ولهذا ما قال الرسول: أفضل المساجد أبعدها، قال: أفضل الناس أو «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ»، فالكلام على المنازل، إذا كان منزلك بعيدًا وفيه منزل قريب فصاحب المنزل البعيد أعظم أجرًا، هذا المعنى، ليس المعنى أن نقصد المساجد البعيدة من أحيائنا، ولهذا ذكرنا نحن أن القول الراجح في هذه المسألة أن يكون الإنسان في مسجد الحي؛ لأن مسجد الحي يحصل به من المصالح أكثر من المسجد البعيد.
هل يجوز للإنسان أن يصلي في مسجد له إمام راتب؟
[ ١ / ١٨٠٦ ]
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: مطلقًا.
الطالب: إلا بإذن أو ..
الشيخ: إلا بإذن.
الطالب: أو عذر.
الشيخ: أو عذر، تمام، ما الدليل؟
طالب: الدليل قول الرسول ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (٦).
الشيخ: هذا دليل التعليل.
طالب: التعليل أن يكون فيه تشويش وأخذ وهضم لحق الإمام.
الشيخ: نعم، صحيح، افتئات عليه وهضم لحقه، وربما يحدث عداوة أو بغضاء بين الإمام وبين هذا الذي صلى في مسجده.
ما حكم إعادة الصلاة لمن صلاها من قبل؟
طالب: يسن له إعادتها.
الشيخ: إذا صلى ثم أقيمت الصلاة مرة ثانية سن أن يعيدها، ما الدليل؟
طالب: روى مسلم عن أبي ذر قال النبي ﷺ «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّهَا وَلَا تَقُلْ: إِنِّي صَلَّيْتُ ()» (٧).
الشيخ: طيب وغيره؟
طالب: حديث النبي ﷺ: كان في منى بعدما صلى الفجر وجد رجلين لم يصليا فدعاهما وقال: لم لم تصليا؟ قالا: يا رسول الله، صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما ..
الشيخ: «إِذَا صَلَّيتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (١٦).
قال المؤلف ﵀: (إلا المغرب).
طالب: أخذناها.
الشيخ: أخذناها، طيب المغرب لا تسن إعادتها، فلماذا؟
طالب: قالوا: إن المغرب وتر النهار ().
الشيخ: والوتر لا يكرر.
ولكن الصحيح أنه تسن إعادة المغرب؛ لعموم الحديث؛ حديث أبي ذر وحديث الرجلين اللذين تخلفا عن صلاة الفجر، الصحيح أن المغرب تسن إعادتها، ولكن إذا أعيدت فهل يتمها المعيد، يأتي بركعة بعد انتهاء الصلاة لتكون شفعًا، أو يسلم مع إمامه؟ ذكرنا أن القول الراجح أن يسلم مع إمامه؛ لأن هذه إعادة لصلاة، وليست مستقلة، فالصحيح المختار أنه لا يشفعها بركعة، فصار لدينا الآن ثلاثة أقوال في المغرب:
[ ١ / ١٨٠٧ ]
القول الأول: لا تسن إعادتها.
الثاني: تسن، ويشفعها بركعة.
الثالث: تسن ولا يشفعها، وهذا الأصح.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة)، صورتها أن يصلي الإمام الراتب في الجماعة، ثم تأتي جماعة أخرى فتصلي في نفس المسجد، فهل تكره إعادة الجماعة هذه أو لا تكره؟
صرح المؤلف بأنها لا تكره، قال: (لا تكره إعادة الجماعة)، ونفي الكراهة يدل على أن المسألة مباحة فقط، وأنها ليست بمشروعة، ولكن نقول: إن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن مراده بنفي الكراهة دفع قول من يقول بالكراهة، وعلى هذا فلا ينافي القول بالاستحباب، بل بالوجوب؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وقد نبه على ذلك كثير من المتأخرين على أن مراد المؤلف وغيره ممن قال: لا تكره، مراده أيش؟ دفع القول بالكراهة؛ لأن بعض العلماء قال: تكره، ولكن هو يقول: إنها لا تكره، يعني أننا لا نقول بهذا القول، وإذا لم نقل بهذا القول رجعنا إلى الأصل، فالأصل أن صلاة الجماعة واجبة.
وعلى هذا فتكون إعادة الجماعة إذا فاتت مع الإمام الراتب تكون واجبة؛ لأن الجماعة واجبة.
وقال بعض أهل العلم: إنها مستحبة وليست بواجبة؛ لأن الصلاة الأولى هي التي يجب على المكلف حضورها، وهي التي يحصل بها الفضل العظيم الذي رتبه النبي ﷺ، هذه صورة المسألة.
لكن ينبغي أن يقال: إن هذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون هذا أمرًا راتبًا.
والصورة الثانية: أن يكون أمرًا عارضًا.
[ ١ / ١٨٠٨ ]
والصورة الثالثة: أن يكون المسجد مسجد سوق، أو مسجد خط سيارات، أو ما أشبه ذلك، فإذا كان مسجد سوق يعني يتردد أهل السوق يأتي الرجلان والثلاثة والعشرة يصلون ثم يخرجون، كما يوجد في المساجد التي في بعض الأسواق، فهذه لا تكره إعادة الجماعة فيها، قال بعض العلماء: قولًا واحدًا، ولا خلاف في ذلك؛ لأن هذا المسجد من أصله معد لجماعات متفرقة، ليس له إمام راتب يجمع الناس، فلا تكره إعادة الجماعة فيه قولًا واحدًا.
الصورة الثانية: أن تكون إعادة الجماعة راتبة في غير مساجد السوق ومساجد الطرقات والخطوط، الآن الخطوط فيها مساجد على الخط، هل نقول: إذا جاء جماعة وصلوا ثم جاء آخرون بعدهم وقفوا سيارتهم نقول: لا تصلون جماعة؟ لا ما نقول بالاتفاق، نقول: صلوا؛ لأن هذا المسجد لم يعد لجماعة مخصوصة معينة، بل معد لكن من جاء يصلي جماعة.
الصورة الثانية أن يتخذ ذلك راتبًا، بمعنى أن يكون في المسجد جماعتان دائمًا: الجماعة الأولى والجماعة الثانية، فهذا لا شك أنه مكروه؛ لأنه بدعة لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ وأصحابه.
ومن ذلك ما كان معروفًا في المسجد الحرام سابقًا، المسجد الحرام سابقًا قبل أن تتولى السعودية عليه كان فيه أربع جماعات، كل جماعة لها إمام: إمام الحنابلة يصلي بالحنابلة، إمام الشافعية يصلي بالشافعية، إمام المالكية يصلي بالمالكية، إمام الأحناف يصلي بالأحناف.
[ ١ / ١٨٠٩ ]
() يقول: تبطل صلاة الحنبلي خلف الإمام الشافعي مثلًا ما () يقولون بهذا أو لا، المهم أنه معروف أنت من الحنابلة قال: نعم، قال: روح مع الباب الثاني هناك جماعتهم، أنت من الشافعية، روح مع الباب الثاني هذاك جماعتهم، هكذا كانت يسمونه: هذا مقام الشافعي، هذا مقام المالكي، هذا مقام الحنبلي، هذا مقام الحنفي، معروف، لكن جزاه الله خيرًا الملك عبد العزيز لما استولى على مكة قال: لا يمكن، هذا تفريق الأمة، معناه أن الأمة الإسلامية متفرقة في مسجد واحد، وهذا لا يجوز، فجمعهم على إمام واحد.
إذن نقول: إذا اتخذت إعادة الجماعة سنة راتبة فإن ذلك يكره إن لم نقل: إنه حرام، لماذا؟ لما فيه من تفريق الناس.
ثانيًا: أنه دعوة للكسل؛ لأن الناس يقولون: ما دام فيه جماعة ثانية ننتظر حتى تأتي الجماعة الثانية، فيتوانى الناس عن حضور الجماعة مع الإمام الراتب الأول، فهذا لا شك في أنه مكروه أو بدعة محرمة.
الصورة الثالثة: أن تكون المسألة عارضة، يعني: الإمام الراتب هو الذي يصلي بجماعة في المسجد، لكن أحيانًا يتخلف رجلان أو ثلاثة أو أكثر لعذر، فهذا هو محل الخلاف.
فمن العلماء من قال: لا تعاد الجماعة، بل يصلون فرادى.
ومنهم من قال: بل تعاد، وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب الحنابلة كما رأيتم، ودليل ذلك:
أولًا: حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (٣)، وهذا نص صريح في أن صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، ولو قلنا: لا تقام الجماعة لزم أن نجعل المفضول فاضلًا، وهذا خلاف النص.
[ ١ / ١٨١٠ ]
ثانيًا: أن الرسولَ ﷺ كان جالسا ذاتَ يومٍ مع أصحابه، فَدَخَلَ رَجُلٌ بعدَ أن انتهتِ الصَّلاةُ، فقال: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟»، فقامَ أَحَدُ القومِ فَصلَّى مع الرَّجُلِ (١٧). وهذا نص صريح في إعادة الجماعة بعد الجماعة الراتبة، حيث تطلع النبي ﵊ إلى من يصلي مع هذا الرجل، وقول من قال: إن هذا صدقة، وإذا صلى اثنان في المسجد وقد فاتتهما الصلاة فصلاة كل واحد منهما واجبة؟ نقول: إذا كان يؤمر بالصدقة، ويؤمر من قد صلى أن يقوم فيصلي مع هذا الرجل، فكيف لا يؤمر من لم يصل أن يصلي مع هذا الرجل؟
إذن فالقول الصواب بلا شك أن صلاة الجماعة في هذه الحال مشروعة؛ لأمر النبي ﷺ، وبعموم حديث أبي بن كعب: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ».
فصارت هذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون هذا المسجد ليس له إمام راتب، وإنما هو مسجد شارع سوق أو مسجد خط سيارات، كل من جاء دخل وصلى، فإن إعادة الجماعة في هذا المسجد لا تكره بالاتفاق.
الصورة الثانية: عكس هذه المسألة، وهي أن تعاد الجماعة ثانية على وجه الاستمرار، على وجه راتب، فهذه أقل أحوالها أن تكون مكروهة.
الصورة الثالثة: أن تكون عارضة في غير مساجد الطرقات والأسواق، فهذه محل الخلاف، والصحيح أنها سنة، بل لو قيل بالوجوب لكان أقرب.
وقول المؤلف: (في غير مسجدي مكة والمدينة) يعني: في غير المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ، فتكره إعادة الجماعة فيهما، قالوا: لئلا يتوانى الناس عن حضور الصلاة مع الإمام الراتب.
[ ١ / ١٨١١ ]
ولكن هذا التعليل لو أخذنا به لانطبق على المسجدين وغيرهما على حد سواء، ولهذا كان القول الثاني في هذه المسألة هو الصحيح: أن إعادة الجماعة لا تكره لا في المسجدين ولا في غيرهما، وأن المسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرهما في حكم إعادة الجماعة، وعلى هذا فإذا دخلت المسجد الحرام وقد فاتتك الصلاة مع الإمام الراتب أنت وصاحبك، فصليا جماعةً ولا حرج، هذا هو الصحيح.
فيكون قول المؤلف: (في غير مسجدي مكة والمدينة) يكون هذا قولًا مرجوحًا، والصواب أن مسجدي مكة والمدينة كغيرهما لا تكره فيهما إعادة الجماعة.
طالب: ما ذكر بيت المقدس.
الشيخ: إي نعم، يقول: لم يذكر بيت المقدس، وصدق، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى ما ذهب إليه بأن بيت المقدس كالمسجدين تكره فيه إعادة الجماعة؛ لأن بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن الفقهاء المشهور من المذهب أن بيت المقدس كغيره والصحيح أن بيت المقدس والمسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرها من المساجد.
طالب: حجة يا شيخ من يقول: إنه لا يجوز إعادة الجماعة؟
الشيخ: أبدًا، حجتهم العلة هذه اللي ذكرت، ألا يتواني الناس عن حضور إمام راتب.
الطالب: لكن إذا جاء رجل وقد فاتته الصلاة وجاء إلى المسجد فلا يجوز مثلًا أن يكون ..
الشيخ: يكره.
الطالب: حجتهم؟
الشيخ: هذه يقول: لأنه إذا عرف الإنسان أنه بيلقى جماعة متأخرة تأخر.
الطالب: هذه فقط؟
الشيخ: أبدًا ما عندهم غير هذا.
طالب: قلتم يا شيخ في الدرس الماضي: إنه يصلي في المسجد القريب يعني.
الشيخ: نعم، الأفضل في مسجد حيه.
الطالب: إي نعم، قلتم: لئلا يكون فيه إمام مسجد في نفسه شيء طيب دخل شيء على النية بيخالطها شيء أن يكون إتيانه المسجد من أجل الإمامة، من أجل أن يراه الإمام قد صلى معه.
[ ١ / ١٨١٢ ]
الشيخ: لا، ما هو من أجل أن يراه قد صلى، هذا يكون رياء، لكن من أجل التأليف؛ حتى لا يكون في قلب الإمام شيء، ما هو في قلبه شيء عليه؛ لأنه ما صلى، لا؛ لأنه قد يقول: إنه ما صلى معي لأنه مثلًا ما يراني أهلًا للإمامة، أو في شيء في الدين فيحمل عليه الحقد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، يستدلون كذلك بأن النبي ﷺ أتى إلى المسجد ذات يوم فوجد أن الجماعة قد صلوا فذهب إلى بيته وجمع بأهله فصلى بهم.
الشيخ: من هو؟
طالب: النبي ﷺ.
الشيخ: النبي، الله المستعان! الله المستعان!
اعرف الحديث جيدًا، هذا روي عن ابن مسعود (١٨)، وروي عنه أيضًا شيء آخر خلاف ذلك نقله صاحب المغني قال: إنه روي عن ابن مسعود إعادة الجماعة في المسجد، فيكون عنه في ذلك روايتان، وأيضًا ابن مسعود إن صح عنه هذا فليس بدليل؛ لأن كلام الرسول ﷺ مقدم عليه، ثم إن هذه قضية عين، ما قال: يا أيها الناس إذا فاتتكم الجماعة فصلوا في بيوتكم، ربما يخشى أنه لو صلى في المسجد () الإمام قال: هذا صاحب رسول الله ﷺ ما صلى خلفي إذن فيه شيء، وربما أنه إذا رآه الناس وهو ابن مسعود يصلي بعد صلاة الجماعة قالوا: إذن ما دام هذا ابن مسعود توانى وتأخر فنحن من باب أولى، فقضايا الأعيان لها أحوال وقرائن توجبها، بخلاف دلالة الأقوال، الأقوال واضحة.
طالب: ما يقال يا شيخ: إنه لم يجد جماعة فذهب إلى البيت لأنه سيجد جماعة.
الشيخ: ما ندري، ولهذا نقول: قضية عين، يحتمل هذا أيضًا.
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء يستدلون بتحريم الصورة الثالثة () قديمًا بأنه يشابه مسجد ضرار، فهل هذا الاستدلال صحيح؟
الشيخ: يعني كل واحد له إمام.
طالب: إي نعم يقول: هذا محرم؛ لأنه مشابه ..
[ ١ / ١٨١٣ ]
الشيخ: والله على كل حال ما فيه مسجد ضرار؛ لأن الحنبلي ما هو برايح يصلي وراء الشافعي في ذلك الوقت، ما فيه مسجد ضرار، لكن لا شك أنه تفريق للمسلمين، سبحان الله، ما هم كلهم مسلمون، ليش نقول عند هذا شافعي صل في مكانك وهذا مكانك، أنا أدركت الأمكنة لكن ما أدركت الناس يصلون، لكن أدركت الأمكنة: محلات قبب أو شبهها مختصة.
طالب: إذا كان فيه جماعتان () أجعل الأولى نافلة والثانية هي الفرض، مسجد تقام فيه جماعتان تكون الأولى نافلة والثانية فرض.
الشيخ: لا، الأولى هي الفرض.
طالب: بس تكون الجماعة الثانية هي أكثر.
الشيخ: وليش تصلي في الأولى علشان أيش؟
طالب: مثلًا نكون في المدارس، المدرسون يصلون قبل الطلبة.
الشيخ: قبل الطلبة.
طالب: والطلبة تكون أكثر.
الشيخ: لكن نقول: ليش تصلي مع المدرسين ما دام أنك ترى تصلي مع الطلبة صل مع الطلبة.
طالب: أكون فيه بعض () يراقبون الطلبة.
الشيخ: والله أنا أرى أن الأفضل الأولى؛ لأنه لو لم يكن فيها إلا التقدم في الوقت هذا أوجد لنا سؤالًا آخر، لو فرضنا أن المسجد صغير وجعلنا الجماعتين راتبتين من أجل صغر المسجد، هل يكره أو نقول: هذا لحاجة؟
طلبة: لحاجة.
الشيخ: الظاهر أن هذا لحاجة لا بأس به، يعني لو فرضنا أن المسجد صغير ما يحمل الناس وصار يصلون جماعة أول ثم يطلعون ثم يجيء الجماعة الثانية، هذا الظاهر لا بأس به للحاجة. ()
الشيخ: حكم صلاة الجماعة.
طالب: صلاة الجماعة فيها أقوال.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: واجبة.
الشيخ: واجبة، الدليل؟
طالب: الدليل أن الرسول ﷺ أمر؛ قال: لو وجدت جماعة يصلون في بيوتهم لأمرت بتحريق بيوتهم.
الشيخ: أولًا: فيها دليل من الكتاب والسنة والنظر.
الطالب: من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا في السفر وجبت صلاة الجماعة.
الشيخ: والخوف في السفر والخوف.
[ ١ / ١٨١٤ ]
الطالب: وجبت صلاة الجماعة، فكانت في الحضر من باب أولى. ومن السنة قوله ﷺ.
الشيخ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ».
الطالب: «فَتُقَامَ فَآمُرَ جَمَاعَةً يُحَرِّقُونَ ()».
الشيخ: نعم رويته بالمعنى، نعم النظر.
طالب: النظر؟
الشيخ: النظر يعني الدليل من النظر، تعرف الدليل النظري؟
الطالب: لا ما أعرف.
الشيخ: إي، هذا مشكل، دليل النظر ما هو النظر بالعين.
طالب: أنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، يعد اجتماع أهل بلد دليلًا ..
الشيخ: ما حاجة ما يترتب عليها من المصالح.
النظر نقول: الدليل النظري هو ما يترتب عليها من المصالح التي تقتضي أن تكون فرضًا، إحنا ذكرنا اثنتي عشرة فائدة.
المؤلف يقول: (لا شرط)، فلماذا قال هذا؟
طالب: يرد على من قال: إن صلاة الجماعة شرط.
الشيخ: لدفع قول من يقول؟
الطالب: إنها شرط.
الشيخ: إنها شرط، من القائل بأنها شرط.
طالب: قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهي رواية عن الإمام أحمد.
الشيخ: لا، ابن القيم ما ذكره، ما نقل عنه.
الطالب: مشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: دليلهم القائلين بأنها شرط لهم دليل ما هو؟
الطالب: قالوا: إن الصلاة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
طالب آخر: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (١٩).
الشيخ: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
الطالب: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
الشيخ: طيب هذا واحد.
طالب: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ صَلَاةَ الْفَذِّ ..».
الشيخ: لا، هذا دليل عليهم.
طالب: لأن الصلاة واجبة والرسول ﷺ توعد من لم يحضرها، فقالوا: ما دام من ترك واجبًا في الصلاة فهي باطلة.
الشيخ: قالوا: إن صلاة الجماعة واجبة، والقاعدة أن الواجب إذا ترك عمدًا بطل ما وجب فيه.
[ ١ / ١٨١٥ ]
طالب: حديث أن النبي ﷺ هم أن يحرق على من يتخلفون عن صلاة الجماعة بيوتهم.
الشيخ: هذا يدل على الوجوب، الشرطية، على كل حال هذان دليلان.
طالب: الدليل حديث الأعمى ابن أم مكتوم، النبي ﷺ أوجب عليه أن يلبي إذا سمع النداء مع أن فيه مخاطر ..
الشيخ: هذا يدل على الوجوب.
الطالب: على الوجوب نعم.
الشيخ: نحن نريد الدلالة على الشرطية. الذين قالوا: إنها ليست بشرط.
طالب: أن النبي ﵊ قال: «إِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، كونه جعل الفضل دليلًا على صحتها، فإن الباطل لا يكون فيه فضل.
الشيخ: نعم أحسنت.
والجواب عن قولهم: إنها واجبة؟
طالب: الجماعة واجبة للصلاة وليست واجبة في الصلاة.
الشيخ: ليست واجبة فيها، بل هي واجبة لها، مثل؟
طالب: مثل السترة.
الشيخ: كالأذان.
طالب: كالأذان.
الشيخ: لو صلى بلا أذان صلاته صحيحة أو صلى بلا إقامة صلاته صحيحة مع الإثم.
يقول المؤلف: إنه يجوز أن يصلي الإنسان الجماعة في بيته، ما دليله؟
طالب: الدليل حديث عندما تخلف رجلان عن الرسول ﷺ، سألهم فقالوا: صلينا في رحالنا فلم ينكر عليهم.
الشيخ: فلم ينكر عليهم بل قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا».
الطالب: «وَأَتَيْتُمَا جَمَاعَةً».
الشيخ: «فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
طالب: استدلوا أيضًا بقوله ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١) الأرض كلها مسجد ().
طالب آخر: تكون صلاة الجماعة أحسن من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، والجماعة يعني في البيت وفي المسجد.
الشيخ: إي، طيب صح يقول: المقصود الجماعة، وقد حصلت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ.
الرد عليهم فيه قول، القول الثاني أنه لا يجوز أن يفعلها في البيت، بل لا بد أن يفعلها في المسجد، فما هو الدليل؟
[ ١ / ١٨١٦ ]
طالب: عمومات الأدلة تدل على الوجوب () «تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ» (٢٠).
الشيخ: ولم يقل: أو صل مع آخر في بيتك. هذا واحد.
طالب: كذلك هم النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين، ولم يقل: لقد هممت أن أحرق بيوتهم إلا أن يصلوا في بيوتهم جماعة.
الشيخ: نعم، أحسنت، فيه أيضًا دليل نظري.
طالب: حديث ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق (٢١)، وأيضًا قوله: من أراد أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات () (٢٢).
الشيخ: حيثُ يُنادَى بهنَّ، وهو ينادى بهن في المساجد.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
الشيخ: إي هم يقولون: ما يخالف، نركع في بيتنا مع الراكعين.
الطالب: في جماعة.
الشيخ: هم يقولون: في جماعة.
طالب: () الصلاة من شعائر الإسلام، يعني إذا صلوا في بيوتهم () الإسلام.
الشيخ: نعم يعني يفوت هذا، كذا؟
هذا يحتج به من يقول: إنها فرض كفاية، وعلى هذا فإذا كان فيه مساجد تقام فيها الجماعة فالباقون يصلون في بيوتهم. على كل حال الدليل مثلما قال الإخوان أن الرسول ﵊ أمر من سمع النداء أن يجيب حديث ابن مسعود، وحديث: «ثُمَّ أَنْطَلِق إِلَى قَوْمٍ -مَعَهُمْ حُزَمُ حَطَبٍ- إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ» ولم يقل: إلا أن يصلوا في بيوتهم، فالصحيح أنها واجبة في المسجد إلا لعذر.
لماذا كان المسجد العتيق أولى من الجديد على كلام المؤلف؟
طالب: لأن الطاعة تكون فيه أسبق.
الشيخ: لأن الطاعة فيه أسبق.
أيهما أقدم على القول الراجح: العتيق أو الأكثر جماعة؟
طالب: الأكثر جماعة.
الشيخ: الأكثر جماعة، الدليل؟
الطالب: قول النبي ﷺ: فما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله.
الشيخ: «وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ».
ذكر المؤلف أن الأبعد من المسجدين أولى من الأقرب.
[ ١ / ١٨١٧ ]
طالب: قول النبي ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ لَا يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً» (٤).
وقول النبي ﷺ: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».
الشيخ: وهل هذا الدليل الذي استدل به من قال بذلك هل فيه دليل لهم؟
طالب: علام؟
الشيخ: هل فيه دليل لهم على أن الإنسان يقصد الأبعد.
الطالب: نعم أفضلية إثبات الفضل فيها.
الشيخ: معناه إذن نقول: اللي في شرقي البلد يصلون في غربيه.
طالب: هذا إذا لم يجد بجواره مسجدًا.
الشيخ: المؤلف يقول: أبعد أولى من أقرب.
الطالب: إذا كان بعيدًا المسجد من الأصل يعني ليس يقصده هو بنفسه.
الشيخ: يعني إذن الأحاديث تدل على أن بعد البيت عن المسجد أفضل من قربه، وليس المعنى أنك تتقصد المساجد البعيدة، إي نعم، هذا هو الصحيح.
يقول المؤلف: إنه لا يجوز أن يؤم في المسجد الراتب إلا بإذنه أو لعذر، ما هو الدليل؟
طالب: استدلوا بحديث النبي ﷺ الذي في صحيح مسلم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» وفي رواية «فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ».
الشيخ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» وإمام المسجد هو سلطان المسجد.
ما الدليل على جواز الإمامة إذا كان معذورًا أو آذنًا؟
طالب: ما فعله أبو بكر الصديق ﵁ وعبد الرحمن بن عوف عندما تأخر النبي ﷺ () عبد الرحمن بن عوف فصليا ولم ينتظرا النبي ﷺ.
الشيخ: أما الإذن فالرسول ﵊ أذن لأبي بكر أن يصلي بالناس في حال مرضه.
المؤلف ﵀ استثنى من إعادة الجماعة، استثنى صلاة، فما هي؟ وما التعليل؟
طالب: إعادة الجماعة في نفس المسجد.
[ ١ / ١٨١٨ ]
الشيخ: لا، إعادة الجماعة لمن صلى ثم أقيمت الصلاة فيسن أن يعيد الجماعة، استثنى المؤلف صلاة واحدة فما هي؟ وما تعليلها؟
طالب: المغرب.
الشيخ: والتعليل؟
طالب: التعليل قال: إنها وتر النهار، ولا وتران في ليلة.
الشيخ: الوتر لا يكرر.
الطالب: لا يكرر، لكن هذا ().
الشيخ: ما يخالف.
هل هناك قول آخر باستحباب إعادة الصلاة ولو المغرب؟
طالب: فيها ثلاثة أقوال.
الشيخ: هل فيه أقول فيه قول أنها تستحب الجماعة؟
الطالب: نعم فيه.
الشيخ: حتى المغرب؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما دليل هذا القول؟
طالب: حديث تخلف في الحج رجلان، فالرسول ﷺ قال بالعموم ولا استثنى صلاة فيها.
الشيخ: قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
الطالب: ولم يستثن النبي ﷺ.
الشيخ: في هذا الحديث استدل بعض الإخوة قبل قليل بجواز صلاة الجماعة في البيت، فما هو الرد على هذا الاستدلال؟
طالب: أن الرسول ﷺ كان يصلي في المسجد.
الشيخ: إي ذاك، وأقرهما قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
الطالب: فيه أدلة غير هذا الدليل يدل على وجوب الصلاة في المسجد.
الشيخ: كيف تجيب على هذا الحديث؟
طالب: أن الرسول ﷺ لم يقل: إذا صليتما في رحالكما فلا تصليا، بل قال: إذا أتيتما المسجد فصليا مع الجماعة ولا تكفي صلاتكما في رحالكما.
الشيخ: ولم يقل أيش؟
طالب: ولم يقل: تكفي الصلاة في رحلكما.
الشيخ: ما هو الآن نريد الاستدلال على جواز الإعادة، نريد هل الاستدلال بهذا الحديث على جواز الصلاة بالبيت جماعة صحيح ولا لا؟
الطالب: أيوه صحيح.
الشيخ: إذن معناه شوف لك واحد واجلس وياه في البيت وصل معه تصلوا جماعة.
الطالب: لا، فيه قول يقول: إنه صحيح، لكنه مرجوح.
الشيخ: وأنت ويش تقول؟
[ ١ / ١٨١٩ ]
الطالب: أقول: ما هو صحيح.
الشيخ: طيب كيف تجيب عن الحديث؟
الطالب: أجيب أنه فيه أحاديث عامة ثانية في وجوب الصلاة في المسجد.
الشيخ: ما يخالف، لكن أجب عن هذا الحديث ولّا قل بالتعارض.
الطالب: الله أعلم.
الشيخ: الله أعلم تمام.
طالب: يجاب عنها أن الحديث () في الحج، والحج يحصل فيه () النبي ﷺ.
الشيخ: لا.
طالب: يرد عليه عدة احتمالات، هذا الحديث يحتمل أن رحالهما بعيدة عن المسجد، ويحتمل أيضًا أنهما يظنان أن النبي ﷺ قد قضى الصلاة، وإذا ورد الاحتمال على الدليل بطل الاستدلال به.
الشيخ: واحتمال ثالث جواز الصلاة في الرحال وعدم وجوب المسجد، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال، فيكون هذا الحديث مشتبهًا، وعندنا أدلة محكمة، فيحمل عليها.
طالب: ().
الشيخ: لا () تجب حتى ().
إذا قلنا باستحباب الإعادة في المغرب هل يشفعها بركعة أو يسلم مع الإمام؟
طالب: الظاهر أنه ما يشفعها، يسلم مع الإمام.
الشيخ: ولا فيه قول: إنه يشفعها بركعة؟
طالب: فيه قول: إنه يشفعها بركعة.
الشيخ: يعني فيه قول: إنه يشفعها بركعة لئلا يتكرر الوتر، وفيه قول ثان أن يسلم مع الإمام؛ لعموم: «فَصَلِّيَا مَعَهُمْ». وهذا القول أصح.
المؤلف ﵀ يقول: إنها لا تكره إعادة الجماعة إلا في مسجدي مكة والمدينة.
طالب: لا تكره، هذا القول غير صحيح الصحيح إن ..
الشيخ: لا دعنا، أنا قلت: اشرح. لا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة.
طالب: إذا صلوا في جماعة فلا تكره إعادة الجماعة مرة ثانية، وهذا له ثلاث صور.
الشيخ: لا، هو قال: في غير مسجدي مكة والمدينة، ويش معناه؟
الطالب: يعني في مسجد مكة والمدينة تكره الإعادة.
الشيخ: تكره الإعادة وفي غيرهما؟
الطالب: لا تكره.
الشيخ: لا تكره، لماذا؟
الطالب: لئلا يتكاسل الناس عن الصلاة مع الإمام.
الشيخ: مع الإمام الراتب.
هل التفريق بينهما وبين غيرهما وجيه ولّا غير وجيه؟
[ ١ / ١٨٢٠ ]
طالب: غير وجيه، ما عليه دليل، يعني المساجد واحدة.
الشيخ: المساجد واحدة إي نعم، هذا الصحيح أنه لا فرق.
ذكرنا أن الإعادة إعادة الجماعة تنقسم إلى أقسام:
طالب: تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن تكون عادة راتبة، وإما أن تكون طارئة، وإما أن يكون المسجد مسجد طريق أو مسجد سوق، ما في مسجد طريق ومسجد سوق، فلا خلاف فيه بجوازه.
الشيخ: أن من دخل صلى الجماعة.
الطالب: وأما في المسجد بعكسه، المسجد الذي اتخذ عادة أو راتبة فهذه أقل أحوالها الكراهة، وأما الطارئة ففيه خلاف، والصحيح أنها تجب.
الشيخ: أنها تستحب أو تجب.
طالب: إذا كان مسجد السوق له إمام راتب.
الشيخ: إذا كان له إمام راتب فنقول: هو كغيره، يكون حكمه أنه إن اتخذ رواتب بحيث يجعل له جماعتان هو مكروه.
طالب: فيه دليل يا شيخ على استثناء مكة والمدينة، أن النبي ﷺ حينما دخل رجل يريد يصلي قال: من يتصدق على هذا فيدل على مشروعية الجماعة في مسجد المدينة؟
الشيخ: يعني يدل على أن استثناء المؤلف المدينة فيه نظر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) هذا الكلام هو لفظ حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (٢٣)، فيكون هذا مسألة ودليلًا، يعني: جمع المؤلف بين كونه ذكرها مسألةً من مسائل العلم، وهي نفسها دليل، وهذا نادر.
لكن على كل حال يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (إذا أقيمت) هل المراد بإقامة الصلاة الذكر المخصوص الذي هو الإعلام بالقيام إلى الصلاة، أو المراد بإقامة الصلاة نفس الصلاة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ومن المعلوم أن إقامة الصلاة هو فعلها، والمراد إذا فعلت الصلاة يعني إذا شرع الإمام في الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة؟
[ ١ / ١٨٢١ ]
في هذا قولان لأهل العلم الذين شرحوا الحديث، فمنهم من يقول: إن المراد بإقامة الصلاة أي شروع الإمام في الصلاة، ومنهم من قال: المراد بالإقامة الذكر المخصوص الذي يراد به الإعلام بالقيام إلى الصلاة، وهي الله أكبر الله أكبر، وعلى هذا القول هل المراد الشروع في الإقامة أو المراد انتهاء الإقامة، يعني يكون معنى قول الرسول ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتْ»، أي إذا شرع المؤذن في الإقامة، أو إذا أقيمت، أي إذا تمت الإقامة؛ لأن الشيء إذا عُلق بشيء فإنه لا يتم حتى يتم ذلك الشيء، فإذا أقيمت لا تصدق الإقامة إلا على تمام الإقامة، وعلى هذا فيكون المعنى: إذا انتهى المقيم من إقامة الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فهذه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد بإقامة الصلاة الشروع فيها، يعني تكبيرة الإحرام.
والقول الثاني: أن المراد بالإقامة ابتداء الإقامة؛ التي هي الإعلام بالقيام إلى الصلاة.
والقول الثالث: أن المراد انتهاء الإقامة، وهذا القول قريب من القول بأن المراد بذلك الدخول في الصلاة، وإن كان الإمام قد يتأخر عن إتمام الإقامة إما بتسوية الصفوف، أو بحدوث عذر له، أو ما أشبه ذلك.
إنما هذه ثلاثة أقوال ولكن إذا عرفنا الحكمة من النهي؛ أمكننا أن نحدد المراد بالإقامة، الحكمة من النهي هي ألا يتشاغل الإنسان بنافلة يقيمها وحده إلى جنب فريضة تقيمها الجماعة؛ لأنه يكون حينئذ مخالفًا للأمة من وجهين:
الوجه الأول: أنه في نافلة، والناس في فريضة.
والثاني: أنه يصلي وحده، والناس يصلون جماعةً، فإذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدد المعنى في قوله: (إذا أقيمت الصلاة).
فنقول: من المعلوم أن الإنسان لو شرع في النافلة بعد أن يبدأ المقيم في الإقامة، فإنه لن ينتهي منها غالبًا إلا وقد شرع الناس في صلاة الجماعة. وحينئذ لا يجوز أن يبتدئ صلاة نافلة بعد شروع المقيم في الإقامة.
[ ١ / ١٨٢٢ ]
فإن كان في نافلةٍ أَتَمَّها إلا أن يَخْشَى فَواتَ الجماعةِ فيَقْطَعَها، ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلامِ إمامِه لَحِقَ الجماعةَ، وإن لَحِقَه راكعًا دَخَلَ معه في الركعةِ وأَجزأَتْهُ التحريمةُ. ولا قراءةَ على مأمومٍ، ويُسْتَحَبُّ في إسرارِ إمامِه وسُكوتِه وإذا لم يَسْمَعْه لبُعْدٍ لا لطَرَشٍ، ويَسْتَفْتِحُ ويَستعيذُ فيما يَجْهَرُ فيه إمامُه، ومَن رَكَعَ أو سَجَدَ قبلَ إمامِه فعليه أن يَرْفَعَ ليأتيَ به بعدَه، فإن لم يَفعلْ عَمْدًا بَطَلَتْ، وإن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ رُكوعِ إمامِه عالِمًا عَمْدًا بطَلَتْ، وإن كان جاهِلًا أو ناسيًا بَطَلَتِ الركعةُ فقطْ، وإن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ رُكوعِه ثم سَجَدَ قبلَ رَفْعِه بَطَلَتْ إلا الجاهلُ والناسي، ويُصَلِّي تلك الركعةَ قضاءً،
إنما هذه ثلاثة أقوال، ولكن إذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدد المراد بالإقامة، الحكمة من النهي هو ألا يتشاغل الإنسان بنافلة يُقِيمها وحدَه إلى جنب فريضة تُقِيمها الجماعة؛ لأنه يكون حينئذ مخالفًا للأمة من وجهين:
الوجه الأول: أنه في نافلة والناس في فريضة.
والثاني: أنه يصلي وحده والناس يُصلُّون جماعةً، فإذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدِّد المعنى في قوله: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» (١).
فنقول: من المعلوم أن الإنسان لو شَرَع في النافلة بعد أن يبدأ الْمُقِيم في الإقامة، فإنه لن ينتهي منها غالبًا إلا وقد شرع الناس في صلاة الجماعة، وحينئذ لا يجوز أن يبتدئ صلاة نافلة بعد شروع الْمُقِيم في الإقامة؛ لأن العلَّة -أعني علة النهي- موجودة في هذه الصورة، ومن باب أولى ألَّا يشرع في النافلة إذا انتهت الإقامة، أو إذا شرع الإمام في الصلاة.
إذن إذا حَمَلْنَا قوله ﷺ: «فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (١)، أي: فلا صلاة تُبْتَدَأُ إلا المكتوبة، قلنا: إنه يتعين أن يكون المراد بالإقامة؟ أجيبوا ..
طلبة: الشروع ..
[ ١ / ١٨٢٣ ]
الشيخ: الشروع في الإقامة؛ لأن الإنسان إذا ابتدأ النافلة في هذا الوقت سوف يتأخر عن صلاة الجماعة، ولكن قوله ﷺ: «فَلَا صَلَاةَ»، هل يشمل الابتداء أو حتى الإتمام؟ في ذلك قولان لأهل العلم:
منهم من قال: إنه يشمل الابتداء والإتمام، أي: فلا صلاة ابتداءً، لا يبتدئ صلاة، ولا يُتِمُّ صلاةً هو فيها، حتى إن بعضهم بالَغ فقال: لو لم يَبْقَ عليه إلا التسليمة الثانية وأقام الْمُقِيم فإنها تبطل صلاته؛ لأن التسليمتين ركن من أركان الصلاة، أو واجب، أو سنة، المهم أنها من الصلاة، فإذا أقام -أي إن شرع في الإقامة قبل أن يُسَلِّم- فإن الرسول ﷺ يقول: «لَا صَلَاةَ»، فتبطل، لكن هذه مبالغة عظيمة.
بضدها –أي بضد هذه المبالغة- من قال: إنه يُتِم النافلة ولو فاتته الجماعة، سبحان الله! ! بينهما تباعُد عظيم؛ هذا يقول: إذا أقيمت الصلاة ولو لم يبق عليك إلا التسليمة الثانية، بطلت صلاتك، ولا خيار لك فيها، وهذا يقول: ما دمت شرعت في صلاة فأَتِمَّها ولو فاتتك الجماعة.
لكن كل هذه أقوال في الحقيقة لا شك أنها أقوال شادة، إنما قلتها لأجل أن تعلموا كيف يتفرَّق العلماء -﵏- في المسائل العلمية هذا التفرق العظيم.
لكن نقول: إن قوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ»، لا شك أن المراد ابتداؤها، وأنه يحرُم على الإنسان أن يبتدئ نافلةً بعد إقامة الصلاة، بعد انتهائها أو الشروع فيها؟ الشروع فيها؛ لأنه لا يمكن أن يأتي بالصلاة قبل أن يُكَبِّر الإمام وقد شرع المقيم في الإقامة.
فنقول: إذا أُقِيمَت الصلاة حرُم أن يبتدئ نافلة؛ لأن الصلاة لما أُقِيمت صار الوقت لهذه الفريضة، فلا يجوز أن يبتدئ نافلة.
أما إذا كان قد شرع في نافلة فإن المؤلف يقول: (فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها).
[ ١ / ١٨٢٤ ]
(إن كان في نافلة) يعني: حين إقامة الصلاة، (أتمها)، ولكن يتمها خفيفةً من أجل المبادرة إلى الدخول في الفريضة.
(إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها)، الفاء هنا للاستئناف، أي: فإنه يقطعها، وبماذا تفوت الجماعة؟
تفوت الجماعة -على كلام المؤلف- بالتسليم قبل أن يُكَبِّر تكبيرة الإحرام، إذا سَلَّم الإمام قبل أن تُكَبِّر تكبيرة الإحرام فاتتك الجماعة، فإن كَبَّرت للإحرام قبل أن يُسَلِّم التسليمة الأولى فقد أدركت الجماعة.
وبناءً على ذلك نقول لهذا الذي شرع في النافلة قبل إقامة الصلاة: استَمِرّ إلا إن خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمَّ، فحينئذ اقطعها؛ لأنك إذا خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمّ لزم من ذلك تعارض نفل مع فرض؛ لأن صلاة الجماعة فرض، والنافلة نفل، والفرض مُقَدَّم على النفل، حينئذ اقطعها.
وهذه المسألة قد تكون نادرة إلا في صلاة الصبح مثلًا، إذا كان الإمام يسرع، فهذه وأنت قد شرعت في النافلة قبل أن تُقام الصلاة بجزء يسير، هذه يمكن أن تخشى فوات الجماعة، لكن في الرباعية والثلاثية الغالب أنك ما تخشى فوات الجماعة، وعلى كلام المؤلف نقول: أتم النافلة حتى لو لم تدرك إلا تكبيرة الإحرام قبل التسليمة الأولى.
والذي نرى في هذه المسألة: أنك إن كنت في الركعة الثانية فأَتِمَّها خفيفةً، وإن كنت في الركعة الأولى فاقطعها.
ومستندنا في ذلك قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٢)، وهذا الرجل الذي صلى ركعةً قبل أن تُقام الصلاة يكون أدرك الصلاة، صلاته الآن سالمة من المعارِض الذي هو إقامة الصلاة.
[ ١ / ١٨٢٥ ]
فنقول: هذا الرجل أدرك الصلاة الآن، فليتمها خفيفةً، أما إذا كان في الركعة الأولى، ولو في السجدة الثانية من الركعة الأولى، فإنه يقطعها؛ لأنه لم تتم له هذه الصلاة، ولم تخلص له؛ حيث لم يدرك منها ركعة قبل النهي عن الصلاة النافلة، هذا عندي أنه هو الذي تجتمع فيه الأدلة.
يقول المؤلف: (فلا صلاة إلا المكتوبة)، ظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن تقام الصلاة وأنت في المسجد أو في بيتك، وعلى هذا فلو سمعت الإقامة في بيتك، وقلت: سأصلي سنة الفجر؛ لأن الفجر تُطَوَّل فيها القراءة، أصلِّي السنة، وبيتي قريب من المسجد، ويمكنني أن أدرك الركعة الأولى، فإن ذلك لا يجوز؛ لعموم الحديث: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» (١)، ولأن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (٣)، «فَامْشُوا» أَمْر.
وبناءً على ذلك نقول: لا فرق بين أن تقام الصلاة وأنت في المسجد، أو وأنت في بيتك، متى سمعت الإقامة وأنت في الركعة الأولى على ما اخترناه من الأقوال فاقطعها واذهب، إن كنت في الثانية فأتِمَّها خفيفةً، هذا أيضًا ما لم تَخْشَ فوات الجماعة؛ لأنك إذا كنت خارج المسجد ربما تخشى فوات الجماعة ولو أنت في الركعة الثانية، فحينئذ اقطعها؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، والنافلة نفل.
وقول المؤلف: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، هذا إذا كنت تريد أن تصلي مع هذا الإمام، أما إذا كنت لا تريد أن تصلي معه فلا حرج عليك أن تتنفل، فلو كان بجوارك مسجدان وسمعت إقامة أحدهما، وأردت أن تأتي بالراتبة لتصلي في المسجد الثاني، فلا حرج عليك.
نخلص من هذا إلى مسألة مهمة، وهي أن الإنسان إذا مر بمسجد جامع يخطب يوم الجمعة، وهو لا يريد الصلاة معه، فهل له أن يتكلم والإمام يخطب، أو ليس له أن يتكلم؟
[ ١ / ١٨٢٦ ]
نقول: له أن يتكلم؛ لأنه لا يريد الائتمام بهذا الإمام، كذلك لو أذَّن الأذان الثاني في هذا المسجد يوم الجمعة، والمسجد الذي تريد أن تصلي فيه لم يؤذِّن، وحصل منك بيع أو شراء بعد نداء الجمعة في المسجد الذي لا تريد أن تصلي فيه، فالبيع والشراء صحيح وحلال.
طالب: بالنسبة للسنة في الفجر إذا الإمام يقرأ سورة يعني لما جيت بدأ الفاتحة وممكن أُسَلِّم الراتبة؟
الشيخ: أبدًا، إذا لم تكن في الركعة الثانية فاقطع؛ في سنة الفجر ولَّا غير سنة الفجر.
طالب: الدليل يا شيخ على تقدير إذا ترى الصلاة مبتدأة.
الشيخ: الدليل هو الذين قالوا: سقطت () قالوا: لأن الإقامة إعلام بالقيام للصلاة، فلما كانت إعلامًا بالقيام للصلاة صار هذا الْمُتَنَفِّل كأنه جعل بدل الفريضة تلك النافلة التي أُقِيمت، فكأنه لما كان من المعتاد أن الناس يقومون عند إقامة الصلاة، فهذا قام وأراد أن يصلي نافلة، نقول: ما هذا بوقت النافلة، أُقِيمَت صلاة الفريضة.
أما من كان شارعًا في صلاة النافلة فإنه لم يجعل هذه الإقامة سببًا لصلاته، مع أن ما ذكرنا في التفصيل الذي ذكرنا يزول فيه الإشكال.
طالب: نُقَدِّر: فلا صلاة شرعية، ما لم نقدر: فلا صلاة كاملة.
الشيخ: لا، ما نُقَدِّر، يقال: فلا صلاة شرعية، هذا الصحيح.
طالب: هل له يا شيخ، أن يقول: اللهم صل على محمد، ثم يُسَلِّم ويلحق الإمام في التحيات، يكتفي بأن يقول: اللهم صَلِّ على محمد.
الشيخ: علشان؟
الطالب: ثم يلحق بالإمام.
الشيخ: هو ما قلنا: إذا كان في الركعة الأولى يُبْطِلُها؟ يُبْطِلُها.
الطالب: نعم يا شيخ، لكن إذا كان في الركعة الثانية يقول: اللهم صَلِّ على محمد، ثم يلحق بالإمام قبل أن يَشْرَع بالحمد.
الشيخ: إي، يعني قصدك أنه ..
الطالب: يقول اللهم صل على محمد ولا ..
الشيخ: ما فيه بأس، لكن الأحسن أنه يُكَمِّل التعوذ؛ لأن القول بوجوب التعَوُّذ قول قوي.
[ ١ / ١٨٢٧ ]
طالب: () يكبِّر تكبيرة الإحرام، هل تدرك الجماعة بركعة؟
الشيخ: لا، بيجينا إن شاء الله التفصيل في هذا، ما كَمَّلْنا، الصحيح ما تُدْرَك إلا بركعة.
طالب: شيخ، أحس الله إليك، إذا كان في البيت والإمام يخطب، تأخَّر مثلًا، يُحْرَم عليه أن يتكلم في البيت، أو كان في الطريق إلى المسجد؟
الشيخ: إي نعم، الذي نرى أن الإنسان الْمُتَّجِه إلى مسجد ويسمع الخطيب يخطب أنه يجب عليه الإنصات.
الطالب: وإن كان في البيت؟
الشيخ: ولو كان في البيت، ما دام أنه يريد أن يصلي في هذا المسجد.
طالب: لو دخل قبل الإقامة بفترة وجيزة، أفضل له الشروع في الصلاة ولَّا ().
الشيخ: إذا كان يرى الإمام مثلًا مُتَهَيِّئ ليقوم ..
طالب: يعني مثلًا () هل يصلي ولَّا ..؟
الشيخ: إي، بس أخشى أن الإمام مثلًا من عادته أنه يصلي مثلًا ركعتين إذا دخل المسجد، لكن إذا علمت أنه متهيئ يقينًا بيصلي.
طالب: يعني إذا تيَقَّن.
الشيخ: إي فالأفضل ألَّا تدخل؛ لأن كونك ما تدخل أحسن من كونك تدخل وتقطعها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ويتخذ إعادة جماعة راتبة في قومه.
الشيخ: إي، لكن ما هو بمسجد واحد.
الطالب: لكن اتخذها عادة.
الشيخ: إي، ما يخالف، يعني لا بأس أنك تروح مسجدًا ثانيًا تصلي بهم، لكن الكلام إعادة الجماعة في مسجد واحد.
طالب: أحسن الله إليك، قول النبي ﷺ للرجل الذي تنفل لصلاة الفجر، قولنا: الصبح أربع، والفجر أربع، ما يتعارض مع ما اخترناه من أنه إذا كان في الركعة؟
الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأنه إذا كان قد انتهى من الركعة الأولى صار ثلاث، صار ما صلى بعد الإقامة إلا ثلاثًا، ثم الحديث الذي ذكرت فيه روايتان؛ رواية أن الرجل كَبَّر بعد أن أُقِيمَت الصلاة، أخرجها مسلم، والرواية الثانية أنه كان يصلي.
[ ١ / ١٨٢٨ ]
طالب: قوله ﷺ () مسجد الجماعة، هذا يخص الجماعة؛ لأننا في مسجد () ثم يقيم فرضًا حتى لو في مصلانا؟
الشيخ: ما فهمت، مسجد الجماعة هو المسجد الْمُعَدّ للجماعة.
الطالب: لو فيه جماعة في غير مسجد في مصلى، هل تُشْرَع؟
الشيخ: إي نعم، تُشْرَع؟
الطالب: النبي ﷺ ما خصها في مسجد الجماعة؟
الشيخ: لا، مسجد الجماعة يمكن اللي بيقال هذا على الغالب أو العموم أيضًا؛ لأن مسجد الجماعة الذي تقام فيه الجماعة ولو كان غير راتب.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (١)، الاستثناء يا شيخ يعود على الصلاة المقامة أم على ()؟
الشيخ: إي نعم، يعود على الْمُقامة؛ لأنها هي التي أُقِيمَت لها الصلاة، كما جاء في رواية أحمد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا رأيت رجلًا شرع في الصلاة مع الإقامة، هل أمنعه من الصلاة؟
الشيخ: لا، انصحه، تمسك يده وتقول: لا تُصَلِّ، ويش لون؟ قل: ترى هذا ما يجوز ولا صلاة لك.
طالب: شيخ، القول بالقطع بالوجوب، يعني مثلًا هو في نهاية الركعة الثانية، وإذا أتمها ستفوته تكبيرة الإحرام، وهو يحب أن يدرك ..
الشيخ: في الركعة الثانية هو؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، يُتِمُّها خفيفة، ما يقطعها.
طالب: وإن أحب أن يدرك تكبيرة الإحرام؟
الشيخ: لا، هذا أفضل، إتمامها أفضل من إدراك تكبيرة الإحرام؛ لأنه لو قطعها فَاتَهُ أجر السنة، وتكبيرة الإحرام ما هي بمثل ترك سنة كاملة تروح، على أن بعض العلماء يقول: إن النفل إذا شَرَع فيه وجب، وكلام () اللي تكلمنا عليه الآن كله على القول بأن إتمام النفل ليس بواجب، أما إذا قلنا: واجب، فالأمر واضح.
طالب: شيخ، هل تنعقد النافلة هذه؟
الشيخ: لا، يعني بعد الإقامة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تنعقد.
الطالب: تكفي عن سنة الفجر يعني؟
[ ١ / ١٨٢٩ ]
الشيخ: أبدًا، ولا تكفي، ما تنعقد، باطلة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الناس إذا أراد أن يقطع النافلة أُقِيمت الصلاة المكتوبة يُسَلِّم، فهل يُشْرَع السلام؟
الشيخ: لا، لا يُشْرَع السلام، السلام إنما يكون ختام الصلاة، ختامها التسليم.
طالب: جزاك الله خيرًا، الهنود الأحناف هل لهم دليل في سنة الفجر يُصَلُّون حتى لو أُقِيمَت الصلاة؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن بعض الصحابة يفعلون هذا، مثل ابن مسعود ﵁، كان يصلي سنة الفجر ولو بعد الإقامة، لكن أنت تعلم أنه لا حجة لأحد، ولا بقول أحد، مع قول رسول الله ﷺ.
***
طالب: () أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومَن كَبَّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة، وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة، وأجزأته التحريمة.
ولا قراءة على مأموم، ويُسْتَحَبُّ في إسرار إمامه وسكوته، وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش، ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه.
ومَن رَكَع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هو رأي المؤلف فيمن أُقِيمَت الصلاة وهو في نافلة؟
طالب: أنه إذا أُقِيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
الشيخ: لا، ما رأي المؤلف فيما إذا أُقيمت الصلاة والإنسان في نافلة.
الطالب: يتمها خفيفة.
الشيخ: ما فيه استثناء؟
الطالب: إلا إن خشي فوات الجماعة.
الشيخ: إلا أن يخشى فوات الجماعة، ومتى تفوت الجماعة؟
الطالب: بفوات ركعة.
الشيخ: بفوات ركعة على رأي المؤلف؟
الطالب: لا، بفوات السلام، إذا سَلَّم.
الشيخ: إي نعم، تفوت إذا سَلَّم قبل أن يُكَبِّر للإحرام، فإن كَبَّر للإحرام قبل السلام فهي لم تَفُتْه، إذن له أن يبقى في صلاة النافلة هذه ..
الطالب: إلى قبل أن يُسَلِّم.
الشيخ: إلى أن يدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يُسَلِّم إمامُه.
[ ١ / ١٨٣٠ ]
القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أنه إذا كان في الركعة الثانية يتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى وإن كان في السجود يقطعها.
الشيخ: إي، وإن كان في الأولى قطعها، تمام، هذا أحسن الأقوال في هذه المسألة. إذا خاف فَوْت الجماعة على هذا القول هل يقطعها أو لا؟
طالب: أي قول؟ الراجح ولَّا المرجوح؟
الشيخ: الراجح، إذا خاف فوت الجماعة؟
الطالب: نعم يقطعها.
الشيخ: يقطعها؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وإتمام النفل ليس بواجب.
ثم قال المؤلف ﵀: (وَمَنْ كَبَّرَ قبل سلام إمامه لحق الجماعة)، (من كبر) يعني: المسبوق أو المأموم إذا كَبَّر قبل سلام إمامه التسليمة الأولى فإنه يلحق الجماعة، يعني أنه يدرك الجماعة إدراكًا تامًّا.
ووجه ذلك: أنه أدرك جزءًا من الصلاة، فكان له حكم مُدْرِك الصلاة، كمن أدرك ركعةً، فإنَّ مَن أدرك ركعة فإنه يدرك الصلاة، بمقتضى الحديث عن النبي ﷺ، حيث قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٢)، فيقولون: هذا أدرك جزءًا منها، فصار كمن أدرك الركعة، ومن أدرك الركعة أدرك الصلاة.
وقول المؤلف: (قبل سلام إمامه)، قلنا: إن المراد التسليمة الأولى دون التسليمة الثانية، ولهذا لو جئت والإمام قد سَلَّم التسليمة الأولى فلا تدخل معه، حتى إن الفقهاء -﵏- صَرَّحوا بأنه لو دخل معه بعد التسليمة الأولى فإن صلاته لا تنعقد، حتى لو كمَّل صلاته وجب عليه الإعادة؛ لأنه -أي: الإمام- لما سَلَّم التسليمة الأولى شرع في التحلُّل من الصلاة، فلا يصح أن تنوي الائتمام به وهو قد شرع في التحلُّل من الصلاة.
إذن يتعين أن يكون المراد بقوله: (قبل سلام إمامه)، أي: التسليمة الأولى.
هذا ما ذهب إليه المؤلف في أن الإنسان إذا أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل التسليمة الأولى فقد أدرك الجماعة.
[ ١ / ١٨٣١ ]
والقول الثاني: أنه لا يُدْرِك الجماعة إلا بإدراك ركعة كاملة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ودليله قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فإن منطوق الحديث أن مَن أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومفهومه: مَن أدرك دون ذلك فإنه لم يدرك الصلاة.
ولا يصح قياس إدراك ما دون الركعة على إدراك الركعة؛ لأن إدراك الركعة أكبر من إدراك ما دون الركعة، والأَدْوَن لا يُقاس على الأعلى والأكبر، فلهذا نقول: إنه لا يدرك الجماعة على القول الراجح إلا بإدراك ركعة، ودليله هذا الحديث.
أما دليله من حيث القياس فنقول: إنكم تقولون: لو أدرك في الجمعة دون الركعة لزمه أن يُتِمَّها ظهرًا، حتى لو دخل في الجمعة قبل أن يُسَلِّم الإمام التسليمة الأولى فإنه لم يدرك الجمعة، وعليه أن يصلِّيها ظهرًا، فأي فرق بين الإدراكين؟ لا فرق في الواقع.
وعلى هذا فنقول: مَن لم يدرك ركعة مع الإمام فإنه لم يدرك الجماعة.
ينبني على هذا: لو أتيت إلى مسجد والإمام قد رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، وأنت تعلم أنك ستدرك مسجدًا آخر من أول الصلاة، أو ستدرك ركعةً من المسجد الثاني، فإننا نقول لك: لا تدخل مع هذا الإمام؛ لأنك سوف تدرك جماعةً إدراكًا تامًّا في مسجد آخر.
أما على كلام المؤلف فنقول: ادخل مع الإمام؛ لأنك سوف تدرك الجماعة ما دُمْتَ أدركت تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام.
قال المؤلف: (وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة)، (إن لحقه) أي: لحق المأمومُ الإمامَ، (راكعًا) حال منين؟ من الضمير (الهاء) في قوله: (لحقه)، يعني: إن لحق الإمام راكعًا، حال كونه راكعًا، دخل معه في الركعة، ويكون قد أدرك الركعة؟ الجواب: نعم.
[ ١ / ١٨٣٢ ]
قال المؤلف: (وأجزأته التحريمة)، أي: تكبيرة الإحرام، عن أي شيء أجزأته؟ أجزأته عن تكبيرة الركوع، فيُكَبِّر مرةً واحدة وهو قائم، ثم يركع بدون تكبير، تجزئه تكبيرة الإحرام.
وذلك لأنهما عبادتان من جنس واحد اجتمعتا في آن واحد، فاكتُفِيَ بإحداهما عن الأخرى، هذا تعليل.
تعليل آخر: لأنه لو اشتغل بالتكبير للركوع فربما فاته الركوع، والمحافظة على الركوع أولى؛ لأن التكبير واجب للركوع، والركوع هو الأصل؛ لأنه ركن، فلهذا قالوا: إنه لا يجب عليه أن يُكَبِّر للركوع في هذه الحال.
ولكن مع ذلك نقول: إنه سنة وأفضل وأكمل؛ لأن المقام مقام احتياط؛ إذ إنه يمكن أن يقول قائل: ما دليلكم على سقوط تكبير الركوع؟ وقولكم: إنهما عبادتان من جنس اجتمعتا في آنٍ واحد، فيه نظر؛ لماذا؟ لأن تكبيرة الإحرام تكون حال القيام، وتكبيرة الركوع حال الْهوِيّ للركوع، فالمكان ليس واحدًا.
ولهذا كان القول الثاني في المسألة: أنه يجب أن يُكَبِّرَ للركوع، يجب وجوبًا، أما على المشهور فإن التكبير للركوع في هذه الحال يكون سنة.
ولكن هاهنا أمر يجب أن يُتَفَطَّن له، وهو أنه لا بد أن يُكَبِّر للإحرام قائمًا منتصبًا قبل أن يُهْوِي؛ لأنه لو أهوى في حال التكبير لكان قد أتى بالتكبيرة غير قائم، وتكبيرة الإحرام لا بد أن يكون فيها قائمًا.
وقول المؤلف: (وأجزأته التكبيرة)، لم يتكلم عن قراءة الفاتحة، وذلك لأن المؤلف -﵀- يرى أنه لا قراءة على المأموم؛ ولهذا لو تعمد ترك قراءة الفاتحة فصلاته صحيحة، كما سيأتي في كلامه ﵀.
أما على القول الراجح من أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة، فإن الفاتحة هنا تسقط عنه بمقتضى الدليل والتعليل، الفاتحة هنا إذا أدرك الإمامَ راكعًا تسقط عنه بمقتضى الدليل والتعليل.
[ ١ / ١٨٣٣ ]
أما الدليل فهو ما رواه البخاري من حديث أبي بكرة ﵁ أنه دخل مع النبي ﷺ راكعًا، ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء تلك الركعة، فإنه جاء مسرعًا، وكَبَّرَ قبل أن يدخل في الصف وركع، ولما سَلَّم النبي ﷺ سأل: مَن الفاعل؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال له: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» (٤).
وقد رُوِيَ هذا الحديث من طريق في غير الصحيحين، قال: خشيت أن تفوتني الركعة.
ولا شك أنه لم يستعجل إلا خوفًا من أن تفوته الركعة، فقال النبي ﷺ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ»، ولو كان لم يدرك الركعة في هذه الحال لأمره النبي ﷺ أن يقضي الركعة، فلما لم يأمره عُلِم أنها صحيحة، وأنها مُعْتَدٌّ بها؛ هذا من جهة الدليل
من جهة التعليل: أن قراءة الفاتحة إنما تجب في حال القيام، والقيام هنا سقط ضرورةَ متابعة الإمام؛ لأنه لو قام يقرأ الفاتحة فاتت متابعة الإمام، فسقط عنه القيام، فلما سقط عنه القيام سقط عنه الذِّكْر الواجب في القيام، وهو قراءة الفاتحة.
وعلى هذ فنقول: في هذه الحال يجزئه إدراك الركوع، ويكون مُدْرِكًا للركعة.
قال المؤلف ﵀: (ولا قراءة على مأموم)، لا قراءة واجبة ولَّا مستحبة؟ واجبة، يعني: لا يجب على المأموم أن يقرأ مع الإمام، لا في صلاة السِّرّ، ولا في صلاة الجهر.
وعلى هذا فلو كَبَّر المأموم مع الإمام في أول ركعة، وسكت، حتى ركع الإمام، ثم تابع الإمام وقام للركعة الثانية، وسكت، حتى ركع الإمام، ثم في الثالثة والرابعة، قلنا له: إن صلاتك صحيحة؛ لأنه ليس على المأموم قراءة، لا فاتحة، ولا غير فاتحة.
[ ١ / ١٨٣٤ ]
ما الدليل؟ الدليل: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (٥)، وهذا عام يشمل الصلاة السرية والصلاة الجهرية، وهو نص في أن قراءة الإمام قراءة له؛ لأنه قال: «فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﵊، كما قال ابن كثير في تفسيره -﵀-، قال: رُوِيَ هذا الحديث من طرق لا يصح فيها شيء عن رسول الله ﷺ. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه ضعيف باتفاق الْحُفَّاظ، وإذا كان ضعيفًا سقط الاستدلال به؛ لأن من شرط صحة الاستدلال بالحديث، بل له شرطان، ما هو من شرط.
الشرط الأول: صحة الحديث إلى الرسول ﵊، والشرط الثاني: صحة الدلالة على الحكم، فإن لم يصح عن الرسول ﵊ فهو مرفوض، وإن صح ولم تصح الدلالة فهو كذلك مرفوض، هذا الحديث لا يصح.
ثم على تقدير صحته لا يدل على أن المأموم لا قراءة عليه في السرية والجهرية، إنما يدل على أنه لا قراءة عليه في الصلاة الجهرية؛ لأن قوله: «قِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» يدل على أن المأموم استمع إليها، فاكتفى بها عن قراءته، ولكن الحديث ضعيف، ولا يحل لنا أن نُثْبِت حُكْمًا في شريعة الله بدليل ضعيف؛ لأن هذا من القول على الله بما نعلم أنه لا يصح عن الله، ليس بلا علم، أشد من بلا علم، إذا أثبتنا حكمًا في حديث ضعيف فهذا أشد من القول على الله بلا علم؛ لأننا أثبتنا ما نعلم أنه لا يصح.
إذا كان كذلك ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
[ ١ / ١٨٣٥ ]
القول الراجح في هذه المسألة أن المأموم عليه قراءة الفاتحة ولا بد، وذلك لعموم قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٦)، و(من): اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم، «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ»، أي إنسان لم يقرأ، سواء كان مأمومًا، أو إمامًا، أو منفردًا، «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
ولا يصح أن يُحْمَل هذا النفي على نفي الكمال، بدليل ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ -أَوْ قَالَ: بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ- فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ» (٧)، والخداج هو الشيء الفاسد، وهذا يدل دلالة واضحة على أن المراد بالنفي نفي الصحة، وهو كذلك.
فإن قال قائل: هذا الحديث عام، ولدينا حديث عام أيضًا يعارضه، بل آية في القرآن تعارضه عامة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقول النبي ﵊ في الإمام: «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (٨)، وهذا عام، «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» يدل على عموم الإنصات، سواء عن الفاتحة أو غيرها؟
نقول: نعم، هذا صحيح، أنه عام في الفاتحة وغيرها؛ أن المأموم إذا قرأ الإمام فإنه يُنْصِت، ولكن هذا العموم مُقَيَّد بعموم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، حيث قاله النبي ﷺ بعد أن انفتل من صلاة الفجر، حينما قرأ في صلاة الفجر وثَقُلَت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟»، قالوا: إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٩)، وهذا نص صريح في الصلاة الجهرية؛ لأن صلاة الفجر صلاة جهرية.
[ ١ / ١٨٣٦ ]
وعلى هذا فتكون قراءة الفاتحة مُسْتَثْنَاة من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾؛ لأن هذا عام، والعام يدخله التخصيص، وكذلك من قول النبي ﵊: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا»، وهذا هو مشهور مذهب الإمام الشافعي ﵀.
قال ابن مُفْلِح تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو أظهر، يعني: هذا القول -وجوب قراءة الفاتحة على المأموم حتى في الصلاة الجهرية- هو أظهر، وصدق؛ فإنه أظهر من القول بعدم وجوب القراءة على المأموم مطلقًا، أو في الصلاة الجهرية، لأن هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا قراءة على المأموم مطلقًا، وأن المأموم لو يقف ساكتًا في كل الركعات فصلاته صحيحة، وهذا قول ضعيف جدًّا.
القول الثاني: وجوبها على المأموم في كل الصلوات السرية والجهرية، وهذا مقابل للقول الأول.
القول الثالث: أنها تجب على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية؛ لأن الجهرية إذا قرأ الإمام فقراءة الإمام قراءة لك، والدليل على أن قراءته قراءة لك أنك تُؤَمِّن على قراءته، إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قلت: آمين.
ولولا أنها قراءة لك وأنت مُنْصِت لها ما صح أن تُؤَمِّن؛ ولأن الْمُؤَمِّن على الدعاء كفاعل الدعاء، بدليل أن موسى ﵊ لما قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩]، والداعي موسى بنص الآية، فكيف جاءت التثنية؟
[ ١ / ١٨٣٧ ]
قال العلماء: لأن موسى يدعو وهارون يُؤَمِّن، فنسب الله الدعوة إليهما، مع أن الداعي واحد، لكن لما كان الثاني مُنْصِتًا له مُؤَمِّنًا عليه صارت الدعوة دعوةً له.
وحينئذ نقول: إذا قرأ الإمام الفاتحة وأنت مُنْصِت له وأَمَّنْتَ عليه فكأنك قارئ لها، وحينئذ لا تجب القراءة على المأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام للفاتحة.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واستدل بعموم حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ انصرف ذات يوم من صلاته، فقال: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ إِنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِي الْقِرَاءَةَ» (١٠)، ثم قال: «لَا تَقْرَؤُوا فِيمَا جَهَرْتُ فِيهِ» (١١)، فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله ﷺ، قال: وهذا عام.
وقال أيضًا: إن المعنى يقتضي ذلك؛ إذ كيف نقول للمأموم: اقرأ، وإمامه يقرأ؟ يكون جهر الإمام في هذه الحال عبثًا لا فائدة منه؛ لأن الفائدة من جهر الإمام هو أن يستمع المأموم إليه ويتابعه، وتتحقق المتابعة التامة، ولا شك أن هذا القول له وجهة نظر قوية، ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر مَعْقِل -كما يقول المثل- إذا كان النبي ﵊ انصرف من صلاة الفجر، وهي صلاة جهرية، ونهاهم أن يقرؤوا خلف الإمام إلا بأم القرآن، فلا قول لأحد بعد رسول الله ﷺ.
وإلَّا لا شك أن القول الذي فيه التفصيل له وجهة نظر قوية من حيث الدليل النظري، لكن لا يستطيع الإنسان أن يقول بخلاف ما دل عليه الحديث -حديث عبادة بن الصامت- ويتهم الإنسان رأيه في التصرف في الأدلة.
وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة: وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، ولا تسقط إلا إذا أدرك الإمامَ راكعًا، أو أدركه قائمًا، ولم يدرك أن يُكَمِّل الفاتحة حتى ركع الإمام، ففي هذه الحال تسقط عنه.
يقول: (ولا قراءة على مأموم إلا تبعًا لإمامه).
[ ١ / ١٨٣٨ ]
هنا مسألة ما ذكرها الْمَاتِن، وهي أنه إذا أدرك الإمام راكعًا فإن الْمَاتِن صرَّح بأنه يُكَبِّر للإحرام، وتجزئه عن تكبيرة الركوع، وأنه لو كَبَّر للركوع لكان أفضل، لكن إذا أدركه في غير الركوع، مثل أن يدرك الإمام وهو جالس، أو يدركه بعد الرفع من الركوع، أو يدركه وهو ساجد، فهنا يُكَبِّر للإحرام لا إشكال، ولَّا لا؟ لكن هل يُكَبِّر مرةً ثانية إذا أدرك الإمام جالسًا وانحط معه أو لا يكبر؟ فاهمين الصورة إزاي ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: جئت والإمام جالس بين السجدتين أو للتشهد، فكبَّرت للإحرام قائمًا، فهل تنحط بتكبير أو بدون تكبير؟
طلبة: بتكبير.
طلبة آخرون: بدون تكبير.
الشيخ: هذا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنك تنحط بلا تكبير، ومنهم من قال: إنك تنحط بتكبير.
فالذين قالوا: إنك تنحط بتكبير، قالوا: إن هذا كما لو أدركت الركوع، ألستَ إذا أدركت الركوع تُكَبِّر مرةً للإحرام ومرةً للركوع؟ إذن إذا أدركته جالسًا فكَبِّر للإحرام، ثم كَبِّر للجلوس. هذا قول.
القول الثاني يقول: لا تُكَبِّر، اجلس بلا تكبير، وحينئذ يحتاج إلى بيان الفرق بين هذا، وبين مَن أدرك الركوع.
يقول: الفرق لأن انتقالك من القيام إلى الركوع انتقال في موضعه؛ لأن الإنسان ينتقل من الركوع متى؟ من القيام، فالآن أنت قائم، ثم إذا أردت تركع تبغي تُكَبِّر، لكن دخولك مع الإمام وهو جالس إذا كبَّرت للإحرام، هل انتقالك من هذا القيام إلى الجلوس انتقال إلى ركن يليه أو إلى ركن لا يليه؟
الطلبة: لا يليه؟
الشيخ: إلى ركن لا يليه، معلوم، قال: لما كان هذا انتقالًا إلى ركن لا يليه فلا تكبير هنا؛ لأن التكبير إنما يكون بالانتقال من ركن إلى الركن الذي يليه، وهنا الركن لا يليه، فلا يكبِّر، وهذا هو المشهور عند الفقهاء ﵏؛ أنه ينحط بلا تكبير؛ لأن هذا الركن الذي انحط إليه لا يَلِي الركن الذي انتقل منه، فلا يُشْرَع التكبير حينئذ.
[ ١ / ١٨٣٩ ]
ولكن مع هذا نقول: لو كَبَّر الإنسان فلا حرج، وإن ترك فلا حرج، ونجعل الخيار للإنسان؛ لأنه ليس هناك دليل واضح للتفريق بين الركوع وغيره؛ إذ من الجائز أن يقول قائل: نعم، القعود لا يلي القيام، لكن الذي جعلني أقعد اتباعًا للإمام، فأنا الآن انتقلت إلى ركن مأمور بالانتقال إليه، ولكن تبعًا للإمام، لا باعتبار الأصل، وهذا لا شك أنه يؤيِّد القول بأنه يُكَبِّر.
فالذي نرى في هذه المسألة أنه إن انحط بتكبير فإنه لا يلام، وإن لم يكبِّر فلا حرج.
قال المؤلف ﵀: (ويُسْتَحَبُّ في إسرار إمامه وسكوته)، (يستحب) أيش اللِّي يُسْتَحَب؟ القراءة؛ قراءة الفاتحة وغيرها، (في إسرار إمامه)؛ وهذا في الصلاة السرية، (وفي سكوته)؛ وهذا في الصلاة الجهرية.
وما هي السكتات؟ السكتات: قبل الفاتحة في الركعة الأولى، وبينها وبين قراءة السورة في الركعة الأولى والثانية، وقبل الركوع قليلًا في الركعة الأولى والثانية، فإذا سكت الإمام في هذه المواضع فإنه يقرأ استحبابًا لا وجوبًا، وإذا قرأ لعارض، مثل: أن يُصَاب بسعال أو عطاس، هل يقرأ؟ نعم يقرأ؛ لأن الإمام الآن ليس يقرأ.
لكن إنما قال: في إسرار إمامه وسكوته، بناءً على الغالب، وقد يقال: إن قوله: (وسكوته) يشمل ما إذا سكت اختيارًا أو اضطرارًا لعارض.
قال: (وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش)، (وإذا لم يسمعه)، يعني: ويستحب أيضًا أن يقرأ إذا لم يسمع الإمامَ لبعد، مثل أن يكون المسجد كبيرًا، وليس هناك مُكَبِّر صوت، فيقرأ المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام، حتى غير الفاتحة؟ نعم، حتى غير الفاتحة، ولا يسكت؛ لأنه ليس في الصلاة سكوت.
قال: (لا لطرش)، الطرش: الصمم، يعني: لا إن كان لا يسمع الإمام لصمم؛ لأنه إذا قرأ لصمم أَشْغَلَ الذي حوله عن استماعه لقراءة إمامه، أما إذا كان لبُعد فإن جميع المصلِّين سوف يقرؤون، ولا يحصل به التشويش.
[ ١ / ١٨٤٠ ]
ثم إن الغالب أن الذي لا يسمعه لطرش أنه يرفع صوته؛ لأن المعروف أن الأصم يرفع صوته، فإذا قرأ في هذه الحال ورفع صوته شَوَّشَ على المصلين.
إذا لم يسمعه لضجَّة، كما لو كان حول المسجد وُرَش تشتغل، فهل يقرأ أو لا يقرأ؟ يقرأ؛ لأن هذا المانع من السماع عام، ليس خاصًّا به، فهو كما لو كان المانع البُعْد.
إذن إذا لم يسمعه لبعد يقرأ؛ لأن كل المصلين سيقرؤون، إذالم يسمعه لسبب عام كضجَّة ونحوها، فكذلك يقرأ؛ لأن هذا العذر عام للجميع.
إذا لم يسمع الإمام لمانع خاص فيه، وهو الصمم، فإنه لا يقرأ، اللهم إلا لو قُدِّر ولا حول ولا قوة إلا بالله أن كل المأمومين طُرْش، فحينئذ يقرأ ولَّا لا؟ يقرأ؛ لأنه في هذه الحال لن يُشَوِّش على أحد.
قال: (ويَسْتَفْتِح ويتَعَوَّذ فيما يجهر فيه إمامه).
طالب: ويستعيذ.
الشيخ: عندي (ويتعوَّذ)، المعنى واحد.
(يستفتح ويتعوَّذ فيما يجهر فيه إمامه)، يعني أن المأموم يقرأ الاستفتاح، ويقرأ التعوُّذ فيما يجهر فيه الإمام، وظاهر كلامه -﵀- أنه يفعل ذلك وإن كان يسمع قراءة الإمام، وهذا اختيار بعض أهل العلم؛ أن المأموم يستفتح ويتعوَّذ ولو كان الإمام يجهر في قراءته، قالوا: لأن النبي ﷺ إنما نهى عن القراءة فيما يجهر فيه إلا بأم القرآن، والاستفتاح ليس بقراءة، والتعوذ ليس بقراءة، وحينئذ يَسْتَفْتِح ويتعوَّذ فيما يجهر فيه الإمام.
[ ١ / ١٨٤١ ]
ولكن هذا القول فيه نظر ظاهر؛ لأن الرسول ﵊ إنما قال: «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (٨)، وهذا عام، ولأنه إذا أُمِرَ بالإنصات لقراءة الإمام حتى عن قراءة القرآن، فالذِّكر الذي ليس بقرآن من باب أولى؛ لأننا نعلم أن الشارع إنما نهى عن القراءة في حال قراءة الإمام من أجل الإنصات، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، فإذا كان من أجل الإنصات فكيف نقول لهذا -على كلام المؤلف-: لا تقرأ الفاتحة، واقرأ الاستفتاح والتعوُّذ؟ ! هذا بعيد.
، ولهذا عندي بالشرح، فالصواب في هذه المسألة: أنه لا يستفتح ولا يستعيذ فيما يجهر فيه الإمام، ولهذا عندي بالشرح، قال: (في الشرح وغيره: ما لم يسمع قراءة إمامه)، فإذا سمع قراءة إمامه فإنه يسكت، لا يستفتح.
وعلى هذا فإذا دخلت مع الإمام وقد انتهى من قراءة الفاتحة، هل تستفتح وهو يقرأ الآن يقرأ السورة التي بعد الفاتحة؟ الآن يسقط عنك الاستفتاح، ولكن هل تقرأ الفاتحة؟ نعم، على القول الراجح تقرأ، هل تتعوذ؟ نعم؛ لأن التعوُّذ تابع للقراءة.
طالب: كيف يا شيخ نوجِّه حجة شيخ الإسلام في دليله على عدم وجوب قراءة الفاتحة، ولو استدل بأدلة، كيف نوجهها؟
الشيخ: والله كما قلت لك، ما دام فيه حديث صحيح -حديث عبادة- أنه انفتل من صلاة الفجر وقال: «لَا تَقْرَؤُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» (١٢)، هذا نص صريح.
طالب: ما فيه توجيه؟
الشيخ: أبدًا، ما فيه توجيه، هو لو كان في غير صلاة الفجر أمكن، لكن في صلاة الفجر ..
طالب: أقصد دليل الشيخ، كيف نوجهه؟
الشيخ: كيف نرد عليه؟
طالب: كيف نرد عليه؟
الشيخ: نعم نرد عليه بالحديث، نقول: لا قياس مع النص.
طالب: بعض الناس يا شيخ في صلاة التراويح إذا صلى ركعة جلس، حتى إذا انتهى الإمام من القراءة قام وركع، فيُفَوِّت على نفسه قراءة الفاتحة وتكبيرة الركوع.
الشيخ: كيف، لا ما يُفَوِّت.
[ ١ / ١٨٤٢ ]
الطالب: يُفَوِّتها إذا كان الإمام ..
الشيخ: يعني قصدك جلس وما دخل في الصلاة يعني؟
الطالب: لا، داخل في الصلاة، انتهى من ركعة، والركعة الثانية تأخَّر حتى قارب الإمام الركوع فقام ..
الشيخ: هو في هذه الحال ما دام نفلًا سيُكَبِّر إذا قام من السجود، وينوي بهذا الجلوس أنه في محل القيام.
الطالب: لكن أسقطنا الفاتحة من معذور، هذا غير معذور.
الشيخ: يقرأ الفاتحة وهو جالس.
طالب: شيخ، الرسول ﷺ عندما انصرف من صلاة الفجر فقال: «لَا تَقْرَؤُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١٣)، فلا نقول يا شيخ: إن الأمر بعد النهي للاستحباب؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: «لَا تَقْرَؤُوا».
الشيخ: لا، كونه يستثنيه من النهي يدل على الوجوب؛ لأنه لا يُسْتَبَاح المحرَّم إلا بواجب.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده ..
الشيخ: ليأتِيَ، لماذا نصبناه هنا؟
الطالب: لأنه جواب الطلب.
الشيخ: كيف جواب الطلب؟ وين الطلب؟
الطالب: جواب الشرط.
الشيخ: وين جواب الشرط؟
الطالب: (ومَن).
الشيخ: جواب الشرط (فعليه).
الطالب: مجزوم باللام بـ (أن) مُضْمَرَة جوازًا.
الشيخ: منصوب بلام (كي).
الطالب: بـ (كي).
الشيخ: لكي، نعم.
الطالب: فإن لم يفعل عمدًا بطلت، وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالِمًا عمدًا بطلت، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة فقط، وإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت، إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعةَ قضاءً.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل أدرك الإمام راكعًا، ثم كبَّر للإحرام، فهل تلزمه تكبيرة الركوع أو لا؟
طالب: لا تلزمه.
الشيخ: لا تلزمه، ولكن؟
الطالب: تجزئ عنه.
[ ١ / ١٨٤٣ ]
الشيخ: تجزئ، ولكن هل يُسْتَحَبُّ أن يكبِّر أو لا يستحب؟
الطالب: يُسَنُّ له أن يكبِّر.
الشيخ: يُسَنُّ له أن يكبِّر، لماذا لا تلزمه تكبيرة الركوع مع أن تكبيرات الانتقالات من الواجبات؟
طالب: لا تلزمه؛ لأن أولًا تكفي عنها تكبير الإحرام؛ لأن تكبيرة الركوع داخلة في تكبيرة الإحرام إلى أن ينتقل منها، الثاني إذا خشي فوات الإمام فلا يكبِّر.
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: أنهما عبادتان من جنس واحد فتداخلتا.
الشيخ: اجتمعتا؟
الطالب: في وقت واحد.
الشيخ: فتداخلتا. ما تقول في هذا التعليل، صحيح ولَّا غير صحيح؟
طالب: من وجه صحيح، ولكن قد يَرِد عليه مورد؛ لأن هذا واجب، والثاني ركن.
طالب آخر: نُجِيب على هذا التعليل بشيئين قيل: أن تكبيرة الإحرام يكون حالة قيامه، بينما تكبيرة الركوع تكون حال أن يهوي إلى الركوع.
الشيخ: فلم يجتمعا في وقت، هذا واحد، وعلى هذا فنقول: لا بد من تكبيرة الركوع، وهذا قول لبعض العلماء، لكن الذين قالوا بالأول يقولون: إن هذا أيضًا من باب التخفيف؛ لأن الإنسان ربما يكون حريصًا على إدراك الركوع، فلو تشاغل بالتكبير فَاتَهُ الركوع.
هل على المأموم قراءة الفاتحة؟
طالب: على قول المؤلف: لا قراءة على المأموم.
الشيخ: نعم، ما الدليل؟
الطالب: الدليل أن الرسول ﷺ صلَّى الفجر بأصحابه ..
الشيخ: لا، ما الدليل على أنه لا قراءة على مأموم؟
طالب: حديث ابن عمر، وقال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا» (١٤).
الشيخ: لا يا أخي.
طالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ ..».
الشيخ: يعني ما يُرْوَى عن النبي.
الطالب: يُرْوَى عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (٥).
الشيخ: تمام، هذا هو الدليل. فيه قول آخر؟
طالب: أنه يجب عليه قراءة الفاتحة.
الشيخ: أن الفاتحة واجبة على المأموم كالإمام، ما الدليل؟
[ ١ / ١٨٤٤ ]
الطالب: الدليل أن النبي ﷺ صلَّى ذات مرة الفجر، ثم قال بعده: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ مَعِي» (١٥) ..
الشيخ: والله ما خَلِّيت الدليل مرتب، الدليل: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ» ..
طلبة: «بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
الشيخ: هذا الدليل، وهذا عام. لو قال قائل: هذا يُحْمَل على غير المأموم؟
طالب: إي نعم، نقول: إن هذا القول معارَض بالحديث الصحيح الذي ثبت عن الرسول ﷺ بأنه جعل على المأموم في الجهرية قراءة، فقال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب.
الشيخ: هو قال: إن هذا عام مخصوص بالمأموم، نقول: هات الْمُخَصِّص أولًا، ونبقى على دليلنا هذا؛ على العموم، فإذا قال: الْمُخَصِّص: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (٨)، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، ماذا نقول؟
الطالب: نقول: هذا لا يستقيم أن يكون مُخَصَّصًا؛ لأن الرسول ﷺ بَيَّن أن قول الرسول: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٦) على عمومه () من جهة المأموم؛ لأنه في الجهرية التي هي تختص بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا﴾ أَمَرَ كذلك بأن يقرأ المأموم خلف إمامه بالفاتحة.
الشيخ: حديث عبادة بن الصامت أنه صلى بهم الفجر، وقال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، فقال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (١٦).
الحديث الذي استَدَلَّ به: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (٥)، بماذا تجيب؟
الطالب: نقول: إن هذا الحديث ضعيف، وقد حكى صاحب الفتح أن الحُفَّاظ ..
الشيخ: الحافظ ابن حجر.
الطالب: أن الحفاظ قد أجمعوا على تضعيفه، وذكر ابن كثير أيضًا في تفسيره أنه ضعيف ..
الشيخ: أنه لا يصح عن النبي ﷺ من جميع طرقه. ثم على تقدير صحته؟
[ ١ / ١٨٤٥ ]
الطالب: نقول: هذا مخصوص بالجهرية، عندما يقرأ الإمام تكون قراءة الإمام قراءة للمأموم.
الشيخ: ومخصوص بقراءة الفاتحة، نقول: فقراءة الإمام له قراءة، هذه عامة، لكن تُحْمَل على غير الفاتحة؛ لأنه قد ثبت أن الفاتحة لا بد منها.
الطالب: ويرد عليهم يا شيخ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» (٧)؟
الشيخ: لا، هذه من جنس العموم الذي لو صح التخصيص لَخُصِّص، لكن على كل حال هذا هو القول الراجح، مع أننا نقول: إن تعليل قول من قال: إنها تجب على المأموم في السرية دون الجهرية، هذا التعليل قوي لا شك فيه، لكني أقول: لا عذر للإنسان إذا صح الحديث في عدم الأخذ به، ولَّا ما فيه شك أن القياس يقتضي أن الجهرية ليس فيها قراءة، لكن ما دام المسألة ورد فيها حديث فلا قياس مع النص.
المؤلف يقول: إذا لم يسمع الإمام هل يقرأ أو لا؟
طالب: إذا لم يسمع الإمام () يكون لطرش أو يكون لبُعد، فإذا كان لبعد فإنه يُسْتَحَبُّ له أن يقرأ -على قول المؤلف- وليس بواجب، وإذا كان لطرش فلا يُسْتَحَبُّ له أن يقرأ؛ لأنه سيشوش على المأمومين.
الشيخ: المأموين الذين يستمعون لقراءة الإمام، تمام. إذا لم يسمعه لأصوات حول المسجد؟
طالب: كذلك يقرأ؛ لأن هذه عامة.
الشيخ: عامة لجميع ..؟
الطالب: عامة لجميع المصلين.
الشيخ: فكأنهم بعيدون.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومَن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع –يقول: أي يرجع- ليأتي به بعده).
(مَن) يعني: أي مأموم ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع، يعني أن يرجع، من ركوعه إن كان ركوعًا، أو سجوده إن كان سجودًا، لماذا؟ ليأتي به بعده.
[ ١ / ١٨٤٦ ]
وقوله: (فعليه)، (على) تفيد الوجوب، أي: يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعده، وإنما وجب عليه الرجوع من أجل المتابعة؛ لأنه إذا رجع أتى به بعد إمامه، وهذا الركوع أو السجود الحاصل قبل ركوع الإمام أو سجوده غير مُعْتَدٍّ به شرعًا؛ لأنه في غير محله، فإن النبي ﷺ يقول: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (١٧)، فإذا ركعت قبله، أو سجدت بعده، فقد أتيت به في غير موضعه، فيكون لاغيًا، ولهذا أوجبنا عليه الرجوع ليأتي به بعد الإمام.
وعُلِمَ من كلام المؤلِّف من فحواه أن هذا العمل مُحَرَّم، يعني أن يركع المأموم قبل الإمام، أو أن يسجد قبل الإمام، وهو كذلك مُحَرَّم.
ودليل هذا قول النبي ﵊: «لَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، لَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ» (١٨)، والأصل في النهي التحريم.
بل لو قال قائل: إنه من كبائر الذنوب لم يبعد؛ لقول النبي ﷺ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» (١٩)، وهذا وعيد، والوعيد من علامات كون الذنب من كبائر الذنوب.
وعلى هذا فنقول: إن هذا الرجل فعل كبيرةً من كبائر الذنوب الْمُتَوَعَّد عليها، بأن الله يُحَوِّل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار، وسواء كان هذا شَكًّا من الراوي، أو تنويعًا من رسول الله ﷺ، بأن العقوبة إما أن يُحَوَّل الرأس رأس حمار، أو تُجْعَل الصورة صورة حمار.
إذن نفهم من هذين الحديثين النهي عن الركوع والسجود قبل الإمام، والوعيد على من فعل أنَّ سَبْقَ الإمام حرام.
إذا كان حرامًا فكلام المؤلف كما ترى لا يدل على أن الصلاة لا تبطل به، ولكن عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإذا فعل -رجع وأتى به بعده- فالصلاة صحيحة، عرفتم يا جماعة هذا؟
[ ١ / ١٨٤٧ ]
القول الثاني في المسألة: أنه إذا ركع أو رفع قبل إمامه عامدًا فصلاته باطلة؛ لأنه فعل محظورًا في الصلاة، والقاعدة: أن فعل المحظور في العبادة يوجِب إبطالها.
وهذا القول هو الصحيح؛ أنه بمجرد السبق عمدًا تبطل الصلاة؛ لأنه فعل مُحَرَّمًا، والقاعدة العامة أن فعل المحرَّم في العبادة يوجِب بطلانها، وهذا هو الذي يقتضيه كلام الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في رسالة الصلاة، وقال: إنه كيف نقول: صلاته صحيحة وهو آثم؟ !
وعلى هذا نقول: إن هذا الرجل بمجرد السبق إلى الركوع أو إلى السجود تبطل صلاته ولا تصح، ولو رجع وأتى به بعد الإمام فإن صلاته لا تصح.
فماذا يصنع إذن؟ نقول: يستأنف الصلاة، يُلْغِي ما سبق ويبدأ الصلاة من جديد، يدخل في الصلاة من جديد، فإن أتم الصلاة وجب عليه إعادة الصلاة كاملة؛ لأن الصلاة هذه وقعت باطلة فلا تصح.
هذا السبق يسميه العلماء السبق إلى الركن؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله سبق إلى الركن، وسبق بالركن، وسبق بركنين.
فإذن فهمنا الآن إذا ركع أو رفع أو سجد قبل إمامه عامدًا عالِمًا فصلاته باطلة، أما المذهب فصلاته لا تبطل، لكن عليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام.
مَن رفع من السجود أو من الركوع قبل إمامه؟ الحكم واحد، إذا رفع قبل رفع إمامه من الركوع عالِمًا عمدًا فصلاته باطلة، وإذا رفع من السجود فكذلك صلاته باطلة، على القول الصحيح.
أما على كلام المؤلف فإنه لا تبطل الصلاة، لكن يجب عليه أن يرجع ليأتي بذلك بعد الإمام.
يقول المؤلف ﵀: (فإن لم يفعل عمدًا بطلت): إن لم يفعل، أيش يفعل؟ يعني: إن لم يرجع، لو ركع قبل الإمام ولم يرجع حتى لحقه الإمام فإن صلاته تبطل؛ ولهذا قال المؤلف: (فإن لم يفعل عمدًا بطلت).
فصار إذا سبقه إلى الركن، ماذا نقول؟ على القول الراجح بطلت صلاته إذا كان عالمًا متعمِّدًا، على كلام المؤلف نقول: ارجع لتأتي به بعد إمامك، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
[ ١ / ١٨٤٨ ]
قوله: (فإن لم يفعل عمدًا)، إذا لم يفعل سهوًا أو جهلًا فصلاته صحيحة، يعني: رجل ركع قبل الإمام وهو لا يعرف أن هذا حرام، ولا يعرف أنه يجب عليه الرجوع، حتى لحقه الإمام، فصلاته صحيحة.
قال: (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالمًا عمدًا بطلت)، (إن ركع ورفع قبل الركوع)، هنا سبق الإمام ..
طالب: بركنين.
الشيخ: لا، بركن واحد، وهو الركوع؛ لأنه لا يُعَدُّ سابقًا بالركن حتى يتخلص منه، لو ركع ولحقه الإمام في الركوع ما نقول: إنه سبق الإمام بركن، نقول: إنه سبق الإمام إلى الركن، الركن الذي يدركك فيه الإمامُ لم تسبقه أنت، ما تعدَّيْتَه حتى نقول: إنك سبقت به، لكن نقول: سبقت إليه.
أما المثال الثاني الذي جاء به المؤلف، يقول: (إن ركع ورفع قبل ركوع إمامه)، حينئذ سبقه بركن وهو الركوع.
يقول المؤلف: (عالِمًا عمدًا بطلت، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة فقط)، هذا أيضًا السبق بالركن؛ بركن الركوع، إذا سبقه بركن الركوع ولكنه ركع ورفع، هذا السبق بالركن فله حالان؛ الحالة الأولى: ألَّا يكون معذورًا بجهل أو نسيان، فما جكم صلاته؟ تبطل صلاته.
الحال الثانية: أن يكون معذورًا بجهل أو نسيان فتبطل ركعته فقط، يعني ويلغي الركعة هذه.
إذا سَلَّم الإمام وقد دخل مع الإمام في أول ركعة يأتي بركعة؛ لأن الركعة التي حصل فيها السبق بطلت.
أعيد مرة ثانية.
السبق إلى الركن لا يُبْطِل الصلاة إلَّا إذا لحقه الإمام فيه، أما لو رجع ثم تابع الإمام فصلاته صحيحة -نمشي على كلام المؤلف.
وإن شئتم قلنا: إذا سبق إلى الركن فإنه يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإذا فعل فصلاته صحيحة، إذا لم يفعل حتى لحقه الإمام فإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، وإلا فصلاته باطلة.
إذن له حالان في الواقع؛ إما أن يكون عالِمًا ذاكرًا فصلاته باطلة، إلَّا أن يرجع ويأتي به بعده.
وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة.
[ ١ / ١٨٤٩ ]
خذوا هذه: إذا سبقه بالركن بأن ركع ورفع قبل أن يركع الإمام، فإن كان عمدًا بطلت صلاته، وإن كان جهلًا أو نسيانًا بطلت الركعة فقط.
إذن السبق إلى الركن ما فيه بطلان ركعة؛ إما بطلان الصلاة، وإلَّا صحة الصلاة، هذا أيضًا فيه حالان ولَّا لا؟ فيه حالان.
قال المؤلف: (وإن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه بطلت، إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعة قضاء).
(إن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه -قبل رفع الإمام- بطلت صلاته)، التمثيل بالركوع في الواقع فيه شيء من النظر، وذلك لأن هذه المسألة هي القسم الثالث؛ أن يسبقه بركنين اثنين، إذا سبقه بركنين غير الركوع فإنه إن كان عالِمًا متعمِّدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته، ولهذا قال: بطلت صلاته، إلا الجاهل والناسي، ويصلِّي تلك الركعة قضاءً.
وهذا القسم الثالث -السبق بالركنين- إنما يكون في غير الركوع، نقول أيضًا: له حالان؛ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته ويصلِّيها قضاءً.
ولنرجع الآن لنكرر من جديد لو أتعبنا أفكاركم، لكن لأن المقام يقتضي ذلك.
أولًا: السبق إلى الركن، السبق بركن الركوع، السبق بركن غير الركوع، السبق بركنين غير الركوع.
السبق إلى الركن له حالان؛ إما أن يكون عالِمًا ذاكِرًا فهذا يلزمه الرجوع حتى يأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته، ما فيه بطلان ركعة، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، ما عليه شيء.
السبق بركن الركوع؛ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته.
[ ١ / ١٨٥٠ ]
السبق بركن واحد غير الركوع، مثل أن يسجد ويرفع قبل أن يسجد الإمام، يقولون: إن السبق بركن واحد غير الركوع كالسبق إليه، يلزمه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل فإن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإلَّا صحت صلاته، يعني أن السبق بركن غير الركوع كالسبق إلى الركن؛ ما فيه بطلان ركعة، فيه إما بطلان الصلاة، وإما عدم البطلان.
الرابع: السبق بركنين غير الركوع، حكمه كالسبق بركن الركوع؛ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته.
إذن صار السبق -سبق الإمام- ينقسم إلى أربعة أقسام:
السبق إلى الركن.
السبق بركن الركوع.
بركن غير الركوع.
بركنين غير الركوع.
ما هما القسمان اللذان يتَّفِقان؟ السبق بركن الركوع وبركنين غير الركوع.
أما السبق إلى الركن فكل الأركان تتفق؛ إن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، وإن كان عالِمًا وجب أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، وتصح صلاته، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
القول الصحيح في هذه المسألة لا يحتاج إلى تعب، نقول: إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته؛ سواء سبق إلى الركوع، أو بركن الركوع، أو بركنين من غيره، أو بركن غير الركوع، المهم إذا كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وعرفتم الدليل.
إن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، إلا أنه إن ذَكَر أو عَلِم وتَمَكَّن من الرجوع ليأتي به بعد الإمام فهو واجب عليه، وإن لحقه الإمام قبل أن يتذكر أو يعلم فصلاته صحيحة.
فالقول الصحيح الحقيقة مع أنه هو الموافق للأدلة هو سهل التصور، ماذا نقول على القول الصحيح؟ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، ولا حاجة للتفصيل؛ ركوع، سجود، ركن، ركنين، بمجرد السبق تبطل الصلاة، إن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة. لكن إن ذكر -مثلًا نسي وركع قبل الإمام- إن ذكر وجب عليه الرجوع، إذا كان الإمام ما بعدُ ما وصل إليه، فإن وصل إليه الإمام فصلاته صحيحة.
[ ١ / ١٨٥١ ]
كذلك إذا كان جاهلًا، مثل لو أن المأموم سمع إمامه يقرأ، ووصل إلى آية سجدة، مثل: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فركع الإمام، وظن المأموم أنه ساجد، ويش بيصنع المأموم؟ سيسجد، الآن سجد قبل إمامه، لكن لَمَّا قال: سمع الله لمن حمده، عرف أنه راكع ولم يسجد، ماذا يصنع هذا الرجل؟ نقول: قم الآن واركع، والحق إمامك، وصلاته صحيحة؛ لأنه سبق الإمام جاهلًا.
وعلى هذا فنقول: على القول الراجح المسألة لا تحتاج إلى تفصيل، ولا إلى تقسيم، المسألة إما أن يكون عالِمًا ذاكِرًا فتبطل الصلاة، وإما أن يكون جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، لكن إن زال عذره وتَمَكَّن من الرجوع ليأتي به بعد الإمام كان ذلك واجبًا عليه، فإن لم يفعل في هذه الحال بطلت صلاته.
طالب: صار عالِمًا.
الشيخ: هو الآن جاهل ناسٍ، لكن ذَكَر قبل أن يصل الإمام إلى مكانه، أو عَلِمَ قبل أن يصل إلى مكانه، ولكن تعمد أن يبقى، فحينئذ تبطل؛ لأنه ترك الواجب عليه؛ لأن الواجب عليه لَمَّا زال عذره أن يرجع من أجل أن يتابع الإمام، فإذا فعل وأَصَرَّ على أن يبقى وهو عالِم ذاكِر بطلت صلاته.
التفصيل على ما مشى عليه المؤلف، وهو المذهب، ينقسم إلى أربعة أقسام:
سبق إلى ..
وإن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه، بطلت، إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعة قضا
ويُسَنُّ لإمامٍ التخفيفُ مع الإتمامِ وتطويلُ الركعةِ الأُولى أَكْثَرَ من الثانيةِ،
على القول الراجح المسألة لا تحتاج إلى تفصيل ولا إلى تقسيم، المسألة إما أن يكون عالِمًا ذاكرًا.
طلبة: فتبطل الصلاة.
الشيخ: فتبطل الصلاة، وإما أن يكون جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، لكن إن زال عذره وتمكن من الرجوع ليأتي به بعد الإمام كان ذلك واجبًا عليه، فإن لم يفعل في هذه الحال بطلت صلاته ..
طالب: صار عالِمًا.
[ ١ / ١٨٥٢ ]
الشيخ: هو الآن جاهل ناسٍ، لكن ذكر قبل أن يصل الإمام إلى مكانه، أو علم قبل أن يصل إلى مكانه، ولكن تعمَّد أن يبقى، فحينئذ تبطل؛ لأنه ترك الواجب عليه؛ لأن الواجب عليه لما زال عذره أن يرجع من أجل أن يتابع الإمام، فإذا فعل وأصر على أن يبقى وهو عالم ذاكر بطلت صلاته.
هذا الدرس الآن ربما إننا نكتفي بهذا لأجل أن نعرف التفصيل.
التفصيل على ما مشى عليه المؤلف وهو المذهب ينقسم إلى أربعة أقسام:
سبق إلى الركن، سبق بالركوع، بركن غير الركوع، بركنين غير الركوع، السبق إلى الركن ما حكمه؟
طلبة: إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته.
الشيخ: إذا لم يرجع بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فصلاته صحيحة.
السبق بالركوع إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا بطلت ركعته، سواء رجع ولَّا ما رجع.
السبق بركن غير الركوع كالسبق إلى الركوع إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا رجع.
طالب: بطلت.
الشيخ: لا، يرجع ليأتي به بعده، فإن لم يفعل بطلت صلاته؛ لأن السبق بركن غير الركوع كالسبق إلى الركوع.
السبق بركنين غير الركوع كالسبق بالركوع، يعني إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته فقط.
طالب: الذي تعمد الركوع قبل إمامه حتى لو رجع نقول: تبطل صلاته؟
الشيخ: على القول الصحيح إذا كان عالمًا ذاكرًا حتى لو رجع.
طالب: شيخ، لما رفع رأسه من السجود اعتقد أن إمامه سجد سجود التلاوة، فهو سجد وإمامه في حال الركوع، فرفع إمامه من الركوع وهو ساجد، الآن رفع من السجود وإمامه قد سبقه بالركوع وأتى الركعة الأولى، يدرك هذه الركعة؟
الشيخ: إي يقوم يركع.
طالب: بس ما أدرك الركعة الأولى.
الشيخ: تخلف لعذر، هذا الرجل تخلف عن الركوع لعذر.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، رسالة الصلاة يا شيخ تصح نسبتها إلى الإمام أحمد؟
الشيخ: نعم صحيحة؛ لأن أصحابه تلقوها بالقبول، كلهم ينقلون عنها.
[ ١ / ١٨٥٣ ]
طالب: شيخ، عفا الله عنك، إمام مسجد صلى بالناس في الجمعة سورة السجدة، بعدين جاء عند السجدة وما سجد، ركع، الناس اتلخبطوا، ناس ركعوا معه، وناس وصلوا السجود، فجلس بعض الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله، وترك الركوع وسجد معهم؟
الشيخ: يعني لما ركع وسبَّحُوا به؟
الطالب: فيه ناس ركعوا معه.
الشيخ: طيب، هذا على كل حال يظنون أن هذا هو الواجب عليهم ولَّا لا؟
الطالب: ترك الركوع بعدين وسجد.
الشيخ: تقول: سجدوا معه.
الطالب: إي، سجد الناس.
الشيخ: ما عليه، هذا كله صادر عن جهل لا شك فيكون معفوًّا عنه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لو جاهل صلى خلف إمام، والإمام أتى عند آية سجدة ولم يسجد وركع، ولكن المأموم الجاهل سجد ولم يرجع إلى الركوع؟
الشيخ: تفوته الركعة.
الطالب: تفوته الركعة، لكن ما أدى الركعة وسلَّم، وبعد ذلك بعد يومين أو ..
الشيخ: يعيد الصلاة كلها.
الطالب: وجه استدلالهم في هذه الأقوال؟
الشيخ: وجه الاستدلال لا بد أن نُبَيِّنَه، يقولون: لأن الركوع تُدْرَك به الركعة، السبق بالركوع لأنه لما كان الركوع تدرك به الركعة جُعِل الركن الواحد كالركنين، وأما الركنان إذا سبقه بركنين فقد سبقه بمعظم الركعة، فلا تصح ركعته، لكن كل هذه تعاليل عليلة في الواقع، التعليل السليم هو مخالفة الأمر، ومن المعلوم أن الإنسان إذا سبق إمامه إلى الركن فقد خالف أمر الله ورسوله.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرت القول الراجح أن الإنسان إذا ركع إذا كان عمدًا فإن صلاته تبطل ..
الشيخ: نعم.
الطالب: هناك قصة عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه عندما أطال النبي ﷺ السجود رفع أحدهم، فرأى أحد الأطفال مُعْتَلٍ النبي ﷺ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم رجع إلى السجود، وأقره النبي ﷺ على ذلك؟
[ ١ / ١٨٥٤ ]
الشيخ: إي، هذه إما أن نقول: إن الصحابي يظن أن الرسول قد رفع، أو يظن أن هذا جائز له أن يتثبت الأمر، أما أن يعلم أنه لا يجوز أن يسبق الإمام، ثم هذا الصحابي ما قام أيضًا ليجلس، قام يتثبت، ومن نيته أنه لو رأى الرسول ساجدًا سجد، ولهذا رجع.
الطالب: لو واحد فعل هذه الفعلة صلاته صحيحة؟
الشيخ: لو فعل هذا فصلاته صحيحة، يعني لو قُدِّر إنسان أبطأ الإمام، وظن أن الإمام كَبَّر وهو ما سمع، فرفع رأسه وإذا هو ساجد فسجد ما عليه شيء.
طالب: لا، هو يعرف أن الإمام ساجد، ولكن هو طال سجود الإمام، والناس كلهم ساجدون؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه ربما يظن أن الإمام رفع وكَبَّر، وأنه ما سمعه، ربما يظن هذا.
طالب: لكن اللي بجواره ساجدون كلهم.
الشيخ: من؟
طالب: الجماعة يصلون.
الشيخ: هم أيضًا ما يلحقهم النسيان؟ يلحقهم النسيان.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان الإمام مثلًا في السجدة الأولى، ثم كَبَّر ولكن المأمومين لم يسمعوا، فلما كبر
الشيخ: كَبَّر رافعًا من السجود؟
طالب: كَبَّر رافعًا من السجود، يعني جلس بين السجدتين، فلما كَبَّر لسجود الثانية ظنوا أنه جلس، فقاموا، لما رأوه ساجدًا ما جلسوا سجدوا معه.
الشيخ: سجدوا على طول؟
طالب: إي نعم، فيجب عليهم إعادة هذه الركعة؟ ..
الشيخ: يجب عليهم إعادة الركعة؛ لأنهم تركوا ركنًا.
طالب: شيخ، إذا كان الإمام ضعيف الْهُوِيّ للسجود فكبَّر ساجدًا، خلال يهوي إلى السجود في أواخر الصف عن يمنة أو يسرة سجدوا قبله وهم يعلمون أنه كَبَّر للسجود لكن سجدوا قبله؟
الشيخ: إي إذا كانوا يعلمون أنه ثقيل، وأنه لم يصل إلى حد السجود يجب عليهم أن يتأنَّوْا، وإذا كانوا لا يعلمون فهم معذورن، يصير سبقوا إلى الركن معذورين.
طالب: إذا كانوا يعلمون تبطل صلاتهم؟
[ ١ / ١٨٥٥ ]
الشيخ: إي نعم، إذا كانوا يعلمون تبطل صلاتهم؛ لأن حديث البراء بن عازب يقول: فَإِذا سجد النبي ﷺ لم يَحْنِ أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده (١).
طالب: عفا الله عنك، المريض اللي يحضر الصلاة مع الإمام ومش قادر يتابع الإمام في الركوع والسجود، يحق يصلي في البيت على راحته ولَّا يصلي مع ()؟
الشيخ: أما إذا كان لا يتمكن من المتابعة فليُصَلِّ في بيته، وإذا كان يتمكن بمشقة محتملة فليُصَلِّ مع الناس.
***
يقول المؤلف -﵀-: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
ما المراد بإقامة الصلاة؟
طالب: اختلف في هذه العلماء، منهم من قال: إذا أُقِيمَت، أي: الذكر المخصوص بالإقامة ..
الشيخ: يعني إذا أقيمت الإقامة المعروفة.
الطالب: ومنهم من قال: إذا أقيمت، يعني: إذا كَبَّر الإمام في الصلاة.
الشيخ: نعم أحسنت، ومنهم من قال: إذا فرغ من الإقامة، لكن كلام المؤلف يريد: إذا شرع.
قوله: (فلا صلاة إلا المكتوبة)، هل المراد لا يتم الصلاة، أو: لا يستأنف الصلاة؟
طالب: ظاهر كلامه أنه لا يستأنف.
الشيخ: ظاهر كلامه؟
الطالب: فلا صلاة إلا المكتوبة.
الشيخ: إي، لكن كلام المؤلف هل يريد: لا ابتداء صلاة، وإلَّا لا إتمام صلاة؟
الطالب: لا إتمام صلاة.
الشيخ: ليش قال: (فإن كان في نافلة أتمها)؟
الطالب: هذا فيما إذا ابتدأها.
الشيخ: إذن صار النفل في كلام المؤلف لابتداء الصلاة، أما إذا ابتدأها يُتِمُّهَا إلَّا؟
الطالب: أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها.
الشيخ: نعم، القول الراجح فيما إذا أقيمت الصلاة وهو في نافلة، هل يقطعها أو يتمها؟
طالب: القول الراجح أنه إن كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها ..
الشيخ: نعم.
الطالب: وإن كان في الأخيرة فإنه يتمها.
الشيخ: إن كان في الأولى قطعها، وفي الثانية لا يقطعها يتمها خفيفة.
ما وجه رجحان هذا القول؟
[ ١ / ١٨٥٦ ]
الطالب: أنه لا يؤثر إذا كان في الأخيرة فإنه ..
الشيخ: نريد دليلًا؟
طالب: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». (٢)
الشيخ: لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فيكون هذا الذي صلى ركعة أدركها في وقت مأذون فيه فيتمها، بخلاف ما إذا كان في أول ركعة فإنه لم يدرك ركعة من الصلاة فيقطعها.
يقول المؤلف: إنه (لا قراءة على مأموم)، ما هو الدليل؟
طالب: استدلوا بعدة أدلة:
دليل قول الله ﷾: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
الشيخ: لعل هذا في الجهرية، كلام المؤلف (لا قراءة) يشمل الجهر والسر.
طالب: قوله ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ». (٣)
الشيخ: نعم، قوله، أنت جزمت بأن الرسول قاله.
الطالب: ما روي عن النبي ﷺ.
الشيخ: أحسنت، ما روي عن النبي ﷺ من قوله: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ» ..
الطالب: «فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
الشيخ: أحسنت، ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أن القراءة على المأموم، سواء كانت جهرية أم سرية.
الشيخ: يعني واجبة؟
الطالب: واجبة.
الشيخ: ما هو الدليل لهذا القول؟
الطالب: الدليل: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٤)، والدليل الآخر ..
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: وجه الدلالة لا صلاة لمن لم يقرأ.
الشيخ: لكن وجه الدلالة أنها تجب على المأموم.
الطالب: قول الرسول ﷺ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ» (٥) ..
الشيخ: ما دمت أتيت بالأول لازم تكمل الاستدلال به.
الطالب: «لَا صَلَاةَ» نكرة ..
الشيخ: في سياق؟
الطالب: العموم.
الشيخ: النفي.
[ ١ / ١٨٥٧ ]
الطالب: النفي، فأفادت العموم.
الشيخ: نعم، لا صلاة عامٌّ؛ لأنها نكرة في سياق النفي.
لو قال قائل: إن هذا محمول على صلاة السر؟
طالب: نقول: قال رسول ﷺ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ».
الشيخ: نعم.
الطالب: قالوا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٦)، فهذا فيه تخصيص عن العموم.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأنه خصص النبي ﷺ الصلاة حتى وإن كانت جهرية بقراءة الفاتحة.
الشيخ: هل قال الرسول هذا وهو في صلاة جهرية؟
طالب: مما يظهر أنه ذُكِرَ في صلاة جهرية.
الشيخ: كيف كان ذلك يظهر؟
طالب: لأنه عندما قال في حديث آخر: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟»، قالوا: فإذا جهرت فلا تقرأ إلا ..
الشيخ: لا.
طالب: أن هذا القول قاله بعد صلاة الفجر، فيُسْتَدَلُّ أنها صلاة جهرية.
الشيخ: فدل هذا على أنه لا فرق بين الجهرية والسرية، ما دام قاله بعد أن انصرف من صلاة الفجر وهي صلاة جهرية لا إشكال فيها.
أظن أنا بحثنا جيدًا وفهمنا جيدًا حكم سبق المأموم للإمام، هل تتحملون المناقشة فيه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما حكم سبق الإمام إلى الركن، يعني أن تسبق إمامك إلى الركن فقط؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: حرام، ما الدليل؟
الطالب: الدليل النبي ﷺ يقول: «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» (٧)، وقال النبي ﷺ: «لَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ».
الشيخ: هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟
طالب: من الكبائر.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: الدليل قول الرسول ﷺ: مَا يخشى الذي يسبق الإمام أن يُحَوِّل الله رأسه ..
الشيخ: ما قال: أن يسبق.
الطالب: «مَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ» (٨) ..
الشيخ: أو يجعل صورته؟
[ ١ / ١٨٥٨ ]
الطالب: «أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».
الشيخ: ما وجه الدلالة على أنه من الكبائر في هذا الحديث؟
طالب: وجه الدلالة أنه وعيد، والوعيد لا يأتي إلا من كبيرة.
الشيخ: على كبيرة من كبائر الذنوب، أحسنت، ما الواجب على من فعل هذا، لو سبق إمامه إلى الركن فما الواجب عليه، يعني ما الذي نطالبه به؟
طالب: يعيد الصلاة.
الشيخ: يعيد الصلاة على طول؟
الطالب: يرجع.
الشيخ: نأمره أن يرجع، فلو ركع قبل الإمام وجب عليه أن يقوم ليأتي به بعد الإمام، عرفت؟ إن لم يفعل متعمدًا حتى لحقه الإمام؟
الطالب: يتم الصلاة.
الشيخ: تتم؛ لأنه فعل فعلًا محرَّمًا.
الطالب: لو ناسي؟
الشيخ: لا، قلت لك: متعمدًا.
الطالب: الواجب عليه أن يرجع.
الشيخ: ما رجع حتى لحقه الإمام؟
طالب: إن تعمد في ذلك مخالفة الإمام بطلت صلاته.
الشيخ: بطلت صلاته؟ متأكد، ولَّا تبطل الركعة؟
الطالب: بطلت الصلاة.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، تمام صحيح، تبطل صلاته.
القول الثاني في هذه المسألة، تعرف قولًا آخر في هذه المسألة؟
طالب: إذا كان جاهلًا؟
الشيخ: لا، اللي عالم؟
الطالب: رجع ولَّا ..
الشيخ: لا، ما رجع، يعلم أن سَبْق الإمام حرام ولكنه تعمَّد سبقه، فما هو القول الثاني إن كان هناك قول؟
الطالب: تبطل صلاته ويرجع.
الشيخ: صح، القول الثاني تبطل صلاته بمجرد السبق، سواء لحقه الإمام أم لم يلحقه، حتى لو رجع فتبطل صلاته، زين.
إذا سبق الإمام بركنين؟
طالب: إذا سبق الإمام بركنين إن كان عامدًا ..
الشيخ: إن كان عالمًا ذاكرًا؟
الطالب: بطلت صلاته.
الشيخ: تبطل الصلاة، تمام، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا؟
طالب: إن كان جاهلًا أو ناسيًا فإنها تبطل الركعة.
الشيخ: فإنها تبطل الركعة، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى لو رجع؟ حتى لو رجع.
إذا سبقه بركن واحد؟
[ ١ / ١٨٥٩ ]
طالب: إذا سبقه بركن واحد إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا بطلت الركعة فقط.
الشيخ: ما فيه تفصيل قبل؟
طالب: يرفع، يأتي ويتم مع الإمام.
الشيخ: لكن ما فعل؟
الطالب: إذا كان ناسيًا تبطل الركعة، وإذا كان عامدًا بطلت صلاته.
الشيخ: ما فيه تفصيل من قبل؟
طالب: نقول: إما أن يكون هذا الركوع أو غيره، فإن كان هذا الركن هو الركوع فنقول: إن كان عامدًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإلا بطلت الركعة فقط.
الشيخ: وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة فقط.
إذن السبق بالركن كالسبق بركنين، إذا كان غير الركوع؟
طالب: إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته.
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان جاهلًا ناسيًا تبطل الركعة.
الشيخ: تبطل الركعة، إذن لا فرق بين الركوع والسجود، لا فرق على كلامك بين الركوع وغيره؟
طالب: إذا كان متعمدًا بطلت صلاته.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإذا كان ناسيًا لم تبطل.
الشيخ: أو جاهلًا لم تبطل صلاته، إي.
طالب: إن كان متعمدًا فعليه أن يرجع.
الشيخ: ما رجع.
الطالب: مثل كلام الأخ.
الشيخ: مثل كلامه صحيح، السبق بركن غير الركوع كالسبق إلى الركن، إن كان عالمًا ذاكرًا ولم يرجع بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا وناسيًا لم تبطل، وإن رجع لم تبطل أيضًا؛ لأنه أتى به بعد الإمام.
هذا كلام المؤلف، لكننا ذكرنا قولًا صحيحًا مختصرًا بسيطًا.
طالب: القول هو: إن كان عالمًا عامدًا فصلاته باطلة.
الشيخ: بكل حال؟
طالب: بكل حال، وإن كان ناسيًا جاهلًا فصلاته صحيحة، ولا شيء.
الشيخ: ما قلناه هكذا مطلَقًا؟
الطالب: لكن فيه استثناء إن كان ..
الشيخ: أنه متى زال عذره وجب أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل بطلت.
[ ١ / ١٨٦٠ ]
هذا هو القول الراجح، وهو كما رأيتم قول مختصر ما يحتاج إلى تعب، على أنه متى تعمد السبق فصلاته باطلة، سواء بركن أو ركنين، أو إلى ركن، وسواء كان الركوع أو غير الركوع؛ لأنكم عرفتم النهي عن مسابقة الإمام، لا تركعوا حتى يركع، وإذا كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته مطلقًا.
لكن عليه إذا ذكر أو علم عليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل في هذه الحال بطلت صلاته؛ لأنه ترك الإتمام عامدًا، هذا هو حكم هذه المسألة.
وما ذكره المؤلف -﵀- وغيره من الفقهاء فإنهم لم يذكروا دليلًا تطمئن إليه النفس حتى يؤخذ به، والمسألة -كما تعلمون- تحتاج إلى دليل؛ لأن كل شيء تفصيلي يجب أن يكون مستندًا إلى دليل، أين الدليل على أن الركعة تبطل فقط، أو على أن الصلاة تبطل كلها، أو على أنها لا تبطل؟ ما فيه.
ومجرد التعليلات في مثل هذه الأمور الكبيرة لا تكفي في إثبات الأحكام الشرعية التي نضلل بها عباد الله، أو نلزمهم بشيء.
وهذه قاعدة أيضًا ينبغي أن تعرفوها؛ أن القول المفصل لا بد له من دليل مفصَّل، وعلى هذه القاعدة يتبين لنا أن ميراث الإخوة مع الجد على التفصيل الذي ذكره الفقهاء غير صحيح؛ لأنه توريث تفصيلي بلا دليل، والشيء المفصل لا بد له من دليل مفصل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، فلا بد من تفصيل.
هذه المسألة من جنسها، نقول لا بد من دليل تفصيلي ينطبق عليه الأحكام التي ذكرها المؤلف، وإلا فإننا نرجع إلى القاعدة، وهي أن تعمُّد السبق محرَّم، فيُبْطِل الصلاة، وإذا وقع عن نسيان أو جهل فقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
[ ١ / ١٨٦١ ]
وإذا زال عذره وجب عليه تصحيح خطئه إذا أمكن، فإن لم يمكن بأن لحقه الإمام فلا حاجة ليرجع، يعني لو أن أحدًا سجد ظنًّا أن الإمام سجد، ثم تبين أن الإمام لم يسجد، لكن الإمام لحقه، فهنا نقول: يرجع ولَّا لا؟ ما يرجع؛ لأن الإمام لحقه، وهو معذور.
أما إذا علم أن الإمام لم يسجد فيجب عليه أن يرجع من أجل أن يأتي بالسجود بعد إمامه.
وبهذه المناسبة نود أن نذكر أحوال المأموم مع إمامه.
المأمومُ مع إمامه له أحوال أربعة:
سَبْقٌ، وتخلُّف، وموافقة، ومتابعة، أربع أحوال.
السَّبْق: عرفنا أنه محرَّم بدلالة السنة وأنه من الكبائر أيضًا بدلالة السنة.
وفيه أيضًا دليل معنوي أو نظري، وهو أنَّ الإمام إمام، والإمام يكون متبوعًا أو تابعًا؟
طلبة: متبوعًا.
الشيخ: يكون متبوعًا، وإذا سبقتَه عَكَسْتَ القضية، فجعلتَ الإمام تابعًا، ومن ثَمَّ، أي من حيث كون الإمام إمامًا صار الإمام يتقدم على المأمومين؛ لأنه إمام، والإمام لا بد أن يكون متبوعًا، والمتبوع لا بد أن يكون متقدمًا، وإذا تقدم المأموم على الإمام بطلت الصلاة، كما سيأتي إن شاء الله تفصيله.
إذن هذا السبق حرام، وعرفتم تفصيله.
الثاني: التخلف؛ التخلف عن الإمام إن كان لعذر فإنه يأتي بما تخلَّف به، ويتابع الإمام ولا حرج عليه، حتى وإن كان ركنًا كاملًا أو ركنين، فلو أن شخصًا سَهَا وغفل، أو لم يسمع إمامه حتى سبقه الإمام بركن أو ركنين، فإنه يأتي بما تخلف به، ويتابع إمامه، إلَّا أن يصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه، فإنه لا يأتي به؛ لأن الإخلال بالمتابعة هنا يكون كبيرًا، ويبقى مع الإمام، وتصح له ركعة مُلَفَّقَة من ركعتي إمامه؛ الركعة التي تخلف فيها، والركعة التي وصل إليه الإمام وهو في مكانه، مثال ذلك:
[ ١ / ١٨٦٢ ]
رجل يصلي مع الإمام، الإمام ركع، ورفع، وسجد، وسجد الثانية، ورفع حتى وقف، والمأموم لم يسمع، وهذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ ممكن، انقطع الكهرباء مثلًا ولا يسمع المكبِّر، ما سمعه إلا في الركعة الثانية، ولنفرض أنه في الجمعة، كان يسمع الإمام يقرأ الفاتحة، الإمام قرأ الفاتحة (سبَّح)، وأتم الركعة الأولى، وقام، وهذا يظن أن الإمام لم يركع، حتى وصل إلى الثانية فسمعه يقرأ: (هل أتاك حديث الغاشية)، ماذا نقول؟
نقول: اقضِ ما تخلَّفتَ به أو لا؟
لا، ما نقول: اقض ما تخلفت به؛ لأنه لو قضى ما تخلف به لكانت المخالفة كبيرة جدًّا، ركعة كاملة.
لكن نقول: تبقى الآن مع الإمام، وتكون ركعة الإمام الثانية لك ركعة أولى.
قال أهل العلم: وبذلك يكون للمأموم ركعة مُلَفَّقة من ركعتي إمامه؛ لأنه أدرك إمامه في الأولى وفي الثانية.
إذن التخلف إذا كان لعذر فإنه يأتي بما تخلف به ليلحق إمامه، نستثني من هذا شيئًا أو لا؟
طلبة: نستثني.
الشيخ: ما هو؟ ما لم يَصِل إمامه إلى المكان الذي هو فيه، فإن وصل إمامه إلى المكان الذي هو فيه بقي في مكانه وصارت له ركعة ملفَّقة من ركعتين، فتكون ركعة الإمام الثانية له ركعة أولى.
فإن علم بتخلفه قبل أن يَصِل الإمام إلى مكانه فإنه يقضيه ويتابع إمامه، مثاله:
رجل قائم مع الإمام، فركع الإمام وهو لم يسمع الركوع، فلما قال الإمام: سمع الله لمن حمده، وإذا الرجل واقف لم يركع بعد، ماذا نقول له؟
نقول: اركع وارفع، واتبع إمامك، وهل يكون مدركًا للركعة؟ نعم؛ لأن تخلفه هنا لعذر.
فإن كان تخلفه لغير عذر فإن صلاته تبطل متى فارق الإمامُ الركنَ الذي سبقه به الإمام.
نقول: إذا كان لغير عذر فإنه تبطل صلاته إذا سبقه الإمام بركن، مثال ذلك: رجل يصلي مع الإمام، وركع الإمام لكنه تخلف عن الإمام متعمدًا، فرفع الإمام قبل أن يركع، ماذا نقول له؟
نقول: الآن بطلت صلاتك؛ لأنك تخلفت عن إمامك بركن فتبطل صلاتك.
[ ١ / ١٨٦٣ ]
فإن ركع قبل أن يرفع الإمام من الركوع، وأدرك جزءًا قليلًا من الركوع، فصلاته صحيحة، لكنه متخلِّف في الواقع، أفهمتم الآن التخلف؟ فصار التخلف لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون بعذر، فما الحكم؟
طلبة: ().
الشيخ: الحكم أن يأتي بما تخلَّف به ليلحق إمامه، ما لم يصل الإمام إلى إلى مكانه الذي هو فيه فإنه يبقى، وتكون الركعة الثانية للإمام هي الركعة الأولى لهذا المأموم المتخلِّف.
أما إذا تخلَّف لغير عذر فإنه يرتبط بانتقال الإمام من الركن الذي سبقه به، فإذا انتهى الإمام من الركن الذي تخلف فيه المأموم وسبقه به الإمام أيش؟
طلبة: بطلت صلاته.
الشيخ: بطلت صلاته، هذا التخلف عرفتموه تمامًا؟
إذا تخلف لكن أدرك الإمام في الركن، فهذا صلاته صحيحة، لكنه مكروه، عمله هذا مكروه؛ لمخالفة قول رسول الله ﷺ: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» (٧)، و(إذا) شرطية، و(فاركعوا) جواب الشرط، وهذا يقتضي أن يكون ركوع المأموم بعد ركوع الإمام مباشرة؛ لأن: هذا جواب الشرط، جواب الشرط يتحقق متى وُجِد أيش؟ المشروط، إذا ركع فاركع لا تتأخر، فيكون التخلُّف عن الإمام مكروهًا؛ لمخالفة أمر النبي ﷺ.
لكن متى أدرك الإمام في الركن فصلاته صحيحة، هذا التخلف.
وهنا مسألة نبحثها الآن معكم: إذا أقيمت الصلاة وكبَّر الإمام وقرأ الفاتحة، وفينا اثنان يتحدثون فيما بينهم، أو واحد مثلًا يكتب أو يذاكر، وقال: إذا ركع الإمام قمت وركعت، فبقي في مكانه، أو بقي الرجلان يتحدثان، ولما ركع الإمام قامَا فركعَا معه، ما تقولون في هذا؟
هل نقول: إن هذا يوجب أن تكون صلاته باطلة؛ لأنه لم يقرأ الفاتحة، أو نقول: إن هذا مسبوق أدرك الركوع فتصح صلاته؛ لأنه قبل أن يدخل في الصلاة غير مطالَب بقراءة الفاتحة؟
طلبة: الأول.
الشيخ: والله أنا عندي أنكم ستختلفون، الأول، الثاني.
طلبة: الأول.
الشيخ: يعني الأول أنه تبطل صلاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي.
[ ١ / ١٨٦٤ ]
طالب: تبطل الركعة الأولى.
الشيخ: إي طبعًا، يعني معناه أن الركعة الأولى فاتته.
طالب: إن كان عالمًا بالحكم تبطل، يمكن ما يفهم ما يعلم، أو يكون جاهلًا.
الشيخ: الأركان ما فيها فرق بين الناسي والجاهل.
طالب: يجب عليه أن يزيد ركعة.
الشيخ: هذه معناها فاتته ركعة، أنت خالفتهم بس باللفظ.
طالب: تبطل؛ لأنه تسبب بترك ركن عمدًا.
الشيخ: يعني كل الصلاة تبطل؟
الطالب: الركعة.
الشيخ: الركعة؟ يعني معناه فاتته الركعة، هذا كلام.
طالب: شيخ، تصح صلاته من الركعة الأولى؛ لأنه أدرك الإمام راكعًا، ومن أدرك ركعة أدرك الـ ..
الشيخ: إي نعم، لكن الإخوان يقولون: أدرك الإمام راكعًا، صحيح، لكنه تعمَّد ألَّا يقرأ الفاتحة.
الطالب: ما دخل مع الإمام حتى يتعمَّد.
الشيخ: يعني: ما لزمته الفاتحة حتى نقول: إنه تركها؛ لأن الفاتحة لا تلزم إلا مَن دخل في الصلاة.
أنا أميل إلى هذا الرأي، إلى أنه ما دام لم يدخل في الصلاة فإنه لا يلزمه حكم الصلاة، لكننا صحيح نقول له: أنت أخطأت، وفوَّت على نفسك خيرًا كثيرًا، أولًا: فاتك فضيلة تكبيرة الإحرام، وفاتتك فضيلة قراءة الفاتحة والسورة إن كان هناك سورة، وثالثًا: عرَّضت نفسك لفوات ركعة؛ لأن بعض العلماء -كالإخوان اللي قالوا بالأول- قالوا: إن ركعته لا تصح، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: النص الصريح: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٢) ما يكون دليلًا قويًّا على الرأي الثاني؟
الشيخ: اللي هو إن صلاته تصح؟
الطالب: الركعة.
الشيخ: على كل حال أنا أميل إلى هذا، أميل إلى أن ركعته صحيحة.
طالب: الموسْوِس ما حكمه؟
الشيخ: الموسوس في الحقيقة يحتاج إلى تنبيه، بعض الموسوسين لا يستطيع أن يكبِّر تكبيرة الإحرام بسهولة، وأحيانًا يعجز، فسمعت مَن أفتى بأن تكبيرة الإحرام هنا لا تلزمه، يقف ويقرأ الفاتحة ويمشي، قال: لأنه عاجز.
[ ١ / ١٨٦٥ ]
كما سمعت أيضًا بأن بعض الناس الموسوسين يثقُل عليه الوضوء، ويبقى في الوضوء مدة طويلة، ربما يخرج الوقت وهو لم يخلص من الوضوء -نسأل الله العافية لنا ولهم- فأفتاه بعض الناس أن يتيمم مع وجود الماء.
وهذه الفتوى والتي قبلها فيما أرى خطأ؛ لأن هذا ليس عجزًا حسيًّا، إنما هو عجز نفسي يزول بالتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقهر نفسه حتى يفعل هذا الواجب؛ لأننا لو فتحنا هذا الباب للشيطان لأثقل الشيطان نفس الصلاة على الإنسان، وصار إذا أراد أن يصلي يضيق صدره، ويتعب من الوسواس، فهل نقول لهذا: إنه تسقط عنك الصلاة؟ لا.
وأيضًا الرسول ﵊ ذكر دواء لمثل هذه الوساوس وهي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، حتى إن الصحابة شكوا إلى الرسول ﵊ أنهم يجدون شيئًا يحب الإنسان أن يخر من السماء ولا يتكلم به، ويحب أن يكون حممة فحمة، يعني يحترق ولا يتكلم به، فأمر النبي ﵊ بأمرين؛ أحدهما شرعي، والثاني كوني.
قال: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ»، (٩) يستعذ بالله، هذا دواء شرعي، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بقلب مفتقِر لله ﷿ ملتجِئ إليه، والله ﷾ يعيذك ويعصمك، يطرد الشيطان عنك.
الثاني: دواء حسي، وهو الانتهاء، أعرض عن هذا، لا تفكر فيه مطلقًا، وإذا فعلت ذلك زال عنك، أما أن نسترسل وراء الشيطان، ثم نأتي على ما يريد ونُسْقِط الواجبات فنقول: تَيَمَّم مع وجود الماء! ونقول: لا تكبِّر للإحرام! هذا ليس بصحيح، والشيطان حريص على ابن آدم، لكن هذا الموسْوِس لو كسره مرة، لو كسر هذا الحاجز مرة واحدة فقط، هان عليه في الوقت الثاني، ثم يهون عليه مرة ثالثة، ويهون حتى يزول، وإلَّا فالأمر عظيم جدًّا، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشيطان الرجيم.
[ ١ / ١٨٦٦ ]
ذكر أن ابن عقيل ﵀، وهو من الحنابلة، جاءه رجل يستفتيه، قال: يا شيخ، أنا تصيبني الجنابة، فأنغمس في دجلة في العراق في النهر، ثم أخرج وأقول: ما تم اغتسالي.
فقال له الشيخ: أرى ألَّا تصلي، سبحان الله! ! تعجب، كيف ما أصلي؟ ! قال: نعم؛ لأن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (١٠)، وأنت مجنون، كيف تنغمس في دجلة ناويًا الغسل، تطلع من الماء تقول: ما اغتسلت؟ ! ! لا صلاة عليك، ففهم الرجل أن هذا نوع من الجنون، فاستيقظ.
على كل حال، أنا أقول: الإنسان الْمُبْتَلَى بالوسواس، الوسواس لا يعرف قدره إلا الْمُبْتَلَى به، لكن نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الوسواس، لكن على الإنسان أن يتحمل ويصبر، ويضغط على نفسه، مع الاستعاذة بالله والانتهاء، ويزول عنك بإذن الله.
طالب: يا شيخ، قضية التأخر عن الفاتحة، أقول: ثبت فيها وعيد: «لَا زَالَ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ».
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وما دام ثبت فيها وعيد.
الشيخ: لا، هي ما ثبتت بهذا، هذا إنما قاله الرسول ﵊ لما خرج ذات يوم ووجد أناسًا في مؤخر المسجد، والمقدَّم خالي، قال: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ». (١١) ()
***
طالب: .. وإن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه، بطلت، إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعة قضاء.
ويُسَنُّ للإمام التخفيف مع الإتمام، وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية، ويستحب انتظار داخل ما لم يشق على مأموم.
وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كُرِهَ منعُها، وبيتُها خير لها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١ / ١٨٦٧ ]
نأخذ مسائل على مسألة السبق:
السؤال الأول: ما تقول في رجل سجد ورفع من السجود قبل أن يسجد إمامه؟
طالب: إن كان عالمًا بطلت.
الشيخ: إن كان عالمًا ذاكرًا.
الطالب: عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة.
الشيخ: ما الفرق بين الجاهل والناسي؟
الطالب: الجاهل يكون أنه أصله غير عالم بالحكم.
الشيخ: إنه ما يعلم.
الطالب: أما الناسي فكان عالمًا بالحكم لكنه نسي ().
الشيخ: نعم، ما تقول في رجل ركع ورفع قبل إمامه؟
طالب: إذا كان متعمدًا ذاكرًا فتبطل صلاته.
الشيخ: إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته.
الطالب: أما إذا كان ناسيًا ..
الشيخ: ناسيًا أو جاهلًا ضد عالم ذاكر.
الطالب: ناسيًا أو جاهلًا، فإن كان يمكنه أن يلحق الإمام فيرجع، وإن كان يمكنه ..
الشيخ: طيب، ما أمكنه، لحقه الإمام؟
الطالب: يستمر في صلاته ويكمل.
الشيخ: ولا عليه شيء؟
الطالب: ما عليه شيء.
الشيخ: ما عليه شيء.
الطالب: بطلت ركعته.
الشيخ: تبطل الركعة، وأنت مُصِرٌّ على أنه لا يلزمه شيء؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما تقولون؟ فيه قولان.
طلبة: القول الثاني.
الشيخ: القول الثاني؟ يعني أن ركعته تبطل، ما الفرق ما دمت فرَّقْتَ بين هذه المسألة ومسألة الأخ، الأخ يقول: إنه إن كان جاهلًا أو ناسيًا صحت صلاته؟
طالب: المسألة الأولى السَّبْق إلى الركن.
الشيخ: لا، المسألة الأولى قلت: إنه سجد ورفع قبل سجود إمامه.
الطالب: المسألة الثانية.
الشيخ: المسألة الثانية ركع ورفع قبل إمامه.
الطالب: سبق الركوع.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإذا سبق بالركوع ناسيًا أو جاهلًا بطلت ركعته، وإن كان عالمًا ذاكرًا ..
الشيخ: بطلت صلاته ما فيه إشكال، لكن المسألة اللي ذكر الأخ؟
الطالب: سبق ركن.
الشيخ: إي.
الطالب: هذا غير الركع، إذا كان غير الركوع بركن غير الركوع فإنه لا تبطل صلاته، إلا إن كان عالمًا ذاكرًا.
الشيخ: إي نعم، ولَا ركعته؟
الطالب: ولَا ركعته.
[ ١ / ١٨٦٨ ]
الشيخ: إذن نفرِّق بين الركوع وغير الركوع، موافقون على هذا؟
طالب: كلا الحالتين تبطل الصلاة إذا كان عالمًا ..
الشيخ: إذا كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته ما فيها إشكال، لكن إذا كان جاهلًا أو ناسيًا حتى لحقه الإمام؟
الطالب: أيضًا ما عليه شيء إذا كان جاهلًا ناسيًا ولَا ذكر حتى ..
الشيخ: ما عليه شيء، لا في الركوع، ولا في السجود؟
الطالب: أبدًا؛ لأنه جاهل ناسٍ، ما عليه شيء.
الشيخ: إي نعم.
طالب: فإن كان وصل الإمام إلى ..
الشيخ: إي، أدركه الإمام؛ لأني قلت: ما عليه شيء
الطالب: ليس عليه شيء.
الشيخ: ليس عليه شيء، توافق الأخ؟
طالب: إي نعم.
طالب آخر: الناسي إذا ذكر يرجع.
الشيخ: ما رجع يا أخي، وصل الإمام إلى مكانه ما يمكن يرجع الآن.
الطالب: إذا صار جاهلًا وناسيًا فصلاته صحيحة على الصحيح.
الشيخ: على الصحيح، على القول الصحيح أنه يصح صلاته، حتى لو سبقه بركن أو ركنين ولحقه الإمام فالصحيح أن صلاته صحيحة، لكن الكلام على ما في المتن، على كلام الماتن.
طالب: إن كان في الركعة يعني الركوع تبطل الركعة، وإذا كان في السجود فلا شيء عليه.
الشيخ: ما تبطل الركعة.
طالب: لا، ما تبطل.
الشيخ: إذن نفرِّق بين الركوع والسجود، فصار الآن التفريق بين الركوع والسجود.
الركوع إذا سَبَقَ به بطلت؛ إما الصلاة وإما الركعة، إن كان عالمًا ذاكرًا فالصلاة، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فالركعة، معلوم؟
لكن الجاهل والناسي لو تَمَكَّن من أن يأتي به بعد الإمام، يعني تمكن من الرجوع ثم متابعة الإمام، فإنه لا شيء عليه، يرجع وينتهي الموضوع، لكن إذا لحقه الإمام تبطل الركعة.
غير الركوع إذا سبقه بركن غير الركوع، كالسجود مثلًا، فعندنا إما أن تبطل الصلاة، وإما ألَّا تبطل، ما فيه بطلان ركعة، أو لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت الصلاة، إن كان جاهلًا أو ناسيًا فلا شيء عليه.
[ ١ / ١٨٦٩ ]
إذا ركع قبل الإمام فأدركه الإمام في ركوعه، أولًا ما اسم هذا النوع من السبق عند أهل العلم؟
طالب: سبق إلى ركن.
الشيخ: سبق إلى ركن، ما حكم صلاته؟
الطالب: إذا كان عالمًا بطلت صلاته، عالمًا عامدًا.
الشيخ: عالمًا ذاكرًا.
الطالب: إذا كان جاهلًا ناسيًا صحت.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، هل فيه قول آخر سوى هذا الذي قلت؟
الطالب: قول المذهب.
الشيخ: هذا المذهب الآن.
الطالب: ما أدري.
طالب آخر: القول الصحيح وهو إن كان عالمًا ذاكرًا فصلاته تبطل.
الشيخ: ولو رجع وأتى به بعد الإمام؟
طالب: ولو رجع إذا كان متعمدًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإذا لم يكن متعمدًا ووصله الإمام فصلاته صحيحة إن كان ناسيًا.
الشيخ: صحيح، إذن القول الصحيح أنه بمجرد السبق عالمًا ذاكرًا تبطل الصلاة؛ لأنه فعل محرَّمًا، بل فعل كبيرة من كبائر الذنوب.
بقينا في التخلف، أظن انتهى الوقت ونحن نتكلم عنه، أتذكرون ذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأننا ذكرنا أن أحوال المأموم مع إمامه أربعة؟
طالب: أولًا التخلف، المتابعة و..
طالب آخر: والسبق والموافقة.
الشيخ: والسبق والموافقة، هذه أربعة، ذكرنا المتابعة أظن؟
طلبة: السبق.
الشيخ: ذكرنا السبق، والتخلف لم نكمله الظاهر.
السبق على كل حال عرفتموه مُفَصَّلًا في كلام المؤلف، وعرفتم القول الصحيح، وأنا كتبته مُحَرَّرًا إن شاء الله يصلكم مع الذي سيُكْتَب.
بقينا في التخلف: التخلف عن الإمام إما أن يكون تخلفًا في الركن، أو تخلفًا بركن، وإما أن يكون بعذر، أو بغير عذر.
فنبدأ أولًا: إذا كان التخلُّف لعذر، يعني: تأخر عن إمامه لعذر، مثل ألَّا يسمع تكبير الإمام، أو يكون فيه نوم، ينعس، أو إنسان انغمس في التفكير والوساوس، وانجذب قلبه إلى ما يوسوس به، ولم يسمع، على كل حال تخلَّف لعذر، إذا تخلف لعذر فإن صلاته صحيحة، ويأتي بما تخلف به عن إمامه ما لم يَصِل إمامه إلى موضعه الذي تخلَّف فيه.
[ ١ / ١٨٧٠ ]
فإن وصل إلى موضعه الذي تخلف فيه فإنه يبقى مع إمامه؛ لأنه في هذه الحال لو ذهب يقضي ما تخلف به لانفرد عن إمامه بركعة كاملة، وهذه مخالفة ظاهرة، فيبقى مع إمامه.
مثال ذلك: هو الآن قائم مع إمامه في الركعة الأولى، الإمام ركع ورفع وسجد وقام إلى الثانية، وذاك لم يعلم، قام إلى الثانية وهو لم يعلم، فما الحكم في هذه الحال؟
الحكم أن يبقى معه، ولا يأتي بما تخلَّف به؛ لأنه لو أتى بما تخلف به لكان انفرد عن إمامه بأيش؟ بركعة كاملة، وهذه مخالفة ظاهرة، فيبقى وتصح له، كما قال العلماء: تصح له ركعة مُلَفَّقَة، ولكن ما هي بالتلفيق المعروف عندكم، فلان يلفِّق الكلام، يعني يجيب كلام كذب ملفَّق؛ لأنه الآن صارت ركعته الأولى مكوَّنَة من ركعة الإمام الأولى والثانية، ولَّا لا؟
الآن أول ركعته مع الإمام في الركعة الأولى، وآخرها مع الإمام في الركعة الثانية، فإن انتبه لإمامه وهو في السجود -هو الآن قائم مع إمامه يقرأ، فركع الإمام ورفع وسجد، ولم ينتبه إلا والإمام في السجود- فماذا يصنع؟ يركع ويرفع ويسجد ويتابع إمامه؛ لأن التخلف هنا أيش؟ لعذر، وأقل من ركعة، ولا يكون فيه مخالفة ظاهرة للإمام، هذا إذا كان لعذر، إذا كان لغير عذر فإنه إما أن يكون تخلُّفًا في الركن، أو تخلفًا بركن.
فالتخلف في الركن معناه أن تتأخر عن المتابعة، لكنك تدرك الإمام في الركن الذي انتقل إليه، مثل: ركع الإمام وباقٍ عليك آية أو آيتان من السورة، وبقيت قائمًا تكمل ما بقي عليك، لكنك ركعت وأدركت الإمام في الركوع، فالركعة هنا صحيحة، لكن الفعل مخالف للسنة؛ لأن المشروع أن تَشْرَع في الركوع من حين أن يصل إمامك إلى الركوع، ما تتخلف، يقول النبي ﷺ: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا». (٧)
[ ١ / ١٨٧١ ]
التخلف بالركن معناه أن الإمام يسبقك بركن، يعني: يركع ويرفع قبل أن تركع أنت، هذا تخلف بركن، فالفقهاء -﵏- يقولون: إن التخلف كالسبق، فإذا تخلَّفت بالركوع فقد تخلفت بركن، فصلاتك باطلة، وإن تخلفت بالسجود، يعني سجد الإمام ورفع قبل أن تسجد، فصلاتك على ما قال الفقهاء: صحيحة؛ لأنه تخلّف بركن غير ركوع، يعني يجعلون التخلف كالسبق؛ إن كان بركن الركوع بطلت، وإن كان بغيره لم تبطل.
ولكن القول الراجح حسب ما رجَّحنا في السَّبْق: أنه إذا تخلَّف عنه بركن لغير عذر فصلاته باطلة، سواء كان الركن ركوعًا أم غير ركوع.
وعلى هذا فلو أن الإمام رفع من السجدة الأولى، وكان هذا الرجل المأموم يحب أن يدعو الله في السجود، فبقي يدعو الله حتى سجد الإمام السجدة الثانية، فصلاته باطلة، ليش؟ لأنه تخلَّف بركن، فإذا سبقه الإمام بركن فأين المتابعة؟ ما فيه متابعة، يخلص الإمام من الركن الذي بعد الركن التي أنت فيه وينتهي منه وأنت في الركن، إذن صار بينك وبين الإمام ركن.
فالصحيح أن مَن تخلَّف لعذر -هذه القاعدة- على القول الراجح من تخلف لعذر فإنه يتابع الإمام، يعني يفعل ما تخلَّف به ويتابع الإمام، إلا إذا وصل الإمام إلى مكان التخلف، فإنه يبقى مع إمامه ويستمر، وتصح له ركعة مُلَفَّقَة، وإذا سَلَّم الإمام يقضي هذه الركعة التي حصل فيها التخلف.
إذا كان لغير عذر، فالصحيح أنه إذا تخلف بركن بطلت، وإن تخلف إلى الركن صحت، لكنه خلاف السنة؛ لأن المشروع أن تبادر بمتابعة الإمام.
الموافقة في الأقوال حتى لو تقدمت ما يضر إلا في تكبيرة الإحرام والسلام.
أما في تكبيرة الإحرام فإنك لو كَبَّرْت قبل أن يتم الإمام تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاتك أصلًا؛ لو قال الإمام: الله، وفي حال المد قلت أنت: الله أكبر، شَرَعْتَ، فصلاتك لا تنعقد؛ لأنه لا بد أن تأتي بتكبيرة الإحرام بعد انتهاء الإمام منها نهائيًّا.
[ ١ / ١٨٧٢ ]
فالموافقة للإمام في تكبيرة الإحرام تُبْطِل الصلاة، ما أقول تبطلها أيضًا أقول: لا تنعقد الصلاة أصلًا، عرفتم؟
الموافقة في السلام، قال العلماء: إنه يُكْرَهُ أن تُسَلِّمَ مع إمامك التسليمة الأولى، ومع إمامك التسليمة الثانية، وأما إذا سلَّمت التسليمة الأولى بعد التسليمة الأولى، فإن هذا لا بأس به، لكن الأفضل ألَّا تسلم إلا بعد التسليمتين، فلو سَلَّمْتَ الأولى بعد الأولى والثانية بعد الثانية فلا بأس.
أما بقية الأقوال فلا يهم أن توافق الإمام، أو تتقدم عليه، أو تتأخر عنه، فلو فُرِضَ أنك تسمع الإمام يتشهد، وسبقته أنت في التشهد، لما وصلت: اللهم صَلِّ على محمد، وإذا هو يقول: السلام عليك أيها النبي، صرت قبله ولَّا بعده؟
طلبة: قبله.
طلبة آخرون: بعده.
الشيخ: سمعته يقول: السلام عليك أيها النبي، وأنت تقول: اللهم صَلِّ على محمد، أيهم السابق؟
طلبة: المأموم سابق.
الشيخ: اللهم حوالينا ولا علينا! المأموم سبق، لكن هذا لا يضر؛ لأن السبق بالأقوال ما عَدَا التحريمة والتسليم ليس بمؤثِّر، لا يضر، وكذلك أيضًا لو سمعته يقرأ بالفاتحة، أنت تقول: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وهو يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، في صلاة الظهر مثلًا؛ لأنه يُشْرَع للإمام في صلاة الظهر والعصر أن يُسْمِع الناس الآية أحيانًا، كما كان الرسول ﷺ يفعل.
إذن نقول: لا يضر بالنسبة للأقوال.
الموافقة في الأفعال مكروهة، وقيل: إنها خلاف السنة، ولكن الأقرب الكراهة.
الموافقة يعني مثلًا لما قال: الله أكبر، للركوع، وشَرَع في الْهُوِيّ، أهويت أنت، يعني أنت والإمام سواء، نقول: هذا مكروه؛ لأن الرسول ﵊ قال: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ». (١٢)
[ ١ / ١٨٧٣ ]
في السجود لما كَبَّر للسجود سجدتَ أنت، ووصلت الأرض أنت وإياه سواء، نقول: هذا مكروه؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنه.
قال البراء بن عازب: كان النبي ﷺ إذا سجد لا يَحْنِي أحدٌ منَّا ظهرَهُ حتى يقعَ النَّبيُّ ﷺ ساجدًا، ثم نَقَعُ سجودًا بعدَه (١٣)، الصحيح (نقعُ) بالرفع؛ لأن (ثم) هنا استئنافية، يعني: ثم نحن نقع سجودًا بعده، المهم أن الموافقة أيش؟ في الأفعال مكروهة؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنها، ولأنها خلاف عمل الصحابة ﵃.
بقينا بالمتابعة، المتابعة هي السنة، ومعناها: أن الإنسان يَشْرَع في أفعال الصلاة فور شروع إمامه، لكن بدون موافقة.
فمثلًا: إذا ركع تركع، وإن لم تكمل القراءة المستحبة، لو بقي عليك آية واحدة، لكنها توجِب التخلف فلا تكملها، في السجود إذا رفع من السجود هل الأفضل أن تبقى تدعو الله، أو أن تتابع إمامك؟
طلبة: تتابع.
الشيخ: أن تتابع الإمام، قم، كونك تقوم أفضل من كونك تبقى ساجدًا تدعو الله؛ لأن صلاتك ارتبطت بالإمام، وأنت الآن مأمور بمتابعة من؟ بمتابعة إمامك، والمتابِع يَتْبَع؛ يبادر بالاتباع، فصارت المتابعة هي أيش؟ هي السنة، ومعنى المتابعة أن تأتي بأفعال الصلاة بعد إمامك فورًا بدون تأخير، إذا كبر فكَبِّرُوا، وإذا ركع فاركعوا.
على كل حال الآن فهمنا أن الأحوال أربعة:
مسابقة، وتخلف، موافقة، ومتابعة، وعرفنا حكم كل منها.
طالب: السبق بالسلام يبطل الصلاة؟
الشيخ: نعم، إن تعمَّد بطلت الصلاة، إذا سبق بالسلام وتعمَّد بطلت الصلاة كسائر الأركان، وإن سلَّم بعد إمامه صحَّت إذا كان ناسيًا أو جاهلًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُسَنُّ لإمامٍ التخفيف مع الإتمام)
[ ١ / ١٨٧٤ ]
(يُسَنُّ لإمامٍ) (يُسَنُّ)، إذا قال أهل العلم: يُسَنُّ، فالمراد بذلك: أنه من الأشياء المسنونة التي إن فعلها الإنسان أُثِيبَ، وإن تركها لم يعاقَب؛ لأن الأحكام عند أهل العلم خمسة:
واجب، وضده المحرَّم، وسنة، وضدها المكروه، ومباح.
فالإمام يُسَنُّ له التخفيف، يعني: أن يخفف في الناس، والتخفيف المطلوب من الإمام ينقسم إلى قسمين: تخفيف لازم، وتخفيف عارض، وكلاهما من السنة.
أما التخفيف اللازم: فأن لا يتجاوز الإنسان ما جاءت به السنة من التطويل، فإن جاوز ما جاءت به السنة فهو مطوِّل.
وأما العارض: فهو أن يكون هناك سبب يقتضي الإيجاز مما جاءت به السنة، يعني: أن يُخَفِّف أكثر مما جاءت به السنة.
دليل الأول، وهو التخفيف أيش؟
طلبة: اللازم.
الشيخ: اللازم، يعني الدائم، قول النبي ﷺ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ» (١٤).
ودليل الثاني قول النبي ﷺ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ» (١٥)، ﵊، إذا سمع بكاء الصبي يُسْرِع مخافة أن تُفْتَتَنَ أُمُّهُ، يعني أن ينشغل قلبها عن صلاتها؛ لأن انشغال القلب عن العبادات فتنة، فهذا نقول: تخفيف عارض طارئ، والأول تخفيف لازم مستمر.
وقول المؤلف ﵀: (مع الإتمام) ظاهره أن الإتمام سنة في حق الإمام، والإتمام هو موافقة السنة، وليس المراد بالإتمام أن يقتصر على أدنى الواجب، بل موافقة السنة هو الإتمام.
وظاهر كلامه يقول: إن هذا سنة، لا التخفيف ولا الإتمام، ولكن إذا استعرضنا الأدلة تبين لنا أن التخفيف الموافِق للسنة واجب.
[ ١ / ١٨٧٥ ]
ودليل ذلك أن معاذ بن جبل ﵁ لما أطال في أصحابه غضب النبي ﷺ غضبًا لم يغضب في موعظة مثله، حتى قال له: «أَتُرِيدُ يَا مُعَاذُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا؟» (١٦)، يعني: صادًّا للناس عن سبيل الله؛ لأن الفتنة هنا بمعنى الصد عن سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠].
وإذا كان الرسول ﵊ غضب في الموعظة هذه من أجل الإطالة، فكيف نقتصر على السُّنِّيَّة، ولهذا القول الذي تؤيده الأدلة أن التطويل الزائد على السنة حرام؛ لأن الرسول ﵊ غضب.
(الإتمام) كلام المؤلف يدل على أنه سنة، وفي هذا شيء من النظر؛ وذلك لأن الإمام يتصرف لغيره، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولهذا تجدون في السنة التعبير: أُصَلِّي لَكُمْ، يعني أكون إمامًا لكم، لكن أصلي لكم معناه أنه يتصرف لغيره، والواجب على من تصرف لغيره أن يفعل ما هو أحسن، أما مَن تصرف لنفسه فهو حر.
أرأيتم لو كان معي كتاب قيمته عشرة ريالات، فبعته بثمانية، والكتاب لي، يجوز؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا لي، لو وهبته مجانًا فهو جائز، لكن لو وكلني شخص في بيعه، قال: بِعِ الكتاب، وكان يساوي عشرة، فبعته بثمانية، لا يجوز؛ لأن هناك فرقًا بين من يتصرف لنفسه ويتصرف لغيره، والإمام مؤتَمَن، في الواقع الإمام مؤتمن على الصلاة، فكيف نقول: إن الإمام له أن ينقص الصلاة، وأن الإتمام في حقه سنة؟ !
إذا كنت أصلي، واقتصرت على الواجب في الأركان والواجبات، لي هذا ولَّا لا؟ أنا أصلي الآن لنفسي، فهل لي أن أقتصر على الواجب في الأركان والواجبات؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ١٨٧٦ ]
الشيخ: لي، لكن للمأموم ليس لي ذلك؛ لأنه يجب أن أصلي له الصلاة المطابقة للسنة بقدر المستطاع؛ لأني أنا لست أتصرف لنفسي، نعم لو فُرِضَ أن المأمومين محصورون، وقالوا: يا فلان، عَجِّل بنا؛ لنا شغل، فحينئذ له أن يقتصر على أدنى الواجب؛ لأن المأمومين أَذِنُوا له في ذلك، فكما أنهم لو صَلَّوْا كل واحد على انفراد فله أن يقتصر على الواجب، فكذلك إذا أَذِنُوا لإمامهم، فكلام المؤلف في المسألتين فيه نظر.
أولًا: التخفيف الصحيح، أنه يجب التخفيف المطابق للسنة، ولا تجوز الزيادة عليه إلَّا، لاحظ هذه أيضًا نستثني منها إلَّا إذا اختار المأمومون أيش؟ الزيادة والتطويل، الناس في قيام الليل يطوِّلُون، لكن بأيش؟ باختيار من المأمومين، ثم إن صلاة القيام في الليل تطوع، لو شاء المأموم انصرف.
على كل حال نقول: التخفيف واجب، والإطالة محرَّمة؛ لأن النبي ﵊ غضب فيها.
الإتمام أيضًا، كلام المؤلف يدل على أنه سنة، والصحيح أنه واجب؛ لأن الإمام يصلي لغيره وليس يصلي لنفسه، ومَنْ تَصَرَّف لغيره فليتصرف بما هو أحسن.
بقينا التخفيف الآن، ما الذي يوزَن به التخفيف؟
طالب: السنة.
الشيخ: السنة، ولَّا أذواق الناس؟
طلبة: السنة.
الشيخ: السنة، ما فيها إشكال، ولهذا صاح بعض الناس على إمامهم: يا فلان، أنت قرأت فينا في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، ما عمر أحد قرأها، هذا تطويل، صحيح تطويل، ولَّا لا؟
طلبة: ليس تطويلًا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنها السنة.
الشيخ: موافق للسنة.
وآخرون صاحوا في فجر يوم الجمعة: الناس بهم نوم، تقرأ: (الم تنزيل) السجدة في الركعة الأولى، و(هل أتى على الإنسان) في الركعة الثانية، هذا تطويل، ماذا نقول؟
طلبة: ليس تطويلًا.
[ ١ / ١٨٧٧ ]
الشيخ: ليس تطويلًا، هذا سنة، إذا كان أنس بن مالك يقول -﵁-: ما صَلَّيتُ وراءَ إمامٍ قَطُّ أخفَّ صلاةً ولا أتمَّ صلاةً مِن رسول الله ﷺ (١٧). وهذه صلاته.
إذن الصلاة الموافِقة للسنة هي أخف صلاة وأتم صلاة، فلا ينبغي لبعض الأئمة أن يُطِيعَ المأمومين أو بعضهم في مخالفة السنة.
لكن لو احتج علينا أحد المأمومين وقال: ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء؟
طالب: هذه رحمة.
طالب آخر: السنة رحمة.
الشيخ: نعم، نقول: اتباع السنة رحمة، كوننا نجيبكم على السنة هذه هي الرحمة، إنما لو حصل عارض -كما قلنا قبل قليل- يقتضي التخفيف حينئذ نخفِّف؛ لأن الرسول ﵊ كان إذا حصل العارض خَفَّفَ، أما الشيء اللازم الدائم فإننا نفعل فيه السنة.
يقول المؤلف ﵀: (وتطويل الركعة الأولى أكثرَ من الثانية) يعني: ويُسَنُّ أيضًا أن يطوِّل الركعة الأولى أكثر من الثانية؛ لأن هذا هو السنة، كما في حديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ كان يُطوِّلُ الرَّكعةَ الأولى أكثر من الثانية. (١٨)
وكما أن هذا هو السنة فهو الموافق للطبيعة؛ لأن الإنسان أول ما يدخل في الصلاة يكون أنشط، فكان من المناسب أن تكون الركعة الأولى أطول من الثانية، إلا أن العلماء استثنوا مسألتين:
المسألة الأولى: إذا كان الفرق يسيرًا فلا حرج، مثل: (سبح) والغاشية في يوم الجمعة، في يوم العيد، (سبح) والغاشية أيهما أطول؟
طلبة: الغاشية.
الشيخ: الغاشية أطول، لكن الطول يسير.
والمسألة الثانية: الوجه الثاني في صلاة الخوف، ويش هو الوجه الثاني في صلاة الخوف؟
[ ١ / ١٨٧٨ ]
صلاة الخوف وردت عن النبي ﵊ على أوجه متعددة حسب ما تقتضيه الحال، من الأوجه التي وردت عليه أن الإمام يقسم الجيش إلى قسمين؛ قسم يبقون أمام العدو، وقسم يدخل مع الإمام يُصَلِّي، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية انفرد الذين يصلُّون معه وأتموا صلاتهم والإمام واقف، ثم انصرفوا إلى مكان الطائفة الباقية تجاه العدو، وجاءت الطائفة الباقية فدخلوا مع الإمام؛ والإمام واقف، وصلوا معه الركعة التي بقيت، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا صلاتهم قبل أن يسلِّم الإمام، ثم جلسوا للتشهد معه وسلَّمُوا معه.
الإمام في الركعة الثانية كان وقوفه أطول من وقوفه في الركعة الأولى، لكن هكذا جاءت السنة من أجل مراعاة الطائفة الثانية.
فيُسْتَثْنَى إذن من هذا من قوله: (يُسَنُّ تطويل الأولى أكثرَ من الثانية) مسألتان:
الأولى: الفرق اليسير.
والثانية: الوجه الثاني في صلاة الخوف.
طالب: شيخ، بالنسبة عند التخفيف مطابقة السنة واجب، بس هل التخفيف أمر نسبي؟ لأن ابن عمر يقول: كان النبي ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤُمُّنَا بالصافات (١٩).
الشيخ: لا، المعنى أن الصافات ليست تثقيلًا، مراد ابن عمر أن الصافات لا تنافي التخفيف.
طالب: شيخ، ترك الواجب عمدًا، أليس يُبْطِل الصلاة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: زين، () طوَّل في الصلاة؟
الشيخ: لا، هذا ما هو من أجل مصلحة الصلاة هذا من أجل مراعاة الغير يعني يعود لمعنى خارج عن الصلاة.
الطالب: زين يا شيخ، رجل مثلًا ما تابع، الرجل وافق الإمام، وظاهر الأدلة تدل على الوجوب، ويش يصرفها إلى الكراهة؟
الشيخ: اللي يصرفها قوله: «لَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ» (٢٠)، وقوله: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ» (٨)، فجعل الوعيد على أيش؟ على المسابقة.
الطالب: والمتابعة؟
الشيخ: المتابعة سنة.
الطالب: المتابعة سنة، والموافقة؟
[ ١ / ١٨٧٩ ]
الشيخ: الموافقة مكروهة، إلا في تكبيرة الإحرام وفي السلام.
الطالب: واللي يصرف الأمر من كونه للوجوب إلى كونه للكراهة؟
الشيخ: حديث: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ»، يقولون: ما ورد الوعيد إلا على هذا.
طالب: شيخ، ما فيه معارضة بين فعل النبي ﷺ في بعض صلوات التطويل، وبين أمره لمعاذ بالتخفيف؟
الشيخ: أبدًا، ما فيه معارضة.
الطالب: لأنه إذا مَثَّل بسورة ..
الشيخ: لأن معاذًا شَرَعَ في البقرة في صلاة العشاء.
طالب: شيخ، على الكلام بجواز المسابقة في الأقوال أن الإنسان يجوز له أن يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية قبل إمامه؟
الشيخ: إي، يجوز، ما فيه مانع.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا كان في الجماعة أُنَاسٌ كِبَار في السن، فهل هذا طارئ أم لازم؟
الشيخ: إن كان ما جاؤوا إلا ها الصلاة فقط ..
الطالب: هم أصحاب المسجد، هم اللي يأتون دائمًا كبار السن.
الشيخ: هذا يفعل السنة.
الطالب: حتى وإن شَقَّ عليهم؟
الشيخ: ما يشق إن شاء الله، اللي يشق عليه يجلس.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لو أراد الإمام أن يقرأ سورة الأعراف في المغرب كما فعل النبي ﷺ، ماذا يفعل؟ هل الأفضل له أن يُعْلِن ذلك؟
الشيخ: والله بعض علمائنا كان إذا أراد أن يقرأها يُخَبِّرُ الناس، وعشان للشغل ما يحضر المسجد يصلي في مسجد آخر، إي نعم.
طالب: بالنسبة لصلاة الخوف اللي ينتظر الإمام في الطائفة الثانية يبقى على القراءة ولَّا يسكت؟
الشيخ: لا، يقرأ، ما فيه الصلاة سكوت إلا سكوت المأموم لقراءة إمامه بس.
طالب: ويُسَنُّ التخفيف مع الإتمام، الإتمام أن يتم بأداء الواجب في الركعات ولا المستحب؟
الشيخ: لا، المستحب.
طالب: لو كان الإمام سريعًا () هل التخلف عنه يؤثر؟
الشيخ: لو كان الإمام سريعًا جدًّا لا يمكنك أن تأتي بالواجب مع متابعته وجب عليك أن تنفرد، اتركه خليه يروح بسبيله.
طالب: ولو كان راتبًا؟
[ ١ / ١٨٨٠ ]
الشيخ: ولو كان راتبًا، بعد هذا المرة لا تُصَلِّ معه، دَوِّر مسجد آخر، إي نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن متابعة الإمام أظهر من الإتيان بجلسة الاستراحة، ما رأيكم بهذا؟
الشيخ: صحيح، رأيي من رأيه، يعني مثلًا لو كان المأموم يرى جلسة الاستراحة، والإمام لا يجلس، فالسنة ألَّا يجلس.
الطالب: يتابع الإمام؟
الشيخ: متابعة الإمام، كما أنه لو كان لا يرى الجلسة وجلس الإمام فالسُّنَّة أن يجلس لمتابعته.
طالب: إذا المأموم مثلًا في التشهد يعني ذرعه القيء أو حُصِرَ بشيء، هل يُسَلِّم ويترك الإمام ولَّا ..
الشيخ: إي نعم، له أن ينفرد.
الطالب: له أن ينفرد.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، قلنا: موافقة الإمام في الأقوال يحرُم في الإحرام وفي السلام، غيرها يا شيخ ..
الشيخ: يُكْرَه في السلام.
الطالب: يكره.
الشيخ: نعم.
الطالب: غيرها يا شيخ من التكبيرات، لو وافقه في غيرها من التكبيرات، غير تكبيرة الإحرام؟
الشيخ: أصلًا التكبيرات ما يمكن يوافقه فيها، إلا إذا وافقه في الفعل؛ لأن التكبيرات تكون مُزَامِنَة للانتقالات.
الطالب: لكن لو قال: الله أكبر، وبعدين وهو واقف ..
الشيخ: ما عاد يصح التكبير؛ لأنه مر علينا أن تكبيرات الانتقال في الانتقال تكون.
طالب: شيخ، لو قال قائل: إيمان الناس اليوم ليس كإيمان الصحابة ليتحملوا إطالة فجر الجمع؟
الشيخ: مُشْكِل.
الطالب: هل يراعِي هذا؟
الشيخ: لا ما يراعِي، ضعف الإيمان لا يراعَى؛ لأنه يجب أن يُقَوِّي الإنسان إيمانه.
الطالب: يهربون يا شيخ، ما يجيؤون يوم الجمعة؟
الشيخ: يروحوا لمسجد تاني ما فيه مانع، وإن تخلَّفُوا أَثِمُوا.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، مر معنا أن الذي يرفع بصره إلى السماء فَعَلَ كبيرة من كبائر الذنوب، لكن ما تبطل صلاته، لو قلنا: إن الذي يخالف الإمام أو يسبق الإمام تبطل صلاته، وعَلَّلْنَا أنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ما الفرق يا شيخ؟
[ ١ / ١٨٨١ ]
الشيخ: الفرق بينهما أنه في مسألة رفع البصر إلى السماء ما حصل منه مخالفة للصلاة، فهو لا زال مستقبل القبلة، ولم يحصل منه ما ينافي الصلاة، أما هذا فلأنه لما اقترنت صلاته بصلاة إمامه صار المسابَقَة مخالِفَة لكونه إمامَه.
() ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف: (يُسَنُّ لإمامٍ التخفيفُ مع الإتمام)، ما معنى هذه العبارة؟
طالب: السنة أنه يكون يخفِّف على الناس على وجه التمام.
الشيخ: فما هو الضابط في التخفيف؟
طالب: أنه يكون كما قال الرسول ﷺ، الحديث الذي رواه الجماعة أنه يراعي ما جاء في الحديث: «ذُو الْحَاجَةِ وَالْكَبِيرُ فِي السِّنِّ». (٢١)
طالب آخر: الأصل في التخفيف أنه ما جاءت به السنة.
الشيخ: ميزان التخفيف ما جاءت به السنة، ولَّا لو نتبع الناس كان ما هناك ضابط، ما هو الدليل أن ميزان التخفيف ما جاءت به السنة؟
طالب: الدليل قول النبي ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي جَمَاعَةٍ فَلْيُخَفِّفْ».
الشيخ: لا.
طالب: الدليل؟
الشيخ: إي نعم، الدليل على أن ضابط التخفيف ما جاءت به السنة؟
الطالب: قول النبي ﷺ لمعاذ: «أَفَتَّانٌ ..». (١٦)
الشيخ: لا.
طالب: حديث أنس: ما رأيت صلاة أخف ولا أتم من صلاة الرسول ﷺ (١٧).
الشيخ: إي نعم.
طالب: كان الرسول يصلي بـ (سبح).
الشيخ: يَؤُمُّنَا بالصافات.
الطالب: يَؤُمُّنَا بالصافات.
ويُسْتَحَبُّ انتظارُ داخلٍ ما لم يَشُقَّ على مأمومٍ، وإذا اسْتَأْذَنَت المرأةُ إلى المسجدِ كُرِهَ مَنْعُها، وبيتُها خيرٌ لها.
(فصلٌ)
الأَوْلَى بالإمامَةِ الأقرأُ العالِمُ فقهَ صلاتِه، ثم الأَفْقَهُ، ثم الأَسَنُّ، ثم الأشرفُ، ثم الأقدمُ هجرةً، ثم الأَتْقَى ثم مَن قَرَعَ، وساكنُ البيتِ وإمامُ المسجِدِ أحقُّ إلا من ذي سُلطانٍ،
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١ / ١٨٨٢ ]
قال المؤلف: (يسن للإمام التخفيف مع الإتمام)، ما معنى هذه العبارة؟
الطالب: أي: السنة أنه يكون يخفف على الناس على وجه الكمال.
الشيخ: فما هو الضابط في التخفيف؟
الطالب: أنه يكون -كما قال الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه الجماعة- أنه يراعي ما معناه في الحديث: ذو الحاجة والكبير في السن (١).
الشيخ: نعم.
طالب: الأصل في التخفيف كما جاءت به السنة، ما ثبت.
الشيخ: ميزان التخفيف ما جاءت به السنة، ولَّا لو نتبع الناس كان ما هناك ضابط. ما هو الدليل أن ميزان التخفيف ما جاءت به السنة؟
الطالب: الدليل قول النبي ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي جَمَاعَةٍ فَلْيُخَفِّفْ» (٢).
الشيخ: لا.
الطالب: الدليل؟
الشيخ: إي نعم، الدليل على أن ضابط التخفيف ما جاءت به السُّنَّة؟
الطالب: قول النبي ﷺ لمعاذ: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟» (٣).
الشيخ: لا.
طالب: حديث أنس: ما رأيت صلاة قط أتمَّ من صلاة الرسول ﷺ (٤).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كان الرسول يصلي بـ (سبح).
الشيخ: يؤمنا بالصافات.
الطالب: يؤمنا بالصافات.
الشيخ: إذن نقول: الدليل قول أنس: ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة، ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ. هل الأفضل تساوي الركعات الأولى والثانية؟
الطالب: الأصل أن تكون الركعة الأولى أطول من الثانية.
الشيخ: أطول من الثانية، الدليل؟
الطالب: الدليل حديث البراء، حديث قتادة.
الشيخ: قتادة؟ !
الطالب: نعم، أبي قتادة، حديث أبي قتادة.
الشيخ: أبي قتادة؟
الطالب: نعم، أبي قتادة.
الشيخ: قتادة ولَّا أبي قتادة؟
الطالب: أبي قتادة.
الشيخ: متأكد؟
الطالب: أن النبي ﷺ كان يطيل الركعة الأولى أطول من الثانية، كان يصلي الركعة الأولى أطول من الثانية (٥).
الشيخ: هل يستثنى من هذا شيء؟
[ ١ / ١٨٨٣ ]
طالب: يستثنى من ذلك، استثنى العلماء من ذلك أمرين؛ الأول: (سبح) و(الغاشية)، والفرق بينهما يسير.
الشيخ: لا، ما هو (سبّح) و(الغاشية)، ذكروا ضابطًا.
الطالب: الركعة الثانية في الصلوات الخمس.
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: والثانية قراءة (سبح) و(الغاشية).
طالب: إذا كان الفرق يسيرًا.
الشيخ: إذا كان الفرق يسيرًا، مثل: (سبح) و(الغاشية)، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، والجمعة، والمنافقين، أيها أطول؟
طالب: المنافقون أطول.
الشيخ: إي، المهم إذا كان يسيرًا فلا بأس؛ لأن هذا ما يظهر الفرق.
***
قال المؤلف: (ويستحب انتظار داخل إن لم يشق على مأموم) يعني يستحب للإمام أن ينتظر الداخل الذي يدخل معه في الصلاة، بشرط ألا يشق على مأموم، فإن شق على المأموم الذي معه كُرِهَ له ذلك إن لم يَحْرُم، والانتظار يشمل ثلاثة أشياء: انتظار قبل الدخول في الصلاة، انتظار في الركوع -ولا سيما في آخر ركعة- انتظار فيما لا تدرك فيه الركعة، مثل السجود.
أما الأول -انتظار الداخل قبل الشروع في الصلاة- فهذا ليس بسنة، بل السنة تقديم الصلاة التي يسن تقديمها، وأما ما يسن تأخيره من الصلوات -وهي العشاء- فهنا يراعي الداخلين؛ لأن النبي ﷺ كان في صلاة العشاء إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أخَّروا أخَّر (٦).
إذن هذا انتظار، لكن الصلاة هنا لا يسن تقديمها؛ ولذلك كان الرسول ﵊ يستحب أن يؤخر من العشاء، ولكنهم إذا اجتمعوا لا يحب أن يؤخر من أجل أيش؟ ألّا يشق عليهم، أما غيرها من الصلوات فلا يؤخر ولا ينتظر، بل يصلي الصلاة في أول وقتها.
[ ١ / ١٨٨٤ ]
واختار بعض أهل العلم، أو ذهب بعض أهل العلم استحسانًا منه إلى أنه إذا كان الرجل ذا شرف وإمامة في الدين أو إمارة في الدنيا فإنه يُستحب انتظاره، مثل أن يكون هناك عالم يصلي في هذا المسجد دائمًا فانتظره الإنسان انتظارًا لا يشق على المأمومين من أجل ما يُرْجى من مصلحة في انتظاره، فهذا لا بأس به.
كذلك لو كان هذا المسجد يصلي فيه أمير ولي أمر، وانتظره الإنسان من أجل تأليفه على صلاة الجماعة؛ فإن هذا أيضًا من الأمور المستحبة، هذا استحبه بعض أهل العلم، قال: لما في ذلك من المصلحة؛ لأن ذوي الهيئات والشرف والجاه إذا راعيتهم نلت منهم مقصودًا كبيرًا، وإذا لم تراعهم ربما يفلت الزمام من يدك بالنسبة إليهم، وهذه المسألة في الحقيقة على إطلاقها لا تنبغي؛ لأن دين الله لا يُراعى فيه أحد، ولكن إذا رأى الإنسان مصلحة محققة، وأن في عدم المراعاة مفسدة بحيث إذا لم نراعه لم يتقدم إلى المسجد، أو ربما لم يُصلِّ مع الجماعة وهو شخص يُقتدى به إما في دينه وإما في ولايته، فهنا يترجح أيش؟
طلبة: انتظاره.
الشيخ: انتظاره، بشرط ألَّا يشق على الموجودين في المسجد، فإن شق فهم أولى بالمراعاة.
الثاني: انتظارٌ في الركوع؛ يعني الإمام راكع فأحس بداخل في المسجد فانتظر قليلًا حتى يدرك هذا الداخل الركعة، فهنا للقول باستحباب الانتظار وجه، لا سيما إذا كانت الركعة هي الأخيرة؛ من أجل أن يدرك الجماعة، لكن بشرط ألا يشق على المأمومين، مثل لو سمع إنسانًا ثقيل المشي لكبر، سمعه دخل من المسجد وباب المسجد بعيد عن الصف، وهذا يستغرق عشر دقائق في الوصول إلى الصف، هل ينتظر عشر دقائق؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: يشق على المأمومين.
الشيخ: يشق على المأمومين، معلوم، لكن شيء بسيط لا بأس به.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذه المسألة؟ لأن هذه عبادة؛ تطويل الصلاة وتقصيرها عبادة، فلا بد من دليل على هذا.
[ ١ / ١٨٨٥ ]
قلنا: يمكن أن يؤخذ الدليل من كون النبي ﷺ إذا سمِع بكاء الصبي أوجز في صلاته مخافة أن تَفْتَتِن أمه (٧)، فهنا غيَّر هيئة الصلاة من أجل مصلحة شخص؛ حتى لا تفتتن أمه وينشغل قلبها بابنها، فربما يؤخذ من هذا الفعل لرسول الله ﷺ أنه يسن انتظار الداخل؛ لأننا نحسن إليه، والذين معنا لا يضرهم ذلك، ولا يشق عليهم.
كذلك ربما نأخذ أيضًا من أصل آخر وهو إطالة النبي ﷺ الركعة الأولى في الصلاة حتى إن الرجل يسمع الإقامة ويذهب إلى رحله ويتوضأ ويرجع، فإن المقصود بهذا أن يدرك الناس الركعة الأولى، وربما يُبنى أيضًا على أصل ثالث؛ وهو إطالة الركعة الثانية في صلاة الخوف من أجل إدراك الطائفة الثانية للصلاة، فهذه الأصول الثلاثة ربما يُبنى عليها القول باستحباب انتظار الداخل في الركوع بشرط ألا يشق على مأموم.
القسم الثالث: انتظاره -أي الداخل- في ركن غير الركوع؛ يعني في ركن لا يدرك به الركعة ولا يحسب له، فهذان نوعان:
النوع الأول: ما يحصل به فائدة.
والنوع الثاني: ما ليس فيه فائدة إلا مجرد أن يشارك الإمام فيما اجتمع معه فيه.
مثال الأول: إذا دخل في التشهد الأخير، أحس الإمام -وهو في التشهد الأخير- بداخل في المسجد ولم يبقَ عليه إلا أن يُسلِّم فانتظر، فهنا الانتظار حسن، لماذا؟ لأن فيه فائدة، ما الفائدة؟ الفائدة أنه يُدرك صلاة الجماعة عند بعض أهل العلم، وقد مر علينا أن المؤلف يقول: من كَبَّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة، ففيه فائدة لهذا، وأيضًا فيه فائدة -حتى على القول بعدم الإدراك -إدراك الجماعة- لكنهم يقولون: إن إدراك هذا الجزء خير من عدمه؛ فهو مستفيد.
[ ١ / ١٨٨٦ ]
النوع الثاني: ما لا يستفيد منه إلا مجرد المتابعة للإمام مثل أن يكون ساجدًا في الركعة الثالثة مثلًا في الرباعية، فأحس بداخل، فهنا نقول: لا يُستحب الانتظار، لماذا؟ لأن المأموم الداخل لا يستفيد بهذا الانتظار شيئًا؛ إذ سيدرك الركعة الأخيرة، وهذا يستلزم -لو قلنا بالانتظار- شيئين:
الأول: أنه قد يشق على بعض المأمومين ولو نفسيًّا؛ لأن بعض الناس ما عنده مروءة، ولا يحب الخير للغير، فتجده ساجدًا وذاك ينتظر تجده يحضرم بنفسه، ليش يؤخرنا علشان فلان؟ ! ولَّا لا؟ هذا يؤثر، مع أن هذا الذي دخل لا يستفيد شيئًا إطلاقًا؛ لذلك نقول: لا تنتظر.
الشيء الثاني: مما يستلزمه أنه يُغيِّر هيئة الصلاة؛ لأنه سوف يطيل هذا الركن أكثر مما سبقه، وهذا خلاف هيئة الصلاة؛ لأن هيئة الصلاة أن آخرها يكون أقصر من أولها.
إذن فهذه أنواع الانتظارات، بل أقسام الانتظارات، صارت كم؟ ثلاثة أقسام:
انتظار قبل الدخول في الصلاة، انتظار فيما تُدرك به الجماعة أو الركعة، انتظار فيما لا تدرك به الجماعة، وهو نوعان: ما فيه فائدة، وما لا فائدة فيه.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا ينتظر الداخل مطلقًا، حتى وإن كان دخوله في الركوع الأخير أو في الركعة الأخيرة الذي يدرك به الجماعة، قال: لأن الصلاة لها هيئة معلومة عند الشرع فلا ينبغي أن تُغَيَّر من أجل مراعاة أحد، ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف، وقد ذكرنا لكم أصولًا، كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: أصولًا ثلاثة يمكن أن تُبنى عليه هذه المسألة.
[ ١ / ١٨٨٧ ]
وفي قول المؤلف (إن لم يشق على مأموم)، لهذه المسألة، وهو أنه إذا شق على المأموم فإنه لا ينتظر، ولكن هل نقول: إنه يكون مكروهًا؟ أو يكون ممنوعًا؟ ظاهر السنة أنه يكون ممنوعًا؛ لأن النبي ﷺ أنكر على معاذ حينما أطال إطالة غير مشروعة، وهذا الذي انتظر وأطال الانتظار وهو في حال لا يُشرع فيها مثل الذي يطيل القراءة في حال لا تشرع فيها، فنقول: إن هذا حرام عليك.
ويُؤخذ من كلام المؤلف -﵀- مراعاة السابق؛ أن السابق أولى بالمراعاة من اللاحق، ولهذا فوَّتنا مصلحة الداخل مراعاةً لمن؟
طلبة: للسابق.
الشيخ: للسابق الذي مع الإمام، وهو كذلك.
***
ثم قال المؤلف: (وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كُرِه منعها)، (استأذنت) يعني طلبت الإذن، و(المرأة) يراد بها البالِغة، وقد يراد بها الأنثى وإن لم تكن بالغة، ولكن الأكثر أن المرأة كالرجل إنما تطلق على البالِغة كما أن الرجل يطلق على البالغ، (استأذنت) يعني طلبت الإذن ممن؟
طلبة: وليها.
الشيخ: من ولي أمرها، فإن كانت ذات زوج فولي أمرها زوجها، ولا ولاية لأبيها، ولا لأخيها، ولا لعمها مع وجود الزوج؛ لقول النبي ﷺ في النساء: «إِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» (٨)، والعواني: جمع (عانية)، وهي الأسيرة؛ ولأن الزوج سيدٌ للزوجة كما قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، يعني؟
طلبة: زوجها.
[ ١ / ١٨٨٨ ]
الشيخ: زوجها، فولي أمرها في هذه المسألة هو زوجها، فإن لم يكن لها زوج فأبوها، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها، إذا استأذنت (إلى المسجد كُرِه منعها)، (إلى المسجد): يعني لحضور صلاة الجماعة، فإنه يُكره له أن يمنعها، والكراهة هنا، بل وفي كل مكان في كلام الفقهاء كراهة التنزيه؛ يعني التي يترتب عليها الثواب عند الترك دون العقاب عند الفعل، كلما وجدت في كلام الفقهاء (كَرِه) فهي للتنزيه، وهذا هو حكم هذه المسألة؛ يعني يكره للرجل أن يمنع، أو يكره لولي المرأة أن يمنع المرأة إذا استأذنته.
الدليل قول النبي صلى الله، ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» (٩)، شوف «إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»، فيها إشارة إلى توبيخ المانع؛ لأن الأمة ليست أمتك بل هي أمة الله، والمسجد ليس بيتك بل هو مسجد الله، فإذا طلبت أمة الله بيت الله كيف تمنعها؟ ففيه نوع من التوبيخ لمن منع المرأة؛ لأنه منع من لا حق له عليها في المنع عن ما لا حق له في المنع منه وهو المسجد، «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ».
[ ١ / ١٨٨٩ ]
ولكن بعض العلماء يقول: إن هذا الحديث نهي، والأصل في النهي التحريم، وعلى هذا فيحرم على الولي أن يمنع المرأة إذا أرادت الذهاب إلى المسجد لتصلي مع المسلمين، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ أنه يحرُم على الرجل أن يمنع مَوْلِيَّته من الخروج إلى المسجد لتصلي مع الناس؛ ويدل لهذا أن ابن عمر ﵄ لما قال له ابنه بلال حينما حدث بهذا الحديث: والله لنمنعهن (١٠)، أقسم؛ لأنه رأى الفتنة وتغيُّر الأحوال، وقد قالت عائشة: لو رأى النبي ﷺ من النساء ما رأينا لمنعهن كما مُنِعت نساء بني إسرائيل (١١)، لما قال له: والله لنمنعهن، أقبل عليه عبد الله فسبه سبًّا شديدًا ما سبه مثله قط، وقال له: أقول لك: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ» وتقول: والله لنمنعهن؟ ! فهجره، صار ما يكلمه عبد الله بن عمر؛ لأن هذا مضادة كلام الرسول الله ﵊ ولو بالقياس، هذا أمر عظيم، وتعظيم كلام الله ورسوله عند السلف لا يماثله تعظيم أحد من الخلف، هذا الفعل من ابن عمر يدل على؟
طلبة: التحريم.
الشيخ: على التحريم، وهذا هو الصحيح، أنه يحرُم أن تمنع من استأذنت.
وذُكر عن بعض الصحابة -ولا يحضرني اسمه الآن- أنه لما أراد منع امرأته لفساد الزمان حدَّثته بهذا الحديث، قال: كلام الرسول ﵊ على العين والرأس، اخرجي، فتخبَّأ لها في السوق، فدسَّها بيده ولم تعلم أنه هو، فلما كانت الليلة الثانية، قال: ليش ما تخرجين؟ اخرجي، قالت: لا، ما أخرج؛ فسد الناس (١٢).
الشيخ: هذه حيلة ولَّا ما هي حيلة؟
طلبة: حيلة يا شيخ.
الشيخ: لكنها حيلة، أرجو ألا يكون فيها بأس؛ لأن الرجل إنما دس أو مَنْ؟
طلبة: زوجته.
الشيخ: دس يده على امرأته، وأراد أن يُبيِّن لها أن الأمر تغير.
[ ١ / ١٨٩٠ ]
على كل حال الصواب في هذه المسألة أن المنع محرم، لا يجوز، لكن إذا تغير الزمان فينبغي للإنسان أن يُقنع أهله بعدم الخروج حتى لا يخرجوا، ويسلم هو من ارتكاب النهي الذي نهى عنه الرسول ﵊.
وقول المؤلف: (إذا استأذنت المرأة) يشمل الشابة، والعجوز، والحسناء، والقبيحة، أليس كذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه عام.
وقوله: (إلى المسجد) يدل على أنها لو استأذنت لغير ذلك فله منعها، فلو استأذنت أن تخرج إلى المدرسة فله أن يمنعها إلا أن يكون مشروطًا عليه عند العقد، وكذلك لو أرادت أن تخرج إلى السوق فله أن يمنعها، لكن قولنا: له أن يمنعها؛ يعني ليس حرامًا عليه، ولكن ينظر للمصلحة؛ قد لا يكون من المصلحة أن يمنعها، وقد تكون المصلحة في منعها.
وقوله: (إلى المسجد) يعني للصلاة، أما لو ذهبت إلى المسجد لتتفرج على بنائه مثلًا، انتهى مسجد من البناء، وكان بناؤه يدعو إلى التفرُّج عليه، فقالت: أنا سأذهب إلى المسجد لأتفرج عليه، فهل يمنعها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، له أن يمنعها؛ لأن الخروج هنا ليس للعبادة، فله أن يمنعها.
طالب: المحاضرة؟
الشيخ: المحاضرة أيضًا له أن يمنعها.
[ ١ / ١٨٩١ ]
وقال المؤلف: (وبيتها خيرٌ لها)، بيتها خير لها من الحضور إلى المسجد؛ لأنه هكذا قال النبي ﵊: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»، فهذا الحديث الذي أشرنا إليه: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (١٣) تضمن خطابين: خطابًا موجهًا للأولياء، وخطابًا موجهًا للنساء، أما الأولياء فلا يمنعهن، وأما النساء فبيوتهن خير لهن، لكن النبي ﵊ قال: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (١٤). يعني غير متطيبات، والنبي ﷺ منع المرأة إذا كانت متطيبة أن تشهد المسجد، فقال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا صَلَاةَ الْعِشَاءِ» (١٥)، وكن يخرجن لصلاة العشاء يصلين مع النبي ﵊، وكذلك في صلاة الفجر، فمنعها النبي ﵊.
وعلى هذا فيجوز للولي إذا أرادت المرأة أن تخرج متطيبة، أيش؟
طلبة: منعها.
الشيخ: يجوز أن يمنعها، بل يجب أن يمنعها في هذه الحال؛ لأن النبي ﷺ نهاها أن تشهد صلاة العشاء إذا كانت متطيبةً، وله الحق في أن يمنعها، وكذلك لو خرجت متبرجة، يعني بثياب زينة، أو بنعل صرَّاء، أو بنعل ذات عقب طويل، أو ما أشبه ذلك فله أن يمنعها، قياسًا على منعها من الخروج متطيبة.
[ ١ / ١٨٩٢ ]
وقوله -المؤلف-: (بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ) يستثنى من ذلك الخروج لصلاة العيد، فإن الخروج لصلاة العيد للنساء سُنَّة؛ لأن النبي ﷺ أمر أن يُخرج العواتق وذوات الخدور؛ العواتق: يعني الحرائر الشريفات، ذوات الخدور: يعني الأبكار التي اعتادت أن تبقى في خِدْرها، أمرها النبي ﵊ أن تُخرج العواتق وذوات الخدور لمصلى العيد، حتى الحيض أمرهن أن يخرجن لصلاة العيد، إلا أن الحيض أمرهن باعتزال المصلى؛ لأن مصلى العيد مسجد فأمرهن باعتزاله (١٦)، صار يستثنى من هذا من قوله: (وبيوتهن خيرٌ لهن) أيش؟
طلبة: صلاة العيد.
الشيخ: صلاة العيد، فإن حضورهن إليها من السنة التي أمر بها النبي ﷺ، ولكن يجب أن تخرج غير متبرجة بزينة، ولا متطيبة، بل تخرج بسكينة ووقار، وبدون رفع صوت، وبدون ضحك إلى زميلتها، وبدون مِشية كمشية الرجل، بل تكون مشيتها مشية أنثى، مشية حياء وخجل ووقار.
وإلى هنا انتهى كلام المؤلف في هذا الباب ﵀.
***
ثم قال: (فصلٌ في أحكام الإمامة)، لَمَّا بَيَّن -﵀- حكم صلاة الجماعة وما يتفرع عليها مما سبق ذكره، ذكر أحكام الإمامة، من الذي يصلح إمامًا؟ ومن أحق بالإمامة؟ هذا خلاصة هذا الفصل.
الأول: من الذي يصلح أن يكون إمامًا؟
والثاني: من أحق بالإمامة؟
فبدأ بالأحق، فقال: (الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فِقْهَ صلاته)، هذا الأولى، فكلمة (الأقرأ)، هل المراد الأقرأ جودة؛ الذي تكون قراءته تامة، يخرج الحروف من مخارجها، ويأتي بها على أكمل وجه، أو المراد بالأقرأ الأكثر قراءة؟
طلبة: () الأول.
[ ١ / ١٨٩٣ ]
الشيخ: الأول، الأقرأ جودة؛ يعني الذي يقرأ قراءة مجودة، وليس المراد التجويد الذي يُعرف الآن بما فيه من الغنة والمدَّات، المهم أن يقرأ الحروف من مخارجها، أن يخرج الحروف من مخارجها، وليس بشرط أن يتغنّى بالقرآن، وأن يحسن به صوته، وإن كان الأحسن صوتًا لا شك أنه أولى، لكنه ليس بشرط.
لكن اشترط المؤلف قال: (العالم فقه صلاته) يعني الذي عنده علم بفقه الصلاة، فإذا وجد أقرأ، ولكن لا يعلم فقه الصلاة؛ يعني أنه أمي إلا أنه أقرأ، ولا يعرف من أحكام الصلاة إلا ما يعرفه عامة الناس من القراءة والركوع والسجود، فهل الأولى هنا هذا الأقرأ، أو مَنْ دونه في القراءة لكن يعلم فقه الصلاة بحيث لو طرأ عليه عارض في صلاته من سهو أو غيره تمكن من تطبيقه على الأحكام الشرعية؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: يقولون: الأول، إذا صار أقرأ يعلم فقه صلاته فهو أولى من الأقرأ الذي لا يعلم، وإذا وجد أقرأ وأفقه قالوا: إنه يقدم الأقرأ، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١٧)، وقال لمالك بن الحويرث: «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (١٨)، فمرة قال: الأقرأ، ومرة قال: الأكثر قرآنًا، والجمع بينهما ممكن وسهل، فإن هذين المخاطبين الذين قال لهم: «يَؤُمّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» كانوا في الجودة سواءً أو متقاربين، ومعلوم أنه إذا وجد اثنان في الجودة على حد سواء أو كانا متقاربين فإن الأكثر مُقدّم.
أقول: إن النبي ﵊ قال: «أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، لكن ذهب بعض العلماء إلى خلاف ما يفيده كلام المؤلف، وهو أنه إذا اجتمع أقرأ وقارئ فقيه قُدِّم الفقيه، قدم القارئ الفقيه على الأقرأ غير الأفقه، وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ في عهد الصحابة هو الأفقه؛ لأن الصحابة كانوا لا يقرؤون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.
[ ١ / ١٨٩٤ ]
فالأقرأ في عهد الرسول ﷺ هو الأفقه، والأكثر قرآنًا هو الأفقه، ومن المعلوم أنه إذا اجتمع شخصان أحدهما أقرأ جودة والثاني قارئ، لكن دونه في الإجادة إلا أنه أعلم منه بفقه أحكام الصلاة لا شك أن الثاني أقوى في الصلاة من الأول، يعني في أداء العمل من الأول؛ لأن ذاك الأقرأ ربما يُسْرِع في الركوع، يسرع في القيام بعد الركوع، ربما يطرأ عليه سهو ولا يدري كيف يتصرف، والثاني العالم فقه صلاته يدرك هذا كله، غاية ما فيه أنه أدنى منه جودة، أو أقل منه قراءة إذا اعتبرنا الأكثر قراءة، وهذا القول هو الراجح.
ولكن لاحظوا أن هذا الكلام في ابتداء الإمامة؛ يعني لو حضرت جماعة وأرادوا أن يقدموا أحدًا، أما إذا كان للمسجد إمام راتب فهو أوْلى بكل حال ما دام ليس فيه مانع يمنع من إمامته.
الأقرأ العالم فقه صلاته، ثم الأفقه؛ يعني إذا اجتمع قارئان متساويان في القراءة، لكن أحدهما أفقه فإنه يُقدَّم الأفقه، وهذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال فيما إذا اجتمع أفقه وأقرأ، المؤلف يرى؟
طلبة: الأقرأ.
الشيخ: تقديم الأقرأ، والصحيح أننا نُقدِّم الأفقه إذا كان فقهه فيما يتعلق بالصلاة، قد يوجد بعض الناس عنده فقه واسع في المعاملات، في الأنكحة، في المواريث، هذا ما له دخل في الصلاة، لكن كلامنا الأفقه فيما يتعلق بالصلاة.
من أين نأخذ أن الأفقه يلي الأقرأ؟ من قول النبي ﷺ: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» (١٧)، ثم قال: (ثم الأسَنّ) ويش معنى الأسن؟
طالب: أكبرهم سنًّا.
الشيخ: يعني الأكبر سنًّا، يعني متقدم بالسن، فابن عشرين سنة يقدم على ابن خمس عشرة سنة؛ لأنه أيش؟
طلبة: أسن.
[ ١ / ١٨٩٥ ]
الشيخ: أسن، وهذا متى؟ إذا استووا في القراءة، والسنة فالأسن، الدليل: قول النبي ﷺ: «فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» أَوْ قَالَ: «سِنًّا» (١٧).
والمؤلف ما ذكر تقدم الهجرة ولا تقدم الإسلام، ولكن ينبغي أن نذكره، فنقول: إذا كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرةً؛ يعني لو كانا مسلمين، ولكنهما في بلاد كفر فسبق أحدهما في الهجرة إلى بلاد الإسلام، فما الذي يُقدَّم؟
طلبة: الذي سبق بالهجرة.
الشيخ: هذا، الأقدم هجرة؛ لأنه أسبق في الخير، ولأنه أقرب إلى معرفة الشرع ممن تأخر وبقي في دار الكفر، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم إسلامًا؛ لأن الأقدم إسلامًا أقرب إلى معرفة شريعة الله؛ ولأنه أفضل، فإذا كانوا في الإسلام سواءً نأتي الآن إلى السن، فيقول: (ثم الأسن).
ودليل آخر لتقديم صاحب السن قوله ﵊: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (١٩)، وإنما قال: «أَكْبَرُكُمْ»؛ لأنه يعلم أنهم في القراءة كانوا متقاربين أو سواءً.
طالب: أحسن الله إليك، فيه بعض النساء يذهبن إلى المساجد؛ لأن الإمام الذي يصلي في المسجد صوته جميل فيردن الذهاب لهناك لسماع الصوت، فهل يعني يجبن لذلك؟
الشيخ: أما من ذهب للتمتع بسماع الصوت، فهذا إلى الإثم أقرب منه إلى الأجر.
طالب: للنساء يا شيخ؟
الشيخ: النساء والرجال، لمجرد التمتع، أما من ذهب من أجل أنه أقرب إلى الخشوع في القراءة لحسن صوته؛ فهذا لا بأس به، وذلك لأن التمتع بالصوت قد تتدرج به النفس من التمتع البريء من الشهوة إلى تمتع يكون مقرونًا بالشهوة، لا سيما بالنسبة للنساء مع الرجل.
[ ١ / ١٨٩٦ ]
طالب: شيخ، الإطلاق في قوله ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ»، ألا يقيد بقوله ﷺ: «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ» (٢٠)، يعني الشابة مثلًا والصغيرة، مثلًا تسترسل في الخروج، «امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ» مضبوطة مثلًا بهذا السيد أو بهذا الرجل يقول: «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ»، وهنا يقول: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ»، وأخذنا «إِمَاءَ اللَّهِ» مثلًا بالإطلاق، هل نأخذه بالإطلاق أو نقيده؟
الشيخ: إي بالإطلاق، حتى امرأة أحدكم مطلقة.
الطالب: ليست زوجة؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط.
طالب: شيخ، في قوله ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ» (٢١) ألا يؤخذ من هذا الحديث أنه لا ينتظر الإمام إذا سمع متأخرًا من الصلاة؟ النبي ﷺ لم يقل: سأنتظر أو ينبغي للإمام أن ..
الشيخ: هذا يخاطب مَنْ؟ يخاطب الإمام ولَّا يخاطب المأموم؟
الطالب: يخاطب المتأخر المتخلف.
الشيخ: منه المأموم. إحنا نقول للمأموم: لا تستعجل؛ ولأجل ذلك قلنا: لما كنت غير مستعجل فالإمام ينتظرك.
الطالب: لأنه قال في الحديث: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
الشيخ: صحيح، هو ما أدرك فصلَّى، الخطاب هذا للقادم للمأموم، لكن الكلام اللي ذكرناه للإمام نفسه، فهذان خطابان.
الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا دخل رجل المسجد والإمام راكع، والإمام ما شعر به، بعض الناس يقول: إن الله مع الصابرين عشان يشعر الإمام؟
[ ١ / ١٨٩٧ ]
الشيخ: إي نعم، بعض الناس -صحيح- إذا دخل يقول: إن الله مع الصابرين، وأحيانًا يتنحنح حتى يبح صوته، فبعض الأئمة إذا أحس بذلك نهض حتى لو ما قال إلا مرة واحدة: سبحان ربي العظيم، يعاجل، فيقال لهذا الإمام: لماذا تفعل هذا الشيء؟ قال: لأن هذا الرجل ربما يتعجل فيكبر للإحرام وهو يهوي للركوع، فتفسد صلاته كلها فأنا بقطع عليه القضية، من يوم أسمع داخل أبغي أركع.
قال لي بعض الإخوة -عليه رحمة الله-: إنه كان عندهم إمام يفعل هذا الشيء، وإن الصبيان إذا رأوا الإمام راكع قاموا يطربكون برجليهم كأنه داخل هو من حين ما يسمع هذه الطربكة، يقول: سمع الله لمن حمده، عشان يعجل عليهم الإمام.
فعلى كل حال، كل له وجهة نظر، لكن الإنسان ينبغي له أن يتمشّى مع الشرع، نحن نرى أنه يتمهل، لكن لا يرفع من حين ما يسمع هذا داخلًا، ينتظر شوي أيضًا حتى يتمهل ذاك من الدخول والركوع.
طالب: النبي ﷺ عندما تجوَّز في الصلاة من أجل المرأة، تجوَّز لأحد الذين يؤمهم في الصلاة، أما الذي عندما يكون راكعًا يأتي إنسان يكون هذا في خارج الصلاة لم يشرع في الصلاة فيكون عليه إمام اللي هو مسؤول عنه.
الشيخ: هذا جيد، وأزيدك أيضًا أنه إذا خفف صار أهون على الذين معه مما إذا؟
طلبة: انتظر.
الشيخ: انتظر، وإن كان بعض الناس قد لا يحب التخفيف، يحب أن يتأنى، لكن نقول: حتى هذا أيضًا هو قاصدك، هذا الذي دخل هو قاصد لك فله شيء من الحرمة؛ ولهذا قلنا: إذا تعارضت مصلحته ومصلحة الذين مع الإمام قُدِّم أو رُوعي من وراء الإمام.
طالب: هل للإمام إذا لاحظ امرأة متطيِّبة أنه يقول لها: اخرجي من المسجد قياسًا على فعل الرسول ﵊؟
الشيخ: إي، كيف؟ إذا رأى امرأة متطيبة يقول لها: اخرجي، كانوا أيضًا إذا رأوا الذي قد أكل بصلًا أو ثومًا يطلعونه، يطلعه الرسول ﵊ إلى البقيع، يبعده عن المسجد.
[ ١ / ١٨٩٨ ]
طالب: هل المقال في هذا مخصص لصلاة العشاء فقط؟
الشيخ: لا، عام، لكن عادة النساء أنهن يخرجن بالليل؛ لأنه أستر، وليل الصحابة لا تظنه مثل ليلنا الآن، ليلنا الآن كالنهار، ولذلك ما نحس بلذة في النهار لطلوع الفجر، كان الناس -قبل أن تأتي الأنوار- إذا طلع الفجر وبان الصباح يحسون بلذة وسرور ويعرفون تقلب الليل والنهار، أما الآن لا، أصبح ليلها كنهارها.
طالب: يا شيخ، المرأة إذا ذهبت إلى الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، هل يُستحب لها الصلاة في الحرم أو في البيت أو في شقة يعني؟
الشيخ: لا، الأفضل تصلي في بيتها؛ لأن الرسول ﵊ نفسه هو الذي قال: «بَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا» وهو يتكلم في مسجده؛ في المسجد النبوي.
الطالب: تحوز الأجر يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، تحوز الأجر بالكيفية.
الطالب: لا، بالكمية.
الشيخ: لا، بالكمية، وتعرف أن جبلًا يساوي ألف تمرة، أكثر من ألف تمرة.
الطالب: إذا دخل رجل والإمام انتهى من السورة، والآن بيركع ودخل هذا الرجل، هل ينتظر حتى يرفع الإمام ()؟
الشيخ: لا، ما ينتظر؛ لأن هذا يُدرك الركعة بإدراك الركوع.
الطالب: نعم، شيخ، مثلًا بعض الأئمة أكثر من اللغط الصلاة، وفيه ناس -جزاك الله خيرًا- أفقه من ناس مثل سجود السهو مثل حركات () الصلاة، ولكن فيه يخلون بالقراية؛ يعني بينهم اختلاف كثير يعني، ويش رأيك في ها الأمر؟
الشيخ: لكن الثاني الذي هو أقرأ معروف بأنه يتحرى ويتجنب السهو في الصلاة وحريص على صلاته؟
الطالب: إي نعم ..
الشيخ: فهذا يُقدم؛ لأن احتمال السهو الأصل عدمه.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا كان جماعة في سفر، وكان عليهم أمير تقدم الأمير في حضرة أكثر من مرة يقدم هذا الأمير، هل يطاع؟
الشيخ: كيف؟ الأمير أمير على اسمه، فإذا قال: تقدم يا فلان وهو أهلٌ للإمامة يكون أحق.
الطالب: يا شيخ، حديث النبي: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ».
[ ١ / ١٨٩٩ ]
الشيخ: إي نعم، هذا ما يمنع؛ لأن ما كل قوم لهم أمير، إذا كانوا في البلد.
الطالب: ().
الشيخ: أقول: إذا كانوا في البلد، جماعة في البلد.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن المؤلف -﵀- يرى استحباب انتظار الداخل، وقلنا: إن هذا له ثلاثة أوجه، انتظار الداخل كم صورة له؟
طالب: إذا لم يشق على المأمومين.
الشيخ: كم صورة له؟ قبل أن نقول إذا لم يشق.
طالب: ثلاثة أوجه، ثلاث صور.
الشيخ: نعم.
الطالب: انتظار قبل الصلاة، قبل أن يدخل في الصلاة.
طالب آخر: انتظارٌ في ركن الركوع.
الشيخ: انتظار في الركوع.
الطالب: انتظار في الركوع.
الشيخ: ليدرك الركعة، ها.
الطالب: ليدرك الركعة، وانتظار في غير الركوع وينقسم إلى قسمين: انتظار فيما يستفيد منه الداخل، وانتظار فيما لا يستفيد منه، إلا () في نفس الركوع اللي وصل إليه، لا يستفيد إلا أن يجتمع معه، فأما الذي يستفيد منه فمثلًا يكون الإمام في.
الشيخ: استمعتم إلى الصور الآن، نشوف الأحكام، يلَّا.
حكم الصورة الأولى، انتظار الداخل بمعنى تأخير إقامة الصلاة من أجل حضور هذا الداخل.
الطالب: إذا كان الداخل () هذا أن يكون يعني ذا ولاية أو ذا شرف يعني عالم، أو يكون أميرًا () يستحب تأليفًا لقلبه في الصلاة، وقال بعض العلماء: إن المأمومين أولى، ودين الله يعني لا يمارى فيه.
الشيخ: تمام، هذه واحدة، الثانية؟
الطالب: الانتظار؟
الشيخ: في إذا دخل معه في الركوع.
طالب: وهذا قيل بأن له وجهًا للانتظار، وخاصة في الركعة الأخيرة وربما يُستأنس بثلاثة أصول:
الأصل الأول أن الرسول ﷺ كان يكبر ليستفتح الصلاة ويطيل الركعة الأولى حتى إن الواحد يذهب إلى رحله ويتوضأ، ثم يدركها الركعة الأولى، الثانية: إطالة الركعة الثانية في صلاة الخوف رغم أنه يكون مخالفًا.
[ ١ / ١٩٠٠ ]
الشيخ: للعادة.
الطالب: للعادة نعم.
الشيخ: الثالث؟
الطالب: الثالث: أن الرسول ﷺ إذا سمع بكاء الصبي يدخل في الصلاة يريد أن يطيلها، فإذا سمع بكاء الصبي قصَّرها من أجل عدم انشغال أمه (٢٢)، وهذه يستأنس بها لانتظار الداخل ().
الشيخ: الذي يدرك بدخوله الركوع. الثالث؟
الطالب: الثالث: في انتظار فيما، في غير الركوع، وهذا إن كان فيه فائدة كالتشهد الأخير فإنه ينتظر، وإذا لم يكن فيه فائدة فيتساوى ().
الشيخ: يقول: إذا كان فيه فائدة كالتشهد الأخير، ما الفائدة في إدراك التشهد الأخير؟
الطالب: لأنه على قول: إن الجماعة تدرك في التشهد الأخير.
الشيخ: ليدرك الجماعة على قول من قال بإدراكها بالتكبير قبل سلام الإمام، تمام. يُشترط لهذه الانتظارات؟ ما الذي يشترط لهذه الانتظارات؟
الطالب: يشترط أولًا: أن لا يشق على المأمومين، وأيضًا ألا تتغير الصورة في الصلاة يعني بصورة كبيرة بحيث إن تتغير هيئة الصلاة.
الشيخ: ويش لون يعني؟
الطالب: يعني مثلًا يجعل الركعة الثانية، أو الركعة الأخيرة يعني يطولها تطويل يعني أطول من الركعة الأولى مثلًا ().
الشيخ: هو لا بد من الانتظار من أن يطولها بعض الشيء، فإن أطال كثيرًا فهذا يكون يشق على المأمومين، ولهذا المؤلف لم يشترط إلا شرطًا واحدًا وهو ألا يشق على المأمومين، حضور النساء للجماعة؟
طالب: حضور النساء للجماعة، هذا -على قول المؤلف- أنه يسن حضور النساء إلى الصلاة.
الشيخ: يسن؟
الطالب: يستحب.
الشيخ: يستحب؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما هي عبارته التي تدل على أنه يُستحب؟
الطالب: قال: ويستحب ويكره منعهن يا شيخ.
الشيخ: نحن نتكلم عن حضورهن، ما هو عن منعهن.
الطالب: حضور النساء للصلاة؟
الشيخ: نعم، لصلاة الجماعة مع الرجال.
الطالب: ألا يمنعها إذا أرادت من ..
الشيخ: دعنا من ألا يمنعها، عن المنع وعدمه لغيرها ما هو لها، يلَّا واصل؟
طالب: شيخ، أنه جائز.
الشيخ: جائز؟
[ ١ / ١٩٠١ ]
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما يستثنى شيء؟
الطالب: إلا إذا خشيت الفتنة.
الشيخ: غير هذا.
طالب: وبيتها خير لها إلا صلاة العيد، النبي ﷺ حث النساء أن يخرجن إلى المصلى.
الشيخ: إذن هو من قسم الجائز إلا في صلاة العيد فإنه سُنَّة؛ لأمر النبي ﷺ به. إذا خشيت الفتنة بالخروج؟
طالب: خشيت الفتنة بالخروج؟
الشيخ: نعم.
الطالب: مثل أن تتطيب.
الشيخ: لا أريد المثال، أريد الحكم، إذا خشيت الفتنة بالخروج؟
الطالب: قد يحرم.
الشيخ: يعني فهو؟
الطالب: فهو محرم.
الشيخ: يعني ليس بجائز.
الطالب: لا.
الشيخ: ينتقل من الجواز إلى الكراهة أو التحريم حسب قوة التوقع، كذا؟ هل عندك قاعدة تبني عليها هذا الحكم الذي نقلت فيه حكم هذه المسألة من الجواز إلى التحريم أو الكراهة؟
الطالب: قياسًا على قول النبي ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ بَخُورًا فَلَا تُصَلِّي مَعَنَا صَلَاةَ الْعِشَاءِ» (١٥).
الطالب: فقياسًا على ذلك، بسبب وجود الفتنة الذي هو البخور منعها الرسول ﷺ من الخروج ..
الشيخ: إذن نقول: تخرج إلا إذا فعلت ما يكون به الفتنة، لكن إذا لم تفعل ما به الفتنة خرجت عادية، وخافت الفتنة؟
الطالب: الأولى عدم الخروج.
الشيخ: إما يُكره أو يحرم.
الطالب: على حسب المانع.
الشيخ: إي نعم، على حسب قوة الفتنة.
الطالب: إن كان المانع مؤكدًا حصوله فهو يحرم، وإن كان فيه شك قد يصل إلى الكراهة.
الشيخ: أنا الآن سؤالي عاد بعد أن عرفت الحكم، هل لك دليل أو تعليل بنيت عليه هذا الحكم؟
الطالب: دليل؟
الشيخ: أو تعليل.
الطالب: نعم، عندما قال النبي ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (٢٣)، فأشار النبي ﷺ إلى النساء أن البيت خير لها من الخروج.
الشيخ: ما هذا أريد.
الطالب: القاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
[ ١ / ١٩٠٢ ]
الشيخ: أن الجائز حط قاعدة يجب أن تعرفوها؛ المباح، كل شي مباح يمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة؛ يعني يمكن أن يكون واجبًا، أو حرامًا، أو مكروهًا، أو مستحبًّا، حسب ما يُفضي إليه، ولهذا زعم بعض العلماء أنه لا يمكن أن يوجد شيء يسمى مباحًا.
قال: إن المباح إذا اشتغلت به فقد انشغلت عن محرم؛ لأنك لا بد أن تفعل، أو انشغلت عن مكروه، فإن انشغلت عن محرم صار واجبًا، وإن انشغلت عن مكروه صار مستحبًّا، ولكن الذي عليه جمهور العلماء أن المباح ثابت، وكون الإنسان يريد أن ينشغل به عن كذا أو كذا هذه نية جديدة خرجت عن الأصل.
المهم أن القاعدة -اعرفوها بارك الله فيكم- هو أن المباح يمكن أن تجد فيه الأحكام الخمسة، طبعًا هو مباح، قد يكون واجبًا، أو محرمًا، أو مكروهًا، أو مستحبًّا، حسب ما يفضي إليه، وهذه قاعدة مفيدة للإنسان، لو أن شخصًا اشترى مني سلاحًا ليعتدي به على المسلمين صار البيع؟
طلبة: حرامًا.
الشيخ: حرامًا؛ لأنه يستعين به على حرام، ولو أنه اشترى مني سلاحًا ليدفع به عن نفسه، صار البيع عليه واجبًا، حسب الحال، فالحاصل أن هذه المسألة مفيدة للإنسان.
مَنِ الأولى بالإمامة؟
الطالب: الأقرأ.
الشيخ: الأقرأ، ولو كان جاهلًا؟
الطالب: على قول المؤلف ولو كان جاهلًا.
الشيخ: هذا قول المؤلف؟ اقرأ عبارة المؤلف.
الطالب: ()، (الأقرأ العالم فقه صلاته).
الشيخ: (العالم فقه صلاته)، هل لك دليل في هذا؟
الطالب: قول النبي ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ».
الشيخ: نعم، «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، إذا كانوا في القراءة سواء.
الطالب: أعلمهم بالسنة.
الشيخ: نعم، أعلمهم بالسنة، سُنَّة مَنْ؟
الطالب: سُنَّة النبي ﷺ.
الشيخ: سُنَّة النبي ﷺ، إذا كانوا فيها سواءً؟
الطالب: إذا كانوا فيها سواءً «فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً».
[ ١ / ١٩٠٣ ]
الشيخ: «فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً»، هذا في كل وقت؟
الطالب: هذا إذا لم يتساو الإمامان في القراءة.
الشيخ: لا، بس هل الهجرة هذه تنطبق على كل واحد من الناس؟
الطالب: ما فهمت السؤال.
الشيخ: هل التقديم بالهجرة ينطبق على كل واحد من الناس؟
الطالب: نعم، ينطبق يا شيخ.
الشيخ: إذن أنت مهاجِر؟ هل أنت مهاجر!
الطالب: () يا شيخ.
الشيخ: الآن هو بيتضح له أنه مهاجر؟
الطالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: أنت مهاجر.
الطالب: لا ينطبق على كل الناس.
الشيخ: إذن ينطبق على من؟
الطالب: مَنْ هاجر.
الشيخ: على من هاجر؟ أحسنت، تمام، إذا كانوا في الهجرة سواء؟
الطالب: فأكبرهم سنًّا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: فأكبرهم سنًّا أو سِلْمًا.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: وردت الرواية ذلك وذلك.
الشيخ: والذي رجَّحنا؟
الطالب: أنه (سِنًّا).
الشيخ: سِنًّا؟ !
طالب: أقدمهم إسلامًا.
الشيخ: رجحنا أقدمهم إسلامًا، تمام، فإذا كانوا في الإسلام سواءً؟
الطالب: فأكبرهم سنًّا.
الشيخ: فأكبرهم سنًّا، هذا الذي جاء في حديث ابن مسعود ﵁، ورواه مسلم، وهو الذي يجب المشي عليه، إذا استووا في القراءة، ولكن اختلفوا، لا، إذا كان أحدهما أقرأ والثاني أفقه.
طالب: يُنظر فيهم الأقرأ، هل الأقرأ يعلم بأحكام الصلاة أو لا؟
الشيخ: يعني إذا كان الأقرأ عنده فقه في الصلاة فيقدم على الأفقه.
الطالب: وإذا كان ما عنده علم في الصلاة فيقدم الأفقه في الصلاة.
الشيخ: إذا قال قائل: كيف تقدموا الأفقه والحديث: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»؟
الطالب: يقال له: لأن الصحابة، () القرآن لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلم ما فيها من العلم والعمل، فكان الأقرأ عندهم هو الأفقه.
[ ١ / ١٩٠٤ ]
الشيخ: تمام، يعني لو قال لنا قائل: فيه قارئ أمي من حيث الفقه، لا يعرف شيئًا من أحكام الصلاة، وقارئ يقرأ، لكن ليس أجود من ذاك في القراءة، ولا مثله في القراءة، لكنه يقرأ إلا أنه يعلم فقه صلاته، نقدم الثاني؛ لأننا بحاجة إلى فقهه في الصلاة.
فإذا أورد علينا مُورِد قولَ النبي ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، قلنا: إن الأقرأ في عهد الصحابة هو الأفقه؛ لأنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العمل، حتى قال ابن عمر: إن الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا (٢٤)، جَدّ يعني صار ذا جِدّ؛ يعني ذا منزلة رفيعة، من العلماء.
طالب: بالنسبة لرواية الصبي اللي في عصر الصحابة أمَّ الصحابة وانكشفت عورته، أليس كانوا وراءه صحابة كبار وهو صغير؟
الشيخ: لا يا أخي، كلهم صغار بالنسبة للعلم؛ لأنه وَفَد معه نحو عشرين رجلًا، أو أكثر، أو أقل بعد؛ لأن مالك بن الحويرث هو الذي كانوا عشرين رجلًا.
الطالب: عمرو بن سلمة يا شيخ.
الشيخ: أنا فاهم؛ لأن مالك بن الحويرث معه نحو عشرين، أما عمرو بن سلمة، فإن عمرو بن سلمة ما ندري من الذي مع أبيه؛ لأن أباه هو الذي كان مع الوفد، ولا ندري هم قليلون أو كثيرون، لكن هو كان أقرأ قومه؛ لأنه كان شابًّا ذكيًّا، يتعرض للناس كلما جاؤوا من المدينة استقرأهم القرآن، وهو ليس له إلا ست أو سبع سنين.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف: (ثم الأسن، ثم الأشرف)، المؤلف ننظر إلى ترتيبه: (الأقرأ)، (الأفقه)، (الأسنّ)، كم هذه؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث، ثم (الأشرف) يأتي في المرتبة الرابعة، ولكن ما دل عليه الحديث -حديث ابن مسعود ﵁- أوْلَى مما قال المؤلف بلا شك، أوْلى لأنه دليل، والثاني أولى؛ لأنه أقوى في التعليل مما قال المؤلف.
[ ١ / ١٩٠٥ ]
من (الأشرف)؟ الأشرف نسبًا، (ثم الأشرف) يعني نسبًا () على كلام المؤلف، وفي السن نُقدِّم الأشرف، ما هو الدليل؟
الدليل ما يُذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» (٢٥)، ولكن هذا الحديث يُجاب عنه بوجهين، أو بجوابين: الأول: الضعف؛ فإن الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حُجَّة، ويقوي ضعفه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، والصلاة عبادة وطاعة، لا يُقدَّم فيها إلا من كان أوْلى بها عند مَنْ؟ عند الله ﷾.
ثانيًا: إن صح الحديث فالمراد تقديم قريش في الإمامة العظمى، يعني الخلافة، ولاية الدولة، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن من شرط الإمام الأعظم أن يكون قرشيًّا، فهذا إن صح الحديث، أما إمامة الصلاة فهي إمامة صُغرى في شيء معين من شرائع الدين فلا تدخل في هذا الحديث، والصحيح إسقاط هذه المرتبة -أعني الأشرفية- وأنه لا تأثير لها في باب إمامة الصلاة.
يقول: (ثم الأشرف، ثم الأقدم هجرةً)، الأقدم هجرة بعد (الأشرف) هذا من الغرائب مع أن النبي ﷺ ذكره في المرتبة الثالثة؛ أقرؤهم لكتاب الله، أعلمهم بالسُّنَّة، أقدمهم هجرة، وهذا يدلك على أن الإنسان مهما بلغ في العلم فهو قاصر، الكمال لله وحده ﷿، فكيف يثبت عن الرسول ﵊ بأن الأقدم هجرة مقدم حتى على الأسن، ثم يأتي آتٍ من الناس ويقدم الأسن على الأقدم هجرة؟ ! ولهذا كان تقديم الأسن على الأقدم هجرة كان قولًا ضعيفًا بلا شك، فالواجب اتباع ما دل عليه الدليل، وأن الأقدم هجرة يأتي في المرتبة الثالثة.
[ ١ / ١٩٠٦ ]
قال: (ثم الأتقى)، الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، هذا الدليل، والعجيب أن الدليل لو أخذنا به لكان الأتقى مُقدمًا على كل واحد من هؤلاء؛ لأن ﴿أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ عام، ﴿أَتْقَاكُمْ﴾، ولكن هذا الدليل فيه نظر، ما عن الآية، الآية ما فيها نظر، لكن الاستدلال بهذا الدليل على أن الأتقى في هذه المرتبة فيه نظر.
بل نقول: إن الأتقى مُقدَّم على من دونه؛ لأنه أقرب إلى إتقان الصلاة من غير الأتقى، ومعلوم أن الأقرب إلى إتقان الصلاة أوْلى بالإمامة؛ لأن الناس سوف يتبعونه، ولأن غير الأتقى ربما يتهاون في مسألة الوضوء، يتهاون في مسألة اجتناب النجاسة، فلذلك كان الأتقى أولى من غيره من هذا المعنى، أو لهذا المعنى، لا من أجل ما استدل به المؤلف من الآية.
مَنِ الأتقى؟ الأتقى اسم تفضيل مأخوذ من التقوى، والتقوى اتقاء ما يضر؛ فهي في باب الشرع اتقاء عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى، وقيل: إن التقوى هو أن تدع الذنوب كلها كما قال الناظم:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا
وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى
وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ
ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً
إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى
لكن المعنى الذي ذكرناه أعم؛ أنه اتقاء عقاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي. المراتب الآن كم كانت؟
طلبة: خمسة، ستة.
الشيخ: الأقرأ، الثاني؟
طلبة: الأفقه.
الشيخ: الأفقه، الأسن، الأشرف، الأقدم هجرة، الأتقى، ست، لكن الترتيب الصحيح ما دل عليه الحديث الصحيح: الأقرأ، الأعلم بالسنة، الأقدم هجرة، الأقدم إسلامًا، الأكبر سنًّا، أما التقوى فهي صفة -بلا شك- يجب أن تُراعى في كل هؤلاء.
***
[ ١ / ١٩٠٧ ]
قال: (ثم من قرع)، ثم بعد هذه المراتب إذا استووا في هذه المراتب كلها: (من قرع)، كيف (من قرع)؟ يعني أننا في هذه الحال نستعمل القرعة، فـ (من قَرَعَ)، أي: غلب في القرعة فهو أحق، فإذا اجتمع جماعة يريدون الصلاة، فقال أحدهم: أنا أتقدم، قال الثاني: أنا أتقدم، نظرنا فإذا هم متساوون في كل الأوصاف، ماذا نعمل؟
طلبة: قرعة.
الشيخ: نُقرع بينهما ما لم يتنازل أحدهما عن طلبه، فنقرع بينهما، فمن قرع فهو الإمام، ولكن كيف القرعة؟ القرعة ليس لها شيء معين أو صورة معينة، بل هي بحسب ما يتفق الناس عليه، ممكن أن نكتب ورقة بيضاء، وورقة فيها إمام، ونوصل بعضهما ببعض ونعطيه واحدًا، نقول: أعطِ كل واحد من هذين الرجلين ورقة، فإذا وقعت في يد أحدهما إمام فهو الإمام.
ويمكن أن نستعمل أيضًا ما يستعمله بعض الناس، يجعل يديه خلف ظهره وفي إحداهما عود صغير ما تتبين به اليد التي قبضته، ثم يقدمه لهم: يقول: اختاروا هكذا، إذا واحد اختار اللي فيه العود معناه؟
طلبة: هو الإمام.
الشيخ: أنه غلب، المهم أن هذا الشيء ما له حد معين، كيفما اقترعوا جاز.
فإذا قال قائل: ما الدليل على القرعة؟
قلنا: قول النبي ﵊: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (٢٦)، فهذا حديث واضح في أن القرعة تدخل في الأذان إذا تشاحوا فيه، لو تشاحوا في الصف الأول ما فيه إلا مقام واحد فقط وصلوا إليه جميعًا قال واحد: أنا أكون في الصف، قال الثاني: لا أنا، تشاحوا، ماذا نعمل؟
طلبة: قرعة.
[ ١ / ١٩٠٨ ]
الشيخ: نُسوِّي قرعة، ولهذا نقول: الدليل على استعمال القرعة في هذا هو أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا». وهنا نسأل: هل وردت القرعة في القرآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: في قصة الملائكة .. قصة مريم، الملائكة ألقوا أقلامهم ().
الشيخ: سبحان الله! كيف تمد يدك كده؟ !
طالب: وردت في موضعين في القرآن؛ في قصة يونس ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]، وفي قصة مريم عندما اختصم بنو إسرائيل أيهم يكفلها ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
الشيخ: تمام، قال: (ثم من قرع). ثم قال المؤلف: (وساكن البيت، وإمام المسجد أحق)، ساكن البيت أحق من الضيف؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ» (٢٧) أخرجه مسلم، أو: «فِي بَيْتِهِ» كما هي رواية أبي داود، «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في أَهْلِهِ»، أَوْ: «فِي بَيْتِهِ» (٢٨)، والنهي هنا على سبيل التنزيه، وقيل: على سبيل التحريم، إذن فصاحب البيت أوْلى.
إذا اجتمع مالك البيت ومستأجر البيت؟
طلبة: المستأجِر.
الشيخ: المستأجر أوْلى؛ لأن المستأجِر مالك المنفعة فهو أحق بالانتفاع في هذا البيت.
وقوله: (إمام المسجد أحق) يعني أحق من غيره، حتى وإن وُجد من هو أقرأ، فلو أن إمام المسجد كان قارئًا يقرأ القرآن على وجه تحصل به براءة الذمة، وحضر رجل عالم قارئ فقيه، أيهما أوْلى؟
طلبة: إمام المسجد.
[ ١ / ١٩٠٩ ]
الشيخ: إمام المسجد أولى؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (١٧)، وإمام المسجد في مسجده سلطان فيه، ولهذا لا تُقام الصلاة إلا بحضوره وإذنه، حتى أن بعض العلماء قال: لو أن شخصًا أَمَّ في مسجد بدون إذن إمامه فالصلاة باطلة، إذن فالسلطة في المسجد لمن؟
طلبة: لإمام المسجد.
الشيخ: لإمام المسجد، وعلى هذا فنقول: إمام المسجد أحق من غيره، ولو كان أقرأ منه، ودليله ما سمعتم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ».
والتعليل يؤيد ذلك؛ لأننا لو قلنا: إن الأقرأ أولى حتى ولو كان للمسجد إمام راتب لحصل بذلك فوضى، وكان هذا المسجد كل صلاة له إمام، بل ربما يجيء واحد أهوج أعوج، فإذا دخل في أثناء الصلاة وهو أقرأ من الإمام أخَّره وتقدَّم هو، وقال: أنا أقرأ منك، نعم بعض الناس يفعل هذا، الجاهل أعمى!
فإذن نقول: كما أن إمام المسجد أحق من غيره بمقتضى الدليل فهو أحق من غيره بمقتضى التعليل. فله إذن دليلان: أثري، ونظري.
قال المؤلف: (إلا من ذي سلطان)، يعني إلا من ذي سلطان، فإن ذا السلطان مقدمٌ على إمام المسجد، لكن من ذو السلطان؟ هل هو الإمام الأعظم؟ أو إمام البلد، أعني أمير البلد؟
نقول: الإمام الأعظم أحق، فلو أن الإمام الأعظم حضر إلى المسجد، الإمام الأعظم رئيس الدولة الأعلى اللي هو أعلى سلطة في الدولة، لو حضر قلنا: إنه أوْلى من إمام المسجد بالإمامة. استدلوا بعموم قوله ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ».
ولكن قد يقول قائل: الإمام في مسجده سلطانٌ، وهذه سلطة أخص من سلطة الإمام الأعظم؟
[ ١ / ١٩١٠ ]
لكنهم أجابوا فقالوا: إن سلطته دون سلطة السلطان الأعظم، فسلطة السلطان الأعظم أقوى؛ بدليل أنه يمكن للسلطان الأعظم أن يزيل هذا عن منصبه، فصارت سلطة السلطان الأعظم أقوى، وإذا كانت أقوى كان السلطان الأعظم أحق بالإمامة، وهنا نسأل: حضر الإمام الأعظم إلى صلاة الجمعة، فمن الذي يُقدَّم في صلاة الجمعة الإمام الأعظم أو إمام المسجد الجامع؟
طلبة: الإمام الأعظم.
الشيخ: المؤلف يقول: إمام المسجد عام إلا من ذي سلطان، في هذا الحال نقدم من؟
طلبة: الإمام الأعظم.
الشيخ: نقدم الإمام الأعظم، ولكنكم في هذا الجواب لستم فقهاء، والسبب أنكم لم تقرؤوا باب صلاة الجمعة؛ لأن الإمام الأعظم في هذه الصورة لو صلى بالناس إمامًا بطلت صلاتهم، ليش؟
قالوا: لأن الإمام الأعظم لا يصح أن يكون إمامًا في الجمعة وهو غير مستوطِن؛ لأن من شرط الإمامة في الجمعة أن يكون الإمام مستوطنًا، والإمام الأعظم لم يستوطن، عاصمته بلد آخر، ولكن أجاب بعض العلماء؛ لأن المسألة خلافية، أجابوا عن هذا بأن هذا التعليل عليل، لماذا؟
أولًا: ما الدليل على أن الجمعة لا يصح أن يكون الإنسان إمامًا فيها إلا إذا كان مستوطنًا؟ ما فيه دليل.
ثانيًا: ربما لو قلنا للإمام الأعظم لما أراد يتقدم يصلي الجمعة قلنا: أخّر ورا؛ لأن إمام المسجد أحق منك؛ لأنه مقيم، ربما يقول: كل مملكتي بلادي، فأنا مستوطن في كل بلد من مملكتي، ما يمكن يقول هكذا؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، ولهذا كان من اعتذار بعض العلماء لعثمان بن عفان ﵁ حين أتم في مِنى في الحج، قالوا: لأن الإمام الأعظم أو الخليفة كل ما تحت يده فهو بلد له، فيكون مهما ذهب فهو مسافر، لكن هذا على كل حال.
طلبة: مستوطن يا شيخ، مستوطن.
[ ١ / ١٩١١ ]
الشيخ: نعم، مهما ذهب فهو مستوطن، لكن لا شك أن هذا التعليل عليل، بل ميت، ما يكفي أن نقول عليل، ليش؟ لأن النبي ﵊ أشد ملكًا وتثبيتًا من غيره، ومع ذلك كان إذا سافر من المدينة يقصر الصلاة، بل عثمان بن عفان في السفر يقصر.
على كل حال أنا قلت لكم: إن القول بأن الإمام الأعظم لا يصح أن يكون إمامًا في الجمعة في غير بلده قول ضعيف، وتعليل عليل، بل الصحيح أن غير الإمام الأعظم أيضًا يصح أن يكون إمامًا في الجمعة، يعني لو واحد من الناس عادي قدم إلى بلد فقال له أهل البلد لما جاءت الجمعة: يا فلان، اخطب بنا وصلِّ بنا، فخطب وصلَّى، أتدرون ماذا يكون الأمر؟ على المذهب؟
طلبة: الصلاة باطلة.
الشيخ: تكون الصلاة باطلة، لا بد أن يعيدوها جمعة إن كان الوقت باقيًا، فإن خرج الوقت وجب عليهم إعادتها ظهرًا، ولكن هذا القول ضعيف، والعمل الآن عليه أو على خلافه؟
طلبة: على خلافه.
الشيخ: على خلافه، ولذلك كان الإخوة الذين يتجولون الآن في القرى للإرشاد، إذا حضروا إلى الجامع قال لهم إمام الجامع: صلوا جزاكم الله خيرًا، اخطبوا وصلُّوا، فيخطبون ويُصلُّون من غير نكير؛ لأن -الحمد لله- هذا هو الصحيح.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان إنسان في المسجد وهو إمام، وتقدم رجل صاحب علم وأعلم منه، وأحسن منه، فأيش الأفضل أن يبقى في مكانه أو يُقدِّم هذا العالم؟
الشيخ: لا، إمام المسجد مُقدَّم ولو جاء ابن تيمية، تعرف ابن تيمية؟
طالب: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، النبي ﵊ يحدد أول الناس أقرؤهم، والله يحدد زمنًا زمنهم، أو من كان في زمنه، ثم يحدد أولًا ().
الشيخ: نعم، صحيح، لكن إذا علمنا المعنى، نقول: أقرؤهم بالوصف الذي هو أقرؤهم في عهد الرسول ﵊، ما دام أقرؤهم معروف أن الأقرأ أعلم، يكون هذا الوصف قد تضمنه وصف الأقرئية.
[ ١ / ١٩١٢ ]
الطالب: أحسن الله إليكم، بعض الناس، يكون حافظًا لكتاب الله ﷿، إذا خرج مع جماعة يعني يخشى أن يتقدم الجماعة فيخشى على نفسه، فهل الأفضل له يعني ألا يتقدم أو ليتقدم؟
الشيخ: لا، الأفضل يتقدم، «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ»، ما قال: ادفعوا للإمامة أقرأهم، قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ»، فالأفضل أن يتقدم خصوصًا إن خشي أن يتقدم شخص فيه ما فيه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا تقدم يا شيخ كانوا في الجماعة، وقدموا واحدًا وكان حليقًا أو مسبلًا، هل لي الحق أن أرجعه أقول: تعالَ أنت مسبل أو حليق؟
الشيخ: أما على المشهور من المذهب -كما سيأتي- فيجب أن نقول: ارجع ولا تُصلِّ؛ لأن هذا فاسق، والفاسق لا تصِح إمامته، وأما على القول الثاني بأن الفاسق تصح إمامته فإننا نبقيه؛ لأنه ربما لو يرده لحصل بهذا فتنة، ويكون المقصود من الجماعة يزول بهذه الفتنة.
الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- مثلًا العسكريون ذوو المراتب وكذا، أيهم يكون الإمام الرفيع مرتبة أو الذي دون منه كما يسيطر عليه؟
الشيخ: هو أحيانًا تكون الثكنات لها إمام راتب من غير الجند، هذا المسألة فيها واضحة، أحيانًا ما يكون له إمام راتب، فصاحب السلطان لا شك أنه الأعلى مرتبة، هو صاحب السلطان، فإذا كان أهلًا للإمامة فهو أحق.
طالب: قلنا: الترتيب على المراد في السنة الأقرأ، ثم الأعلم بالسنة، ورتَّبنا أن الأفقه ثم الأقرأ، فكيف؟
الشيخ: لا، الأفقه لا بد أن يكون معه قراءة.
الطالب: الأفقه أقرأ، ثم الأفقه، كيف والرسول يقول يأتي بالسنة، والسنة معلوم أنه الأفقه في دين الله، والأقرأ يكون أقرب؟
الشيخ: لا، السنة مو المراد الأفقه،؛ لأن القرآن أيضًا فيه فقه، لكن هل الإنسان اللي يحفظ القرآن يستغني عن السنة؟ أسألك؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما يستغني، ولا حتى القرآن فيه فقه، فيه فقه أكثر من السنة، نقول: الأقرأ لا شك أن عنده فقهًا بقدر ما عنده من القراءة.
[ ١ / ١٩١٣ ]
الطالب: يعني الأقرأ.
الشيخ: لكن مثلًا افرض أن فيه في السنة أشياء تفصيلية ما هي في القرآن، يكون هنا هذا أعلم بالسنة.
طالب: إذا كان إمام فاسق وكان المتأخرون الجماعة، هل يصلي معه أم يصلي لوحده، يعني إذا كان إمام فاسق؟
الشيخ: كيف؟
طالب: إذا كان الإمام فاسقًا، وكانوا متأخرين بعد جماعة، فاتته الجماعة الأساسية وجاء الجماعة متأخرين، هل أنه يترك الجماعة يعني إذا كان الإمام فاسقًا ويصلي لوحده، أم ينضم إليهم؟
الشيخ: لا، ينضم إليهم.
طالب: ولو كان فاسقًا؟
الشيخ: الصحيح أنه ينضم إليهم ولو كان فاسقًا.
طالب: شيخ، قول بعض الناس () أنه لا ينبغي أن يبايع إمام إن كان من غير قريش، استدلوا بقول النبي ﷺ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ»، فهل يا شيخ يصح؟
الشيخ: لا، هذا يحمل على الأفضل، يحمل على الأفضل بلا شك عند ابتداء الأمر، أما إذا تم الأمر فإنه لا يجوز الخروج على الأئمة.
الطالب: ().
الشيخ: ما يخالف، هذا إذا كان بالإمكان، أما وقد استولى وسيطر فإنه تأتي الأحاديث الأخرى التي لا تُجوِّز الخروج على ولي الأمر إلا إذا رأينا كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، وما زال المسلمون على هذا، يعني ما زال المسلمون يبايعون لمن ليس من قريش حتى على وقت القرون الوسطى.
الطالب: شيخ، ما حكم التدافع عن الإمامة يا شيخ؟
الشيخ: عليها؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: التدافع عليها إذا كان بحق فهو طيب، يعني كل واحد يقول: أنا أبغي أصلي لأنه أحق.
الطالب: لا، بالعكس.
الشيخ: التدافع عليها أنت تقول، ولا عنها؟
الطالب: عنها يا شيخ.
الشيخ: شوف الفرق؟ !
الطالب: عنها.
الشيخ: التدافع عنها أيضًا إما مكروه أو محرم؛ لأن بعض العلماء يقول: إن قول النبي ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرؤُهُمْ» على سبيل الوجوب.
[ ١ / ١٩١٤ ]
المناقشة في هذا الذي حفظتم، وأرجو أن يكون الجميع قد حفظه هو أولًا: ما حكم الصلاة إذا سبق المأموم إمامه بتكبيرة الإحرام؟
الطالب: الصلاة باطلة، أصلًا لم تنعقد الصلاة.
الشيخ: لم تنعقد الصلاة، وإن وافقه فيها؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: كذلك، وإن بدأ بها قبل أن يُتم إمامه؟
الطالب: يعتبر موافقًا يا شيخ.
الشيخ: يعني قل: كذلك.
الطالب: كذلك.
الشيخ: إن سبق إمامه أو وافقه أو أدركه في بقية التكبيرة فإنها لا تنعقد الصلاة. إذا سبقه بركن الركوع؟
طالب: على قول.
الشيخ: على المؤلف.
الطالب: على قول المؤلف إذا سبقه بركن الركوع فإنه يجب عليه () بركن.
الشيخ: سبقه.
الطالب: إن كان عالِمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا فإن.
الشيخ: أو ناسيًا.
الطالب: أو ناسيًا فإن الركعة تبطل.
الشيخ: بطلت ركعته فقط، تمام. إن سبقه بركن غير الركوع؟
الطالب: إن كان عالِمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا لا يلزمه شيء.
الشيخ: لا يلزمه شيء، تمام. متى يعد سابقًا بالركن؟
طالب: يعد سابقًا.
الشيخ: بالركن.
طالب: يعد سابقًا بالركن إذا سبقه في الأفعال.
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: يسبقه بركن إذا ..
الشيخ: متى يعد سابقًا بالركن؟ إذا قال: سبقه بركن؟
الطالب: إذا الإمام ابتدأ الركن هذا بعد ما انتهى الإمام، إذا أتى المأموم بركن، ثم أتى الإمام به بعده.
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، إذا ركع ورفع قبل أن.
الشيخ: يعني إذا انتهى منه يُعد سابقًا بالركن إذا انتهى منه قبل أن يدركه الإمام فيه، بيناها لكم، أما إن وصل إليه الإمام قبل أن ينتهي منه فهذا يقال: سبقه إلى الركن.
إذا سبقه بركنين غير الركوع؟
[ ١ / ١٩١٥ ]
الأَوْلَى بالإمامَةِ الأقرأُ العالِمُ فقهَ صلاتِه، ثم الأَفْقَهُ، ثم الأَسَنُّ، ثم الأشرفُ، ثم الأقدمُ هجرةً، ثم الأَتْقَى ثم مَن قَرَعَ، وساكنُ البيتِ وإمامُ المسجِدِ أحقُّ إلا من ذي سُلطانٍ، وحُرٌّ وحاضرٌ ومقيمٌ وبَصيرٌ ومختونٌ ومَن له ثيابٌ أَوْلَى من ضِدِّهِم، ولا تَصِحُّ خَلْفَ فاسقٍ ككافرٍ، ولا خَلْفَ امرأةٍ، ولا خُنْثَى للرجالِ ولا صَبِيٍّ لبالغٍ،
إن سبق إمامه أو وافقه أو أدركه في بقية التكبيرة فإنها لا تنعقد الصلاة.
إذا سبقه بركن الركوع؟
طالب: على قول.
الشيخ: على المؤلف.
الطالب: على قول المؤلف: إذا سبقه بركن الركوع فإنه يجب عليه.
الشيخ: سبقه يعني؟
الطالب: إن كان عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا فإن ..
الشيخ: أو ناسيًا.
الطالب: أو ناسيًا فإن الركعة تبطل.
الشيخ: بطلت ركعته فقط، إن سبقه بركن غير الركوع؟
طالب: إن كان عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا لا يلزمه شيء.
الشيخ: لا يلزمه شيء، متى يُعَد سابقًا بالركن؟
طالب: يُعَد سابقًا بالركن إذا سبقه في الأفعال.
الشيخ: يا سبحان الله!
الطالب: يسبقه بركن إذا ..
الشيخ: متى يُعَد سابقًا بالركن؟
الطالب: إذا أتى المأموم بركن، ثم أتى الإمام به بعده.
طالب آخر: شيخ، إذا ركع ورفع قبل أن ..
الشيخ: يعني: إذا انتهى منه يُعَد سابقًا بالركن إذا انتهى منه.
طلبة: ().
الشيخ: قبل أن يدركه الإمام فيه، بيناها لكم؛ إذا انتهى من الركن قبل أن يدركه الإمام فيه فقد سبقه، أما إن وصل إليه الإمام قبل أن ينتهي منه فهذا يقال: سبقه إلى الركن.
إذا سبقه بركنين غير الركوع؟
طالب: أمثل يعني حكمه ماذا؟
الشيخ: إي، ما حكم صلاته؟ سبق إمامه بركنين غير الركوع.
الطالب: إن كان عامدًا بطلت.
الشيخ: إن كان عالمًا عامدًا ذاكرًا بطلت، وإلا؟
الطالب: وإلا فلا تبطل.
الشيخ: ما يضر شيئًا أبدًا؟
الطالب: ().
الشيخ: أيش هذا الكلام؟
[ ١ / ١٩١٦ ]
الطالب: يعني: إن كان عامدًا ..
الشيخ: إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، فهمنا هذا؟
الطالب: وإن ناسيًا أو جاهلًا؛ فإن لم يكن الركن الركعة ..
الشيخ: أنا أقول لك: سبق إمامه بركنين غير الركوع.
الطالب: على كلام المؤلف: لا تبطل الصلاة.
الشيخ: على كلام المؤلف، نعم.
الطالب: ما تبطل الصلاة.
الشيخ: ما تبطل؟
الطالب: إن كان جاهلًا ناسيًا لا تبطل.
الشيخ: لا إله إلا الله! ويش اللي يبطل؟
الطالب: إن كان عالمًا.
الشيخ: إن كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا؟
الطالب: لا تبطل.
الشيخ: أبدًا؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: يعني: يرجع ركعة.
الشيخ: تبطل الركعة فقط؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وأيش تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، إذن نقول: إذا كان عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت؟
طلبة: الركعة.
الشيخ: هل يُشترط في السبق بالركنين أن ينتهي منهما قبل أن يصل الإمام إلى الأول منهما أو لا؟
طالب: يعني: إذا اشترط تبطل صلاته إذا انتهى الإمام.
الشيخ: إي، في مسألة البطلان؛ الصلاة أو بطلان الركعة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على التفصيل الذي ذكرنا، فاهمين معنى السؤال؟
طلبة: نعم.
طالب: إن كان عالمًا جاهلًا ..
الشيخ: لا، ما أبين الحكم. متى يعد سابقًا بالركنين؟ هل يُشترط أن يَسْبِق بالركنين جميعًا قبل أن يصل الإمام إلى الأول منهما، أو إذا سَبَق بركنين ووصل الإمام إلى الأول منهما قبل أن يقوم في الثاني؟
طالب: لا يُعَد سابقًا بالركن إلا إذا سَبَق الإمام بكل الركنين، أو انتهى الإمام من كل الركنين، أما إذا انتهى ..
الشيخ: ما هو الإمام هو، المأموم الآن هو السابق.
الطالب: إذا انتهى من الركنين يعتبر سابقًا الإمام بركنين.
الشيخ: وإن انتهى من الركن الأول، فهمت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ثم شرع بالثاني، ثم فعل الإمام الركن الأول.
[ ١ / ١٩١٧ ]
الطالب: إي، ما يعتبر، يعتبر سبق الإمام بركن واحد فقط؛ لأنه لم ينته من الركن الثاني.
الشيخ: فهمتم جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل توافقونه على ذلك أم لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: هل من معارض؟
طالب: أسبق بركن ووافقه في ركن عام.
الشيخ: يعني لا توافقون؟
طالب: يبدأ بالركن الثاني والإمام بادئ بالركن الأول.
الشيخ: ما وصل للركن الأول.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني خالفته؟
الطالب: أن يكون الإمام ..
الشيخ: خالفته، هو يقول: لازم يفرغ من الركنين قبل أن يصل الإمام إلى الأول.
الطالب: أن يكون قد بدأ بالركن الثاني والإمام ..
الشيخ: ما وصل إلى الثاني.
الطالب: إلى الأول، بادئ بالركن الأول.
الشيخ: إي، إذن ما خالفت الأخ، فاهمين الآن؟ شوف الآن: سجد قبل الإمام ورفع وجلس وسجد، كم سبقه؟
طلبة: بركنين.
الشيخ: بركنين متواليين، الإمام ما زال قائمًا إلى الآن، فسجد المأموم ورفع من السجود وجلس بين السجدتين، ثم سجد والإمام قائم، الآن سبقه؟
طلبة: بركنين.
الشيخ: بركنين متواليين، صح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا ما فيه إشكال، لكن الصورة الثانية: سجد والإمام قائم ورفع من السجود، ثم سجد الثانية، فسجد الإمام الأولى، هل يُعَد سابقًا بركنين أو لا؟
طلبة: سابق.
الشيخ: نعم، يُعَد سابقًا بركنين.
طالب: ما انتهى من الركنين.
الشيخ: لأنه فرغ من السجود الأول قبل أن يصل إليه الإمام، فإذا قام الإمام وجلس؛ فإن سجد مع المأموم السجدة الثانية فلم يسبقه بركنين، وإن لم يسجد فقد سبقه بركنين، المهم أنه لا يُشترط أن يكون الركنان متواليين، هذا أهم شيء. التخلف؟
طالب: التخلف؛ إن كان تخلف الإمام حتى يفرغ من الركن يتخلص من الركن بطلت صلاته.
الشيخ: ما فيه تفصيل قبل؟
الطالب: إذا كان عامدًا ..
الشيخ: إن كان جاهلًا أو ناسيًا؟
[ ١ / ١٩١٨ ]
الطالب: إن كان جاهلًا أو ناسيًا، انتهى حالتين؛ أن يتخلص الإمام من الركن قبل أن يشرع المأموم فيه، أو يتخلف الإمام بتخلف المأموم تخلفًا بسيطًا.
الشيخ: ما فهمت.
طالب: لها عدة صور؛ يعني أولًا: إذا رجع الإمام؛ يعني: إذا انتهى الإمام من الأركان جميعًا ورجع إلى نفس الركن الذي توافق هو والمأموم فيه تعتبر له ركعة مُلَفقَة.
الشيخ: معناه يلحق إمامه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا تخلف عن إمامه لعذر لحقه ما لم يصل الإمام؟
طلبة: إلى موضعه.
الشيخ: إلى موضعه، فإن وصل إلى موضعه صارت الثانية للإمام هي الأولى له.
الطالب: ().
الشيخ: تمام ولَّا لا؟ انتهينا من هذا ولَّا لا؟ إذا كان لغير عذر؛ تعمد أن يتخلف فحكم صلاته؟
طالب: نقول: إما أن يكون التخلف عن الركوع أو غير الركوع؛ فإن كان عن الركوع فصلاته باطلة، وإن كان عن غير الركوع فإنه يأتي بما ..
الشيخ: فإن كان بركنين؟
الطالب: حكمه حكم ..
الشيخ: بطلت صلاته، وإن كان بواحد؟
الطالب: بطلت.
الشيخ: لم تبطل، والقول الصحيح؟
الطالب: تبطل الركعة إذا كان بركن واحد.
طالب: القول الصحيح: تبطل صلاته إن كان عامدًا عالمًا.
الشيخ: كان عامدًا ذاكرًا وتخلف بركن؛ الركوع أو غيره بطلت صلاته، هذا هو الصحيح، كما أن الصحيح في السبق: أنه إذا تعمد سَبْقَ الإمام ولو إلى الركن فصلاته؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، وإلا فصلاته صحيحة، لكن إن أمكنه أن يرجع قبل أن يصل إلى أن يلحقه الإمام فيه وجب عليه الرجوع.
يقول المؤلف ﵀: (إن الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته) أخذنا مناقشته أظن.
طلبة: نعم.
الشيخ: ناقشنا فيه، ووصلنا إلى.
طلبة: (أحق إلا من ذي سلطان).
الشيخ: (أحق إلا من ذي سلطان)، وناقشنا فيه أيضًا؟
طلبة: ما ناقشنا.
الشيخ: ما فعلنا.
طالب: (ثم الأشرف).
الشيخ: (ثم الأشرف) قال المؤلف في ترتيب الأولوية في الإمامة: (ثم الأشرف)، فمن هو الأشرف؟
طالب: هو أن يكونوا () من قريش.
[ ١ / ١٩١٩ ]
الشيخ: نعم، يعني: الأشرف نسبًا؛ بأن يكون من قريش، الدليل؟
الطالب: الدليل قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ» (١).
الشيخ: «أَشْرَفُهُمْ».
طالب: استدل بما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلَا تَقَدَّمُوهَا» (٢).
الشيخ: أحسنت، لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلَا تَقَدَّمُوهَا»، القول الثاني؟
طالب: القول الثاني: أن الأتقى مقدم على اللي اخترناه.
الشيخ: لا.
طالب: القول الثاني: لا يقدم الأتقى.
الشيخ: إي، أنه لا أثر للأشرفية في التقديم للإمامة، إنما في الإمامة العظمى، صح، بماذا نجيب عن الحديث؟
طالب: قيل: إن الحديث ضعيف.
الشيخ: نعم، إما بأنه ضعيف.
الطالب: أو المراد فيه الإمامة العظمى.
الشيخ: الإمامة العظمى، أحسنت.
ما معنى قول المؤلف: (ثم من قرع)؟
طالب: (ثم من قرع) إذا كانوا في جميع الصور متساويَين فإن القرعة ().
الشيخ: فإنه يُقَدم؟
الطالب: إذا كانوا يعني ..
الشيخ: إذا كانوا متساويين فيما سبق.
الطالب: () تستعمل القرعة.
الشيخ: إي، فيُقدم؟
الطالب: يُقدم من تطلع عليه القرعة.
الشيخ: من غلب في القرعة؟
الطالب: تقدم ().
الشيخ: هل للقرعة كيفية معينة؟
طالب: لا، ليس لها.
الشيخ: ليس لها صفة معينة؛ يعني: أي صفة اتفقوا عليها في القرعة فهي ماضية.
ما هو الدليل على أن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره؟
طالب: قول الرسول ﵊.
الشيخ: صلى وسلم عليه.
طالب: اللهم صل وسلم عليه: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (١)، فصاحب البيت سلطان في بيته.
الشيخ: أحسنت، تمام.
يقول المؤلف ﵀: (إلا من ذي سلطان) معناها؟
طالب: (إلا من ذي سلطان) أي: أن يكون الإمام.
الشيخ: لا، ما معناها؟ إمام ساكن البيت، وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان.
الطالب: ذو السلطان اللي يكون فوق صاحب الملك، كأن يكون مالكًا ويكون فوقه.
[ ١ / ١٩٢٠ ]
الشيخ: يعني الإمام الأعظم.
الطالب: الإمام الأعظم.
الشيخ: تمام، العلة؟ أو الدليل والتعليل؟
الطالب: الدليل على أنه يكون ..
الشيخ: أن السلطان أولى من صاحب البيت وإمام المسجد.
الطالب: لقوله ﷺ: «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ»، والإمام الأعظم يعتبر هذا في سلطانه؛ من ملكه.
الشيخ: نعم.
الطالب: والتعليل () التعليل ولَّا؟
الشيخ: إي () تعليل.
الطالب: أنه لو تقدم أحد عليه لكان فيه نظر؛ يعني: كأنه تنزيل نقص من مرتبته أو ..
طالب: أن هذه من ولاية السلطان الأعظم، ويستطيع السلطان الأعظم أن يغير هذا الإمام وأن يضع إمامًا آخر.
الشيخ: نعم، أن إمام المسجد بالحقيقة تحت ولاية؟
طلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان، فلذلك كان أَوْلى منه.
يقول المؤلف ﵀: (وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختون، ومن له ثياب أولى من ضدهم)، كم هذه؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: أو ستة.
طلبة: ستة.
الشيخ: ستة؛ (حر) أَوْلى من ضده، وضده العبد؛ الرقيق الذي يباع ويشترى، وإنما كان الحر أولى من العبد؛ لأن الحر غالبًا أعلم بالأحكام من العبد؛ ولأن العبد مملوك فلا يُؤْمَن أن يطلبه سيده في أي ساعة من ليل أو نهار، بخلاف الحر؛ ولأنه إنْ كان العبدُ عبدَه فمرتبتُه أعلى من مرتبة العبد، وهو سيدُه، فلا ينبغي أن يكون مأمومًا له وذلك أرفعُ منه.
(وحاضر) الحاضر: ضد المسافر، فالحاضر الذي في البلد أولى من المسافر؛ يعني: مع التساوي فيما سبق، فلو اتفق اثنان فيما سبق الأقرأ واللي عنده السنة وغير ذلك وأحدهما حاضر والثاني مسافر، فالأَوْلى؟
طالب: الحاضر.
الشيخ: الحاضر أولى، وجه ذلك: أنه لو أم المسافر الحاضر لسلم به من ركعتين، فصار الحاضر مدركًا لأيش؟
طلبة: لنصف الصلاة.
الشيخ: لنصف الصلاة، إدراكًا فعليًّا وإن كان الأجر واحدًا، لكن فعليًّا لم يُدْرِك إلا بعض الصلاة، وإذا كان بالعكس؛ أدرك جميع الصلاة، لكن هذا لاحظوا أنه مع ما سبق.
[ ١ / ١٩٢١ ]
(مقيم) المقيم أولى من السائر، كيف المقيم أولى من السائر، أيش معناه؟ يعني مثلًا: إنسان في هذا البلد مقيم لحاجة، فمر بالبلد إنسان مسافر عابرًا، نقول: إن المقيم أولى منك؛ لأن المقيم -على كلام على المشهور من المذهب- إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام لزمه؟
طلبة: الإتمام.
الشيخ: أن يتم، فصار بذلك أولى من المسافر الذي لا يتم، ويحتمل أن يكون مراد بالحاضر في قول المؤلف: (وحاضر) المراد به الذي يسكن الحاضرة، ويكون ضده؟
طلبة: البدوي.
الشيخ: ضده البدوي، وإذا كان الأمر كذلك فالتعليل ظاهر؛ لأن البدو غالبًا يكونون جُفاة جُهالًا، كما قال الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، وبناء على هذا يكون قوله: (مقيم) ضد.
طلبة: المسافر.
الشيخ: المسافر.
(وبصير) بصير أولى من الأعمى؛ لأن البصيرَ يتحرزُ من النجاساتِ وغيرِها أكثر من الأعمى؛ ولأن البصيرَ يُدرك استقبالَ القِبلة أكثر مِن الأعمى، وبعض العُمْي لو عدلته إلى القبلة وسجد فقام وجدته؟
طلبة: منحرفًا.
الشيخ: منحرفًا، بخلاف المبصر فإنه يكون مدركًا للقبلة أكثر من غيره، وأيضًا المبصر لو أن بعض أعضائه في الوضوء لم يُصِبْه الماء لكان يعلم به بخلاف؟
طلبة: الأعمى.
الشيخ: الأعمى، فالمهم أن البصير أولى من الأعمى للأسباب المذكورة، وذلك بعد اتفاقهما فيما سبق.
(ومختون) المختون: هو مقطوع القُلْفَة؛ لأن الإنسان إذا خُلِق فإنه يكون على رأس ذَكَرِهِ قُلْفَةٌ؛ يعني: جِلدة تُغطي الحَشَفَةَ، هذه الجِلدة تجب إزالتُها بالنسبة للذكور دون الإناث؛ يعني أقصد أن الختان واجب على الذكور دون الإناث؛ لأنها لو بقيت لاحتقنَ فيها البولُ وصارت سببًا لتنجسه، وربما يتولد فيها جراثيم بين جِلدةِ القُلْفَةِ والحَشَفَةِ فيتأثر، فإذن المختون أَوْلى من غير المختون.
[ ١ / ١٩٢٢ ]
ومَن له ثياب أَوْلى من ضده؛ مَن له ثياب أَوْلى ممن ليس له ثياب، هذا هو المتبادر من كلام المؤلف، ولكن هذا غير مرادٍ؛ لأن مَن لا ثياب له أصلًا لا تصح إمامته على المذهب، فلا نقول: إنه أَوْلى فقط، بل نقول: إن مَنْ له ثياب يجب أن يكون هو الإمام، هذا إذا قلنا: إن المراد بضد من ليس معه ثياب أصلًا، لكن هذا ليس مراد المؤلف مراد المؤلف: من له ثياب كاملة في الستر فهو أَوْلى من غيره، مثاله: شخص عليه إزار فقط، وآخر عليه إزار ورداء، كل منهما صلاته صحيحة، لكن الثاني أكمل سَتْرًا من الأول، فيكون هو أَوْلى؟
طلبة: بالإمامة.
الشيخ: بالإمامة، وفُهِمَ مِن قول المؤلف: (أولى من ضدهم) أن هؤلاء المذكورين الستة تصح إمامتُهم؛ لأن (الأولى) تدل على الاختيار، وعلى هذا فيصِح أن يؤم العبدُ حُرًّا، أو لا؟
طلبة: ().
الشيخ: يصح أن يؤم العبدُ حُرًّا؛ لأن المؤلف ﵀ يقول: (أولى من ضدهم)، لو كان العبد عبده فهل يصح أن يكون إمامًا له؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يصح، لكن الأَوْلى الحر، كذلك أيضًا المقيم وضده المسافر، لو صَلى المسافرُ بالمقيم فهل تصح صلاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى من كلام المؤلف؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأن المؤلف يقول؟
طلبة: أَوْلى.
الشيخ: (أَوْلى)،
والثالث: (البصير).
طلبة: قبله الحَاضِر؛ بدوي بحاضرٍ.
الشيخ: (وحاضر) الحاضر، لو صَلى بدوي بحاضرٍ؟
طلبة: صحت صلاته.
الشيخ: صحت صلاته، لكن خلاف الأَوْلى، ولو صَلى أعمى ببصير؟
طلبة: صحت صلاته.
الشيخ: صحت صلاته، لكن الأَوْلى عكس.
يقول: (ومختون) لو صَلى أقلف بمختونٍ فصلاتُه؟
طلبة: صحيحةٌ.
الشيخ: صحيحةٌ، لكن الأَوْلى العكس.
(ومن له ثياب) لو صَلى مَن له ثياب قليلة بمَن له ثيابٌ كثيرة؟
طلبة: صحت الصلاة.
الشيخ: فهذا صحيح، ولكن الأَوْلى عكسه.
[ ١ / ١٩٢٣ ]
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا تصح الصلاة خلف فاسق ككافر) الفاسق في اللغة: الخارج، مأخوذ من قولهم: فَسَقَتِ الثمرةُ عن قشرها؛ أي؟
طلبة: خرجت.
الشيخ: خرجت، في الاصطلاح: مَن خرج عن طاعة الله بفعل كبيرة أو إصرار على صغيرة، هذ الفاسق، ويُطلق الفاسق على الكافر، كما في قوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، وكما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
طلبة: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
الشيخ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠]، لكن عند الفقهاء وفي الاصطلاح: أن الفاسق مَن خرجَ عن طاعة الله بفعل كبيرةٍ أو إصرار على؟
طلبة: صغيرة.
الشيخ: صغيرة.
يقول ﵀: (لا تصح خلف فاسق) وظاهر كلام المؤلف: أنها لا تصح خلفَ الفاسق، سواءٌ كان بمثلِهِ أو بغيرِ مثله؛ لأنه أطلقَ: (خلف فاسق)، وعلى هذا فلو اجتمع شخصان يغتابان الناس وحضرت الصلاة فإنه لا يُصلي أحدُهما بالآخر؛ لأنه إن صَلى زيدٌ بعَمرٍو؟
طلبة: بطلت.
الشيخ: بطلت، وإن صَلى عَمرٌو بزيدٍ بطلت؟
طلبة: بطلت.
الشيخ: بطلت، إذن لا فائدة من أن يصليا جماعة، ماذا يصنعان؟
طلبة: ().
الشيخ: يصليان فُرادى، ولو اجتمع شخصان كلاهما يشربُ الدخان لم يُصل أحدُهما بالآخر، لأيش؟
طلبة: فُساق.
الشيخ: لأن كل واحد منهما فاسق، ولو اجتمع شخصان حالقان لحيَتيْهِما لم يصل أحدُهما بالآخر، لأيش؟
طلبة: فساق.
الشيخ: لأنهما فاسقان، ولا يصح أن يكون الفاسقُ إمامًا، ولو طُبق هذا القولِ.
طلبة: ().
الشيخ: لفاتَ كثيرًا من الناس أن يصلوا؟
طلبة: جماعة.
الشيخ: جماعة؛ ولهذا كان القول الثاني الصحيح الذي لا شك فيه: أن الصلاةَ تصح خلف الفاسق ولو كان ظاهر الفسق؛ وذلك لدليلين: أثري ونظري.
[ ١ / ١٩٢٤ ]
أما الأثري: فعموم قول الرسول ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١)، وخصوص قوله في أئمة الجور الذين يُصلون الصلاةَ لغيرِ وقتها، قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (٣)، وقوله: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (٤)، هذان دليلان.
الثالث: أن الصحابة ﵃ومنهم ابن عمر- كانوا يُصلون خلف الحجاجِ (٥)، وابن عمر ﵁ من أشد الناس تحريًا لاتباع السنةِ واحتياطًا لها، والحجاجُ معروفٌ من أفسق عباد الله، ومع ذلك يصلون خلفه، فالصحيح أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة؛ للدليل الأثري.
أما الدليلُ النظري: فنقول: كل مَن صحت صلاتُهُ صحت إمامتُه، ولا دليل على التفريق بين صحة الصلاة وصحة الإمامة، فما دام هذا رجلًا يصلي بالناس كيف لا أصلي وراءه؟ لأنه يفعلُ معصيةً، معصيتُه على نفسِه، نعم لو فعل معصيةً تتعلق بالصلاة بأن كان هذا الإمام إذا دخل يصلي قام يكلم بالتليفون، هل تصح الصلاةُ خلفَه؟
طلبة: ما تصح.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: لأن صلاته ما تصح.
الشيخ: لأن صلاته ما تصح، لأنه فعل مُحَرمًا في الصلاة، لو كان يصلي وهو لا يستنجي أيضًا لا تصح صلاته؛ لأن هذه معصية تتعلق بأيش؟
طلبة: بالصلاة.
الشيخ: بالصلاة، أما إذا كانت المعصية خارجية فهي عليه، ما علي منه، إذا كان يشرب الدخان على هذا القول؟
طلبة: ما تصح.
الشيخ: على قولنا نحن الذي صححنا؟
طلبة: تصح الصلاة.
[ ١ / ١٩٢٥ ]
الشيخ: إلا إن شرب الدخان في الصلاة فلا تصح؛ لأن صلاته حينئذٍ تبطل، وهذا القول لا يسع الناس اليوم إلا هو؛ لأننا لو ذهبنا نُطَبق هذا القول على الناس ما وجدنا إمامًا يصلح للإمامة، أين السالم من الغيبة؟ أندر من الكبريت الأحمر، نادر، أين السالم من عدم أداء الوظيفة؟ نادر، أين السالم من الكذب؟ نادر، إذن فالقول الذي لا يسع الناس العمل بغيره هو القول الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ وغيره؛ وهو أن إمامة الفاسق صحيحة حتى بالعدل، وبمثله؟
طلبة: من باب أَوْلى.
الشيخ: من باب أَوْلى، وبمثله من باب أَوْلى، أما كلام المؤلف فيقول: إنها لا تصح خلف الفاسق.
طالب: شيخ، ذكرنا العبد أَوْلى بالإمامة من الحر؛ لأنه غالبًا أفقه منه في الدين؟
الشيخ: بالعكس، قلنا: الحر أَوْلى بالإمامة من العبد.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أَوْلى منه الحر، مع أنه ثبت أن الكثير من التابعين موالي التابعين أهل العلم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: كيف يكون التابعين هذا؟
الشيخ: أولًا: الموالي ليسوا عبيدًا؛ لأنه إذا عتق صار حرًّا، والشيء الثاني نحن قلنا: الغالب ليس أمرًا دائمًا.
طالب: شيخ، الأقلف إذا تأكدنا من وجود النجاسة، هل تصح صلاته؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنها لم تخرج إلى الخارج.
الطالب: نأمر بإزالتها؟
الشيخ: إي، لا، ما هو إزالتها، مثل غيره، نقول: هذا يؤثر بالصلاة فلا تصح صلاته أصلًا.
طالب: شيخنا، كان الرسول ﵊ يصلي في مكة وهو مسافر ويقول لأهل مكة: أتموا (٦)، كيف المؤلف هنا رجح أن يكون المقيم أَوْلَى؟
الشيخ: هذا مع التساوي، ومن المعلوم أنه لا يساوي النبي صلى الله عليه أحد، أو لا؟ فلو جاء إنسان عالم ودخل وأردنا أن يصلي وهو مسافر فهو أَوْلى، إذا لم تأت الأولوية الأولى: الأقرأ، والعالم فقه صلاته، وما أشبه ذلك.
[ ١ / ١٩٢٦ ]
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، على القول الصحيح إذا اجتمع فاسقان وكان أحدهما أشد فسقًا من الآخر، هل ننظر بهذا الاعتبار ولَّا؟
الشيخ: لا، ننظر.
الطالب: كحالق اللحية وشارب دخان.
الشيخ: إي، لا، نقدم أخفهما إثمًا، مثل حلق اللحية وشرب الدخان أيهما أعظم؟
طلبة: حالق اللحية.
الشيخ: حالق اللحية أعظم؛ ولهذا نقول: إننا نقدم شارب الدخان على حالق اللحية، وهذا الحديث لو حدثت به عاميًّا لضغط على رأسه حتى كاد ينفجر، لأيش؟
طالب: لأنهم كلهم يشربون.
الشيخ: لا؛ لأن عنده أن شرب الدخان أعظم من حلق اللحية، وكان الناس فيما سبق من الزمان يكفرونه، إذا رأوه يشرب الدخان قال: هذا كويفر، بس ما أدري لأيش ما يقول: كافر بالتكبير، يقول: هذا كويفر.
طالب: كفر دون كفر.
الشيخ: الله أعلم، على كل حال العامة يظنون أن شرب الدخان أعظم من حلق اللحية وهو بالعكس، حلق اللحية أعظم إثمًا؛ لأن حالق اللحية -والعياذ بالله- يصو؛ يعني: يصرح ويُعلن المعصية للرسول ﵊، كأنه بفعله يقول لكل من قابله: اشْهَد علي بأنني عاصٍ، هذي لسان حاله، كل يعلم أن الرسول الله ﷺ يقول: «أَعْفُوا اللِّحَى» (٧)، «أَرْخُوا اللِّحَى» (٨)، «وَفِّرُوا اللِّحَى» (٩)، وأين التوفير؟ وأين الإعفاء؟ وأين الإرخاء؟ هذه معصية.
طالب: شيخ، إذا كان الفاسق مبتدعًا يعني؟
الشيخ: إي نعم، نفس الشيء، إذا كان الفاسق مبتدعًا فهو كالفاسق في الأفعال.
الطالب: حتى ولو كانت بدعته مكفرة؟
الشيخ: لا، كيف تقول أنت: فاسق الذي بدعته مكفرة، يكون كافرًا، وسيأتي بكلام المؤلف.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا الإمام يكون نراه جالس في المسجد وهو يأكل بصل مثلًا هل ()؟
الشيخ: وأيش تقولون يا جماعة؟
طلبة: ما يدخل المسجد.
الشيخ: إي، ما يدخل المسجد، يقول: شارب الدخان كآكل البصل.
طالب: إي نعم.
الشيخ: كيف نجعله يصلي إمامًا بحالق اللحية؟
الطالب: ().
[ ١ / ١٩٢٧ ]
الشيخ: نقول: هذا إذا كان في غير المسجد، شارب الدخان إذا كان له رائحة كريهة لا يدخل المسجد أصلًا.
الطالب: () رأيناه ().
الشيخ: كل من له رائحة كريهة تؤذي فإنه لا يدخل المسجد، حتى إن العلماء قالوا: من به بخر بغير اختياره، بخر يعني: رائحة كريهة تخرج من معدته وتكون في فمه، إذا كلمك تحس بالروائح الكريهة تخرج من كلامه، يقول: هذا لا يدخل المسجد.
طالب: كصاحب ().
الشيخ: لأن النبي ﷺ قال في تعليل منع الآكل البصل من المسجد قال: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» (١٠).
طالب: شيخ، على المذهب أنه يُقدم المختون على الأقلف غير المختون، وإذا صلى الأقلف صحت صلاته، لكن سبق معنا في باب النجاسات أنه إذا حَمَل نجاسة أو لاقاها بثوبه أو بدنه فسدت صلاته؟
الشيخ: الأقلف؛ لأنه لم يخرج من معدنه، لم يخرج البول، والشيء إذا لم يخرج فهو طاهر، لا حكم له؛ ولهذا لو حمل صبيًّا كل بطنه عَذِرَة صحت الصلاة.
***
الطالب: ولا تصح خلف فاسق ككافر، ولا خلف امرأة ولا خنثى للرجال، ولا صبي لبالغ ولا أخرس ولا عاجز، من ركوع أو سجود أو قعود أو قيام، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، فإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قيامًا وجوبًا، وتصح خلف من به سلس البول بمثله، ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت المأموم وحده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعدُ:
[ ١ / ١٩٢٨ ]
فالمؤلف ﵀ يقول: إن إمام المسجد أحق بالإمامة ولو وُجِد من هو أقرأ منه، فما هو الدليل؟ قول النبي ﵊: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (١) والإمام سلطان في مسجده؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والإمام سلطان في مسجده، اجتمع رجلان أحدهما أعمى والثاني بصير، فأيهما أولى؟
طالب: البصير.
الشيخ: إذا كان الأعمى أقرأ؟
الطالب: إذا كان أقرأ فيكون أولى.
الشيخ: إذن يكون البصير أولى مع تساويهما في؟
طالب: ().
الشيخ: بقية الصفات، في القراءة والسنة والفقه وما سبق، لماذا كان الحاضر أَوْلى من البدوي؟
طالب: لأن الحاضر أَوْلى من البدوي؛ لأنه سوف يتم الصلاة؛ لن يقصر.
الشيخ: الحاضر –يعني: ساكن الحاضرة- أَوْلى من البدوي.
الطالب: لأنه أفقه وأعلم.
طالب آخر: لأن البدو غالب ما يكونون جهالًا.
الشيخ: لأن الغالب في البادية الجهل، هل عندك دليل لهذا؛ أن الغالب في البادية الجهل؟ قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، لماذا كان المقيم أَوْلى من المسافر؟
طالب: لأن المسافر إذا أم الناس سوف يقصر الصلاة، فالناس لا يصلون الصلاة الجماعة كاملة، بل يشهدون نصفها جماعة والنصف الآخر فُرادى.
الشيخ: نعم؛ لأن المقيم إذا صلى.
الطالب: المسافر.
الشيخ: إذا صلى بالمسافر أتم، والمسافر إذا صلى بالمقيم قَصَر، فيفُوت بعض الصلاة قال المؤلف: (من له ثياب أولى من غيره).
طالب: يُقصد بهذا مَنْ له ثياب؛ أي: ما يغطي به كتفيه ورأسه أَوْلى من.
الشيخ: يعني الثياب الكاملة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثياب كاملة أَوْلى ممن له ثياب؟
الطالب: ناقصة.
الشيخ: ناقصة، ولَّا من له ثياب أَوْلى من العُريان؟
الطالب: لا، هو قصد مثل هذا الأول ما ذكرناه.
[ ١ / ١٩٢٩ ]
الشيخ: إي، الأول.
الطالب: ويصح يكون الثاني.
الشيخ: لا، ما يصح، إذا صار واحد عُريان وواحد عليه ثياب تستر العورة ما نقول: أَوْلى.
طلبة: واجب.
الشيخ: واجب، يقول المؤلف: إن الصلاة لا تصح خلف الفاسق، فمن هو الفاسق؟
طالب: الخارج.
الشيخ: خارج عن أيش؟ الفاسق الخارج عن الإسلام؟
طالب: الذي يفعل المعصية، فتخرجه عن طاعة الله.
الشيخ: يعني: الخارج عن طاعة الله بأي معصية كانت.
الطالب: ().
الشيخ: تراكم يا جماعة إذا رفعتم أيديكم أجبتم نصف جواب، يفهم المجيب أنه على خطأ، هذا نصف الجواب.
طالب: شارب الدخان أفضل من الفاسق.
الشيخ: لا دعنا من التمثيل، مَنْ هو الفاسق؟
الطالب: الفاسق هو الخارج ..
الشيخ: الخارج عن أيش؟ الخارج من المسجد؟
الطالب: لا، الخارج عن طاعة الله.
الشيخ: عن طاعة الله، في أي معصية؟
الطالب: في معصية ..
الشيخ: يمكن إنك تحضر ولا يحضر قلبك.
طالب: هو الخارج عن طاعة الله بفعل كبيرة أو إصرار على صغيرة.
الشيخ: صح، بفعل كبيرة أو إصرار على صغيرة، ما هو الدليل؟
طالب: على ماذا؟
الشيخ: على أن الفاسق لا تصح الصلاة خلفه؟
الطالب: الفاسق لا تصح الصلاة خلفه؛ قول النبي ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١).
الشيخ: هذا لا يصح، الفاسق يعني لو صلى واحد خلف فاسق صلاته باطلة.
طالب: فعل النبي ﷺ.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: فعل النبي قال: الفاسق اللي يسوي شيء من المحرمات.
طالب آخر: أنه فاسق أي الكافر، جعله مثل الكافر؛ الكافر لا تصح صلاته.
الشيخ: لا.
طالب: استدلوا بالحديث الضعيف هو مروي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا»، وذَكَر: «وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» (١١)، وهذا حديث ضعيف.
الشيخ: أحسنت، استدلوا بحديث ضعيف: «لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا»، هل يُفَرق بين الفاسق المعلن بفسقه أو المستتر أو كلهم سواء؟
[ ١ / ١٩٣٠ ]
الطالب: لا، الفاسق المعلِن، يفرق بينهم.
الشيخ: يعني مثلًا لو كان فاسقًا فسقًا مستترًا فيه، فإن الصلاة خلفه تصح؛ يعني: نحن نعلم أن هذا الرجل يشرب الخمر، لكن ما هو يعلن هذا، يشربه خُفْية.
الطالب: الصلاة خلف هذا على هذا القول لا يفرق، إلا إذا اجتمع الذي فسقه خفي.
الشيخ: لا، قل: هل يُفَرق بين الفاسق المستتر في فسقه وبين الفاسق المعلِن؟ بمعنى: لو أن هذا الرجل نعلم أنه يشرب الخمر سرًّا، هل تصح الصلاة خلفه أو لا؟
طالب: على قول المذهب: أنها لا تصح، وأنه لا يُفَرق.
الشيخ: أولًا التعبير على قول المذهب، المذهب ما له قول.
الطالب: على قول المؤلف.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: على قول المؤلف: أنه لا يُفَرق.
الشيخ: أنه لا فرق؛ لأنه أطلق، هذا كلام المؤلف ﵀ يقول: (إنها لا تصح الصلاة خلف الفاسق) عموم كلامه سواء ().
طلبة: () قول ثان صحة صلاة الفاسق.
الشيخ: كلام المؤلف ﵀ مُطْلَق؛ يشمل الفاسق بالاعتقاد والفاسق بالأقوال والفاسق بالأفعال، هذا واحد.
ثانيًا: يشمل الفاسق المعلِن بفسقه، كالذي يشرب الدخان علنًا، أو يشرب الخمر علنًا أو يحلق لحيته، نقول: علنًا ولَّا؟
طلبة: علنًا.
الشيخ: علنًا؛ لأن ممكن يتلثم ولا ندري عنه، ومن كان فاسقًا بشيء يستتر فيه كالذي يشرب الدخان سرًّا أو يشرب الخمر سرًّا كل منهما لا تصح الصلاة خلفه، ويشمل أيضًا أنها لا تصح خلفه لا بمثله ولا بعدلٍ؛ يعني: الفاسق لا يَؤُمن الفاسق ولا يَؤُمن العدل؛ لأن المؤلف لم يستثنِ شيئًا، لم يقل: إلا بمثله، فيشمل هذه الصورة، وبناء على كلام المؤلف لو اجتمع فاسقان فإنهما؟
طلبة: لا يصليان.
الشيخ: لا يصليان جماعة، فلو أن رجلين كانا جالسَيْن، فلما غربت الشمس وكانا يغتابان الناس، والغِيبة من كبائر الذنوب، لما غربت الشمس أرادا أن يصليا جماعة، فإننا على ما ذهب إليه المؤلف نقول؟
طلبة: لا تصليا.
[ ١ / ١٩٣١ ]
الشيخ: لا تصليا جماعة، كل واحد منكما يصلي وحده؛ لأن الصلاة خلف الفاسق لا تصح، فإن كان زيد هو الإمام وهو فاسق لم تصح، وإن كان عمرو هو الإمام وهو فاسق لم تصح، تصليان منفردَيْن.
القول الثاني في المسألة: أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة، سواء كان المصلي خلفه فاسقًا مثله أو كان عدلًا، واستدلوا لذلك بحديث: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١٢)، وهذا الحديث وإن كان فيه شيء من النظر لكن إطلاق الأدلة تؤيده.
واستدلوا أيضًا بأن ابن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الفَسَقَة، وابن عمر معروف بأنه من أشد الناس تحريًا للسنة، ومن أشد الناس صراحة في الحق، ولو كانت الصلاة خلف الفاسق لا تصح ما صلوا خلفه، وهذا استدلال بفعل الصحابة المؤيد بإطلاق النصوص.
فيه أيضا تعليل؛ التعليل أن نقول: الفاسق صلاته صحيحة، ومن كانت صلاته صحيحة فإمامته؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؛ إذ من صح أن يصلي منفردًا صح أن يصلي إمامًا أو مأمومًا، وأنتم تقولون بأنه لو اجتمع إمامٌ عدلٌ ومأمومٌ فاسق صحت الصلاة، فصححتم الجماعة من شخصين أحدهما فاسق، فإذا صحت من شخصين أحدهما فاسق وهو المأموم فلتصح من شخصين أحدهما فاسق وهو؟
طلبة: الإمام.
الشيخ: الإمام، فصار عندنا: دليلان أثريان، ودليلان نظريان.
أما الذين يقولون: لا تصح خلف الفاسق فحجتهم ما سمعتم: «لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» (١١)، والحديث هذا ضعيف، وعلى تقدير صحته فإن المراد بالفاجر الكافر؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٦]، والفاجر الذي لا يغيب عن جهنم.
طالب: ().
[ ١ / ١٩٣٢ ]
الشيخ: كافر؛ لأن الفاجر المؤمن؛ الفاجر الذي فيه إيمان يمكن أن يغيب عن جهنم؛ ولقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾ [المطففين: ٧ - ١١]، فتبين الآن أن الفاجر يُطْلَق على مَنْ؟
طلبة: على الكافر.
الشيخ: على الكافر، وحينئذٍ لا يكون في الحديث دليل على عدم صحة إمامة الفاسق، إذن القول الراجح أيش؟
طلبة: صحة الصلاة.
الشيخ: صحة الصلاة خلف الفاسق.
رجل صلى خلف شخص حالق لحيته، صلاته؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة.
خلف شارب الدخان؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة. خلف آكل الربا: صحيحة، خلف الزاني: صحيحة، خلف السارق: صحيحة، وهكذا؛ لأنه لا دليل على عدم الصحة.
ثم قال المؤلف: (ككافر) أي: كما لا تصح خلفَ الكافرِ.
طلبة: ().
الشيخ: عام في الأفعال وفي الأقوال وفي الاعتقاد، (ككافر) أي: كما لا تصح خلفَ الكافرِ، وهنا أراد المؤلف ﵀ أنْ يقيسَ شيئًا على شيء لا يساويه في العِلة، صح؟
طلبة: ().
الشيخ: أرادَ أنْ يقيسَ الفاسقَ؟
طالب: على الكافر.
الشيخ: على الكافر، ومِن شَرْطِ صِحةِ القياس: تساوي الأصل والفرع في العِلة؛ من أجل أنْ يتساويا؟
طالب: في الحُكم.
الشيخ: في الحُكم، فإذا اختلفا في العِلة فالقياس غير صحيح، وهنا لا يتساويان في العلة، بل بينهما فَرْقٌ عظيم؛ لأن الكافر لا تصح صلاته، والفاسقُ؟
طلبة: تصح صلاته.
الشيخ: تصح صلاته، فبينهما فرق، الرجل الذي يأتم بكافر متلاعب؛ لأنه يعلم أن هذا الكافر، صلاته؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، فيكون متلاعبًا، كيف تؤم بشخص ترى أن صلاته باطلة؟ أما إذا كان فاسقًا فصلاته صحيحة، فأنا ائتممت بشخص صلاته صحيحة، والأصل أن مَن صحتْ صلاته صحت إمامته؛ لأن الإمامة فرع عن الصلاة.
[ ١ / ١٩٣٣ ]
ويحتمل أن يريد المؤلف ﵀ قياس المختلف فيه على المتفق عليه، لا في الحكم؛ يعني كأنما يقول: لا تصح خلف الفاسق كما أنها لا تصح خلف الكافر بالاتفاق، وحتى هذا أيضًا فيه نظر؛ لأنه قد يقول الخصم: أنا لا، أيش؟ أنا لا أُسلم هذا، أقول: تصح خلف الفاسق ولا تصح خلفَ الكافرِ، وأُفَرقُ بينهما.
الكافرُ لا تصح الصلاةُ خلفَه، مطلقًا، سواءٌ كان كفرُه بالاعتقاد أو بالقول أو بالفعل أو بالترك.
الاعتقاد ظاهر؛ مثل أن يعتقد أن مع الله إلهًا آخر، القول: أن يستهزئ بالله أو رسوله، أو بدينه، فمن كان يستهزئ بالله أو رسوله أو دينه فهو كافر، ولو صلى الفعل؟
طلبة: السجود لصنم.
الشيخ: مثل أن يسجد لصنم، الترك: كترك الصلاة، لكن إذا كان كفره بترك الصلاة ثم صلى.
طلبة: أسلم.
الشيخ: أسلم، لكنهم يقولون: إنه حين تكبيرة الإحرام؟
طلبة: كافر.
الشيخ: كافر؛ لأنه لا يسلم إلا إذا صلى، هو يكون مسلمًا بصلاته، لكن لا يُحكم بإسلامه إلا بعد الصلاة، وعلى هذا فلا تصح الصلاة خلف الكافر، ونحن نعلم أنه لا يمكن أن يُصلي مسلم خلف كافر وهو يعلم أنه كافر، لكن لو فُرِضَ أن شخصًا من الناس صلى خلف رجل ولم يعلَمْ أنه كافرٌ إلا بعدَ الصلاة؛ يعني: لما صلى خلفه لاقاه صاحب له قال: صليت؟ قال: نعم، قال: مَنْ إمامُك؟ قال: إمامي فلان، قال: فلان كافر يسب الله ورسوله في كل مجلس، أعوذ بالله، قال: والله ما علِمت، فهل تلزمُه إعادة الصلاة أو لا؟
طلبة: تلزمه.
طلبة آخرون: لا تلزمه.
الشيخ: نعم، اختلفتم كما اختلف العلماء من قبلكم؛ فمن العلماء من قال: إنه لا يعيد الصلاة؛ لأنه معذور؛ لم يعلم، ومنهم من قال: بل يعيد الصلاة؛ لأن من شرط صحة الإمامة أن يكون الإمام مسلمًا وكان الإمام كافرًا، فتجب عليه الإعادة.
لكن لو قال قائل: هل يمكن أن نُفَصِّلَ ونقول: إن كانت علامة الكفر عليه ظاهرة لم تصح، ولم يُعذَرْ بالجهلِ لوجود القرينة، وإلا فلا؟
طلبة: يعذر
[ ١ / ١٩٣٤ ]
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: يمكن، لكن إذا قال: طيب ما هي علامة الكفر؟ هل هو الدجال اللي المكتوب بين عينيه كافر؟ ما ندري، وأيش علامة الكفر؟
طالب: المشهور.
الشيخ: مشهور، إذن معلوم، إذا كان مشهورًا صار معلومًا، لكن لو فُرِض أننا وجدنا شخصًا عليه مشلح وشماغ ويتسوك وله لحية وتقدم بنا، وبعد النهاية قالوا: هذا رجل كافر، تصح الصلاة ولَّا ما تصح؟
طلبة: تصح.
طلبة آخرون: ما تصح.
الشيخ: على الخلاف في هذه المسألة، لكن القول الراجح أنه إذا كان جاهلًا فإن صلاتَه؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة، لا تظنوا أن ضربي للمثل بهذا الرجل الكافر أنه خيال، هذا أمر واقع، نشاهد أحيانًا رجالًا يقولون: إنهم كفار، وإذا رأيتهم تظن أنهم؟
طلبة: مسلمون.
الشيخ: مسلمون، من جهة إعفاء اللحية، ومن جهة اللباس، كثير؛ يعني: يوجد هذا، فصار الكافر الآن لا تصح الصلاة خلفه بلا شك إذا كان المصلي عالمًا، هذا الصحيح، بقي علينا مسألة في الفُساق، إذا كان هذا الفاسق إمامًا لا تُمْكِن مقاومته، إذا كان إمامًا لا تُمْكِن مقاومته، مثل له سُلطان وهو فاسق، هل تصح الصلاة خلفه؟
طلبة: ().
الشيخ: نقول: ما أسرع، ما تقول؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كان يمكن أن تصلي الصلاة خلف غيره فالصلاة خلفه لا تصح، وإلا صحت، لكن القول الراجح -كما علمتم- أولًا: أن الصلاة خلفه صحيحة بكل حال، المذهب يستثنون من هذا مسألتين؛ الجمعة والعيد إذا تعذرا خلف غيره، فاهمين؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: الجمعة والعيد إذا تعذرا خلف غيره، مثل هذا البلد ليس فيه إلا جامع واحد، وإمامه فاسقٌ حينئذٍ نصلي خلفَه، العيد ما فيه إلا مصلى واحد وإمامه فاسق كذلك نصلي خلفَه؛ لأننا لو تركنا الصلاة خلفه فاتتنا الجُمعة وفاتنا العيد.
لو كان ليس في البلد إلا هذا المسجد وإمامُه فاسق في غير الجمعة والعيد؟
طلبة: نصلي.
الشيخ: لا، المذهب: لا نصلي، يصلي منفردًا ولا يصلي خلفَه، إي نعم، لكن الصحيح ما سمعتم.
[ ١ / ١٩٣٥ ]
قال المؤلف ﵀: (ولا تصح خلف فاسق ككافر) نُكَمل أيضًا مسألة الفاسق: إذا كان هذا الإمامُ فاسقًا في معتقدِك غيرَ فاسقٍ في معتقدِه، فهل تصلي خلفَه؟ أنتم فاهمين الصورة هذه؟
طلبة: إي نعم ..
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: هو فاسق فيما تعتقِد وليس فاسقًا فيما يعتقد، مثال ذلك: رجل يرى أن شرب الدخان حلال وأنت ترى أنه حرام، فهل تصلي خلفه؟
طالب: نعم، على المذهب أصلي خلفه.
الشيخ: على المذهب تصلي خلفَه؛ لأنك لو سُئِلتَ عنه، فقيل لك: هل هو فاسق بحسب اعتقاده؟
طالب: لا.
الشيخ: لقلت: لا، معذور؛ لأنه يعتقد أن هذا حلال؛ ولذلك لو أن رجلًا كان لا يرى أن لَحْم الإِبل ناقض وأنت ترى أنه ناقض، فأكل هذا الرجل من لحم الإبل، ثم قام فصار إمامًا لك؟
طلبة: الصلاة صحيحة.
الشيخ: الصلاة صحيحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مع أنك تعتقدُ أن صلاتَه؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، لكن هذا في اعتقادك فيما لو فعلتَ أنت، لكن فيما لو فعل هو تعتقد أن صلاته صحيحة؛ ولهذا قال العلماء ﵏: وتصح الصلاة خلف المخالف في الفروع، ولو فعل ما تعتقدُه حرامًا، وهذه من نعمة الله؛ لأن لو قلنا: إنها لا تصح الصلاة خلف المخالف في الفروع لَلَحِقَ بذلك حَرَجٌ ومشقة.
ثم قال: (ولا تصح خلف امرأة) الدليل: قوله ﷺ: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» (١١).
طالب: ما تكلمنا عن المبتدعين.
الشيخ: المبتدع؛ إن كانت بدعته مكفرة فهو من الكافرين، وإن كانت مُفَسقة فهو من الفاسقين.
نقول: المرأة لا تصح الصلاة خلفها، الدليل: ما يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا»، وهذا الحديث ضعيفٌ كما سبق، لكن يؤيده في الحُكم قول النبي ﷺ: «لَا يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (١٣)، والجماعة قد ولوا أمرهم؟
طلبة: امرأة.
الشيخ: الإمام، قد ولوا أمرهم الإمام، فلا يصح أن تكونَ المرأةُ؟
طلبة: إمامًا.
[ ١ / ١٩٣٦ ]
الشيخ: إمامًا لهم.
دليل آخر: أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا» (١٤)، وهذا دليلٌ على أنه لا موقعَ لَهُن في الأمامِ، والإِمامُ لا يكونُ؟
طلبة: إلا في الأمام.
الشيخ: إلا في الأمام، فلو قلنا بصحة صلاتها انقلب الوضع، صارت هي المتقدمة على الرجل، وهذا لا تؤيده الشريعة، هل تصح؟ قال: (ولا خنثى للرجال) يعني: ولا تصح الصلاة خلف الخُنثى للرجال، الخُنثى مَنْ: هو الذي لا يُعْلَمُ أَذَكَرٌ هو أم أنثى، هذا الخنثى، فيشمل أولًا: مَن له ذَكَرٌ وفَرْجٌ يبول منهما، يمكن يوجد؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، شخص له ذَكَرٌ وفَرْجٌ يبول منهما جميعًا، نقول: هذا خُنثى؛ لأن ما ندري ذكر هو أو أنثى.
ويشمل من ليس له ذَكَر ولا فَرْج، لكن له دُبُر، هذا أيضًا خنثى ولَّا؟
طلبة: خنثى.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنا ما نعلم هل هو ذكر أو أنثى؟ وعلى هذا نقول: إن الخنثى -سواء على هذه الصورة أو على هذه الصورة- لا يصح أن يكون إمامًا للرجال، لماذا؟ لاحتمال أن يكون.
طلبة: أنثى.
الشيخ: أنثى، لاحتمال أن يكون أنثى، وإذا احتمل أن يكون أنثى فإن هذه الصلاة تكون مشكوكًا فيها، فلا تصح.
ذكر الموفق ﵀ أنه حُدثَ عن أشخاص ثلاثة، يقول: أحدهم: له مخرج واحد بين القُبُل والدبر يخرج منه البول والغائط، هذا خنثى ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: خنثى.
قال: والثاني: ليس له قُبُل ولا ذَكَر؛ ما له فَرْج ولا ذَكَر، إنما في مكان هذا شيء نابي يخرج منه البول رَشْحًا مثل العرق، هذا أيضًا خنثى.
قال: والثالث: ليس له دُبُر ولا فَرْج ولا ذَكَر، وإنما يتقيأ الطعام إذا بقي في معدته شيئًا من الوقت؛ يعني: يبقى في المعدة ما شاء الله، فإذا امتصت المنافع اللي فيه تقيأه، فيكون خروج هذا الشيء من؟
طلبة: فمه.
الشيخ: من فمه، والله على كل شيء قدير.
[ ١ / ١٩٣٧ ]
أما نحن فقد حدثَنا بعض الأطباء عندنا هنا في عُنيزة أنه وُجِد شخص وُلِد ليس له فَرْج ولا ذكر، والله على كل شيء قدير.
على كل حال، الخنثى لا يصح أن يكون إمامًا للرجال، وفُهِم من قول المؤلف: (ولا خلف امرأة وخنثى للرجال) أنه يصح أن تكون المرأة إمامًا للمرأة، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من أين نأخذه؟ من قوله: (للرجال)، وأن الخنثى يصح أن يكون إمامًا للمرأة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يصح أن يكون إمامًا للمرأة؛ لأنه إما مثلها أو أعلى منها، لكن هل يصح أن تكون المرأة إمامًا للخنثى؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا؛ لاحتمال أن يكون ذكرًا.
قال: (ولا صبي لبالغ) يعني: لا تصح الإمامة من صبي لبالغ، الصبي: مَن دون البلوغ، والبالغ: مَن بلغ، ويحصل البلوغُ بواحد من أمور ثلاثة بالنسبة للذكور: إما تمام خمس عشرة سنة، وإما إنبات العَانةِ، وإما؟
طلبة: إنزال المني.
الشيخ: إنزال المني بشهوة يقظةً أو منامًا، فإذا وُجِدَ واحد من هذه الثلاثةِ صارَ الإِنسانُ بالغًا، والمرأةُ تزيدُ على ذلك بأمرٍ رابعٍ وهو الحيض، فإذا حاضت ولو لعشر سنوات فهي بالغة.
لا تصح الصلاة خلف الصبي للبالغ، وهنا دليل وتعليل؛ يعني: أنا أضرب لك الصورة، الصورة: صارَ الصبي إمامًا والبالغ؟
طلبة: مأمومًا.
الشيخ: مأمومًا، فالصلاةُ لا تصح، صلاة البالغ خلف الصبي لا تصح؛ لدليلين: أثري ونظري؛ أما الأثري فهو ما يُذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (١٥)، وأما النظري فهو: أن صلاةَ الصبي نَفْل وصلاة البالغ فرض، والنفل أعلى رتبة من الفرض؟
طلبة: بالعكس.
[ ١ / ١٩٣٨ ]
الشيخ: نعم، والفرضُ أعلى رتبة مِن النفل، فإذا كان أعلى رتبة فكيف يكون صاحبُه تابعًا لمن هو أدنى منه رتبة؟ لأنا لو صححنا صلاة البالغ خلف الصبي لجعلنا الأعلى تابعًا لما دونه، وهذا خلاف القياس، والقياس: أن الأعلى متبوعًا لا تابعًا، فهذان دليلان: دليل أثري ودليل نظري، إذا لم يوجد إلا صبي وأبوه ماذا يصنع؟
طلبة: ().
الشيخ: يكون الأب هو الإمام، وتنتهي المشكلة.
وقول المؤلف: (لبالغ) يُفهمُ منه أن إمامة الصبي للصبي؟
طالب: ().
الشيخ: جائزة، وهو كذلك، فلو صلى صبي بصبي كان ذلك جائزًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
والقول الثاني في المسألة: أن صلاة البالغ خلف الصبي صحيحة، ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح البخاري: أن عمرو بن سَلِمَة الجَرمي أمَّ قومه وله ست أو سبع سنين (١٦)، لم يتأهل أن يدخل المدرسة الابتدائية، ولكنه ناجح فيها؛ لأنه كان ﵁ يتلقف الركبان، وهو صبي ذكي، فيقرأ القرآن، ولما قَدِم أبوه من عند الرسول ﷺ، وكان قد حدثهم النبي ﵊ أنه: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١)، يقول: نظروا في القوم فلم يجدوا أحدًا أقرأ مني، فقدموني إمامًا لهم، فصار إمامهم وله ست أو سبع سنين، يقول: فخرجت امرأة من الحي ذات يوم وهم ساجدون، وإذا إزاره قصير وقد خرج شيء من عورته، فقالت بصوت مرتفع: غطُّوا عنا اسْتَ قارئكم، الاسْت: يعني الدُّبُر، غطوا عنا اسْت قارئكم، يقول: فاشتروا لي ثوبًا جديدًا، فما فرِحت بشيء بعد الإسلام فرحي بهذا الثوب (١٦)، الله أكبر، شوف -سبحان الله- الفقر.
المهم، هذا الحديث في البخاري، فيجب العمل به، ويُبطِل ما استدل به المانعون، أما الحديث الذي فيه: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (١٥) فهو حديثٌ لا أصلَ له إطلاقًا، لا يصح عن النبي ﷺ.
[ ١ / ١٩٣٩ ]
وأما التعليل: فقد علِمنَا القاعدة الأصيلة الشهيرة وهي: أنه لا قياسَ في مقابلة النص؛ لأن القياس رأي يُخطئ ويُصيب، ولا يجوز القول في الدين بالرأي، فإذا كان لدينا حديث صحيح في البخاري فإن الرأيَ أمامَه ليس بشيء.
لكن قد يعترض مُعترض فيقول: هل عَلِمَ بذلك رسول الله ﷺ أم لم يعلم؟ إما أن نقول: إنَّه عَلِم إذا علمنا أنه علم، وإما أن نقول: إنَّه لم يعلم إذا علِمنا أنه لم يعلم، وإما أن نقول أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: لا ندري، يمكن أنه علم ويمكن أنه ما علم؛ فإن كان قد عَلِم فالاستدلالُ بهذه السنة واضح لا غبار عليه، من أي أنواع السنة؟
طلبة: الإقرار.
الشيخ: الإقرار، وإن علمنا أنه لم يعلم فإننا نقول: إن الله قد علم ﷾، وإقرار الله للشيء في زمن نزول الوحي دليل على؟
طلبة: ().
الشيخ: جوازه، وأنه ليس بمنكر؛ لأنه لو كان منكرًا لأنكرَه الله، وإن كان الرسولُ لم يعلم به، ودليل ذلك قوله الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] فأنكر الله عليهم تبييتهم؟
طالب: للقول.
الشيخ: تبييتهم للقول، مع أن الناس لا يعلمون به؛ لأنهم إنما بيتوا أمرًا منكرًا، فدل هذا على أن الأمر المنكر لا يمكن أن يدعه الله وإن كان الناس لا يعلمون به.
ثانيًا: أن الصحابة استدلوا على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل.
وعلى هذا فنقول: إذا كانت قصة عمرو بن سَلِمَة معلومة للرسول فالاستدلال بها واضح لا غبار عليه، وإن كانت غير معلومة فهي معلومة لله، وقد أقرها الله فكانت شرعًا.
طالب: الدليل على أن الاختلاف في الفروع ما يمنع صحة الصلاة؛ يعني هذا رجل إمام أكل لحم جزور، وأنت عندك الدليل الواضح على أنه لحم الجزور يبطل الصلاة، فكيف نُجَوز إمامته؟
[ ١ / ١٩٤٠ ]
الشيخ: هذا الشيء يكاد أن يكون الناس مجمعين عليه؛ لأنه بإجماع المسلمين أن بعض المسلمين يصلي خلف بعض مع أنهم مختلفون في الفروع.
طالب: لو كان إمام -يا شيخ- ترك الصلاة؛ يعني: ليس جاحدًا؟
الشيخ: إي نعم، لو تركها غير جاحد لها وهو يعتقد أنه لا يخرج من الإسلام بذلك.
الطالب: تصح صلاته؟
الشيخ: وصلى بنا يومًا من الدهر صلينا خلفه، إي نعم.
طالب: شيخ، الآن يوجد حاجز بين الرجال والنساء، فهل تكون الصف الأول ()؟
الشيخ: لا، اللي نراه أنه إذا وُجِد حاجز فالصف الأول للنساء أفضل؛ لزوال العلة.
طالب: أحسن الله إليكم، قولهم يا شيخ: إن عقيدة أهل السنة والجماعة الجهاد والصلاة خلف كل بر وفاجر، فهل هذه صحيحة يا شيخ؟
الشيخ: صحيح، نعم.
الطالب: هل ممكن الاستدلال بهذا القول، نقول: قد اتفقوا على كذا وكذا؟
الشيخ: لا، هم الاتفاق على الجمعة والأعياد، إي نعم.
طالب: أقول: رجل صلى إمامًا وصلى خلفه أناس من أهل البدع يكفرون بها؟
الشيخ: يعني: الإمام ذو بدعة مكفِّرة؟
الطالب: لا، هم الذين خلفه.
الشيخ: إي.
الطالب: هل صلاته صحيحة على؟
الشيخ: لا.
الطالب: يعتقد أنه.
الشيخ: لا، ما تصح.
الطالب: يعيد الصلاة؟
الشيخ: يعيد الصلاة.
الطالب: مثل الجاهل الذي صلى خلف إمام؟
الشيخ: خل الجاهل، إذا كان جاهلًا ما يدري عنهم، ما عليه.
الطالب: هو ما يدري عنهم ..
الشيخ: لا، ما عليه، الجاهل ما عليه.
الطالب: لو أُخبِر أنهم كفار؟
الشيخ: حتى لو أُخبِر ما يعيد.
***
طالب: () محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا صبي لبالغ، ولا أخرس، ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا، فإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قيامًا وجوبًا، وتصح خلف من به سلس البول بمثله، ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده.
[ ١ / ١٩٤١ ]
ولا إمامة الأمي؛ وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم، أو يبدل حرفًا، أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى إلا بمثله، وإن قَدَر على.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين () حكم إمامة الفاسق؟
طالب: إمامة الفاسق لا تصح.
الشيخ: يعني: لا يصح أن يكون الفاسق إمامًا ولو بمثله؟
الطالب: ولو بمثله.
الشيخ: ولو بمثله، ما الدليل؟
الطالب: استدلوا بحديث طويل ذُكِر فيه: أنه ولا تصح إمامة الفاسق بالعدل (١٧).
الشيخ: لا.
الطالب: ولا يصل عدل وراء فاسق.
الشيخ: لا تخليها قوية، وسط.
الطالب: ولا يصل عدل وراء فاسق.
الشيخ: لا.
طالب: ما روي عن النبي ﷺ: «وَلَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» (١١).
الشيخ: «وَلَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا»، والمراد بالفاجر هنا؟
الطالب: الفاسق.
الشيخ: الفاسق، ما فيه تعليل؟
الطالب: تعليل إمامة الفاسق؛ إذا صحت صلاته لنفسه إذن تصح صلاته لغيره.
الشيخ: لا، هذا تعليل لعكس ما نريد.
طالب: قال: قياسًا على الكافر.
الشيخ: نعم، قياسًا على الكافر؛ لأن كلا منهما غير عدل في دينه.
هل هناك قول آخر بصحة إمامة الفاسق؟
طالب: نعم يا شيخ، القول الصحيح أنه ..
الشيخ: القول الثاني.
الطالب: القول الثاني: أنه تصح إمامة الفاسق لعدل بمثله أو بغيره، والدليل على ذلك: أثري ونظري؛ أما الأثري: فلعموم قوله ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١)، ولخصوص قوله ﷺ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ» (٤) لما سُئِل عن أمراء السوء الذين تدركونهم فيتأخرون عن الصلاة.
الشيخ: «يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا».
الطالب: «يُصَلُّونَ لَكُمْ؛ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ».
الشيخ: فلكم ولهم.
[ ١ / ١٩٤٢ ]
الطالب: نعم، «وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». وأما الدليل النظري ..
الشيخ: هذا أثري أيضًا، فيه دليل أثر؟
الطالب: ما جاء عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصلون خلف الفساق، كما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان يصلي خلف الحجاج، وهو مشهور بفسقه.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما الدليل النظري؛ فهو: من صحت صلاته لنفسه فتصح صلاته لغيره.
وأيضًا أن لو صلى إمام عدل بمأموم فاسق فتصح صلاتهم؛ المأموم والفاسق، فكذا تصح الإمام الفاسق بمثله.
الشيخ: إذن هذا القول هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا يسع الناس العمل إلا بهذا.
امرأة أمت رجلًا؟
طالب: لا تصح يا شيخ.
الشيخ: لا تصح إمامتها لرجل. الدليل؟
الطالب: الدليل قوله ﷺ: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» () المرأة لم يُذكر تقديمها () قال الرسول ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ أَوَّلُهَا» (١٤) ()، المرأة التي لها أن تتقدم بين يدي الرجال.
الشيخ: بين يدي الرجال، فيه شيء بعد؟
طالب: ويؤيده في حكم قول النبي ﵊: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، فنفى النبي ﵊ الإمامة العظمى، وإمامة الصلاة كذلك.
الشيخ: مثلها؛ لأنه فيها نوع ولاية.
هل تصح إمامة الصبي بالبالغ؟
طالب: على قول المؤلف لا تصح.
الشيخ: نعم، على المذهب.
الطالب: لا تصح.
الشيخ: لا تصح، لماذا؟ أو ما هو الدليل؟
طالب: عدم تكليف لصغير.
الشيخ: هذا التعليل، الدليل؟ فيه دليل وفيه تعليل.
الطالب: عدم التكليف.
الشيخ: هذا تعليل.
الطالب: الدليل قول النبي ﷺ: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (١٥).
الشيخ: هذا الدليل؛ يعني ما يروى عنه.
الطالب: ما يروى عن النبي ﷺ ..
[ ١ / ١٩٤٣ ]
الشيخ: أنه قال: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ»، التعليل؟
طالب: التعليل: أن صلاة الصبي نفل، زين؟
الشيخ: نعم.
الطالب: وصلاة المأموم فرض.
الشيخ: البالغ.
الطالب: وصلاة البالغ فرض، فلا يصح أن يتقدم النفل على الفرض.
الشيخ: إي نعم، يعني: صلاة المأموم هنا فرض، ولا يُبنى الفرض على النفل؛ لأن المأموم تابع، فيه قول آخر؟
طالب: إي نعم، ما اخترناه هو في الصحيح: أن صلاة الصبي تصح.
الشيخ: إمامة الصبي البالغ صحيحة.
الطالب: نعم، تصح، دليل ذلك ما رواه البخاري: أن عمرو بن سلمة الجُرمي.
الشيخ: الجَرمي بفتح الجيم.
الطالب: الجَرمي أنه كان يؤم أصحابه وهو ابن ست أو سبع سنين وكان أقرأهم.
الشيخ: أنه أم أصحابه وله ست.
الطالب: أو سبع سنين.
الشيخ: أو سبع سنين، هذا دليل، ما فيه دليل عام؟
طالب: عموم قوله ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١).
الشيخ: نعم.
الطالب: وهذا داخل.
الشيخ: وهذا داخل، كيف نجيب عن دليلهم؟
طالب: نقول: إن حديثهم ضعيف لا تقوم به الحجة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيصعب الاستدلال.
الشيخ: نعم، نقول: هذا الحديث «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (١٥) حديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
الطالب: وكذلك أيضًا نرد عليهم بحديث: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (١٦)، وهذا أكثر قرآنًا.
الشيخ: إي، «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، كيف نجيب عن التعليل؟
الطالب: تعليلهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: أي تعليل؟
الشيخ: الذي قالوا: إن صلاة الفريضة لا تكون خلف النافلة؛ لأنها أعلى.
طالب: نقول: إن هذا التعليل في مقابلة النص وهو حديث عمرو بن سَلَمة، فلا اعتبار للقياس.
الشيخ: تمام.
طالب: شيخ نقول: نفل، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض.
الشيخ: لا، نقول ..
الطالب: ثبت من حديث معاذ أنه كان يصلي نافلة بقوم ..
الشيخ: دليل؟
[ ١ / ١٩٤٤ ]
الطالب: نعم، دليل؛ كان يعيد صلاة العشاء نافلة، وكانوا يصلون وراءه فرضًا وصحت ..
الشيخ: أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ويصلي بقومه تلك الصلاة وهي نافلة (١٨).
لو قال قائل: لا يصح الاستدلال بالحديثين؛ لأننا لا نعلم أن النبي ﷺ علم بذلك؟
طالب: أقول: إن ثبت عن النبي ﷺ أنه علم بذلك فلا إشكال، وإن لم يثبت أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك فإن الله ﷿ قد علم بذلك.
الشيخ: يعني: إذا قدرنا أنه لم يعلم بذلك فإن الله قد؟
الطالب: علم بذلك.
الشيخ: علم به، ولو كان هذا لا يرضي الله؟
الطالب: لأنزل الله ﷿ وحي بإبطاله.
الشيخ: نعم، دليلك على هذا؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ فالله ﷿ ..
الشيخ: ﴿إِذْ﴾ كَمل.
الطالب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
الطالب: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
الشيخ: كَمل لأجل يتم الاستدلال.
الطالب: ما أحفظها.
الشيخ: إي.
طالب: علم الرسول النبي ﷺ صلاة معاذ ..
الشيخ: وبخه.
الطالب: وبخه على ذلك.
الشيخ: إي، هذا حديث معاذ، حديث عمرو بن سلمة، تعليل الأخ صحيح، لكن بس نريد الاستدلال من القرآن.
طالب: قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨].
الشيخ: نعم.
ولا أَخْرَسَ ولا عاجزٍ عن ركوعٍ أو سجودٍ أو قُعودٍ أو قِيامٍ، إلا إمامَ الحيِّ المرْجُوَّ زوالُ عِلَّتِه، ويُصَلُّون وَراءَه جُلوسًا نَدْبًا فإن ابْتَدَأ بهم قائمًا ثم اعْتَلَّ فجَلَسَ أَتَمُّوا خلفَه قِيامًا وُجوبًا.
[ ١ / ١٩٤٥ ]
وتَصِحُّ خلفَ مَن به سَلَسُ البَوْلِ بمِثْلِه، ولا تَصِحُّ خلفَ مُحْدِثٍ ولا مُتَنَجِّسٍ يَعْلَمُ ذلك، فإن جَهِلَ هو والمأمومُ حتى انْقَضَتْ صَحَّتْ لمأمومٍ وَحْدَه،
فيه قول آخر؟
الطالب: إي نعم، ما اخترناه هو الصحيح؛ أن صلاة الصبي تصح.
الشيخ: إمامة الصبي البالغ صحيحة.
الطالب: نعم، تصح؛ دليل ذلك ما رواه البخاري أن عمرو بن سلمة الجَرمي أنه كان يؤم أصحابه وهو ابن ست أو سبع سنين، وكان ..
الشيخ: أنه أمَّ أصحابه وله ست؟
الطالب: أو سبع سنين.
الشيخ: أو سبع سنين، هذا دليل، ما فيه دليل عام؟
الطالب: عموم قوله ﷺ: «لِيَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١)، وهذا داخل فيه.
الشيخ: وهذا داخل، كيف نجيب عن دليلهم؟
الطالب: نقول: إن حديثهم ضعيف لا تقوم به الحجة، لا يصلح للاحتجاج.
الشيخ: نقول: هذا الحديث: «لَا تُقَدِّمُوا صِبْيَانَكُمْ» (٢) حديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
الطالب: وكذلك أيضًا نَرُدُّ عليهم بحديث: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (٣)، وهذا أكثر قرآنًا.
الشيخ: إي، «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، كيف نجيب عن التعليل؟
الطالب: تعليلهم؟ أي تعليل؟ !
الشيخ: الذي قالوا: إن صلاة الفريضة لا تكون خلف النافلة، إنها أعلى.
طالب: نقول: إن هذا الحديث في مقابل النص، فهو حديث عامُّ مرسل، فلا اعتبار ().
الشيخ: تمام.
طالب: شيخ، () النفل وما ثبت في النفل ثبت في الفرض.
الشيخ: لا، لا نقول ..
طالب: () حديث معاذ أنه كان يصلي النافلة بقوم.
الشيخ: دليل؟
الطالب: أن يُصَلِّي () صلاة العشاء نافلة وهم يصلون وراءه فرضًا صح هذا.
الشيخ: أن معاذًا كان يصلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ويصلي بقومه تلك الصلاة وهي نافلة.
[ ١ / ١٩٤٦ ]
لو قال قائل: لا يصح الاستدلال بالحديثين؛ لأننا لا نعلم أن النبي ﷺ علم بذلك.
طالب: نقول: إن ثبت عن النبي ﷺ أنه علم بذلك فلا إشكال فيه، وإن لم يثبت أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك فإن الله ﷿ قد علم بذلك.
الشيخ: وإن لم يثبت؟
الطالب: أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك.
الشيخ: () يعني: ثبت أنه علم.
الطالب: يعني: نعلم أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك، فنقول: إن الله ﷿ قد علم بذلك.
الشيخ: يعني: إذا قدَّرْنا أنه لم يعلم بذلك فإن الله قد علم به، ولو كان هذا لا يُرْضِي الله؟
طالب: لأنزل الله ﷿ الوحي ببطلانه.
الشيخ: نعم، دليلك على هذا.
الطالب: الدليل من قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] فالله ﷿ ..
الشيخ: ﴿إِذْ﴾ كمِّل.
الطالب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
طالب: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾.
الشيخ: كمِّل؛ ليتم الاستدلال.
طالب آخر: عَلِمَ الرسول ﷺ صلاة معاذ ووبَّخَه على ذلك.
الشيخ: هذا حديث معاذ. حديث عمرو بن سلمة؟ تعليل الأخ صحيح، لكن بس نريد الاستدلال من القرآن.
طالب: قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨].
الشيخ: فلما بَيَّتُوا ما لا يرضاه من القول فضحهم، ولو كان فعل عمرو بن سلمة لا يرضاه الله لبينه.
طالب: فعل الرسول ﷺ فيمن صلى بمسافر في الحضر، صلى ركعتين فأتموا بعده.
الشيخ: لا، لعلك تريد صلاة الخوف، كان يصلي بهم جماعة في بعض صفاتها يصلي بقوم الصلاة كاملة، ثم يصلي بالآخرين الصلاة كاملة.
طالب: دليل آخر؛ قول الصحابة: كنا نعزل والقرآن ينزل.
[ ١ / ١٩٤٧ ]
الشيخ: هذا دليل على الاستدلال بإقرار الله.
المهم أن القول الراجح أن الصبيَّ يصحُّ أن يكون إمامًا للبالغين، هذا هو القول الراجح، ومَنْ أنكر ذلك فليس عنده دليل.
***
ثم قال المؤلف -﵀ -: (ولا إمامةُ أخرس) يعني: ولا تَصِحُّ إمامة الأخرس حتى بمثله.
والأخرس هو الذي لا يستطيع النطق، وهو نوعان: عارض ولازم؛ فاللازم: أن يكون ملازمًا للمرء من صغره، والطارئ: هو الذي يحدث للمرء إما بحادث أو بمرض أو بغير ذلك.
على كل حال الأخرس إذا كان خَرَسُه لازمًا فالغالب أنه لا يسمع، وانتفاء السمع سابق على الخرس؛ لأنه إذا كان لا يسمع لا يمكن أن يتكلم؛ إذ لا يسمع شيئًا يُقَلِّده حتى يتكلم مثله، ولهذا إذا وُلِد الصبي أصمَّ ولم يفتح الله أذنيه فإنه يبقى أخرس.
أما الطارئ فقد يكون الأخرس سميعًا لكن طرأ عليه عِلَّة منعته من الكلام، وكلا الجنسين أو كلا النوعين لا تَصِحُّ الصلاة خلفه؛ يعني: لا يصح أن يكون إمامًا لا بمثله ولا بغيره، لماذا؟
قالوا: لأنه لا يستطيع النطق بالركن وهو قراءة الفاتحة، ولا بالواجبات وهي التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، ولا ما تنعقد به الصلاة وهو تكبيرة الإحرام، فيكون عاجزًا عن الأركان والواجبات، فلا يصح أن يكون إمامًا لمن هو قادر.
وهذا التعليل قد يكون متوجِّهًا بالنسبة لكونه إمامًا لمن هو قادر على النطق، لكن بالنسبة أن يكون إمامًا لمن هو عاجز عن النطق، هذا التعليل يكون عليلًا؛ وذلك لأن العاجز عن النطق لا يفوقه بشيء ولا يفضله بشيء، فلماذا لا يصح أن يكون إمامًا فيه؟
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أن إمامة الأخرس تَصِح بمثله وبمن ليس بأخرس؛ لأن القاعدة عندنا أن كلَّ من صحَّت صلاته صحت إمامته.
[ ١ / ١٩٤٨ ]
ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إمامًا؛ لأن النبي ﷺ يقول: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١) وهذا لا يقرأ، فلا ينبغي أن يكون إمامًا، لكن الكلام على الصحة فالصحيح أنها تَصِح.
قال: (ولا عاجزٍ عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام إلا إمام الحي).
قوله: (ولا عاجز) يعني: ولا تصح إمامةُ عاجز عن ركوع، مثل: أن يكون الشخص فيه ألم في ظهره لا يستطيع أن يركع فإنه لا يصح أن يكون إمامًا للقادر على الركوع.
وأما العاجز عن الركوع فإنه يصح أن يكون إمامًا له؛ لتساويهما في العلة، ما هو الدليل على أنها لا تصح إمامة العاجز عن الركوع بالقادر عليه؟
الدليل: لأن القادر على الركوع أكمل حالًا من العاجز عنه، ولا ينبغي أن يكون العاجز إمامًا للقادر، هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب.
وكذلك العاجز عن السجود؛ مثل أن يكون الإنسان قد عمل عملية لعينيه لا يستطيع أن يسجد، ويركع ويقوم ويقعد لكن لا يستطيع السجود إلا بالإيماء، فلا يصح أن يكون إمامًا للقادر على السجود، ويصح أن يكون إمامًا للعاجز عنه، والعلَّة فيه كالعلة في العاجز عن الركوع.
قال المؤلف: (أو قعود) يعني: لا يستطيع أن يجلس، فلا تَصِحُّ إمامته إلا بمثله، والعلة ما سبق في العاجز عن الركوع والسجود.
قال المؤلف: (أو قيام) العاجز عن القيام؛ فإن العاجز عن القيام لا يصح أن يكون إمامًا للقادر عليه، والعلة ما سبق؛ أنه عاجز عن الإتيان بالركن فحاله دون القادر عليه، ولا ينبغي أن يكون العاجز إمامًا للقادر مع أن صلاته صحيحة.
استثنى المؤلف، قال: (إلا إمام الحي).
قوله: (إلا إمام الحي): هذا مستثنًى من الصورة الأخيرة، وهي قوله: (أو قيام).
وقوله: (إلا إمام الحي) يعني: الإمام الراتب في المسجد.
[ ١ / ١٩٤٩ ]
و(الحي) جمعُه أحياء، وهي الدور والحارات، فإذا كان هذا المسجد له إمام راتبٌ عاجزٌ عن القيام فإنه يكون إمامًا لأهل الحي القادرين على القيام، لكن بشرط؛ قال: (المرجوُّ زوال علته) يعني بأن يكون عجزه عن القيام طارئًا، بخلاف العاجز عن القيام عجزًا مستمرًّا كالشيخ الكبير؛ فإن الصلاة خلفه لا تصح.
إذن أفادنا المؤلف -﵀- بهذه العبارة أنَّ مَنْ عجز عن ركن القيام والقعود والركوع والسجود لا تَصِحُّ إمامتُه إلا بمثله.
(إلا إمام الحي المرجو زوال علته) يعني أنه بشرطين؛ أن يكون العاجز عن القيام إمام الحي، والثاني: أن تكون علته مرجوة الزوال؛ مثل: أن يطرأ عليه وجع في ظهره أو في ركبته لا يستطيع القيام، فهنا يصح أن يكون إمامًا لأهل الحي وإن كان عاجزًا عن القيام.
قال المؤلف: (وَيُصَلُّون وراءه جُلوسًا) (يصلون): الضمير يعود على الحي؛ يعني: الجماعة.
(وراءه) أي: وراء إمام الحي.
(جلوسًا) حال من فاعل (يصلون).
(ندبًا) يعني: أن هذا الحكم ندبٌ وليس بواجب، والندب: يعني السنة؛ فالسنة أن يصلوا خلفه جلوسًا؛ دليل ذلك: قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» إلى آخر الحديث، إلى أن قال: «وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٤). قال: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»، وهذا نص صريح في أن الصلاة خلف العاجز عن القيام من القادر عليه صحيحة، وأنه يصلي خلف إمامه قاعدًا اقتداءً بإمامه.
وقول المؤلف: (يصلون وراءه جلوسًا ندبًا)
أفادنا -﵀- أنهم لو صلَّوا خلفه قيامًا فصلاتهم صحيحة؛ لأن السُّنة لا يُبطِل الصلاةَ تركُها.
[ ١ / ١٩٥٠ ]
ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة خَلْفَه يجب أن تكون قعودًا؛ يعني: يصلون خلفه قعودًا وجوبًا، واستدلوا لذلك: بقول الرسول ﵊: «فَصَلُّوا قُعُودًا»، والأصل في الأمر الوجوب، لا سيما وأن النبي ﷺ علَّل ذلك في أول الحديث بقوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»؛ ويدل لذلك أيضًا أنه لما صلَّى ﵊ بأصحابه ذات يوم -وكان عاجزًا عن القيام- فقاموا فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا (٥).
فكونه يشير إليهم حتى في أثناء الصلاة يدل على أن ذلك على سبيل الوجوب.
ونظير هذا أنه لما قام عبد الله بن عباس عن يساره أخذ برأسه مِن ورائه وجعله عن يمينه (٦)، وقد قالوا: إنه لا يجوز أن يقف المأموم الواحد عن يسار الإمام.
فنقول: هذا مثله، بل في هذا قول أبلغ من الفعل، وهو قوله: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٤).
وهذا القول هو الصحيح: أن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا، فإن صلوا قيامًا في هذه الحال فصلاتهم باطلة، تبطل صلاتهم.
ولهذا يُلْغَز بها، فيقال: رجل صلى الفرض قائمًا فبطلت صلاته، من هو؟
الذي صلى قائمًا خلف إمام يصلي قاعدًا.
فالقول الصحيح في هذه المسألة أنه إذا صلى الإمام قاعدًا، وجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا، فإن صلَّوا قيامًا بطلت صلاتهم.
نرجع إلى هذه المسألة، نقول: إن المؤلف -﵀- جزم بأن الإمام إذا صلى قاعدًا فإن المأمومين يصلون قعودًا، إلا أنه أدخل في ذلك شرطين نتكلم عليهما فيما بعد.
وخالف في هذا كثير من أهل العلم وقالوا: إن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قيامًا، فإن صلَّوا قعودًا بطلت صلاتهم، عكس ما رجحناه.
نحن قلنا: يجب أن يصلوا قعودًا، فإن صلوا قيامًا بطلت صلاتهم.
[ ١ / ١٩٥١ ]
لكن هذا قال -وعليه كثير من أهل العلم-: بل يجب عليهم أن يُصَلُّوا قيامًا، فإن صلَّوا قعودًا بطلت صلاتهم، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ خرج ذات يوم في مَرِض موته، والناس يصلون خلف أبي بكر، فتقدم حتى وقف، بل حتى جلس عن يسار أبي بكر، فجعل يُصَلِّي بهم ﵊ قاعدًا وهم قيام، هم يقتدون بأبي بكر، وأبو بكر يقتدي بصلاة النبي ﷺ (٧)؛ لأن صوته ﷺ كان ضعيفًا لا يُسْمِع الناس، فكان أبو بكر يسمعه لأنه إلى جنبه، فيرفع أبو بكر صوته فيقتدي الناس بصلاة أبي بكر.
قالوا: وهذا في آخر حياته، فيكون ناسخًا لقول النبي ﷺ: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٤)، ولإشارته إلى أصحابه حين صلَّى قاعدًا فصلَّوا خلفه قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا (٥)؛ لأنه من المعروف أن المتأخر من سُنَّةِ الرسول ﷺ ينسخ المتقدم، وعللوا أيضًا فقالوا: إن القيام ركن على القادر عليه، وهؤلاء قادرون على القيام، فيكون القيام في حقهم ركنًا؛ لأن الأدلة على أعلى تقدير متعارضة فيجب الرجوع إلى الأصل وهو وجوب القيام، أعرفتم هذا؟
ولكننا نقول: إن هذا القول ضعيف، أي: القول بأنهم يصلون خلف القاعد قيامًا ضعيف؛ وذلك لأنه لا يجوز الرجوع إلى النسخ إلا عند تَعَذُّرِ الجمع، فإن من المعلوم عند أهل العلم أنه يشترط للنسخ شرطان لا بد منهما:
الشرط الأول: العلم بتأخر الناسخ.
والشرط الثاني: أن لا يمكن الجمع بينه وبين ما ادُّعِي أنه منسوخ؛ وذلك لأنك إذا أعملت النسخ ألغيت أحد الدليلين.
وإلغاء الدليل ليس بالأمر الهين حتى نقول كل ما أعيانا الجمع: هذا منسوخ، هذا لا يجوز؛ لأنك إذا قلت: هذا منسوخ؛ أي: أبطلت حكمه، فالأمر صعب، والجمع هنا ممكن جدًّا، أشار إليه الإمام أحمد -﵀- فقال: إنما بقي الصحابة قيامًا؛ لأن أبا بكر ابتدأ بهم الصلاة قائمًا.
[ ١ / ١٩٥٢ ]
وعلى هذا فنقول: لو حدثت لإمام الحي عِلَّة في أثناء الصلاة أعجزته عن القيام فكمَّل صلاته جالسًا، فإن المأمومين يُتِمُّونها قيامًا، وهذا لا شك أنه جمع حسن واضح؛ وعليه فنقول: إذا صلى الإمام بالمأمومين قاعدًا من أول الصلاة فليصلوا قعودًا، وإن صلَّى بهم قائمًا ثم أصابته علة فجلس فإنهم يصلون قيامًا، وبهذا يحصل الجمع بين الدليلين، والجمع بين الدليلين إعمال لهما جميعًا.
قلنا: إن المؤلف أدخل على صلاة المأمومين القادرين على القيام خلف الإمام العاجز عنه أدخل شرطين؛ الشرط الأول: أن يكون إمامَ الحي، والثاني: أن تكون علته مرجوَّة الزوال.
ومن المعلوم أن القاعدة الأصولية أن ما ورد عن الشارع مطلقًا فإنه لا يجوز إدخال أي قيد من القيود عليه إلا بدليل؛ لأنه ليس من حقنا أن نُقَيِّد ما أطلقه الشرع، وهذه القاعدة تفيدك في مواضع كثيرة؛ منها مثلًا: المسح على الخفين؛ أطلق الشارع المسح على الخفين، ولم يشترط في الخفِّ أن يكون من نوع معين، ولا أن يكون سليمًا من عيوب ذكروا أنها مانعة من المسح كالخَرْقِ وما أشبهه، فالواجب علينا إطلاق ما أطلقه الشرع؛ لأننا لسنا الذين نتحكم بالشرع، ولكن الشرع هو الذي يحكم فينا، أما أن ندخل قيودًا في أمر أطلقه الشرع، فهذا لا شك أنه ليس من حقِّنا.
فلننظر: قال النبي ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٤).
هل هذه الأحكام التي جعلها الشارع في مسار واحد هل هي تختلف بين إمام الحيِّ وغيره؟
[ ١ / ١٩٥٣ ]
هل نقول: إذا كبر إمام الحي فكبَّر وإذا ركع فاركع، وإذا كبر غيرُ إمام الحي فأنت بالخيار وإذا ركع فأنت بالخيار؟ أبدًا، الأحكام هذه كلها عامة لإمام الحيِّ ولغيره؛ وعلى هذا: يلغو الشرط الأول الذي اشترطه المؤلف وهو قوله: (إمام الحي)، ونقول: إذا صلى الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا.
وقد قال النبي ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١)، فإذا كان هذا الأقرأ عاجزًا عن القيام، قلنا: أنت إمامنا فصلِّ بنا، وإذا صلى بنا قاعدًا فإننا نصلي خلفه قعودًا لأمر الرسول ﵊ في كونه إمامنا، وبأمره في كوننا نقعد، نصلي قعودًا.
الشرط الثاني ما هو؟
المرجو زوال علته، هذا أيضًا قَيْد في أمر أطلقه الشارع، ما قال: إذا صلى قاعدًا وأنتم ترجون زوال علته فصلوا قعودًا، بل قال: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٤)؛ وعلى هذا: فإننا نصلي خلف الإمام العاجز عن القيام، سواء كان ممن يُرجى زوال علته، أو ممن لا يُرجى زوال علته.
الدليل العموم؛ النص عام مطلق، فإذا كان عامًّا مطلقًا فليس لنا أن نخصصه ولا أن نقيده؛ لأننا نحن عبيد محكوم علينا ولسنا بحاكمين، وليس هناك دليل يدل على هذا القيد من كتاب ولا سنة ولا إجماع، () الكتاب والسنة والإجماع وجب أن يبقى النص على ما هو عليه، على إطلاقه.
إذا قال قائل: إذا كان الإمام شيخًا كبيرًا، لا يُرْجى زوال علته لزم من ذلك أن يبقى الجماعة يُصَلُّون دائمًا قعودًا، فماذا نقول؟
طالب: نعم.
طالب آخر: نقول: لا إثم.
الشيخ: نلتزم بهذا اللازم ما دام هذا لازمَ قولِ الرسول ﵊، فإن قول الرسول حق، ولازم الحق حق، ونحن إذا صلينا قعودًا مع قُدْرتنا على القيام في جميع صلواتنا، فإنما صلينا بأمر مَنْ؟ بأمر النبي ﷺ، فليس علينا ضير.
[ ١ / ١٩٥٤ ]
على أن هذا أيضًا لا يمكن أن يَطَّرِد، يعني: كل الناس سيصلون جميع الصلوات خلف هذا الإمام؟ لا، قد تفوتهم الصلاة ويصلون فرادى أو مع جماعة أخرى، قد يصلون في مسجد آخر، قد يُعْذَرون عن حضور الجماعة فيصلُّون في بيوتهم، فليس بلازم.
على كل حال: حتى ولو كان لازمًا فإن ذلك اللازم من حق، ولازمُ الحق حق.
إذن نقول: تصحُّ صلاة القادر على القيام خلف العاجز عنه سواء كان إمام الحي أم غيره، وسواء كانت يرجى زوال علته أم لا يرجى؛ لأن الحديث عام مطلق.
وكيف يصلون؟ يصلون قعودًا بأمر النبي ﷺ، وجوبًا أو ندبًا؟
طلبة: وجوبًا.
الشيخ: على القول الراجح وجوبًا؛ لأمر النبي ﷺ بذلك.
بقي علينا العاجز عن الركوع والسجود والقعود، هل تصح الصلاة خلفه؟
علمتم أن المذهب لا تصح الصلاة خلفه إلا بمثله، ولكن الصحيح أن الصلاة خلفه صحيحة، بناءً على القاعدة أن من صحَّت صلاته صحت إمامته؛ لأن هذه القاعدة دلت عليها النصوص العامة، إلا في مسألة المرأة؛ فإنها لا تصح أن تكون إمامًا للرجل لأنها من جنس آخر، وأيضًا قياسًا على العاجز عن القيام؛ فإن صلاة القادر على القيام خلف العاجز عنه صحيحة بالنص، فكذلك العاجز عن الركوع والسجود.
فإن قال قائل: إن النبي ﷺ قال: «إِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»، ولم يقل: إذا صلى راكعًا فاركعوا، وإذا أومأ فأومئوا.
قلنا: لأن الحديث إنما ذكر القيام لأنه ورد في حال العجز عن القيام؛ لأن الرسول ﵊ خاطبهم حينما صلى بهم قاعدًا فقاموا ثم أشار إليهم فجلسوا، فلهذا ذكر النبي ﵊ القيام كمثال؛ لأن هذا هو القضية الواقعة؛ فعليه نقول: إن القول الراجح أن الصلاة خلف العاجز عن الركوع صحيحة.
[ ١ / ١٩٥٥ ]
فلو كان إمامنا لا يستطيع الركوع لألم في ظهره صلينا خلفه، ولكن هل إذا ركع بالإيماء نركع بالإيماء أو نركع ركوعًا تامًّا؟
طلبة: ركوعًا تامًّا.
الشيخ: الظاهر أننا نركع ركوعًا تامًّا؛ وذلك لأن الركوع لا يُغَيِّر هيئة القيام إلا بالانحناء بخلاف القيام مع القعود، وأيضًا القيام مع القعود أشار النبي ﵊ إلى عِلَّته، بأننا لو قُمْنَا وإمامنا قاعد كنا مُشْبِهين للأعاجم الذين يقفون على ملوكهم؛ ولهذا في بعض ألفاظ الحديث: «لَا تَشَبَّهُوا بِالْأَعَاجِمِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ» (٥)، وإذا كان إمامنا قاعدًا ونحن قيام صرنا قائمين عليه، أما الركوع إذا عجز عنه وأومأ وركعنا فإننا لا نُشْبِه العجم، لا نشبههم.
كذلك في العجز عن السجود الصحيح أنها تصح إمامة العاجز عن السجود بالقادر عليه، وهل المأموم في هذه الحال يومئ بالسجود؟
الجواب: لا، يسجد تامًّا.
العاجز عن القعود هل نُصَلِّي خلفه مع قدرتنا على القعود؟
نعم، لو كان إمامنا مريضًا لا يستطيع القعود، يصلي على جنبه، أليس كذلك؟ يصلي على جنبه، فهل يصح أن نصلي خلفه؟
الجواب: نعم، يصحُّ أن نصلي خلفه، ولكن هل نضطجع؟ لا؛ لأن الأمر بموافقة الإمام إنما جاء في القعود والقيام؛ وعلى هذا نصلِّي جلوسًا وهو مضطجع، وكذلك لو عجز عن القعود بين السجدتين مثلًا، أو عن القعود في التشهد فإننا نصلي خلفه.
إذن فالصحيح أننا نصلي خلف العاجز عن القيام والركوع والسجود والقعود، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وهو الصحيح بناءً على عمومات الأدلة مثل: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١)، وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي أن مَنْ صَحَّت صلاته صَحَّت إمامته.
***
طالب: أحسن الله إليكم، إذا صليت وراء إمام قاعد وقد فاتتني بعض الصلاة، فهل أقضيها قاعدًا أم قائمًا؟
الشيخ: لا، إذا قضيتها تصليها قائمًا.
[ ١ / ١٩٥٦ ]
الطالب: قائمًا؟
الشيخ: نعم؛ يعني: لو صلى أول صلاته خلف إمام قاعد أتمها قائمًا؛ لأنه ليس فيه مخالفة للإمام الآن.
طالب: شيخ، لو قال قائل: إن بعض النصوص المطلقة قد تقيدها اللغة فمثلًا الخف مثلًا المخرق يطلق عليه خفًّا لكن لا يطلق عليه أنه خُفٌّ بالكلية؛ أنه مُخْفٍ لبعض الأجزاء، لكن بعض الأجزاء ما اختفى.
الشيخ: لكن مَنْ يقول: إن الخُفَّ لغة لا يطلق إلا على ما ستر القدم؟
الطالب: () الأخ الواجب.
الشيخ: لا، ما هو () الواجب؛ ولهذا ذهب الكثير من العلماء الذين يقولون بأنه لا يجوز المسح على المخَرَّق أنه لو لبس شيئًا يَصِف البشرة كالزجاج، وكالبارَّة في الوقت الحاضر فإنه يمسح عليها، ما هو العلة الستر.
الطالب: يعني: الخُفُّ الجزئي له حكم الخف الكلي؟
الشيخ: إي نعم، ما دام إنه تنتفع به القدم ويمكن فيه المشي.
طالب: شيخ، لو أن امرأة تقرأ ومرت بآية سجدة وعندها رجل فسجد، هل يتبع الاقتداء بالمرأة؟
الشيخ: ويش تقولون؟ رجل يستمع لقراءة امرأة فمرت بسجدة فسجدت هل يَأْتَمُّ بها؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، المرأة لا يمكن أن تكون إمامًا للرجل، ولو كان هي القارئة.
الطالب: إذا صلى الإمام مضطجعًا، لماذا لا نقول: إنهم يصلون قيامًا؟
الشيخ: لأن العلة التي نهى النبي ﷺ عن القيام من أجلها موجودة، وهي أنهم يقومون عليه كما تقوم الأعاجم على ملوكها.
طالب: الأخرس فيه أنه () بالمقصود بالصلاة الجهرية، وفيه أنه يُغَيِّر هيئة الصلاة.
الشيخ: أما الصلاة الجهرية فأنت تعلم أن الجهر والسر سنة وليس بواجب.
الطالب: لكن يُغَيِّر الهيئة؟
الشيخ: كيف الهيئة؟
الطالب: الهيئة في الجهرية؛ يعني: لو دخل على ناس ().
الشيخ: هو أصله لو سكت حتى () وقرأ سرًّا فلا بأس.
لماذا اشترطوا أن يرجى زوال علته؟
[ ١ / ١٩٥٧ ]
طالب: اشترطوا لإرجاء زوال علته حتى إذا أتى يوم صلى بهم قيامًا وكان يساويهم في القيام، يعني: ما كان الإمام من أدنى إلى الأعلى.
الشيخ: لا.
طالب: عللوا بهذا أنه لو كان لا يرجى زوال علته تكون صلاتهم طول حياتهم خلف هذا الإمام قعودًا.
الشيخ: نعم، عرفتم؟ قالوا: يلزم أن تبقى صلاتهم خلف هذا الإمام قعودًا.
ما تقول في هذا التعليل؟
الطالب: إن هذا التعليل مردود؛ لأن النبي ﷺ هو الذي أمر بالجلوس إذا صلى الإمام جالسًا.
الشيخ: ولَمْ؟
الطالب: ولم يقل: إن كان مرجوًّا زوال علته ..
الشيخ: يعني: لم يُفَصِّل، ثم إنه ربما يصلي بهم فرضًا واحدًا ثم يموت أو ينتقل.
طالب: أو يصلون في مكان آخر.
الشيخ: إي نعم، أو يصلون في مكان آخر، إذن، ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أنه لا يشترط في إمام الحي.
الشيخ: أنه لا يُشْتَرط أن يكون إمام الحي، ولا أن تُرْجَى زوال علته.
الطالب: تصحُّ صلاة العاجز عن القيام بالقادر مطلقًا.
الشيخ: ما هو دليلك على أنه لا يشترط هذا الشرط؟
الطالب: أن النبي ﷺ عندما ذكر قال: «إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» لم يفسر، ولم يفرق فقال: إن كان إمام الحي، أو إن كان ..
الشيخ: والقاعدة أن ما جاء عن الشرع مطلقًا فإنه لا يجوز أن نقيده، وما جاء عامًّا لا يجوز أن نخصصه إلا بدليل؛ لأننا لو فعلنا لضيَّقنا واسعًا، وشرَّعنا مع شرع الله، وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها أن ما ورد مطلقًا وجب إبقاؤه على إطلاقه، وما ورد عامًّا وجب إبقاؤه على عمومه، لا يجوز أن يُخَصَّص، ولا يجوز في المطلق أن يُقَيَّد؛ لأننا لو فعلنا ذلك لضيقنا ما وسَّعه الشرع.
لكن دليل التقييد أو التخصيص قد يُعلَم بالنص، وقد يعلم بالإجماع، وقد يعلم بالقياس الصحيح؛ فإذا لم يكن إجماع ولا نص ولا قياس صحيح فالواجب إبقاؤه على إطلاقه.
[ ١ / ١٩٥٨ ]
إذن الخلاصة أن الصحيح أنه يجوز أن يكون الإمام عاجزًا عن القيام وعن الركوع وعن السجود وعن القعود وعن جميع الأركان، وأن الائتمام به صحيح؛ لأنه قد أتى بما يجب عليه، فصلاته مع العذر كصلاة مَنْ أتى بهذه الأركان؛ لأن كلًّا منهما صلاته صحيحة، هذه هي القاعدة، وهذا الذي أقوله الآن: إنه الصحيح هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وهو الحق؛ لأن هذا الرجل الإمام صلاته صحيحة، والإمامة تابعة للصلاة، فإذا صحَّت الصلاة صحت الإمامة.
لو أنهم صَلَّوا خلف إمام الحي قائمين، أيش تقول في الصلاة؟ أولًا: هل يجوز ذلك أو لا؟
طالب: على قول المؤلف يجوز إذا كان ().
الشيخ: إي نعم؛ يعني: هل يصلون خلفه قعودًا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟
الطالب: على ..
الشيخ: على رأي المؤلف؟
الطالب: ندبًا.
الشيخ: ويش معنى (ندبًا)؟
الطالب: يعني: استحبابًا.
الشيخ: يعني: استحبابًا؛ فلو صلوا قيامًا فصلاتهم صحيحة، والصحيح أنهم يصلون جلوسًا وجوبًا، ولو صلوا قيامًا بطلت صلاتهم لمخالفتهم أمر النبي ﷺ.
***
ثم قال المؤلف: (فإن ابتدأ بهم الصلاةَ قائمًا ثم اعتُلَّ فجلس أتمَّوا خلفه قيامًا وجوبًا)
(إن ابتدأ) الضمير يعود على الإمام.
(بهم) الضمير يعود على الجماعة.
(الصلاة قائمًا ثم اعْتُلَّ) يعني: أصابته علة (فجلس) فإنهم يصلون (خلفه قيامًا وجوبًا).
مثال ذلك: رجل إمام يصلي بالجماعة في أثناء القيام أصابه مغص في ظهره أو بطنه فجلس، وأتم بهم الصلاة جالسًا، نقول للجماعة: يلزمكم أن تتموا الصلاة قيامًا، ولا يجوز لكم الجلوس.
ما الدليل على هذا، وقد قال النبي ﵊: «إِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (٤)؟
[ ١ / ١٩٥٩ ]
نقول الدليل: فِعْل الرسول ﵊ في مرض موته حين دخل المسجد وأبو بكر يصلي بالناس، وكان أبو بكر قد ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، فجلس النبي ﷺ إلى يسار أبي بكر، وبقي أبو بكر قائمًا يصلي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ، ويصلي الناس بصلاة أبي بكر (٧)، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالجلوس.
وهذا الدليل هو الذي أجاب به الإمام أحمد جامع بينه وبين حديث: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»؛ وعلى هذا فيكون عموم قوله: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» مخصوصًا بهذه الحال إذا ابتدأ بهم قائمًا أتموا قيامًا.
ثم قال: (وتَصِحُّ خلفَ مَنْ به سَلَسُ بَوْلٍ بمثله) معرف عندكم؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، أنا عندي مُنَكَّر (تَصِحُّ خلفَ مَنْ به سلس البول بمثله).
(سلس البول): يعني استمراره وعدم انقطاعه؛ وذلك أن الإنسان قد يُبْتَلى بدوام الحدث من بول أو غائط أو ريح، يبتلى، وهذا لا شك أنه مرض لا يعرف قدر نعمة الله على الإنسان بالسلامة منه إلا من أُصِيب منه، نسأل الله لنا ولكم العافية.
هذا (سلس البول) أن يكون البول يخرج باستمرار لا يستطيع الإنسان منعه، فماذا يصنع هذا الذي ابتلي بهذا المرض؟
نقول: إن الله ﷾ قال في كتابه: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فكل الدين ولله الحمد يُسْر، وطريق صلاة هذا أن نقول له: إذا دخل الوقت فاغسل فرجك وتحفَّظ؛ يعني: اجعل حفاظة تمنع من تسرب البول وانتشاره في جسده وفي ثيابه، ثم توضأ وضوءك للصلاة، ثم صلِّ ما شئت فروضًا ونوافل، إلى متى؟ إلى أن يَدْخُل وقت الصلاة الثانية؛ يعني: تستمر تصلي حتى وإن خرج الوقت؛ وذلك لأنه ليس هناك دليل على أن خروج الوقت يُبْطِل الوضوء فيمن حدثه دائم، ليس هناك دليل.
[ ١ / ١٩٦٠ ]
نعم، لو أنه دخل وقت صلاة موقتة فإننا نقول: إذا دخل وقت الصلاة الموقتة فتوضأ لها؛ لقول النبي ﵊ للمستحاضة: «تَوَضِّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» (٨)، أما خروج الوقت فليس في السنة ما يدل على أنه يبطل الوضوء.
ولكن بعض العلماء يقول: إنه إذا خرج الوقت فيمن حدثه دائم بطل وضوؤه، أقول: نقول لهذا الرجل: اعمل هذا العمل، فَعَل لما دخل الوقت غسل فرجه وتحفَّظ وتوضأ وصلَّى، صلاته لنفسه صحيحة ولَّا لا؟ صحيحة، وصلاته مأمومًا بإمام سليم من هذا المرض؟ صحيحة، وصلاته إمامًا بمصاب بهذا المرض؟ صحيحة، كذا؟ كم هذه من صورة؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاث صور؛ صلاته إمامًا بمن هو سليم من هذا المرض يقول المؤلف: إنها لا تصح، فإذا صلى مَنْ به سلس البول إمامًا لمن هو سالم منه فصلاة المأموم باطلة وصلاة هذا أيضًا باطلة؛ لأنه نوى الإمامة بِمَن لا يصح ائتمامه به، لماذا؟
قالوا: لأن حال من به سلس البول دون حال من سَلِم منه، ولا يمكن أن يكون المأموم أعلى حالًا من الإمام، هذا التعليل.
ولكن القول الصحيح في هذا أن إمامة مَنْ به سلس البول صحيحة بمثله وبصحيح سليم؛ ودليل ذلك عموم قوله ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، وهذا الرجل صلاته صحيحة؛ لأنه فعل ما يجب عليه، وإذا كانت صلاته صحيحة لزم من ذلك صحة إمامته؛ لأنه لما حضر هو وهذا الرجل، كل منهما لو صلى لنفسه صحت صلاته، إذن فإذا صلى إمامًا صحت إمامته.
ثم نقول: إن قولكم: إن المأموم لا يكون أعلى حالًا من الإمام منتقض منقوض؛ بماذا؟ بصحة صلاة المتوضئ خلف المتيمم، وأنتم تقولون بذلك؛ تقولون: إنه لو صلى شخص متوضئ بشخص متيمم لمرض أو لعدم الماء فصلاته صحيحة، مع أن المتوضئ أعلى حالًا، لكن هم يقولون: لأن المتيمم طهارته صحيحة، نقول: ومن به سلس البول طهارته أيضًا صحيحة.
[ ١ / ١٩٦١ ]
ولذلك القول الصحيح أن من به سلس البول تصح إمامته بمن هو سالم منه، وعرفتم الدليل؛ عموم قوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١)، ولأن هذا الذي أصيب بالسلس صلاته صحيحة فتصح إمامته.
ثم قال: (ولا تصح خلف محدث).
طالب: إذا صححنا صلاة الأخرس إمامًا للمأمومين، فكيف يصح التكبيرات والانتقالات؟
الشيخ: ما هو مشكل، يشير إشارة وهو بيركع ويسجد.
الطالب: لو كان المسجد كبيرًا يعني ما ..
الشيخ: يبلغ واحد وراءه.
طالب: شيخ، إمامة المرأة للرجل لا تصح، لكن ما الجواب عن حديث أم ورقة ﵂ (٩)؟
الشيخ: الجواب عليه إذا صح، فهي تؤم أهل دراها؛ يعني: من النساء.
الطالب: شيخ دل عليه الحديث أنها للنساء؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: دل على أنها إمامة للنساء خاصة فقط؟
الشيخ: إي نعم، ما قلناه في الاستدلال بأن المرأة لا تكون إمامًا للرجل.
طالب: أحسن الله إليكم، ما الدليل على أن الذي به سلس بول يجدد وضوءه مع كل صلاة؟
الشيخ: قول النبي ﵊ للمستحاضة: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» (٨).
الطالب: يقاس عليه سلس البول؟
الشيخ: إي نعم، يقاس عليه؛ لأن العلة واحدة.
طالب: أحسن الله إليك، ويش مثال الفسق في الاعتقاد، إنسان فاسق في الاعتقاد؟
الشيخ: الفسق في الاعتقاد أن يعتقد الإنسان شيئًا لا يخرجه من الملة.
الطالب: مثلًا.
الشيخ: عن المثال؟ يعني مثلًا: لو قال: إن نزول الله للسماء الدنيا يعني نزول رحمته.
الطالب: إذا علم النص؟
الشيخ: إذا علم لأنه بيُؤَوِّل، أما لو كذَّب النص فهو كافر.
طالب: إذا تأوَّل بالتأويل الصحيح أو تأول ()؟
الشيخ: لا، نقول: لأنه إذا تأول فإما أن يكون عنده دليل على تأويله فهذا نعم، قد يكون له وجه نظر.
الطالب: إذا ما عنده دليل.
الشيخ: ولذلك الأشاعرة هم يعتبرون من المبتدعة الذين لا يكفرون، كثيرًا أيضًا من المعتزلة.
[ ١ / ١٩٦٢ ]
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو كان الذي به سلس البول مسافرًا، فهذا يجمع الصلاتين مع بعض، فهل يتوضأ ..؟
الشيخ: لا ما يحتاج.
الطالب: يجمعهم؟
الشيخ: يعني: من به سلس البول يجوز أن يجمع أيضًا، نصوا عليها، ولو كان مقيمًا، الذي به سلس البول يجوز أن يجمع ولو كان مقيمًا.
طالب: شيخ، قلنا: إنه يصح صلاة الذي لا يستطيع الركوع ..
الشيخ: والسجود.
الطالب: بمن هو يستطيع، وقلنا: مما يدل على ذلك القياس على صلاة الرسول ﷺ بهم وهو جالس وهم قيام، طيب يا شيخ، لو قال قائل: العبادات لا قياس فيها؟
الشيخ: لا، العبادات فيها قياس؛ لأنه ما دام الفعل واحد وهو العجز عن الأركان، فهذا الذي حصل من الرسول قضية عين، يعني تصبح كمثال، فالقياس الممنوع أن أقيس عبادة مستقلة على عبادة، مثل أن أقول: صلاة العصر لها سنة راتبة قبلها كصلاة الظهر؛ لأنها صلاة رباعية نهارية، هذا ما يمكن.
طالب: شيخ، ذكرنا في (باب الطهارة) أن إذا لمس قبل الخنثى المشكل، فلا ينقض وضوؤه؛ لأن بقاء الأصل عليه، فكيف نعلم الخنثى المشكل لا تصح إمامته، ألا يكون احتمال يكون ذكرًا يا شيخ؟
الشيخ: لا فيه احتمال ذكر، لكن لأنه يشترط أن يكون إمام الذكر ذكرًا، أما هذاك فالأصل بقاء الوضوء؛ لأنه هنا ما عندنا أصل نبني عليه، في مسألة مس القبل، عندنا أصل وهو بقاء الطهارة، والنبي ﵊ لما شُكي إليه الرجل يجد الشيء في الصلاة ويشك، قال: «لَا يَنْصَرِفَ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رَيحًا» (١٠).
طالب: شيخ، إذا كان الإنسان مصابًا بالغازات، يعني: توضأ وصلى وانقطع وضوؤه.
الشيخ: كيف؟
الطالب: هو مريض يعني مصاب، فهل () للصلاة يتوضأ؟
الشيخ: ما هو ذكرنا أن الحديث الدائم إما بول أو غائط أو ريح، ما هي بالريح هي الغازات؟ فإذا كان ما يستطيع يمسك فهو كالبول.
[ ١ / ١٩٦٣ ]
طالب: شيخ -عفا الله عنك- المبتدع الفاسق إذا كان علم مثلًا الحق أنه مثلًا أن صفات الله ﷿ () أو أنه يعلم أن الله نزل إلى السماء الدنيا بذاته، ولكن تعصب إلى أئمته وما زال يقول بقولهم؟
الشيخ: هذا فاسق.
الطالب: ما يُكَفَّر؟
الشيخ: لا ما يَكْفُر لأنه ما كذب.
طالب: سلس البول، يا شيخ، كيف يؤم مع أن الريحه منتنة، () يخرج رائحة؟
الشيخ: يعني: أنت ترى أنه ما في صلاة جماعة إلا في المسجد؟
الطالب: () جماعة () المسجد ().
الشيخ: يمكن يصلون في البر، في سفر.
الطالب: خارج المسجد يؤم الناس.
الشيخ: في سفر، يعني: إي أن تقول يؤم الناس خارج المسجد، في المسجد ().
وعلى كل حال إذا كان له رائحة كريهة، أو يخشى أن يتلوث المسجد، فهو ما يدخل المسجد، يكون هذه علة غير مسألة إنه تصح إمامته أو لا تصح.
لأنه مثلًا إذا قدمنا الرائحة الكريهة أو أنه يتسرب البول حتى يُلوَّث المسجد فهذا يُمْنَع.
طالب: شيخ، إذا دخل إمام الحي مع مَنْ أنابه عنه كمن إذا كان مريضًا، فعل النبي ﷺ () الصلاة، هل () حتى يتم ()؟
الشيخ: فهمتم السؤال؟ يقول: إذا دخل إمام الحي في أثناء الصلاة وقد صلَّوا ركعتين مثلًا، فهو سوف يصلي أربع ركعات، وهم قد صلوا قبله ركعتين، كم يصلون معه؟
طالب: ستًّا يا شيخ.
الشيخ: لا ما يصلون إلا ركعتين؛ عشان تكون صلاتهم رباعية، فهم إذا أتموا أربعًا جلسوا لا يتبعون الإمام، ثم هم بالخيار إن شاؤوا سلموا وإن شاؤوا انتظروا.
الطالب: شيخ، ما يضر اختلاف النية هنا يا شيخ؟
الشيخ: ما يضر، أصل اختلاف النية ما هو بوارد إطلاقًا على القول الراجح، ما يضر، وهنا لم تختلف النية؛ لأن الصلاة واحدة.
الطالب: المسألة الأولى يا شيخ، إذا صلوا ركعتين، ودخل معهم وصلى أيضًا، يصلي بهم ركعتين ..
الشيخ: طيب، وهو يصلي الظهر، وهم يصلون الظهر، أين اختلاف النية؟
[ ١ / ١٩٦٤ ]
الطالب: هو يصلي الركعتين الأول، وهم يصلون الركعتين ..
الشيخ: ما يضر، هذا المسبوق إذا جاء يصلي الركعتين الأخيرات وهن له أول.
طالب: رجل طلبت منه امرأته أنها تخرج إلى المسجد، فجاب طِيبًا وكبه، وقال: الآن ما يجوز.
الشيخ: والله هذا رجل جبان، بدلًا من أن يخسر طِيبًا بمئتي ريال، يقول لها: لا.
الطالب: تعترض عليه.
الشيخ: طيب، خليك معي، ستعترض عليه، ستعترض عليه بقول الرسول ﵊: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» (١١)، فإذا صبَّ عليها الطيب قالت: هذا منع بالفعل، والحيلة ما تنفع، لكن كان طيب بالأول، يحرص أن يطيبها قبل هذا، فتمتنع.
طالب: جزاك الله خيرًا، بالنسبة للنبي ﷺ صلى حينما دخل أبو بكر يصلي بالناس كان إمامًا له، وروي أنه دخل مرة وكان عبد الرحمن بن عوف أو غيره يصلي بالناس فصلى خلفه، فقد يتقدم على أبي بكر و().
الشيخ: لأن أبا بكر قبل هذا لما كان الرسول ذهب ليصلح بين قوم، وجاء وأبو بكر يصلي أظن أراد أن يبقى فتأخر أبو بكر، ثم قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ، فكان الرسول يعلم أن أبا بكر يكره هذا الشيء ().
***
طالب: والصلاة والسلام على محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تصحُّ خلف محدِث، ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده، ولا إمامةُ الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة أو يدغم فيها ما لا يُدْغَم، أو يُبَدِّل حرفًا، أو يَلْحن فيها لحنًا يحيل المعنى إلا بمثله، وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته، وتكره إمامة ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن العاجز عن الركن لا يَؤُم القادر عليه إلا ركنًا واحدًا، ما هو؟
طالب: () إلا الركوع.
[ ١ / ١٩٦٥ ]
الشيخ: نعم، ما هو؟
طالب: ().
الشيخ: أن العاجز عن الركن لا يكون إمامًا للقادر عليه إلا في ركن واحد على المذهب.
طالب: () على المذهب؟ المذهب: إذا كان مثلًا جالسًا، إذا كان عاجزًا عن الركوع.
طالب آخر: القيام.
الشيخ: العجز عن القيام، يعني: العاجز عن القيام يصح أن يؤم القادر عليه؟
الطالب: إذا كان إمام الحي () تزول ..
الشيخ: يُرجى زوال علته.
ما هو الدليل على هذا الاستثناء؟
طالب: أن النبي ﷺ صلى بالصحابة جلوسًا، والصحابة ﵃ صلوا قيامًا لما اقتدى أبي بكر بالنبي ﷺ.
الشيخ: لا.
طالب: قول الرسول ﷺ: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ» (١٢).
الشيخ: أحسنت، «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ».
ما هو الدليل على اشتراط كونه إمام الحي؟
طالب: نقول: إن هذا في سلطانه؛ يعني: يؤم في سلطانه لقول النبي ﷺ: «لَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ رَجُلًا فِي سُلْطَانِهِ» (١)، ما دام إمام الحي يُصَلُّون خلفه.
الشيخ: ما هو الدليل على أنه لا بد أن يكون إمام الحي والرسول ﵊ عمم «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا».
طالب: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ».
الشيخ: طيب، هذا دليل على العموم.
طالب: قالوا: إن إمام الحي مقدم على غيره، والشرط هذا إذن يقترب من الشرط الآخر، أن ترجى زوال علته. ما هو شرط مطَّرد ..
الشيخ: حتى () مقدم على غيره، إذا كان ما معهم إما حي.
الطالب: هو سلطان ..
الشيخ: إذا ما صلى إمام الحي.
الطالب: شيخ، ليس لهم دليل في هذه المسألة، هذه أدلة ليس لها دليل، تقعيدات ليس لها أدلة.
طالب آخر: الحنابلة لهم تعليل يقول: إن الذي علته لا تزول يكون علته مستديمة.
الشيخ: لا () اشتراط أن يكون إمام الحي.
الطالب: أنه أحق من غيره.
[ ١ / ١٩٦٦ ]
الشيخ: () إذا صاروا في رباط وأقرؤهم هو العاجز عن القيام، فهو أحق من غيره.
على كل حال: ما في دليل، ما هناك دليل أبدًا؛ لأنهم إن استدلوا بأن الرسول ﷺ صلى قاعدًا فأشار إليهم أن اجلسوا فهو إمام الحي، لكنه ما قال: غير إمام الحي لا يصح.
طيب، المرجو زوال علته؟
طالب: () لكن قالوا على المذهب ..
الشيخ: تعليل.
الطالب: تعليل، قالوا: حتى لا يصلوا على الدوام.
الشيخ: حتى لا يصلوا قعودًا على الدوام، أحسنت.
ثم قال المؤلف -﵀-: (ولا تَصِحُّ خلفَ محدِث ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو ومأموم حتى انقضت صحَّت لمأموم وحده)
هاتان مسألتان؛ المسألة الأولى: صلاة المحدث، هل تَصِحُّ الصلاةُ خلفه أو لا؟
نقول: إن جهل أنه محدِث حتى انتهت صلاته، وجهل المأمومون الذين خلفه أنه مُحْدِث حتى انتهت الصلاة فصلاتهم صحيحة؛ مثال ذلك في الحدَث الأصغر: إمامٌ أكلَ لحم إبل ولم يعلم أنه لحم إبل فصلى بالجماعة، فلما انتهت الصلاة علم أنه أكل لحم إبل، لا علم أن اللحم الذي أكله لحم إبل، فهنا: لا يعيد المأمومون صلاتهم، والإمام يعيد الصلاة.
أما الإمام؛ فلأنه صلى بغير وضوء، وقد قال النبي ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١٣).
وأما المأموم فللعذر، عذره ظاهر لأنه لا يعلم الغيب، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
فإن علم أنه محدث في أثناء الصلاة فإنه صلاته تَبْطُل، وصلاة المأمومين تبطل أيضًا، تبطل صلاته وصلاة المأمومين.
أما بطلان صلاته فظاهر؛ لأنه تَبَيَّن أنه على غير وضوء فلا تقبل صلاته.
وأما صلاة المأمومين؛ فلأنه تبيَّن أنهم اقتدوا بمن لا تَصِحُّ صلاته، فبطلت صلاتهم؛ لأن صلاتهم مبنية على صلاة إمامهم، فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم.
[ ١ / ١٩٦٧ ]
فإن علم واحد من المأمومين والباقون لم يعلموا، لا الإمام ولا بقية المأمومين بطلت صلاتُهم جميعًا؛ لأن المؤلف يقول: (إن جَهِل هو ومأموم حتى انقضت صحَّت لمأموم وحده).
(إن جهل هو ومأموم) يعني: بحيث لا يعلم أحد من المأمومين أنه على غير وضوء، فإن علم واحد ولو في أثناء الصلاة بطلت صلاة الجميع.
وهذا الثاني ليس له علة واضحة أنه إذا علم واحد من المأمومين أعاد الكل ليس له وجه!
أما الأول: فله العلة التي سمعتم؛ فصار إذا صلى الإمام محدثًا فلا يخلو من حالين:
إما أن يعلم بحدثه في أثناء الصلاة هو أو أحد من المأمومين فتبطل الصلاة ويلزمهم استئنافها، وإما أن يبقى جاهلًا هو وجميع المأمومين حتى يسلِّم ثم بعد ذلك يذكر فصلاتهم صحيحة إلا هو، هو يجب عليه أن يعيد الصلاة؛ لأنه صلى بغير وضوء.
ومثال ذلك في الحدث الأكبر: رجل استيقظ من نومه فتوضأ وذهب يصلي الفجر، وبعد انتهائه من الصلاة رأى عليه أثرَ جنابة، ولكنه كان جاهلًا بها، فهنا نقول: المأمومون صلاتهم صحيحة، أما هو فإنه يعيد الصلاة.
وجه ذلك أنه هو صلى بغير طهارة، وأما المأمومون فهم معذورون فصحَّت صلاتهم، هذه مسألة الحدث.
إذا صلى محدثًا حدثًا أصغر أو أكبر وبقي جاهلًا به حتى انقضت الصلاة ولم يعلم لا هو ولا أحد من المأمومين فالصلاة صحيحة، فإن علم هو أو أحد من المأمومين فالصلاة باطلة إذا علموا في أثناء الصلاة.
والصحيح في هذه المسألة أن صلاة المأمومين صحيحة بكل حال إلا مَنْ عَلِم فقط أن الإمام محدث؛ وذلك لأنهم إذا كانوا جاهلين فهم معذورون بالجهل () إمامهم هل أنت على وضوء أم لا؟ وهل عليك جنابة أو لا؟ مشكل، كان كلما تقدم الإمام قلنا: تعالَ أنت متوضئ ولَّا لا؟ أنت عليك جنابة ولَّا لا؟ ما أحد يقول هذا، فإذا كان هذا لا يلزمنا وصلَّى بنا، وهو يعلم أنه محدث، كيف تَبْطُل صلاتنا؟
[ ١ / ١٩٦٨ ]
نحن معذورون، فعلنا ما أُمِرْنا به من الاقتداء بهذا الإمام، وما لم نكلَّف به فإنه لا يَلْزَمُنا حكمه.
إذن فالصحيح أن صلاة المأمومين صحيحة بكل حال، حتى وإن كان الإمام عالمًا؛ لأنه أحيانًا يكون الإمام عالمًا بأنه محدث لكن لا يذكر إلا وهو يصلي ثم يستحي أن ينصرف، يقول: () بهم أعدت صلاتي، وهذا حرام عليه لا شك لكن قد تقع من بعض الجهال.
على القول الراجح -الآن نُفَرِّع على القول الراجح- فإن ذكر الإمام في أثناء الصلاة أنه محدث أو علم أنه محدث في أثناء الصلاة وجب عليه الانصراف، ويستخلف مَنْ يكمل بهم الصلاة، فيقول لبعض المأمومين الذين وراءه: يا فلان، أتمَّ بهم الصلاة فإني لست على وضوء مثلًا، وتُكَمَّل بهم الصلاة.
فإن لم يفعل وانصرف فللمأمومين الخيار بين أن يُقَدِّمُوا واحدًا منهم يكمل بهم الصلاة، أو يُتِمُّوها فرادى؛ لأن إمامهم ذهب ولم يستخلف، فهم بالخيار إن شاؤوا خلَّفوا واحدًا منهم، وإن شاؤوا أتموا فرادى، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
المسألة الثانية: مسألة النجاسة.
يقول المؤلف: (ولا متنجِّس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صَحَّت لمأموم وحده)
هذه المسألة الثانية مسألة النجاسة.
إذا صلى الإمام بنجاسة وهو يجلهها هو والمأموم ولم يعلم بها حتى انتهت الصلاة فإن المأمومين تصح صلاتُهم لأنهم معذورون بالجهل، وأما الإمام فلا تَصِحُّ صلاته؛ يجب عليه أن يغسل النجاسة التي في ثوبه أو على بدنه ثم يعيد الصلاة؛ لأن من شرط صحة الصلاة اجتناب النجاسة، وهذا الرجل صلى بنجاسة فلم يأت بالشرط، والقاعدة أنه إذا تخلَّف الشرط تخلف المشروط.
وعلى هذا فنقول: المأمومون صلاتهم صحيحة، لماذا؟ لأنهم معذورون بالجهل، والإمام يجب عليه إعادة الصلاة، لماذا؟ لأن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، وقد تبين الآن أنه صلى وهو متلبس بالنجاسة فلم يأت بالشرط، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
[ ١ / ١٩٦٩ ]
إن عَلِم في أثناء الصلاة، فما الحكم؟ يجب عليه أن يُعِيد الصلاة هو والمأمومون؛ لأن المؤلف يقول: (إن جهل هو والمأموم حتى انقضت صَحَّت لمأموم وحده)، فإن علم في أثناء الصلاة بالنجاسة وجب عليه إعادة الصلاة هو والمأمومون؛ لأن مِنْ شرط عدم الإعادة أن يكونوا جاهلين حتى تنتهي الصلاة، هذا هو الذي يقتضيه كلام المؤلف.
والقول الصحيح في هذه المسألة أنه إذا جهل الإمام النجاسة هو والمأموم حتى انقضت الصلاة فصلاتهم جميعًا صحيحة، لا الإمام ولا المأموم؛ والعلة في الجميع هي العذر بالجهل، والمصلي بالنجاسة جاهلًا بها على القول الراجح ليس عليه إعادة.
وكذلك لو علم بها لكن نسي أن يغسلها فإن صلاته على القول الراجح صحيحة، وعلى هذا فيكون الفرق بين هذه والتي قبلها أنه إذا جهل الإمام والمأموم على القول الراجح فإنه يعيد الصلاة إذا كان جاهلًا بالحدث، ولا يُعِيد الصلاة إذا كان جاهلًا بالنجاسة.
والفرق بينهما أن الوضوء من الحدث من باب فعل المأمور، وأن اجتناب النجاسة من باب ترك المحظور، فإذا فعله جاهلًا فلا يلحقه حكمه.
ويدلُّ لهذا القول الصحيح أن النبي ﷺ صلَّى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلاه فخلعهما، فخلع الصحابة نعالهم، فلما انصرف سألهم: لماذا خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» (١٤) فخلعهما.
وهذا صريح في أن الرسول ﷺ كان قد لبس نعلين قذرتين، لكنه كان جاهلًا، لو كانت الصلاة تبطل إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة لاستأنف النبي ﷺ الصلاة، لكنه بَنَى على صلاته فدلَّ ذلك على أن النجاسة إذا كان الإنسان بها جاهلًا فإنه لا حكم لها، وهذا القول هو القول الراجح.
[ ١ / ١٩٧٠ ]
فخلاصة القول الراجح الآن أنه إذا لم يعلم الإمام ولا المأموم بالحدث حتى انتهت الصلاة، مَن يُعيد؟ يعيد الإمام وحده، أما المأموم فلا إعادة عليه؛ لأنه معذور ليس يعلم الغيب، وإن علم في أثناء الصلاة الإمام فإنه يجب عليه أن ينصرف ويستخلف مَنْ يُكَمِّل بهم الصلاة، فإن لم يستخلف خلفوا أحدهم، فإن لم يفعلوا صلَّوا فرادى، ويَبْنُون على صلاتهم أو لا؟ نعم، يبنون على صلاتهم، صلاتهم صحيحة.
أما في النجاسة فالقول الراجح أن الإمام إذا جهل هو والمأموم حتى انقضت الصلاة فصلاته صحيحة وصلاتهم صحيحة، لا إعادة على واحد منهم.
وإن علم في أثناء الصلاة بالنجاسة فإن كان يمكنه إزالتها أزالها، وإن كان لا يمكنه انصرف وأتم المأموم صلاته.
مثال التي يمكنه إزالتها: لو كانت في نعليه، أو كانت في غطرته، أو كانت في قميصه وعليه سراويل فهذه يمكن إزالتها.
لكن لو قال الإمام: كيف يمكن إزالتها إذا كانت في القميص؟ يخلع القميص، ولا يَبْقَى عليه إلا سراويل فقط؟ ! هو سوف ينتقده المصلون، لكن لا يضر.
وأنا أذكر قصة وقعت لبعض الإخوان هنا؛ في أثناء الصلاة لاحظ أن في ثوبه شق يعني: إذا ركع سيرى عورته، فنزع غطرته وربطه أمام المصلين، ولا فيه شيء.
هذا أيضًا إذا نزع قميصه وبقي عليه السراويل فلا حرج، والذي ينبغي أن الإنسان يفعل الشيء المسنون أو المشروع والناس إذا استنكروه أول مرة فلن يستنكروه في المرة الثانية. المهم فهمتم القول الراجح الآن؟
***
طالب: قوم سَفْرٌ أرادوا أن يجمعوا، فالإمام نوى أن الثانية؛ يعني: صلى الأولى بنية الثانية قبل تكبيرة الإحرام بنية الثانية، وهو لم يصلِّ الأولى، وبعد أن تذكر ما الواجب؟ يقول للمأمومين: اقطعوا صلاتكم؟
الشيخ: لا، ما يقطعون صلاتهم، المأمومون على نياتهم.
الطالب: ماذا يفعلون؟
الشيخ: في هذه الحال يُغَيِّرون النية؛ لأنه لا بد من الترتيب.
الطالب: ().
[ ١ / ١٩٧١ ]
الشيخ: نعم، ويقول لهم: إني نويت الصلاة الثانية، وأنا الآن سأنوي الأولى وأنتم على صلاتكم، وفي هذه الحال لو أنهم قطعوا صلاتهم ما داموا في أول ركعة حتى لا يكون تشويش، ما فيه ..
طالب: حينما كبروا تذكر فورًا.
الشيخ: لا بد أن يعيد التكبيرة.
الطالب: يعيد هو، وهم ما يلزم؟
الشيخ: ما يلزمهم، ما عليهم.
طالب: صلوا () يلحقهم أجر الجماعة؟
الشيخ: أما إن كانوا قد صَلَّوا ركعة، فلا شك أنهم لهم أجر الجماعة؛ لأن مَنْ أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، أما إذا كان في أول ركعة فقد يقال: إنهم لما أدركوا تكبيرة الإحرام وأتوا للجماعة أن الله يكتب لهم الأجر لا سيما إذا كانوا جاهلين يحسبون أنه لا يمكن أن يقدموا أحدًا يتم يصلي بهم جماعة، أما إذا كانوا مفرطين وهم يدرون أنه يمكن أن يقدموا واحدًا، فهم لم يدركوا الجماعة.
طالب: يا شيخ، لو انصرف من الصلاة ولم يستنب أحدًا ثم تقدَّم أحد الجماعة وقد نوى الانفراد بعد الجماعة يعيد؟
الشيخ: ما يخالف يدخل مع الإمام، ما فيه مانع، انتقال من انفراد إلى إمامة.
الطالب: هو أكمل يا شيخ.
الشيخ: كيف أكمل؟
الطالب: أكمل منفردًا.
الشيخ: يعني: معناه ما رضي أن يدخل مع الجماعة، ما عليه شيء.
طالب: الدليل يا شيخ، على الانصراف إذا علم بالنجاسة أثناء الصلاة، ولا يستطيع أن يخلع قميصه.
الشيخ: الدليل أنه مِن شرط صحة الصلاة إزالةُ النجاسة.
الطالب: الدليل؟
الشيخ: الدليل أمر النبي ﵊ للحِيَّض، المرأة يصيبها الحيض يصيب ثيابها، فأمرها أن تقرصه ثم تغسله بالماء ثم تصلي فيه.
الطالب: ().
الشيخ: فكونه يأمرها أن تُطَهِّر الثوب ثم تصلي فيه يدل على أنه لا بد من طهارة الثوب.
الآن هذا الرجل الذي دخل في الصلاة وهو يظن أن ثوبه طاهر ولم يعلم بنجاسته ثم علم صار عليه ثوب يلزم تطهيره، والآن لا يمكن أن يطهره، فنقول: لا بد أنك تخرج من الصلاة وتستأنف.
***
[ ١ / ١٩٧٢ ]
طالب: () سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا إمامةُ الأمي وهو مَنْ لا يُحْسِن الفاتحة أو يُدْغِم فيها ما لا يُدْغَم أو يبدِلُ حرفًا، أو يَلْحَن فيها لحنًا يُحيل المعنى إلا بمثله، وإن قدِر على إصلاحه لم تَصِحَّ صلاته.
وتكره إمامة اللَّحَّان والفأفاء والتمتام ومن لا يفصح ببعض الحروف، وأن يَؤُمَّ أجنبيةً فأكثر لا رجل معهن، أو قومًا أكثرهم يكرهه بحق، وتَصِحُّ إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلِم دينُهما، ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه لا مفترض بمتنفل، ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل صلى خلف مُحْدِث يعلم المأموم حدثَه؟
طالب: أقول: لو كان يعلم حدثه فإنه لا تصح صلاته.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن السلامة من الحدث من شروط صحة الصلاة.
الشيخ: المأموم متوضئ.
الطالب: لكن يجب عليه أن ينبه الإمام.
الشيخ: لكنه ما نبَّه.
الطالب: لا تصح صلاته ولا صلاة الإمام.
الشيخ: لماذا لا تصح، وهو غير محدث؟
الطالب: لأنه اقتدى بمن لا تصح صلاته، فكأنه لم يصلِّ.
الشيخ: أحسنت، تمام.
ما تقول في رجل صلى خلف إمام محدث في معتَقَدِه، وهو غير محدث في معتقد الإمام؟
طالب: ليمشِ هنا على مذهب الإمام، صلاته صحيحة.
الشيخ: صلاته صحيحة؟
الطالب: يعني: مثلًا الإمام أكل لحم الإبل يرى أنه ما فيه شيء؛ تكون صلاة المأموم صحيحة، حتى لو خالفه في الرأي.
الشيخ: حتى لو خالفه في الرأي؛ لأن صلاة الإمام حينئذ صحيحة، تمام.
ما تقول في رجل صلى خلف مُحْدِث يعلم حدثه؛ يعني: الإمام يعلم حدثه والمأموم لا يعلم؟
طالب: صلاة المأموم صحيحة.
طالب آخر: صلاتهم جميعًا تبطل، إذا كان المأموم يعلم حدث الإمام.
الشيخ: المأموم لا يعلم، الإمام يعلم حدث نفسه، والمأموم لا يعلم.
[ ١ / ١٩٧٣ ]
الطالب: أما على المذهب فصلاة الجميع تبطل.
الشيخ: لماذا تبطل صلاة الإمام؟
طالب: لأنه فقد شرطًا من شروط الصلاة وهي الطهارة.
الشيخ: لأنه صلى بغير وضوء، وقد قال النبي ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١٣)، ولماذا تبطل صلاة المأموم؟
الطالب: لأنه اقتدى بمن لا تصح صلاته.
الشيخ: أيش تقول؟
طالب آخر: المأموم تصح صلاته.
الشيخ: هل هناك قول ثان في المسألة أو لا؟
الطالب: إي نعم، فيه قول: إن المأموم تصح صلاته.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه فعل ما يجب عليه أن يفعله فاقتدى بإنسان، ويعني: تصح الصلاة ولم يعلم، ولا () أن يسأل عن هل هو ..؟
الشيخ: أيش طول ها التعليل هذا؟ صنفت مجلد يا شيخ! اعطنا يا شيخ كلمة واحدة زين!
الطالب: هو -يا شيخ- فَعَل ما أُمِر به و().
الشيخ: يعني: لأنه معذور بجهله؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لأنه معذور بجهله، هذا هو القول الراجح: لأنه معذور بجهله، ما فرَّط بشيء. صلى وراء متنجس وهو يعلم أن عليه نجاسة؟
طالب: من الذي يعلم الإمام ولَّا المأموم؟
الشيخ: المأموم يعلم أن على الإمام نجاسة فصلى خلفه.
الطالب: على المذهب تَبْطُل صلاتهما.
الشيخ: نعم، المذهب تبطل صلاتهما، والقول الثاني؟
الطالب: القول الثاني: إذا انتهت الصلاة؟
الشيخ: لا، إحنا قلنا: سلَّم وانتهى، لكن الإمام جاهل، ما علم بالنجاسة إلَّا بعد أن صلى وأخبره المأموم.
الطالب: الصلاة صحيحة.
الشيخ: القول الثاني الصلاة صحيحة؛ لأن الإمام معذور بجهله، والمأموم يعتقد أن الإمام في هذه الحال صلاته صحيحة؛ لأنه معذور بالجهل، فقد ائتم بشخص صلاته صحيحة.
طالب: شيخ بمجرد ..
[ ١ / ١٩٧٤ ]
ولا إمامةُ الأمِّيِّ - وهو مَن لا يُحْسِنُ الفاتحةَ، أو يُدْغِمُ فيها ما لا يُدْغَمُ، أو يُبَدِّلُ حَرْفًا أو يَلْحَنُ فيها لَحْنًا يُحيلُ المعنى، إلا بِمِثْلِه، وإن قَدَرَ على إصلاحِه لم تَصِحَّ صلاتُه، وتُكْرَهُ إمامةُ اللَّحَّانِ والفَأْفَاءِ والتَّمْتَامِ ومَنْ لا يُفْصِحُ ببعضِ الحروفِ، وأن يَؤُمَّ أجْنَبِيَّةً فأَكْثَرَ لا رَجُلَ معهنَّ، أو قَوْمًا أكثَرُهم يَكْرَهُه بِحَقٍّ، وتَصِحُّ إمامةُ وَلَدِ الزنا والْجُنْدِيِّ إذا سَلِمَ دِينُهما، ومَن يُؤَدِّي الصلاةَ بِمَنْ يَقْضِيها، وعكسُه لا مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ، ولا مَن يُصَلِّي الظهْرَ بِمَن يُصَلِّي العَصْرَ أو غيرَهما.
صلى وراء متنجس وهو يعلم أن عليه نجاسة؟
طالب: من الذي يعلم الإمام ولَّا المأموم؟
الشيخ: المأموم يعلم أن على الإمام نجاسة وصلى خلفه.
الطالب: على المذهب تبطل صلاتهما.
الشيخ: نعم، المذهب تبطل صلاتهما. والقول الثاني؟
الطالب: القول الثاني: إذا انتهت الصلاة.
الشيخ: لا، إحنا قلنا: طبعًا سلم وانتهى، لكن الإمام جاهل، ما علم بالنجاسة إلا بعد أن صلى وأخبره المأموم.
طالب: الصلاة صحيحة.
الشيخ: القول الثاني: الصلاة صحيحة؛ لأن الإمام معذور بجهله، والمأموم يعتقد أن الإمام في هذه الحال صلاته صحيحة؛ يعني: معذور بالجهل، فقد ائتم بشخص صلاته صحيحة.
ما تقول في المذهب في هذه المسألة؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
طالب: () مسألة يا شيخ؟
الشيخ: المسألة: إذا صلى الإمام وعليه نجاسة لا يعلم بها وعلم بها المأموم.
الطالب: وعلم بها المأموم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: شيخ، لا بد على المأموم أن ينبه الإمام.
الشيخ: ما نبه.
الطالب: ما نبه، صلاة الإمام صحيحة وصلاة المأموم باطلة.
الشيخ: على المذهب أريد؟
الطالب: على المذهب: صلاة كليهما باطلة.
الشيخ: إي نعم، صح.
[ ١ / ١٩٧٥ ]
القول الثاني أن -كما قال الأخ- صلاتهما صحيحة؛ لأن الإمام جاهل، والمأموم اقتدى بإمامٍ صلاته.
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة عند المأموم.
رجل منفرد صلَّى وعلى ثوبه نجاسة لم يعلم بها إلا حين فرغ من الصلاة؟
طالب: صلاته صحيحة.
الشيخ: قولًا واحدًا؟
الطالب: على المذهب: تبطل صلاته، صلاته غير صحيحة.
الشيخ: صلاته غير صحيحة؟
الطالب: غير صحيحة على المذهب، نعم، على ثوبه نجاسة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: على ثوبه نجاسة صلاته صحيحة.
الشيخ: على المذهب؟
طالب: على المذهب صلاته غير صحيحة، القول الثاني: صحيحة لحديث جبريل.
الشيخ: طيب، على المذهب صلاته غير صحيحة؛ لأنه صلى مصطحبًا للنجاسة، ومن شروط الصلاة ألَّا يكون مصطحبًا للنجاسة، والقول الثاني: أن صلاته صحيحة. الدليل؟
طالب: الدليل حديث جبريل أن الرسول ﵊ صلى بحذائه، وصلى الصحابة أيضًا بحذائهم، والنبي ﷺ في الصلاة خلع نعليه فخلع الصحابة نعالهم، وبعد أن انتهى من الصلاة سألهم لماذا خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعتها فخلعناها، فقال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا نَجَاسَةً فَخَلَعْتُهُمَا».
الشيخ: «قَذَرًا» (١). وجه الدلالة من الحديث؟
الطالب: لأنه كانت بها نجاسة ولم يعلم بها، فحين علم خلعها.
الشيخ: ويش وجه الدلالة من الحديث على أن من صلى بنجاسة جاهلًا بها فصلاته صحيحة؟
الطالب: لأنه لو كانت تبطل صلاته لأعاد الرسول ﵊ صلاته.
الشيخ: لأعادها من جديد، أحسنت، تمام.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف ﵀: (ولا تصح إمامة الأمي) يعني: إلا بمثله، كما سيأتي بآخره.
(الأمي) نسبة إلى الأم.
طالب: أي الجاهل.
الشيخ: انتهينا منها، الجاهل () وحده تكلمنا عليها أولًا؟
طلبة: ().
الشيخ: أيهم؟
طالب: قبل هذا أن المرء () يعلم النجاسة فصلاته صحيحة.
الشيخ: نعم.
الطالب: علم النجاسة وتيقنها.
[ ١ / ١٩٧٦ ]
الشيخ: إي، لكن الإمام في هذه الحال صلاته صحيحة؛ لأنه جاهل بها.
الطالب: لا يعيد مع ..
الشيخ: كمن أكل لحم إبل جاهلًا به والمأموم يعلم، فهنا صلاته صحيحة إذا كان الإمام يرى أنه لا ينقض الوضوء.
طالب: () بقيت حالة ثالثة ما ذكرتها.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: هذا قلت: الحالة ثالثة ثم سكت.
الشيخ: ويش الحالة الثالثة؟
طلبة: مسألة ثانية.
الشيخ: نعم.
طالب: وجاء وقت السؤال وشرعنا في السؤال.
الشيخ: ما هما الحالان اللي ذكرنا؟
الطلبة: الحدث والنجاسة.
الشيخ: الحدث والنجاسة، يمكن ذكرنا أنه يعلم هو والمأموم، أو يعلم المأموم وحده، أو يعلم الإمام وحده، يمكن هذا اللي إحنا .. الأحوال الثلاثة؛ تارة يعلم الإمام وحده دون المأموم، وتارة المأموم دون الإمام، وتارة كلاهما لا يعلم.
الطالب: فيه مسألة -يا شيخ- حدثت أثناء الصلاة، والحدث أثناء الصلاة ما ذكرت.
الشيخ: ما ذكرناه؟ ذكرنا أنه إذا أحدث في أثناء الصلاة فعلى المذهب تبطل صلاته وصلاة المأمومين، والقول الثاني: أنه يستخلف من يتم بهم الصلاة، فينصرف ويقول: يا فلان، أتم بهم الصلاة، وهذا له دليل وتعليل.
أما الدليل فهو أثر عمر ﵁ حينما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بعد أن شرع في صلاة الصبح، طعنه، فأمر عمر عبد الرحمن بن عوف أن يتم بهم الصلاة (٢). هذا أثرٌ بحضرة الصحابة.
وأما النظر؛ فلأن المأمومين لم يرد على صلاتهم ما يبطلها، والإمام ورد على صلاته ما يبطلها وانصرف، أما المأموم فـ ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩]، بأي حجة نبطل صلاته وهو قد شرع فيها على وجه صحيح؟ ولدينا قاعدة مهمة جدًّا؛ وهو أن من فعل الشيء على وجه صحيح بمقتضى الدليل الشرعي فإنه لا يمكن إبطاله -سواء صلاة أو وضوء أو غير ذلك- إلا بدليل.
طالب: شرعي.
[ ١ / ١٩٧٧ ]
الشيخ: شرعي، هذه قاعدة عامة؛ لأننا لو أبطلنا ما قام الدليل على صحته لكان هذا جناية على الإنسان وعلى الشرع، كيف نبطل شيئًا قام الدليل على صحته؟ ! ولهذا المسألة ما هي هينة؛ يعني: كوننا نتساهل بإبطال الشيء نقول: هذا فاسد، هذا باطل، ما أشبه ذلك، ليس بالأمر الهين.
فمثلًا القائلون بأن الإنسان إذا مسح على خفه ثم خلعه بطل وضوؤه، نقول: هذا -سبحان الله- بأي ذنب؟ هاتوا دليلًا من الكتاب والسنة على أنه يبطل الوضوء إذا خلع الخف الممسوح، وعلى العين والرأس، أما أن نسطوا على شيء صححه الشارع وحكم بصحته، ثم نقول: هو فاسد بدون دليل، هذا إعنات على المكلف من وجه، وإبطال لما قام الدليل على صحته من وجه آخر.
ونحن -كما قررنا كثيرًا- في الحقيقة متعبدون مربوبون نمشي في تصحيح عباداتنا وفي إبطالها على ما يقتضيه الشرع، وليس لنا أن نتقدم بين يدي الله ورسوله بأي شيء، فما أطلقه الشارع لا يحل لنا أن نزيده قيدًا، وما عمَّمه لا يصح لنا أن نخصص منه صورة من صور العموم إلا بدليل، وما صححه لا يمكن أن نفسده إلا بدليل، وهلم جرًّا.
فمثلًا نقول: إن الإمام إذا أحدث بطلت صلاته، ولا شك بمقتضى الدليل الشرعي، لكن المأموم لم يرد على صلاته ما يبطلها، وهو حينئذٍ؛ إما أن ينفرد لأجل العذر، وإما أن تتمم الصلاة في جماعة، وينتهي المشكل.
يقول المؤلف: (لا تصح إمامة الأمي) (الأمي) نسبة إلى الأم، وتعرفون أن الإنسان إذا خرج من أمه فهو لا يعلم شيئًا، كما قال الله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فالأمي لا يعرف يقرأ ولا يكتب، لا يعرف شيئًا، إذن الأمي نسبة إلى؟
الطلبة: الأم.
الشيخ: الأم.
[ ١ / ١٩٧٨ ]
فمن هو الأمي؟ الأمي لغة: من لا يقرأ ولا يكتب، هذا الأمي؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ فيقرؤون، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ فيكتبون، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾.
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال في تفسير ذلك: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] فالأمي في اللغة من؟
طالب: من لا يُحسِن القراءة ولا الكتابة.
الشيخ: من لا يُحسِن القراءة ولا الكتابة.
لكن الأمي هنا يقول المؤلف: (من لا يحسن الفاتحة) هذا الأمي، (من لا يحسن الفاتحة) حتى لو قرأ غيرها، لو كان يقرأ كل القرآن إلا الفاتحة فهو أمي، لو كان يقرأ بكل اللغات، يقرأ أي كتاب تجيبه بأي لغة، يقرؤه عليك، لكن لا يحسن الفاتحة فهو؟
طلبة: أمِّي.
الشيخ: أمِّي في الاصطلاح، فالأمي هنا في الاصطلاح: من لا يحسن الفاتحة؛ يعني: ما يقرؤها، لا حفظًا ولا تلاوة، هذا واحد.
الفاتحة، ما هي الفاتحة؟ الفاتحة: هي سورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، سميت فاتحة لأنها افتتحت بها القرآن الكريم، ولها أسامٍ متعددة.
يقول: (أو يُدغم فيها ما لا يُدغَم) (يُدغِم فيها) أي: الفاتحة، (ما لا يُدغَم) والإدغام معروف عند العلماء: كبير وصغير؛ فإذا أدغمت حرفًا بمثله فهذا إدغام صغير، إذا أدغمت حرفًا بما يقاربه فهو كبير، إذا أدغمت حرفًا بما لا يقاربه ولا يماثله فهو غلط.
[ ١ / ١٩٧٩ ]
فإذا أدغم فيها ما لا يُدغَم فإنه أُمِّي، مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أدغم الهاء بالراء، هذا إدغام غير صحيح؛ لأن الهاء بعيدة من الراء، كيف يدغم؟ يقول مثلًا: (الحمد للا رب العالمين) ما تبين الهاء، كأن ما طمرها، نقول: هذا أمي، حتى وإن كان لا يستطيع إلا هذا، فهو أمي، وجه ذلك أنه إذا أدغم فيها ما لا يدغم فقد أسقط ذلك الحرف المدغم، أسقطه في النهاية، اللي ذكرت وأيش أسقط؟
الطلبة: الهاء.
الشيخ: الهاء.
أما الإدغام؛ إدغام المتقاربين فمثل إدغام الدال بالجيم، مثل: ﴿قَد جَّاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] هذه فيها قراءة، والقراءة المشهورة هي التحقيق ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾، لكن لو كان يقول: ﴿قَد جَّاءَكُمْ﴾ لا يعتبر أميًّا، لكن ليس في الفاتحة مثل هذا النوع؛ يعني ما فيها ﴿قَد جَّاءَكُمْ﴾ الفاتحة.
يقول: (أو يدغم فيها ما لا يدغم أو يبدل حرفًا) يعني: يبدل حرفًا بحرف، وهو الألثغ؛ مثل أن يبدل الراء باللام؛ يعني: يجعل الراء لامًا، مثل: (الحمد لله لب العالمين) هذا أمي، لأيش؟
طالب: بدل الراء.
الشيخ: لأنه أسقط حرفًا من الفاتحة، لكن لو قال: أنا أسقطت حرفًا وأتيت بحرف؟ نقول: هذا خطأ؛ لأن هذا الحرف لا ينوب منابه، فأنت أمي.
يستثنى من هذه المسألة إبدال الضاد ظاءً فإنه معفو عنه؛ وذلك لخفاء الفرق بينهما، ولا سيما إذا كان عاميًّا، فإن العامي لا يكاد يفرق بين الضاد والظاء، فإذا قال: (غير المغظوب عليهم ولا الظالين) نقول: أبدل الضاد جعلها؟
طلبة: ظاء.
الشيخ: ظاءً، ولكن هذا يعفى عنه؛ لمشقة التحرز منه، وعسر الفرق بينهما، لا سيما من العوام؛ فلهذا استثنى العلماء هذا الحرف، وعللوا ذلك بالمشقة.
إن أبدل الصاد وجعلها سينًا؟
الطلبة: ().
[ ١ / ١٩٨٠ ]
الشيخ: لا، هذا ليس أميًّا؛ لأنها فيها قراءة السبعية، ﴿اهْدِنَا السِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] و﴿الصِّرَاطَ﴾ بالصاد، إذن إذا أبدل حرفًا بحرفٍ فإنه أمي ما لم ترد به القراءة، فصار عندنا الآن: إبدال حرف بحرف لا يماثله فهذا أمي، إبداله بما يقاربه مثل الضاد بالظاء.
طالب: معفو عنه.
الشيخ: معفو عنه.
إبدال الصاد سينًا؛ يعني: جعلها سينًا، هذا جائز، بل ينبغي أن تقرأ به أحيانًا؛ لأنه قراءة سبعية، وكما مرَّ علينا سابقًا أن القراءة السبعية ينبغي للإنسان أن يقرأ بها أحيانًا، لكن بشرط ألَّا يكون أمام العامة؛ لأنك لو قرأت أمام العامة بما لا يعرفوه لأنكروا ذلك، ولهبطت ثقتهم بالقرآن، وهذا أمر خطير، فالعامة لا تقرأ عندهم إلا بما في مصاحفهم؛ لئلا توجب عليهم التشويش.
قال: (أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى) هذا أيضًا من الأميين، (يلحن فيها) أي: في الفاتحة، (لحنًا يحيل المعنى) واللحن: تغيير الحركات، سواء كان تغييرًا صرفيًّا أم نحويًّا، فإن كان يغير المعنى فإن ذلك أمي؛ المغيِّر، وإن كان لا يحيله فليس بأمي، فإذا قال: الحمد لله ربَّ العالمين فاللحن هذا؟
الطلبة: لا يحيل.
الشيخ: لا يحيل المعنى، وعلى هذا فليس بأمي، فيجوز أن يكون إمامًا بمن هو قارئ، وإذا قال: (أهدنا الصِّراط المستقيم).
الطلبة: ().
الشيخ: فهذا يحيل المعنى؛ لأنك إذا قلت: (أهدنا) صار من الإهداء؛ يعني: إعطاء الهدية، وإذا قلت: اهدنا؛ يعني: دُلنا ووفقنا، فهذا بينهما فرق.
ولو قال: إياكِ نعبد؟
طلبة: ().
الشيخ: هذا إحالة، إحالة شديدة، فهذا أمي.
ولو قال: صراط الذين أنعمتُ عليهم؟
طلبة: يحيل.
الشيخ: يحيل أيضًا.
ولو قال: إياك نَعْبَدُ؟
طلبة: لا يحيل.
الشيخ: هذا لا يحيل المعنى. إياك نستعينَ؟
الطلبة: لا يحيل.
الشيخ: لا يحيل.
[ ١ / ١٩٨١ ]
المهم إذا كان يحيل المعنى فهو أمي، وإن كان لا يحيل المعنى فليس بأمي، لكن لا ليس معنى ذلك أنه يجوز أن يقرأ الفاتحة ملحونة، لا يجوز أن يلحن ولو كان لا يحيل المعنى، لكن الكلام على أنه هل هو أُمِّي أو غير أُمِّي؟
يقول المؤلف: (أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى إلا بمثله) إذا وجد إنسان مثل هذا الإنسان أمي ما يعرف الفاتحة، وصلى به فصلاته صحيحة؛ لمساواته له في النقص، كلٌّ منهما الآن؟
طلبة: ناقص.
الشيخ: ناقص، لو أم القارئُ أميًّا؟
طلبة: ().
الشيخ: ما يصح؟
طلبة: ().
الشيخ: يصح؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يعني: صار الأمي هو المأموم، يصح، وإن كان هو الإمام فإنه لا يصح، هذا هو المذهب.
القول الثاني وهو رواية عن أحمد: أنه يصح أن يكون الأميُّ إمامًا، ولكن خلاف أمر النبي ﵊ حين قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (٣).
وعلى كل حال فصحة إمامة الأمي بمن هو قارئ، وإن كانت مروية عن الإمام أحمد، وإن كانت تنبني على القاعدة اللي سبقت أن من صحت صلاته صحت إمامته، لكن ينبغي أن نتجنبها؛ لأن فيها شيئًا من المخالفة لقول الرسول ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ».
يقول المؤلف ﵀: (وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته) (إن قدر) الفاعل من؟
طلبة: الإمام.
الشيخ: الأمي، إن قدر على إصلاحها؛ أي: إصلاح اللحن الذي يحيل المعنى ولم يصلحه فإن صلاته لا تصح، وإن لم يقدر؟
طلبة: صلاته صحيحة.
[ ١ / ١٩٨٢ ]
الشيخ: فصلاته صحيحة، دون إمامته إلا بمثله، لكن الصحيح أنها تصح إمامته في هذا الحال؛ يعني: يوجد بعض البادية ما يستطيع أن ينطق بالفاتحة على وجهٍ صحيح، ربما تسمعه يقول: أهدنا، ثم تقول: هذا غلط، قل: اهدنا، فيقول: أهدنا، تقول: قل اهدنا، فيقول: أهدنا، تكرر عليه ما يقدر، وهذا شيء مشاهد مجرَّب، بعض البادية ما يمكن يقرأ إلا ما كان قد اعتاده، نقول: هذا الإنسان عاجز عن إصلاح اللحن فصلاته صحيحة، وأما من كان قادرًا فصلاته غير صحيحة -كما قال المؤلف- إذا كان يحيل المعنى.
ثم قال: (وتكره إمامة اللحان) اللحان: كثير اللحن، والمراد في غير الفاتحة، فإن كان في الفاتحة وأحال المعنى صار؟
الطلبة: ().
الشيخ: أميًّا لا تصح صلاته على المذهب، لكن إذا كان كثير اللحن في غير الفاتحة فإمامته صحيحة، لكن تكره. ما الدليل؟
الدليل قول النبي ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، وهذا خبر بمعنى الأمر، فإذا كان خبرًا بمعنى الأمر فإنه إذا أمَّهم من ليس أقرأهم فقد خالفوا أمر النبي ﷺ، وهذه ولاية، وقد ذكر الإمام أحمد ﵀ حديثًا لكنه لم يذكر سنده: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ» (٤)؛ لأنهم انحطوا فيحط الله قدرهم.
(وتكره إمامة اللحان والفأفاء والتَّمتَام) الفأفاء هو: الذي يكرِّر الفاء؛ يعني: إذا نطق بالفاء يكررها، مثل إذا جاءت الفاء في جواب الشرط أو عاطفة صار يكررها، لا ينطق بها إلا بالتكرار. (التمتام) يكرر؟
طلبة: التاء.
الشيخ: التاء، طيب فيه من الناس من يكرِّر الواو؟
طلبة: وأواء.
الشيخ: وأواء، إي نعم، مقتضى هذا الذي قال المؤلف أن نقول: الوأواء.
على كل حال الذي يكرر الحروف تكره إمامته من أجل زيادة الحرف، ولكن لو أمَّ الناس فإمامته صحيحة.
[ ١ / ١٩٨٣ ]
قال: (ومن لا يفصح ببعض الحروف) يعني: أنه يخفيها بعض الشيء، وليس المراد أنه يسقطها؛ لأنه إذا أسقطها فإن صلاته لا تصح؛ لنقصان الفاتحة؛ يعني: إذا كان في الفاتحة فإنها لا تصح لنقصانها، أما إذا كان يذكرها لكن بدون إفصاح فإن إمامته مكروهة.
ولم يذكر المؤلف كراهة إمامة من لا يقرأ بالتجويد؛ لأنه لا يكره، لا تكره القراءة بغير تجويد، التجويد من باب تحسين الصوت بالقرآن وليس بواجب، إن قرأ به الإنسان لتحسين صوته فهذا طيب، وإن لم يقرأ به فلا حرج عليه، ولم يفته شيء مما يأثم بتركه، بل إن شيخ الإسلام ﵀ ذم أولئك القوم الذين يعتنون باللفظ وربما يكررون الكلمة مرتين أو ثلاثة من أجل أن ينطقوا بها على قواعد التجويد، ويغفلون عن المعنى وعن تدبر القرآن، ذكره بعض الإخوة الذين ألفوا في هذا الباب؛ لأني قرأت كم رسالة في هذا الباب؛ في عدم وجوب قراءة القرآن بالتجويد؛ ولهذا الفقهاء لم يذكروا أنه تكره إمامة من لا يقرأ بالتجويد.
قال: (وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن) يكره أن يؤم أجنبية فأكثر، (أجنبية) يعني: ليست من محارمه، هذه الأجنبية؛ لأن الأجنبي في كل موضع بحسبه، فالأجنبية المرأة التي ليست من محارم الإنسان، يكره (أن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن)، في كلام المؤلف يحتاج إلى تأمل، قوله: (أجنبية فأكثر) أما إذا كانت أجنبية فإن الاقتصار على الكراهة فيه نظر ظاهر إذا استلزم الخلوة؛ ولهذا استدل بالشرح قال: لأن النبي ﷺ نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية (٥)، ولكننا نقول: إذا خلا بها فإنه يحرم عليه أن يؤمها؛ أن يكون إمامًا لها ويصلي بها؛ لأن ما أفضى إلى المحرم فهو؟
طلبة: محرم.
الشيخ: محرم.
[ ١ / ١٩٨٤ ]
أما قوله: (فأكثر) يعني: أن يؤم امرأتين فأكثر، فهذا أيضًا فيه نظر من جهة الكراهة؛ وذلك لأنه إذا كانت مع المرأة مثلها انتفت الخلوة، فإذا كان الإنسان أمينًا فلا حرج أن يؤمهما، وهذا يقع أحيانًا في بعض المساجد التي تكون الجماعة فيها قليلة، ولا سيما في قيام الليل في رمضان؛ يأتي الإنسان إلى المسجد ولا يجد فيه رجالًا، لكن يجد فيه امرأتين أو ثلاثًا في خلف المسجد، فعلى كلام المؤلف يكره أن يبتدئ الصلاة بهاتين المرأتين أو الثلاثة أو الأربعة، ولكن الصحيح أن ذلك لا يكره، وأنه إذا أمَّ امرأتين فأكثر فالخلوة قد زالت، ولا يكره ذلك إلا إذا خاف الفتنة، إذا خاف الفتنة فإنه حرام؛ لأن ما كان ذريعة للحرام فهو حرام.
كلام المؤلف الآن له صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون المرأة واحدة فهنا نقول؟
طلبة: يحرم.
الشيخ: يحرم مع الخلوة، ومع عدم الخلوة لا يحرم، لكنه لا ينبغي مع عدم الخلوة؛ يعني: لو كان في البيت نساء أو حوله رجال مثلًا وصلى بها وحده، فهنا ليس هناك خلوة، لكن مع ذلك يُخشى من الفتنة؛ لأنه يكون الجماعة توجب الألفة والمحبة والعلاقة، إذا كان امرأتان فأكثر قلنا: لا يحرم، لكن إن خاف فتنة فإنه يحرم من هذه الناحية، أما من حيث الإمامة فليس في ذلك شيء.
طالب: تصح الصلاة؟
الشيخ: هذا هو، هذا الصحيح؛ يعني: يجب التفصيل في هذا.
طالب: تصح الصلاة؟
الشيخ: الصلاة صحيحة، نعم.
قال: (وأن يؤم قومًا أكثرهم يكرهه بحق) وجه ذلك استدل المؤلف ﵀ بدليل -لكن فيه نظر- وهو: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ؛ الْعَبْدُ الْآبِقُ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» (٦).
[ ١ / ١٩٨٥ ]
«ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ» يعني: لا ترفع، «الْعَبْدُ الْآبِقُ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ». هذا الحديث ضعيف، ولو صح لكان فيه دليل على بطلان الصلاة، لكنه ضعيف، ومن ثم قال الفقهاء بالكراهة، وقد ذكر ابن مفلح ﵀ في النكت على المحرر بأن الحديث إذا كان ضعيفًا وكان نهيًا فإنه يُحمل على الكراهة، لكن بشرط ألَّا يكون الضعف شديدًا، وإذا كان أمرًا فإنه يحمل على الاستحباب.
والحديث هذا ضعيف؛ ولذلك قالوا: إنه يكره، لكن ما وجهه؟ يقولون: إن العبد الآبق قد غصب وقته؛ لأن المفروض أن يكون وقته لمن؟
طلبة: لسيده.
الشيخ: لسيده، وهو قد أبق منه، كذا؟
ماذا قلنا في التعليل؟ إي نعم.
طالب: إن العبد الآبق ().
الشيخ: وأيش ما قلنا في التعليل؟
الطالب: ().
الشيخ: طيب، على كل حال يقولون: إن وقته مغصوب، فهو كالمصلي في مكان مغصوب، لا تصح؛ ولهذا قال الفقهاء -شوف دقة الفقهاء ﵏- قالوا: لا يصح نفله، وفرضه يصح، لأيش؟ قال: لأن الفرض مستثنى شرعًا، حتى لو كان سيده عنده يقول: لا تصلِّ، يقول: أنا بصلي غصبًا عليك.
النفل لو قال: لا تصلِّ؟
طلبة: لا يصلي.
الشيخ: ما يصلي، يمنعه؛ فلهذا قالوا: نفل الآبق فاسد، وفرضه؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، نعم.
طالب: ()؟
الشيخ: نرد على ذلك أن الرسول ما سمعنا قراءته حتى يكون بهذا، وأنه نعرف الآن أن القراء مع طول الزمن أدخلوا على القراءة الشيء؛ ولذلك كانت قراءة النبي ﵊ على خلاف قواعدهم؛ كان الرسول يمد (الله) ويمد (الرحمن) ويمد (الرحيم) (٧)، وهي على قواعدهم غير ممدودة؛ فلذلك نرى أن هذه الأمور دخلت تحسينًا من باب تحسين القراءة حتى وصلت إلى هذا الحال.
طالب: يا شيخ، ابن مسعود.
الشيخ: إي نعم، حتى حديث ابن مسعود (٨).
الطالب: () للفقراء.
[ ١ / ١٩٨٦ ]
الشيخ: معلوم؛ لأنه لو لم يمدها لقال: (للفقرا) بس؛ معناها أسقط همزة.
طالب: يجب الإدغام فيما () عن النبي ﷺ.
الشيخ: نعم؟
الطالب: قراءة النبي ﷺ نقلت جيدًا ().
الشيخ: إي نعم، لكن ما نستطيع أن نجزم بأنها نقلت على هذا الوجه الموجود الآن، أما مسألة مد (الفقراء) معلوم؛ لأنك لو قلت: (إنما الصدقات للفقرا)، أسقطت حرفًا، واضح، لا بد من المد.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لإمامة الأمي الذين قالوا: إنها تصح استدلوا بقوله ﷺ: «إِنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَسَاؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» (٩)، ما صحة الاستدلال ذا؟
الشيخ: لا، هذا يستدل به على صحة إمامة الفاسق.
الطالب: والأمي ما يستدل به؟
الشيخ: واللهِ فيها نظر؛ لأن الغالب من الأئمة ما يكونون أميين.
طالب: كلام -يا شيخ- ابن مفلح في الحديث الضعيف معتبر؟
الشيخ: واللهِ فيه شيء من النظر، إذا كان الضعف ليس شديدًا فهو متوجه؛ لأن التأثيم بتركه صعب إذا كان أمرًا، وبفعله إذا كان نهيًا صعب، لكن كون أن الإنسان يكون عنده شبهة، يكون هذا من باب: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١٠).
الطالب: فأمَّ رجل () فانتقض وضوء المأموم خرج من الصلاة، () يستمر في صلاته أم يجوز ()؟
الشيخ: إي نعم، يستمر.
طالب: إذا كان المأموم رأى نجاسة في ثوب الإمام والإمام لا يعلم بنجاستها، الأفضل -يا شيخ- أنه يجب عليه إنكار المنكر هذا يخبره؟
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟
الطلبة: ().
الشيخ: هو لا ينكر المنكر إلا بمنكر، في هذه الحال لن ينكر المنكر إلا بمنكر، ما هو المنكر؟
الطلبة: قطع الصلاة.
[ ١ / ١٩٨٧ ]
الشيخ: قطع صلاته، ففي هذا الحال كنت في الدرس الماضي قلنا: ينفرد ويكمل لنفسه، وإذا سلَّم يخبر الإمام، لكن فيه شيء عندي، والأقرب ما قررته الآن أنه يستمر في صلاته؛ لأن الإمام في هذا الحال صلاته صحيحة على القول الراجح.
طالب: ما ينبشه -يا شيخ- بعصا ولا بشيء؟
الشيخ: أيش عصا و..، ما إن يضربه!
الطالب: لا، هذه يرفع ثوبه بكذا ..
الشيخ: مشكلة، وانكشفت عورته أحد.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما، ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه، لا مفترض بمتنفل، ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن إمامة الأمي لا تصح، ماذا تقول؟
طالب: الأمي؟
الشيخ: إي نعم، من هو الأمي؟
الطالب: الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب.
الشيخ: لا، هذا الأمي لغة، لكن الأمي في اصطلاح الفقهاء؟
الطالب: هو الذي لا يعرف ().
الشيخ: لا، وأما تراجع يا أخي؟
طالب: من لا يحسن قراءة الفاتحة.
الشيخ: من لا يحسن الفاتحة.
هل عدم صحة إمامته مطلقًا أو استثني من ذلك شيء؟
طالب: مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا؟
الطالب: يستثنى.
الشيخ: ما الذي يستثنى؟ إذن علمت أنه يستثنى بسبب أن الجماعة رفعوا أيديهم، ما يصح.
طالب: استثنى المؤلف إمامة اللحان بمثله فإنها تصح.
الشيخ: اللحان؟ ! نتكلم عن الأمي.
الطالب: إي نعم، تصح إمامة الأمي بمثله، إمامة الأمي إذا كان المأموم بمثله.
الشيخ: تصح إمامته بمثله؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني: واحد ما يقرأ يصح بأن يكون إمامًا بمن لا يقرأ، طيب، وهل تصح بمن يحسن القراءة؟
طالب: لا تصح يا شيخ.
الشيخ: على كلام المؤلف لا تصح؛ لأنها لا تصح إلا بمثله، هل هناك قول آخر؟
الطالب: قول: إنها تصح.
[ ١ / ١٩٨٨ ]
الشيخ: قول: إنها تصح، نعم؛ لأنه عاجز، والعاجز عن الشيء كفاعله.
يقول المؤلف: إنه تكره إمامة اللحان، من هو اللحان؛ يعني الملحِّن على العود ولَّا أيش؟
طالب: كثير اللحن الذي لا يحيل المعنى.
الشيخ: كثير اللحن الذي لا يحيل المعنى، تمام، فهي إذن صيغة مبالغة.
يقول المؤلف: إن الفأفاء تكره إمامته، فمن هو الفأفاء؟
طالب: الذي يكرر الفاء.
الشيخ: الذي يكرر الفاء، ولكن تصح إمامته أو لا؟
الطالب: يكره.
الشيخ: لكن تصح أو لا؟
الطالب: تصح.
الشيخ: يعني: يصح أن يكون إمامًا، لكنه يكره. من هو التمتام؟
طالب: هو الذي لا يستطيع أن ينطق التاء.
الشيخ: طيب، هل إمامته صحيحة أو لا؟
طالب: صحيحة.
الشيخ: ولكنها؟
الطالب: مكروهة.
الشيخ: مكروهة، طيب.
رجل يبدل حرفًا بحرف هل تصح إمامته أو لا؟
طالب: نعم، تصح.
الشيخ: يبدل حرفًا بحرف؟
الطالب: طبعًا على رأي المؤلف لا تصح.
الشيخ: لا تصح؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يستثنى شيء؟
الطالب: يبدل حرفًا بحرف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: إلا بمثله.
الشيخ: إي، ما يخالف، إلا بمثله، لكن إذا كان ..
الطالب: إذا كان قادرًا على إصلاح الخلل أو الحرف هذا ..
الشيخ: لا، أنا قصدي ما يستثنى بعض الحروف، ما هو بعض ال ..
الطالب: نعم، هناك حرفان للمشقة، هما الضاد؛ يعني: ينطق بدل الضاد ينطقها ظاءً.
الشيخ: إذا أبدل الضاد بالظاء.
الطالب: وكذلك السين بالصاد.
الشيخ: طيب، الضاد بالظاء مثل إذا قال: غير المغظوب عليهم ولا الظالين، فإن ذلك يصح؛ لعسر الفرق بينهما، ولا سيما على العامة.
يقول المؤلف: إنه يكره (أن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن).
طالب: على قول المؤلف تصح الصلاة، ولكن النظر الصحيح إذا كانا منفردين فلا تصح؛ لأن النبي ﷺ ..
الشيخ: لا، إذا كانا منفردين رجل وامرأة؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: فهو حرام؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، حرام أن ينفرد بها.
الطالب: نعم، وإن كان معه نساء فلا وجه للكراهة.
[ ١ / ١٩٨٩ ]
الشيخ: إذا كان ..
الطالب: معه نساء؛ أكثر من واحدة.
الشيخ: فلا وجه للكراهة، بشرط أن يكون الإمام؟
الطالب: يأمن الفتنة.
الشيخ: أمينًا، طيب.
إذن مع الواحدة نقول: حرام، ومع اثنتين فأكثر جائز إذا كان أمينًا، هذا القول هو الراجح، وعلى هذا فإطلاق المؤلف الكراهة فيه نظر.
رجل صار إمامًا لقوم وهم يكرهونه؟
طالب: على قول المؤلف أن صلاته لا تصح.
الشيخ: لا تصح؟
الطالب: نعم.
الشيخ: على قول المؤلف! سوف يحاسبك المؤلف على هذه الكذبة عليه، انتبه، المؤلف ميِّت في قبره، يقيم عليك بينة يوم القيامة.
الطالب: الصلاة ().
الشيخ: ما أدري () كذيبة.
الطالب: على قول المؤلف أنه يكره.
الشيخ: نعم.
الطالب: استدل بحديث «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ»، وذكر منها الإمام الذي يكرهه قومه.
الشيخ: «الَّذِي يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ»، طيب.
الطالب: حمل الحديث هذا على الكراهة.
الشيخ: طيب، لكن هل الإمام يقول: إنه يكره أن يؤم قومًا يكرهونه أو قيَّد ذلك؟
الطالب: لا، يكرهونه بحق.
الشيخ: يكرهونه بحق، هذه لا بد منها، المؤلف قال: إنه يكره أن يؤم قومًا يكرهونه بحق أو أكثرهم، كذا؟
طلبة: ().
الشيخ: الدليل؟
الطالب: الحديث هذا الذي «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمُ؛ الْعَبْدُ الْآبِقُ».
الشيخ: «الْمَرْأَةُ إِذَا بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ».
لو قال لك قائل: هذا الحديث يقتضي أن ذلك حرام؛ لأنه يقتضي عدم صحة الصلاة، ولا تبطل الصلاة إلا بفعل محرم فيها؟
الطالب: نقول: نعم، إن ظاهر الحديث يدل على ذلك، ولكن العلماء لما كان هذا الحديث فيه ضعف جعلوا الحديث للكراهة؛ يعني استعمالًا لقاعدة ابن مفلح أن الحديث إذا كان فيه ضعف لكن ضعفه ليس قويًّا، فإن كان للتحريم فإنه يحمل على الكراهة.
[ ١ / ١٩٩٠ ]
الشيخ: لأن إبطال العبادة بدون دليل بيِّنٍ لا يجوز، فيحمل على الكراهة احتياطًا، إذن معناه ابن مفلح ﵀ سلك سبيل الاحتياط، قال: لاحتمال أن يكون صحيحًا نقول: يكره، ولعدم الثبوت على وجه نقدم به على إبطال الصلاة لا نقول بالتحريم.
بالنسبة للعبد الآبق كيف حاله على ما فصلنا ذاك الدرس؟
طالب: صلاته صحيحة إذا كانت فرضًا، أما إذا كانت نفلًا فإنه موقوف على سيده ..
الشيخ: لا، سيده ما هو بحوله، هو آبق عن سيده.
الطالب: إذا كانت فرضًا تصح، أما النفل فلا تصح.
الشيخ: لِمَ؟ الفرق؟
الطالب: لأن الفرض واجب، يجب عليه هذا.
الشيخ: إي نعم، حتى ولو منعه السيد بخلاف؟
طالب: النفل.
الشيخ: والقول الثاني في المسألة ذكرناه لكم أنها تصح صلاته مطلقًا.
إذا كانوا يكرهونه كراهة شخصية؟
الطالب: هذا ما تكره صلاته.
الشيخ: إذا كانوا يكرهونه كراهة شخصية لا تكره إمامته فيهم.
الطالب: لا تكره.
الشيخ: لا تكره، من أين أخذتها؟
الطالب: لأنه قال المؤلف قيدها فقال: (بِحَقٍّ).
الشيخ: طيب.
الطالب: والحق لا يكون إلا بالشرع.
الشيخ: إي نعم، طيب، لكن حديث: «رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» ما يدل على الكراهة مطلقًا، أظن ذكرنا عليكم هذا.
الطلبة: لا، ما فصلنا فيه.
***
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو قومًا أكثرهم يكرهه بحق) أفادنا المؤلف من هذا أنه لو كان الجميع يكرهه لكانت الكراهة من باب أولى، وأنه لو كان الأقل يكرهه فإن ذلك لا يضر.
[ ١ / ١٩٩١ ]
وأفادنا قوله: (بحق) أنهم لو كرهوه بغير حق؛ مثل أن يكرهوه لأنه يحرص على اتباع السنة في الصلاة؛ يقرأ بهم السور المستحبة المسنونة، ويصلي بهم صلاة تأنٍّ، ولا يحلق لحيته، ولا يطيل ثوبه إطالة محرمة، فإن إمامته فيهم هي صحيحة مطلقًا، حتى الأول فإن إمامته فيهم لا تكره؛ لأنه يقول: (بحق)، وهذا الرجل الذي كرهه جماعته لأنه يؤدي الصلاة على الوجه المشروع من الإطالة المشروعة نقول: هؤلاء كرهوه بأيش؟
الطلبة: بغير حق.
الشيخ: بغير حق، فلا عبرة بكراهتهم، لكن ظاهر الحديث الكراهة مطلقًا؛ أنه ما دام أكثر الجماعة كارهين له فإنه يكره أن يؤمهم؛ وذلك لأن الغرض من صلاة الجماعة هو الائتلاف والاجتماع، وإذا كان هذا هو الغرض فمن المعلوم أنه لا ائتلاف ولا اجتماع إلى شخص مكروه عندهم، ولكن إذا علم .. أنا أقول بناءً على هذا القول الذي نرى أنه أصح: إنه يكره مطلقًا بحق أو بغير حق، ولكن ينبغي له إذا كانوا يكرهونه بغير حق ينبغي له أن يعظهم ويذكرهم ويقول لهم: أنا لم أطل الصلاة بكم إلا على حسب ما جاء في السنة، وأنا لم أدع ثوبي فوق الكعب إلا لما جاءت به السنة (١١)، وهكذا، فالذي ينبغي له أن يتألفهم، وإذا علم الله من نيته صدق نية التأليف بينهم يسر الله له ذلك، أما أن يفرض نفسه عليهم وهم يكرهونه، وإذا سلم وانصرف وإذا وجوههم معبثة عليه، كيف يكون إمامًا لهم؟ هذا بعيد عن مقصود الإمامة.
ثم قال المؤلف ﵀: (وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما) (تصح إمامة ولد الزنا) ولد الزنا ليس له أب؛ لأنه خلق من ماء سفاح لا نكاح، وله أم؟
طالب: نعم
الشيخ: نعم، له أم.
ولد الزنا لا ينسب لأحد؛ لا للزاني، ولا لزوج المرأة إن كانت ذات زوج؛ لأنه ليس له أب شرعي، لكن هل له أب قدري؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، له أب قدري لا شك، ما خلق إلا من ماء الرجل.
[ ١ / ١٩٩٢ ]
ولد الزنا قد يكون سليم العقيدة مستقيم الدين، فيكون كغيره ما دام سليم العقيدة ومستقيم الدين فإنه يثبت له ما يثبت لغيره؛ ولهذا قال المؤلف: (تصح إمامته).
وهل تكره إمامته؟ لا تكره؛ لعموم قول النبي ﷺ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ».
الجندي أيضًا تصح إمامته وهو الشُّرَطي، تصح إمامته حتى ولو كان في لباسه العسكري؛ لأنه رجل من المسلمين، بل قد نقول: إنه قام بعمل مصلحته عامة، فيكون من هذا الوجه أحسن عملًا من الذي يعمل عملًا مصلحته خاصة، فالجندي تصح إمامته، وهل تكره؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا تكره؛ لعموم الحديث: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ».
وإنما نص المؤلف على ولد الزنا والجندي؛ لأن بعض العلماء كره إمامتهما، ولكن لا وجه للكراهة، والجندي إذا كان قد يحصل منه عتو على الناس وغشم وظلم، فإن هذا يحصل لكل ذي سلطان، كل ذي سلطان يمكن أن يحصل منه ظلم وغشم وجور، حتى المدرس في فصله ربما يسلط على بعض الطلبة ويظلمهم، ويرقق لبعض الطلبة ويحابيهم، فكل ذي ولاية فإنه عرضة لأن يقوم بالعدل أو يقوم بالجور، والحاصل أن الصحيح أنه لا تكره إمامتهما وهي صحيحة.
قال: (ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها).
أولًا لا بد أن نعرف ما الفرق بين الأداء والقضاء؛ الأداء: ما فعل في وقته، والقضاء: ما فعل بعد وقته، وهنا شيء ثالث الإعادة: ما أعيد في وقته، هذه ثلاثة أمور توصف بها الصلاة؛ أداء: ما فعل في وقته أولًا، إعادة: ما فعل في وقته ثانيًا، قضاء: ما فعل بعد وقته.
يقول المؤلف: تصح إمامة (من يؤدي الصلاة بمن يقضيها) إمامة من يؤدي، من المؤدي في المثال؟
الطالب: الذي يؤدي الصلاة في وقتها.
الشيخ: المؤدي معناه الأداء فعل الصلاة في وقتها، لكن قوله: (إمامة من يؤدي).
الطالب: يكون الإمام هو الذي يؤدي الصلاة.
الشيخ: يكون الإمام هو الذي يؤدي، والمأموم هو الذي يقضي فتصح.
[ ١ / ١٩٩٣ ]
مثال ذلك: دخل رجل والناس يصلون صلاة الظهر، وذكر أن عليه صلاة الظهر بالأمس فبأيهما يبدأ؛ بالصلاة الحاضرة أو بالفائتة؟
طلبة: الفائتة.
الشيخ: يبدأ بالفائتة، فدخل معهم وهو ينوي عن ظهر أمس وهم يصلون ظهر اليوم، نقول: هذا صحيح؛ لأنه قاضٍ صلى خلف مؤدٍّ، ولا بأس؛ فالصلاة واحدة كلها ظهر، كلها رباعية، لكن اختلف الوقت.
عكس ذلك؛ أن يؤم من يقضي الصلاة من يؤديها؛ يعني: يكون الإمام هو الذي يقضي والمأموم هو الذي يؤدي، مثاله: رجل ذكر أن عليه فائتة الظهر أمس وكان معه صاحب له، فقال لصاحبه: أنا لم أصلِّ الظهر أمس، ولكني سأصليها الآن، وأنت إذا شئت فصلِّ معي ظهرك اليوم، فصلى معه ظهر اليوم، والإمام يصلي ظهر أمس، إذن الإمام يقضي، والمأموم؟
طلبة: يؤدي.
الشيخ: يؤدي، العلة؛ يعني: لماذا صحت المؤداة خلف المقضية وبالعكس؟ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الزمن.
قال: (لا مفترض بمتنفل) يعني: لا يصح ائتمام مفترض بمتنفل؛ يعني: أنه لا يجوز أن يكون الإمام متنفلًا والمأموم مفترضًا، لماذا؟ لأن الفرض أعلى من النفل، ولا يصح أن يكون الأعلى خلف الأدنى.
واستدلوا أيضًا بقول النبي ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (١٢)، وهذا اختلاف عليه؛ لأن المأموم مفترض والإمام متنفل.
مثال ذلك: رجل يصلي السنة ركعتين، فجاء آخر فقال: أنا أريد أن أصلي معك الفجر، قال: لا بأس، فصلى الإمام السنة وصلى المأموم الفجر، نقول: صلاة المأموم؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: غير صحيحة، لأيش؟ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، وهذا اختلاف عليه، ولأن صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام في هذه الصورة، ولا ينبغي أن يصح الأعلى خلف؟
طلبة: الأدنى.
الشيخ: الأدنى، هذا هو ما ذهب إليه المؤلف ﵀، ولكن في المسألة خلاف.
[ ١ / ١٩٩٤ ]
القول الثاني في المسألة: أن الفريضة تصح خلف النافلة، واستدلوا لذلك بأدلة:
أولًا: عموم قول النبي ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، ولم يشترط النبي ﷺ سوى ذلك؛ أن يكون أقرأ، فالعموم يقتضي أنه لو كان الإمام متنفلًا والمأموم مفترضًا فالصلاة صحيحة.
ثانيًا: أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم نفس الصلاة (١٣)، ومعلوم أن الصلاة الأولى هي الفريضة، والثانية هي النافلة، ولم ينكر عليه.
فإن قال قائل: نعارض في الاستدلال بهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ لم يعلم بذلك؟
فالجواب أن نقول: إن كان قد علم فهذا هو المطلوب، والظاهر أنه علم؛ لأن معاذ بن جبل شكي إلى الرسول ﵊ في أنه يطيل، ولا يبعد أن يقال للرسول ﵊: إن هذا الرجل يأتي متأخرًا يصلي عندك ثم يأتي بنا ويطيل بنا، هذا ليس ببعيد.
ثانيًا: إذا فرضنا أن النبي ﷺ لم يعلم فإن الله تعالى قد علم فأقره، ولو كان هذا أمرًا لا يرضاه الله لم يقره على فعله؛ ولهذا استدل الصحابة على جواز العزل الذي كانوا يفعلونه في عهد النبي ﵊ بأنهم كانوا يفعلون ذلك في زمن نزول القرآن (١٤).
ثالثًا: أن النبي ﷺ كان في بعض أنواع صلاة الخوف يصلي بالطائفة الأولى صلاة تامة ويسلم بهم، ثم تأتي الطائفة الثانية فتصلي مع النبي ﷺ (١٥)، وهنا تكون الصلاة الأولى للرسول ﷺ؟
طلبة: فرضًا.
الشيخ: فرضًا، والثانية؟
طلبة: نفلًا.
الشيخ: نفلًا.
[ ١ / ١٩٩٥ ]
رابعًا: أن عمرو بن سلمة الجرمي كان يصلي بقومه وله ست أو سبع سنين (١٦)، استنادًا إلى قول الرسول ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»؛ حيث نظروا في القوم فلم يكن أحد أقرأ منه فقدموه، ومن المعلوم أن الصبي لا فرض عليه، فالصلاة في حقه نافلة، ومع هذا أُقر، والقرآن ينزل، استنادًا إلى عموم الحديث: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ».
وأما الجواب عما استدلوا به من قوله ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، فالجواب: أنهم هم أول من ينقضه، هم أول من ينقض الاستدلال بهذا الحديث؛ لأنهم يجوِّزن أن يصلي الإنسان المؤداة خلف المقضية، وهذا اختلاف، أليس كذلك؟
طلبة: بلى
الشيخ: بلى، ويجوزون أن يصلي المتنفل خلف المفترض، وهذا أيضًا اختلاف، فتبين بهذا أن الحديث لا يراد به اختلاف النية؛ ولهذا جاء التعبير النبوي بقوله: «لَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، ولم يقل: لا تختلفوا عنه، وبين العباراتين فرق؛ فإذا قيل: لا تختلف على فلان، صار المراد بالاختلاف المخالفة، كما يقال: لا تختلفوا على السلطان؛ أي: لا تنابذوه وتخالفوه فيما يؤمكم به.
وقد فسَّر النبي ﵊ عدم المخالفة بقوله: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» إلى آخر الحديث، فصار المراد بقوله: «لَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» أي في؟
الطلبة: ()
الشيخ: في الأفعال والمخالفة؛ ولهذا لم يقل ﷺ: فلا تختلفوا عليه فتنووا غير ما نوى، بل قال: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» إلى آخر الحديث.
وأما قولهم: إن صلاة المأموم إذا كان مفترضًا والإمام متنفلًا أعلى من صلاة الإمام.
[ ١ / ١٩٩٦ ]
فإن الجواب على ذلك أن نقول: من أصَّل هذه القاعدة؟ وقد دلَّ حديث عمرو بن سلمة الجرمي على أنه يصح أن يأتم الأعلى بالأدنى، فإن قومه يصلون الصلاة فريضة، وهو يصليها نفلًا، فهذه القاعدة غير مسلمة؛ ولهذا صححنا -فيما سبق- أن يصلي القادر على الأركان بالعاجز؟
طلبة: عن الأركان.
الشيخ: عن الأركان، كما جاءت به السنة في مسألة القيام؛ أنه يصح أن يصلي المأموم القادر على القيام خلف الإمام العاجز عن القيام.
وحينئذٍ يتبينأن القول الراجح أن صلاة المفترض تصح خلف صلاة المتنفل، وقد نص على ذلك الإمام أحمد ﵀ نفسه؛ نفس الإمام أحمد نص على هذا، فقال: إذا دخل والإمام في صلاة التراويح وصلى معه العشاء فلا بأس بذلك، أن يقوله إمام المذهب، وهذا هو المنصوص عنه، يقول: إذا دخل والإمام يصلي التروايح فليصل معه العشاء. والذي يصلي التراويح؟
طلبة: متنفل.
الشيخ: والذي يصلي العشاء؟
طلبة: مفترض.
الشيخ: مفترض، وهذا نص الإمام؛ فلذلك فالقول الراجح بلا شك هو هذا، وهو منصوص الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي تؤيده الأدلة كما سمعتم ().
صلى محدِثًا ولم يعلم إلا واحد من ألف رجل من المأمومين؟
طالب: لا تصح صلاة الإمام ولا المأمومين على المذهب.
الشيخ: سمعتم الإجابة؟ يقول: لا تصح صلاة الإمام ولا المأمومين.
الطالب: على المذهب.
الشيخ: على المذهب طبعًا، من أين نأخذها من كلام المؤلف؟
الطالب: يقول: من علم هو أو أحد من المأمومين.
الشيخ: فإن جهل، فإن جهل وكاد ما فيها إشكال، لا يتراجع، (إن جهل هو والمأموم حتى انقضت)؟
الطالب: لم تصح.
الشيخ: طيب.
طلبة: صحت.
الشيخ: صحت لمأموم وحده، مفهوم إن علم هو أو أحد المأمومين؟
الطالب: لم تصح.
الشيخ: لم تصح، قُلِ القول الراجح في هذه المسألة: إذا كان الإمام جاهلًا بالحدث وانقضت الصلاة؟
الطالب: القول الصحيح أنها تصح صلاة المأمومين، وأما الإمام فعليه أن يعيد الصلاة.
[ ١ / ١٩٩٧ ]
الشيخ: نعم، وإن كان عالمًا والمأموم جاهل؟
الطالب: تصح صلاة المأموم، وتبطل صلاة الإمام.
الشيخ: على القول الصحيح؟
الطالب: على القول الصحيح.
الشيخ: صلى بنجاسة جاهلًا ثم ذكر بعد الصلاة، على المذهب وعلى القول الراجح؟
الطالب: على المذهب يعيد الصلاة.
الشيخ: نعم.
الطالب: وعلى القول الراجح أنه يعفى عن ذلك ولا يعيد الصلاة.
الشيخ: ولا يعيد الصلاة، صحيح.
ما الفرق بين المحدث والمتنجس؟
الطالب: الفرق بينهما أن المتنجس من باب النجاسة؛ من باب التروك، ترْكُها من باب التروك، والطهارة من باب المطلوبات.
الشيخ: يعني: من باب الأوامر، وذيك من باب النواهي.
طالب: لا يصح، على المذهب.
الشيخ: على المذهب لا يصح، أحسنت. مثاله؟
الطالب: من يصلي العصر ..
الشيخ: خلف من يصلي الفجر.
الطالب: مثلًا رجل يقضي صلاة العصر والإمام يصلي الفجر، مثلًا يقضي خلف الذي يصلي الفجر.
الشيخ: إي نعم، يعني يكون مثلًا نسي صلاة العصر ولم يذكر إلا عند إقامة صلاة الفجر.
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، القول الثاني؟ أنت قلت: على المذهب، فيه قول ثانٍ؟
الطالب: يصح.
الشيخ: القول الثاني: أنه يصح.
الطالب: نعم.
الشيخ: وهذا هو الراجح.
الطالب: نعم.
الشيخ: رجل متنفل صلى خلف مفترض على المذهب؟
طالب: على المذهب لا تصح.
الشيخ: متنفل صلى خلف مفترض؟
الطالب: لا تصح، العكس.
الشيخ: وعلى القول الصحيح؟
الطالب: على القول الصحيح أنها تصح.
الشيخ: وعلى المذهب؟
الطالب: كلاهما.
الشيخ: يعني تصح على القولين.
إذا كان متنفلًا خلف مفترض؛ بالعكس؟
طالب: بالعكس على المذهب لا تصح، وعلى القول الصحيح أنها تصح.
الشيخ: أحسنت، بماذا استدلوا؟
الطالب: استدلوا بفعل معاذ.
الشيخ: لا، هم يقولون: لا تصح.
الطالب: لأنهم قالوا: إن صلاة الإمام في مرتبة أقل من صلاة المأموم.
الشيخ: لكن أنت قلت: استدلوا بفعل معاذ، فعل معاذ عكس كلامهم.
طالب: لا، القول الصحيح استدلوا ..
[ ١ / ١٩٩٨ ]
الشيخ: دعنا من القول الصحيح ما وصلناه، هم بماذا استدلوا؟
الطالب: أن صلاة المأموم أعلى رتبة من صلاة الإمام.
الشيخ: أيوه نعم، ولا ينبغي أن يكون ..
الطالب: ().
الشيخ: طيب، فيه دليل؟ هذا تعليل الذي قلت، لكن ما فيه دليل عندهم؟
طالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»، في آخر الحديث: «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ».
الشيخ: في نفس الحديث: «لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»، من أين أخذوا هذا؟ من أي كلمة من الحديث؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ».
الشيخ: وهذا اختلاف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، القول الثاني؟
طالب: القول الثاني: صحة صلاة المتنفل خلف المفترض.
الشيخ: صحة صلاة المتنفل خلف المفترض؟
الطالب: المفترض خلف المتنفل.
الشيخ: نعم، ما دليلهم؟
الطالب: عدة أدلة؛ الدليل الأول عموم قول النبي ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ».
الشيخ: أحسنت.
الطالب: والدليل الثاني ما ثبت في الصحيح عن معاذ بن جبل أنه كان يصلي مع النبي ﵊ صلاة العشاء فيذهب ويصلي في قومه صلاة العشاء نافلة وهم يصلونها فريضة.
الشيخ: نعم.
طالب: الدليل الثالث حديث عمرو بن سلمة حيث إنه أمَّ قومه وهو ابن ست أو سبع سنين، ونقول حتى لو قالوا: إنه ربما النبي ﷺ لم يعلم نقول ..
الشيخ: لا، اصبر، ما هي هذه. وجه الدلالة؟
الطالب: وجه الدلالة أن هذا () وهو صبي وأمَّ بالغًا، فأدنى أم أعلى؟
الشيخ: والصلاة في حقه نفل. طيب هذه ثلاثة.
طالب: الدليل الرابع: أحد وجوه صلاة الخوف.
الشيخ: نعم.
الطالب: كان النبي يصلي بإحدى الطائفتين، فتكون له فريضة ثم تأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم، فتكون في حقه نافلة وهم في حقهم فريضة.
[ ١ / ١٩٩٩ ]
الشيخ: تمام، كيف نجيب أو بماذا نجيب عن دليلهم؟
طالب: الدليل الأول؟
الشيخ: عن دليل من قال بالمنع، واستدل بالحديث: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»؟
الطالب: نجيب عليه بحديث معاذ الأول أنه فيه دليل تصح؛ لأن الله ﷾ اطلع على هذا.
الشيخ: لكن نحن قلنا فيما سبق: عند الترجيح لا بد من أمرين؛ الإتيان بأدلتك، والجواب عن أدلة الآخر، إحنا نريد الجواب عن أدلتهم.
الطالب: الجواب عن أدلتهم الأربعة، ولا دليل.
الشيخ: لا.
طالب: نرد عليهم بما استدلوا به من قوله ﵌: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» أن المقصود الأفعال ليست النية.
الشيخ: والدليل؟
الطالب: والدليل ما بعده، هذا مجمل يبينه ما بعده.
الشيخ: وهو؟
الطالب: قوله: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» إلى آخر الحديث.
الشيخ: نعم، ثم قال: «تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» ولم يقل: عنه.
طالب: ().
الشيخ: ويش شو هذا؟
الطالب: هذا الحديث ().
الشيخ: دوروا على حد ثاني. نعم.
طالب: أقول: إن () هذا الحديث، إنكم تجيزون صلاة المفترض بالمتنفل.
الشيخ: تجيزون أن يصلي متنفل خلف مفترض مع الاختلاف.
طالب: مع الاختلاف () في الصلاة () صلاتهم يعني ..
الشيخ: نعم. خلاص.
طالب: الوجه الثاني لتعليلهم، أما التعليل () فهو مخالف للنص، وكل تعليل خالف النص فهو فاسد.
الشيخ: طيب، تعليلهم مخالف لما تقتضيه النصوص، والتعليل المخالف لما تقتضيه النصوص عليل، علة لا يرجى برؤها.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها.
فصل
[ ١ / ٢٠٠٠ ]
يقف المأمومون خلف الإمام، ويصح معه عن يمينه وعن جانبيه، لا قدامَه ولا عن يساره فقط، ولا الفذ خلفه أو خلف الصف، إلا أن يكون امرأة، وإمامة النساء تقف في صفهن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، مرَّ علينا أن الصلاة توصف بالأداء والإعادة والقضاء؛ فالأداء ما فعل في وقته أولًا، والإعادة ما فعل في وقته ثانيًا، والقضاء ما فعل بعد وقته.
(فصل في موقف الإمام والمأمومين) هذا الفصل عقده المؤلف لبيان موقف الإمام والمأمومين؛ يعني: أين يقف الإمام من المأمومين، أيش تقول؟
طالب: ما أخذنا من يصلي العشاء.
طالب آخر: ما أخذنا من يصلي الظهر.
الشيخ: ما أخذنا من يصلي الظهر؟
طلبة: لا، ما أخذناه.
الشيخ: قال: (ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها) عندي: (أو غيرهما) غلط، (أو غيرها) يعني: ولا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر؛ وذلك لاختلاف الصلاتين، وقد قال النبي ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ».
مثال ذلك: رجل قام من النوم مثلًا، فجاء إلى المسجد فوجد الإمام يصلي العصر وهو لم يصلِّ الظهر، فأراد أن يصلي الظهر خلف هذا الإمام الذي يصلي العصر، يقول المؤلف: إن هذا؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لاختلاف الصلاتين؛ لأن هذه ظهر وهذه عصر، وقد قال النبي ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ».
وكذلك العكس؛ لا يصح ائتمام من يصلي العصر بمن يصلي الظهر، مثاله: رجل دخل المسجد وفيه قوم قد جمعوا جمع تأخير، فوجدهم يصلون الظهر وهو قد صلى الظهر من قبل، فدخل معهم بنية العصر، وهم يصلون صلاة الظهر، لا تصح أيضًا؛ وذلك لاختلاف الصلاتين.
[ ١ / ٢٠٠١ ]
ومثل هذا أيضًا من وجد شخصًا يصلي الفجر وهو لم يصلِّ الظهر، فصلى معه بنية الظهر، فإن صلاته لا تصح؛ لاختلاف الصلاتين، هذا هو المذهب.
لا يستثنى من ذلك إلا المسبوق في صلاة الجمعة إذا أدرك أقل من ركعة، فإنه في هذه الحال يدخل مع الإمام بنية الظهر، والإمام يصلي؟
طلبة: الجمعة.
الشيخ: الجمعة، فاختلفت النية هنا؛ الإمام يصلي صلاة الجمعة، وهذا المسبوق يصليها صلاة ظهرٍ، قالوا: هذا لا بأس به، لماذا؟ قالوا: لأن الظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت، فبينهما اتصال.
ولكن القول الثاني في هذه المسألة: أنه يصح أن يأتم من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي العصر بمن يصلي الظهر، ولا بأس بهذا؛ وذلك لعموم ما سبق من الأدلة.
وأما استدلالهم بقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (١٧) فقد بينَّا أن المراد بالاختلاف عليه مخالفته في الأفعال؛ لقوله: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» إلى آخره.
وعلى هذا القول؛ إذا صلى صلاة أكثر من صلاة الإمام فلا إشكال في المسألة، مثل لو صلى العشاء خلف من يصلي المغرب، أيهما أكثر؟
طلبة: العشاء.
الشيخ: العشاء، فهنا نقول: صلِّ مع الإمام، وإذا سلم الإمام فقم وائتِ بأيش؟
طلبة: بركعة.
الشيخ: بركعة، ولا فيه إشكال.
ولكن إذا صلى وراء إمام بصلاة أقل من صلاة الإمام، فهنا قد يحدث إشكال؛ لأن المأموم هنا إن تابع الإمام زاد في صلاته، وإن خالف الإمام خالف إمامه.
[ ١ / ٢٠٠٢ ]
مثاله: صلى المغرب خلف من يصلي العشاء، فهنا إذا قام الإمام إلى رابعة العشاء فالمأموم بين أمرين؛ إما أن يتخلف عن الإمام، وهذه مفسدة، وإما أن يتابع الإمام وهذه أيضًا مفسدة؛ لأنه إن تابع الإمام زاد ركعة، وإن تخلف خالف الإمام، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»، فهل هذه الصورة تدخل في القول الصحيح الراجح أن اختلاف النية بين الصلاتين لا يضر؟
الجواب: نعم، تدخل في القول الراجح، وأنه يجوز أن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، وهذه تقع كثيرًا، فإن أدرك الإمام في الثانية فما بعدها فلا إشكال.
طالب: في الركعة الأولى تصح.
الشيخ: صح؟
طلبة: ().
الشيخ: إن أدرك الإمام في الثانية فما بعدها فلا إشكال؛ لأنه يتابع إمامه، ويسلم مع إمامه إن دخل في الثانية، وإن دخل في الثالثة أتى بعده بركعة، وإن دخل في الرابعة أتى بركعتين؛ يعني: ما فيه إشكال إذا دخل في الثانية فما بعدها، لكن إن دخل في الأولى فإنه يلزم إذا قام الإمام أن يجلس، ولا يمكن أن يقوم، انتبهوا، ولكن إذا جلس هل ينوي الانفراد ويسلم أو ينتظر الإمام؟
نقول: هو مخير، لكننا نستحب له أن ينوي الانفراد، ويسلم إذا كان يمكنه أن يدرك ما بقي من صلاة العشاء مع الإمام من أجل أن يدرك صلاة الجماعة. وعلى هذا فنقول: انوِ المفارقة وسلم، ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء من أجل أن تدرك صلاة الجماعة.
فإن قال قائل: لماذا تجيزون له الانفراد والإمام يجب أن يؤتم به؟ نقول: لأجل العذر الشرعي، والانفراد للعذر الشرعي أو الحسي جائز.
دليل الانفراد للعذر الشرعي في صلاة الخوف؛ الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة، فإذا قام إلى الثانية نوت الانفراد وأتمت الركعة الثانية سلمت وانصرفت، هذا انفراد لعذر شرعي.
[ ١ / ٢٠٠٣ ]
الحسي مثل أن يصيب الإنسان في صلاته ما يبيح له قطعها أو تخفيفها؛ مثل هو يصلي مع الإمام فأصيب بغائط أو بول أو ريح يشق عليه أن يستمر مع إمامه، في هذي الحال نقول له: لك أن تنفرد وتخفف الصلاة وتنصرف، إلا إذا كنت لا تستفيد بانفرادك شيئًا؛ مثل أن يكون الإمام يخفف الصلاة تخفيفًا بقدر الواجب، فحينئذٍ لا تستفيد من الانفراد، إذن لا تنفرد.
لكن لو فرضنا أن الإمام يطبق السنة في التأني، وأنت تقول: إن بقيت مع الإمام تعبت، ولا صلاة وهو يدافع الأخبثين (١٨)، نقول: لك أن تنفرد وتخفف الصلاة، وتسلم وتنصرف. هذا عذر أيش؟
طلبة: حسي.
الشيخ: هذا عذر حسي.
إذا صليت المغرب خلف من يصلي العشاء وجلست نويت الانفراد وجلست، هذا عذر شرعي ولَّا حسي؟
طلبة: شرعي.
الشيخ: شرعي؛ لأنه لا يمكن أن تزيد ركعة متعمدًا، فلا بد من أن تجلس.
فإن قال قائل: ما تقولون في رجل مسافر صلى خلف إمام يصلي أربعًا، هل تبيحون له إذا صلى الركعتين أن ينفرد ويسلم؛ لأن المسافر يقصر الصلاة؟ نقول: لا نبيح له ذلك.
ما الفرق بين هذه المسألة ومسألة من يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء؟ الفرق بينهما ظاهر؛ لأن إتمام الرباعية إتمام صفة ..
(فصلٌ)
يَقِفُ المأمومون خَلْفَ الإمامِ، ويَصِحُّ معه عن يمينِه أو عن جانِبَيْهِ، لا قُدَّامَه ولا عن يَسارِه فقطْ، ولا الْفَذُّ خَلْفَه أو خَلْفَ الصفِّ إلا أن يكونَ امرأةً، وإمامةُ النساءِ تَقِفُ في صَفِّهِنَّ، ويليهِ الرجالُ ثم الصِّبيانُ ثم النساءُ كجنائِزِهم، ومَن لَمْ يَقِفْ معه إلا كافرٌ
إذا صليت المغرب خلف مَن يُصلي العشاء، ونويت الانفراد وجلست، هذا عذر شرعي ولَّا حسي؟
الطلبة: شرعي.
الشيخ: شرعي؛ لأنه لا يمكن أن تزيد ركعة متعمدًا، فلا بد من أن تجلس.
فإن قال قائل: ما تقولون في رجل مسافر صلى خلف إمام يصلي أربعًا؟ هل تبيحون له إذا صلى الركعتين أن ينفرد ويُسلم؛ لأن المسافر يقصر الصلاة؟
نقول: لا نبيح له ذلك.
[ ١ / ٢٠٠٤ ]
ما الفرق بين هذه المسألة ومسألة من يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء؟
الفرق بينهما ظاهر؛ لأن إتمام الرباعية إتمام صفة مشروعة في الحضر، أما إتمام المغرب أربعًا فليست صفة مشروعة إطلاقًا، وعلى هذا فنقول: القصر في مسألة المسافر عورض بوجوب المتابعة وإتمام الصلاة للمسافر ليس بحرام.
يعني من أتم الصلاة بالسفر، ليس كمن صلى المغرب أربعًا، أو صلى الفجر أربعًا؛ فلذلك ظهر الفرق بينهما، فمن صلى مع الإمام المقيم وهو مسافر فعليه أن يتم سواء أدرك الصلاة من أولها أم في أثنائها.
بقي مسألة ذكرها شيخ الإسلام -وفي النفس منها شيء- لو صلى خلف من يصلي على جنازة، فشيخ الإسلام يجيز ذلك، ويتابع الإمام في التكبير، ولكن ما فيه ركوع ولا سجود في صلاة الجنازة، يقول: إذا سلَّم الإمام من صلاة الجنازة فإنه يتم صلاته.
المهم أن له أن يدخل مع من يصلي الجنازة وينوي الائتمام به، ولكن في نفسي من هذا شيء؛ وذلك لأن المصلِّي على الجنازة يصلي صلاة تخالف صلاة المأموم.
طلبة: في الأفعال.
طلبة آخرون: في الصفة.
الشيخ: في الأفعال والصفة، وفي كل شيء؛ فلذلك القلب فيه شيء من هذا القول، أما مسألة المغرب خلف العشاء فليس في النفس من هذا شيء.
الطالب: مسألة الجمعة .. المذهب؟
الشيخ: هذا هو الصحيح، المذهب هو الصحيح؛ لأن المذهب في مسألة الجمعة وافقوا القول الراجح، وهو مما ينقض عليهم قاعدتهم، لكنهم يقولون: لأن الجمعة هي أصل، وبينها وبين الظهر الذي يكون بدلًا عنها بينهما صلة ومناسبة.