[ ١ / ٢٥٥٣ ]
تُسَنُّ جماعةً وفُرَادَى إذا كَسَفَ أحدُ النَّيِّرَيْنِ رَكعتينِ، يَقرأُ في الأُولى جَهْرًا بعدَ الفاتحةِ سورةً طويلةً ثم يَركعُ طويلًا ثم يَرفعُ ويُسَمِّعُ ويَحْمَدُ ثم يَقرأُ الفاتحةَ وسورةً طويلةً دونَ الأُولى ثم يَرْكَعُ فيُطيلُ وهو دُونَ الأَوَّلِ ثم يَرفعُ ثم يَسجدُ سَجدتينِ طويلتينِ ثم يُصَلِّي الثانيةَ كالأُولَى لكن دونَها في كلِّ ما يَفعلُ ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ فإنْ تَجَلَّى الكسوفُ فيها أَتَمَّها خَفيفةً،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما تقول في رجل قرأ في صلاة العيد بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون)؟
طالب: ما فيها شيء.
الشيخ: ما الذي يُشرع أن يقرأ؟
الطالب: بالغاشية.
الشيخ: في الركعة الأولى بالغاشية؟
الطالب: في الركعة الأولى بالغاشية.
الشيخ: والثانية بـ (سبح).
الطالب: بـ (سبح) وبالغاشية.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: نعم، في الركعة الأولى بـ (سبح)، وفي الركعة الثانية بالغاشية.
الشيخ: لكن قرأ (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد)، هل يجوز أو لا يجوز؟
الطالب: نعم، يا شيخ يجوز.
الشيخ: يجوز.
الطالب: يجوز نعم.
الشيخ: لكنه خلاف؟
الطالب: لكنه خلاف السنة.
الشيخ: أحسنت، تمام، هل هناك سورة أخرى تُقرأ غير (سبِّح) والغاشية؟
طالب: في العيد؟
الشيخ: في العيد.
طالب: (ق) والقمر.
الشيخ: (ق) و(القمر)، توافقون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: صح. لو كبر في الأولى خمسًا بعد تكبيرة الإحرام يجوز؟
طالب: أيوه يجوز.
الشيخ: يجوز.
الطالب: خلاف السنة.
الشيخ: خلاف السنة، لكن بعض العلماء قال: كبر خمسًا.
طالب: ().
الشيخ: ماذا تحفظ عن الإمام أحمد في هذه المسألة؟
الطالب: أنه ﵀ ()، وأن كل ذلك مشروع جائز.
الشيخ: هذا هو المقصود. ما تقول في رجل دخل بيته بعد صلاة العيد وصلَّى؟
طالب: المذهب يصح.
الشيخ: وعلى غير المذهب؟
الطالب: لا يصح؛ لأن أصل الصلاة شُرعت في اجتماع معين ..
[ ١ / ٢٥٥٤ ]
الشيخ: لا، طالما أنها فاتت أدرك الصلاة مع الإمام وصلى العيد، لكن رجع إلى بيته فصلى ركعتين؟
طالب: المذهب لا يجوز.
الشيخ: جائز؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما الذي يُكره؟
الطالب: يكره أن يصلي بعد الصلاة في موضعها.
الشيخ: في موضعها، وأما في غير الموضع فلا بأس به. في هذه المسألة، هل هناك رأي آخر يرى أنه لا تُكره الصلاة؟
طالب: نعم، في رأي بعض العلماء يقولون: لا تكره الصلاة، ولا قبلها ولا بعدها ()، وبعض العلماء يقولون: تُكره في المصلى.
الشيخ: قبل الصلاة؟
الطالب: قبل الصلاة.
الشيخ: لا، بعدها.
الطالب: ().
الشيخ: لا، أيش بعض العلماء يقول: تُكره قبل الصلاة لا بعدها، وبعضهم يقول: بعدها لا قبلها، وبعضهم يقول: لا تُكره لا قبلها ولا بعدها، وبعضهم يقول: تُكره قبلها وبعدها.
ما حجة القائلين بالكراهة؟
الطالب: الكراهة؛ لأنهم قالوا: إن النبي ﷺ لم يفعله.
الشيخ: لم يفعل ذلك، وهل الاستدلال بهذا الحديث وجيه؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأن النبي ﷺ إنما خرج يصلي بالناس فصلى بهم (١).
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني نقول: هذا عمل خير، فما الدليل على أنه يُكره الصلاة قبلها أو بعدها؟
الشيخ: يعني ترك الرسول لذلك ﵊ لا يدل على أنه مكروه، وأيضًا الرسول خرج وصلى ورجع كما فعل في الجمعة، ومع ذلك لا تقولون في الجمعة: إنه يُكره التنفل قبلها وبعدها في موضعها.
لو حضر إلى مصلى العيد، على القول بأنه لا يُكره التنفُّل قبل الصلاة ولا بعدها، هل يُسن له أن يصلي تحية المسجد؟
طالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: الدليل قال الرسول ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٢). ولأن هذا ..
الشيخ: يكفي لو قال لك قائل: هذا ليس بمسجد، مُصلَّى العيد؟
[ ١ / ٢٥٥٥ ]
الطالب: نقول: إن الرسول ﷺ أمر النساء أن يخرجن إلى مصلى العيد، ويشهدن الخير، وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى (٣)، ولولا أنه كان مسجدًا لما أمرهم الرسول ﷺ بالاعتزال.
الشيخ: إيه، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تمام، إذن هو مسجد كما قال الفقهاء -﵏- مصلى العيد مسجد لا مصلى الجنائز.
يقول المؤلف ﵀: (ويسن التكبير المطلق في ليلة العيدين وفي فطر آكد) إلى آخره.
نسأل عن حكم التكبير في ليلة العيدين، حكمه؟
طالب: مستحب، ويتأكد في عيد الفطر.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: قال الله ﷾: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الشيخ: أي عدة؟
الطالب: عدة رمضان.
الشيخ: عدة رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. يقول المؤلف ﵀: (إن التكبير في الفطر)؟
الطلبة: (آكد).
الشيخ: (آكد)، ما دليله؟
طالب: قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، إكمال العدة يكون بغروب آخر شمس آخر يوم من رمضان.
الشيخ: أن الله نص عليه في القرآن قال: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾، أما التكبير في الأضحى فلم ينص عليه إلا ذكر اسم الله وهو أعم من التكبير، عرفت؟
لكن يقول بعض العلماء: إن التكبير في الأضحى أوكد من وجه آخر، وهو أنه متفَق عليه بين العلماء، والفطر مختلف فيه.
والثاني: أن فيه مقيدًا عقب الصلوات، والفطر ليس فيه مقيد على رأي أكثر العلماء أيضًا، فكل واحد منهما أوكد من الثاني من وجه؛ فمن جهة أن تكبير الفطر مذكور في القرآن يكون أوكد، ومن جهة أن التكبير في عيد الأضحى متفق عليه، وأنه فيه مقيد يُقدَّم على أذكار الصلاة يكون من هذه الناحية أوكد.
ما هو الدليل على التكبير في عيد الأضحى؟
[ ١ / ٢٥٥٦ ]
طالب: قوله ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِمَالِهِ وبِنَفْسِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ» (٤).
ودل ذلك على أن التكبير في أيام العشر، على هذا الحديث يكون من خير الأعمال، ويدخل في عموم هذا الحديث.
الشيخ: يدخل في العموم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤].
لو قال قائل: الذكر أعم من التكبير، ونحن نريد دليلًا يخص التكبير؟
طالب: فِعْل أبي هريرة ﵁ وابن عمر عندما كانا () في الأسواق، أسواق المدينة يكبران ويكبر الناس بتكبيرهم (٥).
الشيخ: إي نعم، فعل الصحابة، وأيضًا حديث أنس: أنه سُئل: ماذا كنتم تفعلون في الدفع من منى إلى عرفة؟ قال: منا المكبر، ومنا الْمُهِلُّ، أو الْمُهلِّل (٦).
فقوله: منا المكبِّر مع الرسول ﷺ يقرهم، يدل هذا على أن التكبير المطلق سُنَّة في الذهاب من منى إلى عرفة، ويكون ذلك صباح يوم عرفة كما هو معروف.
ثم قال المؤلف: (والمقيد عقب كل فريضة في جماعة)
أفادنا المؤلف -﵀- أن المقيد يختص بالفرائض؛ لقوله: (عقب كل فريضة)، وأفادنا القول: (في جماعة) أنه لو صلاها منفردًا فلا يُسن التكبير المطلق، وكذلك قيده ذلك بالمؤداة، فخرج به الْمَقضيَّة؛ فالشروط ثلاثة الآن، فريضة؟
طلبة: جماعة.
الشيخ: وجماعة ومؤداة، فلو صلى وحده فلا يُسن له التكبير المقيد، ولو صلى نافلة لم يُشرع له التكبير المقيد، ولو صلى قضاء لم يشرع له التكبير المقيد حتى ولو كانوا جماعة، عرفتم؟
[ ١ / ٢٥٥٧ ]
فلو أن جماعة ناموا عن صلاة الفجر في وقت التكبير المقيد، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس فإنه لا يُسن لهم -على ما ذكر أصحابنا ﵏- التكبير المقيد؛ لأن الصلاة مقضية.
وذهب بعض العلماء إلى العكس من ذلك فقالوا: إن التكبير المقيد سُنة لكل مُصَلٍّ، فريضة كانت الصلاة أو نافلة، مؤداة أو مقضية، للرجال وللنساء في البيوت، والقول الأول أخص، وهذا أعم، وبعضهم قال: إنها سُنة في الفرائض مؤداة كانت أم مقضية، انفرادًا كانت أو جماعة دون النوافل، والمسألة إذا رأيت اختلاف العلماء -﵏ فيها- بدون أن يذكروا نصًّا فاصلًا فإننا نقول: الأمر في هذا واسع.
إن كبَّر الإنسان بعد صلاته منفردًا فلا حرج عليه، وإن ترك التكبير، ولو في الجماعة فلا حرج عليه؛ لأن الأمر واسع، الأمر في هذا واسع والحمد لله.
أما وقت التكبير المقيد من أين يبتدئ؟ فيقول: (مِن صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق) كذا؟
انظروا الابتداء الآن: من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، كم صلاة يكون؟
طلبة: سبعة وعشرين.
الشيخ: كم؟ يوم عرفة خمسة.
طلبة: عشرين.
الشيخ: نشوف، يوم عرفة خمسة، ويوم العيد خمسة، والحادي عشر خمسة، هذه خمسة عشر والثاني عشر؟
طلبة: ().
الشيخ: خمسة، هذه خمسة وعشرون، عشرون؟
طلبة: ().
الشيخ: عشرون.
طلبة: ().
الشيخ: والثالث عشر؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث بس؟
طلبة: ().
[ ١ / ٢٥٥٨ ]
الشيخ: إلى عشر يليه، نعم، صحيح، يروح عنه المغرب والعشاء، صحيح ثلاث وعشرون صلاة، أما المحرم فيقول: (من ظُهر يوم النحر)؛ لأن المحرم مشغول قبل ذلك بالتلبية؛ لأن الفقهاء -﵏- يرون أن التلبية ذِكر مقيَّد عقب الفرائض، ويستدلون بعموم ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ أهلَّ دُبر كل صلاة (٧). فقالوا: إن المحرم إذا سلم من الصلاة وهو محرم لم يحل التحلل الأول فإنه يُسنُّ له أن يلبي تلبية مقيدة دبر الصلاة، ومتى يحل منها التحلل الأول؟ ضحى يوم النحر، ولهذا قالوا: للمحرم من ظهر يوم النحر؛ لأنه إلى فجر يوم النحر وهو لم يَحِلَّ، إذ إن المحرم لا يحل إلا إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد، وحلق أو قَصَّر.
واستطرادًا للموضوع نقول: المحرم يفعل يوم العيد خمسة أنساك مرتبة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر، ثم الحلق والتقصير، ثم الطواف، ثم السعي.
هذا هو الأفضل أنها تُفعل كلها يوم العيد، وتكون مرتبة هكذا، لكن لو قَدَّم بعضها على بعض مثلًا رمى جمرة العقبة وقال: احلق قبل النحر فلا حرج، ولو كان متعمدًا، لكنه ترك الأفضل.
رمى وحلق ولم ينحر هل يحل؟ يحل، تحلُّل الأول.
رمى ونحر ولم يحلق؟ لا يحل؛ لأن التحلل الأول إنما يكون بالرمي مع الحلق، أو التقصير، فمثلًا: هذا المحرم صلى الفجر يوم النحر في مزدلفة، ويبقى في المزدلفة إلى متى؟ إلى أن يُسفِر جدًّا، ويدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، ويصل إلى منى بعد ارتفاع الشمس، فيرمي الجمرة، ثم ينحر، ثم يُقصِّر أو يحلق، ويحل التحلل الأول فيلبس الثياب وتنقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة.
وحينئذٍ إذا صلى الظهر يوم النحر ماذا يصنع؟ على كلام المؤلف يبتدئ التكبير المقيد؛ لأن التلبية انتهت. الخلاصة الآن المقيد يبتدئ لغير المحرم مِن؟
الطلبة: صلاة الفجر.
الشيخ: من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرِم من صلاة الظهر يوم النحر، وينتهي في عصر آخر أيام التشريق، هذا المقيد.
[ ١ / ٢٥٥٩ ]
ممكن أن ننظر الآن النظرة الثانية يكون التكبير المطلق في عيد الفطر فقط ما فيه مقيد، صح؟
طلبة: ().
الشيخ: صحيح، ما فيه مُقيد، في عيد الأضحى عشر ذي الحجة مُطلق إلى صلاة العيد، من عرفة إلى فجر يوم العيد فيه مطلق ومقيد، صح؟ لأن يوم عرفة من عشر ذي الحجة، ففيه مطلق، وليلة العيد عيد الأضحى فيها أيضًا مطلق، فيكون من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العيد يوم النحر فيه مُطلق ومقيَّد، من صلاة العيد إلى عصر آخر أيام التشريق؟
طلبة: مقيد.
الشيخ: مقيد فقط؛ يعني ما تكبر الضحى، ولا بعد الظهر، ولا بعد العصر، ما فيه إلا مقيد، فصار التكبير باعتبار التقييد والإطلاق على المذهب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما فيه تكبير مُطلق فقط، والثاني: ما فيه مُقيَّد فقط، والثالث: ما اجتمع فيه الأمران؛ المقيد والمطلق، متى يجتمع المقيد والمطلق؟
طالب: المطلق والمقيد من صباح يوم عرفة ..
الشيخ: من فجر.
الطالب: من فجر يوم عرفة إلى يوم النحر.
الشيخ: إلى صلاة عيد يوم النحر.
طالب: المطلق والمقيد.
الشيخ: المطلق والمقيد، ومتى يكون المقيد فقط؟
الطالب: يكون في أيام التشريق بعد صلاة العيد.
الشيخ: وصلاة العيد يوم العيد يوم النحر، من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق، والمطلق فقط؟
طالب: من أول ذي الحجة إلى صلاة فجر يوم.
الشيخ: المطلق فقط؟
طالب: المطلق نعم.
الشيخ: نعم، وغيرها؟
الطالب: المطلق بين ..
الشيخ: عيد الفطر.
الطالب: ().
الشيخ: وعيد الفطر، ليلة عيد الفطر المطلق، والصحيح في هذه المسألة أن التكبير المطلق في عيد الأضحى ينتهي بغروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق.
[ ١ / ٢٥٦٠ ]
وعلى هذا يكون مطلق ومقيد من فجر يوم عرفة إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، وهذا القول هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والأيام المعدودات هي أيام التشريق؛ ولقول النبي ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (٨)، ولم يقيد، قال: «وَذِكْرٍ لِلَّهِ»، وأطلق.
فالصواب أن أيام التشريق ويوم النحر فيها مطلق، كما أن فيها مقيدًا، فصار عندنا الآن ينقسم التكبير إلى قسمين فقط: مطلق، ومطلق مقيد.
مطلق ومطلق ومقيد، مطلق ومطلق مقيد؛ يعني فيه إطلاق وتقييد، فالمطلق ليلة عيد الفطر؟
طالب: عاشر يوم عرفة.
الشيخ: وعاشر ذي الحجة إلى فجر يوم عرفة، والمطلق المقيد من فجر يوم عرفة إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق.
الطالب: المطلق والمقيد من فجر يوم عرفة، ولَّا فجر يوم النحر؟
الشيخ: لا، من فجر يوم عرفة، مطلق ومقيد.
طالب: () ﷺ () يوم عرفة () النبي ﷺ ().
الشيخ: يوم عرفة؟
الطالب: يوم النحر.
الشيخ: يوم النحر.
الطالب: فذهب إلى الجمرات فرمى جمرة العقبة، ثم ذبح بعد ثلاثة وستين بدنة، فأكمل علي ﵁ المئة ()، وأكل منها، ثم حلق النبي ﷺ، ثم ذهب إلى ..
الشيخ: عائشة فتتحلل.
الطالب: فتحلل، ثم ذهب إلى () والسعي، هل هذا يا شيخ ..؟
الشيخ: ما فيه السعي عنده.
الطالب: () الطواف ()، قيل: إن النبي ﷺ صلى الظهر ()، وقيل: إنه صلى مع أصحابه ()، هل هذا يا شيخ () أن الله ﷾ جعل للنبي ﷺ في هذا اليوم بركة في وقته حيث إنه تم () في وقت وجيز؟
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٢٥٦١ ]
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك؛ يعني النبي ﷺ مشى من مزدلفة حين أسفر جدًّا، ولا وصل إلى جمرة العقبة إلا وهو يُظلَّل من الحر، الشمس قد ارتفعت، وكان حجته في الربيع يعني قد احترَّت الشمس، الشمس حارة فرمى جمرة العقبة، وكذلك نحر ثلاثًا وستين بيده الكريمة، وأعطى عليًّا ونحر الباقي مئة؛ لأن الهدي اللي معه مئة، وأمر أن يُؤخذ من كل بدنة قطعة، وجاءت في قِدر طُبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها، ثم نحر، وتعرفون الرسول ﵊ ليس كواحد من الناس، كل الناس يجتمعون إليه، ويزدحمون حوله، ويسألونه.
ودخل إلى مكة وصلى وطاف، وشرب من زمزم، وصلَّى الظهر بمكة، وحلق أيضًا قد ذكرناه، كل هذا صحيح على الحقيقة إذا تأمله الإنسان يقول: هذه بركة من الله، ولَّا كيف يفعل الأفعال هذه كلها، في هذه المدة الوجيزة، ولكن الله ﷿ إذا بارك في عمر الإنسان أنتج من الأعمال أكثر مما يُقَدَّر، لكن في حديث في الصحيحين (٩) أنه صلى الظهر في منى، فهو من حيث الصحة أصح، لكن حديث جابر (١٠) أنه صلى الظهر في مكة، وهو أقرب من جهة أن جابرًا كان متابعًا لأفعال الرسول ﵊، ولهذا رجَّح بعضهم حديث جابر، وبعض العلماء رجح المتفق عليه، وبعض العلماء قال: لا حاجة للترجيح؛ لأن الجمع ممكن بأن نقول: صلى في مكة الظهر، وخرج إلى منى فصلى بأصحابه، وهذا هو الصحيح.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: المقيد عقب كل فريضة في الجماعة من صلاة الفجر يومَ عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يومَ النحر إلى عصر آخر أيام التشريق، وإن نسيه قضاء ما لم يحدث أو يخرج من المسجد، ولا يُسنُّ عقب صلاة العيد وصفته شفعًا: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
[ ١ / ٢٥٦٢ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن التكبير نوعان: مطلق ومقيد، فما موضع المطلق؟
طالب: المطلق في عيد الفطر مطلقًا.
الشيخ: في عيد الفطر.
الطالب: وفي عشر ذي الحجة حتى عيد الأضحى.
الشيخ: إلى الفراغ من خطبة العيد في الأضحى، وما موضع المقيد؟
طالب: المقيد من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق.
الشيخ: إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق لغير المحرِم؟
طالب: نعم، لغير المحرم.
الشيخ: وللمحرم مِن؟
طلبة: من ظهر ..
الشيخ: أي ظهر؟
الطالب: من ظهر يوم النحر.
الشيخ: من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق، متى يكون اجتماع المطلق والمقيد؟
طالب: اجتماع المطلق والمقيد من فجر يوم عرفة لغير المحرِم إلى آخر أيام التشريق المطلق والمقيد.
الشيخ: هذا المطلق والمقيد على المذهب؟
الطالب: لا، على غير المذهب.
الشيخ: نبغي على المذهب؟
الطالب: على المذهب يكون من بداية الأيام حتى على المذهب من بعد ..
الشيخ: من فجر يوم عرفة.
الطالب: إلى آخر أيام التشريق.
الشيخ: إلى آخر أيام التشريق حتى على المذهب.
طالب: حتى على المذهب من فجر يوم عرفة حتى ().
الشيخ: إلى انتهاء صلاة العيد.
الطالب: ().
الشيخ: هذا المطلق والمقيد، إذن يجتمع المطلق والمقيد من فجر يوم عرفة إلى فراغ صلاة عيد الأضحى، من صلاة عيد الأضحى المقيد فقط، من صلاة عيد الأضحى إلى عصر آخر أيام التشريق هذا مقيد فقط ليس فيه مطلق هذا هو المذهب، إذن التكبير في عيد الفطر مطلق؟
الطالب: عيد الفطر ..
الشيخ: عيد الفطر فقط؟
الطالب: مطلق.
الشيخ: مطلق، وليس بالتقييد، من صلاة عيد الأضحى إلى آخر أيام التشريق؟
طالب: من صلاة عيد الأضحى؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا مقيد.
الشيخ: مقيد وليس فيه مطلق كذا؟ اجزم؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟
طلبة: صحيح.
[ ١ / ٢٥٦٣ ]
الشيخ: صحيح مقيد، وليس فيه مطلق. مِن دخول شهر ذي الحجة إلى فجر يوم عرفة؟
طالب: مطلق.
الشيخ: مطلق، لا مقيد فيه؟
الطالب: ().
الشيخ: جازم؟ والله ما أدري؟
الطالب: لا، جازم.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟
الطلبة: ().
الشيخ: صحيح، إذن الْمُطلق الذي لا مقيد فيه عيد الفطر، وعشر ذي الحجة إلى فجر يوم عرفة، هذا مطلق لا مُقيِّد فيه، مِنْ بعد صلاة عيد الأضحى إلى آخر أيام التشريق؟
طلبة: مقيد.
الشيخ: مُقيَّد، لا مطلق فيه صح؟
طلبة: ().
الشيخ: تأكدوا، من صلاة عيد الأضحى إلى آخر أيام التشريق مُقيَّد لا مطلق فيه؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: مقيد.
الشيخ: مقيد، لا مطلق فيه؟
طلبة: نعم.
الطلبة: ().
الشيخ: مقيد، لا مطلق فيه، إحنا نتكلم على المذهب، ما بعد جينا للكلام الثاني؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: مقيد، لا مطلق فيه، متأكدون؟ من فجر يوم عرفة إلى آخر صلاة العيد يوم الأضحى؟
الطلبة: مقيد.
الشيخ: مقيد ومطلق؛ يعني يجتمع مقيد ومطلق.
مِن دخول شهر ذي الحجة إلى فجر يوم عرفة؟
طلبة: مطلق.
الشيخ: مُطلق لا ..
الطلبة: مقيد.
الشيخ: لا، مقيد فيه تمام، إذن المطلق الذي لا مقيد فيه في موضعين في ليلة عيد الفطر، وفي عشر ذي الحجة إلى فجر يوم عرفة.
المقيد الذي لا مُطلق فيه من صلاة العيد يوم الأضحى.
طلبة: إلى آخر أيام التشريق.
الشيخ: إلى آخر أيام التشريق تمام صحيح، الجامع بينهما من فجر يوم عرفة إلى انقضاء صلاة العيد يوم الأضحى، تمام.
القول الراجح في هذه المسألة أنه من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق يجتمع فيه مطلق ومقيد؛ يعني أن المطلق لا ينتهي بصلاة العيد يوم الأضحى يستمر إلى آخر أيام التشريق، وقد ذكرت لكم ذلك بدليله؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وهي أيام التشريق، وكان ابن عمر (٥) وغيره من الصحابة يُكبِّرون في مِنى حتى ترتج منى تكبيرًا، وكذلك عمر (١١) فيما أظن.
[ ١ / ٢٥٦٤ ]
فالحاصل أن القول الراجح أن المطلق يجتمع من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، يجتمع مطلق ومقيد، وحينئذٍ بناء على هذا القول الراجح لا يوجد مقيد لا مطلق معه.
الطلبة: ().
الشيخ: صحيح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لا يوجد مقيد لا مطلق معه، فإما مطلق لا مُقيد معه، وإما مقيد معه مطلق؛ يعني ما تكون الأقسام ثلاثة.
ويقول المؤلف ﵀: (والمقيَّد من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر).
لماذا فرقوا بين المحرم وغيره؟ قالوا: لأن المحرم قبل ذلك مشغول بالتلبية، والتلبية تنقطع إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد قبل صلاة الظهر فيأتي ظهر يوم العيد، وليس عليه تلبية فيُكبِّر.
قال المؤلف: (وإن نسيه قضاه ما لم يُحدِث أو يخرج من المسجد) يعني أو يطول الفصل (إن نسيه) أي نسي التكبير عقب الصلاة، والمراد (إن نسيه) أي التكبير المقيد، فالضمير هنا يعود على بعض مرجعه؛ لأن مرجعه يعود على التكبير، لكن المراد بعض التكبير، ما هو المراد؟
طلبة: المقيّد.
الشيخ: المقيّد؛ يعني إن نسي التكبير المقيد بعد الصلاة قضاه مثل: لو أنه لما سلم من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وسبَّح ناسيًا التكبير.
نقول: اقضه إلا في ثلاثة أحوال، قال: (ما لم يُحدِث أو يخرج من المسجد) أو يطُل الفصل، في هذه الأحوال الثلاثة يسقط عنه.
(ما لم يُحدِث)، فإذا أحدث لا يقضي، مثل: سلَّم، ثم أحدث بعد السلام مباشرة، ثم ذكر التكبير، نقول: لا تقضي الآن؛ لأن الحدث يمنع من بناء الصلاة بعضها على بعض، فيمنع من بناء ما كان تابعًا لها عليها.
هذا كلام المؤلف، والصحيح أنه لا يسقط بالحدث، والفرق بينه وبين الصلاة إذا أحدث في أثنائها أن الصلاة يُشترط لها الطهارة، وأما الذِّكر فلا يُشترط له الطهارة، فلنقل: اقضِه ولو أحدثت إلا إذا طال الفصل، فإذا لم يطل الفصل فاقضه.
[ ١ / ٢٥٦٥ ]
الثاني: قال: (أو يخرج من المسجد)، فإذا خرج من المسجد فإنه لا يقضيه، وعلَّلوا ذلك بأنه سُنَّة فات محلها، وهذا أيضًا فيه نظر.
والصحيح أنه إذا خرج من المسجد فإن كان بعد طول مكث فإنه يسقط لا بخروج، ولكن بطول المكث، وإن خرج سريعًا فإنه لا يسقط، يُكبِّر ولو خرج؛ لأنه إذا كانت الصلاة لو سلَّم ناسيًا وخرج من المسجد، وذكر قريبًا رجع وأتم صلاته فانبنى بعضها على بعض مع الخروج من المسجد، فهذا من باب أوْلى. إذن يكون المدار على القول الراجح في سقوط هذا التكبير المقيد، المدار على أيش؟
طلبة: طول الفصل.
الشيخ: على طول الفصل، لا، على خروجه من المسجد، ولا على حدثه، الكلام على طول الفصل، فإذا طال الفصل فحينئذٍ يسقط؛ لأنها سنة مشروعة عقب الصلاة، وقد فاتت، فتفوت.
إذن المذهب إذا نسيه قضاه إلا في حالات ثلاث، ما هي؟ إذا أحدث، إذا خرج من المسجد، إذا طال الفصل.
والصحيح أن المعتَبر طول الفصل، وأنه يقضيه ولو أحدث، ولو خرج من المسجد إلا أن يطول الفصل؛ لأنه إذا أطال الفصل تعذر بناؤه على الصلاة، أو إن شئت فقل: إذا طال الفصل لم يكن مقيدًا بالصلاة.
ثم قال: (ولا يُسن عقِب صلاة عيد) (لا يُسَنُّ) الضمير يعود على التكبير؛ أي التكبيرين؟ المقيد لأنا نتكلم عن المقيد.
(لا يُسن عقب صلاة عيد) فلو صلى العيد وقال: أريد أن أُكَبِّر، قلنا: لا تُكَبِّر، إذا سلم الإمام من صلاة عيد قام إلى الخطبة، وتفرغ الناس للاستماع والإنصات، ولا يكبرون.
ودليل هذا أنه لم يرِدْ عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يكبرون عقب صلاة العيد، وما لم يرد عن الشرع من العبادات، فالأصل فيه المنع؛ لأن العبادة لا بد من العلم بأنها مشروعة.
قال: (ولا يسن عقب صلاة عيد وصفته شِفْعًا) (صفته) الضمير يعود على التكبير (شِفعًا) الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
[ ١ / ٢٥٦٦ ]
الله أكبر مرتين والثاني مرتين، وتُختم الأولى بالإخلاص والثانية بالحمد.
وهذه المسألة -أعني صفة التكبير- فيها أقوال ثلاثة لأهل العلم؛ قول: بأنها شفع كما قال المؤلف: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وقول: بأنها وتر ثلاثة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وقول ثالث: أنها وتر في الأول، شفع في الثانية فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
والمسألة ليس فيها نص يفصل بين المتنازعين من أهل العلم، وإذا لم يكن كذلك فالأمر؟
طلبة: واسع.
الشيخ: فيه سعة؛ إن شئت فشفعًا، وإن شئت فوترًا في الأولى وشفعًا في الثانية، لكن التعليل يقولون: إنه إذا قال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ختم بوِتر، لا إله إلا الله، وكذلك لله الحمد. والذين يقولون: ثلاثًا، يقولون: يكبر ثلاثًا ليكون تكبيره وترًا بناءً على أن كل جملة منفردة عن الأخرى، فيوتر التكبير في الأولى، ثم يوتره في الثانية.
ولا يصح أن نقول: إن الوتر حصل بقوله: لا إله إلا الله، أو بقوله: ولله الحمد؛ لأن هذا من غير جنس التكبير.
صحيح أنه ذِكر، لكنه ليس تكبيرًا، فالجنس مختلف، أو شئت فقل: إن النوع مختلف، أما الذين قالوا: إنه يُكبِّر ثلاثًا في الأول واثنتين في الثانية، فقالوا: لأن التكبير جنس واحد، والجملتان بمنزلة جملة واحدة، فإذا كبَّر ثلاثًا واثنتين صارت وترًا خمسًا، فيكون الإيتار بالتكبير بناءً على أن الجملتين واحدة، هذا القول والذي قبله من حيث التعليل أقوى من تعليل قول من يقول: إنه يكبر مرتين مرتين؛ لأننا إن اعتبرنا أن كل جملة منفصلة عن الأخرى صار الإيتار في الثنتين أولى، وإن اعتبرنا أن الجملتين واحدة صار الإيتار في الأولى، والشفع في الثانية هو الذي ينقطع به التكبير على وتر.
[ ١ / ٢٥٦٧ ]
لكن على كل حال الأمر فيه واسع، عندي في الشرح قال: ولا بأس بقوله لغيره: تقبل الله منا ومنك كالجواب.
يعني في العيد لا بأس أن يقول لغيره: تقبل الله منا ومنك، أو: عيد مبارك، أو: تقبل الله صيامك وقيامك، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا ورد من فعل بعض الصحابة ﵃، وليس فيه محظور.
وكذلك يقول: لا بأس بالتعريف عشية عرفة في الأمصار؛ لأنه ذِكْر ودُعاء، وأول مَن فعله ابن عباس وعمرو بن حريث.
التعريف عشية عرفة بالأمصار أنهم يجتمعون في آخر النهار في المساجد على الذكر والدعاء تشبهًا بأهل عرفة، والصحيح أن هذا فيه بأس، وأنه من البدع.
وهذا إن صح عن ابن عباس فلعله على نطاق ضيق، لعله مع أهله وهو صائم في ذلك اليوم، ودعاء الصائم حريٌّ بالإجابة، فلعله جمع أهله ودعا عند غروب الشمس، وأما أن يُفعل في المساجد ويُظهر ويُعلن، فلا شك أن هذا من البدع؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لفعله الصحابة ولكان هذا مما تتوافر الدواعي على نقله، فالصحيح أنه بدعة، وليس مما لا بأس به، والعبادة ينبغي أن نقول: العبادة لا يصح أن يقال فيها: لا بأس بها؛ لأنها إما سُنَّة فتكون مطلوبة، وإما بدعة فيكون فيها بأس، أما أن تكون عبادة لا بأس بها، فهذه محل نظر.
ثم قال المؤلف: (باب صلاة الكسوف) العلماء يعبرون بـ (كتاب)، وبـ (باب)، وبـ (فصل)، ولكل واحد منها اصطلاح، فإذا كان الكلام جنسًا واحدًا عبروا بأيش بكتاب، وإذا كان نوعًا من جنس عبروا بباب، وإذا كان كانت مسائل من باب واحد عبروا بفصل.
إذا كان الموضوع الطهارة والصلاة، ويش يُعبَّر؟
طلبة: كتاب الطهارة ..
الشيخ: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الحج؛ لأن كل واحد من جنس، إذا كان الموضوع باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب الحيض، باب إزالة النجاسة، فهذا يُعبَّر عنه بباب؛ إذ إن الجنس واحد، وهو الطهارة، كلها تتعلق بالطهارة، والنوع؟
طلبة: مختلف.
[ ١ / ٢٥٦٨ ]
الشيخ: النوع مختلف؛ لأن هذا وضوء، وهذا غسل، وهذا حيض، وهذا نجاسة، وإذا كان الموضوع واحدًا، وأعني بالموضوع النوع، نوع الموضوع واحد، لكنه مسائل، مثلًا لنفرض هذا في الوضوء، يُذكر أولًا موجباته، ثم ثانيًا صفة الغسل، فما الذي يكون؟ فصل، فتذكر أولًا موجبات الغسل، ثم قال: فصل وصفة الغسل، فصل والأغسال المستحبة، عرفتم؟
هذا هو المعروف من اصطلاح العلماء، الآن هنا قال: (باب صلاة الكسوف)، ولم يقل: كتاب وصلاة الكسوف، لماذا؟
الطلبة: لأنه نوع من الصلوات.
الشيخ: لأن هذا نوع من الصلوات، الصلاة جنس، وهذا نوع.
وقوله: (صلاة الكسوف) من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي باب الصلاة التي سببها الكسوف، والكسوف والخسوف بمعنى واحد، يقال: كسفت الشمس وخسفت، وكسف القمر وخسف، وقال بعضهم: الخسوف للقمر، والكسوف للشمس، ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان فقيل: كسوف وخسوف، أما إذا انفردت كل واحدة عن الأخرى فهما بمعنى واحد، ولهذا نظائر في اللغة العربية.
الكسوف: انحجاب ضوء الشمس، أو انحجاب ضوء القمر.
والفقهاء -﵏- يعبرون عن ذلك بقولهم: ذهاب ضوء أحد النيرين أو بعضه، ذهاب الضوء كله أو بعضه، والحقيقة أنه لا يذهب، وإنما ينحجب؛ ولهذا نقول: التعبير الدقيق للكسوف: انحجاب ضوء أحد النيِّرين؛ يعني الشمس أو القمر بسبب غير معتاد، فسبب كسوف الشمس أن القمر يحول بينها وبين الأرض فيحجبها عن الأرض، إما كلها أو بعضها، لكن لا يمكن أن يحجب القمر الشمس عن جميع الأرض؛ لأنه؟
طلبة: أصغر.
الشيخ: أصغر منها حتى لو كشفها عن بقعة على قدر مساحة القمر لم يحجبها عن البقعة الأخرى؛ لأن هي أرفع منه بكثير؛ ولذلك لا يمكن أن يكون الكسوف كليًّا في الشمس في جميع أقطار الدنيا أبدًا، إنما يكون في موضع معين، مساحته بقدر مساحة القمر.
[ ١ / ٢٥٦٩ ]
وإذا قلنا بهذا القول المُحَقَّق المتيقَّن: إن سبب كسوف الشمس هو حيلولة القمر بينها وبين الأرض تبين أنه لا يمكن الكسوف في اليوم السابع أو الثامن أو التاسع أو العاشر، لماذا؟ لبُعد القمر عن الشمس، الشمس بعيد عنها في هذه الأيام، إنما يَقرب منها متى؟
طلبة: خمسة عشر.
الشيخ: يا إخوان، خمسة عشر أعوذ بالله يقرب من الشمس الخامس عشر، أبعد ما يكون عن الشمس في الخامس عشر.
طلبة: في أول الشهر وآخر الشهر.
الشيخ: في آخر الشهر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا يمكن أن تكسف الشمس إلا في التاسع والعشرين أو الثلاثين أو آخر الثامن والعشرين.
لأنه هو الذي يمكن أن يكون القمر قريبًا من الشمس فيحول بينها وبين الأرض، انتبهوا لهذا، كذلك القمر سبب كسوفه حيلولة الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس كالمرآة أمام القنديل، المرآة أمام القنديل يكون فيها إضاءة نور، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إي نعم، لكن لو أطفأت القنديل أصبحت ظلمة، ولهذا سمى الله القمر نورًا؛ فقال جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]، وعلى هذا التقدير الواقع، لا يمكن أن يكسف القمر في الليلة العاشرة، أو الثامنة، أو التاسعة، أو الحادية عشرة، أو السابعة عشرة، أو العشرين، أو السبعة والعشرين، أو الخمسة وعشرين، لا يمكن أن يكسف إلا في ليالي الإبدار؛ يعني الرابعة عشرة، الخامسة عشرة؛ لأنها هي الليالي التي يمكن أن تحول الأرض بينه وبين؟
طلبة: الشمس.
[ ١ / ٢٥٧٠ ]
الشيخ: الشمس صح؛ لأنه في جهة والشمس في جهة، هو بجهة الشرق، والشمس في جهة الغرب فيمكن أن تحول الأرض بينهما، وحينئذٍ ينكسف القمر ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، الشمس منيرة مبصرة بنفسها وآية الليل القمر ممحو ليس فيه نور.
إذن هذا هو سبب كسوف الشمس والقمر، وبه نعرف أنه لا يصح التعبير بقولنا: ذهاب ضوئهما.
يمكن أن يصح التعبير في هذا بالنسبة للقمر؛ لأنه إذا حالت الأرض بينه وبين الشمس وهو أصله جرم مظلم، انمحى النور الذي فيه، فهذا يصح أن نقول: ذهاب؛ لأنه -في الحقيقة- جُرم مظلم في الأصل، ويمكن أن نوجِّه كلام الفقهاء -﵏- بأنه ذَهاب ضوء أحد النيرين باعتبار الرؤية؛ أي رؤية الناس؛ لأن الناس لا يرون الحاجز بين جرم الشمس أو جرم القمر وهم في الأرض بخلاف ما لو انحجب ضوؤهما بغمام أو سحاب وهو معروف.
هذا السبب الذي قلت هو السبب الحسي، لكن هناك سبب شرعي لا يُعلم إلا عن طريق الوحي، ويجهله جميع الفلكيين، ومن صار على منهاجهم، والسبب الشرعي هو تخويف الله عباده، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِأَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ؛ وَإِنَّمَا يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ» (١٢).
[ ١ / ٢٥٧١ ]
ولهذا أُمرنا بالصلاة -كما سيأتي إن شاء الله- والدعاء، والذكر، وغير ذلك، هذا السبب الشرعي هو الذي يفيد العباد ليرجعوا إلى الله، أما السبب الحسي فهو ليس ذا فائدة كبيرة، ولهذا لم يبينه النبي ﷺ، ولو كان فيه فائدة كبيرة للناس لبينه عن طريق الوحي؛ لأن الله يعلم -﷾- سبب الكسوف الحسي، ولكن لا حاجة لنا به، ومثل هذه الأمور الحسية يَكل الله فيها الأمر إلى الناس، وإلى تجاربهم حتى يدركوا ما أودع الله في هذا الكون من الآيات الباهرة بأنفسهم، أما الأسباب الشرعية أو الأمور الشرعية التي لا يمكن أن تدركها العقول ولا الحواس، فهذه هي التي يبينها الله للعباد فحينئذٍ نقول: إن الرسول ﷺ بين للعباد أيش السبب الشرعي؛ لأنه هو الذي فيه الفائدة، أما السبب الحسي فالفائدة فيه قليلة؛ ولهذا لم تبين.
فإن قال قائل: كيف يمكن أن يجتمع السبب الحسي والشرعي، ويكون الحسي معلومًا معروفًا للناس قبل أن يقع، والشرعي معلوم بطريق الوحي، فكيف يمكن أن نجمع بينهما؟
نقول: أصلًا لا تنافي بينهما؛ لأن حتى الأمور العظيمة كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يُحس الناس بضررها، وأنها عقوبة لها أسباب طبيعية، أليس كذلك؟ لها أسباب طبيعية يُقدِّر الله هذه الأسباب الطبيعية حتى تكون المسببات، وتكون الحكمة من ذلك هو تخويف العباد؛ فالزلازل لها أسباب، الصواعق لها أسباب، البراكين لها أسباب، العواصف لها أسباب، كلها لها أسباب، لكن يُقدِّر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١].
[ ١ / ٢٥٧٢ ]
ولكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس أصحاب ظواهر لا يعتبرون إلا بالشيء الظاهر؛ ولهذا تجد الكسوف والخسوف لَمَّا علم الناس أسبابهما الحسية ضعف أمرهما في قلوب الناس، ضعف حتى كأنه صار أمرًا عاديًّا.
ونحن نذكر قبل أن نعلم بهذه الأمور أنه إذا حصل الكسوف رُعِبَ الناس رعبًا شديدًا، وصاروا يبكون بكاءً شديدًا، ويذهبون إلى المساجد وكأنهم مذعورون كما وقع ذلك للنبي ﵊ لما كسفت الشمس في عهده لأول مرة في عهده، وكان ذلك بعدما افتتحت مقدار رمح من الجو بعد طلوعها بمقدار رمح أظلمت الدنيا ففزع الناس، وفزع النبي ﵊ فزعًا عظيمًا حتى إنه أُدرِكَ بردائه؛ يعني من شدة فزعه قام بالإزار قاصدًا المسجد حتى تبعوه بالرداء فارتدى به، وجعلَ يجره؛ يعني ما استقر ليوازن الرداء من شدة فزعه، وأمر أن يُنادَى (الصلاة جامعة) من أجل أن يجتمع الناس كلهم فاجتمعت الأمة من رجال ونساء، وصلى بهم النبي ﵊ صلاةً لا نظير لها؛ لأنها لآية لا نظير لها، الكسوف سبب لا نظير له، ليس معتادًا، فصلى له صلاةً غير معتادة، آية شرعية لآية أيش؟
طلبة: كونية.
الشيخ: كونية، أطال فيها إطالة عظيمة، حتى إن بعض الصحابة مع نشاطهم وقوتهم ورغبتهم في الخير كانوا يسقطون غشية؛ من طول ما قام ﵊، وركع ركوعًا طويلًا وكذلك السجود.
المهم أنها صلاة عظيمة والناس يبكون، يفزعون إلى الله، والنبي ﵊ عُرضت عليه الجنة والنار في هذا المقام، يقول: فلم أرَ يومًا قطُّ أفظع من هذا اليوم (١٣)، عرضت النار حتى صارت إلى قربه حتى إنه تنحى عنها رجع القهقرة خوفًا من لفحها، سبحان الله! فالأمر عظيم، أمر الكسوف ليس بالأمر الهين كما يتصوره الناس اليوم، وكما يصوره أعداء المسلمين حتى تبقى قلوب المسلمين كالحجارة أو أشد قسوة، والعياذ بالله.
[ ١ / ٢٥٧٣ ]
يَكسف القمر أو الشمس والناس في دنياهم، الأغاني تُسمع، وكل شيء على ما هو عليه، لا تجد إلا الشباب المقبل على دين الله الآن أو بعض الشيوخ والعجائز، وإلا فالناس سادرون لاهون، ولهذا لا يتعظ الناس بهذا الكسوف، لا في الشمس، ولا في القمر مع أنه أمر هام، ويجب الاهتمام به.
وهل من الأفضل أن يُخبر الناس به قبل أن يقع، أو أن يأتي بغتة؟
لا شك أن إتيانه بغتة أشد وقعًا في النفوس، أشد وقعًا بلا شك، ولكن إذا تحدث الناس عنه قبل وقوعه وتروَّدت النفوس له، واستعدت له صار كأنه أمر طبيعي كأنه صلاة عيد يجتمع الناس إليها، ولهذا لا تجد في هذه المسألة لا تجد الإخبار بها بوقوع الكسوف لا تجد فيه فائدة إطلاقًا، هو إلى المضرة أقرب منه إلى الفائدة.
يقول بعض الناس: ألا نخبر الناس ليستعدوا لهذا الشيء؟
نقول: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا، لا نستعد لأمر يخوفنا الله به، بل إذا وقع ورأيناه بأعيننا، فحينئذٍ نصلي، نفعل ما أُمرنا به، أما أن نقول: سيقع.
وأظن قبل كم سنة قالوا: إن الشمس سيكون فيها كسوف جزئي عند منتصف النهار، جزئي لا يؤثر في ضوئها، فصار الناس يتشوفون لهذا الكسوف، يلبسون ملايات السود لأجل يشوفون الشمس واللي يضع ماء، ويضعه في مكان ليس فيه هواء لئلا يترجرج علشان يدركون أنها كَسفت لماذا؟ لماذا تفعل هذا؟
احمد ربك على العافية أن الله لم يبينه، قد يبين في أرض غير أرضك، أنت إذا لم يظهر أثر الكسوف على ضوء الشمس، وإن قال الفلكيون: إنها ستكسف لا تصلي؛ لأن الرسول قال: «إِذَا رَأَيْتُم ذَلِكَ فَصَلُّوا» (١٤) إذا رأيتم الرؤية العادية المعتادة، أما إذا من الله علينا بأن صار لا يُرى في بلدنا إلا بمكبر أو لباس نظارات، أو صحون ماء، فالحمد لله على العافية، لا تحرص عليها.
نعم، أظن ما يمكن أن نأخذ؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، عمومات، ما فيه إلا عمومات فقط.
طالب: المقيد.
[ ١ / ٢٥٧٤ ]
الشيخ: المقيد فيه آثار عن بعض الصحابة فقط.
طالب: ما الدليل يا شيخ على أن القمر ().
الشيخ: الآية اللي ذكرنا.
الطالب: ما فيها صراح، ما فيها ..
الشيخ: ما هي بصريحة، لكن فيها إشارة، ثم إن الواقع الآن هو هذا، ولهذا عندما تقابله الشمس يضيء كله، فإذا كانت إلى جانبه تكون مقابلة أقل، كلما دنت الشمس منه صارت المقابلة أقل فيكون النور أقل
طالب: () يخالف ().
الشيخ: لا، ما يخالف، هذا ما يخالف.
طالب: التكبير المطلق والمقيد () استدلال على أن التكبير المطلق في ليلة الفطر الآية: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وفي الفطر ..
الشيخ: في الأضحى.
الطالب: في الأضحى فعل الصحابة فيقال: إنها آكد من وجه وآكد من وجه.
الشيخ: نعم.
الطالب: فكيف نؤكد من وجه فعل الصحابة ()؟
الشيخ: إي، لا، ما هو علشان هذا، إحنا قلنا: إن تكبير الأضحى آكد من وجه، بل أظن ذكرنا وجهين، مَن يعرفهما؟
طالب: أن الله ﷾ ذكر في الآية: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
الشيخ: لا، هذه الفطر.
الطالب: ().
الشيخ: ولأنه بالإجماع، التكبير في الفطر مختلف فيه، وهذا بالإجماع التكبير في الأضحى فيه مُقيَّد مما يدل على تأكده، وهذه الفطر ليس فيه مقيد.
***
تحرى الـ () الإمام فيقف، يبقى واقفًا حتى يأتي الإمام، وهذا من أجل أن يحرِم نفسَه أجْر الصلاة، صح ولَّا لا؟
طلبة: ().
الشيخ: هذا هو العاقل، في العاقل، سواء أراده ولَّا ما أراده، والذي ينبغي للإنسان إذا دخل المسجد أن يشرع في صلاة الركعتين، فإن جاء الإمام وهو في الركعة الأولى قطعه، وإن جاء الإمام وهو في الركعة الثانية يعني إن أُقيمت الصلاة وهو في الركعة الثانية أتمها خفيفة، وهو إذا قطعها من أجل الفريضة حصَّل أجرها ودخل مع الإمام و().
[ ١ / ٢٥٧٥ ]
طالب: قصدهم إن اللي () قدموه في الصفوف الأمامية لكان يتسنن يخشى أنه يقطع هذه الصفوف () الأفضل ..
الشيخ: لا، الأفضل أنه يسنن.
***
[باب صلاة الكسوف]
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال رحمه الله تعالى:
باب صلاة الكسوف
تُسن جماعةً وفرادى، إذا كسف أحد النيرين ركعتين، يقرأ في الأولى جهرًا بعد الفاتحة سورة طويلة، ثم يركع طويلًا، ثم يرفع ويسمع، ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل وهو دون الأول، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يصلي الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفعل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول المؤلف ﵀: (باب صلاة الكسوف) وقد سبق لنا معنى الكسوف، وأسبابه وذكرنا أن للكسوف سببين؟
الطالب: () السبب الشرعي فهو أنها آيتان يخوف الله بهما عبادة.
الشيخ: السبب الشرعي تخويف، العباد والكوني؟
الطالب: ما يذكره علماء الفلك بأن الكسوف كسوف الشمس، وهو أن يَحول القمر بين الأرض والشمس ()، وأما كسوف القمر أو خسوف القمر.
الشيخ: ما يخالف كل () لغتان.
الطالب: كسوف القمر أن تأتي الأرض بين القمر والشمس.
الشيخ: تحول الأرض بين القمر والشمس، هذا السبب الكوني يعلمه الناس، علمه الناس بالتجارب والمعرفة، أما السبب الشرعي، فمن أين أتانا؟
الطالب: ().
الشيخ: منين؟ من الوحي.
طالب: ().
الشيخ: لكن قال: «إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا».
الطالب: ().
الشيخ: «لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلِكَنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ» (١٢).
[ ١ / ٢٥٧٦ ]
صلاة الكسوف مشروعة بالسنة والإجماع، وقال بعض العلماء: مشروعة بالكتاب أيضًا؛ أي بالقرآن العزيز واستنبطها من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقال: إن الناس لا يسجدون للشمس ولا للقمر، وهما على مجراهما الطبيعي العادي، وإنما يسجدون لهما إذا حصل منهما هذا الكسوف خوفًا منهما، فبيَّن الله عز جل، بل أمر أن يكون السجود لله ﷿، وهذا الاستنباط وإن كان فيه شيء يعني من الوجه، لكن لولا ثبوت السنة لم نعتمد على هذا، لكن السنة ثبتت بها وأجمع المسلمون على مشروعيتها.
يقول المؤلف: (تُسن جماعة وفرادى) أفادنا المؤلف -﵀- بقوله: (تسن) أن صلاة الكسوف سنة ليست فرض عين، ولا فرض كفاية، بل هي سنة، وأن الناس لو تركوها لم يأثموا؛ لأن السنة عند الفقهاء هي ما أُثيب فاعله، ولم يُعاقَب تاركه.
وقد جزم المؤلف -﵀- بهذا، وهو المشهور عند العلماء أنها سُنَّة وليست بواجبة.
وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلوُّا» (١٤).
[ ١ / ٢٥٧٧ ]
قال ابن القيم في كتاب الصلاة وهو قول قوي، القول بالوجوب قول قوي، وصدق ﵀؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، وخرج فزعًا وقال: «إِنَّهَا تَخْوِيفٌ»، وخطب خطبة عظيمة، وعُرضت عليه الجنة والنار، وكل هذه القرائن العظيمة تُشعر بوجوبها؛ لأنها قرائن عظيمة، ولو قلنا: إنها ليست بواجبة، وأن الناس مع وجود الكسوف، ومع حصوله إذا تركوها مع هذا الأمر من النبي ﵊ والتأكيد فلا إثم عليهم لكان في هذا شيء من النظر كيف تكون تخويفًا، ثم لا نبالي وكأنه أمر عادي؟ أين الخوف؟ التخويف يستدعي خوفًا، والخوف يستدعي امتثالًا لأمر النبي ﵊؛ ولهذا قال ابن القيم: إن القول بالوجوب قول قوي.
أما الذين قالوا: إنها سنة فاستدلوا بالحديث المشهور في قصة الذي جاء يسأل عن الإسلام، وذكر له النبي ﷺ الصلوات الخمس، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (١٥). وبأن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن في آخر حياته في السنة العاشرة، وقال: «أَخْبِرْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» (١٦)، ولم يذكر سواها، قالوا: فهذا الحديث، بل هذان الحديثان وأمثالهما يدلان على أن الأمر بالصلاة في الكسوف؟
طالب: سُنَّة.
الشيخ: للاستحباب، وليس للوجوب، ولكن الذين قالوا بالوجوب، قالوا: إن النبي ﷺ ذكر الصلوات الخمس؛ لأنها اليومية التي تتكرر في كل زمان وفي كل مكان، أما صلاة الكسوف وتحية المسجد -على القول بالوجوب- وما أشبه ذلك فإنها تجب بأسبابها، وما وجب بسبب فإنه ليس كالواجب المطلق، قالوا: ولهذا لو نذر الإنسان أن يصلي ركعتين لوجب عليه أن يصلي مع أنها ليست من الصلوات الخمس، لكن وجبت بنذره بسبب، فما وجب بسبب ليس كالذي يجب مطلقًا، وهذا القول قوي جدًّا.
[ ١ / ٢٥٧٨ ]
ولا أرى أن الناس يرون الكسوف في الشمس أو القمر، ثم لا يبالون به، كل في تجارته، كل في لهوه، كل في مزرعته، لا يهتمون به، هذا شيء يُخشى أن تنزل العقوبة التي أنذرنا الله إياها بهذا الكسوف، فالقول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب.
ثم قال المؤلف ﵀: (جماعة وفرادى)
يعني تُسن جماعة وتُسن فرادى؛ أي أن الجماعة ليست شرطًا لها، بل يُسن للناس في البيوت أن يصلوها، ودليل ذلك عموم قول النبي ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا» (١٤)، فهذا عام، ولم يقل النبي ﵊ (فصلوا في مساجدكم) مثلًا، فدل ذلك على أن يُؤمر بها حتى الفرد، ولكن لا شك أن اجتماع الناس أوْلى، بل الأفضل أن يصلوها في الجوامع؛ لأن النبي ﷺ صلاها في مسجد واحد، ودعا الناس إليها؛ ولأن الكثرة في الغالب تكون أدعى للخشوع وحضور القلب؛ ولأنها أيضًا -الكثرة- أقرب إلى إجابة الدعاء، إذا دعا الناس في هذه الحال فهو أقرب إلى إجابة دعائهم، فهي تسن في المساجد وفي البيوت، لكن الأفضل في المساجد وفي الجوامع أفضل.
قال: (إذا كَسف أحد النَّيِّرين) (إذا) هذه ظرف متعلقة بتُسن؛ يعني تُسن إذا كسف أحد النيرين، أحد النيرين هما الشمس والقمر، فإذا كسف أحدهما تُسن هذه الصلاة، وإذا كسفا جميعًا؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن، لكن لا يكسف إلا أحدهما.
يقول: (ركعتين) تسن إذا كسف أحد النيرين ركعتين هذه حال، وإن كانت اسمًا جامدًا، لكنها مؤولة بالمشتق؛ يعني تُسن حال كونها ركعتين.
(يقرأ في الأولى جهرًا بعد الفاتحة سورة طويلة، ثم يركع طويلًا، ثم يرفع ويُسمِّع ويُحمِّد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيُطيل الركوع وهو دون الأول، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يصلي الثانية كالأولى) إلى آخره.
بيَّن المؤلف -﵀- في هذه الجمل صفة صلاة الكسوف، فقال: إنها (ركعتين).
[ ١ / ٢٥٧٩ ]
إنها ركعتان، يقول يصليها ركعتين بلا زيادة، لكن هاتين الركعتين كل واحد فيها ركوعان.
يقول: (يقرأ في الأولى جهرًا)، وأطلق قوله (جهرًا)، ولم يقل في الليل، فدل هذا على أن السنة في صلاة الكسوف الجهر، سواء في الليل أو في النهار وهو كذلك، وهي مبنية على القاعدة التي سبقت لنا أن الصلاة الجهرية في النهار إنما تكون فيما يجتمع الناس عليه.
يقول: (يقرأ بعد الفاتحة سورة طويلة)، ولم يعين؛ يعني لم يعين سورة البقرة، أو آل عمران، أو النساء، المهم أن تكون سورة طويلة، ولكن الذي جاء في الأحاديث: أنها طويلة طويلة طويلة؛ يعني يختار أطول ما يكون، وقد سمعتم في الدرس الماضي أن بعض الصحابة كان يسقط مغشيًّا عليه من طول القيام.
يقول: (ثم يركع) ركوعًا طويلًا من غير تقدير، المهم أن يكون طويلًا.
بعض العلماء قال: يكون بقدر نصف قراءته؛ يعني الركوع يكون نصف القيام، ولكن الصحيح أنه بدون تقدير، المهم أن يُطيل بقدر الإمكان.
فإن قال قائل: طول القيام فَهمنا ما يَفعل فيه، وهو القراءة، لكن إذا أطال الركوع ماذا يصنع؟ نقول: يسبح، يكرر التسبيح: سبحان ربي العظيم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزِنة عرشه، ومِداد كلماته؛ لعموم قول النبي ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» (١٧). فكل ما حصل من تعظيم في الركوع فهذا هو المشروع.
يقول: (ثم يركع طويلًا، ثم يرفع) رأسه يعني من الركوع، (ويُسمِّع) يعني يقول: سمع الله لمن حمده، (ويُحمِّد) يعني يقول: ربنا ولك الحمد بعد أن يعتدل كسائر الصلوات، (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى)، ومن هنا جاءت الغرابة في هذه الصلاة؛ لأن غيرها من الصلوات لا تُقرأ الفاتحة بعد الركوع، بل الذي بعد الركوع هو السجود.
[ ١ / ٢٥٨٠ ]
أما هذه فيَقرأ الفاتحة وسورة طويلة، لكنها دون الأولى بكثير أو بقليل، جاء في الحديث: «دُونَ الْأُولَى» (١٨)، فينظر بهذا الدون، والظاهر أنه ليس دونها بكثير؛ لأنه ستأتينا الركعة الثانية أيضًا دون الأولى، فهو ليس دونها بكثير، لكنه دون يتميز به القيام الأول عن القيام الثاني.
(ثم يركع فيُطيل وهو دون الأول) ونقول هنا في (دون الأول) كما قلنا في القراءة، (ثم يرفع) إذا رفع ماذا يقول؟ يُسمِّع ويُحمِّد ثم يسجد.
وظاهر كلام المؤلف أنه في هذا الرفع لا يطيل القيام في الرفع الذي يليه السجود لا يطيل القيام، بل تكون كالصلاة العادية، ولكن هذا الظاهر فيه نظر، والصحيح أنه يطيل هذا القيام بحيث يكون قريبًا من الركوع؛ لأن هذه عادة النبي ﷺ في صلاته، قال البراء بن عازب ﵁: رمقتُ صلاة النبي ﷺ فرأيتُ قيامَه وقعودَه وركوعَه وسجودَه قريبًا من السواء. (١٩)
والمراد بقيامه هنا قيامه بعد الركوع؛ لأن قيام القراءة أطول بكثير من الركوع، فالصحيح في هذه المسألة أنه يطيل القيام بعد الركوع، ويش مدته؟
طلبة: ().
الشيخ: لا، يعني قريبًا من الركوع لأجل أن تكون الصلاة متناسبة.
(ثم يسجد سجدتين طويلتين) بقدر الركوع، وظاهر كلامه أنه لا يطيل الجلوس بينهما؛ لأنه لو أراد القول بطول الجلوس بينهما لنبَّه عليه، فكونه يقول: (يسجد سجدتين)، ويسكت عن الجلوس بينهما كأنه يقول: والجلوس بينهما معروف أنه جلوس لا إطالة فيه. والصواب أنه يطيل الجلوس بقدر السجود.
يقول: (ثم يصلي الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يفرض) من القراءة والركوع والقيام بعده والسجود، الثانية تكون دون الأولى، ولكن هل معناه أن القيام في الثانية كالقيام الثاني في الأولى، والقيام الثاني في الثانية دون ذلك؟ أو معناه أن كل ركعة وركوع دون الذي قبله؟
الطلبة: الثانية.
[ ١ / ٢٥٨١ ]
الشيخ: يقول صاحب الفروع: إن السنة ليس فيها ما يدل لهذا ولا لهذا. وأظن أنكم فهمتم الفرق بينهما ولَّا لا؟ الفرق بينهما معروف؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يعني مثلًا هل قيامه في الثانية، القيام الأول في الثانية هل يساوي القيام الثاني في الأولى؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، هذا الذي نقول الآن، لكن ليس هناك دليل واضح في هذه المسألة فيَحتمل أن القيام الأول في الثانية كالقيام الثاني في الأولى، وهو إذا جعل القيام الثاني في الثانية دون القيام الأول صارت الركعة الثانية دون الأولى، لكن ليظهر -والله أعلم- أن كل قيام وركوع وسجود دون الذي قبله، ونضرب بهذا مثلًا: قرأ في القيام الأول من الأولى مئة آية، في الثاني ثمانين آية، القيام الأول من الركعة الثانية هل يقرأ ثمانين آية، وفي القيام الثاني مثلًا ستين آية، أو يقرأ في القيام الأول في الركعة الثانية ستين آية، وفي القيام الثاني أربعين آية؟
هذا هو محل التردد والاحتمال، والذي يظهر الثاني؛ أي أنه يجعل قراءته في القيام الأول من الركعة الثانية دون قراءته في القيام الثاني من الركعة الأولى لتكون الصلاة بالتنزل، كل ركعة دون التي قبلها، وفي هذا من الحكمة مراعاة حال المصلي، كيف؟
لأن المصلي أول ما يدخل في الصلاة يكون عنده نشاط وقوة، ثم مع الاستمرار يَضعف، فلهذا رُوعيت حاله، كان القيام الأول أطول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع.
يقول: (ثم يصلي الثانية كالأولى، لكن دونها في كل ما يُفعل، ثم يتشهد ويُسلِّم) يتشهد ويسلم كغيرها من الصلوات، وبهذا انتهت هذه الصلاة، وهذه الصفة اتفق عليها البخاري ومسلم (٢٠) أي أنه يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، صح ذلك عن عائشة وغيرها عن النبي ﷺ، ولكن تكون الصلاة طويلة.
ثم قال المؤلف: (فإن تجلَّى)، وظاهر كلامه أنه لا يُشرع لها خطبة؛ لأنه لم يذكرها وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يُشرع لها خطبة.
[ ١ / ٢٥٨٢ ]
وقال بعض العلماء: بل يُشرع بعدها خُطبتان كالاستسقاء؛ لأنها صلاة رهبة فَشُرِعَ لها خطبتان كالاستسقاء، ولكن هذا قياس غير صحيح لو قاسوها على العيدين في الخطبتين، لكنه لا يصح قياسها على العيدين؛ لأن صلاة العيدين صلاة فرح وسرور، الاستسقاء ليس فيه إلا خطبة واحدة إلا على قول بعض العلماء الذي عمم أنها كصلاة العيد، وسيأتي إن شاء الله.
وقال بعض العلماء: بل يُسن لها خطبة واحدة، وهذا مذهب الشافعي، وهو الصحيح أنه يسن لها الخطبة؛ وذلك لأن النبي ﷺ لما انتهى من صلاة الكسوف قام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ» (٢١)، ثم وعظ الناس، وهذه الصفات صفات الخطبة.
وقولهم: إن هذه موعظة؛ لأنها عارضة نقول: نعم، لو وقع الكسوف في عهد النبي ﷺ مرة أخرى ولم يخطب لقلنا: إنها ليست بسُنَّة، لكنه لم يقع إلا مرة واحدة.
وجاء بعدها هذه الخطبة العظيمة التي خطبها وهو قائم، وحمد الله وأثنى عليه، وقال: «أَمَّا بَعْدُ»، ثم إن هذه المناسبة للخطبة مناسبة قوية من أجل تذكير الناس، وترقيق قلوبهم وتنبيههم على هذا الحدث الجلل العظيم.
فالصواب ما ذهب إليه الشافعي -﵀- أنه يُسن لها خطبة واحدة لا خطبتان.
قال: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة) (فيها) الضمير يعود على؟
طلبة: الصلاة.
الشيخ: الصلاة، (إن تجلى الكسوف) يعني كسوف الشمس أو القمر؛ لأنا ذكرنا في الدرس الماضي أن الكسوف عند الإطلاق يشمل الشمس والقمر، أما إذا اقترنا فالكسوف للشمس والخسوف للقمر. إن تجلى أتمها خفيفة، ولكن كيف يعلم أنه تجلى؟
يعلم بالرؤية إن كان في النهار فالأمر واضح، وإن كان في الليل فكذلك، ولكن إذا كان تحت السقف، فكيف يعلم؟
طلبة: يُخبر.
الشيخ: إي نعم، يمكن يُخبَر. على كل حال إذا علم بأن الكسوف تجلَّى أتمها خفيفة، وظاهر كلامه حتى لو كانت خفة الركعة الثانية بالنسبة للأولى بعيدة جدًّا.
[ ١ / ٢٥٨٣ ]
يعني مثلًا الركعة الأولى استغرقت نصف ساعة، الثانية إذا أتمها خفيفة تستغرق كام؟ خمس دقائق، فظاهر كلامه أن الأمر يكون كذلك، وحينئذٍ تكون الصلاة وكأنها جذماء مقطوعة بعض الأعضاء، لكن حجتهم في هذا يقولون: لأن السبب الذي شُرعت له الصلاة قد زاد فيقتصر عليه، وقالوا أيضًا: لأن النبي ﵊ قال: «صَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» (٢٢).
«حَتَّى يَنْكَشِفَ» وحتى للغاية، وهذا الحديث كما يمنع ابتداء الصلاة مرة أخرى يمنع أيضًا الاستمرار فيها واستدامتها ..
وإن غابَت الشمسُ كاسفةً أو طَلَعَتْ والقمرُ خاسفٌ أو كانت آيةً غيرَ الزلزلةِ لم يُصَلِّ. وإن أتى في ركعةٍ بثلاثِ ركوعاتٍ أو أربعٍ أو خَمْسٍ جازَ.