وهي تِسعةٌ: حَلْقُ الشعرِ وتقليمُ الأظافرِ، فمَن حَلَقَ أو قَلَّمَ ثلاثةً فعليه دمٌ، ومَن غَطَّى رأسَه بِمُلاصِقٍ فَدَى، وإن لَبِسَ ذَكَرٌ مَخيطًا فَدَى، وإن طَيَّبَ بَدَنَه أو ثوبَه أو ادَّهَنَ بِمُطَيِّبٍ أو شَمَّ طِيبًا
(محظورات الإحرام) كتركيب (سجود السهو)، فاعرفوا، ماذا أردت بقولك: تركيب (سجود السهو)؟
طالب: لأن سجود السهو بعد أن أدى الصلاة واستدبرت حالها.
الشيخ: لا.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا.
طالب: لأن الإضافة إضافة سبب.
الشيخ: صح، أن الإضافة إضافة سبب؛ إضافة الشيء إلى سببه، سجود السهو معناه: السجود الحاصل؟
طلبة: بسبب.
الشيخ: (محظورات الإحرام) المحظورات بسبب الإحرام، والمحظور: الممنوع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] أي: ممنوعًا، فممنوعات الإحرام يقول المؤلف: إنها تسعة قال: (وهي تسعة).
وحينئذٍ يسأل سائل يقول: ما الدليل على أنها تسعة؟ والجواب: التتبع والاستقراء.
فإذا قال قائل: إحصاؤكم لها وحصركم إياها بتسعة بدعة، هل قال الرسول: محظورات الإحرام تسعة؟ أيش نقول؟
نقول: هذا وسيلة لتقريب العلم للأمة ولم شتاته فإنه أسهل؛ ولهذا كان الرسول أحيانًا يقول: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» (١)، لو قال: يظل الله في ظله إمامًا عادلًا، وفي مكان آخر قال: يظل الله بظله شابًّا نشأ في طاعة الله، وعدَّد السبعة في أمكنة وجمعناها هل يقال: هذا بدعة؟ لا، الرسول أحيانًا يجمع ويحصر، هنا نقول: جمعها وحصرها وسيلة لأيش؟
طلبة: لتقريب العلم.
الشيخ: لتقريب العلم للأذهان.
[ ١ / ٣٧٣٩ ]
(وهي تسعة)؛ الأول: (حلق الشعر)، ولم يقل المؤلف: إزالة الشعر، مع أنه أعم اتباعًا للفظ القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهنا يجب أن نفهم إذا أردنا أن نكتب شيئًا أن المحافظة على لفظ القرآن والسنة أولى؛ لأنها دليل وحكم، فالكاتب المؤلف ينبغي له أن يحافظ على أيش؟
طالب: لفظ الكتاب والسنة.
الشيخ: على لفظ الكتاب والسنة.
(حلق الشعر) لكن هنا المؤلف ﵀ قال: (حلق الشعر)، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ولا شك أن الدليل أخص من المدلول، ما هو المنهي عنه في الدليل؟
طلبة: حلق الرأس.
الشيخ: حلق الرأس، وما هو الحكم الذي استدل له بالدليل؟ حلق الشعر عمومًا، حتى العانة، حتى الشارب، حتى الساق، وما أشبه ذلك، وقد ذكرنا أنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، ولكنهم يقولون: نحن نقيس حلق بقية الشعر على شعر الرأس، فإذا استدللنا بالآية فهو استدلال على حلق شعر الرأس باللفظ، وعلى بقية الشعر بالقياس، فجاءنا صاحب الراية الخضراء وقال: القياس لا يصح في الشريعة، من هو؟
طلبة: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: ابن حزم والظاهرية قالوا: لا نسلم لكم القياس، والله ﷿ يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ولم ينهنا إلا عن حلق شعر الرأس، فلماذا نضيق على عباد الله ونقول: كل الشعور لا تحلقوها؟ !
رجل نما شعر شاربه وصار إذا أكل التفَّ مع الأكلِ الشعرُ، وإذا شرب كذلك، فماذا يصنع؟ إذا قلنا بأنه يحرم أخذ شعر الشارب يقول: يأخذه ويفدي؛ لأنه أذى، أو يأخذه ولا يفدي، بناء على قاعدة سنذكرها إن شاء الله، على كل حال الآن الدليل أيش؟
طلبة: أخص.
[ ١ / ٣٧٤٠ ]
الشيخ: أخص من المدلول، ولا ينبغي أن نستدل بالأخص على الأعم، لكن إذا قلنا: إنه يقاس ما خرج عن الدليل على ما ثبت بالدليل نحتاج إلى أمر آخر وهو تساوي الأصل والفرع في العلة، فما هي العلة التي نستطيع أن نلحق شعر بقية الجسد بشعر الرأس؟ قالوا: العلة الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس يحصل به النظافة، بدليل أنه كلما زاد وسخ الرأس كثر فيه القمل والرائحة والأذى، فالعلة هي الترقب، فهل هذا مُسلم؟ ننظر هل المُحْرِم ممنوع من الترفه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما أسرع قول: لا، ولَّا: نعم، عندكم المحرم ممنوع من الترفه؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، حقيقةً لا، ليس ممنوعًا من الترفه بالأكل؛ له يأكل من الطيبات ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه باللباس؛ له أن يلبس من الثياب التي تجوز في الإحرام ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه بإزالة الأوساخ؛ له أن يغتسل ويزيل الأوساخ، فمن قال: إن العلة في المعقول في حلق الرأس هي الترفه حتى نقيس عليه ذلك؟ لا شيء، لكن العلة الظاهرة هو أن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يسقط به نسكًا مشروعًا، ما هو؟
طلبة: الحلق والتقصير.
الشيخ: الحلق والتقصير عند انتهاء العمرة، وعند رمي جمرة العقبة إذا حلق رأسه في أثناء الإحرام ووصل إلى مكة في خلال ساعات في وقتنا الحاضر ماذا يصنع؟ أين ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]؟ فالعلة أن في حلق الرأس إسقاط شعيرة من شعائر النسك؛ وهي الحلق أو التقصير، وهذا التعليل لا شك أنه عند التأمل أقرب من التعليل بأن ذلك من أجل؟
طلبة: الترفه.
الشيخ: الترفه، على هذا الرأي لا يحرم إلا حلق الرأس فقط، أما بقية الشعور فليست حرامًا.
قالوا أيضًا: الأصل الحل فيما يأخذه الإنسان من الشعور أو التحريم؟
طالب: الحل.
[ ١ / ٣٧٤١ ]
الشيخ: الحل، فلا نمنع إنسانًا من أخذ شيء من شعوره إلا بدليل، ولكن البحث النظري له حال والتطبيق العملي له حال أخرى، لو أن الإنسان تجنب الأخذ من شعوره؛ من شاربه، من لحيته، من إبطه، من عانته احتياطًا ماذا يكون؟ يكون هذا جيدًا، لكن أما أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة فهذا فيه نظر، وأنا ذكرت الآن أربعة شروط: الشارب، واللحية، والإبط، والعانة، أيش اللي خطأ؟
طلبة: اللحية.
الشيخ: اللحية خطأ، هذه سبقت على لساني بغير قصد؛ لأن اللحية لا تؤخذ لا بالإحرام ولا بغير الإحرام.
الثاني: (تقليم الأظفار) يعني؟
طلبة: قصها.
الشيخ: إي نعم، يعني: قصها أو قلمها بالمبراة، وكانوا في الأول يقلمون الظفر يأخذون المبراة -تعرفون المبراة؟ السكينة الصغيرة- يقطعون بها الظفر هكذا كما يُقلَّم القلم، القلم تعرفونه يُقلَّم، الآن لا يُقلَّم؛ لأنه حديد، لكن يقلم المرسمة الرصاص، فيقولون: تقليم الأظفار أيضًا حرام، من أي مكان؛ من اليد أو من الرجل أو منهما؟
طلبة: منهما.
الشيخ: منهما جميعًا، ما هو الدليل؟
طلبة: القياس.
الشيخ: لا دليل إلا بالقياس.
***
() ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فسبق أن جابر بن عبد الله ﵄ سمى التلبية تلبية النبي ﵌ توحيدًا (٢)، فما وجه ذلك؟
طالب: وجه ذلك أن هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد.
الشيخ: هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أخرج لنا منها توحيد الربوبية؟
الطالب: توحيد الربوبية قوله: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ» .. توحيد الربوبية؟
الشيخ: نعم، امشِ شوية.
الطالب: «لَكَ وَالْمُلْكَ».
الشيخ: «وَالْمُلْكَ».
الطالب: «الْمُلْكَ»، نعم.
الشيخ: هذا من وجه، من وجه آخر؟
طالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
طالب: توحيد الربوبية ().
[ ١ / ٣٧٤٢ ]
الشيخ: أخذ توحيد الربوبية من هذا، الوجه الأول ما قاله الشيخ سليمان (الْمُلَكَ)، والوجه الثاني؟
طالب: أن توحيد الأولهية متضمن.
الشيخ: تمام، أن توحيد الأولهية متضمن لتوحيد الربوبية، وقد قال الرسول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ».
فيها أيضًا توحيد الأولهية، من أين يؤخذ؟
طالب: توحيد الأولهية «اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: من «اللَّهُمَّ»؟
الطالب: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: لا، هذا تحقيق التوحيد، لكن اللي فيه توحيد الأولهية؛ لأن «لَا شَرِيكَ لَكَ» في ربوبيتك، في ألوهيتك، في أسمائك وصفاتك.
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن توحيد الأولهية نص على الأولهية.
طالب: «اللَّهُمَّ».
الشيخ: «اللَّهُمَّ»؛ لأن معناها: يا الله.
الأسماء والصفات؟
الطالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، هذه «لَا شَرِيكَ» -بارك الله فيك- لتحقيق التوحيد في أي نوع من الأنواع.
طالب: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ».
الشيخ: من أين؟ كيف (الحمد والنعمة)؟ كيف ذلك؟
الطالب: لأن الحمد وصف المحمود بصفات الكمال.
الشيخ: مع المحبة والتعظيم.
الطالب: مع المحبة والتعظيم.
الشيخ: وهذا يعني إثبات الأسماء والصفات الكاملة، والتوحيد يؤخذ من قوله: «لَا شَرِيكَ لَكَ».
هل المشروع رفع الصوت بها أم لا؟
طالب: للرجال والنساء.
الشيخ: للرجال والنساء، كيف يجمع بين هذا وبين قول الرسول ﵊ للصحابة: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» (٣)؟
الطالب: نقول: إن هذا خاص بفعله هذا.
الشيخ: خاص بالتلبية؛ لأنه من شعار الحج.
هل تصوت المرأة بها؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: تسر بها.
الشيخ: لماذا؟ النساء شقائك الرجال.
الطالب: لا -يا شيخ- في هذا الحال لا؛ لأنها تخشى الفتنة أن تصوت.
الشيخ: ولا تسر بها إطلاقًا؟
الطالب: لا، تسر بها.
الشيخ: بقدر؟
الطالب: بقدر ما تسمع رفيقتها.
الشيخ: إي نعم، أحسنت.
محظورات الإحرام من باب إضافة الشيء؟
طالب: إلى سببه.
[ ١ / ٣٧٤٣ ]
الشيخ: إلى سببه. هل لها نظير؟
الطالب: مثل قول: باب سجود السهو.
الشيخ: مثل قولهم: باب سجود السهو؛ يعني: باب السجود الذي سببه السهو.
ما معنى محظورات الإحرام؟
طالب: أي التي لا يجب ().
الشيخ: الممنوعات بسببه؛ لأن المحظور هو الممنوع، محظورات الإحرام الممنوعات بسببه، حصرها المؤلف في ثلاثين؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: تسعة. ما الدليل على هذا الحصر؟
الطالب: التتبع والاستقراء.
الشيخ: التتبع والاستقراء.
قال: من الناس من قال: إن حصر مثل هذه الأمور بتسعة بعشرة وما أشبه ذلك بدعة، فما الجواب على هذا؟
طالب: ليس بدعة؛ لأن هذا وسيلة لشيء ممدوح؛ وهو التيسير على الناس.
الشيخ: تيسير العلم على الناس، فهو وسيلة لشيء محمود؛ وهو تيسير العلم على الناس، والوسائل لها أحكام المقاصد.
وهل في السنة ما يفيد الحصر أحيانًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: «لَا يَلْبَسِ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا ..».
الشيخ: لا، حصر بعدد، يقول الرسول مثلًا: عشرة فيهم كذا وكذا.
طالب: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (٤)، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (٥).
الشيخ: مثل: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ»، وما أشبه ذلك.
المحظور الأول حلق الشعر، فما دليله؟
طالب: دليل حلق الشعر هو دليل خاص.
الشيخ: ما هو دليله؟ هات دليله، عندك نص هاته.
الطالب: القياس على حلق ..
الشيخ: حلق الشعر يا أخي دليله.
الطالب: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾.
الشيخ: طيب.
الطالب: ولكن قوله: (حلق الشعر) ..
الشيخ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ هل مثل هذا الاستدلال يعتبر صحيحًا؟
الطالب: قلنا -أحسن الله إليك-: إن هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن المدلول ..
الشيخ: إلى الآن ما قلت، أمس ما سمعتك.
الطالب: إي نعم، أن الدليل هنا ..
الشيخ: السؤال الآن هل هذا النوع من الاستدلال صحيح؟
الطالب: نعم.
[ ١ / ٣٧٤٤ ]
الشيخ: نعم؟
الطالب: على حلق الرأس، أما حلق الشعر فلا يصح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن هنا الدليل أخص من المدلول، وقلنا: إنه لا يجوز.
الشيخ: والقاعدة أنه لا يستدل بالأخص على الأعم، والعكس صحيح؛ يستدل بالأعم على الأخص؛ لأنه عام، إذنْ ما الذي يثبت هذا الحكم في جميع الشعور؟
طالب: أثبتوه بالقياس على حلق الرأس.
الشيخ: القياس على حلق الرأس، ما علة القياس؟
طالب: علتهم الترفه.
الشيخ: الترفه، أيش معنى الترفه؟
الطالب: التنعم.
الشيخ: التنعم. وهل في حلق الشعر تنعم؟
الطالب: قد يكون فيها شيء من الترفه، كما يؤدي إلى أذى داخل الرأس.
الشيخ: لأنه ينظف الرأس.
الطالب: يجمل.
الشيخ: ويزيل عنه الوسخ، أما الجمال فيختلف.
المؤلف قال: (حلق الرأس) لماذا قال: (حلق الرأس) والمحرم إزالته بأي نوع من أنواع الإزالة؟
الطالب: من أجل أن يكون اللفظ مطابقًا لما جاء في القرآن والسنة.
الشيخ: من أجل أن يطابق لفظه لفظ القران والسنة.
هل نأخذ من هذا أن العلماء ﵏ يتحرون أن تكون كلماتهم موافقة لألفاظ الكتاب والسنة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وما ترى في هذا الطريق هل هو سليم؟
الطالب: نعم، سليم.
الشيخ: ومساوٍ لغيره أو لا؟
طالب: الطريق هذا سليم.
الشيخ: لكن هل تساوي غيرها أو هي أفضل منها؟
الطالب: أفضل منها؛ لأن فيها الدليل والحكم.
الشيخ: أفضل منها؛ لأنها فيها الحكم والدليل؛ ولهذا مر علينا في الزاد -زاد المستقنع- لما قال ﵀ في باب صلاة الجماعة: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (٦)، هذه عبارة المؤلف، قال الشارح: رواه مسلم من حديث أبو هريرة، جاء بالدليل والحكم، تكلمنا على موضوع تعدي الحكم إلى بقية الشعور، وقلنا: إن من العلماء من خالف في ذلك، فمن المخالف؟
طالب: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: داود الظاهري، المعروف عن داود الظاهري، ابن حزم ما راجعنا كلامه، لكن المعروف أنه مع داود الظاهري، كيف؟
[ ١ / ٣٧٤٥ ]
طالب: قال: إن الوارد في القرآن هو حلق شعر الرأس.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيكتبها بما ورد في القرآن.
الشيخ: لأن الأصل؟
الطالب: لأن الأصل الحل.
الشيخ: الحل، فإذا قام الدليل على تخصيص شيء محرم فإننا لا نتعداه إلى غيره، وما جواب الآخرين على هذا؟
الطالب: الجواب القياس.
الشيخ: القياس؛ قياس بقية الشعر.
الطالب: قياس بقية الشعر على شعر الرأس.
الشيخ: على شعر الرأس بجامع الترفه، هل يمكن أن ينقض هذا القياس؟
الطالب: يمكن أن ينقض يا شيخ.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: ينقض بأن العبادات توقيفية ولا تثبت إلا بدليل.
الشيخ: لا، هذا مو تعبد، هذا تخلٍّ عن شيء.
الطالب: التخلي عن شيء يكون تعبدًا.
الشيخ: غير هذا؟
طالب: أقول: إن الحاج يكون بعض الأحيان عنده وقت من الراحة ومن الأكل ومن الشرب وغيره.
الشيخ: لا، هذا نقض العلة، لكن أنا أريد نقض القياس؛ يعني: نقض العلة أن نقول: إن العلة هي الترفه، وقد تنقض؛ لأن ما كل ترفه يكون ممنوعًا، الرسول ﵊ اغتسل وهو محرم (٧).
طالب: نقول: إن الأصل والفرع لازم أن تكون العلة جامعة بينهم، وهنا العلة ليست بجامعه؛ لأن حلق الرأس قد يكون من باب الترفع، وأما حلق العانة وما شابه ذلك فلا يكون من باب الترفع.
الشيخ: لا.
طالب: لأنه إسقاط شعيرة.
الشيخ: نعم؛ لأن حلق الرأس يفضي إلى إسقاط الشعيرة؛ وهي الحلق أو التقصير، ولكني قلت لكم في الأمس: الاحتياط اتباع أيش؟
طلبة: قول الجمهور.
الشيخ: اتباع الجمهور، وهذه قاعدة يجب أن طالب العلم يتمشى عليها أنك إذا وجدت حكمًا يخالف حكم الجمهور أو قولًا يخالف قول الجمهور فلا تتعجل بالأخذ به، لا تتعجل، انتظر؛ لأن كل جمهور علماء الأمة على خلاف هذا القول لا بد أن يكون هناك شيء وراء من يتصوروا فلا تتعجل، وكذلك ما يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في السنة إذا جاء حديث يعتبر شاذًّا بالنسبة لها فلا تتعجل بالأخذ به.
[ ١ / ٣٧٤٦ ]
المؤلف ﵀ يقول الثاني: (تقليم الأظفار) لم يرد فيه نص لا قرآني ولا نبوي، لكنهم قاسوه على حلق الشعر، وإذا كان داود ينازع في حلق بقية الشعر التي في الجسم في إلحاقها بالرأس فهنا؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى؛ ولهذا ذكروا في الفروع أنه يتوجه احتمال ألَّا يكون من المحظورات، بناء على أيش؟ بناء على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات، لكن نقل بعض العلماء الإجماع على أنه من المحظورات.
وقول المؤلف: (تقليم الأظفار) يريد بذلك إزالتها بأي شيء كان؛ بالتقليم، أو بالقص، أو بغير ذلك، أو بالخلع، المهم أن إزالة الأظفار من محظورات الإحرام، وقول المؤلف: (الأظفار) يشمل أظافر اليد وأظافر الرجل، وهو كذلك، والعلة نحن قلنا: ليس فيه دليل قرآني ولا نبوي، ولكن فيه القياس بجامع الترفه في كلٍّ من تقليم الأظفار وحلق الشعر.
قال المؤلف ﵀: (فمن حلق أو قَلَّم ثلاثة فعليه دم)، (من حلق) (من) اسم شرط جازم، و(حلق) فعل الشرط، و(قلَّم) معطوف على فعل الشرط، و(فعليه دم) الجملة جواب الشرط؛ أي: فأي مُحْرِمٍ حلق ثلاث شعرات فعليه دم، أو قلَّم ثلاثة أظفار فعليه دم؛ عليه فدية؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وإذا كان أقل الجمع ثلاثة فإنه إذا حلق ثلاثًا صدق عليه أنه أزال الشعر، وقول المؤلف: (أو قلَّم ثلاثة) نفس الشيء.
وعلم من قوله: (ثلاثة فعليه دم) أنه لو قلَّم دون ذلك أو حلق دون ذلك فليس عليه دم، لكن ماذا يجب عليه؟ قالوا: يجب عليه لكل شعرة إطعام مسكين، ولكل ظفر إطعام مسكين، وهذا التفصيل يحتاج إلى دليل، فأين في السنة ما يدل على أن الشعرة الواحدة فيها إطعام مسكين أو الظفر الواحد فيه إطعام مسكين؟
[ ١ / ٣٧٤٧ ]
ولهذا اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي تجب فيه الفدية وفي مقدار ما يكون دون ذلك، فقال بعضهم: إذا حلق أربع شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق خمس شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ربع الرأس فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ما به إماطة الأذى فعليه دم، فالأقوال كم؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: ثلاثة، وأربعة، وخمسة، وربع الرأس.
طالب: وما يماط به الأذى.
الشيخ: وما يماط به الأذى، أقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن القول الأخير، وهو مذهب مالك؛ أنه ليس عليه دم إلا إذا حلق ما يماط به الأذى؛ أي حلقًا يكاد يكون كاملًا؛ لأنه هو الذي يماط به الأذى، وهو الذي قال الله تعالى في القرآن في شأنه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهو لا يحلق إذا كان به أذًى من رأسه إلا ما يماط به الأذى فعليه فدية، وهذا القول أصلح الأقوال، ويدل له أنه الموافق لظاهر القرآن، هذا دليل.
الدليل الثاني: أن النبي ﵌ احتجم وهو محرم في رأسه (٨)، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر لمكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي ﵌ أنه افتدى، لماذا؟ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى قليل بالنسبة لبقية الشعر.
[ ١ / ٣٧٤٨ ]
وعلى هذا فنقول: من حلق ثلاث شعرات فليس عليه دم، أو أربعًا، أو خمسًا، أو عشرًا، أو عشرين، ولا يسمى هذا حلقًا، لكن هل يحل له ذلك أو لا؟ هذه النقطة، هل يحل أن يحلق شعرة أو شعرتين أو يزيلها بأي مزيل؟ الجواب: لا يحل، انتبهوا؛ لأن لدينا قاعدة: امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه، فإذا نهيت عن شيء فأنت منهي عنه جملة وأجزاء، وإذا أمرت بشيء فأنت مأمور به جملة وأجزاء، انتبه، امتثال المأمور لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال المحظور لا يتم إلا باجتناب جميعه، وعلى هذا فنقول: إذا حرم حلق جميع الرأس أو ما يماط به الأذى حرم حلق جزء منه، لكن الكلام في الفدية غير الكلام في التحريم.
فإن قال قائل: وهل يمكن أن يكون شيء من محظورات الإحرام محرمًا وليس فيه فدية؟
قلنا: نعم، يمكن، عقد النكاح الخطبة حرام على المحرم، لكن ليس فيهما فدية، القمل على رأي بعض الفقهاء؛ كون الإنسان يزيل القمل عن نفسه وهو محرم يكون حرامًا، وفيه فدية؟ لا، ما فيه فدية.
ولا أدري هل تعرفون القمل أو لا؟ الحمد لله، نحن في الأزمنة الأخيرة لا نعرفه؛ لأن النظافة الكثيرة والثياب دائمًا تكون نظيفة، لكن في الأول تكون القمل في الأبدان، وتتعب الناس أحيانًا؛ تجدها تمشي من فوق الثياب، وهي دويبة صغيرة؛ يعني: منتفخة أقل من الذرة، لكن شأنها قوي؛ تحجم الإنسان حجمًا؛ لأنها تقرصه، ثم تمتص الدم، وتؤذي الإنسان؛ ولهذا جيء بكعب بن عجرة إلى رسول الله ﵊ والقمل يتناثر من رأسه على وجهه، فقال الرسول ﵊ له: «لَعَلَّكَ أَذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قال: نعم، يا رسول الله (٩)، فسماها هوامًّا.
إذنْ نقول في هذه المسألة، أعني مسألة أيش؟
طلبة: حلق جميع الرأس.
[ ١ / ٣٧٤٩ ]
الشيخ: حلق جميع الرأس محرم وفيه الفدية، وحلق بعضه محرم وليس فيه فدية، وأوردنا هل يمكن أن يكون شيء من المحظورات محرمًا وليس فيه فدية؟ وقلنا: نعم، خِطبة، عقد النكاح، إزالة القمل وصئبانه على رأي من يرى أنه حرام، والصحيح أنه ليس بحرام، الصحيح أن إزالة القمل ليس بحرام، بل أن المُحْرِم يستبيح من أجله أيش؟
طالب: المُحَرَّمَ.
الشيخ: المُحَرَّمَ، يحلق شعره لأجل ينفك عنه هذا القمل.
إذن القول الراجح أن الذي فيه الدم ما يماط به الأذى؛ أي: ما يكون ظاهرًا على كل الرأس بحيث يسلم الرأس من الأذى.
ثم اعلم أن العلماء في محظورات الإحرام إذا قالوا: دم فلا يعنون أن الدم متعين، بل هو أحد أمور ثلاثة: الدم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، صيام ثلاثة أيام، كلما رأيت شيئًا فيه دم إلا الجماع في الحج قبل التحلل الأول فإن فيه بدنة، وإلا جزاء الصيد فإن فيه مثله، كما سيأتي -إن شاء الله- في الفدية.
لكن هذه اجعلوها على بالكم؛ لأن كثيرًا من الإخوة المفتين كلما أتاهم إنسان قالوا: عليك دم، فيذهب العامي وهو لا يدري لم يبين له يتكلف بشراء الدم، وربما يستدين لذلك، لكن لو قيل له: أنت بالخيار؛ دم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، الثالث صيام ثلاثة أيام يمكن يهون عليه، أما كل واحد يجينا نقول: يلا عليك دم، هذا خطأ، الواجب أن يبين للناس الحكم الشرعي.
وبأي شيء عرفنا أنه يخير بين هذه الثلاثة؟ من حلق الرأس؛ لأن الله قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فالمحظورات إذنْ ما لا فدية فيه، وما فديته بدنه، وما فديته مثله، وما فديته التخيير بين هذه الأمور الثلاثة، وهذا هو أكثر المحظورات؛ أنه يخير فيه بين هذه الأمور الثلاثة.
[ ١ / ٣٧٥٠ ]
يقول المؤلف: (فمن حلق أو قَلَّم ثلاثة فعليه دم) هل نقول بناء على ذلك: يحرم على المحرم أن يحك رأسه؟ لا يحرم أن يحك، إلا من حكه ليتساقط الشعر فهوا حرام، لكن من حكه بدافع الحكة، ثم سقط شيء بغير قصد فإنه لا يضر، وقيل لعائشة: إن قومًا يقولون بعدم حك الرأس، قالت: لو لم أستطع أن أحكه بيدي لحككته برجلي (١٠)، ﵂ من المبالغة في الحل.
ورأيت كثيرًا من الحجاج إذا أراد أن يحك رأسه تقول هكذا ينقر رأسه خوفًا من أن يتساقط شعره، كل هذا من التنطع، فالمهم ألَّا تحكه لتساقط الشعر، إذا حككته لغرض وسقط شيء بغير قصد فلا شيء عليه.
قال المؤلف: (ومن غطى رأسه بملاصق فدى) الواقع المؤلف ﵀ ما جاء بها على العدد؛ الأول، الثاني، الثالث، لكن تفهم من كلامه، (من غطى رأسه) (من) اسم شرط جازم، (وغطى) فعل الشرط، و(فدى) جواب الشرط.
والمراد بـ (من) هنا -وإن كانت شرطية عامة- المراد بها الخصوص وهوا المحرم، (من غطى رأسه بملاصق فدي) مثل: الطاقية، الغترة، العمامة وما أشبه ذلك.
دليل هذا أن النبي ﵌ قال في الذي وقصته راحلته في عرفة: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» (١١) أي: لا تغطوه، وهذا عام في كل غطاء، أما العمامة فجاء فيها نص خاص حين سئل ما يلبس المحرم؟ قال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْخِفَافَ» (١٢)، فنص على العمامة، وليس هذا هو الدليل؛ لأن هذا ذكر بعض أفراد العام قوله: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» هذا الدليل العام.
[ ١ / ٣٧٥١ ]
وقوله: (بملاصق) خرج به ما ليس بملاصق؛ وذلك لأن ما ليس بملاصق لا يعد تغطية؛ مثل الشمسية يمسكها الإنسان وهو محرم ليستظل بها عن الشمس أو يتقي بها المطر فإن هذا لا بأس به، لماذا؟ لأنه غير ملاصق، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح؛ أن غير الملاصق جائز وليس فيه فدية، أما المذهب عند الحنابلة فيقولون: إذا غطى رأسه بملاصق أو استظل بشمسية أو استظل بمحمل حرم عليه ذلك ولزمته الفدية، يلزمونه بأمرين؛ التحريم والفدية، وعلى هذا القول لا يجوز للمحرم أن يستظل بالشمسية إلا للضرورة، وإذا فعل فدى، ولا يجوز للمحرم أن يركب السيارة المغطاة؛ لأنه استظل بها، فإن اضطر إلى ذلك فدى، وعلى هذا إذا كانت سيارتنا مغطاة مثل الجومس لا نركب في الأسفل نركب فوق والعفش تحت.
طالب: لماذا؟
الشيخ: لماذا؟ لأنه يحرم علينا أن نستظل بشيء تابع لنا، لكن هذا القول مهجور من زمان بعيد، لا يمشي عليه اليوم إلا الرافضة، هم الذين يمشون عليه، وأظنهم أيضًا إنما مشوا عليه أخيرًا، وإلا من قبل ما كنا نعرف هذا الشيء منهم.
على كل حال هذا هو المذهب، فصار المؤلف ﵀ مشى في هذه المسألة على الصحيح الذي هو خلاف المذهب.
وليعلم أن ستر الرأس أقسام؛ جائز بالنص والإجماع، وممنوع بالنص، وأظنه إجماعًا، ومختلف فيه، فالأول الجائز بالنص والإجماع؛ مثل أن يضع الإنسان على رأسه لبدًا؛ يعني: يلبدها بشيء كالحنة مثلًا، لو لبَّد المحرم على رأسه شيئًا مثل الحنة عسل صمغ عشان يهبط الشعر فإن هذا جائز، وقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يهل ملبدًا (١٣)، أيش معنى (ملبدًا)؟ أي ملبدًا رأسه؛ أي واضعًا عليه شيئًا يلبده، هذا لا بأس به بالنص، وأظنه محل إجماع.
[ ١ / ٣٧٥٢ ]
ثانيًا: أن يغطيه بما لا يقصد به التغطية والستر؛ كحمل العفش ونحوه فهذا لا بأس به، فيجوز للإنسان أن يحمل عفشه على رأسه وهو محرم ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن هذا لا يقصد به الستر غالبًا ولا يستر بمثله غالبًا.
الثالث: أن يستره بما يلبس عادة على الرأس؛ مثل: الطاقية، الشماغ، العمامة، فهذا أيضًا حرام بالنص، وأظنه إجماعًا.
الرابع: أن يغطى بما لا يعدُّ لبسًا لكنه ملاصق ويقصد به التغطية فهذا أيضًا حرام، ودليله؟
طلبة: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».
الشيخ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ..» الحديث الذي وقصته راحلته، والغريب أن ابن حزم ﵀ خالف بهذا في مثل تغطية الوجه، ستأتينا تغطية الوجه حرام ولَّا لا.
الخامس: أن يظلل رأسه ما هو تغطية بتابع له؛ كالشمسية والسيارة ومحمل البعير وما أشبهه، فهذا محل خلاف بين العلماء؛ منهم من أجازه وهو الصحيح، ومنهم من منعه.
السادس: أن يستظل بمنفصل عنه غير تابع له؛ كالاستظلال بالخيمة وثوب يضعه على شجرة أو أغصان شجرة أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، وقد ثبت أن النبي ﷺ ضربت له قبة بنمرة، فبقي فيها ﵊ حتى زالت الشمس في عرفة (١٤).
فإذا قال قائل: التظليل بالشمسية ونحوها أليس سترًا؟
فالجواب: لا، ليس بستر؛ لأن الذي يمشي إلى جنبك يرى كل رأسك ما غطى الرأس، ثم إن النبي ﷺ كان يقود به أسامة، وكان الفضل رديفه رديف النبي ﵊ في دفعه من مزدلفة إلى منى، وكان بلال وأسامة أحدهما يقود به البعير، والثاني واضع ثوبه على رأسه حتى رمى جمرة العقبة (١٥)؛ يعني: يظلله به، وهذا كالشمسية تمامًا، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز، وليس هذا بستر، فلا ينافي قوله ﵊: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ»، هذا المحظور هل هو عام للرجال والنساء أو خاص بالرجال؟
طلبة: خاص بالرجال.
الشيخ: هذا خاص بالرجال.
[ ١ / ٣٧٥٣ ]
أما الأول -حلق الرأس وتقليم الأظفار- فهو عام للرجال والنساء، وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن تغطية الوجه ليست حرامًا ولا محظورًا؛ لأنه قال: (تغطية الرأس)، فمن غطى رأسه والوجه لم يتعرض له، وإذا لم يتعرض له فالأصل الحل، وعلى هذا فتغطية المحرم وجهه لا بأس بها، وهذه محل خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز للمحرم -يعني: الرجل- أن يغطي وجهه.
ومنهم من أجازه، بناء على صحة اللفظة الواردة في حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي وقصته ناقته، ففي الصحيحين أن النبي ﵌ قال: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» (١٦) فقط، وروى مسلم أنه قال: «وَلَا وَجْهَهُ» (١٧)، فاختلف العلماء في صحة هذه اللفظة؛ فمن كانت عنده صحيحة قال: إنه لا يجوز أن يغطي المحرم وجهه، ومن ليست صحيحة قال: إنه يجوز، وابن حزم ﵀ قال: إنه يجوز في حال الحياة ولا يجوز في حال الموت، أو بالعكس.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى، وإن طيب بدنه أو ثوبه أو ادهن بمطيب أو شم طيبًا أو تبخر بعود ونحوه فدى.
وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًّا أصلًا ولو تولد منه ومن غيره أو تلف في يده فعليه جزاؤه، ولا يحرم حيوان إنسي ولا صيد البحر ولا قتل محرم الأكل ولا الصائل.
ويحرم عقد نكاح، ولا يصح، ولا فدية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ٣٧٥٤ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى) هذا من المحظورات، ويعبر عنه بلبس المخيط، وما معنى المخيط؟ المخيط عند الفقهاء: كل ما خيط على عضو أو على البدن كله؛ يعني: ما يخاط على العضو على قياسه أو على البدن كله، هذا المخيط؛ مثل: القميص، والسراويل، والجبة، والصدرية، وما أشبهها، وليس المراد بالمخيط ما فيه خياطة، بل إذا كان مما يلبس في الإحرام فإنه يلبس ولو كان فيه خياطة.
فهنا شيئان؛ الشيء الأول: ما هو المخيط؟ نقول: هو ما خيط على عضو أو على البدن كله أو عضو منه، وكلمة (لُبْس) هي الشيء الثاني لا بد أن يلبس على عادة اللبس، فلو وضعه وضعًا فليس عليه شيء؛ يعني: لو ارتدى بالقميص فإن ذلك لا يضر؛ لأنه ليس لبسًا له.
ما هو الدليل؟ الدليل على هذا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن النبي ﷺ سئل ما يلبس المحرم؟ - (ما) اسم استفهام؛ يعني: أي شيء يلبس؟ - قال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْخِفَافَ»، فذكر خمسة أشياء لا تلبس مع أنه سئل عن الذي يلبس، فأجاب بما لا يلبس، ويعني هذا أنه يلبس المحرم ما سوى هذه الخمسة، وإنما عدل عن ذكر ما يلبس إلى ذكر ما لا يلبس؛ لأن ما لا يلبس أقل مما يلبس، ومعلوم أننا إذا حصرنا القليل فنقول: وما سوى ذلك فإنه يلبس.
المؤلف ﵀ يقول: (وإن لبس ذكرٌ مخيطًا) فعبَّر بلبس المخيط، ولكن النبي ﵌ الذي أعطي جوامع الكلم لم يعبر بلبس المخيط وإنما ذكر أشياء معينة بالحد أو بالعد؟
طلبة: بالعد.
[ ١ / ٣٧٥٥ ]
الشيخ: بالعد، عينها بالعد، وكان ينبغي للمؤلف وغيره من المؤلفين أن يذكروا ما ذكره النبي ﵌، كما ذكرنا فيما سبق أن المحافظة على لفظ النص حتى في سياق الأحكام أولى، ويذكر أن أول من عبَّر بلبس المخيط إبراهيم النخعي من التابعين، بل من فقهاء التابعين؛ لأنه -أي: إبراهيم النخعي- في الفقه أعلم منه في الحديث؛ ولهذا يعتبر فقيهًا، وهو في الحديث ليس بالمستوى الذي هو عليه في الفقه، فقال: لا يلبس المخيط.
ولما كانت هذه العبارة ليست واردة عن معصوم صار فيها إشكال؛ أولًا: من حيث عمومها، والثاني: من حيث مفهومها؛ لأننا إذا أخذنا بعمومها حرمنا كل ما فيه خياطة؛ لأن المخيط اسم مفعول بمعنى مخيوط، ولأن هذه العبارة توهم أن ما جاز لبسه شرعًا في الإحرام إذا كان فيه خياطة فإنه يكون ممنوعًا؛ يعني: لو أن الإنسان عليه رداء مرقع أو رداء موصول وصلتين بعضها ببعض، فهل هو مخيط أو لا؟ هو -لغةً- مخيطٌ، مخِيْطَ بعضه ببعض، وهذا ليس بحرام، بل هو جائز، فالتعبير النبوي أولى من هذا؛ لأن فيه عدًّا وليس فيه إيهام.
فلنرجع إلى تفسير حديث الرسول ﵊ «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ»، والقميص: ما خيط على هيئة البدن وله أكمام، كثيابنا التي علينا الآن هذه قمص، فلا يلبسها المحرم؛ لأنه لو لبسها لم يكن هناك شعيرة ظاهرة للنسك، ولاختلف الناس فيها؛ هذا يلبس كذا، وهذا يلبس كذا، بخلاف ما إذا اتحدوا في اللباس.
«لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ» والسراويل اسم مفرد وليس جمعًا، وجمعه سراويلات، وقيل: إنه جمع، ومفرده سروال، لكن اللغة الفصيحة أن (سراويل) مفرد.
قال ابن مالك في الألفية:
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني: صيغة منتهى الجموع
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ
شَبَهٌ اقْتَضَى عُمَومَ الْمَنْعِ
[ ١ / ٣٧٥٦ ]
السراويل: لباس مقطَّع على قدر معين من أعضاء الجسم، ما هم؟ الرِّجلان فلا يلبس السراويل.
الثالث: «وَلَا الْبَرَانِسَ» البرانس: ثياب واسعة لها غطاء يغطى به الرأس متصل بها، وأكثر ما نراهم يلبسونها المغاربة هذه البرانس فلا يلبسها المحرم.
الرابع: «العمائم» والعمائم: لباس الرأس، فلا يلبس المحرم العمامة؛ لأنها لباس الرأس، ولم يقل: لا يغطي رأسه؛ لأنه لم يسأل إلا عما يلبس، فذكر ما يلبس على الرأس وهو العمامة، وما يلبس على أسفل والبدن وهو السراويل، وما يلبس على أعلى البدن وهو القميص.
الخامس: «وَلَا الْخِفَافَ» الخفاف معروفة هي: ما يلبس على الرجل من جلد أو نحوه، فلا يلبسها المحرم، إلا أن النبي ﷺ استثنى: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (١٨).
نرجع مرة ثانية إلى الحديث فنقول: الحديث يقول: لا يلبس المحرم كذا وكذا، فإذا استعملها على غير وجه اللبس المعتاد فإن ذلك لا بأس به؛ مثل أن يجعل القميص رداء أو يجعله إزارًا، والسراويل رداء.
وبهذا نسد العذر على من يقول: إذا ركب في الطائرة أن ثياب الإحرام موجودة في الشنطة في جوف الطائرة، نقول: هذا ليس بمشكل؛ إذ يمكن الاستغناء عن ثياب الإحرام بماذا؟ بأن أجعل الثوب إزارًا وأجعل السراويل رداءً، أو إذا كان ممن يلبس الغترة يجعل الغترة رداءً، ولا إشكال في المسألة، أو نقول: اجعل القميص رداءً والبس السراويل؛ لأنك لا تجد إزارًا، فالمسألة ما فيها إشكال من لم يجد نعلين فليلبس الخفين.
[ ١ / ٣٧٥٧ ]
هل هذا يكون عند الحاجة أو مطلقًا؟ بمعنى لو كان الإنسان كما هو حالنا اليوم راكبًا في السيارة تصل به إلى المسجد الحرام لا يحتاج إلى المشي، فهل نقول: إنه في هذا الحال له أن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين، أو نقول: إن الرسول ﵊ أجاز لبس الخفين عند عدم النعلين؛ لأن الإنسان يحتاج إلى المشي، والمشي حول مكة -كما تعرفون- أودية وجبال لا تخلو من الأشواك غالبًا ومن الأحجار التي تدمي الأصابع، فلهذا رخص له في أن يلبس الخفين؟ الذي يظهر لي هذا؛ أنه يلبس الخفين عند الحاجة، أما إذا لم يحتج فلا حاجة، كما في وقتنا الحاضر.
أيش بقي علينا من اللباس؟ نقول: إن الرسول ﵊ حصر الذي لا يلبس بهذه الخمسة، هل يلحق بها ما كان في معناها؟
الجواب: نعم، يلحق بها ما كان في معناها، فمثلًا القميص يشبهها القوت، تعرفون القوت؟ معروف القوت يلبس على الصدر، يلحق به، فلا يجوز أن يلبسه المحرم، ويلحق به القباء، القباء: ثوب واسع له أكمام مفتوح الوجه، فلا يلبسه؛ لأنه يشبه القميص، لكن لو طرح القباء على كتفيه دون أن يدخل كميه فهل يعد هذا لبسًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الصحيح أنه ليس بلبس؛ لأن الناس لا يلبسونه على هذا العادة.
البرانس يلحق بها العباءة؛ فإن العباءة تشبه البرنس من بعض الوجوه، فلا يجوز للإنسان أن يحرم أن يلبس العباءة بعد إحرامه على الوجه المعروف، أما لو لفها على صدره كأنها رداء فإن ذلك لا بأس به.
السراويل لا يلبسها فهل يلحق بذلك التُّبَّان أو لا؟
طالب: ما هو التُّبَّان؟
الشيخ: التبان هو: عبارة عن السراويل القصيرة الأكمام؛ يعني: ما تصل إلا إلى نصف الفخذ، ما عندكم نصف ().
طالب: () النصف.
الشيخ: على كل حال أنا أصفه لكم باللفظ يصل إلى نصف الفخذ، هل يلحق بالسراويل أو لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٣٧٥٨ ]
الشيخ: الصحيح أنه يلحق بالسراويل؛ لأنه في الواقع سراويل، لكن كمها قصير، ولأنها تلبس عادة كما يلبس السراويل.
إذنْ نلحق بهذه الأشياء الخمسة ما يشبهها، وما عدا ذلك فإننا لا نلحقه.
مثاله: لو أن الرجل عقد الرداء على صدره فهل هذا حرام؟
الجواب: لا؛ لأن الرداء وإن عقد لا يخرج عن كونه رداءً، لو شبكه بمشبك فهل هذا لبس؟ الجواب: لا، ليس كلبس القميص، بل هو رداء مشبك، لكن بعض الناس توسعوا في هذه المسألة وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه أيش؟
طلبة: قميص.
الشيخ: كأنه قميص، وهذا لا ينبغي، أما زره بإزار واحد من أجل ألَّا يسقط ولا سيما عند الحاجة؛ كما لو كان الرجل هو الذي يباشر العمل لأصحابه من قهوة وطبخ وغير ذلك فهذا لا بأس به، أما أن يجعله كله من أوله إلى آخره مزرر بالأزرة فهذا يشبه أن يكون قميصًا ليس له أكمام.
لو لبس الإنسان ساعة في يده هل تلحق بالخمسة التي ذكرها الرسول؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تلحق، وأشبه ما تكون بالخاتم، والخاتم جائز لا أشكال فيه.
لو لبس في عينه مرآة يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنها لا تدخل في هذه الأشياء الخمسة لا لفظًا ولا معنًى.
لو وضع في أذنه سماعة؟
طالب: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز، ليست داخلةً في هذه الخمسة لا لفظًا ولا معنًى.
لو وضع في فمه تركيبة أسنان؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
لو لبس حذاء مخروزًا فيه خياطة؟
طلبة: ().
الشيخ: حذاء.
طالب: مخيوط؟
الشيخ: إي، كله خيوط.
طلبة: ().
الشيخ: () جوابكم ما هو ().
طالب: يجوز، هذا ليس خفًّا.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس خفًّا، هو نعل مخروز، وهو بخرازته لم يخرج عن كونه نعلًا، وهذا هو الذي قلنا: إن المحافظة على اللفظ النبوي أولى من أن نقول: المُحَرَّم لبس المخيط؛ لأن كثيرًا من العامة يسألون عن النعال المخروزة يقولون: فيها خياطة.
لو تقلد الإنسان بسيف أو بفرد ما تقولون؟
طلبة: يجوز.
[ ١ / ٣٧٥٩ ]
الشيخ: يجوز؟ نعم يجوز؛ لأنه لا يدخل فيما نص عليه الرسول ﵊ لا لفظًا ولا معنًى.
لو ربط بطنه بحزام؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز، مخيط يجوز؟
طلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز.
لو علق على كتفه قربة ماء؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، أو وعاء نفقة، كل هذا جائز، والمهم أن الرسول ﵊ عدَّ ما يحرم عدًّا، فما كان بمعناه ألحقناه به، وما لم يكن بمعناه لم نُلحقه به، وما شككنا فيه فالأصل الحل.
ومما نشك فيه الإزار المخيط، بعض الناس يلبس إزارًا مخيطًا؛ يعني: ما ينفتح، ثم يلفه على بدنه ويشده بحبل، هل نقول: إن هذا جائز أو أنه يشبه القميص أو السراويل؟
نقول: إنه جائز؛ لأنه لا يشبه القميص ولا السراويل، السراويل لكل قدمٍ كمٌّ، والقميص في أعلى البدن، ولكل يدٍ كُمٌّ أيضًا، فهذا لا بأس به، ويستعمله بعض الناس الآن؛ لأنهم يقولون: إنه أبعد عن انكشاف العورة، فنقول: ما دام يطلق عليه اسم إزار فهو إزار، ويكون حلالًا.
وقول المؤلف: (إن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى)، (ذكر) خرج بذلك الأنثى، فالأنثى لها أن تلبس ما شاءت، ليس لها ثياب معينة للإحرام، إلا أنه لا يجوز أن تلبس ما يكون تبرجًا وزينة؛ لأنها سوف تكون أمام الناس في الطواف وفي السعي، فلا يجوز لها أن تلبس هذا.
هل يحرم عليها شيء من اللباس المرأة؟ نقول: نعم، يحرم عليها شيء من اللباس؛ وهما القفازان والنقاب، القفازان: لباس اليدين، والنقاب: لباس الوجه، ولم يرد عن النبي ﵌ أنه حرم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما حرم عليها النقاب فقط؛ لأنه لباس الوجه، وفرق بين النقاب وبين تغطية الوجه.
وعلى هذا فلو أن المرأة المحرمة غطت وجهها لقلنا: هذا لا بأس به، لكن الأفضل أن تكشفه ما لم يكن حولها رجال أجانب، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم.
هل يحرم عليها الجوارب؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٣٧٦٠ ]
الشيخ: لا، الجوارب حرام على من؟ على الرجل، هل يحرم على الرجل القفازان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يحرم عليه القفازان، وبعضهم حكى في ذلك الإجماع، وقالوا: إن النبي ﵌ إذا حرم على المحرم لبس ما يختص بالرِّجل فكذلك لبس ما يختص باليد، وهي مصنوعة على هيئة أحد الأعضاء، لكن النبي ﵌ لم يذكرها فيما يتجنبه المحرم؛ لأنه ليس من عادة الرجال أن يلبس القفازين؛ ولهذا لما كان من عادة النساء أن تلبس القفازين قال في المرأة: «وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» (١٩).
انتهينا من هذا المحظور الذي هو لبس المخيط، وظاهر كلام المؤلف أن لبسه حرام؛ سواء طال الوقت أم قصر، وهو كذلك، وبناء على هذا لو أن رجل لبس ثوبه القميص والسراويل بناء على أنه حل من إحرامه وتبين أنه لم يحل فإن عليه أن ينزعه في الحال.
مثال ذلك: رجل أتى بعمرة فطاف وسعى، ثم لبس ثوبه القميص والسراويل، ثم ذكر أنه لم يقصر أو لم يحلق، فماذا نقول له؟
نقول: يجب فورًا أن تغير الملابس؛ لأنك لا تزال على إحرامك، والمحرم لا يجوز أن يلبس القميص ولا طرفة عين، لكن يؤجل بقدر العادة، ما نقول مثلًا: إذا كنت في مسجد اركض قدام الناس وادعس الناس، أو جيب السيارة اركبها وعلم على مئتين مثلًا، ما نقول هكذا، رجوع الشيء المعتاد.
وهل له إذا أراد خلع القميص هل له أن يخلعه من أعلى أو من أسفل إذا كان الجيب واسعًا أو يشقه؟
طلبة: ().
[ ١ / ٣٧٦١ ]
الشيخ: الآن عندنا ثلاثة احتمالات؛ من أسفل، وهذا لا يكون إلا إذا كان جيبه واسعًا، يشقه على شيء يوسعه ينزله من أسفل، أو يخلعه خلعًا عاديًّا، إذا قلنا بالأخير لزم من ذلك عند خلعه أن يغطى رأسه، والمحرم لا يغطى رأسه؛ فلذلك قال بعض العلماء: إذا أراد خلع القميص الذي أحرم به؛ فإما أن يخلعه من أسفل إن اتسع الجيب، وإلا شقه، ولا يمكن أن يخلعه من فوق؛ لأنه إذا فعل فقد غطى رأسه، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن شق القميص إفساد له، والنبي ﵊ نهى عن إضاعة المال (٢٠)، ولأن التغطية هنا غير مقصودة، فهي كما لو حمل عفشه على رأسه، بل الحمل على الرأس -حمل العفش- يكون أيش؟ أطول، وهذا يعني لحظة من الزمن، فالصواب أنه يخلعه خلعًا عاديًّا، ولا يحتاج إلى أن يشقه، ولا أن ينزله من أسفل.
لو لم يجد الإنسان رداء ذكر النبي ﵊ أنه إذا لم يجد إزارًا فإنه يلبس سراويل، لكن لو لم يجد رداء يبقى على ما هو عليه؛ لأنه يجوز للإنسان أن يبقى مؤتزرًا بين الناس، ويجوز أن يبقى مؤتزرًا ويصلي، فهو ليس في ضرورة إلى الرداء.
فإذا قال: أنا لا أستطيع أن أبقى مكشوف الصدر والظهر؛ يلحقني في ذلك مشقة لا أحتملها أو أخاف من المرض، إذا كانت الأيام باردة، نقول: إذن البس القميص إذا كان لا يمكنك أن تتلفف به البسه وافدِ؛ لأن الإنسان إذا احتاج إلى فعل المحظور فعله وفدى، كما في حديث كعب بن عجرة ﵁.
ومن المحظورات قال: (وإن طيب بدنه أو ثوبه أو ادهن بمطيب أو شم طيبًا أو تبخر بعود ونحوه فدى) هذا من المحظورات أيضًا، من المحظورات الطيب، ما هو الدليل؟
الدليل على ذلك أن النبي ﵌ قال: «لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الوَرْسُ» أو قال: «ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسُ» (٢١) والزعفران طِيبٌ.
[ ١ / ٣٧٦٢ ]
لكن قد يقول قائل: الزعفران أخص من كونه طيبًا؛ لأنه طيب ولون، ونحن نقول: إن الطيب بأي لون كان يحرم على المحرم، نقول: نأتي بدليل آخر؛ وهو أن النبي ﵌ قال في الذي وقصته ناقته في عرفة قال: «لَا تُحَنِّطُوهُ» (٢٢)، وتحنيط الميت أطياب مجموعة تجعل في مواضع من جسمه، وهذا عام لكل طيب؛ لأن الرسول قال: «لَا تُحَنِّطُوهُ»، وذكر أشياء، ثم قال: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، وهذا دليل على أن المحرم لا يجوز له استعمال الطيب، وهو كذلك لا يجوز له استعمال الطيب، ووجه أن الطيب يعطي الإنسان نشوة، وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته، ويحصل بذلك فتنة له، والله ﷿ يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ثم إنه قد ينسيه ما هو فيه من العبادة؛ فلذلك نهي عنه، الطيب هنا يشمل الطيب في رأسه، في لحيته، في صدره، في ظهره، في أي مكان، في ثوبه أيضًا.
قال المؤلف: (أو شم طيبًا) الشم يعني أن يستنشقه ليختبر رائحته، (أو ادهن بمطيب) كذلك أيضًا إذا ادهن بمطيب؛ يعني: مسح على جلده بدهن فيه طيب فإنه لا يجوز؛ لأن ذلك سوف يعلق به وتبقى رائحته.
كذلك أيضًا يقول: (أو شم طيبًا) يعني: تقصد شم الطيب فإنه يحرم عليه ذلك ويفدى، ولكن المسألة الأخيرة -وهي شم الطيب- فيها نظر؛ لأن الشم ليس استعمالًا؛ ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يحرم الشم، لكن إن تلذذ به فإنه يتجنبه خوفًا من المحذور الذي يكون بالتطيب، أما يشمه ليختبره مثلًا طيبه؛ هل هو طَيِّب أو وسط أو رديء؟ هذا لا بأس به.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يشمه بلا قصد.
والثانية: أن يتقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفه به.
والثالث: أن يقصد شمه للتلذذ به.
[ ١ / ٣٧٦٣ ]
فالقول بتحريم الثالث وجيه، أما القول بتحريم الثاني فغير وجيه، وأما الأول فهذا لا يحرم قولًا واحدًا، ومن ذلك ما يحصل للإنسان إذا كان يطوف أنه يشم رائحة الطيب الذي في الكعبة، وقد رأينا بعض الناس شاهدناهم يصبون الطيب صبًّا على حجارة الكعبة، ومثل هذا لا بد أن يفوح له رائحة، ولكن الإنسان إذا لم يقصدها ليس فيها شيء، ونحن نرى أن الذين يضعون الطيب في الحجر الأسود قد أساؤوا إساءة بالغة؛ لأنهم سوف يحرمون الناس استلام الحجر الأسود، أو يوقعونهم في محظور من محظورات الإحرام، وكلاهما عدوان على الطائفين.
فيقال لهم أنتم: إذا أبيتم إلا أن تطيبوا الكعبة فنحن لا نمنعكم، لكن لا تجعلوا الطيب في مشعر من مشاعر الطواف، اجعلوه في جوانب الكعبة من الذي لا يمسح، أما أن تجعلوه في مكان يحتاج المسلمون إلى مسحه وتقبيله فهذا جناية؛ لأنهم إما أن يدعوا المسح مع القدرة عليه، وإما أيش؟
طالب: أن يقعوا في المحظور.
الشيخ: أن يقعوا في المحظور، ومشكلة إذا جاء الإنسان يطوف وأنت في أثناء الطواف قال: والله أنا قبَّلت الحجر الأسود ومسحت بيدي وعلق فيها شيء من الطيب ماذا تقول له؟ ستقول: اذهب واغسل الطيب والزحام شديد، ماذا يكون أذى هذا الرجل؟ أذًى شديد.
ولهذا ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا جرى مثلًا كلام حول هذا أن تبينوا لهذا الأخ الذي احتسب بنيته وأساء بفعله أن تقولوا: إن هذا عدوان على الناس تمنعونهم من شعيرة من شعائر الطواف وأنتم تردون الإحسان فأنتم تحسنون، ولكن تسيئون فالنية طيبة والتصرف سيء.
طالب: هل يُلحق الشماغ بالعمامة؟
الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: هل يلحق الشماغ بالعمامة؟
طلبة: نعم، يلحق.
الشيخ: الجواب يلحق أيضًا من جهة أخرى، حتى من جهة أخرى؛ وهي تغطية الرأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يلبس المرءُ أيَّ شيء في يده من أجْل العمل؛ يعني إنْ كان ما يلبسه في يديه للعمل؟
[ ١ / ٣٧٦٤ ]
الشيخ: قفازين يعني، هذا عند الضرورة؛ إذا اضطروا إلى ذلك فإنهم يفتون على القاعدة التي ذكرْنا أو التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.
طالب: في مصنف ابن أبي شيبة نقل عن ابن عمر (٢٣) وعن أنس بن مالك (٢٤) أنهم كانوا يقبِّلون الحجر وإنَّ خضاب الطيب على ثيابهم، وسُئل عن ذلك فقال: ليس عليه شيء.
الشيخ: لعل هذا -والله أعلم- أنه قد طيبه من قبل في ثوبه.
الطالب: لا.
الشيخ: من طيب الحجر؟
الطالب: من طيب الكعبة.
الشيخ: يمكن هذا أنهم يعذرونه بأنه شيء لم يقصده وشيء كأنه أكره عليه.
طالب: يا شيخ، قالوا: إن تغطية الوجه للرجل اختلف العلماء؛ منهم من أجاز، ومنهم من منع على صحة رواية مسلم ولم يرجح؟
الشيخ: واللهِ ما تبين لي فيها الترجيح؛ لأنه احتمال أن الراوي الذي حدث به أخيرًا وزاد هذه اللفظة أنه ذكرها بعد، والذي يميل إليه ابن القيم ﵀ أنها لا تصح.
طالب: لا بأس بتغطية الوجه.
الشيخ: إي نعم، أنها لا تصح اللفظة، وأن تغطية الوجه لا بأس بها.
أو تَبَخَّرَ بعُودٍ ونحوِه فَدَى، وإن قَتَلَ صيدًا مأْكُولًا بَرِّيًّا أَصْلًا ولو تَوَلَّدَ منه ومن غيرِه أو تَلِفَ في يدِه فعليه جَزَاؤُه، ولا يَحْرُمُ حيوانٌ آنِسِيٌّ، ولا صَيْدُ البحرِ، ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأَكْلِ ولا الصائلُ، ويَحْرُمُ عقْدُ نكاحٍ ولا يَصِحُّ ولا فِديةَ، وتَصِحُّ الرُّجعةُ، وإن جامَعَ الْمُحْرِمُ قبلَ التحَلُّلِ الأَوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهما ويَمْضِيانِ فيه ويَقْضِيَانِه ثانيَ عامٍ،
ولهذا ينبغي لكم أنتم -طلبةَ العلم- إذا جرى مَثَلًا كلامٌ حول هذا أن تبيِّنوا لهذا الأخ الذي احتسبَ بنيَّته وأساءَ بفعله؛ أن تقولوا: إن هذا عدوانٌ على الناس؛ تمنعونهم من شعيرةٍ من شعائر الطواف وأنتم تريدون الإحسان، فأنتم تُحسنون ولكن تُسيئون، فالنيَّة طيِّبة والتصرف سيِّء.
طالب: هل يُلْحق الشِّماغ بالعمامة؟
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل يُلْحق الشماغ بالعمامة؟
[ ١ / ٣٧٦٥ ]
طلبة: نعم يُلْحق.
الشيخ: الجواب يُلحق أيضًا من جهة أخرى، حتى من جهة أخرى؛ وهي تغطية الرأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يلبس المحرم شيءٍ في يده من أجْل العمل؛ يعني إنْ كان ما يلبسه في يديه للعمل؟
الشيخ: قفازين يعنى، هذا عند الضرورة؛ إذا اضطُرُّوا إلى ذلك فإنهم يفتون على القاعدة التي ذكرْنا أو التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.
طالب: في مصنف ابن أبي شيبة نقل عن ابن عمر (١) وعن أنس بن مالك (٢) أنهم كانوا يُقَبِّلون الحجَرَ وإنَّ خضاب الطيب على ثيابهم، وسُئل عن ذلك فقال: ليس عليه شئ.
الشيخ: لعل هذا -والله اعلم- أنه قد طيَّبه مِن قَبْل في ثوبه.
الطالب: لا.
الشيخ: من طِيب الحجَر؟
الطالب: من طِيب الكعبة.
الشيخ: يمكن هذا أنهم يعذرونه بأنه شيءٌ لم يقصده وشيءٌ كأنه أُكْرِهَ عليه.
طالب: شيخ، قلنا: إن تغطية الوجه للرجُل اختلف فيها العلماء؛ منهم مَن أجاز، ومنهم مَن مَنَع على صحة رواية مسلم، ولم يرجِّح.
الشيخ: واللهِ ما تبيَّن لى فيها الترجيح؛ لأنه احتمال أن الراوي الذي حدَّث به أخيرًا وزاد هذه اللفظةَ أنَّه ذكرها بَعْد، فيها احتمال، والذي يميل إليه ابن القيم -﵀- أنها لا تصح.
طالب: لا بأس بتغطية الوجه؟
الشيخ: إي نعم، أنها لا تصح اللفظة، وأنَّ تغطية الوجه لا بأس بها.
الطالب: تغطية الوجه للمرأة في غير وجود الأجانب هل يجب عليها؟
الشيخ: لكنْ بنقاب ولَّا بغير نقاب؟
الطالب: بغير نقاب.
الشيخ: لا بأس به، لكن تَرْكه أحسن؛ يعنى كَشْف المرأةِ وجهها إذا لم يكن عندها رجالٌ أفضلُ من غيره.
الطالب: بالنسبة .. النبي ﷺ يقول: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ» (٣). شيخ، يعنى الثوب اللي ما مسَّه الزعفران يجوز لبسه؟
الشيخ: لكن هو مُطيَّب؟
الطالب: لا، ما هو مُطيَّب.
الشيخ: ماذا تفهم من الثوب؟ أنا أخشى أنك تفهم من الثوب القميص.
الطالب: ما أعرفُ الفرق بين الثوب والقميص.
[ ١ / ٣٧٦٦ ]
الشيخ: الثوب: قطعة القماش، حتى الرداء يُسَمَّى ثوبًا، والإزار يُسَمَّى ثوبًا، كلُّ قطعة من القماش قُطْن أو صوف أو غيره فهي ثوب.
طالب: طيب، يا شيخ، الرداء الملوَّن؟
الشيخ: الرداء الملوَّن لا بأس به.
الطالب: ما يُعَدُّ من الشهرة؟
الشيخ: ربما نقول: إن الأفضل تَرْكُه لئلَّا يتباهى الناسُ في ذلك؛ لأنه إذا انفتحَ الباب وصارَ الإنسان يأتي بملوَّنٍ جاءَ أخَرُ بملوَّنٍ أحسن منه وتباهَى الناسُ في هذا.
طالب: إذا قلنا: ()؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: المرأة الْمُحْرِمة إذا وُجِد أجانب أنها تغطِّي وجهها، فما الجواب يا شيخ عن حديث الفضل بن عباس ()؟
الشيخ: سمعتم ما قال؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقول: إذا قلنا بأنه إذا كان عندها أجانب يجب أنْ تغطِّي وجهها، فما هو الجواب عن حديث الفضل بن عباس ﵄ أنه كان رديفَ النبيِّ ﷺ في دفْعِهِ من مزدلفة إلى مِنى، ومرَّت به امرأةٌ كاشفةُ الوجه، فسألت النبيَّ ﷺ أنَّ أباها أدركتْه فريضةُ الله على عباده في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يَثْبت على الراحلة، أفأحُجُّ عنه. قال: «نَعَمْ». وجعل الفضلُ بن العباس ينظر إليها وتنظر إليه، فصرفَ النبيُّ ﷺ وجهَ الفضل إلى الشِّقِّ الآخَر (٤).
طالب: لم يكن وجوب الحجاب () الوجه ().
الشيخ: لا، هذا جواب غير صحيح، والجواب أن هذا قبل نزول الحجاب؛ هذا في حجَّة الوداع.
طالب: بعضهم يا شيخ يقول: () عَرَضها على الفضل بن العباس لكي يتزوجها، فهو من باب نظر الرجل إلى الزوجة.
الشيخ: يقول: هذه مخطوبةٌ للفضل، وصُرِف الفضلُ عنها، لكن الخطبة في حال الإحرام لا تجوز.
الطالب: أنها لم تعلم بأن المرأة لا يحلُّ لها كَشْفُ وجهها قبل ذلك، لم تعلمْ بذلك، ولذلك أتتْ كاشفةً.
الشيخ: إي نعم؛ يعني معناه أن نقول: هذه لم تعلم، وكشفتْ بناءً على البراءة الأصلية.
[ ١ / ٣٧٦٧ ]
طيب، لماذا لم يقُل لها الرسول: الناس بين يديكِ، احتجبي.
طالب: شيخ، يحتمل أنَّ () النبي ﵊ مَنَعَ الفضلَ وأجاز لنفسه هذا الشيء، هذا يدل () فقط ().
الشيخ: الجواب الآن نقول: إنه ليس حولها إلا النبي ﷺ والفضل بن العباس، وأن الرسول صرفَ وجْهَ الفضل، وأمَّا هو ﵊ فإنه يجوز له الاطِّلاع على النساء ولا يَلْزمُهُنَّ الاحتجابُ عنه، كما أنه يجوز له الخلوة بهنَّ.
طالب: ()؟
الشيخ: إي شاب.
طالب: المرأة كانت ().
الشيخ: يعني معناه أنه ينظر إليها؛ يعني الهيكل العام، هذا ذهبَ إليه الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: ما هو النظر إلى الوجه، الوجه ما فيه دليل أنه مكشوف، لكنْ يعني هيكلها. إلَّا أنَّ هذا يعكِّره قوله: تنظر إليه؛ لأن الوجه إذا كان مغطًّى ما ندري أنها تنظر إليه، صحيح أنه إذا التفتتْ فإن التفاتها يوحي بأنها تنظر إليه، لكن ما هو صريح.
طالب: يا شيخ، وردَ أن النساء أنها كانت ().
الشيخ: لا، هذه في صلاة العيدين.
طالب: ().
الشيخ: وهو؟
الطالب: ().
الشيخ: إي، يعني يحتمل أن الرسول ﷺ لما صرفَ وجْهَ الفضلِ قال لها: احْتَجِبِي. على كلِّ حالٍ الحديث هذا له احتمالاتٌ كثيرةٌ، ولو ذهبَ إنسانٌ يذكر الاحتمالات العقلية في هذا الحديث لحصلَ على عشرة أو أكثر، والمعروف عند العلماء أنَّ الحديث إذا كان محتمِلًا فإنه لا يكون حُجَّةً أو لا يكون معارضًا على ما كان صريحا، وعندنا أحاديثُ وآياتٌ ونَظَر تدلُّ على أنه لا يحلُّ للمرأة أن تكشف وجهها، وحينئذٍ نأخذ بهذا الواضح المحكَم ونَدَعُ المتشابه، هذا أحسنُ ما يُقال فيه.
[ ١ / ٣٧٦٨ ]
طالب: يا شيخ، لو قال قائل: في باب الأُضحية حرَّم النبيُّ ﷺ أنْ يأخذ المضحِّي شيئًا من شعره أو بَشَره. في باب الإحرام قلنا بأن نتمسك بما ورد فيه النص فقط ()، مع أنه يا شيخ في مدخل الهدايا جعلنا لها الشروط التي تجعل للأضحية من حيث السن إلى آخره، أفلا يكون هذا أَوْلى يا شيخ، لا سيَّما أن أيام إرادة الأضحية أكثر من عشرة أيام، وقت الإحرام ()؛ يعني منها أحوال الإحرام، الميقات قبلها، ما يُحرَّم لمريد الأضحية أَوْلى منه، ماذا تقول في هذا؟
الشيخ: لا، هذا قياسٌ مع الفارق؛ لأن الذي يريد أن يضحي يَحْرُم عليه أخذُ الشعر وأخذُ الظفر وأخذُ البشرة، والْمُحْرِم لا يَحْرُم عليه أخذُ البشرة بالإجماع، فلا يصح القياس.
ثم إني عثرتُ على كلامٍ للشنقيطي ﵀ في كتاب أضواء البيان وقال: إنه ليس فيه نصٌّ لا من الكتاب ولا من السُّنة على تحريم أخْذ الأظفار وكذلك على تحريم شعر البَدَن. وتعجَّب من نقْلِ ابن المنذر الذي نقله عنه صاحبُ المغني أنَّ العلماء أجمعوا على أنه لا يحلُّ للمُحْرِم تقليمُ أظفارِهِ وقال: إن هذا بناء على أنَّ داود الظاهري لا يُعتَدُّ بخلافه. والمعروف عند الأصوليِّين أنه يُعتدُّ بخلافه، وعلى كلِّ حال إحنا ذكرْنا أنَّ الاحتياط بلا شكٍّ تجنُّبُ هذا الشيء، ما دام العلماء جمهورُهم على أنه لا يجوز فأنت في غِنًى عن هذا.
طالب: شيخ، الرسولُ ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا يَلْبَس السَّرَاوِيلَ» (٥) فلو الإنسان لم يجدْ إزارًا ولبس السراويل هلْ يَلْزمه الفَدْي؟
الشيخ: لا، ذا لا يَلْزم؛ لأن هذا بدلٌ شرعيٌّ، وكذلك الخِفاف لا يَلْزمه؛ لأنها بدلٌ شرعيٌّ.
لكنْ بقي عندنا مسألة في الخِفاف: هل إذا جاز له أنْ يلبس الخِفاف يَلْزمه أن يقطعها حتى تكون أسفل من الكعبين؟
طالب: لا.
الشيخ: اختلفَ العلماء في هذا على قولين:
[ ١ / ٣٧٦٩ ]
القول الأول: يَلْزمه أن يقطعها؛ لأن حديث ابن عمر في الصحيحين ثابتٌ في أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» (٦).
وقال بعض العلماء: لا يجب القطع؛ لأنه ثبتَ في الصحيحين من حديث ابن عباسٍ ﵄ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطبَ الناسَ يوم عرفة وقال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (٧)، ولم يأمر بالقطع.
وحديث ابن عباسٍ متأخِّر؛ لأن حديث ابن عمر كان في المدينة قبل أنْ يسافر النبيُّ ﷺ إلى الحجِّ، وحديث ابن عباسٍ كان في عرفة بعدُ، وأيضًا الذين حضروا كلام الرسول ﵊ في عرفة أكثرُ مِن الذين حضروا في المدينة، ولو كان القطعُ واجبًا لم يؤخِّر النبيُّ ﷺ البيانَ عن وقت الحاجة، وعليه فلا يكون هذا من باب حَمْلِ المطْلَق على المقيَّد؛ لأن حَمْل المطْلَق على المقيَّد فيما إذا تساوت الحالانِ: حالُ المطْلَق وحالُ المقيَّد، فحينئذٍ نحمل المطْلَقَ على المقيَّد، أمَّا مع اختلاف الحال فلا يُمكن أن يُحمَل المطْلَقُ على المقيَّد، وهذا هو الصحيح؛ أنه إذا جازَ لبسُ الخفَّينِ لعَدَمِ النعلينِ فإنه لا يجب قطعُهما.
طالب: ما الدليل على خصوصيَّة النبي ﵊ في النظر والخلوة؟
الشيخ: الدليل أحاديثُ وردتْ في هذا؛ حديث أنَّ الرسول كان يذهب إلى امرأةٍ من الأنصار، كان يذهب إليها وتفليه ﵊ وليستْ مَحْرَمًا له (٨)، والرسولُ قد خُصَّ فيما يتعلَّق بالنساء بخصائص ليست لغيره.
طالب: ما وجْه من رأى التفريق بين القُفَّازين في يد الرجُل والشراب في القدمينِ، مع أنَّ كليهما مفصَّل على بعض أجزاء البَدَن، قلنا: إن القفَّازين ما يجوز.
الشيخ: والشراب ما يجوز.
[ ١ / ٣٧٧٠ ]
الطالب: الشراب ما يجوز للمحرم؟
الشيخ: إي نعم، للرجل أو للمرأة؟ فصِّلْ.
الطالب: لا، للرجُل.
الشيخ: لا، للرجُل ما يجوز، إلا إذا احتاج إليها ولم يجد نعلين.
طالب: فيه نوع من الصابون عند الاغتسال يكون فيه رائحة طيِّبة، هل يجوز استعماله؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ فيه نوع من الصابون له رائحة، لكنْ هل هذا طِيب؟ هل الناس يتطيَّبون بها، أو رائحة بَسْ مجرَّد رائحة زكيَّة فقط كرائحة النعناع والأُتْرُجِّ وما أشْبَهَها؟
طلبة: بعضُها طيب.
الشيخ: بعضُها طِيب يعنى، على كلِّ حال .. إذَن الحكْم يدور مع عِلَّته؛ إذا كان فيها طِيب وأنها تُستعمل وتُختار لما فيها من الطِّيب فهذا طِيبٌ لا يستعمله.
طالب: () أصابه الصداع، فأخذ خرقة وعَصَب () غطَّى رأسه ()؟
الشيخ: ويش تقولون؟
الطلبة: هذا لحاجة.
الشيخ: إي، ما يخالف، لحاجة، لكن سيأتينا إن شاء الله أن فِعْل المحظور له ثلاث حالات، إذا احتاج للمحظور مع بقاء الحظر فإنه يستعمله ويفدي، كما أذِنَ الله ﷾ بِحَلْق الرأس مع الفدية.
طالب: أحسن الله إليك، () الكحل اللِّي يجوز للرجل أو المرأة بحاجة أو بغير حاجة؟
الشيخ: إي نعم، الكحل يجوز للمرأة لحاجةٍ ولغير حاجةٍ، لكنْ لا بدَّ أن تحتجب عن الرجال، أمَّا الرجُل فإن كان يُعطي عينه حُسْنًا فإنه يُنهى عنه؛ لأنه يكون متشبِّهًا بالمرأة في هذه الحال، وإذا كان شابًّا ربما يكون فيه فتنة، وأمَّا إذا كان كُحلًا للتداوي فقط فلا بأس.
الطالب: ولا () فديه؟
الشيخ: لا، ما ().
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى أله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: أو شمَّ طِيبًا أو تبخَّرَ بعودٍ ونحوِهِ فَدَى.
وإنْ قَتَلَ صيدًا مأكولًا برِّيًّا أصلًا ولو تولَّدَ منه ومن غيرِهِ أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه.
[ ١ / ٣٧٧١ ]
ولا يَحْرُمُ حيوانٌ إنْسِيٌّ ولا صيدُ البحرِ ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكْلِ ولا الصائلِ.
ويَحْرُم عقدُ نكاحٍ ولا يصحُّ، ولا فِدية، وتصحُّ الرجعةُ.
وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم ..
***
طالب: سؤال القهوة ().
الشيخ: القهوة اللِّي فيها زعفران ظاهر الريح لا يجوز شُربها.
الطالب: للمُحْرِم؟
الشيخ: للمُحْرِم.
الطالب: وغير الْمُحْرِم؟
الشيخ: غير الْمُحْرِم.
***
() وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى أله وأصحابه أجمعين.
سَبَق لنا أنَّ من محظورات الإحرام الطِّيب، ودليلُه حديث ابن عباسٍ في الذي وَقَصَتْهُ راحلتُه (٩)، وفي الحقيقة إنَّ هذا الحديث استدلُّوا به على مسائل عديدةٍ، وهو من آيات الله ﷿ أنْ تقع حادثةٌ واحدةٌ لواحدٍ من الصحابة تؤخذ منها أحكامٌ عديدةٌ؛ أحكامٌ في الحياة وأحكامٌ في الموت، وهذا من بركة رسول الله ﷺ أنَّ الله يُبارك في عِلْمه، فتجد القِصَّة الواحدة تشتمل على عدَّة أحكامٍ تحتاجها الأُمَّة إلى يوم القيامة في الحياة وفي الممات.
هذا الحديث أخذَ منه ابن القيم اثنتا عشرة مسألة، وفيه أكثر مما ذكر عند التأمُّل؛ لأنه في الحقيقة حديثٌ عظيمٌ، وفي هذا أيضًا دليلٌ على حكمة الله ﷿ وأنَّ قدَره الذي يُعتبر مصيبةً قد يكون نعمةً ومنحةً من الناحية الشرعية؛ فهذا الذي وَقَصَتْه راحلتُه ﵁ في عرفةَ مصيبة، لكنْ حَصَل فيها من الفوائد والبركة ما لا يعلمه إلا الله ﷿.
إذا تبخَّر بعودٍ فإنه يكون متطيِّبًا فيَحْرم عليه ذلك.
إذا شمَّ طِيبًا قَصْدًا فإنه حرامٌ عليه، وهذه المسألة فيها خلافٌ:
[ ١ / ٣٧٧٢ ]
فمن العلماء مَن قال: إنَّ شمَّ الطِّيب قصْدًا ليس فيه شيءٌ وليس حرامًا؛ لأنه لم يستعمله، وإنما شَمَّه شَمًّا، والرسول ﵊ يقول: «لَا تُحَنِّطُوهُ» (١٠)، ويقول: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ» (٣)، والشمُّ لا يؤثِّر في الإنسان لا في ثوبه ولا في بَدَنه.
ومنهم مَن قال: إنْ شَمَّه قصْدًا للتلذُّذ به فهذا حرامٌ، وإنْ شَمَّه قصْدًا لحاجةٍ مِثل أنْ يَختبر هذا الطيب هل هو طَيِّبٌ أو رديءٌ فإن هذا لا بأس به. وهذا أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: إنْ شممتَه قصْدًا للتلذُّذ به فهذا حرامٌ، وإنْ شممتَه قصْدًا لغرضٍ غيرِ التلذُّذ به فهذا جائزٌ، وإنْ شممتَه بغير قصْدٍ بأنْ دخلَ في خياشيمك بدون قصْدٍ فهذا لا بأس به.
***
قال المؤلف (وإنْ قَتَلَ صيْدًا مأكولًا بَرِّيًّا).
هذا أيضًا من محظورات الإحرام، مرَّ علينا كمْ؟
طلبة: خمس.
الشيخ: حلْقُ الشعر، تقليم الأظفار، تغطية الرأس، لبس المخيط، الطِّيب؛ هذه خمسة، السادس: قَتْل الصيد.
طالب: () (فَدَى)؟
الشيخ: (فَدَى) يعني: عليه فِدية.
(قَتْل الصيد) وقَتْل الصيدِ لا بدَّ فيه من شروط:
أولًا: أنْ يكون مأكولًا، فإنْ كان غير مأكول فليس فيه فِدية.
ولكنْ هل يُقتَل غيرُ المأكول أو لا يُقتل؟
نقول: ينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام؛ غير المأكول من الحيوان والحشرات وما أشبهها ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما أُمِرَ بقتْله.
والثاني: ما نُهِيَ عن قتْله.
والثالث: ما سُكِتَ عنه.
[ ١ / ٣٧٧٣ ]
فأمَّا ما أُمِر بقتله فإنه يُقتل؛ مِثل الخمس التي نصَّ عليها الرسول ﵊: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (١١)، ومنه الحيَّة، ومنه الذئب والأسد وما أشبهها، فنصُّ الرسول ﵊ على هذه الخمس يتناول ما هو مِثْلها أو أشدُّ منها.
والثاني: ما نُهِيَ عن قتْله؛ مثل: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد؛ هذه نُهِيَ عن قتْلها، فلا تُقتَل لا في الحِلِّ ولا في الْحَرَم.
النملة معروفة، ما هي؟
النملة معروفة، والمعروف لا يُعَرَّف؛ لأنك لو عَرَّفْتَ المعروفَ صار نكرةً، ولهذا قال النحويون:
عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"عَلَا زيدُنا رأسَ زيدِكم" زيدٌ بالأول معرفة، ولَمَّا أضفْناه -والإضافة تقتضي التعريف- صارَ نكرة، فالمعروف إذا عُرِّفَ تنكَّر، ولهذا تجدون في القاموس إذا جاء مِثل هذه الكلمة -يعني مرَّ عليها- قال: معروف (م)؛ كَتَب (م) يعني معروف. إذَن النمل معروفٌ، منه صِغار ومنه كبار.
النحلة، ما هي؟
الطلبة: معروفة.
الشيخ: النحلة هي النحلة، معروفة.
تَقُولُ هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني العَسَل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإِنْ تَعِبْ قُلْتَ ذَا قَيْءُ الزَّنَابِيرِ
الزنبور قريب من النحلة، ومعلومٌ أنك إذا قُلْتَ: مُجاج النحل؛ يعني يرغِّب فيه، لكنْ (قَيْء) و(زنابير) أعوذ بالله.
على كل حال النحلة معروفة.
الهدهد؟
الطلبة: معروف.
الشيخ: معروف؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما شاء الله.
الصُّرَد، معروف ولَّا غير معروف؟
الطلبة: غير معروف.
الشيخ: هذا غير معروف، يقولون: إنه طائرٌ صغيرٌ فوق العصفور منقارُه أحمر، ويعرفه أهلُ الطيور.
[ ١ / ٣٧٧٤ ]
إذَنْ ما أُمِرَ بقتْله ظاهرٌ، ما نُهِيَ عن قتْله ظاهرٌ.
ما سُكِتَ عنه إنْ آذَى أُلْحِقَ بالمأمور بقتْله، وإنْ لم يؤذِ فهو محلُّ توقُّفٍ؛ أجازه بعضُهم قال: لأن ما سَكَت عنه الشارع فهو مما عفى عنه. وكَرِهه بعضهم قال: لأن الله خلقه لحكمةٍ، فلا ينبغي أن تقتُله؛ مثل: الذباب، الصراصر، الخنفساء، الْجُعْلان، وما أشْبَهَ.
هذه مسكوتٌ عنها، إنْ آذتْ أُلْحِقَت بأيش؟
الطلبة: بالمأمور بقتْله.
الشيخ: بالمأمور بقتْله؛ لأن المؤذي يُقتَل، حتى من بني آدم؛ إذا جاءك مَن يقول: أعطني مالك. لا تُعْطِه، إنْ قاتَلَك قاتِلْه، إنْ قتَلَك فأنت شهيدٌ، وإنْ قتلْتَه فهو في النار.
إذا لم تؤذِ فالأحسن ألَّا تُقتل، لكن إن كانت تؤذي مثل أن تكون صراصر في الحمام تؤذيك إذا جلسْتَ، تصعد على ساقيك وعلى ثوبك وربما تعلو على رأسك، هذه مؤذية لك أن تقتلها، الذبابُ لك أن تقتله أيضًا لأن فيه أذيَّة، فالحاصل أن قول المؤلف: (مأكولًا) ضده أيش؟
الطلبة: غير المأكول.
الشيخ: غير المأكول، غير المأكول عرفتم أقسامه.
يقول: (بَرِّيًّا) ضِدُّه البحري، فما هو البَرِّي وما هو البحري؟
ما لا يعيش إلا في الماء بحري، وما يعيش في البَرِّ وحده أو في البَرِّ والبحر فهو بَرِّي.
انتبه! ما لا يعيش إلا في الماء بحريٌّ، وما لا يعيش إلا في البرِّ أو يعيش فيهما فهو برِّي؛ لأن إلحاقه بالبرِّي أَحْوط، وقد اجتمع فيه جانبُ حظْرٍ وجانبُ إباحةٍ فغُلِّبَ جانبُ الحظْر، أفهمتم الآن.
(أصلًا) يعني: أصلُه برِّي، ولا يمنع تحريمَ قتْله أنْ يكون أهليًّا مستأنسًا؛ فمثلًا الأرنبُ صيدٌ، مأكول ولَّا غير مأكول؟
الطلبة: مأكول.
الشيخ: برِّي ولَّا بحري؟
الطلبة: برِّي.
الشيخ: برِّي. أصْلي ولَّا غير أصْلي؟
الطلبة: أصْلي.
الشيخ: أصْلي، فالأرنب المستأنسة كالأرنب المتوحشة؛ لأن أصلها متوحِّش.
الحمامة أصلُها وحشي ولَّا إنسي؟
الطلبة: وحشي.
الشيخ: وحشي، وعلى هذا فنعتبر الأصل.
[ ١ / ٣٧٧٥ ]
الشروط إذَن: أنْ يكون صيدًا مأكولًا، وأنْ يكون بَرِّيًّا، وأنْ يكون متوحِّشًا أصْلًا؛ لأن معنى (أصلًا) يعني متوحِّشًا أصلًا، ثلاثة شروط.
الدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] هذا الدليل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، والصيدُ هو ما جَمَع الأوصافَ الثلاثةَ التي سمعتموها.
كذلك الدليل على هذا من السُّنة أنَّ الصعب بن جثَّامة ﵁ نَزَل به النبيُّ ﷺ ضيفًا في طريقه إلى مكة في حجة الوداع، وكان الصعب عدَّاءً سَبُوقًا صيَّادًا، فذهبَ وصادَ حمارَ وحشٍ، لما نَزَل به النبيُّ ﵊ ضيفًا صادَ حمارَ وحشٍ، وجاء به إلى الرسول ﵊، لكن الرسول ردَّه، فتغيَّر وجْهُ الصعب، وجدير به أنْ يتغيَّر أنْ يردَّ هديتَهُ محمدٌ رسول الله ﷺ، تغيَّر، فعرف النبيُّ ﷺ ما في وجهه فقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (١٢). والْمُحْرِم إذا صِيدَ الصيدُ من أجْله فالصيدُ عليه حرامٌ، لكنْ هل منعَ الصعبَ مِن أكْلِهِ؟ لا؛ لأن الصعب صاده وهو حلالٌ، وصيد الحلالِ حلالٌ، لكن الذي صِيدَ له هو الذي يَحْرُم عليه.
[ ١ / ٣٧٧٦ ]
يقول المؤلف: (ولوْ تولَّد منه ومِن غيره) يعني الصيد لو تولَّد مِن الوحشي والإنسي (ومن غيره) فإنه يكون حرامًا؛ مثل لو تولَّد شيءٌ من صيدٍ برِّيٍّ متوحشٍ وصيدٍ برِّيٍّ غيرِ متوحشٍ مستأنس أصلُه فإنه يكون حرامًا، لماذا؟ للقاعدة المشهورة: أنَّه إذا اجتمعَ في شيءٍ مبيحٌ وحاظِرٌ ولم يتميز المبيح من الحاظر فإنه يُغَلَّب جانبُ الحظر؛ لأنه لا يمكن اجتنابُ المحظور إلا باجتناب أيش؟ الحلال، فوجب الاجتناب.
يقول: (ولو تولَّد منه ومِن غيرِهِ، أو تَلِفَ في يده). (تَلِفَ) معطوف على (قَتَلَ)؛ يعني وإنْ قَتَل أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه إذا كان في يده صيدٌ مشتملٌ على الأوصاف الثلاثة ولم يقتله، لكن أُصيبَ هذا الصيدُ بمرضٍ من الله ﷿ وتَلِف فإنه يضمنه، لماذا؟ لأنه يَحْرم عليه إمساكُه، وظاهر كلام المؤلف أنه يَحْرم عليه إمساكه ولو كان قد مَلَكه قَبْل الإحرام.
ونحن نقول: الصيد الذي في يد الْمُحْرِم إنْ كان قد مَلَكه بعد الإحرام فهو حرامٌ لا شكَّ ولا يجوز له إمساكُه، وإنْ كان قد مَلَكه قبل الإحرام وأحرمَ وهو في يده فالمذهب أنه يجب عليه إزالة يده المشاهدة لا يده الْحُكْمية.
أيش معنى مشاهدة وحُكمية؟
يعني مثلًا إذا قدَّرْنا أنه صادَ في السير في قرن المنازل، صادَ أرنبًا قبل الإحرام، وأراد أن يُحْرِم والأرنبُ معه، نقول: إنك إنْ أحرمتَ والأرنبُ معك لَزِمَك إطلاقُها. كيف؟
نعم، يَلْزمه إطلاقُها؛ لأنه لا يمكن أن يُقِرَّ يده المشاهدة على صيدٍ وهو مُحْرِم، يُطْلِقها.
وهل يزول ملكه عنها؟
لا، لأننا نقول أَزِلْ يدك المشاهدة، وملكُكَ باقٍ عليها؛ فلو أنَّ أحدًا أخذها ثم حلَلْتَ الإحرام فإنك ترجع عليه وتأخذها، أمَّا إذا صادها بعد أنْ أحرمَ فعليه إطلاقُها، ولا تدخل ملكه أصلًا؛ لأن الْمُحْرِم يَحْرُم عليه صيدُ البرِّ الذي جمع الأوصاف الثلاثة.
[ ١ / ٣٧٧٧ ]
وقوله: (أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه) ظاهِرُه: سواءٌ تَلِفَ بتَعَدٍّ منه أو تفريطٍ أو لا، وهو كذلك؛ لأن إبقاء يده عليه مُحَرَّم، فيكون كالغاصِب، والغاصِب يضمن المغصوبَ بكل حال، فهذا يضمنه بكل حال.
وقوله: (فعليه جزاؤه) سيأتينا -إن شاء الله- جزاءُ الصيدِ مفصَّلًا في كلام المؤلف.
***
قال: (ولا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ).
شَرَع المؤلفُ ﵀ في ذِكْر المفهوم في كلامه السابق؛ قوله: (ولا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) هذا مفهوم قوله: (بَرِّيًّا أصلًا).
(لا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) مثل: الإبل، البقر، الغنم، الدجاج، نعم، كل هذه لا تَحْرُم، وعمومُ كلامه أنه لا يَحْرم ولو توحَّش؛ يعني لو أن الدجاجة فرَّتْ من أهلها وصارتْ متوحشة لا يمكن أنْ تستأنس بالآدميِّ، ثم لَحِقَها وأدركها وقَتَلها أو أمسكها، تكون حلالًا أو حرامًا؟
الطلبة: حلالًا.
الشيخ: اعتبارًا بأيش؟
الطلبة: بالأصل.
الشيخ: بالأصل، ومثلُ ذلك لو ندَّت البعير؛ إذا ندَّت البعيرُ صارتْ مثل الصيدِ تُرْمَى رمْيًا وتحِلُّ، فإذا ندَّت البعير وتوحشتْ وصارتْ كالظباء لا يمكن إمساكُها ثم أدركَها وهو مُحْرِم وقَتَلَها فهي؟
طلبة: حلالٌ
الشيخ: حلالٌ.
(لا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) التعليل اعتبارًا بأيش؟
الطلبة: بالأصل.
الشيخ: بالأصل.
(ولا صيدُ البحرِ) لا يَحْرُم صيدُ البحر؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيدُ البحرِ ليس حرامًا على الْمُحْرِم، إذَنْ له أن يصيد ولو كان مُحْرِما، فإذا أحرمَ من رابغ ومرَّ بسِيف (١٣) البحر ونَزَل وجَعَل يصيد السمكَ فهل هذا حرام؟
الطلبة: ليس حرامًا.
الشيخ: ليس حرامًا؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
[ ١ / ٣٧٧٨ ]
ولا يَحْرُم (قتلُ مُحَرَّمِ الأكل)؛ لأن مُحَرَّم الأكلِ لا قيمة له ولا يُسَمَّى صيدًا، كالهِرِّ؛ الهرُّ مُحرَّم الأكل، لو أنَّ شخصًا قَتَله وهو مُحْرِمٌ فليس عليه جزاءٌ، ليش؟ لأنه لا قيمة له، هذا من جهة التعليل، ولأنه ليس بصيدٍ فلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
قال: (ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكلِ ولا الصائل). يعني: ولا يَحْرُم قتلُ الصائل؛ يعني لو صالَ عليك غزالٌ وخفْتَ على نفسك ودفعْتَه وأَبَى إلَّا أنْ يقتلك فقتلْتَه، فهل ..؟
طالب: لا شيء عليك.
الشيخ: لا شيء عليك؛ لأنك دفعْتَه لِأَذَاهُ، وكلُّ مدفوعٍ لأَذَاهُ فلا حُرمة له، استمعْ للقاعدة: كلُّ شيءٍ مدفوعٍ لأذاهُ فلا قيمة له.
ومِن ذلك وإنْ كان قد مضى: لو نزلتْ شعرة بعينه؛ يعني نبتتْ في الجفن من الداخل وصارتْ تنغز عينَه، ونقَشَها بالمنقاش -وقُلنا بأنَّ الشعر عامٌّ لجميع البدن- فإن ذلك لا شيء فيه، ولو انكسرَ ظُفره وصار يؤذيه، كلَّما مسَّه شيءٌ آلَمَهُ، فقصَّ المنكسِر؛ فلا شيء عليه؛ لأنه دَفَعَه لِأذاه.
الصائلُ مؤذٍ، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فقتلْتَه فإن ذلك ليس حرامًا عليك؛ لأنك دفعْتَ أذاه، وما دُفِعَ أذاهُ فليس له قيمةٌ شرعًا، حتى لو كان آدمِيًّا وصالَ عليك ولم يندفع إلا بالقتل فلك أن تقتله.
في حال تحريم الصيد على الْمُحْرِم، لو صادَهُ في حال تحريمه عليه فهل له أكلُه؟
لا، ليس له أكْلُه؛ لأن هذا محرَّم لِحَقِّ الله.
لو غصبَ شاةً من شخصٍ وذبحها هل يَحْرُم أكلُها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيها قولان:
قولٌ: يَحْرُم قياسًا على صيدِ الْمُحْرِم.
والقول الثاني -وهو الصحيح-: أنه لا يَحْرُم؛ لأن هذا يمكن ضمانُه لصاحبه بالقيمة أو بِمِثْله، لكنه آثِم، أمَّا الصيدُ إذا قَتَله الْمُحْرِم فهو حرامٌ، هل هو حرامٌ عليه وعلى غيره أو حرامٌ عليه وحده؟
طلبة: ().
[ ١ / ٣٧٧٩ ]
الشيخ: حرامٌ عليه وعلى غيره؛ لأنه بمنزلة الميتة.
لو اضطُرَّ إلى ذلك فذبح الصيد، هل يحلُّ؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يحلُّ؛ لأنه لا تحريم مع الضرورة.
فلو قال قائلٌ: لو جاء مُحْرِمٌ هالكٌ من الجوع ما بقي عليه إلا أن يموت أو يَقْتل هذه الغزالة مثلًا أو هذه الأرنب. نقول: لك أنْ تقتلها الآن، وإذا قتلْتَها فهي حلال. أو نقول: هي حرام؟ هل نقول: هي حرامٌ ويأكل منها بقدْر الضرورة، أو نقول: هي حلالٌ ويتزوَّد منها؟
الثاني، هي حلالٌ؛ لأنه لَمَّا أُحِلَّ قتلُها لم يؤثِّر الإحرامُ فيها شيئًا، وهي () للضرورة؛ لأن الآدميَّ أكرمُ عند الله ﷿ من الصيد.
ما شارك فيه الْمُحْرِم غيره؛ بمعنى أنَّ هذا الصيد قَتَله رجلانِ أحدُهما مُحْرِم والثاني مُحِلٌّ، فهل يَحْرُم على الْمُحْرِم وحده دون الْمُحِلِّ أو عليهما جميعًا؟
طلبة: لا يحلُّ.
الشيخ: هل تقولون: يَحْرُم صدرُه ورأسُه ويحلُّ بطنُه وعجزُه؛ لأنه اشتركَ به اثنان فنقسمه إلى نصفين، أو الجانب الأيمن حلالٌ والجانب الأيسر حرامٌ؟
طلبة: ().
الشيخ: عندنا قاعدة يا إخواننا ترى .. التطبيق على القواعد مهمٌّ، اشتركَ في قَتْل هذا الصيد حلالٌ وحرامٌ، ولا يمكن تمييز الحرام من الحلال، فماذا يكون؟ إذن يَحْرُم، إذا شارك فيه فِعْلًا؛ بمعنى ساهم الحلال والحرام، اجتمعا في جسد هذا الصيد فإنه يَحْرم؛ لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال؛ حيث إن الحرام لم يتميَّز. هذه اثنان: الاستقلال والمشاركة.
الدلالة أو الإعانة؛ يعني الْمُحْرِم لم يشارك، لكن دلَّ أو أعانَ، والذي تولَّى الصيدَ مُحِلٌّ، فهل يَحْرُم، أو هو حلالٌ لأن الذي قتله حلال لم يشاركه فيه الْمُحْرم؟
قال العلماء: يَحْرُم على الْمُحْرِمِ الدالِّ أو الْمُعين دون غيره.
[ ١ / ٣٧٨٠ ]
مثال الدالِّ: هؤلاء جماعةٌ يمشون على إبلهم أو على أرجُلهم، فالتفتَ مُحْرِم منهم فنظر الصيد، فقال للمُحِلِّ: يا فلان، شوف الصيد. فذهبَ الْمُحِل فصاده. حرامٌ على مَن؟
طلبة: على الْمُحْرِم.
الشيخ: على الْمُحْرِم فقط؛ لأنه دلَّ عليه، ونقول للمُحْرِم: عومِلْتَ بأيش؟ بنقيض قصدك أنت الآن دلِّيت الْمُحِل، قلت: هذا حلال، أبغي يصيده لنا ونأكل عليه الكبسة. الآن هو حرامٌ عليك، والباقون يأكلون منه.
الْمُحْرِم الآخَر الذي لم يدُلَّ يأكل ولَّا ما يأكل؟
طلبة: يأكل.
الشيخ: يأكل.
الإعانة: رأى الْمُحِل صيدًا فركب فَرَسه ليصطاده، ولكنه نسي السهمَ في الأرض أو القوسَ، فقال للمُحْرِم: ناوِلْني القوسَ. فناوله إيَّاه فذهب فصاده، هل يكون هذا الصيد حرامًا؟
طلبة: على الْمُحْرِم.
طلبة آخرون: ().
الشيخ: () هذا رجُل مُحِلٌّ ركبَ فرسه ليصطاد صيدًا رآه هو بنفسه، لكنْ لَمَّا ركب وإذا هو قد نسي السهمَ أو القوسَ، فقال للمحرم: ناولْني من فضلك القوسَ أو السهمَ. فأخذه وناوله إيَّاه فذهب فقتله، يحرم على الجميع؟
طلبة: على الْمُحْرِم فقط.
الشيخ: على الْمُحْرِم فقط الذي أعانَ.
وعلى الْمُحِل؟
طلبة: لا، حلال.
الشيخ: وعلى غير الدالِّ من الْمُحْرِمين؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلال. كم الأقسام الآن؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ما استقلَّ به، ما شاركَ فيه، ما دلَّ عليه، ما أعانَ عليه.
إذا صاد الْمُحِلُّ صيدًا وأطعمهُ الْمُحْرِم، فهل يكون حلالًا للمُحْرِم؟
طلبة: نعم.
طلبة آخرون: فيه تفصيل.
[ ١ / ٣٧٨١ ]
الشيخ: قال بعض العلماء: إنه حرامٌ على الْمُحْرِم لعموم قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وقالوا: هذا صيدُ بَرٍّ فيحرم على الْمُحْرِم ولو كان الذي قتله حلالًا. واستأنسوا لرأيهم هذا بحديث الصعب بن جثَّامة حين صاد حمارًا وحشيًّا فجاء به إلى الرسول ﵊، فردَّه وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (١٢)، ولم يقل: إلَّا أنَّك صِدْتَه لنا. وقولُهم قويٌّ لا شك.
ولكن الصحيح أنه يحلُّ للمُحْرِم، وأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ﴾ أنَّ ﴿صَيْدُ﴾ مصدرٌ؛ يعني حُرِّم عليكم أنْ تصيدوا صيدَ البرِّ، وليس بمعنى: مَصِيد، وهذا الْمُحْرِم ليس له أثرٌ في هذا الصيد؛ لا دلالة، ولا إعانة، ولا مشاركة، ولا استقلال، ولا صِيدَ من أجْله، فيكون الصيدُ حلالًا.
ويؤيد ذلك قصة أبي قتادة ﵁ حين ذهبَ مع سريَّةٍ له على سِيف (١٣) البحر في عام الحديبية، فرأى حمارًا وحشيًّا، فركبَ فرسَه، فنسي قوسَه أو رُمْحه، فقال لأحد أصحابه: ناوِلْني الرمحَ. قال: ما أُناولك إيَّاه؛ أنا مُحْرِم. نزل وأخذه ومشى، فضرب الصيد، فجاء به إلى أصحابه فأطعمَهم إيَّاه، ولكنه صار في قلوبهم شكٌّ، حتى وَصَلُوا إلى النبي ﷺ فسألوه فأذِنَ لهم في أكْله مع أنهم حُرُم (١٤). فيجمع بينه وبين حديث الصعب بن جثَّامة بأنَّ أبا قتادة صاده لنفسه، وأنَّ الصعب صاده للنبي ﷺ، وهذا الجمع أَوْلى من النسْخ؛ لأن بعض العلماء قال: إن حديث الصعب ناسخٌ لأنه متأخِّر، وقد ردَّه الرسول ﷺ وقال: إنَّا حُرُم. والصحيح أنه مع إمكان الجمع لا نسْخَ، والجمع ممكن.
فإذا قال قائل: أبو قتادة ﵁ معه قومُه وصاد الحمار، كيف يريده لنفسه وما صاده إلا لقومه؟
[ ١ / ٣٧٨٢ ]
فالجواب أنَّ أبا قتادة صاده لنفْسه أصلًا ولقومه تَبَعًا، هذا إنْ لم نتجاوز ونقول: إن أبا قتادة غضب عليهم وزعل عليهم أنهم منعوا إعطاءه الرمح. ولكن هذا بعيد، الأخير بعيد؛ لأنهم ما امتنعوا بُخْلًا بمعونتهم، ولكن امتنعوا لسببٍ شرعيٍّ؛ قالوا: إنَّا حُرُم ما نُعطيك إيَّاه. فلا أظُن أبا قتادة يكون في نفسه شيءٌ عليهم فيريد أن يختصَّ بالصيد، ولكنه وقع في نفسه أنه صاده لنفسه وسيُطعم أصحابه، بخلاف الذي لم يَصِد الحمار إلا للرسول ﷺ، فبين القصْدينِ فرقٌ عظيمٌ، وهذا الذي يكون به الجمع بين الأدلة.
طالب: شيخ، لماذا () أبي قتادة لم يسألوا أبا قتادة عن لماذا صاد الصيد هذا ()؟
الشيخ: الأصل عدم السؤال.
طالب: صيد النهر والبحر، أو ..؟
الشيخ: كلُّ ما لا يعيش إلا في الماء فهو صيدُ بحرٍ.
الطالب: بس يُسمى بحرًا يا شيخ؛ النهر؟
الشيخ: الماء، العلماء يقولون: الماء.
الطالب: الوادي.
الشيخ: الوادي ييبس، فالقاعدة ما عليه من نهر، بحر، وادٍ، سَمِّه ما شئت، كلُّ ما لا يعيش إلا بالماء فهو حيوان بحري.
طالب: اللي مَلَكها قبل الإحرام ()؟
الشيخ: فيه قول ثانٍ: أنه يبقى ملكه ولا يَلْزمه الإزالةُ، قياسًا على صيد الْحَرَم؛ فإن صيد الْحَرَم إذا دخلَ به الإنسانُ إلى الحِلِّ فهو ملكه يبيع ويشتري فيه ولا حرج.
طالب: الصائل؛ ما قُتِلَ لدفْع أذيَّته، هل يأكله؟
الشيخ: ماذا تقولون في هذا السؤال الوجيه الغريب؟ يقول: إذا قتلتُ الصائلَ دفعًا عن نفسي فهل آكُلُه؟
أفهمتم السؤال؟ ما قُتِلَ لدفع أذاه هل يكون حلالًا؟
[ ١ / ٣٧٨٣ ]
نقول: إن قُتِل قتلًا دون ذكاةٍ شرعيَّةٍ فهو حرامٌ، كما فعل رجلٌ من الناس صالَ عليه ثورٌ، والثور له قرونٌ فرصَّه على الجدار -جدار الحوش- فالرجل ماذا يفعل الآن؟ ثور رصَّه على الجدار، ولكن الرجل كان قويًّا، فأمسك برأسه -برأس الثور- ولفَّ به كما يلف صاحب السيارة بالدركسيون، فلما فعل ذلك انكسر نُخاعه، سقط ميتًا، هذا لا يحِلُّ، لماذا؟ لأنه لم يُذَكَّ ذكاةً شرعيةً، لكن إنْ ذُكِّى ذكاةً شرعيةً كما فعلَ جحدر بن مالكٍ من الخوارج؛ أمسكه الحجاج بن يوسف الثقفي -والحجاج بن يوسف تعرفون قصصه، شديدٌ وغليظٌ- فحبسه، ثم جاء إليه أناسٌ يشفعون فيه فقال: لا أُخرجه إلا إذا غَلَبَ الأسدَ، فأتى بأسدٍ عظيمٍ وأجاعه خمسة عشر يومًا -هذا الأسد- ثم أطْلَقه على جحدر بن مالكٍ في مكانٍ محوط، فلمَّا رآه الأسد قال: هذه فريسة. فزَأَرَ زئيرًا عظيمًا شديدًا، ثم قفز يريد أن يضرب على هذا الرجل وإذا هو في الأرض -وقال له: أنا سأعطيه سيفًا بيد وأغُلُّ يده الأخرى ما يتحرك فيها، اللي هو جحدر بن مالك- فلمَّا قفز الأسدُ زائرًا عليه، زائرًا زائرًا، وإذا بجحدرٍ قد أمسكَ السيفَ من تحت لَبَّته -لَبَّة الأسد- وطعنه، هذاك الأسد جاءٍ بقوة وهذا () بقوة، فغاص السيف في نحر الأسد فسقط الأسد ميتًا، سبحان الله! الإنسان اللي يُقبِل عليه الأسد زائرًا غير زائرٍ ولَّى وهرب، لكن هذا سبحان الله! بعض الناس قلوبهم حجارة.
المهم، ما تقولون في الأسد، هل هو حلالٌ أمْ لا؟ لأنه ضربه في المذبح.
طالب: عشان سبع حرام.
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام بكل حال.
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، لو قدَّرْنا أن هذا جَمَلٌ وضربه في نَحْره وأَنْهَرَ الدمَ وسمَّى اللهَ؟
الطلبة: حلال.
الشيخ: حلال؛ لأنه قصد التذكية مع الدفاع عن النفس، لكنْ لو غاب عن ذهنه قصْد التذكية ولم يقصد إلا الدفاع عن نفسه فحينئذٍ يكون حرامًا.
[ ١ / ٣٧٨٤ ]
ولهذا -لاحِظوا هذه المسألة- لا بدَّ من قصْدِ التذكية، لو أرسلتَ سكينًا هكذا على شيءٍ من الأشياء فأصابت شاةً عند مذبحها وأنهرت الدم، هل تحِلُّ؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ولذلك كانت ذكاةُ المجنون غير صحيحة ليش؟
طلبة: ما يقصد.
الشيخ: يعني ما عنده قصْد، وذكاة السكران غير صحيحة لأنه ما عنده قصْد، فلا بدَّ من القصد.
إذن فهمنا جوابك الآن، ويش ترى الجواب؟
طالب: الجواب إذا كانت ذكاة شرعية.
الشيخ: إذا قَتَله بغير ذكاةٍ شرعيةٍ فهو حرام، وإنْ قَتَله بذكاةٍ شرعيةٍ قاصدًا التذكية فهو حلالٌ، وإن لم يقصد التذكية فهو حرام.
طالب: () شاة، فأتى سبعٌ فعضَّها، فستموت، فهل يجوز أنْ يذكيها؟
الشيخ: تسأل هذا السؤال؟ ! تقرأ أية المائدة: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
الطالب: مُحْرِم هو؟
الشيخ: الشاة ما تَحْرُم على الْمُحْرِم.
الطالب: وحشية يا شيخ.
الشيخ: فيه شاة وحشية! ما سمعتُ بشاةٍ وحشيةٍ إلا الليلة.
الطالب: تيس الجبل.
الشيخ: هذه نوع من الظِّباء، اللِّي يسمُّونها: العنوزة، ولَّا: عنْز، هذه نوع من الظِّباء، ما هي شاة.
الطالب: تحل له؟
الشيخ: () ما تحِلُّ، هذه ما تحِلُّ أصلًا.
لكن فيه مسألة ذكرها الفقهاء، مسألة غريبة؛ لو كان عنده مَيْتة، وأمامه ظبيٌ، وهو مضطرٌّ الآن في غاية الضرورة، ولا بدَّ له إمَّا أن يأكل الميتة أو يصيد الظبي ويأكله، ماذا يصنع؟
طلبة: يصيد الظبي.
الشيخ: يصيد الظبي؟ متفقون على هذا؟
طلبة: نعم.
طالب: اختلفوا، فيها قولان.
الشيخ: قولان، ما خلاه يمين ولا يسار، وأنت ويش رأيك؟
الطالب: كل () هذا محرَّم، وهذا للضرورة.
طالب: هذا محرَّم ().
طالب آخر: ().
الشيخ: على كلِّ حال الشيخ تخلَّص من هذا بأن في المسألة قولين، والمسألة فيها قولان:
منهم مَن قال: يقدِّم أكْل الميتة ويَدَع الصيد يمشي.
[ ١ / ٣٧٨٥ ]
ومنهم مَن قال: يقدِّم الصيد؛ لأن بإمكانه أنْ يذكِّيه ذكاةً شرعيةً، والمذكَّى خيرٌ من الميتة.
طالب: وعليه جزاء؟
الشيخ: ما عليه جزاء؛ لأنه مباحٌ له.
الآن يا جماعة هذه المسألة فيها خلاف؛ بعضهم قال: يقدِّم الميتة؛ لأن الميتة الآن صارتْ حلالًا في حقِّه؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، والصيد الآن محترم؛ لأن هذه الميتة أصبحت في حقه كأنها لحمُ مُذَكَّاةٍ، فيكون ليس بضرورةٍ للصيد فيحْرُم عليه الصيد.
القول الثاني: أنه يقدِّم الصيد؛ لأن الميتة حرمت لخبثها، حرَّمها الله ﷿ لأنها ضارَّةٌ رجسٌ، والصيد حُرِّم لاحترامه وحقِّ الله ﷿، وقد أحلَّ الله لنا ذلك، سامحَ في حقِّه، فإذا صِيدَ فإنه يكون صيدًا طيِّبًا مُذَكًّى، والمذكَّى حلالٌ، حتى ولو قُلنا بأنه إذا صاده في هذا الحال فعليه جزاء؛ لأنه أذهبَ حياتَه لمصلحةِ نفسِه، فهو كحلْق شعر الرأس إذا خاف منه أيش؟ الأذى، أو قُلنا بأنه في هذه الحال ليس بمحرَّم فلا جزاء فيه.
والذي يظهر لي أن يقدِّم الطيِّب الذي أحلَّه الله؛ لأنه الآن أمامك شيئان أحدُهما حلال، فما الذي تختار: أتختار القذر النجس، أمْ تختار الطيِّب الطاهر؟
طلبة: الطيِّب الطاهر.
الشيخ: الثاني، ولهذا الصحيحُ أنه في هذه الحال يقدِّم الصيد.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: ويحرُمُ عَقْدُ نكاحٍ ولا يصحُّ، ولا فِدية، وتصِحُّ الرجعةُ.
وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم قبل التحلُّلِ الأولِ فَسَدَ نُسُكُهما ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى أله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
[ ١ / ٣٧٨٦ ]
سَبَق لنا الكلام على المحظور السادس وهو قَتْل الصيد إذا جَمَع ثلاثةَ أوصافٍ: أنْ يكون مأكولًا، وأنْ يكون برِّيًّا، وأنْ يكون متوحِّشًا أصلًا، وبيَّنَّا أنَّ البحري يجوز صيدُهُ للمُحْرم، وأنَّ الإنسي الأهلي كالدجاج يجوز ذبْحُه للمُحْرِم وصيدُه أيضًا فيما لو ندَّ، وأنَّ مُحَرَّم الأكل لا يَحْرُم على الْمُحْرِم.
وذكرْنا أنَّ محرَّم الأكل ثلاثة أقسام: ما أُمِرَ بقَتْله، وما نُهِيَ عن قَتْله، وما سُكِتَ عنه، وبيَّنَّا حُكْم كلِّ واحدٍ من هذا، ولا حاجة إلى الإعادة.
وبيَّنَّا أنه يجوز للإنسان أن يقتل الصائل عليه من الصيول التي تَحْرُم على الْمُحْرِم؛ لأن هذا من باب الدفاع عن النفس، ولكن كل ما أُبِيحَ إتلافُه لصَوْله فإنه يُدافع بالأهون فالأهون؛ إذا أمْكنَ دفعُه بغير قَتْلٍ دُفِعَ وإلَّا قُتِل.
بسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ بدرس الليلة إن شاء الله، وهو المحظور السابع: عقد النكاح.
قال المؤلف: (ويَحْرُم عَقْد نكاحٍ على الذكور والإناث). ودليل ذلك قول النبيِّ ﵌: «لَا يَنْكِح الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح وَلَا يَخْطُبُ» (١٥)، فعقْد النكاح من محظورات الإحرام سواء كان الْمُحْرِمُ الوليَّ أو الزوجَ أو الزوجةَ، فالحكم يتعلَّق بهؤلاء الثلاثة: الولي، الزوج، الزوجة.
أمَّا الشاهدانِ فلا تأثير لإحرامهما، لكنْ يُكْره أنْ يحضرا عقده إذا كانا مُحْرِمَين، ولكن الْمُحَرَّم هو أنْ يكون الولي أو الزوج أو الزوجة، فإنَّ عَقْد النكاح في حقِّ الْمُحْرِم منهم حرامٌ، والدليل كما سمعتموه حديث عثمان بن عفان ﵁ أن النبيَّ ﵌ قال: «لَا يَنْكِح الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح وَلَا يَخْطُبُ».
فإن عَقَدَ محِلٌّ لِمُحْرِمة فالنكاح حرام ولَّا غير حرام؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: محلٌّ لِمُحْرِمة؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: النكاح حرام.
عَقَد مُحْرِم على مُحِلَّة؟
الطلبة: حرام.
[ ١ / ٣٧٨٧ ]
الشيخ: حرام.
عَقَد مُحْرِم لِمُحِلٍّ ومُحِلَّة؛ يعني الزوجان حلال؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام أيضًا، والدليل هو هذا.
فإن قال قائل: كيف نقول هذا وقد ثبتَ أن النبيَّ ﵌ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (١٦)، روى ذلك عبد الله بن عباس ابنُ أخت ميمونة، وهو عالِمٌ بحالها.
قُلْنا: الجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: سبيلُ الترجيح، والوجه الثاني: سبيل الخصوصية.
أمَّا الأول -وهو سبيل الترجيح- فإن الراجح أن النبي ﵌ تزوَّج ميمونة وهو حلالٌ لا حرام ٌ، والدليل على هذا أن ميمونة نفسها روتْ أن النبيَّ ﷺ تزوَّجها وهو حلالٌ (١٧)، وأن أبا رافعٍ السفيرَ بينهما -يعني الواسطة بينهما- أخبرَ أن النبيَّ ﵌ تزوَّجها وهو حلال، وعلى هذا فيُرجَّح ذلك؛ لأن صاحب القصة والمباشر للقصة أدرَى بها مِن غيره.
فأمَّا حديث ابن عباس فإننا نقول: إن ابن عباس لم يعلم بأن الرسول ﵌ تزوَّجها إلا بعد أن أَحْرم الرسولُ، فظنَّ أن الرسول تزوَّجها وهو مُحْرِم بناءً على عِلْمه حيث لم يعلم إلا بعد أن أحرمَ النبيُّ ﵌، وهذا الوجه كما ترون قويٌّ واضحٌ ولا إشكال فيه.
الجواب الثاني: أن مِن خصائص الرسول ﵌ أنْ يتزوَّج وهو مُحْرِم؛ لأنه أَمْلَكُ الناسِ لإرْبِهِ، غيرُه لو تزوَّجَ وهو مُحْرِم لدعته نفسُه وشدةُ شهوته أنْ يتَّصِل بامرأته وربما جامَعَها، لكن الرسول ﵊ مُحَالٌ منه ذلك، فهو أَمْلَكُ الناسِ لإرْبِهِ، فكان تزوُّجُه في حال الإحرام من أيش؟
الطلبة: خصائصه.
الشيخ: من خصائصه، والرسول ﵊ له في النكاح خصائصُ متعدِّدة.
وهل حَمْلُه على التخصيص أَمْرٌ غريبٌ بحيث لا نوافق عليه أو لا؟
[ ١ / ٣٧٨٨ ]
الجواب: لا، ليس أَمْره غريبًا، ولكنْ ما الرأي إذا تعارضَ التخصيصُ والترجيحُ، أيُّهما أَوْلى؟
الطلبة: الترجيح.
الشيخ: الترجيح أَوْلى؛ لئلَّا يخرج النبي ﷺ بحكمٍ خاصٍّ عن أُمَّته، والأصل عدم الخصوصية، فإذَنْ يكون مَسْلكُ الترجيح أَوْلى؛ وهو أن الرسول ﵌ تزوَّج ميمونة وهو حلال.
يقول المؤلف: (ولا يصِحُّ) الضمير في (لا يصحُّ) يعود على العَقْد؛ يعني لو عُقِدَ على امرأةٍ مُحْرِمةٍ لزوجٍ حلالٍ فالنكاح لا يصحُّ، ولو عُقِدَ لزوجٍ مُحْرِم على امرأةٍ حلالٍ فالنكاح لا يصحُّ، ولو عُقِدَ لرجلٍ مُحِلٍّ على امرأةٍ مُحِلَّةٍ والوليُّ مُحْرِم لم يصحَّ النكاح، لماذا؟ لأن النهي واردٌ على عين العقد، وما ورد النهي على عينه فإنه لا يمكن تصحيحه؛ إذْ لو قُلنا بتصحيح ما ورد النهيُ على عينه لكان هذا من المحادَّةِ لله ولرسوله؛ لأن ما نهى الشارعُ عنه إنما يريد من الأُمَّة عدمَه، فلو أمضيناه لكُنَّا مضادِّين لله ورسوله، وعلى هذا فلو عُقِد النكاح فإنه لا يصحُّ.
وماذا لو أنه عُقِد النكاح في حال الإحرام، ثم بعد الإحلال دخل الرجل بزوجته وأنجبت منه أولادًا، هل نُمضي العقد، أو نقول: إنه لا بدَّ من عقد جديد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، ويكون وَطْؤُه الأول وطْئًا بشُبْهة وأولادُه أولادًا شرعيين، يُنسَبون إليه شرعًا كما هم منسوبون إليه قَدَرًا.
يقول: (ولا فِدية)، يعني ليس فيه فِدية، ما هو الدليل؟
الدليلُ على عَدَمِ الفِدية عدمُ الدليل. اشرح لنا هذا الكلام؟
طالب: الدليل على عدم .. معروف.
الشيخ: اشرحْ لنا، أنا أتعلَّم.
الطالب: أي: الدليل على أنه لا فِدية ..
الشيخ: في عقد النكاح، الدليل عدم الدليل أيش؟
الطالب: وضَّحناها.
الشيخ: أعِدْها؛ بعض الناس يكون بليدًا ما يفهم إلا بمرة، مرتين.
الطالب: قلنا: () شيخ، الدليل على عقد النكاح.
[ ١ / ٣٧٨٩ ]
الشيخ: لا، الدليل على أنه لا فِدية في عقد النكاح هو عدم الدليل.
الطالب: الدليل يعني الدليل على أنه إذا عقد الرجل على امرأته بصورة من الصور الثلاثة؛ الأركان الثلاثة، لا فِدية فيه، دليل ذلك عدم الدليل.
الشيخ: ويش معنى عدم الدليل؟
الطالب: يعني ما فيه دليل يُوجب الفدية.
الشيخ: أحسنت، الدليل عدم الدليل؛ أي إنه ليس هناك دليل يوجب الفدية، والأصل أيش؟ الأصل براءة الذِّمة وعدم الوجوب.
فإذا قال قائل: إذا أخذتم بهذا الأصل فقولوا: إذن لا فدية في الطِّيب، ولا فدية في اللباس؛ لأنه ما فيه دليل على أنها فيها فدية، إنما وردَ الدليلُ بحلْق الرأس وجزاء الصيد، فأين الدليل على وجوب الفدية في لبس القميص والسراويل والبرانس والعمائم والخِفاف؟ ليس فيها إلا النهي. ما هو الدليل؟
الدليل يقولون: هو القياس؛ لأن العِلَّة عندهم في تحريم حلْق الرأس هو الترفُّه، والإنسان يترفَّه باللباس.
والحقيقة أن هناك قولٌ أخَر في عقد النكاح أنَّ فيه الفدية قياسًا على اللباس، وقالوا: إنَّ ترفُّه الإنسانِ بعقد النكاح أشدُّ.
يعني ما شعور الإنسان إذا عُقِدَ له على فتاةٍ يرغبها، أو لبس ثوبًا؛ قميصًا باليًا ممزَّقًا، أيش يكون؟ الأول أشدُّ ولَّا الثاني؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ الأوَّل يكاد يمشي على الهواء من شِدَّة الفَرَح، وهذا بالعكس.
على كل حالٍ القولُ بأن الدليل عدمُ الدليل قولٌ تطمئن إليه النفس، ولهذا نرى أن عقد النكاح ليس فيه فدية، لكنْ فيه الإثم وفيه فسادُ النكاح.
إذا قال قائل: إذا عَقَد وهو لا يدري أنَّ عقد النكاح في حال الإحرام حرام؟
فلا إثم، كما سيأتي إن شاء الله.
ولكنْ هل يصحُّ النكاح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن العقود يُعتبر فيها نفس الواقع.
ثم قال: (وتصِحُّ الرجعة). الرجعة أيش؟
[ ١ / ٣٧٩٠ ]
يعني أن يُراجع الإنسانُ مُطَلَّقته التي له الرجعة عليها؛ مثال ذلك: رجلٌ أحرمَ بعمرةٍ أو حجٍّ وكان قد طلَّقَ زوجته طلاقًا رجعيًّا، فأراد أن يراجعها، فجاء يسأل يقول: أنا أُريد أنْ أُراجِع زوجتي، فهل أُراجعها وأنا مُحْرِم؟
نقول: نعم، لا حرج، تصِحُّ الرجعة، وتُباح الرجعة أيضًا، فهُنا فرَّقْنا بين ابتداء النكاح وبين استدامة النكاح، وذلك لأن الرجعة لا تُسَمَّى عقْدًا، وإنما هي رجوع، ولأن الاستدامة أقوي من الابتداء.
أرأيتم الطِّيب يجوز للمُحْرِم عند عقد الإحرام أن يتطيَّب ويُحْرِم والطِّيب في مَفَارِقِه؟
يجوز، لكنْ لو أراد أنْ يبتدئ الطِّيب من جديدٍ قلنا: لا يجوز؛ لأن الاستدامة أيش؟ أقوى من الابتداء، وهُنا حصل لنا فرعانِ على هذه القاعدة في محظورات الإحرام: الفرع الأول ما هو؟ أيش؟
طالب: ().
الشيخ: لا، الفرع الأول () قبل.
طالب: الطيب.
الشيخ: الطيب؛ يستديمه ولا يبتدئُهُ.
الفرع الثاني: النكاح؛ يستديمه ولا يبتدئُهُ. يستديمه بماذا؟ بالمراجعة؛ إذا كان قد طلَّق زوجته وراجعها في حال الإحرام فالرجعة حلالٌ وتصحُّ، بخلاف العقد.
***
ثم قال: (وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم قَبْل التحلُّلِ الأولِ).
هذا المحظور الثامن: الجماع، وهو أشدُّها إثمًا، وأعظمُها أثَرًا في النُّسُك.
ويحصُل الجِماع بإيلاج الحشفة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، فإذا أولَجَ الإنسانُ الحشفة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ فهذا هو الجماع، وهو محرَّم بنص القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فسَّره ابن عباس ﵄ بالجماع (١٨).
والجماع له حالان:
الحال الأولى: أنْ يكون قَبْل التحلُّل الأول.
والحال الثانية: أنْ يكون بعد التحلُّل الأول.
فإن كان قبل التحلُّل الأول فاستمِعْ ما يترتَّب عليه، ولكنْ قَبْل أن نذكر ما يترتَّب عليه، لِنَعْرِفْ ما هو التحلُّل الأول، بماذا يكون؟
[ ١ / ٣٧٩١ ]
التحلُّل الأول يكون في الحج برمْي جمرة العَقَبة، فإذا لم يَرْمِ الجمرةَ فإنه في إحرامٍ تامٍّ، وإذا رمى الجمرةَ حلَّ التحلُّلَ الأولَ عند كثيرٍ من العلماء، وعند آخَرين لا يحِلُّ إلا بالرمْي مضافًا إليه الحلْقُ أو التقصيرُ، فإذا حَلَق أو قصَّرَ مع الرمي فقد حلَّ التحلُّل الأول.
وبماذا يكون التحلُّل الثاني؟
يكون التحلُّل الثاني -بالإضافة إلى الرمي والحلق أو التقصير- بالطواف والسعي إنْ كان متمتِّعًا أو مُفْرِدًا أو قارنًا ولم يكنْ سعى مع طواف القدوم.
فصار التحلُّل الأول يحصل بماذا؟ بالرمي، والحلق أو التقصير.
والثاني بالرمي، والحلق أو التقصير، والطواف، والسعي. أربعة أو خمسة؟
طلبة: أربعة.
طالب: خمسة.
الشيخ: الرمي، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي.
بقي علينا مما يُفعل يوم النحر ذبحُ الهدي، هذا لا علاقة له بالتحلُّل، يمكن أن تتحلَّل التحلُّل كُلَّه وأنت لم تذبح الهدي؛ لأنه لا علاقة له بالتحلُّل.
فيقول المؤلف: (إن جامَعَ قَبْل التحلُّل الأول فَسَدَ نُسُكُهما، ويمضيانِ فيه، ويقْضِيانِهِ ثاني عام).
هذه ثلاثة أحكام، وبقي حُكمانِ: الإثم، والفِدية؛ وهي بَدَنة.
فصار الجماع قَبْل التحلُّل الأول يترتَّب عليه خمسة أمور:
الأول: الإثم.
والثاني: فسادُ النُّسُك.
والثالث: وجوبُ المضِيِّ فيه.
والرابع: وجوبُ القضاء.
والخامس: الفِدية، وهي بَدَنة، ما هي شاة، بَدَنةٌ تُذْبح في القضاء.
مثال ذلك: رجلٌ جامَعَ زوجتَه ليلةَ مزدلفة في الحجِّ، ماذا نقول له؟ يعني عالِمًا عامدًا ما له عُذر.
نقول: الآن ترتَّب على جِماعك خمسةُ أمور:
الأول: الإثم، فعليك التوبة.
الثاني: فساد النُّسُك، فلا يُعتبر هذا النُّسُك صحيحًا.
الثالث: وجوبُ الْمُضِيِّ فيه، فيجب أن تكمله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الرابع: وجوب القضاء من العام القادم بدون تأخير.
[ ١ / ٣٧٩٢ ]
والخامس: فديةٌ؛ بَدَنةٌ تُذبح في القضاء.
يجب عليك كل هذه الخمسة؛ لأنه جامَعَ أيش؟ قبل التحلل الأول.
فأمَّا الإثم فظاهرٌ أنه يترتَّب على فِعْله؛ لأنه عصى الله ﷿ في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
وأمَّا فسادُ النُّسُك فلِقضاء الصحابةِ ﵃ في ذلك، ووردَ فيه أحاديث مرفوعة لكنها ضعيفة، إنما هو صحَّ عن الصحابة.
وكذلك وجوبُ المضِيِّ فيه، صحَّ ذلك عن الصحابة عن عمر وغيره، وذهبت الظاهرية إلى أنه يفسد نُسُكُه ويَبْطُل، ينصرف، ولا يُمْكن أن يقضي نُسُكًا فاسدًا؛ لأنهم يقولون: هل الفاسد عليه أمْرُ الله ورسوله؟ إنْ قلتَ: نعم، لَزِمَ مِن ذلك أن الله ورسوله يأمرانِ بالفساد، وإنْ قلتَ: لا، قالوا: إن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٩)، والمردود لا فائدة من فِعْله؛ ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، إذَن انصرفْ.
وقال بعض العلماء من التابعين: يتحلَّل بعُمرة، الحجُّ فَسَدَ الآن، فيتحلَّل بعُمرةٍ ويقضي، يجعلون هذا بمنزلة مَن فاتَهُ الوقوف بعرفة فإنه يتحلَّل بعُمرةٍ ويحلُّ.
لكن لا شك أن الصحابة ﵃ أعمق منا علمًا وأسد منا رأيًا، فهُمْ إلى الصواب أقربُ مِنَّا إليه، فنأخذ بأقوالهم ونقول: يفسد ويَلْزمُك الْمُضِيُّ فيه. وفي هذا سدٌّ لباب أهل الشرِّ والفساد؛ لأنه ربما إذا قُلنا: إذا فسدَ فانصرِفْ، لا يُهِمُّه أنْ يأثم؛ يجامع من أجْل أيش؟ أن ينصرف ويُجامع زوجتَه متى شاء، فإذا سَدَدْنا عليه الباب وقُلنا: يَلْزمك الْمُضِيُّ، كان في هذا حِكْمة لتأديبه وردْعِه.
وإذا مضى في هذا الفاسد فهل حُكْمه حُكم الصحيح في بقية ..؟
[ ١ / ٣٧٩٣ ]
نسك فاسد؛ لأنهم يقولون: هل الفاسد عليه أمر الله ورسوله؟ إن قلت: نعم، لزم من ذلك أن الله ورسوله يأمران بالفساد، وإن قلت: لا، قالوا: إن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). والمردود لا فائدة من فعله، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ إذن انصرف ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] انصرف.
وقال بعض العلماء من التابعين: يتحلل بعمرة، الحج فسد الآن، فيتحلل بعمرة ويقضي، يجعلون هذا بمنزلة من فاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلل بعمرة ويحل، لكن لا شك أن الصحابة ﵃ أعمق منا علمًا، وأسد منا رأيًا، فهم إلى الصواب أقرب منا إليه، فنأخذ بأقوالهم، ونقول: يفسد، ويلزمك المضي فيه، وفي هذا سد لباب أهل الشر والفساد؛ لأنه ربما إذا قلنا: إذا فسد فانصرِف لا يهمه أن يأثم، يجامِع من أجل أن ينصرف، ويجامع زوجته متى شاء، فإذا سددنا عليه الباب وقلنا: يلزمك المضي كان في هذا حكمة لتأديبه وردعه.
[ ١ / ٣٧٩٤ ]
وإذا مضى في هذا الفاسد، فهل حكمه حكم الصحيح في بقية المحظورات أو لا؟ نعم، يمضي في الفاسد، ويكون حكمه حكم الصحيح في كل ما يترتب عليه من محظورات وواجبات وغير ذلك.
طالب: الراجح أن يتحلل يا شيخ؟
الشيخ: الراجح أنه يمضي.
الطالب: لا، أنت ذكرت أن هناك مسألتين، قلت: التحلل فيه قول () في رمي الجمار الأول.
الشيخ: إي نعم، أحسنت، مسألة التحلل؛ التحلل الأول، هل يحصل بالرمي وحده أو يحصل بالرمي والحلق؟ الصحيح أنه لا يحصل إلا بالرمي والحلق، وإن كان الحديث: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ» (٢). فيه ضعف، لكنه يؤيده حديث عائشة في الصحيحين: كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت (٣). ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولِحِلِّه قبل أن ينحر ويحلق، فلما قالت: قبل أن يطوف بالبيت عُلِم أن الطواف بالبيت يباشر التحلل، ويعقبه، وهذا يقتضي أنه لا يحل إلا إذا رمى وحلق، بل ولو قال قائل: ونحر إذا كان معه هدي لكان قولًا جيدًا؛ لأن الرسول ﵊ قال حينما راجعه الصحابة في التحلل قال: «إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (٤).
فلو قال قائل: بأن سائق الهدي يتوقف إحلاله على ذبحه لكان له وجه، أفهمتم الآن تمامًا؟ إذا جامع قبل التحلل الأول ترتب عليه؟
طالب: خمسة أمور.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الإثم.
الشيخ: الإثم، فساد؟
الطالب: فساد النسك.
الشيخ: النسك.
الطالب: وجوب المضي فيه.
الشيخ: وجوب المضي فيه.
الطالب: الفدية.
الشيخ: الفدية، الفدية في القضاء، إذن وجوب القضاء من العام القادم، الفدية في القضاء.
طالب: الفدية في الحج القادم يا شيخ تجزئ؟
الشيخ: كله من أقوال الصحابة.
طالب: توجيه قول الظاهرية أنه بني على فاسد؟
الشيخ: إي نعم، الرد عليه يعني؟ الرد عليه كما قلنا: اتباع الصحابة أحسن من القياس.
[ ١ / ٣٧٩٥ ]
لم يذكر المؤلف -﵀- ما إذا جامع بعد التحلُّل الأول، لكن ذكره غيره، قالوا: إذا جامع بعد التحلل الأول، فإنه يجب عليه أن يخرج إلى الحل ويُحرم؛ يعني: يخلع ثياب الحل ويلبس إزارًا ورداءً ليطوف طواف الإفاضة محرمًا، لماذا؟ قالوا: لأنه فسد إحرامه؛ يعني فسد ما تبقى من إحرامه، فوجب عليه أن يُجدده، وهل عليه فدية؟ الجواب: عليه فدية، وسيأتي -إن شاء الله- بيان الفدية فيما بعد، إذن، إذا جامع بعد التحلل الأول ترتب عليه أمور: الإثم، وفساد الإحرام، ووجوب الخروج إلى الحل ليحرم منه، والفدية.
هذا إذا جامع، متى؟ بعد التحلل الأول، مثاله: رجل رمى وحلق يوم العيد، ثم نام مع أهله وجامعهم قبل أن يطوف ويسعى، نقول: هذا جامع بعد التحلل الأول فعليه الإثم، وعليه الفدية، وفسد إحرامه، وعليه الخروج إلى الحل ليُحرم من هناك، فإذن يطوف محرمًا، أو بثيابه؟ قالوا: يطوف محرمًا؛ لأن إحرامه فسد.
ثم قال المؤلف: (وتحرم المباشرة)، وهذا هو المحظور التاسع، وهو آخر المحظورات، تحرم المباشرة؛ يعني مباشرة النساء لشهوة أو لغير شهوة؟ لشهوة، أما المباشرة لغير شهوة، كما لو أمسك الرجل بيد امرأته، فهذا ليس حرامًا، بدون شهوة، لكن مراده المباشرة بشهوة، سواء كانت باليد، أو بأي جزء من أجزاء البدن، لكنها ليست جماعًا، لم يجامع، هي حرام؛ فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه، وعليه بدنة.
المباشرة أيضًا إما أن تكون قبل التحلل الأول أو بعده، إن كانت قبل التحلل الأول، ترتب عليها أمران: الإثم، والفدية، وما هي الفدية؟ الفدية بدنة كفدية الجماع، لكن النسك لا يفسد، والإحرام لا يفسد، إنما عليه الإثم والفدية؛ وهي بدنة، هذا إذا باشر فأنزل، فإن باشر ولم يُنزل، بل أمذى، أو كان له شهوة، ولكن لم يمذِ، ولم يُنزِل فليس عليه بدنة، وإنما عليه فدية أذى، كما سيذكر إن شاء الله فيما بعد.
[ ١ / ٣٧٩٦ ]
فصارت المباشرة الآن توافق الجماع في شيء وتخالفه في أشياء؛ توافق الجماع في أن الفدية فيها بدنة، وتخالف الجماع في أنها لا تفسد النسك ولا الإحرام، ولا يجب القضاء.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على وجوب البدنة فيها؟
قلنا: الدليل القياس على الجماع؛ لأنها إذا قارنها الإنسان صارت فعلًا موجبًا للغسل، فأوجب الفدية كالجماع؛ يعني كما أن الجماع يُوجِب الغسل؛ فالفدية بإنزال تُوجِب الغسل فلزم فيها بدنة، وإلا ليس فيها نص ولا أقوال للصحابة، لكن قاسوها على الجماع من هذه الناحية؛ أن الجماع موجب للغسل، والمباشرة إذا قارنها الإنزال أوجبت الغسل.
ولكن هذا القياس ضعيف؛ لأنه كيف يُقاس فرع على أصل يخالفه في أكثر الأحكام، الآن المباشرة مع الإنزال لا توافق الجماع إلا في مسألة واحدة؛ وهي وجوب الغسل، وإلا فلا توافقه في وجوب الحد، ولا في أي شيء من الأحكام، حتى فساد الصيام بها مع الإنزال مختلف فيه، فلا يصح أن يقاس فرع على أصل يخالفه في أكثر الأحكام؛ لأنه يقال: ما السبب أنك ألحقته به في هذا الحكم مع أنه يخالفه في أحكام أخرى، لماذا لا تجعله مخالفًا له في هذا الحكم كما خالفه في الأحكام الأخرى؟ !
ولذلك كان الصحيح أن المباشرة لا تجب فيها البدنة، ليس فيها بدنة، فيها ما في بقية المحظورات، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣٧٩٧ ]
وقول المؤلف: (لكن يُحرم من الحل لطواف الفرض)، هذه يظهر أنها سبقة قلم من الماتِن ﵀؛ لأن هذا الحكم المستدرك لا ينطبق على المباشرة، ينطبق على الجِماع بعد التحلل الأول، لا ينطبق على المباشرة أصلًا، فكأن الماتن -﵀- حصل منه سبقة قلم فنقل حكم الجماع بعد التحلل الأول إلى المباشرة مع الإنزال، والإنسان بشر ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فهذه العبارة الأصح أن تُنقل إلى الجماع بعد التحلل الأول، هو الذي ذكر أهل العلم أنه يفسد به الإحرام، وأنه يجب أن يخرج إلى الحل؛ ليحرم منه فيطوف محرمًا.
ثم قال: (وإحرام المرأة كالرجل) في أيش؟ في أنه يحرم عليها ما يحرم على الرجال، ويلزمها من الفدية ما يلزم الرجال إلا ما استثني.
قال: (إلا في اللباس) فليست كالرجل؛ لأن الرجل لا يلبس القميص ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف، والمرأة تلبس ذلك ولا إثم عليها.
طالب: ().
الشيخ: تلبس العمامة، لكن عمامتها خمار.
قوله: (إلا في اللباس) يعني فلا يحرم عليها اللباس، لكن يحرم عليها نوع واحد من اللباس، وهو القفازان؛ فإنها لباس اليدين وهي حرام عليها.
ولهذا قال المؤلف: (وتجتنب البرقع والقفازين)، لو قال المؤلف: (البرقع والنقاب)، أو قال: (النقاب) فقط أحسن من اقتصاره على البرقع فقط؛ لأن البرقع زينة، والنقاب حاجة.
النقاب تستعمله المرأة، تغطي وجهها، وتفتح لعينيها بقدر العين لتنظر، والبرقع تجمل، يعتبر من ثياب الجمال للوجه، فهو إذن نقاب وزيادة، وعلى هذا، فنقول: البُرقع حرام على الْمُحْرِمة، دليل ذلك: قول النبي ﵌: «وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ» (٥). وإذا نُهيت المرأة المحرمة عن النقاب، فنهيها عن البرقع من باب أوْلى.
[ ١ / ٣٧٩٨ ]
(وتجتنب القفازين)، والقفازان: لباس يعمل لليدين، كما تعمل البُزاة، البُزاة جمع (بازٍ)؛ يعني أصحاب الطيور، يجعلون على أيديهم قفازين؛ ليتوقوا أظافر الطير إذا أمسكه، هكذا على يده، وأظنها تُعرف عندنا بشيء آخر، ما هي؟ الدسوس؛ لأن المرأة تدس يدها فيهما، ويطلق عليها اسم آخر أيضًا شراب اليدين؛ يعني جوارب اليدين؛ وهي معروفة، فالمرأة لا تلبس القفازين؛ وهما لباس اليدين؛ لقول النبي ﵌: «وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ». إذن هي تشارك الرجل في نوع من اللباس، وهو القفازان؛ لأن الرجل لا يلبس القفازين أيضًا؛ لأنها لباس.
قال: (وتغطية وجهها)؛ يعني تجتنب تغطية الوجه، فلا تغطي الوجه، وأما الرجل فسبق لنا أن القول الراجح أنه يُغطِّي الوجه؛ لأن اللفظة «وَلَا وَجْهَهُ» (٦) في قصة الذي مات، مختلف في صحتها، وفيها نوع اضطراب، ولذلك أعرض الفقهاء عنها، وقالوا: إن تغطية المحرم وجهه لا بأس به، ويحتاجه المحرم كثيرًا، قد ينام مثلًا، ويضع على وجهه منديلًا أو نحوها عن الذباب، أو عن العرق، أو ما أشبه ذلك.
يقول: (يجب أن تغطي وجهها) وهذا هو المشهور من المذهب، وذكروا قاعدة، لكنها قاعدة قاعدة؛ أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا إن أرادوا به أنه المحل الذي يمنع فيه لباس معين، فهذا صحيح، وإن أرادوا به التغطية فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أن المرأة تكشف وجهها، إنما ورد النهي عن النقاب، والنقاب تغطية للوجه، لا كشف له، لكن النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نُهيت عن لباس الوجه، كما نُهي الرجل عن لباس الجسم، ولباس الرأس.
[ ١ / ٣٧٩٩ ]
قال المؤلف: (ويباح لها التحلي) يباح للمرأة المحرمة أن تتحلى؛ أي: أن تلبس الحلي، والمراد الحلي المباح، لا كل حلي، فالحلي الذي على صورة حيوان حرام عليها وعلى غيرها، لكن الحلي المباح يباح لها؛ أي: أن الإحرام لا يمنع المرأة من التحلي، ولكن يبقى كلام المؤلف هل هو على إطلاقه؟ بمعنى أن المحرمة تتحلى وتُظهر حليتها للرجال، أو أنها تتحلى مع وجوب سترها عن الرجال؟
الثاني؛ يعني يجب أن تستر الحلي عن الرجال، ولكن إذا كانت وحدها في البيت، أو مع نساء، أو مع زوج، أو مع محارم وعليها الحلي، فلا بأس.
وإنما أبيح لها التحلي كما أبيح للرجل التحلي بالخاتم، الرجل المحرم يجوز أن يلبس الخاتم ولا حرج، فكذلك المرأة يجوز أن تلبس الحلي المباح لها، ولا حرج، هذه هي محظورات الإحرام.
وما فائدة الإنسان من معرفة محظورات الإحرام من حيث العمل والسلوك؟ هل الفائدة أن يعرف ما هو المحظور، وماذا يترتب عليه؟ أو الفائدة أن يعرف ما هو المحظور ليتجنبه، فإن ابتُلي به عرف ماذا يجب عليه؟ الثاني؛ ولهذا نحن ينقصنا في علمنا أننا لا نطبق ما علمناه على سلوكنا، أكثر ما عندنا أننا نعرف الحكم الشرعي، أما أن نطبق، فهذا قليل، نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، وفائدة العلم هو التطبيق العملي؛ بحيث يظهر أثر العلم على صفحات وجه الإنسان، وعلى سلوكه، وأخلاقه، وعبادته، ووقاره، وخشيته وغير ذلك، هذا هو المهم.
أما أن نعلم، فأنا أظن لو يأتي رجل نصراني ذكي يدرس الفقه أقل مما درسناه، لفهم منه مثل فهمنا أو أكثر، انظر الآن في اللغة العربية المنجد يقولون: إن المؤلف في حقه نصراني، ويبحث بحثًا جيدًا، فالأمور النظرية ليست هي المقصودة بالعلم، اللهم إني أسألك علمًا نافعًا. العلم فائدته الانتفاع، هذا فائدة العلم.
[ ١ / ٣٨٠٠ ]
وكم من عامي جاهل جدًّا بالنسبة لطالب عِلْم؛ تجد عنده من الخشوع لله ﷿، ومراقبة الله، وحسن السيرة والسلوك، والعبادة، أكثر بكثير مما عند طالب العلم، وهذا هو الواقع، أسأل الله أن يعاملني وإياكم بعفوه، أهم شيء السلوك، هذا من محظورات الإحرام، يجب أن نتجنبها، هذا من مفسدات الصوم، يجب أن نتجنبه، لا أن نعرف أن هذا محظور، أو هذا مفسد فقط، أهم شيء التربية والتربي على ما علمنا من العلم وإلا فلا فائدة.
طالب: لو () قبل التحلل الأول، ثم وجب عليه () الحج، وأن يأتي في العام القادم أنه يحج فوجب عليه الحج فقُتل، هل يحج من ماله؟
الشيخ: يقول: رجل وجب القضاء من العام القادم فمات، ما هو لازم قتل، مات، هل يقضى عنه من ماله أو لا؟ أسألك، هل هذا القضاء دين عليه أو لا؟
الطالب: دين.
الشيخ: هل قال الرسول: «اقْضُوا اللَّهَ؛ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (٧)؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن يخرج من ماله.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، الأسئلة يا شيخ، الآن كيف نلزمه بالقضاء إذا كان مثلًا الحج تطوع، وليس حج فريضة؟
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا سؤال وجيه، يقول: كيف نلزمه بالقضاء وحجه تطوع؟ لنا قاعدة سبقت؛ أن نفل الحج كفرضه في وجوب القضاء، وفي عدم جواز الخروج منه؛ فهو وجب عليه المضي في فاسد، والفاسد لا يجزئ، فيجب القضاء لفساد هذا النسك.
طالب: ما يُسمى مُتمًّا، لا حج بالعام القادم ما يسمى مُتمًّا؟
الشيخ: لا، أتم بإلزامه بالمضي، هذا الجزء الذي مضى فيه فاسد ولَّا صحيح؟
الطالب: فاسد.
الشيخ: إذن الفاسد لا يُقبل، لا بد أن يقبل.
يقول: إننا نجد أن النمل قد انتشر وخاصة في البيوت، وأصبح خطره حاصل وأذاه موجود، صحيح هذا؟
[ ١ / ٣٨٠١ ]
على كل حال النمل، والحمد لله قليل في الواقع، النمل الذي هو النمل قليل، لكن في الذر النمل الصغار هذا، هذا كثير جدًّا ومؤذٍ للناس خصوصًا في البيوت المسلحة؛ لأنه يأتي تحت البلاط ويطلع الرمل، إذا طلع الرمل اللي تحت البلاط سقطت، وهذه أذية، لكن نحن وجدنا له طبًّا نافعًا بدون قتل، صب عليه جاز، ما عاد يجي، يرتحل، هذا جربناه في بيتنا الأول وفي بيتنا الثاني.
طالب: ما يموت يا شيخ.
الشيخ: يموت اللي يصيبه فقط، لكن من أجل رائحته يمشي ما يبقى.
أما مسألة الحشرات جميعًا، فمسألة البعوض واضح أنها مؤذية، والصراصر أيضًا في الحمامات مؤذية. على كل حال القاعدة اللي إحنا سبق أن ذكرناها أمس نمشي عليها.
يقول: أشكل على كثير من الطلبة إحدى المسائل التي طرحناها أمس؛ وهي مسألة أكل الصائل إذا قُتل، فقلتم في موضع: إنه يحل إذا كان ذكاته شرعية وإلا فلا، وفي موضع آخر قلتم: لا يحل أكل الصائل إذا قُتل من المحرم على المحرم؟
إذا قتل المحرم صائلًا عليه؛ فليس عليه إثم ولا فدية، لكن لا يأكله؛ لأنه قتْل محرم، وإذا قتل إنسان آخر مُحِل صائلًا عليه في غير الحرم، فإن قصد الذكاة، وذكَّاه في موضع الذكاة صار حلالًا وإلا فلا.
طالب: فهل يحرم على غير المحرم ..؟
الشيخ: أيهم؟ إي، يحرم.
الطالب: يا شيخ، أحيانًا يعني يكون ..
الشيخ: قلنا: ما ذبحه المحرم استغلالًا أو مشاركة؛ فهو حرام على المحرم وغيره، وما حرم عليه لدلالة أو إعانة، أو أنه صِيد من أجله؛ فهو حرام عليه وحده، نحن ذكرنا أمس خمس صور.
هذا يقول: قلت: إن صيد البحر يجوز للمحرم، ولا يحرم، لكن شرط ألا يكون في الحرم؟
طالب: لو وكل المحرم أحدًا يعقد له، هل تجوز الوكالة هذه؟
الشيخ: في حال الإحرام أو في غير حال الإحرام؟
الطالب: في حال الإحرام.
الشيخ: يصح، إذا عقد الوكيل، فمن المتزوج؟ () ما يصح.
[ ١ / ٣٨٠٢ ]
طالب: يا شيخ، ذكرت في الدرس الماضي بأن المحرم إذا فر إلى قتل الصيد فإنه يجوز له قتله للضرورة، والقاعدة تقول: تقدر الضرورة بقدرها، والمحرم إذا قتل الصيد لغير ضرورة فهو ميتة، والإنسان إذا احتاج إلى الميتة كأن يحتاج منها للأكل يأكل منها بقدر الضرورة، وذكرتم عكس ذلك قلتم: إذا قتله للضرورة فإنه يستطيع أن يتزود به أكثر من الضرورة؟
الشيخ: حتى الميتة يستطيع أن يتزود منها ملء بطنه إذا كان لا يرجو وجود شيء ذكي.
الطالب: يأخذ منها ويذهب؟
الشيخ: ويذهب، الأخذ منها ما هو ضار، لكن الكلام على الشبع، هل يجوز أن يشبع، أو يقال: إن هذه ضرورة تتقيد بقدرها؟
في هذا قولان للعلماء؛ القول الأول: أنه لما حلَّت حل حتى الشبع؛ لأنه وُجد السبب المبيح، والقول الثاني: أنه لا يأكل إلا بقدر الضرورة إلا إذا كان يعلم أنه لن يجد مباحًا.
الطالب: والراجح؟
الشيخ: والله اللي يترجح عندي أنه يأكل بقدر الضرورة؛ لأنها خبيثة هي، أما التزود، فالتزود ما هو مشكل، يتزود، وإذا وجد حلالًا رمى به.
طالب: عفا الله عنك، ذكرنا أن الشاهدين على العقد يكره لهم هذا؛ الشهادة، لماذا لا نقول: إنهما آثمان؛ لأنهما شهدا على شيء منهي عنه، والنبي ﷺ قد لعن شاهدي الربا.
الشيخ: شوف، بارك الله فيك، الشاهدان محرمان، والولي والزوج والزوجة حلال، كلهم يحلون الثلاثة؛ الزوج، والزوجة، والولي، لكن الشاهدان محرمان، أما إذا كان الولي أو الزوج أو الزوجة محرمًا فإنه لا يجوز شهودهم؛ لأنه إقرار على فاسد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ورد في الحديث أن «الْحَج عَرَفَة» (٨)، وجاء في الحديث أن «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»، فلماذا لا نقول -أحسن الله إليكم- أن المجامع يفسد حجه بعد وقوفه بعرفة لا بعد التحلل من الأول؟
الشيخ: قبل الوقوف بعرفة؟
الطالب: بعد الوقوف بعرفة.
الشيخ: بعد الوقوف؟
الطالب: نعم، لماذا نقول هذا القول؟
[ ١ / ٣٨٠٣ ]
الشيخ: لا، قل: لماذا لا نقول: إنه إذا جامع بعد الوقوف، فإن حجه لا يفسد؟
الطالب: هذا ().
الشيخ: لا، ما هو هذا كلامك الآن، أنت تريد هذا، لكن ما عرفت أن تعبر عنه.
الطالب: لا، أقول: فساد الحج إذا كان وقع بعد عرفة بعد الوقوف؟
الشيخ: أنت تقول: إذا وقع الجماع بعد الوقوف، فإن القياس ألا يفسد الحج، ولَّا لا.
الطالب: نعم.
الشيخ: نقول: إذا وقع الجماع بعد الوقوف، وقبل التحلل، هل وقع على إحرام كامل؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا!
الطالب: نعم.
الشيخ: بعد الوقوف، وقبل التحلل؟
الطالب: الأول.
الشيخ: الأول إي؛ يعني ليلة المزدلفة، إذا وقع الجماع، هل وقع على إحرام كامل أو على إحرام ناقص؟ السؤال للسائل؟
الطالب: كامل.
الشيخ: كامل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن لا فرْق بين ما قبل الوقوف وما بعده، وقول الرسول ﵊: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٨). إنما قاله ليبني عليه ما بعده، وأنه إذا فاته فات الحج، وإلا فمن المعلوم أن الطواف بالبيت أعظم أركان الحج، وهو بعد الوقوف.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] هذا الدليل على فساده.
الشيخ: زين.
الطالب: لكن إذا قلنا بفساده، هل مثلًا نقول: الفسوق والجدل كائن على هذا ..؟
الشيخ: المحرم على سبيل العموم لا يؤثر في العبادة، والفسوق حرام على العموم، الذي يُفسد العبادة هو الذي حرم فيها خاصة.
الطالب: هذا الدليل خاص يا شيخ؟
الشيخ: لكن الفسوق حرام في الحج فقط؟
الطالب: وفي غيره.
الشيخ: إذن ما يؤثر على الحج، إذا صار الحرام حرامًا في العبادة وغيرها فإنه لا يؤثر عليها شيئًا، الغِيبة مثلًا للصائم حرام، تفسد الصيام؟
الطالب: لا تفسده.
الشيخ: لماذا؟ لأن تحريمها عام، الأكل للصائم؟
الطالب: مفسد.
الشيخ: حرام ومفسد؛ لأن تحريمه خاص. الكلام في الصلاة حرام، مفسد ولَّا غير مفسد؟
الطالب: مفسد.
[ ١ / ٣٨٠٤ ]
الشيخ: لأن تحريمه خاص، النظر إلى المرأة لشهوة وأنت تصلي حرام ولَّا حلال؟
الطالب: حرام.
الشيخ: مفسد؟
الطالب: ليس مفسدًا.
الشيخ: ليس مفسدًا، لماذا؟ لأن تحريمه عام.
الحيوان البرمائي، مركب الاسم هذا، إذا كان في البر فيعتبر بريًّا، وفي حالة وجوده في الماء يعتبر مائيًّا أو بحريًّا على الأصح، توافقون على رأيه؟
يعني البرمائي إن قتلته وهو في البحر فهو حلال، وإن قتلته في البر فهو حرام، ما يصير هذا، ذكرنا أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر يُغلَّب جانب الحاظِر، فيكون هذا حرامًا.
يقول: إذا صاد رجل صيدًا بريًّا لنفسه وقدمه للمحرم، هل يجوز أكله؟ ويش الجواب؟
لا يجوز، المحرم إذا صاد صيدًا فهو حرام عليه وعلى غيره من الْمُحِلِّين والْمُحرِمين.
طالب: صاده لنفسه.
الشيخ: إي، صاده لنفسه، لكن محرم هو، ولَّا غير محرم؟ ما تقولون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: صاد رجل حلالًا صيدًا لنفسه، وقدمه لمحرم، ذكرنا في هذا قولين يا جماعة!
طالب: رجحنا أنه حلال.
الشيخ: إي نعم، لكن ذكرنا قولين؛ يعني كأن السائل أشكل عليه القول الثاني، ذكرنا فيه قولين، وقلنا: الصواب أنه حلال، وأن هذا هو وجه الجمع بين حديث أبي قتادة وحديث الصعب ابن جثامة.
طالب: حديث عثمان في صحيح مسلم: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ» (٩). هذا يدل على جواز عقد الإنسان بين التحلل الأول كما قال شيخ الإسلام؟
طالب آخر: السؤال يا شيخ؟
الشيخ: السؤال يقول: قول الرسول ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ». ألا يدل على أنه يحل عقد النكاح بعد التحلل الأول كما هو الرواية الثانية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يطلق عليه اسم المحرم الكامل؟ نقول: هذا المسألة ستأتينا إن شاء الله.
[ ١ / ٣٨٠٥ ]
«حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» (١٠)، فهل المراد «إِلَّا النِّسَاءَ». وما يتعلق بهن كالخطبة والعقد، أو المراد «إِلَّا النِّسَاءَ». أي: إلا الاستمتاع بالنساء.
فالمسألة فيها قولان، ولكننا عمليًّا ينبغي أن نقول: لا تعقد النكاح حتى تتحلل تحللًا كاملًا، إنما لو فُرض أنه وقع أنه عقد النكاح قبل أن يحل التحلل الكامل، فهذه ربما نقول بقول شيخ الاسلام ابن تيمية الذي هو الرواية الثانية عن أحمد لعِظم المشقة.
فيه أناس جاؤوا من حج قبل العام، ولم يحلوا التحلل الثاني، وتزوج وجاءهم أولاد من قبل العام أخبرناهم أنه يجب أن يرجعوا إلى مكة، ويكملوا الحج فيرجعوا إلى مكة، ويحرموا من الميقات، وإذا أتموا العمرة أتوا بالطواف؛ طواف الإفاضة؛ لأنهم هم تركوا طواف الإفاضة، فقالوا: النكاح، العقد، والأولاد. فحينئذٍ رأينا -يعني بعد التأمل- أن القول بأن عقد النكاح حرام فيه نظر من حيث الدليل؛ لأن قول الرسول «إِلَّا النِّسَاءَ» فيه احتمال قوي أن المراد الاستمتاع بهن بجماعٍ أو غيره، وأن العقد لا يدخل فيه، ولا سيما أن من تحلل التحلل الأول لا يطلق عليه أنه محرم إحرامًا كاملًا.
فقلت لهم: العقد -إن شاء الله- صحيح، والأولاد شرعيون، ولكن اذهبوا، ولا يأتين أحدكم امرأته، اذهبوا وكمِّلوا الحج بعد أن تأتوا بعمرة وطواف وسعي وتقصير أو حلق، ثم تأتوا بطواف الإفاضة.
طالب: أحسن الله إليك، تكلمنا عن الخطبة، ولم نتعرض لتعريف للخطبة، هل يدخل الخطبة؟
الشيخ: إي، أولًا: الخِطبة خِطبة المحرم؛ يعني لو خطب الرجل المحرِم من شخص، هل الخطبة حرام أو مكروهة؟ الصحيح أنها حرام؛ لأن النهي فيها واحد مع العقد والخطبة أنها حرام، وعموم الحديث: «وَلَا يَخْطِبْ» (٩)، أنه لا يخطب تعريضًا، ولا تصريحًا.
***
[ ١ / ٣٨٠٦ ]