(فروضُه) سِتَّةٌ: غَسْلُ الوجهِ والفمِ والأنْفِ منه، وغَسلُ اليدينِ، ومَسْحُ الرأسِ ومنه الأُذنانِ، وغَسْلُ الرِّجلينِ والترتيبُ والْمُوالاةُ، وهي أن لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشَفَ الذي قَبْلَه، والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطَهارةِ الأَحْدَاثِ كلِّها، فيَنْوِي رفْعَ الْحَدَثِ أو الطهارةِ لِمَا لا يُباحُ إلا بها، فإنْ نَوَى ما تُسَنُّ له الطهارةُ كقراءةٍ أو تَجديدًا مَسنونًا نَاسِيًا حَدَثَه ارْتَفَعَ، وإن نَوَى غُسْلًا مَسنونًا أَجْزَأَ عن واجبٍ وكذا عَكْسُه، وإن اجْتَمَعَتْ أحداثٌ تُوجِبُ وُضوءًا أو غُسْلًا فنَوَى بطهارتِه أحدَها ارْتَفَعَ سائرُها، ويَجِبُ الإتيانُ بها عندَ أَوَّلِ واجباتِ الطهارةِ وهو التسميةُ، وتُسَنُّ عندَ أوَّلِ مَسنوناتِها إن وُجِدَ قبلَ واجبٍ، واستصحابُ ذِكْرِها في جَميعِها، ويَجِبُ استصحابُ حُكْمِها.
واستدلوا بحديث المغيرة بن شعبة قال: فمسح على خُفَّيه (١). ولم يذكر التَّيامن.
ومن العلماء من قال: تتيامن؛ لأن المسح فرعٌ عن الغَسل؛ ولأنهما عضوان يتميَّز أحدُهما عن الآخر بخلاف الرأس، وكون المغيرة لم يذكر التَّيامن يقال: لأن هذا معلوم من هدي الرسول ﵊؛ أنَّه يعجبه التَّيامن (٢).
كما لو قال مثلًا في الوُضُوء: ثم غسل رجليه، ولم يذكر اليُمنى قبل اليُسرى، وهذا هو الأقرب؛ الأقرب أنَّك تبدأ باليُمنى قبل اليُسرى.
قال: (وأخْذُ ماءٍ جديد للأُذُنَيْن).
يعني يُسن للإنسان إذا مسح رأسه أن يأخذ ماءً جديدًا لأُذُنيه؛ الدَّليل، هنا دليل وتعليل؛ الدليل: حديث عبد الله بن زيد أنه رأى النبي ﷺ توضَّأ، فأخذ لأُذُنيه ماءً غير الماء الذي مسح به رأسه (٣).
[ ١ / ٢١٥ ]
هذا معنى الحديث، ولكن هذا الحديث شاذٌّ؛ لأنه مخالف لما رواه مسلم أن النبيَّ ﷺ أخذ ماء جديدًا لرأسه غير فضل يديه.
لفظ الحديث: مسح برأسه، أو: مسح رأسه بماء غير فضل يديه. رواه مسلم من حديث عبد الله بن زيد من هذا الوجه (٤).
فعلى هذا يكونالصواب أنه لا يأخذ ماء جديدًا للأذنين، ولأن جميع الواصفين لوضوء النبي ﵊ لم يذكروا أنَّه أخذ ماءً جديدًا للأُذُنين إلا هذا الحديث الشاذ، على هذا يكون الدليل ضعيفًا، ما هو التَّعليل لأخذ ماء جديد للأذنين؟ يقولون؛ التعليل: لأنهما كعضو مستقل.
فنقول: إنهما ليسا عضوين مستقلين؛ بدليل أنهما يُمسحان مع الرَّأس مرَّةً واحدة.
() فيها (الغَسْلَة الثَّانِيَة، والثَّالثة)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أيضًا من السنن الغسلة الثَّانية والثَّالثة، والغسلة الأولى واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فالأولى واجبة، والثَّانية أكمل، والثَّالثة أكمل؛ لأنَّها أبلغ في التَّنظيف.
وقد ثبت أن النبيِّ ﷺ توضَّأ مرَّة مرَّة (٥)، ومرَّتين مرَّتين (٦)، وثلاثًا ثلاثًا (٧)، وتوضَّأ كذلك مخالفًا، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرَّتين، ورجليه مرَّة (٨).
وقد كَرِهَ بعضُ العلماء أن يخالفَ بين الأعضاء في العدد، فقال: إذا غسلت وجهك مرَّة، فلا تغسل اليدين مرَّتين، وإذا غسلت اليدين مرتين لا تغسل الرجلين ثلاثًا، ولكن الصواب خلاف ذلك؛ فإنه قد ثبت أن الرَّسول ﵊ خالف؛ فغسل الوجه ثلاثًا، واليدين مرَّتين، والرِّجلين مرَّة، ولكن هل الأفضل التزام ثلاث دائمًا أو الأفضل أن يأتي بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة؟
طالب: الأخير.
[ ١ / ٢١٦ ]
الشيخ: الأخير هو الأقرب، وقد يُقال: إنَّ الرسول ﷺ توضَّأ مرَّة لبيان الجواز، لا على سبيل التعبُّد باختلاف العبادات، وتوضأ مرَّتين أيضًا لبيان الجواز، وخَالف لبيان الجواز، ولكننا نقول: إنَّ الأصل ما هو؟ التعبُّد والمشروعية.
فالظاهر أن الأفضل أن الإنسان ينوِّعُ؛ يعني يتوضأ مرتين، ثلاثًا، مرة، وعلى رأي المؤلِّف: الثَّلاث أفضل من الثِّنتين، والثِّنتان أفضل من الواحدة.
وقد ألغز بعض العلماء في هذه المسألة وقال: لنا سُنَّةٌ أفضل من واجب، والذي دلَّ عليه النص أن الواجب أفضل من السنة، كما قال الله تعالى في الحديث القُدسي: «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٩).
وهذه الثلاث سنة، وهي أفضل من الواجب، وابتداء السَّلام سُنَّةٌ، وهو أفضل من ردّه، فما هو الجواب عن هذا اللغز؟
الجواب عن هذا اللغز: أنه لغز خطأ، وليس بصواب؛ لأن غسل الإنسان أعضاء وضوئه ثلاثًا قد دخل فيها الواجب، فهو قد أتى بالواجب وزيادة، فكيف يصح أن نقول: إن السنة هنا أفضل من الواجب؟ !
وأما السَّلام فقالوا: إن ابتداء السلام أفضل من ردِّه، ونحن نناقش هذا القول من وجهين:
الوجه الأول: قد يقول قائل: إنَّ ردَّه أفضل؛ لأن ردَّه واجب، وابتداءه سنة، والحديث عام: «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». وحينئذٍ يبطل الإلغاز به من أصله، وقد نقول: إن ابتداء السلام أفضل من ردِّه؛ لأن ردّه مبنيٌّ عليه؛ فحاز مبتدئ السَّلام، حاز فضيلتين؛ أنه ابتدأ السلام، وأن ابتداءه كان سببًا لواجب.
فمن أجل ذلك كان أفضل، والحاصل أنه لا يمكن أن يكون النَّفل أفضل من الفريضة، للحديث الذي ذكرناه، وللنَّظر الصَّحيح؛ لأنَّه لولا محبَّة الله لهذه العبادة ما أوجبها، لجعلها باختيار الإنسان على سبيل الاستحباب.
طالب: شيخ ().
الشيخ: هذه ما وردت ..
[ ١ / ٢١٧ ]
الطالب: ().
الشيخ: الجواز؟ يجوز إي نعم، لكن لا تفعله على سبيل التعبد.
طالب: على هذا يا شيخ جوارح الإنسان في أحدهما فضيلة الفرض، وفي الآخر فضيلة النفل، وكان حديث النفل أعظم أجرًا يدل على ضعف متن؟
الشيخ: يعني يقال: إن هذا النفل أفضل من الفريضة؟
الطالب: لا، يعني ورد في الفرض فضائل، وورد في هذا النفل فضيلة أعظم من الفرض، ما يدل على ضعف متن هذا الحديث؟
الشيخ: لا، ما نستطيع أن نجعل هذه قاعدة، نعلل بها الأحاديث.
***
[باب فروض الوضوء وصفته]
ثم قال المؤلف: (بابُ فُرُوضِ الوُضُوءِ وصِفَتِهِ) أي: وباب صفته.
(الفُروض): جمع (فرض)، وجَمَعَهَا مع أن القاعدة عند النَّحْويين أنَّ المصدر لا يُجْمَعُ، ولا يُثَنَّى، ولكنه جَمَعَهَا باعتبار تعدُّدها، فقال: باب فروض الوضوء، فهي جمع (فرض)، والفرض في اللُّغة يدلُّ على معانٍ أصلها الحَزُّ والقطع، هل تعرفون الحز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أيش هو؟
الطالب: الفرض.
الشيخ: الحزُّ الفرض، والفرض الحز، والحزُّ الفرض، ما يصلح.
طالب: اللي أقل من القطع.
طالب آخر: الحز القطع.
الشيخ: يعني معناها قطعٌ بدون إبانة، والقطعُ حزٌّ مع إبانة، واضح؟
أما في الشرع فإن الفرض عند أكثر أهل العلم مرادف للواجب، ومعنى مرادف له أنه بمعناه، فمعناهما واحد، وهو ما أُمِرَ به على سبيل الإلزام؛ أي: بالفعل؛ يعني أمر الله به ملزمًا إيانا أن نفعله، عرفتم؟
وحكمه أن فاعله مُثابٌ وتاركه؟
طلبة: معاقب.
الشيخ: خطأ، وتاركه مستحِقٌّ للعقاب؛ لأن الله قد يعفو عنه هذا حكمه، وعند أبي حنيفة ﵀: أن الفرض ما ثبت بدليل قطعيّ، والواجبُ: ما ثبت بدليل ظَنِّيّ.
[ ١ / ٢١٨ ]
فما كان ثابتًا بدليل قطعي؛ أي: قطعي الثُّبوت والدَّلالة فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني في ثبوته أو دلالته فهو واجبٌ، واضح؟ وعلى هذا مثَّلوا لذلك قالوا: قراءة شيء من القُرآن فرض- في الصَّلاة قصدهم- لقوله: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وقراءة الفاتحة واجبٌ؛ لأن قراءة الفاتحة من أخبار الآحاد، وعند كثير من الناس من الأصوليين وغيرهم أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظَّنَّ.
فقالوا مثلًا: قراءة الفاتحة من باب الواجب، وقراءة ما تيسر من القرآن من باب الفرض، ولكنَّ جمهور أهل العلم يخالفونهم في ذلك، يقولون: إن الفرض والواجب مترادفان، ومع هذا فإننا نرجع إلى بابنا الذي نحن فيه، فنقول: المراد بـ (فروض الوُضُوء) هنا أركانُ الوُضُوء.
المراد بها: أركانه، وبهذا نعرف أن العُلماء -﵏- قد ينوِّعون العبارات، فيجعلون الفروضَ أركانًا، ويدل على أن المراد بالفروض هنا الأركان؛ أن هذه الفروض هي التي تتكوَّن منها ماهيَّة الوُضُوء ولَّا لا؟
وكلُّ أقوال أو أفعال تتركب منها ماهيَّة العبادة فإنَّها أيش؟ أركانٌ؛ لأن الوضوء ماهيته تتركب من هذه الأشياء الأربعة.
لو قيل لك: ما هو الوضوء؟ ويش تقول؟
هو غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس ويش بعد؟ وغسل الرجلين.
إذن المراد بفروض الوضوء ما هي؟ أركانه.
والوُضُوء في اللُّغة: مشتَقٌ من الوَضَاءةِ؛ وهي النَّظَافَةُ والحُسْنُ.
وأما في الشرع فهو: التعبُّدُ لله ﷿ بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
الوضوء في اللغة؟
طالب: الوضوء في اللغة هو التعبد ..
الشيخ: مشتق من هذا في اللغة، وأما في الاصطلاح فهو: التعبد لله بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
فإن قلت: هذا الحد غير صحيح؛ لأنك قلت: بغسل الأعضاء، والرَّأس لا يُغسل؟
فالجواب: أنَّ هذا من باب التغليب.
وقوله: (وصفَتِهِ) معطوف على (فُروض)، وليس معطوفةً على الوُضُوء؛ يعني: وباب صفة الوُضوء،
[ ١ / ٢١٩ ]
والصِّفة: هي الكيفيَّة التي يكونُ عليها، وللوُضُوء صفتان: صفةٌ واجبةٌ، وصفةٌ مستحبَّةٌ.
طالب: وقفنا في ().
الشيخ: إي، لا، بس هذه خارجة عن أركانه.
قال: (فروضُهُ سِتَّةٌ)
الأول: (غسل الوجه) فقولنا: (غَسْل) خرج به المسح، لا بُدَّ من الغسل، فلو بللت يدك بالماء وقلت: هكذا بالوجه، فليس بغسل.
فما هو الغَسل؟
قال العلماء: الغَسل أن يجري الماء على العضو، يجري جريانًا على العضو، هذا هو الغسل.
وقوله: (الوجه) الوجه ما تحصُل به المواجهة، وإن شئت فقل: ما يواجهك من الشيء، وحَدُّ الوجه طولًا: من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولًا، وعرضًا من الأُذن إلى الأذن.
وقولنا: من منحنى الجبهة؛ هو بمعنى قول بعضهم: من منابت شعر الرَّأس المعتاد؛ لأن شعر الرأس المعتاد يصِل إلى حَدِّ الجبهة، المنحنى هذا.
وهذا هو الذي تحصُل به المواجهة؛ لأن المنحنى قد انحنى ما تحصُل به المواجهة، هذا الوجه؛ الدَّليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
هذا الدليل، فأمر الله تعالى بغسل الوجه، وهل يجب أن يغسل ما استرسل من لحيته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، على المذهب يجب؛ لأن مسترسل اللِّحية تحصل به المواجهة، ثم إن كان الشعر خفيفًا وجب إيصال الماء إلى ما تحته، وإن كان كثيفًا اكتُفِيَ بغسل ظاهره وخُلل.
ثانيًا: قال المؤلف: (والفمُ والأنفُ منه) الفم من الوجه، والأنف من الوجه، لماذا؟
لأنهما موجودان فيه، وداخلان في حَدِّه، فهما منه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوُضُوء؛ لكنهما غير مستقلَّين؛ فهما يشبهان قول الرسول ﵊: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ عَلَى الْجَبْهَةِ» وأشار بيده إلى أنفه (١٠)، وإن كانت المشابهة بينهم ليست من كُلِّ وجه، إذن يجب على المتوضئ أن يتمضمض، وأن يستنشق.
ثانيًا: (غسل اليدين).
[ ١ / ٢٢٠ ]
المؤلف أطلق -﵀- ولكن يجب أن يُقَيَّد ذلك بماذا؟ إلى المرفقين؛ لأنَّ اليد إذا أُطلقت لا يُرادُ بها إلا الكفّ فقط.
والدَّليل على أن اليد إذا أُطلقت لا يُراد بها إلا الكف قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ولم يمسح النبيُّ ﵊ في التيمم إلا الكفَّين، لكن لا بد أن نقول: إلى المرافق، أين المِرْفَقُ؟ هذا هو.
طالب: إي نعم.
الشيخ: الحمد لله، هذا هو المِرْفَقُ هذا، المفْصلُ الذي بين العضد والذِّراع، وسُمِّي مِرفَقًا من الارتفاق؛ لأن الإنسان يرتفق عليه، يتَّكئ، فهو كالشيء الذي يرتفق عليه الجالس.
إذن لا بد من دخول أيش؟ المرفقين، الدَّليل قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
ثالثًا: (ومسحُ الرَّأس، ومنه الأذنان)
(مسح الرأس) هذا على الفرق بين المسح والغسل؛ المسح لا يحتاج إلى جريان الماء، بل يكفي أن الإنسان يغمس يده في الماء، ثم يمسح بها الرأس مبلولة، وإنَّما أوجب الله في الرأس المسحَ دون الغسل؛ لأن الغسلَ يشقُّ على الإنسان، ولا سيَّما في أيام الشتاء، ولا سيما إذا كَثُرَ شعره فإنه يشق عليه بلا شك، إذ إن الرأس لو غُسِل لنزلَ الماءُ على الجسم، وإذا كان الشعر كثيرًا بقي الشَّعر مبتلًّا مدةً طويلة، وهذا يُلحِق الناسَ العسر والمشقَّة، والله ﷿ إنما يريد من عباده اليسر.
(مسحُ الرَّأس) أين حدود الرأس؟
من منحنى الجبهة إلى منابت الشَّعر من الرقبة من الخلف هذا طولًا، وعرضًا من الأُذن إلى الأُذن، إذن فالبياض الذي بين الأُذنين من الرَّأس ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: () فيه بياض بين الرأس والأذنين؟
طلبة: ().
الشيخ: فيه بياض؟
طلبة: ().
الشيخ: تأكدوا.
طلبة: ().
[ ١ / ٢٢١ ]
الشيخ: فيه بياض، هذا من الرأس، لكن المؤلف يقول: (ومنه الأذنان)؛ أي: من الرأس الأذنان، ما هو الدليل؟
الدليل أن النبي ﷺ كان قد واظب على مسح الأذنين، وأما حديث: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (١١)، فقد ضعفه كثير من أهل العلم، وقالوا: إن طرقه واهية، ولكون الضعف فيها كثيرًا لا يرتقي بها -أي بتعددها- إلى درجة الحسن.
وبعض العلماء حسَّنه، وبعضهم صحَّحه، لكن عندنا دليل أقوى من هذا، ما فيه إشكال وهو مواظبة النبي ﷺ على مسح أذنيه.
وعلى تقدير صحة الحديث: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ»، فإن هنا مسألة يجب أن نتفطن لها، وهي عند حلق الرأس في حج أو عمرة يجب عليك أن تحلق شعر أُذنيك ولَّا لا؟
طلبة: ما يجب.
الشيخ: لا، يجب، ما دام الأذنان من الرأس يجب.
طالب: ما بهم شعر.
الشيخ: لا، فيهم شعر، كيف؟ بعض الناس يكون فيه شعر بيِّن.
طالب: ().
الشيخ: يختلفون، لكن بعض الناس يكون على فوق شعر، وبعض الناس يكون في المغابن شعر، وهذا عندما تتصور حال النبي ﷺ في حجه وعمرته ما تظن أنه كان يحلق ذلك، أو أن الناس مكلَّفون، يقال: طلع كل شعرة في مغابن الأذن، واحلقها ولَّا قصرها، المهم إذا قلنا: الأذنان من الرأس فلا بد من حلق الشعر الذي عليهما؛ لأنهما من الرأس، أما إذا قلنا بأن الحديث ضعيف كما ضعفه ابن الصلاح وغيره، فإن المسألة فقد كُفينا إياها.
طالب: شيخ، يقول بعض (): كيف نلزم عباد الله بمجرد الفعل، إن كان الرسول فعل مجرد فعل فلا يدل على الوجوب؟
الشيخ: نعم، لا يدل على الوجوب؛ لأنه بيان للمجمل، إذا كان الفعل بيانًا للمجمل فإن له حكم ذلك المجمل، فإذا كان المجمل مأمورًا به صار مأمورًا به، والكلام في الفعل المجرد الذي ليس لبيان.
الطالب: لكن مجمل في الآية.
الشيخ: مجمل في الآية.
الطالب: ذُكر الأذنين في الآية.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الشيخ: ما ذُكر، لكن كون الرسول يواظب على مسحهم وهم في الرأس دليل على ().
(ومسحُ الرَّأس ومنه الأذنان وغَسْلُ الرِّجلين) (غسل الرجلين) المؤلف أيضًا أطلق الرجلين، ولكنّ فيه نظرًا، نقول: إلى الكعبين؛ لأن الرِّجل عند الإطلاق لا يدخل فيها العَقِب؛ بدليل أن قُطَّاع الطريق الذين يجب علينا أن نقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف من أين يُقطعون؟ من المفصل الذي بين العَقِب وبين ظهر القدم، ويبقى العَقِب ما يُقطع، وعلى هذا فيجب أن نقيِّد كلام المؤلِّف بما قُيَّدتْ به الآية؛ وهي قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فما هما الكعبان؟ هما؟
طالب: ().
الشيخ: هذان الكعبان، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ هذا هو الحقّ، وهو الذي عليه أهل السُّنَّة،
لكن الرَّافضة قالوا: المراد بالكعبين ما تكعَّب وارتفع، وهما العظم الذي في ظهر القدم هذا؛ قالوا: لأن الله قال: ﴿إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ما قال: (إلى الكِعَاب)، وأنتم إذا قلتم: الكعبين دُولا، فالأرجل كم فيهما من كعب؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، كان يقول: (إلى الكعاب)، فلما قال الله: ﴿إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ عُلم أنَّهما كعبان في رِجْلين، وهما هذا.
والعجيب أن الرَّافضة يخالفون الحقَّ فيما يتعلَّق بطهارة الرِّجل من وجوه ثلاثة:
أولًا: هم ما يغسلون الرِّجل؛ يمسحونها مسحًا.
وثانيًا: يصلون بالتطهير إلى هذا الناتئ في ظهر القدم.
وثالثًا: لا يمسحون على الخُفين، يرون المسح على الخفين محرَّمًا ولا يجوز، فخالفوا الحق في أمور ثلاثة، مع العلم بأن ممن روى المسحَ على الخُفين مَنْ؟ عليّ بن أبي طالب ﵁ الذي هو إمام الأئمة عندهم، والحاصل أن الرجلين يغسلان إلى أيش؟ إلى الكعبين.
() غسل الرأس بدلا عن المسح فيه ثلاثة آراء لأهل العلم:
[ ١ / ٢٢٣ ]
منهم من قال: يجزئ، ومنهم من قال: لا يجزئ، ومنهم من قال: يجزئ إن أمرّ يده على رأسه وإلا فلا، وهذا هو المذهب لكن مع الكراهة؛ يعني حتى على القول بالإجزاء فإنه مكروه، فالذين قالوا: إنه يُجزئ قالوا: لأن الله إنما أسقط الغسل عن الرأس تخفيفًا؛ لأن الرأس يكون فيه شعر، ولو كُلِّف الناس بغسله لكان في ذلك مشقة لا سيما في أيام الشتاء وأيام البرد، فأسقط الله الغسل تخفيفًا على العباد، فإذا غسله بدلًا عن مسحه فقد اختار لنفسه ما هو أغلظ فيجزئ.
والذين قالوا: لا يجزئ قالوا: لأنه خلاف أمر الله ﷿ والله تعالى قال: ﴿امْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾، وإذا كان خلاف أمر الله فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٢).
والذين قالوا بإجزاء الغسل مع إمرار اليد، قالوا: لأنه إذا أمرَّ يده فقد حصل المسح، مع زيادة الماء في الغسل، ولكن على كل حال فلا ريب أن المسح أفضل من الغسل؛ المسح أفضل من الغَسل لا شك في هذا.
وإجزاء الغَسل مُطلقًا عن المسح فيه نظر، أما مع إمرار اليد فالأمر في هذا قريب، لو أنه مسح بناصيته فقط دون بقية الرأس، ما هو الدليل؟
طالب: ().
الشيخ: كيف تحكم بلا دليل؟ !
الطالب: ().
الشيخ: لو مسح بالناصية فقط ..
طالب: قوله تعالى: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾.
الشيخ: يعني يجزئ ولَّا لا؟
الطالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، الدليل؟
الطالب: قوله: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ الباء للتبعيض.
الشيخ: والباء؟
الطالب: إن كانت من باب التبعيض فهو يجزئ.
الشيخ: وإن كانت لغير التبعيض؟
الطالب: ().
الشيخ: قال: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ولم يقل: (ببعض رؤوسكم)، والباء لا تأتي في اللغة العربية للتبعيض أبدًا، قال ابن برهان: مَن زعم أن الباء تأتي في اللغة العربية للتبعيض فقد أخطأ.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ما تأتي الباء للتبعيض أبدًا في اللغة العربية، وأما حديث المغيرة أن النبي ﷺ مسح على ناصيته وعلى العمامة والخفين (١٣).
فهنا المسح على الناصية أجزأ؛ لأنه مُسح مع العمامة، فلا يكون في ذلك دليل على جواز المسح على الناصية فقط.
طيب ما هو الدليل على الموالاة؟ إحنا قرأناه؟
طلبة: الترتيب ما شرحناه.
الشيخ: الترتيب ما شرحناه.
قوله: (ومنه الأذنان) من الرأس الأذنان، الدليل؟
إن قلنا: من الرأس وجب أن يحلق شعر أذنيه.
طالب: ().
الشيخ: لا تقصير () طول حتى يقصر إلا كان على مذهب العامة في يأجوج ومأجوج أن يكون لهم آذان، واحدة يجعلها فراشًا، والثانية يجعلها لحافًا، على رأي العامة يمكن.
يقول المؤلف ﵀: (والتَّرتيبُ) التَّرتيبُ عرفنا دليله من القرآن، من الآية الكريمة، من كم من وجه؟
طالب: ثلاثة أوجه.
الشيخ: الوجه الأول: إدخال الممسوح بين المغسولات، وهذا خروج عن مقتضى البلاغة، والقرآن أبلغ ما يكون من الكلام، ولا نعلم لهذا الخروج عن قاعدة البلاغة فائدة إلا الترتيب. ثانيًا؟
طالب: ().
الشيخ: لا، من الآية.
طلبة: الشرط.
الشيخ: أن هذه الجملة وقعت جوابًا للشرط، وما كان جوابًا للشرط فإنه يكون مرتبًا حسب وقوع الجواب. الثالث؟
طالب: أن الله ذكرها مرتبة ().
الشيخ: أن الله ذكرها مرتبة، وقد قال النبي ﵊: «أبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (١٤)
أو: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (١٥).
أما من السنة فإن جميع الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكروا إلا أنَّه كان يرتبها على حسب ما ذكر الله ﷾.
إذا قلنا: بأن الترتيب فرض، فهل يسقط التَّرتيبُ بالنسيان أو بالجهل؟
فيه خلاف بين أهل العلم، منهم مَن قال: إن الترتيب يسقط بالنسيان والجهل؛ لأن ذلك عذر، وإذا كان الترتيب بين الصلوات يسقط بالنسيان فهذا مثله.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ومنهم مَن قال: إنه لا يسقط بالنسيان؛ لأنه فرض، والفرض لا يسقط بالنسيان، وقياسه على الصلوات -أي على قضاء الصلوات- فيه نظر.
لأن الصلوات () كل صلاة عبادة مستقلة، لكن الوضوء عبادة واحدة، ونظير اختلاف الترتيب في الوضوء اختلاف الترتيب في ركوع الصلاة وسجودها.
لو سجد الإنسان قبل الركوع ناسيًا، هل نقول: إنها لا تجزئه الصلاة؟
لا، ولهذا القول بأن الترتيب يسقط بالنسيان في النفس منه شيء، نعم، لو فُرض أن رجلًا جاهلًا في بادية، وكان منذ نشأ وهو يتوضأ فيغسل الوجه، واليدين، والرجلين، ثم يمسح الرأس.
لو فُرض أن أحدًا وقع له مثل هذه الحال، فقد يتوجه القول بأنه يُعذر بجهله كما عذر النبي ﷺ أناسًا كثيرين بجهلهم في مثل هذه الأحوال، إذن الترتيب فرض لا يسقط سهوًا ولا جهلًا.
طالب: ().
الشيخ: هذا في الموالاة.
الطالب: الترتيب.
الشيخ: لا، الترتيب ما فيه ذكر الترتيب.
الطالب: ().
الشيخ: إي، هذه الموالاة؛ لأن الترتيب هنا ما دام أنه في الرِّجل ما بعدها شيء حتى تُرتَّب؛ يعني لو كان العهد قريبًا قلنا: اذهب واغسل رجلك وانتهِ.
طالب: أقول: العهد قريب؛ لأنه يعني أثر البلل موجود على ..
الشيخ: لا، أبدًا البقعة بيضاء () البلل، البقعة بيضاء، والبيضاء قد توجد مع نشوفة الماء، ولهذا لو غَسَّل الإنسان مثلًا يديه شهباء وُجِد أثر الماء، وبقي اللي ما أصابه الماء أشهب على ما هو عليه حتى لو يبست، المهم أن هذا استدلوا به في الموالاة.
الموالاة أيضًا فرض، وهي الفرض السَّادس؛ الموالاة، والموالاة معناها أن يكون الشَّيء مواليًا للشيء، أي: عَقِبه بدون تأخير، هذه هي الموالاة أن يكون الشيء متصلًا بالشيء؛ أي: مواليًا له بدون تأخير هذه هي الموالاة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وإنما اشتُرطت الموالاة، يمكن أن نأخذها من الآية الكريمة؛ لأن جواب الشرط يكون متتابعًا لا يتأخر: إذا قمتم فاغسلوا وجوهكم، إذا قمتم فاغسلوا أيديكم، إذا قمتم فامسحوا برؤوسكم، إذا قمتم فاغسلوا أرجلكم، فتكون متوالية، ضرورة أن المشروط يلي الشرط، هذا واحد.
دليل آخر: أن النبيَّ ﷺ توضَّأ متواليًا، ما كان يفصل بين أعضاء وُضُوئه.
ثالثًا: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا قد توضَّأ، وفي قدمه مثل الظُّفُر لم يصبْه الماء، فأمره أن يُعيد الوُضُوءَ.
هكذا رواية أحمد (١٦) ولكن رواية مسلم (١٧) قال له: «ارْجِع فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ».
والفرق بين اللفظين إذا لم نحمل أحدُهما على الآخر أنَّ الأمر بإحسان الوُضُوء، معناه الأمر بإتمام ما نقص منه، وهذا يقتضي أن يغسل ما تَرَك فقط دون ما سَبَق، ويمكن أن تُحمل رواية: «أَحْسِنْ وُضُوءَكَ»؛ يعني ائتِ به حسنًا؛ وذلك بإعادته، فتُحمل رواية مسلم على رواية الإمام أحمد؛ لأن رواية الإمام أحمد سندُها جيد، جوَّده الإمام أحمد نفسه، وكذلك ابن كثير قال: (إنه حديث جيد صحيح)، فصحّحه.
والحاصل أن هذا دليل من الكتاب والسنة، دليل من النَّظر: أنَّ الوُضُوء عبادةٌ واحدةٌ، فإذا فُرِّق بين أجزاء هذه العبادة صارت متجزئة، ما هي عبادة واحدة.
[ ١ / ٢٢٧ ]
العبادة الواحدة لا بد أن تكون كتلة واحدة لا تتفرق أجزاؤها، فهذه ثلاثة أدلة من القرآن والسنة والنظر تدل على وجوب الموالاة، وأنه لا بد من الموالاة، وهناك قول ثانٍ في المسألة لأهل العلم أن الموالاة ليست بشرط، وإنما هي سُنَّة؛ لأن الله أمر بغسل هذه الأعضاء، وهو حاصل بالتوالي والتفريق، فإذا كان حاصلًا بالتوالي والتفريق، صار التوالي سُنَّةً وليس بواجب، ولكن الأولى القول بأن الموالاة شرط؛ لأنها كما قلنا: عبادة واحدة لا يمكن أن تُجزَّأ، لكن ما معنى الموالاة؟ فسَّرها المؤلف قال: (وهي ألا يؤخِّر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) بشرط أن يكون ذلك في زمن معتدل خالٍ من الريح، الهواء.
فالموالاة ألا يؤخِّر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله، الذي قبله يليه ما هو الذي قبله كله لو فُرض
أنه تأخَّر في غسل اليدين، فغسل اليدين قبل أن ينشف الوجه، ثم تأخَّر في مسح الرأس، فمسحه قبل أن تنشف اليدان، لكن بعد أن نشف الوجه يُجزئ ولَّا لا؟
طلبة: يُجزئ.
الشيخ: يُجزئ؛ لأن المراد بقوله: (الذي قبله)؛ يعني على الوِلا، ما هو كل الأعضاء السابقة، وقلنا: في زمن معتدل احترازًا من الزَّمن غير المعتدِل، فزمن الشِّتاء والرُّطوبة يتأخَّر فيه النَّشَاف أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو كان هناك ضباب النَّشاف يتأخَّر كثيرًا، وإذا كان في زمن حار فإنه يكون سريع النَّشاف، وكذلك لو كان في ريح شديدة فإن النشاف يكون أسرع، وعلى هذا فالعبرة بالزمن المعتدل الخالي من الريح.
وقال بعض العُلماء -وهو رواية عن أحمد-: إن العبرة ليست بنَشَاف الأعضاء، ولكن بطول الفصل عُرفًا، فإذا طال الفصل عُرفًا؛ فإن الموالاة تفوت، فلا بد من أن يكون الوضوء متقاربًا عُرفًا.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وقد اعتبر العلماء العُرف في مسائل كثيرة، فإذا قال الناس: إن هذا الرجل لم يُفرِّق وضوءه، بل وضوؤه متصل فإنه يعتبر مواليًا، لكن كما سبق لنا كثيرًا العُرف قد لا ينضبط، فتعليق الحكم بنشاف الأعضاء أقرب إلى الضبط.
وقوله: (الموالاة) يُستثنى من ذلك ما إذا فاتت الموالاة لأمرٍ يتعلَّق بالطَّهارة.
مثل: أن يكون في أحد الأعضاء حائلٌ يمنع وصول الماء، فاشتغل بإزالة ذلك الحائل، مثل أيش؟
طلبة: البوية.
الشيخ: كالبوية لما جاء يغسل يديه وجد فيها بوية تحتاج إلى زمن يأتي مثلًا بالجاز ولَّا بالبنزين، يحتاج إلى زمن فهو جعل يشتغل بإزالة هذا المانع؛ فإن ذلك لا يضر؛ لأن هذا لأمر يتعلق بطهارته.
وكذلك لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، ونشفت الأعضاء فحينئذٍ فإن ذلك لا يضرُّ، أو انتقل مثلًا من صنبور إلى صنبور لتحصيل الماء، فإن ذلك لا يضر؛ لأنه لأمر يتعلق بطهارته.
أما لو فاتت الموالاة لأمر لا يتعلَّق بالطَّهارة، مثل: في أثناء وضوئه وجد في ثوبه دمًا فجعل يشتغل بإزالة ذلك الدم حتى فاتت الموالاة، فإنه يجب عليه إعادةُ الوُضُوء؛ لأن هذا لا يتعلَّق بطهارته.
طالب: () إذا كان في أحد الأعضاء حائل يمنع تخلل الماء فهو ليس كل حائل يكون مفاجئًا له يعني.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني ليس مفاجأة له، لماذا لا يزيل الحائل قبل أن يشرع في الوضوء؟
الشيخ: لأنه ربما ينسى، أو ربما يتكاسل، أو يتهاون، والأحسن بلا شك أنه إذا وُجِد هذا الحائل أن يُبادر بإزالته، لكن بعض الناس يكون يشتغل صاحب بُوية، ما هو راح كلما سقط نقطة على بدنه يُروح يزيلها في الحال فهو يقول: إذا جاء وقت الصلاة أزلتها.
طالب: يا شيخ، أو يكون مثلًا إنما مسح القدمين على الخفين تذكر أنه انتهى وقت مسحهما ()؟
الشيخ: اللي هو أيش؟
طالب: لو طال يعني الزمن الفاصل طولًا شديدًا ()؟
الشيخ: ما يضر، ما دام أن هذا لتكميل طهارته، فلا يضر.
[ ١ / ٢٢٩ ]
لكن لاحظ أنه لا بد أنه يكون يعني مشتغلًا بذلك، ما يجب مثلًا لما راح إلى الحمَّام الثاني أو الصنبور الثاني صادفه واحد من صاحبنله، وقام () ويَّاه، تنقطع الموالاة.
طالب: ().
الشيخ: لا، هذا سُنة، إنما الترتيب بين الأعضاء الأربعة فقط: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين.
قال: (وهي ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) نحن أضفنا إليها قيدين، وهما: لزمن معتدل خالٍ من الريح، واستثنينا منها ما إذا كان فوات الموالاة لأمر يتعلق بطهارته.
قال المؤلف: (والنِّية شرط) النية بمعنى القصد، ومحلُّها القلبُ، ولا يعلم بالنيَّات إلا الله ﷿،
وهي شرط في جميع العبادات، والكلامُ عليها من وجهين:
الوجه الأول: من جهة تعيين العمل ليتميَّز عن غيره؛ () يعني أنوي بالصَّلاة أنَّها صلاة، وبالفريضة أنها فرض، وبالحج أنه حجٌّ، وبالصوم أنَّه صوم، وهذا يتكلَّم عنه مَن؟ أهل الفقه.
الوجه الثَّاني مما يُبحث فيه في النية: قصدُ المعمول له، لا قصد تعيين العبادة وتمييزها، بل قصد المعمول له، وهو الإخلاص وضدُّه الشِّرك، والذي يتكلَّم على هذا مَن؟ أرباب السُّلوك في باب التَّوحيد وما يتعلَّق به، وهذا الأخير أهمُّ من الأوَّل؛ لأنَّه هو لُبُّ الإسلام وخلاصة الدِّين؛ الإخلاص لله ﷿، يعني كون الإنسان مثلًا يُعيِّن الصلاة هذه أنها فريضة، وأنها ظهر، أو عصر، وما أشبه ذلك، لا يساوي أن يقصد بذلك وجه الله، أو يقصد بذلك الرياء، هذا أهم، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يعتني به، وهو إخلاص النية، لمن؟
لله ﷿، وكما ينبغي، بل يجب إخلاص النية لله، يجب المتابعة للرسول ﷺ، فلنتذكر عند فِعل العبادات شيئين:
[ ١ / ٢٣٠ ]
الأول: نتذكر أمر الله بهذه العبادة حتى نؤدِّيها وكأننا أيش؟ نمتثل أمر الله، عندما نتوضأ ما نيجي نقول: نحن الآن نبغي نتوضأ لأننا نبغي نصلي، والوضوء شرط لصحة الصلاة، بل ينبغي أن نتوضأ؛ لأن الله قال: ﴿اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ فنكون بذلك ممتثلين لأمر الله ﷾، وكذلك نستحضر أنَّ أمامنا إمامنا محمد رسول الله ﷺ فنحقق بذلك أيش؟ المتابعة للرسول ﷺ.
النية شرط لصحة العمل ولَّا لقبوله وإجزائه؟ ولَّا للكل؟
للكل؛ لقول النبي ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١٨)؛ ولأنَّ الله تعالى قيَّد كثيرًا من الأعمال في القرآن، قيَّدها بقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢].
وما أشبه ذلك من الآيات التي تدل على أنه لا بد من النية؛ فالنية شرط لجميع العبادات، وهل ينطق بها الإنسان أو لا ينطق؟ وإذا قلنا بالنطق فهل ينطق سرًّا أو جهرًا؟
الصَّحيح أنَّه لا ينطق بها، وأن التعبُّد لله بالنُّطق بها بدعة يُنهى عنها، ويدلُّ لذلك أن النبيَّ ﷺ وأصحابه لم يكونوا ينطقون بالنيَّة أبدًا، ما حُفظ ذلك عنهم، ولو كان النطق بالنية مشروعًا لبيَّنه الله ﷿ على لسان رسوله ﷺ الحالي أو المقالي، ولم يُبينه الله فدل هذا على أنه ليس من شرعه.
فإذا أردت أن تتوضأ لا تقُل: نويت أن أتوضأ، أن تُصلي لا تقل: نويت أن أُصلي، وإذا أردت أن تصوم ما تقول: نويت أن أصوم، وكان أهلنا يعلموننا ونحن صغار أن نقول: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل، ما أدري هو ما زال باقيًا أم لا؟
طالب: لا، ما نسمع.
الشيخ: ما سمعتم بها؟
[ ١ / ٢٣١ ]
الطالب: ما سمعنا، الحمد لله.
الشيخ: على كل حال، هذا ما هو موجود؛ يعني ما هو مشروع، بَقِي علينا الحج، هل يُسن النطق بالنية فيه؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا يُسن، لم يَرد عن النبيِّ ﵊ أنه قال: اللهم إني نويت أن أحُجَّ، أو نويت النُّسك الفلاني، وإنما يلبِّي بالحجِّ فيُظهر النِّيَّة، ويكون العقد بالنيَّةِ سابقًا على التلبية، لكن إذا كان الإنسانُ يحتاج إلى اشتراط في نُسُكه، هل يحتاج إلى النطق بالنية، ويقول: اللهم إني أريد كذا وإن حَبَسَنِي ولَّا لا؟
ما هو شرط، ليس بشرط أن يقول: نويت، بل له أن يقول: اللهم إن حبسني حابس فَمَحِلِّي حيث حبستني بدون أن ينطق بالنيَّة.
فإذن النية شرط، الدليل؟
طلبة: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
الشيخ: قوله ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلّ امْرِئٍ مَا نَوَى». والكلام عليها من وجهين؛ من جهة أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: تعيين العمل ليتميز عن غيره، وهذا الوجه يتكلم عليه مَن؟ الفقهاء.
ومن جهة تعيين المعمول له، وهو الإخلاص، وهذا يتكلم عليه أرباب السلوك والسير إلى الله ﷿، ويُذكر ذلك في كتب التوحيد.
محلها القلب، ولا يُسن التلفظ بها لا سرًّا ولا جهرًا، والمشهور من المذهب عند الأصحاب: أنه يُسَنُّ النُّطق بها سرًّا، ولكن هذا ضعيف لعدم وروده.
[ ١ / ٢٣٢ ]
أمّا القول بأنه يُسَنُّ النُّطُق بها جهرًا؛ فهذا أضعف وأضعف، وفيه أيضًا من التشويش على النَّاس لا سيما في الصَّلاة مع الجماعة ما هو ظاهر، ويُذكر أن بعض العامة سَمِع شخصًا يُصلي في المسجد الحرام مأمومًا، وعندما أراد أن يُكبِّر، قال: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات خلف إمام المسجد الحرام، لما بغى يكبِّر، قال: اصبر، ويش عندك؟ قال: اذكر اليوم تاريخ اليوم، والمكان () تاريخ اليوم، في اليوم الفلاني، يوم الأربعاء مثلًا، الموافق كذا وكذا من الشهر، فالرجل انتبه لأنه ما حاجة أنك تبين لله ﷿ ماذا نويت؛ لأن الله يعلم ما في قلبك.
ثم إن النية ليست بالأمر الصعب، وإن كانت عند بعض أهل الوسواس صعبة، لكنها في الحقيقة ليست صعبة؛ لأن كل إنسان عاقل مختار يعمل عملًا فلا بد أن يكون ذلك مسبوقًا بالنيَّة.
رجل قرَّب الماء، وقال: بسم الله، وغسل كفَّيه، وتمضمض واستنشق إلى آخره، هل يُعقل أنه فعل ذلك بدون نيَّة، وهو عاقل مختار؟ لا يمكن، ولهذا قال بعض العلماء: لو أنَّ الله كلَّفنا عملًا بلا نيَّة؛ لكان من تكليف ما لا يُطاق.
لو قال الله لنا: توضؤوا ولا تنووا، صلُّوا ولا تنووا، يمكن هذا، ولا ما يمكن؟
لا يمكن أبدًا، فالنية ليست بالأمر الصعب، وما يَرد على قلوب بعض الناس من صعوبتها فهذا من الوساوس فأنت عندما تحضر ما حاجة إلى تعب، حتى إن شيخ الإسلام ﵀ قال في نية الصوم: إذا تعشَّى الإنسان ليالي رمضان فإن عشاءه يدلُّ على نيَّته، لو ما نوى الصوم من الغد.
السبب أن اللي اتعشَّى في رمضان يُلاحِظ أنه سوف يتسحّر في آخر الليل فلا يُكثِر العشاء كما يُكثره إذا كان في غير الصوم.
قال: (والنية شرط لطهارة الأحداث كلِّها) أفادنا المؤلف ﵀ (لطهارة الأحداث)، وهي جمع (حدث)، والحَدَثُ: معنًى يقوم بالبَدَن يمنع من الصَّلاة ونحوها، هذا الحدث.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ويُطلقُ أحيانًا على سَبَبِهِ، فيُقال للغائط: حَدَث، ويُقال للبول: حَدث، ومنه قوله ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١٩).
فهو يُطلق في الأصل على المعنى القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها، وقد يُراد به أيش؟ سببه وهو السبب الموجِب للوضوء.
وقوله: (لطهارة الأحداث) يشمل الحدث الأصغر والأكبر؛ كل الأحداث، وخرج بقوله: (لطهارة الأحداث) طهارة الأنجاس؛ فإنه لا يُشترطُ لها النيَّة، ولذلك لو علَّق الإنسان ثوبه في السَّطح، فجاء المطرُ على هذا الثوب حتى غسله، وزالت النَّجَاسةُ طَهُر ولَّا ما يطهر؟ طَهُر، مع أن هذا ليس بفعله، ولا بنيَّته.
ما نوى هو لما علقه في السطح ما نوى أن يغسله المطر، والمطر أيضًا ليس من فعله، وكذلك الأرض تصيبها النَّجَاسة، فتنزل الأمطار عليها فتطهُر بدون قصد فتكون طاهرة.
وهذا الذي ذكره المؤلف: هو مذهب مالك، والشَّافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وذهب أبو حنيفة -﵀- إلى أن طهارة الحدث لا يُشترط لها النية؛ قال: لأنها ليست عبادة مقصودة لذاتها وإنما هي مقصودة لماذا؟ للصلاة، لتصحيح الصلاة، فهي كما لو لَبِسَ ثوبًا يستُر به عورته، فإنه لا يُشترطُ أن ينوي بذلك ستر العورة، بل لو لَبِسَهُ للتجمُّلِ أو لدفع البرد، وما أشبه ذلك أجزأ، ولكن قوله ضعيف؛ فإن الصَّواب أن الوُضُوء عبادةٌ مستقلِّة، والدليل على ذلك أن الله رتَّب عليه الفضلَ والثَّوابَ والأجرَ، ومثل هذا يكون عبادةً مستقلّةً، وهو قول جمهور أهل العلم.
وإذا كان عبادة مستقلَّة، صارت النيَّةُ فيه شرطًا، بخلاف إزالة النَّجاسة؛ فإزالة النَّجاسة ليست فعلًا، ولكنها تَخَلٍّ عن شيء تُطلب إزالته، فلهذا لم يكن عبادة مستقلَّة، فلا تُشتَرطُ فيها النيَّة، لكن كيف ينوي؟ النية بالنسبة للوضوء لها عدة أوجه.
[ ١ / ٢٣٤ ]
قال: (فينوي رَفْعَ الحدث) هذا واحد، ينوي رفع الحدث، يتوضأ، ليش توضأ؟ قال: أبغي أرفع الحدث الذي حصل لي بسبب الغائط مثلًا، أو بسبب البول هذا رفع الحدث، إذا نوى رفع الحدث صح وضوؤه أو لا؟ صح وضوؤه، وهذا هو المقصود للوضوء أن يرفع الحدث، هذه واحدة.
الثاني: (أو الطَّهارة لما لا يُبَاح إلا بها) ينوي الطَّهارة لشيء لا يُباح إلا بالطَّهارة، والشيء الذي لا يُباح إلا بالطَّهارة: الصَّلاة، والطَّواف، ومسّ المصحف، هذه الأشياء الثلاثة، لا تُباح إلا بالطهارة، إذن ينوي الطهارة للصَّلاة، ما نوى رفعَ الحدث، لكن نوى الطهارة للصلاة، يرتفع الحدث ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأن الصَّلاة ما تصحُّ إلا بعد رفع الحدث، نوى الطهارة للطواف؟
طالب: ترتفع.
الشيخ: كذلك ترتفع. نوى الطهارة لمس المصحف أيضًا يرتفع الحدث.
الوجه الثالث: قال: (فإن نوى ما تُسنُّ له الطَّهارة) ارتفع حدثه؛ يعني ينوي الطهارة لما تُسن له الطهارة ولمَ تجب؟ لما تُسن له الطهارة كالقراءة، قراءة القرآن بدون مس مصحف هذه سنة أن يتطهر الإنسان لها، بل كل ذكر فإن السنة أن يتطهر له لقول النبي ﵊: «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» (٢٠).
فإذا نوى ما تُسَنُّ له الطَّهارةُ كقراءة ارتفع الحدث، كيف ذلك؟
لأنَّه إذا نوى الطَّهارة لما تُسَنُّ له الطهارة فمعنى ذلك أنه نوى رفع الحدث لأجل أن يقرأ، وكذلك لو نوى الطَّهارةَ لدفع الغضبِ يصح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يرتفع الحدث؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نوى الطهارة للنوم سُنّة، يرتفع الحدث.
فصارت النيَّة لها ثلاثة أوجه: أن ينويَ رفع الحدث، أن ينويَ الطَّهارةَ لما تجبُ له الطهارة، أن ينويَ الطهارةَ لما تُسَنُّ له الطهارة.
قال المؤلف: (أو تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدَثَه ارتفَعَ)، هذه المسألة الرَّابعة.
[ ١ / ٢٣٥ ]
لكنه قيَّدها المؤلف بقوله: (تجديدًا) أي: تجديدًا لوُضُوءٍ سابق عن غير حدث، وعلى وُضُوء الآن، فنوى تجديدًا للوُضُوء الذي كان متَّصفًا به الآن.
لكن اشترط المؤلِّفُ شرطين:
أن يكونَ ذلك التجديدُ مسنونًا؛ لأنه إذا لم يكن مسنونًا لم يكن مشروعًا، فإذا نوى التَّجديدَ وهو غير مشروع، فقد نوى طهارةً غير شرعية، فلا يرتفع حدثُه بذلك.
متى يكون مسنونًا؟
يكون مسنونًا إذا صَلَّى بالوُضُوء الذي قبله، إذا صلَّى بالوُضُوء الذي قبله استُحب أن يتوضَّأ للصَّلاة الجديدة.
مثال ذلك: توضَّأ لصلاة الظُّهر وصلَّى الظُّهر، ثم جاء وقت العصر وهو على طهارته، نقول له: يُسَنُّ لك أن تتوضَّأَ تجديدًا للوُضُوء؛ لأنَّك صلَّيت بالوُضُوء السَّابق، فكان تجديدُ الوُضُوء لك مشروعًا، فإن لم يصلِّ به؛ بأنْ توضَّأ لصلاة العصر قبل دخول وقتها؛ ولم يُصَلِّ بهذا الوُضُوء، ثم لما أذَّن العصر جدَّد الوُضُوء، فهذا ليس بمشروع؛ فلا يرتفع حدثه.
الشرط الثَّاني: قال: (ناسيًا حدثه) فإن كان ذاكرًا لحدثه فإنه لا يرتفع حدثه، وهذا من غرائب العلم، نقول: إذا نويت الشَّيءَ ناسيًا صَحَّ، وإن نويته ذاكرًا لم يصحَّ؛ مثال ذلك: رجل صلَّى الظُّهر بوُضُوء، ثم انتقض وضوؤه بعد الظهر، ثم جدَّد الوُضُوء للعصر ناسيًا أنه أحدث، هل يرتفع حدثُه ولَّا لا؟ يرتفع؛ لأنه نوى تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدثَه.
فإن كان ذاكرًا لحدثه لم يرتفع حدثه؛ لأنَّه حينئذٍ يكون متلاعبًا، كيف تنوي التجديد وأنت لست على وضوء؛ لأن التجديد لا يكون إلا والإنسان على طهارة، أما أن تنوي التجديد وأنت محدث فهذا تلاعب؛ فلا يرتفع الحدث.
قال المؤلف ﵀: (وإن نوى غُسْلًا مسنونًا أجْزَأَ عن واجبٍ)
مثل أي شيء الغسل المسنون؟
مثل: أن يغتسلَ من تغسيل الميِّت؛ فإنه غسل مسنون، ومثل أن يغتسل للإحرام، ومثل أن يغتسل للوقوف بعرفة، كل هذه أغسال مسنونةٌ، وسيأتي ذكرها فيما بعد.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وكذلك غُسْل الجمعة عند جمهور العلماء من الأغسال المسنونة، والصَّحيح أنه واجبٌ، إذا نوى غُسلا مسنونًا يقول المؤلف: إنه يجزئ عن الواجب، وظاهر كلام المؤلِّف ولو ذكر أن عليه واجبًا.
وقيَّده بعض الأصحاب بما إذا كان ناسيًا حدَثَهُ؛ يعني ناسيًا الجنابة، فنوى الغُسل المسنون فإنه يجزئه عن الواجب، فإن لم يكن ناسيًا فإنَّه لا يرتفع؛ لأن الغُسْل المسنون ليس عن حدث، وإذا لم يكن عن حدث، فقد قال النبيُّ ﵊: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ باِلنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٨) وهذا الرَّجلُ لم ينوِ إلا الغُسْل المسنون، وهو يعلمُ أن عليه جنابة، ويذكر ذلك، فكيف يرتفع الحدث؟
وهذا القول -أي تقييده بأن يكون ناسيًا- له وجهة نظر.
وأما الذين لا يقيدون فيقولون: لأنه لَمَّا كان الغُسْل المسنونُ طهارةً شرعيَّة كان رافعًا للحدث، ولكنَّ هذا التَّعليل فيه شيء من العِلَّة، لأَنْ نقول: هو غُسْلٌ مشروع لا شك، لكنه غُسل مشروع دون الغُسل الواجب من الجنابة، فكيف يَقوى المسنون حتى يجزئ عن الواجب، لو كان الأمر بالعكس لأمكن، لكن كونه ينوي الغُسل المسنون ونقول: إن هذا يجزئ عن الواجب، هذا فيه نظر، لكنه إذا كان ناسيًا فهو معذور.
مثاله: لو أن أحدًا اغتسل للجمعة -على القول بأن غسل الجمعة سُنَّة- وهو عليه جنابة، لكنه ما ذكر أو ما عَلِم، مثل ألا يعلم بالجنابة إلا بعد صلاة الجمعة، كما لو كان قد احتلم ولم يعلم إلا بعد الجمعة، فإن صلاة الجمعة تكون صحيحة لارتفاع الجنابة.
وأما إذا عَلِم ونوى هذا الغسل المسنون، فإن القول بالإجزاء في النفس منه شيء.
[ ١ / ٢٣٧ ]
(وكذا عكْسُهُ) يعني إن نوى غُسلًا واجبًا أجزأ عن المسنون لدُخُوله فيه؛ لأن الغسل الواجبَ أعلى من المسنون فيسقطُ به، كما لو أن الإنسان دخل إلى المسجد، وقد وجد الناس يصلُّون فدخلَ معهم، فإن تحيَّة المسجد تَسقطُ عنه؛ لأن الواجب أقوى من المستحبِّ، وإن نواهما جميعًا يجزئ؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجزئ من باب أولى لعموم قوله ﵊: «وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
وإن اغتسل لهذا غُسلًا ولهذا غُسلًا كان أطيب، كما اختاره الأصحاب ﵏، وعلى هذا فالغُسْل الواجب مع المسنون له أربع حالات:
إما أن ينويَ المسنونَ دونَ الواجب، أو الواجبَ دونَ المسنونِ، أو هما جميعًا، أو يغتسل لهما جميعًا أو لا؟
طلبة: أو يغتسلا؟
الشيخ: لهما جميعًا؛ يعني غسلين، كل واحد له غسل منفرد، فإذا اغتسل لكل واحد منهما غسلًا منفردًا فهذا أعلى الحالات، وإن نواهما جميعًا فهو دونه لكن يُجزئ؛ لعموم قوله ﷺ: «وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وإن نوى الواجب سقط به المسنون، وإن نوى المسنون -على المذهب- أجزأ عن الواجب، يسقط به الواجب، ولكن في النفس منه شيء، نعم، لو كان ناسيًا فقد يُقال: إن هذا يجزئ؛ لأنه غسل مشروع والإنسان لم يَذكر.
يقول: (أجزأ عن واجب، وكذا عكسه) (كذا) خبر مقدم، و(عكسه) مبتدأ مؤخر، ما هو عكس هذه الصورة؟
طلبة: أن ينوي واجبًا.
الشيخ: أن ينوي واجبًا فيجزئ عن المسنون.
ثم قال: (وإن اجتمعت أحداثٌ تُوجِبُ وُضُوءًا أو غُسْلًا فَنَوى بطَهَارَتِهِ أحَدَها ارتفعَ سائرها).
إذا (اجتمعت أحداثٌ تُوجِبُ وُضُوءًا) يعني بأن فعل الإنسان من نواقض الوُضُوء أشياء متعدِّدة، بَالَ، تغوَّط، خرج منه ريح، أكل لحم إبل، نام نومًا عميقًا، هذه خمسة أشياء، فعل هذه الخمسة كلها، هذه الأحداث ويش تُوجب؟
تُوجب الوضوء، فنوى الطهارة عن البول؟
طلبة: ().
[ ١ / ٢٣٨ ]
الشيخ: يُجزئ عن الجميع، لكن لو نوى عن البول فقط؛ يعني على ألا يرتفع غيره؛ فإنه لا يُجزئ إلا عن البول، قالوا: لعموم قوله: «وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
وقيل: يُجزئ عنه وعن غيره؛ لأن الحدث وصف واحد، وإن تعددت أسبابه فإنه لا يتعدد، الحدث في الحقيقة وصف واحد لو تعددت أسبابه فإنه لا يتعدد، فإذا نوى رفعه ارتفع، وإن لم يُعين إلا سببًا واحدًا منه.
وقيل: إن عيَّن الأول ارتفع الباقي، وإن عين الثاني لم يرتفع شيء منهما، وجه هذا القول يقول: لأن الثاني ورد على حدث لا على طهارة، مثل: بالَ بالأول، ثم بعد ذلك تغوط، ثم توضأ عن الغائط فقط يقول: هذا لا يُجزئ، السبب؟
طلبة: ().
الشيخ: لأن الثاني ورد على حدث فلم يُؤثر شيئًا، وحينئذٍ فإذا نوى رفع الحدث من الثاني لم يرتفع؛ لأنه لا حَدَثَ منه إذ إن الحدث من الأول.
وكل هذه كما تَرون مجرد اجتهادات وتعليلات، والصحيح أنه إذا نوى رفع الحدث عن واحد منها ارتفع عن الجميع حتى وإن نوى ألا يرتفع غيره؛ لأنا نقول: إن الحدث وصفٌ واحد، وإن تعددت أسبابه، فإذا نوى رفعه من البول ارتفع وخَلص، لا نقول: إن هذا يُعارض قول الرسول ﵊: «وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وهذا لم ينوِ إلا عن الحدث من البول؛ لأنا نقول: إن الحدث شيء واحد، فإذا نوى رفعه ارتفع، وليس الإنسان إذا بال الساعة الواحدة صار له حدث، فإذا خرجت منه الريح الساعة الواحدة والنصف صار حدثًا آخر، وثالثًا، ورابعًا إلى آخره، لا، الحدث هو واحد والأسباب متعددة، أي شيء تنوي رفع الحدث به، أو رفع الحدث منه؛ فإنه يُجزئك.
إذا اجتمعت أحداث تُوجب غُسلًا، ويش مثاله؟
الجماع، والإنزال.
طلبة: ().
الشيخ: أيش؟
طالب: معاودة الوطء.
الشيخ: لا، على كل حال اثنين يكفي.
طالب: الحيض.
[ ١ / ٢٣٩ ]
الشيخ: والحيض مثلًا في المرأة، والنفاس، إذا اجتمعت هذه الأحداث، فنوى بغسله واحدًا منها؛ فإنها ترتفع كلها كما قلنا في الحدث الأصغر، ترتفع الجنابة أو الحدث فيما إذا كان هناك حيض ونفاس عن الجميع، ولهذا قال المؤلف: (ارتفع سائرها). والسبب هو ما ذكرنا مِن أن الحدث وصف واحد إذا ارتفع؛ ارتفع عن الجميع.
طالب: شيخ، لو قلنا: يغتسل لكل واحد كما قلنا: () بغسل واحد.
الشيخ: ما أعلم أحدًا قال بذلك.
الطالب: طيب () الأفضل أنه يغتسل غسلين ().
الشيخ: إي نعم.
الطالب: من باب أولى أن يغتسل مرتين ..
الشيخ: لا؛ لأن الواجب جنس واحد، وأما المسنون والواجب فهما جنسان، هذا الفرق بينهما.
الطالب: ألا يكون الأكمل في هذا أن يغتسل للواجب، ويجزئ عن المسنون فإنه ..؟
الشيخ: فيمَ؟
الطالب: فيما إن اجتمع غسل مسنون وغسل واجب، غسل الجمعة، وغسل الجنابة؟
الشيخ: هم الحقيقة الفقهاء يقولون: إذا نوى الواجب أجزأ عن المسنون، لكن يقولون: إنه إذا فعل الأمرين، واغتسل مرتين، فهذا أفضل؛ لأنه حصل منه عملان وغُسلان.
الطالب: بس هل الكثرة تدل يا شيخ على الأفضلية؟ قد يكون قلة في العمل أفضل من الكثرة؟
الشيخ: هم يقولون: مثلًا الرسول أمر بالغسل يوم الجمعة اغتسل يوم الجمعة، والله أمر بالغسل من الجنابة اغتسل من الجنابة.
طالب: شيخ، لو نوى رفع حدث واحد، ونوى عدم ارتفاع ()، هل يصح؟
الشيخ: المذهب لا يصح.
الطالب: أنا ما رجحت.
الشيخ: إي نعم، يصح.
الطالب: أليس هذا متلاعبًا هذا الرجل؟
الشيخ: إي، ولو تلاعب، إذا تلاعب ما نوافقه على لعبه.
الطالب: فلا نصحح وضوءه؟
[ ١ / ٢٤٠ ]
الشيخ: لا، نصحح؛ لأنه نوى الوضوء من البول والباقي لا، قال: ما أنا متوضئ له، ما هو لم ينوِ فقط قال، ما أنا متوضئ له، نقول: الآن ارتفع حدثك بنية الوضوء من البول، وإن شئت الآن لا تنوي ما علينا منك، ما دام أنه وُجِد وضوء امتثل الإنسان به أمر الله لسبب من الأسباب واحد فكونه () نقول: هذا ما يؤثر، مثلما لو أن الإنسان توضأ وأكمل وضوءه، ولَمّا توضأ وأكمل وضوءه، قال () أبطلت الوضوء، ما يَبطل الوضوء.
طالب: شيخ ().
الشيخ: ().
الطالب: إي نعم، بدون نية مثلًا.
الشيخ: إي ما يجزئ.
الطالب: ما تجزئ؟
الشيخ: لا.
الطالب: وإن نوى؟
الشيخ: ما دام ما نوى الغُسل تعبدًا لله ﷿ فهو ما ينفعه.
الطالب: وإن نوى لواحدة؟
الشيخ: أجزأ عن الجميع.
طالب: الدلك في الوضوء، دلك الأعضاء، ما يكون لا بد منه؟
الشيخ: ما بعد، إحنا نتكلم عن النية الآن، بيجينا إن شاء الله.
طالب: () يا شيخ الترتيب والموالاة
الشيخ: يبجينا إن شاء الله، انتظر.
الطالب: ().
الشيخ: قال: (ارتفع سائرها).
الطالب: يعني كم يجزئ لغسله ()؟
الشيخ: انغمس بنية الاغتسال من الجنابة؟
الطالب: إي نعم، انغمس في الماء وارتفع.
الشيخ: يكفي، يكفي أبد.
الطالب: بدون دلك ولا شيء؟
الشيخ: بدون دلك، الدلك ما هو واجب.
طالب: ().
الشيخ: قال ﵀: (ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة، وتُسن عند أول مسنوناتها). (يجب الإتيان بها) أي: بالنية عند أول مسنونات الطهارة، والنية -كما عرفنا من قبل-: هي عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله ﷿.
طلبة: ().
الشيخ: كِيف؟
طلبة: أول واجبات ().
الشيخ: ويجب الإتيان بها عند أول وجب الطهارة، وهو التسمية وتُسن عند أول مسنوناتها.
أنا حذفتها عمدًا (يجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة؛ وهو التسمية، وتُسن عند أول مسنوناتها).
هذا المؤلف أراد الكلام على محل النية، متى ينوي الإنسان؟
[ ١ / ٢٤١ ]
يقول: (يجب عند أول واجبات الطهارة)، وكلمة (عند) تدل على القرب، كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، فالعنديَّة تدلُّ على القُرب، وعلى هذا فيجب أن تكون النيَّةُ مقترنةً بالفعل، أو متقدِّمةً عليه بزمنٍ يسير، وأما لو تقدمت بزمن كثير فإنها لا تجزئ.
الدليل على أنها لا بد أن تكون مقارنة أو مقاربة قوله: يعني من أين نأخذها من كلام المؤلف؟
من قوله: (عند).
وقوله: (عند أوَّل واجبات الطهارة)، ولم يقل: عند أوَّل فروض الطَّهارة؛ لأن الواجب مقدّم على الفروض في الطَّهارة؛ والواجب هو التَّسمية.
وقد سبق لنا أن المؤلف يقول: إن التسمية واجبة في الوضوء مع الذكر، وتسقط مع النسيان، وأنه لو ذكرها في أثناء الوضوء ابتدأ على المذهب، أو سمَّى وبنى على ما في الإقناع، وأن الصحابة اختلفوا في هذا، هل يُسمي ويبني، أو يُسمي ويستأنف، وسبق لنا أن القول الصحيح أن التسمية ليست بواجبة، وهو اختيار الموفق وجماعة من أصحابنا ﵏؛ وذلك لأن الدليل الوارد فيها -كما قال الإمام أحمد- لا يثبت.
وإذا لم يَثبت فإن القول بإلزام الناس بها وإبطال الوضوء بتركها بناءً على دليل لم يَثبت، هذا لا يَنبغي؛ لأن الإنسان مسؤول أمام الله ﷿ في تكليف عباد الله ﷾ أن يُكلفهم ما لم يقتضيه الشرع، لكن على المذهب هي واجبة مع الذكر، فإذا أراد أن يتوضأ فلا بد أن ينوي النية قبل التسمية؛ لأن التسمية واجبة.
قال: (وتُسَنُّ عند أوَّل مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ) ما هو أول مسنونات الطهارة؟
أوَّل مسنوناتِها غسل الكفين ثلاثًا قبل غسل ()، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في صفة الوضوء، فإذا غسل كَفَّيه ثلاثًا قبل أن يُسمِّيَ صار الإتيان بالنية حينئذٍ؟
طلبة: واجب.
الشيخ: واجبًا ولَّا سنة؟
طلبة: واجب.
[ ١ / ٢٤٢ ]
الشيخ: لا، وتُسَنُّ عند أوَّل مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ) يعني لو غسل كفيه ثلاثًا قبل التسمية صارت النية قبل غسل اليدين سُنَّة، ولكن كما سبق لنا مرارًا وتكرارًا، كون الإنسان يَحضر ويحضر الماء ويبدأ، هل يُعقل أن يفعل ذلك بلا نية؟
أبدًا ما يُعقل، ولهذا لا بد أن تكون النية سابقة حتى على أول المسنونات؛ إذ لا يُعقل أن أحدًا من الناس يحضر الماء ويشتغل بالعمل وهو ما نوى أن يتوضأ هذا بعيد، اللهم إلا إذا أحضر الماء ليغسل للأكل، ولما غسل كفيه قال: إذا ما بقي علي إلا شيء بسيط أبغي أكمل () الوضوء، فهذا ربما يُقال: إن الرجل ابتدأ الطهارة بلا نية، وحينئذٍ يمكن أن تجب النية عند التسمية.
طالب: بعض الناس يبغي يغسل للأكل وينسى ويبتدئ الوضوء؛ لأنه متعود بدون نية.
الشيخ: بدون نية؟ !
الطالب: بدون نية الوضوء.
الشيخ: هذه ربما أيضًا تقع لكنها بعيدة، المهم أنه أراد الفعل الآن.
الطالب: السواك يا شيخ هو من السنن؟
الشيخ: إي نعم، لكن عند المضمضة وبعد الواجبات.
قال: (وتُسن عند أول مسنوناتها إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ) (إن وجد) الضمير يعود على أول المسنونات، وقوله: (قبل واجب) ويش هو الواجب؟ التسمية؛ يعني لو غسَّل كفيه ثلاثًا قبل أن يُسمي فإن تقديم النية على غسل اليدين يكون؟
طالب: سُنَّة.
الشيخ: سُنَّة، والخلاصة أننا لو سُئلنا متى تكون النية؟
قلنا: لها محلان؛ محل تكون سُنَّة فيه، ومحل تكون واجبة، ما هو المحل الذي تكون فيه واجبة؟
هو قبل أول الواجبات، وما هو الذي تكون فيه السنة؟
قبل المسنون (إنْ وُجِدَ قبل واجب)، وقول المؤلف: (إنْ وُجِدَ قبل واجب) يشير إلى أن هذا المسنون لا يوجد قبل الواجب في الغالب أن الإنسان يُسمي قبل أن يَغسل كفيه، وحينئذٍ يكون الواجب متقدمًا.
[ ١ / ٢٤٣ ]
قال: (واستصحاب ذكرها في جميعها)؛ يعني ويُسن أيضًا استصحاب ذِكرها في جميعها، ذِكرها ما هو باللسان بل المراد ذِكرها في القلب؛ يعني يُسن للإنسان أن يَستصحب تذكر النية في قلبه في جميع الطهارة، فإن غابت عن خاطره مثل واحد يتوضأ وعنده إنسان يحدثه، نوى الوضوء في أول الفعل ومع الحديث غابت النية عن قلبه، يضره ولَّا لا؟
طلبة: لا يضره.
الشيخ: لا يضره؛ لأن استصحاب تذكرها سُنة، وقد سبق لنا التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر النية عند غسل كل عضو ناويًا بذلك امتثال أمر الله ﷿ مستحضرًا بذلك أنه متبع لرسول الله ﷺ.
لو سَبق لسانه بغير قصده، فعلى أي شيء يكون المدار؟
المدار على ما في القلب، لو فُرض أنه أراد أن يتوضأ، ونطق بالنية بناءً على استحباب النطق بها، على أنه يُريد أن يَغتسل، أو أنه في قلبه كان يُريد الوضوء، ثم عند الفعل نوى الغُسل، فعلى أي شيء يَعتمد؟ على عزم قَلبه أو على الوهم الذي طرأ عليه؟
طلبة: على عزم قلبه.
الشيخ: على عزم القلب، ولهذا لو سأل سائل عن رجل أراد أن يُحرِم بالحج مفردًا، ولكن لأنه كثيرًا ما يَعتمر قال: لبيك عمرة، وهو لا يريد العمرة إنما يُريد الحج، فبأي شيء انعقد إحرامه؟
بالحج؛ لأن العبرة بما في القلب، ولهذا قال الله ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، والآية الأخرى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
يُستحب (استصحاب ذِكرها)، ذِكر هنا بمعنى؟
طلبة: تَذكُّر.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الشيخ: تذكر، السبب تذكرها بقلبه في جميع الطهارة. (ويجب استصحاب حكمها) يجب أن يستصحب الحكم، ومعنى استصحاب الحكم ألا ينوي قطعها، فالنية إذن باعتبار الاستصحاب لها ثلاث حالات: أن يَستصحب ذِكرها من أول الوضوء إلى آخره، وهذا أكمل الأحوال؛ أن تَعزُب عن خَاطره، لكنه ما نوى القطع، وهذا يُسمى استصحاب أيش؟
الحكم، استصحب حكمها؛ يعني بنى على حكمها الأول، ومشى عليه، ما نقضه.
الثالثة: أن يَنوي القطع وهو في أثناء وضوئه نوى قطع نية الوضوء، لكن استمر في غسل رجليه مثلًا لتنظيفهما من الطين، ما تقولون في هذا؟
طالب: لم يتم وضوؤه.
الشيخ: يصح وضوؤه ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، لماذا؟ لأنه لم يَستصحب الحكم حيث إنه أيش؟
طلبة: قطع النية.
الشيخ: قطع النية في أثناء العبادة.
في حالة رابعة بعد أن أنهى جميع أعضائه نوى أن ..
(صفةُ الوُضوءِ)
أن يَنْوِيَ ثم يُسَمِّيَ ويَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا ثم يَتمَضْمَضَ ويَستنْشِقَ ويَغْسِلَ وَجْهَه من مَنابِتِ شَعَرِ الرأسِ إلى ما انْحَدَرَ من اللَّحْيَيْنِ والذَّقَنِ طُولًا ومن الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عَرْضًا، وما فيه من شَعَرٍ خَفيفٍ والظاهرِ الكثيفِ مع ما اسْتَرْسَلَ منه، ثم يديهِ مع الْمِرْفَقَيْنِ، ثم يَمْسَحَ كلَّ رأسِه مع الأُذُنَيْنِ مَرَّةً واحدةً ثم يَغْسِلَ رِجليهِ مع الكَعْبَيْنِ، ويَغْسِلُ الأَقْطَعُ بَقِيَّةَ الْمَفروضِ، فإنْ قُطِعَ من الْمَفْصِلِ غَسَلَ رأسَ العَضُدِ منه، ثم يَرفَعَ نَظَرَه إلى السماءِ ويقولَ ما وَرَدَ، وتُباحُ مَعونتُه وتَنشيفُ أعضائِه.
(باب المسح على الخفين)
يَجوزُ مقيم يومًا وليلةً، ولِمُسافِرٍ ثلاثةً بلياليها من حَدَثٍ بعدَ لُبْسٍ على طاهِرٍ مُباحٍ ساتِرٍ للمفروضِ
لو قال لنا قائل: ألستم تقولون: إن الإنسان لو نوى قطع الصلاة انقطعت؟
[ ١ / ٢٤٥ ]
الجواب: نعم. لماذا تقول هنا: لو نوى قطع الوضوء ما انقطع؟ لأنه بعد الفعل، ولهذا لو نوى قطع الصلاة بعد انتهاء الصلاة تنقطع ولّا ما تنقطع؟ ما تنقطع.
إذن نأخذ من هذا قاعدة: أن قطع نية العبادة بعد فعلها لا يؤثر، كذا ولّا لا؟
طيب يرد عليكم الصيام، لو نوى قطعه في أثناء اليوم ينقطع؟
طلبة: ينقطع.
طالب: ما أكمل اليوم.
الشيخ: ما أكمل اليوم، فهو كما لو نوى قطع الصلاة في أثناء الصلاة.
طيب لو نوى قطع الصوم بعد الغروب؟ ما ينقطع؟
طلبة: ما ينقطع.
الشيخ: إي نعم.
طالب: حتى لو كان نفلًا.
الشيخ: ولو كان نفلًا، بعد الغروب ولو كان نفلًا.
الطالب: لا، قبل الغروب، لو نوى قطعه وهو نفل؟
الشيخ: إي نعم، ينقطع، لكن له أن يستأنف نية جديدة، إذا لم يفعل شيئًا من المفطرات يستأنف نية جديدة، ويكون الثواب من النية الجديدة.
الطالب: حتى لو بعد الزوال؟
الشيخ: ولو بعد الزوال على القول الراجح.
طالب: يأثم؟ إن كان فرضًا يأثم إذا نوى قطع ().
الشيخ: إذا انتهى منه، أبدًا ما يأثم.
طالب: إذا قطع من النصف؟
الشيخ: إذا قطع من النصف، يعني قطع ظهره! تعبير غريب.
طالب: شيخ، إذا صلى الظهر مثلًا ونوى أنه ما صلى الظهر يأثم؟
الشيخ: ما انتهى؟ أبدًا ما له حكم هذا.
طالب: () الإثم قد يتعلق بالنية ..
الشيخ: أبدًا، انتهى الآن، انتهى العمل، لكن نعم ربما نؤثم ونقول: هذا تلاعب، كونك تقول مثلًا: رجعت على ربي بهذه العبادة وهوَّنت، قد نؤثم من جهة أن هذا الشيء شيء يشبه التلاعب، أما من الناحية الحكمية وأن نقول: إن صلاتك بطلت فلا.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ولهذا من القواعد المهمة: أن الشك بعد فراغ العبادة لا يؤثر، سواء شككت في النية أو شككت في أجزاء العبادة، ما يؤثر، إلا إذا تيقنت، فلو أن رجلًا بعدما أنهى صلاته قال: والله إني شكيت، ما أدري هو أنا نويت أنه الظهر ولا العصر، وهو الآن مصلٍّ الظهر، قال: تعيين النية شرط وأنا الآن شككت هل نويت بصلاتي هذه الظهر أم العصر أيش نقول؟
طلبة: ().
الشيخ: لا عبرة بهذا الشك.
طالب: لو نوى أن يصلي العصر.
الشيخ: لا، هو الآن () ما انتهى: يقول: ما دريت الآن هل أنا نويت الظهر ولّا العصر، نقول: خلاص، ما دام أنك داخل على أنه الظهر فهي الظهر، لو شككت فيما بعد لا يؤثر، ولهذا أنشدناكم بيتًا في هذا الموضوع وهو:
وَالشَّكُّ بَعْدَ الْفِعْلِ لَا يُؤَثِّرُ
وَهَكَذَا إِذَا الشُّكُوكُ تَكْثُرُ
فالشك في هذين الموضعين ما يؤثر؛ لأنه إذا كان لو قطعتها عمدًا -قطعت النية عمدًا- بعد الفعل ما يؤثر، فالشك من باب أولى.
ومثله أيضًا لو شك بعد الصلاة هل سجد مرتين أو سجد مرة واحدة، يؤثر ولّا لا؟
طلبة: لا يؤثر.
الشيخ: لا يؤثر، بعد الفراغ ما يؤثر.
طالب: شيخ، طيب في وقت الظهر نوى أنه العصر () نوى بهذه الصلاةِ العصرَ، وبعدين ذكر أنه الظهر، هل ..
الشيخ: إيه ويش تقولون في هذه؟ هذه تقع أيضًا كثيرًا، مثل واحد مثلًا قَيِّل قبل الظهر، ولما قام من النوم على العادة أن النوم يكون بعد الظهر صلى بنية العصر، وهي الظهر، ما تقولون في هذا؟
طلبة: لا تصح صلاته.
الشيخ: لا تصح صلاته؛ لأنه ما عين، لأنه ما على باله إلا أنها العصر.
[ ١ / ٢٤٧ ]
طيب لو نوى –هذه مسألة مهمة بعد الثانية- لوى نوى فرض الوقت، وهذه تراها تقع كثيرًا، جاء إنسان مثلًا دخل لصلاة الظهر، وجد الناس يصلون وصفَّ، في تلك الساعة ما استحضر أنها الظهر أو الفجر أو العصر أو المغرب أو العشاء، إنما استحضر أنها فرض الوقت، فما تقولون فيه؟
طلبة: ().
الشيخ: المذهب لا يجزئه؛ لأنه لا بد يعين أنها الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر.
ولكن بعض أصحابنا وهو ابن شاقلا يقول: إنه إذا نوى فرض الوقت أجزأ. وهذا هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به؛ لأنه حقيقة كثيرًا ما يغيب عن الإنسان تعيين الصلاة، لكن هو بنيته أنها فرض الوقت، ولو أننا حملنا الناس قلنا: إذا ما نويت الظهر بعينها أعدت الصلاة لكان كثير من الناس يختل في هذا وربما يعيد.
طيب ما رأيكم في رجل سلم من ركعتين من الظهر بناءً على أنها الفجر، ثم ذكر، هل يكمل ركعتين ولا يستأنف؟ هل يبني ويكمل ركعتين ويسجد للسهو ولا يستأنف الصلاة؟
طالب: يعيد.
الشيخ: قالوا: إنه ..
طالب: يكمل.
الشيخ: لا يستأنف قالوا؛ لأنه سلم بناء على أن صلاته ركعتان، ما هو على أنها أربع سلم من ركعتين.
ولهذا يقولون في هذه الصورة: يجب أن يستأنف الصلاة؛ لأنه سلم على أنها صلاة ركعتان فقط.
المؤلف ﵀ ساق صفة الوضوء المشتملة على الواجب وغير الواجب.
قال: (وصفة الوضوء أن ينوي)، والنية شرط كما سبق؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١).
(ثم يسمي) التسمية واجبة على المذهب. قال: (ويغسل كفيه ثلاثًا).
قوله: (ثم يسمي ويغسل) لا تظنوا أن الواو هنا تفيد أن النية مقارنة للتسمية، لا، ولكن المؤلف عبر بالواو، وهي في محل (ثم)، يعني ثم بعد التسمية يغسل كفيه ثلاثًا، ودليل ذلك فعل النبي ﷺ، فإنه كان إذا أراد أن يتوضَّأ غسل كفَّيه ثلاثًا (٢).
[ ١ / ٢٤٨ ]
وتعليل ذلك أن الكفين آلة الوضوء، فينبغي أن يبدأ بغسلهما قبل كل شيء حتى تكونا أيش؟ نظيفتين.
(ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه) إلى آخره، (ثم يتمضمض) بأن يدخل الماء في فمه ثم يمجه. وهل يجب أن يدير الماء في جميع فمه أو لا يجب؟
يقول العلماء: إن الواجب إدارته أدنى إدارة، هذا إذا كان الماء قليلًا ما يملأ الفم، أما إذا كان كثيرًا يملأ الفم فقد حصل المقصود.
ثم هل يجب أن يزيل ما في فمه من بقايا الطعام، بمعنى أنه يجب أن ينقش أو أن يخلل أسنانه حتى يدخل الماء إلى ما بينها، أو لا يجب؟ الظاهر أنه لا يجب في هذه الحال.
وهل يجب إذا كان عليه أسنان مركبة أن يزيل الأسنان؛ لأن الأسنان تمنع وصول الماء إلى ما تحتها، أو لا يجب؟
طالب: نزعها سهل ليست كالذهب.
الشيخ: الظاهر أنه أيضا لا يجب، وتشبه هذه الخاتم، الخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء، وهو أظهر من كونه مانعًا من وصول الماء من هذه، لا سيما أن بعض الناس تكون التركيبة صعبًا يصعب عليه نزعه ثم وضعها.
طالب: شيخ، الخاتم يحرك، يجب تحريكه؟
الشيخ: لا، ما يجب تحريكه، الأفضل فقط.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا لباس معتاد، اعتاده النبي ﷺ أن يلبسه، ولم يرد أنه كان يحركه عند الوضوء.
ثم (يستنشق) ما معنى الاستنشاق؟ الاستنشاق: أن يجذب الماء بنفس من أنفه، هذا الاستنشاق. وهل يجب الاستنثار، أن ينثر الماء بعد ذلك؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، قالوا: الاستنثار سنة، ولكن لا شك أن طهارة الأنف لا تتم إلا باستنثاره بعد استنشاقه؛ حتى يزول ما في الأنف من الأذى، لكن العلماء ذكروا أن الاستنثار سنة، على خلاف بينهم، لكن نحن نتكلم عن مشروع المذهب، هل يبالغ في المضمضة والاستنشاق؟
قال العلماء: يبالغ، إلا أن يكون صائمًا؛ لقول النبي ﷺ للقيط بن صبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٣).
[ ١ / ٢٤٩ ]
كذلك لا يبالغ في الاستنشاق إذا كانت جيوب الأنف فيه فيها زوائد؛ لأنه إذا بالغ في هذه الحال فربما يستقر الماء في هذه الزوائد ثم يتعفن وينتن أو يصاب بضرر في ذلك.
وهذا قد يقع من بعض الناس، يكون في أنفه زوائد من الداخل، فإذا استنشق بقي الماء وترسب بين هذه الزوائد ثم تعفن، وربما يكون له رائحة كريهة، فمثل هذا نقول: يكفي أن تستنشق الماء حتى يكون داخل المنخرين.
طالب: من أخذ كفًّا من الماء ثم وضعه في أنفه بدون أن يستنثر يعني قد يصل الماء إلى أطراف أنفه؟
الشيخ: لا، لا بد أن يكون يصل إلى داخله.
الطالب: ما يجزئ ()؟
الشيخ: لا ما يجزئ حتى يصل إلى داخله، أما إذا شغله حتى يصل إلى خياشيمه فهذا ليس بواجب.
قال: (ثم يستنشق ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا).
(يغسل وجهه) وهو ما تحصل به المواجهة، والوجه أشرف أجزاء البدن، ويغسله، يقول المؤلف: (من منابت شعر الرأس) والمراد: مكان نبات الشعر، والمراد المنابت المعتادة، بخلاف الأفرع والأنزع. الأفرع معناه: الذي له شعر نازل على الجبهة، والأنزع: الذي شعره مرتفع.
يقول الشاعر يوصي زوجته:
فَلَا تَنْكِحِي إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا
أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
الأنزع: اللي انحسر شعر رأسه. والأغم؛ أغم القفا والوجه: الذي يكون شعره نازلًا إلى جبهته. وهذا نظرًا إلى أن العرب تختار هذا الشيء.
إذن من منابت شعر الرأس المعتاد، وبعض العلماء يقول: من منحنى الجبهة من الرأس؛ لأن المنحنى هو الذي تحصل به المواجهة، وهذا ضابط جيد.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقوله: (إلى ما انحدر من اللحيين والذقن) الذقن: هو مجمع اللحيين هذا. واللحيان: هما العظمان النابت عليهما الأسنان، هذان هما اللحيان، والذقن مجمعهما، فما انحدر من اللحيين مثل لو فرض أن رجلًا له شعر على لحييه طويل يغسله، وكذلك إذا كان في ذقنه شعر طويل فإنه يغسله، لماذا يغسل ما انحدر وتعدى محل الفرض، قالوا: لأن الوجه ما تحصل به المواجهة، والمواجهة تحصل بهذا الشعر، فيكون غسله واجبًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما جاوز الفرض من الشعر لا يجب غسله؛ لأن الله يقول: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، والشعر في حكم المنفصل.
وأظن مر علينا في قواعد ابن رجب وذكر الخلاف في ذلك، وصحح أنه لا يجب غسل ما استرسل من اللحية والذقن. لكن لا ريب أن الأحوط هو غسل ما استرسل من اللحيين والذقن، وهو أولى.
وقوله: (ومن الأذن إلى الأذن عرضًا)، (الأذن إلى الأذن) والبياض الذي بين العارض والأذن منين؟ من الوجه، اللي بين العارض والأذن من الوجه؛ لأن المؤلف يقول: (من الأذن إلى الأذن)، والشعر الذي فوق العظم الناتئ هذا يكون تبعًا للرأس، هذا حد الوجه.
الدليل على غسله سبق لنا قوله تعالى: ﴿اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
قال المؤلف ﵀: (وما فيه من شعر خفيف، والظاهر الكثيف مع ما استرسل منه)، وما فيه من شعر خفيف، والظاهر من الكثيف. الفرق بين الخفيف والكثيف: ما ترى من ورائه البشرة، خفيف، وما لا فهو كثيف، فإذا كان الشعر ترى من ورائه البشرة فهو خفيف يجب غسله وما تحته؛ لأن ما تحته ما دام يرى فإنه تحصل به المواجهة ويواجه فيجب غسله، وهذ الشعر يجب غسله أيضًا؛ لأنه تكون فيه المواجهة.
هل في الوجه شعر؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٢٥١ ]
الشيخ: الحاجبان والأهداب والشارب والعنفقة والعارضان واللحية، كل هذا من شعر الوجه، وربما ينبت شعر في غير ذلك، لكن هذا الشعر المعتاد، فيجب أن يغسل الشعر الخفيف، والظاهر من الكثيف، وأما الباطن منه فلا يجب غسله، لماذا؟ لأن المواجهة ما تكون إلا في ظاهر الكثيف، ولكن سبق لنا أنه يستحب تخليل الشعر الكثيف ولّا لا؟ لأن الرسول ﷺ كان يخلل لحيته في الوضوء (٤).
قال: (مع ما استرسل منه)، استرسل يعني نزل. وظاهر كلام المؤلف، ولو نزل بعيدًا، فلو فرض أن لرجل لحية طويلة أكثر مما هو غالب في الناس، فإنه يجب عليه غسل الخفيف منها، وغسل الظاهر من الكثيف.
وقال المؤلف: (ثم يديه مع المرفقين)، قوله: (ثم يديه) اليمنى ثم اليسرى، ولم يذكر هنا اليمنى ثم اليسرى لأنه سبق في سنن الوضوء أنه يسن البداءة باليمين.
يغسل يديه (مع المرفقين)، كلمة (مع) لا توافق تعبير الآية؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وتعبير المؤلف مخالف لظاهر الآية؛ لأن ظاهر الآية ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أن المرافق لا تدخل؛ لأن المعروف أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاءها، فإذا قلت لك: من هذا إلى هذا فما دخلت عليه (من) فهو لك، وما دخلت عليه (إلى) فهو ليس لك، هذا هو القاعدة المعروفة عند أهل العلم، لكن قالوا: إن (إلى) هنا بمعنى (مع) وجعلوا نظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي: مع أموالكم. ولكن هذا التنظير فيه نظر؛ فإن الآية في المال ليست كالآية في الغسل؛ لأنه معروف قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ مضمومة إلى أموالكم معروف واضح؛ لأنه ما يأكل الإنسان مال غيره إلا إذا ضمه إلى ماله.
فالآية ضمن قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ضمن معنى الضم، أما آية الوضوء فليست كذلك.
[ ١ / ٢٥٢ ]
لكن لنا أن نقول: إن الغاية فيها داخلة، بدليل السنة، فإنه ثبت أن أبا هريرة ﵁ توضأ حتى أشرع في العضد، وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل. والإشراع في العضد معناه أن المرفق دخل، وكذلك روي عنه ﷺ أنه توضَّأ فأدار الماء على مرفقيه (٥).
ثم قد يقول قائل: إن الغاية لا تدخل إذا ذكر ابتداء الغاية (من)، وأما إذا لم يذكر فإنها تكون داخلة، ولهذا لو قال قائل: هل الأفضل في غسل اليد أن تبدأ من الأصابع، أو أن تبدأ من المرفق، أو من وسط الذراع؟
طالب: من الأصابع.
الشيخ: كيف ذلك ليش؟
طالب: واجب؛ لأن في اللغة تطلق على اليد من الأصابع إلى ..
الشيخ: إي، هو الدخول واجب، لكن من أين تبدأ () من أطراف الأصابع ولّا من نصف الذراع وتروح للأصابع ثم ترجع وإلا من المرفق؟
طلبة: من أطراف الأصابع.
الشيخ: ليش؟
طالب: ﴿إِلَى﴾.
الشيخ: لقوله: ﴿إِلَى﴾، لكن قد يقال: إن الله ما قال: (من) ولا بد من الإتيان بـ (إلى) لأنه لو قال: اغسلوا أيديكم لكان الواجب غسل الكف فقط أو لا؟
لأن اليد إذا أطلقت فهي الكف؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقطع يد السارق من الكف، وكذلك قوله في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، واليد في التيمم إلى الكف؛ بدليل فعل الرسول ﵊؛ حيث تيمم إلى الكف.
وأقول: ليس هذا في الظهور عندي جيدًا؛ لأن من الابتداء ما ذكر والانتهاء، لا بد من ذكره، حتى نعرف منتهى الواجب، وإن تمسك متمسك بالظاهر - الذي ليس بظاهر - وقال: أنا أرى أن الأفضل أن تبدأ بالأصابع، فأرجو ألا يكون فيه بأس.
طالب: ().
الشيخ: غسلناها -بارك الله فيك- من الأول قبل الوجه. على كل حال المسألة في هذا لا أذكر شيئًا في السنة يدل على ذلك، والآية ليست ظاهرة فيه.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقوله: (مع المرفقين) إذن يكون تعبير المؤلف بـ (مع) من باب التفسير والتوضيح.
ثم قال: (ثم يمسح كل رأسه بالماء مع الأذنين مرةً واحدةً)، (يمسح كل رأسه بالماء) يعني: لا يغسله، وإنما يمسحه مسحًا، وهذا من تخفيف الله ﷿ على عباده؛ لأن غسل الرأس مؤذ للإنسان؛ إذ إن الغالب أن الرأس فيه شعر فيبقى الماء في الشعر فيتأذى الإنسان به، لا سيما في أيام الشتاء.
ثم إذا غسل الشعر صار الماء ينزل من هذا الشعر؛ لأن الشعر يمسك الماء، صار ينزل على بقية جسمه فيتأذى به، فكان من رحمة الله ﷿ ومن حكمته ﷾ أن طهارة الرأس مسح لا غسل.
قال المؤلف: (مع الأذنين مرة واحدة) لثبوت ذلك عن النبي ﷺ، أنه كان يمسح الرأس والأذنين (٦). ولأن الأذنين من الرأس، ولأن الأذنين آلة السمع، فكان من الحكمة أن تطهرا حتى يطهر الإنسان مما تلقاه بهما من المعاصي؛ لأن الوجه كم فيه من الآلات التي قد تكون سببًا للمعاصي؟
طلبة: أربع.
طالب: ثلاث.
طلبة آخرون: خمس.
الشيخ: نشوف، النظر والشم والكلام.
طالب: () الكلام والذوق.
الشيخ: الذوق، وأيش اللي بيذوق؟
الطالب: اللسان.
الشيخ: إي، لكن ويش اللي بيذوق؟
الطالب: يتذوق الخمر.
الشيخ: المهم إذا كان بدكم تدخلون الحواس إحنا قلنا: العين أو النظر، والشم اللي هو في الأنف، والكلام وهو أعظمها «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»، وتكون أيضًا الذوق، نعم، يمكن الإنسان يسرق طعامًا ويأكله، نعم، ويمكن يكون يشرب الدخان، لكن ما أدري هل يكفر ذلك شرب الدخان وهو عازم على الإصرار عليه أم لا؟ مشكل. في الرأس فيه الفكر، ولّا لا؟
طلبة: نعم.
طالب: ().
[ ١ / ٢٥٤ ]
الشيخ: لا، ما أظن هذا، لكن فيه السمع، ولهذا يشرع مسح الأذنين، ولو أردنا أن نقول: كل شيء كل عضو كنا نقول: عندنا القلب أعظم شيء، نقول: كان يغسل صدره، لكن على كل حال هذا ما يبدو لنا، والعلم عند الله.
طالب: مسح الأذنين أعلى الوجوب ولا سنة؟
الشيخ: مسح الأذنين؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على الوجوب.
طالب: ().
طالب آخر: () في المعاصي؟
الشيخ: الشم، يشم شيئًا محرمًا، فيه أشياء محرمة يفعلها الناس بالشم.
طالب: بيشموا البنزين.
الشيخ: لا!
طالب: الله يا شيخ يفعلون هذا، تفعل يا شيخ.
طالب آخر: يتجسس على طعام الجيران.
الشيخ: يشم طعام الجيران فيه شيء؟
طلبة: لا.
طالب: بل له الحق.
طالب آخر: عطر نساء.
الشيخ: نعم ربما، ربما يشم طيب النساء ويتمتع بذلك ..
طالب: غصب عنه.
الشيخ: لا، خلي غصب، يتقصد هذا.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، أنا سمعت أن فيه شيء يسمى الشمة يستعمله بعض الناس.
طلبة: شمة عن طريق الفم.
الشيخ: شمة عن طريق الفم، طيب على كل حال ما حاجة من التطويل. الإنسان يبين ذلك للناس، افرض أن الرجل شم رائحة دخان عند جاره وقال: شممت رائحة دخان عند جاري ما هو هذا يكون نوع من الغيبة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ذكرك أخاك بما يكره، قد يكون هذا الرجل متسترًا، ما يحب أن أحدًا يطلع عليه، فعلى كل حال إن الشم لا شك أنه قد يكون فيه شيء محرم، إي نعم.
طالب: بالنسبة لغسل () إلى العضد، يقول: وفي حديث وائل: غسل يديه حتى جاوز المرفق. رواه البزار (٧) وغيره، ولما في الصحيح: غسل يديه حتى أشرع في العضد (٨) وغير ذلك من الأحاديث.
طالب: المسترسل من شعر الرأس ..؟
الشيخ: لا، ما يمسح.
(ثم يغسل رجليه مع الكعبين).
[ ١ / ٢٥٥ ]
(يغسل رجليه) اليمنى واليسرى، (مع الكعبين) نقول في قوله: (مع الكعبين) كما قلنا في قوله: (مع المرفقين)، وإن كلمة (مع) ليس فيها مخالفة للقرآن؛ لأن القرآن عبر الله فيه بـ (إلى) لكن دلت السنة على أن (إلى) هنا بمعنى (مع)؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه توضأ فغسل ذراعيه حتى أشرع في العَضُد، ورجليه حتى أشرع في الساق، وقال: هكذا رأيتُ النبي ﷺ يفعل. فعلى هذا تكون الكعبان داخلتين في غسل الرجلين، وأين الكعبان؟ هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، هذان هما الكعبان.
وفي كل قدم كعبان، وهذا الذي أجمع عليه أهل السنة وقالوا: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق عند اتصاله بالقدم، فيجب غسل الرجلين؛ لأن الله قال: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] القراءة السبعية ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، ولّا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ ويش أقرب شيء لها؟
طالب: ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ أقرب مغسول لها ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ لكن العطف لا يكون على المعطوف، بل هو على المعطوف عليه الأول، ﴿أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، وهذا واضح أنه يجب غسل الرجلين، فإن قلت: ماذا تصنع في قراءة سبعية أخرى لا تقِل ثبوتًا عن قراءة النصب ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بالكسر؟ فالجواب على ذلك أن قوله: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالجر لها ثلاثة أوجه في تخريجها:
[ ١ / ٢٥٦ ]
الوجه الأول: أن جرها على سبيل المجاورة، بمعنى أن الشيء يتبع ما جاوره لفظًا، لا حكمًا، والمجاور لها هي ﴿رُؤُوسِكُمْ﴾ مجرورة، فتجر؛ لأن جارها مجرور، والجار إذا شبع ما يبقى جاره جائعًا، أليس كذلك؟ إذا جر ما يدع جاره ما يجر، يجرروه معه علشان يعينه في هذا، قالوا: ومنه قول العرب: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. فكلمة (خرِبٍ) صفة لجُحر ولّا لضب؟
طلبة: لجحر.
الشيخ: وجحر مرفوعة ولّا مكسورة: هذا جحر ضب خرب. فهمت؟ هي صفة لجحر، وكان مقتضى القواعد أن يقال: هذا جحرُ ضبٍّ خربٌ؛ لأنه صفة لجحر، وصفة المرفوع مرفوعة، لكن العرب نطقت به: خربٍ، كيف؟ قالوا: على سبيل المجاورة؛ لأنه لما جاور المجرور جر مثله، فهذه لما جاورت المجرور عطفت عليه مجرورة تبعًا له في اللفظ مع مخالفتها له في الحكم، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن الله ﷾ قال: ﴿وأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، فدل ذلك على أنه يجب أن تغسل الرجل، بمقتضى هذه القراءة ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالجر معناه اجعلوا غسلكم إياها كالمسح، لا يكون غسلًا تتعبون به أنفسكم؛ لأن الإنسان فيما جرت به العادة قد يكثر من غسل الرجل ودلكها، حيث إنها التي تباشر الأذى، فكان مقتضى العادة أن يزيد في غسلها، فقال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ حتى إذا اجتمع غسل ومسح لا يبالغ في الغسل ليقابل ذلك ما تقتضيه العادة من المبالغة في الغسل، فيقصد بالجر الذي يظهر أن المراد به المسح كسر ما يعتاده الناس من المبالغة في غسل الرجل؛ لأنها التي تلاقي الأذى، هذا وجه آخر.
والوجه الثالث يقولون: إن القراءتين تنزل كل واحدة منهما على حال من أحوال الرجل، وتبين ذلك السنة فالرجل لها حالان: حال تكون فيها مكشوفةً، وحال تكون فيها مستورةً بالخف، فإذا كانت مكشوفة فالواجب غسلها، وإذا كانت مستورةً بالخف فالواجب مسحها، فتتنزل القراءتان على حالي الرجل، وتبين ذلك السنة.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وهذا القول أصح الأوجه وأقلها تكلفًا، وهو متمشٍّ على القواعد، وعلى ما يعرف من كتاب الله ﷿، حيث تنزل كل قراءة على معنى يناسبها، ويلتقي المعنيان إما في حالين أو ما أشبه ذلك.
فالصواب إذن أن قراءة الجر محمولة على ما إذا كانت الرجل ممسوحة، ولا تمسح الرجل إلا إذا كانت مستورة. وقراءة النصب تحمل على ما إذا كانت الرجل مكشوفة، وحينئذ يجب غسلها. وهذا أحسن الأوجه وأصحها، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على جواز المسح على الخفين.
وذهبت الرافضة -أذلهم الله- إلى خلاف أهل السنة في هذا العضو من ثلاثة أوجه:
قالوا: المراد بالكعبين العظمان الناتئان على ظهر القدم بين الساق والإبهام، قالوا: لأن الله قال: ﴿أَرْجُلِكُم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، ولو كان المراد بالكعبين العظمين الناتئين في أسفل الساق لقال: إلى الكعاب؛ لأنها أربعة. وقالوا: إن الرجل تمسح إلى الكعب، هذا اللي فسروا به، وقالوا أيضًا: إنها ما تغسل، وإنما تمسح مسحًا، أخذوا بقراءة الجر وأهدروا القراءة الثانية. وقالوا أيضًا: إنه لا يجوز المسح على الخفين، مع أنه قد تواترت به الأحاديث عن النبي ﵊.
طالب: إلى الكعبين () والمسح لا يكون إلى الكعبين ().
الشيخ: إي نعم، تكون السنة بينت هذا، أن المراد بالكعبين إلى طرف الساق.
طالب: ().
[ ١ / ٢٥٨ ]
الشيخ: رددنا عليه () نادى بصوته «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (٩) الكعبان، تفسيرهم الكعبين بأنهما العظمان الناتئان على ظهر القدم هذا خلاف ما تقتضيه اللغة، واللغة معروفة مشهورة بأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، والقرآن نزل باللغة العربية، وأما التثنية لأن في كل رجل كعبين، بخلاف المرافق، قال: اغسلوا أيديكم إلى المرافق؛ لأن في كل يد مرفقًا واحدًا، وأما الرد عليهم بالمسح فسيأتينا إن شاء الله تعالى في باب المسح على الخفين؛ أن المسح على الخفين مما تواتر عن النبي ﷺ.
قال: (ويغسل الأقطع بقية المفروض) يغسل الأقطع من الرجلين أو من اليدين أو من الوجه؟
طالب: من اليدين.
الشيخ: من اليدين أو الرجلين. نشوف كلام المؤلف ماذا يريد؟
قال: (فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه) هذا المفرع يدل على أنه يريد بالأقطع هنا أقطع اليدين.
يقول المؤلف: إن الأقطع يغسل بقية المفروض، ولا يأخذ عما زاد عن الفرض في مقابل المقطوع؛ لأنه ليس محلًّا للفرض، فإذا قُدر أنه قطع من نصف الذراع لا يقول: أرتفع إلى العضد بمقدار نصف الذراع؛ لأن العضد ليس محلًّا للغسل، وإنما يغسل بقية المفروض؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا الرجل اتقى الله ما استطاع، وقال النبي ﵊: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٠)، ولما قطع بعض العضو سقط فرضه؛ ولهذا يقول: (بقية المفروض).
[ ١ / ٢٥٩ ]
(فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه) إذا قطع من مفصل المرفق يغسل رأس العضد؛ لأن رأس العضد مع المرفق في موازنة واحدة، وقد سبق أنه يجب غسل اليدين مع المرفقين، فالآن رأس العضد داخل في المرفق، فيجب أن يغسل رأس العضد وجوبًا؛ لأنه مما يجب تطهيره وغسله، فإذا قطع من المفصل غسل رأس العضد، وإن قطع من فوق العضد يعني من فوق المفصل فإنه لا يجب عليه غسل العضد. وهكذا نقول فيما إذا قطعت الرجل إن قطع بعض القدم غسل ما بقي، وإن قطع من مفصل العقب غسل طرف الساق لأنه منه، وهكذا نقول في الأذن لو قُطعت بعض أذنه مسح الباقي، فإن قطعت كلها سقط المسح.
قال: (ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول ما ورد)
طالب: ما يمسح مكانها يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يمسح مكانها، اللهم إلا الصماخ، الصماخ ربما نقول: يجب عليه أن يدخل أصبعه فيه؛ لأنه باق.
(ثم يرفع نظره إلى السماء) وهذا ليس بواجب، ولكنه سنة إن صح الحديث ().
بمن هو مجهول، والمجهول كما تعلمون لا يعلم عن حاله: هل هو عدل، أو حافظ، أو ليس بعدل ولا حافظ، فإذا كان في السند من هو مجهول فإنه يحكم بضعف الحديث.
ولكن الفقهاء -﵏- قالوا: إنه يرفع النظر بناء على هذا الحديث. وبناء على تعليل آخر وهو: أنه يرفع نظره إلى السماء إشارةً إلى علو الله ﷾.
(ويقول ما ورد) ومما ورد حديث عمر ﵁ المشهور: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، فَإِنَّ مَنْ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الذِّكْرَ؛ تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (١١).
[ ١ / ٢٦٠ ]
وناسب أن يقول هذا الذكر بعد الوضوء لأن الوضوء تطهير، وهذا الذكر تطهير للقلب؛ لأن فيه الإخلاص لله ﷿: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
وفيه أيضا الجمع بين سؤال الله ﷿ أن يكون الإنسان من التوابين الذين طهروا قلوبهم، ومن المتطهرين الذين طهروا أبدانهم، ولهذا يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ».
طالب: هل يرفع سبابته عند التشهد ويستقبل القبلة؟
الشيخ: لا.
الطالب: لم يرد هذا؟
الشيخ: لم يرد هذا نعم.
طالب: شيخ ().
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ هل يقول هذا الذكر عند التيمم وعند الغسل أو لا يقول؟
طالب: ما يقول.
الشيخ: وقال بعض أهل العلم: إنه يقول ذلك لأن المعنى يقتضيه، أما الغسل فقالوا: إن الغسل مشتمل على الوضوء وزيادة، فإن من صفات الغسل المسنون أن يتوضأ الإنسان قبله، وأما التيمم فلأنه بدل عنه، وقد قال الله تعالى بعد التيمم: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فكان مناسبًا.
ويرى بعض أهل العلم: إنه يقتصر على ما ورد في الوضوء فقط.
والغسل أقرب من التيمم، يعني قوله بعد الغسل أقرب من قوله بعد التيمم؛ لأن المغتسل يصدق عليه أنه متوضئ.
طالب: ().
الشيخ: لا، يعني دعاء لكل عضو، لا، ما فيه.
طالب: شيخ، هل يرفع اليدين.
الشيخ: ظاهر كلام الفقهاء أنه لا يرفع يديه، وهذه المسألة تقدم لنا فيها البحث هل الأصل رفع اليدين في الدعاء، أو الأصل عدم الرفع، أو الأصل الرفع إلا في مقام يذكر فيه الدعاء ولا يذكر فيه الرفع، يعني فإذا ذكر الدعاء ولم يذكر الرفع دل على عدم مشروعيته.
طالب: قراءة القرآن ().
الشيخ: قراءة القرآن لا ينبغي وهو يتوضأ؛ لأن من اشتغل بعبادة ينبغي أن يكون قلبه مشتغلًا بها، وكذلك أيضًا إجابة المؤذن الأفضل ألا يجيب، وإن أجاب المؤذن فلا حرج؛ لأنه ذكر يفوت بفواته، أما القرآن فإنه لا يفوت، يقرأ بعد الوضوء.
[ ١ / ٢٦١ ]
طالب: غسل الرجلين بدون دلك ولا تخليل أصابع، يجزئ؟
الشيخ: إي نعم، لكن سبق لنا أن تخليل الأصابع سنة، وأنه في الرجلين أوكد، وأما () فيجزئ ما دام أن يعرف يقينًا أو ظنًَّا بأن الماء وصل إلى ما بين الأصابع، يكفي.
طالب: شيخ () بعض الأحاديث؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه بدله.
الطالب: ().
الشيخ: أقول: لأنه بدله.
الطالب: ما نقول: الدعاء؟
الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأن حديث عمر: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ» (١١) فظاهر هذا الحديث إن لم يكن صريحًا أنه وضوء بالماء.
طالب: () يا شيخ؟
الشيخ: ما أدري، أنا أتوقف في هذا، ولكن لو قاله بعد الغسل أرجح أنه يقوله بعد الغسل.
قال: (وتباح معونته وتنشيف أعضائه)، (تباح معونته) أي: معونة المتوضئ، بتقريب الماء إليه، بل وبصبه عليه وهو يتوضأ، وما هو الدليل للإباحة؟
نقول: إن القول بالإباحة لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه الأصل.
ولكن مع ذلك نقول: إن الدليل أن رسول الله ﷺ كان يعاون في الوضوء، مثل معاونة المغيرة بن شعبة له، حيث كان النبي ﵊ يتوضأ وهو يصب عليه وَضوءه (١٢).
فإن قلت: ألا يكون هذا مشروعًا ومسنونًا؛ لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، بمعنى أنك لا تقتصر على الإباحة قل: إنه مشروع؟
فالجواب أن نقول: هو لا شك أنه من باب التعاون على البر والتقوى، لكن هذه عبادة ينبغي للإنسان أن يباشرها بنفسه هو بنفسه، ولم يرد عن النبي ﵊ أنه كلما أراد أن يتوضأ يطلب من يعينه فيه، فالإباحة مستوية الطرفين.
وقال بعض أهل العلم: إنها تكره معونة المتوضئ إلا إذا احتاج إلى ذلك، وعللوا هذا بأنها عبادة، ولا ينبغي للإنسان أن يستعين غيره بها، لكن المذهب أصح أنه مباح.
[ ١ / ٢٦٢ ]
قال: (وتنشيف أعضائه)، تنشيفها يعني تيبيسها وتجفيفها. الدليل: عدم الدليل، كيف عدم الدليل؟ هل واحد يطلب منه الدليل يقول: الدليل عدم الدليل؟ نعم، الدليل عدم الدليل على المنع؛ لأن الأصل الإباحة، فيجوز أن ينشف الإنسان أعضاءه.
فإن قلت: كيف تجيب عن حديث ميمونة حين ذكرت أن رسول الله ﷺ اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فردها وجعل يَنْفُضُ الماء بيده (١٣)؟
طالب: ()؟
الشيخ: بالمنديل.
طالب: نجيب عنه أنه إما لسبب في المنديل، كعدم نظافته، أو لكونه رغب في تلك الحال أن يبرد أعضاءه مثلًا بالماء، وهذا فعل، مجرد فعل.
الشيخ: نقول: نعم هذه قضية عين تحتمل عدة أمور؛ إما أنه لسبب في المنديل، إما لعدم نظافته، أو يخاف أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، أو ما أشبه ذلك. المهم فيه احتمالات، ولكن إتيانها إياه بالمنديل قد يكون دليلًا أن من عادته أن ينشف، وإلا لما جاءت به.
وعلى كل حال فالصحيح ما قاله المؤلف؛ أن تنشيف الأعضاء لا بأس به؛ لأن الأصل عدم المنع والإباحة. وقد مر علينا عدة مرات أن الأصل فيما عدا العبادات من العقود والأفعال الأصل فيها الحل والإباحة حتى يقوم دليل على المنع.
طالب: ().
الشيخ: المهم ما علينا منه نقول: ما نحتاج إلى دليل على الجواز. () نقول: من منع فعليه الدليل، فسواء صح هذا الحديث أو حسن أو ضعف ما علينا منه.
طالب: ().
الشيخ: ما هو صحيح.
طالب: ألا يجب يا شيخ في بعض الأحوال تنشيفها ()؟
الشيخ: لا قد يجب إذا خاف الضرر الإنسان، أما إذا لم يخف ما يجب.
طالب: يا شيخ، نفض اليدين ما يعتبر تنشيفًا؟
الشيخ: لا، ما هو تنشيف كامل، لكن إزالة الماء بلا شك، يَنْفُضُ الماء بيده (١٤) يعني يسلتها هكذا، لا شك أنه نوع من التنشيف، لكن ما هو بالتنشيف المقصود التنشيف ينشف مرة يجف، وهذا ما يجعل الجلد يجف نهائيًّا.