ثم قال المؤلف: (باب المسح على الخفين).
[ ١ / ٢٦٣ ]
أتى به المؤلف بعد صفة الوضوء لأنه حكم يتعلق بأحد أعضاء الوضوء، ولهذا جاء به، وذكر المؤلف في هذا الباب المسح على العمامة، والمسح على الخمار، والمسح على الجبيرة، فكان هذا الباب مشتملًا على أربعة مواضيع: المسح على الخفين وعلى العمامة والخمار والجبيرة.
والخفان: ما يلبس على الرجل من الجلود، ويلحق بهما ما يلبس عليها من الكتان والصوف وشبههما، فهو عام لكل ما يلبس على الرجل مما تستفيد منه بالتسخين، ولهذا بعث النبي ﵊ سرية فأمرهم أن يمسحوا على التساخين (١٥). التساخين يعني الخفاف، وسميت تساخين لأنها تسخن الرجل. المسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة.
وخالف في ذلك الرافضة؛ ولهذا ذكره بعض أهل العلم في كتب العقيدة؛ المسح على الخفين؛ لأنه خالف فيها أهل البدع وصار شعارًا لهم، وهو جائز بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ على قراءة الجر ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وأما في السنة فقد تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ.
وأنشدوا في ذلك:
مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ
وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبْ
وَرُؤْيَةٌ شَفَاعَةٌ وَالْحَوْضُ
وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ
قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي ﷺ.
وحكم يثبت فيه أربعون حديثًا، بل أربعة أحاديث لا يبقي في النفس شيئًا من الشك، ولهذا قال: ليس في قلبي من المسح شيء، يعني: ما فيه أدنى شبهة عندي للجواز.
المؤلف يقول: (يجوز لمقيم).
(يجوز) فعبر بكلمة يجوز، وهل الجواز منصب على بيان المدة أو على بيان الحكم؟
[ ١ / ٢٦٤ ]
إن كان على بيان المدة فلا إشكال فيه، يعني أن الجواز متعلق بهذه المدة، وإن كان منصبًّا على بيان الحكم فقد يكون فيه إشكال، وهو أن المسح على الخفين للابسهما سنة، ما نقول: إنه جائز. نقول: إنه سنة، وخلعهما ليغسل الرجل بدعة، خلاف السنة.
فإذا كان التعبير بالجواز منصبًّا على الحكم من حيث هو ففيه هذا الإشكال، ولكن يمكن أن يجاب عنه فيقال: إن المؤلف عبر بالجواز دفعًا لقول من يقول بالمنع، وهذا لا ينافي أن يكون مشروعًا.
والعلماء دائمًا يعبرون بمثل ذلك في مقابلة من يقول بالمنع، وإن كان الحكم عندهم ليس مقصورًا على الجواز، بل هو إما واجب أو مستحب.
ونضرب مثلًا لذلك غير هذا الذي نحن فيه، تعبير بعضهم حيث قال: ولمن أحرم بحج مفردًا ولم يسق الهدي أن يفسخه لعمرة ليكون متمتعًا، فالتعبير باللام الدالة على الجواز في مقابل من منع ذلك؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا يجوز فسخ الحج القارن أو المفرد إلى عمرة ليصير متمتعًا وإن هذا حرام، وهو من إبطال العمل. والبحث فيه إن شاء الله يأتي في محله. الكلام على أن العلماء قد يعبرون بلفظ الإباحة لدفع قول من يقول بالمنع.
قال: (يجوز لمقيم يومًا وليلةً ولمسافر ثلاثة أيام).
(لمقيم) كلمة (مقيم) تشمل المستوطن والمقيم؛ لأن الفقهاء ﵏ يرون أن الناس لهم ثلاث حالات: إقامة، واستيطان، وسفر. ويفرقون في أحكام هذه الأحوال. ولكن الصحيح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه ما فيه إلا إما استيطان وإما سفر، وإن إقامة لا توجد لا في الكتاب ولا في السنة.
والإقامة عند الفقهاء: كل مسافر أقام إقامةً تمنع القصر فإنه يسمى مقيمًا، ولا يسمى مستوطنًا، يسمى مقيمًا، فلا تنعقد به الجمعة، ولا تجب عليه بنفسه، ولا يكون إمامًا فيها ولا خطيبًا، حتى لو سيقيم سنتين أو ثلاثة، فإنه لا تجب عليه الجمعة بنفسه، ولا يصح أن يكون إمامًا فيها ولا خطيبًا، والمستوطن اللي اتخذ هذا البلد وطنًا له.
[ ١ / ٢٦٥ ]
فكلمة (مقيم) عند المؤلف يشمل المقيم المستوطن وغير المستوطن، ومراده بالمقيم من كان مسافرًا فأقام إقامة تمنع القصر. حكم هذا المقيم في المسح على الخفين كحكم المستوطن، كما أن حكمه كحكم المستوطن في وجوب إتمام الصلاة، وفي تحريم الفطر في رمضان، لكن ليس هو كالمستوطن في مسألة الجمعة، فلا تجب عليه بنفسه، ولا يؤم فيها ولا يخطب فيها.
قال: (يومًا وليلة) الدليل: حديث علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي ﷺ جعل للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. أخرجه مسلم (١٦). وهذا نص صريح بين مفصل.
قال: (وللمسافر ثلاثة بلياليها)، قوله: (وللمسافر) إن نظرنا إلى إطلاقه كان شاملًا للمسافر القصير والطويل؛ لأن السفر قصير وطويل، وشاملًا لسفر القصر ولغيره؛ لأن هناك سفرًا طويلًا، لكنه لا يقصر فيه، مثل السفر المحرم، أو المكروه على المذهب، لو سافر إنسان إلى بلد ليشرب المسكر والعياذ بالله أو ليستمتع بالبغايا.
هذا السفر محرم لا تستباح به الرخص، فيمسح ثلاثة أيام، ولّا يوم وليلة؟ أما ظاهر كلام المصنف فيمسح ثلاثة أيام؛ لأنه قال: (لمسافر)، لكن المذهب يقيدون المسافر هنا بالذي يحل له القصر، بمسافر يقصر (ثلاثةً بلياليها من حدث بعد لبس على طاهر) إلى آخره.
قوله: (من حدث)، (من) هذه للابتداء، يعني أن ابتداء المدة سواء كانت يومًا وليلة أم ثلاثة أيام، ابتداؤها من الحدث بعد اللبس، هذا هو المذهب، يجعلون الابتداء من الحدث؛ لأن الحدث هو سبب وجوب الوضوء، فعلق الحكم به، وإلا فإن المسح لا يتحقق إلا متى يتحقق المسح؟
طلبة: في أول مرة يمسح.
الشيخ: في أول مرة يمسح، لكنهم يقولون: لما كان الحدث سببًا للوضوء أنيط الحكم به، ونظير هذا قولهم في بيع الثمار: إنه إذا باع نخلًا تشقق طلعه فالثمر لمن؟
طالب: للبائع.
[ ١ / ٢٦٦ ]
الشيخ: للبائع، مع أن الحديث: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» (١٧)، لكن هم قالوا: إن التشقق سبب للتأبير، فأنيط الحكم به. عندنا (من حدث) الذي يلبس الخف له ثلاث حالات: حال اللبس، وحال الحدث، وحال المسح.
أما حال اللبس فلا تعتبر، يعني لا تبتدئ المدة من اللبس قولًا واحدًا في المذهب. بقي عندنا الحدث أو المسح، المذهب أنه يبتدئ من الحدث، والقول الثاني: أنه يبتدئ من المسح؛ لأن الأحاديث: «يَمْسَح الْمُقِيمُ»، «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ» (١٨)، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، ولهذا الصحيح أن ابتداء المدة من المسح بعد الحدث، وليس من الحدث.
ويدل لذلك أن الفقهاء أنفسهم -﵏- قالوا: لو أن رجلًا لبس الخفين وهو مقيم، ثم أحدث، ثم سافر، ومسح في السفر أول مرة، قالو: إنه يتم مسح مسافر، ثلاثة أيام. وهذا يدل على أنهم اعتبروا ابتداء المدة منين؟ من المسح، وهو ظاهر. فالصواب أن العبرة بالمسح وليس بالحدث، بالمسح بعد الحدث.
فيتضح ذلك بالمثال: رجل توضأ لصلاة الفجر فلبس الخفين، وبقي على طهارته إلى الساعة التاسعة ضحى، ثم أحدث ولم يتوضأ، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة، فالمذهب: تبتدئ المدة من الساعة التاسعة.
والقول الصحيح: تبتدئ المدة من الساعة الثانية عشرة إلى أن يأتي دورها من اليوم الثاني إن كان مقيمًا، أو من اليوم؟
طالب: الرابع.
الشيخ: الثالث.
الطالب: الرابع.
الشيخ: لا، دورها من اليوم الثالث.
الطالب: ثلاثة أيام ().
الشيخ: طيب، نشوف. الدور من اليوم الأول يكمل يوم، والدور من اليوم الثاني ..
الطالب: إلى، من اليوم الأول إلى ثاني يوم.
الشيخ: يوم، ومن الثاني إلى الثالث؟
الطالب: يومان.
الشيخ: يومان، ومن الثالث إلى الرابع؟ ثلاثة. إذن في الرابع، تكون في الرابع، كم من ساعة؟
طالب: اثنتان وسبعون ساعة.
الشيخ: اثنتان وسبعون ساعةً، وأما المقيم فأربع وعشرون ساعةً.
[ ١ / ٢٦٧ ]
عند العامة التوقيت بالصلوات، والمدة خمس صلوات، وهذا غير صحيح؛ لأن الإنسان ربما يصلي أكثر من ذلك وهو مقيم يمكن يصلى عشر صلوات أو أكثر أو ما يمكن؟
طلبة: ().
الشيخ: وهو مقيم؟ يمكن يصلي عشر صلوات أو أكثر.
طالب: قضاء.
الشيخ: لا، في أوقاتها، الآن مثلًا رجل لبس الخفين لصلاة الفجر، وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء، راح يوم كامل ما يحسب عليه؛ صلى الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
طيب من بكرة مسح لصلاة الفجر متى يبتدي؟ من صلاة الفجر إلى اليوم الثالث من صلاة الفجر، مسح لصلاة الفجر من اليوم الثالث وبقي على طهارته إلى صلاة العشاء، كم صلى؟ خمس عشرة صلاة وهو مقيم، هم يقولون: خمس صلوات، ما هو بصحيح.
طالب: شيخ، () خمس صلوات () العشاء ().
طالب آخر: () المسح.
الشيخ: ما يخالف، حتى من الحدث () من بكرة عشر صلوات حتى لو قلنا: من الحدث.
طالب: طيب لو أنه مسح من الفجر.
الشيخ: ما مسح الفجر توضأ الفجر ولبس.
طالب: قلنا: إنه لم يمسح من الفجر () قلنا: إنه ابتدأ من الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء هذا يعني ().
الشيخ: لا هم لو قالوا: خمس صلوات من المسح كان ربما تكون المسألة معقولة، لكن يقولون: خمس صلوات من يوم تلبس.
طالب: ().
الشيخ: حتى هذه ربما تزيد، على كل حال المدة يوم وليلة ابتداء من المسح على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم، أو من أول حدث بعد اللبس على المشهور من مذهب الإمام أحمد.
طالب: لو أن رجلًا مسافرًا () ثم مسح () يعني هل يحسب ولم ينتقض الوضوء إلا بالعشاء لكنه مسح ()؟
الشيخ: ما رأيكم في هذا؟ هذا رجل يقول: مسح تجديدًا، ما هو عن حدث، هل يبتدئ من المسح أو لا يعتبر؟
طالب: من المسح.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الشيخ: طيب، ما يخالف؛ إن نظرنا إلى ظاهر الحديث اعتبر من المسح، وإن نظرنا إلى أن هذا المسح لم يؤثر، ولهذا لو خلعها بعد ثم أعادها ما يضر، وقد حكي إجماعًا بأنه من المسح بعد الحدث، يعني لا بد يتقدم الحدث؛ لأن المسح الذي قبل الحدث لم يؤثر، ما رفع حدثًا حتى نقول: إنه مؤثر.
طالب: بالنسبة للمسافر، قلت: إنه لو سافر، يعني سفر الطاعة وسفر المعصية، وهما كلاهما سفر، فما دليل التفريق؟
الشيخ: إي نعم، المذهب يقولون: إن العلة أن القصر أو المسح رخصة، والرخصة لا ينبغي أن تناط بالمعصية؛ إذ إن العاصي لا يناسبه أن يرخص له، بل المناسب له أن يشدد عليه، واستندوا مع التعليل إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
يعني: فلا إثم عليه في أكل الميتة، قالوا: فلم يبح الله ﷿ أكل الميتة للمضطر إلا إذا كان غير باغٍ ولا عاد، بناء على أن معنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي باغ على الإمام ولا معتد في سفره.
والمسألة خلافية، والصحيح أن معنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي غير باغ للأكل طالب له ﴿وَلَا عَادٍ﴾ معتد في أكله أكثر مما يضطر إليه، بدليل آية المائدة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣].
فهم هذا حجتهم، والمسألة يعني البحث فيها وتحقيقه يأتي إن شاء الله في باب قصر المسافر؛ لأن مذهب أبي حنيفة شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم يقول: لا فرق بين سفر الطاعة وسفر المعصية؛ لأن العمومات ما فيها تفصيل، فالمسافر سفر طاعة أو سفر معصية أو سفرًا لا طاعة فيه ولا معصية، كل منهم يترخص برخص السفر.
طالب: طيب يا شيخ () الذي سافر بقصد الفطر في رمضان؟
الشيخ: لا، اللي سافر بقصد الفطر لا يفطر لكنه يقصر على رأيهم.
طالب: ().
الشيخ: نعم، لكن قلت لك: إن الإجماع على خلافه، ولولا الإجماع كان نأخذ بظاهر الحديث.
[ ١ / ٢٦٩ ]
قال: (من حدث بعد لبس على طاهر) انتبه للشرط الأول، يعني شرط الجواز المسح على الخفين أن يكون في المدة المحددة، من شروط المسح على الخفين أن يكون في المدة المحددة، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، ثانيًا أن يكون على طاهر، والطاهر ضد النجس والمتنجس: النجس نجس العين، كما لو كانت الخفان من جلد حمار، فهو نجس العين أو متنجس؛ كما لو كانت من جلد بعير، لكنه أصابته نجاسة، إلا أن المتنجس إذا طهر يجوز المسح عليه، لكن ما دام على نجاسته ما يمكن؛ لأنه لا يمكن تصلى بشيء متنجس.
طيب فهل يدخل في ذلك الأشاعرة، وإذا قيل: أهل سنة ورافضة دخل فيهم الأشاعرة، فيريدون بأهل السنة إذا قرن بالرافضة ما عدا الرافضة من الفرق الإسلامية حتى الأشاعرة، ولكن الصحيح أن الأشاعرة من حيث مذهب السلف ليسوا من أهل السنة والجماعة؛ لأن طريقتهم مخالفة لطريقة السلف، وإن كان بعض العلماء قال: إن أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: السلفية والأشعرية والماتُرِيدِيَّة، وقد ذهب إلى ذلك السفاريني في شرحه لنظمه، لكن هذا غير صحيح، وهو في الحقيقة متناقض مع قوله لما ذكر أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، قال:
وَلَيْسَ هَذَا النَّصُّ جَزْمًا يُعْتَبَرْ
فِي فِرْقَةٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَثَرْ
فهذا شبه تناقض بين المتن وبين الشرح، لكن الصواب أن أهل السنة والجماعة لا ينطبق إلا على السلفية الأثرية، وأما الأشعرية والماتريدية فليسوا من أهل السنة والجماعة على الإطلاق، وإن كان فيهم أشياء كثيرة يوافقون أهل السنة والجماعة فيها.
إذن ما حكم المسح لو فطر ويباح له القصر ولّا لا ما ذكرنا هذا؟ وقلنا: لو أن أحدًا سافر سفرًا محرمًا فإنه يمسح، كم؟
طالب: مسح مقيم.
[ ١ / ٢٧٠ ]
الشيخ: مسح مقيم، يوم وليلة، العاصي بسفره يمسح يومًا وليلة فقط، مثل أن يذهب إنسان إلى الخارج لفعل الفاحشة والعياذ بالله، أو لشرب الخمر، هذا عاص بسفره، ما يترخص برخص السفر، هذا قول جمهور أهل العلم، ومذهب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية أنه يترخص برخص السفر، ولو كان السفر محرمًا، قالوا: لعموم الأدلة، وهو يكون آثمًا، ولكن رخص السفر ثابتة في حقه، ولكن هذا بخلاف العاصي في سفره، شوف اللغة العربية لها شأن عظيم: (بسفره) و(في سفره) بينهما فرق؟
طالب: إي فيه فرق.
الشيخ: ويش الفرق؟
طالب: الظاهر بسفره نوى منذ أراد السفر المعصية، لكن في سفره يعني أثناء طريقه ارتكب المعصية.
الشيخ: إي، يعني العاصي بسفره الذي قصد بسفره المعصية من الأصل، سافر ليعصي الله. وأما العاصي في سفره هو الذي فعل معصية وهو مسافر، مثلًا شارب الدخان إذا سافر هل هو عاص بسفره أو عاص في سفره؟
طلبة: عاص في سفره.
الشيخ: في سفره، كذا عاص في سفره، لكن لو سافر من بلده لأن بلده ما فيها دخان، راح سافر ليشتري دخانًا من بلد آخر؟
طالب: صار عاصيًا بسفره.
الشيخ: صار عاصيًا بسفره، هذا هو الفرق بينهما.
قال: (على طاهر) هذا الشرط الأول، يشترط في الملبوس أن يكون طاهرًا، والطاهر يطلق على طاهر العين، فيخرج به نجس العين، وقد يطلق الطاهر على مالم تصبه نجاسة، كما لو قلت: يجب أن تصلي في ثوب طاهر، أي لم تصبه نجاسة.
والمراد هنا الأول، يعني الطاهر الذي هو خلاف نجس العين، عرفتم؟ لأن من الخفاف ما هو نجس العين، كما لو كان خفًّا من جلد كلب، هذا نجس العين، ومنه ما هو طاهر العين متنجس، يعني: مصاب بنجاسة، كما لو كان الخف من جلد بعير مزكى ولكن أصابته نجاسة. الأول نجاسته نجاسة عين، والثاني نجاسته نجاسة حكمية، ما هي عينية.
[ ١ / ٢٧١ ]
فعلى هذا ما المراد بقول المؤلف: (على طاهر) المراد بقوله: (على طاهر) أي: طاهر العين، فخرج به ما كان نجس العين، وعلى هذا فيجوز المسح على الخف المتنجس، لكن لا يستبيح به الصلاة؛ لأنه يشترط في الصلاة أن يكون مجتنبًا للنجاسة، إنما يستبيح به مس المصحف مثلًا؛ لأنه لا يشترط في مس المصحف أن يكون الإنسان متطهرًا من النجاسة، وإنما يشترط أن يكون متطهرًا من الحدث فقط، هذا واحد، ما رأيكم لو اتخذ الإنسان خفًّا من جلد ميتة مدبوغ؟
إن قلنا بأن الدبغ يطهره جاز المسح عليه، وإن قلنا بأنه لا يطهر كما هو المذهب فإنه لا يجوز المسح عليه.
(مباح) ما هو الدليل على اشتراط الطهارة؛ لأن المسح على نجس العين لا يزيده إلا تلويثًا، بل إن اليد إذا باشرت هذا النجس وهي رطبة مبلولة تنجست، وربما يؤخذ من قول النبي ﵊: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (١٩). لكن معنى الحديث أدخلتهما -أي: القدمين- طاهرتين، كما يفسره بعض الألفاظ.
(مباح) احترازًا من المحرم، والمحرم نوعان: محرم لكسبه ومحرم لعينه، وكلاهما لا يصح المسح عليه، فالمحرم لكسبه كالمغصوب، والمسروق لا يجوز المسح عليه، كما لو أخذ من إنسان خفه قهرًا، هذا يسمى غصبًا أو سرقة خفية يسمى سرقة ولا يجوز المسح عليه.
وأما المحرم لعينه فمثل الحرير للرجل، لو أن الرجل اتخذ شرابًا من حرير لكان ذلك حرامًا عليه، وكذلك لو اتخذ شرابًا فيها صور؟
طلبة: حرام.
الشيخ: كذلك ما نقول: إن هذا من باب ما يمتهن، لا ما نقول؛ لأن هذا من باب اللباس، ولباس ما فيه الصورة حرام بكل حال، فلو كان على الشراب مثلًا صورة أسد أو ما أشبه ذلك أو كانت الشرابة من شعار أحد الأندية، وكان فيها صورة لاعب كرة، فلا يجوز المسح عليه؛ لأن لبس ما فيه صورة حرام، طيب ما هو الدليل أو التعليل؟
[ ١ / ٢٧٢ ]
أما الدليل فلا نعلم لذلك دليلًا بينًا، وأما التعليل فظاهر؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح بالمعصية؛ فالمسح على الخفين رخصة من الله وتسهيل، فكيف تستبيح هذه الرخصة بمعصية الله، ولأن القول بجواز المسح على ما كان محرمًا مقتضاه إقرار حال الإنسان على أيش؟ على لبس محرم، والمحرم يجب إنكاره، فصار التعليل إذن مركبًا من أمرين:
الأمر الأول: أن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية.
والثاني: أن القول بجواز المسح على الخف المحرم مقتضاه إقرار اللابس على المعصية، وهذا لا يمكن، بل المعصية أو الشيء المحرم يجب إنكاره وإزالته فورًا، وربما نقول بالقياس على بطلان صلاة المسبل -إذا صح به الحديث- فإن المسبل إنما تبطل صلاته لأنه لبس ثوبًا محرمًا، فإذا كانت الصلاة فاسدة بلباس الثوب المحرم؛ فإن المسح أيضًا يكون باطلا فاسدًا بلباس الخف المحرم.
على كل حال يشترط في الخف أن يكون مباحًا، وقلنا: إن ضده المحرم، وهو نوعان: محرم لكسبه ومحرم لعينه.
طالب: () طاهرًا من النجاسة () بجامع أن الخف والنعل ()؟
الشيخ: إي، هذا بالنسبة للصلاة، لكن قد نقول: امسح عليه، لكن لا تصلِّ فيها.
طالب: يعني الصلاة في الشراب أمر يأثم عليه ..
الشيخ: أيش؟
الطالب: هذه من جعل الصورة في الشراب أو مسبل يأثم على هذا الفعل، لكن الصلاة صحيحة ()؟
الشيخ: على كل حال إذا صح الحديث وجب القول بموجبه، إذا صح حديث أنه لا يقبل صلاة مسبل، وأما الذي فيه صورة فلأنه محرم.
طالب: هو آثم يا شيخ.
الشيخ: كيف نقره على محرم؟
الطالب: آثم على الصورة، أما الصلاة يعني ..
الشيخ: لا أصلًا ما نصحح الوضوء، أصل الوضوء ما هو بصحيح؛ لأنه مسح على شيء محرم، أما الصلاة فستأتينا إن شاء الله تعالى؛ هل يشترط في الساتر أن يكون مباحًا، يأتينا إن شاء الله في شروط الصلاة.
طالب: () مباحات؟
الشيخ: لا ما أبحناها، قلنا: الجمهور على عدم الإباحة.
[ ١ / ٢٧٣ ]
طالب: إحنا اخترنا رأي أبي حنيفة.
الشيخ: لا، ما اخترنا ().
الشرط الثالث (ساتر للمفروض)، ويش معنى (للمفروض)؟ أي: للمفروض غسله من الرجل، يعني يشترط في الخف أن يكون ساترًا للمفروض، أي لما للمفروض غسله من الرجل.
ومعنى (ساتر) ألا يتبين شيء من المفروض من ورائه؛ سواء كان ذلك من أجل صفائه، أو كان ذلك من أجل خفته، أو كان ذلك من أجل خروق فيه.
هذه ثلاثة أشياء، يعني لا يصف البشرة لصفائه، كما لو اتخذ الإنسان جوارب من بلاستيك أو لا؟
ما هو البلاستيك بيصف البشرة؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ()؟
الشيخ: بلاستيك يعني من جنس الزجاج ..
يَثْبُتُ بنفسِه من خُفٍّ وجَوْرَبٍ صَفيقٍ ونحوِهما، وعلى عِمامةٍ لرَجُلٍ مُحَنَّكَةٍ أو ذاتِ ذُؤابةٍ وعلى خُمُرِ نساءٍ مُدَارَةٍ تحتَ حُلُوقِهِنَّ في حَدَثٍ أَصْغَرَ، وجَبيرةٍ لم تَتَجاوَزْ قَدْرَ الحاجةِ ولو في أَكبرَ إلى حِلِّها إذا لبِس ذلك بعدَ كمالِ الطهارةِ، ومَن مَسَحَ في سَفَرٍ ثم أقامَ أو عَكَسَ أو شَكَّ في ابتدائِه فمَسْحُ مُقيمٍ، وإن أَحْدَثَ ثم سافرَ قبلَ مَسْحِه فمَسْحُ مسافرٍ، ولا يَمْسَحُ قلانسَ ولفافةً ولا ما يَسْقُطُ من القَدَمِ أو يُرَى منه بعضُه، فإن لَبِسَ خُفًّا على خُفٍّ قبلَ الْحَدَثِ فالحكْمُ للفَوقَانِيِّ،
أنا عندي هذه الظروف اللي يحمل بها الخبز وما أشبه ذلك عندي من البلاستيك.
طلبة: ().
طالب: البلاستيك قاسٍ.
الشيخ: أنا أريد الآن بقولي: البلاستيك، هو هذا النوع، الظروف اللي تجعل فيها الخبز.
طالب: () العموم أو الخصوص.
الشيخ: أنا ما أعرف هذا، على كل حال إن اللي يصف البشرة مثل البلاستيك أو قولوا ما شئتم؛ النايلون.
طالب: ().
[ ١ / ٢٧٤ ]
الشيخ: إي نعم، بس ما هو أبيض مثل الزجاج، لكن أنا عدلت للزجاج، وإن كان الفقهاء مثَّلوا به؛ لأن الآن عندنا البلاستيك هذا يُغنِي عنه، ويمكن المشي فيه الزجاج؟ قد لا يمكن المشي فيه، على كل حال هذا لا يجوز المسح عليه؛ لأنه يصف البشرة، ويشترط الستر.
ثانيًا: أن يكون ساترًا للمفروض، بحيث لا يكون خفيفًا؛ وهو الرهيف، فإن كان خفيفًا تُرى من ورائه البشرة لم يصح المسح عليه؛ لأنه ليس ساترًا للمفروض.
الثالث: ألَّا يكون فيه خروق؛ لأنه إذا كان فيه خرق بان من ورائه المفروض، فلا يصح المسح عليه حتى قال بعض أهل العلم -وهو المشهور من المذهب-: لو كان هذا الخرق بمقدار رأس المخراز، فإنه لا يصح المسح عليه.
وهذه المسألة لا بد أن نشوف ما هو الدليل؟ يقولون: الدليل: أما ما كان خفيفًا أو ما كان فيه خروق، فلأن ما تبين فرضه الغسل، والغسل لا يجامع المسح؛ إذ لا يجتمع في عضو واحد غسل ومسْح.
وأما ما يصف البشرة لصفائه، فقالوا: لأنه يشترط الستر، وهذا غير ساتر؛ بدليل أن الإنسان لو صلَّى في ثوب يصف البشرة لصفائه فصلاته غير صحيحة؛ لأنه ما ستر؛ هذا هو التعليل.
وذهب الشافعية إلى أن الذي لا يستر لصفائه يجوز المسح عليه؛ لأن محل الفرض مستور ما يمكن يصل إليه الماء، وكونه يُرى من ورائه البشرة ما هذا عورة يجب سترها حتى نقول: إن الذي يصف البشرة لا يصح المسح عليه.
وليس في السنة، ولا حرف واحد يدل على اشتراط ستر الرجل بالخف أبدًا، فما دام ليس في السنة، وليست الرجل عورة حتى يجب سترها، فإن ما لا يستر لصفائه لا يمنع المسح عليه أو لا يمتنع المسح عليه، وهذا لا شك تعليل جيد من الشافعية.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وقال بعض أهل العلم: إن هذا ليس بشرط، أصل هذا الشرط ساقط، فلا يشترط أن يكون ساترًا للمفروض، واستدلوا لذلك بأن النصوص الواردة في جواز المسح على الخفين مُطلقة، وما ورد مطلقًا فإنه يجب أن يبقى على إطلاقه، وأي أحد من الناس يضيف إليه شرطًا آخر فعليه الدليل، وإلا فيجب أن نُطلق ما أطلقه الله ورسوله، ونُقيد ما قيده الله ورسوله.
ولأن كثيرًا من الصحابة كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق، وإذا كان هذا غالبًا في قوم في عهد الرسول ﵊، أو كان كثيرًا وإن لم يكن غالبًا، ولم يُنبِّه عليه الرسول ﵊، دل ذلك على أنه ليس بشرط، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أنه لا يشرط أن يكون ساترًا للمفروض.
أولًا: لأنه لا دليل على ذلك، والنصوص مطلقة؛ فيجب إطلاق ما أطلقه الله ورسوله.
ثانيًا: أن كثيرًا من الصحابة فقراء، وغالب الفقراء تكون خفافهم فيها خروق، ما تخلو من خروق غالبًا، وإذا كان هذا موجودًا في عهد الرسول ﵊، ولم يُنبِّه عليه؛ دل على أنه ليس بشرط، يبقى علينا الآن الرد على تعليلهم، نقول:
قولكم: إن ما ظهر فرضه الغَسْل فلا يجامع المسْح، هذا مبني على قولكم بأنه لا بد من ستر المفروض، فأنتم استدللتم بالدعوى على المدَّعَى؛ يعني أتيتم بالدليل الذي هو مبني على أيش؟ على اختياركم، كيف تستدلون على المسألة بحكم أنتم بنيتموه على هذا الأمر، فمن يقول: إن ما ظهر فرضه الغسل؟
وهذا الخف جاء على وفق ما أطلقته السُّنة، فإذا جاء على وفق ما أطلقته السنة، فمن يقول: إن ما خرج من القدم ولو بقدر الخرز يكون فرضه الغسل، بل نقول: إن هذا يتبع الخُفّ، ويُمسح عليه.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وأما قولكم: إنه لا يجتمع مسح وغسل في عضو، فهذا منتقض؛ فإذا كانت الجبيرة مثلًا في نصف الذراع، اجتمع فيه مسح وغسل؛ مسح على الجبيرة، وغسل على ما ليس بجبيرة، فعلى فرض أنه لا بد من ستر كل شيء نقول: ما ظهر فيُغسل، وما استتر بالخُفّ فيُمسح كالجبيرة، هذا على تسليم أن ما ظهر فرضه الغسل، ولكننا لا نُسلِّم؛ لأننا نقول: إن قولكم ما ظهر فرضه الغسل مبنيّ على أنه يشترط أن يكون ساترًا للمفروض.
وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الراجح؛ لأن هذه الأمور ما تسلم غالبًا من أيش؟
طلبة: من خروق.
الشيخ: من الخروق ما تسلم، فإذا كانت لا تسلم، فكيف نلزم الناس ونشق عليهم؟ ! ثم إنه يوجد الآن في عهدنا هذا يوجد شُراب رهيفة جدًّا؛ جوارب رهيفة، ويستعملها كثير من الناس، ويرون أن ذلك مفيد للرِّجل، وقد بَعث النبي ﵊ سارية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب، وعلى التَّساخِين (١). التساخين هي الخفاف؛ لأنها يحصل بها تسخين الرِّجل، وتسخين الرِّجل يحصل من مثل هذه الجوارب، إذن صار هذا الشرط محلّ خلاف بين أهل العلم ..
طالب: القاصر يا شيخ؟
الشيخ: القاصر إن عُد خُفًّا فهو خُفّ، مثل: لو كان يظهر الكعب، لكنه يُسمَّى خُفًّا.
طالب: يُمسح عليه ولَّا لا؟
الشيخ: يُمسح عليه نعم.
طالب: يصير الاحتياط في مثل هذا وسوسة؛ يعني لو إنسان احتاط، قال: عندي جوارب، هذا ليس فيها خرق، فأمسح على التي ليس فيها الخرق، وأترك المخروق أو أتقصد المخروق؛ لأنه يسير.
الشيخ: أقول: حسب ما يظهر من الأدلة؛ إن كان الرجحان عنده بينًا فلا حاجة للاحتياط، وإن كان الرجحان عنده يسيرًا فالاحتياط أوْلَى بلا شك.
طالب: ().
[ ١ / ٢٧٧ ]
الشيخ: لا، أنا ما ألبس الجوارب ولا الخِفاف إلا نادرًا، إلا تشققت رجلي، مرة لبستها وإلَّا ما ألبسها، ترى لاحظوا ما هو عدول عن السنة، لا والله، لكن علشان () بالمسح، وربما ينسى الواحد، ويمضي الوقت ما دري عنه، ولا سيما أن الواحد بيلبس كنادر، وبيمسح على الخفين، ومن عند الوضوء يقعد يفكه ويربطه.
طالب: شيخ، تركنا شرطًا كان ناقصًا الدرس الماضي.
الشيخ: وهو؟
الطالب: أن يكون في المدة.
الشيخ: ما بعد انتهينا يا أخي.
الشرط الثالث: إحنا الآن في شروط الخُفّ، ما هو في شروط المسح، الآن الشروط اللي إحنا نشترط أيش؟
الطلبة: شروط الخف.
الشيخ: شروط الخف: طاهِر، مُباح، ساتر للمفروض، الشرط الرابع؟
طالب: لو سمحت يا شيخ، ما ضابط الخف حينئذٍ؟ يعني ..
الشيخ: الْخُفّ: كل ما يُلبس على الرِّجل من جلود أو كتان أو صوف أو غيره لتدفئتها فهو يعتبر خُفًّا، ولَّا الأصل أن الخف ما كان من جلد، والجورب ما كان من غير الجلود.
طالب: هل يشترط يا شيخ أن يتعدَّى الكعب؟
الشيخ: ما هو شرط إلا على كلام المؤلف؛ كلام المؤلف لا بد أن يكون مغطيًا للكعب؛ المفروض كله.
الشرط الرابع: (يثبت بنفسه)؛ بمعنى أنه ما ينطلق عندما تمشي فيه؛ يعني ما يكون واسعًا بحيث إذا مشيت ()؛ فلو أن رجلًا قدمه صغيرة وجد أكبر خف يلبسه بني آدم ولبسه، وقال: أنا أبغي أمسح على ها الخف هذا، والخف يتعدّى الكعبين؛ يعني ساتر المفروض، وقال: أبغي ألبس، ومعلوم أنه ما يقدر يرفع رجله، لو يرفع رجله؟ طلعت من الخُفّ، لكن يبدأ يسحب الخف، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح، لكن ثبوته بنفسه لو كان لا يثبت بنفسه، ولكن يثبت إذا شددته، إذا شددته ثبت، وإذا تركته لم يثبت، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، ولو بالشد، وكذلك لو كان لا يثبت إلا بنعلين يجوز أني ألبس النعلين عليه، وأمسح عليهما معه إلى خلعهما، إذا خلعت النعلين ما أمكن المسح.
[ ١ / ٢٧٨ ]
فصار قوله: (يثبت بنفسه)؛ يعني بحيث لا يكون واسعًا لو أنه مشى فيه لانطلق من قدمه، فإن كان واسعًا بحيث ينطلق من قدمه إذا مشى فيه؛ فإنه لا يصح المسح عليه.
هل نقول مثله إذا كان يثبت بنفسه لا بِشَدِّه؟ لازم ننتبه لهذا، يقول: إن الذي يصح أن يمسح إذا شد هو أن يكون ساترًا للمفروض، لو كان غير ساتر للمفروض، لكن إذا () بعضه على بعض ستر، يقول: إنه لا بأس به.
أما هذا إذا كان لا يثبت إلا بالشدّ يقولون: إنه لا يصح المسح عليه، لكن إذا كان يثبت بالنعلين فإنه يمسح عليه إلى خلعهما فقط، إذا خلعهما ما يمسح، إذن يثبت بنفسه نُعيد الشرط مرة ثانية، يثبت بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما، فإن كان يثبت بشدِّه فهو على المذهب لا يجوز؛ يعني: لو فرض واحد رجله صغيرة، ولبس خفًّا واسعًا، لكنه ربطه برجله بحيث يمشي ولا يسقط، يقولون: إنه لا يصح المسح عليه.
ولكن الصحيح أنه يصح المسح عليه، ودليلنا في ذلك هو أن النصوص الواردة في المسح على الخُفَّين مُطلقة، فما دام يمكن أن ينتفع بهذا، ويمشي به، فما المانع؟
قد يكون الإنسان ما عنده إلا هذا الخف الواسع، أنتم لا تقيسوا الأمور بحالتنا اليوم، الحمد لله اليوم كل يستطيع الإنسان يجيب ما يريد، لكن لو فُرض هذا الرجل قدمه صغيرة، وليس عنده إلا خف ولده كبير القدمين، أبوه كبير القدمين، وله خُفّ واسع وهو صغير القدمين، ولا عنده إلا هذا الخفاف، وقال: أنا إذا لبسته وشددته مشيت، وإن لبستها ولم أشدّها سقطت من قدمي، وجاء يستفتي ماذا نقول له؟
طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: نقول: على المذهب لا يجوز، وعلى القول الراجح: يجوز، ووجه رجحانه أنه لا دليل على هذا الشرط.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل؟ نقول: الدليل عدم الدليل.
طالب: لو كان يا شيخ من غير شد ووضع فيه خرقًا، على المذهب؟
الشيخ: إي نعم، ما يصح.
الطالب: كذلك؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يرون لا بد بنفسه أو بنعلين.
[ ١ / ٢٧٩ ]
الطالب: لو شدّه هو () واسع ().
الشيخ: يصح لو فرض أنها مطاطة؛ يعني يقصه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ولين بعضها على بعض فهو يصح، لكن إذا كان بشدِّه ما يصلح.
طالب: إذا لبس رجل الخف وشده، فجاء يستفتي ماذا نقول؟ على المذهب لا يجوز، والصحيح يجوز ..
الشيخ: لا العامي.
الطالب: كثير يا شيخ تقول هذا حتى ندرس؛ يعني إذا جاءت مسألة، تقول: على المذهب كذا، والصحيح كذا لماذا؟ لا نذكر الصحيح فقط في الفتوى؟
الشيخ: لا، في الفتوى ما نقول: إلا الصحيح.
الطالب: لا، أحيانًا أنت وكثير من المرات ..
الشيخ: هنا يعني؟
الطالب: هنا أو غيره، أنا ملاحظ هذا.
الشيخ: هنا، اللي عندي الآن طلبة.
الطالب: لا، حتى في الحرم مثلًا إذا سألت عن بعض الأسئلة ..
الشيخ: لا، ما نقول؛ لأن الحرم غالب اللي حولي طلبة علم، لكن لو يجيني عامّي في السوق يسألني، أقول: هذه المسألة مثلًا فيها خمسة أقول لأهل العلم، هذه مشكلة.
الطالب: طيب حتى عند الطلبة ما تقول خمسة أقوال، غالبًا تقول: المذهب كذا، والصحيح كذا.
الشيخ: إذا كان فيها أقول يعني متقاربة في الرجحان نذكرها، لكن قد يكون ما عدا القولين قد يكون ضعيفًا، فلا أقول: ما حاجة أن أقوله وأروح أجيب دليلًا وأرد عليه.
نقول: (يثبت بنفسه) هذا الصحيح أنه ليس بشرط، فإذا ثبت ولو بشدِّه أو بملئه؛ جاز المسْح عليه.
قال: (مِنْ خُفٍّ) (مِن) حرف جرّ، ومعناها التبيين، وعلى هذا فهي بيان لقوله: (على طاهِر مِن خُفّ)، فالجار والمجرور هنا بيان لطاهر.
و(من) البيانية إذا جاءت فإن الجار والمجرور يكون في موضع نصب على الحال؛ يعني حال كونه من خُفٍّ.
(وجورب) الخف واضح، هو ما يكون من الجلد، وأما الجورب فهو ما يكون من غير الجلد من الخِرَق وشبهها، فيجوز المسْح على هذا وعلى هذا، وذلك إما بالقياس، وإما بالعموم اللفظي كما في حديث: أن يَمْسحوا على التَّسَاخِين (١)؛ فإن التساخين يعم كل ما يُسخَّن الرِّجل.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وإما بالقياس على الخُفّ؛ إذ لا فرق بينهما في حاجة الرِّجل إليهما، والعِلّة فيهما واحدة.
فإذا قال قائل: ما الدليل على جواز المسح على الجوارب؟
نقول: الدليل من السُّنة؛ إما بالقياس، فيكون هذا من باب الشمول المعنوي، وإما بالعموم اللفظي كما في حديث: أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى التَّسَاخِينِ.
وأما (الموق) فإنه خُفّ قصير يُمسح عليه أيضًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ في هذا حديث أنه مسح على الْمُوقَيْن (٢).
قال: (وجورب صفيق)، لماذا اشترط المؤلف أن يكون صفيقًا؟ لأنه يُشترط أن يكون ساترًا للمفروض وغير الصفيق لا يستر.
وقوله: (صفيق) هي صفة لجورب، وليست صفة لِخُفّ، لماذا؟ لأن الخُفّ لا يكون إلا صفِيقًا؛ لأنه من الجلود، الجورب هو الذي يكون صفيقًا وقد لا يكون.
قوله: (ونحوهما) نحو بمعنى (مِثْل)؛ يعني من كُلِّ ما يُلبس على الرجل سواء سُمِّي خُفًّا، أو جوربًا، أو موقًا، أو جرموقًا، أو غير ذلك، فإنه يجوز المسح عليه؛ لأن العلة واحدة.
طالب: شيخ ()، الأئمة الثلاثة يمنعون المسح على الجوارب، هل هذا صحيح؟
الشيخ: ما أدري والله مذهبهم، لكنه صحيح من حيث الحكم، صحيح أنه لا فرق.
طالب: الجورب يصير تحت الكعبين، يجوز المسح عليه؟
الشيخ: الجورب إذا كان تحت الكعبين فهو ينبني على الخلاف، المذهب لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون ساترًا للمفروض، والقول الثاني: يجوز ما دام باقيًا على اسمه والرِّجل تنتفع به يجوز المسح عليه.
طالب: ما يصلح شرطًا خامسًا؟
الشيخ: وهو؟
طالب: ألا يكون ().
الشيخ: هو إذا كان الخرق أوسع من الساتر، الظاهر أنه يخرج عن كونه خُفًّا، ما يُسمى خُفًّا؛ يعني مثلًا لو كان الشراب هذا مشقوق مرة نصفه هذا معناه أنه ..
طالب: ().
الشيخ: لا، إذا كان متفرقة لا بأس بها.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يصدق عليه أنه خُفّ.
***
[ ١ / ٢٨١ ]
(وعلى عمامة لرجل)؛ يعني ويجوز المسح على عمامة، والعمامة: ما يُعمَّم به الرأس، ويكور عليه، وهي معروفة.
وقوله: (وعلى عمامة)، ما هو الدليل؟ الدليل حديث المغيرة بن شعبة ﵁، أن النبي صلى الله عليه وسلام مَسَحَ على عمامتة، وعلى الناصية وعلى الخفين (٣). مسح على عمامتة، وقد يُعبر عنها بالخِمار كما في صحيح مسلم (٤): مَسَحَ على الْخُفَّيْن والخِمار، قال: يعني العمامة، ففسر الخمار بالعمامة.
ولولا التفسير هذا لقلنا: إنه يجوز أيضًا المسح على الغتره، إذا كانت مُخمِّرة للرأس، كما يجوز في خمر النساء، لكن ما دام فُسِّرت بأن المراد بالخمار العمامة فتكون هي العمامة.
وقوله: (لرجل) يعني لا لامرأة، فالمرأة لا يجوز أن تمسح على العمامة؛ لأن لبسها للعمامة مُحرَّم؛ حيث يكون في ذلك تشبُّه بالرجال، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال (٥). فعلى هذا يكون لبسها للعمامة مُحرَّمًا، ولا يجوز لها أن تمسح عليها.
وهل يُشترط في العمامة ما اشتُرط في الْخُفّ في أن يكون طاهِرًا ومباحًا؟
الجواب: نعم، لا بد من أن يكون طاهر العين، وأن يكون مباحًا، فلو اتخذ عمامة من حرير وهو رجل؛ لا يجوز المسح عليها، ولو اتخذ عمامة من شيء فيه صور؛ لم يَجُز المسح عليه، ولو اتخذت المرأة عمامة من حرير -لأن الحرير يجوز للنساء- كان ذلك جائزًا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: الحرير يجوز للمرأة.
طالب: العمامة لا تجوز.
الشيخ: لكن العمامة ما تجوز، إي نعم، هذه قد يغلط فيها طالب العلم، ولهذا أنا قلت من قبل قليل: عِمامة من حرير لرجل، وكان المتوقع أنكم تقولون: وهل يمكن أن تكون عمامة للمرأة؟ لكن على كل حال لا بد ..
(لرجل) كلمة رجل في الغالب تُطلق على البالغ، لكن ذكر لمن يُقابل الأنثى، ولو كان غير بالغ، ولكنه هنا ليس مرادًا؛ أعني ليس المراد لرجل بالغ فيجوز أن يلبس الصبي عمامة ويمسح عليها.
[ ١ / ٢٨٢ ]
يقول: (مُحنَّكة أو ذات ذؤابة) (مُحنَّكة)؛ يعني يُدار منها تحت الحنك.
(أو ذات ذؤابة)؛ يعني تُطلق ذؤابة من الخلف لها؛ يعني يكون أحد أطرافها متدليًا من الخلف، هذه ذات الذؤابة.
و(ذات) بمعنى صاحبة، فاشترط المؤلف للعمامة شرطين: أن تكون لرجل، وأن تكون مُحنَّكة؛ يعني يُدَار منها كور تحت الحنك أو ذات ذؤابة.
مع اشتراط أن تكون مُباحة، وأن تكون طاهرة العين، كما سبق، فتكون الشروط الآن أربعة: تكون طاهرة العين، مباحة، لرجل، محنّكة أو ذات الذؤابة.
ما هو الدليل على اشتراط التحنيك أو ذات الذؤابة؟
قالوا: لأن هذا هو ما جرت العادة بلبسه عند العرب؛ أنهم يحنكونها أو يجعلون لها ذؤابة؛ ولأن المحنكة هي التي يشُق نزعها، بخلاف المكورة بدون تحنيك؛ بحيث يرفعها الرجل يمسح رأسه، لكن مُحنَّكة يشق عليه أن يخلعها، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية عارضهم في هذا الشرط، وقال: إنه لا دليل على اشتراط أن تكون محنَّكة، أو ذات ذؤابة، بل النص جاء على عمامته، ولم يذكر قيدًا آخر، فمتى ثبتت العمامة جاز المسح عليها؛ لأن الحكمة من المسْح على العمامة لا تتعين في مشقة النزع، قد تكون حكمة غير مشقة النزع وهي أنه لو حركها ربما تنفل أكوارها.
ولأنه لو مسح رأسه فتحه، في الغالب أن الرأس الذي عليه العمامة، الغالب أنه يعرق، فإذا فتحها، فقد يُصاب بلفحة هواء، ولهذا رُخِّص له أن يُبقيها على ما هي عليه، وأن يمسحَ عليها.
وهل يُشترط مع ذلك أن يمسح على ما ظهر من الرأس، أو لا يشترط؟ لا يشترط، لكن قالوا: إنه يُسَنّ أن يمسح معها ما ظهر من الرأس؛ لأنه سيظهر من الرأس الْمُقدِّمة؛ الناصية يظهر منها قليل، وكذلك أسفل الرأس، وكذلك من الخلف قليل؛ لأنه ما تشمل الرأس كله فيجوز المسح عليها، ويستحب المسح على ما ظهر، ولا يجب.
طالب: شيخ، أعِد يا شيخ العبارة؟
الشيخ: وين الشروط اللي بينّا؟ ولا بد أيضًا -على المذهب- أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
(وعلى خُمُر نساء) خُمُر: جمع (خِمار)، وهو مأخوذ من الْخُمرة، وهي ما يُغطَّى به الشيء، فخُمُر النساء ما تُغطي بهن رؤوسهن، ولكن اشترط المؤلف: (مدارة تحت حلوقهن)، لا مطلقة مرسلة، لا بد أن تُدار تحت الحلوق؛ لأن هذه هي التي يشق نزعها ومسح الرأس فيها.
وقد اختلف العلماء في جواز مسْح المرأة على خمارها؛ فمنهم من قال: إن هذا حرام، ولا يجوز أن تمسح المرأة على الخمار؛ لأن الله أمر بمسح الرأس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وإذا كان هناك خِمار، ومُسحت عليه ما مسحت برأسها، بل مسحت على هذا الحائل بخمارها؛ فلا يجوز.
ومنهم من قال: إنه جائز، ولكن ليس هناك نصوص صحيحة في هذا الباب، لكن قاسُوها على عِمامة الرجل، وقالوا: إن الخمار للمرأة بمنزلة العمامة للرجل، والمشقة موجودة في هذا وفي هذا.
وعلى كل حال، فإذا كان هناك مشقة إما لبرودة الجو، أو لمشقة النزع واللف مرة أخرى، فالتسامح في هذا لا بأس به، وإلا فالأولى ألا تمسح.
ويبقى عندنا لو كان الرأس مُلبَّدًا بحناء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك، هل يُمسح عليه أم لا؟
الجواب: نعم، يُمسح عليه؛ لأنه ثبت أن النبي ﵊ في إحرامه كان مُلبِّدًا رأسَه (٦). فما وُضِع على الرأس من التَّلْبِيد، فهو تابِع له، وهذا يدل على أن تطهير الرأس فيه شيء من التسهيل.
وعليه فإذا كانت المرأة قد لبّدت رأسها بالحناء كما يوجد ولا سيما في الزمن السابق، فإنها تمسح عليه، ولا حاجة إلى أنها تنقض الرأس، وتحت هذا الحناء.
وكذلك لو كانت شدَّت على رأسها ما يُسمَّى تشد على رأسها حلي ويش يُسمى؟ تختلف الأعراف فيه.
طالب: الهامة.
الشيخ: تسمى الهامَة؛ لأنه حُليّ يوضع على الهامة ما عاد يسمونه عندكم؟ ما تعرفونه، وأظن هذا شيء من الحلي، كبر اليد، وفيه جواهر ولؤلؤ، ويُوضع على الرأس، هكذا يشد بشعر الرأس، ويضفر، هذا يجوز المسح عليه ولَّا ما يجوز؟
[ ١ / ٢٨٤ ]
نقول: يجوز؛ لأننا إذا جوَّزنا المسح على الخمار، فهذا من باب أوْلَى.
وقد يقال: إن له أصلًا وهو الخاتَم؛ فالرسول ﷺ كان يلبس الخاتم (٧)، ومع ذلك فإنه قد لا يمكن أن الماء يدخل بين الخاتم وبين الجلد، فمثل هذه الأشياء قد يُسامِح فيها الشرع، لا سيما أن الرأس من أصله لا يجب تطهيره بالغسل، وإنما يُطهَّر بالمسح، فلذلك خُفِّف فيه.
طالب: المشقة يا شيخ في الخمر، القناع أشد منها ().
الشيخ: إي نعم، وهذا الذي جعلهم يبيحونه.
الطالب: () القاعدة.
الشيخ: سبحان الله العظيم، حتى بعد أنا أنسى، وأجيب.
(في حدث أصغر)، قوله: (في حدث أصغر) مُتعلق ب - (يجوز)، شوف الآن (يجوز في مدة معينة)، و(في حدث أصغر)، وعلى الخف بشروطه، والعِمامة بشروطها، والخمار بشروطه، فالشروط العامة أن يكون في المدة المحددة شرعًا وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، الثاني: أن يكون في حدث أصغر، هذه اثنان، الثالث: أن يكون الملبُوس طاهرًا، الرابع: أن يكون مُباحًا هذه أربعة عامة.
في الشروط الخاصة في الخُفّ: أن يكون ساترًا للمفروض، ويثبت بنفسه، العمامة ما يُشترط أن تكون ساترة للمفروض، والْخُمر في الغالب تكون ساترة للمفروض.
طالب: من حدث من بعد اللّبس.
الشيخ: لا، هذا ابتداء المدة، ما له دخل.
طالب: الطهارة.
الشيخ: بيجينا.
يقول: (في حدث أصغر)، الحدث الأصغر: هو ما أوجب الوضوء، ولكن ما هو الحدث؟
يقولون: إن الحدث هو وَصْف أيش؟ قائم بالبدن، يمنع الصلاة ونحوها مما تُشترط له الطهارة، ما هو شيء محسوس، لكنه وصف قائم بالبدن، يمنع الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وهو قسمان: أكبر وأصغر؛ فما أوجب الوضوء فهو أصغر، وما أوجب الغسل فهو أكبر، إذن هذه الثلاثة: الْخُفّ، والعمامة، والْخُمُر إنما تمسح في ماذا؟ في الحدث الأصغر فقط، ما هو الدليل؟
[ ١ / ٢٨٥ ]
الدليل حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كُنَّا سَفْرًا ألا ننزع خفافنا إلا من جَنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم (٨).
شوف إلا من جنابة؛ هذا الحدث الأكبر، ولكن من غائط وبول ونوم؛ هذا الحدث الأصغر، فإذن لو حصل على الإنسان حدث أكبر وهو يمسح الخفين في مدة المسح، هل يمسح أم لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يمسح؛ لأن الحدث الأكبر ليس فيه شيء ممسوح، لا أصلي ولا فرعي، إلا الجبيرة كما سيأتي، أما في حال الاختيار ما فيه شيء ممسوح حتى الشعر؛ شعر الرأس يجب أن يُغسل.
(في حدث أصغر وعلى جَبِيرة) يعني ويجوز المسح على جَبِيرة.
فيه ملاحظة: بعض العلماء يقول: إن العمامة لا يُشترط لها توقيت؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه وَقَّتَها؛ ولأن طهارة العضو التي هي عليه أخفّ من طهارة عضو الخُفّ، فلا يمكن إلحاق هذا بهذا، وممن ذهب إلى هذا الشوكاني في نيل الأوطار، وجماعة من أهل العلم: على أن العمامة متى كانت عليك فامسح، إذا لم تكن عليك فامسح الرأس، ولا توقيت فيها.
قال المؤلف: (وعلى جبيرة) جبيرة (فَعِيلة) بمعنى (مَفْعُولة) ولَّا بمعنى (فَاعِلَة)؟
طلبة: فاعلة.
الشيخ: ما هي الجبيرة علشان نعرف؟ فيه فعيلة بمعنى (فَاعِلة)، وبمعنى (مَفْعُول)، الجبيرة هي أعواد تُوضع على الكسر، ثم يُربط عليها ليتلاءم الكسر، هذه الجبيرة، وبدلها الآن الجِبْس.
إذا كانت هذه هي الجبيرة تكون جبيرة بمعنى (جابِرة)، ولَّا بمعنى (مجبُورة)؟
طلبة: جابِرة.
[ ١ / ٢٨٦ ]
الشيخ: بمعنى (جابِرة)، هذه ما دمنا نطلقها على الأعواد، وأما (جَبِير) للمكسور؛ فهي بمعنى (مفعول)؛ أي: (مجبُور)، ويسمى الكَسِير جبيرًا من باب التفاؤل، كما يسمون اللديغ سليمًا؛ مع أنهم ما يدروا يسلم ولَّا ما يسلم، الأرض القفر اللي ما فيها أحد، ولا ماء، ولا شيء تُسمَّى مفازة، واحد بيفوز بأرض ما فيها لا ماء، ولا نبات، ولا شيء، هذه محل فوز، ولا محل شقاء، لكن يسمونها مفازة من باب التفاؤل.
(على جبيرة) لكن لها شروط (لم تتجاوز قدر الحاجة)، هذا الشرط من الشروط ألا تتجاوز قدْر الحاجة (تتجاوز): بمعنى (تتعدَّى)، فما هي الحاجة؟
الحاجة: هي الكَسْر، وكل ما قرب منه مما يُحتاج إليه في شدها، وليس الكسر، فالكسر فقط ما يمكن تنجبر؛ فمثلًا إذا كان يمكن أن نجعل العيدان طولها شبر، أنا ما أعرف السنتي ولا ما سنتي، ممكن نجعلها شبر وشوي؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه زائد عن محل الحاجة.
الشيخ: لأنه زائد عن محلّ الحاجة، إذا كان ممكن نجعلها أربعة أصابع؛ يعني يمكن تنشد وتنضبط بأربعة أصابع، يمكن نجعلها خمسة؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن، هل يجب أننا نأخذ أربطة دقيقة، أو يجوز حتى في الأربطة الغليظة؟
ننظر إن احتجنا إلى الغليظة ربطنا بها إن لم نحتجْ أخذنا الدقيق، وعلى هذا فالحاجة نفسِّرها بماذا؟ هي موضع الكسر وما قرب منه مما يُحتاج إليه في الشد؛ لو كان كسر في الأصبع، لكن يحتاج نربط كل الراحة علشان تستريح اليد، هل هذه حاجة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، حاجة ما نقول: والله الكسر في الأصبع، لا تشد إلا الأصبع فقط، ما دمنا نحتاج إلى شد هذا الكسر فكل حاجة لنا.
الشرط الثاني يقول: (لم تتجاوز قدر الحاجة ولو في أكبر) (لو) هنا إشارة خلاف أو رفع توهّم، هي رفع توهم؛ لأنه بالأول قال: (في حدث أصغر)، ولو لم يقل: (ولو في أكبر)، لكنا نظن أنها لا يجوز المسح عليها إلا في الحدث الأصغر، وهي يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر.
[ ١ / ٢٨٧ ]
أولًا: الدليل؛ الدليل: حديث صاحب الشجة على القول بأنه حديث تثبت به الحجة، وأنه حسن، فإن الرسول ﵊ قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا» (٩)، وهذا في الجنابَة؛ لأن الرجل أجنب.
والتعليل: هو أن المسْح على الجبيرة من باب الضرورة؛ والضرورة لا فرْق فيها بين الحدَث الأصغر والأكبر، بخلاف المسح على الخفين فهو رُخصة.
والجبيرة ضعيفة، ولكن يُجبر بعضها بعضًا؛ وهي جبيرة أدلتها مجبورة؛ يجبر بعضها بعضًا، ثم إنها يمكن أن نقيسها ولو من بعيد على المسح على الخفين، فنقول: إن هذا عضو مستور بما يجوز لبسه شرعًا فيكون فرضه المسح، ولكن هذا القياس فيه شيء من الضعف؛ لأن المسْح على الخفين رُخصة مُؤقّت، وهذه عزيمة وغير مؤقّت.
والمسْح على الخفين يكون في الحدث الأصغر، وهذا في الأصغر والأكبر، والمسح على الخفين يكون على أكثر ظاهر القدم، وهذه يكون على جميعها، ففي القياس شيء من النظر، لكن من حيث الأصل، وهو أن هذا العضو الواجب غسله سُتِر بما يسوغ ستره به شرعًا، فجاز المسْح عليه كالخفين؛ ولأن المسح ورد التعبد به من حيث الجملة، فإذا عجزنا عن الغسل انتقلنا إليه كمرحلة أخرى، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا مسح على الجبيرة؛ لأن أحاديثها ضعيفة، ولم يرَ أن ينجبر بعضها ببعض، ولم يرَ القياس كابن حزم -﵀- فإن ابن حزم لا يرى المسح عليها.
ثم اختلف القائلون بأنه لا يجوز المسح، هل يسقط الغسل إلى غير بدل، أو يسقط إلى بدل، وهو التيمم بأن يتوضأ ويغسل ما أمكنه غسله من أعضاء الطهارة، ويتيمم عن الموضع الذي فيه الجبيرة ().
فيه، والعجز عن البعض كالعجز عن الكل؛ فيتيمم.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وقال آخرون ممن لا يرون المسح على الجبيرة: إنه لا يتيمم؛ لأنه عجز عن غسل هذا العضو فسقط كسائر الواجبات، وهذا أضعف الأقوال أنه يسقط الغسل إلى غير تيمُّم، ولا مسح؛ لأننا نقول: العضو موجود، ليس بمفقود حتى يسقط فرضه، أما لو قُطعت اليد صح، يسقط الفرض؛ فالعضو الآن موجود عجز عن التطهر بالماء فيه، فيتطهر ببدله.
وربما يعمّه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فإن هذا مريض، فإن الكسر أو الجرح نوع من المرض، ولكن عندما نقول: إنه لا بد من التيمم أو المسح، أيهما أقرب إلى الطهارة بالماء؟ المسح؛ لأنه طهارة بالماء، وذاك مسح طهارة بالتراب، ثم إن التيمم أيضًا قد يكون في غير محل الجبيرة؛ لأن التيمم في الكفين والوجه فقط، والجبيرة قد تكون في الذراع، قد تكون في العضد، قد تكون في الساق، وقد تكون في الفخذ، وقد تكون في البطن، ممكن، فأقرب الأقوال هذه الثلاثة هو: جواز المسح عليها، ولكن هل يجمع بين المسْح والتيمم؟
قال بعض أهل العلم: نعم، يجب الجمع بين المسْح والتيمم احتياطًا. ولكن الصحيح: أنه لا يجب الجمع بينهما؛ لأن القائلين بوجوب التيمم لا يقولون بوجوب المسح، ولا العكس، وكوننا نُوجب طهارتين لعضو واحد خلاف القواعد الشرعية ولَّا لا؟ لأنه يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا.
أما أن نُوجب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظيرَ له في الشريعة، ولا يُكلِّف الله تعالى عبدًا بعبادتين سببهما واحد، ولكن مع هذا يقول العلماء -﵏-: إن الجرح ونحوه إمَّا أن يكون مكشوفًا أو مستورًا.
فإن كان مكشوفًا فالواجب غسله بالماء، فإن تعذَّر فمسح الجرح نفسه، فإن لم يمكن ولا المسح؛ تعذَّر حتى المسح فالتيمم، وحينئذٍ يكون للجرح أو الكسر المكشوف كم حالة؟
طلبة: ثلاثة.
[ ١ / ٢٨٩ ]
الشيخ: ثلاث حالات؛ يعني مراتب؛ المرتبة الأولى: الغَسْل، المرتبة الثانية: المسْح، المرتبة الثالثة: التيمُّم، على الترتيب، أما إذا كان مستُورًا بما يسوغ ستره به، فإنه ليس فيه إلا المسح فقط، قد يضره المسح حتى ولو كان مستورًا، ربما يضره المسْح، نعدل إلى التيمم، كما لو كان مكشُوفًا، هذا ما ذكره الفقهاء -﵏- في هذه المسألة.
يقول ﵀: (ولو في أكبر) (لو) ليست هنا إشارة خلاف، ولكنها رفع توهُّم، لما قال: في العمامة والخمار والخفين (في حدث أصغر)، أراد أن يرفع الوهم عن مسح الجبيرة، هل يكون خاصًّا في الحدث الأصغر أو حتى في الأكبر، فقال: (ولو في أكبر)، والفرق بين الحدث الأكبر والأصغر؛ الأكبر ما أوجب الغسل، والأصغر ما أوجب الوضوء، هذا الفرق بينهما، وأيهما أغلظ؟
الأكبر الأغلظ؛ ولهذا يحرم على من عليه حدث أكبر ما لا يحرم على من عليه حدث أصغر كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في نواقض الوضوء.
قال: (إلى حَلِّها) يعني يمسح على الجبيرة إلى حلِّها، وكسْر الحاء لحن فاحش مُغيِّر للمعنى؛ لأنه لو قال: إلى حِلِّها؛ يعني الآن هي مُحرَّمة، وهذا يفسد المعنى، ولكنها إلى حَلِّها؛ أي: إزالتها، ومتى تزال؟
تزال إذا برئ، يجب إذا برئ الجرح أن تُزال.
لو قال قائل: أبغي أخليها مع بُرْء الجرح، قلنا: هذا حرام، ما يجوز؛ لأن السبب الذي من أجله جاز الوضع والمسح قد زال، وإذا زال السبب انتفى المسبّب.
قال: (إلى حَلِّها إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) (ذلك) المشار إليه الأنواع الأربعة كلها؛ الخف، والعمامة، والخِمار، والجبيرة، إذا لبسها بعد كمال الطهارة.
قال: (بعد كمال)، ولم يقل: بعد الطهارة؛ حتى لا يتجوَّز مُتجوِّز بكلمة الطهارة، ويقول: بعد الطهارة؛ أي: بعد أكثرها، بل قال: (بعد كمال الطهارة)؛ فلو أن رجلًا عليه جنابة، وغسل رجليه، ولبس الخفين، ثم أكمل الغسل، ما تقولون؟ يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الشيخ: ما يجوز، ليش؟
طلبة: ما أكمل الطهارة.
الشيخ: ما أكمل الطهارة، صحيح أن الرِّجْلين طهرتا؛ لأن الغسل من الجنابة ما فيه ترتيب، لكن لم تكمُل الطهارة.
رجل آخر توضأ، غسل وجهه ويديه، ومسح رأسه وأذنيه، وغسل رِجله اليمنى، ثم أدخلها الخُفّ، ثم غسل اليسرى فأدخلها الخُفّ.
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: أعِدْ، كيف؟ !
طلبة: ().
الشيخ: هذا رجل توضَّأ، غسل رجله اليمنى، ثم أدخلها الخف، ثم غسل اليسرى.
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: هل يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: انتظر، إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة، هو لما لبس الخُفّ اليمنى، لبسه قبل أن يكمل الطهارة، ما كمل الطهارة، ويش باقٍ عليه؟ باقٍ عليه غسْل اليسرى، فلا بد أن يغسل اليسرى قبل أن يُدخل الرجل اليُمنى الخف.
المؤلف يقول: (بعد كمال الطهارة)، وهذا هو المشهور من المذهب؛ وذلك لأن قوله ﷺ: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (١٠).
كلمة: «طَاهِرَتَيْنِ» وصْف للقدمين، فهل المعنى أدخلتُ كُلَّ واحدة وهما طاهرتان، فيكون أدخلهما بعد كمال الطهارة؟
أو أن المعنى: أدخلت كل واحدة طاهرة، فتكون الصورة التي ذكرنا جائزة؟ يحتمل، صحيح أنه يحتمل؛ ولذلك اختلف العلماء؛ فالمذهب -كما رأيتم- لا بد أن يكمل الطهارة قبل أن يلبس الخُفّ.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أنه يجوز إذا طهر اليمنى أن يلبس الخُفّ، ثم يُطهِّر اليسرى ويلبس، وقال: إنه أدخلهما طاهرتين، وما أدخل اليمنى إلا بعد أن طهَّرها، ولا أدخل اليسرى إلا بعد أن طهَّرها، فيصدق عليه أنه أدخلهما طاهرتين.
ولكن -على المذهب- لو فرض أن رجلًا فعل هذا الفعل، ماذا يصنع؟ نقول: اخلع اليمنى، ثم البسها؛ لأنك إذا لبستها بعد خلعها لبستها بعد كمال الطهارة.
[ ١ / ٢٩١ ]
فشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- يقول: هذا شيء نوع من العبث، إيش معنى أني أخلعها وألبسها؟ ! هذا لم يؤثِّر شيئًا، ما دام تقولون: لا يجب إعادة تطهير الرجل فقد حصل المقصود، لكن هناك حديث رواه أهل السنن: أن النبي ﷺ جعل للرجل إذا توضَّأ فمسح خُفَّيْه أن يمسحَ يومًا وليلة (١١).
فقوله: إذا توضأ ولبس خُفَّيْه، قد يُرجِّح المشهور من المذهب؛ لأن من لم يغسل الرِّجل اليسرى لا يصدق عليه أنه توضأ، وهذا ما دام هو الأحوط أيضًا فسلوكه أوْلى، ولا نجسر على شخص غسل رجله اليمنى، ثم أدخلها الخف، ثم غسل اليسرى وأدخلها الخُفّ، لا نجسر أن نقول: أعِدْ صلاتك ووضوءك، لكننا نأمر من لم يفعل ألا يفعل احتياطًا.
طالب: ما يكون نشف العضو قبل أن ().
الشيخ: كيف نشف؟
طالب: تنشيف، إذا لبس الخف اليمنى فقد نشفها قبل أن يلبس اليسرى.
الشيخ: ما يظهر هذا بغير الشيء المعتاد؛ ولهذا تقدمنا ألا ينشف العضو الذي قبله بزمن معتدل، ما يكون سببًا له، أما هذا هو اللي نشفه.
إذن المسألة كلام المؤلف: (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) يدل على -ما ذكرنا- أنه لو غسل رجله اليمنى، ثم أدخلها الخف ما صح.
طالب: استدلالهم بالحديث هل هو ()؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: توضأ، ولبس الخف.
الشيخ: إي، لكن قال: إذا توضأ، ما يصدق عليه أنه توضأ إلا بعد أن يكمل.
طالب: ().
الشيخ: لا، على كل حال، إحنا ويش قلنا الآن؟ أيش؟ كل حال قلنا: كوننا نُلزم الإنسان أن يُعيد صلاته إذا فعل هذا الفعل هذا شيء ما يجسر عليه، لكن كوننا نأمره ألا يفعل، هذا طيب، ونقول: بدلًا من أنك تلبسها اصبر أنت دقيقة واحدة حتى تغسل الرجل اليسرى، والبس، ثم هو أحسن لك أيضًا ألَّا تلبس حتى تُنشّف رجليك؛ لأنك إذا لبست على طول دخّلت الرجل وهي رطبة يكون براد عليك ولًّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يكون براد عليك؛ تبرد، وربما تحصل رائحة كريهة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
[ ١ / ٢٩٢ ]
الشيخ: إي نعم، كونك تبقى أحسن.
طالب: أقول: يخمر الرِّجل ويسير ..
الشيخ: هذا ما يصلح حتى لو يخمر، ما له حاجة يخمر رجله، اللهم إلا إنسان فيه شطوب في عراقيبه بيخمرها علشان يلين، يمكن.
الطالب: أقول: سبب للرائحة.
الشيخ: إي نعم، الرائحة، قُل: تسخم، ما هي تخمر.
يقول: (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) حتى الجبيرة، لو أن إنسانًا كُسِر، وراح مثلًا المستشفى يتجبَّر، يقول: لا تجبروني، لازم يروح يتوضَّأ قبل، وإن كان عليه جنابة لازم يغتسل قبل، يا ناس، الرِّجل الآن منفصل بعضها من بعض، نعم، تومئ هكذا، قال: لازم، قال: يروح يتغسل ويجيء، ولكن اشتراط كمال الطهارة في الجبيرة قول ضعيف جدًّا.
أولًا: لأن المسْح عليها عزيمة وضرورة.
ثانيًا: أنها تأتي مفاجأة، ما هي مثل الخف متى شئت لبسته. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من الأصحاب، وهو رواية عن أحمد قوية اختارها كثير من الفقهاء؛ أن الجبيرة لا يُشترط لها أن يلبسها على طهارة، وعلى هذا فيكون هذا من الفروق بين الجبيرة والْخُفّ.
وإذا شئتم أن نعُدّها -الفروق بين الجبيرة والْخُفّ- حتى نحصيها؛ لأن العِلم بالفروق والتقاسيم والضوابط هذا مُهم لطالب العلم، مثلًا نقول: الجبيرة لا تختص بعضوٍ معين، و() تختص بعضوٍ معين؛ وهو الرِّجل في الْخُفّ، والرأس في العِمامة والخِمار بخلاف الجبيرة.
وبذلك نعرف خطأ بعض المفتين الذين أفتوا بأن المرأة يجوز لها أن تلبس (المناكير) لمدة يوم وليلة، (المناكير) جمع (مِنْكار)، ولًّا لا؟
طالب: صيغة منتهى الجموع هذه.
الشيخ: إي نعم، صيغ منتهى الجموع (مناكير).
طالب: جمع (مُنكِر) يا شيخ.
الشيخ: لا؛ لأن مناكير ما تكون إلا إذا كان المفرد خماسيًّا قبل آخره حرف عِلَّة (عصفور) و(عصافير)، (مِفتاح) (مَفاتِيح)، هذا نقول: (منكُور) خليه (منكُور) مفرد، و(مناكِير) جمع.
[ ١ / ٢٩٣ ]
على كل حال نقول: هذا غير صحيح؛ لأن المسح إنما ورد فيما يُلبس على الرأس وعلى الرجل فقط؛ ولهذا لما كان الرسول ﵊ في غزوة تبوك عليه جُبَّة شامية كان أكمامها ضيقة أراد أن () يتوضأ ﵊ ما استطاع؛ طلع إيده هكذا، وطلع من تحت حتى صبَّ عليه المغيرة (١٠)، لو كان المسح يجوز في مثل هذا الحال على غير الرأس والرِّجل كان يمسح على هذا الكم، ويمشي، إذن هذا فرق.
الفرق الثاني: المسح على الجبيرة جائز في الحدثين، وعلى الثلاثة الأخرى في الحدث الأصغر.
الفرق الثالث: المسح في الثلاثة مؤقت، وفي الجبيرة غير مؤقت.
الفرق الرابع: الثلاثة تُلبس لا بد على الطهارة على اختلاف بين العلماء في العِمامة والخِمار، وهذه لا يُشترط لها الطهارة.
قال المؤلف ﵀ ..
طالب: بدأنا بتعديد الفروق بين ..
الشيخ: عددنا أظن أربعة فروق، من يأتي إلينا منها بواحد، مؤلف؟
الطالب: ().
الشيخ: قال: (ومن مسح في سفر، ثم أقام) فإنه يتم مسح مقيم، إن بقِي من المدة شيء، وإن انتهت المدة خلع؛ مثال ذلك: رجل مسافر أقبل على بلده، وحان وقت الصلاة، فمسح، ثم وصل إلى البلد، هل يتم مسح مسافر؛ ثلاثة أيام، أو مسح مقيم يوم وليلة؟
مسْح مقيم يتم؛ لأن المسْح ثلاثة أيام لمن كان مسافرًا، والآن انقطع السفر، فكما أنه لا يجوز له قَصْر الصلاة لما وصل إلى بلده، فإنه لا يجوز له أن يُتِمّ مسْح المسافر، انتهى.
فإذا كان قد مضى على مسْحه يوم وليلة، ووصل بلده، ماذا يصنع؟ يخلع؛ لأنه انتهى المسْح، وإن مضى يومان يخلع ولَّا لا؟
طلبة: يخلع.
الشيخ: يخلع، وإن مضى يوم دون ليلة.
طلبة: بقي له ليلة.
الشيخ: بقي له ليلة، ولهذا قال: (يتم مسح مقيم).
[ ١ / ٢٩٤ ]
(أو عكس)، ويش معنى عكس؟ يعني مسح في إقامة، ثم سافر، فإنه يُتم مسْح مُقيم، كيف يتم مسْح مُقيم ليش؟ قالوا: تغليبًا لجانب الحظر، لنفرض أنه مسح يومًا وهو مقيم، ثم سافر، بقي عليه ليلة، تمت الليلة، ما بعد الليلة فيه مُبيح وحاظر؛ السفر يبيحه والحظر لا يبيحه، يمنعه، قالوا: فنُغلِّب جانب الحظر احتياطًا، عرفتم الآن ولَّا لا؟
الصورة واضحة، والتعليل واضح؛ لأنه بعد تمام اليوم والليلة، ما زاد على ذلك فيه مُبيح وحاظر؛ الإقامة تمنعه، تحظره، والسفر يُبيحه، فحينئذٍ يُؤخذ بالحاظر؛ لأن الأخذ بالحاظر أحوط؛ فإنك إذا خلعت وتوضأت وغسلت قدميك؛ لا شُبهة بعبادتك بعد هذا، وإن أنت مسحت؛ صار في عبادتك شبهة، وقد قال النبي ﵊: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١٢).
والرواية الثانية عن أحمد: أنه يُتم مسْح مسافر كالعكس؛ لأنه وُجد السبب الذي يَستبيح به هذه المدة، قبل أن تنتهي مدة المقيم، أما لو انتهت مدة المقيم؛ مثل أن تم له يوم وليلة في مسْحه، ثم سافر بعد ذلك قبل أن يمسح، ففي هذه الحال يجب عليه أن يخلع.
أما والمسح باقٍ وقد وُجِد السبب الذي تمتد به المدة فإنه يبقى، وهذه الرواية قيل: إن الإمام أحمد -﵀- رجع إليها، وأنه رجع عن قوله الأول والله أعلم، لكن هذه رواية قوية؛ بأنه إذا بدأ في المسح مُقيمًا ثم سافر؛ فإنه يُتم مسْح مسافر.
فيه مسألة نذكرها استطرادًا؛ لو دخل الوقت عليه، ثم سافر، هل يصلي صلاة مسافر أو صلاة مقيم؟
طالب: صلاة مقيم.
الشيخ: المذهب: يُصلي صلاة مقيم، والصحيح أنه يُصلِّي صلاة مسافر.
هذه قريبة من هذه؛ لأنه الآن صلَّاها وهو مسافر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، كما أنه لو دخل الوقت عليه وهو مسافِر، ثم وصل إلى بلده يُتِمّ.
[ ١ / ٢٩٥ ]
يقول المؤلف: (أو شك في ابتدائه)؛ يعني هل مسح وهو مسافر أو مسح وهو مقيم؟ فإنه يُتم مسح مقيم ليش؟ احتياطًا.
وبناءً على القول الثاني يُتم مسح مسافر؛ لأن القول الثاني يقول: حتى لو تيقَّن أنه مسح وهو مقيم؛ فإن له أن يُتم مسح المسافر، لكن هذا الذي قال المؤلف: (أو شك في ابتدائه) مبني على المذهب.
فهذه ثلاث مسائل: إذا مسح في سفر ثم أقام، أو مسح مقيمًا ثم سافر، أو شك هل ابتدأ المسح في السفر أو في الإقامة؛ في هذه المسائل الثلاث الواجب عليه أن يُتم مسح مقيم.
والصحيح أنه إذا مَسح مسافرًا، ثم أقام؛ يُتم مسح مقيم، وإذا مسح مقيمًا، ثم سافر؛ يتم مسح مسافِر، ما لم تنتهِ المدة قبل سفره، فإن انتهت مدة الحضر قبل سفره فلا يمكن أن يمسح.
يقول: (وإن أحدث، ثم سافر قبل مسحه؛ فمسح مسافر) أحدث وهو مقيم.
(ثم سافر) قبل أن يمسح، فإنه يُتم مسْح مسافر؛ لأنه لم يبتدئ المسح في الحظر، وإنما كان ابتداء مسحه في السفر.
وبناءً على هذا يتبين لنا رُجحان القول الذي رجَّحانه من قبل؛ من أن ابتداء مُدة المسْح مِن المسْح لا من الحدَث، هم هنا وافقوا أن الحكم مُعلَّق بالمسح لا بالحدث، وهذا مما يُرجِّح القول الذي أشرنا إليه من قبل، ويُلزِم المذهب أو أصحاب المذهب -﵏- بأن يقولوا بالقول الصحيح، أو يطردوا القاعدة، ويجعلوا الحكم مَنوطًا بالحدث، ويقول: إذا أحدث، ثم سافر، ومسح في السفر، فيلزمه أن يمسح مسْح مُقيم، وإلا حصل تناقض.
قال: (ولا يمسح قلانس ولفافة، ولا ما يسقط من القدم، أو يُرى منه بعضُه) (لا يمسح القلانس)، ويش القلانس هذا؟ القلانس نوع من اللباس اللي يوضع على الرأس، وهي عبارة عن طاقية كبيرة شوي يلبسها الإنسان، ممكن أن نقول: نقرّبها إلى الأذهان بالقبع، تعرفون القبع؟ معروف القبع؛ شيء يُلبس على الرأس من الصوف، ويفتح للوجه.
طالب: جحفية يا شيخ.
طالب آخر: طربوش هذا.
[ ١ / ٢٩٦ ]
الشيخ: يُسمى طربوش وجُحفية، على العموم هذا الذي يُلبس على الرأس يقول المؤلف: إنه (لا يمسح القلانس)، لماذا؟ لأن الأصل وُجوب مسْح الرأس عُدِل عن الأصل في العِمامة لورود النص بها، فيبقى ما عداه على الأصل؛ وهو وجوب مسْح الرأس؛ لأن الله ﷿ يقول في القرآن: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الحائل يمنع أن نمسح بالرأس، تُستثنى العمامة؛ لورود النص بها، وعلى هذا فالقلانس لا تُمسح؛ يخلعها الإنسان، ويخلع عن رأسه، ويمسح.
وقال بعض الأصحاب -﵏-: إنه يمسح القلانس، ولا حرج إذا كانت مِثْل العمامة يشق نزعها؛ فإنها تمسح، أما ما لا يشق نزعه مثل الطاقية هذه المعروفة عندنا أو الغترة ما يمسح؛ ففرق بين الشيء الذي يشق نزعه، ويحتاج في خلعه وَرَدِّهِ إلى نوع من العناء، هذا يُمسح عليه، والشارع لا يُفرِّق بين مُتماثلين، ولا يجمع بين مفترِقين؛ لأن الشرع من لدن حكيم خبير جل وعلا، والعبرة في الأمور بماذا؟ بمعانيها، لا بصورها؛ فالعبرة بالمعاني، وما دام الشارع أجاز أن نمسح على العمامة، فما كان مثلها في مشقة النزع فإنه يُعطى حكمها.
وأما قوله: (ولفافة)؛ فاللفافة هذه في القدم؛ يعني ولا يمسح الإنسان لفافة لفها على قدمه؛ لأنها ليست بخف، فلا يشملها حكمه.
اللفافة هل يمكن أحد يلفها على رجله؟ نعم، في زمن مضى حين كان الناس في إعواز وفاقة، لا يجدون خُفًّا، فيأتي الإنسان ويأخذ خِرقًا يلفها على رجله ويربطها؛ لأن ما عندهم شيء، مثل هؤلاء لا يجوز لهم المسح؛ والعلة؛ لأن الأصل وجوب غَسْل القدم، خُولِف هذا الأصل في لابس الْخُفّ، لماذا؟ لورود النص به، فيبقى ما عداه على الأصل.
[ ١ / ٢٩٧ ]
والعِلَّة في هذه، أو سوق الدليل على هذا الوجه ممكن أن نرده كما رددناه في العمامة؛ ولهذا اختار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أنه يجوز المسْح على اللفافة، وقال: إن اللفافة يُعذر فيها صاحبها أكثر من الخف، أيما أسهل أن تخلع الخف تغسل الرجل وتلبس الخف أو أن تحل هذه اللفافة، ثم تعيدها مرة أخرى؟
طلبة: الخف أهون.
الشيخ: الخف أهون، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فإذا كان الخف قد أباح الشرع المسح عليه، فاللفافة من باب أولى، ثم إن السرية التي بعث النبي ﵊، وأمرهم أن يمسحوا على العَصائِب وعلى التَّساخِين (١)؛ فإنه يمكن أن نأخذ من كلمة (التساخين) جواز المسح على اللفافة؛ لأنه يحصل بها تسخين القدم.
والغرض الذي من أجله تُلبس الخِفاف موجود في من يلبس اللفافة، والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في هذا.
قال: (ولا ما يسقط من القدم)، يعني ولا يمسح ما يسقط من القدم، وهذا بناءً على ما سبق؛ أنه يشترط ثبوته بنفسه أو بنعلين إلى خلعهما، الذي يسقط من القدم لا يجوز المسح عليه، لماذا؟ لأنه خُفّ غير مُعتاد، فلا يشمله النص، الناس ما هم يلبسون خفافًا .. نهض الإنسان رجله ليمشي، سقط الخف، ولَّا لا؟ أحد بيلبس هذا الخف؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما أحد لبسه، ويش الفائدة أني نزعت رجلي؟ سقط الخف، ثم أخذته، إذا خطوت أخذته، ولبست الثاني، ولما بأخطو الثانية سقط، هذا ما يمكن إلا مثلما قال الأخ بيسحب سحب رجليه، هذا يمكن ما يسقط، هم يقولون ما دام خفًّا غير معتاد فإنه لا يجوز المسح عليه، وهو -في الواقع- فيمن يمشي لا شك أنه لا يلبسه أحد، لكن لو فرضنا أن رجلًا لا يمشي؛ مريض مُقْعد، يُدخل رجله في هذا الخف لأجل تدفئتها، فهل يجوز المسح أو لا يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
[ ١ / ٢٩٨ ]
الشيخ: على كلام المؤلف لا يجوز؛ لأن الذي يسقط من القدم أيضًا سيكون واسعًا، وإخراج هذا الرَّجُل رِجْله من هذا الخف سهْل يسير؛ فيُخرجها، ويغسلها، وينشِّفها، ويردّها ثانية.
(ولا يُرى منه بعضه)؛ يعني ولا يمسح، ما يرى منه بعضه، كيف؟ يعني إذا كان الخُف يُرى منه بعض القدم؛ فإنه لا يُمسح، ولو كان البعض قليلًا؟ نعم، وهذا مبنيّ على ما سبق من اشتراط أن يكون الخف ساترًا للمفروض، فإذا كان يُرى منه بعض القدم؛ فإنه لا يمسح، وسواء كان يُرى من وراء حائل، أو يُرى من دون حائل، كيف يُرى من وراء حائل؟ مثل أن يكون خفيفًا، أو يكون زجاجًا، لو فُرض أن هذا الخف فيه مثلًا على قدْر العين زجاجة تشوف الخُف من ورائها، لكنه حائل ..
طالب: القدم.
الشيخ: القدم في الخف شيء على قدر العين من الزجاج، القدم يُرى من ورائه، ولكنه حائل ولَّا غير حائل؟
طلبة: حائل.
الشيخ: حائل، فعلى المذهب لا يجوز المسْح عليه، وسبق لنا الخلاف في هذه المسألة، وأن الصحيح جواز ذلك للإطلاق.
ثم انتقل المؤلف إلى مسألة تقع كثيرًا، قال: (فإن لبس خُفًّا على خُفّ قبل الحدَث فالْحُكم للفوقاني)، هذا يقع ولَّا ما يقع؟
طلبة: يقع.
الشيخ: يقع، مثل: الشراب والكنادر، هذا خف على خف، ونحن أولًا: نبحث هل يجوز المسح عليهما؟ قبل أن نعرف هل المسح على الأعلى ولا على الأسفل، هل يجوز المسح عليهما أم لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إن كانا مُخرَّقين لم يجُز المسح عليهما على المذهب ولو سترا؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد لم يجز المسح عليه؛ فلا يمسح عليهما؛ مثاله: لبست شرابتين واحدة مخروقة من الأسفل، وواحدة مخروقة من الأعلى، الآن الستر حاصل ولَّا غير حاصل؟
طلبة: حاصل.
الشيخ: حاصل، لكن لو انفردت كل واحدة منهما لم يَجُز المسح عليها، فلا يجوز المسح عليهما، لا على الأعلى، ولا على الأسفل، كذا؟
لو كانا صحيحين، لو كانا الْخُفَّان صحيحين؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: جاز المسح عليهما؟
[ ١ / ٢٩٩ ]
طلبة: إي نعم.
الشيخ: واضح؛ لأن كل واحد منها لو انفرد جاز المسْح عليه.
لو كان أحدهما سليمًا والآخر مُخرَّقًا؟
يقولون: إنه يجوز المسْح عليهما؛ لأنه حصل الستر، وأحدهما لو انفرد؛ جاز المسح عليه، فيجوز المسح عليهما في هذه الحال، فصار الآن إما أن يكونا مخرقين، أو سليمين، أو الأعلى سالمًا والأسفل مُخرّقًا، أو بالعكس، فيجوز المسح في ثلاث صور:
إذا كانا سليمين، وإذا كان الأعلى سليمًا والأسفل مُخرَّقًا، أو بالعكس، في هذه الصور الثلاث يجوز المسح، وإذا كانا مُخرَّقين لم يجُز المسح.
والصحيح: أنه يجوز المسح عليهما مُطلقًا، بناءً على أنه لا يُشترط ستر محل الفرض ما دام اسم الْخُفّ باقيًا.
إذا لبس خُفًّا على خُفّ، فهل الحكم للأعلى؟ يعني إذا لبس على وجه يصح المسح، فهل يكون الحكم للأعلى أو للأسفل؟
طلبة: للأعلى.
الشيخ: لا، فيه تفصيل؛ نفصّل على المذهب، وبعدين نشوف؛ إن كان قبل الحدث يقول المؤلف: (فالحكم للفوقاني)، وإن كان بعد الحدث (فالحكم للتحتاني)؛ فمثلًا هذا رجل لبس شرابًا، ثم أحدث، ثم لبس شرابًا آخر.
طلبة: للأسفل.
الشيخ: الحكم للأسفل؛ يعني لا يمكن أن يمسح على الأعلى، فإن لبس الأعلى بعد أن مسح الأسفل فالحكم للأسفل.
طالب: ().
الشيخ: لا، أحدث، هذا رجل لبس الشّرابة، ثم أحدث ومسح عليها، ثم صار في آخر النهار برد شديد فلبس شرابة أُخرى فوق العليا، لكنه لبسه وهو على طهارة ..
طالب: طهارة مسح.
الشيخ: إي، على طهارة مسْح، هل الحكم للأول للتحتاني ولَّا للفوقاني؟
المذهب -كما ترى- الحكم للتحتاني؛ لأنه لبسه بعد الحدث، ولا يكون الحكم للفوقاني إلا إذا لبسه قبل الحدث.
وقال بعض أهل العِلْم: إنه إذا لبس الثاني على طهارة؛ جاز المسْح عليه، يجوز المسح عليه؛ لأنه يصدُق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين، فإذا كان يصدق عليه فالحديث: «دَعْهُمْا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (١٠).
[ ١ / ٣٠٠ ]
والأصحاب -﵏- نصوا على أن المسْح على الخفين رافع للحدث، ما هو كالتيمم مُبيح على رأيهم؛ فالآن لبس الخف الثاني على طهارة تامّة، فلماذا لم يَمسح؟ وهذا القول قوي جدًّا؛ لأن علّته ظاهرة، أما لو لبس الثاني وهو مُحدِث فإنه لا يمسح؛ لأنه لبسه على غير طهارة.
طالب: ().
الشيخ: نعم، الأخيرة بعد أن مسح الأول أحدث، ثم لبس الثاني وهو مُحدِث؛ فلا يمسح الآن؛ لأنه لبسه على غير طهارة.
طالب: فإذا لبس قبل الحدث الحكم للفوقاني ولَّا للتحتاني؟
الشيخ: الحكم للفوقاني يمسح الأعلى.
طالب: ولا يجوز المسح عليه؟
الشيخ: اصبر، بارك الله فيك؛ يمسح الأعلى، لكن هل يجوز أن يمسح الأسفل في هذه الحال؟ الجواب: نعم، يجوز، وإنما قال المؤلف: (الحكم للفوقاني)؛ لبيان جواز المسح عليه.
فالحاصل الآن: إذا لبِس خُفًّا على خُفّ فإما أن يكون بعد الحدث أو قبل الحدث؛ بعد الحدث من أول ما لبسه، أو بعد الحدث؛ إن كان بعد الحدث تعيَّن المسح على التحتاني؛ اللي هو الأول، ولا يجوز أن يمسح على الفوقاني بأي حال من الأحوال سواء لبس على طهارة أم لا، هذا المذهب، وإن كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني، ويجوز المسح على التحتاني؛ لأنه الأصل.
بقينا إذا كان في الحال التي يُمسح الأعلى فيها لو خلعه بعد مسْحِه فهل يمسح ما تحته؟ يعني مثلًا رجل لبس شرابتين، وصار يمسح على العليا، وفي أثناء النهار احترّ؛ يعني: احترّ؛ تعرفونه ولَّا ما تعرفونه؟ وقال: باخلع الأعلى فخلعه، هل له أن يمسح التحتاني أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: المذهب لا، وهذا فائدة قولنا: إنه يكون الحكم للفوقاني، هم يقولون: إذا مسح على الفوقاني خلاص تعلَّق الحكم به، إذا خلعه بعد مسْحه لم يُجزئه أن يمسح على ما تحته، هذا المذهب.
[ ١ / ٣٠١ ]
والقول الثاني: يجوز جعلًا للخُفَّين بمنزلة الظهارة والبطانة، ويش معنى الظِّهارة والبطانة؟ لغة جديدة دي، لو كان عنده خُف؛ يعني مصنوع من طبقتين، العليا تسمى ظهارة، والثانية: الداخلية بطانة، هذا الخف الذي له وجهان لنفرض أنه بعد مسحه تمزق الوجه الأعلى اللي هي الظهارة هل يمسح على البطانة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يمسح حتى على المذهب ..
ويَمْسَحُ أكثرَ العمامةِ وظاهرَ قَدَمِ الْخُفِّ من أصابعِه إلى ساقِه دونَ أسفَلِه وعَقِبِه، وعلى جميعِ الْجَبيرةِ ومتى ظَهَرَ بعضُ مَحَلِّ الفرْضِ بعدَ الْحَدَثِ أو تَمَّتْ مُدَّتُه استَأْنَفَ الطهارةَ.