تلزم كل ذَكَر حُرٍّ مُكَلَّف مسلم مستوطِن ببناء اسمه واحد ولو تفرق، ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، ولا تجب على مسافر سفر قصر ولا عبد ولا امرأة، ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به، ولم يصح أن يؤم فيها، ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه وانعقدت.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، للجمع في وقت الأولى شروط، ما هي؟
طالب: أولًا: أن ينوي الجمع عند الصلاة الأولى.
ثانيًا: ألَّا يفصل بين الصلاتين بوقت.
الشيخ: بوقت؟
الطالب: نعم، أي لا يفصل بين الصلاة الأولى والثانية المجموعة بوقت.
الشيخ: ويش معنى بوقت؟
الطالب: بوقت كبير.
الشيخ: يعني بفاصل طويل. هذه واحدة.
الطالب: كذلك يشترط أن يوجد العذر عند افتتاحهما وعند سلام الأولى. هذا على قول المؤلف.
الشيخ: في الثانية؟
طالب: في الثانية أن يكون العذر موجودًا عند صلاة الثانية.
الشيخ: كيف عند صلاة الثانية؟ يعني يكون الصلاة الأولى؟
الطالب: إذا أراد أن يصلي الثانية أن يكون العذر موجودًا.
الشيخ: ما هو شروط الجمع في وقت الثانية؟
الطالب: العذر.
[ ١ / ٢٢٦٤ ]
طالب آخر: أن ينوي جمع الثانية قبل خروج وقتها، ألا يدخل عليه الوقت.
الشيخ: في وقت لا يضيق فعلها؟ هذا واحد.
الطالب: الموالاة.
الشيخ: الموالاة، شرط للجميع؛ ولهذا لم يذكرها المؤلف لوضوحها؛ ولأنها شرط مشترك بين الجمع في الأولى والثانية.
طالب: استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.
الشيخ: استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية. ما هو القول الراجح في مسألة وجود العذر عند افتتاح الأولى؟
طالب: القول الراجح أنه لا يشترط.
الشيخ: القول الراجح أنه لا يشترط، وأنه لو طرأ العذر؟
الطالب: بعد الصلاة أو في أثناء الصلاة الأولى فإنه يجوز.
الشيخ: فإنه يجوز الجمع، تمام. هل السفر من أسباب الجمع المبيحة له؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
طالب: الدليل أن الرسول كان يجمع.
الشيخ: كان يجمع إذا سافر. هل الأفضل أن يجمع أو ألَّا يجمع؟
الطالب: الأفضل أنه يجمع.
الشيخ: الأفضل أنه يجمع مطلقًا؟
طالب: إلا أن () عليه بعرفة بمزدلفة، الجمع، وغيره مقبول، لا ().
الشيخ: يعني إذن إن كان جمع عرفة فهو أفضل، وإلا فتركه أولى، صح؟ هذا هو الصحيح.
اشترط المؤلف للجمع في وقت الثانية ألا يضيق وقت الأولى عنها، فما وجه هذا الشرط؟
طالب: لما الإنسان يؤخر الصلاة حتى يضيق الوقت فهذا محرم، () رخصة، والرخص لا تستباح المحرم.
الشيخ: لا تستباح المحرم. ما الذي يترتب على هذا، إذا ضاق الوقت عن فعلها، ثم صلاها، ودخل وقت الثانية، ثم صلاها، ما الذي يترتب على ذلك؟
طالب: هذا إثم يا شيخ، يأثم لهذا التأخير، وتسير بقية الصلاة قضاءً.
الشيخ: بالنسبة للأولى.
طالب: إي نعم، بالنسبة للأولى، وبالنسبة للثانية فهي في وقتها، فلا يحتاج أصلًا إلى الجمع.
الشيخ: صح، صلاة الخوف من باب إضافة؟
طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه.
الشيخ: والخوف من الأعذار؟
الطالب: يعتبر مغيرًا لهيئة الصلاة.
الشيخ: من الأعذار، فيه عذر آخر غير الخوف؟
الطالب: المرض.
الشيخ: والثاني؟
[ ١ / ٢٢٦٥ ]
الطالب: السفر.
الشيخ: السفر، إذن ثلاثة، أنواع الأعذار في صلاة أهل الأعذار ثلاثة. ذكرنا أن صلاة الخوف صحت عن النبي ﷺ بصفات متعددة.
طالب: ست أو سبع صفات، ما ذكرنا منها إلا الصفة الأولى.
الشيخ: وهل هي جائزة؟ كل الصفات جائزة أو لا؟
الطالب: على كلام المؤلف جائزة.
الشيخ: كلها جائزة؟ ويحتمل، اللي ذكرنا احتمالًا؟
الطالب: ويحتمل أن تكون كل صلاة خوف في الوقت المناسب لها؟
الشيخ: أحسنت، في الحال المناسبة لها، ذكرنا أنها -كما قال المؤلف- صفاتها كلها جائزة؛ يعني مشروع العمل بها، ولكن ذكرنا احتمالًا أن هذه الصفات لا تجوز في كل حال، إنما يجوز في كل حال ما يناسبها، كما سنذكر إن شاء الله. لا أدري هل تكلمنا على الآية؟ الصفة الأولى ما وافقت الآية، وشرعنا في شرح الآية، ولنكمل إن شاء الله.
يقول الله ﷿: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].
[ ١ / ٢٢٦٦ ]
إذن يقسمهم القائد إلى قسمين؛ قسم يصلي معه، ويخبرهم بأنه إذا قام إلى الثانية فليقضوا صلاتهم، وينصرفوا إلى مكان الطائفة التي في وجه العدو، ويقول للطائفة الثانية: إذا جئتم فادخلوا معي، فإذا جلست للتشهد فأتموا صلاتكم، وسلِّموا معي، يعني أن القائد لا بد أن يخبرهم ماذا يصنعون، فتقوم طائفة معه، ويصلي بهم الركعة الأولى، فإذا قام إلى الثانية أتموا لأنفسهم؛ يعني قرؤوا الفاتحة وما تيسر، ثم ركعوا وسجدوا وسلَّموا وانصرفوا، تتميز هذه الطائفة عن الثانية بأنها أدركت تكبيرة الإحرام، والثانية لم تدركها، لكن لها ميزة، ثم تأتي الطائفة الثانية التي كانت في وجه العدو وتجد الإمام قائمًا، فتدخل معه وتقرأ الفاتحة وما تيسر وتصلِّي معه الركعة التي بقيت، فإذا جلس للتشهد قامت فأتمت ما عليها، وتجلس للتشهد وتُسلِّم مع الإمام، فتمتاز هذه الطائفة بأنها أدركت التسليم مع الإمام، والأولى أدركت تكبيرة الإحرام.
هذه الطائفة يقول بعض العلماء: إنها أدركت من الصلاة أكثر من الأولى، لأن الله قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فجعلهم في معية النبي ﷺ، أما الأولى ما قال: فليصلوا معك، قال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
يشترط في هذه الصورة، أو في هذه الصفة أن تكون الطائفة التي تبقى في مواجهة العدو قادرة على حفظ الطائفة المصلية؛ بمعنى أننا لا نجعل مع الإمام مثلًا ثمانين في المئة، والطائفة التي تحرس تكون عشرين في المئة، لا، لا بد أن تكون مكافئة لئلا يأتيهم العدو، هذه الصفة خالفت الصلاة المعتادة في أمور:
أولًا: انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، أليس كذلك؟ ولكن هذا لعذر.
[ ١ / ٢٢٦٧ ]
ثانيًا: أن الطائفة الثانية قضت ما فاتها من الصلاة قبل سلام الإمام، أما الصورة الأولى وهي انفراد المأموم عن الإمام، فهذه جائزة في كل عُذْر، كلما طرأ للمأموم عُذر يقتضي أن ينفرد عن إمامه فله أن ينفرد، ونذكر ثلاثة أعذار:
العذر الأول: إذا أطال الإمام الصلاة فللمأموم أن ينفرد، إذا أطال الصلاة إطالة خارجة عن السنة، فللمأموم أن ينفرد، ودليله حديث معاذ بن جبل حينما أمَّ قومه، فأطال بهم القراءة، فانفرد رجل منهم، وصلَّى وحده (٣).
الثانية: إذا كان الإمام يسرع في الصلاة إسراعًا لا يتمكن المأموم معه من الطمأنينة، فإن الواجب أن ينفرد.
الصورة الثالثة: إذا طرأ على المأموم عُذر مثل أن احتبس بوله، أو ريح أشغلته، أو تقيؤ أو ما أشبه ذلك، فله أن ينفرد؛ لتعذر المتابعة حينئذٍ، ومن ذلك أيضًا -على القول الراجح- إذا تعذرت المتابعة شرعًا مثل أن تكون صلاة المأموم أنقص من صلاة الإمام، كرجل يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فإن القول الصحيح جواز ذلك، وإذا قام الإمام إلى الرابعة انفرد المأموم وسلَّم، وإن شاء انتظر، وأما جواز انفراد المأموم بلا عُذر فالقول الصحيح أنه يُبطل الصلاة، وإن كان بعض العلماء أجازه، لكن الصحيح أنه حرام، وأنه يُبطل الصلاة؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٤).
الطائفة الثانية -بالصفة التي ذكرنا- تقضي ما فاتها من الصلاة قبل سلام الإمام، وهذا لا نظير له في صلاة الأمن، بل إن المأموم في صلاة الأمن يقضي ما فاته بعد سلام إمامه، هذه صفة.
[ ١ / ٢٢٦٨ ]
الصفة الثانية من صلاة الخوف: إذا كان العدو في جهة القبلة فإن الإمام يصفّهم صفين، ويبتدئ بهم الصلاة جميعًا ويركع بهم جميعًا، ويرفع بهم جميعًا، ويسجد بالصف الأول فقط، ويبقى الصف الثاني قائمًا يحرس، فإذا قام وقام معه الصف الأول سجد الصف المؤخر، سجدوا، فإذا قاموا تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم صلَّى بهم الركعة الثانية جميعًا، قام بهم جميعًا وركع بهم جميعًا، فإذا سجد سجد معه الصف المقدم الذي كان في الركعة الأولى هو المؤخَّر، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر، فإذا جلس للتشهد سلَّم الإمام بهم جميعًا، وهذه لا يمكن أن تكون إلا إذا كان العدو في جهة القِبلة، وهي صلاة سهلة.
الصفة الأولى: إذا كان العدو في جهة القبلة، فظاهر كلام المؤلف أنها جائزة، ولكن الصحيح أنها لا تجوز؛ وذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة؛ لأنهم إذا كان العدو في جهة القبلة، فلا ضرورة إلى أن ينقسموا إلى قسمين؛ قسم يصلي معه، وقسم وجاه العدو. بقية الصفات مذكورة في الكتب المطوَّلة، نقتصر على هاتين الصفتين.
ولكن إذا قال قائل: لو فُرض أن الصفات الواردة عن النبي ﷺ لا يمكن تطبيقها في الوقت الحاضر؛ لأن الوسائل الحربية اختلفت، والأسلحة كذلك اختلفت؟
فنقول: إذا دعت الضرورة إلى الصلاة في وقت يُخاف فيه من العدو فإنهم يصلون صلاة أقرب ما تكون إلى الصفات الواردة عن النبي ﷺ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فإذا كانت الصفات الواردة عن النبي ﷺ لا تتأتى فإننا نقول: يُصلي على أقرب صفة وردت عن النبي ﷺ.
إذا اشتد الخوف، فهل يجوز أن تُؤخَّر الصلاة عن الوقت؟
[ ١ / ٢٢٦٩ ]
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، ولو اشتد الخوف، بل يُصلُّون هاربين وطالبين إلى القبلة وإلى غيرها، يُومِئون بالركوع والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
ومنهم من قال: بل تجوز إذا اشتد الخوف بحيث لا يمكن أن يتدبر الإنسان ما يقول أو يفعل؛ يعني أنه إذا كان يمكن أن يتدبر ما يقول أو يفعل في الصلاة فليُصلِّ على أي حال، لكن إذا كان لا يمكن؛ السهام والرصاص تأتيه من كل جانب، ولا يمكن يستقر قلبه ولا يدري ما يقول، ففي هذه الحال تجوز، وهذا مبني على تأخير النبي ﷺ الصلاة في غزوة الأحزاب، هل هو منسوخ أو محكم؟
والصحيح أنه محكم إذا دعت الضرورة القصوى إلى ذلك؛ بمعنى أن الناس لا يقر لهم قرار، وهذا في الحقيقة لا ندركه ونحن على هذا الكنب، وإنما يدركه من كان في ميدان المعركة، لا يقر له قرار، ولا يدري ما يقول، ولا يدري هل كبر أو ركع أو سجد، لا يدري، ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن تؤخر الصلاة إلى وقت الصلوات الأخرى، أما إذا كانت صلاة جمع فالمسألة واضحة ما فيها إشكال، لكن إذا كانت غير صلاة جمع، مثل اللي بيؤخر الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى ظلام الليل بحيث يُؤمن العدو بعض الشيء، هذا هو القول الراجح.
[ ١ / ٢٢٧٠ ]
وفي الآية الكريمة دليل على وجوب صلاة الجماعة في الخوف، فإذا كانت صلاة الجماعة واجبة في الخوف ففي حال الأمن أوْلى، مع أن صلاة الجماعة في الخوف تؤدي إلى تغيير هيئة الصلاة، وإلى ارتكاب أمور محظورة في حال الأمن، وهذا مما يؤكد صلاة الجماعة، حتى إن الناس في المطر يجمعون بين الصلاتين من أجل تحصيل الجماعة، وهذا قد يكون دليلًا على ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، وأن من ترك الجماعة لغير عذر فلا صلاة له، لكن حديث ابن عمر (٥) وحديث أبي هريرة (٦) في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ تدل على صحة صلاة الفذ، ولكن شيخ الإسلام ﵀ ماذا يجيب عن حديث ابن عمر وأبي هريرة؟ يقول: هذه في حق المعذور.
ويُسْتَحَبُّ أن يَحْمِلَ معه في صلاتِها من السلاحِ ما يَدفعُ به عن نفسِه ولا يُثْقِلُه كسَيْفٍ ونحوِه.
(باب صلاة الجمعة)
تَلْزَمُ كلَّ ذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسلِمٍ مسْتَوْطِنٍ ببناءٍ اسمُه واحدٌ ولو تَفَرَّقَ ليس بينَه وبينَ المسجِدِ أكثرُ من فَرْسَخٍ، ولا تَجِبُ على مسافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ ولا عَبْدٍ وامرأةٍ، ومَن حَضَرَها منهم أَجْزَأَتْه ولم تَنْعَقِدْ به ولم يَصِحَّ أن يَؤُمَّ فيها، ومَن سَقَطَتْ عنه لعُذْرٍ وَجَبَتْ عليه وانْعَقَدَتْ به، ومَن صَلَّى الظهْرَ مِمَّنْ عليه حُضورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صلاةِ الإمامِ لم تَصِحَّ،
وهذا مما يؤكد صلاة الجماعة، حتى إن الناس في المطر يجمعون بين الصلاتين من أجل تحصيل الجماعة، وهذا قد يكون دليلًا على ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، وأن من ترك الجماعة لغير عذر فلا صلاة له. لكن حديث ابن عمر (١) وحديث أبي هريرة (٢) في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ تدل على صحة صلاة الفذ. ولكن شيخ الإسلام -﵀- ماذا يجيب عن حديث ابن عمر وأبي هريرة؟ يقول: هذه في حق المعذور، التفضيل في حق المعذور.
[ ١ / ٢٢٧١ ]
ولكن يقال له: إن المعذور الذي من عادته أن يصلي مع الجماعة يُكتب له أجر الجماعة، كما ثبت في الصحيح أن من مرِض أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا (٣).
ذكر في الشرح عندي: أنه يُشترط لجواز صلاة الخوف أن يكون القتال مباحًا، والقتال المباح: هو قتال الكفار، أو قتال المدافعة، أما قتال الهجوم على من لا يحل قتاله؛ فإن ذلك لا يجيز صلاة الخوف، بل نقول لمن قاتل على هذا الوجه: يجب عليك أن تكف عن القتال.
فالقتال الذي ليس بمباح لا تباح فيه صلاة الخوف، والقتال المباح يعني أنواع في الحقيقة؛ قتال كفار، وقتال مدافعة، وقتال من تركوا صلاة العيد، أو الأذان والإقامة، شعائر الإسلام الظاهرة، وقتال الطائفة المعتدية فيما إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
المهم أن القتال المباح هو الذي تجوز فيه صلاة الخوف، ولو كان قتالًا للمسلمين، إذا أبيح، قتال المدافعة، وقتال من تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد على القول بأنها فرض كفاية، وقتال الطائفة الباغية فيما إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين.
طالب: حمل السلاح.
الشيخ: إي نعم، تمام، قال المؤلف ﵀: (ويستحب أن يحمل معه في صلاتها) أي: في صلاة الخوف (من السلاح ما يدفع). (ما) اسم موصول، يعني الذي يدفع به عن نفسه، وهي اسم موصول مفعول (يحمل).
(ما يدفع به عن نفسه ولا يُشْغِلُهُ) أو (ولا يُثْقِلُهُ)؟
طلبة: ولا يثقله.
طلبة آخرون: ولا يشغله.
الشيخ: نسخة (ولا يشغله) أو (ولا يثقله كسيفٍ ونحوه) نحو: السيف، السكين، والرمح القصير وما أشبهها، وفي وقتنا نقول: مثل المسدس.
[ ١ / ٢٢٧٢ ]
قال المؤلف: (يستحب أن يحمل) فجعل حكم حمل السلاح في صلاة الخوف مستحبًّا، وهذا ما ذهب إليه كثير من أهل العلم، ولكن الصحيح أن حمل السلاح واجب؛ لأن الله أمر به فقال: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، ولأن ترك حمل السلاح خطر على المسلمين، وما كان خطرًا على المسلمين فالواجب تلافيه والحذر منه، فالصحيح بلا شك أن حمل السلاح واجب، ولهذا ذكر الله في الطائفة الثانية أمر الله الطائفة الثانية أن تحمل السلاح وأن تحذر، فقال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
قال العلماء: وفي هذه الحال لو فرض أن السلاح متلوث بدم نجس فإنه يجوز حمله للضرورة، ولا إعادة عليه، يجوز حمله في هذه الحال للضرورة وليس عليه إعادة، وهو كذلك.
وقول المؤلف: (ما يدفع به عن نفسه) يفيد أنه لا يحمل سلاحًا هجوميًّا، بل سلاحًا دفاعيًّا؛ لأنه مشغول بصلاته عن مهاجمة عدوه، لكنه مأمور أن يتخذ السلاح الدفاعي (ما يدفع به عن نفسه).
وقوله: (ولا يُثقله) أو (ولا يشغله) يفهم منه أنه لا يحمل سلاحًا يثقله ويشغله عن الصلاة؛ لأنه إذا حمل ما يثقله أو يشغله عن الصلاة زال خشوعه، وأهم شيء في الصلاة الخشوع، الخشوع هو لب الصلاة وروحها، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (٤). لماذا؟ لأن ذلك يُذهِب الخشوع، ويذكر عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُهَا أَوْ رُبُعُهَا» (٥) أو ما أشبه ذلك، فالخشوع له أثر عظيم في صحة الصلاة، فاشترط المؤلف الآن في حمل السلاح شرطين: الشرط الأول أيش؟
طلبة: أن يكون دفاعيًّا.
الشيخ: أن يكون دفاعيًّا فقط، والثاني؟
طلبة: ليس هجوميًّا.
[ ١ / ٢٢٧٣ ]
الشيخ: ألا يشغله أو ألا يثقله، نعم، وأما القول بالاستحباب فالصحيح خلافه، وأنه يجب أن يحمل من السلاح ما يدفع به عن نفسه.
***
[باب صلاة الجمعة]
ثم قال المؤلف: (باب صلاة الجمعة) يعني: الصلاة التي تجمع الخلق، وذلك أن المسلمين لهم اجتماعات متعددة، اجتماعات حي واجتماعات بلد واجتماعات أقطار.
اجتماعات الحي: في الصلوات الخمس، في كل حي مسجد يجتمع فيه أهله، اجتماعات بلد: في صلاة الجمعة، يجتمع أهل البلد كلهم في مكان واحد، والثالث اجتماعات عامة، أيش؟ اجتماعات أقطار: وهذا يكون في الحج في مكة، فهذه اجتماعات المسلمين، صغرى وكبرى ومتوسطة، كل هذا من أجل توطيد أواصر المحبة والألفة بين المسلمين، شرع الله ﷾ هذه الاجتماعات.
طالب: العيد؟
الشيخ: العيد مثل الجمعة اجتماع بلد.
يقول: (باب صلاة الجمعة) وليُعلم أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وأنها ما طلعت الشمس على يوم خير منه، وأن الله ﷾ خص به هذه الأمة بعد أن أضل عنه الأمم السابقة، فإن اليهود اختلفوا فيه فضلوا عنه وصار جمعتهم يوم السبت، والنصارى أشد اختلافًا فصار جمعتهم يوم الأحد، فصاروا ولله الحمد تبعًا لنا ونحن متأخرون عنهم زمنًا، لكن هم متأخرون عنا رتبة، فإن هذه الأمة أفضل الأمم عند الله وأكرمها، وله خصائص لهذا اليوم ذكرها ابن القيم -﵀- في زاد المعاد، فمن أحب الرجوع إليها فليفعل؛ لأنه ذكر خصائص مفيدة لا تكاد تراها مجتمعة في غير هذا الكتاب.
قال المؤلف: (تلزم كل ذكر) (تلزم) الضمير يعود على صلاة الجمعة، يعني: تلزم صلاة الجمعة كلَّ ذكر، خرج به؟
طلبة: الأنثى.
الشيخ: الأنثى، فلا تلزمها صلاة الجمعة، وخرج به الخنثى أيضًا؛ فإن صلاة الجمعة لا تلزمه، وذلك لعدم تحقق الشرط فيه؛ إذ إنه لا يدرى أذكر هو أم أنثى، والأصل براءة الذمة حتى يُتيقن شرط شَغلها، وهنا لم يتيقن.
(كل ذكر حر) وضده؟
طلبة: العبد.
[ ١ / ٢٢٧٤ ]
الشيخ: العبد، فمن العبد هنا، هل هو من ليس قَبِيليًّا، كما يقسمه العامة، العامة يقسمون الناس إلى شيخ وعبد، فالشيخ؟
طلبة: القبيلي.
الشيخ: القبيلي، والعبد من ليس قبيليًّا، أم أن العبد هو الأسود، والحر هو الأحمر؟
طالب: ().
الشيخ: لا، المراد بالعبد المملوك ولو كان أحمر، ولو كان قبيليًّا، فهو عبد، فالعبد لا تلزمه الجمعة، لماذا؟ قالوا: لحديث ورد في ذلك أنه ليس على العبد جمعة (٦)، ولأنه مشغول بخدمة سيده، يمكن سيده يرسله في حاجة، يجعله في البيت، المهم أنه مشغول بخدمة سيده، فلا تلزمه الجمعة.
وهذا محل خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يقول: إن العبد تلزمه الجمعة؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. والحديث الوارد في نفيها عنه ضعيف، وتعليل ذلك بأنه مشغول بخدمة سيده أضعف؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن العلماء من فصَّل وقال: إن أذنَ له سيده لزمته؛ لأنه لا عذر له، وإن لم يأذن له لم يأثم، يعني: فلا تلزمه، وهذا قول وسط؛ لأن حال العبد في الحقيقة إذا تصورها الإنسان حال شخص ضعيف مملوك على اسمه، لا يستطيع أن يقول: سأذهب إلى الجمعة رضيت يا سيدي أم كرهت، لا يستطيع هذا، فيكون إلزامه بشيء لا يستطيعه فيه حرج، وقد نفى الله في هذا الدين الإسلامي الحرج عن الأمة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وهذا القول قول وسط بين من يُلزمه الجمعة مطلقًا، ومن لا يلزمه مطلقًا.
(مكلف) المكلف عند العلماء من جمع وصفين: البلوغ والعقل، لما يُذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (٧)، ولكن هل يؤمر بها الصغير؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٢٢٧٥ ]
الشيخ: نعم يؤمر بها ويضرب عليها، يؤمر بها لسبع ويضرب عليها لعشر، لدخولها في عموم قوله ﷺ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (٨).
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إنه ما يأخذ إلا سلاحًا دفاعيًّا وألا يثقله، أقول: أحسن الله إليك، العادة جرت الآن بأن يعني أجهزة الأمن أو الجيوش تجهز الجنود بأسلحة حسب المواقع التي يوضعون فيها، فالجندي ما يملك أن يكون السلاح دفاعيًّا أو هجوميًّا، ثم مسألة يعني ثقل السلاح أيضًا هذا ما يملك الجندي؛ لأن مثل الأسلحة الحديثة اليوم لو توضع في الأتربة فسدت، فهو مضطر إلى حملها لو كان ثقيلًا.
الشيخ: على كل حال إحنا قلنا قاعدة عامة، أن نطبق من صلاة الخوف ما يمكن أن يكون أقرب إلى عهد الرسول ﵊، يعني معناه: أنه إذا كان لا بد أن يحمل سلاحًا ثقيلًا مثلًا، نقول: ينظر أخف ما يكون، فإذا كان لا بد من الثقيل يحمل ثقيلًا.
طالب: كيف حصل ضلال أهل الكتاب عن يوم الجمعة؟
الشيخ: إي لأنهم اختلفوا فيه.
الطالب: كيف حصل؟
الشيخ: ما () ما نعرف، الرسول أخبر أنهم اختلفوا فيه، ثم هدانا الله إياه، يمكن بعضهم قال: لا نجعله يوم السبت لأنه به انتهاء الخلق، يعني لأن الله خلق الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، قالوا: هذا نهاية الخلق أنسب، ما ندري عن سبب الاختلاف.
الطالب: أقول: أنبياؤهم ما أمروهم بهذا اليوم أنهم مخصوصون بهذا اليوم.
الشيخ: الظاهر أن أنبياءهم أمروهم بذلك، لكن اختلفوا كما اختلفوا في غيرها من شعائر إسلامهم.
الطالب: اختلفوا مع أنبيائهم؟
الشيخ: بعد الأنبياء.
طالب: أقول يا شيخ: إذا قلنا بالتفصيل، إذا لم يأذن له سيده فإنه لا يذهب للصلاة، إن كنا اعتبرنا العلة () صحيحه؛ لأنه: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لهذه الصورة اعتبرنا نهي.
[ ١ / ٢٢٧٦ ]
الشيخ: لا؛ لأنا نقول في هذه الصورة: لم يوجبه الله عليه.
الطالب: كيف؟
الشيخ: نقول: لم يوجبه الله عليه، كما قالوا في الحارس، الحارس قالوا: له أن يبقى في حراسته ولا يصلي، استأجرت إنسانًا يحرس نخلك مثلًا، لا تلزمه الجماعة ولا الجمعة.
طالب: بالنسبة لصلاة الخوف إذا كانوا مجموعة في سيارتهم السواق يصلي بهم؛ لأنهم لا يستطيعون () مدافعة ().
الشيخ: إي نعم يصلونها على حسب حالهم.
الطالب: يعني: يصلون جماعة ولَّا؟
الشيخ: يصلون جماعة، ولو بالإيماء، ولو إلى غير القبلة، حسب حالهم أبدًا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، هذه الآية -ولله الحمد- قاعدة من أحسن ما ينبني عليه الأحكام.
طالب: الحر يمكن أن يكون عبدًا يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يمكن أن يكون عبدًا.
طالب: () أنه لا يمكن أن يكون عبدًا، الحر.
الشيخ: لا، ما يقولون هذا أبدًا، لكن هذا يمكن فهمك، إذا كان حرًّا كافرًا، وقاتلناهم وسبيناهم، يمكن يكون رقيقًا ولّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: إي نعم؟
الطالب: الحر مسلم.
الشيخ: لا، المسلم أصله ما يمكن أن يرد عليه رق، المسلم؛ لأن سبب الرق هو الكفر، نعم لو كان هذا الحر المسلم ابنًا لأمة صار رقيقًا؛ لأن الإنسان يتبع أمه في الحرية والرق.
طالب: رضي الله عنك، كلام الرسول ﷺ لعبد الله بن أم مكتوم لما يقول: «أَجِبْ ()» (٩) ترى رأي شيخ الإسلام في ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: أمر الرسول ﷺ () لعبد الله بن أم مكتوم لما يقول: «أَجِبْ ()» هو الآن () شيخ الإسلام () صلاة الجماعة أنها شرط.
الشيخ: لكن ماذا نقول في قول الرسول: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (١).
الطالب: بالنسبة لعبد الله.
الشيخ: ما يخالف، قال: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (١٠)، لكن ما قال: إن صليت وحدك بطلت صلاتك.
[ ١ / ٢٢٧٧ ]
طالب: شيخ الآن () سبب علة لترك الجماعة إذا كانوا مجتمعين يكونوا في طيارة يعلم العدو أنهم الآن مجتمعون في صلاتهم فيطلع الطيارة ويقصف المصلين؟
الشيخ: هنا نجعل الطائفة اللي تحرس بالطيارات، بدل ما () صف القتال يكون في السماء، خلي الطائفة اللي تحرس في الطيارات.
الطالب: ما يكون علة لترك الجماعة يا شيخ؟
الشيخ: ما يخالف إذا كان ما يمكن إقامة الجماعة يكون ()، نحن قلنا لكم: قاعدة أساليب الحرب اختلفت الآن، فيجب الإنسان يكون بأقرب ما يكون لصفات عهد الرسول ﷺ.
طالب: إذا كانوا يصلون صلاتهم أو () الحرب، هل يقطعون صلاتهم؟
الشيخ: ولا أيش؟
الطالب: بدأ القتال، يقطعون صلاتهم.
الشيخ: يعني: هجموا عليهم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، نكمل وإحنا هاجمين.
ما حكم الجمع عند وجود سببه؟
طالب: ().
الشيخ: وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز وليس بسنة. حكمه على رأي المؤلف جائز وليس بسنة، والصحيح؟
الطالب: أنه مستحب عند وجود سببه.
الشيخ: ما هو دليل الجمع عند وجود سببه؟
طالب: عند وجود سببه.
الشيخ: عند وجود سببه.
الطالب: فعل الرسول.
الشيخ: فعل الرسول، ما هو؟ اقرأ علي الحديث.
الطالب: ما أعرف.
الشيخ: هل يمكن واحد يقوم أمام الناس يحدثهم ويقول: يجوز الجمع بحديث لا أعرفه؟ ! لازم تعرف الدليل.
طالب: () «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» (١١).
الشيخ: إي لكن ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل فعل النبي ﷺ من حديث ابن عباس.
الشيخ: حديث ابن عباس.
الطالب: أنه صلى، أنه جمع بين ..
الشيخ: أن النبي ..
الطالب: أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر.
الشيخ: جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب ..
الطالب: والعشاء.
الشيخ: من غير ..
الطالب: من غير خوف ولا مطر
الشيخ: من غير خوف ولا مطر، طيب.
[ ١ / ٢٢٧٨ ]
الطالب: فهذا فعل النبي ﷺ، وأيضًا: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٢).
الشيخ: طيب، ابن عباس سئل عن هذا لماذا صنع ذلك، ماذا قال؟
الطالب: قال: أراد ألا يحرج أمته (١٣).
الشيخ: أراد ألا يحرج أمته، إذن فيؤخذ منه أنه متى كان الحرج في ترك الجمع جاز ..
الطالب: الجمع.
الشيخ: جاز الجمع.
طالب: الجمع الصوري؟
الشيخ: لا، الجمع الصوري ذكرنا فيه أنه لا وجود له، وأن الجمع الصوري يجعل الرخصة حرجًا، من يراقب الشمس حتى إذا لم يبق من وقت الظهر إلا مقدار صلاة الظهر من يراقب؟ ! في ذلك الوقت ما فيه الساعات تضبط بالتحديد.
للجمع في وقت الأولى شروط، ما هي؟
طالب: اشتراط نية الجمع عند إقامتها، أي: عند إقامة الأولى، الشرط الأول: أن ينوي الجمع عند إقامة الأولى.
الشيخ: هذه واحدة.
الطالب: إي نعم، وألَّا يفرق بينهما ..
الشيخ: الموالاة ..
الطالب: الموالاة.
الشيخ: بحيث لا يفرق ..
الطالب: بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف، والثالث: أن يكون عذره موجودًا عند افتتاحهما وسلام الأولى.
الشيخ: وسلام الأولى. هذا ما ذهب إليه المؤلف، قال: (لأن الجمع لا يتحقق إلا بذلك).
هل هناك خلاف في الشرط الأول؟
طالب: الشرط الأول؟
الشيخ: نعم.
الطالب: فيه خلاف، أن نية الجمع ليست بشرط.
الشيخ: أن نية الجمع عند إحرام الأولى ليست بشرط.
الطالب: بل الشرط وجود سبب الجمع عند الجمع.
الشيخ: عند الجمع، وعلى هذا لو لم ينوِ الجمع إلا بعد سلام الأولى؟
الطالب: جاز.
الشيخ: إذا وجد السبب؟
الطالب: جاز.
الشيخ: جاز الجمع، أحسنت، وعلى اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية هو الصحيح.
الشرط الثاني فيه خلاف؟ وهو الموالاة بينهما؟
طالب: الموالاة؟ () فيه خلاف.
الشيخ: فيه خلاف، مع من؟ من المخالف؟ المؤلف يرى أنه لا بد من الموالاة.
الطالب: قول ثان أنه لا يشترط الموالاة.
الشيخ: طيب من قاله؟
الطالب: شيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١ / ٢٢٧٩ ]
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، ما هو سبب الخلاف؟
الطالب: سبب الخلاف؟
الشيخ: نعم بين شيخ الإسلام وبين من يرى أنه لا بد من الموالاة؟
الطالب: الذين يرون أنه لا بد من الموالاة يقولون: إنه إذا فرق بينهما وجد فاصل.
الشيخ: إي ما هو هذا، هذا علة بالحكم، تعليل بالحكم ما ينفع.
طالب: الذين قالوا بشرط الموالاة فقالوا: إن الجمع هو ضم الصلاة إلى الأخرى.
الشيخ: ضم الصلاة إلى الأخرى، وهذا لا يتحقق مع وجود ..
الطالب: مع وجود الفاصل.
الشيخ: طيب، والذين قالوا بالجواز؟
الطالب: قالوا: إنه ضم الوقت إلى وقت الأخرى، بحيث يكون الوقت وقتًا واحدًا.
الشيخ: ضم الصلاتين بعضهما إلى بعضهما في الوقت، بحيث يكون الوقتان وقتًا واحدًا.
إذا جمع في وقت الثانية أيش يشترط، كم شرطًا؟
طالب: شرطان.
الشيخ: شرطان؟
الطالب: إي نعم، الشرط الأول: أن ينوي الجمع في وقت الأولى.
الشيخ: أن ينوي الجمع في وقت الأولى بشرط ألَّا؟
الطالب: إن لم يضق عن وقتها.
الشيخ: إن لم يضق عن وقتها.
الطالب: وأن يستمر العذر إلى دخول وقت الثانية، صح؟
الشيخ: إلى دخول وقت الثانية. صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: طيب، لماذا قيد المؤلف الحكم بقوله: (إن لم يضق عن فعلها).
الطالب: إنما جاء للجمع رخصة، وتأخير الصلاة يعني حتى يضيق وقتها محرم لا يجوز، والرخص لا تستباح بالمعاصي.
الشيخ: أحسنت، واضح يا جماعة؟ يقول: لأنه إذا أخر الصلاة الأولى حتى يضيق الوقت فهذا محرم، والجمع رخصة، ولا تستباح الرخص بالمحرم.
طيب ما الفائدة، هو الآن يبغي يصلي وسيخرج الوقت قبل انتهاء الصلاة، ما الفائدة إذا صلى بعدها الثانية؟
الطالب: أنه يؤدي الصلاة الأولى قضاءً.
الشيخ: أنه إذا قلنا بعدم الجمع صار آثمًا وصارت الصلاة.
الطالب: بعضها مؤدى وبعضها مرفوض.
الشيخ: إذا لم يدرك منها تكبيرة الإحرام صارت قضاء، طيب، وعلى القول بأنه يمكن الجمع في هذه الحال؟
الطالب: فإنه لا يأثم.
الشيخ: لا يأثم ولا تكون قضاء.
[ ١ / ٢٢٨٠ ]
ما تقول في رجل نوى الجمع لمرضٍ -جمعَ التأخير- ثم شفاه الله قبل دخول وقت الثانية؟ ما جمع إلى الآن؟
طالب: يصلي.
الشيخ: يجب أن يصلي الصلاة في وقتها، الأولى؛ لأن سبب الجمع قد زال.
ما تقول في رجل نوى التأخير، جمع التأخير وهو مسافر، فقدم بلده قبل خروج وقت الأولى، هل يجوز الجمع؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن سبب الجمع ..
الشيخ: لأن سبب الجمع وهو السفر قد؟
طلبة: قد زال.
الشيخ: قد زال، إذن يجب عليه أن يصلي الصلاة في وقتها، الصلاة الأولى، جوابك ما هو؟
الطالب: ().
الشيخ: لكنك لست متكئًا على ركن شديد.
طالب: متكئ إن شاء الله.
الشيخ: متأكد؟
الطالب: إن شاء الله.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ يجب عليه أن يصلي، ترى أخر لأنه مسافر، وقدم بلده قبل خروج وقت الصلاة الأولى.
طلبة: لا، يصليها في وقتها.
الشيخ: يجب أن يصليها في وقتها؟
طلبة: يجب.
الشيخ: ليش؟
طلبة: زال العذر.
الشيخ: لأن العذر زال. طيب، لو تجدد عذر مثلًا، هل له أن يؤخره؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وصل إلى بلده لكن تجدد عذر، مثلًا مرض، يجوز الجمع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز الجمع لكن بالسبب الجديد لا بالسبب الأول.
هل صلاة الخوف مشروعة؟
طالب: مشروعة إذا تحقق سببها.
الشيخ: إذا وجد سببها، ثبتت بالقرآن أو بالسنة؟
الطالب: ثبتت بالقرآن وبالسنة.
الشيخ: بالقرآن والسنة؟ اذكر الآيات اللي ثبتت بها؟
الطالب: أما ما ثبت بالقرآن فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
الشيخ: طيب خلاص، هذه من القرآن، من السنة؟
طالب: وأما من السنة فقد جاء عند مسلم من حديث جابر، حديث طويل.
[ ١ / ٢٢٨١ ]
الشيخ: نعم، أن الرسول ﷺ صَفَّ صَفَّيْنِ (١٤) إلى آخره.
الطالب: والثاني ثبت في الصحيحين من حديث صالح بن خوات (١٥).
الشيخ: نعم تمام، إذن ثبتت بالقرآن والسنة، كم وجهًا ثبتت عليه في السنة؟
طلبة: ستة أوجه.
الشيخ: أو سبعة؟
الطالب: أو سبعة، حديث جابر اللي ذكره.
الشيخ: طيب هذه الوجوه الستة أو السبعة هل يجوز أن يصلى بها، أو لا بد أن يصلي بواحد منها؟
الطالب: لا يصلي بواحد منها.
الشيخ: لازم بواحد منها.
طالب: على حسب ما تقتضي الحال.
الشيخ: يعني: كلها جائزة، ولكن ينبغي أن يكون على حسب ما تقتضيه الحال، كذا؟
الطالب: هذا قصدي أنا قصد، يعني لا يصلي ..
الشيخ: الآن لا أعرف النية، إحنا نقضي بنحو ما نسمع، إذن نقول: صحت بصفات كلها جائزة كما قال الإمام أحمد، لكن ينبغي أن تتنزل هذه الصفات على ما تقتضيه الحال.
ما حكم حمل السلاح أثناء صلاة الخوف؟
طالب: على المذهب: مستحب، والصحيح أنه واجب لقول الله تعالى ..
الشيخ: المؤلف اشترط للاستحباب شرطين؟
الطالب: أن يكون السلاح خفيفًا، أول شيء أن يكون للدفاع، وألَّا ().
الشيخ: نعم أن يكون للدفاع ما يدفع به عن نفسه، وألا يثقله. يرى المؤلف أنه مستحب.
طيب فيه قول آخر؟
طالب: القول الثاني: أنه واجب.
الشيخ: أنه واجب، ما هو الدليل على الاستحباب والوجوب؟
الطالب: أما الوجوب فقول الله ﵎: ﴿لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾، وأما الاستحباب لا أذكره.
طالب: تعليل؛ لأنه كان أرفق بهم.
طالب آخر: نفس الآية، وحملوا الأمر على الاستحباب.
[ ١ / ٢٢٨٢ ]
الشيخ: إي، نفس الآية: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾. قالوا: الأمر للاستحباب؛ لأن الأصل أن حمل السلاح مشغل مثقل للمصلي، فكأن الأمر للإباحة، كأنهم قالوا: يباح لكم أن تحملوا ما يشغلكم عن صلاتكم في هذه الحال، لكن الصحيح أنه واجب، والدليل على الوجوب أن الأمر هو الأصل في الوجوب، والثاني قوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. إذن فإذا لم يكن بنا أذى من مطر ولا مرض فعلينا جناح، ولا جناح إلا بإثم، ولهذا كان الصواب الذي لا شك فيه أن حمل السلاح واجب.
صلاة الجمعة يقول: إنها تلزم كل ذكر، مَن ضد الذكر؟
طالب: الأنثى.
الشيخ: الأنثى إي، طيب وغير؟
الطالب: والخنثى.
الشيخ: والخنثى. (حر) مَن ضد الحر؟
طالب: العبد.
الشيخ: العبد يعني المملوك، تمام. (مكلف) مَن هو المكلف؟
طالب: العاقل البالغ.
الشيخ: البالغ العاقل ضده؟
الطالب: الصبي المجنون.
الشيخ: الصبي المجنون، فأما المجنون البالغ؟
الطالب: لا يصح أيضًا لأنه شرط، العقل شرط.
الشيخ: الآن المكلف يعني البالغ العاقل، وأيش ضده؟ ضد البالغ؟
الطالب: الذي لم يبلغ.
الشيخ: الصغير، وضد العاقل؟
الطالب: المجنون.
الشيخ: المجنون، إذن لا تجب على صغير ولا على مجنون، طيب، بقينا (مسلم).
طلبة: ما أخذناه.
الشيخ: ما أخذناه، طيب، ما هو الدليل على اشتراط الذكورية؟ أظن لم نذكرها، نذكرها إن شاء الله الآن.
[ ١ / ٢٢٨٣ ]
قال: (تلزم كل ذكر، وضده الأنثى والخنثى). أما اشتراط الذكورية فالدليل على هذا أن صلاة الجمعة صلاة جمع، والمرأة ليست من أهل الجماعة، ولهذا قال النبي ﵊: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (١٦). هذا إن لم يصح الحديث أن النبي ﵊ قال: «إِنَّ الْجُمُعَةَ حَقٌّ وَاجِبٌ إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ» (١٧) فإن صح فالأمر فيه واضح.
اشتراط الخنثى، لماذا لا تجب عليه؟ لأن الأصل أيش؟
طلبة: براءة الذمة.
الشيخ: براءة الذمة، والخنثى لا يدرى أذكر هو أم أنثى، فإن كان ذكرًا فالجمعة واجبة، وإن كانت أنثى فالجمعة لا تجب، وحينئذٍ نقول: الأصل براءة الذمة.
فإن قال قائل: لماذا لا تسلكون طريق الاحتياط وتوجبونها عليه؟ قلنا: لأن الشرط وصف لا بد من ثبوته، الشرط -وهو الذكورية- وصف لا بد من ثبوته، فالاحتياط في عدم الإلزام بفقده؛ لأننا لو ألزمنا بفقده لم نكن محتاطين، حيث أوجبنا على عباد الله ما لا يلزمهم، بخلاف المحرم، فالمحرم الاحتياط في تركه؛ لأن الترك ليس كالفعل المُلْزَم به، إذ إن الترك لا يستلزم فعلًا يكلف به.
طيب (حر) ضدها العبد، والعبد لا تجب عليه الجمعة؛ لحديث: «الْجُمُعَةُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً» وذكر منهم العبد المملوك، هذا دليل، ولأن العبد غالبًا يكون مشغولًا بخدمة سيده، ولا يتسنى له أن يأتي إلى الجمعة، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل العلم.
[ ١ / ٢٢٨٤ ]
وذهبت الظاهرية إلى وجوب صلاة الجمعة على العبد وقالوا: إن العبد داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. والحديث الوارد في استثناء العبد ضعيف، هكذا عندهم، وذهب إلى هذا شيخنا عبد الرحمن بن سعدي -﵀- وقال: إن العبد تلزمه الجمعة كالحر، ولا فرق.
وذهب قوم إلى التفصيل في هذا؛ وهو أنه إن أذن له سيده لزمته الجمعة؛ لزوال العلة التي هي سببُ منع الوجوب، وهي اشتغاله بخدمة سيده. فإذا أذن له فقد زالت العلة، وإن لم يأذن فلا تجب عليه فلا يأثم، وهذا القول وسطٌ بين قولين، ووجهه قوي جدًّا، ويمكن أن يحمل الحديث عليه، فيقال: عبد مملوك: ليس على إطلاقه، بل العبد المملوك الذي يُشغل بمالكه، وربما يكون قوله: (مملوك) إشارة إلى العلة، وهي أنه ملك سيده يتصرف فيه فيشغله.
مكلف بالغ عاقل، وضده؟
طالب: الصغير والمجنون.
الشيخ: نعم، ضده الصغير والمجنون، فلا جمعة عليهما؛ لأن جميع العبادات لا تجب عليهما؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (٧).
لكن الصغير تصح منه الجمعة، والمجنون لا تصح منه الجمعة، يعني لو صلى الصغير الجمعة صحت، والمجنون لا، لماذا؟ لأن المجنون لا عقل له، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١٨)، ومَن لا عقل له؟
طلبة: لا نية له.
الشيخ: لا نية له، بخلاف الصبي المميز الصغير فإنه له نية، فتصح منه جمعة.
[ ١ / ٢٢٨٥ ]
(مسلم) ضده الكافر، فالكافر لا تصح منه جمعة، بل لا تجب عليه الجمعة، بل ولا تصح منه، ودليل هذا أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، وقال له: «لِيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» (١٩)، فجعل فرض الصلوات بعد الشهادتين، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعديًا لا تقبل منهم، فالعبادات التي نفعها غير متعدٍّ مِن؟
طلبة: مِن باب أولى.
الشيخ: من باب أولى ألَّا تقبل منهم.
فإن قال قائل: إذا كان من شرط وجوب الجمعة الإسلام، فهل يسلم الكافر من الإثم لأن الجمعة غير واجبة عليه؟
الجواب: لا، لا يسلم من الإثم؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الإسلام كما هو مخاطب بأصول الإسلام.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٧]، ووجه الدلالة من الآية أنهم ذكروا من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين ولا من المطعمين للمسكين، واضح؟
[ ١ / ٢٢٨٦ ]
بل أقول: إن الكافر معاقبٌ على أكله وشربه ولباسه، معاقب، لكنه ليس حرامًا عليه بحيث يمنع منه، إنما هو معاقب عليه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ دليل على أن غيرهم عليه جناح فيما طعم.
والطعام يشمل الأكل والشرب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].
اللباس قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
فقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفهم منها أنها ليست للذين كفروا، وقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يفهم منه أنها لغير المؤمنين ليست خالصة لهم، بل يعاقبون عليها.
والمعنى يقتضي ما دلت عليه النصوص، من معاقبة الكافر على الأكل والشرب واللباس والنعمة والصحة وكل شيء، وذلك لأن العقل يقتضي طاعة من أحسن إليك، وأنك إذا بارزته بمعصية وهو يحسن إليك، فإن هذا خلاف الأدب والمروءة، وبه تَسْتَحِق العقوبة، فصارت النصوص مؤيدة لما يقتضيه العقل.
(مسلم مستوطن ببناء اسمه واحد) مستوطن، وضده المسافر والمقيم.
المسافر ظاهر أنه لا جمعة عليه، ودليل هذا أن النبي ﷺ في أسفاره لا يصلي الجمعة، مع أن معه الجمع الغفير ولا يصلي بهم الجمعة، وإنما يصلي ظهرًا مقصورة وعصرًا، أحيانًا يجمع وأحيانًا لا يجمع.
فإذا قال قائل: ألَا يمكن أن يكون جمعه وقصره في غير يوم الجمعة، وأنه يقيم صلاة الجمعة في السفر؟
[ ١ / ٢٢٨٧ ]
فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن لدينا نصًّا ظاهرًا جدًّا في أنه لا يصلي الجمعة في سفره، وذلك في يوم عرفة، فإن يوم عرفة كان يوم الجمعة في حجة الوداع، وفي صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ: لما وصل بطن عُرَنَة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذَّن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر (٢٠) هكذا جاء الحديث.
وهذه الصفة تخالف أيش؟ صلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة الخطبة فيها تكون بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان.
صلاة الجمعة خطبتان، يتقدمها خطبتان، وحديث جابر ليس فيه إلا خطبة واحدة.
صلاة الجمعة يجهر فيها بالقراءة، وحديث جابر يدل على أنه لم يجهر لأنه قال: صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر.
صلاة الجمعة تسمى صلاةَ الجمعة، وفي حديث جابر قال: صلى الظهر.
صلاة الجمعة لا تجمع إليها العصر، وحديث جابر يقول: صلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، وهذا نص صريح واضح في هذا الجمع الكثير الذي سيتفرق فيه المسلمون إلى بلادهم، فيقولون: صلينا مع رسول الله ﷺ يوم الجمعة ظهرًا، يدل دلالة قطعية على أن المسافر؟
طلبة: ليس عليه جمعة.
الشيخ: لا يصلي الجمعة.
الوجه الثاني أن نقول: لو كان النبي ﷺ يصلي الجمعة في أسفاره لكان ذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، ولنُقِل إلينا.
ولهذا كان من أضعف الأقوال قول الظاهرية في هذا الباب أن المسافر تلزمه الجمعة، واستدلوا بالعمومات الدالة على وجوب صلاة الجمعة.
إذن نقول: المسافر لا جمعة عليه، المقيم أيضًا لا جمعة عليه، لكن إن أقامها مستوطنون في البلد لزمته بغيره، لا بنفسه.
وبناء على هذا ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: مستوطن، ومسافر، ومقيم بينهما، لا مسافر ولا مستوطن.
[ ١ / ٢٢٨٨ ]
فمثال المقيم: رجل وصل إلى بلد ونوى أن يقيم فيها أكثر من أربعة أيام، هذا نقول: ليس مستوطنًا، لماذا؟ لأنه لم يتخذ هذا البلد وطنًا، وليس مسافرًا؛ لأنه نوى إقامةً تقطع السفر، إذن: هو بينهما مقيم، إن أقيمت الجمعة في البلد بأناس مستوطنين لزمته، وإن لم تُقَم لم تلزمه، وبناءً على هذا لو وجد جماعة مسلمون سافروا إلى بلاد كفر، وهم مئتا رجل، يريدون أن يدرسوا فيها لمدة خمس سنوات، ست سنوات، عشر سنوات، وجاءت الجمعة، فإن الجمعة لا تلزمهم، بل ولا تصح منهم؛ لو صلوا الجمعة ما صحت، لماذا؟ لأنه لا بد من استيطان، وهؤلاء ليسوا بمستوطنين، فلا تصح منهم الجمعة ولا تلزمهم، لكن لو وجد في هذه القرية التي هم فيها أربعون مستوطنًا، لزمت الجمعة الأربعين ثم تلزم هؤلاء تبعًا، تلزمهم بغيرهم.
وهذا التقرير الذي ذكرناه يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- من أن نية الإقامة ولو طالت لا تجعل الإنسان من أهل البلد، بل يبقى في حقه حكمُ السفر، وقد سبق الكلام على هذا في فصل القصر.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أنه () الجمعة ().
الشيخ: العبد؟
طالب: زين ما يخالف، أحسن الله إليك، لماذا لا نقول بأن الجمعة لازمة للعبد على كل حال، فإن منعه السيد أثم السيد وسلم العبد؟
الشيخ: لا.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأن العبد الآن يوجد عنده مانع من وجوب الجمعة عليه، لا لفوات الشرط، كما أن الرجل إذا كان معذورًا بشغل أو مرض سقطت عنه الجمعة، فالرأي الذي قلنا يكون سقوط الجمعة عن العبد لوجود مانع الوجوب، لا لفوات شرط الوجوب.
الطالب: ما هو مانع الوجوب؟
الشيخ: حق السيد.
الطالب: ما فيه دليل شرعي يدل على ..
الشيخ: هذا الحديث.
الطالب: ضعيف هذا قلنا.
الشيخ: لا، إحنا قلنا: هو ضعيف عند بعض العلماء وصحيح عند الآخرين، لكن نقول: إذا صح فإن هذا القول يجب أن يخرَّج الحديث عليه.
[ ١ / ٢٢٨٩ ]
طالب: قد يقول الكافر: كيف أخاطب بجموع الشريعة وهي لم تقبل مني؟
الشيخ: لأنك تستطيع أن تسلم فتقبل منك.
الطالب: قد يوجه يا شيخ الدليل، يقول: كيف أخاطب بجموع الشريعة وهي لم تقبل مني، وإنما ذكر هذا ذكر المعنى العام؟
الشيخ: فين المعنى العام؟ إنما هو النص: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ صريح.
الطالب: مذكورة ضمنًا.
الشيخ: وكذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ذُكر ضمنًا، نقول: لولا أن لتركه هذا أثرًا ما ذكروه، لكان ذكره لغوًا، صحيح أن كونهم يكذبون بيوم الدين يكفي في عذاب النار، ولكن لولا أن لهذا أثرًا لكان ذكره لغوًا لا فائدة منه.
طالب: ذكرنا في درس ..
الشيخ: درس أيش؟
الطالب: أنه صنع في بيته أو في مسجد كبير () ما المانع أن يكون صفة ..
الشيخ: أن يكون أيش؟
الطالب: أن يكون طريقه صفة للمسجد.
طلبة: صفة.
طالب: إعراب.
الشيخ: إعرابه: (أو في مسجدٍ طريقه)، (طريقه): مبتدأ، و(تحت ساباط) خبر للمبتدأ، والجملة صفة للمسجد.
الطالب: طريقه ..
الشيخ: ما يصلح، ما يصلح، أو في مسجد طريقه، لو قلت أيضًا: طريقِهِ؛ صار معناه: أنه صلى في الطريق.
الطالب: طريقه صفة للمسجد ..
الشيخ: ما يصلح، يشترط للصفة أن تكون موافقة للموصوف في المعرفة والنكرة.
الطالب: هذا ().
الشيخ: أيهم، مسجد؟
الطالب: لا.
الشيخ: مسجد نكرة، لكن الجملة: طريقه تحت ساباط، الجملة كلها صفة للمسجد. إي واضح؟
طالب: شيخ، المسافر يا شيخ، الذي يمشي في الطريق هل يشرع له أن يقصد بعض البلاد المجاورة ليصلي جمعة، أو يصلي في مكانه من غير جماعة؟
الشيخ: إذا لم يكن عليه مشقة فالظاهر أن الأفضل أن يعرِّج على البلد ليصلي الجمعة، فينال أجرها، أما إذا كان فيه مشقة فلا ينبغي أن يشق عليه مع وجود الرخصة.
[ ١ / ٢٢٩٠ ]
طالب: () وهي موطنه ما ينزل ولا يطلع () على قول () ما يدعهم ليصلون الجمعة؟
الشيخ: لا.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأن السفينة ليست قرية، سيأتينا إن شاء الله تعالى أنه يشترط أن يكونوا بقرية مستوطنين.
الطالب: يعني يصير عندهم حكمان، بعض أحكامهم مقيم وبعض أحكامهم ().
الشيخ: يصير ().
الطالب: وعلى الصحيح يعني عليهم الجمعة؟
الشيخ: وين؟ على الصحيح عليهم جمعة نعم.
الطالب: لأنهم مقيمون؟
الشيخ: لأن هذه بلدهم، هم يقولون: يلزمهم الإتمام؛ لأن هذا يعتبر بلدًا لهم، ولكن لا تجوز منهم جمعة؛ لأنه اشترط أن يكونوا مستوطنين بقرية، والسفينة ما هي قرية ().
***
طالب: باب صلاة الجمعة: تلزم كل ذكر حر مكلف مسلم مستوطن ببناء اسمه واحد ولو تفرق، ليس بينه وبين المسجد أكثرُ من فرسخ، ولا تجب على مسافر سفر قَصْرٍ ولا عبد وامرأة، ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يصح أن يؤم فيها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فيه أسئلة، أولًا: صلاة الجمعة ما حكمها؟
طالب: واجبة على الكبير ..
الشيخ: لا، حكمها، لا أريد من تلزم؟ حكم الجمعة فرض عين أو كفاية؟
الطالب: ().
الشيخ: فرض عين، من أين تأخذها من كلام المؤلف؟
الطالب: (تلزم).
الشيخ: من قوله: (تلزم) واللزوم بمعنى الوجوب. هل الجمعة صلاة مستقلة أو بدل عن الظهر؟
طالب: صلاة مستقلة؟
الشيخ: صلاة مستقلة، هل تعلل هذا؟
طالب: صلاة مستقلة؛ لأنها لو كانت مثل الظهر لجاز جمعها مع العصر.
الشيخ: لا، هذي ما هي؛ لأن هذه فرع من كونها صلاة مستقلة.
طالب: لأنها تختلف في هيئتها ووقتها () وشروطها.
الشيخ: وشروطها وواجباتها، يعني خصت بأشياء تدل على أنها صلاة مستقلة. هل للجمعة شروط خاصة من بين سائر الصلوات؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هي؟
طالب: ().
[ ١ / ٢٢٩١ ]
الشيخ: هل تجب الجمعة على الأنثى؟
طالب: لا.
الشيخ: الدليل، ما هو الدليل على أن الأنثى لا تجب عليها الجمعة؟
طالب: أمر وتعليل، حديث أنه لما ضعف (). الحديث قول النبي ﷺ: الجمعة واجبة إلا على
الشيخ: «حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ».
الطالب: «حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أَرْبَعَةً ..» وذكر المرأة والمجنون (١٧).
طالب آخر: في جماعة.
الشيخ: في جماعة نعم.
طالب: والتعليل أن الجمعة مجمع، والمرأة ليس لها المجامع.
الشيخ: إي نعم، وفيه دليل ثالث أوضح من هذا وأصح؟
طالب: الإجماع.
الشيخ: الإجماع؟ ! غير هذا؟
طالب: قول النبي ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَبُيُوتُهُنُّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (١٦).
الشيخ: نعم تمام. هذا عام في الجمعة وغيرها. طيب هل تلزم الخنثى؟
طالب: لا.
الشيخ: لا تلزم الخنثى.
الطالب: لأن الأصل براءة الذمة.
الشيخ: لأن الأصل براءة الذمة، ولم يتحقق شرط الوجوب. من هو الخنثى؟
الطالب: الخنثى الذي يعني ما بين الذكر والأنثى، ليس ذكرًا ولا أنثى.
الشيخ: إي، يعني لا يعلم أذكر هو أم أنثى، تمام. ما تقول في العبد هل عليه جمعة؟
طالب: اختلف العلماء فبعضهم قالوا: لا تجب عليه الصلاة، وبعضهم ..
الشيخ: لا تجب عليه الجمعة!
الطالب: لا تجب عليه صلاة الجمعة. وقالوا: لأن ..
الشيخ: اصبر، وبعضهم؟
الطالب: وبعضهم قال: إنها تجب عليه.
الشيخ: طيب، ما حجة الأولين؟
الطالب: حجة الأولين قالوا: إنه مشغول بسيده، وإنه مشغول بالأشغال التي يأمرها به سيده. وأما الآخرون الذين قالوا بوجوب ..
الشيخ: ما فيه دليل لهم يستدلون به، هذا اللي قلت تعليل.
الطالب: الحديث الذي ..
الشيخ: الحديث الذي أشار إليه الأخ.
الطالب: نعم. وقال بعضهم: إنها تجب عليه، منهم الظاهرية، قالوا: تجب الصلاة عليه.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: ضعفوا الحديث السابق.
الشيخ: ما دليلهم هم؟
[ ١ / ٢٢٩٢ ]
الطالب: قالوا: إنه مثل ..
الشيخ: بس ما دليلهم؟ !
طالب: بعموم قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
الشيخ: نعم، ولأن الأصل تساوي الأحرار والعبيد في حقوق الله، حتى يقوم دليل على التفريق.
طالب: قول ثالث.
الشيخ: نعم فيه قول ثالث؟ إي نعم أنت!
طالب: قالوا يا شيخ () فتجب عليه ().
الشيخ: وحملوا الحديث إذا صح على عبد لم يأذن له سيده، تمام. هل يشترط أن يكون مكلفًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مكلفًا.
الطالب: بالغ عاقل.
الشيخ: وهو البالغ العاقل، هل هذا خاص في الجمعة أو عام؟
الطالب: عام.
الشيخ: إذن ما هي الشروط الخاصة بالجمعة من هذه الشروط؟
الطالب: الحرية والإسلام ..
الشيخ: والإسلام، يعني: وأما غيرها من العبادات فتصح من الكافر.
الطالب: لا، ما تصح، الحرية على قول والاستيطان.
الشيخ: ما وصلنا إلى الاستيطان.
طالب: الحرية شروط خاصة بالجمعة، الحرية يا شيخ على رأي الجمهور.
الشيخ: على خلاف فيها، طيب.
الطالب: والذكورية.
الشيخ: والذكورية. على كل حال الشرط الخاص: الذكورية، والثاني: الحرية؛ لأن الصلوات الخمس تجب على الأنثى والذكر والحر والعبد.
والعجيب أن الذين قالوا: إن الجمعة لا تجب على العبد قالوا: إن الجماعة تجب عليه، وعندي: أنه لو صح حديث أن الرسول استثنى العبد، لكان عدم وجوب الجماعة من باب أولى؛ لأن الجماعة تتكرر في اليوم خمس مرات، فإذا أسقط عنه ما يجب في الأسبوع مرة فما يجب خمس مرات من باب أولى، وإذا أوجبنا عليه الجماعة فإيجاب الجمعة من باب أولى.
ما معنى قوله: (مستوطن).
طالب: أي في بلد مقيم.
الشيخ: أي: في مكان اتخذه وطنًا. والوطن هو الإقامة الدائمة. هذا الشرط يختص بالجمعة، غير الجمعة لا يشترط فيها الاستيطان.
[ ١ / ٢٢٩٣ ]
فلنعدها الآن: كل ذكر حر مكلف مسلم مستوطِن. هذه خمسة شروط الآن، عرفتم؟ منها ما هو مشترك بين الجمعة وغيرها، ومنها ما هو مختص بالجمعة، المختص: ذكر حر مستوطن.
يقول المؤلف ﵀: (مستوطن ببناء) بناء بمعنى مبني، أي: بوطن مبني، الوطن المبني لم يبين المؤلف بأي شيء بني، فيشمل ما بني بالحجر والمدر والأسمنت والخشب وغيرها.
وهو يحترز من ذلك مما لو كانوا أهل خيام، كالبادية، فإنه لا جمعة عليهم؛ لأن البادية الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي ﷺ بإقامة الجمعة، مع أنهم مستوطنون في أماكنهم، لكنهم ليسوا ببناء، ولهذا إذا ظعنوا عن هذا الموطن ظعنوا ببيوتهم، ولم يبق لهذه البيوت أثر لأنها خيام.
(ببناء) قلنا: (بناء) يشمل معنى مبني من أي مادة كان، المهم أن يكون مبنيًّا ثابتًا، احترازًا من الخيام ونحوها.
يقول: (اسمه واحد ولو تفرق) يعني: يكون مستوطنًا ببناء، اسم البناء واحد، مثل مكة، المدينة، عنيزة، بريدة، الرياض، المهم اسمه واحد، حتى لو تباعد، وحتى لو تفرق، بأن صارت الأحياء بينها مثلًا مزارع، لكن يشملها اسم واحد فإنه يعتبر وطنًا واحدًا وبلدًا واحدًا.
ولهذا قال المؤلف: (ولو تفرق) إشارة لخلاف يقول: إذا تفرق وفرقت بينهم المزارع فليس بوطن، يعني على هذا الرأي يكون كل حي وحده مستقلًّا، ولكن الصحيح أنه ما دام يشمله اسم واحد فهو بلد واحد.
لو فرض أن هذا البلد اتسع، وصار بين أطرافه أميال أو فراسخ فهو أيش؟ وطن واحد، يلزم من في أقصاه الشرقي، كما يلزم من في أقصاه الغربي، تلزم الجمعة من في أقصاه الشرقي كما تلزم من في أقصاه الغربي، وهكذا الشمال والجنوب؛ لأنه بلد واحد. طيب.
(ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) هذا الشرط السادس.
[ ١ / ٢٢٩٤ ]
(ليس بينه) أي: بين الإنسان (وبين المسجد أكثر من فرسخ) والفرسخ: سبق لنا أنه ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف ذراع، فعلى هذا لا يلزم الشخص الذي يكون بينه وبين البلد أكثر من فرسخ. (ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) هذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان بلدًا واحدًا فإنه يلزمه، ولو كان بينه وبين المسجد فراسخ، انتبهوا يا جماعة.
إذن هذا القيد الأخير (ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) يوهم في الحقيقة يوهم أيش؟ أنه ولو كان في البلد وليس كذلك، بل هذا إذا كان خارج البلد، عرفتم؟ فإذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنه لا تلزمه الجمعة.
الفرسخ قلنا: إنه ثلاثة أميال، وذكر علماؤنا أن مسيرة الفرسخ ساعة ونصف بسير الإبل والقدم، لا بسير السيارة.
يقول: (ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ) فإن كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، قالوا: فإنها تلزمه بغيره، أيش معنى تلزمه بغيره؟ يعني: إن أقيمت الجمعة في البلد لزمته وإلَّا فلا. صارت الشروط كم؟
طلبة: ستة.
الشيخ: ستة شروط في وجوب الجمعة عينًا.
قال: (ولا تجب على مسافر سفر قصر)، (لا تجب) الضمير يعود على الجمعة.
(لا تجب على مسافر سفر قصر) والصلوات الأخرى تجب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب والجماعة؟
طلبة: تجب.
الشيخ: تجب الجماعة في السفر، أما الجمعة فلا تجب على المسافر.
فإذا قال قائل: ما الدليل، أليست الجمعة صلاة مستقلة وهي فرض الوقت؟
فالجواب: بلى، لكن كان النبي ﷺ يسافر وتأتيه الجمعة في السفر فلا يصلي الجمعة، ولو كانت الجمعة واجبة لصلاها، بل لو كانت جائزة لصلاها، فإذا صلى الإنسان الجمعة وهو في السفر فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها ظهرًا مقصورة، لماذا؟ لأن المسافر ليس من أهل الجمعة.
فإذا قال قائل: ترك النبي ﷺ للجمعة لا يدل على أنها غير مشروعة؟
[ ١ / ٢٢٩٥ ]
فالجواب: بلى؛ لأنها لو كانت مشروعة لكانت عبادة، وهي فريضة واجبة، ولا يمكن أن يدع النبي ﷺ الواجب، فإذن إذا كان سبب الفعل موجودًا ولم يفعل الرسول ﵊ ذلك علم أن فعله يكون بدعة، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢١)، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم، كل شيء سببه موجود في عهد الرسول ﵊ ولم يفعله ففعله بدعة.
فالجمعة في السفر موجودة في عهد الرسول ﵊، ولكنه لم يفعلها، فإذا فعلها الإنسان قلنا له: أنت عملت عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عملك مردودًا.
أما المسافر الذي في بلد تقام فيه الجمعة، كما لو مر الإنسان في السفر ببلد ودخل فيه ليقيل ويستمر في سيره بعد الظهر، فهل تلزمه الجمعة؟
نقول: نعم تلزمه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وهذا عام، ولم نعلم أن الصحابة الذين يفدون إلى رسول الله ﷺ ويبقون إلى يوم الجمعة يتركون صلاة الجمعة، بل إن ظاهر السنة أنهم يصلون مع النبي ﷺ.
قوله: (سفر قصر) أي: سفرًا يحل فيه القصر، فلو كان مسافرًا سفرًا قصيرًا، فإنها تجب عليه الجمعة، ولكن تجب عليه بغيره، بمعنى: إن أقيمت الجمعة وجبت عليه وإلَّا فلا. فلو فرضنا أن رجلًا من أهل عنيزة سافر إلى بريدة فالسفر هذا -على المشهور من المذهب- ليس سفر قصر؛ لأنه دون المسافة، أقيمت الجمعة هناك، يجب عليه أن يصلي؛ لأن السفر ليس سفر قصر.
رجل سافر إلى بلد يبلغ المسافة ولكن سفره محرم، أي: سافر -والعياذ بالله- ليفعل الفواحش ويشرب الخمر وما أشبه ذلك، هل تسقط عنه الجمعة؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٢٢٩٦ ]
الشيخ: لماذا؟ لأن السفر ليس سفر قصر؛ لأنه من شروط سفر القصر أن يكون السفر مباحًا.
رجل دخل بلدًا ليقيم فيه خمسة أيام ثم يسافر، هل تلزمه الجمعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تلزمه بغيره، لماذا؟ لأنه ليس مسافرًا سفر قصر، بل هو مقيم ما يمنع القصر، فتلزمه الجمعة.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا تجب على عبد) وسبق الكلام فيه، والمراد بالعبد من؟
طلبة: المملوك.
الشيخ: الرقيق المملوك.
(ولا تجب على امرأة) وسبق أيضًا الدليل على هذا، ولكن من حضر؟ قال: (ومن حضرها منهم) أي: من المسافر سفر القصر، والعبيد والنساء (من حضرها منهم) أي: من حضر الجمعة منهم وصلى مع الإمام (أجزأته ولم تنعقد به، ولم يصح أن يؤم فيها).
(من حضرها منهم أجزأته) كيف تجزئهم وهم لم يخاطَبوا بها؟ قالوا: لأن إسقاطها عنهم تخفيف، فإذا حضروا وصلوا فهم الذين اختاروا ذلك لأنفسهم فتصح، ولكن لو قيل في التعليل سوى هذا؛ لو قيل: لأنهم ائتموا بمن يصلي الجمعة فأجزأتهم تبعًا لإمامهم، وقد يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
قال: (ولم تنعقد به) يعني: لم تنعقد بواحد من هؤلاء، بالمسافر سفر قصر.
ما معنى (لم تنعقد به) يعني أنه لا يحسب من العدد المعتبر، العدد المعتبر -كما سيأتينا إن شاء الله على المذهب- أربعون رجلًا.
فإذا جاء عبد يكمّل الأربعين، أي أن عندنا تسعة وثلاثين حرًّا، وجاء عبد، هل يتمم الأربعين؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن ماذا يصلي هؤلاء؟
طلبة: ظهرًا.
الشيخ: يصلونها ظهرًا؛ لأنها لا تنعقد به.
مثال آخر: قدم شخص قرية صغيرة فيها تسعة وثلاثون رجلًا وهو مسافر من العلماء، فهل يكمل الأربعين؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: حر بالغ عاقل؟
طلبة: ما يكمل.
الشيخ: ما يكمل، لماذا؟
طلبة: مسافر.
الشيخ: مسافر، لا يكمل الأربعين.
يقول: (ولم يصح أن يؤم فيها) أما المرأة فلا شك أنه لا يصح أن تؤم فيها؛ لأن المرأة لا تكون إمامًا للرجال.
[ ١ / ٢٢٩٧ ]
العبد: هل يصح أن يكون إمامًا في الصلوات الخمس؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، في الجمعة لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس من أهل الوجوب، فلو كان هذا العبد قارئًا عالمًا فقيهًا عابدًا، والذين في القرية أربعون رجلًا، كل واحد منهم يحسن القراءة الواجبة، وهو في العبادة ضعيف، فجاء هذا العبد ليتقدمهم وهو عبد أحمر ليتقدمهم يصلي بهم الجمعة، يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: على قول المؤلف لا يصح، إي نعم لا يصح، لا المؤلف يقول: ما يصح.
طالب: قول الرسول ﷺ ().
الشيخ: اصبر، ما بعد ناقشنا حتى الآن، على كلام المؤلف: لا يصح أن يكون إمامًا فيها؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
المرأة: عرفنا أنه واضح أنها لا تصح أن تكون إمامًا، وأنها لا تنعقد بها؛ لأنها أصلًا ليست من أهل الجماعة، ولا يصح أن تكون إمامًا للرجل.
العبد: كلام المؤلف يقول: (لا تنعقد به، ولا يصح أن يكون إمامًا فيها) أما إذا قلنا بأن العبد تلزمه الجمعة فإنه تنعقد به، بأن يكمل به العدد ويصح أن يكون إمامًا فيها.
المسافر: مسافر قدم إلى بلد أهله كله عوام، لكن أحدهم الخطيب فيهم يأخذ ورقة ويخطب فيها ويمشي، فقدم البلد هذا رجل عالم كبير في العلم عابد، فقالوا له: تفضل صل بنا، فصلى بهم، لا تصح صلاته على قول المؤلف، لا تصح صلاته لماذا؟ لأنه مسافر، لو خطب بهم وصلى أحدهم؟
طالب: صح.
الشيخ: لا تصح؛ لأن من شرط الخطبة أن تكون ممن يصح إمامته ().
العمل الآن على هذا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٢٢٩٨ ]
الشيخ: لا، العمل على خلاف ذلك، يأتي الرجل الداعية إلى قرية من القرى ويخطب بهم الجمعة ويصلي بهم الجمعة، وينصرفون وأنهم يعتقدون بأن صلاتهم صحيحة، لكن الذي يريد أن يقلد المذهب نقول: إن صلاتهم غير صحيحة، وعليهم أن يعيدوها ظهرًا، إن أمكن أن يعيدوها في الوقت أعادوها جمعة، كيف يعني يعيدونها جمعة؟ يخطب واحد منهم المرة الثانية، ويصلون الجمعة المرة الثانية، وينتهي، لكن إن كان قد خرج الوقت يلزمهم أن يقضوها ظهرًا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والقول الراجح في هذه المسألة أن المرأة كما قال المؤلف لا يصح أن تكون خطيبة ولا يصح أن تكون إمامة، ولا تحسب من الأربعين، وأما العبد والمسافر فالصحيح أنها تنعقد بهم، ويصح أن يكونوا أئمة فيها وخطباء أيضًا؛ إذ إن القول بعدم صحة ذلك لا دليل عليه.
فالعبد من أهل التكليف، والمسافر من أهل التكليف، وكيف تقولون: إنه إذا صلى العبد خلف الإمام جمعة صحت، وتقولون: لو كان هو الإمام لم تصح؟ أي فرق؟ لا يظهر فرق، وكونكم تقولون: هذا صحت تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، قد لا يسلم في كل موضع.
المهم ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ أنها تصح إمامة المسافر والعبد، وأنها تنعقد به الجمعة.
قال: (ومن سقطت عنه لعذر) (سقطت) أي الجمعة (عنه لعذر) كمرض.
(وجبت عليه وانعقدت به) (وجبت عليه) يعني: تلزمه بنفسه وتنعقد به، مثال ذلك: مريض سقطت عنه الجمعة من أجل المرض، واضح؟ ولكنه تحمل المشقة وحضر إلى الجمعة، هل تنعقد به؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم تنعقد به، يحسب من الأربعين. وهل يصح أن يكون إمامًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، وهل يصح أن يخطب فيها؟ نعم، لماذا؟
[ ١ / ٢٢٩٩ ]
لأنه أهل للوجوب، ولكن وجد فيه مانع الوجوب، وفرق بين من فقد منه شرط الوجوب، ومن وجد منه مانع الوجوب؛ لأن من فقد منه شر ط الوجوب ليس أهلًا للعبادة أصلًا، ومن وجد فيه مانع الوجوب فهو في الأصل أهل للوجوب، فإذا وصل إلى محل الجمعة زال مانع الوجوب؛ لأن مانع الوجوب مشقة الوصول إلى المسجد، والآن قد وصل، فذهب مانع الوجوب وصار الآن من أهل وجوبها فتلزمه وتنعقد به، ويصح أن يؤم فيها.
فيه غير المريض؟ نعم الخائف على ماله مثلًا، إنسان خائف على ماله تسقط عنه الجمعة، لكنه قال: سأذهب ثم جاء إلى الجمعة، نقول: الآن تلزمك ولا تعذر، وتنعقد بك، وتصح أن تكون إمامًا.
فإذا قال قائل: ما الفرق بينه وبين المسافر والعبد؟
الجواب: أن الفرق أن المسافر والعبد لم يوجد فيهم شرط الوجوب، فليسوا من أهلها، أو فليس من أهلها، وأما من سقطت عنه لعذر فالذي فيه مانع الوجوب، وهو من أهلها، فإذا حضر إلى مكانها زال المانع فصار كالذي ليس فيه مانع.
يقول: (وجبت عليه وانعقدت به، ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم يصح) أنا عندي بالحاشية: وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز أن يكون العبد والمسافر إمامًا فيها، ووافقهم مالك في المسافر.
إذن يكون القول بأن المسافر لا يصح أن يكون إمامًا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وأما العبد فقد وافقه عليه مالك، وخالفه فيه أبو حنيفة والشافعي، والصحيح ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي.
يقول: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح) من صلى الظهر قبل صلاة الإمام وهو ممن يلزمه الحضور فإن صلاته لا تصح.
[ ١ / ٢٣٠٠ ]
وتأمل قال المؤلف: (ممن عليه حضور الجمعة) ولم يقل: ممن تجب عليه الجمعة، وذلك من أجل أن يكون كلامه -﵀- شاملًا للذي تجب عليه بنفسه والذي تجب عليه بغيره؛ لأن الفقهاء -﵏- يجعلون بعض الناس تجب عليه بغيره، وهو الذي لا تنعقد به ولا يصح أن يكون إمامًا فيها، ومن تلزمه بنفسه، وهو الذي يصح أن يكون إمامًا فيها وتنعقد به، ولهذا عبر فقال: (ممن عليه حضور الجمعة).
مثاله: الذي عليه الحضور دون الوجوب: مسافر دخل بلدًا تقام فيه الجمعة وأذن لصلاة الجمعة، هذا عليه الحضور ليست واجبة عليه بنفسه، بل بغيره، فإذا صلى هذا المسافر قبل صلاة الإمام فإن صلاته لا تصح. لماذا؟
لأنه فعل ما لم يؤمر به، وترك ما أمر به، فيكون هذا الرجل عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأنه مأمور أن يحضر الجمعة، وهو صلى ظهرًا، ولأن صلاته الظهر مع وجوب الحضور عليه يكون كالذي غصب الزمن؛ لأن هذا الزمن الأصل فيه أن يكون للجمعة، فإذا صلى فيه الظهر، صار كأنه غاصبًا للزمن.
مثال آخر: رجل مقيم في البلد وكان معه أصحابه في البيت مستأنسين، وقالوا: نبغي نصلي الظهر، الآن جاء وقت الظهر، نصلي الظهر، فصلوا الظهر قبل صلاة الجمعة، ما تقولون؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح.
مثال: لو فرض أن الرجل في أقصى البلد، ويعلم أنه لو ذهب لم يدرك الجمعة، فهل يصلي الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة؟ لا؛ لعموم قوله: (من صلى الظهر قبل صلاة الإمام)، يعني حتى في الحال التي يعلم أنه لو سعى لم يدرك الجمعة، فإنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من الجمعة.
وتَصِحُّ مِمَّنْ لا تَجِبُ عليه، والأَفْضَلُ حتى يُصَلِّيَ الإمامُ، ولا يَجوزُ لِمَنْ تَلْزَمُه السفَرُ في يومِها بعدَ الزوالِ.
(فصلٌ)
[ ١ / ٢٣٠١ ]
يُشْتَرَطُ لصِحَّتِها شُروطٌ ليس منها إذنُ الإمامِ: أحَدُها الوقتُ، وأَوَّلُه أوَّلُ وَقتِ صلاةِ العِيدِ وآخِرُه آخِرُ وَقتِ صلاةِ الظهْرِ، فإنْ خَرَجَ وقْتُها قَبلَ التحريمةِ صَلَّوا ظُهْرًا وإلا فجُمُعَةً.
الثاني: حُضورُ أربعينَ من أهلِ وُجُوبِها.
فإذا صلى هذا المسافر قبل صلاة الإمام فإن صلاته لا تصح، لماذا؟ لأنه فعل ما لم يؤمر به، وترك ما أُمِرَ به، فيكون هذا الرجل عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأنه مأمور أن يحضر الجمعة وهو صلى ظهرًا، ولأن صلاته الظهر مع وجوب الحضور عليه يكون كالذي غصب الزمن؛ لأن هذا الزمن الأصل فيه أن يكون للجمعة، فإذا صلى فيه الظهر صار كأنه غاصب للزمن.
مثال آخر: رجل مقيم بالبلد، وكان معه أصحابه في البيت مستأنسين وقالوا: بنصلي الظهر، الآن جاء وقت الظهر بنصلي الظهر، فصلوا الظهر قبل صلاة الجمعة، ما تقولون؟
طلبة: ما تصح.
الشيخ: لا تصح.
مثال: لو فُرِضَ أن الرجل في أقصى البلد، ويعلم أنه لو ذهب لم يدرك الجمعة، فهل يصلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة؟ لا؛ لعموم قوله: (من صلى الظهر قبل صلاة الإمام) يعني: حتى في الحال التي يعلم أنه لو سعى لم يدرك الجمعة، فإنه ينتظر حتى يفرغ الإمام من الجمعة، كيف يفرغ وهو لا يسمعه؟ نقول: يُقدِّر.
وقول المؤلف: (ممن عليه حضور الجمعة) لو صلى إنسان لا تلزمه الجمعة لا يلزمه الحضور؛ كمريض لا تجب عليه الجمعة صلى قبل صلاة الإمام الظهر، ما الحكم؟ تصح؛ لأنه لا تلزمه الجمعة.
ولو صلَّت امرأة الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة صحت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأن الجمعة لا تلزمها.
[ ١ / ٢٣٠٢ ]
خلاصة الكلام الآن: من صلى الظهر قبل صلاة الإمام وهو ممن يجب عليه الحضور لم تصح، التعليل لأنه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا، فإن الذي عليه أمر الله ورسوله في هذه الحال أن يذهب إلى الجمعة، من صلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة ممن لا يجب عليه الحضور فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يخالف أمر الله ورسوله.
يقول المؤلف ﵀: (وتصح ممن لا تجب عليه) واضح.
قال: (والأفْضلُ حتى يُصلِّي الإِمامُ) الأفضل أن يؤخر صلاة الظهر حتى يصلي الإمام، وعلى هذا فنقول للنساء: الأفضل في يوم الجمعة ألَّا تصلين الظهر حتى يصلي الإمام، لماذا؟ قالوا: لأنه ربما يزول عذره فيدرك صلاة الجمعة، وإذا كان هذا هو التعليل فإنه لا ينطبق على النساء؛ إذ إن النساء لا يمكن أن يزول العذر؛ المرأة امرأة، لا يمكن أن يزول عذرها، وإذا كان كذلك فنقول للمرأة: الأفضل أن تصلي الظهر في أول الوقت ولو قبل صلاة الإمام؛ لأن الصلاة في أول الوقت أفضل من الصلاة في آخر الوقت.
وحينئذٍ نقول: إن كان من لا تلزمه الجمعة ممن يرجى أن يزول عذره فيدركها؟
طالب: الأفضل أن ينتظر.
الشيخ: وإذا كان ممن لا يرجى أن يزول عذره فالأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها؛ على القاعدة؛ أن الأفضل في الصلوات تقديمها.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إنه إذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنه لا تلزمه، إلا إن وجبت على غيره وجبت عليه تبعًا.
الشيخ: نعم، إذا كان خارج البلد.
الطالب: هذا إذا كان خارج البلد، لماذا -أحسن الله إليك- قالوا: إذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تجب؟
الشيخ: هذه مسألة تقديم فيها خلاف بين العلماء بالتقدير، لكن يقول: إن هذا بعيد، والغالب أن من بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ أنه لا يسمع النداء.
[ ١ / ٢٣٠٣ ]
الطالب: طيب، أحسن الله إليك، إذن ينتقد عليهم هذا بأن إذا قلنا: إذا وجبت على غيره وجبت عليه تبعًا، نقول: أيضًا العلة موجودة بعيد وهذا يشق عليه؟
الشيخ: إي نعم، هو لا شك أنه يرد عليه، لكن إذا كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ وهو خارج البلد لا تجب عليه، لا بغيره، ولا بنفسه، لكن إذا كان خارج البلد ودون مسافة الفرسخ وجبت عليه.
طالب: المجتمعون بمنى -يا شيخ- يوجب عليهم صلاة الجمعة وهم لا يسمعون النداء؟
الشيخ: هم الآن في منى ليسوا يجمعون في أيام الحج.
الطالب: يجمعون في مسجد الخيف.
الشيخ: إي نعم، لا يجمعون.
الطالب: وإذا جمعوا؟
الشيخ: هم لا يجمعون، إذا جمعوا فإن منى الآن أصبحت حيًّا من أحياء مكة؛ يعني: فيها بناء، وفيها مدارس، وفيها مساجد.
الطالب: يجوز لمن يلي الحاضرين يلزمهم بالحضور؟
الشيخ: على كلام الفقهاء نلزمهم بالحضور؛ لأنها تلزمهم بغيره، لكن -الحمد لله- أنهم ما هم بيقيمونها، هذه تحل الإشكال.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في صلاة الخوف مضى علينا مسألة ما ذكرناها؛ وهي صلاة المغرب، وكذلك مسألة إذا كان أهل البلد الذين يدافعون، فكيف يصلون الرباعية صلاة الخوف؟ والمغرب كذلك ما ذكرناها.
الشيخ: المغرب يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ثم إذا جلس للتشهد الأول تشهدوا، ثم قاموا فأتوا بالثالثة، ثم انصرفوا وجاء الآخرون فأتم بهم الصلاة.
الطالب: الرباعية؟
الشيخ: في الغالب أنها اللي وقعت في عهد الرسول ﵊ لم تكن رباعية؛ لأنهم في سفر، فهي ثنائية، لكن لو فرض أنه دهمهم العدو في الحضر القصر لا يمكن، يصلي بطائفة ركعتين، ثم يكملون، ثم ينصرفون إلى العدو، وهكذا.
[ ١ / ٢٣٠٤ ]
طالب: ذكرنا في الدروس الماضية في صلاة المسافر () أربع ()، أعتقد أربعة أيام وقلنا: هذه ()؛ لأنه قبل الشبر مسافر، وبعد الشبر غير مسافر، وكذلك قبل دقيقة مسافر، وبعد دقيقة تقيم، وبعد رجحنا القول الآخر وهل في هذه بين المسجد أكثر من ..
الشيخ: إي نعم، هذه مبنية على ذيك.
الطالب: وما ذكرنا هنا القول الراجح.
الشيخ: إي نعم، نسينا هذه، ينبغي أنها تقال.
طالب: شيخ، يقول المؤلف: (ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه) وتنعقد به إذا ما سقطت عنه لعذر وجبت عليه ..
الشيخ: يعني: وجبت عليه إذا حضر، هذا معنى كلامه إذا حضر في المسجد.
الطالب: إذا حضر يصلي في المسجد الظهر؟
الشيخ: لا، يصلي الجمعة، لكن الفائدة لأجل أن يفرق بين العبد والمسافر والمرأة، العبد والمسافر والمرأة لو حضروا لم تجب عليهم، لو شاؤوا انصرفوا ولا تنعقد بهم، ولا يصح أن يكونوا أئمة فيها، وهذا الذي سقطت عنه لعذر إذا حضر وجبت عليه ولم يمكن أن ينصرف، وتنعقد به، ويصح أن يكون إمامًا فيها.
طالب: ما حجتهم هنا؛ أن في تصحيح صلاة العبد في الجماعة غير تصحيحها في الجمعة؟
الشيخ: لا، ما هو كذا، ما حجتهم في إيجاب الجماعة دون إيجاب الجمعة، هم يحتجون بالحديث: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أَرْبَعَةً» (١).
الطالب: هم يقولون: لو صلى بهم إمامًا في الجمعة لم تصح الصلاة، ولو صلى في الجماعة تصح، ما حجتهم؟
الشيخ: يقولون: لأنه في الجماعة من أهل الوجوب، في الجمعة ليس من أهل الوجوب، على كل حال القول الصحيح ما فيه إشكال أن الجمعة والجماعة واجبة على العبد ما لم يمنعه سيده، فإن منعه سيده فهو معذور.
الطالب: حتى الجمعة أن العدد المعتبر أربعون؛ يعني هذا على المذهب.
الشيخ: على المذهب، إي، لا، الصحيح أنهم ثلاثة فقط.
***
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال.
فصل
[ ١ / ٢٣٠٥ ]
يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام؛ أحدها: الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد، وآخره آخر وقت صلاة الظهر، فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا، وإلا فجمعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا كان رجل خارج البلد وبينه وبين المسجد أقل من فرسخ؟
طالب: يجب عليه الحضور.
الشيخ: تجب عليه بنفسه أو بغيره؟
الطالب: بنفسه.
طالب آخر: بغيره.
طالب آخر: بنفسه.
الشيخ: لا، بغيره.
الطالب: بنفسه يا شيخ.
الشيخ: تجب عليه بغيره.
طلبة: أقل من فرسخ.
الشيخ: إي، هذه أقل من فرسخ؛ لأن أكثر من فرسخ لا تلزمه لا بغيره ولا بنفسه إذا كان هو خارج البلد، لاحظوا؛ إذا كان داخل البلد تجب عليه ولو بينه وبين المسجد فراسخ، هذه واحدة، إذا كان خارج البلد وبينه وبين المسجد أقل من فرسخ لزمته بغيره، إذا كان خارج البلد وبينه وبين المسجد أكثر من فرسخ لا تلزمه لا بنفسه ولا بغيره.
إذا قال قائل: ما هو الدليل على التقدير بالفرسخ؛ لأن كل شيء مقدر؛ يعني: أي شيء يدعي إنسان أنه مقدر نقول له: لا بد من دليل، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أيُّ قولٍ يقوله قائله يقدره بشيء بزمن أو مكان أو عدد أو أي شيء فإنه يطالب بالدليل؛ إن أتى بدليل، وإلا فقوله مردود عليه؛ مثل أقل الحيض يوم وليلة، أكثره خمسة عشر، نقول للذي حدده بذلك: هات الدليل، وإلا فلا عبرة بقولك، كذلك هنا ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ نقول: هات الدليل، يقول: الدليل ..، وأشرنا إليه من قبل ولعل أحدكم يعرفه؟
طالب: التعليل يا شيخ؟
الشيخ: ما يخالف، التعليل.
الطالب: التعليل قالوا بأنه إذا كان أكثر من فرسخ فإن المسافة تكون بعيدة، وبالتالي يشق على المصلي، أما إذا كان أقل من فرسخ فإن هذا ما فيه مشقة.
الشيخ: يكون الغالب أن من كان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ الغالب أنه؟
طالب: لا يسمع.
[ ١ / ٢٣٠٦ ]
الشيخ: لا يسمع النداء، مع أن بعض العلماء قدَّره بالأذان، قال: إن سمع الأذان وجب، وإلا فلا، والذين قالوا بالفرسخ قالوا: الأذان يختلف بحسب صوت المؤذن والرياح وارتفاع المؤذن وهدوء الأصوات، فلا يمكن انضباطها، فقالوا: الفرسخ منضبط.
إذن ليس هناك دليل ولكنه تعليل، الدليل الذي دلت عليه السنة هو سماع الأذان؛ لقول النبي ﷺ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» (٢).
ما رأيك في البادية الذين يسكنون الخيام هل تلزمهم الجمعة أو لا؟
طالب: لا، ليس ببناء اسمه دار.
الشيخ: إي، ليس ببناء؛ يعني: لم يسكنوا ببناء اسمه واحد.
رجل صلى الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة فما حكم صلاة الظهر؟
طالب: إن كان عنده عذر؛ مثل مرض أو خوف فتصح صلاته، أما إذا كان ليس بعذر كالمسافة مثلًا.
الشيخ: إن كان ليش؟
الطالب: إن كان لعذر تصح صلاته.
الشيخ: وإلا؟
الطالب: وإلا فلا.
الشيخ: إن كان لغير عذر وصلى، توافق على أنه لا تصح صلاته؟
طالب: نعم، لا تصح.
الشيخ: لا تصح، لماذا؟
طالب: لأنه جاء بشيء لم يؤمر به () ولا رسوله.
الشيخ: إي، وترك شيئًا أمر به وهو حضور الجمعة، وفعل ما لم يؤمر به وهو صلاة الظهر؛ لأن هذا الذي ليس له عذر الفرض في حقه صلاة الجمعة.
امرأة صلت الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة؟
طالب: تصح صلاتها.
الشيخ: تصح، لماذا؟
الطالب: لأنها لا يرجى زوال عذرها.
الشيخ: كيف لا يرجى زوال عذرها؛ يعني: هي فيها عذر؟
طالب: لأنها غير مطالبة بحضور الجمعة.
الشيخ: إي؛ لأنها ليست من أهل الجمعة، طيب.
هل الأفضل للمرأة والمريض الذي لا يستطيع حضور الجمعة أن يؤخرا صلاة الظهر حتى يصلي الإمام أو لا؟
طالب: المريض الذي يمنعه العذر.
الشيخ: نريد كلام المؤلف.
الطالب: الأفضل أن يؤخر.
الشيخ: إلى؟
الطالب: إلى أن ينتهي الإمام.
طالب آخر: المرأة لا، الأفضل الصلاة في أول وقتها، أما المريض ممكن أن يزول عذره.
الشيخ: يعني أنت تفصِّل؟
[ ١ / ٢٣٠٧ ]
الطالب: المرأة لا.
الشيخ: يعني تقول: من لا يرجى زوال عذره فالأفضل التقديم في أول الوقت، ومن يرجى؟
الطالب: الأفضل التأخير.
الشيخ: يعني لأجل أن ينتظر؛ لعله يزول عذره فيصلي الجمعة، طيب.
هل هذان قولان أو قول واحد؟
طالب: على كلام المؤلف يكونوا قولان؛ لأنه أطلق لكونه فصَّل، هذا قول زائد على ما قاله المؤلف.
الشيخ: إي نعم، وهذا القول هو الذي رجحناه، قلنا: إن كلام المؤلف فيه نظر، ولكن الصحيح أن نفصِّل نقول: من كان يرجى زوال عذره فالأفضل أن يؤخر؛ لأنه ربما يزول العذر ويحضر الجمعة، وأما من لا يرجى أو من ليس أهلًا للوجوب أصلًا كالمرأة فالأفضل التقديم.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا يجوز -لمن تلزمه- السفرُ في يومها بعد الزوال)، (ولا يجوز -لمن تلزمه- السفرُ) السفر فاعل (تلزم)؟
طلبة: فاعل (يجوز).
الشيخ: فاعل (يجوز)، (ولا يجوز -لمن تلزمه- السفرُ في يومها) السفر فاعل؟
طلبة: (يجوز).
الشيخ: إي، لا يلزم؟ صح؛ يعني: لا يجوز السفر في يومها بعد الزوال لمن تلزمه، سواء تلزمه في نفسه أو بغيره؛ وذلك لأنه بعد الزوال قد دخل وقتها بالاتفاق، والغالب أنه إذا دخل الوقت يحضر الإمام وتصلى الجمعة، فيحرم أن يسافر.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي إليها وترك البيع، إذن نحن كذلك نقول: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسع إليها وذر السفر؛ لأن العلة واحدة، فالبيع مانع من حضور الصلاة، والسفر كذلك مانع من حضور الصلاة، فلا يجوز أن تسافر بعد أذان الجمعة، وهذا لا إشكال فيه.
[ ١ / ٢٣٠٨ ]
لكن المؤلف علَّق الحكم بالزوال؛ لأن الزوال هو سبب وجوب الجمعة؛ إذ إنه دخول الوقت، ودخول الوقت سبب، فعلَّق الحكم بالسبب، ولكن الأوْلى: أن يعلق الحكم بما علَّقه الله به؛ وهو النداء إلى الجمعة؛ لأنه من الجائز أن يتأخر الإمام عن الزوال، ولا يأتي إلا بعد الزوال بساعة، فلا ينادى للجمعة إلا عند حضور الإمام؛ لذلك نقول: المعتبر النداء.
لكن المؤلف مشى على أن المعتبر الزوال؛ لأن الزوال سبب الوجوب، فعلَّق الحكم به، وهذا يشبه من بعض الوجوه قولهم: من باع نخلًا بعد أن تشقق فثمرته للبائع، نقلناكم إلى البيوع الآن، من باع نخلًا بعد أن تشقق فثمرتها للبائع، مع أن النبي ﷺ قال: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» تؤبر يعني: تلقح؛ يوضع فيها اللقاح «فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ» (٣)، فعلقوا الحكم على التشقق، قالوا: لأن التشقق هو سبب التأبير، فعلق الحكم به.
فنقول لهم: إن النبي ﷺ علَّق الحكم بالتأبير، فلا يمكن أن نلغي ما علَّق الشارع الحكم عليه، ونعتبر شيئًا آخر، كذلك هنا علق الحكم؟
طالب: بالزوال.
الشيخ: بالأذان، الله علَّق الحكم بالأذان، فإذا كونه علق الحكم بالأذان، فلا يمكن أن نتجاوز ذلك ونعلقه بالزوال، ولكن الغالب أن الإمام يحضر إذا زالت الشمس، هذا الغالب.
وفُهِمَ من قول المؤلف: (بعد الزوال) أن السفر قبل الزوال يوم الجمعة جائز، وهو كذلك؛ السفر يوم الجمعة قبل الزوال جائز، ولا بأس به؛ وذلك لأنه لم يؤمر بالحضور، فلم يتعلق الطلب به، فجاز له أن يسافر قبل الزوال.
لكن بعض العلماء كرهه، قال: لئلا يُفَوِّت على نفسه فضل الجمعة؛ لأن فضل الجمعة «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» (٤)، فمن أجل ألَّا يفوت فضل الجمعة كرهوا له أن يسافر قبل الزوال.
يستثنى من المسألة التي ذكرها المؤلف تحريم السفر مسألتان:
[ ١ / ٢٣٠٩ ]
المسألة الأولى: إذا خاف فوات الرفقة؛ يعني: أن له رفاقًا يريدون أن يسافروا قبل صلاة الجمعة، فزالت الشمس، وخاف أن تفوته الرفقة، فإنه هنا له أن يسافر؛ لأن هذا عذر في ترك الجمعة نفسها، فكذلك يكون عذرًا في السفر بعد الزوال.
المسألة الثانية: إذا كان يمكنه أن يأتي بها في طريقه، فمثلًا: لو قدرنا أن شخصًا يريد أن يسافر من عنيزة إلى حائل، وسيمر في بريدة، فهنا يمكن أن يأتي بها في طريقه، فلا يحرم عليه السفر؛ لأن علة التحريم هو أيش؟
طلبة: فوات الجمعة.
الشيخ: خوف فوات الجمعة، وهنا الجمعة لا تفوته.
إذن يستثنى من هذا كم؟
طالب: مسألتان.
الشيخ: مسألتان؛ الأولى إذا خاف فوات الرفقة، والثانية إذا كان يضمن أن يأتي بها في طريقه
هل مثل ذلك خوف إقلاع الطائرة؟ نعم، لا شك أنه من هذا، فلو فرض أن الطائرة ستقلع وقت صلاة الجمعة، ولو جلس ينتظر فاتته، فهو معذور له أن يسافر ولو بعد الزوال.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (فصْلٌ يُشْترطُ لصحتها شروط)، (الشروط) جمع (شرط)؛ وهو في اللغة: العلامة.
وفي الشرع: ما يتوقف عليه الشيء؛ إن كان شرطًا للوجوب فهو ما يتوقف عليه الوجوب، إن كان شرطًا للصحة فهو ما يتوقف عليه الصحة، إن كان شرطًا للإجزاء فهو ما يتوقف عليه الإجزاء، كم نوعًا هذه؟
طلبة: ثلاثة أنواع.
الشيخ: ثلاثة أنواع، كلها موجودة في شروط الحج، شروط الحج التي ستأتي -إن شاء الله- بعضها شروط للصحة، بعضها شروط للوجوب، بعضها شروط للإجزاء.
وهنا يجب أن نعرف الفرق بين شروط الشيء والشروط في الشيء:
شروط الشيء موضوعة من قِبَلِ الشرع؛ يعني: التي وضعها الشرع، فلا يمكن لأحد إسقاطها، والشروط في الشيء موضوعة من قِبَلِ الإنسان؛ من قِبَلِ العبد، فيجوز لمن هي له أن يسقطها. هذه واحد.
الفرق الثاني: شروط الشيء ما يتوقف عليه الشيء؛ صحة، أو وجوبًا، أو إجزاء، أو وجودًا، الأمور العقليات، والشروط في الشيء ما يتوقف عليه لزوم الشيء.
[ ١ / ٢٣١٠ ]
نضرب مثلًا في البيع، العلم بالمبيع شرط لأيش؟
طلبة: للصحة.
الشيخ: لو بعنا مجهولًا؟
طالب: لم يصح البيع.
الشيخ: لو رضي الطرفان قال: نسقط العلم ما له لزوم ولو كان مجهولًا؟
طالب: ولو رضوا ما يجوز.
الشيخ: ولو رضوا لا يسقط، لماذا؟ لأنه من وضع؟
طلبة: الشرع.
الشيخ: اشتراط سكنى الدار؛ باع شخص بيتًا، واشترط سكناه لمدة سنة، نسمي هذا شرطًا؟
طالب: في البيع.
الشيخ: لو أسقطه من له الشرط، قال: أنا اشترطت عليك أن أسكن الدار سنة، ولكن يسر الله لي بيتًا وأنا بأخرج؟
طالب: له هذا.
الشيخ: نعم، يجوز.
لو لم يشترط البائع سكنى الدار هل يثبت له سكنى الدار؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن لم يثبت هذا إلا بوضع من البشر، ولمن له الحق أن يسقطه.
الآن شروط صحة الجمعة ما يتوقف عليه صحة الجمعة؛ يعني: إذا فقد واحد من هذه الشروط لم تصح الجمعة.
قال: (يُشترَط لصحتها شروطٌ ليس منها إذن الإمام) (الإمام)، إذا قال العلماء: (الإمام) فهو أعلى سلطة في البلد، وتعلمون أن وصف الحكم تغيَّر بعد زمن الفقهاء؛ كان في عهد الفقهاء الخليفة واحد، ويسمى إمامًا، ثم تغير الحكم وصار ملكًا، أو أميرًا، أو شيخًا، أو رئيسًا، أو سلطانًا، وما أشبه ذلك، فالمراد بالإمام إذا قال الفقهاء: (الإمام) مرادهم أعلى سلطة في الدولة، هذا الإمام يقول المؤلف: ليس من شرط صحة الجمعة إذن الإمام، بل لو صلوا الناس بدون إذن الإمام فصلاتهم صحيحة، وليس من شرطها إذن الإمام.
فإذا قال قائل: لماذا نصَّ المؤلف على نفي هذا الشرط، مع أن السكوت عنه يقتضي انتفاءه، مجرد السكوت عنه يقتضي انتفاءه، فلماذا نص على نفيه؟
[ ١ / ٢٣١١ ]
والجواب: أن في ذلك خِلافًا؛ فإن من العلماء من يقول: إنها لا تقام الجمعة إلا بإذن الإمام؛ وذلك لأنها صلاة جامعة لكل أهل البلد، فلا يجوز أن تقام إلا بإذن الإمام، والإمام إذا استؤذن يجب عليه أن يأذن، ولا يحل له أن يمتنع، فلو فرض أنه امتنع ومنعهم من إقامة الجمعة مع وجوبها، فحينئذٍ يسقط استئذانه.
ولكن لو قيل بالتفصيل؛ وهو أن إقامة الجمعة في البلد لا يشترط لها إذن الإمام، وأما تعدد الجمعة فيشترط له إذن الإمام؛ لئلا يتلاعب الناس في تعدد الجمع، لو قيل بهذا القول لكان له وجه، والعمل عليه عندنا هنا في السعودية؛ لا تقام الجمعة إلا بعد مراجعة دار الإفتاء، وهذا القول لا شك أنه قول وسط، وقول يضبط الناس؛ لأننا لو قلنا: كل من شاء من حي أقاموا الجمعة بدون مراجعة الإمام أو نائب الإمام لأصبح الناس فوضى، وصار كل عشرة في حي ولو صغيرًا يقولون: نريد جمعة؛ فلذلك نقول: الصحيح أن أصل إقامة الجمعة لا يشترط له إذن الإمام، بل يجب على المسلمين إذا تمت الشروط فيهم أن يقيموا الجمعة، سواء أذن الإمام أم لم يأذن، أما تعدد الجمعة فلا بد فيه من إذن الإمام؛ لئلا تصبح البلاد فوضى، وهذا القول وسط بين القولين، وبه تنضبط المسألة، ولا نحتاج إلى أن نستأذن الإمام في فرض من فرائض ديننا؛ لأن الجمعة فرض من فرائض الدين ليس منها إذن الإمام.
(أحدها الوقت) هذا الشرط الأول (الوقت)، وبدأ به المؤلف؛ لأن الوقت آكد شروط الصلاة، سواء هنا أو في أوقات الصلاة الخمس، الوقت هو آكدها؛ ولهذا إذا جاء الوقت يصلي الإنسان على حسب حاله، ولو ترك مما لا يقدر عليه كل الأركان وكل الشروط.
لو جاء الوقت والإنسان عارٍ ليس عنده ما يستر عورته، ليس عنده ماء ولا تراب، لا يستطيع أن يتطهر، لا يستطيع القيام، لا يستطيع التوجه إلى القبلة، بدنه نجس لا يستطيع غسله، هل نقول: انتظر حتى تتحقق الشروط هذه، أو نقول: صلِّ، على حسب الحال؟
[ ١ / ٢٣١٢ ]
الثاني، نقول: صلِّ على حسب الحال، فالوقت هو أعظم الشروط مراعاة؛ ولهذا بدأ به المؤلف كما بدؤوا به هنا في باب شروط الصلاة.
والمؤلف يقول: (أحدها الوقت)، وفي شروط الصلاة يقولون: (دخول الوقت)، فهل هذا اختلاف تعبير لا يختلف به الحكم، أو اختلاف تعبير يختلف به الحكم؟
الثاني، هذا اختلاف تعبير يختلف به الحكم؛ لأن الشرط -في شروط الصلاة السابق- هو دخول الوقت، فتصح الصلاة ولو بعد وقتها، أما هذه فشروطها الوقت، فلا تصح الصلاة إلا في وقتها، لو خرج الوقت ولم يصل ولو لعذر؛ كالنسيان والنوم، فإنه لا يصلي الجمعة، بل يصلي ظهرًا، إذن اختلاف التعبير لاختلاف الحكم.
فما هو الشرط في الوقت بالنسبة للجمعة؟ يشترط أن تكون في الوقت، الشرط في غيرها يشترط دخول الوقت وإن لم تكن في الوقت، الصلاة قبل الوقت في الجمعة وغيرها لا تصح؛ لأن في غير الجمعة نقول: ما دخل الوقت، وفي الجمعة نقول: ليست في الوقت، الصلاة بعد خروج الوقت في غير الجمعة صحيحة؛ إما مطلقًا، وإما لعذر على القول الراجح، وصلاة الجمعة بعد الوقت لا تصح مطلقًا. إذن فالشرط الوقت.
قال المؤلف: (وأوله أول وقت صلاة العيد، وآخره آخر وقت الظهر) أوله أول وقت صلاة العيد، وهذه إحالة على مَلِيٍّ أو على معدم؟
طالب: على مَلِيٍّ.
الشيخ: إن قلتم: على مَلِيٍّ، فقد نقول: خطأ، إن قلتم: على معدم، فقد نقول خطأ، كيف ذلك؟
إن قلتم: إنه إحالة على مَلِيٍّ، قلنا: إن الملي من يملك الشيء، وهنا لا يملكه؛ لأن طالب العلم الذي ابتدأ الكتاب، ومشى عليه سيرًا لم يمر عليه وقت صلاة العيد، أليس كذلك؟ باب صلاة العيدين بعد الجمعة، فإذن تكون الإِحالة أيش؟
طلبة: على معدم.
الشيخ: صح، وإن قلنا: إن باب العبادات يعتبر شيئًا واحدًا فالإحالة على ملي؛ لأن أول العبادات وآخرها واحد.
على كلِّ حال الذي ينبغي لمن يؤلف ألَّا يحيل إلا على شيء معلوم، فلا يحيل على وقت صلاة العيد.
[ ١ / ٢٣١٣ ]
الآن لو قال: أوله إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، ما يبغي إحالة، الآن أعطاك إياه نقدًا، هذا ما فيه إحالة، لكن هل يزيد شيء كثير عن كلام المؤلف؟ لا يزيد، ولا يحتاج نروح نفتش وين صلاة العيد؟ وين وقتها؟ على كل حال، أول وقت صلاة الجمعة على ما ذكره المؤلف بعد ارتفاع الشمس قِيد رمح؛ قيد بمعنى: قدر، رمح؛ الرمح حوالي متر، المتر معروف للجميع.
إذا ارتفعت الشمس قيد رمح دخل وقت صلاة الجمعة، فلنا أن نصليها من حين أن ترتفع الشمس قدر رمح، لاحظوا لماذا؟ لأثر ورد في ذلك، سنذكره -إن شاء الله- ونتكلم عليه.
ولكن لو قال قائل: لماذا خص الوقت بما بعد ارتفاع الشمس قيد رمح ولم يكن من حين طلوع الشمس؟
لأن الشمس -كما أخبر النبي ﷺ، وهو الصادق المصدوق- تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنِيْ شَيْطَانٍ -حقيقةً الشيطان يقارنها- فَإِذَا رَآهَا الْمُشْرِكُونَ سَجَدُوا (٥)، فاهتز الشيطان طربًا وقال: سجدوا لي، مع أنهم إنما يسجدون للشمس، لكنه في الحقيقة إذا سجدوا للشمس فقد أطاعوا الشيطان، فنهى النبي ﵊ عن الصلاة حين طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح في خلال ربع ساعة إلى عشرة دقائق، وفي هذه المدة يكون سجود المشركين للشمس قد انتهى، وكل هذا من أجل البعد عن مشابهة المشركين، حتى في العبادات يجب أن نبتعد عن مشابهتهم، ولو كان الوارد الذي يرد على القلب في المشابهة في العبادات أمرًا بعيدًا، فإذا كنا نهينا أن نتشبه بالمشركين حتى في العبادات التي يكون التشبه فيها بعيدًا، فالعادات من باب أولى؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٦)، إسناد الحديث جيد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه -الذي هو من أفيد ما يكون، ولا سيما في الوقت الحاضر- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم قال: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم.
[ ١ / ٢٣١٤ ]
كيف ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم؟ لأنه قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، فظاهره أنه منهم كافر، لكن هو منهم فيما تشبه به فيهم، فيكون هذا الحديث دالًّا على أيش؟ دالًّا على التحريم، وهو القول الراجح الذي لا شك فيه؛ أن التشبه بالكفار حرام، ولكن لا بد أن نعرف ما هو التشبه، وهل يشترط قصد التشبه؟
التشبه أن يأتي الإنسان بما هو من خصائصهم بحيث لا يشاركهم المسلمون فيه؛ كلباس لا يلبسه إلا الكفار، فإن كان اللباس شائعًا بين الكفار والمسلمين فليس تشبهًا، لكن إذا كان لباسًا خاصًّا في الكفار؛ سواء كان يرمز إلى شيء ديني كلباس الرهبان، أو إلى شيء عادي لكنه من رآه قال: هذا كافر بناء على لباسه، فهذا حرام.
هل يشترط قصد التشبه أو لا؟
قد يقول قائل: إنه يشترط قصد التشبه؛ لأنه قال: «مَنْ تَشَبَّهَ» و(تفعَّل) تقتضي فعلًا وقصدًا، ولكن من نظر إلى العلة عرف أنه متى حصل التشبه، أو بعبارة أصح: متى حصل التشابه ثبت الحكم؛ ولهذا نص شيخ الإسلام ﵀ على أنه متى حصلت المشابهة ولو بغير قصد؛ وذلك لأن العلة لا تختلف بالقصد وعدمه، العلة هو أن من رأى هذا الرجل قال: هذا رجل كافر، هذا لا يشترط فيه القصد.
لكن لو فُرِضَ أن الإنسان في بلد ليس فيه من الكفار من يلبس هذا اللباس، وهو لا يعرف عن لباس الكفار في بلادهم، ولبس لباسًا يشبه لباس الكفار في بلادهم، إلا أنه في هذا البلد لا يلبسه الكفار وهو لم يقصد، فهنا قد نقول: إنه لا تشبه؛ لأن العلة قد زالت تمامًا.
فإن قال قائل: على قولكم حرموا قيادة الطائرات التي تحمل الصواريخ، والتي تكشف عن بعد؛ لأن الذي يركبها كفار، ويش نقول؟
[ ١ / ٢٣١٥ ]
نقول: هذه ليست من حلاهم التي يتحلون بها، ويتخذونها شعارًا لهم، هذه آلة يركبها الكفار، ويركبها المسلمون، والصحابة ﵃ لما فتحوا البلاد ركبوا السفن التي يصنعها الكفار، والتي هم بها أدرى، ولم يقولوا: والله إذا ركبنا السفينة صرنا متشبِّهين.
طالب: لو كان رجلًا عازمًا على السفر قبل نداء الجمعة، ولكن حبسه العذر حتى نودي للجمعة يبقى ولا؟
الشيخ: يبقى، نعم، إلا إذا كان يضره.
شروط وجوب الجمعة التي تتميز بها عن غيرها؟
الطالب: الذكورية.
الشيخ: الذكورية، وجه ذلك؟
الطالب: لأنها لا تجب على المرأة.
الشيخ: لأن الصلوات الأخرى تجب على الذكر والأنثى، طيب، هذه واحدة.
الطالب: وأن يكون حرًّا.
الشيخ: والحرية؛ لأن الصلوات الأخرى تجب على الحر والعبد.
الطالب: والاستيطان.
الشيخ: والاستيطان؛ لأن الصلوات الأخرى تجب ..
طالب: ().
الشيخ: المستوطن وغير المستوطن. طيب، الاستيطان في أيش؟
الطالب: ببناء اسمه واحد.
الشيخ: ببناء، اسم واحد ما هو بشرط.
طالب: أن يكون مقيمًا.
الشيخ: لا، مستوطنًا ما ().
طالب: ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ.
الشيخ: هذه تختص بالجمعة.
الإسلام والتكليف هل هو شرط خاص أو مشترك؟
طالب: شرط خاص.
الشيخ: الإسلام والتكليف؛ لأن الصلوات الخمس تجب على الكافر والمجنون والصغير.
طالب: لا، تجب على المسلم.
الشيخ: إذن السؤال الآن هل التكليف شرط خاص بالجمعة أو عام في كل الصلوات؟
الطالب: شرط على قول المؤلف خاص بالمكلف.
طالب آخر: شرط عام يا شيخ.
الشيخ: عام.
الطالب: لكل أهل بلد.
الشيخ: والتكليف؟
الطالب: ().
الشيخ: صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما معنى قولنا: إن الصلوات أو الجمعة -مثلًا- غير واجبة على الكافر؟
طالب: غير واجبة؛ لأن الكافر لا تجب عليه.
الشيخ: إي، ما معنى قولنا: غير واجبة؟ هل معناها أنها ساقطة عنه مخفف عنه فيها ولَّا أيش؟
الطالب: لا، ليست ساقطة؛ لكونها مأمورًا بها، لكن يأثم بتركها.
[ ١ / ٢٣١٦ ]
الشيخ: يعني: يؤمر بها في حال كفره؟
الطالب: لا، ليس في حال كفره، لكن بعد أن يسلم.
الشيخ: بعدما يسلم نقول: اقض ما فات.
الطالب: ما يقال: اقض ().
الشيخ: كيف ()؟
طالب: ().
الشيخ: السؤال معنى قولنا: إن الصلاة -ومنها الجمعة- لا تجب على الكافر.
الطالب: لأن من شروط ..
الشيخ: لا، معنى قولنا هذا.
طالب: شيخ، أي أننا لا نطالبه بالصلاة.
الشيخ: نعم، لا نأمره بها أن يفعلها حال كفره، ولا نأمره بقضائها إذا أسلم، إذن ما الفائدة؟ إذا قلنا: إنه لا نأمره بقضائها ولا نأمره بها حال الكفر، هل يعذب عليها في الآخرة أو لا يعذب؟
طالب: نعم، يعذب.
الشيخ: يعذب عليها، تمام.
رجل سافر إلى بلد قريب من بلده فهل تلزمه الجمعة أو لا؟
طالب: تسقط عنه.
طالب آخر: لا، ما تسقط، لا بد أن يصلي قصرًا.
الشيخ: لا تسقط؛ لأنه لا بد أن يكون سفر قصر، كما قال المؤلف.
رجل كان خارج البلد، لكنه لا يتجاوز الفرسخ، فهل عليه صلاة الجمعة أو لا؟
طالب: إذا كان خارج البلد لا تجب.
الشيخ: لا تجب عليه.
ولو كان دون الفرسخ؟
الطالب: ولو كان دون تجب عليه -يا شيخ- لأنها أقرب من فرسخ.
الشيخ: أقل من فرسخ.
تجب عليه بنفسه ولَّا بغيره؟
الطالب: تجب عليه بغيره؛ لأن صلاة الجمعة أقيمت في المدينة فلا بد أن يحضرها.
الشيخ: طيب، ما الفرق بين قولنا: تجب عليه بنفسه أو بغيره؟
الطالب: هو أصلًا لم تحقق فيه الشروط الذي لا بد أن تقام بها الجمعة، ما دام أنه سمع النداء لا بد له أن يجيب.
الشيخ: ما دام أقيمت.
الطالب: لا بد أن يأتي إلى المدينة ويصلي الجمعة.
الشيخ: طيب، فهمنا هذا، معناه لو لم تقم في المدينة فلا عليه شيء، لكن ما الفرق بين قولنا: من تلزمه بنفسه أو بغيره، هل يفرق بين الرجلين أو لا؟
طالب: نعم، يفرق بين الرجلين.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: تلزمه بنفسه إذا كان رجلًا من أهل المدينة مثلًا، فهذا عليه أن يحضر ..
[ ١ / ٢٣١٧ ]
الشيخ: فهمنا من في المدينة تلزمه بنفسه، من خارج البلد دون الفرسخ تلزمه بغيره، ما الفرق بينهما؟
طالب: أن من تلزمه بغيره لم يصح أن يؤم فيها، ولم تنعقد به، وأما من تلزمه بنفسه فيصح أن يؤم فيها وتنعقد، ويحتسب من العدد.
الشيخ: الذي تلزمه بغيره إن أقيمت لزمته، لكنها لا تنعقد به، لا يحسب من العدد، ولا يصح أن يكون إمامًا ولا خطيبًا فيها؛ لأنه ليس من أهل الوجوب بنفسه، معلوم الآن؟
رجل خارج البلد بينه وبين البلد أكثر من فرسخ؟
طالب: لا تلزمه؛ لا بنفسه، ولا بغيره.
الشيخ: يعني ولو أقاموا في البلد الجمعة؟
الطالب: ولو أقاموا في البلد الجمعة.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه معذور، لأنه خارج البلد بأكثر من فرسخ لا يسمع النداء.
الشيخ: طيب، هل عندك دليل على تقدير من تجب عليه الجمعة بفرسخ؟
الطالب: لا يوجد دليل يا شيخ.
الشيخ: ما يوجد دليل، إذن ..
الطالب: لكن هم استدلوا بتعليل أنه في الغالب لا يسمع النداء؛ ولهذا لا يجب عليه؛ لأن أكثر من فرسخ لا يسمع النداء فلا ..
الشيخ: ولا تجب الجمعة على من لا يسمع النداء؛ لقول الرسول: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» (٢)، يقوله في الجماعة، والجمعة كذلك.
طالب: هذه سواء كان أقل من فرسخ أو أكثر من هذا يا شيخ ..
الشيخ: إي، لكن يقولون: إن ما دون الفرسخ لا ينضبط؛ لأنها تختلف باختلاف الرياح؛ مثلًا إذا كان الريح من الجانب هنا يحمل الصوت، وإذا كان بالعكس فأبعد الصوت، إذا كانت البلاد هادئة يكون الصوت أبين، إذا كانت غير هادئة يكون خفيًّا، فقالوا: لما لم ينضبط بالصوت ضبطناه بالمسافة الغالبة وهو الفرسخ.
طالب: حكم العوالي -يا شيخ- يحضرون الجمعة مع الرسول، هم بعيدون ما يسمعون؟
الشيخ: إي نعم، يحبونها.
الطالب: يسمعون النداء.
الشيخ: إن كانوا يسمعونه فهم يسمعونه، وإلا فهم يرغبون الصلاة مع الرسول ﷺ.
[ ١ / ٢٣١٨ ]
ما معنى قول المؤلف: (ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه وانعقدت به)؟
طالب: أي من سقطت عنه لعذر ممن تلزمه الجمعة، فإذا حضرها تجب عليه وتنعقد الجمعة به.
الشيخ: وتنعقد به، مثل؟
الطالب: مثل رجل تلزمه الجمعة، ثم مرض، حضر الجمعة، هذا تلزمه الجمعة وتنعقد به أيضًا.
الشيخ: أحسنت، تمام؛ ولهذا قال: (من سقطت عنه لعذر) ما هو لعدم شرط الوجوب.
طالب: لمانع.
الشيخ: لمانع، فحضرها فإنها تجب عليه وتنعقد به، ويحسب من الأربعين، ويصح أن يكون إمامًا فيها.
امرأة صلت الظهر يوم الجمعة قبل صلاة الإمام؟
طالب: تصح؛ لأنها لا تلزمها الجمعة، الجمعة لا تلزمها؛ لأنها امرأة.
الشيخ: طيب، لها ولد بالغ معافى صلى الظهر قبل صلاة الإمام؟
الطالب: لا تصح.
الشيخ: ما الفرق؟ لماذا صحت لأمه ولم تصح له؟
الطالب: لأنها امرأة لا تطالب بحضور الجمعة.
الشيخ: أمه يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وهو؟
الطالب: هو مطالب.
الشيخ: طيب، إذا صلى قال: أحمد الله، أنا أديت الفريضة؟
الطالب: إي، لكن الشرط هنا أن يكون بعد صلاة الإمام ().
طالب آخر: تصح صلاته مع الإثم.
الشيخ: تصح صلاته مع الإثم.
طالب: شيخ، إن صلى قبل الإمام لا تصح تكون ..
الشيخ: هو كذا؟ فرضنا للمسألة صلى قبل الإمام.
الطالب: لم تصح منه؛ لأن فرض الوقت الجمعة، فصلى صلاة الظهر غير ما أمر به.
الشيخ: يعني: صلى صلاة غير مأمور بها وترك ما أمر به، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٧)، تمام، طيب.
أمه ليش يصح صلاتها؟
طالب: لأن المرأة لا تجب عليها، المرأة مأمورة بالصلاة؛ صلاة الظهر فأدتها ().
الشيخ: يقول المؤلف: إن الأفضل لمن لا تلزمه الجمعة ألَّا يصلي إلا بعد الإمام، فما تعليل ذلك؟ وما مدى صحته؟
طالب: التعليل -يا شيخ- أنه قد يزول عنه العذر، فإذا زال عنه العذر وجب عليه الحضور، فلا يجوز منه ..
[ ١ / ٢٣١٩ ]
الشيخ: فالاحتياط أحسن يعني؟ وهل هذا التعليل قوي؟
الطالب: نعم، التعليل قوي، إلا من كان عذره؛ يعني: فيه تفصيل، من كان عذره باقيًا لا يزول فإنه -نقول على كلام المؤلف- صحيح.
الشيخ: إذا كان عذره لا يزول فكلام المؤلف صحيح؟
الطالب: لا، ليس بصحيح، فليس له أن يؤخر، أما من كان عذره سيزول نقول له: الأفضل أن تؤخر.
الشيخ: سيزول، ما ندري، هو يزول ولَّا لا؟
الطالب: لا، ممكن يزول، ممكن؛ يعني: فيه احتمال.
الشيخ: يعني: من كان فيه احتمال أن عذره يزول فالأفضل أن يؤخر، ومن لا؟
الطالب: فلا.
الشيخ: فلا. طيب ما تقولون في هذا الكلام؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: طيب، رجل مريض سافر يوم الجمعة بعد الزوال؟
طالب: يجوز له السفر.
الشيخ: كيف يجوز السفر؟ نقول: أصل أنت بتمشي ولَّا ما تروح للصلاة.
الطالب: إذا كان مريضًا بحيث يكون مرض يسقط عنه الوجوب يجوز له السفر.
الشيخ: نعم، إذا كان مرضه يسقط عنه الجمعة جاز له السفر، طيب خاف الرفقة؟
الطالب: وهو مريض أو صحيح؟
الشيخ: لا، ما هو مريض، صحيح، خاف الرفقة، هل يجوز أن يسافر بعد الزوال أو لا؟
الطالب: نعم، يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: هذا عذر.
الشيخ: لأن هذا عذر في ترك؟
الطالب: في ترك الجماعة.
الشيخ: تمام، المؤلف ﵀ يقول: إن من شروط صحة الجمعة الوقت، فهل هناك فرق بين أن نقول: من شروطها الوقت وبين ما قالوه في باب شروط الصلاة: من شروطها دخول الوقت؟
طالب: فيه فرق () والصلاة في غير الجمعة () تصح في وقتها أو بعدها.
الشيخ: أو بعد وقتها للعذر، تمام، صحيح، إذن ما سواها نقول في الشرط؟
طلبة: دخول الوقت.
الشيخ: أما هي فنقول: الوقت.
متى يدخل وقت صلاة الجمعة على ما مشى عليه المؤلف؟
طالب: أول وقت صلاة العيد.
الشيخ: متى وقت صلاة العيد؟
الطالب: بعد طلوع الشمس.
الشيخ: بعد طلوع الشمس بكم؟
الطالب: قيد رمح.
الشيخ: قيد رمح، ويش تقولون؟ صح؟
طلبة: صح.
[ ١ / ٢٣٢٠ ]
الشيخ: نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف: (أحدها الوقت) يعني: أحد الشروط الخاصة بالجمعة الوقت، (وأوله أول وقت صلاة العيد) أي: من ارتفاع الشمس قيد رمح، قال: (وآخره آخر وقت صلاة الظهر)، علامته إذا كان ظل الشيء كطوله بعد خصم ظل الزوال، وعلامة ذلك الشمس إذا طلعت يكون لكل شاخص -أي: لكل شيء قائم- ظل من جهة المغرب، ثم لا يزال هذا الظل يتناقص شيئًا فشيئًا؛ كلما ارتفعت الشمس نقص إلى أن يقف، إذا وقف وبدأ يزيد زيادة قليلة فهنا يكون الزوال، اجعل علامة على المحل الذي بدأ يزيد منه، ثم هو سوف يزداد؛ الظل سوف يزداد، إذا كان من العلامة التي زالت عليها الشمس إلى منتهى الظل طول الشاخص، فهنا يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر، وهذه علامة يعرفها كل إنسان؛ كل إنسان يمكن أن يضع شيئًا شاخصًا في محل مستوٍ من الأرض، ثم يرقبه، فما دام ظله ينقص فالشمس لم تَزُل، وإذا بدأ يزداد أدنى زيادة فالشمس قد زالت، ضع علامة على مبتدأ الزيادة، ثم إذا صار من هذه العلامة إلى منتهى الظل طول هذا الشاخص فقد خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر، إذن يكون انتهاء وقت صلاة الجمعة إذا صار ظل الشيء كطوله بعد فيء الزوال.
تتساوى مع الظهر العادي في آخر الوقت وتختلف في أوله، ما هو الدليل على صحة هذا؟
أولًا: الوقت، قبل كل شيء الدليلُ على أنها لا تصح إلا فيه الإجماعُ، فإنه قد نقل الإجماع؛ إجماع العلماء على أن صلاة الجمعة لا تصح قبل الوقت ولا بعد الوقت، هذا الإجماع.
أوله وقت صلاة العيد، لكن ما هو الدليل؟ لأننا ذكرنا قاعدة مفيدة؛ أن كل تحديد بمكان أو زمان فإنه لا بد له من دليل؛ لأن التحديد يحتاج إلى توقيف، فكل من حدَّد شيئًا فلا بد من دليل.
[ ١ / ٢٣٢١ ]
مثلًا الذين حددوا الحيض بأن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا نقول: هاتوا الدليل، وإلا لا قبول، الذين حددوا مسافة القصر بيومين نقول: هاتوا الدليل، الذين حددوا الإقامة التي تقطع حكم السفر بأربعة أيام نقول: هاتوا الدليل، الذين حددوا الفطرة بصاع نقول: هاتوا الدليل. كل إنسان يحدد أي شيء بتحديد؛ سواء مكان، أو زمان، أو عدد، أي شيء، فيحتاج إلى دليل.
فمثلًا نقول: هؤلاء الذين حددوا دخول وقت الجمعة بارتفاع الشمس قيد رمح، نقول: أين الدليل؟ لأن المعروف أن الجمعة تكون عند الزوال أو بعد الزوال، فحديث أبي هريرة: من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى، ثم قال: الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة (٨)، كله يدل على أن هناك فسحة طويلة بين طلوع الشمس ووقت الصلاة.
ذكر المؤلف أثرًا عن عبد الله بن سيدان أنه شهد الجمعة مع أبي بكر وعمر وعثمان، وفيها ما يدل على تقديم الجمعة على الزوال، يقول: شهدت الجمعة مع أبي بكر ﵁، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره. رواه الدارقطني (٩)، وأحمد، واحتج به.
لكن هذا الحديث لا يستقيم الاستدلال به على أن وقت صلاة الجمعة يكون من ارتفاع الشمس قيد رمح؛ أولًا: الأثر ضعيف، كما قاله النووي وغيره، وراويه يقول عنه البخاري: إنه لا يتابع على حديثه، فهو ضعيف. هذا واحد.
[ ١ / ٢٣٢٢ ]
ثانيًا: لو صح هذا الأثر فليس فيه دليل على ما اسْتُدِلَّ به عليه؛ لأن قوله: كانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، يدل على أنها قريبة من النصف، ولو كانت في أول النهار لقال: كانت صلاته وخطبته في أول النهار، فهناك فرق بين أن أقول: قبل النصف وبين أن أقول: في أول النهار؛ لأن (قبل النصف) يعني أنها قريبة؛ ولهذا قال: ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ومع عثمان إلى أن أقول: قد زال النهار، وهذا يدل على أن صلاة أبي بكر ﵁ كانت قريبة من الزوال؛ ولهذا كان من مفردات الإمام أحمد ﵀ أن صلاة الجمعة تصح قبل الزوال، لم يقل بذلك أحد من الأئمة الثلاثة، بل هو من المفردات، والأئمة الثلاثة كلهم يقولون: لا تصح إلا بعد الزوال.
لكن هناك قولًا وسطًا يقول: تصح في الساعة السادسة، استنادًا إلى حديث أبي هريرة: من راح في الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ويش يقرب الخامسة؟ بيضة، فإذا خرج الإمام انتهى حضرت الملائكة يستمعون الذكر (٨).
يكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة في الساعة السادسة؛ ولهذا رجح الموفق ﵀ في المغني -وهو من أكابر أصحاب الإمام أحمد- أنها لا تصح قبل السادسة، كما ذهب إليه كثير من الأصحاب -ومنهم الخرقي- أنها لا تصح قبل السادسة، ففي أول النهار لا تصح، وهذا القول هو الراجح؛ أنها لا تصح في أول النهار، إنما تصح من السادسة، والأفضل أيضًا -على القول بأنها تصح في السادسة- أن تكون بعد الزوال؛ وفاقًا لأكثر العلماء.
يقول: (وآخره آخر وقت صلاة الظهر) وهذا مجمع عليه، آخر وقتها آخر وقت صلاة الظهر، متى؟ أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال.
[ ١ / ٢٣٢٣ ]
قال: (فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا)، إن خرج وقت الجمعة قبل أن يدركوا تكبيرة الإحرام في الوقت فإنهم يصلون ظهرًا، ولاحظوا أن هذه المسألة مسألة تكاد تكون فرضية لا واقعية، لماذا؟ لأنه؛ أولًا: يبعد أن يترك أهل بلد كامل صلاة الجمعة إلى ألَّا يبقى من الوقت إلا مقدار ما يجب من الخطبة وتكبيرة الإحرام. هذا بعيد وين هم؟ نايمين ولا ويش بيلعبوا؟ ! هذه واحدة.
ثانيًا: من الذي يُقدِّر أن الشمس تنتهي أو ينتهي ظل الشاخص إلى ألَّا يبقى إلا قدر التحريمة؟ هذا صعب جدًّا، هذا صعب؛ يعني: ولا كمبيوتر، وفي الزمن السابق ليس عندهم دقة هذا الحساب.
هذه المسألة في الحقيقة هي من الأمور التي تعتبر فرضية، ولكن الفقهاء -﵏ وجزاهم الله عن أمة محمد خيرًا- يفرضون المسائل المتوقعة خوفًا من أن تقع ولو في ألف سنة مرة؛ من أجل تمرين الذهن على تطبيق المسائل على أصولها، وهذا من حسن التربية والتعليم؛ أن المعلم يذكر الأصول، ثم يفرِّع عليها التفريعات، وإن كانت نادرة الوقوع أو فرضية الوقوع.
إذن نأخذ بقية كلام المؤلف: (إذا خرج وقتها قبل أن يكبروا تكبيرة الإحرام صلوها ظهرًا)؛ لأن الظهر تُقْضَى والجمعة لا تُقْضَى، ولكن لاحظوا أنه لا بد من أن يتقدم تكبيرة الإحرام واجب الخطبة؛ يعني خطبتين بأركانهما، ثم تكبيرة الإحرام، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، بناء على أن إدراك تكبيرة الإحرام معتبر، كما هو المذهب؛ المذهب جميع الإدراكات تعتبر بتكبيرة الإحرام، إلا إدراكًا واحدًا؛ وهو إدراك الرجل صلاة الجمعة، إدراك الرجل صلاة الجمعة لا يكون إلا بإدراك ركعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، حطوا بالكم، جميع الإدراكات تعتبر بتكبيرة الإحرام، إلا إدراك الرجل الجمعة فيعتبر بإدراك ركعة كاملة.
[ ١ / ٢٣٢٤ ]
والصحيح في هذا أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١٠)، هذا منطوق الحديث؛ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، مفهومه: من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة، وهذا عام في جميع الإدراكات، ولعلكم تتعجبون كيف نعبِّر (جميع الإدراكات)! هل هناك إدراكات كثيرة؟
نقول: نعم؛ منها: لو حاضت المرأة بعد غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام، فعلى المذهب قد أدركت المغرب، وعلى القول بأنه لا بد من ركعة لم تدرك، وينبني عليهما هل إذا طهرت من الحيض تقضي هذه الصلاة أو لا تقضيها؟ على المذهب تقضيها، وعلى القول الثاني لا تقضيها.
هناك قول ثالث في هذه المسألة بالذات يقول: لا قضاء عليها، إلا إذا أخرت الصلاة حتى ضاق وقتها، ثم حاضت، فحينئذٍ يلزمها القضاء، ويعللون ذلك بأن هذه المرأة لها الحق في تأخير الصلاة إلى أن يضيق الوقت عن فعلها، فهي إذا أخرت غير آثمة، فإذا جاءها المانع في وقت هي غير آثمة فيه فإنها لا تعد مفرِّطة.
ثم الظاهر من نساء الصحابة أنهن إذا حضن في الوقت لا يقضين صلاة الوقت، وإن كان يحتمل أنهن عند تحري الحيض يقدمن الصلاة في أول الوقت خشية أن يحدث لهن حيض، الله أعلم.
المسألة الثانية: امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام، على المذهب يلزمها صلاة العصر، وكذلك الظهر أيضًا؛ لأنها تجمع إليها.
وعلى القول الثاني لا تلزمها صلاة العصر ولا الظهر؛ لأن الظهر تلزمها تبعًا، لا تلزمها صلاة العصر؛ لأنها لم تدرك من الوقت مقدار ركعة.
امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس بمقدار ركعة؟
طالب: بمقدار ركعتين.
الشيخ: لا، بمقدار ركعة، انتبهوا بمقدار ركعة.
طلبة: يلزمها.
الشيخ: على القولين يلزمها؟
طلبة: يلزمها على القولين.
الشيخ: يلزمها على القولين، صح أو تخالف؟
الطالب: لا.
[ ١ / ٢٣٢٥ ]
الشيخ: اطمأننت الآن، كأنك بالأول أشكل عليك، والصحيح أنها لا تلزمها صلاة الظهر أيضًا.
***
الطالب:
فصل
يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام؛ أحدها الوقت، وأوله أول وقت صلاة العيد، وآخره آخر وقت صلاة الظهر، فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا، وإلا فجمعة.
الثاني حضور أربعين من أهل وجوبها، الثالث أن يكونوا بقرية مستوطنين، وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء، فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرًا، ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر.
ويشترط تقدم خطبتين ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام) ولم نناقش في هذه الجملة.
السؤال ما تقول في قوله: (ليس منها إذن الإمام) ما معناها؟
الطالب: معناه أنه لا يستأذن الإمام في إقامة صلاة الجمعة تقام؛ أذن أم لم يأذن.
الشيخ: لماذا نص المؤلف على نفي هذا الشرط؟
الطالب: لأن العلماء اختلفوا في ذلك.
الشيخ: يعني من العلماء من قال.
الطالب: قال: إنه يجب استئذان الإمام.
الشيخ: لا تقام إلا بإذن الإمام، طيب.
هل هناك قول آخر في المسألة؟
طالب: هناك قول آخر أنه لا بد من إذن الإمام، وقول ثالث أنه لا بد من إذن الإمام إذا تعددت الجمع، أما إن لم تتعدد وكان هناك جمعة واحدة فلا يشترط إذن الإمام فيها؛ أي: في أصل الجمعة لا يشترط إذن الإمام.
الشيخ: يعني تفصيل؛ يشترط إذن الإمام لإقامة جمعة زائدة على واحدة؛ يعني: فيما زاد على الواحدة يشترط إذن الإمام؛ لئلا تكون المسألة؟
الطالب: فوضى.
الشيخ: فوضى، كل يقيم الجمعة في مسجد ويقول: نكتفي عن الذهاب، هذا القول هو الراجح، هذا الأخير هو الراجح.
[ ١ / ٢٣٢٦ ]
سبق لنا الخلاف في وقت الجمعة، ما هو المشهور من المذهب في أول وقت صلاة الجمعة؟
طالب: أول وقت صلاة العيد من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح حتى أقصى وقت صلاة ..
الشيخ: أول وقت من ارتفاع الشمس قيد رمح. طيب آخره؟
الطالب: آخر وقت صلاة الظهر.
الشيخ: آخر وقت صلاة الظهر، إذن توافق الظهر في الانتهاء، ولا توافقه في الابتداء، تمام، طيب.
متى ينتهي وقت صلاة الظهر؟
طالب: إذا صار ظل كل شيء مثليه.
الشيخ: نعم، إذا صار ظل كل شيء مثله.
الطالب: مثليه.
الشيخ: لا، مثله.
الطالب: ووقت العصر أيضًا.
الشيخ: لا، زائدًا؟
طالب: بعد فيء الزوال.
الشيخ: زائدًا على فيء الزوال، طيب، اشرح هذا.
طالب: الشمس إذا خرجت من المشرق، فعندما يكون هناك ناصب أو شاخص، يكون هذا الشاخص ..
الشيخ: الشاخص؛ يعني: الشيء المنصوب.
الطالب: يكون من جهة الغرب.
الشيخ: يكون له ظل.
الطالب: من جهة الغرب.
الشيخ: من جهة الغرب، كلما ارتفعت الشمس.
الطالب: ينقص هذا الظل، حتى لا يكون لهذا الشاخص ظل.
الشيخ: لا، حتى ينتهي نقصه، ثم يأخذ؟
الطالب: في الازدياد.
الشيخ: في الزيادة، بمجرد ما يأخذ في الزيادة تكون الشمس؟
الطالب: بدأت في الزوال.
الشيخ: قد زالت، طيب.
هل يمكن يكون هناك ظل؛ يعني: يبقى ظل قبل الزوال ولَّا لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، يبقى، أما في الشتاء فظاهر؛ يبقى ظل كثير؛ لأن الشمس تنحرف إلى الجنوب، في الصيف يقل هذا الظل، لكن المهم أنا قلت لكم في الدرس الماضي: إنك تجعل أيش؟
الطالب: شاخصًا.
الشيخ: انتهينا من الشاخص، لكن هذا الظل ينقص ينقص إلى أن ينتهي.
الطالب: نجعل علامة.
الشيخ: علامة على محل؟
الطالب: بداية ازدياد الظل.
الشيخ: بداية ازدياد الظل، من هذا المحل إلى أن ينتهي الظل إذا صار طول الشاخص؟
الطالب: فيكون هذا آخر صلاة الظهر.
الشيخ: آخر صلاة الظهر وأول صلاة العصر، طيب.
ذكرنا أن هناك قولًا آخر في وقت صلاة الجمعة.
طالب: بدايته يعني؟
[ ١ / ٢٣٢٧ ]
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قالوا: في أول وقت النهار أول ما تطلع الشمس.
الشيخ: لا، الأقوال الشاذة اللي يقول: من صلاة الفجر، هذه ما نذكرها.
طالب: الساعة السادسة يا شيخ.
الشيخ: يعني: قبل الزوال بساعة، طيب، فيه قول ثالث؟
طالب: أجمع العلماء على أنها ..
الشيخ: اترك (أجمع)، بس إذا قلت: أجمع معناها ما فيه قول.
الطالب: القول الوسط.
الشيخ: القول الثالث.
الطالب: قالوا: إنها تصح في الساعة السادسة.
الشيخ: هذا هو ذكره الأخ.
الطالب: بعد الزوال.
الشيخ: القول الثالث أن وقتها بعد الزوال كالظهر، طيب، ذكرنا أن هذا مذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، وكل قول يقول: إن وقت الجمعة قبل الزوال فهو من مفردات الإمام أحمد ﵀.
ما هي حجة من قال: إنها تكون في الساعة السادسة؟
طالب: نعم، أحسن الله إليك؛ لأنهم قالوا بأن النبي ﷺ لما ذكر الساعة الخامسة، وذكر أن من أتي فيها فكأنما قرب بيضة.
الشيخ: دليلهم حديث أبي هريرة فيمن اغتسل وراح في الساعة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، قال: فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة وطويت الصحف.
الطالب: يستمعون الذكر.
الشيخ: متي يحضر إذا أخذنا خمس ساعات؟
الطالب: حضروا في الساعة السادسة.
الشيخ: السادسة، طيب.
الطالب: الجمهور قالوا: إنه يجوز.
الشيخ: يجوز في الساعة السادسة، طيب، حجة الذين قالوا: إنها لا يدخل وقتها إلا بالزوال كالظهر؟
طالب: النووي ضعَّف الحديث.
الشيخ: لا، دعْنا، هذا دفاع، نريد الحجة التي يثبتون بها قولهم قبل أن يردوا قول غيرهم، إحنا ذكرنا في الخلاف أظن سبق، قلنا في الخلاف: لا بد أن تثبت قولك أولًا بدليل، ثم تدفع قول مخالفك.
طالب: حديث سلمة بن الأكوع () مع الرسول ﷺ بعد الزوال؟
الشيخ: كنا نُجَمِّع إذا زالت الشمس (١١)، طيب هذا نص، وتعليل أنها؟
الطالب: كيف التعليل؟
الشيخ: التعليل يعني علة.
[ ١ / ٢٣٢٨ ]
الطالب: يعني لا يكون قبل الزوال صلاة ..
الشيخ: أنها كصلاة الظهر، كما أن الظهر لا تصح قبل الزوال فكذلك صلاة الجمعة؛ لأن الظهر تكون بدلًا عنها إذا فاتت، مع الاتفاق على أن فعلها بعد الزوال أفضل؛ يعني: العلماء حتى الذين قالوا بجوازها قبل الزوال يقولون: هي بعد الزوال أفضل.
هناك فرق بين أن نقول: من شرط الصلاة دخول الوقت، ومن شرط الصلاة الوقت؟
طالب: أما (دخول الوقت) فمعناه أنها تقضى هذه الصلاة، وأما إذا قيل: (الوقت) فمعناه أنه إذا انتهي الوقت لا يصح أن تقضى.
الشيخ: لا تقضى، تمام، والجمعة كذلك؛ الجمعة إذا خرج وقتها لا تقضى.
***
قال المؤلف ﵀ ﷿: (فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا، وإلا فجمعة) (إن خرج وقتها) أي: وقت الجمعة.
(قبل التحريمة) أي: قبل تكبيرة الإحرام فإنهم يصلونها ظهرًا، لماذا؟ لأن الوقت قد فات، فإن الوقت لا يدرك إلا بتكبيرة الإحرام، فمن فاتته تكبيرة الإحرام فقد فاته الوقت، وهذا الذي مشى عليه المؤلف ﵀، بناء على أن الإدراك يكون بتكبيرة الإحرام.
والصحيح أن الإدراك لا يكون إلا بركعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١٠).
وعلى هذا فنقول: إن خرج وقتها قبل إدراك ركعة -بدل قول المؤلف: (قبل التحريمة) - فإنهم يصلونها ظهرًا.
إذا قُدِّر أنه بقي من الوقت مقدار الواجب من الخطبة فماذا تصلى؛ ظهرًا أو جمعة؟
الطلبة: ظهرًا.
الشيخ: ظهرًا؛ لأنه لا يمكن إقامة الجمعة الآن؛ إذ إن الجمعة لا بد أن يتقدمها خطبتان، فإذن لا بد أن يبقى من وقت الجمعة مقدار الواجب من الخطبتين، ومقدار تكبيرة الإحرام على قول المؤلف، أو ركعة على القول الذي رجحناه.
قال: (صلوا ظهرًا وإلا فجمعة) ولكن لو قال قائل: هل يمكن أن يخرج وقت صلاة الجمعة في قرية على الناس جميعًا؟
طلبة: ما يمكن.
[ ١ / ٢٣٢٩ ]
الشيخ: هو -على كل حال- نادر، يمكن، لكنه نادر، وصورة إمكانه إن قُدِّرت أن يكون الجو ملبدًا بالغيوم، وليس عندهم ساعات، ويتعجلون الوقت، فيظنون أن الوقت مبكر، ثم تنجلي الغيوم وإذا هم قرب صلاة العصر، هذا ممكن.
ثم قال المؤلف: (الثاني حضور أربعين من أهل وجوبها) إلى أين؟ حضورهم الصلاة والخطبة، لا بد أن يحضروا الصلاة والخطبة، ويقول المؤلف: (أربعين)؛ فإن حضر تسعة وثلاثون لم تصح الجمعة.
ولا بد أن يكونوا من أهل وجوبها، وسبق بيانهم، من أهل وجوبها؟ كل ذكر، حر، بالغ، عاقل، مسلم، مستوطن، ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، ستة شروط أو سبعة؛ إن جعلنا (مكلف) شرطًا واحدًا فهي ستة، وإن جعلناها شرطين فهي سبعة، لا بد أن يكون هؤلاء الأربعون متصفين بهذه الصفات؛ كلهم ذكور، كلهم أحرار، كلهم مسلمون، كلهم مكلفون، كلهم مستوطنون ببناء؛ يعني: بالقرية، كلهم ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ، لا بد من هذه الشروط.
فإن حضر تسعة وثلاثون حرًّا وعبد ..
الثالثُ: أن يكونوا بقريةٍ مسْتَوْطِنِينَ، وتَصِحُّ فيما قارَبَ البُنيانَ من الصَّحْراءِ،
فإن نَقَصُوا قبلَ إتمامِها اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا، ومَن أَدْرَكَ مع الإمامِ منها رَكعةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً وإن أَدْرَكَ أَقَلَّ من ذلك أَتَمَّهَا ظُهْرًا إذا كان نَوَى الظُّهْرَ، ويُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ، ومِن شَرْطِ صِحَّتِهما حَمْدُ اللهِ، والصلاةُ على رسولِه مُحَمَّدٍ ﷺ، وقراءةُ آيةٍ، والوَصِيَّةُ بتَقْوَى اللهِ ﷿، وحُضورُ العددِ الْمُشْتَرَطِ، ولا يُشْتَرَطُ لهما الطهارةُ
[ ١ / ٢٣٣٠ ]
لا بد أن يكون هناك دليل، دليله يقول: قال أحمد: بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم جمعة جمَّع بهم وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة (١)، هذا الحديث هذا دليله أن الرسول ﵊ بعث مصعب بن عمير ﵁ إلى أهل المدينة، فجمَّع بهم وكانوا أربعين.
ولكن إن صح هذا الأثر فإنه لا يصح الاستدلال به؛ وذلك لأن بلوغهم هذا العدد وقع اتفاقًا لا قصدًا؛ يعني: أمروا أن يجمعوا فجمعوا فإذا هم أربعون، لم يقل: إنهم أمروا أن يجمعوا فلما بلغوا أربعين أقاموا الجمعة، لو كان لفظ الحديث هكذا لكان فيه شيء من الاستدلال.
أما أمروا بالتجميع فجمعوا فإذا هم أربعون، فهذا لا يدل أبدًا على أن هذا شرط، ليش؟ لأنه وقع اتفاقًا، لا قصدًا، اتفاقًا يعني: وافق العدد هكذا وليس هذا عن قصد.
دليل آخر قال جابر: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى (٢)، هذا لو صح الحديث لكان دليلًا؛ لأنه قال: إن في كل أربعين جمعة وأضحى وفطرًا، ولكن هذا الحديث لا يصح، هذا غير صحيح.
وبهذا عرفنا أن دليل المؤلف إما صريح غير صحيح مثل حديث جابر: مضت السنة، وإما صحيح غير صريح، مثل حديث مصعب بن عمير، والحديث الذي تثبت به الأحكام لا بد أن يكون صحيحًا وصريحًا؛ لا بد أن يكون صحيحًا لأن الضعيف ليس بحجة، بل ولا مقبول، كما هو معروف من علم المصطلح، صريح لأن غير الصريح يكون محتملًا، ومن القواعد المقررة عند العلماء في الاستدلال أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال، وعلى هذا فاشتراط الأربعين لإقامة الجمعة غير صحيح؛ لأن ما بني على غير صحيح فليس بصحيح.
[ ١ / ٢٣٣١ ]
ثم يقال: إنه ثبت في صحيح مسلم أن الصحابة ﵃ لما قدمت العير من الشام إلى المدينة، وكانوا في شفقة لقدومها لشدة حاجتهم انفضوا إليها، والنبي ﷺ يخطب، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا؛ (٣) أقل من أربعين، أليس كذلك؟ وبقي النبي ﵊ على صلاته؛ يعني: بقي مقيمًا لصلاة الجمعة.
فماذا نقول في هذا الحديث؟ قالوا: نقول: لعل هؤلاء الذين خرجوا رجعوا فورًا قبل أن يمضي النبي ﷺ في خطبته.
وهذا الاحتمال خلاف الأصل وخلاف الظاهر؛ خلاف الأصل -وهذا مر علينا في قواعد ابن رجب- خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن من خرج لا يعود حتى يثبت دليل عوده، هذا واحد، خلاف الظاهر؛ لأنه ليس من الظاهر أنهم يخرجون بس ينظرون ويش اللي جه؟ ويرجعون، سيبقون هناك يشترون من المتاع الذي حضر، فهذا الرد للاستدلال بهذا الحديث، رد يخالفه أيش؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: الأصل والظاهر. ويش الأصل اللي يخالفه؟
طلبة: عدم الرجوع.
الشيخ: عدم الرجوع، خرجوا، فالأصل عدم رجوعهم إلا بدليل أنهم رجعوا قبل أن يستمر الرسول ﷺ في خطبته.
خلاف الظاهر؛ لأن هؤلاء انفضوا إلى التجارة، والمنفض إلى التجارة بس بينظر ويش التجارة؟ ويرجع، بعيد هذا، هذا خلاف الظاهر؛ ولهذا عاتبهم الله ﷿ فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، شوف شدة التوبيخ ﴿تَرَكُوكَ﴾، هذا صعب على النفوس أن الرسول يترك ﵊، ﴿قَائِمًا﴾ أنت قائم فيهم تعظهم وترشدهم، ثم يتركونك وأنت قائم؛ يعني: ما انتهت خطبتك، هذا توبيخ أشد ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
إذن الرد على هذا الحديث هذا رد باطل. يبقى النظر هل نقول بمقتضى هذا الحديث ونقول: إن من شرط إقامة الجمعة أن يكونوا اثني عشر رجلًا؟
[ ١ / ٢٣٣٢ ]
طلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: ذهب بعض العلماء إلى ذلك، لا تقولوا: لا، على طول، ذهب بعض العلماء إلى ذلك؛ أنه لا بد من اثني عشر رجلًا من أهل الوجوب.
من الذي قال: لا، يبين لنا وجه قوله: لا؟
طالب: لأنه حصل اتفاق.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا وقع اتفاقًا، خرجوا وبقي اثنا عشر رجلًا، ربما يبقى أكثر، ربما يبقى أقل، لكن هذا اللي وقع؛ يعني: وافق أن الذي بقي كم؟ اثنا عشر رجلًا، وما وقع اتفاقًا لا قصدًا فإنه لا يصح الاستدلال به.
طالب: وجه آخر.
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو أن النبي ﷺ لم ينه البقية عن الخروج؛ يعني: لما بقي اثنا عشر فقط ما قال: لا تخرجوا؛ لأن الجمعة تبطل إنما سكت، فلو خرج غيرهم ما بينهاهم.
الشيخ: لا، على كل حال الأول أصح، هذا فيه شيء.
قال بعض العلماء: يشترط أربعة رجال، وهذا مذهب أبي حنيفة، لا بد من أربعة رجال؛ إمام، وثلاثة يوجه إليهم الخطاب؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] و﴿آمَنُوا﴾ جمع، وأقل الجمع ثلاثة، والإمام هو الذي يسعى له لخطبته، وعلى هذا فيكون لا بد من أربعة رجال.
وقال بعض العلماء: هذا الاستدلال ليس بصحيح؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإن كان جمعًا، فالمراد به الجنس؛ ولهذا يؤمر الرجل بالحضور إلى الجمعة ولو كان واحدًا.
القول الرابع: أنه يشترط أن يكونوا ثلاثة؛ خطيب ومستمعان؛ لأن الثلاثة أقل الجمع، ولأنه روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي الدرداء ﵁: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (٤)، والصلاة عامة تشمل أيش؟
طلبة: الجمعة وغيرها.
[ ١ / ٢٣٣٣ ]
الشيخ: الجمعة وغيرها، الصلاة والجمعة من الصلاة، فإذا كانوا ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة، فإن الشيطان قد استحوذ عليهم، وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة على الثلاثة، ولا يمكن أن نقول بوجوبها على الثلاثة، ثم نقول: لا تصح من الثلاثة، أو لا؟ لا يمكن أن نقول: تجب على الثلاثة ثم نقول: لا تصح، لماذا؟ لأن إيجابها عليهم ثم قولنا: إنها غير صحيحة.
طلبة: تضاد.
الشيخ: تضاد، معناه: أمرناهم بشيء باطل، والأمر بالشيء الباطل حرام، إذن هذا القول له هذا الحديث، وهو قوي، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن الجمعة تجب على الثلاثة فما فوق عرفتم؟
فيه قول خامس يقول: الجمعة تجب على اثنين فما فوق؛ لأن الاثنين جماعة يحصل بهم الاجتماع، ومن المعلوم أن صلاة الجماعة في غير الجمعة تنعقد باثنين بالاتفاق، فالجمعة كسائر الصلوات، فمن ادعى خروجها عن بقية الصلوات في أن جماعتها لا بد فيها من ثلاثة فعليه الدليل، وهذا مذهب أهل الظاهر، واختاره الشوكاني في شرح المنتقى، وهو قول قوي، لكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أرجح؛ لأنه لا بد من جماعة تستمع، وأقلها اثنان، والخطيب هو الثالث، والحديث اللي ذكرناه حديث أبي الدرداء أيضًا يؤيد ما قاله الشيخ.
بقينا فيه قول سادس يقول: تصح الجمعة حتى من واحد؛ ويقول: إن الجمعة فرض الوقت، فما الفرق بين الجماعة والواحد، كما أن الظهر فرض الوقت، ولا فرق بين الواحد والجماعة، ومن ادعى شرطية العدد في الجمعة فعليه الدليل، لكن هذا قول شاذ، وهناك أقوال أخرى تبلغ نحو العشرة في هذه المسألة، والناس كثر فيهم يعني كثر الخلاف والجدل في هذه المسألة.
وأقرب الأقوال إلى الصواب هو أنها تنعقد بثلاثة وتجب عليهم، وعلى هذا فإذا كانت هذه القرية فيها مئة طالب، وليس فيها من مواطنيها إلا ثلاثة نعم؟
طلبة: () عليهم.
الشيخ: تجب الجمعة عليهم، تجب على الثلاثة بأنفسهم، وعلى الآخرين بغيرهم
[ ١ / ٢٣٣٤ ]
طيب فيها مواطنان ومئة مسافر مقيم؟
طالب: لا تجب.
الشيخ: لا تجب، لا هذا ولا هذا، لا، خل على القول الثاني على اللي اخترنا لا تجب.
إذا حضر تسعة وثلاثون، والإمام يرى العدد، والتسعة والثلاثون يرون الثلاثة، الإمام يرى أن الواجب أربعون، والتسعة والثلاثون يرون أن الواجب ثلاثة، ويش نصنع؟ الإمام يقول: ما أنا مصلي بكم؛ لأني أرى أن العدد لا بد أن يبلغ الأربعين، وهم يقولون: صلِّ لأن الصحيح أن العدد ثلاثة.
نقول: الإمام لا يصلي، ويقوم واحد من هؤلاء الذين لا يرون الأربعين، ثم يلزم الإمام أن يصلي ولَّا ما يلزم؟
طلبة: يلزمه.
الشيخ: لأنها أقيمت صلاة الجمعة.
إذا كان بالعكس؛ الإمام لا يرى العدد أربعين، والتسعة والثلاثون يرون العدد أربعين؟
طالب: ما يصلون.
الشيخ: ما يصلون جمعة كلهم، لا يصلون جمعة؛ لأن التسعة والثلاثين يقولون: نحن لن نصلي ويش يبقى؟ يبقى واحد لا تنعقد به الجمعة، فنقول: لا تلزمكم الجمعة كلكم، صلوا ظهرًا.
وهذه المسألة اللي ذكرها العلماء ﵏ تدلنا على أن الإنسان ينبغي أن يكون واسع الأفق، شوف كيف الآن أسقطوا الجمعة من أجل الخلاف، وأوجبوها من أجل الخلاف، فالمسائل الخلافية التي يسوغ فيها الاجتهاد لا ينبغي للإنسان أن يكون فيها عنيفًا بحيث يضلل غيره. أهل السنة والجماعة من هديهم وطريقتهم ألا يضللوا غيرهم ما دامت المسألة يسوغ فيها الاجتهاد، حتى إنهم قالوا: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، من خالف في ترتيبهم في الخلافة فهو ضال، يعني من قال: إن عليًّا أولى من أبي بكر في الخلافة فهو ضال، حتى قال الإمام أحمد ﵀: هو أضل من حمار أهله، ومن خالف في التفضيل فقال: علي أفضل من عثمان مثلًا فإنه لا يُضَلَّل؛ لأن هذه مسألة فيها خلاف بين أهل السنة، فلا يُضَلَّل.
[ ١ / ٢٣٣٥ ]
نقول: إذا كنت ترى أن الأحاديث الواردة في فضل علي ﵁ تفوق الأحاديث الواردة في فضل عثمان ﵁ فلك رأيك، ما نقول: إنك ضال، لكن من فضل عليًّا على أبي بكر وعمر فقد قدح في عليّ نفسه؛ لأن علي بن أبي طالب ﵁ يقول على منبر الكوفة، وهو يخطب الناس: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. (٥) يعلِن، فمن فضله عليهما فقد قدح فيه هو نفسه ﵁.
على كل حال أنا أقول لكم: لا ينبغي أن تشددوا في مسائل الخلاف الاجتهادية، أو أن تضللوا غيركم، من رحمة الله ﷿ أنه لا يؤاخذ بالخلاف إذا كان صادرًا عن اجتهاد، بل من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
خلاصة الكلام في مسألة العدد أن أصح الأقوال في العدد: الثلاثة؛ لأنه مؤيَّد بدليل وتعليل.
الشرط الثالث أن يكونوا بقرية مستوطنين، أن يكونوا بقرية، فإن كانوا في خيام كالبادية فإنه لا جمعة عليهم. ودليل هذا أن النبي ﷺ لم يأمر البوادي الذين حول المدينة بإقامة جمعة، ولأنهم ليسوا مستوطنين في الحقيقة؛ لأنهم ربما يكونون هذا العام في هذا المكان، وفي العام الآخر أو الثالث في مكان آخر؛ لأنهم يتبعون الربيع والعشب، فمثل هؤلاء ليس عليهم جمعة، فلا بد أن يكونوا بقرية.
وإن كانوا في مصرٍ؟
طالب: من باب أولى.
طالب آخر: تلزمهم.
الشيخ: من باب أولى.
وإن كانوا في مدينة؟
طلبة: ().
الشيخ: من باب أولى، ولكني أقول لكم: إن القرية في اللغة العربية أعم من ذلك كله، تشمل المدينة والمصر؛ لأنها مأخوذة من الاجتماع. وانظر إلى مكة أم القرى سماها الله قرية ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، مع أن الله قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧] أم القرى تسمى قرية.
[ ١ / ٢٣٣٦ ]
والقرية في اللغة غير المفهوم عندنا، فقول المؤلف: قرية هي أعم مما يعرف بأنها المدينة الصغيرة، المراد القرية المدينة سواء كانت صغيرة أو كبيرة.
ولا بد أن يكونوا مستوطنين، أي: متخذيها وطنًا، سواء كانت وطنهم الأول أم وطنهم الثاني، فالمهاجرون من النبي ﷺ وأصحابه اتخذوا المدينة وطنًا ثانيًا.
فقوله المستوطنين يعم من استوطن أولًا ومن استوطن ثانيًا. ضد المستوطن: المسافر والمقيم، المسافر هو الذي على جناح سفر مر بالبلد ليقضي حاجة ويمشي، والمقيم من أقام يومًا أو ثلاثة أيام، أو أربعة أيام أو خمسة أيام، هو مقيم.
والمسألة فيها خلاف فيمن أقام في قرية وهو عازم على السفر، هل هو مقيم أو مسافر؟
شيخ الإسلام يرى أنه مسافر، ويقول: ليس في الكتاب ولا في السنة تقسيم الناس إلى مستوطن ومقيم ومسافر، ما فيه إلا مسافر ومستوطن، والمستوطن هو المقيم.
المهم لا بد أن يكونوا مستوطنين. وهل يُشترَط أن يكونوا مولودين في القرية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يشترط، المهم أنه مستوطن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، نقول: هل يمكن أن يستدل بحديث الصحابة حينما قاموا إلى التجارة، على أن البيع بعد أذان الجمعة يصح، ولو استدل به مستدل فما الجواب عليه؟
الشيخ: لا، ما يصح.
طالب: لأنا قلنا: إنهم يعني الظاهر والعلم عند الله أنهم سيشترون، يعني لن ينظروا إليه ..
الشيخ: ما يخالف، لكن هل اشتروا؟
الطالب: هذا هو الظاهر.
الشيخ: () على كل حال قد يشترون وقد يمتنع صاحب البضاعة حتى يخرج الناس كلهم.
طالب: شيخ، ألا يقال في المظنون في الصحابة خلاف ظاهر حديث جابر، ألا يقال: إن الخطبة المقصود بها خطبة بعد الصلاة وليست قبل الصلاة؟
الشيخ: لا، لو كان كذلك ما وبخهم الله.
طالب: بس ممكن ().
الشيخ: لا، هي خطبة قبل الصلاة، وكل غير معصوم.
طالب: لكن، ليس بصريح يا شيخ.
الشيخ: لا، صريح؛ لأن الرسول ما كان من عادته يخطب بعد الصلاة أبدًا.
[ ١ / ٢٣٣٧ ]
طالب: في أول الأمر كان () الصلاة.
الشيخ: لا أبدًا، كانت خطبته قبل الصلاة.
طالب: ثم يا شيخ قضية الجمعة في السفر قلتم بأن الجمعة في السفر بدعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: () على هذا أن المسافرين الآن في البلاد البعيدة إذا قاموا الجمعة فقد ابتدعوا.
الشيخ: بيجينا إن شاء الله هذه، هذا عند قوله بقرية مستوطنين.
طالب: لكن إذا حضر تسعة وثلاثين ومعهم عبد، والعبد هذا قد أذن له سيده؟
طالب آخر: على المذهب ما تصح.
الشيخ: المؤلف يرى أن العبد ولو أذن له سيده ليس من أهل الوجوب، لكن على القول الراجح أنه إذا أذن له سيده وجبت عليه، يعتد به.
طالب: شيخ، الجماعة لو قلنا: إنهم تسعة وثلاثون يرون وجوب صلاة جمعة، والإمام ما يرى انعقادها، كيف نقول لهم: صلوا والإمام لا تلزمه الصلاة معهم ويرى عدم صحة صلاتهم.
الشيخ: ما يخالف، هو يرى عدم صحة الصلاة عنده، أرأيت لو أن شخصًا أكل لحم إبل وأم شخصًا يرى وجوب الوضوء منه، والإمام لم يتوضأ، تصح ولَّا ما تصح؟
الطالب: تصح.
الشيخ: هذه مثلها.
طالب: أحسن الله إليك، تقسيم الوقت إلى ست ساعات، ما المقصود بالساعة هنا، مع أن أحيانًا يكون الوقت بين طلوع الشمس إلى الزوال أقل من ست ساعات.
الشيخ: إي نعم، إذا قدرنا من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام خمس ساعات متساوية قد تكون على قدر الساعات التي في وقتنا، وقد تكون أقل وقد تكون أكثر.
طالب: تختلف يا شيخ من الصيف إلى الشتاء.
الشيخ: إي نعم، نقول: اقسم من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام، اقسمه إلى خمسة أقسام:
طالب: طيب يا شيخ والأدلة التي تقول: إنهم كانوا يصلون قبل الزوال وأنهم كانوا يذهبون إلى إبلهم ويريحونها قبل الزوال وهم يصلون.
الشيخ: لا، هو لفظ الحديث حين تزول الشمس.
الطالب: لا، الحديث الثاني ما كنا نقيل ولا نستقيل إلا ..
الشيخ: إلا بعد صلاة الجمعة.
الطالب: حديث آخر أنه يقول ..
الشيخ: حديث سهل: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد صلاة الجمعة (٦).
[ ١ / ٢٣٣٨ ]
طالب: وحديث جابر يا شيخ: كنا ننصرف وليس للحيطان ظل (٧).
الشيخ: ظل يستظل به.
الطالب: يدل على أنهم ينصرفون عند الزوال.
الشيخ: إي، ظل يستظل به، ما أطلق، قيد: ظل يستظل به، على كل حال إقامتها في الساعة السادسة يعني لها وجهة نظر، لكن كونها تقام بعد طلوع الشمس هذا بعيد جدًّا، ولهذا الموفق ﵀ رأى أنه لا دليل إطلاقًا على أنها تقام في أول النهار، ما فيه دليل.
طالب: شيخ، إذا طبق الحديث على الواحد مثلًا، صلوا مثلًا ثم انصرفوا وليس للحيطان ظل يستظل به، ولم تكن قبل الساعة السادسة؟
الشيخ: هو على كل حال إذا كان هناك أمر من ولاة الأمور بألا تقام إلا بعد الزوال فإنه يجب امتثاله.
طالب: وإن لم يكن؟
الشيخ: وإن لم يكن فالإنسان حتى أرى أنه يجب أن يوحد البلد لأنه إذا لم يوحد صار هذا يطلع مبكرًا وهذا متأخرًا، وربما يصير هذا فرصة للعاب، إذا قيل: صل قال: مصلي مع المسجد الثاني، إي نعم.
طالب: قول من يقول: إن الجمعة تصح بما تكون به الجماعة صحيح هذا يا شيخ؟ وكيف الرد عليه؟
الشيخ: هو الرد عليه أن الجمعة لها أحكام تختلف عن الجماعة، منها أنه لا بد من خطيب، ولا بد من ناس يستمعون، أقل من يستمع اثنان، ثم حديث أبي الدرداء اللي أشرنا إليه يدل على هذا.
طالب: () عنك بعض الناس يستوطن يكونون في خيام () مستوطن نفسه في نيته الاستيطان وهو () في الخيام.
الشيخ: لكنه حول بلدهم.
طالب: في نفس البلد، هو عنده الاستيطان، نيته الاستيطان ().
الشيخ: هذا تلزمه الجمعة بغيره، إي نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة () صلاة الجمعة () يرون صلاة الجمعة، كيف يؤمون والإمام موجود والرسول ﷺ يقول: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (٨) كيف يا شيخ؟
الشيخ: هذه نقول: لأن هؤلاء يرون الوجوب وهو لا يراه، فإما أن يصلوا في المسجد جماعة جمعة يعني وإما أن يصلوا في مكان آخر غير مسجد، هذا الرجل.
[ ١ / ٢٣٣٩ ]
الطالب: إذا كان الإمام شافعيًّا وترك التشهد الأول، هذا واجب يا شيخ ..
الشيخ: لو كنت أصلي خلف إمام شافعي لا يرى وجوب التشهد الأول وقام وتركه قمت معه.
الطالب: طيب، هذا واجب، وهو موطن خلاف كبير عندنا، لماذا نتبع الإمام؟
الشيخ: نتبع الإمام؛ لأن الرسول لما قام عن التشهد الأول ساهيًا قاموا معه.
الطالب: لا، الإمام يوم الجمعة لم نتبعه؟ نتبعه حتى لأن هذه مسألة خلاف وحتى ..
الشيخ: إي نعم، هذه إلى الآن ما بعد وجب علينا متابعته، بخلاف من دخلوا معه في الصلاة تجب عليهم المتابعة، أما الآن فلم ندخل معه في الصلاة حتى نقول: لا بد أن نتبع رأيك.
طالب: نعين () إمام بدله.
الشيخ: إي نعم، نعين إمامًا بدله.
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
قال المصنف ﵀: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرًا، ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر، ويشترط تقدم خطبتين، ومن شرط صحتهما).
الشيخ: (من شرط) عندك (ومن) بالواو.
طالب: نعم.
الشيخ: بعض النسخ ما هي واو.
طالب: بالإسقاط.
الشيخ: نعم.
الطالب: ومن شرط صحتهما حمد الله، والصلاة على رسوله محمد ﷺ، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله ﷿، وحضور العدد المشترط.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ماذا نقول فيما لو خرج وقت الجمعة قبل صلاتها؟ يعني قبل مقدار التحريمة
طالب: يصلون ظهرًا.
الشيخ: إذا خرج وقتها قبل تكبيرة الإحرام ماذا يصلون؟
طالب: يصلون ظهرًا.
الشيخ: يصلون ظهرًا.
طالب: على قول المؤلف.
الشيخ: نعم، وعلى قولك؟
طالب: وعلى قولي يصلون جمعة.
الشيخ: إي.
طالب: إذا كان ركعة () ..
[ ١ / ٢٣٤٠ ]
الشيخ: لا، هم ما أدركوا ولا تكبيرة الإحرام، خرج الوقت قبل أن يدركوا ولا تكبيرة الإحرام.
طالب: يصلون الظهر.
الشيخ: ظهرًا، ما فيه خلاف.
طالب: اللي أعرفه () لكن الصحيح ..
طالب آخر: نعم يا شيخ، إذا لم يدركوا تكبيرة الإحرام يصلون ظهرًا، وهذا على قول المؤلف، والصحيح أنهم لا يصلون الجمعة إلا إذا أدركوا من وقتها مقدار ركعة.
الشيخ: أقول: لم يدركوا ولا تكبيرة الإحرام، يا جماعة الذي لم يدرك تكبيرة الإحرام ما هو مدرك ركعة ويش () أنتم؟
طالب: هذا ليس فيه خلاف، يصلون ظهرًا.
الشيخ: إذن قول الأخ يقول: إنه يرى أنهم يصلون جمعة.
طالب: هذا شاذ يا شيخ، ما يصح.
الشيخ: إي أو مخالف للإجماع، الظاهر على كل حال من شرط الجمعة ذكرنا لكم من شرطها أيش؟
طالب: الوقت.
الشيخ: الوقت لا تصح في غير وقتها، الظهر تقضى إذا فات الوقت، أما هي لا.
إذا أدركوا ما بين التكبيرة والركعة؟ يعني أدركوا أكثر من تكبيرة الإحرام ودون الركعة، فماذا يصلون؟
طالب: المصنف يقول: إذا أدرك تحريمة فيصلي جمعة. هناك قول آخر هو قول صحيح إذا أدرك ركعة ..
الشيخ: هذا المثال اللي ذكرت لك أدركوا أقل من الركعة وأكثر من تكبيرة الإحرام ماذا يصلون؟
طالب: على قول المصنف يصلي جمعة، وعلى قول آخر ما يصلي.
الشيخ: أحسنت، أيهما أرجح؟
الطالب: القول الثاني.
الشيخ: دليله؟
الطالب: دليله الحديث، ومن أدرك ركعة.
الشيخ: دليله «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٩)، وهذا عام في جميع الإدراكات، تمام هذا الصحيح.
جماعة يبلغون العشرة مستوطنون في قرية، هل تلزمهم الجمعة أو لا؟
طالب: ما ذهب المؤلف أنه لا تلزمهم.
الشيخ: نعم، لماذا؟ ما الذي أدراك أن المؤلف يرى أنها لا تلزمهم؟
طالب: لأنه اشترط أن يكون العدد أربعين.
الشيخ: اشترط أن يكون العدد أربعين، وهؤلاء؟
الطالب: أقل من أربعين، عشرة.
الشيخ: عشرة، القول الثاني؟
[ ١ / ٢٣٤١ ]
طالب: القول الثاني أنه تجب عليهم الجمعة.
الشيخ: تجب عليهم الجمعة وتصح معلوم إذا وجبت صحت، أيهما أرجح فيما ترى؟
الطالب: القول الثاني.
الشيخ: ما دليل رجحانه؟
طالب: دليل رجحانه أنهم جماعة، وكذلك إذا كانوا عشرة فإنها تجب عليهم، أحمد وأبو داود «إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فِي قَرْيَةٍ لَا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (١٠) () أكثر من ثلاثة.
الشيخ: أحسنت، ما جوابك عما استدل به المؤلف يعني ومن تبعه في أن الرسول ﵊ بعث مصعب بن عمير إلى أهل المدينة فجمع بهم وكانوا أربعين؟
طالب: أولا: نقول بمخالفة صحة الحديث، إذا صح نقول: إن هذا وقع اتفاقًا لا قصدًا، وما وقع اتفاقًا لا () شرعًا في التشريع.
الشيخ: صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم.
فيه جماعة سافروا لطلب العلم ونزلوا في قرية ليس فيها أحد من المسلمين، وكانوا مئتين، وسيبقون خمس سنوات في هذه القرية لطلب العلم، فهل تلزمهم الجمعة أو لا؟
طالب: لا تلزمهم.
الشيخ: لا تلزمهم، يبلغون مئتين.
الطالب: ولو بلغوا مئتين.
الشيخ: هل تصح منهم؟
الطالب: تصح منهم بغيرهم.
الشيخ: لا، ما فيها أحد، كل القرية ليسوا مسلمين.
الطالب: ما تصح منهم.
الشيخ: لا تصح.
طالب: إي نعم، إن صلوا جمعة فهي باطلة.
الشيخ: إي نعم، هل لديك شيء تستشهد به من كلام المؤلف؟
الطالب: إي نعم، أنه اشترط أن يكونوا مستوطنين.
الشيخ: اشترط أن يكونوا مستوطنين، وهؤلاء؟
الطالب: غير مستوطنين.
[ ١ / ٢٣٤٢ ]
الشيخ: ليسوا بمستوطنين، تمام، صح، لكن فيها رأي آخر كما ذكرنا لكم؛ أنه ليس بشرط، ما دام اجتمعوا في قرية فإنها تلزمهم ولو كانوا غير مستوطنين، لكن المذهب أنها لا تلزمهم، وبناء على ذلك فالطلبة الذين يدرسون في الخارج في بلاد كافرة ولو بلغوا مئتين أو ثلاث مئة إذا لم يكن معهم مستوطنون إما أربعون على كلام المؤلف أو ثلاثة على القول الثاني فإنه لا تصح منهم الجمعة ولا تلزمهم.
طالب: الصحيح؟
الشيخ: الصحيح والله أنا أتوقف في هذا، لكن لو أنهم جمعوا ما فيه شيء إن شاء الله.
يقول المؤلف ﵀: (أن يكونوا بقرية مستوطنين) القرية قلنا: إنها تعم المدينة والبلد والمصر والقرية الصغيرة، وذكرنا شاهدًا لهذا من كتاب الله ﷿، وهو قوله تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، ومعلوم أن قريته التي أخرجته هي مكة، وهي أم القرى، وسماها الله قرية.
يقول المؤلف: (وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء): (وتصح) أي: الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء) يعني أن أهل القرية لو أقاموا الجمعة خارج البلد في مكان قريب فإنها تصح، يعني لا يشترط أن تكون إقامتها في نفس البلد، بل إذا أقيمت خارج البلد فإن ذلك لا بأس به، بشرط أن يكون الموضع قريبًا، مثلًا: مصلى العيد يكون في الصحراء قريبًا من البلد، فلو أنهم خرجوا وصلوا الجمعة هناك فإن صلاتهم صحيحة؛ لأنهم في الحقيقة لم يخرجوا عن القرية.
وقول المؤلف ﵀: (فيما قارب البنيان من الصحراء) يفهم منه أن ما كان بعيدًا لا تصح فيه الجمعة، يعني: لو أن أهل القرية خرجوا في نزهة بعيدًا عن البلد، وأقاموا الجمعة هناك في مكان النزهة البعيد عن البلد فإنها لا تجزئ؛ لأنهم انفصلوا عن البلد، انفصلوا عنها.
فإذا قال قائل: هل القرب هنا محدد بالعرف أو محدد بالمسافة أو ماذا؟
[ ١ / ٢٣٤٣ ]
قلنا: إن العلماء إذا أطلقوا الشيء ولم يحددوه يرجع في ذلك إلى العرف، كما أن الشارع كذلك يعني الكتاب والسنة، إذا أطلق الشيء فيهما وليس له حد شرعي فإن مرجعه إلى العرف، هذه قاعدة مفيدة، وعلى ذلك قال الناظم:
وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ
بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
هذا يُعتبر قاعدة.
وقول الناظم: كالحرز يعني بذلك حرز الأموال، فمثلًا: أودعتك وديعة، ووضعتها في مكان غير محرز، وسُرقت، فعليك الضمان. ما الذي يدلنا أن المكان محرز أو غير محرز؟
طلبة: العرف.
الشيخ: العرف، إذا قال الناس: هذا الرجل مفرط أن يضع المال في هذا المكان، فهذا غير محرز.
في السرقة أيضًا يشترط للقطع في السرقة أن تكون من حرز، فلو سرقها السارق من غير حرز فلا قطع عليه؛ لأن المفرط من؟
طالب: المسروق.
الشيخ: أهل المال.
مثلًا: إنسان أخذ صرة من الدراهم ووضعها عند باب الدكان، ونسي أن يدخلها الدكان، جاء رجل في الليل وسرقها، نقطع يده؟
طلبة: لا.
الشيخ: والسارق.
طالب: ليس من حرز.
الشيخ: ليس من حرز، إذن ما يقطع؛ لأنها ليس من حرز أهلها، هم المفرطون. لو أنه وضعها داخل البيت ووضعها على الصندوق، لكن لم يدخلها، والبيت دائمًا مفتوح الباب فسرقت.
طالب: لا يقطع.
الشيخ: لا تقطع اليد.
طالب: تقطع.
طالب آخر: لا تقطع.
الشيخ: إذن فيها قولان لأهل العلم: قول تقطع وقول لا تقطع، الواقع أن هذا الذي يضعها على الصندوق والباب دائمًا مفتوح هل هو مفرط ولَّا غير مفرط؟
طلبة: مفرط.
الشيخ: مفرط، الباب مفتوح، كل يدخل، لاسيما إذا ضعف الأمن؛ لأن هذه المسألة تختلف باختلاف قوة السلطان، قد تكون السلطة ضعيفة، يتجرأ السراق، يدخلون البيوت، قد تكون السلطة قوية فيرتدع الناس.
[ ١ / ٢٣٤٤ ]
على كل حال، في وقتنا هذا لا يعتبر هذا المكان حرزًا للدراهم إذا كان الباب دائمًا مفتوحًا، فلو سرق السارق من هذه الدراهم التي على هذا الصندوق فإنها لا تقطع يده، أعرفت؟ ارفق بالناس جزاك الله خيرًا.
على كل حال، هذا معنى قول الناظم: (كالحرز)، فالحرز ما حده الشرع، فيرجع فيه إلى العرف.
إذن قول المؤلف: (تصح فيما قارب البنيان) لو قال قائل: حددوا لنا القرب. قلنا: المؤلف أطلق، وإذا أطلق يرجع فيه إلى العرف، فلو أن أهل القرية مثلًا هنا في عنيزة ذهبوا إلى عشرة كيلو وأقاموا الجمعة هناك، ناس خرجوا ما لهم شغل قالوا: نخرج يوم الجمعة للنزهة ونقيم الجمعة هناك عشرة كيلو، ما تقولون؟
طلبة: تصح.
الشيخ: عشرة كيلو عن البلد.
طالب: ما قاربوا البنيان.
الشيخ: ما قاربوا البنيان، هذا بعيد، ولهذا لو جاء أحد يشوفهم يصلون () ويش اللي يصلون هذا ما فيه شك أنه بعيد عشرة كيلو، تراه بعيدًا يا جماعة، بعيد ولا ينسب للبلد، لكن لو جاؤوا على طرف البنيان وأقاموا الجمعة، كل يعرف أن هؤلاء هم أهل هذه البلد، واضح؟
وهذا أيضًا إشارة إلى خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يجوز أن تقام الجمعة إلا في البنيان، حتى أهل القرية لو خرجوا قريبًا من البنيان فإنها لا تجزئ، لا بد أن تقام في نفس البنيان، لكن كلام المؤلف صحيح، بدليل أن الرسول ﵊ أقام صلاة العيد في الصحراء قريبًا من البلد.
ثم قال المؤلف: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهرا) انتبهوا لهذه المسألة (نقصوا) الواو تعود على العدد، يعني إن نقصوا عن العدد واحدًا استأنفوا ظهرًا، يعني معناه بطلت صلاتهم، ووجب عليهم أن يستأنفوا ظهرًا.
مثاله: دخلوا في الجمعة على أنهم أربعون، ثم أحدث أحدهم وخرج، يقول المؤلف: يستأنفون ظهرًا؛ لأنه يشترط أن يكون العدد المطلوب من أول الصلاة إلى آخرها، من أولها إلى آخرها.
[ ١ / ٢٣٤٥ ]
وقوله ﵀: (استأنفوا ظهرًا) يستثنى من ذلك ما إذا كان الوقت متسعًا لإعادتها جمعة، فإن اتسع الوقت لإعادتها جمعة بحيث حضر الرجل الذي ذهب يتوضأ، والوقت متسع، فإنه يلزمهم إقامتها جمعة؛ لأن الجمعة فرض الوقت، وقد أمكن إقامته، إذن كلام المؤلف ليس على إطلاقه، يحتاج إلى قيد، فنقول: استأنفوا ظهرًا ما لم تمكن إعادتها جمعة، فإن أمكن وجب أن تعاد جمعة.
هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، وقال بعض العلماء: بل يتمونها جمعة؛ لأن الصلاة انعقدت على وجه صحيح، فإبطالها بعد انعقادها يحتاج إلى دليل، وإذا لم يكن هناك دليل فإنه يبنى آخرها على أولها، فإذا دخلوا على أنهم أربعون ثم أحدث أحدهم وذهب يتوضأ قلنا: أتموا أيش؟
طلبة: جمعة.
الشيخ: أتموا جمعة.
القول الثالث في المسألة قول وسط، وخير الأمور الوسط، والغالب أن الوسط من أقوال العلماء الغالب عليه أنه يكون هو الصحيح الراجح، يقول: إن نقصوا بعد أن أتموا الركعة الأولى أتموا جمعة، يعني إذا كان النقص في الركعة الثانية كما بعد أتموا جمعة، وإن نقصوا في الركعة الأولى استأنفوا ظهرًا ما لم يمكن إعادتها جمعة، وهذا اختيار الموفق ﵀، صاحب أصل هذا المختصر، صاحب من؟ المقنع الذي هذا مختصره الكتاب، وهذا القول هو الراجح.
ودليله قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٩).
أما القول الذي يقول: إنهم يتمونها جمعة مطلقًا، ويقولون: إنهم ابتدؤوا الصلاة على وجه صحيح فنحتاج إلى دليل على بطلانها.
فنقول: الدليل أن هذه الصلاة من شرط صحتها العدد، فإذا فقد الشرط في أثنائها بطلت، كما لو أحدث في أثنائها، أو انكشفت عورته، أو ما أشبه ذلك.
فالقول الوسط في هذه المسألة أن يقال: إن نقصوا قبل أتموا.
طلبة: قبل إتمام ركعة.
[ ١ / ٢٣٤٦ ]
الشيخ: قبل أن يصلوا ركعة، إن نقصوا قبل أن يصلوا ركعة استأنفوا ظهرًا ما لم تمكن إعادة الجمعة، وإن نقصوا بعد أن صلوا ركعة يتمونها ظهرًا.
طلبة: جمعة.
الشيخ: جمعة، يتمونها جمعة، الدليل قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، وهؤلاء أدركوا ركعة تامة من الجمعة، فيصلون جمعة كما أن الإنسان لو أدرك من صلاة الجمعة ركعة كاملة ماذا يصلي؟
طالب: يصلي جمعة.
الشيخ: يصلي جمعة، مع أنه سيصلي الركعة الثانية وحده.
يقول: (استأنفوا ظهرًا)، (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر)، (من أدرك مع الإمام منها ركعة)، (مع الإمام) إمام الجمعة. (منها) أي: من الجمعة، (ركعة) ركعة تامة بسجدتيها أتمها جمعة.
دليله: قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
(وإن أدرك أقل من ذلك) متى يدرك أقل من ذلك؟ يدرك أقل من ذلك إذا جاء بعد رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تأملوا يا جماعة. يدرك أقل من ركعة إذا جاء بعد أن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية، وكأن بعضكم يفكر أنها الركعة الأولى.
طلبة: لا.
طالب: الصحيح من الثانية.
الشيخ: متفقون على هذا من الركعة الثانية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا جاء بعد أن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية فهنا لم يدرك شيئًا، أدرك أقل من ركعة فيتمها ظهرًا، لكن اشترط المؤلف (إذا كان نوى الظهر) صح؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٢٣٤٧ ]
الشيخ: يشترط شرط آخر، ودخل وقته إذا كان نوى الظهر وقد دخل وقت الظهر؛ لأن فيه احتمالًا أن تصلى الجمعة قبل الزوال، فإذا صليت قبل الزوال وأدرك منها أقل من ركعة فإنه لا يتمها جمعة، بل يتمها ظهرًا، وهنا نقول: الظهر ما دخل وقته، إذن يتمها نفلًا، ثم إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر، فيشترط إذن، يشترط لمن أدرك مع الإمام أقل من ركعة يشترط لإتمامها ظهرًا شرطان، قلهما.
طالب: إذا كان نوى الظهر، والشرط الثاني دخول وقت الظهر.
الشيخ: أحسنت، إذا كان نوى الظهر، والثاني إذا كان قد دخل وقته.
أنا قلت: يُشترَط شرطانِ، وأَصر إلا أن يقول: يُشترَط شرطينِ، والصواب شرطان. وأنا أقول لكم: الزموا في المثنى الألف دائمًا من أجل ألا يغلطكم أحد، يعني مثلًا لو قلت: قام الرجلان صحيح.
طالب: ().
الشيخ: نعم، ورأيت الرجلان قائمان؟
الأول صحيح والثاني غلط على اللغة الفصحى، لكن يمكن لو يجيء واحد يرد عليه، والإنسان ما يحب أحدًا يرد عليه، قال: يا أخي، أنت ما لك أنك تحتكر اللغات، أنا على لغة من يلزم المثنى الألف مطلقًا، يعني فيه ناس من العرب يقول: قدم الرجلان فأكرمت الرجلان ونظرت إلى الرجلان، فهذه فيها فسحة لطالب العلم اللي ما يعرف النحو.
على كل حال أقول: يُشترط لمن أدرك مع الإمام أقل من ركعة لإتمامها ظهرًا شرطان: الشرط الأول: أن يكون نوى الظهر، والثاني: أن يكون قد دخل وقتها.
[ ١ / ٢٣٤٨ ]
فإن لم ينو الظهر دخل مع الإمام بنية الجمعة؛ لأنه يظن أن هذه هي الركعة الأولى، يعني جاء والإمام قد قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الثانية، فظن أنها الركعة الأولى، فدخل بنية الجمعة، ثم تبين أنها الركعة الأخيرة، فماذا يصنع؟ كلام المؤلف يدل على أنه يتمها نفلًا؛ لأنه لم ينو الظهر، وعلى هذا يحتاج الإنسان إذا جاء إلى الجمعة بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع وهو لا يدري هل هي الأولى ولَّا الثانية يحتاج أن ينتظر؛ لأنه الآن لو دخل مع الإمام لم يدرك شيئًا ينتظر، فإن جلس الإمام للتشهد دخل معه بنية الظهر، وإن قام دخل معه بنية الجمعة.
القول الثاني في المسألة: يقول: ادخل معه بنية الجمعة، فإذا تبين أنك لم تدرك ركعة، فانوها ظهرًا بعد سلام الإمام، وقال: إن هذا هو الذي لا يسع الناس إلا العمل به، خصوصًا العامة؛ أي عامي يدخل مع الإمام حتى لو كان يعلم أنها الركعة الثانية وقد فاته ركوعها، ماذا ينوي العامي؟ سينوي الجمعة، ثم إذا سلم الإمام فمن العامة من يتمها جمعة أيضًا، ومنهم من يتمها ظهرًا، لكن لا ينوي الظهر إلا بعد أن يسلم الإمام، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة، فرع عنها، فإذا انتقل من جمعة إلى ظهر فقد انتقل من أصل إلى بدل، وكلاهما فرض الوقت.
وهذه في الحقيقة قد تنخرم علينا القاعدة التي يقال فيها: (إن الانتقال من معين إلى معين يبطل الأول، ولا ينعقد الثاني به) معلوم الكلام هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يعني مثلًا: إنسان دخل في الصلاة بنية الظهر ناسيًا، ثم ذكر أنه الآن في وقت العصر، وأنه صلى الظهر من قبل، في أثناء الصلاة نواها عصرًا، ماذا نقول له؟
[ ١ / ٢٣٤٩ ]
نقول: طبعًا الظهر بطلت؛ لأنك أبطلتها، والعصر لم تنعقد؛ لأنك لم تنوها عصرًا من أولها، والمعين لا بد أن تنويه من أوله، كل معين لا يصح أن ينوى من الأثناء لكن نقول: هذه المسألة يمكن أن تستثنى من القاعدة بناء على أن الظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت فهي فرع لها، وهو لم ينتقل من شيء مغاير من كل وجه.
يقول ﵀: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر).
طالب: ().
الشيخ: شرط ثان.
طالب: ودخل ().
الشيخ: إذا كان نوى الظهر الشرط الثاني ودخل وقتها.
هنا تكلم في الشرح على مسألة مهمة تعتري الناس في أيام موسم الحج والعمرة في المسجد الحرام، وهي ما إذا زحم الإنسان عن السجود أو عن الركوع، نقرؤها لأنها مفيدة: قال: (ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود، لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله).
إنسان دخل مع الإمام الجمعة، لكن الناس متضايقون، فلما جاء يسجد ما وجد مكانًا يسجد فيه، لما كانوا قيامًا فيه مكان عند السجود ما وجد، نقول: يجب عليك أن تسجد على ظهر إنسان، أو على رجل إنسان.
لكن هذا يخشى منه أن الإنسان المسجود عليه يقاتله، وكثير من العوام ما يعرفون عن حكم هذا، لو كان طالب علم يمكن يقول: نعم، له أن يسجد على ظهري، لكن إذا كان عاميًّا فيا ويله منه. على كل حال هذا كلام العلماء ﵏، يقول: يسجد على ظهر إنسان أو رجله.
ثم قد يكون الإنسان الذي أمامه أحيانًا يكون مع الضيق تكون أمامك امرأة ما يمكن تسجد على ظهرها، لكن هذا كلام المؤلف.
فيه رأي آخر يقول: إذا زحم فإنه ينتظر حتى يقوم الناس، ثم يسجد، ويكون التخلف هنا عن الإمام لعذر.
[ ١ / ٢٣٥٠ ]
وفيه رأي ثالث يقول: تومئ إيماء، تجلس وتومئ بالسجود إيماء؛ لأن الإيماء للسجود قد جاءت به السنة عند التعذر، بخلاف التخلف عن الإمام، التخلف عن الإمام ما يأتي إلا لعذر، لا يمكن للإنسان أن يتابع الإمام فيه، وهنا تمكن المتابعة بأن يجلس ثم يومئ بالسجود، وهذا القول أقرب، ويليه القول بأنك تنتظر، ثم تسجد بعد الإمام، وأما القول بأنك تسجد على ظهر إنسان أو رجله فإنه ضعيف؛ لما يلزم عليه من التشويش التام على المسجود عليه، ثم ما ظنكم إذا كان الساجد كبير الجسم وكان المسجود عليه صغير الجسم، يعني خطر في الحقيقة، أنا لا أقول هذا من أجل أنه على سبيل الفكاهة لكن على سبيل الحقيقة، المسألة هذه عندما يتدبرها الإنسان كلما تدبرها الإنسان وجد أن هذا القول ضعيف. على كل حال إذا أدرك ركعة تامة بسجدتيها فإنه يتم.
يقول: (فإن لم يمكنه) إن لم يمكنه أيش؟ السجود على ظهر إنسان أو رجله (فإذا زال الزحام) ينتظر حتى يزول الزحام، وهذا الحمد لله فيه فسحة، إذا كان لا يمكنه أن يسجد فإذا زال الزحام.
ثم إننا نقول: في الحقيقة أن السجود على ظهر الإنسان لا تتأتى به صورة السجود، لماذا؟ لعلو الإنسان، السجود يكون وجهه مساويًا محاذيًا لرجليه، وهنا لا يمكن، خصوصًا إذا كان الساجد أيضًا رفيعًا، فالسجود لا تتحقق صورته بالسجود على ظهر إنسان.
يقول: (وإن أحرم، ثم زحم، وأخرج عن الصف، فصلى، فذا لم تصح) هذه عاد مسألة الفذية، لو أنه زحم وعجز على أن يطيق الوقوف في الصف حتى خرج، فإنه على المذهب لا تصح صلاته؛ لأنه فذ. والصحيح أن صلاته تصح؛ لأنه معذور في الفذية. فإذا كان قد صلى الركعة الأولى في الصف فإنه إذا زحم حتى خرج من الصف حتى على المذهب ينوي الانفراد ويتمها جمعة؛ لأنه أدرك ركعة كاملة، فيتمها جمعة.
طالب: شيخ، المخيمات الطلابية غالبًا ما تكون في الخميس والجمعة، فلو ما ().
[ ١ / ٢٣٥١ ]
الشيخ: ما يقيمون الجمعة إذا كانوا بعيدين، لكن يلزمهم إذا كانوا قريبين من البلد أن يدخلوا إلى البلد.
طالب: إذا كان البعد مثلًا فوق الثلاثين.
الشيخ: لا، إذا كان البعد فوق الثلاثين يصلون ظهرًا.
الطالب: والعشرين.
الشيخ: والعشرين، حتى لأنهم يقول العلماء: إذا كان بينهم وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تلزمهم.
طالب: أحسن الله إليك () إذا كانوا مقابل البنيان أن يصلوا في مكانهم أو يدخلوا داخل المدينة ويصلوا.
الشيخ: لا، يجب أن يدخلوا المدينة؛ لأنه لا يجوز تعدد الجمع كما سيأتينا إن شاء الله.
طالب: () ركعة إنسان يصلي ().
الشيخ: دخل مع الإمام وهو يصلي صلاة الجمعة.
طالب: ولم يعلم هل هذه الركعة الأولى أم الركعة الثانية، فنقول: القول فيه قول لبعض العلماء أنه ينتظر.
الشيخ: على المذهب.
طالب: ينتظر ().
الشيخ: حتى يعرف أنها الثانية أو الأولى.
طالب: ().
الشيخ: نعم، هو الرجل سيصلي لكن بس تأخر لأجل أن يصحح النية، هل ينوي ظهرًا أو ينوي جمعة.
قال المؤلف: (ويشترط تقدم خُطبتين) أو خِطبتين؟ خُطبتين بالضم؛ لأن الخِطبة بالكسر: خِطبة النكاح، يعني أن يخطب الرجل امرأة، والخُطبة بالضم خطبة الوعظ، وما أشبه ذلك.
يشترط يعني لصحة الجمعة تقدم خطبتين، أن يتقدمها خطبتان، فإن لم يتقدمها خطبتان لم تصح. ويدخل في ذلك ما إذا لم يتقدمها شيء من الخطب، وما إذا تقدمها خطبة واحدة. فإن خطب خطبة واحدة تصح ولَّا لا؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأنه يلزم تقدم خطبتين، لم يتقدم شيء؟
طالب: ().
الشيخ: لا تصح.
تأخرت الخطبتان بعد الصلاة، لا تصح، إذن تقدم خطبتين يخرج منه ما لو لم يتقدم شيء أو تقدم خطبة واحدة، أو تأخرت الخطبتان، ففي هذه الصور الثلاث لا تصح الجمعة، لا بد أن يتقدم خطبتان.
ما هو الدليل؟ هناك عدة أدلة:
[ ١ / ٢٣٥٢ ]
الدليل الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء، ومعلوم بالتواتر القطعي أن النبي ﷺ كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة خطب، إذن فالسعي إلى الخطبة واجب، وما كان السعي إليه واجبًا فهو واجب؛ لأن السعي وسيلة إلى إدراكه وتحصيله، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية. هذا دليل.
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ حرم الكلام والإمام يخطب، وهذا يدل على وجوب الاستماع إليهما، ووجوب الاستماع إليهما يدل على وجوبهما وأنه لا بد من خطبتين.
الدليل الثالث: مواظبة النبي ﷺ عليهما مواظبة غير منقطعة، فلم يأت يوم من أيام الجمعة لم يخطب فيه النبي ﵊، وهذا الدوام المستمر صيفًا وشتاءً، شدةً ورخاءً، يدل على وجوبهما.
الدليل الرابع، وهو تعليل، أنه لو لم يجب لهما خطبتان لكانتا كغيرهما من الصلوات، لا يستفيد الناس من التجمع لهما. ومن أهم أغراض التجمع لهذه الصلاة الموعظة وتذكير الناس، فلو لم تجب الخطبتان لم يكن هناك فائدة. فهذه عدة أدلة، صارت خمسة الآن؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، تدل على وجوب خطبتين للجمعة.
ثم قال المؤلف: (من شرط صحتهما: حمد الله) يعني أن الخطبتينِ لهما شروط لا تصحان بدونها، الشرط الأول: حمد الله؛ أن يحمد الله بأي صيغة، سواء كانت الصيغة اسمية أم فعلية، أي: سواء قال: الحمد لله، أو قال: أحمد الله، أو قال: نحمد الله، المهم أن يحمد الله فيهما، وسواء كان الحمد في أول الخطبة أم في آخرها، المهم أن يوجد فيها حمد، لكن الأفضل أن يكون في الأول.
[ ١ / ٢٣٥٣ ]
ما هو الدليل؟ الدليل قول النبي ﵊: «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (١١)، وهذا أحد ألفاظ الحديث، والأبتر: الناقص البركة، مبتور، ما فيه خير ولا بركة.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا حديث جابر في صحيح مسلم: كان النبي ﷺ إذا خطب حمد الله وأثنى عليه (١٢)، وهذا كما تعلمون دليل، قد لا يستطيع الإنسان أن يجزم ببطلان الخطبة إذا خلت من الحمد، لكن على كل حال لا شك أنه أفضل وأحسن.
من شرط صحتهما أيضًا الصلاة على رسوله محمد ﷺ، يعني أن يصلي على الرسول باسمه، بأي اسم من أسمائه، فيقول: اللهم صل على محمد، اللهم صل على أحمد، اللهم صل على العاقب، اللهم صل على الحاشر، المهم أن يسميه.
قال بعضهم: فإن صلى عليه مضمرًا لا مظهرًا لم تصح، فلو قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ على رأي هؤلاء لم تصح الخطبة؛ لأنهم يرون أن من شرط صحتها الصلاة على النبي ﷺ مظهرًا لا مضمرًا، ولكن هذا غير صحيح.
كذلك أيضًا الصلاة على النبي ﷺ لا بد أن يكون لها دليل؛ لأنه يترتب عليها أنه لو خلت الخطبة من الصلاة على الرسول ﵊ لبطلت الخطبة، ثم بطلت الصلاة، وهذا أمر ليس بالهين، فيحتاج إلى دليل يستند عليه المرء ليصحح عبادة المسلمين أو يبطلها، فما هو الدليل؟
قالوا: لأن كل عبادة، انتبه للدليل، ما فيه إلا تعليل، قالوا: لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله.
هذا التعليل عليل، وليس بصحيح، وما أكثر العبادات التي لا تفتقر إلى ذكر الرسول وهي تفتقر إلى ذكر الله. لو أراد الإنسان يتوضأ يقول: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: ()
الشيخ: كيف ما يقول: والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يقوله، اجزموا يا جماعة.
طلبة: لا، ما يقوله.
[ ١ / ٢٣٥٤ ]
الشيخ: ما يقول، إذن هي مفتقرة لذكر الله غير مفتقرة إلى ذكر رسول الله.
لو أراد الإنسان أن يذبح ذبيحة يقول: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يقول، بل كره بعض العلماء أن يصلي على النبي ﷺ عند الذبح، قال: لأن هذا يؤدي إلى الشرك، حتى يكون الإنسان يذبح لله ولرسول الله.
الأذان يفتقر إلى ذكر الرسول صحيح، لكن هل يفتقر إلى ذكر الصلاة عليه؟ لا يفتقر، فالعلة هنا منتقضة، وانتقاض العلة يدل على بطلانها، ولهذا ليس هناك دليل صحيح يدل على اشتراط الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة. ما فيه دليل. لكن نمشي مع المؤلف، وإن رجحنا خلاف كلامه.
والصلاة على رسوله محمد ﷺ، الصلاة على رسوله، سواء جاءت بلفظ الطلب، أو بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب، مثالها بلفظ الطلب؟ الصلاة على النبي بلفظ الطلب؟
طالب: اللهم صل على محمد.
الشيخ: اللهم صل على محمد، هذا طلب.
مثالها بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب؟
طالب: صلى الله على محمد.
الشيخ: صلى الله على محمد، صح.
شوف الطلب أن تقول: اللهم صل، تطلب من الله، والخبر اللي بمعنى الطلب تقول: صلى الله عليه، صلى الله خبر، لكن معناه الطلب.
(وقراءة آية) يعني من شرط صحتهما أيضا قراءة آية، فإن لم يقرأ آية لم تصح الخطبة، لا بد أن يقرأ آية، وإن قرأ آيتين؟
طلبة: صحيح.
طالب: ().
الشيخ: المؤلف يقول: قراءة آية واحدة، يعني أقل شيء، فإن قرأ آيتين فقد قرأ آية وزيادة، ولكن يشترط في الآية أن تستقل بمعنى، فإن لم تستقل بمعنى لم تجزئ، فلو قرأ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] آية أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن ما تستقل بمعنى، من الذي نظر؟ لا يعلم. لو قرأ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤].
طلبة: ما تستقل.
[ ١ / ٢٣٥٥ ]
الشيخ: ما تجزئ؟ ويش معنى مدهامتان؟ سوداوان، هنا يفهم منها معنى، لكن ما هما الموصوفتان بهذه الصفة؟ لو قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح؟
طلبة: نعم.
طالب: لا.
الشيخ: إي نعم تصح واضح؛ كلام مستقل مفهوم واضح، ما هو الدليل على اشتراط الآية؟ الدليل: أن النبي ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] يخطب بها، (١٣) ولكن هذا ليس بدليل؛ لأن لدينا قاعدة في أصول الفقه، وهي أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، فكوننا نجعل قراءة الآية شرطًا في خطبة الجمعة الذي لا بد من وجودها قبل الصلاة فإن لم توجد لم تصح الجمعة هذا فيه نظر.
الرابع: (الوصية بتقوى الله ﷿)، نعم الوصية لا بد منها.
الوصية: يعني أن يوصي الخطيب المستمعين بتقوى الله، سواء قال: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، أو قال: يا أيها الناس اتقوا الله، فكل من هذا وهذا وصية، فلا بد أن يوصي بتقوى الله؛ لأن هذا هو لب الخطبة أن يعظ الناس، ويذكرهم ويلين قلوبهم، ويوصيهم بما ينفعهم.
فإن أتى بمعنى التقوى دون لفظها بأن قال: يا أيها الناس افعلوا أوامر الله، واتركوا نواهي الله، يصح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يصح، أو قال: يا أيها الناس أطيعوا الله، أقيموا أوامره، اتركوا نواهيه، يجزئ ولَّا لا؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ. وكذلك أيضًا (حضور العدد المشترط)، يعني لا بد أن يحضر الخطبتين العدد المشترط، كم عددها على ما مشى عليه المؤلف؟
طلبة: أربعين.
الشيخ: أربعين لا بد أن يحضر أربعون من أهل وجوبها، فإن حضر الخطبة عشرون، ثم لما أقيمت الصلاة قبل أن يشرع في الصلاة أتموا أربعين، يجزئ أو لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، لماذا؟
طالب: لأنه يشترط أربعين.
الشيخ: حضور أربعين، لا بد أن يحضر أربعون.
لو حضر أربعون نصف الخطبة؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لم يجزئ.
[ ١ / ٢٣٥٦ ]
والصحيح أن تقدير العدد بأربعين ليس بصواب كما مر علينا، لكن إذا قلنا: إنه يشترط حضور ثلاثة صار لا بد من حضور الثلاثة.
هذه المؤلف يقول: (من شرط صحتهما)، من شرط و(من) هذه تدل على التبعيض، والتبعيض يدل على أن بعضًا لم يذكر، وأن ما ذكر ..
طالب: ().
الشيخ: البعض، فهل هناك شروط أخرى؟ نقول: نعم.
من شرط ذلك أن تكون الخطبتان بعد دخول الوقت، فإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح الخطبتان، ثم لا تصح الجمعة بعد ذلك.
وذكر بعض أهل العلم أن الشرط الأساسي في الخطبة أن تشتمل على الموعظة الملينة للقلوب، المفيدة للحاضرين، وأن هذا هو الأساس، وأن البداءة بالحمد، أو الصلاة على النبي ﷺ، أو ما أشبه ذلك كلها من كمال الخطبة، وكذلك قراءة الآية من كمال الخطبة.
ولكننا نقول هذا القول وإن كان له حظ من النظر لا ينبغي للإنسان أن يعمل به إذا كان أهل البلد يرون القول الثاني الذي هو ما مشى عليه المؤلف، لماذا؟ لأنه لو ترك هذه الشروط التي ذكرها المؤلف لوقع الناس في حرج، وصار كل يخرج من الجمعة وهو يرى أنه لم يصل الجمعة. ومراعاة الناس في أمر ليس بحرام مما جاءت به الشريعة، فقد راعى النبي ﵊ أصحابه في الصوم والفطر في رمضان، وراعاهم ﵊ في بناء الكعبة، ترك بناءها على قواعد إبراهيم، كل ذلك مراعاة لهم، وهذه قاعدة معروفة في الشرع، وهي مراعاة الناس في غير المحرم.
[ ١ / ٢٣٥٧ ]
أما إذا راعاهم في المحرم فهذه تسمى مداهنة، ما هي مداراة، المداراة طيبة، لكن مداهنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فأقول: حتى لو كان الإنسان يرى أن هذه الشروط لا دليل عليها، أو أن بعض هذه الشروط لا دليل عليه، فإنه لا ينبغي أن يؤم الناس بما يرى وجمهور الحاضرين معه يرون أنه شرط، وذلك واضح؛ لأن فيه إزالة الحرج عن قلوبهم، وفيه التأليف، وهل أنت إذا فعلت هذا تكون وقعت في حرام، يعني لو أتيت بهذه الشروط تكون وقعت في حرام؟ أبدًا ما وقعت في حرام.
ثم قال: (ولا يشترط لهما الطهارة) فلو خطب وهو محدث فالخطبة صحيحة؛ لأنها ذكر ليست صلاة.
ولو خطب وعليه جنابة؟
طالب: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؟ قراءة الآية؟
طالب: لا تصح.
الشيخ: مشكلة قراءة الآية الواقع أنه إذا خطب وهو جنب ففيه مشكلتان:
المشكلة الأولى: اللبث في المسجد، لكن قد يقال: إنه يتوضأ يزول هذا بالوضوء.
المشكلة الثانية: قراءة القرآن وهو جنب، والمذهب يرون أن قراءة القرآن حرام من الجنب، فكيف تصح القراءة وليس عليها أمر الله ورسوله؟ بل عليها النهي. قالوا: أما في الأول وهو تحريم لبث الجنب فيزول بالوضوء، وأما الثاني فلأن النهي هنا لا يتعلق بقراءة الآية في الخطبة، بل هو عام، لو ورد نهي: لا تقرأ القرآن وأنت جنب حال الخطبة، ثم قرأ قلنا: إن الخطبة لا تصح؛ لأنه فعل فعلًا محرمًا بنفس العبادة، أما قراءة الجنب للقرآن فهي محرمة على سبيل العموم، فهي لم تحرم لشيء متعلق بالخطبة.
وهذا التعليل صحيح، لكنه أحيانًا ينقض على المذهب، فقد قالوا: إن الرجل لو صلى في ثوب مغصوب فصلاته باطلة، مع أن الحكم تحريم لباس المغصوب هل هو خاص بالصلاة؟ لا، عام، ومع ذلك يقولون: إنها لا تصح الصلاة؛ لأنه ثوب محرم، ولكن الصحيح أن الصلاة تصح بالثوب المغصوب.
لو توضأ بماء مغصوب لا يصح الوضوء على كلام المشهور من المذهب؛ لأن الماء المغصوب يحرم استعماله.
[ ١ / ٢٣٥٨ ]
والقول الثاني وهو الراجح: أنه يصح أن يتوضأ بماء مغصوب مع الإثم.
هذه المسألة قالوا: يصح أن يقرأ الآية من القرآن وهو () مع الإثم، وهو مما يقوي القول الذي رجحناه الآن، وهو صحة الوضوء بالماء المغصوب، وصحة الصلاة بالثوب المغصوب، وصحة الصلاة بالبقعة المغصوبة أيضًا، نعم.
طالب: () إلا قراءة الآية يخرج من الإثم؟
الشيخ: أخشى أنها ما تجزئ.
طالب: يقصد الذكر.
الشيخ: إي بس القراءة يقصد قراءة ().
طالب: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
الشيخ: إي.
طالب: يقصد الذكر؟
الشيخ: أقول: أخشى ألا يكون لأن الذي يقصد الذكر بالقرآن ما يحصل له ثواب القراءة.
طالب: ().
الشيخ: والله ما أدري الظاهر أنها ما تصح.
طالب: شيخ، كيف تزول الجنابة بالوضوء؟
الشيخ: لا، ما تزول الجنابة بالوضوء، لكن يجوز المكث في المسجد إذا توضأ الجنب، ولا الجنابة باقية، ولهذا لو أراد يصلي ما صح أن يصلي.
طالب: في المذهب يشترط أن يجمع بين هذه الشروط كلها () أي لا بد أن يصلي ().
الشيخ: إي لا بد من هذه الشروط كلها، وفيه أيضًا شروط أخرى ما ذكرها الماتن، ولهذا الماتن خرج من العهدة بقوله؟
طالب: ().
الشيخ: كيف ما خرج؟ فاهم ما أقول ولا ما فهمته، خرج من العهدة بقوله؟
طالب: ما أدري.
الشيخ: بقوله يا جماعة؟
طالب: من شرط صحتها.
الشيخ: من شرط صحتها، علشان يخليك أنت تبحث عن الباقي.
طالب: شيخ، ثبت أن الرسول ﷺ أنه يخطب بـ ﴿ق﴾ () ولا يخطب ().
الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد ما رجحناه أن المهم من الخطبة الموعظة وتذكير الناس.
طالب: لو قال قائل بشرطية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة، واستدل بما جاء عند الترمذي وصححه جمع من العلماء عن عمر بن الخطاب، أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك ﷺ (١٤).
[ ١ / ٢٣٥٩ ]
الشيخ: نعم، هذا الدعاء، الخطبة لا يشترط أن تشتمل على الدعاء أصلًا، لو خطب الخطبتين جميعًا بدون دعاء صح، حتى على المذهب.
طالب: لكن هو () الدعاء.
الشيخ: لا ما هو قطعًا أبدًا.
الطالب: الصلاة عن النبي ﷺ.
الشيخ: ما هو قطعًا يا أخي لو خطب بدون دعاء صحت الخطبة.
طالب: ثم أيضًا يا شيخ قول الخطيب: صلوا على من أمركم الله بالصلاة عليه، هذا الآن الأمر ..
الشيخ: والله أنا عندي في نفسي شيء من هذا، يعني لو قال: أكثروا من الصلاة على الرسول؛ لأنه إذا قال: صلوا على من أمركم ترى بعض الناس يقول: ترى أمرنا أن نصلي الآن ولهذا تجدهم يلجون في الصلاة.
طالب: لكن هم ما يؤيدون يا شيخ أن يصلي على النبي.
الشيخ: لا، ما يؤيد هذا، حتى هذا اللي ذكرت ما كان الرسول يفعله ما كان يقول للناس: صلوا علي في وسط خطبة الجمعة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قلنا: إن الإمام يصح أن يخطب وهو جنب فتأتينا الصلاة هل الفصل بين الاغتسال للجنابة للصلاة وبين الخطبة هل هذا صحيح؟
الشيخ: ما تقولون يا جماعة؟
طلبة: ().
الشيخ: إي يمكن يذهب ويغتسل ويرجع.
طالب: فصل كبير.
الشيخ: لو فصل كبير ما هو بشرط الاتصال ما هو بشرط.
طالب: ويستأنف يا شيخ؟
الشيخ: لا، يصلي هذه واحد يمكن كما قال الإخوان: يصلي واحد غيره.
طالب: ().
الشيخ: ما يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن.
طالب: وهل هو لم يخطب يا شيخ؟
الشيخ: ولو كان سيأتينا أنه لا يشترط أن يتولاهما واحد.
طالب: جزاك الله خيرًا.
طالب آخر: إذا كان الخطيب يا شيخ أحسن الله إليك يعني بعد الخطبة الأولى () ما استطاع أن يكمل الخطبة ماذا يعمل المصلون؟
الشيخ: هذا سؤال مهم يقول: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة عجز عن إتمامها فهل يتمها الثاني أو يستأنف؟
طالب: يتمها الثاني.
الشيخ: يتمها الثاني.
طالب: تصح من اثنين.
الشيخ: تصح من اثنين.
طالب: ().
الشيخ: إي.
طالب: ().
[ ١ / ٢٣٦٠ ]
طالب آخر: شيخ، يتمها لأنها لم يشترط الصلاة والخطبة من واحد، فأيضًا لا يشترط الخطبة أن تكون من واحد.
الشيخ: لكن الخطبة واحدة، ما هما بخطبتين، يعني لو خطب واحد الأولى وواحد خطب الثانية، وثالث صلى هذا صحيح، لكن هذا في أثناء الخطبة الأولى أصابه عذر لم يتمكن.
طالب: كلها شروط () يعني كلها ().
الشيخ: السؤال أجب ولا تعلل.
ولا أن يَتَولَّاهما مَن يَتَوَلَّى الصلاةَ، ومِن سُنَنِهما أن يَخْطُبَ على مِنْبَرٍ أو مَوْضِعٍ عالٍ ويُسَلِّمَ على المأمومينَ إذا أَقْبَلَ عليهم ثم يَجْلِسَ إلى فَراغِ الأذانِ ويَجْلِسَ بينَ الْخُطبتينِ ويَخْطُبَ قائمًا ويَعتمِدَ على سيفٍ أو قَوْسٍ أو عصًا ويَقْصِدَ تِلقاءَ وَجهِه ويُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ ويَدْعُوَ للمسلمينَ.
(فصلٌ)
والجُمُعَةُ رَكعتان، يُسَنُّ أن يَقْرَأَ جَهْرًا في الأُولَى بالْجُمُعَةِ وفي الثانيةِ بالمنافِقِينَ، وتَحْرُمُ إقامتُها في أَكْثَرَ من مَوْضِعٍ من البَلَدِ إلا لحاجةٍ، فإن فَعَلُوا فالصحيحةُ ما باشَرَها الإمامُ أو أَذِنَ فيها، فإن اسْتَوَيَا في إذْنٍ أو عَدَمِه فالثانيةُ باطلةٌ وإن وَقَعَتَا معًا أو جُهِلَت الأُولَى بَطَلَتا،
طالب: إذا كان الخطيب، يا شيخ، أحسن الله إليك، بعد الخطبة الأولى أتاه عذر ما استطاع أن يكمل الخطبة، ماذا يعمل، هل يصلي؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة عجز عن إتمامها، فهل يتمها الثاني أو يستأنف؟
طالب: يتمها الثاني.
الشيخ: يتمها الثاني ().
طالب: ().
طالب آخر: شيخ، يتمها؛ لأنا لم نشترط الصلاة والخطبة من واحد، فأيضًا ما نقدر نشترط الخطبة قد تكون من واحد.
الشيخ: لكن خطبة واحدة، ما هو خطبتان؛ يعني لو خطب واحد الأولى، وواحد خطب الثانية، وثالث صلى هذا صحيح، لكن هذا في أثناء الخطبة الأولى أصابه عذر لم يتمكن.
طالب: كلها شروط من شروط الجماعة؛ يعني كلها اشترط الجماعة الخطبة.
[ ١ / ٢٣٦١ ]
الشيخ: السؤال، أجب ولا تعلق.
طالب: هي تصح.
الشيخ: تصح، نشوف، محل نقاش إن شاء الله.
***
طالب: لهما الطهارة ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عالٍ، ويسلّم على المأمومين إذا أقبل عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين، ويخطب قائمًا، ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه، ويقَصِّر الخطبة ويدعو للمسلمين.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه يُشترط لصحة صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان.
طالب: صلاة () ركعتين؟
الشيخ: السؤال، سبق أنه يشترط لصحة صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان، فما هو الدليل على هذا الشرط؟
طالب: أن النبي ﷺ كان لا يصلي حتى يخطب خطبتين (١).
الشيخ: لو قال لك قائل: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب؟
لأن القاعدة عندنا في أصول الفقه: أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
طالب: الآية في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهنا: الأمر بالوجوب ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فهي الخطبة، فلذلك يبدو أن السعي لهذه الخطبة.
الشيخ: والسعي إليها يدل على؟
طالب: يدل على وجوب السعي إليها، وكذلك وجوب الاستماع لهذه الخطبة، ووجوب الخطبة كذلك.
الشيخ: المهم الآن وجوب الخطبة، هل هذا يدل على وجوب الخطبة؟
طالب: نعم، يدل على وجوب الخطبة، الله ﵎ أمر بالسعي إليه، تمام؟ فهذا واجب، والسعي إلى واجب واجب كذلك.
الشيخ: والسعي الواجب لا يكون إلا لواجب، دليل آخر؟
[ ١ / ٢٣٦٢ ]
طالب: أن النبي ﵊ قال: «مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَى» (٢)، فدل على أن النبي ﷺ أمر بالإنصات للجمعة، وأن الذي يتكلم في الجمعة فإنه قد تلغو جمعته، هذا دليل على وجوبها.
الشيخ: يعني أن من تكلم والإمام يخطب فقد لغى، بل من قال لصاحبه: أنصت. يوم الجمعة فقد لغى، والمتكلم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، ويش وجه الدلالة؟
طالب: وجه الدلالة المترتب على هذه العقوبة على فاعل، الذي يتكلم أو الذي يومئ بالإنصات كذا، يدل على وجوب الخطبة.
الشيخ: وجوب الخطبة؛ لوجوب الاستماع لها، إذن كالآية، فيه دليل ثالث؟
طالب: الدليل يا شيخ ()؛ لأنه لو لم يتقدمها خطبتان صارت مثل بقية الصلوات () يدل على الوجوب، حيث إن الغرض من استماع الخطبة تجمع الناس وتذكيرهم.
الشيخ: وتذكيرهم، نعم.
طالب: كذلك مواظبة النبي ﷺ مواظبة غير منقطعة تدل على وجوبها.
الشيخ: نعم، يمكن، هذه تدل على الوجوب؛ لقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣)، وهو لم يصل الجمعة إلا بخطبة، يكفي هذا.
ذكر المؤلف: أن لهاتين الخطبتين شروطًا، اذكر؟
طالب: الشرط الأول أن يحمد الله ﷿.
الشيخ: حمد الله، بأي صيغة؟
طالب: اسمية، أو ..
الشيخ: أو أيش؟
الطالب: أو طلبية أو ().
الشيخ: طلبية؛ يعني يقول لناس: احمدوا الله؟
الطالب: لا، بل يقول قبلها: الحمد لله، طلبية ..
طالب آخر: هو يُسن في الأول أن يبدأ ..
الشيخ: الآن حمد الله على المسألة، الآن.
طالب: نعم؟ الدليل يعني؟
الشيخ: لا، هو قال: من شرط صحتها نحمد الله، فأقول له: بأي صيغة كانت؟ أو لا بد من صيغة معينة؟
طالب: كل صيغة تدل على حمد الله سواء كانت ..
الشيخ: مثل؟
طالب: مثل الحمد لله، أو: نحمد الله.
[ ١ / ٢٣٦٣ ]
الشيخ: أو أحمد الله؛ يعني سواء كانت فعلية أو اسمية، هي قول، فعلية أو اسمية، ما نريد بالفعل مقابل القول، نقول: الفعل مقابل الاسم والحرف، ما هو الدليل على وجوب ذلك؟ شرط.
طالب: الدليل على شرط الحمد؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: أن الرسول ﷺكما في مسلم- كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه (٤)، وأيضًا أنه داوم على الخطبة، على حمد الله والثناء عليه، فدل على الوجوب.
الشيخ: لو قال قائل: هذا فعل، والفعل يدل على الاستحباب.
طالب: لا دا قول صحيح؛ لذلك () ما يجب الحمد.
الشيخ: لا يجب الحمد؛ يعني إذا صعد المنبر وقال: يا أيها الناس اتقوا الله، واشكروه. وما أشبه ذلك.
طالب: كفى.
الشيخ: كفى.
طالب: قال النبي ﷺ: «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ..» (٥).
الشيخ: «فَهُو أَبْتَرُ»، وهذا وعيد على من أراد أن يخطب أن يترك الحمد؛ لأن الوعيد بنقص البركة يدل على وجوب الحمد.
هل يجب فيهما التشهد؟
طالب: التشهد؟ لا.
الشيخ: لا يجب؛ يعني لا يجب أن أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
الطالب: يعني هذا يجب، ولكن التشهد ..
الشيخ: لا، ما هو بالتشهد في التحيات.
الطالب: التحيات، لا يجب.
الشيخ: لا، هل يجب أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أو لا يجب؟
طالب: بعض العلماء قالوا: يجب، وبعضهم قالوا: لا يجب.
الشيخ: من قال يجب؟
الطالب: أبو يوسف.
الشيخ: أبو يوسف، إي نعم، وشيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا يرى أنه يجب أن يتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لكن المؤلف لا يرى وجوب هذا.
هل تشترط الصلاة على النبي ﷺ في الخطبتين؟
طالب: نعم.
الشيخ: تشترط؟ ما الدليل، أو التعليل؟
طالب: التعليل قالوا: إن كل عبادة اللي تحتوي فيها ذكر الله لا بد أن يقترن معها ذكر النبي ﷺ، ومثلوا ذلك بالأذان والتشهد وغيره.
[ ١ / ٢٣٦٤ ]
ولكن هذا القول غير صحيح؛ لأن هناك كثير من العبادات.
الشيخ: هذا التعليل عليل؛ لأن من العبادات ما يذكر فيها اسم الله وحده.
خطب رجل وحوله ثلاثون نفرًا فقط، وبعد انتهاء الخطبة أتموا أربعين؟
طالب: بعد انتهاء الخطبة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لا ما يصح، ما يجزء.
الشيخ: تصح الخطبتان أو لا؟
طالب: لا ما تصح.
الشيخ: ليش؟
طالب: العدد لم يكتمل، العدد أربعون.
الشيخ: لأنه يشترط لصحتهما حضور العدد المشترط.
إن قلت: أربعين، فحضور أربعين، إن قلت: ثلاثة، فحضور ثلاثة، إن قلت: اثنا عشر، فحضور اثني عشر، حسب العدد المشترط، حسب الخلاف بين العلماء.
خطب الخطبة الأولى قبل أن يدخل الوقت، والخطبة الثانية والصلاة بعد دخول الوقت؟
طالب: ما تصح؛ لأنه يشترط أن تكون الخطبتان بعد دخول الوقت.
الشيخ: نعم، يشترط أن تكونا ..
طالب: بعد دخول الوقت.
الشيخ: بعد دخول الوقت، هل عندك دليل على هذا؟
طالب: لأن الخطبتين من صلاة الجمعة.
الشيخ: تابعتان.
طالب: لصلاة الجمعة، والصلاة لا () إلا بدخول الوقت.
الشيخ: رجل قام خطيبًا في الناس، فجاء بقصة بدر من أولها إلى آخرها، ثم نزل، بعد أن حمد الله وأثنى عليه جاء بقصة بدر ثم نزل.
طالب: إذا كان لم يقرأ آية ذكرها لمستقل أو حكما مستقلا، فخطبته لا تصح.
الشيخ: لا، قرأ الآيات.
طالب: على الخطبتين والصلاة؟
الشيخ: على الخطبتين، أو في واحدة.
طالب: ولم يوصِ بتقوى الله ﷿؟
الشيخ: أنت، سبحان الله، تبغي تعد الشروط اللي قلت!
طالب: إن كان أوصى فيها بتقوى الله ﷿ معها.
الشيخ: إي نعم، وقرأ آية، وصلى على النبي ﷺ.
طالب: نقول: إنها تصح.
الشيخ: إذن فإنها تصح، وإلا فلا، يقول المؤلف: (إنه من شرط صحة الخطبتين أن يوصي بتقوى الله)، هل لا بد أن يقول: يا أيها الناس اتقوا الله؟ أو إذا أتى بما يدل على الأمر بالتقوى يكفي؟
طالب: لا، إذا أتى بما يدل على الأمر بالتقوى كفى.
الشيخ: مثل؟
[ ١ / ٢٣٦٥ ]
طالب: مثل: افعلوا أوامر الله ﷾، واجتنبوا ما نهى الله عنه.
الشيخ: أو أطيعوا الله ورسوله، لو قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وحمد الله وأثنى عليه؟
طالب: وصلى على النبي ﷺ.
الشيخ: وصلى على الرسول، ثم نزل.
الطالب: يكفي؟
الشيخ: يكفيه؟
الطالب: إي.
الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾؟
طالب: إي؛ لأن فيها وصية بالتقوى، فيها زيادة.
الشيخ: أيش تقولون: يكفي؟ لأن فيها قراءة آية، وفيها أيضًا الوصية بالتقوى، إذن لا يشترط أن تكون الوصية بالتقوى منفصلة عن الآية؛ لو جاء بآية بها الأمر بالتقوى كفى.
يقول المؤلف -﵀- هل يشترط لهما الطهارة؟ الجواب: لا، فلو خطب محدثًا وبعد انتهاء الخطبتين ذكر أنه على غير طهارة، فالخطبتان صحيحتان، ويتوضأ ويصلي.
قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
طالب: في السؤال الدرس الماضي: إذا تخلف الإمام لعذر، ثم جاء إمام آخر هل يستأنف أو يتم؟
الشيخ: إي نعم، جزاك الله خيرا، تنبيه طيب.
قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
يعني لا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، فلو خطب رجل وصلى آخر فهما صحيحتان، الخطبتان صحيحتان والصلاة صحيحة، ولكن هل يشترط أن يتولاهما واحد؟ أو يجوز أن يخطب الخطبة الأولى واحد، والثانية واحد؟
نقول: يجوز؛ يعني: ولا يشترط أن يتولاهما واحد، فلو خطب رجل وخطب الثانية رجل آخر؛ صحَّ، ولكن هل يشترط أن يتولى الخطبة الواحدة واحد؟ بمعنى: لو أن رجلًا خطب الخطبة الأولى في أولها، وفي أثنائها نزل؛ تذكر على أنه على غير وضوء مثلًا، فنزل ثم قام آخر فأتم الخطبة، هل تجزئ؟
[ ١ / ٢٣٦٦ ]
لم أرَ حتى الآن من تكلم عليها، ولكن هم ذكروا في الأذان أنه لا يصح من رجُلَين؛ يعني لا يصحّ أن يؤذن الإنسان أول الأذان ثم يكمله آخر؛ لأنها عبادة واحدة، فكما أنه لا يصح أن يصلي أحد ركعة ويكمل الثاني الركعة الثانية، فكذلك لا يصح أن يؤذن شخص أول الأذان ويكمله آخر.
أما الخطبة فقد يقال: إنها كالأذان؛ يعني: لا بد أن يتولى الخطبة الواحدة واحد، فلا تصح من اثنين، سواء لعذر أو لغير عذر، إن كان لغير عذر: فلا، فالظاهر أن الأمر واضح؛ لأن هذا شيء من التلاعب، واحد خطب أول الخطبة ثم ينزل، ويقوم الثاني يخطب، لكن إذا كان لعذر مثل أن يذكر الإمام الذي بدأ الخطبة أنه على غير وضوء، ثم ينزل يتوضأ، فهنا نقول: الأحوط للثاني أن يبدأ الخطبة من جديد؛ حتى لا تكون عبادة واحدة من شخصين، هذا هو الأحوط.
يقول: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ومن سننهما)، إذا كان لا يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة، فهل يشترط أن يكون العدد الحاضر لهما هو العدد الحاضر للصلاة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ يعني مثلًا لو خطب بأربعين، ثم خرج، ومعه أربعون رجلًا أصحاب له فخرجوا معه، ثم جاء أربعون وصلوا الجمعة؟ نقول: هذا لا يصح؛ لأنه لا بد أن يحضر الخطبتين.
(ومن سننهما) المؤلف الماتن لم يذكر ما يبطل الخطبتين، لكن ذكر الشارح: أنهما تبطلان بالكلام المحرم؛ يعني: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة تكلم كلامًا محرمًا، كقذف أو لعن، أو ما أشبه ذلك فإنها تبطل؛ لأن ذلك ينافي مقتضى الخطبة، المقصود بالخطبة وعظ الناس، وزجرهم عن الحرام، فإذا كان الخطيب نفسه بيفعل الحرام فإنها تبطل.
ولم يذكر أيضًا: هل يشترط أن تكون الخطبتان باللغة العربية؟
والجواب عن هذا أن نقول: إن كان يخطب بعرب فلا بد أن تكون باللغة العربية، ولا إشكال في هذا، وإن كان يخطب بغير العرب؛ فقال بعض العلماء: لا بد أن يخطب أولًا بالعربية، ثم يخطب بلغة القوم الذين عنده.
[ ١ / ٢٣٦٧ ]
وقال الآخرون: لا يشترط أن يخطب بالعربية، بل يجب أن يخطب بلغة القوم الذين يخطب فيهم، وهذا القول هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ﴾ [إبراهيم: ٤]، ولا يمكن أن ينصرف الناس عن موعظة وهم لا يعرفون ماذا قال الخطبيب، والخطبتان ليستا مما يُتعبد بألفاظهما حتى نقول: لا بد أن يكون باللغة العربية، أما إذا مر بالآية فلا بد أن تكون؟
طلبة: باللغة العربية.
الشيخ: بالعربية، كذا؟
لأن القرآن لا يجوز أن يُغَيَّر، لا بد أن يكون باللغة العربية.
قال المؤلف -﵀: (ومن سننهما) أي: الخطبتين، (أن يخطب على منبر) (منبر): وزن مِفْعَل، من النبر، وهو الارتفاع؛ أي: على شيء مرتفع، وكان النبي ﷺ يخطب في أول الأمر على جذع نخلة في مسجده، ثم صنع له منبر من خشب الغابة -الأثل- وصار يخطب عليه، ولما خطب عليه أول جمعة صاح جذع النخلة كما تصيح الإبل العشار، حتى نزل النبي ﷺ وسكَّته فسكت، والناس يسمعون هذا ثم صار يخطب على المنبر (٦).
وإنما كان ذلك سنةً اقتضاءً بالنبي ﷺ؛ ولأن ذلك أبلغ في إيصال الخطبة إلى الناس؛ لأنه إذا كان مرتفعًا سمعه الناس أكثر، وكذلك إذا كان مرتفعًا رآه الناس بأعينهم، ولا شك أن تأثر السامع إذا رأى المتكلم أكثر من تأثره وهو لا يراه، وهذا أمر مشاهد، ولهذا كان من هدي الصحابة على ما ذُكِر أن النبي ﷺ إذا خطب استقبلوه بوجوههم (٧) ليكون ذلك أبلغ في حضور القلب والانتفاع بالخطبة.
هذا المنبر، قال العلماء: ينبغي أن يكون على يمين مستقبل القبلة في المحراب، كما هو المعمول به الآن، يجعلونه على اليمين؛ من أجل أن الإمام إذا نزل منه ينفتل عن ..
طلبة: يمينه.
طلبة آخرون: يساره.
الشيخ: ما هذا، هذا ما فيه يا جماعة.
[ ١ / ٢٣٦٨ ]
إذا نزل منه انفتل عن يمينه، ما فيها إشكال هذا، إذا كان المنبر عن يمين مستقبل القبلة في المحراب، فإن الإمام إذا نزل ينفتل عن يمينه؛ لأن المحراب عن يمينه، وهذا ما يحتاج إلى هذا الخلاف.
يقول: (أو موضع عالٍ) يعني: إذا لم يوجد منبر، فعلى موضع مرتفع، ولو كومة من التراب؛ من أجل أن يبرز أمام الناس، وكما ذكرنا قبل قليل؛ لأن ذلك أبلغ في الصوت، وأبلغ في التلقي عن الخطيب؛ لأن من يشاهد يتلقى منه أكثر.
ثم قال: (وأن يُسَلِّم على المأمومين إذا أقبل عليهم) يعني يسلم الإمام إذا صعد المنبر على المأمومين، يتجه إليهم ويسلّم؛ لأن ذلك روي عن النبي ﵊ (٨)، وأجمعت الأمة على العمل به، فهو وإن كان من حيث الحديث المرفوع، وإن كان ضعيفًا، لكن الأمة عملت به، واشتهر بينها أن الخطيب إذا جاء وصعد المنبر فإنه يسلم على الناس، وهذا التسليم العام.
أمّا الخاص؛ وهو أنه إذا دخل المسجد سلّم على من يلاقيه أولًا، فهو أيضًا من السنة بناءً على النصوص العامة؛ أن الإنسان إذا أتى قومًا فإنه يُسلّم عليهم، فيكون إذن، يكون للإمام سلامان:
السلام الأول: إذا دخل باب المسجد سلّم على من حوله، على من يمر به، والثاني: إذا صعد المنبر، فإنه يسلّم تسليمًا عامًّا على جميع المصلّين.
(ثم يجلس إلى فراغ الأذان) يعني إذا سلم جلس حتى يفرغ المؤذن، وفي هذه الحال يتابع المؤذن على أذانه؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (٩)، وهذا عام، فينبغي للإمام وهو على المنبر أن يجيب المؤذن، وكذلك المأمومون يجيبون المؤذن، فيقولون مثل ما يقول، إلا في الحيعلتين؛ فإنهم يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ١ / ٢٣٦٩ ]
(ويجلس بين الخطبتين) نعم؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجلس بين الخطبتين (١٠)، ولأنه لو لم يجلس لم يتبين التمييز بينهما؛ إذ قد يظن الظان أنه سكت لعذر منعه من الكلام، لكن إذا جلس تميزت الخطبة الأولى من الثانية، فهذا دليل وتعليل.
الدليل ما هو؟ فعل النبي ﷺ.
والتعليل؟ التمييز بين الخطبة الأولى والثانية، وذلك لأنه لو لم يجلس فإنه وإن وقف عن الكلام قد يظن الظانّ أنه وقف لعذر.
(ويخطبُ قائمًا) يعني: يسن أن يخطب قائمًا؛ لفعل النبي ﷺ؛ ولأن ذلك أبلغ بالنسبة للمتكلم؛ لأن القائم يكون عنده من الحماس أكثر من الجالس؛ ولأنه أبلغ أيضًا في إيصال الكلام إلى الحاضرين، لا سيما في الزمن السابق ليس فيه مكبر صوت، فلذلك نقول: يسن في الخطبتين أن يكون قائمًا للدليل والتعليل؛ أما الدليل؛ ففعل النبي ﷺ، وأما التعليل؛ فما سمعتم أنه أبلغ، لا بالنسبة للخطيب؛ لأنه يتحمس أكثر إذا كان قائمًا، وأبلغ أيضًا في إسماع الحاضرين.
قال: (ويَعْتَمد على سيف أو قوس أو عصا) يعني يُسَنّ أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا، واستدلوا بحديث يروى عن النبي ﷺ في صحته نظر، ثم إنه على تقدير صحته قال ابن القيم: إنه لم يحفظ عن النبي ﷺ بعد اتخاذ المنبر أنه اعتمد على شيء، ووجه ذلك: أن الاعتماد إنما يكون عند الحاجة، فإن احتاج الخطيب إلى اعتماد مثل أن يكون ضعيفًا يحتاج أن يعتمد على عصا، فهذا سنة؛ لأن ذلك يعينه على القيام الذي هو سنة وما أعان على السنة فهو سنة، أمّا إذا لم يكن هناك حاجة فلا حاجة إلى حمل العصا.
[ ١ / ٢٣٧٠ ]
ثم إن تعليلهم بأنه إشارة إلى أن هذا الدين فتح بالسيف، هذا فيه نظر أيضًا، الدين لم يفتح بالسيف؛ لأن السيف لا يستعمل في الدين إلا عند المنابذة، إذا أبى الكفار أن يسلموا أو يبذلوا الجزية فإنهم يقاتلون، أما إذا بذلوا الجزية فإنهم يتركون، هذا هو القول الذي تدل عليه الأدلة.
ثم إن الإسلام -في الحقيقة-لم يفتح المسلمون البلدان إلا بعد أن فتحوا القلوب، فتحوا القلوب أولًا بماذا؟ بالدعوة إلى الإسلام وبيان محاسن الإسلام، بيان محاسن الإسلام بالقول وبالفعل، وليس كزماننا اليوم نبين محاسن الإسلام بالقول، هذا إن بيناها فإنها تبين بالقول، أما بالفعل فنسأل الله أن يوفق المسلمين للقيام بالإسلام.
الفعل؛ إذا رأى الإنسان الأجنبي من البلاد الإسلامية، إذا رأى ما عليه المسلمون من الأخلاق التي لا تمت إلى الإسلام بصلة فإنه يقول: أين الإسلام؟ !
لأنه مع الأسف أن المسلمين اليوم فيهم الكذب، فيهم الغش، فيهم الظلم والجور، وكل هذه تنافي الدين الإسلامي.
فالإسلام في الحقيقة إنما فتحت البلاد به لا بالسيف، السيف يُستعمل متى؟
عند الضرورة إليه، إذا لم يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فحينئذ نستعمل السيف، وأيضًا لا نستعمل السيف يا إخواننا إلا بعد الكثرة، أما أن نستعمل السيف وأعداؤنا أكثر منا بكثير وأقوى منا فهذا يعتبر تهورًا، هذا من التهور، ولهذا أباح الله لنا أن لا نقابل أكثر من مثلينا.
ماذا قال الله ﷿؟ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
[ ١ / ٢٣٧١ ]
فأقول: إن التعليل بأن الدين فَتَح بالسيف فيه نظر جدًّا، وفيه أيضًا استغلال للكفار حيث يقولون: إنكم أنتم أيها المسلمون فتحتم بلادنا في الأول بالقوة والسيف، ما فتحتموها بالدعوة، بل بالقوة.
يقول: (وأن يقصد تلقاء وجهه)، (يقصد) يعني: يستقبل، (تلقاء وجهه): ما يتجه لليمين أو لليسار، بل يكون أمام الناس؛ لأنه إن اتجه إلى اليمين أضر بأهل اليسار، وإن اتجه إلى اليسار أضر بأهل اليمين، وإن اتجه تلقاء وجهه.
طالب: ().
الشيخ: لا، لم يضر بأحد، هذا هو طبيعته، والناس هم الذين ينصرفون إليه، فإن قال قائل: هل من السنة أن يلتفت يمينًا وشمالًا؟
نعم، الظاهر أن هذا ليس من السنة، وأن الخطيب يقصد تلقاء وجهه، ومن أراده التفت إليه.
وهل من السنة أن يحرك يديه عند الانفعال؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: بإصبعه.
الشيخ: الإصبع يشير به عند الدعاء.
لا، إنما يقول: يا أيها الناس اتقوا الله، خافوا الله، إن كان عندهم عصا ضرب بها، هل هذا من السنة؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس من السنة، وإن كان بعض الخطباء بلغني أنهم يفعلونه، لكنه ليس من السنة، أما الخطبة التي غير خطبة الجمعة، فهذا قد نقول: إنه من المستحسن أن الإنسان يتحرك بحركات تناسب الجُمَل التي يتكلم فيها، أما خطبة الجمعة فإن المغلّب فيها التعبد، ولهذا أنكر الصحابة ﵃ على مروان بن الحكم حين رفع يديه في الدعاء، مع أن الأصل في الدعاء رفع اليدين، لكن أنكروا عليه؛ لأن خطبة الجمعة يغلب فيها جانب التعبد، فلا يشرع فيها إلا ما جاء عن النبي ﷺ فقط.
(ويقصد تلقاء وجهه، ويقصر الخطبة) (يقصر الخطبة) يعني: يجعلها قصيرة، كقول النبي ﷺ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» (١١).
فالأولى أن يقصر الخطبة؛ لأن في تقصير الخطبة فائدتين:
[ ١ / ٢٣٧٢ ]
الفائدة الأولى: أن لا يحصل الملل للمستمعين؛ لأن الخطبة إذا طالت، ولا سيما إن كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابرًا، لا يُحرك القلوب ولا يبعث الهمم، فإن الناس يَمَلُّون، يتعبون منها، وإن كانوا جلوسًا يَمَلُّون.
الفائدة الثانية: أن ذلك أوعى للسامع.
وأيش معنى أوعى؟ يعني: أحفظ للسامع؛ لأنها إذا طالت أضاع آخرُها أولَهَا، وإذا قصرت أمكن وعيها وحفظها؛ ولهذا قال النبي ﵊: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ» أي: علامة ودليل عَلَى فقهه، وأنه يراعي أحوال الناس.
أحيانًا تستدعي الحال إلى التطويل، فإذا أطال الإنسان أحيانًا، لاقتضاء الحال ذلك فإن هذا لا يخرج عن كونه فقيهًا؛ وذلك لأن الطول والقِصَر أمر نسبي.
وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يخطب أحيانًا بسورة (ق) (١٢)، وسورة (ق) مع الترتيل والوقوف على كل آية تكون طويلة لا شك.
(ويقصر الخطبة، ويدعو للمسلمين) يعني: ينبغي أيضًا أن يدعو في خطبته للمسلمين، أئمتهم ومأموميهم؛ يعني الرعية والرعاة؛ لأن ذلك الوقت ساعة ترجى فيه الإجابة، والدعاء للمسلمين لا شك أنه خير، فلهذا استحبوا أن يدعو للمسلمين.
ولكن قد يقول قائل: كون هذه الساعة مما تُرجى فيه الإجابة، وكون الدعاء للمسلمين فيه مصلحة عظيمة موجود في عهد الرسول ﵊، وما وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فتركه، هو السنة.
وهذه من القواعد المفيدة لطالب العلم: كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﵊ ولم يفعله فتركه سنة؛ لأننا نقول: ما الذي جعل النبي ﷺ لا يفعله؟ هل هو جاهل في الحكم؟ كلا.
[ ١ / ٢٣٧٣ ]
هل هو متهاون به؟ كلا، لو كان شرعًا لله لفعله الرسول ﵊، فهذان السببان، وهما: أن هذه ساعة ترجى فيها الإجابة، وأن الدعاء للمسلمين عمومًا من الأمور المطلوبة، هذان السببان موجودان في عهد الرسول ﵊ أو معدومان؟
موجودان.
هل فعل؟
طلبة: لا.
الشيخ: حينئذ نقول: لا بد من دليل خاص يدل على أن النبي ﷺ كان يدعو للمسلمين، فإن لم يوجد دليل خاص فإننا لا نأخذ به، ولا نقول: إنه سنة، وأنه من سنن الخطبة، غاية ما نقول: إنه من الجائز، لكن قد روي أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة (١٣).
فإذا صح هذا الحديث فهو أصل في الموضوع، وحينئذ لنا أن نقول: إن الدعاء سُنّة، أما إذا لم يصح فإننا قد نقول: إن الدعاء جائز، وحينئذ، حينما نقول إنه جائز: لا يتخذ سنة راتبة يواظب عليها الخطيب؛ لأنه إذا اتخذه سنة راتبة وواظب عليه فهم الناس أنه سُنّة، وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقته في الواقع فإنه ينبغي تجنبه.
طالب: بعض الخطباء الموجودون الآن يلمزون لبعض الناس -علماء أو غيرهم- يلمزونهم، أو يغتابونهم ()، أنهم فعلوا، وأنهم كذا جاهلون، هذا كلام () ..
الشيخ: ويش يعني؟ يعني يغتابون الناس؟
الطالب: إي، أثناء الخطبة، يتكلمون، يقولون: إن العلماء أضل، يقولون: فعلوا كذا، وفعلوا كذا، أي إما تصريحًا يصرح بالشخص، أو وصفًا يفهمه الناس، وهذا كذب.
الشيخ: والله هذه إذا كان المقصود التحرير، مثل لو أن عالمًا قام يدعو إلى بدعة فقام الخطباء يبينون هذا: من الناس من يقوم يدعو إلى كذا ويحذر، هذا طيب.
الطالب: ().
طالب: شيخ، النبي ﷺ قال: «خَيْرُ السَّرِايَا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» (١٤)، دليل على أنه ممكن مواجهة الكفار ولو كنا أقل منهم؟
[ ١ / ٢٣٧٤ ]
الشيخ: إي، هو الإمكان قد يمكن، لكن لن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة، الآن لا يوجد من أسباب النصر إلا القليل.
طالب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
الشيخ: ما يخالف، إذا أعددنا لا بأس، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ من قوة مادية ومعنوية، الآن في المسلمين -وبالأخص الذين تولوا أمر المسلمين- فيهم من يستحقون أن يجاهدوهم.
طالب: شيخ، () زيادة الدرجة على ثلاث.
الشيخ: ما نرى هذا، نرى هذا أمرا عاديا، ما فيه تعبد.
طالب: ما نقول إنه بدعة؟
الشيخ: ما نقول إنه بدعة، لا.
طالب: قلنا: إن الصحيح أنه لا يشترط الصلاة على رسول الله في الخطب، والشارع لا يذم إلا على الفعل، لا يذم ذمًّا شديدًا إلا على الفعل المحرم أو ترك الورع، مع إنك قلت في الحديث: ما من قوم يستمعون () إذا قاموا في مقام ..
الشيخ: يجلسون مجلسا.
الطالب: نعم.
الشيخ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ ..» (١٥).
الطالب: ثم قاموا ..
الشيخ: إي، لكن بس كون نجعله شرطًا في الخطبة خاصًّا فيه نظر.
قد نقول: إن القوم إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم تابعوه ثم صلوا عليه بعد الأذان، حصل المقصود.
طالب: شيخ، الصلاة على الرسول واجبة في المجلس.
الشيخ: فيها خلاف، بعض العلماء يرى أنها واجبة، وبعضهم يقول: ليست بواجبة، ظاهر الحديث أنها واجبة.
طالب: ().
الشيخ: هذا، صلوا الناس، صلوا على النبي ﷺ بعد الأذان *** () وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
صلاة الجمعة تمتاز عن غيرها بشروط خاصة، منها؟
طالب: الوقت ().
الشيخ: () من الخطبتين فيما بعد.
طالب: يتقدمها خطبتان، لا بد أن يتقدمها خطبتان.
الشيخ: لا بد أن يتقدمها خطبتان، ما هو الدليل على هذا؟
[ ١ / ٢٣٧٥ ]
طالب: الدليل فعل النبي ﷺ، حيث كان يواظب عليهما مواظبة تامة، غير منقطعة، وهذا يدل على وجوبهما.
الشيخ: أيضًا أمر الله؟
طالب: بهما، بالسعي إليهما.
الشيخ: بالسعي إليهما من بعد نداء الجمعة.
طالب: وما كان السعي إليه واجب فهو واجب.
الشيخ: نعم، ونهى عن الكلام؟
طالب: فيهما.
الشيخ: حال الخطبة، ما تقول في رجل خطب خطبتين بعد صلاة الجمعة؟ ماذا يصنعون؟ صلى ثم خطب خطبتين.
طالب: لأنه يشترط تقدم الخطبتين.
الشيخ: المهم فعلوا هذا وجاءوا يسألون، ماذا نقول لهم؟
طالب: يصلونها ظهرًا.
الشيخ: يصلونها ظهرًا، ولو كان الوقت باقيًا؟ لو أنهم جاءوا يسألون قبل أن يؤذن العصر؟
طالب: لا، ما يصلون.
الشيخ: ويش يسوون؟
()
طالب: يعيدون الخطبة والصلاة إذن الصلاة مبنية على ()؛ يعني يخطب إذا كان ..
الشيخ: يعيد الخطبة والصلاة.
طالب: إذا بقي هناك وقت.
طالب آخر: نفس الذي قال: إذا بقي وقت للخطبة.
الشيخ: إي، باقي وقت؛ يعني باقي ساعة أو ساعتين.
طالب: يعيدون الجمعة.
الشيخ: ويش يعيدون؟
طالب: يعيدون الجمعة والخطبة.
الشيخ: الخطبة والجمعة.
طالب: نعم.
طالب آخر: تبقى الخطبتان، ويعيدون الصلاة.
الشيخ: يعيدون الصلاة فقط؟ ما تقولون؟ عندنا قولان الآن.
طلبة: الأخير.
الشيخ: الثاني هو الصحيح.
طالب: الفاصل.
الشيخ: الفاصل ما يضر، لا يشترط الموالاة، إذن يعيدون الجمعة فقط.
ما تقول في رجل خطب خطبة بليغة جدًّا جدًّا، ولكنه لم يقرأ فيها شيئًا من القرآن؟
طالب: على المذهب ..
الشيخ: كلام المؤلف، إي نعم، المذهب.
طالب: لا تصح الخطبة.
الشيخ: لا تصح الخطبة، ويتفرع على هذا أنها لا تصح الجمعة، تمام؛ لأنه من شرط الخطبتين أن تشتمل على قراءة آية.
خطب رجل وصلى آخر؟
طالب: تصح يا شيخ.
الشيخ: تصح؟
طالب: إذا خطب رجل وصلى آخر تصح.
الشيخ: تصح؟
طالب: نعم؛ لقول المؤلف: (ولا يشترط لهما الطهارة، ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
[ ١ / ٢٣٧٦ ]
الشيخ: نعم، ما تقولون في قوله؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، ولكن استدلاله غير صحيح؛ لأنه قال: لقول المؤلف، وهذا يقتضي أن قول المؤلف حجة ودليل، إلا أن تقول: إني أنا مقلد، على كل حال نقول: إنها لا تصح؛ لأن الخطبتين أتتا على وجه صحيح والصلاة أيضًا على وجه صحيح، لكن الأفضل أن يتولاهما من يتولى الصلاة.
رجل خطب مضطجعًا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: تجزئ الخطبة؟ تجزئ.
طالب: ومن سننهما أن يقف في الخطبة.
الشيخ: لأن من سننهما أن يخطب قائمًا، صحيح.
ما تقول في رجل خطب مستدبرًا الناس؟
طالب: تصح، ولكن خلاف السنة، على قول المؤلف.
الشيخ: نعم، وهو كذلك، تصح ولكنه خلاف السنة، السنة: أن يقصد تلقاء وجهه، نعم.
أيهما أفضل أن يطول الخطبة أو يقصر؟
طالب: التقصير.
الشيخ: التقصير.
طيب، لو دعت الحاجة إلى التطويل؟
طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك، لكن الأفضل أن يكون الراتب هو التقصير.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل. والجمعة ركعتان).
(الجمعة ركعتان): بالنص والإجماع، أما النص: فإن هذا أمر متواتر مشهور عن النبي ﵊ أنه كان يصلي الجمعة ركعتين فقط، وأما الإجماع: فهو أيضًا إجماع متواتر لم يختلف أحد من المسلمين فيه، فالجمعة ركعتان.
وفي هذا دليل على أن الجمعة صلاة مستقلة، وليست ظهرًا ولا بدلًا عن الظهر، ومن زعم أنها ظهر مقصورة فقد أبعد النجعة، ومن زعم أنها بدل عن الظهر فكذلك، بل الجمعة صلاة مستقلة لها شرائطها الخاصة، ولها صفتها الخاصة؛ ولذلك تصلى ركعتين ولو في الحَضَر.
[ ١ / ٢٣٧٧ ]
قال: (يسن أن يقرأ جهرًا) هذه مما تختلف فيه عن صلاة الظهر، أنه تسن القراءة بها جهرًا؛ أي أن الإمام يجهر في القراءة من بين سائر الصلوات النهارية، ونحن إذا تأملنا الصلوات الجهرية وجدنا أنها الصلوات الليلية المكتوبة: المغرب، والعشاء، والفجر، وأنها أيضًا الصلاة ذات الاجتماع العام مثل: الجمعة، والعيد، والكسوف، والاستسقاء؛ لأن هذه يجتمع فيها الناس اجتماعًا عامًّا، فالسنة في الكسوف مثلًا أن تصلى في الجامع، يصليها أهل البلد كلهم في مسجد واحد، هذه السنة، كذلك في صلاة الاستسقاء، كذلك في صلاة العيد، وكذلك في صلاة الجمعة.
والحكمة من ذلك أنه يجهر في هذه الصلوات ذوات الاجتماع العام، الحكمة من ذلك هو إظهار الموافقة والائتلاف التام؛ لأنه إذا كان الإمام يجهر صارت قراءته قراءة للجميع، فكأنه عنوان على ائتلاف أهل البلد كلهم، واضح؟
أما في الليل، فالحكمة من ذلك هو أنه قد يكون أنشط للمصلين إذا استمعوا القراءة، ولا سيما إذا كان الصوت جيدًا، والقراءة لذيذة، فإن الناس سوف ينشطون أكثر، ولأجل أن يتواطأ القلب واللسان من جميع الحاضرين.
وقوله: (يُسَن أن يقرأ جهرًا): يؤخذ منه أنه لو قرأ سرًّا لصحت الصلاة، لكن الأفضل جهرًا.
(في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) يعني يقرأ في الأولى بـ (الجمعة)، ويقرأ في الثانية بـ (المنافقون)، ثبت ذلك عن النبي ﷺ (١٦)، والمناسبة فيها ظاهرة، أما (الجمعة): فالمناسبة أظهر من الشمس؛ لأن فيها ذكر الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة، وأما (المنافقون): فالمناسبة ظاهرة، من أجل أن يصحح الناس قلوبهم ومسارهم إلى الله تعالى كل أسبوع، ينظر الإنسان في قلبه، هل هو من المنافقين أو من المؤمنين؟ فيحذر ويطهر قلبه من النفاق.
[ ١ / ٢٣٧٨ ]
وفيه أيضًا من الفائدة أخرى: أن يقرع أسماعَ الناس التحذيرُ من المنافقين كل جمعة؛ لأن الله قال فيها عن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وهذا مناسبة تامة.
وله أن يقرأ بـ (سبح) و(الغاشية)، ثبت ذلك أيضًا في صحيح مسلم؛ أن الرسول يقرأ بـ (سبح) و(الغاشية) (١٧)، فهل يجمع بين السورتين؟ أو هذه مرة وهذه مرة؟
نقول: هذه مرة، وهذه مرة، فإن الذي ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يقرأ إما هذا وإما هذا، فالسنة أن يقرأ مرة بهذا ومرة بهذا، ولكن لو أن الإنسان راعى أحوال الناس؛ فصار في أيام الشتاء الباردة يقرأ بـ (سبح) و(الغاشية)؛ لأن الناس ربما يحتاجون إلى التبول، بواسطة البرودة، وفي أيام الحر الشديد أيضًا يقرأ بـ (سبح) و(الغاشية)، لا سيما إذا كان المسجد ليس فيه تبريد كافٍ، فيقرأ بـ (سبح) و(الغاشية) من أجل التسهيل عليهم، وذلك أن من هدي النبي ﷺ أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (١٨)، والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية هي اليسر، فإذا علمنا أن الأيسر على المصلين أن نقرأ بـ (سبح) و(الغاشية)، وذلك في شدة البرد وشدة الصيف، فالأفضل أن نقرأ بهما، وهي سنة ثابتة (١٧).
أما في الأيام المعتدلة الجو فينبغي أن يقرأ بهذا أحيانًا وبهذا أحيانًا؛ لئلا تهجر السنة؛ لأننا نذكر أن بعض شيوخنا كانوا يداومون على (سبح) و(الغاشية) لا يقرؤون سواها، فلما قرئ بهما -بسورة الجمعة و(المنافقون) - استنكروا هذا، قالوا: هذا تطويل، والرسول ﵊ نهى معاذًا عن التطويل، لماذا؟
لأنها لما هُجِرَتِ السنة صارت عند العامة كأنها بدعة، فالذي ينبغي للأئمة أن يراعوا السُنَّة الثابِتَةَ عن النبي ﷺ، أما (سبح) و(الغاشية) فالمناسبة فيهما ظاهرة.
[ ١ / ٢٣٧٩ ]
لأن في (سبح): أمر الله تعالى بالتذكير فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ٩، ١٠]، والإمام قد ذكر في الخطبة فينبه الناس على أنهم إن كانوا من أهل خشية الله فسوف يتذكرون.
وفي (الغاشية) واضح أيضًا المناسبة؛ ذكر يوم القيامة وأحوال الناس فيها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٢، ٣] و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨، ٩]، وفيها أيضًا التذكير ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]، فالحاصل أن قراءة النبي ﷺ لهذه السور الأربع لا شك أنها من أعظم المناسبات.
يقول: (في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين) من هم المنافقون؟
المنافقون: هم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإن تسموا بالإسلام فهم كفار، بل أخبث من الكفار، وكل من أظهر حسنًا وأبطل سيئًا فهو شبيه بهم؛ ولهذا قال النبي ﵊: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (١٩).
(الجمعة) فيها أيضًا مناسبة عظيمة غير مسألة الأمر بالسعي للجمعة، وهي أن الله تعالى ذكر عن اليهود ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: ٥]، لم يعملوا بها أن مثلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ تحذيرًا لنا من أن نكون مثلهم؛ لأن المسلمين لو أنهم لم يحملوا القرآن أي لم يعملوا به صاروا مثل اليهود أو أخبث منهم؛ لأن من مُيِّز على غيره بفضل كان تكليفه بالشكر أكثر، وهذه الأمة ميزت على غيرها بالفضل، فكان الواجب عليها أن تكون أفضل من غيرها عملًا.
ففيها تحذير ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ فيها تحذير لنا أن لا نحمل القرآن الكريم.
[ ١ / ٢٣٨٠ ]
يقول -﵀-: (وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة)، هذا أيضًا من خصائص الجمعة؛ أنها تحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد، أما غير الجمعة فإنها تصلى في الدور.
أيش في الدور؟ الدور: الأحياء، ففي حديث عائشة -﵂-: أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب (٢٠).
في الدور يعني؟
الأحياء، ولهذا يقال: دار بني فلان؛ أي: حيهم، ما سوى الجمعة يصلى في الأحياء، كل حي يصلي في مسجده، الجمعة يجب أن تكون في مسجد واحد؛ لأنها لو فرقت في مساجد الأحياء لانتفى المعنى الذي من أجله شرعت الجمعة، ولتفرق الناس، ولصار كل قوم ينفضُّون عن موعظة تختلف عن موعظة الآخر، فيتفرق البلد، ولا يشربون من نهر واحد، واضح؟
وأيضًا لو تعددت الجمع لفات المقصود الأعظم وهو جمع المسلمين وائتلافهم؛ لأنهم لو تُركوا، كل قوم يقيمون الجمعة في حيهم، لو تُركوا كذلك ما تعارفوا ولا تآلفوا، وبقي كل جانب من البلد لا يدري عن الجانب الآخر، فهذه من حكم الجمعة، أن يجتمع الناس في مكان واحد، وعلى إمام واحد، ويصدرون عن رأي واحد، ويشربون من نهر واحد.
ولهذا لم تقم الجمعة في أكثر من موضع لا في زمن أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا في زمن الصحابة كلهم، ولا في زمن التابعين، وإنما أقيمت في القرن الثالث بعد مئتين وست وسبعين تقريبًا، فكان المسلمون إلى هذا الزمن يصلون على إمام واحد.
حتى إن الإمام أحمد سئل عن تعدد الجمعة، فقال: ما علمت أنه صُلى في المسلمين أكثر من جمعة واحدة.
الإمام أحمد توفي سنة مئتين وإحدى وأربعين، إلى هذا الحد لم تقم الجمعة في أكثر من موضع من البلد.
أقيمت في بغداد أول ما أقيمت لما صار البلد منشقا، فيه نهر بين الشرقي منه والغربي منه، فجعلوا فيها جمعتين؛ لأنه يشق أن يعْبُر الناس النهر كل أسبوع، فجعلت جمعتين.
[ ١ / ٢٣٨١ ]
وعلي بن أبي طالب ﵁ في الكوفة أقام صلاة العيد في الصحراء، وجعل واحدًا من الناس يقيم في المسجد الجامع داخل البلد للضعفاء، فمن هنا ذهب الإمام أحمد -﵀- إلى أن صلاة الجمعة يجوز تعددها لحاجة.
على كل حال، إقامتها في أكثر من موضع من البلد محرمة.
قد يقول قائل: ما هو الدليل على التحريم؟
نقول: الدليل أن النبي ﵊ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣)، وحافظ النبي ﷺ على صلاة في مسجد واحد طيلة حياته، والخلفاء من بعده، والصحابة من بعده، وهم يعلمون أن البلاد اتسعت؛ ففي عهد عثمان اتسعت المدينة فزاد أذانًا ثالثًا، جعل أذان أول، ثم أذان عند حضور الإمام، ثم الإقامة، ولم يعدد الجمع.
والجمعة في عهد الرسول ﵊ وأيضًا كانت أحياءً، العوالي بعيدة عن الجمعة، ومع ذلك يحضرون إلى مسجد النبي ﷺ، وهذا يدل على أن الجمعة لا بد أن تكون على إمام واحد وفي مكان واحد.
ولكن مع الأسف الآن أصبحت بلاد كثير من المسلمين، أو أصبح كثير من بلاد المسلمين لا يفرقون بين الجمعة وبين صلاة الظهر؛ أي أن الجمعة تقام في كل مسجد، فتفرقت الأمة، وصار الناس يقيمون صلاة الجمعة وكأنها صلاة ظهر.
وهذا لا شك أنه خلاف مقصود الشرع، وخلاف هدي النبي ﷺ، ولهذا جزم المؤلف بتحريم إقامتها في أكثر من موضع من البلد.
قال: (إلا لحاجة)، والمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة؛ لأن هناك ضرورة وحاجة، الحرام لا يبيحه إلا الضرورة، والحاجة إنما تبيح المكروه فقط ولا تبيح المحرم، فالمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة، وأظنكم تعرفون الفرق بين الحاجة والضرورة.
طالب: لا
الشيخ: ما تعرف.
الحاجة: هي التي يكون بها الكمال، والضرورة: هي التي يندفع بها الضرر، هذا الفرق.
[ ١ / ٢٣٨٢ ]
يعني الحاجة أنك تحتاج للشيء لكن لو فات ما يضرك، والضرورة هي التي لو فات لضرك، هذا هو الفرق بين الحاجة والضرورة.
ولهذا نقول: المُحَرَّم لا تبيحه إلا الضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
والمكروه أخف تبيحه الحاجة.
ما هي الحاجة؟
لم يبين المؤلف -﵀- الحاجة، ولكن تعرف مثلًا إذا ضاق المسجد عن أهله ولم يمكن توسيعه، هذه حاجة؛ لأن الناس لا يمكن أن يصلوا في الشمس في أيام الصيف، ولا في المطر في أيام الشتاء، فإذا كان الناس كثيرين والمسجد ضيقًا فهذا حاجة.
ثانيًا: إذا تباعدت أقطار البلد، وصار الناس يشق عليهم الحضور، فهذا أيضًا حاجة لا شك.
ولكن في عصرنا الآن، هل هناك حاجة؟
طالب: لا.
الشيخ: نعم، ليس هناك حاجة من جهة البعد، لكن هناك حاجة من جهة الضيق؛ لأن الذين يأتون بالسيارة من أماكن بعيدة يحتاجون إلى مواقف، وقد لا يوجد مواقف، قد يبقى الإنسان يدور والإمام يخطب ويصلي وهو يدور، لم يجد مكانًا يقف فيه، فهذه حاجة.
لكن إذا كان هناك مواقف، أو كانت السيارات قليلة فإنه يجب على الإنسان أن يحضر ولو بعيدًا، ويقال للقريبين: لا تأتوا بالسيارات، ينبه على القريبين أنهم لا يأتون بالسيارات؛ لأجل أن يفسحوا المجال لمن كانوا بعيدين.
ومن الحاجة أيضًا: أن يكون بين أطراف البلد حزازات وعداوات يخشى إذا اجتمعوا في مكان واحد أن تثور فتنة، فهنا لا بأس بأن تتعدد الجمع، لكن هذا مشروط بما إذا تعذر الإصلاح، أما إذا أمكن الإصلاح وجب الإصلاح وتوحيدهم على إمام واحد، لكن لو تعذر فحينئذ لا يمكن أن نجمعهم في مكان واحد تثور الفتنة فيما بينهم، فإذا كان يمكن الإصلاح وجب، إذن هذا -أعني خوف الفتنة- إنما يكون عند تعذر الإصلاح.
أما إذا أمكن الإصلاح فهذا هو الواجب، هل من الحاجة أن يكون الإمام مُسبلًا؟
الجواب: لا.
[ ١ / ٢٣٨٣ ]
هل من الحاجة أن يكون فاسقًا؟ يعني فيقول الناس مثلًا: نحن لا نصلي خلف هذا الفاسق، نريد إمامًا عدلًا، وإلا لم يقم الجمعة في مسجدنا، بإمام نرضاه.
نقول: لا، هذا ليس من الحاجة؛ لأن الصحابة صلوا خلف الحجاج بن يوسف، وهو من أشد الناس ظلمًا وعدوانًا؛ يقتل العلماء ويقتل الأبرياء، وكانوا يصلون خلفه.
وعلى هذا فنقول: إن اختلاف الناس مع الإمام من أجل فسوقه ليس بحاجة في تعدد الجمعة، بل الصحيح أنه يجوز أن يكون الإمام فاسقًا ولو في غير الجمعة؛ يعني معناه يجوز أن تصلي خلف الفاسق ولو في غير الجمعة، ما لم يكن فسقه إخلالًا بشرط من شروط الصلاة يعتقده هو شرطًا، فحينئذ لا نصلي خلفه.
أما إذا كان إخلاله بشرط من شروط الصلاة نعتقده نحن شرطًا وهو لا يعتقده فهذا لا يضر، مثل: أن نعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، والإمام يعتقد أنه لا ينقض ثم صلى بنا فإننا، نصلي خلفه.
لأن هذا اختلاف اجتهاد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نحكم على الإنسان ظاهريًّا إن أظهر صفة من صفات النفاق؟
الشيخ: لا، نحكم عليه بأنه منافق في هذه الخصلة.
طالب: ().
طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم، () علينا بأن الحجاج له سلطة على الصحابة، لو صلى في مسجد آخر ()، إنما لو كان فاسقًا يعني ليس له سلطة تُقدِّمه.
الشيخ: لا هذا غير وارد؛ لأن مثل ابن عمر -﵁- ما يهمه الحجاج، ما يهمه أن يصلي في مسجد آخر يقيم الجمعة وهو يدع الحجاج.
طالب: يؤذيه، يقتله.
الشيخ: لا ما يقتله أبدًا، لا، هو يتودد إليه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا تعددت الجمع في بلد واحد وكان ().
الشيخ: بيجينا إن شاء الله، إذا تعددت.
طالب: بعض الناس في الصلاة يقرأ آيات مناسبة للخطبة غير (الجمعة) و(المنافقون)؟
الشيخ: هذا خلاف السنة.
طالب: جائز هو؟
الشيخ: هو جائز، لكن خلاف السنة، السنة أن تقرأ بهذه السور الأربعة.
[ ١ / ٢٣٨٤ ]
طالب: بعض الأئمة يخطب بالناس ثم يغير صوته فيما يتلو في آية من الآيات، هل هذا نقول: إنه بدعة لأنه لم يرد عن النبي ﷺ؟ ولّا نقول: إنه لا بأس؛ لأنه يؤثر في الناس، و()؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ يقول: لو أن الإمام إذا أراد أن يتلو الآية في الخطبة رتلها كما يرتلها خارج الخطبة، هل نقول: هذا بدعة أو نقول إنه سنة؟ أو نقول إنه حسن، لا بأس به وهو حسن؟
المعروف عند علمائنا ومشايخنا أنهم لا يغيرون، يجعلون التلاوة واحدة وأنا لا أظن أن في هذا بأسًا ولكنه خلاف ما نعتاده، فهو بدعة عرفية، لا بدعة شرعية.
طالب: أحسن الله إليك، لو قال رجل: إن النبي ﷺ ما عدد الجمع في عهده، فإن الصحابة كانوا يحبون شهود الجمعة مع النبي ﷺ، قصة بني سلمة وبكر.
الشيخ: أنا أنصحك أنت وإخوانك، أنصحكم عن هذه الإيرادات البعيدة، فكروا في الأمر، الصلوات الخمس يصلون في أحيائهم، ثم إذا سلمنا جدلًا كما قلت، فهل الخلفاء الراشدون مثل الرسول ما عددوها واللي بعدهم التابعون ما عددوها؟
ولهذا أنا قلت لكم كثيرًا، وأقول كثيرًا: الاحتمالات العقلية لا توردونها على الأدلة الشرعية، ترى هذا يفتح لكم جدلا ().
سألني سائل اليوم في الصباح سؤالا -الحقيقة اقشعر منه الجلد- قال: إن الله قال عن أهل النار: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟
طالب: لا حول ولا قوة إلا بالله.
طالب آخر: صدق الله، كما قال الله ﷿.
طالب آخر: أنكر عليهم.
الشيخ: هذه خطيرة، الله يقول: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، نقول: كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟ ! ما نعرف، هل نسوا؟ هل حصل لهم شيء؟
[ ١ / ٢٣٨٥ ]
المهم يجب أن نؤمن بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا ولا نفرض هذه الافتراضات، أنا أنصحكم أن تكون في نفوسكم هذا، يدخل عليكم الشيطان حتى في ذات الله ﷿، فلذلك اترك هذه الاحتمالات.
كون الرسول يواظب على صلاة جمعة واحدة، ويأتي الناس من العوالي ومن غير العوالي يحضرون، والخلفاء الراشدون مثله والصحابة كلهم والتابعون، يعلم الإنسان علم اليقين أنها لا يمكن أن تتعدد الجمعة.
طالب: ورد عند النسائي في السنن الصغير أن النبي ﷺ كان يقرأ (الجمعة) و(الغاشية) (٢١)، حديث النعمان بن بشير؛ يعني يجمع بين الجمعة وبين والغاشية.
الشيخ: الظاهر لي -والله أعلم- أن هذا وهم.
طالب: بوب له النسائي.
الشيخ: إي، ولو بوب له النسائي؛ لأن التناسب بين الجمعة والغاشية في الطول بعيد، وكان من هدي الرسول ﵊ أن الصلاة ما تختلف هذا الاختلاف.
طالب: يا شيخ لو احتج الذي يقرأ آية تناسب الخطبة، بقراءة النبي ﷺ بسورة الجمعة يوم الجمعة، ما يمكن هذا نقول؟
الشيخ: أأنت أعلم أم الرسول؟ الرسول يقرأ بيوم الجمعة سواء كان موضوع الخطبة الجمعة وغير الجمعة؟
طالب: أحسن الله إلى الفقهاء يا شيخ، الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
الشيخ: يا أخي، لماذا تستغل الموقف، ثلاثة أسئلة جميعًا؟
طالب: الأسئلة كثيرة، يا شيخ.
طالب: () بنفس القاعدة، الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
الشيخ: لا ما هو بصحيح، ما تنزلت، إنما الحاجة قد تبيح المحرم إذا كان محرمًا تحريم الوسائل، كمسألة العرايا مثلًا، يعرفونها أكثر الطلبة.
العرايا: بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر قديم، بشروطها المعروفة، هذه فيها ربا الفضل لكنها للحاجة أبيحت.
وكالنظر للمرأة عند الخطبة؛ فإن تحريم النظر إنما هو تحريم وسيلة، فتبيحه الحاجة.
[ ١ / ٢٣٨٦ ]
طالب: ذكر بعض العلماء: أنه إذا حضر ثلاثة رجال، بعد أن خطب الإمام وصلى، وجب عليهم أنهم يخطبون ويصلون.
الشيخ: فتعاد الجمعة مرتين؟
طالب: إي بعد؛ يعني يلزمهم؛ لأنها فرض الوقت.
الشيخ: هذا شاذ عملًا، وشاذ دليلًا؛ لأنه ما كان هذا معهودًا في عهد الصحابة، وأيضًا الرسول قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ» (٢٢)، والجمعة لا تقام إلا مرة واحدة في عهد الرسول ﷺ.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل
والجمعة ركعتان، يسن أن يقرأ جهرًا في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة، فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها، فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة، وإن وقعتا معًا أو جهلت الأولى بطلتا، وأقل السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست، ويسن أن يغتسل، وتَقَدَّمَ، ويتنظف، ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كم عدد صلاة الجمعة؟
طالب: ركعتان.
الشيخ: ركعتان؟ ما الدليل؟
طالب: () الخطبة الأولى في الجمعة، والثانية في ().
الشيخ: الدليل من السنة، وغير؟ فيه دليل آخر؟
طالب: الإجماع.
الشيخ: الإجماع المتواتر المعلوم الذي يعرفه الصغير عن الكبير.
ما هي الحكمة في أنه يقرأ فيها جهرًا؟
طالب: هو اجتماع الأمة؛ يعني يدل على ائتلاف الأمة على قراءة واحدة وعلى إمام واحد.
الشيخ: يعني؟
طالب: اجتماعهم ..
طالب آخر: إظهار الائتلاف بين ..
الشيخ: إظهار الائتلاف وتوحيد الكلمة والموافقة حيث كانوا يستوون عن قراءة واحدة بإمام واحد. تمام.
هل لها نظير من الصلاة النهارية؟
طالب: صلاة العيدين.
الشيخ: صلاة العيدين، وغيرها؟
طالب: صلاة الكسوف.
[ ١ / ٢٣٨٧ ]
الشيخ: وصلاة الكسوف، وغيرها؟
طالب: الاستستقاء.
الشيخ: الاستستقاء؛ لأن كل هذه الصلوات السنة فيها الاجتماع على إمام واحد.
ما الذي يُقرأ في صلاة الجمعة؟
طالب: () أنهم يقرأ في صلاة الجمعة إما سورة (الجمعة) و(المنافقون)، هذه ..
الشيخ: أو؟
طالب: أو (سبح) و(الغاشية).
الشيخ: يقرأ إما الجمعة والمنافقون، أو (سبح) و(الغاشية).
ما هو الأولى فيما ذكرناه، أن يقرأ هذا أو هذا؟
طالب: مرة بهذا، ومرة بهذا.
الشيخ: مرة بهذا وهذا، لكن ما الأفضل أن يراعي؟
طالب: يراعي البرد إذا كان فيه برد وشدة فيقرأ بالأيسر، ثم إذا كان في يسر فيقرأ مرة بهذا ومرة بهذا.
الشيخ: صح، حكم إقامة الجمعة في أكثر من موضع؟
طالب: حرام.
طالب آخر: حرام، لا يجوز إقامتها في أكثر من موضع.
الشيخ: هل عندك دليل على هذا؟
طالب: الدليل فعل الرسول ﷺ، والخلفاء الراشدين، لم يقيموا أكثر من جمعة.
الشيخ: نعم، مع تباعد البلد؛ كان في عهد الرسول تسعة مساجد في المدينة، ولا يقام فيها الجمعة إلا واحد فقط.
يقول المؤلف: (إلا لحاجة)، ما المراد بالحاجة هنا؟
طالب: () بأن يكون، الإنسان يكون من بعيد.
الشيخ: تباعد البلد، وغير؟
طالب: كذلك إذا فيه حزازات أو عداوات.
الشيخ: إذا خيفت الفتنة، وغيرها؟
طالب: ضيق المسجد.
الشيخ: إذا ضاق المسجد.
طالب: إذا ().
الشيخ: كيف؟
طالب: قبل أن () من عدم الإصلاح.
الشيخ: إي نعم، مسألة إذا خيفت العداوة أو الفتنة بشرط أن لا يمكن الإصلاح، إذا أمكن الإصلاح زال الخوف.
طالب: دليل ().
الشيخ: إي، ما هو لازم، يكفي دليل واحد، ما هو لازم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن فعلوا): يعني صلوها في أكثر من موضع لغير حاجة.
[ ١ / ٢٣٨٨ ]
(فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها) يعني إذا تعددت الجُمع بأن أقاموا جمعتين بدون حاجة، فإن الصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها، إذا قال العلماء: الإمام، فمرادهم من له أعلى سلطة في الدولة، وذلك لأن الإمام العام فُقِد من زمان طويل، منذ سقوط الخلافة العباسية والإمام العام قد فُقِد، ست مئة وخمسين صارت الأمة الإسلامية -مع الأسف- دويلات، فالمراد بالإمام الأعظم هو من له السلطة العليا في البلد، أو في الدولة، هذا الإمام الأعظم.
فإذا تعددت الجمعة في موضع واحد لغير حاجة، فالصحيحة ما باشرها الإمام؛ يعني ما صلى فيها سواء كان هو الإمام أو كان مأمومًا، وكانوا فيما سبق لا يصلي الجمعة إلا الإمام، الإمام يتولى الإمامة في صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وقيادة الحجيج، لكن تفرقت الأمة.
وقوله: (أو أذن فيها) يعني: إن لم يباشرها، مثل أن يكون بلد الإمام في محل آخر، وهذا البلد الذي فيه تعدد الجمعة لم يكن الإمام حاضرا لكنه أَذِن، قال: أَذِنْت لكم أن تقيموا جمعتين فأكثر.
وهذه المسألة ليست مبنية على ما سبق في قول المؤلف: (لا يشترط لها إِذْن الإمام)؛ لأن إِذْن الإمام هناك لا تشترط في إقامة الجمعة الواحدة، أما في التعدد فلا بد من إذن الإمام، والفرق بينهما ظاهر.
الأولى: لو قلنا إنه يشترط لإقامة الجمعة إذن الإمام لكانت الفرائض باختيار من؟ باختيار الأئمة.
أما هذه، وهي تعدد الجمعة، فلا بد من إذن الإمام، لماذا؟
لأن لا يفتات عليهم، وتتفرق الأمة، وتتمزق، وهذا أمر يرجع إلى الدين من جهة، وإلى نظام الدولة من جهة أخرى.
إلى الدين من جهة أن الدين ينهانا عن التفرق في دين الله، قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
[ ١ / ٢٣٨٩ ]
من جهة النظام -الدولة- وأن ولي الأمر هو اللي له الكلمة: يكون في هذا افتئات على الإمام، يكون كل طائفة من الناس تود أن تتزعم البلد تجعل في محلها جمعة، فلهذا لا بد من إِذْن الإمام في: كمِّل؟
طلبة: تعدد الجمع.
الشيخ: في تعدد الجمع.
فإذا أذن الإمام في الجمعة الزائدة عن الواحدة فإنه يصح، ولهذا قال: (فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها).
معنى (ما باشرها)؟
طالب: المعنى: () وهو إمام أو مأموم.
الشيخ: يعني صلى فيها؟ سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو أذن فيها إذا لم يكن فيها.
يقول: (فإن استوتا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة)، (فإن استوتا): كان المتوقع أن يقول: فإن استوتا؛ أي: الجمعتان، (في إذن أو عدمه) إذن من؟
في إذن الإمام، بأن يكون الإمام قد أذن فيهما جميعًا، (أو عدمه): بأن يكون لم يأذن فيهما جميعًا.
وبهذا نعرف أن القسمة ثلاثية:
يأذن في إحداهما.
يأذن فيهما.
لا يأذن في واحدة منهما.
إن أذن في إحداهما؟
طلبة: غير صحيحة.
الشيخ: فهي الصحيحة، سواء تأخرت أو تقدمت.
وإن أذن فيهما جميعًا، أو لم يأذن فيهما جميعًا يقول المؤلف: (فالثانية باطلة) الثانية.
ولكن بماذا نعتبر السبق؟ هل نعتبر السبق بالزمن بأن نقول: ما تقدمت، أو ما تقدم إنشاؤها زمنًا فهي الصحيحة؛ لأن الثانية طارئة عليها؟
أو نقول: بالتقدم عملًا، فما سبقت بتكبيرة الإحرام فهي الصحيحة؟ الأول أو الثاني؟
طلبة: الأول.
الشيخ: فيها قولان للحضور، كما أن فيها قولان لمن سبقوا، المذهب: أن المعتبر التأخر عملًا، فيكون المراد بالثانية: ما تأخرت عن الأولى بتكبيرة الإحرام، ما تأخرت عن الأولى بتكبيرة الإحرام فهي الباطلة، وما سبقت بتكبيرة الإحرام فهي؟
طلبة: الصحيحة.
الشيخ: الصحيحة، ولكن كيف نعلم؟ نقول: أما في الزمن السابق فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون صعبًا، أما في الزمن هذا فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون سهلًا.
بأي وسيلة؟
[ ١ / ٢٣٩٠ ]
بمكبر الصوت، إذا سمعنا قال الإمام في الأولى: الله أكبر، ثم قال الإمام في الثانية بعده مباشرة: الله أكبر، قلنا للثاني: صلاتك باطلة، وللأول صلاتك صحيحة.
لأن الأول لما سبق بالإحرام تعلق به الفرض، الصلاة الأولى التي سبقت بالإحرام تعلق بها الفرض لأنها سبقت.
وعلى المذهب: تدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام، فإذا سبقت بتكبيرة الإحرام تعلق الفرض بها وصارت هي الصلاة المفروضة، والثانية باطلة.
وقال بعض العلماء: المعتبر السبق زمنًا، فما كانت قد أنشئت أولًا فالحكم لها؛ لأن الثانية هي التي حدثت على الأولى فهي تشبه مسجد الضرار الذي بناه المنافقون عند مسجد قباء، وقال الله لنبيه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨].
وهذا القول هو الصحيح، بل هو المتعين.
هو الصحيح، أن المعتبر السابقة؟
زمنًا وإنشاءً، ولو تأخرت عملًا.
فلو فرضنا أن الجديدة التي أنشئت حديثًا وبدون إذن الإمام صلوا ركعة قبل أن تقام الثانية التي هي الأولى إنشاءً، فأيتهما الصحيحة؟
طلبة: الأولى.
الشيخ: الثانية، التي تأخرت عملًا وسبقت زمنًا؛ لأن الوارد عليها هو الذي أخطأ.
من هم الذين أرادوا تفريق المسلمين؟
طلبة: الثانية.
الثانية ولّا الأولى؟
طلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية لا شك؛ لأن الناس مجتمعون على الأولى فجاء هؤلاء وأنشأوا مسجد جامع فرقوا الناس، فيكون الحكم للأولى، هذا هو القول الصحيح المتعين، لكن على المذهب: تعتبر السابقة عملًا، فأيتهما سبقت بالإحرام فهي الصحيحة، ولهذا قال: (فالثانية باطلة، وإن وقعتا معًا بطلتا معًا).
نحن نستمع الآن إلى المسجد الشمالي والجنوبي فقال كل إماميها: الله أكبر، جميعًا، تكبيرة رجل واحد، وصلوا الجمعة كلها، ماذا نقول لهم؟
صلاتكم جميعًا باطلة؛ لأنها لم تتقدم إحداهما حتى يكون لها مزية، وإذا لم يكن لها مزية صارت كل واحدة تبطل الأخرى، كالبينتين إذا تعارضتا؛ تساقطتا، تعرفون البينتين؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٢٣٩١ ]
الشيخ: يعني شهد شهود بكذا، وشهد شهود اثنين بضده في قضية واحدة، تبطل الشهادات كلها.
وعلى القول الذي رجحناه، ما الذي يصح؟
طلبة: () إنشاءً.
الشيخ: إنشاءً، شوف القول الصحيح سبحان الله يكون أيضًا تطبيقه سهلًا.
هذا القول الذي رجحنا نقول: أيهما الأول؟ أي المسجدين أولًا؟
قالوا: المسجد الشمالي.
نقول: نقول أهل المسجد الشمالي صحت جمعتهم، وأهل المسجد الجنوبي لم تصح جمعتهم.
واضح يا جماعة؟
طالب: نعم.
الشيخ: على كلام المؤلف حيث اعتبر السبق بالعمل أي بتكبيرة الإحرام إذا وقعتا معًا كبر الإمامان جميعًا؟
فالصلاتان باطلتان.
(أو جُهِلت الأولى بطلتا) إذا جُهلت الأولى بطلتا، كيف جُهلت الأولى؟
يعني: صلوا ولا ندري أيهما الذي تقدم في تكبيرة الإحرام، ما نعرف، نقول: بطلت صلاة المسجد الشمالي، وصلاة المسجد الجنوبي؛ ليش؟
هذا هو، بطلت.
إذا قالوا: أقرعوا بيننا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: () التي تقع القرعة تصح صلاته.
نقول: ها ما يصح، هذه عبادة، لا تصح القرعة فيها.
قالوا: إذن لما بطلتا دعونا نصلي من جديد جميعًا، نجتمع في هذا المسجد ونصلي جميعًا.
نقول: لا يمكن، ولا تصلوا جميعًا.
الجمعة وقتها باق؟
نقول: لا يمكن.
في المسألة الأولى إذا وقعتا معًا، لما قلنا: بطلتا، قالوا: دعونا نصلي جمعة.
نقول: ما يخالف، أبشر، صلوا جمعة جميعًا.
في المسألة الثانية: إذا جُهِلت الأولى؟ نقول: بطلتا.
فإذا قالوا: دعونا نصلي جمعة. قُلنا: لا.
[ ١ / ٢٣٩٢ ]
وأَقَلُّ السنةِ بعدَ الْجُمعةِ ركعتان وأَكْثَرُها سِتٌّ ويُسَنُّ أن يَغْتَسِلَ - وتَقَدَّمَ - ويَتَنَظَّفَ ويَتَطَيَّبَ ويَلْبَسَ أَحْسَنَ ثيابِه ويُبَكِّرَ إليها ماشيًا، ويَدْنُوَ من الإمامِ ويَقرأَ سورةَ الكهفِ في يومِها ويُكْثِرَ الدعاءَ ويُكثِرَ الصلاةَ على النبيِّ ﷺ، ولا يَتَخَطَّى رِقابَ الناسِ إلا أن يكونَ إمامًا أو إلى فُرْجَةٍ، وحَرُمَ أن يُقيمَ غيرَه فيَجْلِسَ مَكانَه إلا مَن قَدَّمَ صاحبًا له في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له، وحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مفروشٍ ما لم تَحْضُر الصلاةُ،
(فالثانية باطلة وإن وقعتا معًا) إن وقعتا معًا بطلتا معًا، نحن نستمع إلى المسجد الشمالي والجنوبي، فقال كل إماميهما: (الله أكبر) جميعًا، تكبيرة رجل واحد، وصلوا الجمعة كلهم، ماذا نقول لهم؟ صلاتكم جميعًا باطلة؛ لأنها لم تتقدم إحداهما حتى يكون لها مزية، وإذا لم يكن لها مزية صارت كل واحدة تبطل الأخرى، كالبينتين إذا تعارضتا تساقطتا.
تعرفون البيِّنتين؟ يعني شهد شهود بكذا، وشهد شهود اثنان بضدهم في قضية واحدة، تبطل الشهادات كلها. وعلى القول الذي رجحناه ما الذي يصح؟ الأقدم إنشاء، شوف القول الصحيح سبحان الله يكون أيضًا تطبيقه سهلًا، على القول الذي رجحناه نقول: أيهما الأول؟ أي المسجدين أولًا؟ قالوا: المسجد الشمالي، نقول: أهل المسجد الشمالي صحَّت جمعتهم، وأهل المسجد الجنوبي لم تصح جمعتهم.
على كلام المؤلف حيث اعتبر السَّبْق بالعمل -أي بتكبيرة الإحرام- إذا وقعتا معًا كبر الإمامان جميعًا، فالصلاتان باطلتان.
(أو جُهلت الأولى بطلتا) إذا جُهلت الأولى بطلتا. كيف جُهلت الأولى؟ يعني صلوا ولا ندري أيهما الذي تقدم في تكبيرة الإحرام، ما نعرف. نقول: بطلت صلاة المسجد الشمالي وصلاة المسجد الجنوبي، ليش؟ هذا هو، بطلت.
[ ١ / ٢٣٩٣ ]
إذا قالوا: أقرِعوا بيننا () اللي تقع له القرعة تصح صلاته، نقول: هذا ما يصح، هذه عبادة لا تصح القرعة فيها.
قالوا: إذن لما بطلتا دعونا نصلي من جديد جميعًا، نجتمع في هذا المسجد ونصلي جميعًا؟ نقول: لا يمكن، ولا تصلوا جميعًا، الجمعة وقتها باقٍ؟ نقول: لا يمكن.
في المسألة الأولى إذا وقعتا معًا لما قلنا: بطلتا قالوا: دعونا نصلي جمعة، نقول: ما يخالف أبشِر، صلوا جمعة جميعًا، في المسألة الثانية إذا جُهلت الأولى نقول: بطلتا، فإذا قالوا: دعونا نصلي جمعة قلنا: لا، لا تصلوا جمعة.
والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه في المسألة الأولى بطلت الجمعتان جميعًا، كل واحدة أبطلت الأخرى فلم تصح واحدة منهما، في المسألة الثانية إحداهما صحيحة، ما هي الصحيحة؟ التي سبقت، لكن الآن مجهولة، والجمعة لا تُعاد مرتين، فحينئذٍ نقول: لا تعيدوا الصلاة، ولو اجتمعوا في مسجد واحد، أفهمتم يا جماعة.
إذن قول المؤلف ﵀: (وإن وقعتا معًا أو جُهلت الأولى بطلتا) نقول: هما في البطلان سواء، لكن فيما لو أرادوا أن يعيدوا الجمعة، ماذا نقول لهم؟
نقول في المسألة الأولى: نعم، أعِيدوا الجمعة؛ لأنه لم تصح جمعة واحد منهما، وفي الثانية لا تعيدوا الجمعة؛ لأن إحداهما قد صحَّت وسقط بها الفرض، ولكنها مجهولة فوجب على الجميع إعادة الصلاة ظهرًا، وفي المسألة الأولى يجب عليهم إعادة الجمعة إن استطاعوا وإلا فظهرًا.
يقول: (وإن وقعتا معًا أو جُهلت الأولى بطلتا).
ثم قال: (وأقلُّ السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان).
شرع المؤلف الآن في بيان السنن التوابع للجمعة، فقال: (أقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست). وأوسطها أربع، أقلها ركعتان؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، ثبت ذلك عنه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (١).
[ ١ / ٢٣٩٤ ]
(وأكثرها ست)؛ لأنه ورد عن عبد الله بن عمر بإسناد صححه العراقي يقول: إن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ستًّا (٢)، وكان ابن عمر إذا صلى في مكة تقدم بعد صلاة الجمعة فصلى ركعتين، ثم صلَّى أربعًا (٣)، وفي المدينة يصلي ركعتين في بيته، ويقول: إن الرسول ﷺ كان يفعله (١).
أما الأربع؛ فلأن النبي ﷺ أمر بذلك فقال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» (٤).
فصارت السُّنَّة بعد الجمعة إما ركعتان، أو أربع، أو ست. ولكن هل هذا مما وردت به السنة على وجوه متنوعة، أو على أحوال متنوعة؟
طلبة: على أحوال متنوعة.
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: فيه خلاف؛ منهم من قال: إنها على أحوال متنوعة، ومنهم من قال: إنها على وجوه متنوعة. والفرق؟
طالب: الفرق .. ابن عمر صلى في مسجد ..
الشيخ: لا، الفرق بين هذين القولين، الذي يقول على وجوه متنوعة أو على أحوال متنوعة؟
الطالب: الحال كونه يعني بمكة أو بالمدينة.
الشيخ: لا، ولكنك قاربت.
الطالب: الحال كأنه يعني يسافر أو حاضر؛ أي حضر.
الشيخ: أبعدت شوي!
طالب: شيخ، الحال إذا كان في المسجد أو في بيته، إذا كان في المسجد يصلي أربعًا، وإذا كان في بيته يصلي ركعتين على قول.
الشيخ: نعم، هذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، يجعل الخلاف هنا تنوع حال، فيقول: إن صليت راتبة الجمعة في المسجد فصلِّ أربعًا، وإن صليتها في البيت فصلِّ ركعتين، ومنهم من يجعلها تنوع وجوه، فيقول: صلِّ أحيانًا أربعًا، وأحيانًا ركعتين؛ هذان قولان.
[ ١ / ٢٣٩٥ ]
فيه قول ثالث لا أدري هل قيل به، لكنه ينطبق على القاعدة: وهو أنه إذا تعارض قول النبي ﷺ وفعله يُقدَّم قوله، وعلى هذا فتكون السنة أربع ركعات؛ لأن هذا ثبت من قوله والركعتان ثبتتا من فعله، والأولى للإنسان -فيما أظنه راجحًا- أن يصلي أحيانًا هكذا وأحيانًا هكذا، يعني أحيانًا يصلي أربعًا، وأحيانًا يصلي ركعتين. أما الست فإن ظاهر حديث ابن عمر أن الرسول كان يفعله أيضًا فيكون كما قال المؤلف.
وعُلم من قول المؤلف: (أقل السنة بعد الجمعة ركعتان) أنه ليس للجمعة سنة قبلها، وهو كذلك، انتبهوا، ليس للجمعة سُنة قبلها، ولكن ماذا يصنع؟ نقول: يصلي ما شاء بغير قصد عدد، يصلي ركعتين، ثم يجلس يقرأ ينتظر الإمام، يصلي أربع ركعات، يصلي ستًّا، يصلي أكثر، حسب ما يتيسر له.
فإن قال قائل: هل تختارون لي إذا جئت يوم الجمعة أن أشغل وقتي بالصلاة، أو أن أشغل وقتي بالقراءة، يعني قراءة القرآن؟ نرى أن ركعتين لا بد منهما، وهما تحية المسجد، لا بد منهما، وما عدا ذلك فلينظر الإنسان ما هو أرجح له؛ إذا كنت في مسجد يزدحم فيه الناس ويكثر المترددون بين يديك، فالظاهر أن قراءة القرآن أخشع للإنسان، أخشع لقلبه وأفيد، وإذا كنت في مكان سالم من التشويش فلا شك أن الصلاة أفضل من القراءة؛ لأن الصلاة تجمع قراءة وذِكر ودعاء، قيام، قعود، ركوع وسجود، روضة من رياض العبادات، فهي أفضل، لكن في المسجد الحرام في أيام المواسم إذا صلى الإنسان يتعب، يتعب بأيش؟ بمدافعة الناس، يتعب، فهنا قد يكون لو جلس وجعل يقرأ القرآن بتدبر، وتمهل حصل له من خشوع القلب ورقته وقوة الإيمان ما لا يحصل بالصلاة.
والإمام أحمد -﵀- سئل عن مسألة من مسائل العلم، فقال للسائل: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله، وهذه كلمة عظيمة: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله.
[ ١ / ٢٣٩٦ ]
ولا شك أن الإمام أحمد إنما يريد فيما لم يرد فيه التفضيل، أما ما ورد فيه التفضيل فالقول ما قال الله ورسوله. لكن مع ذلك نحن نشاهد من فعل الرسول ﷺ وحال الرسول أنه أحيانًا يُقدِّم المفضول على الفاضل، أحيانًا يصوم حتى يقال: لا يفطر، أحيانًا يُفطر حتى يقال: لا يصوم (٥)، وكذلك في قيام الليل، أحيانًا يأتيه الوفود يشغلونه عن الراتبة يجلس معهم ولا يصلي الراتبة إلا بعد صلاة أخرى كما أخَّر راتبة الظهر إلى ما بعد العصر (٦).
فالإنسان العاقل الموفق -نسأل الله لنا ولكم التوفيق- يعرف كيف يتصرف في العبادات غير الواجبة، الواجبة ما فيها كلام لا بد من فعلها، لكن غير الواجبة يستطيع الإنسان يقارن ويُوازن بين المصالح ويفعل ما هو أصلح.
طالب: حديث ابن عمر صلاة النبي ﷺ ست ركعات في مكة (٣) ما قال () النبي ﷺ مسافر، وهذا العمل نفل، ليس راتبًا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: النبي ﷺ بمكة يعتبر مسافرًا، صلاة المسافر، وهذا نفل لا يعتبر راتب الجمعة.
الشيخ: لا، ما هو الظاهر، يعني كلام ابن عمر ﵄ قد يكون أن مراده أنه في غير المدينة مطلقًا، وأنه صادف أنها في مكة.
طالب: قول المؤلف يا شيخ: (فإن استويا في إذن) يعني أذن لهم الإمام.
الشيخ: أذن لهم الإمام جميعًا.
الطالب: طيب إذا أذن لهم () لحاجة.
الشيخ: لا، هو قد يأذن لغير حاجة، مشكلة، نعم، نقول: الإمام لا يجوز أن يأذن إلا لحاجة.
الطالب: إن أذن لحاجة؟
الشيخ: لا، إن أذن لحاجة ما فيه إشكال، جائزة، كلاهما صحيح.
طالب: يا شيخ، على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، صلاة () ست أو فعل ابن عمر ست () بأي حال ننزلها.
الشيخ: ما له وجه () أنه أراد أن يجمع بين فعله في المدينة وفعله في مكة ().
***
[ ١ / ٢٣٩٧ ]
طالب: (ويسن أن يغتسل –وتقدم– ويتنظف ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويبكِّر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف في يومها، ويُكثر الدعاء، ويُكثر الصلاة على النبي ﷺ، ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إمامًا أو إلى فرجة).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن صلاة الجمعة ليس لها راتبة قبلها، وإنما يُصلي الإنسان ما تيسر، وأن لها راتبة بعدها، وهي؟
طالب: ورد أن أقلَّها ركعتان، وأكثرها ست.
الشيخ: أكثرها ست، وهذا الدرس الماضي اللي يحتاج إلى مناقشة وهو سهل؛ لأن (إقامتها في أكثر من موضع)، انتهينا منه ولَّا لا؟ ناقشنا فيها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُسنُّ أن يغتسل لها وتقدَّم)
(يُسن) يعبر الفقهاء بـ (يُسن، ويجب، ويُشرع)، ثلاثة تعبيرات، إذا قالوا: (يُشرع) فهو لفظ صالح للوجوب والاستحباب، وإذا قالوا: (يجب) فهو للوجوب، وإذا قالوا: (يُسن) فهو للاستحباب. والسنة عند الفقهاء في تعبير الفقهاء: هي ما أُثيب فاعلُه، ولم يعاقَب تاركه؛ فهي بين الواجب وبين المباح.
فقوله: (يسن أن يغتسل) يعني أنه إذا اغتسل ليوم الجمعة فهو أفضل، وإن لم يغتسل فلا إثم عليه. هذه هي السنة في اصطلاح الفقهاء.
وقوله: (أن يغتسل) لم يُبيِّن كيف الاغتسال، ولكنه إذا أُطلق في لسان الشارع، أو في لسان أهل الشرع -وهم الفقهاء- فإنه يُحمل على الاغتسال الشرعي لا على مجرد أن الإنسان يغسل بدنه، على الاغتسال الشرعي.
وصفته على وجهين:
واجبة: وهي أن يعم جميع بدنه بالماء، ولو بالانغماس في بركة أو نهر أو بحر.
ومستحبة: وهي أن يتوضأ أولًا كما يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل شعره ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على سائر جسده.
[ ١ / ٢٣٩٨ ]
وقول المؤلف: (يسن أن يغتسل) لم يُبيِّن متى يكون الاغتسال؛ فقال بعضهم: إن أول وقته من آخر الليل. وقال آخرون: بل من طلوع الفجر؛ لأن النهار لا يدخل إلا بطلوع الفجر. وقال آخرون: بل من طلوع الشمس؛ لأن ما بين الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة خاصة، وهي الفجر، ولا ينتهي وقتها إلا بعد طلوع الشمس. وعلى هذا فيكون ابتداء الاغتسال من طلوع الشمس، وهذا أحوط الأقوال الثلاثة كما تعلمون؛ لأن من اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أتى على الأقوال كلها.
وقوله: (يُسن أن يغتسل) لم يُبيِّن من الذي يغتسل؟ هل هم الرجال أو النساء؟ والسنة تدل على أن الاغتسال خاص بمن يأتي للجمعة؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٧)، ولقوله: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ» (٨)، وكلمة «الْجُمُعَةِ» هنا تحتمل أن يكون المراد بها الصلاة، أو أن يكون بها اليوم، لكن قوله: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ» يعين أن يكون المراد بها الصلاة. وعلى هذا فالنساء لا يُسن لهن الاغتسال، وكذلك من لا يحضر لصلاة الجمعة لعذر فإنه لا يسن له أن يغتسل، وإنما يغتسل من أتى إلى الجمعة.
نعم، لو كان الإنسان على جلده وسخ، تحدث منه رائحة كريهة عند العرق، فهنا يسن أن يغتسل من باب التنظف.
وقول المؤلف: (يُسنُّ أن يغتسل) هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ من أن حُكم الاغتسال سُنَّة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاغتسال واجب، وهذا القول هو الصحيح: أن غسل الجمعة واجب؛ لقول أفصح الخلق وأنصحهم محمد ﷺ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (٨)، فصرح النبي ﷺ بالوجوب.
ومن المعلوم أننا لو قرأنا هذه العبارة في مؤلف كهذا الذي بين أيدينا لم نفهم منها إلا أنه واجب يأثم بتركه، فكيف والتعبير به من رسول الله ﷺ الذي هو أفصح الخلق وأنصح الخلق وأعلمهم بما يقول؟
[ ١ / ٢٣٩٩ ]
ثم إنه علق الوجوب بوصف يقتضي التكليف، وهو الاحتلام الذي يحصل به البلوغ، فإذا أخذنا اللفظ وأخذنا المعنى تبين لنا ظاهرًا أن غسل الجمعة واجب، وأن من تركه فهو آثِم.
ولكن هل هو شرط لصحة الصلاة أو واجب مستقل بنفسه؟
الجواب: الثاني، أي أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة، فلو صلى الجمعة بدون اغتسال صحت جمعته؛ لأن هذا الاغتسال ليس عن جنابة، لكنه يأثم؛ لتركه ما أوجبه النبي ﷺ.
ويدل للوجوب أيضًا أن عثمان بن عفان -﵁- دخل وعمر بن الخطاب يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة، فأنكر عليه تأخره، فقال: والله يا أمير المؤمنين، كنت في شغل، وما زدت على أن توضأت ثم أتيتُ، فقال له موبِّخًا: والوضوءَ أيضًا؟ -يعني: تفعل الوضوء أيضًا- وقد قال النبي ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٩)، ووبَّخه على اقتصاره على الوضوء، واستدل لذلك بقول النبي ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».
وأما ما روي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (١٠)، فهذا الحديث لا يُقاوِم ما أخرجه الأئمة السبعة وغيرهم، وهو حديث أبي سعيد الذي ذكرته آنفًا: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (١١)، ثم إن الحديث من حيث السند ضعيف؛ لأن كثيرًا من علماء الحديث يقولون: إنه لم يصح سماع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، وإن كنا رجحنا في المصطلح أنه متى ثبت سماع الراوي من شيخه، وكان ثقة ليس معروفًا بالتدليس، فإنه يُحمل على السماع، على أن الحسن -﵀- رماه بعض العلماء بالتدليس، وعده من المدلسين.
[ ١ / ٢٤٠٠ ]
ثم إن هذا الحديث أيضًا من حيث المتن إذا تأملته وجدته ركيكًا، ليس كالأسلوب الذي يخرج من مشكاة النبوة: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ»، «بها» أيش؟ «وَنِعْمَتْ»؟ أين مرجع الضمير؟ فيه شيء من الركاكة، يعني ضعيف في البلاغة، «وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» يعني يظهر عليه تمامًا أنه من كلام غير النبي ﷺ.
فالذي نراه وندين الله به ونحافظ عليه أن غسل الجمعة واجب، وأنه لا يسقط إلا لعدم الماء، أو للضرر باستعمال الماء.
بقي أن يُقال: إذا لم يجد الماء أو تضرر باستعماله، فهل يتيمم لهذا الغسل، أو نقول: إنه واجب سقط بعدم القدرة عليه؟ الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ويقول شيخ الإسلام: جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها فإنه لا يَتيمم عنها؛ لأن التيمم إنما شُرع للحدث؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير؛ لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه.
وعلى هذا فلو أن الإنسان وصل إلى الميقات وهو يريد العمرة أو الحج، ولم يجد الماء، أو وجدَه وكان باردًا لا يستطيع استعماله، أو كان مريضًا، فهل يتيمم؟ بناء على هذا لا، والفقهاء -﵏- يقولون: بل يتيمم، ولكن الصحيح خلاف ذلك.
[ ١ / ٢٤٠١ ]
إذنغسل الجمعة -على القول الراجح- واجب، ولا يمكن الإنسان يُلاقي ربه وقد بلغه عن نبيه أنه قال: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (١٢)، ثم يتهاون به ويتركه؛ هذه صعبة على النفوس. ما العذر؟ هل هو نقص في التعبير؟ لا، التعبير واضح، ولم يأتِ حديث صحيح عن النبي ﵊ أن الوضوء كافٍ، وإن كان قد ورد في صحيح مسلم ما يدل على ذلك، ولكنه مرجوح من حيث الرواة؛ لأن الرواة اختلفوا فيه؛ فبعضهم قال: «مَنِ اغْتَسَلَ» (١٣)، وبعضهم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ» (١٤)، ورواية: «مَنِ اغْتَسَلَ» أرجح.
قال: (وتقدم)، ويش معنى تقدم؟ يعني سبق ذكر استحباب الغسل ليوم الجمعة، تقدم في كلام المؤلف.
الشارح يقول: (فيه نظر)، وإذا قال العلماء: (فيه نظر)؛ يعني أنه غير مُسلَّم. أحيانًا يقولون: (فيه شيء)، العلماء يعبرون أحيانًا يقولون: (فيه شيء)، إذا نَقل كلام غيره قال: (فيه شيء). (فيه شيء) أخف من قولهم: (فيه نظر)، وقول الشارح: (فيه نظر) نقول: فيه نظر؛ يعني في قول الشارح نظر؛ لأن الماتِن ذكره في أقسام المياه حين قال في أقسام المياه: (وإن استُعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة)، (كتجديدِ وضوء وغُسل جمعة)، هذا صريح في أن غسل الجمعة مُستحب، لكن كأن الشارح لما لم يذكره المؤلف في باب الغسل كما جرت به عادة الفقهاء في ذِكر الأغسال المستحبة في باب الغسل، كأنه لما رأى الماتِن لم يذكره، قال: إن فيه نظرًا. إذن قول الشارح (فيه نظر) فيه نظر؛ لأن المؤلف ذكره.
***
[ ١ / ٢٤٠٢ ]
يقول: (ويُسن أيضًا أن يتنظَّف ويتطيب) كما جاءت به السنة عن النبي ﷺ (١٥). والتنظف أمر زائد على الاغتسال، التنظف بقطع الرائحة الكريهة وأسبابها؛ هذا التنظف: أن يقطع الإنسان الرائحة الكريهة وأسبابها؛ من أسباب الرائحة الكريهة الشعور التي أمر الشارع بإزالتها والأظفار، وعلى هذا فيُسنُّ حلق العانة، نتف الإبط، حف الشارب، تقليم الأظفار.
لكن من المعلوم أن هذا في كل جمعة قد لا يجد الإنسان شيئًا يزيله، وقد وقَّت النبي ﵊ هذه الأشياء الأربعة ألا تزيد على أربعين يومًا (١٦).
(وتطيُّب) يعني ويسن أيضًا أن يتطيب، بأي طيب، سواء من الدهن أو من البخور، في ثيابه وفي بدنه، وذلك من أجل اجتماع الناس في مكان واحد؛ لأن العادة أنه إذا كثُر الجمع ضاق النَّفَس، وكثر العرق، وثارت الرائحة الكريهة، فإذا وُجِد الطيب، وقد سبقه التنظف، فإن ذلك يُخفِّف من الرائحة، بل إن الرسول ﷺ نهى مَنْ أَكَل بصلًا أو ثومًا أن يقرب المسجد (١٧)، وكانوا إذا رأوا إنسانًا أكل بصلًا أو ثومًا، أمروا فأُخرج من المسجد إلى البقيع (١٨)، إلى المقبرة هناك.
[ ١ / ٢٤٠٣ ]
ومن الأسف أن بعض الناس اليوم يأتي إلى الجمعة وثيابه مروحة نتنة، وجسمه أشد، وشعره أشد، ونفَسه أشد، ثم لا يستطيع أحد أن يصلي إلى جنبه، وليس من عند الله بل هو من نفسه، هو الذي يجلب على نفسه الأوساخ والأنتان، ولا يهتم بنفسه، وهذا أذية للمصلين وأذية للملائكة، بل إن العلماء قالوا: حتى ما كان من الله ولا صُنع للآدمي فيه، إذا كان يؤذي المصلين فإنه يُخرَج؛ بعض الناس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يكون في أنفه بخر، أو في فمه، أو تحت إبطيه فيؤذي من حوله، هذا نقول له: إذا كان فيك رائحة تؤذي لا تقرب المسجد، قال: هذا من الله؟ نقول: طيب، إذا ابتلاك الله به تؤذي العباد به؟ تؤذي الملائكة؟ أنت على كل حال مأجور على الصبر على هذا الشيء، واحتساب الأجر من الله، ولكن لا تؤذِ الناس، ولستَ بآثم إذا لم تُصلِّ مع الناس؛ لأنك إنما تركتَ ذلك بأمر الله.
فإذا قال: هذا يُنقص إيماني؛ لأن صلاة الجماعة أفضل؟ قلنا: إنك لا تُلام على هذا النقص، كما أن الحائض لا تصلي وينقص إيمانها بذلك ولا تُلام على النقص؛ لأن النقص الذي ليس بسبب الإنسان لا يُلام عليه.
إذن يُسن في الجمعة التنظف والتطيب، ويُسن أيضًا لبس أحسن الثياب؛ لأن النبي ﷺ كان يعد أحسن ثيابه للوفد والجمعة (١٩)، أنت بتشوف الرسول ﵊ كيف يعامل الناس؟
[ ١ / ٢٤٠٤ ]
إذا جاء الوفد لبس أحسن ثيابه؛ ليظهر أمام الوفد بالمظهر اللائق، وقد قال النبي ﵊ محذرًا من الكِبر: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ». قالوا: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٢٠)، يعني يحب التجمل، وليس الجمال الطبيعي الخِلقي، ولكنه يحب التجمل؛ لأن الرسول بنى هذا الكلام على قولهم: يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا؛ ولأن هذا هو الذي يستطيعه الإنسان، فيُثاب عليه إذا فعله، أما الجمال الخِلقي فهذا ليس باختيار الإنسان.
المهم «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، دل ذلك على أنه ينبغي للإنسان أيضًا أن يُحسِّن ثيابه ويُحسِّن نعله، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك به إلى الإسراف والفخر والخيلاء؛ ولهذا وردت أحاديث تدل على فضل التواضع في اللباس.
وهذا في مكانه، يعني لو كان الإنسان يأتي إلى قوم فقراء، ويخشى إذا جاء بلباسه الزاهي عليهم أن تنكسر قلوبهم، فهنا الأفضل أن يلبس ما يناسب الحال، ويكون مأجورًا على ذلك.
(ويلبس أحسن ثيابه)، عندي أنا: (وأفضلها البياض، ويعتمّ، ويرتدي).
(أفضلها البياض)، لا شك أن أفضل الثياب للرجال البياض، ولكن أحيانًا لا يجد الإنسان البياض مناسبًا للوقت، مثل أيام الشتاء فإنه يندر أن تجد ثيابًا بيضاء تناسب الوقت، فهنا نقول: ارفق بنفسك، ويجوز أن تلبس ثيابًا متعددة، ويكون الأعلى هو الأبيض.
وقوله: (ويعتم) يعني يلبس العمامة. وما هي العمامة؟ العمامة هي ما يُطوى على الرأس ويُكوَّر عليه؛ هذه العمامة، وعندنا -عند البادية- العمامة الشماغ والغترة تسمى عمامة؛ لأنها لباس الرأس، فالعرف، اللغة العرفية عندنا أوسع من اللغة العربية؛ لأنهم يرون أن ما غُطِّي به الرأس فهو عمامة، ولكنه ليس بصحيح، العمامة ما يدار على الرأس.
[ ١ / ٢٤٠٥ ]
فقول المؤلف أنه يسن أن يعتم يحتاج إلى دليل، دليله فعل النبي ﵊، كان يلبس العمامة ويمسح عليها كما هو معروف (٢١)، ولكن هل لباسه إياها تعبدًا، أو لباسه إياها؛ لأنها عرف؟ الثاني هو الصحيح، أنه لا يلبسها ﷺ تعبدًا بل اتباعًا للعرف، اتباع العرف في اللباس هو السنة ما لم يكن حرامًا؛ لأنا نعلم أن الرسول ﷺ إنما لبس ما يلبسه الناس، والإنسان لو خالف ما يلبسه الناس لكان ثيابه شهرة.
أما قوله: (ويرتدي)، يعني يلبس الرداء، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان عليه قميص، وهذا أيضًا فيه نظر، لكن بدل الرداء عندنا الْمِشلح، ولكن أكثر الناس اليوم لا يلبسون المشالح، لو لبس الإنسان المشلح أمام الناس قالوا: ويش هذا؟ نعم، هذا شيخ، هذا متزوج، هذا بدوي، يستنكرونه، بينما كان الناس بالأول يستنكرون من لا يلبس المشلح.
أنا أذكر ونحن صغار نطلب العلم، صغار مرَّة نلبس المشلح، ونفرح إذا لبسناه أيضًا، ليش؟ لأن الناس كانوا يعتادونه، أما الآن فأصبح ليس له أهمية.
قال المؤلف: (ويُبكِّر إليها) يعني يُسن أن يُبكِّر إلى الجمعة. ودليله حديث أبي هريرة ﵁: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً» (٢٢). فهذا يدل على أن الأفضل التبكير، وينبغي بعد الاغتسال والتنظف والتطيب، ولبس أحسن الثياب.
[ ١ / ٢٤٠٦ ]
وقوله: (ماشيًا)، دليله أن النبي ﷺ ذكر في حديث: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» (٢٣)، «وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ»، فقال: «مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ»، ولأن المشي أقرب إلى التواضع من الركوب؛ ولأن المشي يكون فيه الخطوات؛ كل خطوة يُرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة، فكان المشي أفضل من الركوب، ولكن لو كان منزله بعيدًا أو كان ضعيفًا أو مريضًا، واحتاج إلى الركوب، فإن رفقه بنفسه أولى من الإشقاق عليها.
قال: (ويدنو من الإمام)، هذا أيضًا من السُّنة أن يدنو من الإمام، ودليل ذلك قول النبي ﵊: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٢٤)، ولما رأى قومًا تأخروا في المسجد عن التقدم قال: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ» (٢٥)، وهذا أقل أحواله أن يكون التأخر عن الأول فالأول مكروهًا؛ لأن مثل هذا التعبير يعد وعيدًا من النبي ﵊: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ» ويكررون التأخر «حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ»، ليس في هذا العمل، بل في جميع الأعمال؛ لأن الإنسان إذا لم يكن في قلبه محبة للسبق إلى الخير بقي كسلان دائمًا، كما قال الله ﷿: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ولهذا ينبغي للإنسان كلما سنحت له الفرصة في العبادة أن يفعل، ويتقدم إليها حتى لا يُعوِّد نفسه الكسل، وحتى لا يُؤخِّره الله ﷿.
قال: (ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف)
[ ١ / ٢٤٠٧ ]
الدنو من الإمام أحيانًا يعارضه الأيمن في الصف، بمعنى أنه إن صار في الأيمن صار بعيدًا عن الإمام، وإن صار في الأيسر صار أقرب إلى الإمام، ويعارضه أيضًا الصف الثاني إذا كان خلف الإمام فإنه أدنى إلى الإمام من طرف الصف الأول، فتعارض الآن مطلوبان، فماذا نُقدِّم؟
نقول: القاعدة عندنا أنه إذا تعارض شيئان قدم الأرجح منهما، فبالنسبة للأول اليمين مع اليسار نقول: قد دلت السنة على أن اليمين أفضل من اليسار عند التقارب أو التساوي، وأما مع البُعد فقد دلَّت السنة على أن الأقرب أفضل، ودليل ذلك أن الناس كانوا إذا وُجد جماعة ثلاثة، فإن الإمام يكون بينهما، بين الرجلين، ولو كان اليمين أفضل على الإطلاق لصار مقام الرجلين مع الرجل عن اليمين.
إذن نرجح الآن الدنو على اليمين، لو فُرض أن اليمين عشرة رجال واليسار رجلان، فاليسار أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإمام.
المسألة الثانية: القرب من الإمام في الصف الثاني إذا كان خلف الإمام مباشرة أقرب من طرف الصف الأول من اليمين أو من اليسار، ماذا نُقدِّم؟
طلبة: الصف الثاني.
الشيخ: الصف الثاني.
طلبة: الأول.
الشيخ: نقدِّم الصف الأول، دليل ذلك قول النبي ﵊: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟»، قالوا: كيف؟ قال: «يَتَرَاصُّونَ، وَيُتِمُّونَ الْأَوَّلَ» (٢٦). إذن هنا مُرجِّح في إتمام الأول، ولو بعُد عن الإمام، وهو أن الرسول حث عليه، وعلى هذا فنكمل الأول فالأول، الأول قبل الثاني، الثاني قبل الثالث، الثالث قبل الرابع، وهلُمَّ جرًّا.
قال: (ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف في يومها)
يعني يسن أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»، وهذا الحديث روي مرفوعًا (٢٧) وروي موقوفًا (٢٨). ويش معنى مرفوع؟
[ ١ / ٢٤٠٨ ]
طالب: مرفوع إلى النبي ﵊.
الشيخ: يعني مرفوعًا أنه من قول النبي ﷺ، موقوفًا؟
طلبة: على الصحابي.
الشيخ: على الصحابي، وقد أعلَّ بعض العلماء المرفوع بأن الحديث روي موقوفًا. ونحن نقول: إذا كان الرافع ثقة، فهذه العلة غير قادحة، فلا توجب ضعف الحديث، والذي يوجب ضعف الحديث هو العلة القادحة، وهذا لا يقدح؛ وذلك؛ لأن من روى الحديث عن النبي ﷺ ربما يُحدِّث به غير منسوب إلى الرسول ﵊، أليس كذلك؟
وهذا يقع كثيرًا، لا سيما في غير مقام الاستدلال، أما في مقام الاستدلال فلا بد أن يرفعه، لكن في غير مقام الاستدلال يمكن يُحدِّث به الصحابي. أنتم الآن يمكن يقول الواحد منكم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢٩)، يُحدِّث واحد هكذا، هل نقول: إن هذا التحديث يبطل رفع الحديث؟ لا. إذن، فإذا تعارض الرفع والوقف فإننا نقول: لا تعارض بينهما إطلاقًا.
ثانيًا: هبْ أنه من قول أبي سعيد، فمثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع؛ لأن أبا سعيد لا يعرف هذا الثواب، إذن لا بد أن يكون مرفوعًا حكمًا إلى النبي ﷺ.
سورة الكهف لها مزية، منها: أن من قرأ من أولها عشر آيات على الدجال عُصم من فتنته (٣٠)، الدجال الأعور الذي يبعثه الله في آخر الزمان على اسمه دجال () في الأرض أربعين يومًا، اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كجمعة، والرابع كسائر الأيام، إلى آخره (٣١).
[ ١ / ٢٤٠٩ ]
هذا فتنته عظيمة جدًّا جدًّا، ولهذا ما من نبي إلا أنذر قومه منه، وأمرنا نبينا ﷺ أن نتعوذ بالله من فتنته في كل صلاة (٣٢). اقرأ عليه أول عشر آيات من أول سورة الكهف يكفيك تعصم من فتنته، وفي بعض ألفاظ الحديث: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْكَهْفِ» (٣٠)، والجمع بينهما سهل يحتاط الإنسان، فيقرأ عشرًا من أولها وعشرًا من آخرها، فلها مزية وفيها عبر؛ فيها قصة أصحاب الكهف، فيها قصة الرجلين ذي الجنتين، فيها قصة موسى مع الخضر، فيها قصة ذي القرنين، فيها قصة يأجوج ومأجوج، فيها أشياء، عِبَر، ولهذا ورد الأمر أو الترغيب في قراءتها في يوم الجمعة.
في يوم الجمعة قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟
طلبة: ().
الشيخ: قبل أو بعد، أما الغسل فيكون قبل الصلاة؛ لأنه غسل للجمعة.
طالب: شيخ، بالنسبة للدنو من الإمام، الدنو من المنبر أو الدنو من ().
الشيخ: لا، من الإمام نفسه.
الطالب: () المنبر.
الشيخ: كيف المنبر؟ ويش لون المنبر؟
الطالب: ().
طالب آخر: يكون تحت المنبر.
الشيخ: العِبرة بالإمام.
الطالب: ().
الشيخ: يعني الدنو منه حال الخطبة، ولا حال الصلاة؟
الطالب: استماع الخطبة، أو من أجل الصلاة؟
الشيخ: لا، من أجل الصلاة.
طالب: جاء في الصحيحين صرف الوجوب عن ظاهره، حديث عائشة لما كان الناس يأتون من العوالي وعليهم الغبار وتظهر منهم الرائحة فقال النبي ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمُ اغْتَسَلْتُمْ» (٣٣)، وفي رواية: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ» (٣٤). ولم يأمرهم ولم يقل: وقعتم ()؟
الشيخ: ألا يحتمل أن هذا قبل؟
الطالب: احتمال.
الشيخ: احتمال، ما دام عندنا لفظ صريح في الوجوب مطلقًا.
الطالب: ثم أيضًا يا شيخ أنه جاء من طريق آخر حديث أبي سعيد: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ما أثبت الوجوب، قال: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ» (٣٥)؟
[ ١ / ٢٤١٠ ]
الشيخ: نعم، العلماء يقولون: كلمة (على) ظاهرة في الوجوب.
الطالب: يعني السواك واجب؟
الشيخ: وأبو سعيد نفسه قال: أما الغُسل فواجب، وأما السواك فلا أدري (٣٦)، نفسه.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، لا، إدراج من الحديث.
الطالب: قلت: مخالفة العادة خلاف السنة، لو أحد مثلًا يلبسون مثلًا البدلات هذه لو لبس مثلًا في بلاده ثوبًا وقميصًا نقول له: خالفت السنة؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: الذين يلبسون البدلات، الرداء والإزار والسروال ()، وخالف ما كان عليه.
الشيخ: ما كان عليه الناس؟
الطالب: يقال له: خالفت السنة؟
الشيخ: نعم، السنة أن توافق الناس، إلا أنه في عرفنا الآن نظرًا لأن البلاد الإسلامية تنوعت ألبستها، لو أن أحدًا من السعوديين ذهب إلى بلاد أخرى مسلمة -ولا عاد الكافرة معروفة- وبقي على ثيابه ما يُقال: خالفت السنة؛ لأنه لا يعد هذا شهرة بين الناس، لا يعد شهرة ولا يستنكرون عليه.
طالب: اللباس ().
الشيخ: دعنا من اللباس اللي لذاته، هذا إذا كان اللباس محرمًا أو مكروهًا لذاته، هذا حتى في بلدك.
طالب: إذا كان الشخص -يا شيخ- يريد أن يكون خلف الإمام من أجل الخطبة أن يرى الخطيب أو أن يكون خلف المحاضر لكي يكون أدعى لانتباهه، ولا يكمل الصف، ما قولكم في هذا؟
الشيخ: يعني يكون في الصف الثاني قصدك؟
الطالب: إي نعم، ولكن هناك أناس يأتون يكملون الصف.
الشيخ: ما تقولون؟
الطالب: () بذلك.
طالب آخر: ما فهمنا السؤال.
الشيخ: يقول: أكون في الصف الثاني أمام الإمام الخطيب؛ لأنني أنتفع بالخطبة أكثر مما لو كنت بعيدًا، فهل أقدم انتفاعي بالخطبة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أو أقدم الصف ولو بعُد؟
طلبة: ().
الشيخ: والله على كل حال محل نظر هذه تحتاج إلى تأمل يا أخي، ربما -إن شاء الله- في الدرس القادم يكون الله قد فتح علينا بها.
[ ١ / ٢٤١١ ]
طالب: قول النبي ﷺ: «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» (٣٧)، حديث () كيف يُجمع بينه وبين حديث: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٢٠).
الشيخ: نعم، ليس بينهما تعارض يا أخي.
الطالب: عندي تعارض.
الشيخ: البذاذة في الهيئة والمقام؛ يعني الإنسان ما يتشدق بكلامه، ولا ينتفخ في هيئته، بعض الناس يتخيل لك أنه منتفخ كأنه رجلان، وفي لسانه يتشدق، وبعض الناس هيِّن لين سهل. يعني ليست البذاذة خاصة باللباس، لا، البذاذة في الهيئة والحال، والتجمل في اللباس.
طالب: إذا تعارض غسل الجنابة واجب وغسل الجمعة واجب، هل يغتسل غسلين أو غسلًا؟
الشيخ: ().
الطالب: بنِيَّتين.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: مرَّ.
طلبة آخرون: غسل واحد.
الشيخ: إذا كان على الإنسان جنابة يوم الجمعة، فهل يغتسل للجنابة أولًا، ثم للجمعة ثانيًا أو غسل واحد؟
طلبة: ().
الشيخ: فيه خلاف، كما اختلفتم اختلف من قبلكم ().
***
يقول المؤلف: إن الجمعة ركعتان، فما هو الدليل؟
طالب: الدليل تواتر هذا الفعل عن النبي ﵊، ثم عن الصحابة، وإجماع الأمة على ذلك.
الشيخ: نعم، إذن الدليل تواتر السنة بذلك وإجماع الأمة عليه، هل يقرأ سرًّا أو جهرًا؟
طالب: يقرأ جهرًا.
الشيخ: جهرًا، الدليل؟
الطالب: فعل النبي ﷺ.
الشيخ: أنه كان يقرأ جهرًا، الحكمة؟
الطالب: الحكمة من ذلك حتى يكون إذا قرأ جهرًا تكون قراءة الإمام قراءة للمأمومين فيتواطؤون على شيء واحد، ويدل على اجتماعهم ().
الشيخ: أنها صلاة ذات اجتماع كبير، فشرع فيها القراءة جهرًا ليتحد المصلون على إمام واحد، الحكمة في أنه يقرأ في الأولى بـ (الجمعة)، وفي الثانية بـ (المنافقين)؟
طالب: مناسبة الجمعة فلصلاة الجمعة، وفيها الحث على المبادرة، وترك اللهو بالتجارة إلى الصلاة، وأما المنافقون ففيها.
الشيخ: والتحذير من ترك العمل.
الطالب: من ترك العمل، نعم.
[ ١ / ٢٤١٢ ]
الشيخ: بالقرآن، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥].
الطالب: أما القراءة بالمنافقين، فالمنافقون هم أشر الناس () الله ﷿.
الشيخ: القراءة بالمنافقين؛ لأن المنافقين هم أضر الناس على الإسلام والمسلمين، فكان من المناسب أن يكرر التحذير منهم في كل جمعة، هل يَقرأ بغير ذلك؟ هل يُسن أن يقرأ بغير ذلك؟
طالب: نعم؟
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بـ (سبح) و(الغاشية).
الشيخ: بـ (سبح) و(الغاشية)، ثبتت بذلك السنة (٣٨).
يقول المؤلف: (إن إقامتها في أكثر من موضع من البلد حرام إلا لحاجة)، ما هو الدليل؟
طالب: الدليل على ذلك؟
الشيخ: نعم.
الطالب: الدليل من الكِتاب والسنة؟
الشيخ: من الذي تبغي، كتاب، سنة، إجماع؟
الطالب: كان في عهد الرسول ﷺ، كان أهل المدينة رأوا من بعد منازلهم يصلون في مسجد النبي ﷺ، ورغم أن في الدور مساجد، لكن يصلون صلاة الجمعة في مسجد النبي ﷺ.
الشيخ: كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيه بعد دليل آخر؟
طالب: ().
الشيخ: نعم.
طالب: عائشة ﵂، أن النبي ﷺ معنى الحديث أمر ببناء المساجد في الدور، فتعدد () على غير حاجة يؤدي إلى ().
الشيخ: إذن تعليل يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا تعليل ليس بدليل؟
طالب: الدليل أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣٩)، وهناك تعليل أنه ينتفي المراد بهذا الشيء.
طالب: من أدلة هذا الإجماع.
الشيخ: فيه نظر، ما فيه إجماع، لكن الخلاف شاذ يعتبر.
طالب: قول النبي ﷺ في حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٤٠)، في رواية: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٤١)، وهذا ليس عليه أمر النبي ﷺ فيكون مردودًا.
[ ١ / ٢٤١٣ ]
الشيخ: أنه مُحدَث يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فإذا كان لا يوجد في عهد الرسول إلا واحدة صار السعي لهذه الواحدة واجبًا، يعني ولا نحدث ثانية؛ لأننا لو أحدثنا ثانية لما وجب علينا أن نسعى إلى هذه الواحدة. يقول المؤلف ﵀: (إن وقعتا معًا أو جُهِلت الأولى بطلتا)، هل تختلف الصورتان في الحكم أو لا؟
طالب: تختلف، بالنسبة لـ (إن وقعتا معًا بطلتا).
الشيخ: (وإن جهلت الأولى بطلتا) كما قال المؤلف.
طالب: نعم، إذا وقعتا معًا، وكان الوقت يتسع لإعادة الجمعة فإنهم يعيدونها جمعة ..
الشيخ: إذا وقعتا معًا؟
الطالب: إذا وقعتا معًا.
الشيخ: وأمكن إعادتهما جمعة؟
الطالب: أعادوها.
الشيخ: أعادوها.
الطالب: أما إذا جهلت الأولى فإنهم لا يعيدونها جمعة، بل يعيدونها ظهرًا.
الشيخ: بكل حال؟
الطالب: بكل حال.
الشيخ: توافقه؟
طالب: نعم.
الشيخ: كما قال، توافقونه؟
طلبة: نعم.
طالب: وإن (جهلت الأولى بطلتا). الثانية: إذا جهلت إحداهما () يصلونها ظهرًا.
الشيخ: ولو أمكن إعادتها جمعة؟
الطالب: لا، ما يعيدونها جمعة.
طالب: () على قول المؤلف تبطل.
الشيخ: نريد على كلام المؤلف، هل بين الصورتين فرق؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الأولى إذا وقعتا معًا، فما ندري أيهما الأولى ().
الشيخ: كيف إذا وقعتا معًا، لا ندري أيهما الأولى؟ إذن كيف نقول: وقعتا معًا؟
الطالب: وقعتا يعني كبروا مع بعض، ما ندري هل كبروا مع بعض أو لا، فما كان لأحدهم على الآخر مزية.
الشيخ: لا، فيها مزية، وقعتا معًا، علمنا أنه كل واحد منهم قال: (الله أكبر) جميعًا.
طالب: تعاد الجمعة، أما إن جهلتا فلا يجوز ().
[ ١ / ٢٤١٤ ]
طالب آخر: شيخ، مثلما قال الأخ لو وقعتا معًا أنا لا نعلم تقدم أحدهما على الأخرى وتتساقطان، أما إذا جهلت أحدهما، فالثانية فتعاد ظهرًا على كل حال؛ لأننا لا نعلم تأخر أحدهما ().
الشيخ: هل هذا اللي إحنا قلناه لكم؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: قلنا: إذا وقعتا معًا لا يمكن تصحيحهما، ولا يمكن إعادتهما، وإذا جهلت الأولى أعادوا ظهرًا، يعني عكس ما قال الأخ.
طلبة: ().
طالب: كلامه صحيح.
الشيخ: المذهب، نحن نتكلم على المذهب، أما غير المذهب المسألة فيه واضحة، اللي غير المذهب، قلنا: إنهم إذا عددوها فإنهم يعذرون، واللي يُخاطب ولي الأمر، انظر الشرح عندك.
طالب: وإن وقعتا معًا ولا مزية لإحداهما بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتها جمعة فعلوا وإلا صلوا ظهرًا.
الشيخ: والثانية؟
الطالب: أو جُهلت الأولى منهما بطلتا، ويصلون ظهرًا لاحتمال سبق إحداهما، فتصح ولا تعاد.
الشيخ: إذن كلام خالد صحيح، إذا وقعتا معًا فإنه يمكن إعادتها، إذا جهلت الأولى لا يمكن؛ لأن التي وقعت صحيحة حصل بها الفرض.
يقول المؤلف: (يُسن أن يغتسل وتقدم) ما معنى قوله: (تقدم)؟
طالب: يعني تقدم في باب الطهارة.
الشيخ: تقدم في باب الطهارة، أو في كتاب الطهارة.
الطالب: نعم، أن غسل الجمعة مسنون.
الشيخ: أين العبارة التي تدل عليه؟
الطالب: قوله: إن لم تجد وضوءًا وغسلًا مسنونًا، غسل الجمعة مسنون.
الشيخ: ما قال هكذا!
طالب: قول المؤلف: (وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة).
الشيخ: الشاهد قوله؟
الطالب: (وغسل جمعة).
الشيخ: (وغسل جمعة) مع أن الشارح في هذا الموضع قال: فيه نظر، وكأنه غفل عن هذا.
للجمعة سنن تمتاز بها سوى الاغتسال؟
طالب: أن يتنظف ويتطيب، ويبكِّر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام.
الشيخ: ويلبس؟
الطالب: ويلبس أحسن ثيابه.
الشيخ: أحسن ثيابه، إذن هو يوم عيد وتجمل.
طالب: ().
[ ١ / ٢٤١٥ ]
الشيخ: نعم، يقرأ سورة الكهف في يومها أيضًا من السنن، وهي تمتاز بذلك، والأفضل أن يكون من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، أما الاغتسال فإنه قبل الصلاة كما مر علينا.
***
يقول المؤلف ﵀: (ويُكثر الدعاء) يعني ويسن أن يكثر من الدعاء؛ وذلك لأن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه (٤٢)، فينبغي أن يُكثر من الدعاء رجاء ساعة الإجابة.
ولم يذكر المؤلف -﵀- نوع الدعاء الذي يُكثره، فهو راجع إليه، وكل إنسان له حاجات خاصة إلى ربه، فليسألْ ربه ما شاء.
قال: (ويكثر الصلاة على النبي ﷺ)؛ لأن النبي ﷺ أمر بإكثار الصلاة عليه يوم الجمعة (٤٣)، كما أن الصلاة على النبي ﷺ مشروعة كل وقت بالاتفاق؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والصلاة على النبي ﷺ معناها أنك تسأل الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى، فصلاة الله على رسوله؛ يعني ثناءه عليه في الملأ الأعلى؛ هذا معنى الصلاة. وفسرها بعض العلماء بالرحمة، قال: صلاة الله على نبيه يعني رحمته إياه، وهذا فيه نظر؛ لأن الله تعالى فرق بين الصلاة والرحمة، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، والأصل في العطف المغايرة؛ ولأن العلماء مُجمعون على أنه يجوز للإنسان أن يدعو بالرحمة لمن شاء من المؤمنين، فيقول: اللهم ارحم فلانًا، ومختلفون في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كانت الصلاة هي الرحمة لم يختلف العلماء في جوازها. إذن فالصلاة أخص من الرحمة.
إذا صلى الإنسان على النبي ﷺ صلى الله عليه بها عشرًا (٤٤)، فلنكثر من الصلاة على نبينا ﷺ حتى يصلي الله علينا عشرًا فيُثني علينا في الملأ الأعلى.
[ ١ / ٢٤١٦ ]
(ولا يتخطى رقاب الناس)، قوله: (ولا يتخطى) هذه الواو للاستئناف، وليست عطفًا على ما سبق؛ لأننا لو جعلناها عطفًا على ما سبق لكان تقدير الكلام: (ويسن ألا يتخطى)، وليس الأمر كذلك، بل (لا) نافية (ولا يتخطى)، والواو استئنافية، وأقول: إن (لا) نافية، ولا أقول: إنها ناهية؛ لأن الألف موجودة: (يتخطى)، ولو كانت ناهية لحُذفت الألف للجزم.
فإذن (لا) نافية، هذا النفي من المؤلف يحتمل أنه للكراهة، ويحتمل أنه للتحريم، يحتمل هذا وهذا، وهذه المسألة خلافية، فالمشهور من المذهب أن تخطي الرقاب مكروه، والصحيح أن تخطي الرقاب حرام؛ لقول النبي ﷺ لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (٤٥)، ولا سيما إذا كان ذلك أثناء الخطبة؛ لأنه إذا كان التخطي أثناء الخطبة صار فيه أذية للناس وإشغال لهم عن استماع الخطبة؛ إشغال لمن باشر تخطي رقبته، وإشغال لمن يراه ويشاهده، فتكون المعرَّة فيه واسعة.
على كل حال القول الراجح: أن التخطي حرام، ولا يجوز، سواء في أثناء الخطبة أو في غير ذلك.
قال المؤلف: (إلا أن يكون إمامًا) فإن كان إمامًا فلا بأس أن يتخطى؛ لأن مكانه متقدم، ولكن بشرط ألا يمكن الوصول إلى مكانه إلا بالتخطي، فإن كان يمكن الوصول إلى مكانه بأن كان في مقدَّم المسجد باب يدخل منه الإمام، فإنه كغيره في التخطي، وقد اعتاد الناس اليوم -والحمد لله- أن يجعلوا للإمام بابًا في مقدم المسجد حتى يدخل منه، وكانوا في الزمن السابق لما كانت البيوت لاصقة للمساجد من القبلة كان الإمام يدخل من الباب الشرقي، ويتخطى الرقاب، ولكن الناس لا يرون في هذا بأسًا؛ لأنه أيش؟ إمامهم، فلا يتأذون بذلك.
إذن قول المؤلف: (إلا أن يكون إمامًا) يحتاج إلى قيد أو لا؟ يحتاج إلى قيد، ما هو القيد؟ إلا أن يكون إمامًا، وليس له طريق سوى التخطي، فإن كان له طريق سوى التخطي فإنه لا يتخطى؛ لأن العلة واحدة.
[ ١ / ٢٤١٧ ]
(أو إلى فرجة) قوله: (أو إلى فرجة)؛ يعني إلى مكان متسع في الصفوف المقدمة، فإن كان هناك فرجة، فلا بأس أن يتخطى إليها.
فإذا قال قائل: الحديث عام: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»، وربما يقول قائل: إن ظاهر الحال أن هناك فرجة؛ لأنه ليس من العادة أن يتخطى الإنسان الرقاب إلا إلى فرجة. ولكن الفقهاء ﵏ استثنوا هذه المسألة، قالوا: لأنه إذا كان ثمة فرجة فإنهم هم الذين جنوا على أنفسهم؛ لأنهم مأمورون أن يُكمِّلوا الأول فالأول، فإذا كان فرجة فقد خالفوا الأمر، وحينئذٍ يكون التفريط منهم وليس من المتخطي.
ولكن الذي أرى أنه لا يتخطى حتى ولو إلى فرجة؛ لأن العلة -وهي الأذية- موجودة، وكونهم لا يتقدمون إليها قد يكون هناك سبب من الأسباب، مثل: أن تكون الفُرجة في أول الأمر ليست واسعة، ثم مع التزحزح اتسعت، فحينئذٍ لا يكون منهم تفريط، فالأوْلى الأخذ بالعموم؛ ألا يتخطى إلى الفرجة.
يقول: (ويحرُم أن يُقيم غيرَه فيجلس مكانه إلا من قدَّم صاحبًا له في موضع يحفظه له).
(يحرم أن يقيم غيره) (أن يقيم) من؟ الإنسان (غيره) ممن جلس في المكان، ويجلس مكانه.
وقوله: (فيجلس مكانه) هذا قيد أغلبي؛ لأن الغالب أن الإنسان يقيم غيره من أجل أن يجلس في مكانه، ومع ذلك لو أقام غيره لا ليجلس في مكانه، قال: قُم عن هذا، وخلِّ المكان مفتوحًا، فإن التحريم باقٍ.
ودليل هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٤٦)، ونهيه ﷺ أن يقيم الرجل أخاه فيجلس مكانه (٤٧). ففي الحديث الأول بيان الأحقية، وفي الحديث الثاني تحريم الإقامة؛ أن يقيم غيره فيجلس مكانه.
[ ١ / ٢٤١٨ ]
التعليل: لأن ذلك يحدث العداوة والبغضاء بين المصلين، وهذا ينافي مقصود الجماعة، إذ إن المقصود من الجماعة هو الائتلاف والمحبة، فإذا أقام غيره، ولا سيما أمام الناس، فلا شك أن هذا يؤذيه، ويجعل في قلبه ضغينةً على هذا الرجل الذي أقامه.
يقول: (إلا من قدم صاحبًا له) إلى آخره، يعني إلا شخصًا قدم صاحبًا له في موضع يحفظه له، مثل أن يقول لشخص ما: يا فلان، أنا عندي شغل، ولا يخلص شغلي إلا عند مجيء الإمام، فاذهب واجلس في مكان لي في الصف الأول، فإذا فعل وجلس في الصف الأول فله أن يقيمه؛ لأن هذا الذي أقيم أيش؟ وكيل له، ونائب عنه.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا العمل جائز، أي يجوز لشخص أن يُنيب غيره ليجلس في مكان فاضل، ويبقى هذا المنيب حتى يفرغ من حاجاته، ثم يتقدم إلى المسجد.
وفي هذا نظر؛ أولًا: لأن هذا النائب لم يتقدم لنفسه، وربما يراه أحد فيظنه عمل عملًا صالحًا، وليس كذلك.
وثانيًا: أن في هذا تحيلًا على تحجُّر الأماكن الفاضلة لمن لم يتقدم، والأماكن الفاضلة مَنْ أحق الناس بها؟ مَنْ سبق إليها.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم أن يقيم غيرَه، ولو كان الغَيْر صغيرًا، وهذا هو الصحيح، والمذهب أنه يجوز أن يقيم الصغير ويجلس مكانه، ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يقيم الصغير؛ أولًا: لعموم النهي: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ» (٤٨)، وثانيًا: لأن النبي ﵊ قال: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وهذا الصبي سابق، فلا يجوز لنا أن نهدر حقه، وأن نظلمه ونقيمه.
[ ١ / ٢٤١٩ ]
وأما من قال بالجواز، واستدل بقول النبي ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٢٤)، فقد استند إلى غير مستند له؛ لأن قوله ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُم أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» حث لأولي الأحلام والنُّهى أن يتقدموا، ولو قال: لا يلني إلا أولو الأحلام. لو قال هكذا، لكان لنا الحق في أن نقيم الصغير، أما لما قال: «لِيَلِنِي»، فأمر ذوي الأحلام والنُّهى أن يلوه، فالمعنى أن هؤلاء مأمورون بأن يتقدموا حتى يلوا الإمام، والحديث واضح وليس به دلالة لما ذهب إليه هؤلاء.
نقول: إن في إقامة الصغير عن مكانه مفسدة عظيمة بالنسبة للصغير، ما هي؟ أنه يبقى في قلبه كراهة للمسجد والتقدم إليه، وكراهة لمن أقامه، ولذلك لا ننسى ضربة أصابتنا من شخص ولحقنا في المسجد حتى أخرجنا منه -مع أننا ما لعبنا ولا شيء- فالصغير لا ينسى أبدًا، فإذا أقامه من مجلسه أو أمام الناس ولا سيما إذا كان له تمييز كالسابعة والثامنة، ينكسر قلبه ويتأثر بهذا تأثرًا كبيرًا، ويكره الرجل الذي أقامه، ويكره المسجد، ويكون في هذا تنفير للصبيان عن الصلاة، ففيه مفاسد.
ثم ولهذا القول الراجح في هذه المسألة الذي صوَّبه صاحب الإنصاف، وكذلك مال إليه صاحب الفروع، وصرح المجد به أيضًا جد شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا تجوز إقامة الصغير من مكانه.
ثم هناك مفسدة أيضًا أخرى غير ما سبق: إذا أقمنا الصغار من الصف الأول وجعلناهم في صف واحد مستقل، فناهيك باللعب، يلعبون لعبًا عظيمًا، لكن إذا أبقيناهم في الصف الأول، وصار كل طفل إلى جنب رجل قل لعبهم بلا شك، لهذا كلما تأملت هذا القول -أعني أنه لا يجوز إقامة الصغير- تبين لك أنه هو الصواب.
طالب: بالنسبة لقول النبي ﷺ: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ؟». قالوا: وكيف تصف الملائكة؟ قال: «يُتِمُّونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ» (٢٦) ().
[ ١ / ٢٤٢٠ ]
الشيخ: لا، هو المقصود عند إقامة الصلاة؛ هذا الأصل.
الطالب: ().
الشيخ: ولكن نقول: حتى قبل الصلاة ينبغي أن يكمل الأول فالأول؛ لأنهم إذا لم يفعلوا هذا حصل اضطراب عند إقامة الصلاة؛ لأنه سيبقى فُرَج في المقدم فيحصل اضطراب، ولا سيما إذا كانت الصفوف غير مستوية.
طالب: شيخ، جاء عند النسائي بسند صحيح (٤٩) أن طلق بن علي سحبه أحد الصحابة، وكان صغيرًا؟
الشيخ: نعم، وكذلك أُبَي بن كعب (٥٠) في صحيح مسلم، لكن الصحابي إذا جاءنا الحديث عن الرسول ﷺ صار قول الصحابي كقول غيره من أهل العلم؛ يعني يؤخذ منه ويُترك.
الطالب: ثم يا شيخ كلامه في قضية سد الفرجة الواحدة، ألا يتضمن منعًا لو كان فُرَج أيضًا يعني ليست فرجة واحدة.
الشيخ: إي نعم، حتى لو كان فرجًا، ظاهر الحديث أنه لا يتخطى مطلقًا.
الطالب: ولو ().
الشيخ: ولو كان فرج، نعم ().
***
طالب: وحرم رفع مصلًّى مفروش ما لم تحضر الصلاة، ومن قام من موضعه لعارض لحقه، ثم عاد إليه قريبًا فهو أحق به، ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يُوجز فيهما، ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن يكلمه، ويجوز قبل الخطبة وبعدها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المناقشة من أين؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، يقول المؤلف ﵀: إنه ينبغي أن يُكثر الدعاء يوم الجمعة، فلماذا؟
طالب: ().
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه في أوقات الإجابة.
الشيخ: رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، هل مراده بالدعاء الدعاء بأمر الآخرة، أو بأمر الدنيا، أو بهما؟
طالب: بهما.
الشيخ: بهما جميعًا، وبأمر الدنيا وحدها؟
طالب: بخير الدنيا والآخرة، يدعو له بما شاء.
الشيخ: لكن لو أراد أن يدعو بأمر الدنيا وحدها فقط؟
الطالب: ().
الشيخ: لا يجوز؟
طالب: () يدعو بالدنيا ما فيها شيء.
[ ١ / ٢٤٢١ ]
طالب آخر: له ذلك؟
الشيخ: نعم، لا بأس.
يقول: يُسنُّ أيضًا أن يُكثِر من الصلاة على النبي ﷺ.
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: لأن يوم الجمعة، أو جميع الأيام يسن فيها الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، وخصص يوم الجمعة ..
الشيخ: لأمر النبي ﷺ بذلك: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (٥١). ما معنى الصلاة على النبي ﷺ؟
طالب: الصلاة على النبي ﷺ هي ثناء الله جل وعلا عليه في الملأ الأعلى.
الشيخ: ثناء الله عليه في الملأ الأعلى، ما تقول فيمن قال: إنها الرحمة؟
طالب: هذا القول فيه نظر؛ لأن الله ﷾ فرق بين الرحمة والصلاة بآية في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، ولأن العلماء اختلفوا في الصلاة على أحد غير الأنبياء، وأجازوا الدعاء بالرحمة لكل أحد.
الشيخ: بالإجماع ولا بالخلاف؟
الطالب: الصلاة أو الرحمة؟
الشيخ: لا، الرحمة، يعني أجمع العلماء على أنه يجوز أن يدعى لكل مؤمن بالرحمة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يقول المؤلف: (لا يتخطى رقاب الناس).
طالب: يحتمل الكراهة، ويحتمل الحرمة.
الشيخ: التحريم.
الطالب: التحريم.
الشيخ: وما الذي يدل عليه؟
الطالب: الذي يدل عليه.
الشيخ: السنة؟
الطالب: السنة التحريم.
الشيخ: التحريم. الدليل؟
الطالب: دليل ذلك أن النبي ﵊ رأى رجلًا يتخطى الصفوف فأمره بالجلوس، فإنه
الشيخ: فقال: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (٤٥)، نعم هذا هو الصحيح، وكلام المؤلف يحتمل هذا وهذا. استثنى المؤلف من هذه المسألة؟
طالب: من رأى فرجة، تقدم إلى فرجة.
الشيخ: هذه واحدة، وغير؟
الطالب: أو الإمام.
الشيخ: أو الإمام. هل استثناء الإمام مطلق أم مقيد؟
طالب: مقيد.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: إذا كان وجد فرجة داخل المسجد يعني؟
[ ١ / ٢٤٢٢ ]
الشيخ: كيف فرجة الإمام؟ الإمام ما بيفرج.
الطالب: الطريق يعني، يستطيع منه أن يدخل إلى مكانه فهذا جائز ().
الشيخ: إذا وَجد طريقًا يمكن أن يصل به إلى مكانه.
الطالب: ما يجوز له أن يتخطى الرقاب.
الشيخ: إي، لا يجوز أن يتخطى، وإن لم يجد؟
الطالب: إن لم يجد ().
الشيخ: جاز للضرورة، أليس كذلك؟ نحن قلنا: للضرورة، وقلنا أيضًا: إن الناس لا يتأذون بذلك؛ لأنهم يعذرونه يعرفون عذره. المسألة من وجد فُرجة: هل كلام المؤلف مُسلَّم أو لا؟
طالب: غير مُسلَّم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لعموم نهي الرسول ﷺ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ».
الشيخ: عموم قوله: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ». والأذية تحصل ولو بالتخطي إلى فرجة. ماذا تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح. إذا قال قائل: هم الذين أسقطوا حقهم من هذه الفرجة، فكان له أن يتخطى إليها؟
طالب: لكن عندنا عموم نهي نأخذ به.
الشيخ: أيش؟
الطالب: نأخذ بعموم النهي.
الشيخ: نعم.
طالب: () وهو أن الفرجة كانت ضيقة، ثم لما يعني ضم الناس بعضهم إلى بعض اتسعت هذه الفرجة فيكون ().
الشيخ: ثم لو فُرض أنهم أخطؤوا أيضًا، ولم يسدوا الفرجة فلا نؤذيهم نحن. وأيضًا ذكرنا أن الحديث؟
طالب: أي حديث؟
الشيخ: حديث «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»؟
الطالب: نعم، يا شيخ ويش فيه؟
الشيخ: ذكرنا أن الرجل لا يمكن أن يتخطى الرقاب في الغالب إلا؟
الطالب: لو كان هناك فرجة.
الشيخ: إلا إذا كان هناك فرجة، يعني ويش الفائدة يتخطى الرقاب، وكل جنب الثاني؟ رجل أقام غيرَه فجلس مكانه؟
طالب: يحرم عليه أن يقيم الرجل ليجلس مكانه.
الشيخ: أن يقيم أحدًا فيجلس مكانه، الدليل؟
الطالب: أن الرسول ﷺ قال: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ أَخَاهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ».
الشيخ: «لَا يُقِيمَنَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ» (٥٢). والتعليل؟
[ ١ / ٢٤٢٣ ]
طالب: التعليل أن في هذا مفاسد كثيرة، من أولها أنه من أسباب الحقد والضغينة، وهو ينافي المقصود للجماعة.
الشيخ: إي، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: استثنى المؤلف، ما استثنى؟
طالب: أن المشهور من المذهب يستثنى المسألة الأولى الصغير، والمسألة الثانية من قدم صاحبًا له يحفظ مكانه، وأما على ما مشى عليه المؤلف، فظاهر كلامه يستثنى مسألة واحدة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: وهي من قدم صاحبًا له يحفظ مكانه.
الشيخ: صح، كلام المؤلف يدل على أنه لا يستثنى إلا مسألة واحدة، وأن الصغير لا يجوز إقامته من مكانه، والدليل على هذا أن لدينا قاعدة؛ وهي أن الاستثناء معيار العموم، معيار يعني علامة العموم، فمثلًا إذا قال: حرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه إلا من قدم معناه جميع الصور تحرم إلا هذه المسألة. واضح يا جماعة؟ وهذه من قواعد أصول الفقه أن الاستثناء معيار العموم، يعني ميزانه ودليله. ما تقول في إقامة الصغير؟
طالب: إقامة الصغير ما تجوز.
الشيخ: الصحيح أنها لا تجوز.
فإذا قال لك قائل: إن النبي ﷺ يقول: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٢٤)؟
الطالب: هذا ما فيه دليل على إقامة الصغير، غاية ما فيه حث أولي النهى.
الشيخ: الحديث صحيح.
الطالب: إي، أقول: الحديث صحيح، لكن ليس فيه دلالة على المدَّعَى، يعني النبي ﷺ، إنما قال هذا الحديث حثًّا لأولي الأحلام والنُّهى على أن يكونوا خلفه، لا أن يقام الصغار.
الشيخ: أحسنت، نقول: هذا ليس فيه دلالة؛ لأن النبي ﷺ، إنما قاله حثًّا لأن يتقدم أولو الأحلام، الأحلام يعني البالغين، أولو الأحلام يعني ذوي الأحلام جمع (حُلُم)، والنُّهى: العقول.
لو أراد النبي ﷺ أن يُقام الصغار من أماكنهم إذا تقدموا لكانت صيغة القول؟
طالب: إذا قام الصغار؟
[ ١ / ٢٤٢٤ ]
الشيخ: لو أراد النبي ﷺ أن يقام الصغار من أماكنهم إذا تقدموا لكانت صيغة القول؟
الطالب: لكانت صيغة القول: لا يلني منكم إلا أولو الأحلام والنهى.
الشيخ: أحسنت، لكان يقول: لا يلني منكم إلا أولو الأحلام والنهى. بارك الله فيكم.
***
قال المؤلف ﵀: (وحرم رفع مُصلًّى مفروش ما لم تحضر الصلاة).
(وحرم رفع مصلى مفروش) (حرم) يعني صار حرامًا.
(رفع مصلى مفروش)، المصلى ما يُصلَّى عليه مثل السجادة.
(مفروش) يعني في مكان.
(ما لم تحضر الصلاة) في الشرح كلام ودِّي نقوله، يقول ﵀: (وكُرِه إيثار غيره بمكانه الفاضل، لا قبوله، وليس لغير المؤثر سبقه).
يقول ﵀ الشارح: (وكُرِه إيثارُ غيرِه بمكانه الفاضل)؛ يعني مثلًا: أنا في الصف الأول، فأردتُ أن أتأخر إكرامًا لشخص حضر ليجلس في مكاني، يقول المؤلف: إن هذا مكروه. لماذا؟
وحَرُمَ أن يُقيمَ غيرَه فيَجْلِسَ مَكانَه إلا مَن قَدَّمَ صاحبًا له في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له، وحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مفروشٍ ما لم تَحْضُر الصلاةُ،
ومَن قامَ من مَوْضِعِه لعارِضٍ لَحِقَه ثم عادَ إليه قَريبًا فهو أَحَقُّ به، ومَن دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ لم يَجْلِسْ حتى يُصَلِّيَ ركعتينِ يُوجِزُ فيهما، ولا يَجوزُ الكلامُ والإمامُ يَخْطُبُ إلا له أو لِمَنْ يُكَلِّمُه، ويَجوزُ قبلَ الْخُطبةِ وبعدَها.