لا يُعْقَدُ لغيرِ الْمَجوسِ وأهلِ الكتابينِ ومَن تَبِعَهم، ولا يَعْقِدُها إلا إمامٌ أو نائبُه، ولا جِزْيَةَ على صَبِيٍّ ولا امرأةٍ ولا عَبْدٍ ولا فقيرٍ يَعْجِزُ عنها، ومَن صارَ أَهْلًا لها أُخِذَتْ منه في آخِرِ الْحَوْلِ، ومَتَى بَذَلُوا الواجِبَ عليهم وَجَبَ قَبولُه وحَرُمَ قِتَالُهم، ويُمْتَهَنُون عندَ أَخْذِها ويُطالُ وُقوفُهم وتُجَرُّ أَيْدِيهِم.
[ ١ / ٤٢٤٩ ]
ويقال: إن بعض الناس عندنا تَصَبَّر بيتًا خمس مئة سنة، فلما أراد الشيخ أن يكتب بينهما، وكان الشيخ هو القاضي، قال المستأجر للمتصبِّر: يا شيخ ما تكفي، أنا أريد ألف سنة، قال: تكفي يا ابن الحلال، قال: ما تكفي، باكر يطلعون عيالي بالشارع إذا تمت المدة، فقال له الشيخ: إذا طلَّعوا أولادك بالشارع بعد خمس مئة سنة فأنا عندك، تحاكموا عندي ().
طالب: شيخ جزاك الله خيرا، إذا أردنا أن نبني مبنى على هذه الأرض، يجوز لنا؟
الشيخ: الخَراجية؟ إي نعم.
الطالب: يجوز نبني مبنى ويأخذ هو منه الخَراج.
الشيخ: إي نعم، الخَراج على صاحب البيت.
الطالب: لا يا شيخ، منزل للسكن.
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: مشروع؟
الشيخ: يأخذ.
طالب: شيخ الخَراج هل هو مختص بالأرض البيضاء؟ أو المعمورة؟
الشيخ: الظاهر من كلام المؤلف مُطْلَق، الأرض إذا غنِموها ().
الطالب: إذا غنِموا مدينة كاملة.
الشيخ: مدينة كاملة.
الطالب: فيها أسواق وعمارات، هل يُضْرَب الخَراج على العمارات وعلى؟
الشيخ: إذا رأى أنه من المصلحة أنها تُقسَم، ويُجعل الخَراج على الأرض البيضاء اللي خارج المدينة فهذا طيب.
الطالب: والعمار ..
الشيخ: يكون العمار يُقسم بين الغانمين، لكل واحد منهم يأتيه بيت.
الطالب: يجوز ضرب الخَراج على العمار؟
الشيخ: ويجوز ضرب الخَراج، لو أرادوا أن يضرب الخَراج على الكل فهو جائز.
طالب: أحسن الله إليكم، الأرض اللي كانت أصلًا للمسلمين ثم احتلها الكفار، ثم أرجعها المسلمون.
الشيخ: استرجعوها.
الطالب: استرجعوها، هل تُقَسَّم؟
الشيخ: أما مَنْ عَرف مُلْكه فهو له، وأما مَنْ لم يعرِف مُلْكَه فيُقسم؛ يعني يُجعَل في بيت المال.
طالب: قوله ﷺ: «تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلى قَاعِدِهِمْ» (١) شنو معناه يا شيخ؟ ما معناه؟
الشيخ: معناه السرايا: جمع سرية التي بعثها، والقاعدة: قاعدتهم؛ يعني اللي هي أصل الجيش.
[ ١ / ٤٢٥٠ ]
طالب: الأسير يا شيخ في الحرب إذا أُريد منه أن يفضح أسرار العدو، هل يعامَل بطريقة غير جيدة؛ يعني: بالضرب أو كذا حتى يُفصِح عن ..، بالنسبة للعدو إذا صرَّح بالعداء، وأردنا أن نعرف معلومات عنهم، ولكن لا يريد أن ينطق هل نستخدم معه القوة؟
الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيها حتى نراجعها، لكن لو أردنا أن نستعمل معه ما يسمى بالتنويم المغناطيسي، بدون قوة، وصار عندنا واحد يدير هذا الشيء، هل يجوز؟ لأن هذا ما فيه ضرر عليه، لكن بس يُخشى أن يُخبِر بأسرار خاصة؛ يعني أسرارًا شخصية خاصة؛ لأن النائم إذا نُوِّم تنويمًا مغناطيسيًّا يخاطبه الإنسان يقول: ويش بذهنك؟ ويش عندك؟ هو كل الذي عنده يعلمه.
طالب: هو كرسي الاعتراف التنويم المغناطيسي؟
الشيخ: كرسي؟ يمكن، ما أدري ويش يسمونه، لكن هذا ينومه ثم يخليه يخبِّر كل اللي بدماغه.
طالب: موجود يا شيخ هذا؟
الشيخ: إي موجودة، موجودة وجرت لواحد من جماعتنا.
طالب: شيخ ليس لها حرمة الآن.
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: يجوز لنا أن نسمع كل أسرارهم، فمثلًا نستحل زوجاتهم وبناتهم، كيف أسرارهم؟
طالب آخر: أو يقال يا شيخ: يثبت تبعًا ما يثبت استقلالًا، أسراره الخاصة جاءت تبعًا.
الشيخ: على كل حال، ربما نقول: إذا كنا نملك أن نقتله إذا لم نعطه الأمان، أما إن أعطيناه الأمان ما يجوز نقتله، ما فيه إشكال، فإذا كان لم نعطه الأمان ويجوز نقتله -كما مر علينا أنه يجوز أن يُقْتَل الأسير- فضربه حتى يبين لنا أسرار العدو من باب أَوْلى؛ يعني في ذلك مصلحة، وإيلام الضرب أهون من القتل.
طالب: () يا شيخ.
الشيخ: يقول: هل يحق للوكيل على مال اليتيم الأخذ من هذا المال بقصد السُّلْفَة على أن يرَجِّعَه في وقت قصير؟
الجواب: لا، لا يجوز له ذلك.
() بعض الناس أن يُلقي موعظة عند القبر عند دفن الميت ثم يدعو للميت ويؤمِّن الناس خلفه، فهل هذا العمل مشروع؟
[ ١ / ٤٢٥١ ]
والجواب: ليس بمشروع، الرسول كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ» (٢) ولم يكن يدعو بهم لهذا الميت بالمغفرة، ولم يكن أيضًا يخطُب بالناس خُطبة، غاية ما ورد عنه أنه كان على شفير قبر ابنته وهي تُدْفَن، فقال ﵊: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ»، قالوا: أفلا نَدَع العمل ونتَّكِل على ما كُتِب؟ قال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (٣) هذه واحدة، الثانية: جاء يوم من الأيام وهم في جنازة رجل من الأنصار ولمَّا يتم لَحْدُه، فجلس، وجلس الصحابة حوله، وجعل يحدثهم حديث المجلس (٤)، ليس أنه يقوم ويخطُب، نعم. تكلمنا عنها أمس.
طالب: ().
الشيخ: في الدرس.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، هذه يُنظَر فيها، إذا وجدتها إن شاء الله نجيب عليها.
طالب: أحسن الله إليكم، المؤلف في الكتاب، في كتاب الجهاد، ربما هذا لا يخفى عليكم، الحقيقة أنه اختصر الكتاب -كتاب الجهاد- اختصارًا ربما يكون مُخِلًَّا بشكل كبير، فما أدري يا شيخ هل يمكن أن يُقتصر على الشرح؟ أو إن رأيتم مثلًا أنه.
الشيخ: لا، نقرأ الفصل اللي في الشرح.
الطالب: أي فصل؟
الشيخ: الأمان، المؤلف ما تعرض للهدنة، الماتن ما تعرض للهدنة ولا للأمان، نقرؤه.
الطالب: إن رأيتم، أحسن الله إليكم، القراءة في كتاب المقنع كتاب الجهاد للتعليق عليه لكان حسنًا.
الشيخ: نشوف.
الطالب: فيه مسائل كثيرة.
الشيخ: بارك الله فيك، إذا قررنا قراءة في كتاب المقنع أكثر الطلاب ما عندهم المقنع، ولا يستفيدون الفائدة المرجوة، لكن ممكن الروض المربع إن رأينا المصلحة قرأنا أحكام أهل الذمة في الروض المربع.
أُحِبُّ أن نقرأ فصلًا عقده الشارح ولم يتكلم الماتن على موضوعه أبدًا، وهو فصل الأمان والهدنة أو المعاهدة أو المسالمة أو ما أشبه ذلك.
طلبة: ().
الشيخ: كيف؟
[ ١ / ٤٢٥٢ ]
طلبة: ().
الشيخ: ما يخالف، ما فيه مانع، نُكمل كلام الماتن، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَمَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ) والمراد بالمشرك هنا مَنْ لم يكن مسلمًا.
طلبة: درسناها، (وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا).
الشيخ: جزاكم الله خيرًا، اصبروا علَيَّ، مَنْ لم يكن مسلمًا.
طالب: ().
الشيخ: عجيب، يقول: (مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ كَجِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ وَعُشْرٍ)، وسبق معنا هذه الثلاثة، فما هي الجزية؟
طالب: الجزية: هي مال يؤخذ من الكافر مقابل إقامته في دار المسلمين وحمايته.
الشيخ: الخَراج؟
طالب: المال المأخوذ عن الأرض التي غُنِمَتْ ثم وُقفَتْ على المسلمين.
الشيخ: المال المأخوذ أو المضروب على الأرض المغنومة التي وُقفَتْ على المسلمين؛ لأنه سبق أنهم إذا غنِموا أرضًا يُخَيَّر الإمام بين قَسْمِها على الغانمين وبين وقْفِها والعُشْر؟
طالب: عُشْر الزكاة.
الشيخ: كيف عُشْر الزكاة؟
الطالب: عُشْر المأخوذ، الكافر الذمي أو المستأمن أو المعاهَد.
الشيخ: ويش عُشْر الزكاة؟
الطالب: لا، عُشْر التجارة.
الشيخ: التجارة.
الطالب: من الكافر الذمي؛ يعني إذا دخل.
الشيخ: إذا دخل الذمي.
الطالب: إلى بلاد المسلمين في تجارة يؤخذ منه عُشْرٌ.
الشيخ: العُشْر؟ وغير الذميّ؟
الطالب: نأخذ منهم، المعاهَد، المعاهَد والمستأمن.
الشيخ: كلهم على عُشْر عُشْر.
الطالب: الذمي نصف العُشْر، والحربي نأخذ منه العُشْر.
الشيخ: أيهما أصحّ؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أصح، الحربي يؤخذ منه العُشْر كاملًا، والذمي يؤخذ منه نصف العُشْر.
(وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا) كيف تَركوه فَزَعًا؟
طلبة: () هذه اللي ما أخذناها بعد.
[ ١ / ٤٢٥٣ ]
الشيخ: قال: (وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا) يعني: ما تركه الكفّار فزعًا منا؛ يعني لمَّا علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، هذه الأموال أُخِذَتْ بغير قتال فتكون فيئًا؛ وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها، فلم تُقْسَم بينهم، بل تكون فيئًا يُصْرَف في مصالح المسلمين العامة، كرزق القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء المعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
(وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا، وَخُمُسِ خُمُسِ الغَنِيْمَةِ) وهو واحد من خمسة وعشرين جزءًا أيضًا يُصرَف في الفيء.
(وَخُمُسِ خُمُسِ الغنيمة) معروف لديكم هو أن الغنيمة إذا غُنِمَت يؤخَذ منها الخُمُس لخمسة أصناف، وتقسم أربعة أخماس على الغانمين.
الخُمُس الذي يؤخذ أولًا يُصرَف إلى خمس جهات: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] خمسة، فهذا الخُمُس؛ أي: خُمُس الخُمُس يُصْرَف في مصالح المسلمين، كما قال المؤلف: (يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ).
ولكن كيف صَرْفُه؟ لا بد أن يكون على مَنْ فيه مصلحة للمسلمين، وقد سبق لنا في السياسة الشرعية أن شيخ الإسلام قال: لا يجوز أن يُصْرَف هذا في غير المصالح، كأن يُعطى المغنِّين والْمُسَخِّرِين، وما أشبه ذلك؛ لأن هذه منافع محرّمة، فلا يجوز أن تُبْذَل الأموال فيها، وإنما تُبذَل في المصالح، وهنا أسئلة:
أولًا: هل إصلاح الطرق من المصالح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم من المصالح، هل إقامة السدود على الأودية من المصالح؟ نعم، من المصالح، هل غَرْس الأشجار في مواقف الناس التي يحتاجون إلى الوقوف فيها من المصالح؟ من المصالح.
[ ١ / ٤٢٥٤ ]
إذن، المصالح عامة، كل ما فيه مصلحة للمسلمين في دينهم أو دنياهم فإنه يؤخذ مِنْ بيت المال، ولا يجوز أن يُصْرَف هذا الفيء؛ أعني بيت المال، إلى ما لا مصلحة للمسلمين فيه، فهو يُصْرَف في الواقع بما فيه المصلحة، أو بما فيه المَضرَّة، أو بما لا مصلحة فيه ولا مَضرَّة، ما هو الجائز؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، ما فيه المصلحة، فأما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يجوز أن يُصْرَف منه قرش واحد؛ لأن هذا من إضاعة المال، وإذا كان الإنسان في ماله الذي يملكه منهيا عن إضاعة المال، فكيف بإضاعة المال الذي هو للمسلمين عمومًا.
وإذا بُذِل في محرم، في ضار، صار أشدَّ وأشدَّ، صار فيه إِثْمَان:
الإثم الأول: اقتطاع جزء من مال المسلمين في غير مصالحهم.
الإثم الثاني: أنه صَرْفٌ في المُحَرَّم، فهو إعانة على المُحَرَّم.
ولهذا نقول: إن المسؤولية عظيمة في مَنْ يَتَوَلَّوْن أموال المسلمين، عظيمة جدًّا، أشد من مسؤولية من يتولى على مال اليتيم، أو على مال سفيه، أو على مال نفسه؛ لأن هذا يتعلق به جميع حقوق المسلمين، كل المسلمين لهم حق فيه، ولا يخفى عليكم ما جرى لعمر بن الخطاب ﵁ فيما يذكره أهل التاريخ، أنه كان ﵁ في الليالي يَعُسُّ حول المدينة؛ يعني يخرج يتفقد الناس حول المدينة، فوجد نارًا فذهب إليها، وكان معه مولى يُقال له: أَسْلَم، ذهب إلى هذه النار فوجدها عجوزًا عندها صبيان جَوْعَى يصيحون، وهي قد أوقدت النار تحت القِدْر، ليس فيه إلَّا الماء لتُسَكِّنَهم به، فجاء إليها فقال: ما لك يا أمةَ الله؟ قالت: هؤلاء صبيان، قال: ما الذي في القِدْر؟ قالت: ماءٌ أُسكتهم به، الله بيننا وبين عمر.
[ ١ / ٤٢٥٥ ]
الله أكبر، كلمة عظيمة، عمر ولَّاه الله على العباد، لا بد أن يسأله عن هذه الولاية، فقال لها عمر -وهي لا تعلم أنه عمر- قال لها: ما أدرى عمر بكم؟ ما أدرى عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا ولا يدري عنا؟ هذه كلمة أكبر من الأولى، فذهب مسرعًا إلى خِزانة الطعام وأخذ كِيسًا من دقيق، وأخذ ما يقابله من الوَدَكْ وحَمَله، فقال له مولاه أَسْلَم: يا أمير المؤمنين أنا أحمله، قال: إنك لو حملته عني لن تحمل عني أوزاري يوم القيامة، ثم خرج به، وجعل هو ينفخ النار حتى إنَّ الدخان يتخلل لحيته، ينفخ النار ويصب من الدقيق والوَدَكْ في هذا القِدْر حتى طبخه هو بنفسه، خليفة المسلمين من مشرق الأرض ومغربها يطبخه بنفسه لهذه العجوز، لماذا؟
لأنه يطبخه لله، مخلصًا لله بذلك، يُبرئ ذمته بهذا، ففعل، ثم تَنَحى ناحية وجلس، قال: والله لا أرجع حتى أرى هؤلاء الصبيان الذين يبكون يتضاحكون، فشبِعوا من الطعام وجعلوا يضحكون ويتصارعون، وتعرفون الصبيان إذا استأنسوا وشبعوا، فذهب وقال لها: إذا كان غد فَأْتِي إلى عمر، ائْتِي إلى عمر، وذهب وهي لا تدري ما هذا الرجل، قالت: والله إنك لخير لنا من عمر، سبحان الله، معلوم عمر -على زعمها- نائم في فراشه، وهذا يتفقد الناس ويجيب لهم الطعام.
فالمسؤولية عظيمة جدًّا، نسأل الله تعالى أن يُعين ولاة أمورنا على ما فيه خير البلاد والعباد.
(٥)
نقول: الآن إذا قبلتم اقتراحي أن نقرأ الفصل، طيب.
يقول الشارح، صاحب الروض المربع: (فصل في الأمان والهدنة)
قال: (يصح الأمان من مسلم، عاقل، مختار، غير سكران ولو قِنًّا أو أنثى، بلا ضرر، في عشر سنين فأقل، مُنَجَّزًا ومُعَلَّقًا، ومن إمام لجميع المشركين، ومن أمير لأهل بلدة جُعِل بإزائهم، ومن كلِّ أحد لقافلة وحِصْن صغيرين عُرْفًا، ويحرم به قتل، ورق، وأَسْر).
[ ١ / ٤٢٥٦ ]
(الأمان) الأمان: عبارة عن تأمين الكافر مدة محدودة؛ يعني: يُؤَمِّنُه حتى يبيع تجارته ويرجع، يُؤَمِّنُه حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، يُؤَمِّنُه حتى يسمع كلام الله ويرجع، هذا التأمين، ما هو عَقْد، أمان فقط، ولهذا صح من كل إنسان حتى من امرأة، حتى من قِنْ، لكن لا بد أن يكون المُؤَمِّنُ مسلمًا.
فلو فرضنا أن في البلد طوائف متعددة، في البلد نصارى ومشركين لكنهم باقون في عهد المسلمين فهؤلاء لا يصح منهم التأمين، أن يؤمِّنوا كافرًا يدخل من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين، لماذا؟ لأنهم لا يُؤْمَنُونَ، قد يكون بينهم وبين هذا الطالب للأمان اتفاق؛ يؤمِّنونه حتى يأتي ليأخذ أسرار المسلمين وأحوال المسلمين، لكن لا بد أن يكون المُؤَمِّن مسلمًا.
(عاقل) ضده المجنون؛ يعني المجنون لا عقل له، ولا قَصْد له.
(مختار) لا مكره، فلو دخل كافر مسلح ووجد رجلًا من المسلمين وقال: أمِّنِّي، قال: لا أُؤَمِّنُك، وقال: أمِّنِّي وإلَّا قتلتك، فأمَّنَه مُكرهًا فهذا الأمان لا يصح.
ولكن اشترط المؤلف: (بلا ضرر)، واشترط شرطًا آخر: (في عشر سنين).
فإذن الأمان يُشترط أن يكون من مسلم، وأن لا يكون فيه ضرر على المسلمين، وأن يكون في عشر سنين فأقل؛ يعني لا يملك أي إنسان أن يُؤَمِّنَ كافرًا أكثر من عشر سنين.
يقول: (مُنَجَّزًا ومُعَلَّقًا) (مُنَجَّزًا) يقول: أمَّنْتُك، (مُعَلَّقًا) يقول: إذا دخل الشهر الفلاني فأنت في أماني.
(من إِمامٍ لجميع المشركين) يعني: يصح الأمان من إمامٍ لجميع المشركين؛ لماذا؟ لأن ولايته عامة، فجاز أن يكون تأمينه عامًَّا.
(ومن أمير لأهل بلدة جُعِل بإزائهم) هذا أقل من عموم المشركين، أهل بلدة يؤمِّنهم أمير جُعِل بإزائِهم، مثل: أن يكون هناك قرية مسلمة وعليها أمير مسلم، وبجانبها قرية كافرة فيؤمِّنُها هذا الرجل المسلم.
[ ١ / ٤٢٥٧ ]
قال: (ومن كل أحد لقافلةٍ وحِصْن صغيرين)، (من كل أحد) إيش معنى: (من كل أحد)؛ يعني: من عامة المسلمين، أي واحد يؤمّن القافلة الصغيرة والحصن الصغيرين، أو الرجل أو الرجلين، وما أشبه ذلك، فإنه جائز.
وما الذي يترتب على الأمان؟ يقول: (ويحرم به) أي: بالأمان (قتل ورَقٌّ وأَسْر) يعني: إذا أعطينا الأمان لشخص حَرُم قتله، وحَرُم رَقُّه، وحَرُم أَسْرُه؛ لأنه أُعْطِي أمانًا، والمسلمون هم أشد الناس وفاءً بالعهود.
(ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرِف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يُرَدُّ إلى مأمنه) ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، لكن بشرط ألَّا نخاف أنه قال ذلك احتيالًا ومكرًا، فإن خفنا هذا فإننا لا نُؤَمِّنُه؛ لأنه يُخْشَى من شرّه.
انتهينا من التأمين، بقي لنا الهدنة، وهي: عقد يُبْرَم بين المسلمين والكفار على ترك القتال، عقد يُبْرَم ويُكْتَب كما فعل النبي ﵊ في؟
طالب: صلح الحديبية.
الشيخ: صلح الحديبية.
قال: (والهدنة: عَقْدُ الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت بقدر الحاجة) وكلامه هنا لا يخالف كلامه الأول؛ لأن الكلام الأول إنما هو تأمين فقط، لكن هنا هدنة: عقد يكون بين الإمام وبين كفار.
واشترط المؤلف يقول: (عقد الإمام أو نائبه)، وهناك يقول: (يصح من الأمير لقرية حوله، ومن عامة الناس لقافلة صغيرة أو رجل أو رجلين)، ولكن هذا لا يكون إلَّا من الإمام أو نائب الإمام، ومعروف أن الإمام هو الذي له الولاية العامة على كل المسلمين، ولكنَّ هذا فُقِد من أزمنة طويلة، وأَقَرَّ المسلمون الوضع على ما هو عليه، وقالوا: كل إنسان وَلِيُّ أَمْرٍ على البلاد التي تحت سيطرته، وتجب طاعته، كما ذكره في سبل السلام، وغيره أيضًا من أهل العلم.
[ ١ / ٤٢٥٨ ]
يقول: (على ترك القتال مدة معلومة) فلا يصح أن يقول: نحن عاهدناكم مدة ألَّا نقاتلكم؛ لأنها مجهولة، لا بد أن تكون معلومة، فلو قال: نعقد الهدنة بيننا حتى يكون لنا قدرة على القتال، فهنا لا تصح، لماذا؟
طلبة: غير معلومة.
الشيخ: لأنها غير معلومة، لا بد أن تكون معلومة.
قال: (ولو طالت لكن بقدر الحاجة)، وقوله: (ولو طالت) إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا تجوز الهدنة مع الكفار إلَّا في عشر سنين فأقل، أما أكثر فلا تجوز، الحجة في هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سالم قريشًا لمدة عشر سنوات، قالوا: والأصل وجوب قتال الكفار، وجهاد الكفار، فلا نَعْدِل عن هذا الأصل إلَّا بمقدار ما جاءت به السُّنَّة، والسُّنَّة جاءت بكم؟
طلبة: بعشر سنوات.
الشيخ: بعشر سنوات، فلا نزيد، فإن زاد -على هذا الرأي- بطلت الزيادة، وقيل: يبطُل العقد كله، وهذا مبني على تفريق الصفقة المعروفة في كتاب البيع، وأظن الصفقة ما بعد مرت على كثير منكم.
الصفقة: إذا باع الإنسان شيئًا يجوز بيعه وشيئًا لا يجوز، هل يبطل البيع في الجميع أو فيما لا يجوز؟ فيما لا يجوز؛ يعني: باع عبدًا وحرًّا، أو باع سيارته وسيارة جاره، وجاره ما وَكّله، ما الذي يصح؟
طلبة: سيارته.
الشيخ: يصح بيع سيارته دون سيارة جاره، وقيل: يبطل البيع كله.
إذا زادت المدة على عشر سنين -على القول بتحديدها- فقيل: يبطُل العقد كله، وقيل: لا يبطُل إلَّا ما زاد على العشر.
[ ١ / ٤٢٥٩ ]
لكن المذهب -كما ترَوْن- يقولون: إنه لا بأس أن تزيد المدة على عشر سنين إذا كان في ذلك حاجة، وتقدير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدة بعشر سنين؛ لأنه رأى أن هذا كافٍ، وأن المسلمين سوف يَقْوَوْن وتزيد قوتهم في هذه المدة، فيكون تقدير المدة لا لِاختصاصها بهذا القَدْر ولكن تبعًا للحاجة، وهذا هو المذهب؛ أنها تصح مؤقتة ولو عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أكثر إذا دعت الحاجة لذلك، مثل أن يَعْرِف المسلمون أنهم ضعفاء لا يستطيعون في خلال خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو عشرين سنة أن يقابلوا العدو، فلهم أن يزيدوا إلى المدة التي تقتضيها الحاجة.
وقال شيخ الإسلام: يجوز عقد الهدنة مطلقًا بدون تحديد إذا كان في ذلك مصلحة، ولكن يكون هذا عقدًا جائزًا، بمعنى أن للمسلمين أن ينقضوه إذا رَأَوا المصلحة في نقضه، فصارت الأقوال الآن كم؟ ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز أن يُعْقَد السلام أو الهدنة -السلام والهدنة والمعاهدة والمسالمة كلها واحد، ألفاظ واحدة، المعنى واحد- لا يجوز أن يُعْقَد أكثر من عشر سنوات.
والثاني: يجوز أكثر لكن يُحَدَّد؛ لأن العقد على وجه الإطلاق يعني إبطال الجهاد.
[ ١ / ٤٢٦٠ ]
القول الثالث: يجوز مطلقًا بدون تحديد للمصلحة، ولكن هذا القول يجعله عقدًا جائزًا، بمعنى أن المسلمين إذا رَأوا من أنفسهم القوة نبذوا العهد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن لا بد أن يُعْلِمُوا عدوهم بأننا عقدنا معكم الهدنة للحاجة، والآن لا نحتاج، فإما أن تُسْلِمُوا، وإما أن نقاتلكم، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو قياس المذهب في أن المرجع في ذلك إلى المصلحة ولو زاد على عشر سنين، ما دمتم تقولون: إننا نزيد على عشر سنوات التي حددها الرسول ﵊ في الصلح بينه وبين قريش من أجل المصلحة، فلنقل: المصلحة قد نظن أنها في عشر سنوات مثلًا أو عشرين سنة، ولكن يتبين أننا نحتاج إلى وقت أطول، فإذا أطلقناها وصار لنا الحق في أن نقول لهؤلاء القوم: نحن أطلقناها ولم نُقَيِّد مدة معينة، فإذا لم نُقَيِّد مدة معينة فإنكم لا تَلزموننا بشيء، لا تَلزموننا بشيء، لكن متى نقول لهم هذا؟
طلبة: إذا قوينا.
الشيخ: إذا قوينا، وصار عندنا قدرة نقول: إن الهدنة والسلام مطلق، ونحن الآن لدينا من القوة ما نستطيع أن نُجْبِرَهم على الإسلام، أو على بذل الجزية إن كانوا من أهل الجزية، فصارت الأقوال ثلاثة.
قال المؤلف: (وهي لازمة، يجوز عقدها لمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين) (وهي) الضمير يعود على إيش؟ (لازمة)؛ لأنها عهد بيننا وبين الكفار.
وليُعْلَم أن العهد الذي بيننا وبين الكفار يكون لنا معهم فيه ثلاث حالات؛ كلها في القرآن:
الحالُ الأولى: أن ينقضوا العهد، هم بأنفسهم، فإذا نقضوا العهد انتقض العهد الذي بيننا وبينهم، ومثاله: قصة قريش؛ لأن قريشًا نقضوا العهد حين ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحينئذٍ ينتقض العهد والدليل.
طالب: ﴿مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ [التوبة: ٧].
[ ١ / ٤٢٦١ ]
الشيخ: لا، ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ إلى آخره [التوبة: ١٢، ١٣].
الحال الثانية: أن يستقيموا لنا، ولا نخاف منهم خيانة، ولم نرَ منهم خيانة، فحينئذٍ يجب علينا أن نستقيم لهم كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
الحال الثالثة: أن نخاف منهم نقض العهد، فهنا لا يلزمنا أن نبقى على العهد، ولا يجوز لنا أن نقاتلهم، بل ننبذ إليهم على سواء، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: انبذ العهد على سواء؛ لتكون أنت وإياهم على سواء في أنه لا عهد بينكم، وهذا هو الإنصاف؛ يعني الآن الدين الإسلامي أَقْوَم الأديان وأعدلها وأنصفها، هذا إنصاف، ما استقاموا لنا فإننا ..
طلبة: نستقيم.
الشيخ: نستقيم لهم، نقضوا عهدنا فلا عهد لهم، هم الذين نقضوا، خفنا منهم ننبذ إليهم على سواء؛ يعني نقول: لا عهد بيننا وبينكم، ولا نأتيهم على غِرَّة ونباغتهم؛ لأننا نخشى أن ينقضون، لا، نقول: إذا خشيت انبذ إليهم على سواء؛ لأن الأصل قيام العهد.
يقول: (الهدنة تجوز بشرط حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف في المسلمين) وقتنا الحاضر فينا ضعف؟
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، ما هو فينا ضعف، كلنا ضعف، في الوقت الحاضر كلنا ضعف، الله يرحم الحال، لذلك تجوز الهدنة على المذهب بدون تقييد، ولكن لا بد أن تكون المدة معلومة مقيدة.
[ ١ / ٤٢٦٢ ]
(ولو بمال مِنَّا ضرورة) قوله: (ولو بمال مِنَّا ضرورة) يعني: ولو كان عقد الهدنة بمال، وعقد الهدنة بمال إما أن يكون منهم، وإما أن يكون منا، ولا ثالث لذلك، متى يكون منهم؟
طلبة: ().
الشيخ: إذا كانوا هم الضعفاء يفرحون أن نأخذ منهم ضريبة مالية ونَدَعَ جهادهم، ومتى يكون مِنَّا؟ إذا كان الضعف منا.
ولهذا قال المؤلف قَيَّدَه قال: (ولو بمال منَّا ضرورة) وهذه إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يجوز أن نعطيهم على الهدنة مالًا أبدًا، ولهذا لما شاور النبي ﵊ سعد بن عُبادة، وسعد بن معاذ على أن يعطي مالًا في مقابلة المصالحة أَبَوا، وقالوا: ما يمكن يا رسول الله، كيف نعطيهم، في الجاهلية ما يقدرون يدخلون المدينة إلَّا بأمان ليأخذوا التمر، كيف نعطيهم الآن تمرًا من المدينة (٦)، وَأَبَوا فوافقهم النبي ﵊.
قال بعض العلماء: إن عرض النبي ﷺ ذلك يدل على جواز.
وقال بعض العلماء: إن موافقته للسَّعْدَيْن تدل على المنع، وأنَّ هذا ذل للمسلمين أن يبذلوا مالًا لعدوهم.
ولكن يقال: بَذْلُ المال أهون من القتل، إذا كان العدو قويًّا وليس لنا به طاقة إطلاقًا، فإنَّ بذل شيء من أموالنا أهون من أن يسحقنا العدو نحن وأموالنا، فالمسألة كلها تعود إلى المصلحة ودفع الضرر، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ثم قال: (ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة، وأمرُه سرًّا بقتالهم والفرار منهم) ().
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، ما الفرق بين قول المذهب في تفسير الهدنة وقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
الشيخ: إي، الفرق أن المذهب يقول: لا بد أن يحدد المدة، عشرين سنة، ثلاثين سنة، عشر سنوات، لا بد من تحديد، أما الشيخ يقول: ما هو شرطٌ التحديد.
[ ١ / ٤٢٦٣ ]
طالب: أحسن الله إليكم، الآن في زمن السلام، ما يسمى بالسلام بين العرب وإسرائيل فيه هدنة الآن؛ يعني ما نقول: هدنة وإنما هو سلام دائم، لكن على كل حال لو قلنا بأنه هدنة الآن بمقتضى هذا السلام تأن ُفتَح البلاد أمام اليهود بلاد المسلمين ويفتح فيها السفارات ويكون فيها تبادل دبلوماسي وثقافي وكل شيء، تجاري هذا على قاعدة الفقهاء يا شيخ، سائغ؟
الشيخ: نحن نتكلم عن الحُكْم من حيث هو حُكْم، ما نتكلم عن قضية معينة.
الطالب: إي أنا ما أقصد قضية معينة.
الشيخ: أو نُقَوِّم قضية معينة، واليهود معروفون بالغدر من زمان، والذي نعتقد أنه لن يتم شيء من ذلك، وما هي إلَّا مماطلة ولعب، أبدًا، ولا نريد أن نتكلم عن قضية معينة، ندع هذا للتاريخ، وسوف تبين الأمور.
الطالب: أقول في صلح الحديبية هل كان للمشركين تمكين في بلاد المسلمين؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: هل كان المشركون لَمَّا عاهدوا النبي ﵊ في صلح الحديبية كان لهم صلة ..
الشيخ: على كل حال، نعم، الناس انفتح بعضهم على بعض، بدأ يأتون بالتجارة، ويدخل بعضهم على بعض، وسمَّاه الله فتحًا، وأَمِنَ الناس بعضهم من بعض.
طالب: قد عرف الكفار منا أننا أهل صدق معشر المسلمين وأننا لا نغدر، وأننا أَوْلَى الناس بالوفاء بالذمم، فقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ ورضي عنه- إذا رأينا المصلحة في قتالهم فإننا ولو أعطيناهم عهدًا إلى أكثر من عشر سنين، فيجوز لنا أن نقص هذا العهد، ونخبرهم بأنه لا عهد لكم، ونقاتلهم، فهم تعودوا منا وعرفوا منا إننا نصدق، وإذا أعطينا ذمة وفينا بها، وإذا أعطينا عهدا وفينا بها، وهذا ما جاء على لسان أبي سفيان.
الشيخ: نعم معروف.
الطالب: فكيف يعني، ما رأيكم؟
الشيخ: الشيخ ما قال: دائم، الشيخ لم يقل: دائم، قال: مطلق، عرفت؟ وفَرْق بين المطلق وبين الدائم.
الطالب: كيف يا شيخ لو سمحت، كيف؟
[ ١ / ٤٢٦٤ ]
الشيخ: أقول: لم يقل: إنه دائم، هو مطلق، ما هو شرط أن يحدَّد بعشرين أو ثلاثين سنة، مطلق، وفَرْق بين الدائم المستمر وبين المطلق، الشيخ ما قال هذا، إي، وإلَّا تجب، انتبهوا لها، ما أدري أحد فهم كما فهم الأخ؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، فَرْق بين المطلق وبين المقيد، الشيخ يقول: يجوز مطلقًا، ويكون الحبل بيدينا، ونحن إذا قوِينا واستطعنا أن نقاتلهم، قلنا: ما بيننا وبينكم مدة.
الطالب: صح، هذا صح.
الشيخ: لكن إذا قلنا: مستمر، سلام مستمر، أو عهد مستمر، معناه مقيد الآن، مقيد بالاستمرار، فحينئذٍ تكون أيدينا مكبَّلة، ما نستطيع أن نتحرك.
طالب: () واقع يا شيخ ().
الشيخ: إيش؟
الطالب: إذا كان واقعا.
الشيخ: أيهم.
الطالب: هو من المحدد أو المطلق؟
الشيخ: أيهم، أيهم.
الطالب: () في هذا الوقت.
الشيخ: يعني غير اليهود قصدك.
الطالب: اليهود وغيرهم.
الشيخ: إي، لا، المشكلة أن اللي غير اليهود يرون أنه ما بينهم أصلًا حرب، ولا تقوم بينهم حرب أصلًا، نعم، فالمسألة في الحقيقة المسلمون الآن يحتاجون إلى تصحيح الوضع من أصله، من جذوره، ما هي بقضايا معينة.
()
طالب: شيخ، يقول المؤلف: إن الأمان تكون مدته عشر سنين فأقل، ما حجة مَنْ قال بهذا القول؟
الشيخ: حجة مَنْ قال بأن هذا ما هو بعقد معهم.
الطالب: التحديد يا شيخ.
الشيخ: التحديد؛ لأن أكثر ما سمعنا: التأمين عشر سنوات بالنسبة للمعاهَد.
الطالب: سمعنا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: صلح الحديبية؟
الشيخ: في صلح الحديبية، نعم.
الطالب: هذا عهد.
الشيخ: هذا في الحقيقة يعني الذين قالوا: إن العهد لا بد يكون عشر سنين، يقولون: كيف تقيدون الأمان بعشر سنين ولا تقيدون العهد، وأنتم تستدلون بنفس العهد، صحيح.
الطالب: والصحيح يا شيخ نقيد بعشر سنوات؟
الشيخ: والله فيها نظر الحقيقة، خصوصًا الأمان من شخص لشخص كيف يبقى عشر سنوات؟
الطالب: أو حسب الحال؟
الشيخ: هو الأحسن يقيد بحسب الحال.
[ ١ / ٤٢٦٥ ]
طالب: أحسن الله إليكم، في الدرس السابق يا شيخ قلنا: للإمام إذا وقف أرضًا فليس للخليفة من بعده أن يزيد إلَّا حسب المصلحة، هل له -الإمام الثاني- أن يوزعها بين المسلمين يا شيخ؟
الشيخ: لا؛ لأن هذه صارت وقفًا، لا يمكن نقل وقفيتها.
الطالب: أين الأرض التي وقفها عمر يا شيخ؟
الشيخ: أين خلافة عمر.
طالب: شيخ () عقد الجزية يا شيخ.
الشيخ: إيش؟
الطالب: () عقد الجزية.
الشيخ: إيش؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما هو كل سنة.
الطالب: الجزية كل سنة.
الشيخ: لا، ما هو بكل سنة.
طالب: ترجيحكم في مسألة تحديد المدة في الهدنة.
الشيخ: إيش، أنا أرى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- رأي شيخ الإسلام هو المصلحة.
طالب: شيخ الذي عنده أرض خَراج، هل تجب عليه الزكاة؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الزكاة واجبة في الزرع أو الثمر، والخَراج على الأرض، نظيرُها لو استأجرت أنا من شخص أرضًا، وزرعت فيها، وجب علَيَّ زكاة الزرع ودفع أجرة لمالك الأرض ().
***
طالب: قال البهوتي رحمه الله تعالى: والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت، بقدر الحاجة، وهي لازمة، يجوز عقدها لمصلحة، حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين، ولو بمال منا ضرورة، ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة، وأمره سرًّا بقتالهم والفرار منهم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في الدرس الماضي سبق لنا أن الهدنة أو المسالمة أو المعاهدة أو المماددة جائزة بشرط أَلَّا يقدر المسلمون على الجهاد، هذا هو الشرط الأساسي؛ لضعف المسلمين.
لكن اختلفوا: هل تجوز فيما زاد على العشر سنوات؟ وإذا جاز ذلك فهل لا بد من تحديد مدة معينة؟ أو يصح أن تكون المدة مطلقة؟
[ ١ / ٤٢٦٦ ]
وذكرنا في هذا ثلاثة أقوال، والقول الثالث لشيخ الإسلام ابن تيمية -وهو الراجح- أنها تجوز مطلقًا، ثم إذا كان للمسلمين قوة فيما بعد، فإن لهم أن يُخبِروا الكفار بأنه لا عهد بيننا وبينهم؛ لأنه ليس هناك مدة معينة تلزمنا بأن نَفِيَ بها، هو عقد مطلق، وهم راضون بذلك في أول الأمر، ونحن كذلك راضون به.
ثم نُكمل الفصل الذي ذكره البهوتي -﵀- في الشرح: قال: (ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة) يعني: لو شَرَط هؤلاء الكفار أنه مَنْ جاء منهم مسلمًا رددناه إليهم كان ذلك شرطًا جائزًا، لكن إذا دعت الحاجة إليه.
ومن دعاء الحاجة إلى ذلك: أن يتوقف الصلح على هذا الشرط، فإذا توقف الصلح على هذا الشرط، وقالوا: لا نصالحكم إلَّا بهذا الشرط، فإنَّ لنا أن نشترطه.
فإن قال قائل: في هذا غضاضة علينا، قلنا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك بأمر الله، فإن قريشًا اشترطوا عليه أن من جاء منهم مسلمًا ردَّه إليهم، وفعل ذلك، وجعل الله لمن جاء مسلمًا ورُدَّ إليهم جعل له فرجًا، حتى إنهم هم بأنفسهم جاءوا أو أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقولون: امنع الذين جاؤوا وأسلموا؛ يعني: ويُلغى الشرط، ففعل، والقصة مع مَنْ؟
طلبة: أبو بصير.
[ ١ / ٤٢٦٧ ]
الشيخ: مع أبي بصير ﵁؛ لأن أبا بصير جاء مسلمًا من قريش فأرسلوا في طلبه رجلين، فما إن وصل المدينة حتى وصل الرجلان، ثم طلبا من النبي ﷺ أن يرد إليهم هذا الرجل الذي جاء مسلمًا فردَّه إليهم حسب الشرط، ولما كان في أثناء الطريق وجلسوا يأكلون أو يتغدون، قال لأحدهم: أرني سيفك هذا فإنه سيف جيد، هذاك الرجل غُرَّ، فأراه إياه؛ لأنه قال: هذا الرجل أسير بين يدينا؛ فلما أخذه ضرب به عنقه حتى أطار رأسه، صاحبه الثاني هرب إلى المدينة، وجاء إلى النبي عليه الصلاة السلام فلحقه أبو بصير، وقال: يا رسول الله إن الله أبرأ ذمتك وأوفى بعهدك ورددتني إليهم، ولكن الله أنجاني منهم، فقال النبي عليه الصلاة السلام: «ويل أمه مِسْعَر حرب لو يجد من ينصره» ففهم أبو بصير ﵁ أن الرسول سيردُّه، فخرج من المدينة وجلس على قاعدة في سيف البحر، وصار ما جاء من تجارة لقريش أغار عليها وأخذها، وسمع به أُناس من أهل مكة من الشبان فخرجوا إليه، فصاروا طائفة، حينئذٍ عجزت قريش عنهم، فانتهى الأمر بِرَدِّهِم إلى المدينة (٧)، والحمد لله.
قال: (ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة وأمَرَهُ سرًّا بقتالهم والفرار منهم) يعني: نعطيه إياهم، ونقول: إن أمكنك أن تقتل أحدًا منهم أو تقاتل فافعل، أو أمكنك أن تَفِرَّ منهم فَفِر، لكن إلى أيِّ شيء؟ إلى البَر، إلى الخلاء، لكن لا تأتِ إلينا، إن أتيت إلينا رددناك عليهم.
(ولو هرب قِنٌّ فأسلم لم يُرَدّ، وهو حرٌّ) (ولو هرب قِنٌّ) يعني: عبدٌ مملوك من سيده، من الكفار، فأسلم لم يُرَدَّ إليهم، لماذا؟ خوفًا من أن يرتد إلى الكفر؛ لأنه قِنٌّ فيأخذه سيده ويُكرهه على الكفر فيكفر.
(ويؤخَذون بجنايتهم على مسلم من مال، وقَوَد، وحَدّ) الضمير في قوله: (يؤخَذون): يعود على المعاهَدين الذين بيننا وبينهم عهد، بجنايتهم على المسلم.
(من مال): لو أخذوا مال مسلم وجب عليهم ردُّه.
[ ١ / ٤٢٦٨ ]
(وقَوَد): لو قتلوا مسلمًا قُتِلوا إذا أمكن، (وحَدّ): لو قذفوا مسلمًا حُدُّوا القذف؛ لأنهم معاهَدون.
قال: (ويجوز قتل رهائنهم إنْ قَتَلوا رهائننا) يعني: لو كان بيننا وبينهم رهائن، أحيانًا يخافون أن ننقض العهد، ونحن نخاف أن ينقضوا العهد، فنقول: أعطونا رهائن، وهم يقولون أيضًا أعطونا رهائن؛ يعني: أشخاصًا يكونون عندهم، إذا غَدَر أحد قُتِل هؤلاء الرهائن، فإن قَتلوا رهائننا فلنا أن نقتل رهائنهم.
فإن قال قائل: كيف نقتل رهائنهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]؟ قلنا: لأن القوم طائفة واحدة، فجناية واحد منهم جناية من الجميع.
واستفدنا من كلام المؤلف هذا أنه يجوز أن نعطي الكفار رهائن، ولكن بشرط أن يُعطونا رهائن، أما أن نعطيهم رجالنا يقتلونهم متى شاؤوا دون أن يكون لدينا رهائن نقتلهم إذا قتلوا رهائننا فهذا لا شك أنه لا يجوز، لكن إذا أخذوا منا رهائن فإننا نطلب منهم مقابل ذلك.
(وإن خيف نقض عهدهم أَعْلَمَهُم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم) دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]؛ يعني: تكون أنت وهم سواء في أنه لا عهد بينكم، أما أن تُغِيرَ عليهم بدون أن تُعْلِمَهُم فإنَّ هذا لا يجوز؛ لأن الأصل بقاء العهد.
وقد ذكرنا فيما سبق أن المعاهَدين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول؟
طلبة: من نقض العهد.
الشيخ: من نقض العهد، فهؤلاء انتقض عهدهم ونقاتلهم.
والثاني: من استقام على العهد، فهؤلاء نستقيم على عهدهم ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].
والثالث: مَنْ خِيفَ منه نقض العهد فهذا لا نُغِيرُ عليه ولا نأْمَنُه، ولكننا نقول له: إن العهد الذي بيننا وبينكم قد نُقِض، وإذا انتقض العهد جاز لنا أن نُغِير عليهم.
***
[باب عقد الذمة وأحكامها]
[ ١ / ٤٢٦٩ ]
ثم قال المؤلف: (بَابُ عَقْدِ الذِّمة وأحكامها)
الذمة: هي العهد، ودليل ذلك قوله ﷺ في حديث بُرَيْدَة بن الحُصَيْب: «إِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ (٨)، وعلى هذا فالذمة معناها العهد، ولكن ما معنى الذمة هنا؟ هل هي العهد السابق؟
نقول: لا، بينهما فَرْقٌ، العهد السابق الذي هو الهدنة نعاهد الكفار وهم في أرضهم، مستقلون عن المسلمين، ليس لنا من شأنهم شيء إلَّا وضع القتال، أما هؤلاء فإنهم يُقَرُّون على كفرهم في بلادنا، بشرط -يقول- أخذ الجزية والتزام أحكام الملة، كما قال الشارح: (معنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة)؛ ما هو التزام الملة؛ لأنهم لو التزموا الملة لكانوا مسلمين، لكن التزام أحكام الملة، أي: ما حَكَمَتْ به الشريعة الإسلامية عليهم.
قال المؤلف: (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم)، (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ) المجوس: هم الذين يعبدون النار، وهم مشركون، لكنهم طائفة مستقلة عن الشرك العام بخصائص معروفة في دينهم، هؤلاء يُعْقَدُ لهم، ودليل ذلك: أنه ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هَجَر (٩)، هَجَر: هي الأحساء، كان فيها مجوس؛ لأنها بجانب أرض الفرس، فكان فيها مجوس، فأخذ منهم النبي ﷺ الجزية، ومعلوم أن الرسول ﵊ إذا أخذ الجزية فهي شريعة.
[ ١ / ٤٢٧٠ ]
(وَأَهْل الكِتَابَيْنِ) هذا ثبت بالقرآن: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ﴿حَتَّى﴾ هنا تعليلية ولَّا غائية؟
طلبة: غائية.
الشيخ: غائية، الفرق بينهما: إذا كانت بمعنى (إلى) فهي غاية، وإذا كانت بمعنى (اللام) فهي تعليلية، قال المنافقون: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧].
طلبة: تعليلية.
الشيخ: لا تكونوا سريعين في الجواب.
طلبة: تعليلية.
الشيخ: نحن أعطينا القاعدة: إذا كانت بمعنى (اللام) فهي تعليلية، بمعنى (إلى) فهي غائية، الآن: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى أنْ ﴿يَنْفَضُّوا﴾، فإذا انفَضُّوا فأنفقوا عليهم، هذا المعنى؟
طلبة: لينفَضُّوا.
الشيخ: إيش المعنى؟
طلبة: لينفَضُّوا.
الشيخ: لِيَنْفَضُّوا، إذن هي تعليلية.
هذه الآية: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ هل المعنى ليعطوا الجزية، ولَّا إلى أن يُعطوا؟
طلبة: إلى أن يُعطوا.
الشيخ: إلى أن يعطوا، إذن هي غائية: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قيل: معناها أن يعطوكم الجزية يدًا بيد، بمعنى أن الواحد منهم يأتي ويُسَلِّم الجزية بيده، لا يعطيها خادمه يقول: اذهب بها إلى السلطان أو نائب السلطان، هو بنفسه يأتي؛ لأن هذا أذلَّ له مما لو أرسل بها خادمه.
وقيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قوة منكم عليهم، بمعنى أننا نُظْهِر أننا أقوياء أمامهم حتى يَذِلُّوا؛ لأنه كلما قوي الإنسان على عدوه ازداد العدو ذُلًّا.
[ ١ / ٤٢٧١ ]
ولكن الآية تصلح للأمرين جميعًا أنَّ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أن الواحد منهم يأتي بها يسلمها بيده، وأيضًا نريه نحن القوة والبأس حتى يكون ذلك أذَلَّ له.
أما ما قاله بعض الفقهاء: من أنه يُطال وقوفهم عند تسليمها، بحيث نتصدّى عنهم، إذا جاء: يا عمي خذ الجزية، أقول له: انتظر، أو أتلهَّى بشيء: مراجعة صحيفة أو تخطيط مربعات أو غيره لأجل إيش؟ إذلالًا له، ثم إذا أخذتها منه يقول: لازم يأخذها يجر يدُه بقوة حتى ربما تنخلع يده؛ لأن هذا من باب الإذلال، لكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن يكفي أن يأتوا أذلاء يسلمون الجزية عن يد.
إذن لا تُعْقَد إلَّا للمجوس واليهود والنصارى، ومن سواهم لا يُقْبَل منهم إلَّا الإسلام أو القتال، ما فيه جزية، وهذا هو المشهور من المذهب كما رأيتم، واستدلوا بعموم قول النبي ﵊: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (١٠) إلى آخر الحديث، قال: «أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» عامة، خُصَّ منها المجوس، لماذا؟
طلبة: هم أهل كتاب.
الشيخ: لا مو أهل كتاب.
طلبة: سُنَّة.
الشيخ: لأنه ثبت بالسُّنَّة أن الرسول أخذ منهم.
واليهود والنصارى؟
طلبة: بالقرآن.
الشيخ: بالقرآن، فيبقى سائر الكفار على أنه لا يُقْبَل منهم إلَّا الإسلام أو القتال، ولكن الصحيح أنها تصح من كل كافر، والدليل على هذا حديث بُرَيْدَة الذي رواه مسلم في صحيحه أنه كان إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال له: انفذ، وأوصاه بوصايا؛ منها: أنه إذا لم يُسلِم القوم فليدعُهُم إلى الجزية، إلى أخذ الجزية، فإن أجابوك كفَّ عنهم (٨)، وهذا دليل على العموم، ويدُلُّ لذلك أيضًا: كَوْن النبي ﷺ أخذها من مجوس هَجَر (٩) مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب، يدل على أنها تؤخذ من كل كافر.
[ ١ / ٤٢٧٢ ]
زعم بعض العلماء: أن المجوس لهم شُبْهَة كتاب، ولكن نقول: أين الشُّبْهَة؟ وأين الكتاب الذي يُشتبه فيه؟ إنما أخذها الرسول ﵊؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فإذا كان الدين لله، وغَلَب الدين الإسلامي على غيره، وأعطى هؤلاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فهذا هو الذي نريد، نحن لا نريد أن نُلزِم الناس بالإسلام، نريد أن يلتزم الناس بالإسلام، أي بأحكام الإسلام، حتى يكون الإسلام هو العالي، وكلمة الله هي العليا، هذا هو الصحيح، وأن قتال الكفار لا لإلزامهم بالإسلام، ولكن لإلزامهم بالخضوع لأحكام الإسلام، وذلك بأخذ الجزية منهم عن يدٍ وهم صاغرون.
(لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم وَلاَ يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ)، (وَمَنْ تَبِعَهُم) مَنْ تَبِع أهل الكتاب؛ يعني: وإن لم يكونوا من بني إسرائيل، أو ممن أُنْزِل عليهم الكتاب أولًا.
يقول: (وَلاَ يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ) كالهدنة؟ ولَّا كالأمان؟
طلبة: الهدنة.
الشيخ: كالهدنة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
لأن الأمان يصح من كل أحد، حتى من المرأة كما سبق.
وقوله: (إِلَّا مِنْ إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ) علَّلَها عندي في الشرح؛ لأنه عقد مؤبَّد فلا يُفْتَأَتُ على الإمام فيه، عقد مؤبَّد، بخلاف الهدنة فإنها مؤجلة، وتصح مطلقة، ولا تصح مؤبَّدة؛ لأن عقد الهدنة على التأبيد يتضمن إلغاء الجهاد، وهذا لا يجوز؛ لأن الجهاد فرض كفاية ولا بد منه، و«الْجِهُادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١١)، كما قال النبي ﵊.
لكن عقد الذمة فيه خضوع من الكفار، وعدم اعتداء على المسلمين، والتزام لأحكام الإسلام فتصح مؤبَّدة.
[ ١ / ٤٢٧٣ ]
وهل يجب إذا طلب الكفار بذل الجزية هل يجب علينا أن نقبل؟ أو نقول: سنقاتل ولو بذلتم الجزية؟
الأول إذا قالوا: نحن لا نقاتلكم أيها المسلمون لكن لكم علينا أن نعطيكم الجزية، فلا يجوز لنا أن نقول: سنقاتلكم ولو أعطيتمونا الجزية؛ لأن الله قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ ولأن النبي ﵊ قال: «إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ» معنى الحديث: «فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» (١٢)، هكذا أمر النبي ﵊، وهذا يدل على كذب ما يدَّعيه النصارى اليوم واليهود وغيرهم، من أن الإسلام دين جبروت، وأنه يُرْغِم الناس على ذلك، الإسلام لا يُرْغِم أحدًا، ثم لو فُرِض أنه أرغم فله الحق؛ لأن الإسلام دِين مَنْ؟ دِين الله ﷿ فَرَضَه على عباده، فيلزم العباد أن يقوموا به، لكن من تخفيف الله ﷿ على العباد -ولو كانوا كفارًا- أنه يُقْبَل منهم الجزية بدلًا عن القتال، ونقول: ابقوا على دينكم وسلِّمُوا الجزية، والغالب أنه إذا انفتح الناس هذا الانفتاح، الغالب أنه يحصل بذلك تسهيل لدخول الناس بالإسلام؛ لأنهم سوف يمتزجون بالمسلمين ويشاهدون أحوال الإسلام وربما يرغبون فيه ().
طالب: شيخ: من كفر من المسلمين كمن ترك الصلاة هل يؤخذ منه الجزية؟
الشيخ: لا، لا، هذا مرتد يسمى، كل كلام العلماء في الكافر الأصلي، المرتد ما فيه؛ الإسلام أو القتل.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، دليلنا على مسألة أخذ الجزية من جميع الكفار أخذ النبي ﵊ من مجوس هَجَر، وجه الدلالة في هذه، ما يحتمل النبي ﵊ مُشَرِّع ووردت السُّنَّة بهذا، فأين الدليل على أنه يؤخذ من كل الكفار؟
الشيخ: ذكرنا حديث بُرَيْدَة في صحيح مسلم.
الطالب: نعم، أنا قصدت مِنْ هذا.
[ ١ / ٤٢٧٤ ]
الشيخ: إي، مِنْ هذا، كَوْن الله ذكر أهل الكتابين فقط () وفي الكتاب، ثم أخذها من مجوس هَجَر دليل على أن القيد المذكور في الآية ليس قيدًا معتبرًا.
طالب: شيخ بارك الله فيك، سؤالان، أولًا.
الشيخ: لا، واحد، خذ الأهم.
الطالب: يعني السؤال هذا ليس سؤالًا، استفسار بسيط، وهو يعني أليس حديثًا، هل حديث: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (١٣) صحيح؟
الشيخ: لا، ضعيف، وإذا قُدِّر أنه هذا فيه شيء آخر، ولذلك لا تحل ذبائحهم بالإجماع ولا تحل نسائهم بالإجماع.
الطالب: هذا الاستفسار البسيط، أما سؤالي فهو ..
طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم، قلتم يا شيخ: إننا نقتل الرهائن، القول الصحيح نقتل الرهائن.
الشيخ: لا.
الطالب: إذا قتلوا المسلمين.
الشيخ: إذا قاتلونا، إذا قتلوا رهائننا.
الطالب: نعم، نقتل رهائنهم إذا دخلوا قوم كفار ديار المسلمين، ومسكوا بالمسلمين وقَتَّلوهم، حتى الأطفال ما تركوهم، فنقول: إذا دخلنا ديارهم نفعل كما فعلوا؟
الشيخ: نعم.
الطالب: نفعل كما فعلوا؟ ما نُعَيِّن؟
الشيخ: عليك بهم بس.
الطالب: نعم يا شيخ ما نُعَيِّن؟
الشيخ: أبدًا، اقتلهم، كلهم حربيين.
طالب: في مسألة إعطاء الرهائن، ما الدليل على جواز ذلك؟
الشيخ: نعم، الدليل ما يحضرني الآن، لكن في السُّنَّة فيه هذا.
طالب: وأمره يا شيخ، وأمره سرًّا بقتالهم والفرار منهم، هل يؤخذ منه الجواسيس؟ يعني إرسال الجواسيس؟ يعني إذا رُدَّ إليهم يُعَيَّن كجاسوس عليهم.
الشيخ: إي، ما فيه شيء، الجاسوس هذا من القتال.
الطالب: وهم معاهَدون.
الشيخ: لا، معاهَدون لا.
الطالب: هنا الكلام على المعاهَدين و..
الشيخ: لا، المعاهَدين.
الطالب: وأمره سرًّا.
الشيخ: إي، بقتال، هذا إذا أخذوا منا أحدا؛ لأنه ليس من حقهم أنهم يستردون رجلًا مسلما، المسلم ما صمد نفسه.
الطالب: المسلمون لو قتلوا مسلمًا منهم في الحرب، فما الأحكام المترتبة على ذلك؟
الشيخ: كيف قتل المسلمون؟
[ ١ / ٤٢٧٥ ]
الطالب: يدفعون الدية؟ ظنوا أنه هو العدو.
الشيخ: يعني قتل الإنسان يظنه عدوًّا، نعم؟ فهذا إن كان في صف العدو فهو الذي أهدر نفسه، وإذا كان في غير صف العدو فعلى قاتله الدية.
***
الشيخ: يكثر في المكتبات والمحلات التجارية بيع مجلات إسلامية تكثر فيها الصور، فهل يجوز شراؤها، وهل وجودها في المنزل يؤثر كتأثير تعليق الصور؟
الجواب: الذي يظهر أنها ليست كالصور المعلقة، وأنها لا تؤثر؛ لأن هذه المجلات لا يُقصد منها الصور التي فيها، وإنما يُقصد ما فيها من الكلام والفائدة، بخلاف مجلات الصور التي تعتني بالصور وتلونها وتحسنها فهذه لا يجوز اقتناؤها، ولا شراؤها أيضًا.
السؤال الثاني: تقول: استقدمتُ عاملة مع مَحْرَم، وهو زوجها، وفي العقد الذي بيننا أن تبيت مع زوجها ليلة واحدة في الأسبوع خارج المنزل، وقد قَبِل هذا العقد، واستمر الوضع أكثر من سنة، ولقد أفتى أحد المشايخ بالفتوى التالية: إنه لا يحوز إطلاقًا أن تبيت العاملة في منزلنا حتى ولو لضرورة.
الجواب: نرى أنه لا بأس أن تبيت في المنزل إذا لم يخْلُ بها الرجل؛ يعني بأن يكون في المنزل أُناس آخرون؛ لأنه ليس فيه خلوة، ولكن شرطهم على ألَّا تبيت عند زوجها إلَّا ليلة واحدة في الأسبوع شرط قاسٍ، والذي أراه أن يخففوا من هذا الشرط؛ حتى يستمتع الرجل بزوجته، وكذلك المرأة بزوجها.
هذا يقول: تبرع لمسلمي البوسنة والهرسك.
***
[ ١ / ٤٢٧٦ ]
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: بَابُ عَقْدِ الذِّمة وأحكَامِهَا، لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم، وَلاَ يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ، وَلاَ جِزْيَةَ عَلَى صبَيٍّ وَلاَ امْرَأةٍ ولاَ عَبْدٍ، وَلاَ فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا، وَمَن صَارَ أهْلًا لَهَا أُخِذَتْ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَمَتَى بَذَلُوا الوَاجِبَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ، وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أخْذِها، وَيُطَالُ وقُوفُهُمْ، وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في مؤلَّفه زاد المستقنِع في اختصار المقنع: (باب عقد الذمة وأحكامها) هذا الباب كما ترون اشتمل على مسألتين:
المسألة الأُولى: عقد الذمة: ويتضمن مَنْ تُعْقَد له الذمة، وما معنى عقد الذمة، والثاني: أحكام هذه الذمة؛ يعني: ما الذي يلزم المسلمين نحو أهل الذمة؟ وما الذي يلزم أهل الذمة نحو المسلمين.
والذمة في اللغة: العهد؛ قال الله تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًَّا وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، الإِلُّ: القرابة، والذمة: العهد؛ وذلك لأن الأصل أن الإنسان يحتمي بأمرين: إما بالقرابة، وإما بالعهد، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، فالذمة العهد.
ومعناه أو تعريفه اصطلاحًا: إقرارُ بعض الكفار على دينهم على وجه مُعَيَّن، الوجه المعين يأتي في أحكام أهل الذمة.
[ ١ / ٤٢٧٧ ]
وقولنا: إقرارُ بعض الكفار على دينهم على وجه مُعَيَّن، يفيد أن الأصل عدم إقرار الكافر على دينه، وهو كذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللًّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (١٠)، ووجه هذا الأصل الذي دَلَّت عليه السُّنَّة، بل دَلَّ عليه القرآن، كما سنذكره إن شاء الله، وجه هذا الأصل أن الخَلْق عبادٌ لله يجب عليهم أن يقوموا بمقتضى هذه العبودية من التذلُّلِ له والتزامِ أحكام شريعته، فإذا خالفوا ذلك خرجوا عن مقتضى هذه العبودية، فكان يجب أن يُرَدُّوا إليها؛ لأنهم خُلِقُوا من أجلها، هذا وجه كَوْن الأصل عدم إقرار الكافر على دينه، لكن لنا أن نُقرَّه على دينه بالذمة والعهد، كما سيبين إن شاء الله.
يقول: (والأصل في هذا) يعني: الأصل في عقد الذمة (قوله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]).
والخطاب في قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾ للمسلمين عامة؛ فيكون قتالهم فرض كفاية.
[ ١ / ٤٢٧٨ ]
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ﴿مِن﴾ هنا يتعين أن تكون لبيان الجنس، وليست للتبعيض؛ وذلك لأن جميع أهل الكتاب لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حَرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، ولو جعلنا ﴿مِن﴾ للتبعيض لكان بعض أهل الكتاب على دين، ومؤمنًا، ولكنَّ الأمر ليس كذلك، فـ ﴿مِنَ﴾ هنا يتعين أن تكون إيش؟ لبيان الجنس كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: ٦]، فإن ﴿مِن﴾ هنا لبيان الجنس؛ يعني أن الله صَنَّف الكفرة إلى قسمين: أهل كتاب ومشركين.
قال: (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم) (لاَ يُعْقَدُ) بالبناء للمجهول، وسيأتي أن الذي يتولى عقدَها الإمام أو نائبه.
(لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ) المجوس: تُعْقَد لهم الذمة، وهم الذين يعبدون النار، ويقولون بالأصلين: الظلمة والنور، وهم فِرقة؛ يعني: فِرَق، لكنّ هذه من فِرَقهم من يقول بالأصلين: الظلمة والنور، ويقولون: إن الحوادث إما خير وإما شر، فالخير خلقه النور، والشر خلقته إيش؟
طلبة: الظلمة.
الشيخ: الظلمة، ومع ذلك لا يَرَوْن أن هذين الإلهين متساوِيَيْن، بل يقولون: إن النور خير من الظلمة، ويقولون: إن النور قديم، ويختلفون في الظلمة: هل هي حادثة أو لا، ولهذا قال شيخ الإسلام: لم يُعْلم أن أحدًا من أرباب المقالات قال إن للخَلْق إلهين متساويين أبدًا، حتى القائلين بالتثنية لا يَرَوْن أن هذا مساوٍ لهذا.
ودليل أصلها من المجوس ما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ الجزية من مجوس هَجَر (١٤)، هَجَر اسم للأحساء وما حولها، أخذ منهم النبي ﷺ الجزية، ومعلوم أن السُّنَّة أصل في الدليل.
[ ١ / ٤٢٧٩ ]
قال: (وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ) الكتابان هما: التوراة والإنجيل، أنزل الله التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والمتمسكون بالتوراة يقال لهم: اليهود، وبالإنجيل يقال لهم: النصارى، هؤلاء يُعْقَد لهم بنَصِّ القرآن: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فصار الذي نَصَّ الدليل على عقد الذمة لهم ثلاثة أصناف: اليهود، والنصارى، والمجوس.
قال: (وَمَنْ تَبِعَهُم) عندي في الشرح يقول: (فتَدَيَّنَ بأحد الدِينَيْن كالسامرة والفرنج والصابئين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾) فالذين تبعوهم في دينهم وإن لم يكونوا من بني إسرائيل فإنهم لهم حكمهم؛ لأن العبرة بالدين لا بالنسب أو الجنس.
هذا ما ذهب إليه المؤلف: أنه لا يُعْقَد إلَّا لهذه الأصناف الثلاثة؛ هم؟
طالب: اليهود والنصارى والمجوس.
الشيخ: اليهود والنصارى والمجوس، اليهود والنصارى دليلهم مِنْ؟
الطالب: اليهود والنصارى من الكتاب.
الشيخ: من الكتاب، والمجوس؟ من السُّنَّة، هل يُعْقَد لغيرهم؟ نقول: لا، على كلام المؤلف، لأنه قال: (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ) وهو صريح.
[ ١ / ٤٢٨٠ ]
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يُعْقَد لكل كافر، وهذا هو الصحيح، ويدل عليه ما رواه مسلم من حديث بُرَيْدَة بن الحُصَيْب أن النبي ﷺ كان إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المجاهدين خيرًا أو من المسلمين خيرًا، وذكر فيه: «فَإِنْ أَبَوُا الْإِسْلَامَ فَخُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ» (١٢)، فدل ذلك على أن الجزية تؤخذ من كل كافر، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه إذا جاز أخذها من أهل الكتاب والمجوس، فغيرهم مثلهم؛ إذ إن المقصود إقرار الكافر على دينه على وجه معين أو مخصوص، وهو حاصل في كل كافر، وعلى هذا فلو أن أحدًا من المشركين طلب الجزية ويُقَرُّ على دينه، ورأينا المصلحة في ذلك فإننا نفعل.
ما دليل من خَصَّها بهؤلاء؟ يقولون: لأن هؤلاء هم الذين نَصَّ عليهم الكتاب والسُّنَّة، ومَنْ عداهم فالأصل وجوب مقاتلته حتى يُسْلِم «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ» (١٠)، فقالوا: ما دام هذا هو الأصل فإننا نسنثني مَنْ استثناهم القرآن والسُّنَّة والباقي على الأصل.
ولكن يقال: نعم، لو لم يرد حديث بُرَيْدَة بن الحُصَيْب لكان الأمر كما قالوا، أي أنه لا يُعْقَد إلَّا لهذه الأصناف الثلاثة.
(وَلَا يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ)، (لَا يَعْقِدُهَا) أي: الذمة بين المسلمين والكفار (إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ)، إذا قال العلماء: الإمام، فيعنون به صاحب السلطة العليا في الدولة، (أوْ نَائِبُهُ) من الوزراء أو الأمراء أو مَنْ يوليهم الإمام مثل هذا العقد.
[ ١ / ٤٢٨١ ]
وإنما كان كذلك؛ لأنه عقد يترتب عليه أحكام كبيرة، وليس كالأمان، الأمان سبق أنه يصح من كل إنسان، حتى من المرأة، قال النبي ﵊: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (١٥)، أما عقد الذمة فلا؛ لأنه يترتب عليه أحكام كثيرة، كبيرة، عظيمة، فلا بد أن يكون من إمام أو نائبه، ولأنه أيضًا عقد مؤبَّد، عقد مؤبَّد، ليس فيه تقييد بسَنَة، أو سنتين، أو شهر، أو شهرين، عقد مؤبَّد، فلهذا صار لا بد من أن يتولاه الإمام أو نائبه.
ثم قال المؤلف: (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صبِيّ، وَلا امْرَأةٍ، ولَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا) الجزية: لا تجب على كل واحد من الكفار؛ يعني: لو عقدنا الذمة لهؤلاء اليهود أو لهؤلاء النصارى مثلًا الذين يقيمون في بلادنا، فهل نجعل الجزية على رب العائلة وأفراد العائلة؟
لا، يقول: (لَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ) وإنما لم يكن عليه جزية؛ لأنه ليس أهلًا للقتال، والجزية إنما تكون على من يقاتِل، أما مَنْ لا يقاتِل فلا جزية عليه؛ لأنه لا شر فيه.
وكذلك لا جزية على امرأة؛ لأنها ليست من أهل القتال، هذا هو الأصل: أن النساء لَسْنَ من أهل القتال، ولا يجب عليهن الجهاد، كما قال النبي ﵊ حين سألته عائشة: هل على النساء جهاد؟ قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (١٦).
كذلك أيضًا لا جزية على عبد؛ لأنه لا يملك، فهو بمنزلة الفقير أو أشد، مُلْك العبد لمن؟
طلبة: لسيده.
الشيخ: لسيده، دليله قوله ﷺ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (١٧).
[ ١ / ٤٢٨٢ ]
(وَلَا فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا) معلوم؛ لأن الفقير ليس له مال، وكل الأموال الواجبة من شرطها الغنى؛ أي: القدرة عليها، والغنى يختلف: فغِنَى الزكاة الذي يحصُل به الوجوب غير غِنَى الزكاة الذي يحصُل به الامتناع من أخذها، والغِنَى هنا غير الغِنَى هناك، والغِنَى في باب النفقات غير الغِنَى في هذه المواضع، كل شيء بحسبه.
قال: (وَمَن صَار أَهْلًا لَهَا أُخِذَتْ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ) من صار أهلًا لها من هؤلاء: كصبي بَلَغ، وعبد عَتَق، وفقير اغتنى، فإنه تؤخذ منه في آخر الحول.
وكيف تؤخذ؟ هل تؤخذ منه جزيةُ حولٍ كامل؟ أو بالحساب؟
العدل بالحساب؛ يعني مثلًا: لو أنه بَلَغ في نصف العام، وكنا نأخذ منهم الجزية في آخرِ شهرِ ذي الحجة، وهذا بَلَغ في نصف العام، والجزية مقدارها مئة درهم على كل واحد مثلًا كم نأخذ من هذا؟
طلبة: خمسين.
الشيخ: نأخذ منه خمسين، هذا هو العدل، فلا نظلمه، ولا نظلم بيت المال، وكل شيء بحسابه.
قوله: (وَمَتَى بَذَلُوا الوَاجِبَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ قَبُولُه) يعني: إذا تم العقد بيننا وبينهم، وبذلوا الواجب، فإنه لا يجوز لنا أن نرجع في هذا العقد، ونقول: لا نقبل منكم إلَّا الإسلام، بل يجب أن نقبل منهم ما بذلوا؛ لقول الله تبارك تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذه الآية من أجمع الآيات في باب المعاملات، كل عقد بينك وبين غيرك فإنه يجب عليك الوفاء به إذا كان قد أَذِنَ به الشرع، وهذا الشرط الذي ذكرته مأخوذ من قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ لأن الله تعالى لا يأمر بوفاء ما لم يأذن به، فيجب علينا أن نقبلها.
وإذا بذلوا الجزية حَرُم قتالهم؛ لأنهم يُؤَمِّنُون أنفسهم بهذه الجزية، ومع ذلك يجب أن ندافع عنهم؛ لأنهم مؤتمنون معنا، ملتزمون بأحكام الذمة، ونحن نلتزم لهم بذلك أيضًا.
[ ١ / ٤٢٨٣ ]
إذا أسلم أحد في أثناء الحول هل تسقط؟ نعم تسقط عنه، لماذا تسقط؟ لأنه أسلم، فلم يكن من أهل الجزية، ولا يؤخذ منه شيء ترغيبًا له في الإسلام ().
قال: (وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أخْذِها) (يُمْتَهَنُونَ) الضمير يعود على مَنْ؟ على أهل الذمة؛ يعني: لا يُكْرَمُون عند أخذها، فإذا جاء الذمي يريد أن يُعطي الجزية إلى الجابي فإنه لا يستقبله بالحفاوة والإكرام ويقدم له الفراش، يقدم له الأكل، يقدم له الشرب، لا، بل يمتهنه؛ لماذا؟ لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، والإكرام ضدُ الصَّغار.
ويقول: (وَيُطَالُ وقُوفُهُمْ) إذا جاء يُسَلِّم إلى الجابي لا يأخذ منه على طول، يخليه يبقى (يُطَالُ وقُوفُهُمْ) إلى متى؟
طالب: إلى آخر النهار.
الشيخ: لا، ما هو إلى آخر النهار، إلى ما يحصُل به الامتهان، فلا يباشَرون بالأخذ منهم، كل هذا إعزازًا للإسلام، لا انتقامًا منهم، ولا انتصارًا لأنفسنا، ولكن إعزازًا لدين الله، وبيان أن الدين قوي.
ولو أن الناس استعملوا هذا في الوقت الحاضر لقيل: هذه عنصرية، وهذه جفاء، وهؤلاء أجلاف؛ لأن الأمور تغيرت.
فهل مثلًا لو قُدِّر أن المسلمين الآن يعقدون الذمة لأحد هل يَحْسُن أن يعامَلوا هذه المعاملة؟ أو يقال: إن صَغَار كل شيء بحسبه؟ فنحن إذا لم نكرمهم فهو في عرف الناس الآن يعتبر إذلالًا وإصغارًا، هذه محل نظر.
قال: (وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ) تُجَرُّ أيديهم؛ يعني: عندما يُقَدِّم الجزية ما نأخذها بطَرَف، نأخذ يده ونجرها بقوة، وكل هذا كما قلت من أجل إعزاز الإسلام، وإعلاء الإسلام؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا.
وقال بعض العلماء: لا يعامَلون هذه المعاملة، لا يُكْرَمون، بل يعامَلون بالصَّغار دون أن يُطال وقوفهم، ودون أن تجر أيديهم، بل تُستلم منهم استلامًا عاديًّا بشرط ألَّا نُظْهِر إكرامهم، ويكفينا أن يأتوا بها إلينا.
[ ١ / ٤٢٨٤ ]
فإن قال قائل: هل يجوز للواحد منهم أن يرسل بها خادمه أو ابنه؟
فالجواب: لا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، شوف، تأمل القرآن: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ هل المعنى: عن قوة؟ أو ﴿عَنْ يَدٍ﴾ يعني: يدًا بيد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أو الجميع؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: الجميع؛ لماذا؟ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهي أنه: متى احتملت الآية معنَيَيْن لا يتنافيان وجب حملُها عليهما جميعًا؛ لأن ذلك أعم، وكلما عمَّت دلالة الآية كان أَوْلى، فنقول ﴿عَنْ يَدٍ﴾: أي يعطونها بأيديهم.
والثاني: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: عن قوة، يعني أننا نُظْهِر لهم القوة، وأننا أعلى منهم.
وإلى هنا انتهى حكم العقد.
***
أما الأحكام فقال: (فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ) (يَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ) أي: أخْذُ أهل الذمة.
(بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ) أي: بما يقتضيه الإسلام من الأحكام، فـ (حُكْم) هنا مفرد مضاف فيكون إيش؟
طلبة: عامًّا.
الشيخ: يكون عامًّا؛ لأن المفرد إذا أضيف صار للعموم.
(فصلٌ)
ويَلْزَمُ الإمامَ أَخْذُهم بِحُكْمِ الإسلامِ في النَّفْسِ، والمالِ، والعِرْضِ، وإقامةِ الحدودِ عليهم فيما يَعتقدونَ تَحريمَه دونَ ما يَعتقدونَ حِلَّه، ويُلْزِمُهم التمَيُّزَ عن المسلمينَ، ولهم رَكوبُ غيرِ الخيلِ بغيرِ سُرُجٍ بإكافٍ، ولا يَجوزُ تَصديرُهم في المجالِسِ ولا الْقِيامُ لهم ولا بَدَاءَتُهم بالسلامِ، ويُمْنَعُون من إحداثِ كنائسَ وبِيَعٍ وبِناءِ ما انْهَدَمَ منها ولو ظُلْمًا، ومِن تَعليةِ بُنيانٍ على مُسلِمٍ، لا مُساواتُه له، ومِن إظهارِ خَمْرٍ وخِنزيرٍ وناقُوسٍ، وجَهْرٍ بكتابِهم، وإن تَهَوَّدَ نَصرانِيٌّ أو عَكْسُه لم يُقَرَّ ولم يُقْبَلْ منه إلا الإسلامُ أو دِينُه.
(فصلٌ)
[ ١ / ٤٢٨٥ ]
فإن أَبَى الذِّمِّيُّ بَذْلَ الْجِزْيَةِ، أو الْتَزَامَ حُكْمِ الإسلامِ، أو تَعَدَّى على مُسلِمٍ بقَتْلٍ أو زِنًا أو قَطْعِ طريقٍ، أو تَجَسُّسٍ أو إيواءِ جاسوسٍ، أو ذِكْرِ اللهِ أو رسولِه أو كتابِه بسُوءٍ -انْتَقَضَ عَهْدٌ دونَ نسائِه وأولادِه، وَحَلَّ دَمُه ومالُه.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، شوف تأمل القرآن: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ هل المعنى: عن قوة؟ أو: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ يعني: يدًا بيد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أو الجميع؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: الجميع، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة في التفسير، وهي: أنه متى احتملت الآية معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما جميعا؛ لأن ذلك أَعَمّ، وكلما عَمَّت دلالة الآية كان أَوْلَى، فنقول: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: يُعطونها بأيديهم، والثاني: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قوة؛ يعني: أننا نُظهِر لهم القوة وأننا أعلى منهم، وإلى هنا انتهى حكم العقد.
***
أما الأحكام فقال: (فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ)، يَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ؛ أي: أَخْذ أهل الذمة بحكم الإسلام؛ أي: بما يقتضيه الإسلام من الأحكام، فـ (حُكْم) هنا مفرد مضاف فيكون أيش؟
طلبة: عامًّا.
الشيخ: يكون عامًّا؛ لأن المفرد إذا أضيف صار للعموم، ومنه مثال للمفرد الذي يُراد به العموم؟
طالب: قول الناظم: أبدأ بسم الله مستعينًا.
الشيخ: لا، ما نبغي قول الناظم، نبغي من كلام الله وكلام الرسول.
طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، فقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هذا مفرد، والمفرد لو أريد به مدلوله لكنا نحصيه أو لا؟
طلبة: نحصيه.
الشيخ: نحصيه، واحد، لكن المراد: كل النعم، فهي لا تُحصى.
[ ١ / ٤٢٨٦ ]
إذن (حكم الإسلام) أي: جميع أحكام الإسلام (في النفس والمال والعِرض) في النفس؛ يعني: إذا قَتلوا أحدًا قتلناهم، وإن قتلهم مثلهم أيش؟ قتلناه، وإن قتلهم مسلم؟ نقتله أو لا؟
طلبة: لا نقتله.
الشيخ: لا نقتله؛ لأنه لا يُقتل مسلم بكافر، خلافًا لمن ذهب إلى قتل المسلم بقتل المعاهَد، والصواب أنه لا يُقتل المسلم بالكافر، ومن حمل هذا الحديث: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (١) على أن المراد به غير المعاهَد فَحَمْلُهُ ضعيف جدًّا؛ لأن غير المعاهَد يُقتل سواءٌ قُتل على وجه القِصاص أو على وجه الحِرابة؛ لأنه محارب، كذلك في المال، إذا أتلفوا مالَ مسلم ضمَّنَّاهم، وإن أتلف مسلمٌ مالهم ضمَّنَّاه؛ لأن هذا مقتضى حكم الإسلام: أن مُتْلِفَ المال ضامن، سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا، والعِرض؟ كيف؟ العِرض يعني أنه لا يجوز لنا أن نغتابهم، ولا يجوز لنا أن نقذفهم بالزنا، وذلك لأنهم محترمون، فهم من المعصومين، فيجب أن يلزم الإمام أَخْذُهُم بذلك كله، وهم أيضًا إذا اغتابوا أحدًا من المسلمين أو قذفوا أحدًا من المسلمين أُلْزِموا بما يقتضيه الإسلام في هذا الأمر.
[ ١ / ٤٢٨٧ ]
قال: (وَإِقَامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ فيِمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) الحدود -وهي العقوبات المقدرة شرعًا في معصية- يجب إقامتها -كما مر علينا- أليس كذلك؟ مر علينا في بلوغ المرام أن إقامة الحدود واجبة، فرض كفاية، والمطالب بها الإمام، فهؤلاء الذِّمِّيُون إذا فعلوا ما يوجِب الحد: إن كانوا يعتقدون التحريم أقمنا عليهم الحد، وإن كانوا لا يعتقدونه فإننا لا نقيم عليهم الحد، فالزنا -مثلًا- يقام عليهم الحد فيه؛ لأنهم يعتقدون تحريمه، فإذا ترافعوا إلينا في قضية في الزنا فإنه يجب علينا أن نحكم عليهم بمقتضى الإسلام: إذا كانوا مُحْصَنِين فالرجم، وإن كانوا غير مُحْصَنِين فالجَلْد والتغريب، إذا قَدَّرْنا أنهم يعتقدون التحريم لكن لا يعتقدون إقامة الحد فهؤلاء نقول: إن ترافعوا إلينا ألزمناهم بحكم الإسلام، وإن لم يترافعوا إلينا تركناهم وشأنهم، مع أن حَدَّ الزنا ثابت حتى في التوراة والإنجيل، ودليل ذلك ما ورد في قصة عبد الله بن صوريا الذي زنا بامرأة يهودية وترافعا إلى رسول الله ﵌ وجيء بالتوراة فإذا فيها آية الرجم (٢).
وقوله: (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) مثل الخمر، الخمر يعتقد أهل الكتاب أنه حلال، فإذا جيء إلينا بسكران من أهل الذمة فإننا لا نقيم عليه حد الخمر، حتى وإن قلنا: إن عقوبة شارب الخمر حد فإننا لا نقيم عليه الحد، لماذا؟ لأنه يعتقد حِلَّه، والذي يعتقد حِلَّ الشيء كيف يعاقَب عليه؟ لا يعاقَب، لكن سيأتي أنهم يُمْنَعُون من إظهار شرب الخمر، فإن أظهروا ذلك فإننا نُعَزِّرهم بما يردعهم.
[ ١ / ٤٢٨٨ ]
ويؤخذ من هذا الحكم الذي أقره الفقهاء -﵏- أن من اعتقد حِلَّ شيءٍ مختَلَفٌ فيه فإنه لا يُلْزَم بحكم من يرى تحريمه، مثل الدخان؛ الدخان ليس مُجْمَعًا على تحريمه، من العلماء مَنْ خالف فيه، لا سيما في أول ما ظهر، فإذا رأينا شخصًا يشرب الدخان وهو يرى أنه حلال فإننا لا نُعَزِّره، وإن كان يعتقد أنه حرام فإننا نُعَزِّره؛ لأن التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وهل نُقِرُّه؟ بمعنى: هل يجوز أن أجلس إلى جنب واحد يدخن لكن يعتقد حِلّ الدخان؟
طلبة: ().
الشيخ: لا تتعجلوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما فيه واحد يقول: نعم؟ لو رأيتَ واحدًا أكل لحم إبل ولم يتوضأ، وقام يصلي وهو لا يعتقد وجوب الوضوء من لحم الإبل هل تُنْكِر عليه؟
طلبة: لا.
الشيخ: هل تصلي معه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا إقرار ولَّا إنكار؟
طلبة: إقرار.
الشيخ: نعم هذا إقرار، إذن أَيُّ فرق بين ترك الواجب وفعل المحرَّم؟ لا فرق، لكن لا ينبغي لذوي المروءة أن يجلسوا مع الذين يشربون الدخان ولو كانوا يعتقدون حِلَّه؛ لأن هذا دناءة؛ يعني -وفي ظني- أن الذين يعتقدون حِلَّه من العلماء لا يَرَوْن أنه من فعل ذوي المروءة، كما أننا مثلًا نرى أن تنظيف الفصفص لا بأس به، ولَّا لا؟ نعم؟ لكن لو يجيء واحد معلم، يعلِّم الطلبة، وعنده كيس فصفص يأخذ من ها الفصفص وينقي، ويش يعتبر هذا؟
هذا مخالف للمروءة، وإن كان ليس حرامًا لكن الإنسان يجب أن يكون عنده أدب، فيؤخذ من كلام الفقهاء -﵏- في هذه أن ما يعتقده الإنسان حلالًا -ولو كان كافرًا- فإنه لا يُلْزَم بحكم الإسلام فيه، وإذا كان ذلك في حق الكفار ففي حق المسلمين من باب أَوْلَى فيما ذهبوا إليه بتأويل سائغ، أما مَنْ عاند، مثل إنسان يأكل خنزيرًا، مسلم يأكل خنزيرًا، ويقول: أنا أعتقد أنه حلال، هل تُقِرُّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: نص على تحريمه.
[ ١ / ٤٢٨٩ ]
الشيخ: لأنه مجمع عليه، ولا يمكن لأي إنسان أن يحلل لحم الخنزير بأي مُسَوِّغ، فَفَرْق بين هذا وهذا.
يقول: (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِينَ)، هذه مُعْتَرَك، يلزم أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في كل شيء؛ في القبور، تكون قبورهم متميزة في مكان آخر، لا يمكن أن ندفنهم مع المسلمين، كذلك أيضًا في الزِيّ والشكل، لا يمكن أن يلبس أهل الذمة كما يلبس المسلمون؛ لأن هذا تدليس، فإن مَنْ رأى هذا الذمي الذي يلبس كما يلبس المسلم يظنه مسلمًا، فيلزمهم التميز.
ونقف على هذا؛ لأنه بحث مهم وقد أتى دور الأسئلة، نعم.
طالب: وإذا عُكِس الأمر، أي كان الذمي يتميز عن المسلم ولبس المسلم لباس الذمي، في هذه الحالة هل ..
الشيخ: يكون حرامًا، لباس المسلم ما يلبسه الذمي على وجه الخصوص حرام لقول النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٣).
الطالب: يُعَزَّر؟
الشيخ: يُعَزَّر ويُمنَع.
طالب: أحسن الله إليكم، كان في السابق أن غالب النساء لا يقاتِلون مع الرجال، لكن في الوقت الحاضر أنه غالب النساء يقاتِلون مع الرجال، فهل تؤخذ الجزية؟
الشيخ: ما تؤخذ الجزية، لكنَّ في باب القتال إذا كانت تقاتِل فإنها تُقْتَل، وإذا كانت لا تقاتِل فإنها تُسْبَى ولا تُقْتَل.
الطالب: أحسن الله إليكم، من أسباب مشروعية الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وهذه الأعمال تُنَفِّر أهل الكتاب؟
الشيخ: إي، هذا سؤال جيد، يقول الأخ: من المعلوم أن الله فرض في الزكاة نصيبًا للمؤلفة قلوبهم، ونحن إذا عاملنا أهل الذمة وهم أتوا إلينا يعطوننا مالًا إذا عاملناهم بهذه المعاملة فهذا تنفير.
[ ١ / ٤٢٩٠ ]
نقول: إن بعض العلماء لم يذهب هذا المذهب الذي ذهب إليه المؤلف، وقال: إنه لا يُطال وقوفهم، ولا تُجَرُّ أيديهم، ولكن لا يُكْرَمون؛ يعني لا يتبين لهم أن المسلم قد ذلَّ أمامهم وأكرمهم، كقوله ﵊: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (٤).
الطالب: () التميز يا شيخ ().
الشيخ: يأتينا إن شاء الله، نعم.
طالب: الأعمى والزَّمِن والخنثى تؤخذ منهم الجزية ولَّا لا؟
الشيخ: لا ما تؤخذ، كل من لا يقاتل لا تؤخذ منه الجزية.
الطالب: ولو شاركوا، لو لهم رأي في القتال أو ..
الشيخ: إذا شاركوا القتال تعرف أنه له أمد ينتهي إليه، في حال القتال نقتلهم، أما في غير حال القتال؛ لأن عقد الذمة ما فيه قتال ..
الطالب: لا تؤخذ منهم.
الشيخ: ما تؤخذ منهم، نعم.
طالب: إذا مات ذو الذمة في آخر الحول أو في أثنائه وقد ترك مالًا، هل يؤخذ ..
الشيخ: إذا مات الذمي في أثناء الحول يؤخذ منه بالقسط.
طالب: شيخ قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، اليد يا شيخ ما هي متعلقة بـ (يأخذ) من الفعل؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان كذلك كيف نحملها على القوة من جانب المسلمين وهي في جانب أهل الذمة؟
الشيخ: لأن أصل ﴿يُعْطُوا﴾ أصلًا فيها مفعول محذوف، والتقدير: حتى يعطوكم الجزية، فالمفعول الأول فيها محذوف، ويكون ﴿عَنْ يَدٍ﴾ وصف للمفعول الأول المحذوف.
طالب: أحسن الله إليك، الزمْنَى والمرضى ما الذي أخرجهم من عموم أمر النبي ﵊ معاذًا بأن يأخذ من كل حالم دينارًا؟
الشيخ: لأنهم ليسوا أهلًا للقتال.
الطالب: الحديث عام يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن معروف الحكمة من ذلك، الحكمة من ذلك هو هذا، ولهذا لا تجب على الصغير.
().
طالب: فقرة في عدم أخذ جزية من الذمي.
الشيخ: إي، الذي لا يستطيع أن يدفعها بعد قوته وقوت عياله.
[ ١ / ٤٢٩١ ]
طالب: شيخ، بالنسبة إذا وقع من الذمي في القَذْف، ولَّا مثلًا انتهك عِرض مسلمة، ولَّا ..
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، هذا ما ينقض العهد.
طالب: أحسن الله إليكم، لو أن الكافر في بلاد المسلمين بغير عهد ذمة كيف يأمن ..
الشيخ: هو بالوقت الحاضر.
الطالب: من غير عهد.
الشيخ: في الوقت الحاضر قصدك؟ الوقت الحاضر يعتبر الناس كلهم معهم عهد، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما هو؟ ميثاق الأمم المتحدة، يعتبر كلهم الآن في عهد.
طالب: هم ينقضون العهد.
الشيخ: وأنا أقول لك: ميثاق الأمم المتحدة هو عهد لما يريدون، وليس عهدًا فيما لا يريدون، ولهذا يُقتَّل الناس في بعض الأماكن بدون سبب، إي نعم.
طالب: قلتم يا شيخ: إذا أسلم الكافر ترفع عنه الجزية ترغيبًا في الإسلام.
الشيخ: نعم.
طالب: كيف يكون ترغيبًا وهو أسلم؟
الشيخ: إي نعم، ترغيبه في الإسلام، أي: في ثبوته، ولهذا المؤلفة قلوبهم يُعْطَون للإسلام، ويُعْطَون لتقوية الإيمان في نفوسهم، ويُعْطَون لإسلام نظيرِهم، ربما هذا الإنسان إذا رفعنا عنه الجزية يُسلِم نظيره.
الطالب: وهذا أسلم، يا شيخ كيف ()؟
الشيخ: إي، ترغيبًا في الإسلام في البقاء عليه.
الطالب: ().
الشيخ: لا، إن ارتد -نسأل الله العافية- عاد يُعامَل معاملة المرتد، يقال: إما أن ترجع إلى الإسلام وإلَّا قتلناك.
طالب: إذا كان يا شيخ المسألة خلافية، فعلها الإنسان مثلًا وكنت أرى التحريم، لماذا لا أنكر عليه يا شيخ مع أن الصحابة قد أنكر بعضهم على بعض في مسائل خلافية، وكل منهم لديه دليل؟
الشيخ: هناك فرق بين الإنكار وبين المناقشة، الإنكار أن ترى الإنسان هذا على غير حق، وترى أنه خارج عن الهدى إلى الضلال، والمناقشة شيء آخر، المناقشة لا بأس تناقشه.
الطالب: أُنكر عليه يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما تُنكر عليه.
الطالب: عليٌّ يا شيخ أنكر على ابن عباس المتعة.
الشيخ: نعم، صريح هذا، مخالفة للحديث صريحة.
[ ١ / ٤٢٩٢ ]
الطالب: وحديث أَكْل لحم الجزور يا شيخ ينقض الوضوء حديث صحيح.
الشيخ: إي، لكن ما هو بصحيح عند بعض الناس، حديث جابر: كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ترك الوضوء ممَّا مست النار (٥)، فيقولون: هذا آخر الأمرين، ولهذا قلنا: إن قول بعض الفقهاء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ليس على عمومه، بل الشيء الذي له مُسَوِّغ لا ننكر عليه، لكن لا مانع من أن نناقشه.
طالب: قاعدة يا شيخ: لا إنكار في مسائل الاجتهاد فيما لا نص فيه، صحيح؟
الشيخ: إي.
الطالب: فيما لا نصّ فيه؟
الشيخ: لا، فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد، أحسن، فقد يكون فيه نص محتمل.
() وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، هل هناك فرق بين قولنا: إن الضرب بالرجل لا يجوز؟ وبين قولنا أن الضرب حرام؟
لا فرق بينهما؛ يعني العلماء يعبرون تارة يقولون: هذا حرام، وتارة يقولون: هذا لا يجوز.
يقول: أَوْرَدَ عليَّ أحد الإخوة إشكالا فيما يخص الكافر إذا مات هل يُحْكَم عليه بعينه أنه خالِدٌ مخَلَدٌ في النار، فقال: إنه لا يُحْكَم عليه بعينه أنه في النار؛ لأنه قد يكون أسلم وأخفى إسلامه خشية الناس ومات على ذلك، ومَثَّل بالنجاشي، وذكر لقصة الرجل من بني إسرائيل أنه قال لأولاده: إذا ما مِتُ حرِّقُوني ثم ارموا رمادي في البحر والرياح (٦) .. الحديث، وفي الأخير بعد ما جمعه الله غفر له وأدخله الجنة بعد أن مات كافرًا، فما وجه الاستدلال بهذا الحديث؟
[ ١ / ٤٢٩٣ ]
الشهادة بالنار أو بالجنة تنقسم إلى قسمين: شهادة عامَّة، وشهادة خاصَّة، العامَّة: أن تشهد لكل واحد، لعموم الكافرين أنهم في النار، فتقول: كل كافر في النار، وأما الخاصَّة: فهي أن تشهد لشخص معيَّن بأنه في النار، وهذا لا يجوز إلَّا لِمَن شَهِد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، كعَمْرو بن لُحَي الخزاعي الذي رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجر قُصْبَه -يعني أمعاءه- في النَّار (٧).
وكذلك الشهادة بالجنَّة تنقسم إلى قسمين: عامَّة وخاصَّة.
فالعامَّة مثل أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنَّة، والخاصَّة أن نشهد لشخص معين أنه في الجنَّة، والثاني لا نشهد -وهو المعيَّن- إلَّا لمن شهِد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا مات الإنسان على الكفر فنقول: مَنْ مات كافرًا فهو من أهل النار.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إذا استعمل العاقل مجنونًا في قَذْف الناس كأن يقول له: قل لفلان يا زاني، فاستجاب المجنون لذلك فهل يُقام حدُّ القَذْف على العاقل؟ أم أنه يُشتَرط أن يكون القَذْف منه شخصيًّا؟
نقول: يُعَزَّر الذي أمره بذلك تعزيرًا بالغًا يردعه عن هذا، أما المجنون فلا حدَّ عليه. ()
نرجو المبادرة في المسابقة. ()
***
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في زاد المستقنِع في باب أحكام أهل الذمة: (وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ)، (يَلْزَمُهُمُ) ضمير المفعول به يعود على أهل الذمة، (التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ) أي: أن يكونوا متميزين عن المسلمين في الحياة وفي الممات.
[ ١ / ٤٢٩٤ ]
أما في الممات فيلزم أن تكون قبورهم منفردة، لا يُقبَرون مع المسلمين، حتى لو كان صبيًّا مات وأبواه كافران فإنه لا يجوز أن يُدْفَن في مقابر المسلمين، بل يُميَزون، كذلك في الحياة يجب أن يتميزوا عن المسلمين في المظهر، والملبس، والمركب، يتميزون عن المسلمين؛ لئلَّا يغتر الناس بهم، فمثلًا: في المظهر قالوا: يَحْذِفون مقدَّم رؤوسهم؛ يعني: يكون لهم قصَّة في الشعر، يُقَصّ حتى يتبين أن هذا من أهل الذمة أو أنه من المسلمين، كذلك يَشُدُّون أوساطهم بالزُّنَّار حتى يُعرف أنهم من أهل الذمة، كذلك يُجعل لهم علامة عند دخول الحمامات، جُلْجُل؛ يعني: جرس صغير، أو طَوْق تُطَوَّق به أعناقهم، بشرط ألَّا يكون فيه الصليب؛ لأنهم يُمْنَعون من إظهار الصليب؛ إذ أن الصليب شعارُ دينِهم فيُمْنَعُون من إظهاره، وكذلك أيضًا في المراكِب، لا يركبون الخيل أبدًا؛ لأن الخيل هي مادة القتال والجهاد فلا يركبونها، إنما يركبون الإبل، يركبون الحمير، وأما الخيل فلا، ولهذا قال: (وَلَهُمْ ركُوبُ غَيْرِ خَيلٍ) بشرط أيضًا (بِغَيْرِ سَرْجٍ) بإِكاف، يركبون غير الخيل كالحمير، ولا يُسْرِجُونها؛ يعني: لا يجعلوا لها سَرْجًا، والسَّرج هو عبارة عن الرَّحْل المنَمَّق المحَسَّن، بل يركبون بإِكاف، والإِكاف هو البرذعة، هذا الإِكاف، واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: نعم، الإِكاف البرذعة، غير واضح، البرذعة هي الوِثارة.
طلبة: ().
الشيخ: نعم، هي عبارة عن شيء كالمخدة، مستطيل على طول ظهر الحمار، ثم يُربط على الحمار، ثم يرُكب عليه، أما السَّرْج فمعروف أنه يكون له نقوش ووشي وأشياء تتدلى، ويكون حسنًا.
إذن الإِكاف هو: البرذعة؛ لأنها لا تُنْبِئ عن كبرياء أو عن شرف.
أيضًا يركبون عَرْضًا، يجب أن يكون ركوبهم عَرْضًا، ليس كركوب المسلمين، كيف الركوب العَرْض؟
[ ١ / ٤٢٩٥ ]
الإنسان إذا ركب الدابة يجعل إحدى رجليه عن اليمين والثانية عن اليسار، لكن هم يجعلون الأرجل إما على اليمين، وإما على الشمال جميعًا، ما يمكن أن يجعل اليمنى على اليمين واليسرى على اليسار؛ بل يركبون عَرْضًا، هكذا جرت الشروط التي بينهم وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
في عهدنا الآن ليس هناك خيل تُرْكَب وتستعمل، وليس هناك حمير تُرْكَب وتستعمل؛ فيه سيارات، فماذا يركبون من السيارات؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، الحوض، هذه الحِياض، عربجيات وما أشبهها، أما أشياء فخمة يُمنعون منها؛ لأن هذا يدعو إلى شرفهم وسيادتهم، وأن يشار إليهم بالأصابع، فهم لا يركبون الشيء الفخم.
ويَحْتَمِل أن يقال: إنهم مُنِعُوا من ركوب الخيل لأنها مادة الحرب وآلة الحرب، لا من أجل أنَّ فيها الفخر وفيها الزينة، ولكن الأول أوْلَى، أنهم يُمْنَعون من ركوب الأشياء الفخمة قياسًا على الخيل.
ثم قال المؤلف: (وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيْرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ) يعني: لا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس، بل في آخره، هذا عند ابتداء الجلوس لا إشكال فيه؛ يعني: إذا دخل جماعة من المسلمين، ومعهم من أهل الذمة، فإنه لا يمكن أن يتقدم أهل الذمة حتى يكونوا في صدر المجلس؛ لأن صدر المجلس إنما هو لأشراف القوم وأسيادهم، وهم ليسوا من أهل الشرف والسيادة.
لكن إذا كانوا في مجلس جالسين، ثم دخل جماعة من المسلمين هل يُقَامُون من صدر المجلس؟ الجواب: نعم إذا كان المجلس عامًّا، أما إذا كان المجلس بيتًا لهم فهم في بيوتهم أحرار، لكن إذا كان عامًّا فإنهم لا يُصَدَّرون في المجالس؛ لأن الإسلام هو الذي له الشرف، وهو الذي يعلو ولا يُعْلَى عليه.
[ ١ / ٤٢٩٦ ]
(وَلاَ يَجُوزُ القِيَامُ لَهُم)، (القِيَامُ لَهُم) إذا أقبلوا مثلًا لا تقم لهم؛ لأن ذلك إكرام لهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (٤)، فإن القيام لهم ينافي ذلك تمام المنافاة؛ لأنه إكرام لهم، وعُلِمَ من قول المؤلف: (وَلَا القِيَامُ لَهُم) أنه يجوز القيام للمسلمين، إذا دخَل إنسان ذو شرف وجاه فإنه لا بأس بالقيام له، لكن هو نفسه لا يحب ولا يتمنى أن يقوم الناس له، إنما إذا قاموا له فإنه لا حرج عليهم، وكان النبي ﵊ يكره أن يُقام له (٨)، فتركه الصحابة استجابة لرغبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنه لا بأس أن يقوم الإنسان لذوي الشرف والجاه إكرامًا لهم.
ولْيُعْلَم أنَّ القيام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قيام للشخص، وقيام إليه، وقيام عليه.
فالقيام له يعني أنه إذا دخل قمتَ إجلالًا له وإكرامًا له، ثم إن شئتَ فقل: اجلس في مكاني، وإن شئتَ جلستَ.
القيام إليه: أن يتقدم الإنسان إلى القادم ويخطو خُطُوات، وهذا جائز، قال النبي ﵊ لما أقبل سعد بن معاذ ﵁ للتحكيم، قال: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (٩)، فأمر بالقيام إليه، وذلك إكرامًا له.
[ ١ / ٤٢٩٧ ]
أما القيام على الشخص فإنه لا يجوز، إلَّا إذا كان في ذلك إغاظةٌ للمشركين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن نقوم على غيرنا كما تقوم الأعاجم على ملوكها، بل في الصلاة لما صلى جالسًا وصلَّوْا خلفه قيامًا أمرهم أن يجلسوا؛ لئلَّا تظهر صورة المشابهة حتى في الصلاة، فإن كان في ذلك إغاظة للمشركين فإنه لا بأس به، بل قد يكون محمودًا ومأمورًا به كما فعل المغيرة بن شعبة حين قام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يراسل، وقريشٌ تراسله في صلح الحديبية، فهذا لا شك أنه محمود؛ ليتبين لهؤلاء الكفار أن المسلمين يُعَظِّمون زعماءَهم وعظماءَهم.
إذن القيام لأهل الذمة ما حكمه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: حرام، ولا يجوز، حتى لو كان كبيرًا، ولو كان وزيرًا، ولو كان رئيسًا، أي إنسان لا يمكن أن يُقامَ له، لكن إذا لم يكن من أهل الذمة وقَدِم إلى بلد الإسلام فهل يُقام له؛ لأنه من ذوي الشرف والجاه في قومه؛ ولأن ذلك مما جرت به العادة بين الناس ورؤساء الدول؟ أو لا يقام له؟
هذا محل نظر، وهذا فَرْق بين هذه المسألة وبين مسألة أهل الذمة؛ لأن أهل الذمة تحت ولايتنا، ونحن لنا الولاية عليهم، فلا يمكن أن نكرمهم بالقيام لهم.
قال: (وَلاَ بَدَاءَتُهُمْ بالسَّلَامِ) يعني: لا يجوز أن نبدأهم بالسلام، إذا لقيناهم لا نقول: السلام عليكم، فإن سَلَّموا وجب الرد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (١٠)، فأَمَرَنا أن نَرُدّ عليهم، أما البَداءة فلا.
وهل يجوز أن نبدأهم بـ (كيف أصبحت - كيف أمسيت)، وما أشبه ذلك؟
[ ١ / ٤٢٩٨ ]
المذهب: لا يجوز؛ لأن النهي عن بَداءتهم بالسلام؛ لئلَّا نكرمَهم، بدليل قوله: «وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (٤)، فإذا قلنا: كيف أصبحت، كيف أمسيت، كيف أنت، كيف حالك، فهذا نوع من الإكرام.
وقال شيخ الإسلام: يجوز أن نقول له: كيف حالك، كيف أصبحت، كيف أنت؛ لأن الرسول ﵊ إنما نهى عن بَدْأَتِهِم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك، فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية.
وينبغي أن يقال: إذا كانوا يفعلون بنا مثل ذلك فلنفعله بهم، وإذا كان هذا لمصلحة كالتأليف فلنفعله بهم، وإذا كان ذلك خوفًا من شرهم فلنفعله بهم؛ لأنه إذا قُدِّر مثلًا أنك في وقتنا الحاضر أنك في شَركة، مدير هذه الشَّركة كافر، فإنك لو دخلت عليه لتراجعه في شأن هذه الشَّرِكة ولم تُسْلِّم؛ لكان في قلبه عليك شيء، ربما يضرك، فإذا قلت: كيف أصبحت، كيف حالك، نعم، فهذا يزيل ما في قلبه من الضغينة، وتَسلم من شره، ولا يدخل هذا في نهي الرسول ﷺ عن بَداءتهم بالسلام.
وإذا سلموا هم فكما سمعتم أنه يجب علينا أن نرد عليهم بدلالة القرآن والسُّنَّة، ولكن هل نرد عليهم بقول: وعليكم؟ أو نرد عليهم بمثل ما سَلَّموا؟ نقول: لا يخلو السلام الذي أَلْقَوْه إلينا إمَّا أن يكون صريحًا بقولهم: السلام عليكم، أو صريحًا بقولهم: السام عليكم، أو غير صريح، لم يبيِّنوا اللام، ولم يحذفوها حذفًا واضحًا، فإن صَرَّحوا بقولهم: السلام عليكم، كما يوجد الآن في الكفار الذين عندنا الآن يقولون: السلام عليكم، بصراحة؛ لأن ألسنتهم ألسنة أعجمية فهم يتعلمون السلام تَلْقِينًا، فتجده يقول: السلام عليكم، صراحة، فهنا لنا أن نرد عليهم ونقول: عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم.
[ ١ / ٤٢٩٩ ]
وإن صَرَّحوا بقولهم: السام عليكم، فإننا نقول: عليكم السام، أو نقول -وهو أَوْلى-: وعليكم، ودليل ذلك أن رجلًا يهوديًّا مر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: السام عليك يا محمد، فقالت عائشة: عليك السام واللعنة، فنهاها الرسول ﵊ عن ذلك، وقال: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ» (١١)، وقال: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ فَقُولًوا: وَعَلَيْكُمْ» (١٠)، وفي الصحيح أنه قال: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا سَلَّموا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (١٢).
فصار إلقاء السلام من الكافر يكون على ثلاثة أوجه: أن يُصَرِّح بالسلام، أن يُصَرِّح بالسام، الوجه الثالث أن يكون محتملًا، فهنا يتعين أن نقول: وعليكم؛ لأنه إن كان قال: السلام، فهو عليه، إن كان قال: السام، فهو عليه.
هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيَهم، أو نَعُود مرضاهم، أو نشهد جنائزهم؟
أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يَسْلَم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضا بها، والرضا بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى (عيد الكريسماس)، أو (عيد الفصْح) أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقًا، حتى وإن كانوا يهنئوننا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم، والفرق أنَّ تهنئتهم إِيَّانا بأعيادنا تهنئةٌ بحق، وأن تهنئتنا إيَّاهم بأعيادهم تهنئة بباطل، هذا هو الفرق، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل: إذا هنَّئونا بأعيادنا فلنهنئهم بأعيادهم للفَرْق الذي سمعتم.
[ ١ / ٤٣٠٠ ]
وأما تهنئتهم بأمور دنيوية كما لو وُلِدَ له مولود فهنَّأناه، أو وُجِدَ له مفقود فهنَّأناه، أو بنى بيتًا فهنَّأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه يُنظر إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نَوْعُ إكرام فلا يهنَّؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يُهَنِّئونا بمثل ذلك فإننا نهنِّئُهم.
أما تعزيتهم فلا تجوز، فلا يجوز أن يُعَزَّوْا؛ لأن التعزية تسلية للمصاب، وجبر لمصيبته، ونحن لا نود أن يَسلَمُوا من المصائب، بل نقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]، وهذا لا شك في أهل الحرب، لكن في أهل الذمة، فقال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة -مصلحة التأليف- أو للمكافأة، إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعله بهم، أما عيادتهم فالصحيح جواز ذلك، لكن للمصلحة أيضًا بأن يُرْجَى إسلامه بعَرْض الإسلام عليه، كما زار النبي ﷺ خادمًا له يهوديًّا فعَرَضَ عليه الإسلام، فَرَدَّ بصره إلى أبيه كأنه يشاوره، فقال له أبوه: أَطِعْ محمدًا، فأَسْلَم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارَ» (١٣)، فإذا كان في عيادتهم مصلحة كالدعوة للإسلام فلا بأس، بل قد تكون مندوبة مستحبة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٤).
ثم قال المؤلف: (وَيُمْنَعُونَ مِن إِحْدَاثِ كنَائِسَ) (يُمْنَعُونَ) الضمير يعود على مَنْ؟ على أهل الذمة الذين عندنا في بلادنا، (يُمْنَعُونَ مِن إِحْدَاثِ كنَائِسَ وَبِيَعٍ، وَبِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا وَلَوْ ظُلْمًا) إلى آخره، هذه الأمور الممنوعة التي يُمنعون منها:
[ ١ / ٤٣٠١ ]
أولًا: إِحداث كنائس، والكنائس: جمع كنيسة، وهي مُتَعَبَدُهُم، سواء كانوا نصارى أو يهودًا، فيُمْنَعُون من بناء الكنيسة؛ لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.
وكذلك إحداث البِيَع، البِيَع أيضا يُمْنَعُون من إحداثها، وهي مُتَعَبَّد اليهود، فيُمْنَعُون من إحداثها كما يُمْنَعُون من إِحْداث الكنائس.
فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟
الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة؛ لأن الكنائس دُور الكفر والشرك، والمساجد دُور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناه بحق، الأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله، بخلاف الكنائس والبِيَع.
ومن سَفَهِ بعض الناس أنه يقول: لماذا لا نُمَكِّنُهُم من بناء الكنائس في بلادنا كما يمكنونا من بناء المساجد في بلادهم؟
نقول: هذا من السَّفَه، ليست المسألة من باب المكافأة، ليست مسائل دنيوية، هذه مسائل دينية، الكنائس بيوت الكفر والشرك، والمساجد بيوت الإيمان والإخلاص فبينهما فرْق، والأرض لِمَن؟ لله، فنحن إذا بنينا مسجدًا في أي مكان من الأرض فقد بنينا بيوت الله في أرض الله، بخلافهم.
قال المؤلف: (وَمِنْ بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا) يعني: لو كان هناك كنيسة موجودة قبل الفتح، نحن فتحنا البلاد واستولينا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا، لكن فيها كنائس، انهدمت هذه الكنائس فإننا نمنعهم من بنائها، لماذا؟ لأن البناء إحداث، فنمنعهم.
[ ١ / ٤٣٠٢ ]
وقول المؤلف: (وَلَوْ ظُلْمًا) أي: ولو هُدِمَت ظلمًا، كما لو سَطا عليها أحد من المسلمين وهدمها فإنها لا تقام مرة أخرى، وهذه إشارة خلاف، أعني قوله: (وَلَوْ ظُلْمًا)، فإن بعض أهل العلم قال: إذا هُدِمَت ظلمًا فلهم إعادة بنائها، ولو قيل: إنه يعيدها مَنْ هَدَمَها ويُضَمَّن لكان له وجه؛ لأن هذا عدوان وظلم، وأهل الذمة يجب علينا مَنْع الظلم والعدوان عنهم.
فالصواب أنه إذا هُدِمَت ظلمًا فإنها تعاد؛ وذلك لأنها لم تنهدم بنفسها، فإن هدموها هم وأرادوا تجديدها؟
طالب: يُمْنَعون.
الشيخ: فإنهم يُمْنَعون.
ويُمْنَعون أيضًا: (مِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ) إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غيرَ ملاصقين، وهو كذلك، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يُمَكَّنوا من تعلية البنيان على المسلم، لماذا؟ لما في ذلك من إذلال المسلم، واحتمال الأذى لهذا المسلم؛ لأن العالي يستطيع أن يتفرج على النازل، ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار، فلذلك يُمْنَعون من تعلية البنيان على المسلم.
لو رضي المسلم، قال: ما عندي مانع، فهل يُمْنَعون أو لا؟
نعم يُمْنَعون؛ لأن الحق هنا فيه شائبة حق لله، ولأن هذا المسلم موجود الآن، لكن هل سيبقى إلى الأبد؟ سيموت، أو يرتحل، فيبقى البناء عاليًا على مَنْ؟
طالب: مَنْ بعده.
الشيخ: على مَنْ بعده، ولهذا لا يجوز أن يُعْلُوا البنيان على المسلم ولو بإذن المسلم ورضا المسلم.
فإن مَلَكُوه عاليًا مِنْ مسلم؛ يعني هم جاؤوا إلى عمارة فخمة طويلة واشترَوْها من المسلم، فهل يجب أن نهدِمَها؟ نعم.
طلبة: يُمْنَع البيع.
الشيخ: لم نمنع البيع، الآن ما منعنا، تم البيع، ولم نعلم إلَّا بعد إمضائه، نقول الآن: لكم الخيار، إما أن نهدِمَها، وإما أن تردُّوا البيع.
[ ١ / ٤٣٠٣ ]
فإذا قالوا: إذن نردُّ البيع أهون علينا من الهدم، ولكن المسلم أَبَى، قال: أنا لا أريد فسخ البيع، قلنا: نُلْزِمك؛ لأنك بعت عليهم بنيانًا لا يجوز إقرارهم عليه، فأنت الذي اعتديت، فنُلْزِمك بأن نفسخ البيع.
قال: (لَا مِن مُسَاوَاتِهِ لَهُ) يعني: لا يُمْنَعُون من مُسَاوَاتِهِ، أي: مساواة بنيانهم لبناء المسلمين؛ لأنهم لم يعلوا على المسلمين.
فإن قال قائل: وهل يُمْنَعُون من تشييد بنيانهم، وتحسينه، ووضع الديكور فيه وما أشبه ذلك؟
نقول: أما مِنْ الداخل فإنهم لا يُمْنَعُون، أما مِنْ الخارج فهذا يرجِع إلى اجتهاد الإمام، إن رأى أنهم إذا أظهروا منازلهم بهذا المظهر وبيوت المسلمين حولهم بيوت شعبية، وأن في ذلك افتخارًا لهؤلاء الكفار فله أن يمنعهم؛ لأن هذا وإن لم يكن علوًّا حسيًّا فهو علو معنوي، فيُمْنَعُون، وإن رأى أن الناس لا يهتمون بذلك ولا يقيمون له وزنًا فليُبقِهم على ما هم عليه.
ثم قال: (وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) (يُمْنَعُونَ) الضمير يعود على أهل الذمة.
نرجع إلى ما سبق، قول المؤلف ﵀: (وَمِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ) يُفهم من كلامه أنهم لو مَلَكُوه من مسلم عاليًّا فإنهم لا يُمْنَعُون، لكن الصحيح ما قرَّرْناه أولًا أنهم يُمْنَعُون، فيُهْدَم أو يُفسَخ البيع.
قال: (وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) يعني: يُمْنَعُون من إظهار الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك عند المسلمين حرام، فيُمْنَعُون منه، أما لو شرِبوه في بيوتهم، أو صنعوه في بيوتهم ولم يبيعوه علينا فإننا لا نمنعهم.
وكذلك يُقال في لحم الخنزير؛ لأنهم يعتقدون أن الخمر حلال، وأن لحم الخنزير حلال، فلا نتعرض لهم في ديانتهم، لكن إظهار ما هو ممنوع عند المسلمين ممنوع.
[ ١ / ٤٣٠٤ ]
(وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَجَهْرٍ بِكِتَابِهم) الناقوس: هو شيء يُصَوَّتُ به عند أداء شعائر دينهم، فإذا كان لهم ناقوس قوي الصوت يسمعه الناس فإننا نمنعهم من إظهاره، والمراد إظهار صوته، لا إظهار حجمه أو عينه، أهم شيء هو إظهار الصوت، فنمنعهم من إظهار النواقيس؛ لأنهم في بلاد إسلام.
كذلك نمنعهم من الجهر بكتابهم؛ لما في ذلك من الصد عن سبيل الله، فإن قيل: ما هذه الإذاعات التي تُنْشَر الآن عبر المذياع، هل يُمْنَعُون منها؟
طلبة: ().
الشيخ: ليس لنا سلطة عليهم؛ لأنها تُبَثُّ من أي مكان؟ من بلادهم، وبلادهم ليس لنا سلطة عليها، لكن يجب علينا أن نَحُول بينها وبين سماعها بقدر الإمكان، إذا أمكن أن نُشَوِّش فهو ممكن، يُجعل مثلًا نواطير على نفس الموجة ثم لا تُسْمَع، فيجب على المسلمين أن يُشَوِّشُوا عليها.
فإن قيل: يُخْشَى إذا شَوَّشْنَا عليهم دعوتهم للنصارى أن يُشَوِّشُوا علينا دعوتنا للإسلام، نعم، وهذا وارد، فهل نتركهم ونحذر المسلمين من شرهم؟ أم ماذا؟
طالب: نُشَوِّش.
طالب: ().
الشيخ: تأملوا هذا، الآن إذا شَوَّشْنا عليهم شَوَّشُوا علينا دعوتنا، ونحن عندنا دعوة كثيرة، ودعوة موافقة للفطرة؛ يعني أن قَبول الناس لها أكثر من قَبول الناس لدعوة هؤلاء النصارى، فهل نقول: إننا ندرأ هذه المفسدة لوجود هذه المصلحة التي هي أقوى، ونحذر الشعب المسلم من كيدهم، أو نقول: نحن نمنع الشر، وإذا مُنِع الشر من غيرنا فلسنا مسؤولين عنه.
طالب: شيخ يُنْظَر إن كانت البلاد الإسلامية هذه على تقوى وعلم وَوُجِد العلم بالناس نتركهم ونحذر الناس على قدر ما نستطيع، وأما إذا كانت هذه البلاد الإسلامية كبلاد الأعاجم الآن مسلمة ولكن إسلامهم ضعيف وثقافتهم قليلة فنمنعهم، نمنع من إرسال الإذاعات هذه ونُشَوِّش عليها.
الشيخ: لا، نُشَوِّش.
الطالب: نُشَوِّش عليهم.
الشيخ: نُشَوِّش.
[ ١ / ٤٣٠٥ ]
الطالب: البلاد التي تكون، يكون شعبها ..
الشيخ: هو عند الأمن من تشويشهم علينا ما في إشكال، نُشَوِّش، لكن إذا كان ما نأمَن؟ فتأملوها، ويكون الجواب عليه إن شاء الله، في الدرس القادم.
طالب: يا شيخ، إن شَوَّشْنَا عليهم يا شيخ أضاعوا إذاعاتنا، هم أكثر تفوقًا منا من جهة التشويش، نحن عالة عليهم في جهات كثيرة، لو شَوَّشْنا عليهم محطة واحدة أضاعوا كل محطاتنا.
الشيخ: يعني كأنك تقول ..
الطالب: نتركهم يا شيخ.
الشيخ: نتركهم، ونحذر المسلمين من شرهم.
الطالب: نعم.
طالب: () الإذاعات؛ لأن الناس عندها الوعي.
الشيخ: ماذا تقول، هل نُشَوِّش عليهم أو لا؟
الطالب: لا، نُشَوِّش عليهم حتى ().
الشيخ: إي، زين، هذان رأيان متضادان.
طالب: نُشَوِّش عليهم يا شيخ؛ لأن إذاعاتنا لا تصل إليهم.
الشيخ: أيش؟
الطالب: إذاعاتنا ما تصل إليهم بشكل واضح.
الشيخ: الكلام إذا كانت تصل، أما إذا كانت ما تصل نُشَوِّش، ما فيه إشكال.
طالب: المصلحة يا شيخ () نشوش عليهم.
الشيخ: نعم.
طالب: والمفسدة ..
الشيخ: لا، ما هي بمصلحة، درء المفسدة.
طالب: () تشويش ().
الشيخ: لا، إذا تيقنَّا، هذا إذا كان مضمونًا، هذا ما نعتبره.
طالب: شيخ، الدعوة قائمة في بلادهم ولم يمنعوها، في الكثير ().
الشيخ: المهم إذا تيقنَّا يقينًا أنهم يشوشون علينا، أما إذا كان فيه احتمال، لا، محل البحث الآن إذا تيقنا أنهم يشوشون علينا، أما إذا كان في احتمال فهذا قد يكون من تخويف الشيطان فلا نخاف.
طالب: () المسلمين عندهم نشاط يبلغون دعوة الإسلام إحنا نرجح هذا على الأول، وإذا كان المسلمون ما لهم نشاط () ونخاف () نُشَوِّش عليهم ().
الشيخ: هذا صحيح؛ يعني يقول: إذا كان ما عندنا دعوة للإسلام فنشوش عليهم، هذا ما تبغي بحث، لكن كلامنا فيما إذا كان عندنا دعوة للإسلام، وهو موجود الآن -الحمد لله- موجود دعوة للإسلام في الإذاعات.
[ ١ / ٤٣٠٦ ]
الطالب: () كيف يا شيخ إن كان عندنا دعوة للإسلام، () عند المسلمين، نخليهم، ما نشوش عليهم، نبث دعوتنا ().
الشيخ: تمام.
طالب: في قوله ﷺ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (٩)، هل المراد بهذا القول أن المراد بالقيام من أجل الإنزال؟ من أجل أن ينزلونه الناس ().
الشيخ: نعم، لهذا وهذا، لأنه لو كان مجرد الإنزال لكان واحد يكفي.
الطالب: واحد يكفي لإنزال شخص؟
الشيخ: إي، أو اثنين، ما يُوَجِّه الكلام على العموم، ثم لا يقول: «إِلَى سَيِّدِكُمْ»؛ لأن قوله: «إِلَى سَيِّدِكُمْ» إشارة إلى أنه أمَرَهُم بالقيام من أجل السيادة.
طالب: بالنسبة للتعزية الراجح أنه لا يجوز، أو تجوز للمصلحة والمكافأة؟
الشيخ: لا، الراجح أنه تَبَع المصلحة؛ لأنه ربما نستغل وجود هذه المصيبة بدعوته إلى الحق.
طالب: كيف نعزيهم يا شيخ؟ اللفظ يا شيخ؟ ().
طالب: شيخ بارك الله فيكم، () يُمْنَعُون من إظهار النواقيس التي هي شعائر دينية، في الواقع يا شيخ أن نواقيسهم هذه لها صوت معين، والآن يوجد فيه بعض الأجراس في الساعات الكبيرة في البيوت () أيضًا للتشبه بهم، وهذه يا شيخ ()، في الميادين العامة () المسلمين، نفس الأجراس يا شيخ توجد.
الشيخ: ما أعتقد هذا؛ لأن صوت الساعة الآن صوت عادي، ما هو شعار ديني.
طالب: الساعات الكبيرة يا شيخ.
الشيخ: الساعات الكبيرة، إي.
الطالب: إعلان ().
الشيخ: إي؛ يعني مثلًا إذاعة لندن الآن فيها صوت الساعة، الناقوس هكذا.
طالب: يختلف.
الشيخ: يختلف؛ لأنه له رنَّة خاصة.
الطالب: طيب يا شيخ لو حصل، الرنة الخاصة يا شيخ موجودة.
الشيخ: ما أظن؛ لأن ساعة البندول ما هي على شكل ناقوس.
طالب: يا شيخ () المساجد في ديار الملة إذا سمحوا لنا ديار المسلمين ().
الشيخ: نعم، ما نطيعهم.
الطالب: طيب يمنع ().
[ ١ / ٤٣٠٧ ]
الشيخ: ما يخالف، نحن نُعذَر، أما أن تُقام شعائر الكفر في بلاد الإسلام؛ يعني إذا قالوا مثلًا: نحن لا نسمح لكم أن تقيموا مساجد في بلادنا إلَّا إذا سمحتم لنا أن نقيم كنائس في بلادكم، نقول: لا نسمح، ونحن معذورون، ممكن نصلي في حُجرة من الحُجَر، حُجَر البيوت.
طالب: شيخ، قوله: (إحداث كنائس) يفيد بأنه لو كان كنائس –بالمقابل- لا تُهدم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: لو أقاموا بها الشعائر الدينية؟
الشيخ: لكن يُمْنَعون من إظهار الشعائر.
الطالب: داخل الكنيسة ما يُمْنَعون؟
الشيخ: ما يُمنَعون، لا.
طالب: () النبي ﷺ نهى عائشة عندما ردَّت عليهم: عليكم السام واللعنة (١١)، فنهاها عن ذلك، لماذا قلنا بجوازه؟
الشيخ: إي؛ لأن عائشة زادت، قالت: واللعنة.
الطالب: يعني اللعنة فقط؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني لو قلنا كما قالوا ما فيها شيء.
طالب: قلنا: من مخالفة أهل الذمة يا شيخ قص شعورهم على قصَّة معينة.
الشيخ: نعم.
الطالب: الآن شباب المسلمين أكثرهم يقصُّون هذه القَصَّة.
الشيخ: كل الأحكام اللي إحنا نقرأ الآن، الله المستعان، ما فيها شيء من هذا، ولهذا قال الفقهاء: لا كعادة الأشراف؛ يعني كأن الأشراف في عهد الفقهاء -﵏- أشراف الناس لهم قَصَّة معينة في مقدم رؤوسهم، فقالوا: لا كعادة الأشراف.
طالب: ما هو من الجَزِّ يا شيخ أنه يُزال من مقدم الرأس؟
الشيخ: نعم؟
طالب: ما هو بالمراد إزالة مقدم الرأس؟
الشيخ: بلى يُجَزّ.
الطالب: يُجَزّ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إي، والأخ يقول: هي قصة ..
الشيخ: إي، قص، القص هذا جَزٌّ، نوع من الجزِّ، ما هو لازم حَلْق.
()
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قلتم: يا شيخ -حفظكم الله- أن الصغير لا يُبْعَد من مكانه في الصف من الصلاة، ولكن هل نعتبر هذا بالتمييز أم لا؟ لأن ما دون التمييز لا ندري هل توضأ أم لا؟
[ ١ / ٤٣٠٨ ]
نعم، هو لا فرق، لكن لا شك أن مَنْ دون التمييز الأحسن أن لا يُؤْتَى به إلى المسجد إلَّا للحاجة، والحاجة مثل أن لا يكون عند هذا الصبي أحد في البيت فيأتي به أبوه من أجل أن يحفظه، أما قوله: لا ندري هل توضأ أم لا، فهذه العلة موجودة في كل أحد، حتى البالغ لا ندري هل توضأ أم لا، قد يكون غير متوضأ، ناسيًا أو متهاونًا، فهذا هو الجواب: لا، ما يُنكَر عليه إلَّا إذا آذى.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال شيخ الإسلام -﵀: استفاضت الآثار أن الميت يعرف أحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يُعْرَضُ عليه، فيُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا، فهل من إيضاح أثابكم الله.
الجواب: أنه ليس هناك آثار عن النبي ﵊ تُبين ذلك، لكن آثارا عن السلف وقعت كثيرًا، وكذلك أيضًا بالنسبة لمن بَعْد السلف يقع هذا كثيرًا، وقد أخبرني أحد الثقات أنهم أضاعوا سندًا في بعض المعاملات، وراجعوا الدفتر الذي عندهم ولم يجدوا هذا السند، فرأى والده في المنام بعد موته، وقال له: إن الكتابة قد لصقت بها الصفحة الأولى لصقت ببطانة الدفتر، يقول: فلما أصبحت وجدت ذلك كما قال، وهذا يدل على أنه أحسَّ بذلك، لكن ما هناك شيء بَيِّنٌ من السُّنَّة إلَّا ما ورد فيما رواه أبو داود (١٥) وصححه ابن عبد البَر وأقَرَّه ابن القيم في كتاب الروح من أن الإنسان إذا سلَّم على شخص يعرفه في الدنيا ردَّ الله عليه روحه فردَّ ﵇.
هذا يقول: قال شارح الروض: فيما يعتقدون حِلَّه كخمر، هل معنى هذا أن الله أحلَّ الخمر، حلَّله لهم؟ وكيف يقال إذا قال قائل: إن الله تعالى لم يحرِّم شيئا إلَّا فيه مصلحة للبشر، أو العكس.
طالب: ().
الشيخ: نعم؟ وهل تحليل الخمر لليهود والنصارى فيه مصلحة؟ جزاكم الله خيرًا.
[ ١ / ٤٣٠٩ ]
الخمر كان حلالًا لهذه الأمة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، السَّكَر باستعماله شربًا، والرزق الحسن بالربح به في التجارة، ثم تدرَّجت الأحوال -كما تعرفون هذا- أنها تدرجت بعد ذلك إلى ثلاث، كم؟
طلبة: ثلاث مراتب.
الشيخ: ثلاث مراتب، آخرها التحريم المطلق، فلعل النصارى كان ذلك حِلًَّا لهم في كتابهم ولم يُنسَخ.
طالب: شيخ، إذا قال قائل: إن الله () تحليل الخمر، هل ()؟
الشيخ: يقول .. موجود؟ حسنًا، أين هو؟ نعم.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل للصائم أجر إذا كان أمامه أُناس يأكلون؟ وهل ورد في السُّنَّة ما يُبَيِّن ذلك، إذا كان هناك أجر؟ لأن بعض الإخوة يقول: إن الملائكة تترحَّم عليه.
هذا لا أعلم فيه نصًّا عن الرسول ﵊ أن فيه أجرًا، أو أن الملائكة تترحم عليه، لكن بعض السلف -ولا سيما في التابعين- كان يرى أن ذلك من الصبر؛ يعني من زيادة الصبر، أي كون الإنسان يصبر على الصيام مع أن الناس يأكلون حوله يزداد بذلك أجرًا، لا سيما مع تَوَقان النفس إلى الأكل والشرب، فإنه يزداد أجره؛ لأنه سوف يزداد صبره.
وهذا يقول: هي أم عبد الرحمن ()، والنساء يُستثنى لهن؛ لأنها ما تستطيع أن تسأل في غير هذا المكان، تقول: امرأة جاءتها العادة الشهرية على هيئة صُفْرَة وكُدْرَة لمدة عشرة أيام، ثم انقطعت الصُفْرَة والكُدْرَة نصف يوم تقريبًا ثم استمرت العادة -أي الصُفْرَة والكُدْرَة- أسبوعًا آخر، عِلْما بأن مدة الدورة سابقًا هي أسبوع، وأن الدورة تأتي هذه المرأة حاليًّا وهي مرضع كل شهرين بدلًا من إتيانها كل شهر، فما العمل جزاكم الله خيرًا بالنسبة للصلاة والصوم وغير ذلك؟ علمًا بأنها كانت تصلي في الأسبوع الأخير احتياطًا.
[ ١ / ٤٣١٠ ]
نقول: هذه المرأة إذا لم ترَ الدم الأحمر المعروف فإن هذه الصُفْرة والكُدْرة ليست بشيء، لا سيما وأنها ترضع؛ لأن الغالب أن المرضع لا تحيض، فالواجب عليها أن تصلي، وأما الصيام فإن كان في رمضان فوجب عليها أن تصوم، وإذا كان قضاءً فإن شاءت قضت، وإن شاءت أجَّلَت.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُقرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ.
فَصْلٌ: فَإِنْ أبَى الذِّمِيُّ بَذْلَ الجِزْيَةِ أَوِ التِزَامَ حُكْمِ الإِسْلاَم أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا، أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَوْ إِيْوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِسُوءٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُ دُونَ نِسائِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١ / ٤٣١١ ]
سبق لنا كثير من أحكام أهل الذمة، وكما تعلمون أن هذا الكتاب مختصر، لم يستوعب جميع الأحكام التي تُطَبَّق على أهل الذمة، لكن ابن القيم -﵀- توسع في ذلك في كتابه أحكام أهل الذمة وهو مطبوع في مجلدين وموجود، وكنا قبل هذا الوقت نقول: لا حاجة لقراءة الجهاد؛ لأنه ما فيه جهاد، ولا لقراءة أحكام أهل الذمة؛ لأنه ما عندنا أهل ذمة، أما الآن فلا بد لطلبة العلم من أن يقرؤوا ويحققوا أحكام الجهاد، وأحكام أهل الذمة، وسائر الكفار؛ لأننا في الجهاد -كما تعلمون الآن- انفتحت جبهات -ولله الحمد- فيها جهاد في سبيل الله، وأما الكفار فقد ابتُلينا بهم، وكثروا بيننا -لا كثَّرهم الله- فالواجب أن نعرف كيف نعامل هؤلاء الكفار، ومن أهم شيء في مسألة الكفار أنه لا يجوز إقرارهم في جزيرة العرب للسكنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك، بل قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (١٦)، وقال وهو في مرض موته: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (١٧)، وقال: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» (١٨).
لهذا يجب أن نعلم أنه لا يجوز إقرار اليهود أو النصارى أو المشركين في جزيرة العرب على وجه السُّكْنى، أما على وجه العمل فلا بأس، بشرط ألَّا نخشى منهم محذورًا، فإن خشِينا منهم محذورًا مثل بث أفكارهم بيننا أو شرب الخمر علنًا، أو تصنيع الخمر وبيعه على الناس فإنه لا يجوز إقرارهم أبدًا؛ لأنه في هذه الحالة يكونون مفسدين في الأرض.
ثم إن من جملة الأحكام -أحكام أهل الذمة- ما ذكره المؤلف بقوله، وهو مبتدأ درس الليلة:
[ ١ / ٤٣١٢ ]
(وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ)، (تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ) أي: صار النصراني يهوديًّا، عَكْسُه بأن تنصَّر يهودي، أي: صار اليهودي نصرانيًّا، أيهما أكمل؟ أن يتهوَّد نصراني، أو يتنصَّر اليهودي؟
طلبة: ().
الشيخ: كلها باطلة؛ لأن اليهودي إذا انتقل إلى النصرانية فقد انتقل إلى دين منسوخ لا يقبله الله ﷿، صحيح أن النصارى بعد اليهود، وأنهم أقرب إلى الحق من اليهود -وإن كانوا كلهم على باطل- لكن النصارى يؤمنون بعيسى، واليهود لا يؤمنون به؛ لهذا كانوا أقرب إلى الحق من اليهود، أما من جهة الكفر فهم في الحقيقة على حد سواء.
كان النصارى قبل البعثة ضالين، يعبدون الله على ضلال ويريدون الحق، لكن عَمُوا عنه، والعياذ بالله، واليهود كانوا مغضوبًا عليهم؛ لأنهم يعلمون الحق ولكن لم يعملوا به، بعد بعثة الرسول كانوا كلهم مغضوبًا عليهم، اليهود والنصارى؛ لأن اليهود تركوا الحق عن عَمْد، والنصارى أيضًا تركوا الحق عن عَمْد، فلا فرق بينهم، فيكون الجميع على دين غير مقبول عند الله، لا اليهود ولا النصارى، لكن لا شك أن طبائع اليهود وغِلظهم وخداعهم وخيانتهم ومكرهم أشد وأعظم من النصارى في هذا الباب، لكن -ومع ذلك- بعد الحروب التي وقعت بين النصارى والمسلمين صار النصارى يُكِنُّون للمسلمين مثل ما يُكِنُّ اليهود، فنسأل الله تعالى أن يدافع الجميع عنَّا.
إذا تَهَوَّد نصراني، النصراني صار يهوديًّا، نقول: لا نقبل منك، فإما أن تُسْلِم، وإما أن ترجِع إلى دينك الذي انتقلت منه.
وإن تمجَّس؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، من باب أَوْلى.
إنْ تنصَّر مجوسي فكذلك، كل من انتقل عن دينه الذي هو عليه، قلنا له: إما أن ترجِع وإما أن تُسْلِم؛ وذلك لأنه لا يمكن أن ينتقل إلى دين أفضل من حيث القبول عند الله، كل الأديان سوى الإسلام كلها غير مقبولة عند الله، فلا فائدة من انتقاله.
[ ١ / ٤٣١٣ ]
إذا تنصر يهودي أيضًا لا نقبل، نقول: إما أن ترجِع إلى دينك اليهودية وإما أن تُسْلِم.
وقال بعض أهل العلم: إذا تَهَوَّد نصراني لم يُقبل منه إلَّا الإسلام؛ لأن انتقاله من النصرانية إلى اليهودية إقرار منه بأن النصرانية باطلة، وانتقل إلى أي شيء؟ إلى دين باطل، إذن الدين الذي كنت عليه أولًا هو باطل، والذي انتقلت إليه أيضًا باطل، فلا نُقِرُّك على باطل، لا الأول ولا الثاني، ونقول: أَسْلِم وإلَّا قتلناك، وهذا القول لا شك أن له وجهًا قويًّا، وإما أن نقول: ارجع إلى دينك، وقد اعترف هو بانتقاله منه أنه دين باطل، كيف نقول هذا؟ ونحن أيضا نؤمن بأنه دين باطل؛ أي: منسوخ، كيف نقول: ارجع إلى دينك؟ فالقول بأن مَنْ انتقل عن دينه إلى دين آخر من سائر الكفار لا يُقبل منه إلَّا الإسلام، هذا قول قوي جدا؛ لأن انتقاله عن دينه اعتراف منه بأنه باطل، وإلى دين أيش؟
طلبة: باطل.
الشيخ: إلى دين باطل، إذن كيف نُقِرُّه!
(وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ)، فإن أَبَى؟ قال: إنه لا يرجع ولا يُسْلِم؟ فإنه يُقْتَل؛ لأنه على غير دين صحيح الآن، يُقْتَل، ولكنَّ الإمام أحمد سُئِل عن ذلك فتوقف فيه، أو قال: لا يُقْتَل، ولكن الذي يظهر من الأدلة أنه يُقْتَل؛ لأنه الآن على دين لا يُقَرُّ عليه، لكن الإمام أحمد ﵀ رأى أنه ذو ذمة وعهد، وأن ذمته وعهده لا يُنْتَقض بذلك، فلا يجوز أن يُقْتَل، هذا وجه قول الإمام أحمد: إننا لا نقتله.
ثم قال المؤلف: (فَصْلٌ)، وهذا الفصل ذكر فيه المؤلف ﵀: ما ينتقض به العهد، والمعاهَدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مَنْ غدروا.
والقسم الثاني: مَنْ استقاموا.
والقسم الثالث: مَنْ خِيف منهم أن يغدِروا.
أما مَن غدروا فإنهم قد انتقض عهدهم، ولا عهد لهم، كما قال الله ﷿: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢].
[ ١ / ٤٣١٤ ]
وأما مَنْ استقام، فإننا نستقيم له، ويبقى على عهده، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].
وأما مَنْ خِيف منه الغدر، فإننا ننبُذ إليه العهد، ونُخبِره بأنه لا عهد بيننا وبينه؛ لنكون نحن وإياه على سواء، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، أي: انبذ إليهم عهدهم لتكون أنت وإياهم سواءً.
الذمي داخل في هذا، إذا خرج عما يلزمه من أحكام الإسلام فإنه ينتقض عهده؛ لأن العهد الذي بيننا وبينه أن يلتزم أحكام الإسلام، ومنها أن يبذل الجزية.
يقول: (فَإِنْ أبَى بَذْلَ الْجِزْيَةِ) قال: إنه لا يُسَلِّم الجزية فإن عهده ينتقض، ويحل دمه وماله.
كذلك إذا أبى التزام حكم الإسلام، بأن صار يجهر بالخمر ويُعْلِنه، ولا يلتزم بإقامة الحدود عليه فيما يعتقد تحريمه، ولا يتورع عن نكاح ذوات المحارم، في غير المجوسي، المجوسي يرى أن نكاح ذوات المحارم جائز، لكن اليهود والنصراني لا يرى ذلك، فإذا أَبَى التزام أحكام الإسلام انتقض عهده.
قوله: (أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ)، تعدَّى على مسلم بقتل بأن قتل مسلمًا، فإن عهده ينتقض حتى لو عفا أولياء المقتول فإن عهده ينتقض؛ لأن أولياء المقتول إن طالبوا بالقصاص اقتُص منه، وإلَّا لم يُقتَصَّ منه، لكن بالنسبة للعهد ينتقض؛ لأنه إذا قتل هذا يمكن أن يقتل آخر.
كذلك إذا اعتدى على مسلم بزنا، زنا بمسلمة ولو برضاها فإنه ينتقض عهده؛ لأن الواجب عليه أن يلتزم أحكام الإسلام، ومثل ذلك لو اعتدى على غلام بلواط فإنه ينتقض عهده.
وقول المؤلف ﵀: (تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أو زِنا) عُلِم منه: أنه لو تعدَّى على كافر مثله بقتل أو زنا فإن عهده لا ينتقض، ولكن ماذا نصنع به؟
طلبة: ().
[ ١ / ٤٣١٥ ]
الشيخ: إذا تمت شروط القِصاص في القتل قُتِل قِصاصًا، وفي الزنا إذا تحاكما إلينا أقمنا عليه الحد، وقد سبق أن الزنا محرم بجميع الشرائع، وأن حدَّه في التوراة كحَدِّه في القرآن.
قال: (أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ) يعني: تعدَّى بقطع الطريق، بأن كان يَعْرِض للناس في الطرقات فيغصبهم المال مجاهرة ومعه السلاح، مسلَّح، صار يجلس على الطرقات ومعه سلاح، ومن جاء قال: يلَّا، سلم المال، وقاتَلَه، فإن هذا قاطع طريق، ويُعْتبر فعله هذا نقضًا للعهد.
(أَوْ تَجَسُّسٍ) وهذا من أَشَرّ ما يكون، إذا تعدى على المسلمين بالتجسس فصار ينقل أخبار المسلمين إلى العدو فإن عهده ينتقض، ولا إشكال فيه، بل إن الجاسوس -وإن كان مسلمًا- يجب أن يُقْتَل، إذا تجسس للعدو -ولو كان مسلمًا- يجب أن يُقتَل، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لما اطَّلَع على الجاسوس الذي جس لقريش، مَنْ هو؟
طلبة: حاطب.
الشيخ: حاطب بن أبي بلتعة، وعَلِم به، استأذن أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن يقتله، فقال النبي ﷺ: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (١٩)، فجعل النبي ﷺ الجاسوسية مبيحة للدم، لكن وُجِد مانع، وهو كونه من أهل بدر، وهذه العلة لا توجد في عهدنا الآن.
فإذا وجِد إنسان جاسوس يكتب بأخبارنا إلى العدو، أو ينقلها مشافهة، أو ينقلها عَبْر الأشرطة، فإنه يجب أن يُقتل حتى لو تاب؛ لأن ذلك كالحد لدفع شره، وردع أمثاله عن ذلك.
(أَوْ إِيْوَاء جَاسُوسٍ) هو لم يتجسس لكن أتى من العدو جاسوس ونزل عنده، فآواه وتستَّر عليه، فإن عهده ينتقض، لماذا ينتقض وهو لم يتجسس؟ لأنه آوى الجاسوس، فرضي بالجاسوسية، وهذا ضرر بالمسلمين.
[ ١ / ٤٣١٦ ]
قال: (أَوْ ذَكَرَ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِسُوءٍ) وينبغي أن يُلْحَق: (أو شريعته) إذا ذكر الله بسوء فسَبَّ الله، وقالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، إذا قال: يد الله مغلولة، إذا قال: إِن الله فقير، فإن عهده ينتقض؛ لأنه ذَكَر الله بسوء، إذا قال: إن الله لم يعدِل حيث جعل لأمة محمد كِفْلَين من الأجر وجعل لغيرهم كِفْلًا واحدًا، وهذا غير عدل؛ فإنه ينتقض عهده، إذا قال: إن الله تعالى جاهل ولا يدري، فإن عهده ينتقض، المهم إذا ذَكَر الله بسوء، أي سوء يكون.
كذلك إذا ذَكَر رسوله، و(رسول) هنا: مفردٌ مضاف، فيعُمُّ كلَّ رسول، فلو ذكر اليهودي عيسى ابن مريم بسوء فإن عهده ينتقض، ولو ذكر النصراني محمدًا بسوء فإن عهده ينتقض؛ يعني سبَّه فقال مثلًا: إنه جبان، إنه جائر، إن فيه كذا وكذا، أو قال: إنه رجل شهواني، وما أشبه ذلك مما يدَّعيه النصارى -قاتلهم الله ولعنهم إلى يوم القيامة- فإن عهده ينتقض، ولا عهد له ولا كرامة، كذلك لو ذَكَر الشريعة الإسلامية بسوء فإن عهده ينتقض؛ لأنه ليس هذا الذي بيننا وبينه.
قال المؤلف: (انْتَقَض عَهْدُهُ دُونَ نِسائِهِ وَأَوْلَادِهِ) فيتبعض الحكم لتبعُّض موجِبِه، النساء والأولاد لم يفعلوا شيئًا يوجِب نقض العهد فيبقَوْن على العهد، وهو فَعَلَ ما يوجِب نقض العهد فينتقض.
قال المؤلف: (وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ)، حَلَّ دَمُهُ حتى لو قال إنه تاب، وإذا انتقض عهده انتقل من الذمة إلى الحِرابة، فصار حَرْبِيًّا، انتبهوا، وإذا صار حَرْبِيًّا يخيَّر الإمام فيه بين أربعة أشياء أظن، ما هي؟ القتل، والاسترقاق، والمنّ بدون شيء، والمنّ بفداء.
[ ١ / ٤٣١٧ ]
والفداء إما بمال أو بمنفعة، المهم أن يكون حُكْمه حُكْم الحربي، وظاهر كلام المؤلف: حتى في من كان انتقاض عهده بسبِّ الرسول ﷺ، ولكن بعض أهل العلم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: إنه يتعيّن قتله إذا سَبَّ الرسول وتاب؛ لأن هذا حق للرسول ﷺ، ولا نعلم أنه عفا عنه، والأصل أن يؤخذ للرسول ﷺ بالثأر، إلَّا إذا علمنا أنه عفا، فإن الرسول ﵊ عفا عن أُناس كانوا يسبونه في عهده، وارتفع عنهم القتل.
وقوله: (وَحَلَّ مَالُهُ) إذا قال قائل: كيف يحِلُّ ماله، وأهله لم ينتقض عهدهم؟ أفلا نقول: إن المال يبقى للأهل؟
الجواب: لا؛ لأن أهله لا يملكون ماله إلَّا بعد موته، أما وهو حي فالمال ماله، وتَبَيَّن الآن أنه لا حرمة له بنفسه، فلا حرمة له بماله.
وإلى هنا انتهى ما يتعلق بالعبادات، والعلماء ﵏ بدؤوا في تصانيفهم بالعبادات.
[ ١ / ٤٣١٨ ]