مَن أَكَلَ أو شَرِبَ أو اسْتَعَطَ أو احْتَقَنَ أو اكْتَحَلَ بما يَصِلُ إلى حَلْقِه، أو أَدْخَلَ إلى جَوْفِه شيئًا من أيِّ مَوْضِعٍ كان غيرَ إِحْلِيلِه، أو اسْتَقَاءَ أو اسْتَمْنَى أو باشَرَ فأَمْنَى أو أَمْذَى أو كَرَّرَ النظَرَ فأَنْزَلَ.
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على المذهب؟
الشيخ: على أيش؟
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على مَن؟
الشيخ: الحامل والمرضع؟
الطالب: إي، على () الوليد.
الشيخ: الراجح أنه لا إطعام أصلًا.
طالب: حجة شيخ الإسلام يا شيخ إذا تعلق بهدي أنه يجزئ عن العقيقة.
الشيخ: إي نعم، والله في نفسي منه شيء، ابن القيم ﵀ ذكر أنه إذا صادفت العقيقة يوم العيد -عيد الأضحى- فإن الشاة تجزئ عن الأضحية وعن العقيقة، لكن في نفسي من هذا شيء؛ لأن كل عبادة مستقلة، لكن هو -﵀- قاسها على تحية المسجد.
الطالب: من جنس واحد.
الشيخ: إي نعم، تحية المسجد، إذا دخل المسجد وصلى الراتبة أجزأت عن تحية المسجد، أو صلى الفريضة أجزأت عن تحية المسجد، واللي قد أيسر الله عليه ينبغي أن يذبح ثنتين والحمد لله.
[ ١ / ٣٣٧٧ ]
طالب: شيخ بارك الله فيكم، من أدرك، طلع الفجر، طلوع الفجر ثم جُن ولم يُفِق إلَّا بعد المغرب، هو أدرك الآن جزءًا من النهار.
الشيخ: يعني بعد أن طلع الفجر، يصح صومه.
الطالب: لكن () صحة الصوم () وصومه.
الشيخ: إي لكن هذا شرع في العقل، شرع في الصوم وهو عاقل، ودخل في الصوم وهو عاقل.
الطالب: () بالصيام بالقضاء.
الشيخ: ما نلزمه بالقضاء؛ لأنه استمر.
الطالب: لكن () يجوز؟
الشيخ: لا، المفروض أنه ما أكل ولا شرب.
الطالب: لو أكل وشرب؟
الشيخ: لو أكل وشرب ما يصح صومه.
الطالب: يقضي؟
الشيخ: يقضي.
طالب: () ياشيخ المرضعة والحامل في جميع الحالات تقضي ولا تطعم، هذا الصحيح؟
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف ينطبق على من خالفوا ابن عباس وهو من الصحابة؟
الشيخ: إي نعم، الجواب () مثل غيره من العلماء يؤخذ من قوله ويُترك.
الطالب: والقول الثاني قاله بعض الصحابة؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: القول الذي رجحناه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قاله بعض الصحابة؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: () هل إذا جُنَّ بعد طلوع الشمس أو بعد طلوع الفجر صومه صحيح إذا أحرم وهو عاقل وجُنَّ بعد الإحرام، هل حَجُّه صحيح ويجزئ عن الإسلام؟ وقد بينه المؤلف في الوقوف بعرفة هل يقاس هذا على هذا؟
الشيخ: لا، إذا جُنَّ في أثناء الإحرام فقيل: إنه يبطل إحرامه، يبطل، وقيل: يبقى حتى يُنظر هل يفوته الحج أو يمكن أن يَعْقِل قبل فوات الحج؟
الطالب: لماذا صححنا صومه ولم نصحح حَجَّه؟
الشيخ: كيف ما صححناه؟ نصححه.
الطالب: الحج؟
الشيخ: إي نعم، لو أدرك عرفة وهو عَقَل وأدرك عرفة صح صومه.
الطالب: لا، جُنَّ ولم يعقل.
الشيخ: معناه لأن الوقوف شرط.
الطالب: والصيام؟
الشيخ: والصيام أفاق جزءًا من النهار، إذا لم يُفِق ما صح.
طالب: سؤال ياشيخ، من الفجر إلى غياب الشمس هو في () هل إذا جُنَّ ()؟
[ ١ / ٣٣٧٨ ]
الشيخ: هم يقولون: إن الصوم مجرد نية، مو عمل، فإذا كان مجرد نية وهذا الذي جُنَّ قد نوى، والتزم بذلك، ولم يحصل أكل ولا شرب يستمر.
الطالب: الصلاة ().
الشيخ: لا، الصلاة عمل، كيف يعمل وهو مجنون؟ الصلاة عمل ركوع وسجود وقيام وقعود.
طالب: إذا جن المجنون () ثم أفاق من جنونه () هل يستمر ()؟
الشيخ: إي نعم يستمر، مادام صام قبل الفجر، نوى قبل الفجر.
طالب: ()؟
الشيخ: أفطر؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا ما يصح، يقضي هذا اليوم.
يقول: ذكرتم أنه لو أُغمِيَ على رجل قبل الفجر وأفاق قبل غروب الشمس لم يصح صومه وعليه القضاء، أما الصلاة فلا يقضيها، فما هو وجه التفريق بينهما، بارك الله في علمكم؟
وجه التفريق أن الصوم لا يتكرر، بخلاف الصلاة، ولهذا وجب على الحائض قضاؤه ولم يجب عليها قضاء الصلاة، واضح؟
يقول: هل يصح حجز الأماكن بالمسجد؟ والجدير بالذكر أن الشخص يحضر مبكرًا ويجد الأماكن محجوزة؟
والله نحن نرى أنه لا يجوز، لكن نرى أن الإنسان إذا حجز فلغيره أن يحجز، مثلما قلنا في المشاعر -مشاعر الحج- الأصل أنه ما يجوز الحجز، لكن إذا حَجَز الناس فاحجز، ماذا تفعل؟
طالب: الدليل على هذا ياشيخ؟
الشيخ: على أيش؟ على الجواز ولَّا على المنع؟
الطالب: ().
الشيخ: لا؛ لأن المذهب أنه يجوز، المشهور من مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يحجز في الصلاة وفي الدرس.
طالب: إذا ترى ياشيخ أنت الجواز.
الشيخ: أنا ما أرى الجواز، أنا أرى أن الإنسان لا يحجز.
الطالب: إذا حجزوا؟
الشيخ: إذا حجز فله أن يحجز.
الطالب: يلزم من هذا القول بالجواز.
الشيخ: ما يلزم بارك الله فيك؛ لأن الناس كلهم الآن تساووا، وصار كل إنسان يأخذ حقه.
يقول: مسألة عدم مشروعية قضاء المغمى عليه الصلاة لم تتضح.
واضح، إذا أُغْمِيَ عليه حتى خرج الوقت فهذا هو، لا يلزمه القضاء.
[ ١ / ٣٣٧٩ ]
طالب: ذكرنا أنه علَّلْنا أنه لخروج الوقت، وأن الصلاة تتكرر، وأن الصيام لا يتكرر، لكن يعني -كما نعلم وكما درسنا- أن الصلاة حتى في أشد المواقف خوفًا، في الحرب، ما سقطت.
الشيخ: هي ما سقطت لأنه صاح معه عقله، في الحرب لا تسقط.
الطالب: إي أفلا نقيس على النائم؟
الشيخ: لا ما يصح قياسه؛ لأن النائم يستيقظ، إذا أُوقِظ استيقظ، أما المغمَى عليه فهو عقله أكثر من نائم، زوال عقله وتغطيته أكثر من النائم.
الطالب: إذا تعمد الإغماء ().
الشيخ: لا، إذا تعمد الإغماء أو أُغْمِيَ عليه لمصلحة نفسه كما لو أُغْمِيَ عليه ببنج فإنه يقضي.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب الصيام: ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب، لا نية الفريضة، ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي لم يجزه ومن نوى.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في إنسان صام وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار؟
طالب: ().
الشيخ: والذي مشى عليه المؤلف أن له أن يفطر، ودليله حديث جابر: أن النبي ﷺ خرج عام الفتح، فلما بلغ كُراع الغميم أفطر (١).
امرأة حامل أفطرت خوفا على نفسها فماذا عليها؟
طالب: يجوز لها الفطور وتقضي.
الشيخ: هي أفطرت فعلًا خوفًا على نفسها.
طالب: عليها القضاء.
الشيخ: عليها أيش؟
طالب: عليها القضاء دون الإطعام.
الشيخ: عليها القضاء دون الإطعام، وأخرى أفطرت خوفًا على الولد؟
طالب: عليها القضاء والإطعام.
الشيخ: والإطعام. امرأة ثالثة أفطرت خوفًا على نفسها وعلى الولد؟
طالب: عليها القضاء فقط.
[ ١ / ٣٣٨٠ ]
الشيخ: عليها القضاء فقط، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف، وما هو القول الراجح اللي رجحناه؟
طالب: أنه لا يلزمها إلَّا القضاء فقط.
الشيخ: أنه لا يلزمها إلَّا القضاء فقط. رجل أُصيب بحادث قبل طلوع الفجر وقد نوى الصوم ولم يُفِق إلَّا بعد غروب الشمس؟
طالب: لا يجزئه، بل يقضي.
الشيخ: يلزمه القضاء. وآخر نام قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس؟
طالب: صيامه صحيح ولا قضاء عليه.
الشيخ: صيامه صحيح ولا قضاء عليه. وثالث جُنَّ قبل طلوع الفجر ولم يُفِق إلَّا بعد غروب الشمس؟
طالب: عليه القضاء فقط.
الشيخ: عليه أيش؟
طالب: عليه القضاء.
الشيخ: عليه القضاء؟
طالب: لا يصح صومه، وليس عليه قضاء.
الشيخ: ليس عليه قضاء، فصارت ثلاثة الآن تختلف أحوالهم: النائم يصح صومه ولا قضاء عليه، والمغمَى عليه لا يصح صومه وعليه القضاء، والمجنون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح صومه.
طالب: ولا قضاء عليه.
الشيخ: ولا قضاء عليه، ما الفرق بين المجنون والمغمى عليه؟
طالب: المغمى عليه؟
الشيخ: الفرق بين المغمى عليه والمجنون؟
الطالب: المجنون فاقد العقل من الأصل.
الشيخ: إي، لكن ما الفرق؟ ليش، هذا قلنا: لا يصح صومه ولا قضاء عليه؟
الطالب: ().
الشيخ: المغمى عليه يلزمه القضاء، ولا يصح صومه، والمجنون لا يصح صومه ولا يلزمه القضاء.
الطالب: لأن المغمَى عليه مكلف.
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الطالب: لأن المغمى عليه مكلف والمجنون؟
الطالب: ليس بمكلف.
الشيخ: ليس بمكلف.
المؤلف يقول: (ويَلْزَم المُغْمَى عليه القَضَاءُ فقط)، في عبارته شيء من الخلل، فما هو الخلل؟
طالب: لأنه يُوهِم نَفْي الإطعام.
الشيخ: إي نعم؛ لأن قوله: (فقط) يُوهِم أنه لا إطعام عليه، وليس هذا المراد، المراد أن المغمَى عليه من بين هؤلاء الثلاثة فقط هو الذي يلزمه القضاء، ولهذا لو قال: ويلزم المغمى عليه فقط القضاء لكان أحسن، ويلزم المغمى عليه فقط، يعني: دون المجنون والنائم.
[ ١ / ٣٣٨١ ]
ثم قال المؤلف: (ويجب تعيين النية من الليل) النية والإرادة والقصد معناها واحد، يعني قصد الشيء يعني نيته، إرادة الشيء يعني نيته، والنية لا يمكن أن تتخلف عن عمل اختياري، يعني أن كل عمل يعمله الإنسان مختارًا فإنه لا بد فيه من النية، ولهذا قال النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، يعني ما فيه عمل بلا نية، حتى قال بعض العلماء: لو كَلَّفَنَا الله عملًا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، يعني لو قال الله لنا: توضئوا بلا نية، صلوا بلا نية، صوموا بلا نية، حُجُّوا بلا نية لكان هذا من تكليف ما لا يطاق، مَنْ يُطيق أن يفعل فعلا مختار فعله ولا ينوي؟ هذا لا يمكن.
وبذلك نعرف أن ما يحصل لبعض الناس من الوسواس حيث يقول: أنا ما نويت أنه وهم لا حقيقة له، وكيف يصح أنك لم تنوِ وأنت قد فعلت؟ وذكروا عن ابن عقيل ﵀، وهو من الفقهاء ومتكلم الحنابلة، يعني هو من المتكلمين ومن الفقهاء، أنه جاءه رجل يقول له: ياشيخ، أغتسِل في نهر دجلة ثم أخرج وأرى أنني لم أتطهر أو لم أطهُر. فقال له ابن عقيل: لا تصلِّ. فقال: كيف؟ قال: نعم؛ لأن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (٣)، وأنت تذهب إلى دجلة -نهر- تنغمس فيه تغتسل عن الجنابة ثم تخرج وترى أنك ما تطهرت، هذا جنون. فارتدع الرجل عن هذا. فالحاصل أن النية مصاحبة لكل عمل أيش؟
طالب: اختياري.
الشيخ: اختياري، لا بد، ثم عاد ما هي النية، تختلف؛ ولهذا قال النبي ﵊: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وبهذا التقرير يتبين أن الجملتين في الحديث ليس معناهما واحدًا.
[ ١ / ٣٣٨٢ ]
المهم المؤلف يقول: (يجب تعيينُ النيةِ) أفادنا بهذه العبارة أنه تجب النية ويجب تعيينها، النية وتعيينها، أنوي الصيام عن رمضان، أنوي الصيام عن كفارة، أنوي الصيام عن نذر أو ما أشبه ذلك، يقول: (من الليل لصوم كل يوم واجب)، (من الليل)، المراد بقوله: (من الليل) ما قبل طلوع الفجر، فيشمل ما كان قبل الفجر بدقيقة واحدة، وإنما وجب ذلك لأن صوم اليوم كاملًا لا يتحقق إلا بهذا، فمن نوى بعد طلوع الفجر هل يقال: إنه صام يومًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، فلذلك يجب لصوم كل يوم واجب أن ينويه قبل طلوع الفجر، وهذا معنى قول المؤلف: (من الليل)، يعني ليس بلازم أن تُبَيِّت النية قبل أن تنام، الواجب ألا يطلع الفجر إلا وقد نويت؛ لأجل أن تشمل النيةُ جميع أجزاء النهار؛ إذ إنه قد فُرِض عليك أن تصوم يومًا، فإذا كان قد فرض عليك أن تصوم يومًا فلا بد أن تنويه، متى؟ قبل الفجر إلى الغروب؛ ولهذا قال: (النية من الليل)، وهذا التعليل الذي ذكرته لكم يؤيده الحديث الذي ذكره في الشرح عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (٤) والمراد صيام الفرض، أما النفل فسيأتي.
يقول: (لصوم كل يوم واجب)، يعني يجب أن ينوي كل يوم بيوم، (لصوم كل يوم واجب)، فمثلًا في رمضان كم يحتاج إلى نية.
طلبة: ثلاثين نية.
الشيخ: ثلاثين نية، كل يوم لا بد أن ينوي له نية مستقلة، من ليلته أيضًا، وبناءً على ذلك لو أن رجلًا نام بعد العصر في رمضان ولم يستيقظ من الغد إلا بعد طلوع الفجر فهل يصح صومه اليوم الثاني؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، لماذا؟
طلبة: لأنه لم ينوِ.
[ ١ / ٣٣٨٣ ]
الشيخ: لأنه لم ينوِ صوم هذا اليوم من ليلته، هذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من المذهب، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة، ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام يوم الاثنين مثلًا، وهذا يدل على أن كل يوم عبادة مستقلة، فيجب أن ينوي لكل يوم نية مستقلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يُشْتَرط فيه التتابع تكفي النية في أوله، ما يشترط فيه التتابع، تكفي النية في أوله، ما لم يقطعه لعذر، فيستأنف النية، وعلى هذا فإذا نوى الإنسان أول يوم من رمضان أنه صائم هذا الشهر كله فإنه يجزئه عن الشهر كله ما لم يحصل عذر ينقطع به التتابع، كما لو سافر في أثناء رمضان فإنه إذا عاد للصوم يجب عليه أن يجدد النية، وهذا هو الأصح؛ لأن المسلمين جميعهم لو سألتهم لقال كل واحد منهم: أنا ناو الصوم أيش؟
طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر إلى آخره. وعلى هذا فإذا لم تتحقق النية حقيقة فهي متحققة حكمًا؛ لأن الأصل عدم القطع، ولهذا قلنا: إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه ثم عاد إلى الصوم فلا بد من تجديد النية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الذي لا يسع الناس العمل إلا عليه.
رجل عليه صيام شهرين متتابعين هل يلزمه أن ينوي لكل يوم نية جديدة؟
طلبة: ().
الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف يجب أن ينوي لكل يوم نية جديدة، وعلى القول الذي اخترناه؟
طلبة: لا يجب.
الشيخ: لا يجب؛ لأن هذا يلزم فيه التتابع، فإذا أمسكْتَ بأوله فأنت في النية حكمًا إلى أن ينتهي، وعليه فإذا نوى -حينما شرع في صوم الشهرين المتتابعين- نوى صيام الشهرين المتتابعين، فإنه يكفيه عن جميع الأيام ما لم يقطع ذلك بعذر ثم يعود إلى الصوم فيلزمه أن يجدد النية.
رجل -بناء على هذا القول- نام في رمضان بعد العصر ولم يُفِق إلَّا من الغد بعد الفجر.
طلبة: يصح صومه.
الشيخ: على القول الراجح؟
طلبة: يصح صومه.
[ ١ / ٣٣٨٤ ]
الشيخ: يصح صومه؛ لأن النية الأولى كافية، والأصل بقاؤها، ولم يوجد ما يزيل استمرارها.
قال المؤلف: (لا نية الفريضة) يعني لا تجب نية الفريضة.
طلبة: (الفرضية).
الشيخ: أنا عندي (الفريضة)، لكن الفريضة والفرضية المعنى واحد، يعني: لا يجب أن ينوي أنه يصوم فرضًا؛ لأن التعيين يغني عن ذلك، إذا قال: أنا أنوي صيام رمضان فمعلوم أن صيام رمضان؟
طلبة: فرض.
الشيخ: فرض، ولو قال: أنا أنوي صيام كفارة قتل أو كفارة يمين فمعلوم أنه؟
طلبة: فرض.
الشيخ: فرض، كما قلنا في الصلاة: إذا نوى أن يصلي الظهر لا يحتاج أن يقول: فريضة أو أن ينوي أنها فريضة؛ لأنه معروف أن الظهر فريضة، وعلى هذا فنقول: نية الفريضة ليست بشرط.
ولكن هل الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة أو لا؟ الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة، يعني أن ينوي رمضان على أنه قائم بفريضة؛ لأن الفرض أحب إلى الله من النفل، لكنه ليس بواجب.
ثم ذكر المؤلف ﵀ في الشرح مسائل ينبغي أن نذكرها؛ لأنها مفيدة، فقال ﵀: ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله مترددًا فسدت نيته، لا متبركًا، إذا قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله ننظر: هل مُرادُه الاستعانة بالتعليق بالمشيئة على تحقيق مراده؟ إن قال نعم؟ أجيبوا.
طلبة: صح صومه.
الشيخ: فصيامه صحيح؛ لأن هذا ليس تعليقًا، ولكنه استعانةٌ بالتعليق بالمشيئة لتحقيق مراده؛ لأن التعليق بالمشيئة مما يكون سببًا لتحقيق المراد، ويدل لهذا حديث سليمان بن داود ﵊ حينما قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن ولم تلد منهن إلَّا واحدة شِقَّ إنسان، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَكَانَ دَرَكًا (٥) لِحَاجَتِهِ» (٦).
فإن قال ذلك مترددًا، يعني ما يدري هل يصوم أو لا يصوم فإنه؟
[ ١ / ٣٣٨٥ ]
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن النية لا بد فيها من الجزم، فلو بات على هذه النية قال: أنا صائم غدا إن شاء الله، فإن صومه -إن كان فرضًا- لا يصح إلَّا أن يستيقظ قبل الفجر وينويه.
قال المؤلف: كما لا يفسُد إيمانه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله غير متردد في الحال، وهذه المسألة اختلف الناس فيها، وتكلمنا عليها منذ عهد.
طلبة: قريب.
الشيخ: قريب أو بعيد؟
طلبة: قريب.
الشيخ: قريب، وحينئذ نسألكم عنها: أولًا هل يجوز أن يقول: أنا مؤمن دون أن يقول: إن شاء الله؟
طالب: نعم ياشيخ، إذا كان في إثبات أصل الإيمان يجب عليه أن يقول: أنا مؤمن، ولا يقول: إن شاء الله، وأيضًا.
الشيخ: ترى يمكن انتقلت إلى التعليق.
الطالب: إذا كان على سبيل الإخبار يجوز.
الشيخ: إذا كان على سبيل الإخبار يجوز، ومنه قول القوم للنبي ﷺ لما قال: «مَنِ الْقَوْمُ؟». قالوا:
طلبة: المسلمون.
الشيخ: المسلمون (٧).
طالب: اللهم إذا كان من باب الكبرياء فقط فهذا لا يجوز قطعًا.
الشيخ: الكبرياء؟
الطالب: لا يجوز التعظيم وكذا.
طالب آخر: تزكية النفس.
الشيخ: وإن كان من باب التزكية فإنه لا يجوز، الدليل؟
طالب: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، هذا إذا قال: أنا مؤمن بدون ذكر المشيئة، وإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فما الحكم؟
طالب: فيها تفصيل.
الشيخ: فيها تفصيل.
طالب: إذا قال: إن شاء الله مترددًا فإنه يكفر؛ لأن الشك يُبْطِل الإيمان.
الشيخ: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله يعني مترددًا فهذا كفر؛ لأن الإيمان لا بد فيه من الجزم، هذا واحد.
طالب: وإن كان قالها هربًا وخوفًا من التزكية -من أن يزكي نفسه- عملًا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ وهو غير مشكك ولا متردد في أصل إيمانه فيجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أو يجب؟
[ ١ / ٣٣٨٦ ]
الطالب: يجب عليه أن يقول: إن شاء الله؛ خوفًا من التزكية.
الشيخ: إذا كان قال ذلك خوفًا من التزكية كان واجبًا عليه؛ لأن التزكية حرام، وما كان هو سببًا لاتقاء الحرام كان واجبًا.
طالب: إن قال ذلك، إن قال: إن شاء الله أي أن إيماني كائن بمشيئة الله هذا جائز.
الشيخ: يعني إن قصد به التعليل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: التعليل وأن إيمانه بمشيئة الله فهو جائز، هل لك دليل في هذا؟
الطالب: نعم، قول المُسَلِّم على القبور: السلام عليكم أهل الديار، إلى قوله: وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون.
الشيخ: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، فهو يقول: إن شاء الله في أمر مجزوم به؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن لبيان أن ذلك؟
طالب: بمشيئة الله.
الشيخ: بمشيئة الله، لو قيل لرجل صلى المغرب الآن: أصليتَ المغرب، فقال: إن شاء الله، هل يصح هذا القول أو لا يصح؟
طالب: إن كان يقصد ().
الشيخ: إي نعم، قال: فعلت ذلك بمشيئة الله فهو جائز صحيح، وإنْ قصد الإخبار عن الفعل فقط فقوله: إن شاء الله لا وجه له؛ لأنك ما فعلته إلَّا وقد؟
طالب: شاء الله.
الشيخ: وقد شاء الله، وإنْ قَصَد بقوله: إن شاء الله يعني صلاة مقبولة فهذا لا بأس به أيضًا، ولهذا لو قيل له: هل لبِسْتَ ثوبك -وهو عليه الثوب- قال: إن شاء الله يُنكر عليه، كيف تقول: إن شاء الله وهو عليك الآن، إلا إذا كان فقيهًا وقال: أنا أردت بقولي: إن شاء الله أن لُبسي إياه كان بمشيئة الله، فهذا لا يُنْكَر عليه.
طالب: متردد.
الشيخ: كيف يتردد وهو لابسه؟
الطالب: في الصلاة.
الشيخ: في الصلاة أيش متردد؟ هو مصل، لا ما يصح، إذا وقع الفعل ما فيه تردد، إلا إذا كان قصده الثواب، يعني صلاة أثاب عليها فهذا صحيح، ربما يتردد الإنسان لأنه ما يثق بالنفس.
قال: ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم.
طالب: القول الراجح يا شيخ؟
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في المسألة.
الشيخ: أي مسألة؟
الطالب: إذا قال: إن شاء الله مترددًا.
[ ١ / ٣٣٨٧ ]
الشيخ: في الإيمان؟
الطالب: في الصيام.
الشيخ: إي، ما صح.
الطالب: ما يصح صومه؟
الشيخ: ما يصح نعم، ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم، يكفي هذا؟ لو قام في آخر الليل وأكل على أنه سحور، يكفي أو لا؟
طلبة: يكفي.
الشيخ: يكفي، حتى إن شيخ الإسلام قال: إن عشاء الصائم -اللي بيصوم غدًا- يختلف عن عشاء من لا يصوم غدًا، أيهما أكثر؟
طلبة: الصائم.
الشيخ: الذي لا يصوم ولَّا الصائم؟
طلبة: الصائم.
الشيخ: لا، الذي لا يصوم؛ لأن الصائم سوف يجعل فراغا للسَّحور.
ثم قال المؤلف ﵀المتن-: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده).
طلبة: ما بعده.
الشيخ: كيف؟
طلبة: ما بعده.
الشيخ: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده)، عندكم (ما بعده)، حطوه نسخة، نسخة: (أو بعده).
(يصح النفل) أي: صوم النفل (بنية من النهار قبل الزوال أو بعده) هذا مقابل قوله: (يجب تعيين النية من الليل)، صيام النفل يصح بنية من أثناء النهار، لكن بشرط ألا يأتيَ مُفطرًا من بعد طلوع الفجر، فإن أتى بمفطر فإنه لا يصح، مثال ذلك: رجل أصبح، وفي أثناء النهار صام، وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يجامع ولم يفعل مُفطرًا بعد الفجر، نقول: هذا الصوم صحيح، هذا صوم صحيح، مع أنه لم ينوه من قبل الفجر؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل ذات يوم على أهله فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟». قالوا: لا. قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» (٨)، (إذن) ظرف للزمان الحاضر «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» فأنشأ النية من النهار ولَّا من قبل؟
طلبة: من النهار.
الشيخ: نعم، من النهار، فدل ذلك على جواز إنشاء النية في النفل من أثناء النهار، ولكن هل يُثاب ثواب يوم كامل؟ أو يُثاب من النية؟
طلبة: ().
[ ١ / ٣٣٨٨ ]
الشيخ: في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إنه يُثاب من أول الفجر، يعني من أول النهار؛ لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار، ومنهم من قال: إنه لا يُثاب إلا من وقت النية فقط، فإذا نوى عند الزوال فكم أجره على القول الثاني؟
طلبة: نصف يوم.
الشيخ: أجر نصف يوم، وهذا القول هو الصحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢)، وهذا الرجل لم ينوِ إلا في أثناء النهار فيحسب له الأجر من حين نيته، وبناء على هذا القول الراجح لو كان الصوم يُطْلَق على اليوم مثل صيام الاثنين، صيام الخميس، صيام البيض، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونوى من أثناء النهار فإنه لا يحصُل له ثواب ذلك اليوم، يعني لو نوى في يوم الاثنين نوى من أثناء النهار، فهل يُثاب ثواب من صام يوم الاثنين من أول النهار؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولا يصدق عليه أنه صام يوم الاثنين، وكذلك لو أصبح مُفْطِرًا فقيل له: إن اليوم هو اليوم الثالث عشر من الشهر، وهو أول أيام البيض، فقال: إذن أنا صائم، فهل يثاب ثواب أيام البيض؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، بناء على القول الصحيح الذي يكون الثواب من النية، لا يُثاب ثواب صيام أيام البيض؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا، وهذه نقطة قد يظن بعض الناس أن كلام المؤلف يدل على حصول الثواب، حتى في اليوم المعيَّن من النفل، اشترطنا في صحة النية من أثناء النهار في النفل ألَّا يفعل قبلها؟
طلبة: مُفطرًا.
الشيخ: مُفطرًا، فلو أن الرجل أصبح مُفْطِرًا وأفطر، أكل خبزًا وأدمًا وشاهيًا وحليبًا، وفي أثناء الضحى قال: نويت الصيام؛ لأنه نفل، يصح أو لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: لأنه فعل ما ينافي الصوم.
[ ١ / ٣٣٨٩ ]
لو قال قائل: ألستم تقولون: إنه لا يُثاب على أجر الصوم إلَّا من النية؟ أو ترجحون ذلك؟ قلنا: بلى، ولكن هل يمكن أن يكون صومٌ وقد أكل أو شَرِب في يومه؟ هذا لا يمكن، ولهذا نجد أن الصغار من الفتيان والفتيات إذا صاح على أهله وقال: أنا أريد أن أصوم، يقولون له بعد الفطور: صم، إلى متى؟
طلبة: ().
الشيخ: إلى أن يأتي الغداء، إذا جاء الغداء بيقول: عطونا غدا، نعطيه الغدا، وحينئذ يكون صائمًا، صيام فتى، أو صيام غلام.
ويقول: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده)، والدليل كما سمعتم، (ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي لم يجزئه)، هذه مسألة مهمة تَرِد كثيرًا، (لو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي)، سواء قال: وإلا فنفل، أو: وإلا فأنا مُفطِر، رجل نام في الليل مبكرًا ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة هي؟
طلبة: واحد رمضان.
الشيخ: واحد رمضان، فقال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، أو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، أو قال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرض، وإلا فهو عن كفارة واجبة، أو ما أشبه ذلك من أنواع التعليق، فهل يصح؟
المذهب -كما رأيتم- يقول: لا يصح؛ لأن قوله: إن كان فهو فرضي وقع على وجه التردد، والنية لا بد فيها من الجزم، فلو بان من رمضان، يعني مثلًا الرجل نام ولم يستيقظ إلَّا بعد طلوع الفجر ثم تبين أنه من رمضان، فهل عليه القضاء؟ قضاء هذا اليوم؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٣٣٩٠ ]
الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف يجب عليه قضاء هذا اليوم؛ لأن هذا اليوم لم يصح صومه، والرواية الثانية عن الإمام أحمد في هذه المسألة أن الصوم صحيح إذا تبين أنه من رمضان، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولعل هذا يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لضُباعة بنت الزُّبَيْر: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٩)، فهذا الرجل علَّقَه لأنه لا يعلم، هو لا يعلم أن غدًا من رمضان فيتردد، فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد في هل يصوم أو لا يصوم، ولهذا لو قالها ليلة الواحد من رمضان المؤكد أنها من رمضان، لو قال: أنا غدا، يعني يمكن أن أصوم ويمكن لا أصوم قلنا: هذا ما صح، لم يصح؛ لأنه متردد، لكن هذا التردد ليس مبنيًّا على التردد في النية، وإنما مبني على التردد في أيش؟
طلبة: في ثبوت الشهر.
الشيخ: في ثبوت الشهر، وإذا عَلَّق الصوم على ثبوت الشهر، فهذا هو الواقع، لو لم يثبت الشهر لم يصم، وعلى هذا فينبغي لنا إذا نمنا قبل أن يأتي الخبر في ليلة الثلاثين من شعبان، أن ننوي بأنفسنا أنه إن كان غدًا من رمضان فنحن صائمون، وإن كان بالنية على سبيل العموم نية كل مسلم لكن تعيينها أحسن؛ يقول في نفسه: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي.
لو قال ذلك ليلة الثلاثين من رمضان وقال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، وإلَّا فأنا مفطر؟
طالب: بس ما يحتاج ().
الشيخ: هو قال هكذا: إن كان غدًا من رمضان، ليلة الثلاثين من رمضان، فيه احتمال ألا يكون، إن كان غدًا من رمضان، يعني فأنا صائم، وإلَّا فأنا مفطر، يقولون: إن هذا جائز، والواقع أن هذا فيه تردد في النية لكنه مبني على ثبوت؟
طلبة: الشهر.
[ ١ / ٣٣٩١ ]
الشيخ: ثبوت الشهر، فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون في أول الشهر كما كان في آخره، لكن هم يُفَرِّقُون بأنه في أول الشهر الأصل عدم الصوم؛ لأنه لم يثبت دخول الشهر، وهنا بالعكس الأصل أيش؟
طلبة: الصوم.
الشيخ: الأصل الصوم، الأصل أن غدا الثلاثين من رمضان، ولكن هل هذا التفريق فَرْق مؤثر؟ هو في الواقع غير مؤثر بالنسبة للتردد، كلاهما متردد، والاحتمال في كليهما وارد، فيوم الثلاثين من شعبان فيه التردد: هل يكون من رمضان أو لا؟ ويوم الثلاثين من رمضان فيه التردد: هل يكون من رمضان أو لا؟ لكن الفرق عندهم هو ما سمِعتم.
ثم قال: (ومن نوى الإفطار أفطر)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢) فما دام ناويًا للصوم فهو صائم، وإذا نوى الإفطار؟
طلبة: أفطر.
الشيخ: أفطر، صار مفطرًا، ولأن الصوم نية، ليس شيئًا يفعل، بل هو نية، فإذا نوى الإفطار أفطر، كما لو نوى قطع الصلاة فإنها أيش؟
طلبة: تنقطع.
الشيخ: تنقطع الصلاة، ولكن ما معنى قول المؤلف: (أفطر) معناه: انحلَّتْ نيته، وفسد يومه، لكن لو نواه بعد ذلك نفلًا في أثناء النهار، لو نواه نفلًا أيجوز هذا أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، إلَّا أن يكون في رمضان، فإن كان في رمضان فإنه لا يجوز. مثال آخر: إنسان صام يومًا نفلًا، ثم نوى الإفطار، ثم قيل له: كيف تفطر؟ ما بقي من الوقت إلا قليل أقل من نصف اليوم، قال: إذن هَوَّنْت، أنا صائم، هل يُكتب له يوم؟ أو من النية الثانية؟
طلبة: من النية الثانية.
الشيخ: من النية الثانية؛ لأنه قطع النية الأولى وصار مُفْطِرًا، لكن يصح أن ينوي النفل من أثناء النهار، إلَّا إذا كان في رمضان فإن رمضان لا يصح فيه صوم أي يوم.
طالب: بارك الله فيكم، نوى أن يفطر، لكن مثلًا ما وجد أكلا، نوى أن يفطر ما وجد أكلًا، فأتم صيامه فرضًا، هل يصح هذا الفرض؟
الشيخ: ما يصح؛ لأنه نوى الفطر.
الطالب: لكن ما نوى ().
[ ١ / ٣٣٩٢ ]
الشيخ: أما لو نوى أن يُفْطِر بمعنى أنه يقول: إن وجدتُ ماء شربت، أو إن وجدتُ طعامًا أكلت، ولكنه ما فعل فإنه لا يُفْطِر، والفرق أن الأول جزم بالقطع، والثاني عزم على فعل المحظور، ولم؟
طلبة: يفعله.
الشيخ: ولم يفعله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا () السابقة أن الإنسان لو عمل رياء عملًا صالحًا () رياء فإنه ليس له من الأجر شيء، ولكن لو تاب إلى الله ﷿ واحتسب العمل مرة أخرى فإن له الأجر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فما الفرق بينه وبين الذي في أثناء النهار وجد طعامًا؟
الشيخ: لأن هذا الصوم يوم.
الطالب: وجد طعام فنوى الصيام فلماذا قلنا: له نصف الأجر أو نصف ().
الشيخ: لأنه يصح النفل بنية من النهار كما جاء في الحديث.
الطالب: أقصد الأجر.
الشيخ: كيف؟ الأجر ما له إلا من نصف اليوم.
الطالب: لأني ياشيخ أقول: إنه يحتسب بعد أن تاب.
الشيخ: في الرياء يعني؟
الطالب: يعني عمل عملًا من الأعمال الصالحة رياء، ثم تاب إلى الله.
الشيخ: تاب متى؟
الطالب: تاب بعد العمل واحتسبه مرة أخرى () الأجر.
الشيخ: لا، ما وصله أجر، إذا تاب يسقط عنه الإثم فقط.
الطالب: وليس له.
الشيخ: وليس له أجر.
طالب: أفطر في أثناء رمضان لعذر، ثم نام من بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس؟
الشيخ: يقول: لو أنه أفطر لعذر في رمضان، ثم نام من بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد الفجر غدًا؟
طالب: إذا صام يومًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: نوى صيامه، ثم ().
الشيخ: إي نعم لكن من نيته؟
الطالب: أن يصوم.
الشيخ: أن يستمر يعني، يكفي، على القول الذي رجحناه يكفي.
طالب: شيخ، بالنسبة ().
الشيخ: أنتم فاهمون السؤال هذا؟
طالب: لا ما هو واضح ياشيخ.
[ ١ / ٣٣٩٣ ]
الشيخ: يقول: رجل مسافر، والمسافر له أن يفطر في رمضان، أفطر يومًا أو يومين، ثم بدا له أن يصوم، ونوى الصوم بقية الشهر، ثم في يوم من الأيام نام من بعد العصر إلى بعد الفجر، هل يصح يومه هذا؟ يصح صوم يومه هذا أو لا؟ على القول الذي رجحناه يصح؛ لأنه نوى الاستمرار في الصوم إلى آخر الشهر.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إنه يفطر، هل () وهو في رمضان أن يمسك أو لا؟
الشيخ: سؤال جيد، يقول: لو نوى الإفطار في رمضان قلنا: إنه يُفطر، لكن هل يجوز له أن يستمر في الفطر يأكل ويشرب؟
نقول: إن كان يباح له الفطر فلا بأس، كالمريض مثلًا أو المسافر، وإن كان لا يباح له الفطر، فإنه يلزمه الإمساك والقضاء.
والقاعدة في هذه المسألة: أن كل من أفطر لعذر فإن له الأكل بقية نهاره، لو أفطر لإنقاذ معصوم في رمضان وأنقذه فهل يلزمه الإمساك بقية اليوم؟
الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأن هذا اليوم في حقه لا يلزمه صومه، فلا يلزمه الإمساك، خلافًا لما يظنه بعض الناس أنه إذا أفطر لإنقاذ معصوم وأنقذ المعصوم، فقد انتهت الحاجة إلى الأكل والشرب فيلزمه الإمساك، هذا ليس بصحيح.
والقاعدة الآن: من أفطر لغير عذر في رمضان أيش؟
الطالب: وجب عليه الإمساك.
الشيخ: وجب عليه الإمساك بقية اليوم مع الإثم، ومن أفطر لعذر فلا إثم عليه، ولا يلزمه الإمساك.
طالب: الفرق بينه وبين الصلاة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: الصلاة يقطعها؟ ينوي قطع الصلاة ثم يكمل () وألا يستمر؟
الشيخ: لا، انقطعت خلاص.
الطالب: ().
الشيخ: أي صيام؟
الطالب: لو نوى ().
الشيخ: لو نوى قطع الصيام انقطع الصوم.
الطالب: ().
الشيخ: إذا نوى الإفطار لعذر شرعي في رمضان أفطر ويأكل ويشرب.
طالب: لكن من غير عذر.
الشيخ: لا، بغير عذر يلزمه الإمساك، في رمضان خاصة احترامًا للزمن.
طالب: ما الفرق بينه وبين الصلاة؟
الشيخ: الصلاة ما فيها زمن محدد.
طالب: ().
الشيخ: أيضًا ().
[ ١ / ٣٣٩٤ ]
طالب: من أفطر لغير عذر يا شيخ.
الشيخ: نعم، السؤال.
طالب: إذا كان صائمًا في رمضان، ونوى السفر، وأراد السفر، ونوى الإفطار بعد أن يخرج من العمران، ثم حصل له شيء فترك السفر فهل تنقطع؟
الشيخ: ما تنقطع.
الطالب: ما ينقطع الصيام؟
الشيخ: يستمر.
الطالب: يستمر في الصيام.
الشيخ: إي نعم.
الشيخ: لأنه ما نوى الإفطار، نوى الإفطار إذا سافر.
طالب: أحسن الله إليك ياشيخ، من أفطر لغير عذر هل يلزمه القضاء مع الإثم؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والحديث ياشيخ «مَنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ» لا يقوى له.
الشيخ: «لَمْ يَقْضِهِ صَوْمُ الدَّهْرِ» (١٠).
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا أولًا ضعيف، والثاني على تقدير صحته لم يقضه صوم الدهر، يعني بمعنى أنه لا يمكن أن يكون كالذي أدَّاه في وقته، أما من لم يصم أصلًا فهذا لا يُقبل منه ولا يقضي، لو قضى لم يُقبل منه. عرفت الفرق؟ يعني رجل تعمد ألا يصوم يومين من رمضان، ولم يصم، هذا نقول: لا يقضي؛ لأنه لو قضى لم ينفعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١١) لكن من شرع في صوم اليوم ثم أفسده لزمه القضاء، والفرق أنه لما شرع فيه ألزم نفسه به، فصار في حقه كالنذر، فيلزمه القضاء، بخلاف من لم يشرع أصلًا.
طالب: بارك الله فيك، ما تستطيع أن تحصي الأيام التي تجب فيها النية قبل الفجر، يعني الأيام التي فرض.
الشيخ: كل صوم واجب.
الطالب: مثل يعني الكفارة قصدي.
الشيخ: لا، الكفارة لازم من قبل الفجر، سواء كفارة ظهار أو كفارة قتل أو جماع في رمضان أو كفارة يمين أو نذر، القاعدة: كل صوم واجب لا بد أن ينوي قبل الفجر.
طالب: شيخ شرطتم أن العبادة التي نيتها متتابعة.
الشيخ: أيش؟
[ ١ / ٣٣٩٥ ]
الطالب: إذا كان فيه تتابع في العبادة فيكفي النية في أولها، النية في أول العبادة بالنسبة للحديث ياشيخ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصَّوْمَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (٤) الرد عليه؟
الشيخ: الرد على هذا أنَّا نُبَيِّتُه مو قبل الفجر فقط، من قبل يومين، ما هو بقبل الفجر فقط، انتهى؛ لأن هذا قد أشار قبلك.
طالب: () ذكرنا الراجح أن ().
الشيخ: أيش؟
الطالب: الراجح أن ما يشترط فيه التتابع يكفي نية واحدة هل هذا ينطبق على الصوم؟ وهل الصوم يشترط فيه التتابع؟
الشيخ: هل أيش؟
الطالب: هل الصوم يشترط فيه التتابع؟
الشيخ: بعضه يشترط وبعضه لا يُشترط، صيام شهرين متتابعين يُشترط، رمضان يُشترط.
الطالب: من سافر ينقطع ()؟
الشيخ: ذكرنا إنه إذا قطعها بالسفر لا بد من تجديد النية.
الطالب: وهذه القاعدة ما الدليل عليها؟
الشيخ: () استثنينا أنه ما لم يوجد سبب شرعي يبيح الفطر فلا بد من استئناف النية.
الطالب: دليلنا على هذه القاعدة، أليس هو التتابع؟
الشيخ: الدليل لأن الإنسان نوى هذا، من الأصل ناو يصوم من واحد رمضان إلى ثلاثين من رمضان، أو إلى تسع وعشرين.
الطالب: ما هو بقياس على الحج أو على الصلاة؟
الشيخ: لا، هو مستقل بنفسه، ما يحتاج قياس، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، لكن مراد الحديث: لو نويت في أثناء النهار وهو صوم واجب ما أجزأ؛ لأنه لا يقال: إنك صمت يومًا.
() في أثناء النهار فما توجيهكم لذلك؟ توجيهنا لهذا أن عاشوراء لم يؤمر به إلا في ذلك الوقت، وأما صوم النفل فقد أُمر به من قبل، أخذنا ثلاثة الآن؟
***
[باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة]
[ ١ / ٣٣٩٦ ]
طالب: أو استعط، أو احتقن، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه، أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله، أو استقاء، أو استمنى، أو باشر فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم، أو احتجم وظهر دم، وظهر دم عامدًا ذاكرًا لصومه، فسد، لا ناسيًا أو مكرهًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال المؤلف: (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة).
والمفسد للصوم يسمى عند العلماء المُفطرات، وأصولها ثلاثة؛ ذكرها الله ﷿ في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] هذه أصول المُفطرات، وقد أجمع العلماء على مدلول هذه الثلاثة، وما سوى ذلك فيأتي -إن شاء الله- الكلام فيه.
أولًا: الأكل: الأكل: إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم، وقولنا: إدخال الشيء يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا يضر ولا ينفع، ما ينفع كاللحم والخبز والسَّوِيق، وما أشبه ذلك، وما يضر: كأكل الحشيشة، والخمر يسمى شربًا، وما أشبهها، وما لا نفع فيه ولا ضرر مثل أن يبتلع الإنسان خَرَزَة، خرزة سبحة أو نحوها، فهذا لا ينفع ولا يضر، ومع ذلك يكون مُفطرا، ووجه العموم إطلاق الآية: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، وهذا يسمى أكلًا.
وقال بعض أهل العلم: إن ما لا يغذي لا فِطر بأكله، وبناءً على هذا فإن بلع الخرزة لا يُفطر، أو الحصاة، أو ما أشبهها، والصحيح أنه عام، وأن كل ما ابتلعه الإنسان من نافع أو ضار أو ما لا نفع فيه ولا ضرر فإنه مُفطر لإطلاق الآية، هذه واحدة.
[ ١ / ٣٣٩٧ ]
الثانية: (أو شرب)، الشرب يشمل ما ينفع وما يضر، ويمكن أن نقول: ما لا نفع فيه ولا ضرر، إن كان فلنقله، المهم أنه يشمل كل ما يُشرب من ماء أو مرق أو لبن أو دم أو دخان أو غير ذلك، كل ما يُشرب فهو داخل في قول المؤلف: (أو شرب).
قال: (أو استعط)، استعط يعني تناول السَّعُوط، والسَّعُوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه أيضا مُفطر؛ لأن الأنف مَنْفَذ يصل إلى المعدة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للَقيط بن صَبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١٢)، فقوله ﷺ: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق، ولا نعلم لهذا علة إلَّا أن المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، وهذا مخل بالصوم، وعلى هذا فنقول: كل ما وصل إلى المعدة عن طريق الأنف فإنه مُفطر، ودليله ما ذكرناه من حديث لَقيط بن صَبِرة ﵁.
[ ١ / ٣٣٩٨ ]
قال المؤلف: (أو احتقن)، الاحتقان هو إدخال الأدوية عن طريق الدُّبُر، وهو معروف، ولا يزال معروفًا، فإذا احتقن فإنه يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن العلة وصول الشيء إلى الجوف، والحقنة تصل إلى الجوف، يعني تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، تصل إلى الأمعاء فتكون مُفَطِّرة، بناء على أن العلة وصول الطعام والشراب إلى الجوف، فإذا وصل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأنف أو أي منفذ كان فإنه يكون مُفَطِّرًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعليه أكثر أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا فِطْر بذلك، أن الحقنة لا تفطر لأنها لا يُطلق عليها اسم الأكل والشرب، لا لغة ولا عرفًا.
[ ١ / ٣٣٩٩ ]
وليس هناك دليل في الكتاب والسُّنَّة أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، لو كان هناك دليل لقلنا: كل ما وصل إلى الجوف من أي منفذ كان فإنه مُفَطِّر، لكن الكتاب والسُّنَّة دلَّا على شيء معين، وهو الأكل والشرب، وهذا ليس أكلًا ولا شربًا، لا عرفًا ولا لغة، وليس مناط الحكم أن يصل الشيء إلى الجوف حتى نقول: إن هذا مُفَطِّر، لكن بعض العلماء المعاصرين يقول: إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة، وإذا امتصها انتفع منها، فكان ما يصل إلى هذه الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به، وهذا من حيث المعنى قد يكون قويًّا، لكن قد يقول قائل: إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب، فتكون العلة مركبةً من جزأين، أحدهما: وصول الشيء إلى الجوف، والثاني: التلذذ بالأكل والشرب؛ لأن التلذذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس، والدليل على هذا أن المريض إذا غُذِّي بالإبر لمدة يومين ثلاثة تجده في أشد ما يكون شوقًا إلى الطعام والشراب، مع أنه متغذٍّ، فلقائل أن يقول: ليست العلة هي وصول الشيء إلى الجوف، بل العلة مركبة من شيئين: أحدهما ذلك، والثاني التلذذ.
وبناء على هذا -وليس هذا ببعيد- نقول: إن الحقنة لا تُفَطِّر مطلقًا، ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة، فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية مطلقًا، ولا التفات إلى ما قاله بعض المعاصرين وهو أن الحقنة لا تُفَطِّر. ومن الحقن المعروفة الآن ما يوضع في الدبُر عند شدة الحمى، فإن هذا معروف عند الأطباء، ومنها أيضًا ما يُدْخَل في الدبر من أجل العلم بحرارة المريض وما أشبه ذلك، فكل هذا لا يُفَطِّر.
[ ١ / ٣٤٠٠ ]
ثم لدينا قاعدة مهمة لطالب العلم، وهي أننا إذا شككنا في الشيء أَمُفَطِّر هو أم لا فما الأصل؟ الأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن نُفْسِد عبادة مُتَعَبِّد لله إلا بدليل واضح يكون لنا حجة عند الله ﷿، فالحقنة مثلا لا شك أنها ليست أكلًا ولا شربًا، ولا يحصل بها ما يحصل بالأكل والشرب من التلذذ، فلذلك لا نُلحِقها بالأكل والشرب إلَّا بشيء نعتمد عليه بَيِّن وواضح.
قال: (أو اكتحل بما يصل إلى حلقه) (اكتحل) الكحل معروف، اكتحل بما يصل إلى الحلق، فإنه يُفَطِّر؛ لأنه وصل إلى شيء مجوف في الإنسان وهو الحلق، هذا هو تعليل من قال: إن الكحل يُفَطِّر، ولكن هذا التعليل فيه نظر، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى حلقه، وقال: إن هذا لا يسمى أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث صحيح صريح يدل على أن الكحل مُفَطِّر، والأصل عدم التفطير وسلامة العبادة حتى يثبت لدينا ما يُفْسِدها، وما ذهب إليه ﵀ هو الصحيح، وأن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه، وبناءً على ذلك لو أنه قطر في عينه وهو صائم فوجد الطعم في حلقه فإنه لا يُفْطِر لذلك بناءً على ما اختاره شيخ الإسلام، وهو حق إن شاء الله.
قال: (أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله)، إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان -غير الإحليل- فإنه يفطر بذلك، فلو أن الإنسان أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل إلى المعدة فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، والصحيح أنه لا يُفْطِر بهذا إلا أن يكون في هذا المنظار دهن أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلَّا للضرورة.
[ ١ / ٣٤٠١ ]
لو أن الإنسان كان له فتحة في بطنه وأدخل إلى بطنه شيئًا عن طريق هذه الفتحة، هل يفطر بذلك أو لا؟ نقول: على ما مشى عليه المؤلف: يُفْطِر، وعلى القول الثاني: لا يُفْطِر.
نقول: إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير الإحليل، الإحليل يعني الذَّكَر، لو أدخل عن طريق الذَّكَر خيطًا فيه طعم دواء فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه، فإن البول إنما يخرج رشحًا، هكذا علل الفقهاء -﵏- البول يجتمع في المثانة، وإذا أراد أن يخرج فإنه يخرج رشحًا، هكذا يقولون. وقد يقال: إن في هذا نظرًا؛ لأن البول إذا أراد الله أن يخرج فإنه ينفتح، تنفتح المثانة وينزل البول، وهذا يدل على أنه يصل إلى المثانة، لكن يقولون: إن المثانة أيضا لا تتصل بالبدن؛ لأن الماء ينزل إليها عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا ثقب واحد، والحمد لله نحن نقول: إننا في غنى عن هذه التعليلات؛ بماذا؟
طلبة: ().
الشيخ: بالأصل أن المُفَطِّر هو الأكل والشرب، وما أُدْخِل من طريق الإحليل لا يسمى أكلًا ولا شربًا، وإذا كانت الحقنة -وهي التي تُدْخَل عن طريق الدبر- لا تفطر فما دخل عن طريق الإحليل من باب أَوْلَى.
[ ١ / ٣٤٠٢ ]
قال المؤلف: (أوِ استقاء)، استقاء يعني استدعى القيء، ولكن لا بد من قيد: استقاء فقاء، فلو استدعى القيء ولكنه لم يقئ فإن صومه لا يفسد، بل لا يفسد إلا إذا استقاء فقاء، ولا فرق بين أن يكون القيء قليلًا أو كثيرًا ما دام قيئًا، أما ما خرج بالتعتعة من الحلق فإنه لا يُفَطِّر، لا يُفَطِّر إلَّا ما خرج من المعدة، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» (١٣) ذرعه يعني غلبه. واستدعاء القيء له طرق: النظر والشم والعصر والجذب، هذه أربعة أشياء، وربما نقول: السمع أيضًا، أما النظر فأن ينظر الإنسان شيئًا كريهًا فتتقزز نفسُه ثم يتقيأ، وأما الشم فظاهر؛ يشم رائحة كريهة فيتقيأ، وأما العصر فأن يعصر بطنه عصرًا شديدًا إلى فوق ثم يتقيأ، وأما الجذب فأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يتقيأ، والسمع ربما يسمع شيئا كريهًا، وبعض الناس نفسه قريبة فيتقيأ، المهم إذا غَلَبَه القيء فلا شيء عليه، وإن تعمده هو فعليه القضاء، والدليل حديث أبي هريرة، وقال بعض العلماء: إنه لا فطر بالقيء ولو تعمده؛ بناء على قاعدة قَعَّدوها، وهي: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل، قاعدتان متقابلتان. وبناء على هذه القاعدة التي ليست بصحيحة قالوا: إنه لا نقض بأكل لحم الإبل، لا ينتقض الوضوء؛ لأن لحم الإبل داخل وليس بخارج، ولا فساد للصوم بأيش؟
طالب: بالقيء.
[ ١ / ٣٤٠٣ ]
الشيخ: بالقيء والحجامة؛ لأن هذا خارج وليس بداخل. ولكن من المعلوم أن هذا رأي يقابل النص، ويعارض النص، والرأي المقابل للنص المعارض له رأي فاسد، لا عبرة به، نقول لصاحبه: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ما دام هذا حكم الله فإنه خير من الرأي، ولكن مع ذلك نحن قلناه لنبين لكم أن من العلماء من يذهب مذهبًا غريبًا، القاعدتان أول ما يسمعهما الإنسان يقول: ما أحلاهما، ولكن إذا كانتا تخالفان النص فلا خير فيهما.
يقول ﵀: (أو استمنى)، استمنى يعني طلب خروج المني بأي وسيلة، ولكن سيذكر المؤلف في الآخِر (فأمنى، أو أمذى)، إذا استمنى يعني استدعى المني سواء بيده أو بالتدلُّك على الأرض أو ما أشبه ذلك حتى أنزل، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة ﵏؛ مالك والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبى الظاهرية ذلك وقالوا: لا فطر بالاستمناء ولو أمنى، أين الدليل من القرآن والسُّنَّة على أنه يُفْطِر بذلك؟ فإن أصول المُفَطِّرات كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، وليس هذا منها، فيحتاج إلى دليل، ولا يمكن أن نُفْسِد عبادة عباد الله إلَّا؟
طلبة: بدليل.
[ ١ / ٣٤٠٤ ]
الشيخ: بدليل من الله ورسوله. ولكن عندي -والله أعلم- أنه يمكن أن يُستدل لذلك من وجهين: الوجه الأول نص، والوجه الثاني قياس، أما النص فإن في الحديث الصحيح أن الله ﷾ قال في الصائم: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (١٤)، والاستمناء شهوة، والمني شهوة، والدليل على أن المني يطلق عليه اسم شهوة قول الرسول ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قالوا: يارسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْه وِزْرٌ، كَذَلِكَ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (١٥) والذي يوضع هو المني، النطفة، وهذا يدل على أن المني مُفَطِّر إذا كان لشهوة، وأما القياس فأن نقول: جاءت السُّنَّة بفطر الصائم بالتقيؤ إذا قاء، وجاءت السُّنَّة بفطر المحتجم إذا احتجم وخرج منه الدم، وكلا هذين يضعفان البدن، أما خروج الطعام فإنه واضح أنه يُضْعِف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعًا، وأما خروج الدم فظاهر أيضًا أنه يُضْعِف البدن، ولهذا ينصح من احتجم أو تبرع لأحد بدم من جسمه أن يبادر بالأكل، وبالأكل السريع؛ السريع الهضم والسريع التفرق في البدن؛ حتى يعوض ما نقص بالدم. خروج المني هل يحصُل به ذلك؟ نعم، يُفَتِّر البدن بلا شك، يُفَتِّر البدن، ولهذا أُمِر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياسًا على أيش؟
طلبة: على الحجامة.
الشيخ: على الحجامة وعلى القيء، وبهذا نقول: إن المني إذا خرج بشهوة فهو مُفَطِّر للدليل والقياس.
[ ١ / ٣٤٠٥ ]
يقول: (أو استمنى، أو باشر فأمنى)، باشر مَن؟ باشر زوجته، سواء باشرها باليد أو باشرها بالوجه، بتقبيل، أو باشرها بالفرج أيضًا، فإنه إذا أنزل أفطر، وإن لم يُنْزِل فلا فطر بذلك، ونقول في الإنزال بالمباشرة ما قلناه في الإنزال بأيش؟ بالاستمناء: إنه مُفَطِّر. وعُلِمَ من كلام المؤلف أنه لو استمنى بدون إنزال فإنه لا فطر، وأنه لو باشر بدون إنزال فإنه لا فطر بذلك، وسيأتي بيان حكم المباشرة وأن العلماء قالوا: إنها مكروهة ما لم يَظُن الإنزال فتحرم، وبعض العلماء قال: إنها مباحة مالم يَظُن الإنزال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يباشر وهو صائم، ويقبل وهو صائم، وسيأتي الكلام عليها فيما بعد.
[ ١ / ٣٤٠٦ ]
قال: (أو باشر فأمنى أو أمذى)، (أمنى) واضح، (أو أمذى)، ما هو المذي؟ المذي: هو ماء رقيق يحصل عَقِب الشهوة بدون أن يحس به الإنسان عند خروجه، وهو بين البول والمني من جهة النجاسة، فالمني طاهر موجِب لغسل جميع البدن، والبول نجس موجِب لغسل ما أصاب من البدن فقط، يعني يوجب أن نغسل ما أصابه من البدن فقط، والمذي بين بين، يوجب غسل الذكر والأنثيين وليس يوجب الغسل إذا أصاب الملابس، بل يكفي فيه النضح كما ثبت عن النبي ﷺ ذلك، يرى المؤلف -﵀- أن المذي كالمني، يعني إذا استمنى فأمذى أو باشر فأمذى فإنه يَفْسُد صومه، والذين يقولون: لا يفسد بالمني يقولون: لا يفسد بالمذي من باب أولى، والذين يقولون: إن الصوم يفسد بالمني اختلفوا في المذي على قولين؛ فالمذهب ما سمعتم ولكن ليس له دليل صحيح؛ لأن المذي دون المني، لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن، فلا يمكن أن يُلْحَق به. والصواب أنه إذا باشر فأمذى أو استمنى فأمذى أنه لا يَفْسُد صومه، وأن صومه صحيح، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والحجة فيه عدم الحجة؛ لأن هذا الصوم عبادة شرع فيه الإنسان على وجه شرعي، فلا يمكن أن نُفْسِد هذه العبادة إلا بدليل.
قال: (أو كرر النظر فأنزل)، إذا كرر النظر فأنزل فسد صومه، وإن نظر نظرة واحدة فأنزل أيش؟ لم يفسد؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ» (١٦)، ولأن الإنسان لا يملك أن يجتنب هذا الشيء، فإن بعض الناس يكون سريع الإنزال وقوي الشهوة من حين ينظر إلى امرأته يُنْزِل، وهذا لو قلنا بأنه يُفَطِّر لكان فيه مشقة، فصار النظر فيه تفصيل: إن كرر حتى أنزل فسد صومه، وإن أنزل بنظرة واحدة لم يفسد، بقي شيء ثالث الآن: التفكير، لو جعل يفكر يفكر يفكر حتى أنزل أيفسد صومه؟
طالب: لا.
[ ١ / ٣٤٠٧ ]
الشيخ: لا، لا يفسد صومه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (١٧)، فعندنا الآن المباشرة والنظر والتفكير، المباشرة إذا أنزل فيها أو أمذى -على المذهب- فسد صومه، النظر إن كان واحدة فأنزل أو أمذى فلا شيء في ذلك، وإن كرر فأمذى فلا شيء في ذلك، وإن كرر فأنزل فسد صومه، التفكير لا يفسد صومه سواء أمنى أو أمذى، والدليل كما سمعتم.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأنه لو قيل يعني بأن التلذذ علة مع كونه مغذيًا لكان قولًا () أحسن الله إليكم، وهذه العلة ألا يدفعها قول النبي ﵊: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١٨) معلوم أن الصائم لا يتلذذ بهذا الماء الذي يأتي يخرج يخرج من أنفه ().
الشيخ: ما فيه شك أنه ما يحصل به اللذة كما يحصل باللسان؛ لأنه يكون وراء الذوق.
الطالب: ومع ذلك نهى النبي عن ..
الشيخ: نهى خوفًا من الإفساد، يمكن أن يُعَلَّل بأن هذا منفذ معتاد وجرت العادة أن الإنسان يتغذى به، لكن لا شك أن اللذة ما تحصل به كما تحصل بالفم.
طالب: قوله: (أوْ اسْتَمْنَى) ذكرنا خلافًا، وذكرنا الصحيح أنه يُفَطِّر إذا استمنى.
الشيخ: إذا أمنى.
الطالب: إذا أمنى، الدليل قول: «شَهْوَتَهُ» (١٤) في الحديث القدسي، قلنا: «شَهْوَتَهُ» () قوله: «شَهْوَتَهُ» هذه عامة وقيدت بالمباشرة بالآية.
الشيخ: بالآية؟
الطالب: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
الشيخ: الآية ما.
الطالب: الشهوة عامة اللمس والنظر والتقبيل والضم وغير ذلك.
الشيخ: لكن كلمة: وضعها.
الطالب: هذه عائدة من العموم أو شهوته الحديث وضعها ().
الشيخ: إي.
الطالب: فقوله: أو شهوته هذه عامة.
الشيخ: ما هو مجرد الشهوة تُفَطِّر، ولهذا لو قَبَّل أو باشر وحصلت شهوة شديدة لكن ما أنزل فلا شيء عليه.
[ ١ / ٣٤٠٨ ]
الطالب: نعم، قوله ﵀ () فائدة التخصيص؛ لأن الشهوة هنا عامة، والله ﷿ خص بالمباشرة الاستمناء، كيف نخصصه من هذا العموم؟
الشيخ: الاستمناء فيه نوع مباشرة، ولهذا لو خرج المني منه بدون أن يحرك ذكره، ولكن مجرد يعني انفعال وتفكير ما فسد صومه.
الطالب: الاستمناء لا يسمى مباشرة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الاستمناء لا يسمى مباشرة.
الشيخ: ما هو مباشرة غيرك لكن مباشرة يدك، وقد يستمني الإنسان بيد زوجته.
الطالب: يعني الآية ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] تشمل الاستمناء بمباشرة الزوجة وبمباشرة اليد؟
الشيخ: لا، الآية قد لا نقول: إن قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: النساء، واضحة، لكن عندما نقول: نزول المني لأنه شهوة مفسد للصوم فنقول: الاستمناء هو سبب النزول هذا، فإذا استمنى وأنزل فسد صومه.
الطالب: على هذا نقول: إن النظر بشهوة يفسد الصوم، واللمس بشهوة يفسد الصوم.
الشيخ: لا، لا بد من إنزال، النظر لولا أن النظرة الواحدة لا يمكن التحرز منها لقلنا أيضًا: إذا أنزل بنظرة واحدة فسد صومه.
الطالب: إذن العلة الشهوة والإنزال.
الشيخ: معلوم إي.
الطالب: إذا تخلف أحدهما؟
الشيخ: ما يمكن الإنزال بلا شهوة، يمكن يتخلف الإنزال عن الشهوة، ولا يمكن أن تتخلف الشهوة عن الإنزال، لو تخلفت عن الإنزال لن يكون له أثر، لو أنزل لمرض أو ما أشبه ذلك ما يضر.
طالب: شيخ قلنا: إن علة الإفطار الطعم مع الفائدة للجسم.
الشيخ: أيش؟
الطالب: علة الإفطار للجسم الإنسان يتلذذ، اللذة مع الفائدة، طيب يا شيخ كيف قلنا: إن الإفطار بالحصى والخَرَزة، هنا لا يستفيد به ولا يتلذذ؟
الشيخ: نقول: لو قائل بهذا لم يكن بعيدًا، لكن يبقى عندنا مسألة الخَرَزة وشبهها التي لا فائدة منها ولا يتلذذ بها الإنسان نأخذها بالعموم؛ لأن كوننا نعلل بالتلذذ مع التغذية علة استنباطية، والعلة المستنبَطة لا تخصِّص العموم، كما هو المعروف.
[ ١ / ٣٤٠٩ ]
طالب: أحيانًا الإنسان وهو صائم يتجشم ما يخرج من بطنه من طعام ويصل إلى حلقه () قيء يبلعه إلى جوفه؟
الشيخ: ينزل، ما يضر.
الطالب: ما هو الفم؟ حدود الفم؟ () اللسان؟
الشيخ: لا، طرف اللسان من أسفل.
طالب: الحقنة المعروفة () الإسلام هل هي ()؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: الحقنة المعروفة قديمًا هل هي مثل الحقنة الآن يا شيخ؟
الشيخ: الحقن، الإبر هذه؟ من باب أولى، لا تُفَطِّر.
الطالب: الحقنة القديمة كيف ()؟
الشيخ: الحقنة القديمة عبارة عن. .؟؟؟؟؟؟؟
أو حَجَمَ أو احْتَجَمَ وظَهَرَ دمٌ عامدًا ذاكرًا لصومِه فَسَدَ لا ناسيًا أو مُكْرَهًا، أو طارَ إلى حَلْقِه ذبابٌ أو غُبارٌ، أو فَكَّرَ فأَنزَلَ أو احْتَلَمَ أو أَصْبَحَ في فيه طعامٌ فلَفَظَه، أو اغْتَسَلَ أو تَمضمضَ أو اسْتَنْثَرَ أو زادَ على ثلاثٍ أو بالَغَ فدَخلَ الماءُ حَلْقَه لم يَفْسُدْ، ومَن أَكَلَ شاكًّا في طلوعِ الفجْرِ صَحَّ صومُه، إلا إن أَكَلَ شاكًّا في غُروبِ الشمسِ أو مُعْتَقِدًا أنه ليلٌ فبانَ نهارًا.
الشيخ: فنقول: الاستمناء هو سبب النزول هذا، فإذا استمنى وأنزل فسد صومه.
طالب: على هذا نقول: إن النظر بشهوة يفسد الصوم، واللمس بشهوة يفسد الصوم.
الشيخ: لا، لا، لابد من إنزال، النظر لولا أن النظرة الواحدة لا يمكن التحرز منها لقلنا أيضًا: إذا أنزل بنظرة واحدة فسد صومه.
الطالب: إذن العلة الشهوة والإنزال.
الشيخ: معلوم، إي.
الطالب: إذا تخلَّف أحدهما؟
الشيخ: ما يمكن إنزال بلا شهوة، يمكن يتخلف الإنزال عن الشهوة، ولكن لا يمكن أن تتخلف الشهوة عن الإنزال؛ لو تخلفت عن الإنزال لم يكن له أثر، لو أنزل لمرض أو ما أشبه ذلك ما يضر.
طالب: شيخ، قلنا: إن علة الإفطار الطعام مع الفائدة في الجسم.
الشيخ: إيش.
الطالب: الجسم، الإنسان يتلذذ، اللذة مع الفائدة، يا شيخ كيف قلنا بالإفطار في حق مَن بلع حصاة ولَّا خَرَزة؟
الشيخ: إي نعم.
[ ١ / ٣٤١٠ ]
الطالب: هنا لا يستفيد منه ولا يتلذذ.
الشيخ: إحنا نقول: لو قائل بهذا لم يكن بعيدًا، لكن يبقى عندنا مسألة الخَرَزَة وشبهها التي لا فائدة منها، ولا يتلذذ بها الإنسان، نأخذها بالعموم؛ لأن كوننا نعلل بالتلذذ مع التغذية علة استنباطية، والعلة المستنبَطة لا تخصِّص العموم كما هو معروف.
طالب: أحيانًا الإنسان وهو صائم يتجشَّأ فيخرج من بطنه طعم ويصل إلى حلقه، () يبلعه إلى جوفه؟
الشيخ: ينزل .. ()
إلى الفم، ما يضر.
الطالب: ما هو الفم، حدود الفم؟ () اللسان؟
الشيخ: لا، لا، طرف اللسان من أسفل.
طالب: الحقنة المعروفة في عصر الإسلام هل هي ..
الشيخ: كيف؟ كيف؟
الطالب: الحقنة المعروفة قديمًا هل هي مثل الحقنة الآن؟
الشيخ: الحقن، الإبر هذه؟ من باب أولى لا تفطِّر.
الطالب: الحقنة القديمة كيف ()؟
الشيخ: الحقنة القديمة عبارة عن لَيّ متصل بوعاء، هذا الوعاء يُجعل فيه أدوية معينة ثم يُدْخَل الليّ في الدُّبُر ويُفتح الدواء عليه.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف ﵀ في باب: ما يُفسد الصوم ويوجب الكفارة: أَوْ حَجَمَ أوِ احْتَجَمَ، وَظَهَرَ دَمٌ عامدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَسد، لا ناسيًا أَوْ مُكْرَهًا، أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ أوْ غُبَارٌ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْثَرَ أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المُفَطِّرات أصولها موجودة في القرآن.
طالب: موجودة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هي أصول ثلاثة.
[ ١ / ٣٤١١ ]
الشيخ: أصولها ثلاثة: الأكل، والشرب، والجماع، وهذه متَّفق عليها، لو أكل طينًا، هل يُفْطِر أو لا؟ أكل طينًا، سوَّى له طينة بيده ثم أكلها.
الطالب: هذا ما هو طعام يا شيخ.
الشيخ: ما هو طعام! إي.
طالب: شيخ يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر؟
الطالب: إي نعم، لعموم ..
الشيخ: لعموم الأكل، إي نعم، ولهذا يقال: فلان يأكل التراب مثلًا، يوجد بعض الحوامل، النساء إذا حملت في أول شهور الحمل، يأتيها حُب لأكل الطين، بعضها تأكل الفحم، وتختلف، يُسَمَّى عند الناس الوِحام أو الوَحم.
رجل شرِب دخانًا؟
طالب: يُفْطِر؛ لوصوله إلى المعدة.
الشيخ: يُفْطِر لوصوله إلى المعدة؟ يدخل في الأكل ولَّا في الشرب؟
الطالب: الدخان يتحول لحبيبات فيكون ().
الشيخ: الدخان معروف، يسمى سيجارة، يسمى تِتِن، إيش تقول فيه؟
الطالب: يدخل في الشرب.
الشيخ: يدخل في الشرب؛ لأنه يسمى شُرْبًا، رجل احتقن في دُبُره هل يُفْطِر؟ المذهب أنه يُفْطِر، والقول الثاني؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: أنه لا يُفْطِر، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعدم دخوله في الأكل والشرب، رجل قَطَّر في إحليله شيئًا، فهل يُفْطِر أو لا؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر، وعلى القول الثاني؟
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: إذن قول واحد لا يُفْطِر، لماذا؟
الطالب: لأنه لا يصل إلى جوفه.
الشيخ: لا يصل إلى جوفه، بخلاف الحقنة فإنها تصل إلى الجوف، هذا الفرق بينهما، يقول: لأن المثانة تمنع أن ينفذ شيء من الدُّهْن إلى جوف الإنسان؛ لأن البول ينزل رشْحًا.
استنشق رجلٌ الماء؟
طالب: استنشاق الماء؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يُفَطِّر.
الشيخ: يُفَطِّر؟ ما الدليل؟
الطالب: قوله ﷺ: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا» (١).
الشيخ: نعم، يفطِّر؛ لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، جملة معترضة لإفساح المجال.
[ ١ / ٣٤١٢ ]
رجل استقاء؟
طالب: إن كان متعمِّدًا فطر.
الشيخ: شوف السؤال: استقاء، أي: طلب خروج القيء، هل يُفْطِر أو لا؟
الطالب: إذا أنزل القيء.
الشيخ: إي؟
الطالب: أفطر.
الشيخ: أحسنت، إذن إذا قاء أفطر، أما إن حاول أن يقيء ولكن لم يخرج شيء فإنه لا يُفْطِر.
إنسان حاول خروج الماء الدافق حتى خرج؟
الطالب: يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر، هذا أَكْل؟
الطالب: لا.
الشيخ: شُرْب؟
الطالب: لا.
الشيخ: جماع؟
الطالب: بمعنى الجماع.
الشيخ: لا، ما هو بمعنى الجماع، لو أن أحدًا فعل بامرأة أجنبية هذا الفعل ما قلنا: زنى بها، ولا رجمناه ولا جلدناه.
الطالب: ولكن يُفْطِر يا شيخ؛ لأنه قضى شهوته.
الشيخ: وهل قضاء الشهوة يوجِب الفطر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
الشيخ: نعم، يعني؟
الطالب: يعني النهار غير ..
الشيخ: الجماع هذا.
الطالب: نعم.
الشيخ: نتكلم عن إنسان حاول إخراج الماء الدافق فخرج.
الطالب: نعم.
الشيخ: بغير جماع.
الطالب: نعم، هذا يُفْطِر يا شيخ؛ لأنه قضى شهوته، وأتى حاجته.
الشيخ: إي، ما هو الدليل على أن قضاء الشهوة يوجب الفطر؟
الطالب: نعم، قول النبي ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قالوا: نعم، قال: «فَإِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَذَلِكَ» (٢).
الشيخ: ما فيه ذكر الصيام إطلاقًا.
الطالب: هذا يا شيخ يدل على أن دَفْق المني يعني الشهوة، فإذا دفق المني في النهار فقد أتى شهوته.
الشيخ: وإتيان الشهوة يوجب الفطر؟
الطالب: ودليل أتاني من الخلف: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ» (٣).
الشيخ: لُقِّنْتَ يعني؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ٣٤١٣ ]
الشيخ: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ»، وهذا لا شك أن إنزال الماء الدافق من أعلى الشهوة.
رجل باشر زوجته فأَمْذَى.
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على ما مشى المؤلف؟
الطالب: على ما مشى المؤلف يُفْطِر.
الشيخ: نعم، والقول الثاني؟
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: أنه لا يُفْطِر، وهو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
رجل حَجَم؟
طلبة: ما أخذناها.
الشيخ: نأخذها إن شاء الله.
الطالب: مر علينا مسألة الاستمناء بالنظر والقياس، وذكرنا القياس أنه يُقَاسُ على الاحتجام وعلى خروج الدم؛ لأنه يورِث ضعف البدن، فقسنا المني على الدم.
الشيخ: نعم، هذا النظر، بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف ﵀: (أَوْ حَجَمَ أوِ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ).
(حَجَمَ) غيره، (احْتَجَمَ): طلب مَن يَحْجِمُه، فهنا حاجم وهنا محجوم.
يقول المؤلف: إنه إذا حَجَمَ غيره، أَوِ احْتَجَمَ، أي: طلب من يحجمه، وظهر دم، لهذا الشرط، فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم ولم يخرج شيء فإنه لا يُفْطِر.
وظاهر قول المؤلف: (وَظَهَرَ دَمٌ) أنه لا فرق بين أن يكون الدم الظاهر قليلًا أو كثيرًا، فإذا حجم الإنسان وظهر دم فإنه يُفْطِر، سواء كانت الحجامة في الرأس، أو في الكتفين، أو في أي مكان من البدن.
ومواضع الحجامة معروفة عند الحجَّامين، وأوقاتها أيضًا معروفة عند الحجَّامين، وأحوال المحجوم معروفة، مَنْ يمكن أن يُحْجَم، ومَنْ لا يمكن، ولهذا يجب على الإنسان إذا أراد الحجامة أن يحتاط، وأن يختار لمن يحجمه مَن هو معروف بالحِذق، لئلا ينزف دمه من حيث لا يشعر، ونزوف الدم خطير جدًّا.
وقوله: (وَظَهَرَ دَمٌ)، قلت: يشمل القليل والكثير، الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٤).
[ ١ / ٣٤١٤ ]
فإذا قال قائل: هذا الحديث فهمناه، هذا الحديث ضعَّفه بعض أهل العلم، وقال: إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن ضَعَّفَه فإنه لا يستدل به، ولا يأخذ به؛ لأنه لا يجوز أن يُحْتَج بالضعاف على أحكام الله ﷿.
ومن العلماء مَن صحَّحَه كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرِهما من الحفَّاظ، وعلى هذا يكون الحديث حجة، فإذا كان حجة وقلنا: إنه يُفْطِر بالحجامة الحاجمُ والمحجومُ، فما هي الحكمة؟
قال الفقهاء ﵏: إن هذا من باب التعبُّد، والأحكام الشرعية التي لا نعرف معناها تسمى عند أهل الفقه تعبُّدية، بمعنى أن الواجب على الإنسان أن يتعبَّد لله بها، سواءٌ علم الحكمة أم لا.
ولكن نسأل: هل لها حكمة معلومة عند الله؟
الجواب: نعم لا شك؛ لأن الله ﷾ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فما مِنْ حكم من أحكام الشريعة إلَّا وله حكمة عند الله ﷿، لكن قد تظهر لنا بالنص، أو بالإجماع، أو بالاستنباط، وقد لا تظهر.
فهذه المسألة -أعني إفطار الحاجم والمحجوم بالحجامة إذا ظهر الدم- هذه من الأحكام التعبُّدية التي يجب على الإنسان أن يتعبَّد لله بها وإن لم يعرف المعنى.
وهذه الأحكام التعبُّدية لها أصل أشارت إليه أم المؤمنين عائشة ﵂ حين سألتها عَمْرة بنت رواحة قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟
طالب: مُعاذة.
الشيخ: مُعاذة، قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نُؤْمَر بقضاء الصلاة (٥).
[ ١ / ٣٤١٥ ]
فوكَلَت الأمر إلى مَنْ؟ إلى حكم الله ورسوله، ولم تقل: لأن الصلاة تتكرر، والصيام لا يتكرر، وما أشبه ذلك مما ذكره الفقهاء؛ لأن المؤمن إذا قيل له: هذا حكم الله، فهذه الحكمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فالحاصل أن الأحكام التي لا تُعلم حكمتها تسمى عند العلماء تعبُّدية، يعني الواجب علينا أن نتعبَّد بها لله مع اعتقادنا أن لها حكمة ولا بد، لكن لقصورنا أو لتقصيرنا في طلب الحكمة صِرْنَا لا نعرفها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بل لذلك حكمة، أما المحجوم فالحكمة من كونه يُفْطِر هو أنه إذا خرج منه هذا الدم أصاب بدنه الضعفُ، الذي يحتاج معه إلى غذاء لترتد عليه قوته؛ لأنه لو بقي مثلًا إلى آخر النهار على هذا الضعف فربما يؤثر على صحته في المستقبل، فكان من الحكمة أن يكون مُفْطِرًا، ووجه ذلك أن الحجامة للصائم -إذا قلنا بأنها تُفَطِّر- لا تجوز في الفريضة إلَّا عند الضرورة، فإذا جازت للضرورة جاز له أن يُفْطِر، وإذا جاز له أن يُفْطِر جاز له إيش؟ جاز له أن يأكل، وحينئذ نقول: احتجِمْ وكُلْ واشرب من أجل أن تعود إليك قوتك وتَسْلَم مما يُتَوَقَّع من مرض بسبب هذا الضعف.
وعلى هذا فالقول بتفطير الصائم بالحجامة من مصلحة الصائم، أليس كذلك؟ من مصلحته، لماذا؟ لأننا نقول: إذا كان صومه فرضًا فإنه لا يجوز أن يحتجم إلَّا للضرورة، فإذا اضطُرَّ إلى ذلك وحَجَم قلنا: الآن أفطرت بعذر شرعي، وإذا أفطرتَ بعذر شرعي فَكُلْ حتى ترتدَّ عليك القوة، وعلى هذا فذلك من مصلحته، أما إذا كان الصوم نفلًا فالأمر واضح فيه، والصائم نفلًا له أن يخرج من صومه بدون عذر، لكنه يُكْرَه لغير غرض صحيح.
إذن صارت الحكمة بالنسبة للمحتجم ظاهرة أو غير ظاهرة؟
طلبة: ظاهرة.
الشيخ: ظاهرة، الحكمة بالنسبة للحاجم؟
[ ١ / ٣٤١٦ ]
الحكمة بالنسبة للحاجم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: إن الحاجم -عادة- يمص القارورة -قارورة الحجامة- وإذا مَصَّهَا فإنه بالضرورة سوف يصعد الدم إلى فمه، وربما من شدة الشفط ينزل الدم إلى بطنه من حيث لا يشعر، وهذا يكون شُرْبًا للدم، فيكون بذلك مُفْطِرًا، يقول: هذا هو الغالب، ولا عبرة بالنادر.
ولا أدري هل تعرفون قوارير الحجامة؟ قوارير الحجامة عبارة عن قارورة من حديد يكون فيها قناة دقيقة، يَمُصُّها الحاجمُ، ويكون في فمه قطنة من حين ما يمصها يسدها بهذه القطنة؛ لأنه إذا مصها تَفَرَّغ الهواء، وإذا تَفَرَّغ الهواء فلا بد أن يجذب الدم، ولهذا إذا جذب الدم ثم امتلأت القارورة سقطت، وأما ما دامت لم تمتلئ فهي باقية.
يقول: لا بد أن يصل إلى الحاجم شيء من هذا الدم من غير شعور، والحكمة إذا كانت غير منضبطة فإنه يؤخذ بعمومها، ولهذا قال: لو أنه حَجَم بآلات منفصلة لا تحتاج إلى مَصّ فإنه لا يُفطِر بذلك، أما الذين يقولون أنه تعبُّدي فيقولون: إن الحاجم يُفْطِر ولو حجم بآلات منفصلة؛ لعموم اللفظ.
فعلى كل حال فالذي يظهر لي -والعلم عند الله- أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أَوْلَى؛ أن نقول: أن الإنسان إذا حجم بطريق بطريق غير مباشر ولا يحتاج إلى مصه فلا معنى لأن نقول بأنه مفطر، والأحكام الشرعية يُنْظَر فيها إلى العلل الشرعية.
وقلت لكم: إن العلماء مختلفون في هذه المسألة، والقول بأن الحجامة مُفَطِّرة هو مذهب الإمام أحمد -﵀- وهو منفرد به عن المذاهب، وانفراد الإمام أحمد عن المذاهب لا يعني أن قوله ضعيف؛ لأن المسألة ما هي بالأكثرية كمجالس الناس اليوم، المسألة تعود إلى ما دَلَّ عليه الشرع، وإذا انفرد الإمام أحمد -﵀- بقول دل عليه الشرع فإن الجماعة معه، وله -يرحمه الله- مُفْرَدَات منظومة شرحها الشيخ منصور بن يونس البَهُوتِي، من أراد أن يرجع إليها فهي مفيدة.
[ ١ / ٣٤١٧ ]
يقول المؤلف: (وَظَهَرَ دَمٌ عامدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَسد)، اشترط المؤلف لفساد الصوم شرطين:
الشرط الأول: أن يكون عامدًا، وضدُّه: غير العامد، والشرط الثاني أن يكون ذاكِرًا، وضده الناسي.
فاشترط المؤلف -﵀- شرطين: العَمْد والذكْر، ومقتضى كلامه أنه لا يُشْتَرَط أن يكون عالِمًا؛ لأنه لم يذكر إلَّا شرطين: العمد، والثاني: الذكْر؛ أن يكون ذاكرًا، يعني فإن كان جاهلًا فإنه يُفْطِر؛ لأنه لم يشترط أن يكون عالِمًا.
لو أن الإنسان لم يتعمد فإنه لا يُفْطِر، مثل أن يطير إلى فمه غبار أو دخان، أو يدخله حشرة من ذباب أو غيره بغير قصد، فإنه لا يُفْطِر بذلك، والدليل قوله ﵎: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهذا لم يتعمد قلبه تناول المفسِد فيكون صومه صحيحًا، ولهذا قال: (لَا نَاسِيًا) وهذا ضد؟
طالب: ذاكرًا.
الشيخ: ذاكرًا، أو مُكْرَهًا، وهذا ضد؟
طلبة: عامدًا.
الشيخ: عامدًا.
قبل أن نتكلم على الشرطين نسأل: هل يُلْحَق بالحجامة الفَصْد والشَّرْط والإِرْعاف، وما أشبه ذلك؟
الفَصْد: يعني فَصْد العِرْق، والشَّرْط كذلك: شَقّ العِرْق؛ إن شققته طولًا فهو شَرْط، وإن شققته عَرْضًا فهو فَصْد، فهل يُلْحَق هذا بالحجامة، ونقول: إن الإنسان إذا شَرَط عِرقه حتى خرج منه الدم أفطر؟ وكذلك إذا فَصَدَه؟ وكذلك إذا أَرْعَف نفسه وهو الذي تعمَّد أن يُرعِف من أجل أن يخِفَّ رأسُه؟
المذهب: لا يُلْحَق بالحجامة، ويكون جائزًا للصائم فرضًا ونفلًا، لماذا؟ لأن الأحكام التعبُّدية لا يُقَاسُ عليها، وهذه قاعدة أصولية فقهية من قواعد أصول الفقه (الأحكام التعبُّدية لا يقاس عليها)؛ لأن من شرط القياس اجتماع الأصل والفرع في العلة، وإذا لم يكن علة فلا قياس، فيقولون: إن الفطر بالحجامة تعبُّدي، والتعبُّدي لا يقاس عليه.
[ ١ / ٣٤١٨ ]
أما على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو أن علته معقولة معلومة- فيقول: إن الفَصْد والشَّرْط يُفسِدان الصوم، وكذلك لو أَرْعَفَ نفسه، لو أَرْعَفَ نفسه حتى خرج الدم من أنفه فإنه يُفْطِر بذلك، وقوله -﵀- أقرب إلى الصواب.
وأما مغالاة العامة الآن بحيث إن الإنسان لو استاك وأَدْمَت لِثَتُه قالوا: أفطر، ولو حَكَّ جلده حتى خرج الدم من حِكَّتِه قالوا: أفطر، ولو قلع ضرسه وخرج الدم قالوا: أفطر، ولو أَرْعَفَ بدون اختياره جاؤوا يسألون: هل يُفْطِر أو لا يُفْطِر؟ كل هذه مبالغة، فقلع الضرس لا يُفْطِر ولو خرج الدم؛ لأن قالع ضرسه لا يقصد بذلك إخراج الدم، وإنما جاء خروج الدم؟
طالب: تبعًا.
الشيخ: تبعًا، وكذلك لو حك الإنسان جلده، أو لو بَطَّ الجَرح حتى خرجت منه المادة العفنة كل ذلك لا يضر.
بقي علينا الشرطان اللَّذَان ذكرهما المؤلِّف، أن يكون إيش؟
طلبة: عامدًا.
الشيخ: (عامدًا ذَاكِرًا)، ما هو الدليل؟
نقول: أما اشتراط كونه ذاكِرًا فدليله حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٦).
وقوله: «وَهُوَ صَائِمٌ»، يشمل الفريضة والنافلة، «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
وانظر الحديث: «أَطْعَمَهُ اللهُ» فلم ينسب الفعل إلى الفاعل، بل إلى الله؛ لأنه ناسٍ، لم يقصد المخالفة، ولم يقصد المعصية، فلهذا نُسِب فعله إلى مَن أنساه وهو الله ﷿، هذا دليل واضح، وهو دليل خاص.
ولدينا دليل عام؛ قاعدة شرعية من أقوى قواعد الشريعة وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: قَدْ فَعَلْتُ (٧)، فصار في النسيان دليلان: عام وخاص.
[ ١ / ٣٤١٩ ]
وإذا اجتمع في المسألة دليلان عام وخاص فأيهما أولى؟
طالب: الخاص.
الشيخ: أن نستدل بالخاص أو بالعام؟
طلبة: الخاص.
الشيخ: أن نستدل بالخاص؛ لأننا إذا استدللنا بالعام فإنه قد يقول قائل: هذا عام، والمسألة هذه مستثناة من العموم، مثلًا، قد يَدَّعي هذا، مع أنه لو ادَّعاه لكانت الدعوى مردودة؛ لأن الأصل أن العموم شامل لجميع أفراده، هكذا قال النبي ﵊، حيث قال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (٨)؛ لأن «عِبَادَ اللهِ الصَّالِحِينَ» عامة، فالعموم يشمل جميع أفراده، فلو استدلَلْنا على أن الناسي إذا أكل أو شرب لا يفسُد صومه بآية البقرة، استدلال صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: ولو ادَّعَى مُدَّعٍ أن هذا خارج قلنا له: نعم، أين الدليل؟ الأصل أن العام شامل لجميع أفراد العموم، والدليل على هذا الأصل حديث: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»، لكن الحمد لله المسألة فيها دليل خاص.
أكل ناسيًا أو شرب ناسيًا، ولَمَّا جعل يَعْلُك اللقمة ذكر أنه صائم، فهل يلزمه أن يلفُظَها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يلزمه أن يلفُظَها؛ لأنها في حكم الظاهر، الفم في حكم الظاهر، والدليل أنه في حكم الظاهر أن الإنسان الصائم يتمضمض ولا يَفْسُد صومه.
ابتلعها حتى وصلتْ ما بين حنجرته ومعدته، هل يلزمه أن يخرجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يلزمه، ولو حاول وأخرجها لفَسَد صومه من جهة التقيؤ.
[ ١ / ٣٤٢٠ ]
هذا رجل -ذكروه لنا سابقًا ونحن صغار- يقول إنه اشترى عنبًا، والعنب في ذلك الوقت قليل جدًّا، مَن يحصل على عنقود من العنب، فجاء به إلى أهله، وكان الناس يفرحون بالعنب جدًّا، العنقود يساوي عندهم شيء كثير، فوضعه في منديل، وكأنه أعجبه، فجعل يأكل وهو صائم، يأكل ويأكل ويأكل حتى خَلَصَ ما في المنديل إلَّا واحدة، ذَكَر أنه صائم، فقال في نفسه: إن كان ما أكلته من العنب سابقًا لا يُفَطِّر فهذه ما تُفَطِّر، واحدة من مئات، وإن كان ذاك يُفَطِّر فقد أفطرت، فأكل الواحدة، فاستفتى بعض العلماء وقال له: أَعِد صومك، لماذا؟ لأنه ..
طلبة: تعمد.
الشيخ: لأنه تعمَّد أكل هذه.
لكن لو قال قائل: أفلا يَرِدُ عليه أنه جاهل؟ قلنا: بلى، لكن على القول بأن الجهل لا يُعْذَر فيه بالصيام يُفطِر ما فيه إشكال، وعلى القول الثاني أنه يُعذَر فيه، يتوجه احتمالان؛ أن يكون مُفْطِرًا، وأن لا يكون مُفْطِرًا؛ لأن كونه يتعمد أن يأكلها وهو عالم أنه صائم دون أن يسأل ويتحرى يكون بذلك مُفَرِّطًا، وعلى كل حال نقول: الحمد لله، عنبة بيوم، اقض يومًا ولا يضرك إن شاء الله، وينتهي.
بقي عليه يقول: (لا ناسيًا أَوْ مُكْرهًا)، قال: (ولو بِوَجُورِ مُغْمًى عليه معالجةً).
طالب: ().
الشيخ: ها؟
الطالب: ().
الشيخ: نعم، (أَوْ مُكْرَهًا)، يعني إذا كان مُكْرَهًا فإنه لا يُفْطِر، فيُشترط أن يكون عمدًا، ودليله ما ذكرناه قبل قليل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
يقول: (ولو بوَجُورِ مغمًى عليه معالجةً)، وهذه يُحتاج إليها.
طالب: ().
[ ١ / ٣٤٢١ ]
الشيخ: هي شرح، (ولو بوَجُورِ مغمًى عليه معالجةً)، يعني الإنسان أُغْمي عليه وهو صائم فجعلوا يصبُّون في فمه ماءً لعله يصحو، فَصَحَا، هل يُفْطِر بذلك؟ يقول الشارح: لا يُفْطِر بهذا؛ لأنه غير قاصد، الذي صب به الماء آخر، وهو مُغْمًى عليه لا يُحِس، فعلى هذا نقول: هذا الرجل الذي صببنا فيه الماء معالجةً لا يُفْطِر؛ لأن ذلك بغير قصد منه، كما لو أتيت إلى شخص نائم وصببت في فمه ماءً وهو نائم، فهل يُفْطِر بهذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يُفْطِر؛ لأنه بغير قصد، وإذا صببت به الماء سوف يزدرده، يبتلعه وهو نائم، ولكنه يبتلعه وهو غير تامِّ الشعور، فلا يكون صومه فاسدًا.
بقي علينا أننا نزيد نحن هنا شرطًا ثالثًا دَلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، وهو أن يكون عالِمًا، فتكون شروط المُفَطِّرات ثلاثة: العلم، والذِّكْر، والعمد.
فإن كان ضد العلم الجهل، والجهل ينقسم إلى قسمين: جهل بالحكم، وجهل بالحال.
الجهل ينقسم إلى قسمين: جهل بالحكم الشرعي، يعني: لا يدري أن هذا حرام مثلًا، وجهل بالحال: لا يدري أنه في حال يَحْرُم عليه الأكل والشرب، وكلاهما عذر، الدليل لذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا انتفت المؤاخذة انتفى ما يترتب عليها، وهذا عامٌّ.
وهناك دليل خاص في هذه المسألة للنوعين من الجهل؛ أما الجهل بالحكم فدليله حديث عَدِيّ بن حاتِم ﵁ أنه أراد أن يصوم، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فماذا صنع؟ أتى بعِقال أسود، عِقال البعير؛ حبل تُرْبَط به يد البعير، أتى بعِقال أسود وعقال أبيض، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل وينظر إلى الخيطين، حتى تَبَيَّنَ الخيط الأبيض من الخيط الأسود فتوقف، هذا أخطأ في أيش؟
طالب: ().
[ ١ / ٣٤٢٢ ]
الشيخ: في الحكم، في فهم الآية، وهذا خطأ في الحكم، الحكم أن الخيط الأبيض بياض النهار، والأسود سواد الليل، فلما جاء إلى النبي ﵊ أخبره، قال له: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ أَنْ وَسِعَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ» (٩)، صحيح ولَّا لا؟ صار وساده مَدّ الأفق، الخيط الأبيض يمتد من الشمال إلى الجنوب، فقال: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» أنْ وَسِع الخيط الأبيض والأسود، ولم يأمره بالإعادة، لماذا؟ لأنه جاهل، ما قصد ولا تعمد مخالفة الله ورسوله، بل رأى أن هذا هو حكم الله ورسوله، فعُذِر بهذا، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء.
وأما الجهل بالحال فقد ثبت في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا في يومِ غَيْمٍ على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم طلعت الشمس (١٠)، هؤلاء أفطروا في النهار وأكلوا في النهار بناءً على إيش؟
طلبة: غروب الشمس.
الشيخ: على أن الشمس قد غربت، فهم جاهلون، لا بالحكم الشرعي ولكن بالحال، لم يظنوا أن الوقت في النهار، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لكان من شريعة الله، ولكان محفوظًا، فلمَّا لم يُحْفَظ ولم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمرهم بالقضاء فالأصل براءة الذمة وعدم القضاء.
إذن نزيد في الشروط شرطًا ثالثًا وهو؟
طلبة: العلم.
الشيخ: العلم، وضده الجهل؛ سواء كان الجهل بالحكم الشرعي أو بالحال فإنه لا يُفَطِّر، ولكن هؤلاء الذين أفطروا قبل أن تغيب الشمس إذا تَبَيَّنَ أن الشمس لم تغرُب، هل يقولون: نحن أفطرنا الآن أو لا؟
طلبة: ().
[ ١ / ٣٤٢٣ ]
الشيخ: لا، يجب عليهم الإمساك، يجب عليهم أن يُمْسِكوا؛ لأنهم أفطروا بناءً على سبب تَبَيَّن عَدَمُه، وهذا يجرُّنا إلى مسألة مهمة، وهي أن مَن بنى قوله على سبب تَبَيَّنَ أنه لم يوجَد فلا حكم لقوله، وهذا له مسائل كثيرة، من أهمها: ما يقع لبعض الناس في مسألة الطلاق، يقول لزوجته مثلًا: إنْ دخلت دار فلان فأنت طالق، بناءً على أن عنده آلات محرَّمة كالتلفزيون أو غيرها، ثم يَتَبَيَّن أنه ليس عنده شيء من ذلك، فهل إذا دخلَتْ تطلُق أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لا تطلق؛ لأنه مبني على سبب تَبَيَّنَ زواله، وهذا هو القياس شرعًا وواقعًا.
نعود إلى قضية عَدِيّ بن حاتِم استدل بها البلاغيون على مسألة دَعَوْها -والله أعلم بصحتها- يقولون: كلما كان الإنسان طويل الرقبة كان غَبِيًّا، إذا كان طويل الرقبة كان غَبِيًّا، لماذا؟ لتباعد ما بين الدماغ والقلب، فيضعف فَهمه، ولهذا قول الرسول ﵊: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ»؛ لأن عَرْض الوسادة يدل على طول الرقبة، وطول الرقبة يدل على البلاهة، وهذا قول باطل من أبطل الأقوال، كيف يصف الرسول ﵊ رجلًا مجتهدًا بأنه أبله؟ هذا لا يقع من أدنى واحد، فكيف بالرسول؟ !
طالب: الاحتجام من أي أصول المُفَطِّرات؟
الشيخ: هذه مستقلة، جاءت بها السُّنَّة.
طالب: أحسن الله إليكم، من احتجم ناسيًا أو جاهلًا، أو استقاء ناسيًا أو جاهلًا، فهل نقول أنه يُفْطِر لأنا عَلَّلْنا بأن جسمه يَضْعُف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُفْطِر؟
الشيخ: ما يُفْطِر، لكن لو ضَعُف واحتاج إلى الفطر أفطر لضعفه.
الطالب: () الجهل.
الشيخ: إي، هو الآن نقول: لا يُفْطِر، صومه صحيح، لكن لو فُرِض أنه بالقيء تَعِب، لما خَلَت المعدة تعب واحتاج إلى الفطر يُفْطِر.
الطالب: بس هذا ما يناقض ما قاله شيخ الإسلام؟
الشيخ: لا، النادر لا حكم له.
[ ١ / ٣٤٢٤ ]
طالب: شيخ، حفظكم الله، رجل تبرع بدمه وهو صائم، فهل يُفْطِر يا شيخ؟
الشيخ: الغالب أن الدم المتبَرَّع به أنه كثير، يعني يُلْحِق البدن من الضعف ما تُلْحِقُه الحجامة، وبناء على ذلك يكون مفطِرًا.
الطالب: يقاس؟
الشيخ: إي نعم، فإذا كان صومه فريضة فإنه لا يجوز أن يتبرع إلَّا إذا كان هناك ضرورة، وهذا بناء على ما ذهب إليه شيخ الإسلام، أما على المذهب فلا.
طالب: شيخ، إذن على هذا القول أن الأصول أربعة؛ أصول الفطر: الأكل، والشرب، والشهوة، والضرر، ولَّا لا؟
الشيخ: ممكن أن نقول هكذا، ويمكن إذا قلنا بأنها تعبُّدية ما تكون هكذا، نقول: هذه جاءت بها السُّنَّة مستقلة.
طالب: أخذنا قاعدة أن العلة إذا كانت غير مستنبَطة يعني تقريبًا غير منصوص عليها، وعادت على النص بالإِبطال، فإنها لا يؤخذ بها.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وقول شيخ الإسلام ابن تيمية يعود على النص بالإبطال.
الشيخ: وهو؟
الطالب: أن ..
الشيخ: الحاجم إذا لم يمص القارورة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، هو صحيح هذه تَرِد على هذه القاعدة، ولهذا قلنا لكم: نحن الظاهر لنا كلام شيخ الإسلام هو الأقرب، بالنسبة للمحجوم واضح، بالنسبة للحاجم قد نقول: إنه إذا كانت العلة هذه غير منصوص عليها ولا مُجْمَع عليها فلا ينبغي أن نقول بأنها تُفَطِّر، لكن لقائل أن يقول: إن الرسول ﷺ يتكلم عن شيء معهود في زمنه، الحاجم يعني المعهود، فتكون (أل) بمعنى العهد الذهني المعروف عندهم، أما اللي يحجم بآلات فهذا بعيد.
طالب: شيخ، إذا كان في المدينة حاجم واحد، وكل واحد في قريته في كل يوم من أيام رمضان واحد مضطر إنه يحتجم، فهل يكون كل الشهر مُفْطِرًا؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا الفرض؟ يقول: إذا كان ليس في المدينة إلَّا حاجم واحد، وكل يوم يجيه واحد مضطر في رمضان، له أن يقول: ما بحجم، إلَّا إذا خاف أن يهلك؛ لأن أحيانًا يثور الدم على الإنسان وربما يُهْلِكُه.
[ ١ / ٣٤٢٥ ]
الطالب: هل يجوز للحاجم ..؟
الشيخ: يجوز.
الطالب: يُفْطِر كل رمضان؟
الشيخ: إي، وماذا يصنع؟ مثل ما لو كان كل يوم يطلع يلقى حريق ولَّا غريق.
الطالب: بالليل الحجامة.
الشيخ: أخاف يصير مُضْطَرّ، وإلَّا عاد نعم تأخير الليل واضح إذا أمكن، حتى لو عاد ما فيه إلَّا واحد يحجم إذا كان يمكن بالليل.
يقول: أثناء الصلاة يجد بعض الناس ضيقًا شديدًا في الصلاة، وبعض الأحيان يضطر إلى الرجوع إلى الخلف، وأيضًا في التشهد الأخير بعض الإخوان -هداهم الله- يفترش ولا كأن بجواره أحدًا، وربما يكون -ما شاء الله- قد أعطاه الله صحة؟
على كل حال السُّنَّة في التشهد الأخير في الصلاة التي فيها تشهدان أن يتوَرَّك، لكن إذا كان يخشى من أذيَّة جاره فهذه سُنَّة تُتْرك من أجل دفع الأذى.
تقول: رجل عنده بعض الخبرة في الفَصْد والحجامة، وجاءه في يوم من أيام رمضان في النهار مريض يجوز له الفطر لضرورة المرض، ما رأيكم هل يفصده أو يحجمه؟
ما دام مريضًا يجوز له الفطر فهو يُفْطِر.
طالب: ().
الشيخ: إي.
الطالب: () بعض الناس ().
الشيخ: إي نعم، لكن هل ما يمكن يصبر إلى الليل؟ إن كان يصبر إلى الليل عشان ما يُفْطِر الحاجم، إنما الْمُفْطِر الآن الحاجم هو المشكل، ولَّا المحجوم ما دام مريضًا يجوز له، لكن إذا كان فيه ضرورة، يعني يُخشى أن يموت قبل الليل فهنا يحجمه، ويُفْطِر هذا الحاجم.
هذا السؤال الثالث والباقي، يقول: ذكرتم أن الحقنة لا تُفَطِّر ولو غذَّت الجسم؛ لأنها ليست بمعنى الأكل والشرب، فهل يقاس عليها الإبر المغذية؟ وهل هي بمعنى الأكل والشرب؟
نعم الإبر المغذِّيَة نرى أنها تُفَطِّر الصائم؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، فيه فائدة للجسم.
تقول: ما القول الصحيح في مسألة احتجاب المرأة عن الرجل الأعمى؟
والسؤال الثاني: أسقطت طفلًا له شهرين أَيُصَلَّى عليه وتعتد كعدة النُّفَسَاء؟
[ ١ / ٣٤٢٦ ]
أما الأول: فالصحيح أنه لا يجب عليها أن تحتجب عن الرجل الأعمى.
وأما الثاني فلا يُصلَّى عليه؛ لأنه لا يُصَلَّى إلَّا على مَن بلغ أربعة أشهر، وليس فيه نفاس أيضًا؛ لأن النفاس لا يكون إلا إذا خُلِّق، ولا يُخَلَّق في شهرين.
طالب: تصلِّي هي؟
الشيخ: تصلِّي نعم، إذا صارت شهرين تصلِّي.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
نقل المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُفسِد الصوم ويوجب الكفارة: أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه.
الشيخ: نقل عن مَنْ؟ عمَّن نقل؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، يقال: نقل، في الأحاديث وشبهها، أما المؤلَّف هو اللي ألَّفه.
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُفسِد الصوم ويوجب الكفارة: أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ، أوْ غُبَارٌ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْثَرَ، أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ، إلَّا ..
الشيخ: لا إِنْ أَكَلَ.
الطالب: لا إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الْمُفَطِّرات التي مرت بنا يُشترط لكونها مُفَطِّرة شروط؟
طالب: العَمَدْ.
الشيخ: العَمْد، وضده؟
الطالب: الجهل.
الشيخ: الجهل؟
الطالب: لا، العَمْد، وضده الإكراه، الإكراه والخطأ.
الشيخ: الخطأ من الجهل.
طالب: الشرط الأول العَمْد، وضده عدم العَمْد.
الشيخ: يعني عدم العَمْد، يعني أن لا يقصد الشيء، أحسنت.
الطالب: وأن يكون ..
الشيخ: اصبر، يكفي، ما هو الدليل على اشتراط العَمْدية؟
[ ١ / ٣٤٢٧ ]
طالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، () هنا خطأ.
الشيخ: الخطأ متعمِّد لكن جاهل.
الطالب: ().
الشيخ: لا، الخطأ قرين النسيان وهو الجهل.
الطالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ أَكَلَ شَيْئًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ» (٦).
الشيخ: إذا نسي.
الطالب: ().
الشيخ: نعم؟
الطالب: قال النبي ﷺ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنَّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١١).
الشيخ: إي نعم، أين الدليل؟ هذا ما أُكْرِه، لكن لم يتعمَّد.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
الشيخ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾.
الطالب: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.
الشيخ: إي، ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
مثال غير العامد؟
طالب: إنسان جامع في نهار رمضان.
الشيخ: حد بيجامع من غير عمد؟
الطالب: غير عامد في الصيام؟
الشيخ: غير عامد لما حصل من المُفَطِّرات.
الطالب: نعم، الوضوء ..
الشيخ: لا، مثال، ما هو دليل.
الطالب: مثال غير العامد شرب ناسيًا.
الشيخ: لا، ناسي.
الطالب: غير العمد مَن دخل في فمه غبار مثلًا أو ذباب.
الشيخ: إي، أو تمضمض فنزل الماء بغير قصد، هذا غير عامد، هذا لا يُفْطِر.
يُشترط شرط آخر؟
الطالب: العلم.
الشيخ: العلم، وضدُّه؟
الطالب: الجهل.
الشيخ: وضدُّه الجهل، أحسنت، ما الدليل؟
الطالب: الدليل أن الجهل نوعان؛ جهل بالحال وجهل ..
الشيخ: لا، الدليل أولًا.
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: أحسنت، والجهل؟ الجهل خطأ، ذكرنا أن الجهل ينقسم إلى قسمين.
طالب: نعم، قسمين، الجهل بالحال.
الشيخ: إي.
الطالب: وجهل بالحكم.
الشيخ: بالحكم، وكلاهما يُعذر به؟
الطالب: كلاهما يُعذر به.
[ ١ / ٣٤٢٨ ]
الشيخ: أحسنت، ما هو الدليل الخاص على العذر بالجهل بالحكم؟
طالب: () ورُوِي عن عَدي بن حاتِم أنه () ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
الشيخ: نعم.
الطالب: الشاهد من الحديث أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» (٩) ولم يأمره بالقضاء.
الشيخ: إي، ولكن ويش اللي فعله هو، عَدي بن حاتِم ماذا فعل؟
الطالب: أخذ خيطًا من عِقال أبيض وعِقال أسود، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
الشيخ: أحسنت، حديث عَدي بن حاتِم أنه أتى بعقالين أبيض وأسود وهو يريد أن يصوم، وجعلهما تحت الوسادة التي هو متكئ عليها، فكان يأكل ويشرب، وينظر إلى هذين العقالين، فلما تبين الأبيض من الأسود أمسك، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يأمره بالقضاء.
الجهل بالحال؟
طالب: أفطر.
الشيخ: مثاله.
الطالب: أن يفطر الإنسان في يوم غيم ().
الشيخ: يظن أنها؟
الطالب: يظن أنها غابت الشمس.
الشيخ: أنها غابت الشمس، تمام، هل يُفْطِر أو لا؟
الطالب: يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر؟ إذن معناه لم تعذره بالجهل.
الطالب: لأنه علم أنها ..
الشيخ: ما عَلِم أنها غابت، لو علم أنها غابت ما ذهب يُفْطِر.
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر؛ لأنه؟
الطالب: علم.
الشيخ: لأنه ..
الطالب: جاهل، جاهل.
الشيخ: جاهل بإيش؟
الطالب: بالحكم.
الشيخ: بالحكم؟ لا، يدري أنه لا يجوز الأكل قبل غروب الشمس.
الطالب: جاهل بالحال.
الشيخ: جاهل بالحال، يعني يظن أن الشمس غربت، فهو جاهل بالواقع، طالما أن الحال هنا الواقع، الحال يعني الجهل بالواقع.
ما هو الدليل على هذا؟
طالب: حديث أسماء ﵂ قالت: أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ، ثم طلعت الشمس، ولم يأمرنا ﷺ بالقضاء ().
[ ١ / ٣٤٢٩ ]
الشيخ: حديث أسماء أنهم أفطروا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، ولم يأمرهم بالقضاء.
إذا قال قائل: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، يعني كونه لم يُنقَل أنه أمرهم لا يدل على أنه لم يأمرهم، فبماذا نجيب؟
طالب: هذا مما تدعو الحاجة إلى نقله.
الشيخ: نعم.
الطالب: وهذا شرع يجب أن يُحفظ.
الشيخ: نعم.
الطالب: فما دام لم يُنقل دَلَّ على أنه لم يأمرنا به النبي ﷺ بالقضاء.
الشيخ: أحسنت، لو كان القضاء واجبًا لأمرهم به؛ لأنه شرط، ولو أمرهم به لوجب أن يُنقل إلينا؛ لأن الشرع لا بد أن يكون محفوظًا فلا يضيع.
الشرط الثالث؟
طالب: ذاكرًا.
الشيخ: ذاكرًا، ضدُّه؟
الطالب: النسيان.
الشيخ: الناسي، يعني لو أكل أو شرب وهو صائم ناسيًا؟
الطالب: صائم.
الشيخ: يُفْطِر ولَّا ما يُفْطِر؟
الطالب: ().
الشيخ: لا يُفْطِر؟
الطالب: الناسي لا يُفْطِر.
الشيخ: إي نعم هو ناسي، أكل شرب على العادة، مرَّ بالبرَّادة وهو عطشان، فعلى العادة شرب ناسيًا.
الطالب: يتم صومه.
الشيخ: ما هو الدليل العام والخاص؟
الطالب: الدليل العام: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: والخاص؟
الطالب: الخاص ورد عن النبي صلى عليه وسلم.
الشيخ: حديث أبي هريرة.
الطالب: مَنْ نسي.
الشيخ: أن النبي.
الطالب: أن النبي ﵊ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ إِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٦).
الشيخ: أحسنت، هذا هو المهم في درسنا في معرفة المُفَطِّرات هو معرفة هذه الشروط، حتى لا نُفْسِد صوم أحد إلا بدليل شرعي يكون لنا حجة عند الله؛ لأن الله تعالى سيقول لنا: لماذا أفسدتم عبادة عبادي بلا إذن مني؟
[ ١ / ٣٤٣٠ ]
وهذا أمر مهم؛ لأن بعض الناس يتساهل في هذا الأمر، والإنسان المفتي أو المؤلف يَحْكي عن الله، ويقول على الله، فلا بد أن يعرف له جوابًا عند الله يوم القيامة إذا سأله: كيف أفسدتَ عبادة عبادي بدون إذن مني؟ فماذا يقول؟
فإذا جاءت النصوص -ولله الحمد- مُيَسِّرة على العباد عاذِرَةً لهم بالجهل والنسيان وعدم القصد، فلماذا نحن نُلزِم الناس بشيء قد عفا الله عنه، وعفو الله تعالى أوسع من مؤاخذته، ورحمته أوسع من عقوبته، ورضاه أوسع من غضبه -﷿.
وهذه مسألة ينبغي للإنسان طالب العلم الذي يمن الله عليه بالفتوى أن يجعل هذا السؤال نصب عينيه: لماذا ضيَّقْتَ على عبادي بالشروط؟ لماذا أفسدتَ عبادة عبادي بلا دليل؟ وما أشبه ذلك.
طالب: ضد العَمْد ما هو؟
الشيخ: ضد العَمْد عدم الاختيار، يعني أنا ما اخترت هذا الشيء، فعامدًا بمعنى مختارًا، كل شيء يحصل بلا قصد أو بإكراه؛ لأن الْمُكْرَه يفعل الشيء بلا قصد.
إنسان أُغْمِيَ عليه وهو صائم، فاضطُرَّوا إلى أن يُوجِرُوه بدواء.
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر؟ لماذا؟
الطالب: لعدم قصد الفطر.
الشيخ: لعدم القصد منه، صحيح؟ وهل يجوز لهم أن يفعلوا ذلك به؟
الطالب: يجوز لهم للحاجة.
الشيخ: يجوز لهم للضرورة؛ ولأنه لا يُفْطِر، صومه لن يَفْسُد بهذا العمل.
رجل قبَّل زوجته فأمذى.
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على كلام المؤلف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: حتى على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: على ما ذهب إليه المؤلف أنه يُفْطِر.
الشيخ: أنه يُفْطِر؛ لأنه يجعل المذي؟
الطالب: ().
الشيخ: كالإنزال، رجل كَرَّرَ النظر فأمذى، أَيُفْطِر؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على رأي المؤلف؟
الطالب: وعلى رأي المؤلف يُفْطِر.
طالب آخر: بلى يُفْطِر.
الشيخ: ما تقولون؟ أيهما أصح أيهما؟ الثاني أو الأول؟
طلبة: الثاني.
[ ١ / ٣٤٣١ ]
الشيخ: الثاني، وهنا فرَّق المؤلف بين الإمذاء والإمناء، والصواب أن الفرق بينهما في هذه الحال وغيرها.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما لا يُفْسِد الصوم: (أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ) يعني: فلا يُفْطِر؛ لأنه بغير قصد، لكن لو كان مستقَر الذباب حين طار أقصى الفم فإنه يمكنه أن يُخْرِجَه، إنما لو ذهب إلى الحَلْق فإنه لا يمكن أن يخرجه، وربما لو حاول إخراجه لتقيأ، لذلك نقول: يُعفى عنه.
كذلك إذا طار إلى حلقه غبار، فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد، ولا يقال للعامل الذي يعمل في التراب: لا تعمل وأنت صائم؛ لأنك لو عملت وأنت صائم لطار إلى حلقك غبار؛ لأننا نقول: إن طيران الغبار إلى حلقه ليس بمقصود، هو يريد أن يعمل في التراب، ومن يعمل في التراب فلا بد أن يطير إلى حلقه الغبار، فإذا طار إلى حلقه غبار فإن ذلك لا يضر.
أفلا يمكن أن يقال: ما دام هذا العمل وسيلة إلى إفطاره أفلا نقول: إنه لا يجوز أن يعمل؟
الجواب أن نقول: هذا ليس وسيلة إلى إفطاره؛ لأنه إذا طار إلى حلقه غبار بلا قصد فإنه؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر.
كذلك إذا يقول: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)، (فَكَّرَ) يعني: في الجماع، (فَأَنْزَلَ)، سواء كان ذا زوجة ففكر في جماع زوجته، أو لم يكن ذا زوجة ففكر في الجماع عمومًا فأنزل فإنه لا يفسد صومه بذلك، ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (١٢)، وهذا لم يعمل، ولم يتكلم، إنما حدَّث نفسه وفكَّر فأنزل.
وعُلِم منه -من كلامه- (فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) أنه لو حصل منه عمل فإنه يُفْطِر أو لا؟ يُفْطِر، يعني لو حصل منه عمل بأن تدَلَّك بالأرض حتى أنزل، أو حرَّك ذكره حتى أنزل، أو قبَّل زوجته حتى أنزل، أو ما أشبه ذلك فإنه يُفْطِر.
[ ١ / ٣٤٣٢ ]
قوله: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ أوِ احْتَلَمَ)، (احْتَلَمَ) فإنه لا يُفْطِر، حتى لو نام على تفكير، واحتلم في أثناء النوم فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن النائم غيرُ قاصد، وقد رُفِع عنه القلم فلا يُفْطِر إذا احتلم.
أحيانًا يستيقظ الإنسان حينما يتحرك الماء الدافق، فهل يلزمه -في هذه الحال- أن يمسكه؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ لا؛ لأنه انتقل من محله، ولا يمكن رده، وحَبْسُهُ بالضغط على الذَّكَر مُضِرّ، فيقال في هذه الحال: يمشي، كما أنه لو تحركت معدته ليتقيأ فإنه لا يلزمه أن يحبسها؛ لما في ذلك من الضرر.
يقول: (أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ)، فهنا لا يفسُد صومه؛ لأنه لم يبتلع طعامًا بعد طلوع الفجر، كيف يتصور هذا؟ يتصور إذا كان الإنسان مثلًا يأكل تمرًا، وصار في أقصى فمه شيء من التمر، ولم يُحِسّ به إلَّا بعد أن طلع الفجر، نقول في هذه الحال: الفِظْ هذا وصومك صحيح، ولا بأس.
يقول: (أوِ اغْتَسَلَ) اغتسل فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم؟
طالب: القصد.
الشيخ: لعدم القصد.
(أوْ تَمَضْمَضَ) فدخل الماء إلى حلقه، حتى وصل إلى معدته، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
(أوِ اسْتَنْثَرَ) والمراد: استنشق؛ لأن الاستنثار يَخرج الماء من الأنف، فإما أن تكون هذه من المؤلف سبقة قلم، أو سهوًا؛ لأن المراد بقوله: (اسْتَنْثَرَ) يعني: استنشق الماء في الوضوء مثلًا، ثم نزل الماء إلى حلقه فمعدته فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
(أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) يعني زاد على الثلاث في المضمضة أو الاستنشاق، فدخل الماء إلى حلقه، فإنه لا يفسُد صومه.
[ ١ / ٣٤٣٣ ]
وأتى المؤلف بقوله: (زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ)؛ لأن ما قبل الثلاث مشروع، ما قبل الثلاث في المضمضة والاستنشاق مشروع، ومأذون فيه، والقاعدة عند العلماء أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فهنا إذا تمضمض في الأُولى والثانية والثالثة فنزل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك واضح؛ لأنه لم يفعل إلَّا شيئًا مشروعًا، وهذا ترتب على شيء مشروع فلا يضر.
لكن لو زاد على الثلاث فالزيادة على الثلاث في الوضوء إما محرَّمة وإما مكروهة كراهة شديدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» (١٣)، فإذا زاد على الثلاث فالزيادة مكروهة، أدنى أحوالها أنها مكروهة، لكنه زاد عليها ووصل الماء إلى بطنه، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
لأنك لو سألت هذا الذي تمضمض أكثر من ثلاث: أَأَنت تريد أن يصل الماء إلى بطنك؟ لقال: لا، فإذا كان كذلك فإنه لا يُفْطِر؛ لأنه لم يقصد أن ينزل الماء إلى بطنه.
وكذلك لو بالغ في الاستنشاق أو المضمضة، مع أنه مكروه، يُكْرَه للصائم أن يبالغ فيهما، لكن لو بالغ ودخل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد.
لو أنه يَبِس فمه كما يوجد في أيام الصيف، ويوجد أيضًا مع بعض الناس، يكون ريقه قليلًا ينشف فمه، فتمضمض من أجل أن يَبْتَلَّ فمه، أو تَغَرْغَرَ بالماء ونزل إلى بطنه، فهل يُفْطِر بذلك؟ نقول: لا؛ لأنه غير مقصود، ولم يقصد الإنسان أن ينزل الماء إلى بطنه، وإنما أراد أن يَبُلَّ فمه ونزل الماء بغير قصد.
ويتفرع على هذا: هل يجوز للصائم أن يستعمل الفرشة والمعجون أو لا؟
نقول: يجوز، لكن الأَوْلَى ألَّا يستعملهما؛ لما في المعجون من قوة النفوذ والنزول إلى الحلق، وبدلًا من أن يفعل ذلك في النهار يفعله في الليل، الأمر واسع.
(أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ).
[ ١ / ٣٤٣٤ ]
ثم قال: (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ)، (مَنْ أَكَلَ شَاكًّا)، ومن شَرِب؟
طلبة: ().
الشيخ: مثله، ومن جامع؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، يعني: من أتى مُفَطِّرًا، وهو شاكٌّ بطلوع الفجر فصومه صحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلى متى؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وضد التبيُّن: الشك والظن، فما دمنا لم يتبين لنا فلنا أن نأكل ونشرب؛ لأن الله أباح ذلك.
ثم إن الإنسان في هذا الوقت إما أن يتيقن أن الفجر لم يطلع، مثل أن يكون طلوع الفجر في الساعة الخامسة، ويكون أكْلُه وشُرْبُه في الساعة الرابعة والنصف، فهنا يتيقن أن الفجر لم يطلُع، وهذا لا إشكال فيه، وإما أن يتيقن أن الفجر طلع، كأن يأكل الساعة الخامسة والنصف، فهذا صومه فاسد ولا شك، وإما أن يأكل وهو شاكٌّ هل طلع الفجر أو لا، ويغلب على ظنه أنه لم يطلُع، فما الحكم؟
طلبة: صومه صحيح.
الشيخ: صومه صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، وإما أن يأكل ويشرب، ويغلب على ظنه أن الفجر طالع.
طلبة: صومه صحيح.
الشيخ: فصومه صحيح، وإما أن يأكل ويشرب مع التردد الذي ليس فيه رجحان، فصومه؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح.
هذه خمسة أقسام يصح الصوم فيها في ثلاثة أقسام؛ إذا علم أنه لم يطلُع، أو غلب على ظنه أنه لم يطلُع، أو تردد فيه، أو غلب على ظنه أنه طلع لكن لم يتيقن، كل هذا يؤخذ من الآية الكريمة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
هل يُقَيَّد هذا فيما إذا لم يتبين أنه أكل في الفجر؟
أما على القول الراجح فإنه لا يُقَيَّد، حتى لو تبين أن الفجر قد طلع فصومه صحيح، بناءً على العذر بالجهل بالحال.
[ ١ / ٣٤٣٥ ]
وأما على المذهب فيقولون: إذا تبين أن أكله كان بعد طلوع الفجر فعليه القضاء، بناءً على أنهم لا يَعْذرون بالجهل، والصواب العذر بالجهل كما سبق.
يقول: (لَا إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ) فإنه لا يصح صومه، (إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ) فإنه لا يصح صومه، والفرق بين من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أن الأول بانٍ على أصل، وهو الأصل بقاء الليل، والثاني أيضًا بانٍ على أصل وهو الأصل بقاء النهار، فلا يجوز أن يأكل مع الشك.
إذن متى يجوز أن يأكل؟ إذا تيقن، أو غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، حتى على المذهب في هذه الحال إذا غلب على ظنه أن الشمس قد غربت فله أن يُفْطِر، ولا قضاء عليه ما لم يتبين أنها لم تغرب، وسبق على القول الصحيح أنه معذور أيضًا، أرجو أنكم فهمتم الآن، إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر فأكْلُه جائز أو غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: وصومه؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، إذا أكل شاكًّا في غروب الشمس فأكله حرام، ولَّا لا؟ فأكله حرام وعليه القضاء، الفرق أنه في الأول بنى على أصل، وفي الثاني بنى على أصل، الأول بنى على أي أصل؟
طلبة: بقاء الليل.
الشيخ: على أصل بقاء الليل؛ لأن الأصل بقاء الليل حتى نتيقن أنه طلع الفجر، والثاني بنى على أصل أيضًا وهو أن الأصل.
طلبة: بقاء النهار.
الشيخ: بقاء النهار ما لم نعلم أن الشمس قد غربت.
إذا تبين -بعد أن أكل شاكًّا في غروب الشمس- إذا تبين أن الشمس قد غربت قبل أن يأكل، فما حكم صومه؟ صومه صحيح؛ لأن شكَّه كان تَبَيَّن أنه مبني على غير أصل، أعرفتم؟ وإن أكل ظانًّا أن الشمس غربت ولم يتبين الأمر، فصومه؟ صحيح، من أين نأخذه من كلام المؤلف؟ من قوله: (شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ).
[ ١ / ٣٤٣٦ ]
فَعُلِم منه أنه لو أكل وقد ظن أن الشمس قد غربت فإنه يصح صومه ما لم يتبين أنها لم تغرب، فإن تبين أنها لم تغرب فقد عرفتم القول الصحيح في هذا، وهو أنه لا قضاء عليه، والمذهب أن عليه القضاء.
فإن قال قائل: ما الدليل على أنه يجوز الفطر بالظن مع أن الأصل بقاء النهار؟
قلنا: الدليل حديث أسماء في عهد النبي ﵊ أفطروا في يوم غيم، وإفطارهم بناءً على إيش؟ على ظن ولَّا أو على يقين؟
طلبة: على ظن.
الشيخ: على ظن قطعًا؛ لأنهم لو تيقنوا أن الشمس غربت ما طلعت، فهم بَنَوْا على ظن، فدل ذلك على أنه يجوز أن يُفْطِر بظن الغروب، ثم إن تبين أن الشمس غربت فالأمر واضح، أو لم يتبين شيء فالأمر أيضًا واضح، وإن تبين أنها لم تغرب وجب القضاء على المذهب، وعلى القول الراجح: لا يجب القضاء.
ثم قال: (أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا)، يعني: سواء من أول النهار أو آخره، أكل يعتقد أنه ليل، بناءً على ظنه، أو بناءً على الأصل، فبان نهارًا، فعليه القضاء، لماذا؟ لأن الفقهاء ﵏ لا يَعذرون بالجهل، ويكون العمل بالواقع.
مثاله: أكل السَّحُور يعتقد أن الفجر لم يطلُع، فتبين أنه طالع، فما الحكم؟
الطالب: ().
الشيخ: المذهب يجب عليه القضاء، وهذا يقع كثيرًا، يقوم الإنسان من فراشه ويقرِّب سَحوره ويأكل ويشرب، وإذا بالصلاة تُقَام، يعني أنه أكل وشَرِب بعد طلوع الفجر، فعلى المذهب يلزمه القضاء، وعلى القول الراجح: لا قضاء.
كذلك أكل يعتقد أن الشمس غربت، ثم تبين أنها لم تغرُب فهو أكل يعتقد أنه في ليل، فبَانَ أنه في نهار، فيلزمه -على المذهب- القضاء، والراجح أنه لا يلزمه.
إذن حصلنا على الفرق بين أول النهار وآخره في أنه يجوز في أول النهار الأكل مع الشك، وفي آخر النهار لا يجوز الأكل مع الشك.
[ ١ / ٣٤٣٧ ]
طالب: أحسن الله إليكم، ما أدري مناط الحكم -يعني بالإفطار- هل هو مرور الشيء إلى الجوف أو إلى المعدة أو إلى الحلق أم ماذا؟ لأن تعليلات الفقهاء تختلف من شيء إلى ..
الشيخ: المذهب: وصوله إلى جوفه، سواء الحلق أو البطن أو أي مكان، شيخ الإسلام يرى أن مناط الحكم بوصول الشيء إلى المعدة.
الطالب: المعدة فقط؟
الشيخ: فقط، وأما غيرها فلا فلا عبرة به.
الطالب: وهذا الـ ..
الشيخ: وهذا أقرب إلى الانضباط وإلى الصواب.
الطالب: قلنا قاعدة سابقة: إذا تعذر ().
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا غلب على ظنه أنه ().
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: فإذا غلب على ظنه أنها لم تغرب، قلنا: إنه يجوز له الفطر.
الشيخ: لا، ما يجوز، إذا غلب على ظنه أنها لم تغرب لا يجوز.
طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يُفْطِرُون على الأذان.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإذا كان المؤذن أو العامل في المسجد يُصَلِّح الميكروفون تكلم في الميكروفون ففكروه الأذان فأكلوا.
الشيخ: إي نعم، أكل ثم تبين أنها لم تغرب الشمس.
طالب: نعم.
الشيخ: فجاء يستفتي فماذا يقول له؟
طالب: أقول: إن صومه صحيح، على المذهب غير صحيح.
الشيخ: وعلى الراجح؟
الطالب: الراجح صحيح.
الشيخ: وهو كذلك.
طالب آخر: إذا كان العامل يرش مبيدات الحشرات، الرائحة قوية جدًّا فذاقها؟
الشيخ: الرائحة لا تضر، يعني لو إنسان مثلًا -كما قال الأخ- يرش مبيد الحشرات فطار إلى حلقه رائحته فلا يضر.
طالب: نفس الشيء البخور يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ().
الشيخ: أسمعتم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إيراد جيد، يقول: القاعدة عند الفقهاء أن ما وصل إلى مجوَّف فإنه مُفطِّر، فلماذا استثنَوا الإحليل؟ يعني إذا قطَّر في إحليله -أي في ذَكَرِه- فإنه لا يضر، يقولون: لأن المثانة ما تنفذ إلى الجوف.
الطالب: هي ما هي جوف؟
الشيخ: لا، ما هي جوف.
طالب: الإمساك يا شيخ بعد طلوع الفجر هل هو عند قول: الله أكبر الله أكبر، أو عند الفراغ؟
[ ١ / ٣٤٣٨ ]
الشيخ: المؤذِّنون في الواقع يختلفون، أولًا منهم من ليس بحريص، ومنهم من ساعته غير مضبوطة، ومنهم من نظره ضعيف، فيظن أربعة ونص يظنها خمسة ونص، ما الإنسان يعتمد عليهم تمامًا، إلَّا مؤذن تعرفه تمامًا يتحرى، فهذا إذا أذَّن من يوم ما أذَّن أمسِكْ، لكن ورد أنه إذا أذَّن والإناء في يدك وأنت تشرب فلا تضعه حتى تقضي نَهْمَتَك منه، وهذا فيه سعة.
طالب: شيخ ().
الشيخ: الصلاة.
طالب: بارك الله فيكم، الناس الذين في السهول والجبال، قلنا في قول أهل الطائرات: أهل الطائرات إذا كانوا في سماء البلاد فإنهم لا يُفْطِرون بزوال الشمس وتغيب على أهل الأرض قبلهم، فهل نقيس أهل الجبال والمرتفعات والعمارات الشاهقة مئة دور، وما أشبه ذلك، لا يُفْطِرون اللي تحت حتى يُفْطِر الذين فوق؟
الشيخ: ما فهمت؟
الطالب: بعض المناطق سهول أو جبال.
الشيخ: نعم.
الطالب: أو عمارات مرتفعة جدًّا، لا تغيب عن العلوية، تغيب عن السفلية قبل أن تغيب عن ..
الشيخ: نعم، احنا قلنا: من غابت عنهم فلْيُفْطِروا، ومن لم تغب عنهم فلا يُفْطِرون.
الطالب: الاحتقان لا يُفَطِّر مطلقًا، ذكرنا هذا الرأي.
الشيخ: نعم.
الطالب: ذكرنا أيضًا أن الإبر المغذية تُفَطِّر.
الشيخ: نعم.
الطالب: فما وجه الفرق بين الحقنة إن كان فيها ما يغذِّي وغيرها من الإبر المغذِّية.
الشيخ: نعم، هم يقولون: إن الحقنة ما هي تغذي، إنما هي تنظِّف الأمعاء فقط، لكن إذا ثبت أن الحقنة تغذِّي فالحكم واحد.
طالب: هل يجوز أن يُفْطِر إذا غلب على ظنه أن الشمس غربت.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو شك أن الشمس غربت، فأفطر فتبين أن الشمس غربت.
الشيخ: نعم، صومه صحيح.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، هو آثم؛ لأنه نقول: لا تأكل وأنت شاك، لكنه أكل.
الطالب: هو نوى الإفطار.
[ ١ / ٣٤٣٩ ]
الشيخ: إي نعم، لكن نوى الإفطار في الليل، اصبر، والرسول ﵊ يقول: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (١٤) سواء نوى أو لم يَنْوِ، لأن نقول لهذا الرجل الذي أكل شاكًّا: أنت يجوز لك الأكل قبل أن تُفطر.
طالب: إذا تعمَّد الأكل وبان أنه نهار ().
الشيخ: إي نعم، يصح.
***
طالب: في باب ما يُفْسِد الصوم ويوجب الكفارة: فصلٌ:
وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ، أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً، أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ، وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَة.
الشيخ: فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَة.
طالب: عندي (فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَة).
الشيخ: لا، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَة وفي الأولَى ثْنَتَانِ.
الطالب: وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ في الثانية، وفي الأولَى اثْنَتَانِ، وإنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، وَكَذَلك مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ، وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافًى، ثُمَّ مَرِضَ، أوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ، وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ، وَهْيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ.
[ ١ / ٣٤٤٠ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن مَن أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين أنه طالع، فما الحكم؟
طالب: صَحَّ صومه.
الشيخ: تبين أنه طالع.
الطالب: تبين له بعد ذلك؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نعم يصح صومه.
الشيخ: يصح صومه؟ حتى على ما مشى عليه المؤلف؟
الطالب: على المذهب عليه القضاء.
طالب آخر: ().
الشيخ: إي، طيب، هذا يقول.
الطالب: () القضاء ().
الشيخ: المذهب أن عليه القضاء، والراجح؟
الطالب: الراجح -كما هو ظاهر الآية- يصح صومه.
الشيخ: الراجح أن صومه صحيح.
ما هو الدليل على رجحان هذا القول؟
طالب: رجحان القول؟
الشيخ: نعم، أنه إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فصومه صحيح على القول الصحيح، فما هو الدليل؟
الطالب: عموم الأدلة التي ().
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: إي نعم: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الطالب: وهذا من الخطأ.
الشيخ: وهذا من الخطأ، وهل هناك دليل خاص في المسألة؟
طالب: حديث أسماء ﵂ أنها قالت: صُمْنَا في عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم، فطلعت الشمس (١٠) فلم يُؤْمَرُوا بالقضاء.
الشيخ: فطلعت الشمس، وإذا كان هذا في آخر النهار فأوله من باب أَوْلَى؛ لأن أوله مأذون له أن يأكل ويشرب إلى أن يتبين له الفجر.
رجل آخر أكل يعتقد ..
(فصلٌ)
[ ١ / ٣٤٤١ ]
ومَن جامَعَ في نهارِ رمضانَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، وإن جامَعَ دونَ الْفَرْجِ فأَنْزَلَ أو كانت المرأةُ مَعذورةً أو جامَعَ مَن نَوَى الصوْمَ في سَفَرِه أَفْطَرَ ولا كَفَّارَةَ، وإن جامَعَ في يومينِ أو كَرَّرَه في يومٍ ولم يُكَفِّرْ فكَفَّارَةٌ ثانيةٌ، وكذلك مَن لَزِمَه الإمساكُ إذا جَامَعَ، ومَن جامَعَ وهو مُعافًى ثم مَرِضَ أو جُنَّ أو سافَرَ لم تَسْقُطْ، ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بغيرِ الجِماعِ في صِيامِ رَمضانَ، وهي عِتْقُ رَقبةٍ، فإنْ لم يَجِدْ فصيامُ شَهرينِ مُتتابعينِ، فإن لم يَستطعْ فإطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، فإن لم يَجِدْ سَقَطَتْ.
(بابُ ما يُكْرَهُ ويُستحبُّ وحُكْمُ القضاءِ)
يُكْرَه جَمْعُ رِيقِه فيَبْتَلِعُه، ويَحْرُمُ بَلْعُ النُّخامةِ ويُفْطِرُ بها فقط إن وَصَلَتْ إلى فَمِه ويُكْرَهُ ذَوقُ طَعامٍ بلا حَاجةٍ، ومَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ، وإن وَجَدَ طَعْمَها في حَلْقِه أَفْطَرَ ويَحْرُم العِلْكُ الْمُتَحَلِّلُ إن بَلَعَ رِيقَه، وتُكْرَهُ القُبلةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهوتَه، ويَجِبُ اجتنابُ كَذِبٍ وغِيبةٍ وشَتْمٍ،
الشيخ: على رُجْحَان هذا القول، أنه إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فصومه صحيح على القول الصحيح فما هو الدليل؟
طالب: عموم الأدلة ().
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الطالب: وهذا من الخطأ.
الشيخ: وهذا من الخطأ، وهل هناك دليل خاص في المسألة؟
طالب: حديث أسماء ﵂ أنها قالت: صُمْنَا في عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم، فطلعت الشمس (١).
[ ١ / ٣٤٤٢ ]
الشيخ: فطلعت الشمس، وإذا كان هذا في آخر النهار فأوَّله من باب أَوْلَى؛ لأن أوله مأذون له أن يأكل ويشرب إلى أن يتبين له الفجر.
رجل آخر أكل يعتقد أنه ليل في آخر النهار، فبان نهارًا؟
طالب: نعم يا شيخ () حديث أسماء.
الشيخ: ما حكم هذا الذي فعل هذا الفعل؟
الطالب: غير آثم، وصومه صحيح، ولكن يلزمه الإمساك.
الشيخ: أنا أحب أن تجيب أولًا بما قاله المؤلف من أجل أن أعرف أنك هضمت الكتاب.
الطالب: لا أعرف كلام المؤلف.
الشيخ: إي، إذن ما درست الكتاب، لا تقول: إني درست زاد المستقنع.
الطالب: ما ألزمتمونا بالحفظ يا شيخ.
الشيخ: مو لازم الحفظ.
طالب: يبطل الصوم.
الشيخ: يلزمه القضاء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: على رأي المؤلف يلزمه القضاء لأنهم في باب مفسِدات الصوم لا يعذرون بالجهل، والقول الراجح؟
الطالب: أنه لا قضاء عليه.
الشيخ: أنه لا قضاء عليه، ما هو دليل رجحان هذا القول؟
طالب: حديث أسماء.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أنهم أفطروا ..
الشيخ: أنهم أفطروا؟
الطالب: ولَمَّا، ثم بَانَ النهار.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أفطروا على غَيْم في عهد النبي ﷺ.
الشيخ: إي نعم، أفطروا متى؟
الطالب: أفطروا قبل، في يوم غيم.
الشيخ: في يوم غيم، ثم طلعت ..
الطالب: الشمس.
الشيخ: ولم يأمرهم بالقضاء، هذا دليل خاص، وأما الأدلة العامة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فهي واضحة.
ثم عقد المؤلف فصلًا خاصًّا للجماع، الجماع من مُفَطِّرات الصائم بالإجماع، ودليله قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾، أي: الإمساك، ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو مُفَطِّر بالإجماع، وهو أعظم المُفَطِّرات، ولهذا وجبت فيه الكفارة.
[ ١ / ٣٤٤٣ ]
قال المؤلف: (وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ)، (مَنْ جَامَعَ)، (مَنْ) هذه من صِيَغ العموم؛ لأنها اسم شرط، فيشمل كل مَن جامع في نهار رمضان وهو صائم فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، ولكن ليس هذا على عمومه، بل لا بد من شروط:
الشرط الأول: أن يكون ممن يلزمه الصوم، فإن كان ممن لا يلزمه الصوم -كالصغير- فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن له أن يُفْطِر بدون عذر.
الشرط الثاني: ألَّا يكون هناك مُسقِط للصوم، فإن كان هناك مُسقِط للصوم كما لو كان في سفر وهو صائم فجامع زوجته فإنه ليس عليه إثم وليس عليه كفارة، وإنما عليه القضاء فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
إذن لا بد من أن يكون ممن يلزمه الصوم، ولا بد ألَّا يوجد مُسْقِط للصوم.
رجل مريض صائم وهو ممن يباح له الفطر بالمرض، لكنه تكلَّف وصام، ثم جامع زوجته، فهل عليه الكفارة؟ لا؛ لأنه ممن يحلُّ له الفطر، فالحاصل إذا كان ممن يلزمه الصوم.
وقوله: (فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ) يشمل القُبُل الحلال والدُّبُر الحلال، والدُّبُر الحرام والقُبُل الحرام، يعني حتى ولو كان زنًا -والعياذ بالله- فإنه يلزمه القضاء والكفارة، (فَعَلَيْهِ القَضَاءُ).
طالب: قلت: الدُّبُر الحلال.
الشيخ: نعم؟
الطالب: هل الدُّبُر الحلال.
الشيخ: لا، الدُّبُر حرام، كل الدُّبُر حرام حتى لزوجته، لكن دُبُر مِن امرأة حلال، أما الدُّبُر فلا يحل وطؤه حتى من الزوجة، فهو يشمل كل هذا.
(فَعَلَيْهِ القَضَاءُ)؛ لأنه أفسد صومه الواجب فوجب عليه القضاء.
[ ١ / ٣٤٤٤ ]
(وَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ)، الكفارة احترامًا للزمن، وبناءً على ذلك -أنه احترامًا للزمن- أنه لو كان هذا في قضاء رمضان فالقضاء واجب، وعليه القضاء لهذا اليوم الذي جامَع فيه وليس عليه كفارة، لماذا؟ لأنه خارجَ شهرِ رمضان، بخلاف ما إذا كان في الشهر فعليه الكفارة.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يُنزِل أو لا يُنزِل، فإذا أولج الحَشَفَة في القُبُل أو الدُّبُر، فإنه يلزمه -كما قال المؤلف- القضاء والكفارة.
قال: (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ) فالجواب قوله: (أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، إن جامع دون الفرج كما لو جامع بين فخذيها، أو ما أشبه ذلك، فأنزل فعليه القضاء ولَا كفارة.
كذلك إذا (كَانَتِ المرأةُ معذورةً) بجهل أو نسيان أو إكراه، فإنه ليس عليها كفارة، وعليها القضاء، وعُلِمَ من قوله: (أَو كَانَتِ المرأةُ معذورةً) .. إلى آخره أنه لو كانت مُطاوِعَةً فعليها ..
طالب: القضاء.
الشيخ: القضاء والكفارة.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على وجوب الكفارة؟
قلنا: الدليل على ذلك حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: هلكْت، قال: «مَا أَهْلَكَكَ؟»، قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فسأله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هل يجد رقبة؟ فقال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»، قال: لا، فالرجل فقير وعاجز عن الصوم، ثم جلس الرجل، فجيء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتمر، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، قال: أَعَلَى أفقر مني يا رسول الله؟ ! والله ما بين لَابَتَيْهَا أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (٢) فرجع إلى أهله بتمر.
[ ١ / ٣٤٤٥ ]
فإن قال قائل: هذا الرجل عرفنا الدليل، لكن ما هو الدليل على وجوب الكفارة على المرأة؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكر في هذا الحديث أن على المرأة الكفارة، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يمكن، يعني لا يمكن أن يؤخر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيان الحكم مع دعاء الحاجة إليه؟
فالجواب عن هذا أن يقال: إن هذا الرجل استفتى عن فعل نفسه، والمرأة لم تَسْتَفْتِ، وحالها تحتمل أن تكون معذورة ومُكْرَهَة، وتحتمل أن تكون مُطاوِعة، فلمَّا لم تأتِ وتَسْتَفْتِ سكت عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يذكر أنَّ عليها كفَّارة، والاستفتاء لا يُشترط فيه البحث عن حال الشخص الآخر، ولهذا لَمَّا جاءت امرأة أبي سفيان للنبي ﵌ تشتكيه بأنه لا يُنْفِق لم يطلب أبا سفيان ليسأله، بل أَذِن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها.
فإذا قال قائل: ما الدليل على الوجوب؟ أليس الأصل براءة الذمة؟
قلنا: الدليل على ذلك أن الأصل تَسَاوِي الرجال والنساء في الأحكام إلَّا بدليل، ولهذا لو أن رجلًا قذف رجلًا بالزنا لجُلِد ثمانين جلدة إذا لم يأت بالشهود، مع أن الآية في النساء: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فالأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلَّا بدليل.
فإذا قال قائل: ظاهر كلام المؤلف أنه لو كان الرجل هو المعذور بجهل أو نسيان فإنَّ الكفارة لا تسقط عنه؟
قلنا: نعم، هذا ظاهره؛ لقوله: (أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً) ففُهِم منه أنه لو كان الرجل هو المعذور فإنَّ الكفارة لا تسقط عنه، وهذا هو المشهور من المذهب.
[ ١ / ٣٤٤٦ ]
والصحيح أن الرجل إذا كان معذورًا بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فإنه ليس عليه قضاء، وليس عليه كفارة، وأن المرأة كذلك إذا كانت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه فليس عليها قضاء ولا كفارة، المذهب أن عليها القضاء، وليس عليها الكفارة، والصحيح أنه لا قضاء عليها ولا كفارة.
وكذلك بالنسبة للرجل، فلو كان الرجل جاهلًا لا يعلم أن الجماع بدون إنزال حرام على الصائم، قلنا له: ليس عليك قضاء وليس عليك كفارة؛ للجهل، وقد سبقت الأدلة على ذلك.
وكذلك لو قال: أنا نسيتُ أني صائم، قلنا: لا قضاء عليك ولا كفارة، وإن كان النسيان في مثل هذه الحال بعيدًا؛ لأن الناس في رمضان والنسيان يكون بعيدًا، لكن نقول: ربما يحصل، ولو قال قائل: إذا نَسِيَ هو لم تنسَ الزوجة، قلنا: يمكن أن تَنْسَ الزوجة أو تداهن، ربما تداهن وتسكت، وتقول: ما نقدر نذكِّره، كما يقول بعض العامَّة: إذا رأيت الرجل يشرب وهو صائم أو يأكل وهو صائم فلا تذكِّره؛ لأن الله هو الذي أطعمه وسقاه، فنقول: هذا قد يكون هي داهنت وسكتت وقالت: هذا ناسٍ ولا أُذَكِّره.
فعلى كل حال إذا وُجِدَ الجهل أو النسيان أو الإكراه من الزوج أو الزوجة وجامعها فالقول الراجح أنه ليس عليهما قضاء.
طلبة: ولا كفارة.
الشيخ: ولا كفارة.
بقي أن نُنَبِّه على مسألة مهمة، وهي أن الفقهاء ﵏ قالوا: لا يمكن الإكراه على الجماع من الرجل، يعني لا يمكن أن يُكْرَه الرجل على الجماع؛ لأن الجماع لا بد فيه من انتشار وانتصاب الذَّكَر، والمكْرَه لا يمكن أن يكون منه ذلك.
فيقال: هذا غير صحيح؛ لأن الإنسان إذا هُدِّد مثلًا بالقتل أو بالحبس، أو ما أشبه ذلك، ثم دنا من المرأة فلا يَسْلَم من الانتشار، وكونهم يقولون: هذا غير ممكن، نقول: هذا ممكن.
فإن قال قائل: الرجل الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أليس جاهلًا؟ كما استشكله الأخ.
[ ١ / ٣٤٤٧ ]
نقول: هو جاهل ما يجب عليه، وليس جاهلًا أنه حرام، ولهذا يقول: «هَلَكْتُ»، فهو عارف وعالم، لكن لا يدري ماذا عليه، ونحن إذا قلنا: إن الجهل عذر، فليس مرادُنا أن الجهل بما يترتب على هذا الفعل المحرَّم، ولكنَّ مرادَنا الجهل بهذا الفعل هل هو حرام أو ليس بحرام.
ولهذا لو أن أحدًا زنى جاهلًا بالتحريم وهو ممن عاش في غير البلاد الإسلامية، رجل حديث عهد بالإسلام، أو عاش في بادية بعيدة لا يعلمون أن الزنا محرَّم فزنا فإنه لا حدَّ عليه، لكن لو كان يعلم أن الزنا حرام، لكن لا يعلم أنَّ حدَّه الرجم، أو أنَّ حدَّه الجلد والتغريب، فإنه يُحَدُّ؛ لأنه انتهك الحرمة، فصار الجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس أيش؟ ليس بعذر، والجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام هذا عذر.
يقول: (أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، (جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) يعني: من صام في سفره، هذا المراد، إنسان مسافر سفرًا يبيح الفطر فصام، ثم في أثناء النهار جامع زوجته، فهذا يُفْطِر، وليس عليه كفارة، ويلزمه القضاء أو لا يلزمه؟
طلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه القضاء، وعليه فالذين يذهبون إلى العمرة في رمضان ويصومون هناك، ثم يجامع أحدُهم زوجته في النهار ليس عليه كفارة، لماذا؟
طلبة: مسافر.
الشيخ: لأنه مسافر، والمسافر يُبَاح له الفطر، هذا إذا نوى أقل من أربعة أيام، أما إذا نوى أكثر من أربعة أيام فالمسألة خلافية معروفة، والصحيح أنه مسافر، حتى لو أقام الشهر كله فإنه مسافر يجوز له الفطر، ويجوز له الجماع.
(أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، لماذا؟
طالب: لأنه مسافر.
الشيخ: لأن الجماع والأكل والشرب في حقه مباح، له -أي المسافر- أن يُفْطِر في أثناء النهار.
[ ١ / ٣٤٤٨ ]
(وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ في الثانية، وفي الأولَى اثْنَتَانِ)، ذكر المؤلف ﵀ مسألتين؛ المسألة الأولى: إذا جامع في يومين، بأن جامع في اليوم الأول من رمضان، وفي اليوم الثاني، فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: كم؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث كفارات، وإن جامع في كل يوم من الشهر؟
طالب: فثلاثون كفارة.
الشيخ: فثلاثون كفارة أو تسع وعشرون، حسب أيام الشهر؛ وذلك لأن كل يوم عبادة مستقلة، ولهذا لا يفسد صوم اليوم الأول بفساد صوم اليوم الثاني؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة فيلزمه لكل يوم كفارة.
وقيل: لا يلزمه إلَّا كفارة واحدة إذا لم يُكَفِّر عن الأول، وذلك لأنها كفارات من جنس واحد فاكتُفِيَ فيها بكفارة واحدة، كما لو حلف على أَيْمَان متعددة ولم يُكَفِّر، فإنه إذا حَنِث في جميعها تكفيه كفارة واحدة، وكما لو أحدث بأحداث متنوعة فإنه يجزئه ..
طلبة: وضوء واحد.
الشيخ: وضوء واحد، وهذا القول -وإن كان له حظ من النظر وقوة- لكن لا تنبغي الفُتْيَا به؛ لأنه لو أُفْتِيَ به لانتهك الناس حرمة الشهر كله، وسَهُلَ عليه أن يُطْعِم ستين مسكينًا، ولا سيما إذا كان شابًّا تزوج في آخر شعبان، فإنه يقول: ما دام يجزي أن أُطْعِم ستين مسكينًا فسيفعل، ولا يبالي أنه فعل محرَّمًا، وإلَّا فهو آثم، ليس المعنى أن الكفارة تُبيح الفعل، لكنها تكفِّر الذنب، وأما الفعل فهو حرام.
على كل حال لا ينبغي الفتوى بهذا القول وإن كان له حظ من النظر، وذلك خوفًا من إيش؟
طلبة: التساهل.
الشيخ: من التهاون في هذا الأمر.
أما إذا جامع في يوم واحد مرتين، فإن كَفَّر عن الأول لزمه كفارة عن الثاني، وإن لم يُكَفِّر عن الأول أجزأه كفارة واحدة؛ وذلك لأن الموجَب والموجِب واحد، واليوم؟
طالب: واحد.
الشيخ: واحد، فلا تتكرر الكفارة.
[ ١ / ٣٤٤٩ ]
وقيل: إنه لا يلزمه عن الثاني كفارة؛ لأن يومه فسد، فسد بإيش؟ بالجماع الأول، فهو في الحقيقة غير صائم، وإن كان يلزمه الإمساك لكنه ليس هذا الإمساك مُجْزِئًا عن صوم، فلا تلزمه الكفارة؛ لأن الكفارة تلزم إذا أفسد صومًا صحيحًا.
وهذا القول له وجه من النظر أيضًا؛ أنه إذا كرر في يوم واحد لم تلزمه إلَّا كفارة واحدة، سواء كفَّر عن الأول -يعني عن أول مرة- أم لم يكفِّر.
مثاله: رجل جامع في أول النهار بعد طلوع الشمس مثلًا بربع ساعة، ثم كفَّر بإعتاق رقبة، ثم جامع بعد الظهر، على ما مشى عليه المؤلف يلزمه؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: كفارة ثانية؛ لأنه كفَّر عن الأول، وهو الآن وإن كان ليس صائمًا صومًا شرعيًّا لكنه يلزمه الإمساك، وعلى القول الثاني: لا تلزمه الكفارة؛ لأن الجماع وَرَد على صوم غير صحيح، وإنما هو على إمساك فقط، وفي الأولى اثنتان.
(وإنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، وَكَذَلكَ مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ)، يعني: مَن لزمه الإمساك إذا جامع فإنه يُكَفِّر وإن كان لا يُعْتَدُّ بصومه.
مثاله: رجل مسافر، وكان مُفْطِرًا، فقدِم إلى بلده، فعلى المذهب يلزمه أن يُمْسِك، مع أن هذا الإمساك لا يُعتبر له، فلو جامع فإن عليه الكفارة؛ لأنه يلزمه الإمساك، أعرفتم ولَّا فيه نظر؟
طلبة: ().
الشيخ: رجل مسافر مُفْطِر في سفره قدِم إلى بلده، فالمذهب -كما سبق- يلزمه ..
طالب: الإمساك.
الشيخ: الإمساك؛ لحرمة اليوم، فلو كان مشتاقًا إلى أهله، وجامع زوجته في ذلك اليوم الذي قَدِم فيه وهو مُفْطِر فعليه؟
طلبة: الكفارة.
الشيخ: الكفارة، أما القضاء فواضح إنه لا بد أن يقضي لأنه مُفْطِر، وهذا ما مشى عليه المؤلف، والقول الثاني أنه لا يلزمه الإمساك؛ لأن هذا اليوم في حقه غير محترَم؛ إذ إنه ..
طالب: مُفْطِر في أوله.
[ ١ / ٣٤٥٠ ]
الشيخ: في أوله مُفْطِر بإذن من الشرع، وليس عندنا صوم يجب في أثناء النهار، إلَّا إذا قامت البينة فهذا شيء آخر، وهذا هو القول الراجح، قال عبد الله بن مسعود ﵁: من أفطر أول النهار فليفطر آخره (٣)، يعني: مَن أُبيح له أن يُفْطِر في أول النهار أُبِيح له أن يُفْطِر في آخر النهار.
ومثل ذلك أيضًا إذا كان مريضًا يُبَاحُ له الفطر، وهو الآن مُفْطِر، ثم شفاه الله، وزال عنه المرض الذي استباح به الفطر، فإنه على المذهب إيش؟
طلبة: يمسك.
الشيخ: يلزمه؟
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك، فإن جامع في هذه الحال فعليه؟
طلبة: الكفارة.
الشيخ: الكفارة، كذلك بالنسبة للمرأة لو طَهُرَت من الحيض في أثناء النهار وهي -طبعًا- مُفْطِرة؛ لأن الحيض ليس فيه صيام، فيلزمها على المذهب ..
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك، فلو جامعها زوجها المريض الذي يباح له أن يُفْطِر فعليها؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: الكفارة، والصحيح أنه لا كفارة عليها، وبناءً على ذلك لو قَدِم المسافر مُفْطِرًا في يوم كانت زوجته طاهرًا في أثنائه من الحيض، فهل يجوز أن يجامعها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: على القول الراجح يجوز أن يجامعها، ولا إثم عليه ولا عليها؛ لأن هذا اليوم في حقهما غير محترَم؛ لإذن الشارع لهما بالفطر فيه، لكن على المذهب -كما رأيتم- يلزمه الإمساك، ويترتب على الجماع ما يترتب على الصوم من أول النهار.
(وَكَذَلكَ مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ، وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافًى، ثُمَّ مَرِضَ، أوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ)، هذه عكس المسألة الأولى، جامع وهو معافًى وصائم، ثم مُرِض في أثناء النهار، أصابه مَرض يُبِيحُ له الفطر، فهل تلزمه الكفارة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، تلزمه الكفارة مع أنه في آخر النهار ..
طالب: يُبَاح.
الشيخ: يُبَاحُ له أن يُفْطِر، لكن نقول: هو حين الجماع كان ممن لم يؤذن له في إيش؟
طلبة: في الفطر.
[ ١ / ٣٤٥١ ]
الشيخ: في الفطر، فلزمته الكفارة.
كذلك أيضًا مَن جامع وهو عاقل، ثم جُنَّ في أثناء النهار، فالصوم يبطل بالجنون، وعليه ..
طلبة: الكفارة.
الشيخ: الكفارة؛ لأنه حين الجماع من أهل الوجوب، وهو أيضًا صائم.
وكذلك مَن جامع في أول النهار، ثم سافر في أثنائه، فإنه يباح له الفطر، وتلزمه الكفارة.
فإذا قال هو: إنه قد أُذِنَ لي في الفطر آخر النهار فلا كفارة علَيَّ، كالذي أُذِنَ له في الفطر أول النهار وجامع في آخره وقلتم: إنه لا كفارة عليه، ما الفرق؟
نقول: الفرق ظاهر جدًّا، أنت حينما جامعت هل سبق من الشارع إِذْن لك بالفطر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، بل أنت مُلْزَم بالصوم، وما ورد من العذر أو ما طرأ من العذر فهو طارئ بعد انتهاكك لحرمة الزمن، فَظَهَر الفرق.
ثم قال المؤلف: (وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ)، نزيد قَيْدًا: (مِمَنْ يلزَمَه الصوم)، فلا تجب الكفارة في صيام النفل، ولا تجب الكفارة في صيام كفارة اليمين، ولا تجب الكفارة في صيام فدية الأذى، ولا تجب الكفارة في صيام المتعة لمن لم يجد الهَدْي، ولا تجب الكفارة في صيام النَّذْر، لا تجب إلَّا في الجماع في نهار رمضان ممن يلزمه ..
طالب: الصوم.
الشيخ: الصوم، أيضًا لا تجب الكفارة في الإنزال بقُبلة، أو مباشرة، أو غير ذلك؛ لأنه ليس بجماع، وظاهره أن الكفارة تجب بالجماع وإن لم يحصُل ..
طلبة: إنزال.
الشيخ: إنزال، وهو كذلك؛ لأن الكفارة مُرَتَّبَة على الجماع.
طالب: يا شيخ، أنتم قلتم الآن ويظهر من كلامك أنك تميل إلى عدم الكفارة كل يوم من أيام رمضان؟
الشيخ: إي، لا ما نُفْتي.
الطالب: إي، لكن كلامك الآن يُفْهَم الآن أنك تقول بعدم الكفارة بكل يوم.
الشيخ: إي، أقول: هذا قوي جدًّا.
الطالب: ما هو الدليل؟
الشيخ: الدليل القياس على ما سمعت.
الطالب: لِمَ لا نقيسه على كفارة القتل أو كفارة الظِّهَار؟
[ ١ / ٣٤٥٢ ]
الشيخ: أحسنت، حتى كفارة الظِّهَار إذا ما كفَّر عن الأول ما تكرر.
الطالب: () كفارة اليمين لكن كفارة القتل.
الشيخ: إي نعم، كفارة القتل؛ لأنها عِوَض عن نفس، كما لو قتل المحْرِم صُيودًا في الحرم، لو مثلًا قتل عشر حمامات يلزمه عشر شِياه وإن لم يفدِ عن الأولى؛ لأنها عِوض عن أنفس.
الطالب: لكن الآن توجيه القياس هذا يا شيخ هل يتجه، يعني ()؟
الشيخ: قوي قوي جدًّا، أنا أرى أنه قوي لكننا لا نُفتي به حذرًا من التهاون، ومثل هذه المسائل نحن نعطيكم، إن شاء الله أنتم مستقبلًا ستكون من أهل الفُتيا.
مثل هذه المسائل التي يظهر فيها الدليل لكن يُخْشَى من انتهاك الناس ما لا يجوز يمكن أن يُفْتِيَ بها الإنسان سرًّا في حال معينة، يعني فلو جاءنا إنسان في هذه المسألة: إنسان مثلًا واقَعَ ثلاثة أيام أو أربعة أيام، وقال: أنا ما أستطيع أصوم عن كل يوم شهرين، فإنَّا في هذه الحال إذا درسنا حاله وعرفنا أن الرجل صحيح يشق عليه ذلك، وأن القياس ظاهر لنا، فهذا ربما نُفْتِيه سِرًّا، ونقول له: لا تُخْبِر الناس، وكان كثير من العلماء يفتون في مثل هذه المسائل سِرًّا مثل المجد ﵀ جد شيخ الإسلام ابن تيمية كان يُفتي بأن الطلاق الثلاث واحدة، لكن يُفتي به سِرًّا ما هو جهرًا.
طالب: لكنك يا شيخ أعطيته جهرًا، فلا بد أن يشرِّق ويغرِّب والمنتهِك يا شيخ يسمع هذا الكلام.
الشيخ: لا، لا ما دام أني قلت لا أفتي به، الآن قلت لكم: لا أفتي به.
الطالب: لكن هذا الشريط الكلام غالبًا يسمعه.
الشيخ: ما يخالف، يسمعون هذا وهذا، يسمعون أنه قول قوي، ويسمعون أننا لا نُفتي به.
الطالب: عظَّم الله أجركم.
الطالب: لو احتال وأكل ثم جامع؟
الشيخ: هل ينفع ذلك؟
الطالب: أنا أسأل: هل تلزمه الكفارة يا شيخ؟
الشيخ: إي، تلزمه الكفارة، ما فيه شك.
الطالب: ليش؟
الشيخ: لأنه يلزمه الإمساك أصلًا، أصلًا أكله هذا حرام. أنتم سمعتم سؤال الأخ؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٣٤٥٣ ]
الشيخ: يقول لو أنه تحيَّل وأكل ثم جامع في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصوم، نقول: لا يفيده هذا شيئًا؛ لأن أصل الأكل حرام عليه.
طالب: رجل نوى أن يسافر، وقبل السفر جامع زوجته وهو في ..
الشيخ: يعني قبل أن يخرج من البلد؟
الطالب: قبل أن يخرج من البلد.
الشيخ: إي نعم، عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لا يحل له أن يُفْطِر إلَّا إذا سافر.
طالب: شيخ، قول الشيخ هنا: (والنَّزْعُ جِمَاع)، الإنزال بالمساحقة كالجماع.
الشيخ: (النَّزْعُ جِمَاع) يعني لو أن الإنسان كان يجامع زوجته في آخر الليل، ثم أَذَّن المؤذن الذي يؤذن على طلوع الفجر وهو على أهله، فنزع في الحال، يعني أخرج ذَكَره، فيقول المؤلف: إن (النَّزْعُ جِمَاع)، وهذا من غرائب العلم والواقع، الفارُّ من الشيء كالذي يفعله؟ هو لَمَّا نزع من يوم سمع الأذان هل هو فارٌّ من الجماع ولَّا واقع فيه؟
طلبة: فارٌّ.
الشيخ: فارٌّ منه، ولهذا القول الراجح أن النزع ليس جماعًا، أن النزع توبة، وأنه لا يفسُد صومه، ولا تلزمه كفارة، وهذه أنا تركت التنبيه عليها -وإن كانت مهمة- لأنها نادرة الوقوع، أما المساحقة -والعياذ بالله- فالمساحقة تكون بين المرأتين، كل واحدة تجامع الأخرى، فلو أنزلت إحداهما أو كلتاهما فإنه ليس عليهما كفارة.
طالب: شيخ، قلنا: إن المقصود من الكفارة، الحكمة منها احترام الزمان.
الشيخ: من إيجابها، إي نعم.
الطالب: قلنا: الدليل على ذلك أنه لو أفطر في غير رمضان.
الشيخ: لو جامع.
الطالب: لو جامع.
الشيخ: في صوم واجب غير رمضان.
الطالب: كفارة ()؟
الشيخ: فلا كفارة.
الطالب: فلا كفارة.
الشيخ: نعم.
طالب: وقلنا يا شيخ: مَنْ جامع وهو حاضر.
الشيخ: نعم.
الطالب: في المدينة فعليه كفارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: المهم الزمان فسد.
الشيخ: لكن متى جاز انتهاك الزمان أَبَعْدَ الجماع أو قبله؟
الطالب: قبل الجماع.
الشيخ: لا، بعد الجماع، هو لَمَّا جامع () ما فيه خلاف.
[ ١ / ٣٤٥٤ ]
الطالب: شيخ، الزمن كله ().
الشيخ: لا، لا، فرق بين إنسان انتهك الحرمة بعد والحرمة باقية، وبين إنسان لم ينتهكها.
طالب: قلنا: إنه لا تجب الكفارة إلَّا بالجماع، فلو استمنى أو باشر فأنزل لا تجب عليه الكفارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو قيل يا شيخ: إن العلة في حديث الأعرابي أنه قضى شهوته فأُمِر بالكفارة.
الشيخ: لا، لا.
الطالب: كما أننا سوَّينا بين مباشرته بالإنزال والجماع بجامع الشهوة والإفطار، كذلك يكون في الكفارة؟
الشيخ: لا ما يصح؛ لأن الرجل يقول: وقعت على امرأتي (٢)، ولم يذكر أنه أنزل، فجعل العلة الوقاع.
طالب: رجل جامع وأذَّن الأذان -أذان الفجر- فقال: لا أريد أن أنزع قياسًا على رجل شرب الماء فجاز.
الشيخ: إن شاء الله تعالى إذا تزوجت إن شاء الله أجبناك على هذا، يقول الأخ: أفلا نقيس الرجل إذا كان يجامع وأذَّن على مَن أذَّن والإناء في يده فإنه لا يلزمه ترك الشرب حتى يقضي نَهمته، فيقول هذا: ما هو نازع حتى يقضي شهوته؟
نقول: هذا ربما يكون له وجهة نظر، لكن الأصل المنع، ثم إن الماء قد يكون لدفع ضرورة، بخلاف الجماع، فعلى كل حال يلزمه أن ينزع، لكن الصحيح أنه ليس بجماع.
طالب: إذا أُكرِه على الجماع وكذلك امرأته، هل يُلزَمون بالإمساك؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يُلزَمون بالإمساك بعد ..
الشيخ: لا، أصلًا ما فسد صومهما، صومهما باقٍ.
الطالب: يعني الصوم باقٍ.
الشيخ: إي نعم، ما فيه ما يحتاج إلى الإمساك.
الطالب: المسألة التي ذكرها الأخ؛ الإنزال ما يكون عليه كفارة يا شيخ، مثلًا لو استيقظ ..
الشيخ: لا، ما يكون عليه، يعني حتى مثلًا لو فرضنا أنه متهيئ لنزول الماء الدافق يخرج حتى مع النزع.
طالب: عفا الله عنك، الشرع ميسر على التيسير.
الشيخ: حمدًا لله.
[ ١ / ٣٤٥٥ ]
الطالب: والمذهب بعض ما يسره المذهب فيه تشديد شوي، مثل المسافر القادم من السفر والمرأة التي طهرت نهار اليوم، هذا فيه تشديد من المذهب؛ لأنهم حقهم إنهم معذورون في أول النهار.
الطالب: ().
الشيخ: بس يقولون: لأنه رُخِّص لهما في الفطر بالنسبة للمسافر ما دام مسافرًا، أما الآن فهو مقيم.
الطالب: المهم أن الله ما كلفهم بالصوم لأنهم ().
الشيخ: صحيح، كلامك صحيح أبدًا، ولو حصل مثل هذا وقَدِم الإنسان مسافرًا وهو مُفْطِر وأهله كذلك قد طَهُروا من الحيض فلا حرج أن يجامع.
طالب: بالنسبة للإفطار أليس يكون بالنية؟
الشيخ: بالنية، إذا نوى الإفطار أفطر.
الطالب: يا شيخ اللي نوى السفر.
الشيخ: نعم، نوى السفر؟
الطالب: ألا يفطر قبل أن يخرج؟
الشيخ: ما حصل السفر إلى الآن.
الطالب: اللي نوى الأكل ما أكل.
الشيخ: إي.
الطالب: يعني نوى الفطر وما أكل.
الشيخ: فَرْق، شوف، لا، لو نوى أن يأكل ولم يأكل فإنه لا فِطْر عليه؛ لأن فَرْق بين من نوى المحظور ولم يفعله، وبين مَن قطع العبادة، ولهذا لو نوى أن يُحْدِث وهو يصلي ولم يُحْدِث فصلاته صحيحة.
***
طالب: .. وهْيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل تجب الكفارة في غير الجماع؟
طالب: لا تجب.
الشيخ: وما هو الجماع الذي تجب فيه الكفارة؟
طالب: الجماع في الصوم.
طالب آخر: تجب بشرطين: أن يكون المجامِع ممن يلزمه الصيام، وألَّا يكون هناك عذر يبيح له الإفطار.
الشيخ: لا.
الطالب: كالسفر والمرض.
الشيخ: ما دام قلت: ممن لا يجب عليه الصيام، يكفي عن هذا الذي قلت.
طالب: المراد بالجماع إدخال الحَشَفَة في ..
[ ١ / ٣٤٥٦ ]
الشيخ: لا، لا، ما هو الجماع الذي تجب فيه الكفارة؟
الطالب: للجماع شرطين:
الشيخ: الأول؟
الطالب: الأول أن يكون ممن يلزمه الصوم.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: الثاني ألَّا يكون هناك مُسْقِط لهذا ..
طالب آخر: أن يكون ممن يلزمه الصوم، وأن يكون في نهار رمضان، وأن يكون ().
الشيخ: إذا قلنا: (ممن يلزمه الصوم) معناه العذر، يعني يشترط شرطان: الأول؟
طالب: ممن يلزمه الصوم.
الشيخ: أن يكون في نهار رمضان، والثاني: ممن يلزمه؟ الصوم.
رجل جامع في قضاء رمضان، هل عليه الكفارة؟ لا كفارة عليه، لماذا؟
الطالب: لأن الكفارة احترامًا للزمن.
الشيخ: لأن الكفارة احترامًا للزمن، ولا يكون ذلك إلَّا في نهار رمضان.
مسافر جامع وهو صائم في نهار رمضان؟
طالب: لا كفارة، يُفْطِر ولا كفارة عليه.
الشيخ: هل عليه كفارة؟
الطالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه لا يلزمه الصوم.
الشيخ: لأنه لا يلزمه الصوم.
كرَّر الجماع فهل تتكرر الكفارة؟
طالب: إذا كرر الجماع، إن كَفَّر قبل أن يجامع جماعُا ثانيًا فعلى قول المؤلف أنه تلزمه كفارتان.
الشيخ: هكذا نقول؟
الطالب: شيخ، إذا لم يُكَفِّر فإنها لا تلزمه الكفارة.
الشيخ: إذا كَفَّر عن الأول لزمه كفارة عن الثاني، وإن لم يُكَفِّر؟
الطالب: يكفِّر كفارة واحدة.
الشيخ: خطأ.
طالب: على ما مشى عليه المؤلف يلزمه.
الشيخ: قبل ما نشوف المؤلف وغير المؤلف، نحتاج إلى تفصيل قبله.
طالب: تلزمه كفارة واحدة على القول الصحيح، وإذا كان كَفَّر ..
الشيخ: نعم.
طالب: هل كان الجماع في يوم واحد أو في يومين؟
الشيخ: نحن نقول: إذا كَفَّر عن الأول؟
الطالب: لزمته كفارة ثانية.
الشيخ: لزمه؟
الطالب: كفارة ثانية عن الجماع الثاني.
الشيخ: سواء في يوم أو في يومين.
الطالب: على قول المصنف سواء في يوم أو في يومين.
الشيخ: كفَّر عن الأول يا أخي.
الطالب: تلزمه كفارة ثانية عن الثاني.
الشيخ: نعم.
الطالب: سواء في يوم أو في يومين.
[ ١ / ٣٤٥٧ ]
الشيخ: في يوم أو في يومين، إذا لم يُكَفِّر عن الأول؟
طالب: إن كان في يوم تلزمه كفارة واحدة.
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان في أيام متفرقة فيلزمه لكل يوم كفارة؛ لأنها عبادة مستقلة على ..
الشيخ: بعد ما وصلنا للتعليل، بس أعطنا الحكم.
الطالب: تلزمه كفارة واحدة.
الشيخ: إذن إذا كان في يوم واحد فكفارة واحدة، وإن كان في أيام متعددة فعليه لكل يوم؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: كفارة، فيه رأي فيما إذا كرره في يومٍ وكفَّر عن الأول؟
طالب: لا يجب عليه كفارة ثانية.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأنه جامع في يوم فاسد.
الشيخ: نعم؛ لأن جِماعه الثاني كان في يوم ..
الطالب: فسد.
الشيخ: فاسد الصيام، هل يُفَرَّق بين أن يكون الجماع من امرأة واحدة أو من ثنتين؟
طالب: بالنسبة له؟
الشيخ: إي نعم، بالنسبة للزوج.
الطالب، لا، لا يُفَرَّق.
الشيخ: لا يُفَرَّق، يعني فلو جامع.
الطالب: لو جامع الأولى في أول النهار.
الشيخ: والثانية في آخره.
الطالب: والثانية في غد أو في آخره.
الشيخ: لا ما هو غدًا، خلينا في آخره.
الطالب: في آخره.
الشيخ: ولم يكفِّر.
الطالب: يلزمه كفارة ثانية على قول، والقول الثاني لا تلزمه.
الشيخ: ولم يكفِّر، جامع إحداهما في أول النهار، والثانية في آخره ولم يكفِّر.
الطالب: كفارة واحدة.
الشيخ: كفارة واحدة.
الطالب: نعم.
الشيخ: مع أن الموطوءة؟
الطالب: اثنتين.
الشيخ: طيب.
ثم نأخذ الدرس الجديد، قال: (وَهِيَ) أي: كفَّارة الوطء في نهار رمضان (عِتْقُ رَقَبَةٍ)، أي: فَكُّها من الرِّق، هذا عتق الرقبة.
ووجه المناسبة هو أنَّ هذا الرجل لَمَّا جامع في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه استحق أن يُعاقَب، ففدى نفسه بعِتق الرقبة.
[ ١ / ٣٤٥٨ ]
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) يعني: إن لم يجد رقبة، أو لم يجد ثمنها، (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، (فَصِيَامُ) الفاء: رابطة للجواب، و(صِيَامُ): مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فَعَلَيهِ صيام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، بدلًا عن عِتق الرقبة.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصوم (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، أي: فعليه إطعام ستين مسكينًا، والمسكين هنا يشمل الفقير والمسكين؛ لأن الفقير والمسكين إذا ذُكِرَا جميعًا كان الفقير أشد حاجة، وإذا أُفْرِد أحدهما عن الآخر صارَا بمعنى واحد، إذا اجتمعَا افترقَا وإذا افترقَا ..
طلبة: اجتمعَا.
الشيخ: اجتمعَا.
(فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِينًا)، ودليل ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للرجل الذي قال إنه أتى أهله في رمضان: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، فقال: لا أجد، قال: «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قال: لا أستطيع، قال: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» (٢)، قال: لا أجد، فجعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُرَتَّبة.
وهذه أغلظ الكفَّارات، ويساويها كفَّارة الظِّهَار التي وصف الله الظِّهَار بأنَّه مُنْكَر من القول وزور، ويليها كفَّارة القتل؛ لأن القتل ليس فيه إلَّا خصلتان، العِتق والصيام، وليس فيه إطعام.
وقوله: (صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) هل المعتَبر الأَهِلَّة؟ أو المعتبر الأَهِلَّة في شهر كامل، والأيام في الشهر المجَزَّأ؟
في هذا قولان للعلماء، والصحيح أن المعتَبَر الأَهِلَّة، سواء في الشهر الكامل، أو في الشهر المجَزَّأ، أيش الفرق؟
نعم، إذا ابتدأ الإنسان هذين الشهرين من أول يوم، من أول ليلة ثبت الشهر، ولنقل: إنه شهر جُمادى الأولى -كما أنَّا فيه الآن- ابتدأه من أول يوم من شهر جُمادَى الأولى، فيختمه في آخر يوم من شهر جُمادَى الثانية.
[ ١ / ٣٤٥٩ ]
ولنفرض أن جُمادَى الأولى تسعة وعشرون يومًا، وكذلك جمادى الثانية، فيكون صومه؟ ثمانية وخمسين يومًا، هذا لا شك أنَّه يُعْتَبَر بالهلال.
لكن إذا ابتدأ الشهر من نصف شهر جُمادَى الأولى، فجُمادَى الثانية معتبرة بالهلال، أليس كذلك؟ لأنه سوف يُدْرِك أوَّل الشهر وآخر الشهر، فيعتبَر بالهلال.
بقِينا آخر شهر جُمادَى الأولى وأول شهر رجب، هل يعتبَر بتسعة وعشرين يومًا، أو بستين يومًا؟
الصحيح أنه يعتبَر بتسعة وعشرين يومًا إذا كان شهر جُمادَى الأولى تسعة وعشرين، وقيل: بل يُجبَر ويُجعَل ستين يومًا.
إذا ابتدأ الصوم في النصف من شهر جُمادَى الأولى متى ينتهي؟ في الرابع عشر من شهر رجب، آخره الرابع عشر من شهر رجب، وإذا قدَّرنا أن شهر جُمادَى الأولى ناقص، وشهر جُمادَى الثانية ناقص صار صومه؟
طالب: ثمانية وخمسين.
الشيخ: ثمانية وخمسين يومًا، وإذا قلنا بأنه كَمَّل النصف بالعدد صار لا ينتهي إلَّا في الخامس عشر من رجب، فيكون الشهر الْمُجَزَّأ كم؟
طلبة: ثلاثين.
الشيخ: ثلاثين يومًا.
وقول المؤلف: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، هنا قُدِّر الطاعِم دون الْمُطعَم، فهل الْمُطعَم مقدَّر؟
المشهور من المذهب أنَّه مُقدَّر، وهو مُدٌّ من البُرّ، أو نصف صاع من غيره لكل مسكين، مُدٌّ من البُرّ أو نصف صاع من غيره لكل مسكين، والْمُدّ ربع الصاع -أعني صاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعلى هذا فتكون الأصواع لستين مسكينًا كم؟
طلبة: خمسة عشر.
الشيخ: خمسة عشر صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصاع النبي ﷺ ينقص عن الصاع المعروف الآن هنا في القصيم الخُمُس وخُمس الخُمُس، ولندع خُمس الخُمُس، ينقص الخُمُس، وعلى هذا فيكون الصاع في القصيم خمسة أمداد، ويكون إطعام ستين مسكينًا كم بالأصواع القَصِيمِيَّة؟ اثني عشر صاعًا.
[ ١ / ٣٤٦٠ ]
وقيل: بل يُطعِم نصف الصاع من البُرّ أو من غيره، واحتج هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لكعب بنِ عُجرة ﵁ حين حلق رأسه في العمرة، قال: «أَطْعِم سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (٤)، وأَطْلَق، ولم يقل: من التمر أو من البُرّ، وهذا يقتضي أن يكون المقدَّر نصف الصاع، وإذا كان كذلك فزِد على ما قلنا النصف، فيكون بالنسبة لصاع الرسول ﷺ إطعام ستين مسكينًا كم؟ ثلاثين صاعًا، وبالنسبة لصاعنا أربعة وعشرين صاعًا.
والأمر في هذا قريب، فلو أن الإنسان احتاط وأطعم لكل مسكين نصف صاع لكان حسنًا.
المؤلف يقول: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ) الكفارة، ودليل ذلك من الكتاب والسُّنَّة؛ أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وهذا الرجل الفقير ليس عنده شيء، فلا يُكَلَّف إلا ما آتاه الله، والله ﷿ بحكمته لم يؤتِه شيئًا، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ودليل ثالث: العموم؛ عموم القاعدة الإسلامية الشرعية وهي أنه: لا واجب مع عجز، فالواجبات تسقط بالعجز عنها، وهذا الرجل الذي جامَع لا يستطيع الرقبة ولا الصيام ولا الإطعام، نقول: إذن لا شيء عليه وبرئت ذمته، فإن أغناه الله في المستقبل فهل يلزمه أن يُكَفِّر أو لا؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأننا نقول: سقطت، وكما أن الفقير لو أغناه الله لم يلزمه أن يؤدي زكاة عما مضى من سنواته؛ لأنه فقير، فكذلك هذا الذي لم يَجِد الكفارة إذا أغناه الله تعالى لم يجب عليه قضاؤها.
[ ١ / ٣٤٦١ ]
نحن قلنا: من الكتاب والسُّنَّة؛ من السُّنَّة أن الرجل لَمَّا قال: لا أستطيع أن أُطْعِم ستين مسكينًا، لم يقل النبي ﵊: أَطْعِمْهم متى استطعت، بل أمره أن يُطعم حين وَجَد، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، فقال: أَعَلَى أفَقَرَ مني يا رسول الله؟ قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (٢)، ولم يقل: والكفارة واجبة في ذمتك، فدلَّ هذا على أنها تسقط بالعجز.
وقال بعض العلماء: إنها لا تسقط بالعجز، واستدل بالحديث، قال: لأن الرجل قال: لا أجد، فلمَّا جاء النبيَّ ﷺ التمرُ قال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، ولو كانت ساقطة بالعجز لم يقل: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ».
فيقال في الجواب: إن هذا وجده في الحال، يعني وجده في حال في المجلس الذي أفتاه النبي ﷺ به، فكان كالواجد قبل ذلك؛ ولهذا لَمَّا قال: أطعمه أهلك لم يقل: وعليك كفارة إذا اغتنيت.
فالقول الراجح أنها تسقط، وهكذا أيضًا نقول في جميع الكفارات إذا لم يكن قادرًا عليها حين وجوبها فإنها تسقط؛ إما بالقياس على كفارة الوطء في رمضان، وإما لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وما أشبهها، وعلى هذا فكفارة الوطء في الحيض إذا قلنا: إن الوطء في الحيض يوجب الكفارة، ثم عجز، تسقط أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تسقط، فدية الأذى إذا لم يجد ولم يستطع الصوم تسقط، وهكذا جميع الكفارات، بناءً على ما استدللنا به لهذه المسألة، وبناءً على القاعدة العامة الأصولية التي اتفق عليها الفقهاء في الجملة، وهي أنه لا واجب؟
طلبة: مع عجز.
الشيخ: مع عجز.
ثم قال المؤلف ﵀: (بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ).
طلبة: إيمان الرقبة.
الشيخ: كيف؟
طالب: اشتراط الإيمان.
[ ١ / ٣٤٦٢ ]
الشيخ: إي نعم، جاء الحديث مطلقًا: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، ولكن كلما جاءت الرقبة مطلَقة فلا بد من شرط الإيمان؛ لأن النبي ﷺ لَمَّا جاءه معاوية بن الحكم يستفتيه في جارة له لَطَمَها، غضِب عليها ولطمها، فأراد أن يُعْتِقَها، فدعاها الرسول ﵊، وقال لها: «أَيْنَ اللهُ؟»، قالت: في السماء، قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٥)، فهذا يدل على أن عِتق غير المؤمن ليس بمشروع، فكلَّما جاءت الرقبة مطلَقة فإنها مقيَّدة بالإيمان.
طالب: ما فيه وجه على التخيير؟
الشيخ: ها؟
الطالب: الكفارة على التخيير أو الترتيب؟
الشيخ: على الترتيب.
الطالب: فيه ذكر في شرح حديث في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁، أن رجلًا أفطر يومًا من رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يُكَفِّر بعِتق رقبة، أو بصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا.
الشيخ: مو بهذا اللفظ، هذا معنى الحديث، سؤال فقه ولَّا؟
طالب: هل يشترط يا شيخ في الرقبة سلامتها من العيوب؟
الشيخ: إي نعم، اشتراط سلامتها من العيوب فيه خلاف، فمنهم من قال: إنه شرط، ومنهم من قال: لا نشترط سوى ما اشترط الله، وهو الإِيمان.
الطالب: الأدلة؟
الشيخ: الأدلة يقول: إنه إذا كان معيبًا عيبًا يُخِلّ بالعمل خللًا بَيِّنًا فإن إعتاقه يكون به عالة على غيره، وعدم إعتاقه أحسن له، يبقى عند سيده يُنْفِق عليه، لكن إذا كان مثلًا مكسَّر رجليه ما يستطيع يعمل، ويش الفائدة من إعتاقه، هذا لا يزداد إلَّا حَسْرة.
الطالب: الصحيح.
الشيخ: يحتاج إلى تحرير، لكن يظهر لي أنه لا يشترط.
يقول: ما وجه خطأ من يقول: محمد حبيب الله، وقد قلنا: إن الخُلَّة أعلى درجات المحبة، والقائل لهذا نطق بالعموم الذي تدخل تحته الخُلَّة، أيهن أعلى؟
طالب: الخُلَّة.
الشيخ: إذا وصفته بالأدنى هضمتَه حقه ولَّا لا؟
الطالب: أنا ما وصفته بالأدنى.
الشيخ: لا؛ لأن الخُلَّة ما تدخل في المحبة.
[ ١ / ٣٤٦٣ ]
الطالب: الخُلَّة ما تدخل؟
الشيخ: لا، ما تدخل.
الطالب: ما قلنا: إن ابن القيم عدها من عشرة أقسام؛ أقسام المحبة.
الشيخ: إي.
الطالب: ().
الشيخ: درجات، أعلاها الخُلَّة، فالحبيب ليس بخليل، ولهذا قال الرسول: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» (٦)، واتخذ من أمته أَحِبَّة.
الطالب: بس كل خليل حبيب.
الشيخ: وليس كل حبيب.
الطالب: خليلًا.
الشيخ: إذن؟
الطالب: إذن لا ().
الشيخ: نعم، إذا وصفتَ بالأعم دون الأخص الذي هو أعلى فهذا هضم لحقه.
الطالب: وعن أبي هريرة ﵁ يقول: أوصاني خليلي. (٧)
الشيخ: نعم، أبو هريرة اتخذ الرسول خليلًا، لكن الرسول ما اتخذه خليلًا، هذا الفرق، يعني أنا لي أن أقول: اتخذت رسول الله ﷺ خليلًا، لكن الرسول ما يقول، فالخُلَّة هنا بالنسبة لأبي هريرة من أبي هريرة للرسول، لا من الرسول لأبي هريرة.
***