[ ١ / ٣٥٠٥ ]
يُسَنُّ صِيامُ أَيَّامِ البِيضِ، والاثنينِ والخميسِ، وسِتٍّ من شَوَّالٍ، وشهرِ الْمُحَرَّمِ- وآكَدُه العاشرُ ثم التاسعُ - وتِسعِ ذي الْحِجَّةِ، ويومِ عَرَفَةَ لغيرِ حاجٍّ بها، وأَفْضَلُه صَوْمُ يومٍ وفِطْرُ يَومٍ، ويُكْرَهُ إفرادُ رَجَبٍ والجمُعَةِ والسبْتِ والشكِّ، ويَحْرُمُ صومُ العِيدينِ ولو في فَرْضٍ، وصيامُ أيَّامِ التشريقِ إلا عَن دَمِ مُتعةٍ وقِراٍن، ومَن دَخَلَ في فَرْضٍ مُوَسَّعٍ حَرُمَ قَطْعُه،
في ذِمَّتِهِ، والدَّينُ يُقضَى كدَينِ الآدميِّ.
وإنْ كان فريضةً بأصل الشرع؟
طالب: لا تُقضى.
الشيخ: هل تُقضى؟
طلبة: () لا.
الشيخ: لا تُقضى؛ لأن ذلك لم يَرِدْ، وعلى هذا فالحجُّ يُقضى فرضًا كان أو نَذْرًا قولًا واحدًا، والصومُ يُقضى إنْ كان نَذْرًا، وإنْ كان فرضًا بأصل الشرع ففيه خلافٌ، والصلاةُ لا تُقضى قولًا واحدًا إذا كانتْ واجبةً بأصل الشرع، وإنْ كانتْ واجبةً بنذرٍ فإنها تُقضى على ما قال المؤلف، وفَهِمتم دليلها.
بَقِي الاعتكاف، الاعتكافُ لا يُمْكن أنْ يكون واجبًا بأصل الشرع، وإنما يجب بالنذر، فيعتكفُ عنه ولِيُّه.
فإذا قال الولِيُّ: أنا لا أعتكفُ، لستُ مَلْزومًا. فماذا نصنع؟ أو قال: لا أُصلِّي؟
نقول: ما فيه شيء، ما فيه بديل، ما فيه إطعام لا عن الاعتكاف ولا عن الصلاة.
طالب: يا شيخ، ذكرتَ حديث عائشة لتأخيرها الصيام وأنها قالتْ: لا أستطيع أنْ أقضيه إلا في شعبان. أي إنها لا تستطيع شرعًا أنْ تؤخِّره إلى ما بعد رمضان، لا نُنكر هذا، ما هو علَّلتْ سبب تأخيرها إلى شعبان لمكانة الرسول ﷺ؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: كيف ..؟
الشيخ: هذا منها أو مِن أحد الرواةِ، فيها خلافٌ؛ هلْ هي مُدرَجةٌ أو من كلامها.
الطالب: حتى إن قلت: مُدرجة، لا يُستفاد منها؛ يعني الآخِر استفدنا من كلامها أنها لا تؤخِّره بعد رمضان.
الشيخ: إي نعم.
[ ١ / ٣٥٠٦ ]
الطالب: ما يُستأنس بهذه الكلمة () أنها تبغي تردُّ على مَن قال: لماذا تؤخِّريه؟
الشيخ: إي نعم، هذا اعتذار منها، لكنْ لو كانتْ تستطيع أنْ تؤخِّره إلى بعد رمضان الثاني كان العُذر موجودًا؛ مكان الرسول.
طالب: () تستوي يعني، لن تصوم أبدًا ..
الشيخ: أنا أقول: إنها بالنسبة للرسول حُسن مُعاشرةٍ فقط، لكن لا يمنع مِن وجوب القضاء.
طالب: يا شيخ، في مسألة المرأة، أن المرأة إذا ()؟
الشيخ: إذا أيست.
الطالب: إذا هي يائسة.
الشيخ: يائسة، أما إذا لم تيأس تنتظر.
الطالب: ().
الشيخ: ما ()؟
الطالب: () أن الشيخ الكبير () الشيخ الكبير قد يئس من ()، أمَّا المرأة قد يئست يعني تُسيء لزوجها نفسه.
الشيخ: () عيال؟
الطالب: ما هو ().
الشيخ: ولكن نقول: لا تطلبون الأولاد، شرعًا.
طالب: ().
الشيخ: شرعًا.
طالب: بس فيه فَرْق.
الشيخ: هو صحيح فيه فَرْق؛ أنها ربما تندم فيما بعد، ربما لا يُقدِّر الله أنْ تَحمِل، و().
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، لا، هذا لا يُرجَى زوالُه، إذا كان امرأةٌ كلَّ سَنَةٍ تَحمِل، وهي إمَّا حاملٌ ولَّا مُرضِع، إذا جاء رمضان تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طالب: شيخ، ذكرتم -بارك الله فيكم- أنَّ مَن مات يجوز أن يُحَجَّ عنه نفلًا أو فرضًا.
الشيخ: ما ذكرْنا نفلًا.
الطالب: يعني نذرًا.
الشيخ: إي، قُلنا فرضًا بأصلِ الشرعِ أو نذرًا.
الطالب: وهلْ يجوز نفلًا يا شيخ؛ أنْ يَحُجَّ الرجُل عن أبيه مَثَلًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: دليلُ الفرضِ معروفٌ وهو حديثُ الخثعمية، فما دليلُ جواز النفْلِ يا شيخ؟
الشيخ: أنَّ الأصل أنَّ ما جازَ في الفرضِ جازَ في النفْلِ إلا بدليلٍ، ثم حديثُ ابنِ عباسٍ في قصة الرجل اللِّي قال: لبَّيك عن شُبرمة، ما قال: هل هو نفْلٌ أو فرضٌ؟
لكن بقينا فيما إذا استنابَ شخصٌ غيرَه في حجِّ نفلٍ ().
أيش؟
طالب: أنَّ مَن مات وعليه صومٌ يُقضَى عنه بالإطعام.
[ ١ / ٣٥٠٧ ]
الشيخ: إي نعم؛ لأنَّه تعذَّر الصومُ، وإذا تعذَّرَ الصومُ في الكِبَر فقد ثبتَ أنَّ فيه إطعامًا، فهذا مِثْله.
طالب: يا شيخ، من انقطع عنه التكليف ليش يختلف عن الرجُل؟
الشيخ: لا، () في ذِمَّتِهِ دَيْن، دَيْنٌ في ذِمَّتِهِ.
طالب: قلنا: إنَّ مَنْ ماتَ وعليه اعتكافُ نَذْرٍ أو صلاةُ نَذْرٍ فإنه يُستحبُّ لوَلِيِّهِ أنْ يَقضي عنه. أليس الأصلُ في العبادات منع القياس؟ ! فكيف يصِحُّ قياسُ الاعتكافِ مَثَلًا على دَيْنِ الآدميِّ؟
الشيخ: إنَّ النبي ﷺ قاسَ في العباداتِ على أُمُورٍ عاديَّات ()؛ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ؟»، وهذا الاعتكافُ المنذورُ صارَ دَيْنًا عليه، فهو إلى الحجِّ المنذور أقربُ من الدَّيْنِ.
طالب: شيخ، جمع التقديم في الصلاة؟
طالب آخر: إذا فرضْنا عليه القضاء وهو يستطيعُ الصوم، فكلَّما قيل له أنْ يصوم قال: لا، أُريد إذا متُّ يقضي هذا () يُطعِم مسكينًا؟
الشيخ: الظاهر أنَّ هذا لا يُجزِئه؛ لا يُجزِئُ الإطعامُ عنه، هو لو قال: إنَّ الأمرَ واسعٌ. لا بأسَ، أمَّا أن يقول: لا، أتركُ الصومَ لأجْلِ أن يُطعَمَ عنِّي. هذا ما يصِحُّ.
طالب: قول عائشة أليسَ فيه دليلٌ على أنَّ القضاء يكون واجبًا بالفوريَّة؛ قولها: لا أستطيعُ، فنقول: الذي لا يستطيعُ يقضي عند الاستطاعة.
الشيخ: عند الاستطاعة.
طالب: أليسَ فيه دليلٌ على الفوريَّة؟
الشيخ: بارك الله فيك. ما تقولون في هذا الإيراد؟
طالب: ()؟
الشيخ: يقول: أليسَ في حديث عائشة: فما أستطيعُ أنْ أقْضِيَهُ إلَّا في شعبانَ، أليسَ فيه دليلٌ على الفوريَّة في القضاء؟
طالب: ().
الشيخ: هل يَرِدُ علينا هذا؟
طالب: لا ().
الشيخ: لو كان واجبًا شرعًا ما مكَّنها الرسولُ ﵊ من تَرْكِهِ.
طالب: قولها: لا أستطيع.
[ ١ / ٣٥٠٨ ]
الشيخ: ما هو استطاعة بَدَنِيَّة، مِن أجْل مراعاةِ الرسولِ ﵊، مِن أجْل الرسول.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، هذا سواءٌ منها أو مِن بعض الرواة، لكنْ لا شكَّ أنه لو كان واجبًا على الفورِ ما مكَّنها الرسولُ أن تؤخِّر.
طالب: شيخ، بالنسبة للإطعام، مَنْ أخَّرَ الصيامَ إلى رمضان آخَر، وَرَدَ عنْ أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ () قول الصحابي () التعارض ().
الشيخ: إي نعم، بلى نقولُ، على خلافٍ في هذا، لكنْ نقولُ: نحن نرى هذا.
طالب: ().
الشيخ: إلَّا أنَّ هذا عُورِضَ بظاهر النصِّ، وفيه احتمالٌ أنْ يكون على سبيل التطوُّع، ما هو على سبيل الوجوب.
طالب: وزيادة يا شيخ، زيادة على النَّصِّ.
الشيخ: زيادة على النَّصِّ ما نَقْبل، إذا كان الله تعالى ذكر في مَعْرِضِ البيانِ الواجبِ أنَّ عليه عدةً من أيامٍ أُخَر ولم يَذْكر غيرها، فنقول: ما وَرَدَ عن هذينِ الصحابيَّينِ إنما هو على سبيل الاستحباب إذا صحَّ عنهما، مع أنَّ المسألة -واللهِ- في نفسي منها شيء.
طالب: طريق الإجماع يا شيخ؛ أنَّه لم يُعارض.
الشيخ: لا، ما فيه إجماع، والإجماع يكون إذا اشتهرَ القولُ ولم يُنْكَر؛ مِثْل حديثِ عمر بن الخطاب ﵁ في حكايةِ التشهُّد؛ لَمَّا حكى على المنبرِ التشهُّدَ قال: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ. وكان هذا بعد وفاةِ الرسولِ، ولم يُنْكِر عليه أحدٌ، وبه استدْلَلْنا على أنَّ قول ابن مسعودٍ ﵁ تفقُّهٌ من عنده، لكن مخالفٌ للنصِّ؛ لأنهم كانوا في حياة الرسول يقولون: السلامُ عليك، وبعد موته: السلامُ على النبي.
***
[ ١ / ٣٥٠٩ ]
يقول: لقدْ وَرَدَ حديثٌ في قِيام الليل: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ». إلى قوله: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ». هل يُقال: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» اقتداءً بالرسول، أو يُقال: وأنا من المسلمين؟
الجواب: يقال: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» كما جاء في الحديث، والأوَّليةُ هنا ليست أوَّليةَ زَمَنٍ، إنما هي أوَّليةُ انقيادٍ، والمعنى: إنَّني لا أُنْكِر ذلك، بلْ أستسلِمُ لله.
طالب: صلاة ().
***
[باب صوم التطوع]
طالب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال رحمه الله تعالى:
بابُ صومِ التطوُّع
يُسَنُّ صِيامُ أيامِ البِيضِ، والاثنينِ والخميسِ، وسِتٍّ من شوال، وشهرِ المحرَّم، وآكَدُهُ العاشرُ ثم التاسعُ، وتسعِ ذي الحِجَّةِ، ويومِ عرفةَ لغيرِ حاجٍّ بها، وأفْضَلُهُ صومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ.
ويُكْرَهُ إفرادُ رجب، والجمعةِ، والسبتِ، والشكِّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
رجلٌ عليه صومٌ من رمضان فلَمْ يَصُمْه إلا في شوال من السَّنةِ الثانيةِ، ما الحكم؟
طالب: من السَّنةِ الثانيةِ، عليه القضاءُ وعليه الكفَّارةُ، إذا كان من السَّنة الثانية.
الشيخ: إي، أنا أقول: من السَّنة الثانية، فما الحكم؟
الطالب: الحكم: عليه القضاءُ وعليه الكفَّارةُ.
الشيخ: مَن يعرف؟
طالب: هذا على المذهب، أمَّا القولُ الراجحُ فإنه عليه القضاءُ فقط؛ لأن الشرع لم يجز سوى القضاء، والدليل الذي ..
الشيخ: اصبر، هذا خطأ، وجواب الأخ خطأ.
طالب: () يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: () هو عليه أن يُطعِم مسكينًا لكلِّ يوم.
الشيخ: خطأ.
طالب: ذكرْنا في المسألة ثلاثةَ أقوالٍ: قول المذهب، وقول ().
الشيخ: خطأ.
[ ١ / ٣٥١٠ ]
طالب: () إذا كان لعُذرٍ عليه القضاء، وإذا كان لغير عُذرٍ في المذهب أنه عليه القضاءُ والكفَّارةُ، والقول الراجح أنَّه فقط عليه القضاء.
الشيخ: يعني مع الإثم.
الطالب: مع الإثم.
الشيخ: هذا هو الصحيح، ولاحِظوا يا جماعة أنَّ الشيء اللي يحتاج إلى تفصيل لا بُدَّ أن تفصِّل حتى يكون الجوابُ مبنيًّا على أصْل.
هلكَ هالكٌ عن بنتٍ وأخٍ وعمٍّ شقيقٍ، كيف نقسمها؟
طالب: نسأل الأول يا شيخ: هذا أخٌ لأمٍّ أمْ أخٌ لغيرِ أمٍّ؟ إنْ كان أخًا لأمٍّ يسقط.
الشيخ: فللبنتِ النصفُ، والباقي للعمِّ الشقيق.
الطالب: وإنْ كان الأخُ لغيرِ أمٍّ نقول ..
الشيخ: يعني أخًا شقيقًا أو لأبٍ، فللبنت النصف.
الطالب: والباقي للأخ، ويسقط العمُّ.
الشيخ: انظر الآن، التفصيل لا بدَّ منه في المقام الذي يحتاج إلى تفصيلٍ لئلَّا تغلط.
الآن لو هذا الميت خلَّفَ ألف مليون، كان للبنت خمس مئة مليون، يبقى خمس مئة مليون لمن؟ من جهة الأخِ أخطأتَ ومن جهة العمِّ أخطأتَ حتى تفصِّل؛ فالشيءُ الذي يحتاج إلى تفصيلٍ لا بدَّ من التفصيل فيه.
إذَن الخلاصة إذا كان تأخيرُهُ قضاءَ رمضان إلى السَّنة الثانية لعُذرٍ فلا شيءَ عليه إلا القضاء، وإذا كان لغير عُذرٍ فهُنا يأتي الخلاف.
طالب: محلُّ الخلاف: منهم مَن قال: إنَّ عليه القضاءَ وعليه إطعامًا؛ عن كلِّ يوم مسكين. ومنهم مَن قال: إنَّ عليه الإطعامَ دون القضاء.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أنَّ عليه الإطعام؟
الشيخ: ما أدري، ما علِمناه.
الطالب: لغير عُذر؟
الشيخ: لغير عُذر.
الطالب: ومنهم مَنْ قال: إنَّ عليه القضاءَ دون الإطعام. وهو الصحيح، وهو الراجح.
الشيخ: وعليه إثم ولّا ما عليه؟
الطالب: عليه إثم؛ لأنه أخَّره لغير عُذر.
الشيخ: لأنه لغير عُذر، والصحيح أنه لا شيءَ عليه إلا القضاء.
ماتَ إنسانٌ وعليه صومُ رمضان، فما صورةُ المسألة؛ أن يموت إنسانٌ وعليه صومُ رمضان؟
طالب: يُقضى عنه.
الشيخ: إي، لكنْ ما صورتُها؛ مِثال.
[ ١ / ٣٥١١ ]
الطالب: إنْ كان مريضًا مرضًا يُرجى بُرْؤُه، ثم شُفِيَ ولم يَقْضِ فماتَ؛ يَقضِي ولِيُّهُ عنه.
الشيخ: أحسنت، وجوبًا أو استحبابًا؟
الطالب: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا، كيف نقول: إنه استحبابٌ مع قول الرسول ﵊: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»؟
طالب: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
الشيخ: لقوله: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ولو قُلنا: وجوبًا، لَلَزِمَ أنْ نؤثِّمَهُ إذا لم يَصُمْ، فيكون آثمًا بفعلِ غيرِهِ.
إذا لَمْ يَصُم الولِيُّ؛ قال لنا: لستُ بصائم؟
طالب: ().
الشيخ: إنْ كان خلَّفَ مالًا وجبَ أن يُطعَم عنه مِن تَرِكَتِهِ لكلِّ يومٍ مسكينٌ، وإنْ لم يُخلِّف مالًا؟
طالب: سقط عنه.
الشيخ: سقط، صحيح.
طالب: الولِيُّ له أن يستأجر مَن يصوم؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: هل للولِيِّ أنْ يستأجر مَن يصوم؛ يقول: يلَّا يا فلان، تعالَ صُمْ كلَّ يومٍ بكذا وكذا من الدراهم؟
الجواب: لا؛ لأن مسائل القُربِ لا يصِحُّ الإيجار عليها.
رجلٌ نَذَرَ أنْ يُصلِّي ركعتينِ، ولكنه ماتَ قبل أن يُصلِّي؟
طالب: لِيَقْضِ عنه ولِيُّهُ.
الشيخ: وجوبًا أو استحبابًا؟
طالب: ()؛ لأن صلاة النافلة تُقضى عنه، أمَّا صلاة الفريضة بأصل الشرع لا تُقضى عنه.
الشيخ: لكن وجوبًا؟
الطالب: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا، فإنْ لَمْ يفعلْ؟
الطالب: يأثم.
الشيخ: يأثم؟ ! إذَنْ وجوبًا.
طالب: لأنها لنْ تبرأ ذِمَّةُ الميتِ إلا وصلاتُه ..
الشيخ: () من الميت، إذا أوجب عليه إنسانٌ شيئًا يكون واجبًا عليَّ أنا؟
طالب: يبقى استحبابًا لا يأثم.
الشيخ: المهمُّ الآن: رجلٌ نَذَرَ أنْ يُصلِّي ركعتينِ فلَمْ يُصَلِّ حتى ماتَ، فهل يُصلِّي عنه ولِيُّهُ أو لا؟
طالب: يُصلِّي عنه ولِيُّهُ.
الشيخ: وجوبًا؟
طالب: إذا كانت صلاة في أصل الشرع لا ..
الشيخ: ما هي صلاة أصل، قلتُ: نَذَرَ.
[ ١ / ٣٥١٢ ]
طالب: صلاة نَذْرٍ فيصومُ وجوبًا.
الشيخ: ما هو يصوم، ما أنا قلتُ: يصوم.
وجوبًا ولَّا استحبابًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا، كيفَ يكون وجوبًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟ فهو أوجبَ على نفسِهِ شيئًا، فكيف يجبُ عليَّ أنا؟ واضحة الآية؛ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
طالب: يبقى استحبابًا، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، يبقى استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا؟ ما تقولون؟ وما هو الدليل على استحبابه؟
طالب: الاستحباب.
الشيخ: إي نعم، استحباب قضاءِ صلاةِ الركعتينِ المنذورتينِ.
الطالب: لقوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
الشيخ: إحنا الآن في الصلاة، إي نعم.
طالب: قياسًا على الصوم.
الشيخ: قياسًا على الصوم، وهلْ في العبادات قياسٌ؟
طالب: لا.
الشيخ: إذَن؟
طالب: هُم قالوا بالقياس.
الشيخ: قياسًا على الصوم؟ لكنْ ما فيه دليل يؤيِّد هذا القياس.
طالب: () حديث: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ().
الشيخ: لا، ما نقصد الصيام يا إخواني.
الطالب: الصلاة يعني نقيسها على الصيام.
الشيخ: الصلاة.
الطالب: نقيسها على الصيام.
الشيخ: هذا كلام الأخ؛ قلنا: () قياس، قال: لا، فطلبْنا منه دليلًا واضحًا على القياس في هذه المسألة.
طالب: () النبي ﷺ قال: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ» ().
[ ١ / ٣٥١٣ ]
الشيخ: سألت امرأةٌ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنَّ أُمَّها نَذَرَتْ صومَ شهرٍ، فلمْ تَصُمْ حتى ماتتْ، أفتصومُ عنها؟ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟». قالت: نعم. قال: «اقْضُوا اللَّهَ»، فجعل النبيُّ ﷺ النذر دَيْنًا، وإذا كان دَيْنًا وقد قاسَ الرسولُ ﵊ دَيْنَ اللهِ على دَيْنِ الآدميِّ نقول: لا فَرْقَ بين دَيْنِ الصيامِ ودَيْنِ الصلاةِ؛ لعموم الحديث.
وقال بعض العلماء: إنَّ الصلاة والاعتكاف لا يُقْضَيانِ؛ لأنهما عبادتانِ بدنيَّتانِ لا يجبانِ بأصل الشرع، فلا يُقْضَيانِ، والمسألة محتملة؛ يعني أن التعليلات فيها متكافئة عندي، وكنتُ أَمِيلُ من قَبْلُ إلى أنها لا تُقضى -الاعتكاف ولا الصلاة- لأنها عبادةٌ لم تجبْ بأصل الشرع، لكنِّي تردَّدتُ الآن: هلْ تُقْضَى أو لا تُقْضَى؟
أمَّا الصومُ فواضحٌ، والحجُّ واضحٌ جاءتْ به السُّنَّة.
وأمَّا الاعتكافُ والصلاةُ فمَنْ أخذَ بعمومِ «أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ؟» قال: يُقضَى؛ لأن هذا نَذْرٌ، والنذرُ جعله النبيُّ ﵊ مِن الدَّيْنِ، فيُقضى. ومَن قال: إنه عبادةٌ لم يكنْ لها وجوبٌ بأصل الشرع فلا تُقاس، قال: لا يُقضى.
وعلى هذا فيكون الاحتياطُ أيش؟
طالب: القضاء.
الشيخ: القضاء.
نَذَرَ شخصٌ أن يصوم شهر محرَّم فماتَ في ذي الحِجَّة؟
طالب: لا شيء عليه.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: كالذي ماتَ قبل أنْ يأتي رمضان.
الشيخ: لأنه عيَّنَ وقتًا لَمْ يُدرِكه؛ رجلٌ نَذَرَ أنْ يصوم شهر محرَّم ولكنه مات في ذي الحجة، فهل يُقضى عنه؟ نقول: لا؛ لأنه مات قبل أنْ يُدرِك زمنَ الوجوب، كمَنْ ماتَ قبل أن يُدرِك رمضان.
***
نبدأ الآن بصوم التطوُّع، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بابُ صَوْمِ التطوُّع).
[ ١ / ٣٥١٤ ]
(صوم) مضافٌ، و(التطوُّع) مضافٌ إليه، والإضافة هُنا لبيانِ النوع؛ وذلك أنَّ الصومَ نوعانِ: فريضةٌ، وتطوُّع، وكلاهما بالمعنى العامِّ يُسمَّى تطوُّعًا؛ فإن التطوُّعَ فِعْلُ الطاعةِ، لكنَّه يُطْلَق غالبًا على الطاعة التي ليستْ بواجبةٍ، وإلَّا فإنَّ الأصلَ أنَّ التطوُّع يشمل الطاعةَ الواجبةَ والمستحبَّةَ، وبناءً على ذلك نقول: لا مُشاحَّة في الاصطلاح.
فإذا كان الفقهاء -﵏- جعلوا التطوُّع في مقابل الواجب، فهذا اصطلاحٌ ليس فيه محذورٌ شرعيٌّ، فيُمشَى عليه ويُقال: صلاةُ التطوُّعِ: كلُّ صلاةٍ ليستْ بواجبةٍ. صومُ التطوُّع: كلُّ صومٍ ليس بواجب. إذَنْ (صوم التطوُّع) يعني الصوم الذي ليس بواجب.
واعلم أنَّ مِن رحمة الله وحِكْمته أنْ جعلَ للفرائض ما يُماثلها من التطوُّع، وذلك من أجْل ترقيعِ الخلل الذي يحصُل في الفرائض من وجهٍ، ومن أجْل زيادة الأجرِ والثوابِ للعاملين من وجهٍ آخر؛ لأنه لولا مشروعيةُ هذه التطوعات لكان القيامُ بها بدعةً مُضِلَّةً، ولكنْ مِن نعمة الله أنْ شَرَعَ لعبادِهِ هذا التطوُّع.
وقد جاء في الحديث أنَّ التطوُّعَ تَكْمُل به الفرائضُ يوم القيامة.
ثم إنَّ صوم التطوُّع سَرَده المؤلف سردًا عامًّا بدون تفصيل، ولكنه ينقسم في الواقع إلى قِسْمينِ: تطوُّع مُطْلَق، وتطوُّع مُقَيَّد، والتطوُّع المقيَّد أَوْكَدُ من التطوُّع المطْلَق، كالصلاة أيضًا؛ التطوُّع المقيَّد أَفْضلُ من التطوُّع المطْلَق.
يقول المؤلف: (يُسَنُّ صيامُ أيامِ البِيضِ).
(يُسَنُّ) وهُنا نطلب أمرينِ: الأمر الأول: ثبوتُ استحبابها، والثاني: أنها ليستْ بواجبة.
[ ١ / ٣٥١٥ ]
أمَّا كونها ليستْ بواجبةٍ فلأنَّ النبيَّ ﷺ ذَكَرَ أركانَ الإسلامِ وذَكَرَ منها صومَ رمضان دون غيره، وقد سأله الأعرابيُّ، بلْ سأله جبريل ﵊ عن أركانِ الإسلامِ، فبيَّنَ له أنَّ منها صيام رمضان، ولا يجبُ سواه، اللهم إلا بنَذْرٍ.
وأمَّا استحبابُ صيامِها فنقول: إنَّ استحبابَ صيامِها لأنَّ النبي ﷺ أخبرَ أو أَمَرَ أنْ يُصامَ اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
وسُمِّيتْ بِيضًا لابْيِضَاضِ لياليها بنورِ القمر، ولهذا يُقال: أيامُ البِيضِ؛ يعني أيام الليالي البِيض، ما هو البِيض وصف للأيام، بلْ وصفٌ للَّيالي؛ لأنها بنور القمرِ صارتْ بيضاء.
أيامُ البِيض هي: اليومُ الثالث عشر، واليومُ الرابع عشر، واليومُ الخامس عشر، وهي تُغنِي عن صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ الذي قال فيه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»؛ لأن الحسنةَ بعَشْرِ أمثالِها؛ فثلاثةُ أيامٍ بثلاثينَ حسنةً عن شهرٍ، وكذلك الشهرُ الثاني والثالث، فيكون كأنَّما صامَ السَّنَةَ كُلَّها، وكان النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ؛ تقول عائشة: لا يُبالي أصامَها مِن أوَّلِ الشهرِ أو وَسَطِهِ أو آخِرِه.
فهاهُنا أمرانِ:
الأمر الأول: استحبابُ صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ سواءٌ في أوَّلِ الشهرِ أو وَسَطِهِ أو آخِرِه، وسواءٌ كانت متتابعة أم متفرِّقة.
الثاني: أنه ينبغي أنْ تكون هذه الأيامُ في أيامِ البِيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ فتعيينها في أيام البِيض كتعيينِ الصلاةِ في أوَّل وقتِها؛ يعني أَفْضل وقتٍ للأيام الثلاثة هو أيام البِيض، ولكنْ مَن صامَ الأيامَ الثلاثةَ في غير أيام البِيض حَصَلَ على الأجْرِ وحَصَلَ له صيامُ الدهر.
[ ١ / ٣٥١٦ ]
الثاني: يقول: صوم يوم (الاثنين والخميس).
وصوم الاثنين أَوْكَدُ من صوم الخميس، فيُسَنُّ للإنسان أنْ يصومَ يَوْمَي الاثنينِ والخميسِ من كلِّ أسبوع، وقد علَّلَ النبيُّ ﷺ ذلك بأنَّهما يومانِ تُعرَض فيهما الأعمالُ على الله ﷿، قال: «فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». وسُئل عن صومِ الاثنينِ فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ» أو «أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»، فبيَّن الرسولُ ﵊ أنَّ صيامَ يوم الاثنين مطلوبٌ، وعلى هذا فيُسَنُّ صيامُ يومينِ من كلِّ أسبوعٍ هما يوم الاثنين والخميس.
نستعرضُ أيامَ الأسبوعِ الآن:
صيامُ يوم الثلاثاء والأربعاء ليس بسُنَّة ولا مكروه، ليس بسُنَّةٍ؛ يعني على التعيين، وإلَّا فهو سُنَّةٌ مُطْلَقة؛ يُسَنُّ للإنسانِ أنْ يُكثِر من الصيام، لكنْ لا نقول: يُسَنُّ أنْ تصومَ يوم الثلاثاء. ولا: يُسَنُّ أنْ تصومَ يوم الأربعاء. ولا يُكره ذلك.
الجمعة؟
طالب: مكروه.
الشيخ: لا يُسَنُّ صومُ يومها، ويُكره أنْ يُفْرَدَ بصومٍ؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ». ولأنَّه قال لإحدى أُمَّهاتِ المؤمنين وكانتْ صامتْ يوم الجمعة: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟». قالت: لا. قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟». قالت: لا. قال: «فَأَفْطِرِي». فدلَّ ذلك على أنَّ يوم الجمعة لا يُفْرَدُ بصومٍ، بلْ قد وَرَدَ النهيُ عن ذلك؛ فقال رسول الله ﷺ: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيامٍ وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ».
السبت؟
السبتُ قيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يُباح، وقيل: إنه لا يجوز إلَّا في الفريضة، وقيل: إنه يجوز لكنْ بدون إفراد، والصحيح أنَّه يجوز بدون إفرادٍ؛ يعني: إذا صُمْتَ معه الأحدَ أو صُمْتَ معه الجمعةَ فلا بأس.
[ ١ / ٣٥١٧ ]
وأمَّا الحديثُ الذي رواه أبو داود: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرٍ -يعني - فَلْيَأْكُلْهُ». فهذا الحديثُ مختلَفٌ فيه؛ هلْ هو صحيحٌ أو ضعيفٌ؟ وهلْ هو منسوخٌ أو غيرُ منسوخٍ؟ وهلْ هو شاذٌّ أو غيرُ شاذٍّ؟ وهل المرادُ بذلك إفرادُهُ دون جمعِهِ إلى الجمعة أو الأحد؟
وأصحُّ الأقوالِ في ذلك أنَّ المنهيَّ عنه هو إفرادُهُ، وأمَّا إذا ضُمَّ إلى يوم الجمعةِ أو ضُمَّ إليه يومُ الأحدِ فإنه لا كراهةَ فيه، والدليل ما ذكرتُهُ لكم آنفًا؛ حيث قال النبي ﵊ للمرأة: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟».
ويش باقي عندنا؟ الأحد.
الأحد استحبَّه بعضُ العلماء؛ استحبَّ أنْ يصومه الإنسانُ، وكرهه بعضُ العلماء.
أمَّا مَن استحبَّه فقال: لأنه يومُ عيدٍ للنصارى، ويومُ العيدِ يكون يومَ أكلٍ وسرورٍ وفَرَحٍ، فالأفضلُ مخالفتُهم وصيامُ هذا اليوم.
وقال بعضُ العلماء: بلْ يُكره أنْ يصومه وحْدَه. لماذا؟ قال: لأنَّ الصومَ نوعُ تعظيمٍ للزمن، وإذا كان يومُ الأحدِ يومَ عيدٍ للكفَّارِ فصومُهُ نوعُ تعظيمٍ له، ولا يجوز أن نعظِّم ما يُعظِّمه الكفَّارُ على وجْهِ أنه شعيرةٌ من شعائرهم.
فصارَ الآن الثلاثاء والأربعاء، حُكم صومِهما أيش؟
طالب: الكراهة.
الشيخ: الجوازُ، لا يُسَنُّ تعيينهما ولا يُكره.
والجمعةُ والسبتُ والأحدُ يُكره إفرادُها، وأمَّا ضمُّها إلى ما بعدها فلا بأس.
وأمَّا الاثنين والخميس فصومُهما سُنَّة.
قال: وصوم (الاثنين والخميس) وصوم (ستٍّ من شوال). لقول النبي ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»، فيُسَنُّ للإنسان أنْ يصوم ستَّةَ أيامٍ من شوال.
[ ١ / ٣٥١٨ ]
قال الفقهاء ﵏: والأفضلُ أنْ تكون بعد يوم العيدِ مباشرةً؛ لِمَا في ذلك من السبْقِ إلى الخيرات، والأفضلُ أن تكون متتابعةً؛ لأنَّ ذلك أسهلُ غالبًا، ولأنَّ فيه سبقًا لفِعْل هذا الأمر المشروع.
فعليه يُسَنُّ أنْ يصومها في اليوم الثاني من شوال ويُتابعها حتى تنتهي، وهي طبعًا ستنتهي في اليوم الثامن من شهر شوال، صح؟
طلبة: السابع.
طلبة آخرون: الثامن.
الشيخ: في اليوم الثامن.
طلبة: الثامن
طلبة آخرون: السابع.
الشيخ: نهايتُها السابع، والثامن إفطار، هذا اليوم الثامن يُسمِّيه العامَّة عندنا: عيد الأبرار؛ يعني الذين صاموا ستَّةَ أيامٍ من شوال، ولكن هذا بدعة، فهذا اليوم ليس عيدًا للأبرار ولا للفُجَّار.
ثم إنَّ مقتضى قولِهم أن مَنْ لم يصُمْ ستَّةَ أيامٍ من شوال فليس من الأبرار، وهذا خطأ؛ الإنسان إذا أدَّى فَرْضَهُ فهذا برٌّ بلا شك، وإنْ كان بعضُ البِرِّ أكملَ من بعض، ثم إنَّ السُّنة أن يصومَها بعد انتهاء رمضان لا قَبْل، وعلى هذا فمَنْ عليه قضاءٌ ثم صام الستة قبل القضاء فإنه لا يحصُل على ثوابها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ»، ومَن كان عليه شيء منه فإنه لا يصح أن يُقال: إنه صام رمضان، بلْ صام بعضَه.
وليست هذه المسألة مبنيَّة على الخلاف في صوم التطوع قبل القضاء؛ لأن هذا التطوع -أعني صومَ الستِّ- قيَّده النبي ﷺ بقيدٍ، وهو أن يكون بعد رمضان.
وقد توهَّم بعض الناس فظنَّ أنه مبنيٌّ على الخلاف في صحة صوم التطوع قبل قضاء رمضان، وأظن أنكم عرفتموه مِن قَبْل وأنَّ فيه خلافًا، وأنَّ الراجحَ جوازُ صوم التطوع قبل قضاء رمضان وصحته ما لم يَضِق الوقتُ عن القضاء.
ومما يُسَنُّ أيضًا صيامُ (شهر المحرم).
[ ١ / ٣٥١٩ ]
شهرُ المحرَّم هو الذي يَلِي شهرَ ذي الحجَّة، وهو الذي جعله الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول شهور السَّنة، وصومُه أفضل الصيام بعد رمضان كما قال النبي ﵊: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ».
واختلف العلماء -﵏- أيهما أفضل: شهر المحرَّم أو شهر شعبان؛ فقال بعض العلماء: شهر شعبان أفضل؛ لأن النبي ﷺ كان يصومه كلَّه أو إلَّا قليلًا منه، ولم يُحفَظ أنه كان يصوم شهر المحرَّم، لكنه حثَّ على صيامه بقوله: إنه «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ».
قالوا: ولأن صوم شعبان ينزل منزلة الراتبة قبل الفريضة، وصوم المحرم ينزل منزلة النفْل المطْلَق، ومنزلةُ الراتبةِ أفضل من منزلة النفْل المطْلَق.
وعلى كلِّ حالٍ فهذانِ الشهرانِ يُسَنُّ صومُهما: شعبان، والمحرَّم.
قال: (وآكَدُهُ العاشرُ ثم التاسعُ).
(آكده العاشر) لأنَّ النبي ﷺ سُئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، فهو آكَدُ من التاسع وآكَدُ من بقية الأيام.
ثم يليه (التاسع) لقوله ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ» أو «لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يعني مع العاشر.
وهل يُكره إفراد العاشر؟
قال بعض العلماء: إنه يُكره؛ لقول النبي ﷺ: «صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ، خَالِفُوا الْيَهُودَ».
وقال بعض العلماء: إنه لا يُكره، ولكنه لا يحصُل على الأجر التامِّ إذا أَفْرده.
إذَن صوم العاشر أَوْكد من التاسع، وأَوْكد من بقية الأيام.
فإن قال قائل: ما هو السبب في كون يوم العاشر آكَد أيامِ محرَّم؟
قلنا: السبب في ذلك أنه اليوم الذي نَجَّى الله فيه موسى وقومَه، وأهلكَ فرعونَ وقومَه.
[ ١ / ٣٥٢٠ ]
وفي هذا الحديث الذي قاله الرسول ﵊ دليلٌ على أنَّ التوقيت كان في الأمم السابقة بالأَهِلَّةِ وليس بالصورة الإفرنجية؛ لأن الرسول ﵊ أخبرَ بأن اليوم العاشر من محرَّم هو الذي أهلكَ اللهُ فيه فرعونَ وقومَه ونَجَّى موسى وقومَه. قال: (وآكدُهُ العاشِرُ ثم التاسِعُ).
ويُسَنُّ أيضًا صومُ (تسعِ ذي الحجَّة).
(تسع ذي الحِجَّة) بالكسر أفصح من (الحَجَّة) بالفتح، و(القَعدة) بالفتح أفصحُ من (القِعدة) بالكسر، فـ (القَعدة) مفتوحة و(الحِجة) مكسورة على الأفصح.
تسع ذي الحجة تبدأُ من أول يومٍ من ذي الحجة، وتنتهي باليوم التاسع وهو يوم عرفة، ودليل استحبابها قولُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، والصومُ من العمل الصالح.
فأمَّا ما رُوي من أن النبي ﷺ لم يكن يصوم العَشْر فهذا إخبارُ الراوي عن عِلْمه، وقول الرسول مقدَّم على شيء لم يعلمه الراوي، وقد رجَّح الإمام أحمد -﵀- أن النبي ﷺ كان يصوم العَشْر؛ عَشْرَ ذي الحِجة، فإنْ ثبت هذا فهو المطلوب، وإنْ لم يَثْبت فإن صيامها داخل في عموم الأعمال الصالحة التي قال فيها الرسول ﵊: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ».
قال: (وآكَدُهُ يومُ عرفة).
(آكَدُهُ) أي: آكَدُ تسعِ ذي الحجة صيامُ يومِ عرفة.
[ ١ / ٣٥٢١ ]
(آكَدُهُ يومُ عرفة لغيرِ حاجٍّ بها) يومُ عَرَفة هو اليوم التاسع، وإنما كان آكَدَ أيامِ العشر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ والسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»، وعلى هذا فصومُ يوم عرفة أفضلُ من صوم عاشوراء؛ لأن صوم عاشوراء قال فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» فقط، أمَّا هذا فقال: «السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ والَّتِي بَعْدَهُ».
(لغير حاجٍّ بها) أمَّا الحاجُّ فإنه لا يُسَنُّ أنْ يصوم يوم عرفة؛ لأن النبي ﷺ نَهَى عن صومِ يومِ عَرَفة بعَرَفة، وهذا الحديث في صحته نَظَرٌ، لكن يؤيده أن النبي ﷺ شكَّ الناسُ في صومه يوم عرفة، فأُرسِلَ إليه بقدحٍ من لبنٍ فشَرِبه ضُحًى يومَ عرفةَ والناسُ ينظرون إليه، حتى يتبيَّن أنه لم يَصُم، ولأن هذا اليومَ يومُ دعاءٍ وعملٍ، ولا سِيَّما أنَّ أفضل زمن هذا اليوم في الدعاء هو آخِر اليوم، فإذا صام الإنسانُ فسوف يأتيه آخِرُ اليوم وهو في كسلٍ وتعبٍ، لا سِيَّما في أيام الصيف وطولِ النهار وشدةِ الحر فإنه يتعب، وتزول الفائدة العظيمة الحاصلة في هذا اليوم، والصوم يُدرَك في وقتٍ آخَر.
ولهذا نقول: صومُ يومِ عرفة للحاجِّ مكروهٌ، وأمَّا لغير الحاجِّ فهو سُنَّةٌ مؤكدةٌ.
طالب: أحسن الله إليك، ثبتَ عن بعض الخلفاء أنهم كانوا في الحجِّ يصومون يوم عرفة وهم حُجَّاج.
الشيخ: إذا ثبت عن بعض الصحابة من الخلفاء أو غيرهم أنهم يصومون يومَ عرفة وهم حُجَّاج فهؤلاء يُعْتذَر عن فِعْلهم ولا يُحتَجُّ به؛ لأن خير الهدْيِ هَدْيُ محمدٍ ﷺ.
طالب: قول المصنف يا شيخ: (لغير حاجٍّ بها)، () التقييد (بها) احترازي () بيان الوصف؟
[ ١ / ٣٥٢٢ ]
الشيخ: لا، هذا أَغْلبيٌّ؛ يعني لو فُرِض أنَّ الحاجَّ لم يتمكَّن من الوقوف يوم عرفة بالنهار فلا يُسَنُّ له الصيام.
طالب: هل يجوز أنْ يقدِّم أيام البِيض؛ أنْ يجعلها في أول الشهر؟
الشيخ: لا بأس، لكنْ ما يُثاب على ذلك ثوابَ أيام البِيض؛ يعني لو صام ثلاثة أيامٍ في أول الشهر فإنَّه لا يحصُل على أجر صيامِ أيام البِيض، لكن يحصُل على أنه صام ثلاثة أيامٍ من كل شهر.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما تقولون في قول السادة المالكية بالنسبة لصيام الستِّ من أيام شوال: تُصام مرَّةً ولا تُصام أُخرى سدًّا للذريعة أن يُظَنَّ أنها واجبة؟
الشيخ: أولًا: تخصيصك كلمة السادة للمالكية يحتاج إلى المناقشة.
الطالب: ()؟
الشيخ: نعم، ما جوابكم عن قول السادة المالكية؟ فلماذا وصفتَهم بالسادة المالكية؟
الطالب: وغيرُهم سادةٌ كذلك، وهذا كلامٌ يؤخذ من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: أنا أقول: لماذا خصصت المالكية؟
الطالب: ولو كان سؤالي عن الأحناف لقُلْتُ: السادة الأحناف، وأقصد به الفقهاء.
الشيخ: لا بأس، لا شكَّ أنَّ الفقهاء والعلماء سادة البَشَر.
أقول إنَّ هذا القول مرجوحٌ؛ لأن تَرْكَ السُّنن خوفًا من أن يُظَنَّ أنها واجبةٌ، لو كانت هذه القاعدة قاعدةً سليمةً لكان كلُّ السُّنن تُترَك خوفًا من أنْ تكون واجبة، لكن يُبَيَّن للناس أنها ليست بواجبةٍ وتُفْعل.
طالب: الراجح في صيام يوم الأحد يا شيخ هلْ يُفرَد؟
الشيخ: إفراده مكروهٌ؛ لئلَّا يفتخر النصارى بتعظيمنا له.
طالب: الراجح في إفراد يوم عاشوراء بالصيام؟
الشيخ: إي واللهِ، الظاهر -إن شاء الله- أنَّه ليس بمكروه، وأنَّ صوم يومٍ قبله ويومٍ بَعْده على سبيل الاستحباب فقط.
طالب: ().
الشيخ: لا، عاشوراء.
طالب: بارك الله فيك، الصائم ().
طالب: ذكرتَ أمس يا شيخ أن لا يجوز ().
طالب: صامَ () السبت وأَفْرده بالصوم لا على وجْهِ التعظيم ()؟
الشيخ: هل؟
[ ١ / ٣٥٢٣ ]
طالب: () يقصد التعظيم ()؟
الشيخ: إي نعم، نقول: لا تُفْرِده؛ لأن قوله: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ» يُحمَل على النهي عن إفراده.
طالب: ذكرتَ بالأمس يا شيخ أنَّه لا يجوز الخروج على الإمام إلا بشروط، ولم توضِّح هذه الشروط مِن قَبْل؛ يعني () هذه الشروط من قَبْل إلا قد تحدثتم عن () الصلاة فقط، يعني «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا» ألا وهو يعني إذا قال: لا تُصَلُّوا. يعني لا تُصَلُّوا فقط، ما ذكرتَ يا شيخ شروط كثيرة يعني ..
الشيخ: أنا قلت: إذا قال: لا تُصَلُّوا؟
الطالب: نعم، قُلتَ لي ذلك.
الشيخ: لك أنت؟ !
الطالب: قلت يعني: إذا قال: لا تُصَلُّوا، هذا كُفْرٌ بواحٌ.
الشيخ: نعم.
الطالب: من شروط ..
الشيخ: ما أدري.
الطالب: نرجو تخصيص الوقت يعني ..
الشيخ: طيب إذا ذكرتُ لك الشروط هل ستخرجُ على الإمام؟
الطالب: لا، هو فيه شروط أخرى، ().
الشيخ: قُل الشروط اللي عندك.
طالب: يعني اللي عندي: «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا»، فإذا تمام يعني .. إذا الإنسان .. إذا رأينا ذلك ويجب الخروج على هذا، سنرى هل نحن قوةٌ وشوكتنا قويةٌ حتى نخرج على الإمام؟
الشيخ: ما ذكرنا هذا؟
طالب: ذكرت يا شيخ.
الشيخ: طيب، ماشي.
الطالب: لا، أنا أُريد شروط الإمام اللي يُخرَج عليه؛ يعني «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا»، ما هي شروط الكفر البواح؟
الشيخ: الكُفر معروف؛ مِثْل أنْ يُنكر وجودَ الله مَثَلًا.
الطالب: نفرض أنه هو يُنكر وجودَ الله ولكنْ بطريقٍ غير مباشر.
الشيخ: ويش يعني طريق غير مباشر؟
الطالب: يعني الرجل يقول: إن الشريعة الإسلامية ليستْ لها مكان الآن، ألا وهي () الوضعية ().
الشيخ: لا، هو ما أنكرَ وجودَ الله.
الطالب: ما قلتُ ذلك، يعني أقول إنه ..
الشيخ: على كلِّ حالٍ لا بدَّ من كفرٍ بَوَاحٍ صريحٍ.
الطالب: أريد يا شيخ أنْ أفهم يعني السؤال أشكلَ عليَّ.
[ ١ / ٣٥٢٤ ]
الشيخ: حتى لو فهمتَ -بارك الله فيك- ما يمكن تخرج على الإمام.
الطالب: شيخ، ما أتكلم لأني أخرج، أنا ما () أفعل شيئًا، ولكن هذا عِلْم حتى ().
الشيخ: العِلم لازِمْ أنْ نرى، فلا يكفي الظن؛ «كفرًا»، فالفسوق لا يُوجِب الخروجَ عليه، بلْ لا يُبيح الخروج على الإمام إذا كان فاسقًا. «بواحًا» يعني لا تأويل فيه، فإنْ كان فيه التأويل بأنْ قال الإمام: أنا أرى أنَّ مسائل الدنيا ما نرجع فيها للشرع؛ لأن الرسول ﷺ قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»، هذا له تأويل. عندنا فيه من الله برهان: يعني معناه عندنا دليلٌ قاطعٌ على أن هذا العمل الذي قام به هذا الإمام كُفر.
بقي شرط وجوب الخروج هو؟
طالب: الاستطاعة.
الشيخ: القدرة والاستطاعة.
طالب: هذا معلوم أن لوجوب الخروج يرى بعضهم ..
الشيخ: إي، خلاص، فالشروط الأربعة لجواز الخروج، والشرط الخامس لوجوب الخروج.
طالب: الكلام يعني، هو مِن الكلمة يا شيخ، مِن الكلمة، هل يعني ممكن الإنسان يكفر بكلمة؟
الشيخ: إي، يُمكن إذا قال: إن الله ليس بموجود مثلًا والعياذُ بالله.
الطالب: فقط؟
الشيخ: لا، هذا مِثال.
الطالب: نعم، رجلٌ قال يعني مثلًا: ليس للشريعة الإسلامية مكان.
الشيخ: ما أحد يقول ليس للشريعة مكان، يعني حتى في العبادات أو في الأمور الاقتصادية.
طالب: لا يا شيخ، مش مكان ()، في الأمور اللي يتحاكم بها الناس وبعضهم.
الشيخ: هذا ما هو بَوَاح؛ لأنه بعض الناس اشتبهَ عليه قوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» بأن المراد كلُّ ما يتعلَّق بالدنيا فهو إليكم.
طالب: شيخ، ما المقصود بالحديث: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ فِي يَوْمَي الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ»، المقصود بعرض الأعمال؟
[ ١ / ٣٥٢٥ ]
الشيخ: المقصود بعرض الأعمال كما قال الرسول: تُعرَض على الله ﷾، فيغفر الذنبَ، ويزيد في الثواب، ويرضى عن العبد الذي عَمِل بطاعته، وما أشبهَ ذلك.
طالب: شيخ، قُلنا: الأصلُ في الأمرِ الوجوبُ.
الشيخ: فيه خلاف.
الطالب: ().
الشيخ: ويش عندك أنت؟
الطالب: الحديث عن () يوم الجمعة الصيام، قال لها الرسول ﷺ: «أَفْطِرِي» () فما ()؟
الشيخ: إي، جيِّد، هذا يقول: إذا قُلنا: الأصلُ في الأمرِ الوجوبُ وفي النهي التحريم. فقد نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة وقال للمرأة، قال لها: «أَفْطِرِي»، والأمر للوجوب، فالعلماء قالوا: يدلُّ على أنَّ النهي ليس للتحريم وأنَّ الأمر للاستحباب أنَّه جاز صومُه بضمِّه إلى غيره، ولو كان صومه حرامًا لم يجز بضمِّه إلى غيره، بدليل أن يوم العيد لو صامه الإنسان مضمومًا إلى غيره لم يَجُز.
طالب: ().
الشيخ: هذا اللي عنده ().
طالب: إذا صام الستَّ قبل القضاء () ثم أتبعها بالقضاء، وعليه أن ()، هل يصوم بعده؟
الشيخ: إي نعم، يصوم بعد القضاء ويكون ذاك نفلًا.
***
() وإذا وجد عنده لحم آدميٍّ هل يأكله؟
أمَّا إذا كان الكافرُ حربيًّا فهو حلالُ الدمِ يقتله ويأكله، وأمَّا إذا كان ذِمِّيًّا أو معاهَدًا أو مستأمنًا فلا.
ولكن إذا وُجِد ميِّت؛ يعني -مَثَلًا- رجُلانِ في مفازةٍ انقطع عنهم الطعام والشراب فمات أحدهما، فهل للآخَر أنْ يأكل صاحبه؟
أمَّا المذهب فلا يجوز؛ مذهب الحنابلة، يقولون: لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»، فحُرمة الميتِ كحُرمة الحيِّ.
وأمَّا مذهب الشافعية، وأظنُّه روايةً عن أحمد، فيقولون: إنه لا بأس أنْ يأكل من هذا الميِّت بقَدْر الضرورة؛ لأن حُرمة الحيِّ أعظم من حُرمة الميِّت، وهذا هو الصحيح.
[ ١ / ٣٥٢٦ ]
هل تجب ركعتا تحية المسجد في فناء المدرسة بعد أن يُفرش في الفناءِ السجادُ؟
لا؛ لأن هذا يُسمَّى مُصَلًّى ولا يُسمَّى مسجدًا، ولهذا لا يَثْبت له أحكامُ المسجدِ؛ فيجوز البيعُ والشراءُ فيه، ويجوز للجُنُب أن يمكث فيه بلا وضوءٍ، وما أشبهَ ذلك.
يقول: ذكرتم بالأمس أنَّ سبب القتال بين جيشِ عليٍّ وجيشِ معاويةَ ﵄ أنَّ سببه من الجيشِ نفسِه، فما صحة مَن يقول: إن الجيشانِ -هكذا عبَّر، ما أدري لعله على لُغةِ من يُلْزم المثنى الألفَ مُطْلَقًا أو هو لحن، ويش نقول له؟
طالب: لحن يا شيخ.
الشيخ: إي، بارك الله فيك، إذَن الصواب: إنَّ الجيشينِ كانا سيصطلحانِ فيما بينهما، ولكن بعض الذين في قلوبهم مرضٌ ألَّبوا القتال في الليل.
ما يَبْعُد هذا، ولكن الذين ألَّبوه من الجيش، بمعنى أنه ليس من القُوَّاد.
طالب: ذَكَر بعضُ الإخوة في الدرس السابق أنَّ بعض الخلفاء الراشدين صام في يوم عرفة، يقول: إنَّ ابن عمر ﵁ أخبرَ بأنه حجَّ مع النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان فلمْ يَصُم أحدهم بعرفة، ذَكَره عنك.
الشيخ: إي، ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال أنَّ أحد الإخوة قال: إنهم صاموا بعرفة.
الشيخ: ما سمعته ().
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما سمعته، أنه صام بعرفة؟ !
الطالب: أنهم صاموا بعرفة.
الشيخ: أحد الخلفاء؟ !
الطالب: بعض الخلفاء الراشدين، وابن عمر يقول: بأنهم ما صاموا ().
الشيخ: () هو الظاهر، () الرسول أعلنَ فِطْره أمام الناسِ، ما يُمكن أنْ يصوم الخلفاء الراشدون.
على كل حال هذه أسئلة ما هي بذات أهمية.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويُكره إفرادُ رجب والجمعةِ والسبتِ والشكِّ، ويَحرُم صومُ العيدينِ ولو في فرضٍ، وصيامُ أيام التشريق إلا عن دمِ متعةٍ وقِرانٍ.
[ ١ / ٣٥٢٧ ]
ومَن دخلَ في فرضٍ مُوسَّعٍ حَرُم قَطْعُهُ، ولا يَلْزم في النفْلِ ولا قضاءُ فاسِدِهِ إلا الحج.
وتُرجَى ليلةُ القَدْر في العَشْرِ الأواخرِ من رمضان، وأوتارُه آكَدُ، وليلةُ سبعٍ وعشرين أَبْلغ، ويدعو فيها بما وَرَدَ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا ما يُشرع صومُه من الأيام والأشهر.
قال المؤلف: (وأفْضَلُهُ) أي: أفضلُ صومِ التطوعِ (صومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ)، ودليل ذلك أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه قال: لَأصُومَنَّ النهارَ ولا أُفْطِر، ولَأقُومَنَّ الليلَ ولا أنام. فبلغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأله: «أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ كَذَا؟» قال: نعم. فقال له النبيُّ ﷺ: «صُمْ كَذَا، صُمْ كَذَا». قال: إنِّي أُطِيق أفضل مِن ذلك، حتى قال له: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، صِيامُ دَاوُدَ». وقال له في القيام: «نَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَقُمْ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَنَمْ سُدُسَ اللَّيْلِ، فَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قِيَامُ دَاوُدَ»، وذلك لأن هذا الصيام يعطي النفسَ بعضَ الحريةِ ويعطي البدنَ بعضَ القوةِ؛ لأنه يصوم يومًا ويفطر يومًا.
وكذلك القيام؛ إذا نامَ نصفَ الليل ثم قامَ ثُلثه ثم نامَ سُدسه فإنَّ تعبه في قيام الثُّلثِ سوف يزولُ بنومه في السُّدس، فيقوم في أول النهار نشيطًا، ولكن هذا مشروطٌ -أي: صَوم يومٍ وفِطْر يومٍ- مشروطٌ بما إذا لم يُضَيِّع ما أوجب الله عليه، فإنْ ضيَّعَ ما أوجبَ اللهُ عليه كان هذا مَنْهِيًّا عنه؛ لأنه لا يمكن أن تُضاع فريضةٌ من أجْلِ نافلة.
[ ١ / ٣٥٢٨ ]
فلو فُرِضَ أن هذا الرجل إذا صام يومًا وأفطر يومًا تخلَّف عن الجماعة في المسجد لأنه يتعبُ في آخِر النهار ولا يستطيع أنْ يَصِل إلى المسجد، فنقول له: لا تفعلْ؛ لأن إضاعةَ الواجبِ أعظمُ من إضاعةِ المستحبِّ، هذا مستحبٌّ لا تأثمُ بتَرْكه، فاتركه.
كذلك لو فُرِض أنه لو صام يومًا وأفطرَ يومًا انشغلَ بذلك عن مؤونةِ أهْلِهِ الذين تَلْزمه مؤونتُهم؛ يعني انقطعَ عن البيع والشراء، انقطعَ عن العمل، فإنَّنا نقول له: لا تفعلْ؛ لأن القيام بالواجب أهمُّ من القيام بالتطوع.
وقد التزمَ عبد الله بن عمرو بذلك حتى كَبِر، فتمنَّى أنه قَبِلَ رُخصة النبي ﷺ أن يصوم من كل شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، حتى إنه اجتهدَ ﵁ وصارَ يصومُ خمسةَ عَشَرَ يومًا متتابعةً ويُفطر خمسةَ عَشَرَ يومًا متتابعةً، ويرى أنَّ هذا بدلٌ عن صيام يومٍ وإفطارِ يومٍ، لكنْ مع ذلك تمنَّى أن يكون قَبِلَ رُخصة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ١ / ٣٥٢٩ ]
ونأخذ من هذا فائدةً، وهي أنَّ الإنسان لا يقيس نفسَه في مستقبله على حاضِره؛ فقد يكون الإنسان في أول العبادةِ نشيطًا يرى نفسَه أنه قادرٌ، ثم بعد ذلك يَلْحقه المللُ أو يَلْحقه ضعفٌ وتعبٌ ثم يندم، لهذا ينبغي للإنسان أن يكون عمله قصدًا، ولهذا قال النبي ﵊ مرشدًا أُمَّتَه، قال: «اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ»؛ يعني لا تُكلِّفوا أنفسكم، وقال: «الْقَصْدَ»، «اسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ، والْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا»، وقال: «إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى»، الْمُنْبَتُّ: الذي يسير ليلًا ونهارًا، فهذا لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبقى. فالإنسان ينبغي له أن يقدِّر المستقبل، لا يقول: أنا الآن نشيط؛ مثلًا بأعمل كذا، مثلًا يقول: بأغيِّب القرآن، وكذا وكذا من الأحاديث، وزاد المستقنع، وأغيِّب ألفية ابن مالك، كلها أغيِّبها بأسبوع. هذا ما يصير هذا، أعطِ نفسك حقَّها، وقد قال النبي ﵊: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ»، وكثيرٌ من الناس يكون عنده رغبةٌ إما في العبادة أو طلبِ العلم أو غيرِ ذلك، ثم بعد هذا يكسل، فالذي ينبغي للإنسان أن يخطِّط للمستقبل كما يخطِّط للحاضر.
قال: (وأَفْضَلُهُ صَومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ)، وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ يوم الجمعة صومُهُ ليس بحرامٍ، وأنَّ صوم يوم السبت ليس بحرامٍ؛ لأنه إذا صار يصوم يومًا ويُفطِر يومًا سوف يصادفُ الجمعة والسبت، لذلك يتبيَّن أنَّ صومهما ليس بحرامٍ، وإلا لَقال الرسول ﵊: صُمْ يومًا وأَفْطِر يومًا ما لم تصادف الجمعة والسبت.
***
ثم قال: (ويُكره إفرادُ رجبٍ) بالصوم، لماذا؟
[ ١ / ٣٥٣٠ ]
علَّلوا هذا بأنه من شعائر الجاهلية، وأنَّ أهل الجاهلية هم الذين يُعَظِّمون هذا الشهر، وأمَّا السُّنة فلم تَرِدْ في تعظيمه، ولهذا قالوا: كلُّ حديثٍ يُروى في فَضْل الصلاة أو الصوم في رجبٍ فإنه كَذِبٌ باتفاق أهل العلم بالحديث. وقد ألَّفَ ابنُ حجرٍ ﵀ رسالة صغيرة: تبيينُ العَجَب فيما وَرَدَ في فَضْلِ رَجَب، أو قال: في صومِ رَجَب.
وقوله: (يُكره إفرادُ رجبٍ) يؤخذ منه أنه لو صامه مع غيره فلا يُكره؛ وذلك لأنه إذا صام معه غيره لم يَكُن الصيامُ من أجْل تخصيص رجب؛ يعني لو صام شعبانَ ورَجَبًا فلا بأس، لو صام جمادى الثاني ورَجَبًا فلا بأس.
(يُكره إفرادُ رجبٍ والجمعةِ) الجمعةُ يُكره إفرادها؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ جُمُعَةٍ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ»، وقال: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ، وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ»، وقال لإحدى أمهات المؤمنين وقد وجدها صائمةً يوم الجمعة: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟». قالت: لا. قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟». قالت: لا. قال: «فَأَفْطِرِي»، فإنْ صامها مع غيرها لم يُكره؛ لو صام الخميس والجمعة فلا بأس، أو الجمعة والسبت فلا بأس.
فإنْ صامها وحدها لا للتخصيص، لكنْ لأنه وقتُ فراغه؛ كرجُلٍ عاملٍ يعمل كلَّ أيام الأسبوع وليس له فراغ إلا يوم الجمعة، فهل يُكره؟
عندي أنَّ فيه ترددًا؛ إنْ نَظَرْنا إلى ما رواه مسلم: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ» قلنا: إنَّ هذا لم يَخُصَّها.
[ ١ / ٣٥٣١ ]
وإنْ نَظَرْنا إلى حديث المرأة قال: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟». قالت: لا. قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟». قالت: لا. قال: «فَأَفْطِرِي». فإنَّ هذا قد يؤخذ منه أنه يُكره إفرادُها وإنْ كان في الأيام الأخرى لا يستطيع، وقد لا يؤخذ منه فيُقال: إنَّ قول الرسول «أَصُمْتِ أَمْسِ؟» أو «أَتَصُومِينَ غَدًا؟» يدل على أنها قادرةٌ على الصوم.
فالحاصل أنه إذا أَفْرَدَ يومَ الجمعة بصومٍ لا لقَصْدِ الجمعةِ، ولكنْ لأنه اليوم الذي يحصُل فيه الفراغُ، فالظاهر -إن شاء الله- أنه لا يُكره وأنه لا بأس.
وقوله: (والسبت) أيضًا يُكره إفرادُه، وأمَّا جَمْعُه مع الجمعة فلا بأس؛ لقول النبي ﷺ: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟»، فدلَّ هذا على أن صومه مع الجمعة لا بأس به.
وهذه المسألة قد يُلْغَز بها ويُقال: يومانِ إنْ أُفْرِدَ أحدُهما كُرِهَ، وإن اجتمعا فلا كراهة. مع أنَّ الذي يتبادر أنَّ المكروه إذا ضُمَّ إلى مكروهٍ ازدادت الكراهة، لكن هذا إذا ضُمَّ المكروهُ إلى مكروهٍ زالت الكراهة، وذلك لأن الكراهة إنما هي في الإفراد، فإذا صار الجمعُ فلا كراهة.
إفرادُ يوم السبت، ما الدليل على كراهته؟
الدليل: يقول: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ»، ونحن إذا نَظَرْنا إلى هذا الحديث وإلى ظاهرِ هذا الحديث قُلنا: إنَّ صوم يوم السبت في النافلة منهيٌّ عنه سواء أَفْرده أو ضمَّه إلى يوم الجمعة أو إلى يوم الأحد.
ولكنْ يُقال: هذا النهيُ لِنفرضْ أنه عامٌّ، فإذا وَرَدَ ما يدلُّ على التخصيص وهو جواز صوم يوم السبت مع الجمعة كان مخصِّصًا لهذا العموم.
[ ١ / ٣٥٣٢ ]
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فمنهم مَن قال: إنَّه منسوخٌ، ومنهم مَن قال: إنَّه ضعيفٌ، ومنهم مَن قال: إنَّه شاذٌّ. ولكن يُقال: لا حاجة إلى هذا كلِّه، الحديث لا بأس به، ولكنْ يُحمَل على ما إذا أَفْرده؛ بدليل ما ثبتَ في الأحاديث الأخرى مِن أنَّه إذا ضُمَّ إليه يومُ الجمعة فلا بأس به.
فإذا قال قائل: كيف تقتصرون على الكراهة مع النهي؟
قُلنا: نقتصر على الكراهة مع النهي لأنَّه لو كان النهيُ للتحريم لم يَزَل التحريمُ بضمِّه إلى يومٍ آخَر، فهذا يدلُّ على أنَّ النهي فيه خفيفٌ، بدليل أنَّه يصح صومُه أو يجوز صومُه مع ضمِّه إلى يوم آخَر.
وقوله: (ويوم الشكِّ) يعني: يُكره صومه.
والكلام الآن: ما هو يوم الشك؟
قيل: إنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤيةَ الهلال كغَيْمٍ وقَتَرٍ.
وقيل: إنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماءُ صَحْوًا.
وأيُّهما أَقْرب؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول أقربُ؛ لأنه إذا كانت السماءُ صَحْوًا وتراءى الناسُ الهلالَ ولم يَرَوْه لم يَبْقَ عندهم شكٌّ أنه لم يَهِلَّ، فالشكُّ يكون إذا كان هناك ما يمنع رؤية الهلال.
ولكنْ لَمَّا كان فقهاؤنا ﵏ يرون أنه إذا كان ليلة الثلاثين يحولُ بين رؤيةِ الهلال ما يمنع رؤيتَه فإنه يجب صومُه؛ حملوا الشكَّ على ما إذا كانت السماءُ صَحْوًا، وهذه آفةٌ في الحقيقة يَلْجأ إليها بعض العلماء، وسبب هذه الآفة أنَّ الإنسان يعتقد قَبْل أنْ يستدلَّ، وهذا خطأ، الواجب أنْ تجعل اعتقادك تابعًا للدليل، فتستدلَّ أولًا ثم تعتقدَ ثانيًا وتحكمَ ثانيًا.
فالصواب بلا شك أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، وأمَّا إذا كانت السماء صَحْوًا فلا شك.
بقي أن يُقال: هل صومُه مكروهٌ كما قال المؤلف أو محرَّم؟
[ ١ / ٣٥٣٣ ]
نقول: في هذا خلافٌ بين العلماء؛ فمنهم مَن قال: إنه محرَّم، ومنهم مَن قال: إنه مكروهٌ. والصحيح أنَّ صومه محرَّم إذا قصد به الاحتياط لرمضان، ودليلُ ذلك قولُ عمار بن ياسر ﵁: مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ، وثَبَتَ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ».
وعلى هذا فإذا صامَ يومَ الشكِّ احتياطًا لرمضان فإنَّ ذلك يكون حرامًا عليه؛ لأنه نوعٌ من التعدِّي لحدود الله؛ فإن الله يقول في كتابه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ورسوله ﷺ يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
***
(ويَحْرُمُ صومُ العيدَيْنِ) لنهْيِ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك؛ فقد ثبت عنه أنه نهى عن صوم يوميِ العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، وأجمعَ العلماء -﵏- على أنَّ صومهما محرَّم،
فلا يجوز للإنسان أنْ يصوم يوم العيد.
ولكنْ لو أنَّه كان يومُ العيد عندنا هنا، وكان في شرق آسيا مثلًا ليس يوم العيد، هل يحرُم عليهم الصوم؟
طلبة: لا يحرم.
الشيخ: إنْ قُلتم لا يَحْرُم أخطأتم، إنْ قُلتم يَحْرُم أخطأتم أيضًا.
نقول: على رأي مَن يرى أنه إذا ثبتت الرؤية في مكانٍ من الأرض بطريقٍ شرعيٍّ فهي للجميع يكون صومُ الذين في شرق آسيا حرامًا؛ لأن هذا اليومَ يومُ عيدٍ لهم، وإذا قُلنا: إنَّ كلَّ قومٍ لهم رؤيتُهم، وهم لم يَرَوْه ونحن رأيناه؛ فإنه لا يَحْرُم عليهم ويَحْرُم علينا نحن.
[ ١ / ٣٥٣٤ ]
(ولو في فرضٍ) حتى لو كان في فرضٍ فإنه يَحْرُم أنْ يصوم يومَيِ العيدينِ، حتى لو كان على الإنسان قضاءٌ من رمضان وقال: أُحِبُّ أن أبدأ بالقضاء من أول يومٍ من شوال، قُلنا: هذا حرام، حتى لو فُرِضَ أنه نَذَر أنْ يصوم يوم الاثنينِ فصادفَ يومَ العيد فإنه حرامٌ عليه.
قال: (وصيام أيامِ التشريق) يعني يَحْرُم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيها: «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ ﷿»، فقوله «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» يدلُّ على أنَّ هذه الأيام لا تصلح أنْ تكون أيامَ إمساك، وإنما هي أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ لله.
وأيام التشريق ثلاثةٌ بعد يوم النحر، فهي: الحادي عَشَرَ، والثاني عَشَرَ، والثالث عَشَرَ، وهذه الأيامُ الثلاثةُ تُسَمَّى أيامَ التشريق؛ لأنَّ الناس كانوا يُشَرِّقون فيها اللحم، ومعنى يُشَرِّقونه: أي يُقَدِّدونه ثم ينشرونه في الشمس من أجْل أنْ يَيْبَسَ حتى لا يعفن ويفسد، فلهذا سُمِّيتْ أيام التشريق.
قال: (إلا عن دمِ متعةٍ وقِرَانٍ) يعني فيصح.
كيف دم المتعة والقِران؟
إذا حجَّ الإنسان وكان متمتعًا -والمتمتع هو الذي يأتي بالعُمرة أولًا ثم يَحِلُّ ويأتي بالحج بعد ذلك- فعليه الهدْيُ، فإنْ لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع.
القارن كالمتمتع، وهو الذي يُحرِم بالعمرة والحج جميعًا فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا، أو يُحرِم بالعمرة أولًا ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، فهو أيضًا قارنٌ وعليه الهدْيُ، فإن لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع من الحج.
دمُ المتعةِ والقِرانِ إذا لم يجدهما الحاجُّ فإنه يصوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع.
فمتى تبتدئ هذه الأيامُ الثلاثةُ؟
[ ١ / ٣٥٣٥ ]
تبتدئ من حين الإحرام بالعمرة حتى ولو كان قبل شهر ذي الحجة؛ إذا كان متمتعًا وأحرمَ بالعمرة في آخر ذي القعدة وهو يعلم أنه لن يجد الهدْيَ لأنه ليس معه دراهم فله أنْ يصوم.
فإن قيل: كيف يصوم في العمرةِ والآيةُ الكريمةُ يقول الله فيها: ثلاثة في الحج.
نقول: لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ».
متى ينتهي صوم هذه الثلاثة؟
ينتهي بآخِر يومٍ من أيام التشريق، وعلى هذا فإذا لم يتيسَّر للإنسان أنْ يصوم قبل ذلك فإنه يصوم الأيام الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ وابنِ عمر -﵃- أنهما قالا: لم يُرَخَّصْ في أيام التشريقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لم يجد الهدْي.
وقول الصحابي: لم يُرَخَّص، أو: رُخِّصَ لنا، أو ما أشبهَ ذلك يُعتبر مرفوعًا حكمًا.
***
قال: (ومَن دَخَلَ في فرضٍ موسَّعٍ حَرُمَ قَطْعُهُ).
(مَنْ دَخَلَ) يعني: شَرَعَ (في فرضٍ موسَّعٍ) فإنه يَحرُم عليه قَطْعُه، ويَلْزمه إتمامُه إلا لعُذرٍ شرعيٍّ.
مثال ذلك: رجلٌ لَمَّا أُذِّن لصلاة الظُّهر قام يصلِّي صلاة الظهر، ثم أراد أنْ يقطع الصلاة ويصلِّي فيما بَعْدُ؛ فإنه لا يحلُّ له ذلك مع أنَّ الوقت مُوَسَّعٌ له إلى العصر، لكنْ لَمَّا شرعَ به صار لازمًا عليه، فلا يحلُّ له قطعُه لوجوب الْمُضِيِّ فيه؛ لأنه واجبٌ شَرَعَ فيه، وشروعُه فيه يُشْبه النذْرَ، فيَلْزمه أن يُتِمَّ.
وإنْ دخلَ في فرضٍ مُضيَّقٍ؟
طلبة: من باب أَوْلى.
الشيخ: حَرُمَ قطعُه من باب أَوْلى؛ فلو دخلَ في الصلاة ولم يبقَ من الوقت إلا مقدار ركعاتِ الصلاةِ حَرُم عليه القطعُ من باب أَوْلى؛ لأنه إذا حَرُم القطعُ في الموسَّع ففي المضيَّق من باب أَوْلى.
[ ١ / ٣٥٣٦ ]
لكن استثنينا ما إذا كان لضرورةٍ؛ مِثْل أنْ يشرع الإنسانُ في الصلاةِ ثم يُضْطر إلى قطعها لإطفاء حريقٍ أو صدِّ غَرَقٍ أو ما أشبهَ ذلك، ففي هذه الحال له أن يقطع الصلاة.
وهلْ يجوز أن يقطع الفرضَ ليأتي بما هو أكمَلُ؛ مِثْل أنْ يشرع في الفريضة في الصلاة، ثم يحسُّ بجماعةٍ دخلوا ليصلُّوا جماعةً، فهلْ له أن يقطع الصلاةَ هنا من أجْل أن يدخل في الجماعة؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجواب نعم، له ذلك؛ لأن هذا الرجل لم يعمد إلى معصية الله ورسوله بقطع الفريضة، ولكنه قَطَعَها ليأتي بها على وجهٍ أكمَل، فهو لمصلحة الصلاة في الواقع، فلهذا قال العلماء في مِثْل هذه الحال: له أنْ يقطعها إلى ما هو أفضل.
وربما يُستدَلُّ لذلك بقصة الرجل الذي أتى النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة وقال: يا رسول الله إني نذرتُ إنْ فَتَحَ اللهُ عليك مكة أنْ أصلِّي ركعتينِ في بيت المقدس، أو قال: أنْ أصلِّي في بيت المقدس. قال: «صَلِّ هَاهُنَا». فأعادَ عليه مرَّتينِ أو ثلاثًا فقال: «شَأْنَكَ». يعني أنا أفتيتُك بأنه يجوز أنْ تصلِّي في مكة، وإذا أَصْرَرْتَ على أنْ تصلِّي هناك فشأنك؛ أي: فالزمْ شأنَك أو: فالأمرُ شأنُك وأمرُك.
فهنا أَذِنَ له الرسول ﵊ أن يصلِّي في مكة، لماذا؟ لأنها أفضل، وإنْ كان ذهابُه إلى بيت المقدس فيه نوعٌ من المشقَّة والتعب، ولكنْ لا يتقصَّد الإنسانُ التعبَ في العبادة، تقصُّد التعبِ في العبادة قد لا يكون فيه أجر، لكنْ إذا كانت العبادةُ لا تأتي إلا بتعبٍ كانت أفضل.
وهذه نقطةٌ ينبغي للإنسان أن يتنبَّه لها وهي: هلْ تقَصُّد التعب في العبادة أفضلُ أم الراحة؟
الجواب: الراحة أفضل، لكنْ لو كانت العبادةُ لا تأتي إلا بتعبٍ كانت المشقَّةُ والتعبُ أَفْضل؛ فيها أجْر، ولهذا قال النبي ﵊ فيما يرفع الله به الدرجات ويُكفِّر به الخطايا قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ».
[ ١ / ٣٥٣٧ ]
لكنْ لا نقول للإنسان: إذا كان يُمْكنك أن تسخِّن الماء فالأفضل أنْ تذهب إلى الماء الثلج وتتوضأ به. لا نقول هذا، ما دامَ اللهُ يَسَّرَ عليك فيَسِّرْ على نفْسِك.
الشاهد من هذا أنَّ الرسول ﷺ أَمَره أنْ يصلِّي في مكة حتى ألَحَّ عليه فقال: «شَأْنَكَ».
قال المؤلف -﵀- (ولا يَلْزمُ في النَّفْل).
يعني: لا يَلْزم الإتمام في النفْل؛ ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ على أهْله ذاتَ يومٍ فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». قالوا: نعم، عندنا حَيْسٌ، قال: «أَرِينِيهِ». يقول لعائشة: «فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا». فأرتْهُ إيَّاه فأكلَ، وهذا الصومُ نفْلٌ، فقَطَعه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأَكَل، فدلَّ هذا على أنَّ النفْل أَمْره واسعٌ للإنسان أنْ يقطعه.
ولكن العلماء يقولون: لا ينبغي أنْ يقطعه إلا لغرضٍ صحيحٍ. واستدلُّوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
واستدلُّوا أيضًا بأنَّ النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ؛ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»، فإذا كان النبيُّ ﵊ انتقده لتَرْكِ قيامِ الليلِ فكيف بمن تَلَبَّسَ بالنافلة؟ ! يكون انتقادُه إذا تَرَكَها مِن باب أَوْلى، ولهذا نقول للإنسان إذا شَرَعَ في النافلة: لا تقطعْها إلا لغرضٍ صحيح.
وهلْ من الغرض إذا دخلَ في الصلاة فنادتْه أُمُّه، هل من الغرض الصحيحِ أنْ يَرُدَّ عليها فيقطع الصلاة؟
طالب: لا غير صحيح.
طالب: إذا كانت نافلة؟
الشيخ: إي نعم، نافلة.
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم؟
طالب: مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا أو فيه تفصيل؟
طالب: () نافلة.
[ ١ / ٣٥٣٨ ]
الشيخ: نقول: فيه تفصيل؛ إذا كانت الأمُّ إذا علمتْ أنه في صلاةٍ لا ترضى أنْ يقطعها، وأحبُّ إليها ألَّا يقطعها وأنْ يمضي في صلاته، ولا يؤثِّر عليها شيئًا، ولا يكون في قلبها شيءٌ عليه، فهُنا لا يقطعها؛ لأنه ربما لو قطعها مَثَلًا، لو قَطَعَ الصلاةَ وقال لأُمِّه: قطعتُ الصلاةَ من أجْلك. قالت: ليش تقطعها! هذا لا نقول: اقطع الصلاة.
أمَّا إذا كانتْ مِمَّن لا يعذر في مثل هذه الحال؛ يعني: بعضُ النساء، بل بعضُ الآباء لا يعذر في مِثْل هذه الحال، ففي هذه الحال نقول: اقطعها.
لو ناداه الرسول ﷺ؟
طلبة: يجب.
طالب: () كانتْ فرضًا ().
الشيخ: هذا السؤال: لو ناداه الرسول؟ نقول: أمَّا هذه المسألة الآن فلا تَرِد، لكن المسألة؛ يعني فرضُها نظريًّا وعِلميًّا، نقول: يجب عليه أنْ يقطع الصلاة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
لكنْ لو قال قائل: إنَّ الآية فيها ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فلا بدَّ أن نعلم أنه دعانا لشيءٍ ينفعنا.
فالجواب أنَّ هذا القَيْد ليس قَيْدَ احترازٍ، ولكنه قَيْدٌ لبيانِ الواقعِ؛ فإن الله ورسوله لا يدعُوانِنَا إلَّا لما فيه حياتُنا.
طالب: شيخ، في قوله: (ويَحْرُمُ صومُ العِيدَينِ ولوْ فِي فرضٍ)، هلْ هذه إشارةٌ إلى خلافٍ في صيامِ العيدينِ؟
الشيخ: ما أدري هلْ فيها خِلاف، أو رفْع توهُّمٍ.
طالب: ().
الشيخ: أو رفع توهم. لئلا يقول قائل إذا كان فرضًا فهذا واجب عارضه محرَّم.
طالب: ().
الشيخ: توهُّم.
طالب: عبارةٌ في الكتاب، يقول: (وعيد الكُفَّار)، ذكر مِن ضِمْن المكروه عيد الكفَّار.
الشيخ: صوم أعياد الكفَّار اختلف فيه الفقهاء:
[ ١ / ٣٥٣٩ ]
منهم مَن قال: إنه يُكره أنْ يصوم يوم عيد الكفار؛ لأن هذا يعطي الكفار قُوَّةً، ويقول: هؤلاء المسلمون عظَّموا عيدنا فصاموه. وهذا الأصحُّ.
ومنهم مَن قال: بل لا يُكره؛ لأن الصوم ضِدُّ الفِطر، والفِطْر فرحٌ وسرورٌ، فكأنه يقول: أنتم أيها الكفار تبتهجون بهذا اليوم بالأكل والشُّرب والحلوى وما أشبهَ ذلك، ونحن نقابلُكم بالصوم والإمساك.
لكن الأَوْلى أنْ يُقال بالكراهة وألَّا نَعْبأ بالكفار وأعيادهم؛ يعني ينبغي بلْ يجب علينا ألَّا نهتمَّ بأعيادهم، اللهم إلَّا أنْ نُحَذِّر السفهاءَ الذين يُعظِّمون أعيادَ الكفار ويتبادلون الهدايا بينهم في أعيادهم، فهذا لا بأس.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فإذا كان الإنسان يُصَلِّي وقيل: حيَّ على الجهاد؟
الشيخ: إي نعم، هذه يمكن يصلِّي ويمشي، ما هي مشكلة.
طالب: يعني: لا، حيَّ على الجهاد لا ().
الشيخ: ().
طالب: () الكفَّار ().
الشيخ: إذا كان فرض كفاية ()، أو فرض عينٍ؛ مِثْل يُعرف أنَّ هذا الرجل يَعرِف من السلاحِ والعملِ بالسلاح ما لا يَعرِف غيرُه فيجبُ عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم حديثَ النبيِّ ﷺ: «إِنَّ خَيْرَ الصِّيَامِ صَوْمُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»، وكذلك يوجَد حديثٌ آخَرُ؛ قال ﷺ فيه: «خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ»، وكان يصوم الاثنين والخميس، فما الذي ترجِّحونه -بارك الله فيكم- بالنسبة للمسلم؛ يعني: هلْ يتَّبع النبيَّ ﷺ فيصوم السُّنة الفعلية؛ يصوم الاثنين والخميس، أمْ يصوم يومًا بعد يوم؟
الشيخ: لا، يصوم يومًا ويفطر يومًا.
[ ١ / ٣٥٤٠ ]
الطالب: ثم ما رأيُكم في قول مَن يقول بأنَّه حتى الحديث الثاني عائدٌ إلى الأول؛ بمعنى أنَّ مَنْ صامَ يومًا وأفطرَ يومًا فمصيره إلى أنْ يصوم الاثنين والخميس فقط؛ لأن الجمعة منهيٌّ عن إفرادها، وكذلك منهيٌّ عن إفراد السبت، ثم إذا صام ..
ولا يَلْزَمُ في النفْلِ، ولا قَضاءُ فاسِدِه إلا الْحَجُّ، وتُرْجَى ليلةُ القَدْرِ في العَشرِ الأواخِرِ من رَمضانَ، وأَوتارُه آكَدُ، وليلةُ سبعٍ وعشرينَ أبلغُ، ويَدْعُو فيها بما وَرَدَ.