ثم شرع المؤلف -﵀- في بيان أوقات الصلاة تفصيلًا، فقال: (فوقت الظهر من الزوال)، بدأ بها المؤلف؛ لأن جبريل بدأ بها حين أم النبي ﷺ، وبعض العلماء يبدأ بالفجر؛ لأنها أول صلاة النهار؛ ولأنها هي التي يتحقق بالبداءة بها أن تكون صلاة العصر الوسطى، والخطب في هذا سهل؛ يعني سواء بدأنا بالظهر أو بدأنا بالفجر، المهم أن نعرف الأوقات، قال: (فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه) أي: ظله (بعد فيء الزوال).
يقول بعض أهل اللغة: الفيء هو الظل بعد الزوال، وأما قبله فيُسمَّى ظِلًّا، ولا يسمى فيئًا، وما قالوه له وجه؛ لأن الفيء مأخوذ من فاء يفيء، كأن الظل رجع بعد أن كان ضياء، أما الذي لم يزل موجودًا فلا يسمى فيئًا؛ لأنه لم يزل مظلمًا؛ فمثلًا في هذا الوقت نجد أن الجهة الجنوبية مما له جسم وهي الشمالية في الواقع؛ جهة الشمال عنه، نجدها دائمًا ظلالًا، أليس كذلك؟ هذا لا يسمى فيئًا، لكن إذا وجدنا أن الشمس أضاءت على هذا المكان، ثم بعد زوالها صار الظل نسمي هذا فيئًا.
[ ١ / ٧٥٦ ]
إذن (مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال)، وذلك أن الشمس إذا طلعت صار للشاخِص ظِلّ نحو المغرب أو لا؟ الشاخص الشيء المرتفع ظل نحو المغرب، ثم لا يزال هذا الظل ينقص بقدر ارتفاع الشمس في الأفق حتى يتوقف عن النقص، فإذا توقف عن النقص، ثم زاد بعد توقف النقص ولو شعرة واحدة فهذا هو الزوال؛ يعني فإذا أردت أن تعرف الزوال فضع شيئًا شاخصًا، ثم راقِبه تجده كلما ارتفعت الشمس نقص، فما دام ينقص فالشمس لم تزُل، فإذا زاد أدنى زيادة فقد زالت الشمس، وحينئذٍ يكون وقت الظهر قد دخل.
يقول المؤلف: (بعد فيء الزوال)؛ يعني: أن الظل الذي زالت عليه الشمس لا يُحسب، ففي وقتنا الآن حين كانت الشمس تميل إلى الجنوب لا بد أن يكون هناك ظل دائم لكل شاخِص من الناحية الشمالية له، هذا الظل لا تعتبره، شوف نقص الظل، فإذا بدأ يزيد فضع علامةً على ابتدأ زيادته، ثم إذا امتد الظل من هذه العلامة بقدر طول الشاخص، فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، ولا فرق بين كون الشاخص طويلًا أو قصيرًا، لكن تبيُّن الزيادة في الظل والنقص فيما إذا كان طويلًا أظهر؛ يعني يبين أكثر إذا كان طويلًا عرفنا الآن، ولَّا لا؟
كيف عرفنا؟ قلنا: ضع شاخصًا؛ يعني عصا، إذا وضعته فإنه يكون له ظل، هذا الظل كلما ارتفعت الشمس نقص، ما دام ينقص فالشمس لم تزُل، فإذا زاد أدنى زيادة فقد زالت الشمس حينئذٍ يدخل وقت الظهر، إلى متى؟
قلنا: ضع علامة على ابتداء الزيادة، ثم راقِب الظل، إذا بلغ إلى حد يساوي هذا الشاخص من العلامة فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر.
أما علامة الزوال بالساعة فاقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها نصفين، اقسمه نصفين، وهذا هو الزوال، فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغِيب في الساعة السادسة، فالزوال؟
طلبة: الثانية عشرة.
الشيخ: الثانية عشرة، وإذا كانت تخرج في الساعة السابعة، وتغيب في الساعة السابعة؟
طلبة: الساعة واحدة.
طلبة آخرون: عشرة ونصف.
[ ١ / ٧٥٧ ]
الشيخ: الساعة واحدة.
طالب: عشرة ونصف يا شيخ؛ لأن هذا نصف الوقت.
طلبة: واحدة.
الشيخ: اصبر ()، الساعة السابعة، كم باقي معنا؟
طلبة: خمس.
الشيخ: خمس ساعات، وسبع؟
طالب: اثنتا عشرة.
الشيخ: اثنتا عشرة أو لا؟ أضف ست إلى سبع، ثلاث عشرة كم هذه الثلاث عشرة.
الطلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة إي نعم، هذه العلامة بالساعة، لكن العلامة بالشمس هو ما ذكر.
نذكر -إن شاء الله- الدليل في الآخر.
قال: (وتعجيلها أفضل)، تعجيل صلاة الظهر أفضل؛ لأنه أولًا: لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ يعني: اسبقوا إليها، ولا شك أن الصلاة من الخيرات، فالاستباق إليها معناه المبادرة؛ ولأن النبي ﷺ حث على البداءة بالصلاة من حين الوقت؛ فسأله ابن مسعود: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال النبيُّ ﷺ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (٢٥). هي أحب الأعمال إلى الله، وإن كان بعض العلماء يقول: على وقتها؛ يعني: المقدَّر شرعًا، ونحن نقول: حتى على هذا القول، فإن التعجيل بالصلاة أفضل.
ثانيًا: نقول هذا أسرع في إبراء الذمة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، قد يكون في أول الوقت نشيطًا قادرًا تسهل عليه العبادة، ثم يمرض، وتصعب عليه الصلاة، وربما يموت، فهذا أسرع في إبراء الذمة، وما كان أسرع في إبراء الذمة؛ فهو أولى، فيكون تعجيلها أفضل دل عليه الدليل الأثري والنظري.
[ ١ / ٧٥٨ ]
قال: (إلا في شدة حر)، ففي شدة الحر الأفضل تأخيرها لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ في قوله: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٢٦)، فالأفضل تأخيرها؛ ولأن النبيَّ ﷺ كان في غزوة فأراد المؤذِّنُ أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ». ثم أراد أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذِّنَ فَأَذِن له لَمَّا ساوى التل ظِلَّه أذِن له؛ (٢٧) يعني: قرب صلاة العصر؛ لأنه إذا ساوى ظله؛ ما بقي يسقط من هذا الظل إلا فيء الزوال، وفيء الزوال في أيام الصيف وشدة الحر طويل ولا قصير؟
طلبة: قصير.
الشيخ: قصير جدًّا، ويش ما أدري والله عند بعضكم ما تعرفون هذا الشيء؟
طالب: ما نعرف.
الشيخ: فيء الزوال، أنا قلت لكم: إنه لا بد يكون ظِلّ من الجهة الشمالية للشاخص؛ لأن الشمس جنوب، إذا كانت جنوبًا لازم يكون هناك ظل حتى لو ما زالت الشمس؛ لأنها تمشي من وراء مثلًا أنا الآن الجنوب خلف ظهري تمشي من ورائي، لا بد أن يكون ظل بين يدي، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هذا يُسمى فيء الزوال، هذا ما يعتبر شيئًا؛ فقوله في الحديث الذي رواه البخاري: «حَتَّى سَاوَى التَّلُّ ظِلَّهُ» (٢٨)؛ يعني معناه أن فيء الزوال ما حُسِب؛ لأنه لو حُسب فيء الزوال كان يخرج وقت الظهر. على كل حال أمره أن يُبْرِد حتى صار الظل بقدر الشاخص، لكن مضافًا إليه فيء الزوال، ثم صلَّى فينبغي في شدة الحر الإبراد إلى هذا الوقت؛ يعني: إلى قُرْب صلاة العصر.
وقال بعض العلماء: بل حتى يكون للشواخِص ظل يُستظل به، ولكن هذا ليس بمنضبط؛ لأنه إذا كان البناء عاليًا وجد الظل الذي يستظل به قريبًا، وإذا كان نازلًا فإنه بالعكس متى يكون للناس ظل يمشون فيه؟ !
[ ١ / ٧٥٩ ]
على كل حال، أصح شيء أن نقول: أن يكون ظل الشيء مثله، لكن مضافًا إليه فيء الزوال؛ يعني: أنه قرب صلاة العصر، وهذا هو الذي يحصل به الإبراد، أما ما كان الناس يعتادونه من قبل، بعد زوال الشمس بنحو نصف ساعة وبعضهم بنحو ساعة، ثم يقول: هذا إبراد. نقول: هذا ليس إبرادًا، هذا؟
طلبة: شدة الحر.
الشيخ: إي نعم، هذا إحرار، ليش؟ لأنه معروف أن الحر أشد ما يكون بعد الزوال بنحو؟
طلبة: ساعة.
الشيخ: بنحو ساعة، هذا أشد ما يكون، حر الجو ما هو حرّ الشمس، فإذن نقول: هذا ليس بإبراد، فإذا قدَّرنا مثلًا أن الشمس في أيام الصيف تزول على اثنتي عشرة، وأن العصر على أربعة ونصف تقريبًا أظن، ولنفرض هذا ما يخالف فرضًا، يكون الإبراد إلى متى؟
طلبة: إلى أربعة.
الشيخ: إلى أربعة تقريبًا، أربع ساعات ما هو ساعتين، ما هو ساعة ونصف ساعة.
يقول: (إلا في شدة الحر) قال: (ولو صلَّى وحده)، (لو): إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الإبراد إنما هو لمن يصلي جماعة، وزاد بعضهم: إذا كان منزله بعيدًا بحيث يتضرر بالذهاب إلى الصلاة. أفهمتم الآن؟
فيه قيدان؛ بعضهم يقول: الإبراد لمن يصلي جماعة مطلقًا، بعضهم يقول: لمن يصلي جماعة إذا كان منزله بعيدًا؛ يعني إذا كانت المنازل بعيدة عن المسجد، وكل هذا قيد لما أطلقه الشارع، النبي ﵊ قال: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ»، والخطاب للجميع، وليس من حقنا أن نُقيِّد ما أطلقه الشارع، ولم يُعلِّل الرسول ﵊ ذلك بأنه لمشقة الذهاب إلى الصلاة قال: «شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٢٦)، وهذا يحصل لمن يصلي جماعة، ولمن يصلي وحده، وهل يدخل في ذلك النساء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يدخل في ذلك النساء؛ فإنه يُسنُّ لهن الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر.
يقول: (أو مع غيم لمن يصلي جماعةً)، هل قوله: (أو مع غيم) داخل تحت قوله: (لو)؟ أو هي مسألة مستقلة؟
[ ١ / ٧٦٠ ]
طلبة: مسألة مستقلة.
الشيخ: هذه مسألة مستقلة؛ لأن الغالب أن الغيوم تأتي في أيام الشتاء ما هي بشديدة الحر، وحينئذٍ فلا تكون داخلة تحت قوله: (لو)؛ يعني إلا في شدة الحر، وإلا مع غيم لمن يصلي جماعة، فالأفضل التأخير، فإذا كان غيم فإنه يُسنُّ تأخيرها لمن يُصلِّي جماعة في المسجد، لماذا؟
قالوا: من أجل أن يخرج الناس إلى صلاة الظهر والعصر خروجًا واحدًا؛ لأن الغالب إذا كان غيم أن يحصل مطر، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نشق على الناس، بل ننتظر، فإذا قارَب العصر بحيث يخرج الناس من بيوتهم إلى المساجد خروجًا واحدًا لصلاة الظهر والعصر فإننا نُؤخِّرها، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والعِلَّة فيه كما سمعتم. ولكن هذه العِلَّة عليلة من وجهين:
الوجه الأول: أنها مُخالفة لعموم الأدلة الدالة على فضيلة أول الوقت.
الشيء الثاني: أنه قد يحصل الغيم، ولا يحصل المطر، وهذا كثير، تحصل غيوم عظيمة ويتلبد الجو بالغمام، ومع ذلك لا تمطر، أليس هكذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وإذا كان الأمر كذلك فنقول: مع الغيم لو قدرنا في شدة الحر يمكن نقول: لا تبردوا؛ لأن الغيم يمنع حرارة الشمس؛ فإذن هي عليلة من جهة مخالفتها لعموم الأدلة الدالة على فضيلة أول الوقت.
وثانيًا: أنها تتخلَّف كثيرًا، وليس هذا أمرًا مُسلَّمًا كُلَّما جاء الغيم جاء المطر، إذن فالصواب: عدم استثناء هذه الصورة، وأن صلاة الظهر يسن تقديمها إلا في شدة الحر فقط، وما عدا ذلك فالأفضل أن تكون في أول الوقت.
قال: (ويليه وقت العصر)، (يليه) يلي وقت الظهر وقت العصر، واستفدنا من قول المؤلف: (يليه) أنه لا فاصل بين الوقتين، كذا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٧٦١ ]
الشيخ: إذ لو كان هناك فاصل لم يكن موالاة، وأنه لا اشتراك بين الوقتين؛ إذ لو كان اشتراك لدخل وقت العصر قبل خروج وقت الظهر، وبكل من القولين قال بعض العلماء: إن هناك فاصلًا بين وقت الظهر ووقت العصر لكنه يسير، وقال آخرون: هناك وقت مشترك بقدر أربع ركعات بين الظهر والعصر.
والصحيح: أنه لا اشتراك، ولا انفصال، لكن إذا خرج وقت الظهر دخل وقت العصر.
قال: (إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال والضرورة إلى غروبها، ويُسنُّ تعجيلها)، (إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال) إحنا قلنا: فيء الزوال يحتسب ولَّا لا؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: ما يحسب.
الشيخ: ما يحسب، ابدأ منه، إذا صار الظل طول الشاخِص، ويش يحصل؟
طلبة: نهاية وقت الظهر.
الشيخ: نهاية وقت الظهر، ودخول وقت العصر؛ إذا كان طول الشاخِص مرتين؟
طلبة: نهاية وقت العصر.
الشيخ: نهاية وقت العصر، أي الوقتين أطول؟
طلبة: كلاهما.
طلبة آخرون: العصر .. الأول ..
الشيخ: لا الظهر .. إحنا الآن حدَّدنا الظهر من فيء الزوال إلى مثله، العصر إلى مثليه، الظهر أطول بكثير؛ لأن الظل في آخر النهار أسرع، كلما دنت الشمس من الغروب كان الظل أسرع؛ يعني تكاد تقول: الفرق الثلث، وهو كذلك وقت الظهر طويل بالنسبة لوقت العصر، لكن وقت الضرورة إلى غروب الشمس، هذا ربما يكون طويلًا.
لننظر بالتوقيت الغروبي؛ التوقيت الغروبي في أطول يوم من السنة، يُؤذِّن الظهر الساعة خمس وسبع دقائق تقريبًا، وخليها خمسة وخمسة، ويؤذن العصر ثمان ونصف وخمسة، كم الوقت؟
طلبة: ثلاث ساعات ونصف.
الشيخ: ثلاث ساعات ونصف. من ثمان ونصف وخمسة إلى الغروب؟
طلبة: أربع ساعات وخمس وعشرين دقيقة.
الشيخ: أربع ساعات وخمس وعشرين دقيقة، إذن وقت الظهر أطول؟
طلبة: بثلاث ساعات.
الشيخ: ثلاث ساعات؟
طالب: وخمس وعشرين دقيقة.
الشيخ: وخمس وعشرين دقيقة، وهناك كم قلنا؟
طالب: ثلاثة ونصف.
[ ١ / ٧٦٢ ]
الشيخ: ثلاث ساعات ونصف؛ إذن وقت الظهر أطول حتى إلى الغروب؛ يعني أطول من وقت العصر حتى ولو كان وقت ضرورة، شوف الفرق الآن.
المؤلف الآن حدد وقت العصر بماذا؟ (بمصير ظل كل شيء مثليه بعد فيء الزوال).
ثم قال: (والضرورة إلى غروبها)؛ يعني وقت الضرورة إلى غروبها، هل نقول: الضرورةُ ولَّا الضرورةِ؟
طالب: الثاني أفضل.
الشيخ:
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا
عَنْهُ فِي الْإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا
لَوْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
(ربما) لكن بشرط؛ الشرط لا يتحقق هنا، فإذن نقول: الضرورة إلى غروبها ..
ويُسَنُّ تَعجيلُها، ويَلِيهِ وقتُ المغرِبِ إلى مَغيبِ الْحُمرةِ، ويُسَنُّ تَعجيلُها إلا ليلةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَها مُحْرِمًا، ويَليهِ وَقْتُ العِشاءِ إلى الفَجْرِ الثاني وهو البَياضُ الْمُعْتَرِضُ، وتأخيرُها إلى ثُلُثِ الليلِ أَفْضَلُ إن سَهُلَ، ويَليهِ وقتُ الفجْرِ إلى طُلوعِ الشمسِ، وتَعجيلُها أَفْضَلُ، وتُدْرَكُ الصلاةُ بتكبيرةِ الإحرامِ، في وَقْتِها ولا يُصَلِّي قبلَ غَلَبَةِ ظَنِّه بدُخولِ وَقْتِها إمَّا باجتهادٍ أو خَبَرِ ثِقَةٍ مُتَيَقِّنٍ، فإن أَحْرَمَ باجتهادٍ فبَانَ قَبْلَه فنَفْلٌ، وإلا ففَرْضٌ،
يعني: وقت الضرورة إلى غروبها، هل نقول: الضرورةُ ولَّا الضرورةِ؟
طالب: الثانية.
الشيخ:
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا
عَنْهُ فِي الْاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقُوا كَمَا
لَوْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
طالب: ().
الشيخ: ربما لكن بشرط الشرط لا يتحقق هنا، فعندئذٍ نقول: الضرورة إلى غروبها؛ يعني: أنه يمتد وقت الضرورة إلى غروب الشمس، نحتاج الآن إلى دليلين:
[ ١ / ٧٦٣ ]
الدليل الأول: جَعْلُ غاية الوقت الاختياري إلى مصير ظل كل شيء مثليه، والدليل على هذا حديث جابرٍ في قصة جبريل. ولكن القول الراجح في هذه المسألة: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﵊ قال: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» (١)، «مَا لَمْ تَصْفَر» أي: ما لم تكن صفراء، وهذا في الغالب يزيد على مصير ظل الشيء مثليه، والزيادة تكون مقبولة؛ لأن الحديث صحيح وفي مسلم، ومن قول الرسول ﷺ، وعلى هذا فالزيادة مقبولة.
ويمكن أن يُجاب عن حديث جبريل: بأن «ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ» (٢) هذا ابتداء الصلاة، ويمكن إذا صُلِّيَت وانتُهِيَ منها تكون الشمس قد اصفرَّت؛ ولا سيما في أيام الشتاء وقِصَر العصر.
وعلى كل حال سواء صحَّ هذا الجمع أم لم يصح، فإن الأخذ بالزائد مُتَعَيِّن؛ لأنه يَنْتَظِم الناقص فالأخذ بالزائد أخذ بالزائد والناقص، لكن الأخذ بالناقص إلغاء للزائد؛ فعليه نقول: وقت العصر إلى اصفرار الشمس.
الدليل على أن الضرورة إلى غروبها قول النبي ﷺ: «مِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣)، وهذا نصٌّ صريح في أن الوقت يمتد إلى الغروب.
إذا قال قائل: لماذا لم تأخذ بهذا الحديث لأنه زائد على حديث عبد الله بن عمرو، ما دمنا أخذنا بهذا الأصل أن الزيادة يُؤْخَذ بها لأنها تنتظم النقص ولَا عكس، لماذا لم نأخذ؟
لأن الرسول ﷺ حدَّد قال: «مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ»، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن يقال: «مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» هذا وقت الاختيار، و«إِلَى الْغُرُوبِ» وقت الضرورة.
[ ١ / ٧٦٤ ]
ويش معنى وقت الضرورة؟ يعني: مثلًا لو أن أحدًا انشغل بشغلٍ لا بد منه، ولنفرض أنه أصيب بجرح فاشتغل بأن يُلَبِّدَ هذا الجرح ويضمِّد هذا الجرح، ويستطيع يصلي الآن، لكن فيه مشقة، إلى قُبَيل الغروب.
نقول: هذا الرجل إذا صلى في هذه الحال قُبَيل الغروب فقد صلَّى في الوقت ويأثم ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يأثم؛ لأن هذا وقت ضرورة؛ إذا اضطر الإنسان فلا حرج، وكذلك لو كان عنده ضيوف ما يستطيع الإنسان مفارقتهم خوفًا منهم؛ ضيوف جاؤوا مسافرين قد صَلَّوا العصر جمعًا ونزلوا عنده، ولا يتمكن من مفارقتهم خوفًا منهم لكونهم لصوصًا مثلًا.
طلبة: ().
الشيخ: غصبًا عليه، ابْتُلِي بهم، يخشى يذهب يشيلون كل شيء أو خوفًا منهم؛ لأنهم في أنفسهم عظماء ما يستطيع أن يخرج وهم موجودون، يخشى أيضًا منهم لكونهم ذا ولاية عليه أو ما أشبه ذلك؛ فهنا نقول: الضرورة تُبيح له أن يتأخر إلى ما قبل غروب الشمس، لكن بعد الغروب لا يجوز ()، مشكلة اللصوص نقول: يُغْلِق عليهم ولَّا يصلي عندهم إذا أمكن.
طالب: لو أراد الناس يُبْرِدون في هذا الوقت يترتب عليه أمور؛ لو أخَّر الصلاة فإن الناس ينامون ولا يقومون إلا بعد صلاة العصر ماذا نقول؟
الشيخ: هذا سؤال وجيه يقول: في هذا الوقت لو أَبْرَد الناس إلى ما جاءت به السنة حصل بذلك ترك واجب؛ لأنهم يخرجون من أعمالهم ثم ينامون، وإذا نام بعد التعب ويش يقوِّمه، فهل نقول في هذه الحال: إننا ندع هذا الأفضل من أجل درء هذه المفسدة، ونقول: قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل؟ وهذا النبي ﵊ أخبر بأن الوقت المختار للعشاء ما بعد ثلث الليل (٤)، ولكن كان يُقَدِّمها مراعاة لأصحابه، فهل نقول: الظهر مثلها إذا كنَّا نُقَدِّمها مراعاة للناس وأحوالهم اليوم؟
الجواب: نعم، ولا شك، والدين يسر ().
***
[ ١ / ٧٦٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بدأ المؤلف -﵀- بوقت الظهر، فلماذا لم يبدأ بصلاة الفجر؟
طالب: لأنه جَريًا على حديث جبريل، مراعاة لحديث جبريل أول ما بدأ، بدأ بالظهر.
الشيخ: تبعًا لحديث جبريل حيث بدأ بصلاة الظهر.
متى يدخل وقت الظهر؟
طالب: يدخل وقت الظهر بعد الزوال.
الشيخ: إذا زالت.
طالب: الشمس.
الشيخ: ما علامة الزوال؟
طالب: هو أن يضع شاخصًا ..
الشيخ: لا ما هو أن يضع، ما علامة الزوال؟ لأنك تقول الآن: هذا الطريق إلى معرفة الزوال، لكن نقول: ما علامة الزوال؟
الطالب: أن الشمس تميل إلى الغروب أو ..
الشيخ: ابتداء زيادة الظل بعد تمام قِصَرِه، هذا علامة الزوال، ما هو الطريق إلى معرفة ذلك؟
طالب: أن يُوضَع شاخصٌ ثم ينظر إلى أن يبدأ ظل الشاخص في التناقص فيوضع علامة، فإذا بدأ بالزيادة فهذا وقت الظهر.
الشيخ: يوضع شاخص؛ شيء قائم ويراقب ظِلَّه، فهو لا يزال ينقص فإذا بدأ بالزيادة أدنى زيادة، فهذا علامة زوال الشمس، وبذلك يدخل وقت الظهر.
الطريق الثاني بالساعات، ما هي؟
طالب: أن نحسب ساعات طلوع الشمس إلى ساعات غروبها وننصِّفها، فإذا كانت تطلع الشمس الساعة السادسة وتغرب الساعة السادسة يكون الساعة الثانية عشرة.
الشيخ: نعم، العلامة الثانية بالساعات أننا نَقْسِم ما بين طلوع الشمس وغروبها نصفين، والنصف هو الزوال.
ما الذي يُسَنُّ في صلاة الظهر التعجيل أو التأخير؟
طالب: الأصل التعجيل، يُسَنُّ التعجيل.
الشيخ: نعم، وهل يُسْتَثْنَى من ذلك شيء؟
طالب: نعم، في الحَرِّ، أمر النبي ﷺ ..
الشيخ: إذا اشتد الحر، فتأخيرها إلى متى؟
الطالب: إلى قُرْبِ وقت العصر.
الشيخ: ما هو الدليل على تأخيرها في شدة الحَرِّ؟
طالب: قول النبي ﷺ: أبردوا بالظهر، فإن شدة ..
الشيخ: لم يقل: أبردوا بالظهر.
[ ١ / ٧٦٦ ]
الطالب: قوله: في الظهر: أبردوا؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم.
الشيخ: ولم يقل: أبردوا فإن شدة الحر من فيح جهنم.
طالب: قول النبي ﷺ لبلال: عندما أراد أن يُؤَذِّن، قال له ثلاثًا: «أَبْرِدْ»، فعندما أطال قام وأذن (٥).
الشيخ: قول الرسول للمؤذن، لكن ما فيه شيء عام.
طالب: قول النبي ﷺ: أبردوا في شدة الحر فإن ..
الشيخ: لا.
طالب: قول النبي ﷺ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ».
الشيخ: قول النبي ﷺ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرَّ مِنْ فَيْحِ جَهْنَمَ» (٦) صح.
فأما حديث السفر؛ لما أراد المؤذن أن يُؤَذِّن فأمره الرسول أن يُبْرِد ثلاثَ مَرَّات (٦)، فهو يدل على مُنْتَهَى الإبراد؛ يعني: إلى متى نبرد؟ يقول: لَمَّا ساوَى التلُّ ظِلَّهُ أَذَّنَ (٦)، يعني: إلى قُرْبِ صلاة العصر.
هل هناك حالٌ أخرى يُسَنُّ فيها تأخير صلاة الظهر؟
طالب: على قول المؤلف إذا كان فيها غيم ..
طالب آخر: لو صلى ().
الشيخ: إذا كان في غيم، إذا كان يصلي جماعة، السبب؟
طالب: فيه مشقة.
الشيخ: سهولة الخروج على الناس؛ لأن الغَيْم مَظِنَّة المطر، فإذا أُمْطِرَت شَقَّ على الناس أن يخرجوا مرتين مرة للظهر ومرة للعصر، فكان الأفضل أن يُؤَخِّره.
هل لديك مُعارِضَة على هذا الكلام الذي ذكره المؤلف في الغَيْمِ؟
طالب: إي فيه، يحتمل أنه يأتي الغيوم، وهذا كثير أنه تأتي الغيوم، ولا تَعْقُبها أمطار فهذا لا () تأخير الصلاة، يعني: احتمال ورود المطر واحتمال عدم وروده.
الشيخ: إي.
طالب: شيخ، فيه مخالفة للسنة ()، فقال ﷿: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، والنبي ﵊ لم يَرِدْ عنه إلا في شدة الحر تأخير الصلاة، وفي ذلك إبراء للذمة.
[ ١ / ٧٦٧ ]
الشيخ: إذن نقول: هذا القول ليس بصحيح، قول مرجوح؛ أولًا: لأنه مخالف للسنة في تعجيل الصلاة بلا دليل، والثاني: أنه قد يوجد الغيم ولا يحصل المطر ولا الأذى.
طالب: نقول: كثرة الخطى إلى المساجد داخل فيه.
الشيخ: إي، ربما هذه نقولها أيضًا: إنه إذا خرج مرتين يكون فيه زيادة أجر في الخُطَى، بعد أن ينتهي وقت الظهر ماذا يكون؟
طالب: يدخل وقت العصر.
الشيخ: ليس بينهما مدة؟
الطالب: لا، ليس بينهما وقت ..
الشيخ: فاصل يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ليس بينهما فاصل، ولا وقت مشترك، إذن هذا يلي هذا.
يقول المؤلف: (الضرورة إلى غروبها)، أولًا: ما هو الدليل على أن وقتها محدد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه بعد فيء الزوال؟
طالب: تحديد جبريل.
الشيخ: حديث جبريل أنه أمر الرسول ﵊.
الطالب: صلَّى أولًا العصر ثم صلى ..
الشيخ: حين صار ظلُّ كلِّ شيء مِثْلَه، ثم صلَّى الثاني حين صار ظلُّ كل شيء مِثْلِيَه (٢)، الدليل على أنه يمتد عند الضرورة إلى الغروب؟
الطالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
الشيخ: لا.
طالب: من أدرك من العصر ركعةً قبل غروب الشمس.
الشيخ: «قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣).
قال المؤلف: (ويُسَنُّ تعجيلُها)، يعني: يُسَنُّ في صلاة العصر تعجيلُها؛ أي: أن يُعَجِّلَها في أول الوقت؛
وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن أول الوقت أفضل كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ ولأنه ثبت عن النبي ﵊ من حديث أبي برزة الأسلمي أنه: كان ﷺ يُصلي العصر والشمس نقيةً مرتفعة؛ حتى إنهم يذهبون إلى رحالهم في أقصى المدينة والشمس حية (٧). وهذا دليل على مبادرته بها.
فإذن: الدليل أن تعجيلها أفضل: عموم الأدلة الدالة على المبادرة بفعل الخير، وعلى أن الصلاة على وقتها من أفضل الأعمال.
[ ١ / ٧٦٨ ]
ودليل آخر خاص بأن الرسول ﵊ كان يصلي العصر فيذهب الذاهب من الصحابة إلى أقصى المدينة في رحله والشمس حية، يعني: أنها لم تتغير.
مر علينا أن الصحيح أن وقتها المختار إلى اصفرار الشمس، فعليه يكون للعصر وقتان وقت اختيار ووقت ضرورة.
فوقت الاختيار: إلى مصير كل شيء مِثْلَيْهِ على المشهور من المذهب أو اصفرار الشمس على القول الراجح.
والضرورة: إلى الغروب، لكن ضربنا مثلًا فيما سبق لضرورة مثل أيش؟
طالب: الخوف.
الشيخ: كالخوف، وضيوفٍ لا يستطيع مفارقتهم، وجرحٍ يحتاج إلى أن يعالجه وما أشبه ذلك.
قال: (ويليه وقتُ المغرب إلى مَغيبِ الحمرة) يعني: يلي وقت العصر، بدون فاصل وبدون اشتراك بينهما في الوقت، وقت المغرب من مغيب الشمس إلى مغيب الحمرة، فبمجرد ما يغيب قرص الشمس في الأفق يدخل وقت صلاة المغرب.
(إلى مغيب الحمرة) يعني: الحمرة في السماء، إذا غابت الحُمْرَةُ لا البياض، فإنه يخرج وقت المغرب، ويدخل وقت العشاء.
كم مقداره في الساعة؟ مقداره في الساعة يختلف باختلاف الفصول، فتارة يطول وتارة يقصر؛ لكنه يُعْرَف بالمشاهَدة، متى رأيت الحمرة قد زالت من الأفق فهذا دليل على أن وقت المغرب قد انقضى، وهو يتراوح ما بين ساعة وربع بعد الغروب، إلى ساعة ونصف وثلاث دقائق تقريبًا بعد الغروب. يعني: باختلاف الفصول.
يقول المؤلف: (ويُسنُّ تعجيلُها) يسن تعجيل صلاة المغرب؛ لأن النبي ﷺ كان يصليها إذا وجبت (٨)، يعني: إذا وجبت الشمس وغربت؛ فيبادر بها.
ولكن المبادرة ليس معناها أنه حينما يُؤَذِّن يقيم؛ لأنه ﷺ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ» قالها ثلاثًا، ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ» (٩).
[ ١ / ٧٦٩ ]
وكان الصحابة ﵃ إذا أذن المغرب يقومون فيصلون، وكان النبي ﷺ يراهم ولا ينهاهم، وهذا يدل على أنه ليس معنى التعجيل أن يُبادِر الإنسان من حين الأذان، ولكن لا يتأخر بمقدار الوضوء والراتبة وما أشبه ذلك.
ثم قال: (إلا ليلةَ جمعٍ لمن قَصَدَها مُحْرِمًا)، (جمع) اسم لمزدلفة، وسميت جمعًا؛ لاجتماع الناس فيها؛ لأن الناس يجتمعون فيها في ليلة العيد، يجتمع فيها الناس من قريش وغيرهم، عرفة: لا يجتمع فيها الناس؛ لأن قريشًا في الجاهلية كانوا لا يقفون بعرفة، ويقفون بالمزدلفة، لكن ليلة العيد يجتمع الحجاج فيها؛ ولهذا سميت ليلة (جَمْع) يعني: إلا ليلة مزدلفة.
(لمن قَصَدَها) أي: قصد جمعًا، فالضمير هنا يعود على (جمع)، وليس على الصلاة، أي: لمن قصد جمعًا مُحْرِمًا، ولو قال المؤلف ﵀: إلا ليلة مزدلفة للحاج لكان أوضح وأخصر، لكن كثيرًا من الفقهاء، ولا سيما أصحاب المذاهب المقلدة كثير منهم يتناقلون العبارة مِنْ أَوَّلِ مَنْ عَبَّر بها إلى آخر مَنْ تَكَلَّم بها يتناقلونها، ولا سيما وأن هذا الكتاب مختصر من المقنع للمُوَفَّق، فتجده تَبِعَ في العبارة من سبقه.
وإلا فلا شك أن مُؤَدَّى هذه العبارة أن يقال: إلا ليلة مُزْدَلِفَة لمَنْ؟ للحاج يكون أوضح وأبين.
على كل حال، المؤلف ﵀ استثنى في صلاة المغرب مسألة واحدة؛ وهي: الحاج إذا دفع من عرفة، فإنه لا يمكنه أن يصلي في عرفة ولا في الطريق، على وجه الاستحباب، إذن يصلي في مزدلفة.
ودليل ذلك: أن النبي ﷺ لما نزل فبال في الشِّعْبِ قال له أسامة بن زيد - وكان رديفًا له -: الصلاة يا رسول الله، قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فلم يُصَلِّ (١٠). إذن يؤخرها إلى مزدلفة.
[ ١ / ٧٧٠ ]
واستثنى فقهاؤنا ﵏ في الكتب المطوَّلَة استثنوا قالوا: إن لم يوافها وقت الغروب، يعني: إن لم يَصِل إليها إلى مزدلفة وقت الغروب، شوف يعني: من ذاك الزمن في إمكان أن يصل الإنسان إليها وقت الغروب يعني: وقت المغرب، قالوا: فإن وافاها في ذلك الوقت صلاها في وقتها وبادر بها.
على كل حال يُسْتَثْنَى من هذه المسألة ليلة المزدلفة للحاج فلا يُسَنُّ له أن يُعَجِّل، بل لا يصلي حتى يصل إلى مزدلفة، ودليل ذلك ما أشرنا إليه آنفًا حديثُ أسامةَ بن زيد ﵁.
فإن قال قائل: لو تأخر في الطريق وخاف أن يَخْرُجَ وقت العشاء، فماذا يصنع؛ هل يؤخر الصلاة إلى أن يصل إلى مزدلفة وإن لم يُصَلِّ إلا الفجر، أو يصلِّي الصلاة في وقتها ولو على راحلته؟
الجواب: الثاني؛ يعني: إذا خاف خروجَ الوقت وجب عليه أن يَنْزِلَ فيُصَلِّي، فإن لم يمكنه النزول صلى ولو على ظهر راحلته.
ثم قال: (ويليه وقتُ العشاء إلى الفجر الثاني وهو: البياض المُعْتَرِض، وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضلُ إن سهل) (يليه) يعني: يلي وقتَ المغرب وقتُ العشاء إلى طلوع الفجر على كلام المؤلف: (إلى طلوع الفجر الثاني، وهو: البياض المعترض)، وعلى هذا تكون صلاة العشاء أطول الصلوات وقتًا؛ لأنها تكاد تكون جميع الليل من خروج وقت المغرب إلى طلوع الفجر الثاني أيضًا.
الفجر الثاني قال: (وهو البياض المعترِض) في الأفق من الشمال إلى الجنوب.
وأفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (إلى طلوع الفجر الثاني) أن هناك فجرًا أول وهو كذلك، والفجر الأول يخرج قبل الثاني بنحو ساعة، أو ساعة إلا ربع، أو قريبًا من ذلك، وذكر العلماء أن بينه وبين الثاني ثلاثة فروق:
الفرق الأول: أن الفجر الأول مُمْتَدٌّ لا معترض؛ يعني: مُمْتَدٌّ طولًا من الشرق إلى الغرب، والثاني معترض من الشمال إلى الجنوب.
[ ١ / ٧٧١ ]
الفرق الثاني: أن الفجر الأول يُظْلِم، يعني: يكون هذا النور لمدة قصيرة ثم يُظْلِم، والفجر الثاني: لا يُظْلِم، بل يزداد نورًا وإضاءة.
الفرق الثالث: أن الفجر الثاني مُتَّصِلٌ بالأفق، ليس بينه وبين الأفق ظُلْمَة، والفجر الأول منقطع عن الأفق، يعني: بينه وبين الأفق ظلمة، هذه ثلاثة فروق بين حقيقة هذا وحقيقة هذا.
هل يترتب على الفجر الأول شيء؟ لا يترتب عليه شيء من الأمور الشرعية أبدًا، لا إمساك في صوم، ولا حِلُّ صلاة الفجر، الأحكام مُرَتَّبَة على الفجر الثاني.
إذن: (إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض)، ما هو الدليل؟
أما الدليل على دخول وقتها: فهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث جبريل، كلها تدل على أن وقت العشاء يدخل بِمَغِيبِ الشَّفَقِ الأحمر، أما انتهاؤه إلى الفجر الثاني فليس فيه دليل.
إلا دليلًا لا دلالة فيه هو: أن النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ أَخَّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» (١١) قالوا: فهذا دليل على أن أوقات الصلاة مُتَّصِلَة.
فهل في هذا الحديث من دليل؟ ليس فيه دليل؛ لأن التَّفْرِيط أن يؤخِّر الصَّلاة حتى يَدْخُل وقت الصلاة الأخرى؛ يعني: فيما وقتاهما متَّصل؛ ولهذا لا يدخل فيه صلاة الفجر مع صلاة الظهر بالإجماع، فإن صلاة الفجر لا تمتد إلى صلاة الظهر بالإجماع، وإذا كان كذلك فالواجب الرجوع إلى الأدلة، إذا لم يكن في هذا دليل؛ فالواجب الرجوع إلى الأدلة الأخرى.
الأدلة الأخرى ليس فيه دليل يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدًا، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحديث جبريل كلها تدلُّ على أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل.
[ ١ / ٧٧٢ ]
وهذا الذي دَلَّت عليه السنة، هو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن أيضًا؛ لأن الله ﷿ قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فتجد (لدلوك الشمس) يعني: من دلوك الشمس، لكن أتى باللام للدلالة على أن دخول الوقت علة في الوجوب، أي: سبب.
والدليل أن اللام هنا بمعنى (مِنْ) لكن عبَّر باللام من أجل بيان العلة؛ الدليل الغاية (إلى)، والغاية يكون لها ابتداء ولَّا لا؟ لها ابتداء كأنما قال: (من دلوك الشمس إلى غسق الليل)، لكن أتى باللام كما قلت إشارةً إلى أن دخول الوقت علة الوجوب؛ ولهذا قال الفقهاء ﵏: إن الوقت سبب وشرط؛ سبب لوجوب الصلاة، وشرط لصحتها.
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ متى يكون غَسْقُ الليل؟ عند منتصفه؛ لأن أشدَّ ما يكون الليل ظُلْمَة في النصف، حينما تكون الشمس منتصفةً في الأفق من الجانب الآخر من الأرض، هذا غَسْق الليل.
إذن، من نصف النهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل هذا جعله الله وقتًا واحدًا؛ لأن أوقات الفرائض فيه متواصلة أو مُتَّصل بعضها ببعض، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: الظهر يليه العصر يليه المغرب يليه العشاء، إذن ما بعد الغاية داخل ولَّا خارج؟
طلبة: خارج.
الشيخ: ما بعد الغاية خارج؛ ولهذا فصَّل فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ففصَّل، وجعل الفجر مستقلًا، فدل هذا على أن الصلوات الخمس أربع منها متتابعة، وواحدة منفصلة، وهذا هو الذي تؤيده السُّنَّة أيضًا، بل السُّنَّة صريحة فيه، فالصواب إذن أن وقت العشاء إلى نصف الليل.
ولكن ما المراد بنصف الليل؟ هل الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، أو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؟
أما اللغة العربية: فكلاهما يُسَمَّى ليلًا؛ ولهذا تجد في القاموس يقول: إلى طلوع الفجر أو طلوع الشمس الليلُ.
[ ١ / ٧٧٣ ]
أما في الشرع: فالظاهر أن الليل ينتهي بطلوع الفجر، وعلى هذا نقول: نصف الليل من صلاة العشاء من مَغِيبِ الشمس؛ يعني: الليل الذي يُنَصَّف من أجل معرفة صلاة العشاء هو: من غروب إلى طلوع الفجر، فتُنَصِّف ما بينهما، وما بينهما هو آخر الوقت، هذا هو القول الراجح الذي لا تدل الأدلة إلا عليه، وأن ما بعد منتصف الليل ليس وقتًا لصلاة مفروضة، إنما هو وقت نافلة وتَهَجُّد.
قال: (وتأخيرها إلى ثُلُثِ الليل أفضلُ إن سَهُل).
الآن ليس عندنا دليل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، حينئذٍ يكون قول المؤلف مرجوحًا.
(تأخيرها إلى ثلث الليل أفضلُ إن سَهُل) فإن شَقَّ فتُعَجَّل في أول الوقت، أما إذا سَهُل فالأفضل تأخيرُها إلى ثلث الليل.
دليل ذلك حديثُ أبي جُحَيْفَة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يُسْتَحِبُّ أن يؤخر من العشاء (٤)، وفي حديث جابر: إذا رآهم اجتمعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أَخَّر (١٢)، وثبت عنه ﷺ أنه: تأخَّر ذات ليلة حتى ذهب عامَّةُ الليل، فقام إليه عمر فقال: يا رسول الله، رَقَدَ النساء والصبيان، فخرج ورأسُه يَقْطُر ﵊ وقال: «إِنَّهُ لِوَقْتِهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» (١٣). فهذه أدلة واضحة على أن تأخيرها إلى ثلث الليل أفضل، ولكن إن سهل.
إذا كان إنسان يصلي بالناس في البلد، فهل التقديم أفضل أو التأخير؟ نقول: الأفضل مراعاة الناس، إذا اجتمعوا صلَّى، وإن أخروا تأخر.
إذا كانوا جماعة محصورين ولا يهمهم أن يُعَجِّلُوا أو يؤخروا فما الأفضل؟ التأخير.
إذن: النساء في بيوتهن الآن في مثل عصرنا هذا الأفضل لهن التأخير؛ يعني: لو قالت امرأة: إنها ستبقى مستيقظة إلى نصف الليل، فهل الأفضل أن تُصَلِّيَ العشاء مبكرة أو مؤخرة؟ نقول: الأفضل أن تؤخر، أما الرجال فسيصلون جماعة.
[ ١ / ٧٧٤ ]
فإن قال قائل: هل الأفضل مراعاة تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، أو الصلاة مع الجماعة؟
الطلبة: مع الجماعة.
الشيخ: نعم، نقول: الجماعة، بل لا مفاضلة في الواقع؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وهذا مستحب، ولا مقارنة بين مستحب وواجب.
قال المؤلف: (ويليه وقتُ الفجر إلى طلوع الشمس) لم يُبَيِّن المؤلف ابتداء وقت الفجر؛ لأنه يرى أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، ولهذا قال: (ويليه وقت الفجر) فيكون من طلوع الفجر.
والعجيب أن المؤلف -﵀- ظاهر كلامه أن تأخير صلاة العشاء إلى ما بعد نصف الليل جائز؛ لأنه لم يقل: إنه وقت ضرورة، والمعروف عند أهل العلم أن ما بين نصف الليل إلى الفجر وقت ضرورة ليس وقت جواز، أما وقت الفجر فهو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، كم مقداره في الساعات يختلف، فقد يكون ساعة ونصف، وقد يكون ساعة وربع كالمغرب.
يقول شيخ الإسلام ﵀: من ظن أن حصة الفجر كحصة المغرب فقد أخطأ وغلط؛ يعني: بعض الناس يجعل الوقت ساعة ونصف بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وساعة ونصف بين مغيب الشمس ومغيب الشفق، ويقول: هذا خطأ، ليس بصحيح؛ لأن مقدار ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس في أيام الشتاء يطول لتصاعد الأبخرة إلى فوق؛ فينعكس عليها ضوء الشمس مبكرًا؛ فتطول حصة الفجر، وعكس ذلك في الصيف، وعكس ذلك أيضًا حصة المغرب؛ يعني: إذا طالت حصة الفجر قَصُرت حصة المغرب، والعكس بالعكس.
على كل حال هذه ظواهر أفقية، يمكن يُطَّلع على علمٍ أكثر مما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
أما بالنسبة للمشاهدة فإذا كنت في بَرٍّ وليس حولك أنوار تمنع الرؤية ولا قتر، فإذا رأيت البياض الممتد من الشمال إلى الجنوب فقد دخل وقت الفجر، فصلِّ الفجر، أما قبل أن يتبين فلا تصلِّ الفجر.
قال: (إلى طلوع الشمس)، ودليل ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم وغيره أيضًا.
[ ١ / ٧٧٥ ]
وبعد طلوع الشمس إلى زوال الشمس ليس وقتًا لصلاة الفريضة، كما أن من نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتًا لصلاة مفروضة؛ هذه الأوقات الخمسة التي أوجب الله فيها الصلاة.
وقد سألنا في أول الكلام على الأوقات؛ ما الحكمة في أن الصلوات الخمس موزعة هذا التوزيع، والسؤال هنا لماذا لم تُجْمَع جميعًا؟ هذه واحدة، وما الحكمة في أنها قُيِّدَت بهذه الأوقات يعني: لم تجعل مثلًا مُوَقَّتة بمسافة أو بمدة متساوية؟
طالب: نقول: لا شك أن الحكم كثيرة؛ منها تسهيلها على العباد يعني: لا شك تسهيل العمل، توزيع أي () إذا كانت كبيرة، يجعل العامل له أَنْشَطَ عندما يأتي إليه.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: أيضًا يا شيخ، أن الإنسان في هذه الأوقات يصبح كأنه عابد الله ﷾ في جميع اليوم في جميع الأوقات؛ فمثلًا يعبد الله ﷾ في الصبح وفي المساء، يكون عابدًا لله ذاكرًا ..
الشيخ: يعني: إذن لئلا ينقطع عن العبادة كذا.
الطالب: عن الذكر.
الشيخ: عن العبادة والذكر؛ لأنه لو صلَّاها في وقت واحد، بقي بقية الأوقات غافلًا معرضًا.
الطالب: حصول الأجر والثواب بتكرار الوضوء في كل وقت على حدة، إذا تفرَّقت بخلاف إذا جَمَعَها فإنه ربما يُصلِّيها بوضوء واحد.
الشيخ: يعني: كثرة الأجر بكثرة العمل لهذه الصلاة من وضوءٍ ومشيٍ إليها وتحصيل سُتْرَة وغير ذلك، هذه ثلاثة.
طالب: ما يكون في ذلك من اجتماع المسلمين.
الشيخ: وإذا صار واحدًا اللي بيصلي.
الطالب: لا هذا غالب () ما فيه من اجتماع المسلمين، يجتمعون في اليوم خمس مرات ..
الشيخ: يعني: تجديد اللقاء بين المسلمين كذا؟ وهذا يُرَسِّخ المحبة والتآلف بين المسلمين.
طالب: جَعْلها يا شيخ في أوقات مناسبة من بعد الظهر يكون بعد العمل والعصر يكون بعد القيام من النوم هذا في الغالب يعني.
الشيخ: هذا يختلف باختلاف الناس.
طالب: لا، في الغالب، بعض الناس ..
[ ١ / ٧٧٦ ]
الشيخ: لا، هذه مسألة عن الحكمة؛ ليش وضعت على هذا الترتيب، ما جعلت مثلًا المدة متساوية؟ إنما الآن نريد أصل التفريق؛ لأن السؤال الآن سؤالان؛ السؤال الأول: عن التفريق، والسؤال الثاني: عن اختلاف المُدَد بينها.
طالب: منها أن الصلاة تنهى عن الفحشاء، أنها () الوقت، يكون رادعًا له عن الفحشاء، وأيضًا تكفير السيئات الصغائر.
الشيخ: يعني تجديدها؛ تجديد النهي عن الفحشاء والمنكر، التكفير: قد يَعْتَرِض معترض، ويقول: ما دام سيصلي يكفر.
طالب: كفارة لما بين الصلوات.
الشيخ: إي، يقول: ما بين الصلوات، حتى لو جُمِعَت مثلًا بعد طلوع الشمس ثم جاء اليوم الثاني حصل التكفير.
طالب: جعلها يا شيخ في هذا الوقت تكون في أوقات معينة ابتلاء الله ﷾ يبتلي به المؤمنين؛ ولذلك قول الرسول ﷺ: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلاةُ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ».
الشيخ: هذه تعيينها في أوقات معينة، الآن عندنا، أربع فوائد في تفريقها.
طالب: أقول -يا شيخ-: استمرار صلة العبد بربه ﷿؛ إذ لو جعل الله ﷾ الصلوات في وقت واحد ربما ينشغل الإنسان مثلًا أو يشغل نفسه بشيء لم ينفع به نفسه، فلما فرَّق الله ﷾ الصلوات على هذا الترتيب، الغالب أن الإنسان يشغل وقته؛ يعني: في صلته بربه ﷿، وتكون تقوية للمحبة أيضًا بين العبد وبين ربه.
الشيخ: مرَّ شيء قريب منها، مر ما يُغْني عنها.
طالب: هذه رحمة بالعباد؛ إذ لو كانت في وقت واحد وفاتته فات الفضل كله، أما كونها متفرقة يعني: قد تفوته صلاته، ويلحق صلاة أخرى.
الشيخ: إي، صحيح هذه.
طلبة: إي نعم.
طالب آخر: ما سمعنا الخامسة.
الشيخ: الخامسة؛ يقول من الفوائد: الرحمة بالعباد؛ لأنها لو جُعِلَت في وقت واحد، ثم فات هذا الوقت فات الإنسان خير الصلوات الخمس كلها، فإذا وُزِّعت فلو قُدِّر أنه فاته واحدة بقيت الأخريات لم تفته.
[ ١ / ٧٧٧ ]
طالب: الصلوات هذه تعجيلها على حد سواء ولَّا فيها شيء أفضل من شيء؟
الشيخ: كلها على حد سواء إلا ما سَنَّ تأخيرُه.
الطالب: التعجيل؟
الشيخ: التعجيل، إي نعم.
طالب: لكن بعض العلماء يقول: المغرب أفضل أو العصر.
الشيخ: أبدًا كله واحد، تفريق بعض العلماء في هذا ما له وجه، لكن مثلًا اللي لها سنة راتبة قبلَها ينبغي أن تتأخر أكثر ().
***
طالب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتُدْرَك الصلاةُ بتكبيرة الإحرام في وقتها، ولا يُصَلِّي قَبْلَ غلبةِ ظنِّه بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر ثقة متيقن، فإن أحرم باجتهاد فبان قبلَه فنفلٌ وإلا ففرضٌ، وإن أدرك مكلَّفٌ من وقتها قدرَ التحريمة ثم زال تكليفُه أو حاضت ثم كُلِّفَ وطَهُرَت قَضَوْها، ومن صار أهلًا لوجوبها قبلَ خروج وقتها لزمته، وما يجمع إليها قبلها ..).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا بيانُ أوقات الصلوات وأن الأفضل: هو تقديم الصلاة إلا صلاة واحدة وهي العشاء، فالأفضل فيها التأخير إن سَهُل وإلا صلاة الظهر لعارض: وهو شدة الحر؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» وأظننا انتهينا منها؟
طالب: الإسفار بالفجر.
طالب آخر: الحكمة في أوقات الصلاة.
الشيخ: ذكرناها أيضًا.
طالب: ذكرنا الحكمة ..
طالب آخر: الإسفار بالفجر.
الشيخ: لا، الفجر مثلها أيضًا الأفضل فيها التقديم.
[ ١ / ٧٧٨ ]
إحنا ذكرنا الحكمة في ذلك؛ أولًا: في تفريقها، وأما الحكمة في كونها وُضِعَت في هذه الأوقات فأما الفجر؛ فذكرنا أن ظهور الفجر بعد الظلام الدامس هذا من آيات الله ﷿ التي يستحق عليها التعظيم والشكر، فإن هذا النور الساطع بعد الظلام الدامس لا أحد يستطيع أن يأتي به؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: ٧١].
وأما الظهر؛ فلأن انتقالَ الشمس من الناحية الشرقية إلى الغربية هو أيضًا من آيات الله ﷿، فإنه لا أحد يستطيع أن ينقلها من هذه الجهة إلى هذه الجهة إلا الله ﷿.
أما العصر؛ فلا يظهر لنا فيها حكمة، ولكنه لا شك أن لها حكمة.
وأما المغرب؛ فالحكمة فيها كالحكمة في صلاة الفجر؛ وهو أن الليل من آيات الله ﷿ العظيمة التي يستحق عليها الشكر والتعظيم.
وكذلك نقول في العشاء: لأن مغيب الشفق وزوال آثار الشمس، هو أيضًا من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله ﷿ وحكمته.
ثم إن المؤلف ﵀ يقول: (وتعجيلُها) أي: الفجر (أفضلُ) دليل ذلك؛ أولًا: في جميع الصلوات قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، وهذا يحصل بالمبادرة بفعل الطاعة، هذا من القرآن.
من السنة: أن الرسول ﷺ كان يُعَجِّل في هذه الصلوات ما عدا العشاء الآخرة، وصلاة الظهر في شدة الحر، ومن ذلك الفجر.
[ ١ / ٧٧٩ ]
وأما من حيث المعنى: فالمبادرة أفضل؛ وذلك لأن الإنسان لا يدري ما يَعْرِضُ له، قد يدخل الوقت وهو صحيح معافى، واجدٌ لجميع شروط الصلاة، ثم يطرأ عليه ما يمنعه من فعل الصلاة، أو من كمالها بمرض أو موت أو حبس أو غير ذلك، فكان مقتضى النظر أن يتقدم بفعل هذه الصلوات.
الفجر؛ يقول المؤلف: (تعجيلُها أفضل) كغيرها من سائر الصلوات؛ لأن النبي ﷺ كان يصلِّيها بِغَلَسٍ يَنْصَرِف منها حين يعرف الرجل جليسه الذي إلى جنبه، وكان يقرأ بالستِّين إلى المئة (١٤)، وقراءة النبي ﷺ مُرَتَّلَة يقف عِند كل آية (١٥).
فإذا كان يقرأ من الستين إلى المئة مع الركوع والسجود والقيام بعد الركوع والجلوس والتشهد دلَّ ذلك على أنه كان يبادر بها جدًّا.
وأما من رأى أن تأخيرَ الفجر أفضل واستدل بما يذكر عن النبي ﷺ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ» (١٦) فهذا الحديث -إن صح- فالمراد: ألا تتعجَّلوا بها حتى يَتَبَيَّن لكم السفر؛ يعني: الإسفار وتتحققوا منها.
وبهذا نجمع بين هَدْيِ النبي ﷺ الراتب الذي كان لا يَدَعُه وهو التَّغْلِيس بها، وبين هذا الحديث إن صح.
ثم قال: (وتُدْرَكُ الصلاةُ بتكبيرة الإحرام في وقتها) كلمة: (الصلاة) عامَّة لصلاة الفريضة وصلاة النافلة المؤقتة؛ مثل: صلاة الضحى ومثل الوتر فإنه مؤقت، وكذلك الرواتب فإنها مؤقتة.
فالرواتب قبل الصلاة وقتُها من دخول وقت الصلاة إلى إقامة الصلاة، والرواتب التي بعدها من انتهاء الصلاة إلى خروج الوقت.
كل صلاة مُوَقَّتة تُدْرَكُ بإدراك تكبيرة الإحرام؛ دليل ذلك: ليس هناك دليل، لكن هنا تعليلًا: وهو أن هذا الإنسان الذي أدرك تكبيرة الإحرام أدرك جزءًا من الوقت، وإدراك الجزء كإدراك الكل؛ لأن الصلاة لا تتبعض، فإذا أدرك مِقدار ما يُكَبِّر للإحرام كان مُدْرِكًا لجميع الصلاة، هذا هو التعليل.
[ ١ / ٧٨٠ ]
وهذا هو الذي ذهب إليه المؤلف ﵀، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
على أن الصلاة تُدْرَك بتكبيرة الإحرام سواء من أول الوقت أو من آخر الوقت؛ من أول الوقت: لو أن امرأة أَدْرَكت مقدارَ تكبيرة الإحرام من صلاة المغرب مثلًا ثم أتاها الحيض، فهنا نقول: هي قد أدركت الصلاة، فيجب عليها إذا طَهُرَت أن تصلي المغرب، لأنها أدركت مقدار تكبيرة الإحرام من الوقت.
من آخره: كما لو كانت امرأة حائضًا، ثم طهرت قبل خروج الوقت بقدر تكبيرة الإحرام، فإن الصلاة تلزمها؛ لأنها أدركت من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، هذا من جهة الحكم.
من جهة الثواب: يُثَاب من أدرك قدر تكبيرة الإحرام ثوابَ من أدرك جميع الصلاة، وتكون الصلاة في حقِّه أداءً.
لكنه لا يجوز كما سبق لنا في كتاب الصلاة أن يُؤَخِّر الصلاة أو بعضها عن وقتها؛ يعني: مثلًا، لو قال: أنا سأؤخر الصلاة حتى لا يبقى إلا مقدار تكبيرة الإحرام، نقول: هذا حرام، وأنت آثم، ولكن مع ذلك نقول: إنك قد أدركتها أداءً، هذا ما ذَهَبَ إليه المؤلفُ، وهو المذهب.
والقول الثاني: أنها لا تُدْرَك الصلاة إلا بإدراك ركعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٣)، وهذا القول هو الصحيح، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الحديث فيه ظاهر، فهو جملة شرطية «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» «فَقَدْ أَدْرَك»، مفهومُه: من أدرك دون ركعة فإنه لم يدرك؛ وعلى هذا فلو حاضت المرأة بعد دخول الوقت بأقل من مقدار ركعة لم يلزمها القضاء؛ لأنها لم تُدْرِك ركعة، وكذلك لو طَهُرَت قبل خروج الوقت بأقل من ركعة فإنه لا يلزمها قضاءُ الصلاة؛ لأنها لم تدرك ركعة، النبي ﵊ يقول: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٣).
[ ١ / ٧٨١ ]
وينبني على هذا أيضًا: إدراكات أخرى ربما تأتينا إن شاء الله فيما بعد؛ مثل إدراك الجماعة: هل تُدْرَك الجماعة بركعة، أو تدرك بتكبيرة الإحرام؟
الصحيح: أنها لا تُدْرَك إلا بركعة، كما أن الجمعة لا تُدْرَك إلا بركعة بالاتفاق، فكذلك الجماعة لا تُدْرَك إلا بركعة.
وقول المؤلف: (بتكبيرةِ الإحرامِ في وقتها) يشمل وقت الضرورة ووقت الاختيار، وليس عندنا صلاة لها وقتان إلا صلاة واحدة، وهي؟
طلبة: العصر.
الشيخ: العصر، فلو أدرك تكبيرة الإحرام قبل غروب الشمس فقد أدرك صلاة العصر.
والصواب: أنه لا يدركها إلا بإدراك ركعة؛ والحديث نص في ذلك؛ حيث قال النبي ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣) وهذا نص صريح في الموضوع يدلُّ على القول الراجح.
قال: (ولا يُصَلِّي قَبْلَ غلبة ظنِّه بدخول وقتها) (ولا يصلي) مَن الفاعل؟ الإنسان، مُكَلَّفًا كان أو غير مكلف؛ يعني: ولا يصلي الإنسان، وإن شئت فقل: ولا يصلي مُصلٍّ؛ لأنه إذا لم يكن عود الضمير على شيء معلوم؛ فليكن عود الضمير على وصفٍ مشتقٍ من المصدر الذي اشتق منه الفعل. فهمتم هذه القاعدة؟ إذا لم يكن هناك مرجعٌ معلوم الضمير، فليكن المرجع؟
طالب: مصدرًا.
الشيخ: لا، وصفًا مشقًا من المصدر الذي اشْتُقَّ منه الفعل، فمثلًا (صلى) المصدر أو اسم المصدر (صلاة) نقول: ولا يصلي مصلٍّ (قبل غلبة ظنه بدخول وقتها)، وإذا تيقن؟
طلبة: فإنه يصلي.
الشيخ: يُصَلِّي من بابٍ أولى، إذا تَيَقَّنَ فإنه يصلِّي من باب أولى.
[ ١ / ٧٨٢ ]
أفادنا المؤلف بقوله: (قبل غلبة الظن) أنه يجوز أن يُصَلِّيَ الصلاة بغلبة الظن؛ أي أننا إذا غلب على ظننا أن الوقت دخل جاز أن نصلي، وحينئذٍ نجوز أن نصلي إذا تَيَقَّنَّا دخول الوقت، ويجوز أن نصلي إذا غُلِبَ على ظننا دخول الوقت، فإذا كان الجوُّ صاحيًا وشاهدنا الشمس قد غربت نصلي المغرب، وهنا تيقنَّا دخول الوقت أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تَيَقَّنَّاه، إذا كانت السماء مُغِيمَة ولم نشاهد الشمس، لكن غلب على ظننا أنها غابت نصلِّي، وهذه صلاة بغلبة الظن، أما الأول فدليله ظاهر.
وأما الثاني وهو الصلاة بناءً على غلبة الظن؛ فلأن النبي ﷺ أفطر هو وأصحابه بغَلَبة الظن كما في حديث أسماءَ بنت أبي بكر ﵄ قالت: أَفْطَرْنا على عهد النبي ﷺ في يَوْمِ غيمٍ، ثم طلعت الشمس. أخرجه البخاري (١٧).
وهنا أفطروا بماذا؟ بغلبة الظن قطعًا لا باليقين، فإذا جاز العمل بغلبة الظن في خروج الوقت، وهو هنا وقت الصوم جاز العمل بغلبة الظن في دخول الوقت، بل إنَّ لازمَ ذلك أنهم لو صلوا المغرب حين أفطروا صحت الصلاة؟ نعم، صحت الصلاة إذا لم يتبين الأمر خلاف ذلك.
هل يُصلي مع الشك في دخول الوقت؟
طالب: لا يُصلي.
الشيخ: لا يُصلي مع الشك؛ وذلك لأن الأصل عدم الدخول، فلا نعدل عن هذا الأصل إلا بمسَوِّغٍ شرعي.
هل يُصلي مع غلبة الظن بعدم دخول الوقت؟
طالب: لا يصلي.
الشيخ: لا يُصلي من باب أولى.
هل يُصلي مع اليقين بعدم دخول الوقت؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن: لا نُصلِّي في ثلاث صور، ونصلي في صورتين.
الصور خمس: تَيَقُّن دخول الوقت، وغلبةُ الظن بدخوله، والشك في دخوله، وغلبة الظن بعدم دخوله، واليقين بعدم دخوله؛ الصور خمس، نصلي في صورتين، ولا نصلي في ثلاث، والتعليل ظاهر.
قول المؤلف: (ولا يُصَلِّي قبلَ غلبة ظنِّه).
[ ١ / ٧٨٣ ]
واستفدنا من كلام المؤلف: أن غلبة الظن لها مدخل في باب العبادات، وهو كذلك فإن غلبة الظن لها مدخل في العبادات في مواضع كثيرة، وإن كان بعض العبادات لا يمكن أن يُفْعَل إلا باليقين، غالب الرأي يجوز تحكيمه فيما لا يمكن معرفة حقيقتهلكن كثير من العبادات مبنية على غلبة الظن، بل إن هذا هو القاعدة، القاعدة في العبادات: البناء على غلبة الظن، هذه القاعدة؛ ولهذا لو شك الإنسان كم صلى، وعنده ترجيح، فالصحيح أنه يعمل بما تَرَجَّح، وإن كان المذهب يقول: لا يَعمل إلا باليقين.
إذا شك في عدد أشواط الطواف، أو أشواط السعي، فإنه يَبْنِي على غالب ظنِّه إذا كان عنده ترجيح، أما إذا لم يكن عنده ترجيح فيبني على اليقين.
قال: (إما باجتهادٍ أو خبرِ ثقة مُتَيَقِّن) هنا ذكر المؤلف الطرق التي يَحْصل بها غلبةُ الظن:
الطريق الأول: الاجتهاد، لكن بشرط أن يكون المجتهد عنده أداة الاجتهاد؛ يعني: أن يكون عالمًا، فإن لم يكن عالمًا فإنه لا يعمل باجتهاده؛ لأنه ليس من أهل الاجتهاد.
فلو أن شخصًا صلى الظهر، وقال: أصلي العصر إذا انتصف ما بين الظهر والمغرب، لما انتصف ما بين الظهر والمغرب صلى، هل هذا الذي صلى بَنَى صلاته على اجتهاد صحيح؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن لا بد أن يكون عنده علم بالاجتهاد، كذلك في صلاة العشاء لو أنه اجتهد ولما رأى أن النور الساطع القوي قد اختفى صلى العشاء مع وجود الحمرة، نقول: هذا لا تصح صلاته؛ ليش؟ لأنه صلَّى قبل الوقت ولأنه ليس أهلًا للاجتهاد؛ حيث إنه لا يعلم متى يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، هذا الاجتهاد.
[ ١ / ٧٨٤ ]
الثاني: أو خبر ثقة مُتَيَقِّن، وهذا الطريق من عند غيره؛ يعني: رجل أخبرك بأن الوقت دخل، ولكنه أخبرك عن يقين بأن قال: رأيت الشمس غربت، أو قال: رأيت الفجر قد طلع، فإن أخبرك عن اجتهاد أو عن غلبة ظن فإنك لا تعمل بقوله؛ لأن المؤلف يقول: (خبر ثقة مُتَيَقِّن) لا مجتهد، ولا بانٍ على غلبة ظنه، بل لا بد أن يكون متيقنًا.
فإن قال قائل: أليس يجوز للإنسان أن يبني على اجتهاد نفسه وغلبة ظن نفسه؟
قلنا: بلى، لكن هنا بنى على غيره، والفرع أضعف من الأصل؛ لأنه إذا اجتهد لنفسه فهو أصيل، إذا بنى على خبر غيره فهو فرع، والفرع أضعف من الأصل؛ ولهذا لا يبني على شيء مبني على اجتهاد أو مبني على غلبة ظن.
فلو قال لك قائل: صلِّ المغرب، قلت له: أغربت الشمس؟ قال: والله، أظنها غربت، هل تعمل بقوله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تعمل على كلام المؤلف، ولو أنك أنت نفسك غلب على ظنك أن الشمس غربت؟
طالب: تعمل بذلك.
الشيخ: تعمل بذلك.
وقول المؤلف: (ثقة) مَن الثقة؟ هو الذي يوثق بقوله؛ لكونه مُكَلَّفًا ولكونه صادقًا؛ يعني: يمكن أن يكون صادقًا يعني: بالغًا عاقلًا صدوقًا لم يُعْرَف بالكذب، أو بالعَجَلَةِ والتسرع.
ولكن هذا القول الذي ذهب إليه المؤلف بأنه لا بد أن يكون متيقنًا فيه نظر.
والصواب: أنه إذا أخبرك مَنْ تَثِقُ به جاز لك أن تُصَلِّي على خبره، سواء كان إخباره عن يقين أو عن غلبة ظن؛ لأنه الآن ما دمت أنت لا تعرف ولا تتمكن من الاجتهاد، ثم قلنا: لا تعمل بخبر هذا وهو مجتهد، هذا فيه مشقة، وما زال المسلمون يعملون بأذان المؤذنين، وكثير من المؤذنين في هذا الوقت يكون أذانهم أحيانًا على غلبة الظن؛ لأن الغيوم كثيرة، وليس عندهم ساعات يحررون بها الوقت، فيكون أذانهم على غلبة الظن وما زال المسلمون يعملون بأذان المؤذنين.
[ ١ / ٧٨٥ ]
إذن فنقول: إن الإنسان يعرف دخول الوقت إما باجتهاد منه؛ لكونه أهلًا الاجتهاد لمعرفته بالأوقات ابتداء وانتهاءً، وإما بخبر من يَثِق بقوله سواء أخبر عن ظنٍّ أو عن يقين.
وقول المؤلف: (أو خبر ثقة) يشمل ما إذا كان المخبِرُ امرأةً، فلو أخبرتك امرأةٌ بدخول الوقت عَمِلت بقولها؛ لأن هذا خبرٌ ديني وليس بشهادة فيعمل بقولها.
يقول: (فإن أَحْرَم باجتهادٍ فبانَ قَبْلَه فنفلٌ وإلا ففرضٌ) إن أحرم باجتهاد؛ لماذا قال: (باجتهاد) ولم يقل: بيقين؟ لأنه إذا أحرم بيقين لا يمكن أن يتبين أنه قبل الوقت؛ لأن اليقين معناه شاهدَ الوقت بعينِه، تَيَقَّنَ، لكن (أحرم باجتهاد) يعني: دخل في الصلاة باجتهاد.
(فبان) الفاعل يعود على مَنْ؟
طالب: على الإحرام.
الشيخ: نعم، يعود على الإحرام.
(فبان الإحرام قبلَه) أي: قبل الوقت (فنفلٌ) حتى لو فُرض أنك لما قلت: الله أكبر غاب حاجب الشمس الأعلى؛ يعني: ما بقي إلا مثل السلك في الشمس، فقلت: الله أكبر، لما قلت: الله أكبر اختفى، نقول: صلاتك الآن نفل؛ لأنك أحرمت يعني: كَبَّرْتَ للإحرام قبل الوقت، فتكون صلاتك نفلًا.
إذا قال مقدار الله أكبر فقط، نقول: لكن الله أكبر هي تكبيرة الإحرام وهي ركن من أركان الصلاة، فمعنى ذلك أنك أتيت بركن من أركان الصلاة خارج وقتها فلا تصح.
قال: (فَبان قبلَه فنفلٌ)، وقوله: (فبان قبله) أفادنا -﵀- أنه لو بقي الأمر على اجتهاد ما تبين شيء، فإن الصلاة تصح فرضًا؛ لأنه أحرم فيها أو أحرم بها على وجهٍ أُمِرَ به، ومن أتى بالعبادة على وجه أُمِرَ به ولم يتبين فسادها فهي صحيحة، حتى وإن كانت في نفس الأمر غير صحيحة، يعني: ما دام الأمر لم يتبين له، حتى لو فرض أنه أحرم من قبل الوقت فهي فريضة.
وقوله: (وإلا ففرض)، (إلا) أيش يعني؟ وإلا يتبين قبله ففرض، وشمل هذا ثلاثَ صورٍ:
الصورة الأولى: أن يتبين أنه في الوقت، والأمر واضح، تكون فرضًا.
[ ١ / ٧٨٦ ]
الثانية: أن يتبين أنه بعد الوقت؟
طالب: ففرض.
الشيخ: ففرض.
الثالث: ألا يتبين الأمر فتكون أيضًا فرضًا.
فالصور أربع؛ إذا أحرم باجتهاد فلا يخلو من أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يتبين أنها قبل الوقت، فهي نفل.
الثانية: في الوقت، ففرض.
الثالثة: بعده، ففرض.
والرابعة: يبقى الأمر مُبْهَمًا، لم يتبين شيء، ففرض كذا ولا لَّا؟
فإن قال قائل: إذا وقعت في الصور التي تكون فيها فرضًا فالأمر واضح، لكن في الصورة الأولى لماذا صارت نفلًا وهو لم ينوها؛ وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١٨)؟
فالجواب: أن يقال: صلاة الفريضة تتضمن في الواقع نيتين: نية صلاة، وكونها فريضة؛ يعني: ونية كونها فريضة، نية كونها فريضة بطلت لتبين أنها قبل الوقت، وأيش يبقى نية كونها صلاة؟ ولهذا ينبغي أن يُذْكَر هنا قاعدة أو ينبه على قاعدة ذكرها الفقهاء؛ وهي قولهم: وينقلب نفلًا ما بان عدمُه كفائتة لم تكن وفرض لم يدخل وقته.
مثال: واحد إنسان ظن أنه صلَّى بغير وضوء فأعاد الصلاة، ثم تذكَّر أنه قد صلى بوضوء هذه فائتةً لم تكن، تكون هذه الصلاة نافلة.
فرض صلَّاه ظنًّا منه أن الوقت دخل فلم يدخل يكون أيضًا نافلة، فالقاعدة ما هي: وينقلب نفلًا ما بان عدمُه كفائتة لم تكن وفرض لم يدخل وقته.
طالب: المرأة إذا طَهُرت في آخر الوقت نقول: إنها يعني ().
الشيخ: إي نعم، هذا ما يضر، يكون العبرة بإدراك الوقت بقطع النظر عن الأعمال التي تكون قبل الصلاة، يعني: مثلًا لو طهرت على كلام الفقهاء قبل الوقت بدقيقتين () تلزمها الصلاة.
الطالب: مثلًا يؤخرها -يا شيخ- عن وقتها حتى تبقى خمس دقائق، وراح يوضي، وفات الوقت.
الشيخ: ما يجوز.
الطالب: قلنا: إنه يأثم ولكن تجزئه.
الشيخ: إي، هو ما يجوز، لكن تكون الصلاة أداء.
[ ١ / ٧٨٧ ]
طالب: شيخ، المجتهد الذي ليس معه أداة الاجتهاد إذا وافق اجتهاده () يعني: إذا قسم ما بين الظهر والمغرب، وصلى العصر وهذا وافق الصلاة الصحيحة.
الشيخ: ما تصح، وفيها قول أنها تصح؛ ولهذا قال الفقهاء: الأعمى لو أنه تحرَّى وصلى وجبت عليه الإعادة مطلقًا ولو أصاب؛ لأنه ليس أهلًا للتحري، وهذا قبل أن تخرج الساعات هذه، لكن فيه قول ثانٍ أنه إذا أصاب الوقت صحت، وهذا هو الصحيح.
طالب: شيخ ()، إذا كان قبل الوقت وقتُ نهيٍ، كيف تكون نفلًا؟
الشيخ: المهم ينقلب نفلًا، فإن صَحَّحْتَه صحَّ النفل، في هذا صحَّ، وإلا فلا.
طالب: المذهب يستدلون بحديث: «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً» (١٩) حديث مسلم.
الشيخ: إي، لكن فُسِّرَت، قال: والسجدة هي الركعة.
الطالب: معروف تفسيرها على الراجح، لكن هم يستدلون به.
الشيخ: ما يصح هذا، ولا يستدلون بهذا؛ لأن السجدة أطول من تكبيرة الإحرام حتى ما ينطبق على كلام الفقهاء.
طالب: شيخ () أدرك ركعة؛ لأن إدراك الركعة بيخص الإنسان، والإنسان يصلي بسرعة وقد ().
الشيخ: إي، صحيح، لكن يمكن إن شاء الله بيجينا بحثها موجودة في كلام المؤلف ().
ما المراد بقول المؤلف: (باب شروط الصلاة)؟
طالب: شروط الصلاة: ما يجب لها قبلَها.
الشيخ: (ما يجب لها قبلها) يدخل فيه الأذان؟
الطالب: وما لا تتم إلا به.
الشيخ: يعني: ما تتوقف صِحَّتُها عليه، هذه شروط الصلاة.
يقول المؤلف: (شروطها قبلها) لماذا قال: (شروطها قبلها)؟
طالب: الشرط ما يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم.
الشيخ: لا، خطأ.
الطالب: ويلزم من عدمه العدم.
الشيخ: ويلزم من وجوده الوجود؟
الطالب: لا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم.
الشيخ: لكن معنى (شروطها قبلها) احترازًا من أيش؟
الطالب: ما هو داخل الأركان.
الشيخ: صح، احترازًا من الأركان؛ لأنها شروط للصحة، لكنها هي نفس الصلاة؛ ماهيتُها.
بدأ المؤلف -﵀- بالوقت لماذا؟
[ ١ / ٧٨٨ ]
طالب: لأنه تتوقف صحَّة الصلاة على تأديتها في الوقت.
الشيخ: حتى اللي غيره تتوقف صحتها على فعله حتى الوضوء مثلًا.
الطالب: لأن الوقت شرط لصحتها وشرط لوجوبها ().
الشيخ: يعني: لأنه شرط وسبب.
الطالب: شرط وسبب نعم.
الشيخ: فيه شيء غير هذا.
طالب: لأنه هو أول ما ابْتَدَأَ به حديثُ جابرٍ.
الشيخ: لا هذا غير ..
طالب: حديث جبريل، يا شيخ.
الشيخ: لا.
طالب: ما تجب ابتداء إلا بدخول الوقت.
الشيخ: لأنها سبب لوجوب وشرط للصحة.
طالب: لأن الوقت هو أول شيء يرد اسمه، وأول شيء في مرتبة الصلاة يعني: أول شيء، أول أحكام الصلاة هو الوقت؛ لأنه قبل الوقت ما () حكم من أحكام الصلاة.
الشيخ: لا، يمكن يتوضأ قبل الوقت.
الطالب: الوضوء ما هو من الصلاة.
الشيخ: من شروط الصلاة.
الطالب: () الشروط.
الشيخ: أهم الشروط ما هو من أهمها؛ ولهذا يراعى الوقت، ولو فاتت كل الشروط، تصلي مثلًا إلى غير القبلة إذا كنت لا تقدر تصلي بغير وضوء ولا تيمم إذا كنت لا تقدر، المهم لأنه هو أهم الشروط؛ ولهذا تجد مراعاته مُقَدَّمًا على جميع الشروط، لا نقول لإنسان مريض الذي لا يستطيع أن يستقبل القبلة لا نقول: انتظر حتى تستطيع، ولا نقول لمن عدم الماء والتراب: انتظر حتى تجد ماء أو ترابًا، بل نقول: أيش صلِّ على حسب حالك.
بدأ المؤلف بوقت الظهر، لماذا لم يبدأ بوقت الفجر؟
طالب: امتثالًا لحديث جبريل؛ لأنه أول ما بدأ بالصلاة صلاة الظهر.
الشيخ: نعم أول ما أمَّ الرسول ﷺ لإعلامه بالوقت بصلاة الظهر، تمام.
طالب: بعضهم -يا شيخ- بدأ بالفجر حتى تكون ..
الشيخ: هذا قول ثان. وقت الظهر من؟ إلى؟
طالب: من الزوال إلى () الزوال يعني: يصير الظل مثله.
الشيخ: إلى مساواة الظل مثله؟ ما فيها قَيْدٌ آخر؟
الطالب: بعد فيء الزوال.
الشيخ: بعد فيء الزوال، ما هي علامة الزوال؟
طالب: علامة الزوال هو ميل الشمس من الناحية الشرقية إلى الناحية الغربية.
[ ١ / ٧٨٩ ]
الشيخ: هذا هو الزوال.
الطالب: تناقص الظل حتى يزيد من الناحية الشرقية.
الشيخ: يعني: ابتداءُ زيادة الظل بعد تناهي قِصَرِه.
يقول المؤلف: (بعد فيء الزوال)، ما هذا القيد؟ ما محتَرَزه يعني؟
طالب: بعد فيء الزوال؛ أي: بعد تزداد الشمس بعد الظل التي زادت عليه الشمس.
الشيخ: الظل الذي زادت عليه الشمس لا يحسب؟
الطالب: لا يحسب، نعم.
الشيخ: كذا؟ يُحْسَب من ابتداء زيادة الظل إلى أن ينتهي بطول الشيء. له علامة في الزمن بالساعات؟
طالب: النصف ما بين طلوع الشمس إلى غروبها.
الشيخ: النصف ما بين طلوع الشمس وغروبها.
العصر؟
طالب: يحصل من () إلى مصير الشيء ().
الشيخ: فيه قول آخر؟
الطالب: العصر يكون له وقتان.
الشيخ: لا، الوقت الأول.
طالب: إلى الاصفرار.
الشيخ: إلى اصفرار الشمس.
وهذا يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وذاك يدل عليه حديث جبريل.
طالب: () يا شيخ، فلا يقال: إن العصر لها وقت واحد بدليل رواية البيهقي (٢٠): «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ» وكذلك رواية مسلم (٢١): «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَحْمَرَّ الشَّمْسُ» ().
الشيخ: لا.
الطالب: مجموع الروايات دلَّ على أن العصر لها وقت واحد.
الشيخ: لا، مجموع الروايات دلَّ على أن لها وقتين؛ لأن اصفرار الشمس واحمرار الشمس متقارب.
الطالب: إلى الغروب تَحِلُّ؟
الشيخ: أما إلى الغروب، فمرادهم منتهى الضرورة، فهو كقوله: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣).
الطالب: ما هو الدليل يا شيخ؟
الشيخ: الدليل الحدود الأولى.
الطالب: وقوله هنا: ووقت العصر ما لم تغرب الشمس؟
الشيخ: طيب، «وَمَا لَمْ تَصْفَرَّ» ويش نسوي فيها؟
الطالب: نجمع بينهم أن هذا زائد ..
الشيخ: لكن ما يكون زائدًا.
الطالب: كما جمعنا في حديث جبريل؛ قلنا: إن الاصفرار زائد على المثلين.
الشيخ: لا، إحنا نقول ..
[ ١ / ٧٩٠ ]
الطالب: الغروب ().
الشيخ: إي نعم، إحنا نقول: المثلين في الغالب، قد تختلف في بعض الأوقات؛ نقول: إذا كانت مثليه، اصفرت الشمس في أيام الشتاء مثلًا.
على كل حال هي لها وقتان بلا شك؛ وقت إلى اصفرار الشمس، والاحمرار هذا إما أن يُحْمَل على الاصفرار، وإلا فيقال: الوقت مُتَقَارب والثاني إلى الغروب.
وقت المغرب؟
طالب: من خروج وقت العصر إلى مغيب الشفق الأحمر.
الشيخ: ومتى يخرج وقت العصر؟
الطالب: غروب الشمس.
الشيخ: إذن من غروب الشمس إلى مَغيب الشفق الأحمر ولَّا الأبيض؟
الطالب: الأحمر.
الشيخ: وقت العشاء؟
طالب: من مغيب الحمرة إلى نصف الليل.
الشيخ: إلى نصف الليل، أحسنت.
وقت الفجر؟
طالب: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
الشيخ: إلى طلوع الشمس، قَيَّدْتَ بالفجر الثاني، هل هناك فجرٌ أول؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: هو فجر متد ..
الشيخ: نور.
الطالب: ممتد من الشرق إلى الغرب، وبعيد عن الأفق، ويزول بعد طلوعه.
الشيخ: صحيح، بخلاف الثاني فهو معترض.
الطالب: من الشمال إلى الجنوب.
الشيخ: من الشمال إلى الجنوب ومستمر ومتصل، بارك الله فيك.
ما هو الأصل في فعل الصلاة أن تكون في أول الوقت أو في آخره؟
طالب: إذا صلى أن يُعَجِّل بالصلاة.
الشيخ: نعم، في أول الوقت، الدليل؟
الطالب: الدليل عموم الأدلة في قوله تعالى: ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
الشيخ: ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وكذلك الأحاديث الواردة في؟
الطالب: فضيلة أول الوقت.
الشيخ: وفي فعل الرسول ﷺ ().
الطالب: وفي فعل الرسول.
الشيخ: يستثنى من هذا؟
طالب: صلاة الظهر وقت الحر، وقت ما يشتد الحر، ووقت ..
الشيخ: صلاة الظهر إذا اشتَدَّ الحرُّ تؤخر؟
طالب: تؤخر إلى ..
الشيخ: إلى الإبراد حتى يبرد الوقت، والثاني؟
طالب: الثاني إذا كان فيه غيوم.
[ ١ / ٧٩١ ]
الشيخ: إي نعم، هذا على رأي المؤلف، يعني: وقت الظهر في حالين، والصحيح أن مسألة الغيم لا تُؤَخَّر فيها.
فيه صلاة ثانية تؤخر؟
طالب: العصر يؤخر وقت الضرورة إلى قرب مغيب.
الشيخ: يعني: تؤخر عن وقت الاختيار إلى قرب غروب الشمس.
طالب: لا الأصل التأجيل.
الشيخ: هذا، ويش اللي أصله التأخير؟
الطالب: صلاة العشاء.
الشيخ: صلاة العشاء، إلى؟
الطالب: إلى ثلث الليل.
الشيخ: إلى ثلث الليل، أحسنت.
طالب: صلاة المغرب ليلة جَمْعٍ.
الشيخ: ويش ليلة جَمْعٍ هذه؟
الطالب: هي ليلة مزدلفة.
الشيخ: ليلة مزدلفة لمن قصدها مُحْرِمًا، إي نعم.
بماذا تدرك الصلاة على كلام المؤلف؟
طالب: تُدْرَك بركعة.
الشيخ: على كلام المؤلف؟
الطالب: بتكبيرة الإحرام.
الشيخ: بتكبيرة الإحرام، هل هناك دليل أو تعليل لهذا القول.
طالب: نعم، قول الرسول ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ» بس هذا فيه ركعة يا شيخ؟
الشيخ: طيب، صار فيه ركعة لا تجيبه.
أقول: هل هناك تعليل؟
الطالب: نعم تعليل؛ لأنه كَبَّر قبل دخول وقت الصلاة التي بعدها؛ يعني: هذا يكون وقت الأولى، وقت العصر.
الشيخ: ما هو بظاهر، يا شيخ.
طالب: يقال: إن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة.
الشيخ: نعم؛ فإدراك جزء منها يكون إدراكًا للكل، إذن هو تعليل، فيه رأي آخر؟
طالب: بإدراك ركعة في وقتها.
الشيخ: ما دليله؟
الطالب: قوله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٣)، وقوله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣)، «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» (٢٢).
الشيخ: إذن: فمنطوق الحديث أن إدراكها بركعة، ومفهومه أن أقلَّ من ركعة لا تُدْرَك به.
إذا أَحْرَم باجتهاد في دخول الوقت، فلا يخلو من أربع حالات؟
[ ١ / ٧٩٢ ]
طالب: غلب عليه ظَنُّه.
الشيخ: غلب على ظَنِّه، وصلَّى فلا يخلو من أربع حالات؟
الطالب: أول حال: ظَنُّه دخول الوقت.
الشيخ: ظنَّ هذا، صلَّى، فله أربع حالات؟
طالب: الحالة الأولى: أن يصلي في وقت الصلاة.
الشيخ: أن يصلي، هو الآن مجتهد.
الطالب: كيف؟
الشيخ: كيف نقول: أن يصلي وهو مجتهد؟
الطالب: يعني: أن يوافق وقت الصلاة.
الشيخ: أن يتبين أنه صلى في الوقت، فما الحكم؟
الطالب: صحَّت صلاته.
الشيخ: تَصِحُّ الصلاة، هذه واحدة، الثاني.
الطالب: الثاني: أنه صلَّى قبل وقت الصلاة، الثالث: أن ..
الشيخ: ما حكمه؟
وإن أَدْرَكَ مُكُلَّفٌ مِن وَقْتِها قَدْرَ التحريمةِ ثم زالَ تَكليفُه أو حاضَتْ ثم كُلِّفَ وطَهُرَتْ قَضَوْهَا، ومَن صارَ أهلًا لوُجوبِها قبلَ خُروجِ وَقْتِها لزِمَتْهُ وما يُجْمَعُ إليها قبلَها ويَجِبُ فورًا قضاءُ الفوائتِ مُرَتَّبًا ويَسْقُطُ الترتيبُ بنِسيانِه وبخشيةِ خُروجِ وقتِ اختيارِ الحاضرةِ، ومنها سَتْرُ العورةِ، فيَجِبُ بما لا يَصِفُ بَشَرَتَها،
(وَإِنْ أَدْرَكَ مُكَلَّفٌ مِنْ وَقْتِها قَدْرَ التَّحرِيْمَةِ، ثُمَّ زَالَ تَكْلِيْفُه، أَوْ حَاضَتْ، ثُمَّ كُلِّفَ وَطَهُرَتْ؛ قَضَوْها)
قوله: (أدرك مكلَّفٌ)، المكلَّف: هو البالغ العاقل، ووُصِفَ بذلك للزوم العبادات له، والعبادات نوع إلزام وتكليف، وإن كان ما فيها مشقَّة، لكن الإنسان ملزَمٌ بها، فهو البالغ العاقل.
وقوله: (من وقتها قدْرَ التَّحريمة)، يعني: قَدْرَ تكبيرة الإحرام، وهذا مبنيٌّ على أن المعتبَر هو؟
طلبة: إدراك ركعة.
الشيخ: إدراك تكبيرة الإحرام.
(ثم زالَ تكليفُه)، زالَ تكليفُه بأن صغُر بعد الكِبَر؟
طلبة: لا، مستحيل.
الشيخ: لا يمكن، إذن كيف؟ بأن جُنَّ بعد العقل، أو أُغميَ عليه.
(أَوْ حَاضَتْ) بعد دخول وقت الصلاة بِقَدْرِ التحريمة حاضت المرأة، زال تكليفُها أو لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٧٩٣ ]
الشيخ: زال تكليفها، لكن لا لفوات شرط، ولكن لوجود مانع وهو الحيض، وإلا فهي بالغة عاقلة، لكن وجود مانع يمنع الوجوب وهو الحيض، ولهذا فرَّق المؤلِّف بينهما فقال: (ثم كُلِّفَ، وطَهُرَت)، طَهُرَت الحائض. وفي هذا لَفٌّ ونشرٌ، كمِّل.
طالب: مرتَّبٌ.
الشيخ: مُرَتَّب، هذا مرتب، (إن أدرك مُكَلَّف) (ثم زال تكليفه أو حاضت) هذا الثانية، (ثم كُلِّف) هذا الأول، (وطهرت) هذا الثاني، فاللفُّ والنَّشر هنا مرتَّبٌ، يعني معناه: أنك إذا أتيت بالحكم عائدًا على ما سبق، فإن كان على ترتيب ما سبق فهو مرتَّب، وإن كان على خلافه فهو مشوَّش.
في القرآن مثال لهذا ولهذا؟
طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧].
الشيخ: طيب، اسمع ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، لو كان مرتَّبًا لقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾، لكنه غير مترتب فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾.
وأما المرتَّب: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود: ١٠٥، ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٨].
(ثم كُلِّفَ وطَهُرَت؛ قَضَوها)، كيف قال: (قَضَوها)، يقول: (إن أدرك مكلَّف من وقتها)، مكلَّف واحد، وقال: (ثم حاضت) مفردة، ولم يقل: قَضَيَاهَا؟ لأن المراد بالمكلَّف هنا الجنس، أو العموم؛ لوقوعه بعد الشَّرط، فلهذا صَحَّ أن يعود الضمير على اثنين مجموعًا.
(قَضَوها)، أي: قَضَوا تلك الصَّلاة.
[ ١ / ٧٩٤ ]
مثال ذلك: امرأة بعد أن غربت الشمس حاضت بعد أن مضى مقدار تكبيرة الإحرام، فنقول لها: إذا طَهُرْتِ وجب عليك قضاء صلاة المغرب، وصلاة العشاء لا يلزمها قضاؤها؛ لأنه أتى عليها الوقتُ وهي غير ملزمة بالصلاة.
طالب: () يصح العموم ().
الشيخ: أيهم؟
الطالب: العموم ().
الشيخ: النكرة في سياق النفي تعمالنكرة في سياق الشرط تكون للعموم.
الطالب: النكرة في سياق الشرط تعمالنكرة في سياق الشرط.
الشيخ: تكون للعموم.
نقول: تقضيها، المكلَّف الذي زال تكليفه: إنسان بعد أن غربت الشمس أُغميَ عليه، ثم أفاق بعد منتصف الليل، يلزمه قضاء صلاة المغرب؛ لأنه أدرك من وقتها قَدْر التحريمة، أما العشاء ففي لزومها عليه خلاف؛ فمن قال: إن المُغمَى عليه يقضي الصلوات التي فات وقتها وهو بالإغماء قال: تلزمه صلاة العشاء؛ لا لأنَّه أدرك من وقت المغرب قَدْر التَّحريمة، ولكن لأن الإغماء لا يُسْقِط فرض الصلاة، ومن قال - وهو الصحيح -: إن الإغماء يُسقط فرض الصلاة، قال: لا يلزمه في هذه الصورة إلا قضاء صلاة المغرب بناءً على أنَّها تُدرَك بإدراك تكبيرة الإحرام.
مثال ثالث: رجل غربت عليه الشمس ثم أصيب -والعياذ بالله- بالجنون، ثم أفاق بعد منتصف الليل، يلزمه قضاء صلاة المغرب؛ لأنه أدرك من وقتها قدر التحريمة.
وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء الصلاة إذا أدرك من وقتها قدر التحريمة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، ركعة، وهذا لم يدرك ركعة، فكما أننا نعتبر الإدراك في آخر الوقت بركعة، فكذلك نعتبر الإدراك في أول الوقت بركعة، هذان قولان.
وقال بعض أهل العلم -واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-: لا يلزمه القضاء هذا المكلَّف ولا الحائض، إلا إذا بقي من وقت الصلاة بمقدار فعل الصلاة فحينئذ يلزم القضاء.
نشوف الأدلة:
[ ١ / ٧٩٥ ]
أما الأول الذي يجعل ذلك منوطًا بإدراك تكبيرة الإحرام فبناءً على التعليل السابق؛ أن من أدرك مقدار جزء من الصلاة، فإن الصلاة لا تتجزأ، فيكون كما لو أدركها كاملة.
وأما القائلون بإدراك ركعة فحجتهم أيش الحديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ»، قالوا: فهذا أدركها فيكون قد أدرك الصلاة.
وأما الذين قالوا: إنه لا يلزمه حتى يتضايق الوقت عنها، فقالوا: إن الإنسان له أن يؤخِّر هذه الصلاة، فإذا طرأ المانع فقد طرأ عليه في وقت يجوز له تأخيرها إليه، وهو غير مفرِّط ولا مُعْتَدٍ، بل فاعل ما يجب عليه، ولأن هذا الأمر يقع كثيرًا في حيض النساء، ولم يُنْقَل أن المرأة إذا حاضت في أثناء الوقت ألزمت بقضاء الصلاة التي حاضت في أثناء وقتها، والأصل براءة الذمة، وهذا التعليل كما ترون تعليل قوي جدًّا.
وبناءً عليه فنقول: إذا زال التكليف، أو وُجِد المانع في وقت واسع، فإن هذه الصلاة لا يلزم قضاؤها، إن قضاها احتياطًا فهو على خير، وإن لم يقضها فليس بآثم، والعلة كما ذكرت.
وأجابوا عن الحديث بأن قوله: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ»، الإدراك في الغالب يكون في الأخير؛ لقوله ﵊: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» (٢)، ما أدركتم في أول صلاة الإمام ولَّا من آخرها؟
طلبة: من آخرها.
الشيخ: من آخرها، قالوا: فالإدراك غالبًا يكون في الأخير. ونحن نقول: إذا أدرك من وقتها قدرَ ركعة فإنه يكون قد أدركها، أما إذا زال التكليف، أو وُجِد المانع في وقت يجوز له التأخير فيه فإنه ليس بآثم ولا مُعْتَدٍ، فلا يُلْزَم بالقضاء، ففي المسألة إذن ثلاثة أقوال.
قال: (ومن صار أهلًا لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها).
[ ١ / ٧٩٦ ]
(من صار أهلًا لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته)، كيف ذلك؟ أهلية الوجوب تكون بالتكليف وزوال المانع، فيصير أهلًا لوجوبها إذا بلغ قبل خروج الوقت، إذا عقل قبل خروج الوقت، إذا زال الإغماء -على القول بأنه لا تقضى صلاة الإغماء- قبل خروج الوقت، زوال المانع إذا طهرت قبل خروج الوقت.
فقوله: (من صار أهلًا لوجوبها) يشمل من صار أهلًا لوجوبها؛ لكونه لم يكلَّف، أو لكونه مُتَّصِفًا بمانع ثم زال، فمن صار أهلًا لوجوبها قبل خروج الوقت، بمقدار كم على رأي المؤلف؟ بمقدار تكبيرة الإحرام، وعلى رأي من يقول بركعة يقول بركعة، المهم أنه صار أهلًا للوجوب قبل خروج الوقت إما بركعة أو بتكبيرة الإحرام.
(لزمته) أي: لزمته تلك الصلاة التي أدرك من وقتها قدر التحريمة على كلام المؤلف، أو قدر ركعة على القول الراجح، وهذا واضح أنها تلزمه؛ لأنه خوطِب بها في الوقت، ولقول الرسول ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١).
لكن قال: (وما يجمع إليها قبلها)، فمثلًا: إذا أدرك من صلاة العصر قدر ركعة أو قدر التحريمة لزمته صلاة العصر، ولزمته أيضًا صلاة الظهر، وإن أدرك ذلك في صلاة العشاء لزمته صلاة العشاء وصلاة المغرب أيضًا، وإن أدرك ذلك في صلاة الفجر لا يلزمه إلا الفجر؛ لأنها لا تُجمع لما قبلها، الفجر أمرها ظاهر أنه لا يلزمها سواها.
بقينا فيما إذا أدرك من وقت العصر أو من وقت العشاء، وجوب صلاة العصر عليه ظاهر؛ لأنه أدرك وقتها، ووجوب صلاة العشاء ظاهر أيضًا؛ لأنه أدرك جزءًا من وقتها.
لكن ما وجه وجوب صلاة الظهر في المسألة الأولى، وصلاة المغرب في المسألة الثانية؟
يقولون: إن وجه الوجوب: الأثر، والنظر؛ أما الأثر: فإنه رُوِيَ عن ابن عباس وأبي هريرة ﵃.
[ ١ / ٧٩٧ ]
وأما النظر: فلأن وقت الصلاة الثانية وقت للأولى عند العذر الذي يبيح الجمع، فلما كان وقتًا لها عند العذر صار إدراكُ جزء منه كإدراك جزء من الوقتين جميعًا، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فأما ما قبلها فلا يلزمه. واحتجوا بالأثر والنظر.
أما الأثر: فقول الرسول ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، و(أل) في قوله: (الصلاة) للعهد، أي: أدرك الصلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وأما الصلاة التي قبلها فلم يدرك شيئًا من وقتها، وقد مر به وقتها كاملًا وهو ليس أهلًا للوجوب، فكيف نُلْزِمُه؟ !
وأما النظر فقالوا: إن هذا مقتضى القياس الصحيح؛ لأننا متفقون وإياكم على أنه لو أدرك ركعةً من صلاة الظهر ثم وُجِد مانع التكليف لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت للظهر والعصر عند العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟ ! كلتاهما أتى عليه وقت إحدى الصلاتين وهو ليس أهلًا للتكليف.
لكن في المسألة الأولى مر عليه وقت الصلاة الأولى، وفي المسألة الثانية مر عليه وقت الصلاة الثانية، فأنتم إما أن تُلْزِمُوه بالقضاء في المسألتين -كما قال به بعض العلماء- وإما ألَّا تُلْزِمُوه فيهما كما قاله أيضًا آخرون، أما أن تُفَرِّقُوا فلا وجه لذلك.
فإن قالوا: فرَّقنا بناءً على الأثر الوارد عن الصحابة، فالجواب: الأثر الوارد عن الصحابة ربما يُحْمَل -إن صح- على سبيل الاحتياط فقط، خوفًا من أن يكون المانع قد زال قبل أن يخرج وقت الأولى، ولا سيما في الحيض، فإن الحيض قد لا تعلم المرأة به إلا بعد مدة من طهارتها، يعني قد لا تشعر بأنها طهرت من حين ما تطهر في ربع ساعة وعشر دقائق وما أشبه ذلك، فلعل ما جاء عن الصحابة يكون محمولًا على الاحتياط لا على سبيل الوجوب.
[ ١ / ٧٩٨ ]
والقول الثاني في المسألة هو الراجح؛ أنه لا يلزمه إلا الصلاة التي أدرك جزءًا من وقتها، أما التي قبلها فلا تلزم، كما أن التي بعدها لا تلزم فيما لو طرأ مانع التكليف.
طالب: () بعد نصف الليل، وعلى المذهب يكون إلى الفجر.
الشيخ: إي نعم، لكن لا وجه له المذهب.
الطالب: لكن هم ().
الشيخ: إي، هم يقولون: إذا طهرت قبل الفجر لزمها العشاء والمغرب. ()
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ويجب فورًا قضاء الفوائت مرتَّبَة، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.
ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجهها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إذا أدرك المكلَّف من رجل أو امرأة من الوقت جزءًا ثم زال التكليف أو طرأ مانع فما الحكم؟
طالب: إذا كان هذا الوقت ..
الشيخ: بنمشي على كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف () إذا أفاق يقضيها.
الشيخ: يقضيها، حجتهم في هذا؟
الطالب: أنهم يقولون: إن جزء الصلاة الفائتة تابع ..
الشيخ: لا.
طالب: يقولون: إنها وجبت بدخول الوقت واستقرت.
الشيخ: لا.
طالب: قولنا: إدراك الجزء إدراك الكل.
الشيخ: نعم، إدراك الجزء كإدراك الكل، وهذا أدرك جزءًا منها، فكان كإدراك الكل، مثال ذلك؟
طالب: مثلًا يا شيخ حاضت امرأة بعد غروب الشمس بمقدار تكبيرة.
الشيخ: بمقدار تكبيرة الإحرام، فإذا طهرت؟
الطالب: تقضي هذه الصلاة.
الشيخ: وجب عليها القضاء.
مثال آخر في زوال التكليف، هذا وُجِد المانع؟
طالب: زوال التكليف يا شيخ الجنون بعد ..
الشيخ: بعد أن غربت الشمس.
الطالب: بمقدار تكبيرة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام جُنَّ، ثم أفاق.
الطالب: فإنه يقضي ().
الشيخ: فإنه يجب عليه القضاء.
[ ١ / ٧٩٩ ]
هل هناك قول آخر؟ ما هو القول الثاني في هذه المسألة؛ فيما إذا طرأ المانع أو زال التكليف؟
طالب: ().
الشيخ: أيش؟ لأنها لا تُقْضَى مطلقًا.
الطالب: ().
الشيخ: أقول: فيها قول ثانٍ، ما هو القول الثاني؟
الطالب: القول الثاني، قالوا: مقدار ركعة.
الشيخ: نعم، قالوا: إن المدار على مقدار ركعة، فإذا زال التكليف بعد مقدار تكبيرة الإحرام ودون الركعة فإنه لا يلزمه القضاء، وكذلك لو وُجِدَ المانع –كالحيض- بعد زوال مقدار التحريمة ودون الركعة فإنه لا يلزمه القضاء، ما حجة هؤلاء؟
طالب: حجة هؤلاء من قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، وهذا لم يدرك ركعة.
الشيخ: نعم «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، وهذا لم يدرك ركعة من الصلاة، فيه قول ثالث؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: لا يقضي من طرأ عليه زوال التكليف إلا إن بقي مقدار الصلاة من آخر الوقت.
الشيخ: يعني أنه في هذه الحال إذا زال التكليف وطرأ المانع لا يقضي إلا ..
الطالب: إذا تضايق الوقت.
الشيخ: إلا إذا تضايق الوقت عن فعل العبادة، ما حجتهم؟
الطالب: حجتهم أن الشارع أباح له أن يؤخِّر الصلاة إلى هذا الوقت، فإذا طرأ عليه طارئ قبل أن يكون واجب عليه أن يؤديها فإنها لا تجب عليه.
الشيخ: فإنها لا تلزمه؛ لأنه قد وسع عليه، فيه أيضًا دليل آخر؟
طالب: الرد على استدلال الفريق الثاني ..
الشيخ: لا، ما نريد الرد، إلى الآن نحن في الدليل لهذا، يقوي هذا القول.
طالب: إن النساء يحضن، ما زلن يحضن النساء، ولم يأت دليل على أنه يجب عليهن القضاء.
الشيخ: ولم يُنْقَل عنهن أنها إذا حاضت في أثناء الوقت تقضي تلك الصلاة.
الطالب: والأصل براءة الذمة.
[ ١ / ٨٠٠ ]
الشيخ: الأصل براءة الذمةوالأصل براءة الذمة، هذا القول تعليله قوي جدًّا، إلا أننا ذكرنا أنه مع قوة تعليله يشكل عليه، ما الذي يشكل؟ الحديث «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فلهذا القولُ بهذا أن المعتبر هو الركعة ذكرنا أنه أقرب الأقوال، وهو قول وسط بين مَنْ يقيِّده بتكبيرة الإحرام، ومَن يقيِّده بتضايق الوقت.
طالب: لكن أجبنا عن هذا الحديث.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: بأن الإدراك في الأخير؛ في آخر الوقت لا في أوله.
الشيخ: إي، بأن الإدراك في آخره لا في أوله.
الطالب: قوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» (٢).
الشيخ: لا، ما هو في هذا الحديث، «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا».
الطالب: في قولهم.
الشيخ: لا، لكن التفسير بأن الإدراك يكون في الآخر، على كل حال القول الوسط هذا أحوط، وأن تعليل القول الثالث قوي جدًّا ..
طالب: () شيخ الإسلام حتى لو ترك صلاة الجماعة وكان آثمًا بالتَّرْك.
الشيخ: فيها عكس هذه المسألة، لو طرأ التكليف على الإنسان في أثناء الوقت، فما المعتَبَر؟
طالب: يقضيها وما تُجْمَع إليها.
الشيخ: يقضيها وما أجمع إليها بعدها ولَّا قبلها؟
الطالب: بعدها.
الشيخ: وما أجمع إليها بعدها؟
الطالب: قبلها.
الشيخ: قبلها، ويش مثاله؟
الطالب: مثلًا إذا بلغ بعد صلاة العصر يقضي العصر ..
الشيخ: لو بلغ في وقت العصر.
الطالب: يقضي العصر والظهر؛ لأن الظهر تجمع إليها.
الشيخ: كذلك أيضًا لو زال المانع أثناء الوقت؟
طالب: لو زال المانع حاضت قبل ..
الشيخ: لو زال المانع في أثناء الوقت.
الطالب: الْجُنُون.
الشيخ: لا، الجنون تكليف.
الطالب: لو زال الحيض عنها وطهُرت ..
الشيخ: في أثناء الوقت.
الطالب: في أثناء وقت العصر يلزمها قضاء العصر والظهر قبلها.
الشيخ: والظهر، ما هو المعتَبَر فيما إذا طرأ التكليف وزال المانع؟
طالب: إذا طرأ التكليف وزال المانع، ().
[ ١ / ٨٠١ ]
الشيخ: لكن أيش المعتبر تكبيرة الإحرام أو ركعة؟
الطالب: () يا شيخ، إدراك ركعة؟
الشيخ: المعتبر على كلام المؤلف؟
طالب: على كلام المؤلف تكبيرة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام، فإذا طهُرت مثلًا قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام لزمها صلاة الظهر والعصر، فيه قول آخر؟
طالب: إدراك ركعة.
الشيخ: المعتبر إدراك ركعة. طيب، دليله؟
الطالب: حديث النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» (٣).
الشيخ: ما فيها شيء عام، إحنا () صلاة ما هي بالعصر أو الفجر.
الطالب: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١).
الشيخ: صح، إي، هل هناك قول آخر في أنه لا يلزمها إلا قضاء الصلاة التي زال المانع في وقتها؟
طالب: إذا وُجِدَ التكليف وزال المانع فإنه لا يلزمها إلا العصر.
الشيخ: كيف إلا العصر؟ ما جبنا مثالًا الآن حتى تقول العصر.
الطالب: إذا مثلًا وُجِد التكليف في وقت العصر ..
الشيخ: لا، تجيب مثال.
الطالب: ما يلزمه إلا الصلاة التي وُجِد التكليف فيها.
الشيخ: وُجِدَ التكليف في وقتها، وأما ما قبلها؟
الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: فلا يلزمه، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: لأن الذمة ..
الشيخ: هذا تعليل.
طالب: قوله ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، ولم يقل: هو أدرك الصلاة التي قبلها.
الشيخ: صح، هذا دليل، تعليل؛ لأن وقت الصلاة الأولى قد انقضى قبل أن تنشغل ذمته بهذا الواجب.
دليل ثالث: القياس على المسألة الأولى؛ أنه لو زال التكليف بعد أن دخل وقت الصلاة التي تُجْمَع لما بعدها لم يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فهما سواء، هذا وهذا كلاهما سواء، وأما الأثر المروي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس ﵃ فهذا رأيهما وليس محل إجماع.
طالب: ضعيفان.
[ ١ / ٨٠٢ ]
الشيخ: إذا كانا ضعيفين فالحمد لله.
الطالب: () بأنهما ضعيفان.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، على كل حال، هذا مما يزيدنا قوة في الأخذ بالقول الصحيح، وإن كان الإمام أحمد استدل بذلك، والاستدلال بهما يدل على أنهما صحيحان عنده، لكن الحمد لله بعد تضعيفهما يوهن من القول بهما، على كل حال إذن نقول: خلاصة القول في هذه المسألة لأجل ما تشتبه عليكم: عندنا إذا طرأ التكليف وزال المانع، والثاني: إذا زال التكليف وطرأ المانع، هما متقابلان، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذا طرأ التكليف وزال المانع فالمذهب المعتبَر مقدار تحريمة، والقول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، والقول الثالث: المعتبَر تضايق وقت الصلاة التي حصل ذلك فيها، فلو طرأ المانع وقد بقي من وقت الصلاة أكثر من فعلها، فعلى هذا القول الأخير لا تُقْضَى، وكذلك لو زال التكليف بأن جُنَّ الإنسان في أثناء الوقت، فإنه إذا زال التكليف قبل زمن أكثر مِن فعل الصلاة فإنه لا يلزمه هذه المسألة، أعني طروء المانع وزوال التكليف.
المسألة الثانية: عكسها، وهي زوال المانع، ويش بعد؟ وطروء التكليف.
طلبة: ().
الشيخ: زوال المانع بأن تطهر المرأة في أثناء الوقت، والثاني طروء التكليف، مثال ذلك -زوال المانع- امرأة طهرت من الحيض قبل أن يخرج الوقت بمقدار تكبيرة الإحرام، تقول: على المذهب يلزمها قضاء الصلاة، وإن كان لها مجموعة قبلها لزمها قضاء الصلاة التي تُجْمَع إليها.
على القول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، وكذلك لو طرأ التكليف، بمعنى لو أن هذا الرجل المجنون عَقَل قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، لزمه أن يصلي العصر، بمقدار تكبيرة الإحرام؛ لم يلزمه على القول بأن المعتبر ركعة، ولزمه على القول بأن المعتبَر تكبيرة الإحرام.
وكلام المؤلف في هذا واضح، انظر ماذا يقول: (وإن أدرك مكلَّف من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه)، هذا أيش نقول فيه؟ زوال التكليف.
[ ١ / ٨٠٣ ]
(أو حاضت، ثم كُلِّف وطَهُرت، قَضَوْها).
طلبة: ().
الشيخ: ثم قال: (ومن صار أهلًا لوجوبها)، هذه المسألة الثانية عكسها، (قبل خروج وقتها) إما بزوال المانع وإما بطروء التكليف، (لزمته وما يُجْمَع إليها قبلها).
والصحيح أن المعتبَر ركعة، وأنه لا يلزمه ما يُجْمَع إليها قبلها، كما لا يلزمه ما يُجْمَع إليها بعدها، هذا هو الصحيح.
إلا أن مسألة طروء المانع وزوال التكليف القول بأن المعتبر تضايق الوقت قلنا: إنه قول قوي جدًّا، لكن ربط ذلك بالركعة أحوط.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا)، يجب قضاء الفوائت؛ الفوائت جمع فائتة، والفائتة كل عبادة مُوَقَّتَة خرجت وقتها فهي فائتة، سواء كانت نفلًا؛ كالوتر، أو فرضًا؛ كالصلوات الخمس.
فكل عبادة مُوَقَّتَة تُفْعَل بعد وقتها أو خرج وقتها قبل فعلها فهي فائتة، وتسمى حينئذ مَقْضِيَّة، ولهذا قال: يجب قضاء، ولم يقل: يجب أداء؛ لأن الأداء ما فُعِلَ بوقته، والقضاء ما فُعِلَ بعد وقته، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في وقته، فهذا ثلاثة أشياء: قضاء، وأداء، وإعادة؛ القضاء ما فُعِلَ بعد الوقت، والأداء ما فُعِلَ في الوقت، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في الوقت، مثلًا لو صَلَّيْتَ الظهر في مسجدك، وأتيت إلى مسجد جماعة وصلَّيْت معهم، تُسَمَّى هذه؟
طلبة: إعادة.
الشيخ: تسمى إعادة.
يجب قضاء الفوائت، عندنا قضاء لماذا سَمَّيناه قضاءً؟ لأنه بعد الوقت، فائتة؛ لأنها خرج وقتها قبل فعلها، فتكون فائتة.
قوله: (يجب) الوجوب مَرَّ علينا في أصول الفقه أنه ما أُمِرَ به على وجه الإلزام. هذا الواجب، والوجوب بمعنى الإلزام.
ودليل وجوب القضاء: قول النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤)، واللام في قوله: «فَلْيُصَلِّهَا» للأمر، والأمر للوجوب.
[ ١ / ٨٠٤ ]
ولأن هذا الإنسان الذي فاتته العبادة شُغِلَت ذِمَّتُه بها، فوجب عليه أداؤها؛ لأنها كانت دَيْنًا، كما قال الرسول ﵊ في المرأة التي سألته هل تحج عن أمها، قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (٥)، فصار لدينا دليل، أيش بعد؟ وتعليل.
الدليل: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، التعليل؛ لأن ذمته قد شُغِلَت بها فهي دَيْن عليه، والدين يجب قضاؤه.
وقوله: (يجب قضاء الفوائت)، ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يدعها عمدًا بلا عذر، أو يدعها لعذر، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم؛ أن قضاء الفوائت واجب، سواء تركها لعذر أم لغير عذر، يعني: حتى المتعمِّد الذي تعمَّد إخراج الصلاة عن وقتها يقال: إنك آثِم وعليك القضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وقول جمهور أهل العلم.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا فاتت العبادة الْمُوَقَّتَة عن وقتها لعذر قُضِيَت، وإن فاتت لغير عذر فلا قضاء، لا تخفيفًا عن المؤخِّر، ولكن تنكيلًا به وسخطًا لفعله، وهناك فرق بين التخفيف، وبين التنكيل والسخط، فنحن نقول لمن تركها عمدًا: لا تَقْضِ؛ لأنك لو تقضي ألف مرة ما قَبِلَ الله منك حتى ولو تُبْتَ، إذا تبت فأحْسِن العمل.
حجة القائلين بأنه يقضي ولو كان لغير عذر، قالوا: لأن النبي ﷺ يقول: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فإذا كان المعذور بنوم أو نسيان يلزمه القضاء، فغير المعذور من باب أولى.
وقالوا أيضًا: إنه لما ترك الصلاة حتى خرج وقتها كانت دَيْنًا عليه، والدَّيْن لا وقت له، يجب على الإنسان أن يقضيه فورًا، ولو خرج وقته، أرأيت لو كان بينك وبين شخص معاملة يحل الدَّيْن فيها في أول ليلة من شهر ربيع الأول، ثم جاءت الليلة ولم تُوفِ، هل يسقط؟
[ ١ / ٨٠٥ ]
طالب: لا.
الشيخ: لا، يبقى في ذمتك حتى تُوفِيَه ولو بعد حين، وقد سمَّى النبي ﷺ العبادات دَيْنًا، فإذا كان سمَّاها دَيْنًا فإنه يجب قضاؤها ولو تركها لغير عذر.
أما الذين قالوا بعدم الوجوب إذا كان لغير عذر فقالوا: لأن هذه الصلاة الْمُوَقَّتَة محدودة أولًا وآخرًا، والمحدود موصوف بهذا الوقت، يعني صلاة في هذا الوقت، فإذا أخرجها عنه بلا عذر فقد صلَّاها على غير الوصف الذي فُرِضَت عليه، أليس كذلك؟ فَتَرَك واجبًا من واجباتها عمدًا فلا تصح، كما لو صلَّى بغير وضوء عمدًا بلا عذر فإنه لا يصح.
هذا أيضًا إذا أخرجها عن وقتها عمدًا بلا عذر فإنها لا تصح؛ لأنها صلاة موصوفة بماذا؟ بالوقت؛ لأنها من كذا إلى كذا، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
ثانيا: إذا أخرجها عن وقتها لغير عذر، فقد فعلها على وجه لم يُؤْمَر به، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٦)، وهذا نص صريح عام، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا»، أيُّ عمل يكون؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فكان للعموم، «فَهُوَ رَدٌّ»، أي: مردود.
ثالثًا: أنه لو صلى قبل الوقت متعمِّدًا فصلاته باطلة بالاتفاق، حتى أنتم تقولون: صلاته باطلة، فأي فرق بين ما إذا فعلها قبل الوقت أو فعلها بعده، فإن كل واحد منهما قد تعدَّى حدود الله ﷿، وأخرج العبادة عن وقتها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
رابعًا: أن هذا الرجل إذا أخَّرها عن وقتها فإنه ظالم مُعْتَدٍ، وإذا كان ظالمًا معتديًا فالله لا يحب المعتدين، ولا يحب الظالمين، فكيف يُوصَف هذا الرجل الذي لا يحبه الله لعدوانه وظلمه، بأنه قريب من الله متقرِّب إليه؟ ! هذا خلاف ما تقتضيه العقول والفِطَر السليمة، وهذا القول كما ترى قول قوي جدًّا.
[ ١ / ٨٠٦ ]
أما قولهم: إنه إذا كان وقتًا للمعذور فغير المعذور من باب أولى فممنوع؛ لأن المعذور معذور، ولا يتمكن من الفعل في الوقت، فلما لم يتمكن لم يكلّف إلا ما يستطيع، أما هذا الرجل الغير معذور فهو أيش؟ قادر على الفعل مكلَّف به، فخالَف واستكبَر ولم يفعل.
فقياس هذا على هذا من أبعد القياس، والمسألة ليست مسألة أنه عُذر أو ما عُذر، نقول: نعم، المعذور وقت الصلاة في حقه عند زوال عذره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
إذن نقول: هذا قياس فاسد غير صحيح، مع مخالفته لعموم النصوص، كـ «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٦)، ومع أنه مخالف للقياس فيما إذا صلى قبل دخول الوقت.
فالصواب أن مَنْ تَرَك الصلاة عمدًا حتى على القول بأنه لا يكفر كما لو كان يصلي ويُخَلِّي، فإنه لا يقضيها، ولكن يجب عليه أن يكون هذا الفعل دائمًا نُصْبَ عينيه، وأن يُكْثِر من الطاعات والأعمال الصالحة لعلها تُكَفِّر ما حصل منه من إضاعة الوقت.
قال المؤلف ﵀: (ويجب قضاء الفوائت).
يُستفاد منه: أنه يقضي الصلاة الفائتة على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذه القاعدة المعروفة، فعلى هذا إذا قضى صلاة ليل في النهار جهر فيها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أَسَرَّ فيها بالقراءة؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
ولقول الرسول ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤)، وكما أن الأمر عائد إلى ذات الصلاة، فهو عائد إلى صفة الصلاة أيضًا، ومن صفاتها الجهر بالقراءة في الليل، والسر في القراءة في النهار.
وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة كما في حديث أبي قتادة في نومهم عن صلاة الصُّبح مع النبي ﷺ، قال: فصلَّاها كما كان يصليها كُلَّ يوم (٧).
[ ١ / ٨٠٧ ]
ويُستفاد منه أيضًا: أنه تُشْرَع فيها الجماعة إذا كانوا جمعًا، كيف ذلك؟ لأن القضاء يحكي الأداء، فكما أنهم لو صَلَّوْها في الوقت صَلَّوْها جماعة، فكذلك إذا قَضَوْها فإنهم يصلونها جماعة، وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة في حديث أبي قتادة، فإن الرسول ﷺ أَمَرَ بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى ركعتي الفجر، ثم صَلَّى الفجرَ جماعة (٨).
(ويجب فورًا قضاء الفوائت)، الفور معناه المبادرة بالشيء، كما قال تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، فالفَوْر معناه الشيء المبادِر، فمعنى (فورًا) أي: يجب أن يبادِر بقضاء الفوائت، وهنا دليل وتعليل.
أما الدليل فقول النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤)، «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، متى؟ «إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا يدل على أنها تُقْضَى فور الذِّكْر، من يوم يذكر يصلي، من يوم يستيقظ يصلي، هذا دليل، «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
تعليل: ولأن هذا دَيْن واجب عليه، والواجب المبادَرة به؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له إذا أَخَّرَ.
ولأن الإنسان إذا عَوَّدَ نفسه التهاون والتكاسل في الطاعات اعتادت هذا، وصار ذلك خُلُقًا له، فإذن لا بد من المبادرة.
ممكن أيضًا نستدل بقوله: «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب والفورية، كما مر علينا في الأصول.
فإن قلت: أليس النبي ﷺ لما استيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكانٍ آخر؟ (٩)
فالجواب: بلى، لكنه عَلَّلَ ذلك بأنه «مَكَانٌ حَضَرَهُمْ فِيهِ الشَّيْطَانُ» (٩)، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن حضور الشياطين، ولهذا نُهِيَ عن الصلاة في الحمَّام؛ لأنه مأوى الشياطين، وفي الْحُشِّ، وما أشبه ذلك، بل وفي أعطان الإبل، نُهِيَ أن يصلَّى فيها؛ لأنها خُلِقَت من الشياطين.
[ ١ / ٨٠٨ ]
وليس معناه: مادتها من الشياطين، لا، خُلِقَت من الشياطين؛ لأن فيها خُلُقًا كبيرًا من أخلاق الشياطين، وإذا كان في المخلوق خُلُق كبير من شيء معيَّن نُسِبَ إليه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، مع أنه خُلِقَ من تراب، لكن لما كانت طبيعته العجلة صار كأنه ناشئ منها، كأنها عنصر وجوده.
إذن، إذا قال قائل: كيف نجيب عن هذا الحديث؟ فالجواب أن الرسول ﵊ علَّل ذلك بأنه موطِن حضر فيه الشياطين، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن يكون فيه حضور الشياطين، وهذا لا يدل على عدم وجوب الفورية، وإن كان بعض العلماء قال بعدم وجوب الفورية لهذا الحديث.
طالب: شيخ، يوجد يا شيخ جيران هنا ناس يصلون في محل () تارة يتركون الصلاة وتارة يصلوها، ونحن ننصحهم دائمًا، يا شيخ، ما أدري يعني هل يستمرون على هذا الشيء؛ لأني أراهم دائمًا يتكرر منهم هذا الشيء؟
الشيخ: بَلِّغُوا عنهم.
طالب: شيخ، إذا قضى مثلًا صلاة الفجر، إذا ناموا عنها مثلًا جماعة، فِعْل الرسول، هل يُثَوِّبُون في الأذان ولَّا لا؟
الشيخ: هو الظاهر أنه يثوب؛ لأن هذا للفجر.
طالب: شيخ، قول من قال من العلماء: إن صلاة العشاء إذا قُضِيَت فإن الجهر بها غير مشروع؛ لأن الجهر مقصود به إسماع الآخرين، أما إذا كان سيقضيها منفرِدًا يشغل الناس؟
الشيخ: منفردًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو أصلًا الجهر ما هو مشروع إلا في الجماعة حتى لو أداها في الوقت منفردًا ما هو مشروع له أن يقرأ.
طالب: ما هو دليل شيخ الإسلام عندما جعل مناط الوجوب تضايق الوقت؟
الشيخ: هو هذا الدليل اللي قلته لك، ذكرنا ثلاثة أدلة أظن.
طالب: شيخ، اللي ما يستطيع () الدين يعني ونقول: من أدرك ركعة من صلاة؟
[ ١ / ٨٠٩ ]
الشيخ: يقول ﵀: إن الإنسان إذا كانت لم يتضايق فهو غير ملزَم بها الآن، فما دام غير ملزَم كيف نُلْزِمُه بالقضاء ونحن لا نُلْزِمُه بالفعل بالأداء، يعني هو الآن ما دام الوقت لم يَضِق فإننا لا نُلْزِمُه أن يؤديها، فإذا لم تلزم أداءً لم تلزَم قضاءً، والله تعالى قد وَسَّع عليه.
طالب: يا شيخ إذا تضايق الوقت هو () هناك ما نلزمه بالقضاء لأنه حتى الآن ما خرج وقت صلاة ..؟
الشيخ: كيف؟ لا، إذا تضايق نلزمه بالأداء، إذا تضايق ما يجوز أن يؤخِّر ولو جزءًا واحدًا من وقتها.
***
الطالب: ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.
ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورةُ رجلٍ وأمةِ وأمِّ ولد ومُعْتَقٍ بعضُها من السُّرَّة إلى الرُّكْبة، وكل الحرة عورة إلا وجهها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما حكم قضاء الفوائت؟
طالب: واجب يا شيخ.
الشيخ: واجب؟ قضاء الفوائت واجب؟
طالب: يجب عليه القضاء.
الشيخ: واجب؟
طالب: فرض يعني.
الشيخ: أو فرض يعني، لازم؟
طالب: ().
الشيخ: تقييد.
الطالب: ().
الشيخ: كيف؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: إذا كانت هذه الفرائض يعني لرجل قبل أن يتوب إلى الله ..
الشيخ: لا.
طالب: يجب قضاء الفوائت مطلقًا.
الشيخ: يجب.
الطالب: يجب وجوبًا مطلَقًا.
الشيخ: قضاء الفوائت يجب؟
طالب: لا يا شيخ، إن كان فرضًا يجب، وإن كان نفلًا يُسْتَحَبُّ.
الشيخ: إي، صح.
طالب: كلام المؤلف على أنه واجب.
طالب آخر: المؤلف يا شيخ؟
الشيخ: المهم ما علينا، أنا أسألكم عن قضاء الفوائت، إذن نقول: إذا كانت الفوائت مستحبة فالقضاء مستحب، وإلَّا فلا.
ما حكم قضاء الفرائض؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب، الدليل؟
[ ١ / ٨١٠ ]
الطالب: قول الرسول ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤).
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا دليل، التعليل؟
طالب: التعليل لأن الذمة انشغلت به () كالدين يجب عليه القضاء.
الشيخ: أحسنت، الذمة مشغولة بها لا تبرأ إلا بالقضاء، فكان ذلك واجبًا.
كلام المؤلف (يجب قضاء الفوائت) هل يشمل الفوائت عمدًا أو لعذر؟
طالب: يشمل عمدًا؛ بعذر وبغير عذر.
الشيخ: بعذر أو بغير عذر، وهذا هو المشهور من المذهب، ومذهب الأئمة الأربعة.
حجة القائلين بوجوب قضاء الفوائت سواء كان عمدًا أو غير عمد؟
طالب: أنه ما دام المعذور يقضي الصلاة، فمن باب أولى الذي تركها عمدًا يقضيها.
الشيخ: نعم أحسنت، والمعذور كما سمعنا في الحديث، هل هناك قول آخر؟
طالب: نعم، قول آخر أن الذي يترك الصلاة عمدًا لا قضاء عليه.
الشيخ: لا قضاء عليه تخفيفًا؟
الطالب: لا ().
الشيخ: ليس من باب التخفيف، ولكن من باب؟
الطالب: من باب التعنيف له.
الشيخ: نعم، ما دليل هؤلاء؟
الطالب: دليلهم قالوا: إن هذا تركها ..
الشيخ: ما دليلهم؟
الطالب: دليلهم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥].
الشيخ: لا.
طالب: قول النبي ﷺ في حديث عائشة ﵂: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١٠).
الشيخ: لا؛ لأن مَن أحدث هذا في البدعة.
طالب: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌ» (٦).
الشيخ: أحسنت، وهذا الذي أَخَّرَ الصلاة لغير عذر عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا.
كيف نرد على استدلالهم؟
طالب: في استدلال الذين قالوا بأن ..
الشيخ: بأنه يقضي المتعمِّد؛ لأنه إذا قضى المعذور فالمتعمِّد من باب أولى.
[ ١ / ٨١١ ]
الطالب: نقول: إن هذا شغله العذر عن إبراء الذمة، ولكن غير المعذور لم يكن له عذر أو شيء من هذا القبيل، النبي ﷺ خَصَّ الحديث بالمعذور فقط.
الشيخ: ولا يقاس عليه؟
الطالب: ولا يقاس عليه الغير معذور.
الشيخ: أحسنت، قلنا: إن هذا القول اللي هو اختيار شيخ الإسلام القول الراجح، رجَّحْنَاه.
يقول المؤلف (فورًا)، أيش معنى (فَوْرًا)؟
طالب: يعني المبالغة بالشيء.
الشيخ: المبالغة بالشيء، هل هناك دليل على وجوب الفورية في قضاء الفوائت؟
الطالب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
طالب آخر: تعليل، «فليُصَلِّها»، قوله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤).
الشيخ: «إِذَا ذَكَرَهَا»، فقيَّد وجوب الصلاة بما إذا ذكرها، كذا ولَّا لا؟ صحيح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولهذا لا نقول: إنه إذا ذكرها يكون الوقت موسَّعًا في حقِّه كما نقول في الأداء، بل هو مُضَيَّق من يوم يذكرها يجب أن يبادر إلى قضائها.
المؤلف يقول: (يجب قضاء الفوائت)، كيف يقضيها من حيث الصفة؟
طالب: قلنا: يقضيها الجهرية جهرية والسرية سرية.
الشيخ: والرباعية؟
الطالب: والرباعية رباعية.
الشيخ: والثنائية؟
الطالب: كذا.
الشيخ: كذا؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: يقضي الصلاة على صفتها.
الشيخ: على صفتها، كما قال.
الطالب: الصلاة السرية ..
الشيخ: السرية يقصيها سرًّا، والجهرية يقضيها جهرًا، والثنائية اثنين، والرباعية رباعية.
لو أنه ذكر صلاة سَفَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: يصليها على حضر.
الشيخ: على حضر ولَّا على سفر؟
الطالب: ما فيه عذر أنه يقصر.
الشيخ: كيف؟ نسي.
الطالب: إي، صح، لكن ما فيه عذر أنه يصليها قصرًا.
الشيخ: أنا ما أبغي أصلي من جديد، الصلاة مقضية.
طالب: يقضيها يا شيخ كما هي.
الشيخ: أيش أربع ولا ثنتين؟
الطالب: لا، أربعًا.
[ ١ / ٨١٢ ]
الشيخ: أربعة، إذن ما قضاها كما هي.
الطالب: لا هي أساسًا أربعة، لكن لعذر السفر ..
الشيخ: المهم أنها وَجَبَت عليه رباعية ولا ثنائية؟
الطالب: وجبت ثنائية.
الشيخ: طيب، كيف يقضيها؟
الطالب: يقضيها رباعية.
الشيخ: خطأ هذا، ما هو صحيح.
طالب: المذهب يقضيها رباعية، والصحيح أنه يقضيها ..
الشيخ: لكن اللي يقتضيه الحديث: «فَلْيُصَلِّهَا» (٤)؟
الطالب: يقضيها ثنائية.
الشيخ: ثنائية، وبالعكس؛ لو ذكر صلاة حضر في سفر؟
الطالب: حضر في سفر يقضيها رباعية؛ لأنها وجبت في ذمته رباعية.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صح، هذا مقتضى الحديث.
هل تُقْضَى جماعةً أو فُرَادَى؟ يعني لو فرضنا أن أناسًا ناموا عن صلاة الفجر في السفر، هل يقضونها جماعة أو فُرَادَى؟
طالب: يقضونها جماعة.
الشيخ: جماعة؟ ممكن أن تأخذها من حديث؟
طالب: حديث أبي قتادة لما نام النبي ﷺ والصحابة حتى طلعت الشمس فَقَضَوْهَا (٧).
الشيخ: قضوها جماعة، صحيح، بل ربما نأخذها من قوله: «فَلْيُصَلِّهَا».
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن نقول: يصلها على الصفة اللي هي عليها، فإذا كانت مما يُشْرَع له الجماعة صلَّاها جماعة، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا)، يعني يبدأ بها بالترتيب، فإذا كان عليه خمس صلوات تَبْتَدِئ بالظهر، صلى الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر؛ لأنها خمس.
الدليل ممكن أن نأخذها من قوله: «فَلْيُصَلِّهَا» (٤)؛ لأن هذا يشمل عين الصلاة، وكيفية الصلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة، وإذا شمل مكانها لزم أن تكون في موضعها الترتيبي، فمثلًا: الظهر يصليها بين الفجر وأيش؟ والعصر، وحينئذ يكون صلَّاها، وكذلك المغرب بين العصر والعشاء.
[ ١ / ٨١٣ ]
إذن هذا الحديث: «فَلْيُصَلِّهَا» ما شاء الله مبروك يؤخَذ منه حتى وجوب الترتيب؛ لأنه إذا صلاها على ما هي عليه يلزم أن تكون في مكانها، وكذلك ثبت عن النبي ﵊ أنه فاته خمس صلوات في الخندق، فقضاها مُرَتَّبَة (١١)، وكذلك في الجمع، كان يجمع بين الصلاتين، فيبدأ بالأُوْلَى (١٢)، فكل هذه الأدلة تدل على أنه يجب الترتيب في قضاء الفوائت.
هل يسقط الترتيب بعذر من الأعذار؟
قال المؤلف ﵀: (ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، ذكر المؤلف أنه يسقط بشيئين:
أولًا: النسيان، فلو كان عليه خمس فرائض تبتدئ من الظهر، فنسي فبدأ بالفجر مع أنها هي الأخيرة، نقول: قضاؤه صحيح؛ لأنه نسي، لو بدأ بالعصر قبل الظهر نسيانًا صح القضاء؛ لأنه يسقط بالنسيان.
ما هو الدليل؟ الدليل عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وربما يُسْتَدَلُّ بتقديم الأنساك بعضها على بعض في يوم النحر، حيث إن الرسول ﷺ كان يقول: «لَا حَرَجَ» (١٣)، ولكن الاستدلال بهذا فيه نظر؛ لأن العبادات في الحج من غير جنس واحد، ولأن الترتيب بينها يسقط بالنسيان والعمد، وحينئذ لا يصح القياس.
إذن نأخذه من عموم قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ثانيا: خشية -شوف الإضافات، هذه العبارة- (خشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، إضافات، كم؟
طالب: أربع.
الشيخ: (خشية) مضاف، (خروج) مضاف، (خروج) مضاف، (وقت) مضاف، (وقت) مضاف، و(اختيار) مضاف، (اختيار) مضاف، و(الحاضرة) مضاف، كم صارت؟ خمس.
طالب: الحاضرة مضاف إليه يا شيخ.
الشيخ: إي، مضاف إليه، إي نعم.
طالب: ().
الشيخ: ما يخالف، (خشية) واحدة، (خروج) اثنين، (وقت) ثلاثة، (اختيار) أربعة، أربع إضافات.
[ ١ / ٨١٤ ]
مثل هذا عند البلاغيين يقولون إنه خارج عن البلاغة؛ لكثرة الإضافات، لكن نقول: إذا كان لا يتضح المعنى إلا بذلك فليس خارجًا عن البلاغة، صحيح يمكن أن يعدل المؤلف عن هذا فيقول: وإذا خشي أن يخرج وقت الحاضرة المختار، يمكن يعبِّر هكذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن، وإذا خشي أن يخرج وقت الحاضرة المختار.
طالب: ().
الشيخ: لا، بس هذه ما فيها إضافات.
على كل حال المعنى أنه إذا كان يخشى أن يخرج وقت اختيار الحاضرة فإنه يسقط الترتيب، وإذا خشي أن يخرج الوقت كله من باب أولى، وليس عندنا وقت ضرورة على القول الراجح، إلا في صلاة العصر؛ لأنه سبق لنا أن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، وأما من جعله ينتهي بطلوع الفجر فيجعل ما بين نصف الليل وطلوع الفجر وقت ضرورة.
على كل حال هذا رجل ذكر أن عليه فائتة، وقد بقي على أن يكون ظِلُّ كل شيء مثليه ما لا يتسع للفائتة والحاضرة، ماذا نقول؟ نقول: قَدِّم الحاضرة.
ورجل آخر ذكر فائتة وقد بقي على طلوع الشمس ما لا يتسع لصلاة الفائتة والفجر، نقول: قَدِّم الحاضرة، وهي الفجر.
لماذا؟ لأنك لو أخَّرْتَها لزم أن تكون كلتا الصلاتين قضاءً، وإذا قَدَّمْت الحاضرة صارت المقضيَّة قضاءً والحاضرة أداءً، وأديتها في الوقت الذي أمر الله ﷾ أن تؤدَّى فيه، عرفتم؟ فهذا وجه وجوب تقديم الحاضرة.
وجه وجوبه إذن أن الله أوجب أن تصلَّى هذه الحاضرة أيش؟ في وقتها، فإذا صليت غيرها أخرجتها عن الوقت.
ثانيًا: أنك إذا قدَّمْتَ الفائتة لم تستفد شيئًا، بل تضرَّرْتَ؛ لأنك إذا قدَّمْتَ الفائتة صارت كلتا الصلاتين قضاءً، وإذا بدأت بالحاضرة صارت الحاضرة أداءً والثانية قضاءً، وهذا أولى بلا شك.
[ ١ / ٨١٥ ]
هل يسقط بغير ذلك؟ نقول: نعم، يسقط، بما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد، كصلاة الجمعة؛ فإنه لو ذكر أن عليه فائتة بعد أن أُقِيمَت صلاة الجمعة، ولا يتمكن من قضائها وإدراك الجمعة، فإنه يبدأ بالجمعة؛ لأن فوات الجمعة كفوات الوقت، فوات جماعة الجمعة كفوات الوقت؛ لأنها لو فاتت الجماعة عليك فاتتك الجمعة، لا يمكن أن تصلِّيَها جمعة بعد فوات الجماعة فيها، هذا ثلاثة.
هل يسقط بالجهل؟ لو جاءنا رجل يسأل يقول: أنا والله عليَّ فوائت، عليَّ صلاة الظهر والعصر والمغرب، وإني ما أدري، فبدأت بصلاة المغرب، ثم بالعصر، ثم بالظهر؟
نقول: كلام المؤلف يدل على أنه لا يسقط؛ لأنه لم يذكر إلا النسيان، والجاهل قد يكون مفرِّطًا بترك التعلُّم فلا يُعْذَر، وعلى هذا فنقول لهذا الرجل الذي سألنا فقدَّم المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، نقول: أَعِد أيش؟
طالب: الظهر.
الشيخ: لا، أَعِد العصر ثم المغرب، أما الظهر لا يعيدها؛ لأنها في مكانها.
وهكذا كل شيء فيه الترتيب إذا عَكَسْتَ فآخر شيء لا تعيده؛ لأنه يكون هو أول شيء؛ لأن الذي قدمته هو الذي ما صح، أما الذي كان هو الآخِر فيصح، اللهم إلا كان عبادة واحدة، كما لو سجد قبل أن يركع فلا بد من إعادة السجود بعد الركوع.
على كل حال نقول: حتى لو سجد قبل أن يركع، فإذا ركع قلنا: لا تعِد الركوع، إذن لا يُسْتَثْنَى شيء من هذه القاعدة، صار يسقط بالجهل ولَّا لا؟ على كلام المؤلف لا يسقط بالجهل، فنقول لهذا الذي سأل حيث صلى المغرب، ثم العصر، ثم الظهر: أَعِد العصر والمغرب، ولو كان جاهلًا.
[ ١ / ٨١٦ ]
وقال بعض العلماء: بل يسقط بالجهل؛ لأن الجهل أخو النسيان في كتاب الله، وكلام رسول الله ﷺ؛ قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال النبي ﵊: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١٤)، فإذا كان هذا جاهلًا فإنه لا يضره، ونقول: صلاتك صحيحة.
وهذا القول هو الصواب؛ لأن العذر واحد، وكثير من الناس لا يطرأ على باله أن الأمر فيه خلاف، يعني فيه ضرر عليه، فيقدِّم بعضًا على بعض.
هل يُعْذَر بترك الجماعة، أو بخوف فوت الجماعة؟ يعني: هل يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة؟
المذهب: لا يسقط، فنقول: ابدأ بالفائتة، ثم صَلِّ الحاضرة مع الجماعة إن أدركتها، وإلا فلا شيء عليك.
وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب يسقط بخوف فوت الجماعة، لا سيما على القول بأن الجماعة شرط لصحة الصلاة، قال: فيجب أن يقدِّم الصلاة الحاضرة بالجماعة ثم يصلِّي الفائتة.
وهذا -أعني القول بأنه يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة- مبني على القول بأنه لا يصح أن يصلي خلف مَن يصلي صلاة أخرى، أما على القول بالجواز فنقول: ادخل معهم في الجماعة، وانْوِ بها الصلاة التي عليك؛ الفائتةَ.
مثلًا: لو كان عليك الظهر وجئت وهم يصلون العصر، فإنا نقول على القول الراجح: ادخل معهم بنية الظهر، واختلاف النية لا تضر، لكن على القول بأن اختلاف النية يضر، يقول: لا يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة، كما هو المذهب.
فصار عندنا خمسة أشياء:
النسيان، وخوف خروج الوقت المختار أو غير المختار، خوف فوات الجمعة، خوف فوات الجماعة، الجهل.
المذهب: يُعْذَر بالثلاثة الأول، وهي: النسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجمعة، وأما الرابع والخامس فلا يُعْذَر فيه.
[ ١ / ٨١٧ ]
والصحيح أنه يعذر فيه، فيسقط الترتيب بخمسة أشياء: النسيان، والجهل، وخوف فوت الجمعة، وخوف فوت الجماعة، وخشية خروج وقت الصلاة، خمسة.
(وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، ثم قال: (ومنها)، أي: من شروط الصلاة (ستر العورة)، الستر بمعنى التغطية.
والعورة: ما يسوء الإنسانَ إخراجُه والنظر إليه؛ لأنها من (العَوَر) وهو العيب، وكل شيء يسوؤك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب، هذه هي العورة.
وتختلف العورة، ولكن الآن سنناقش هذا التعبير (ستر العورة)، هل جاء في الكتاب والسنة كلمة (ستر العورة) فيما يتعلق بالصلاة أو لا؟
الجواب: لا، ما جاء كلمة (ستر العورة)، ومن أجل أنه لم يأت ينبغي ألَّا نعبِّر إلا بما جاء في القرآن والسنة في مثل هذا الباب، ونظير هذا التعبير الذي أوهم تعبيرُ بعضهم بلبس المخيط بدلًا عن القميص، والسراويل، والبرانس، والعمامة، إلى آخره.
لما قال العلماء: (ستر العورة)، اشتبه على بعض الناس عورة الصلاة وعورة النظر، واختلطت عليهم، حتى جعل بعضهم هذه وهذه سواء، والأمر ليس كذلك، فبين عورة الصلاة وعورة النظر فرق، العورتان لا تتَّفقان طردًا ولا عكسًا، كما سيتبين إن شاء الله.
[ ١ / ٨١٨ ]
إذن فلو عُبِّرَ بما جاء في القرآن أو السنة لكان أسلم، الذي جاء في القرآن: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فأمر الله تعالى أن نتزين ونتجمل عند ملاقاته ﷾ والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكًا من الملوك بثياب رثَّة، أو نصف بدنه ظاهر، فكيف لا يستحي من أن يقف بين يدي ملك الملوك ﷿ بثياب غير مطلوب منه أن يلبسها؟ ! ولهذا قال عبد الله بن عمر لمولاه نافع، وقد رآه يصلِّي حاسرًا رأسه، قال له: غَطِّ رأسك، هل تخرج إلى النَّاس وأنت حاسر الرَّأس؟ قال: لا، ما أخرج إلى الناس وأنا حاسر الرأس، قال: فاللَّهُ أحقُّ أن تتجمَّلَ له (١٥)، وهذا صحيح بالنسبة لمن عادتهم ألَّا يحسروا عن رؤوسهم، ما يمكن الواحد يخرج حاسر الرأس أمام الناس.
إذن فاتخاذ الزينة غير ستر العورة، ونقول: قال النبي ﷺ: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (١٦)، وعاتق الرجل ليس بعورة بالاتفاق، ومع ذلك أَمَرَ النبي ﵊ بستره، قال: «لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فدل هذا على أن مناط الحكم ليس ستر العورة.
وقال ﷺ لجابر في الثوب: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» (١٧)، ومعلوم أنه لا يُشْتَرَط لستر العورة أن يلتحف الإنسان، بل ربما يكون فيه وَزْرَة تغطي ما يجب ستره في غير الصلاة.
إذن فليس مناط الحكم أيش؟ ستر العورة، إنما مناط الحكم اتخاذ الزينة، هذا هو الذي أمر الله به، وهو الذي دَلَّت عليه السنة، ومن أجل هذا التعبير التبس على بعض العلماء، وجعلوا المسألة -مسألة العورة- هنا كمسألة العورة هناك في باب النظر، وهما يختلافان، هذا من حيث التعبير بكلمة (ستر العورة).
ما هو الدليل على أنه من شرط صحة الصلاة ستر العورة؟
[ ١ / ٨١٩ ]
الدليل: قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقول الرسول ﷺ: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (١٧)، فلا بد من الاتزار، وإذا كان واجبًا في العبادة فكل واجب في العبادة شرط لصحتها، القاعدة الشرعية: أن كل واجب في العبادة فهو شرط لصحتها، فإذا تركه الإنسان عمدًا بطلت هذه العبادة؛ ولهذا لو ترك الإنسان التشهد الأول أو الأخير في الصلاة متعمِّدًا بطلت صلاته، حتى في الواجبات، لو تركها متعمِّدًا بطلت الصلاة.
ولهذا نقول: لا شك أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وأن مَن صلى من غير أن يلبس ما يستر به العورة، أو ما يجب ستره على الأصح، فإن صلاته باطلة.
وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن مَن صلى عريانًا مع قدرته على اللباس فصلاته باطلة. وكذلك نقله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن العلماء اتفقوا على أن الإنسان الذي يصلي عريانًا وهو قادر على اللباس فصلاته باطلة.
فيكون قد اجتمع في هذا الكتاب والسنة والإجماع.
العورة؛ قال المؤلِّف: (فيجب بما لا يصف بشرتها)، (يجب) الفاعل يعود على ستر العورة، يعني: فيجب ستر العورة بما، هذه الـ (ما)، ما نوعها؟
طلبة: موصولة.
الشيخ: يعني: بالذي، ويجوز أن نجعلها نكرة موصوفة، أي: بثوب لا يصف بشرته. هذا واحد، يعني: يشترط للساتر أن لا يصف البشرة، لا أن لا يُبَيِّن العضو، ووصف الشيء ذِكْرُ صفاته، والثوب لا يصف، هل الثوب يصف يقول لك مثلًا: ترى إن لون الجلد الذي تحتي أسود، أو إن لونه أحمر، أو إن لونه أبيض، ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: نطقًا لا يصف، لكن يصفه حالًا بلسان الحال، فإذا كان هذا الثوب الذي على البدن يُبَيِّن تمامًا لون الجلد، يُبَنِّه بيانًا واضحًا، فإن هذا ليس بساتر.
[ ١ / ٨٢٠ ]
أما إذا كان يُبَيِّن منتهى السروال من بقية العضو فهذا ساتر، لكن إذا كان يُبَيِّن لون الجلد فهذا غير ساتر، فلا يصح الستر به.
طالب: مثلًا رجل يصلي بالليل وعليه مثلا فانلة وسروال، هل يكفيه هذا ولَّا لازم يلبس ثيابه؟
الشيخ: لا، يكفي هذا.
الطالب: لكن ما يخرج إلى الناس، يعني إذا قِسْنَا على ..
الشيخ: لعل ابن عمر ﵁ قال هذا ليُنَبِّه نافعًا، ما هو بشرط.
طالب: كيف يسقط بالجهل أو بالنسيان وهو واجب، والواجبات لا تسقط؟
الشيخ: أيهم.
الطالب: الترتيب بين الفوائت، فهو واجب، والقاعدة أن الواجب لا يسقط؟
الشيخ: يقول: هذا ليس واجبًا في نفس العبادة، لكن بينها، ما هو في نفسها، ولَّا العبادة نفسها وُجِدَت كاملة، لكن بين العبادة والأخرى فهو يشبه الواجب لها لا فيها.
طالب: شيخ، إذا واحد لبس شيئًا يعني ساترًا للعورة، ولكن لا يسمى زينة عُرفًا، فصلى به مع وجود لبس عنده زينة، ولكن تركه وصلى ..
الشيخ: هذا نقول: أما مع وجود ما هو زينة ففي النفس من صحة الصلاة شيء، يعني لو جاب خِصَّاف، تعرف الخِصَّاف؟
طالب: لا.
الشيخ: الخِصَّاف خَصْف سعف النخل، ما تعرفه؟
طالب: الخوص.
طالب آخر: لا.
الشيخ: تعرف السُّفرة اللي من خوص النخل؟
طالب: نعم.
الشيخ: جاب سُفْر ولَفَّه على بدنه وقام يصلي، هذه مع وجود الزينة المعتادة والله في نفسي من هذا شيء، لكن مع عدم ذلك نقول: اتقوا الله ما استطعتم.
***
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعورة رجل وأمة وأمِّ ولد ومُعْتَقٍ بعضُها من السُّرَّة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجْهَهَا، ويستحب صلاته في ثوبين، ويكفي ستر عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض وصلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها، ومن انكشف بعض عورته وفحُش، أو صلى في ثوب محرَّم عليه أو نجس أعاد، لا مَن حُبِس في محل نجس.
[ ١ / ٨٢١ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الترتيب يسقط بخمسة أمور: الجهل، والنسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجمعة، وخوف فوت الجماعة، وسبق لنا أيضًا أن من شروط الصلاة؟
طالب: الوقت.
الشيخ: انتهينا من الوقت، وغير؟
طالب: ستر العورة.
الشيخ: ستر العورة. وذكرنا له دليلًا من القرآن والسنة والإجماع؟
طالب: نعم، قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
الشيخ: هذا في القرآن، نريد دليلًا من السنة على أنه لا بد من اللباس في الصلاة؟
طالب: قول النبي ﷺ لجابر ﵁، معنى الحديث .. «إِذَا كَانَ الثَّوْبُ فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». (١٧)
الشيخ: فيه أيضًا حديث آخر؟
طالب: قول النبي ﷺ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (١٨).
الشيخ: نعم، الحديث الثالث؟
طالب: قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ». (١٩)
الشيخ: إلا بخمار، الإجماع، هل في المسألة إجماع على أن الإنسان إذا صلى وهو عريان قادر على الستر تبطل صلاته؟
طالب: نعم، قال بعض العلماء: إن فيه إجماعًا.
الشيخ: من الذي نقله؟
الطالب: ابن عبد البر.
الشيخ: وغيره؟
الطالب: () الإفصاح.
الشيخ: وغيره؟
طالب: شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، والظاهر يمكن صاحب المغني لكني ما راجعته، على كل حال المسألة ليس فيها إشكال في أنه يجب على الإنسان عند الصلاة أن يأخذ زينته ويلبس ثيابه.
هل العورة هنا كالعورة في باب النظر؟
طالب: ().
الشيخ: لا؟
الطالب: تختلف.
الشيخ: تختلف، اذكر لي وجهين من الاختلاف طردًا وعكسًا؟
[ ١ / ٨٢٢ ]
الطالب: أن في الصلاة الكتف ما يجوز يصلي والكتف مكشوف إذا كان يستطيع أن يغطيه، وفي غير الصلاة يجوز أن يكشفه.
الشيخ: صح، في النظر المرأة يجب أن تستر وجهها على القول الراجح، وفي الصلاة لا يجب، كذا؟ الأول طرد، والثاني عكس، يعني معناه أنه ليس سواء، وحينئذ ينبغي ألَّا نُعَبِّر هنا بستر العورة؛ لئلا يشتبه الأمر، وأن نُعَبِّر بأخذ الزينة أو باللباس أو ما أشبه ذلك، أنه لا بد للصلاة من لباس.
قال المؤلف: (يجب بما لا يصف بشرتها)، (بما)، (ما) هذه ويش هي؟
طالب: بالذي.
الشيخ: ولا تصح إعرابًا آخر؟
فيَجِبُ بما لا يَصِفُ بَشَرَتَها، وَعَوْرَةُ رجلٍ وأَمَةٍ وأمِّ وَلَدٍ ومُعْتَقٍ بعضُها من السرَّةِ إلى الرُّكْبَةِ، وكلُّ الحرَّةِ عَورةٌ إلا وَجْهَها.
ويُسْتَحَبُّ صلاتُه في ثوبينِ، ويَكْفِي سَتْرُ عورتِه في النَّفْلِ ومع أحَدِ عاتِقَيْهِ في الفَرْضِ وصلاتُها في دِرْعٍ وخِمارٍ ومِلْحَفَةٍ. ويُجْزِئُ سَتْرُ عَوْرَتِها، ومَن انْكَشَفَ بعضُ عَورتِه وفَحُشَ، أو صَلَّى في ثوبٍ مُحَرَّمٍ عليه
قال المؤلف: (يجب بما لا يصف بشرتها)
(بما) (ما) هذه ويش؟
طالب: ().
الشيخ: لا تصح، إعراب آخر؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح.
طالب: تصح نكرة موصوفة.
الشيخ: تصح نكرة موصوفة؛ فيقال: بثوب لا يصف بشرتها.
طيب (بشرتها) الضمير قلنا: إنه يعود إلى العورة، طيب ما معنى وصف البشرة؟
طالب: ألا يبين ما تحت الثوب.
الشيخ: نعم، هل المراد بيان ظله، ولّا المراد بيان لونه؟
طالب: بيان ظله.
الشيخ: ظله، إي.
طالب: بيان لونه.
الشيخ: بيان لونه.
الطالب: إذا كان أبيض أو أسود.
[ ١ / ٨٢٣ ]
الشيخ: طيب، بيان اللون؛ يعني اللون يكون رهيفًا () بحيث إنك تشوف الجلد من ورائه، حتى لو كان مثلًا اللباس أسود وضعته؛ لازم تشوف منها الجلد اللي تحته بلونه، أما مجرد الظل فهذا لا يشترط، ولهذا قلنا: لو كان على الإنسان ثوب تحت مثلًا وشاف حد الثوب من الجلد فقط ولم يتبين لون الجلد فهذا ساتر.
قوله: (بثوب لا يصف بشرتها) ذكرنا أنه يشترط في هذا الثوب شروط:
طالب: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه طيب إذن سنذكرها الآن.
بثوب لا يصف البشرة، يشترط لهذا الثوب الساتر:
أولًا: ألا يصف البشرة كما قال المؤلف، ألا يصف البشرة فإن وصفها لم يجزئ؛ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك، وعلى هذا فلو لبس ثوبًا من بلاستيك كالزجاج، هو يمنع وصول الماء ويمنع حتى الهواء ما يدخل، فإنها لا تصح؛ لأن ذلك لا () بل هو يصف البشرة.
يشترط أيضًا: أن يكون طاهرًا، يشترط أن يكون طاهرًا، فإن كان نجسًا فإنه لا يصح أن يصلي به، ولو صلى به لم تصح صلاته، لا لعدم الستر، ولكن لأنه لا يجوز حمل النجس في الصلاة، الدليل؟
قالوا: الدليل: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ثيابك (ثياب) مفعول مقدم لـ (طهر)، يعني طهر ثيابك، وهو ظاهر في أن المراد ثياب اللباس.
وقال بعض أهل العلم: ﴿ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يعني: عملك طهره من الشرك؛ لأن العمل لباس كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ [الأعراف: ٢٦]، فيكون المعنى تنقية العمل من الشرك، ولهذا قال بعدها: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، فنقول: الآية تحتمل هذا وهذا، ولا يَمْتنع أن تحمل على المعنيين؛ لأنهما لا يتنافيان، وكل معنيين يحتملهما اللفظ القرآني أو اللفظ النبوي، ولا يتنافيان، فإنهما مرادان باللفظ.
[ ١ / ٨٢٤ ]
فيه أيضا دليل آخر وهو: أن النبي ﷺ أتي إليه بصبي لم يأكل الطعام؛ فأجلسه في حجره - النبي ﵊ - فبال الصبي في حجره، فدعا بماء فأتبعه إياه (١)، وهذا يدل على أنه لا بد أن يكون الثوب طاهرًا، ولهذا بادر النبي ﵊ بذلك.
دليل ثالث: أن النبي ﷺ كان يصلي ذات يوم بأصحابه فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما سلم سألهم: لماذا خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى» (٢)، وهذا يدل على وجوب التنزه مما فيه النجاسة.
دليل رابع: إن أمكن أن نحمله حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان، وقال: «إِنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ» (٣)، هذا فيه شيء من النظر والمناقشة.
دليل خامس: أن الله قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، قالوا: فإذا أمر الله تعالى بتطهير المحل، وهو منفصل عن المصلي، فما بالك باللباس الذي هو متصل به، يكون الأمر بتطهيره من باب أولى.
طالب: ().
الشيخ: آيتان.
إذن نقول: فيه أدلة من القرآن والسنة ودليل من النظر وهو الأخير القياس، على أنه لا بد أن يكون الثوب المصلَّى به طاهرًا.
الشرط الثالث: أن يكون مباحًا، يعني: ليس بمحرم، والمحرم نوعان: محرم لذاته، ومحرم لكسبه، والمحرم لذاته: محرم لعينه، ومحرم لوصفه، فهذه ثلاثة أقسام: محرم لعينه، محرم لوصفه، محرم لكسبه. المحرم لعينه كالحرير للرجل، فهذا حرام على الرجال، فلو صلى الرجل بثوب حرير، فصلاته بناءً على هذا الشرط باطلة؛ لأنه ستر عورته بثوب غير مأذون فيه، ومن عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فهو رد.
[ ١ / ٨٢٥ ]
المحرم لوصفه: كالثوب المسبَل فيه، اللي فيه إسبال، فهذا رجل عليه ثوب مباح من قطن، ولكنه نزله إلى أسفل، فنقول: هذا محرم ليش؟
لوصفه؛ فلا تصح الصلاة فيه؛ لأنه غير مأذون فيه، وهو عاصٍ بلُبسه، فيبطل حكمه شرعًا، و«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٤).
المحرم لكسبه: أن يكون مغصوبًا، أو مسروقًا، مثل: رجل سرق ثوب إنسان وصلى فيه، نقول: الصلاة هنا غير صحيحة؛ لأنك سترت عورتك بثوب محرم عليك، فلا تصح صلاتك.
فصار إذن شروط الثوب الذي يُتخذ سترة في الصلاة شروطه ثلاثة:
أولًا: ألا يصف البشرة؛ لأن ما يصفها لا يحصل به الستر.
الثاني: أن يكون طاهرًا.
والثالث: أن يكون مباحًا.
أما الشرطان الأولان فواضحان، وأدلتهما ظاهرة. أما الثالث فمحل خلاف بين العلماء، فإن من أهل العلم من يقول: إن الستر يحصل بالثوب المحرم، وهنا جهة النهي والأمر مختلفة؛ لأن المحرّم في هذا الثوب ليس لُبسه في الصلاة حتى نقول: إنه يعارض الأمر بِلُبسه في الصلاة.
انتبهوا للقاعدة: المحرم لُبس هذا الثوب مطلقًا، وعلى هذا فيكون مورد النهي غير مورد الأمر، أليس كذلك، ولا ما هو بواضح؟
يعني: لو قيل لك: لا تلبس الحرير في الصلاة، ثم لبسته، حينئذ لا تصح صلاتك؛ لأن مورد الأمر والنهي واحد، الأمر اتخاذ اللباس أو الزينة، والنهي عن لبس الحرير في الصلاة، لو كان الأمر كذلك لقلنا: إن الصلاة لا تصح لتعارض الأمر والنهي، لكن النهي خارج عن الصلاة، لا تلبس الحرير مطلقًا، وهذا الرجل لَبِسه، فهو آثم بلبسه لا شك، لكنه ليس على وجه يختص بالصلاة حتى نقول: إنه ينافيها.
وعلى هذا، فإذا صلى بثوب محرّم فصلاته صحيحة، لكنه آثم؛ لأنه متلبِّس بثوب محرم.
هل يشترط ألا يضره اللباس، يشترط ألا يضره؟
نعم؛ يشترط ألا يضره، افرض أن الثوب فيه مسامير أو خصاف، هل نُلزمه بأن يلبس هذا الذي يأكل جلده أو يُدميه؟
[ ١ / ٨٢٦ ]
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى لم يوجب على عباده ما يشق عليهم، ثم هو في أثناء صلاته هل يمكن أن يطمئن في صلاته؟ أبدًا ما يمكن يطمئن، كيف يمطمئن وهذا شاب عليه، لهذا يشترط ألا يضره.
لو فرض أن في جلده حساسية، لا يمكن أن يقبل أي ثوب، ولو أنه لبس ثوبًا لكان ما يصلي إلا صلاة يكون فيها مشغولًا جدًّا؟
فالجواب أنه يقال: إن الحرير يخفف هذه الحساسية، وأن الإنسان إذا كان في جسده حساسية ولبس الحرير، فإنه يَبرد عليه، حتى الحساسية تبرد عليه ما دام عليه هذا الثوب، وحينئذ نقول: اختر لنفسك ثوبًا من حرير، إذا تمكنت، وإذا لم تتمكن فصل على حسب الحال.
يقول المؤلف: (فيجب ما يصف بشرتها) وذكرنا الشروط أربعة الآن.
طالب: الراجح؟
الشيخ: نعم أيهم راجح؟
الطالب: الموضوع الأخير.
الشيخ: الأخير أنه ما يلزمه، أما بالنسبة للمحرّم عليه فالراجح أنها تصح الصلاة، تصح مع الإثم باللبس.
ثم بدأ المؤلف يفصل العورة، ونحن نقول: إن العورة على المذهب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
مخففة ومغلظة ومتوسطة.
العورة في الصلاة على المشهور من مذهب الحنابلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة، فنبدأ بالمغلظة ثم المخففة، ثم نقول: ما عدا ذلك متوسطة.
نبدأ بالمخففة؛ المخففة: عورة الذكر من سبع إلى عشر سنوات، وهي الفرجان فقط، يعني إذا ستر قُبُله ودُبره فقد أجزأه الستر، وإن كانت أفخاده بادية، طيب هذا من؟
طلبة: من سبع إلى عشر سنوات.
الشيخ: هذا الذكر من سبع إلى عشر سنوات، وهذا أخف العورات.
المغلظة: عورة الحُرة البالغة، كُلها عورة إلا وجْهها، فإنه ليس بعورة في الصلاة، وإن كان عورة في النظر، ونحن نُضطر إلى أن نعبر بكلمة عورة ولو كنا في باب ستر ما يجب ستره في الصلاة؛ تبعًا للمؤلف، نقول: الحرة البالغة كلها عورة إلا وجهها، حتى لو صلت في بيتها وليس عندها أحد يجب أن تَستر كل شيء إلا وجهها.
[ ١ / ٨٢٧ ]
المتوسطة: ما سوى ذلك، ما سوى ذلك فهي متوسطة، وحدُّها ما بين السرة والركبة، حدُّ العورة ما بين السرة والركبة، هذه المتوسطة، يدخل فيها الرجُل من عشر سنوات فصاعدًا، والحُرة دون البلوغ، والأَمة ولو بالغة. ولّا لا؟
قال المؤلف: (وعورة رجل) يقول في آخر الكلام: (من السرة إلى الركبة). هذا الرجل من عشر سنوات فما فوق، هذا من السرة إلى الركبة.
طيب هذا واحد، ثانيًا: (وعورة أَمَةٍ من السُرَّة إلى الركبة)، فلو صلت الأمة مكشوفة البدن ما عدا ما بين السرة والركبة، فصلاتها صحيحة، وإذا كان ليس عندها إلا سيدُها فلها أن تفعل ذلك؛ لأن سيدها ينظر منها ما شاء ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]. وإذا كان عندها امرأة؟
طالب: تصلي كذلك.
الشيخ: كذلك، ولكن في باب النظر هذه عورتها أيضًا -عورة الأمة- ما بين السرة والركبة، ولكن شيخ الإسلام ﵀ في باب النظر عارض هذه المسألة، كما عارض ابن حزم هذه المسألة في باب النظر وفي باب الصلاة، وقال: إن الأمة كالحرة؛ الطبيعة واحدة والخلقة واحدة، والرق وصف عارض خارج عن حقيقتها وماهيتها، وأتوا لنا بدليل يدل على التفريق وعلى العين والرأس، وأما أن تفرقوا بدون دليل مع أن الطبيعة واحدة، كل شيء واحد، فهذا لا يمكن.
[ ١ / ٨٢٨ ]
في باب النظر قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الإماء في عهد الرسول ﵊، وإن كن لا يحتجبن كما يحتجب الحرائر؛ لأن الفتنة بهن أقلُّ، فهُن يشبهن القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا، والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا قال الله فيهن: ﴿لَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، يقول: أما الإماء التُركيات الحسان الوجوه، فهذا لا يمكن أبدًا أن تكون كالإماء في عهد الرسول ﵊، ويجب عليها أن تستر كل بدنها عن النظر، في باب النظر.
وعلل ذلك بتعليل حقيقي مقبول، قال: لأن المقصود من الحجاب هو ستر ما تخاف به الفتنة، بخلاف الصلاة، ولهذا يجب على الإنسان أن يستر في الصلاة () أحد، حتى لو كان خاليًا في مكان ما يطلع عليه إلا الله، يجب عليه الستر، لكن في باب النظر إنما يجب حيث ينظر الناس.
قال: فالعلة في هذا غير العلة في هذا، العلة في النظر ما هي؟
طلبة: خوف الفتنة.
الشيخ: خوف الفتنة، ولا فرق في هذا بين النساء الحرائر والنساء الإماء. وما قاله صحيح بلا شك، وهو الذي يجب المصير إليه.
هذي الأمة، (وأم ولد) أم الولد: هي الأَمة التي أتت من سيدها بولد، تسمى أم ولد، وهل هي حُرة أو رَقيقة؟ هي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها عتَقَت بموته، فإذا أَولد السيد أمته فهي رقيقة، حكمها في () حكم من؟ حكم الرقيقة، حكم الأمة، يعني عورتها من السرة إلى الركبة.
(ومعتَق بعضها) يعني نصفها حر ونصفها رقيق. تصور هذا؟
طالب: المكاتب.
الشيخ: لا، المكاتب ما هو معتَق بعضه.
طالب: أثناء المكاتبة.
الشيخ: ولا أثناء المكاتبة؛ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
طلبة: ().
الشيخ: نشوف الشركة، رقيق بين رجلين، مملوك لهما، هو حر ولّا رقيق؟
طلبة: رقيق.
[ ١ / ٨٢٩ ]
الشيخ: رقيق، وين مُعتق بعضه؟ أعتق أحدهما نصيبه، إذا أعتق أحدهما نصيبه عتق الباقي، وأُخذ من السيد المعتِق قيمته للمالك؛ لمالك النصف.
إذن لم يكن معتقًا بعضه لكن نقول: يمكن، إذا كان الذي أعتق نصيبه فقيرًا فإن المشهور من المذهب أنه لا يَعتق الباقي، وعلّلوا ذلك بأنه لو سرى العتق إلى الباقي تضرّر الشريك، كيف يتضرر الشريك؟ معناه أنه خرج من ملكه بدون عوض.
وأيضًا المعسر هذا لا يمكن أن نوجب عليه العتق وهو معسر؛ لأنه معسر، لو كان كفارة ما أوجبناها عليه فكيف وهو سريان؟
فهذا الفقير لا يمكن أن نسري عليه العتق؛ لأنه فقير، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولو قال قائل: لماذا لا يسري ويبقى دينًا في ذمته؟
قلنا: في هذا ضرر على مالك النصف وعلى الفقير أيضًا؛ أن تكون ذمته مشغولة، ولكن هناك قول آخر في المسألة، يقول: يُسْتسعى العبد، ويش معنى يستسعى؟ يقال له: اعمل لتحرر نفسك، فإذا كان العبد لا يستطيع أن يعمل؛ حينئذ يتصور أن يكون مُعْتَقًا بعضه.
وهناك صور أخرى لكن المهم أنه إذا وجد رقيق بعضه حر فإنه في هذه الحال لا يعطى حكم الحر، وإنما يعطى حكم الرقيق.
فإن قال قائل: لماذا لا تعطونه حكم الحر تغليبًا لجانب الحظر، واحتياطًا للواجب؟ فما الجواب؟
الجواب: لأن الشرط لم يتحقق، فالمسألة هنا ليست وجود مانع، بل هي فوات شرط، والشرط هو الحرية الكاملة، وهنا ليس هناك حرية كاملة، فالشرط لم يتم، وليس وجود مانع، بل فوات شرط، ولا بد من استتمام الشروط.
ولهذا قال الرسول ﵊: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» (٥). إذن نقول: المعتق بعضه حكمه أيش؟ حكم الرقيق، إن كان ذَكرًا أو كان أنثى، وعلى هذا فالمرأة المعتق بعضها كأيش؟ كالأمة الخالصة.
قال: (من السرة إلى الركبة)، العبارة هذي تُخرِج السرة لا شك، لكن هل تُدخِل الركبة؟
طلبة: ().
[ ١ / ٨٣٠ ]
الشيخ: مر علينا في باب الإقراض ما بين دِرهم إلى عشرة، كم يلزم؟ على المذهب تسعة، المذهب تسعة فيدخلون ما بعد (إلى)؛ لأنهم يقولون: الغاية خارجة إذا وجد ابتداء الغاية، يعني إذا وجدت من إلى، أما إذا لم يوجد فالغاية خارجة، فهنا ما بين السرة إلى الركبة.
طالب: ().
الشيخ: خارجة، الركبة خارجة، مو على المذهب، على كلام المؤلف، على القاعدة.
الطالب: (من) يا شيخ.
الشيخ: لا إي، أحسنتم إي، طيب أنا أحسب يقول: ما بين السرة، طيب (من السرة إلى الركبة)، إذن السرة غير داخلة؛ لأنها خارج الغاية، الركبة داخلة على كلام المؤلف، وهذا أحد القولين في المسألة؛ أن الركبة من العورة، وعلى هذا فيجب أن يكون الستر نازلًا عن الركبة.
والقول الثاني: أن السرة والركبة داخلان، فيجب سترُ السرة وستر الركبة.
والثالث -وهو المشهور من المذهب- أن السرة والركبة لا يدخلان، وعلى هذا فالعبارة التي تُخرجهما أن يقال: ما بين السرة والركبة من أجل أن تخرج السرة والركبة، وهو كذلك، ولكن يرى بعض العلماء أن الفخذ ليس بعورة، ولكن يمكن ما () نناقش فيه.
طالب: قول الشيخ: العورة المغلظة للمرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها، فهل يدخل القدمان؟
الشيخ: ما وصلناه في كتاب المؤلف.
طالب: ().
الشيخ: إي لأنه يمكن التبعض، () يمكن التبعض، هذا ما يمكن التبعض، ما يمكن، نقول: النصف لا.
طالب: قول ابن حزم في الصلاة الأمة أن عورة ..
الشيخ: كالحرة. سيأتينا إن شاء الله في باب الحرة نشوف الموضوع.
طالب: إذا رأى المأموم الإمام قبل الصلاة وفي ثوبه نجاسة دخل في الصلاة ونسي يذكره قبل الصلاة؟
الشيخ: بقي ناسيًا حتى تمت الصلاة، ما عليه شيء لا هو ولا الإمام.
***
طالب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
[ ١ / ٨٣١ ]
وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجهَها، ويستحب صلاته في ثوبين، ويكفي ستر عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض، وصلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها.
ومن انكشف بعض عورته وفحش ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن من شروط الصلاة لُبس الثياب، وأن هذا التعبير أولى من التعبير بستر العورة؛ لاختلاف الحكم بين ستر العورة وبين لبس الثياب، ولهذا البخاري بوب على ذلك بقوله: باب وجوب الثياب، أو قال: لبس الثياب في الصلاة، ثم استدل بالآية: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وسبق لنا أن الناس ينقسمون فيما يجب ستره في الصلاة إلى ثلاثة أقسام، ويقال عند الفقهاء: إن العورات ثلاثة أقسام؟
طالب: مغلظة ومخففة وبينهما.
الشيخ: إي نعم، ومتوسطة.
طالب: المغلظة المرأة كلها عورة.
الشيخ: الحرة البالغة، والمخففة؟
الطالب: والمخففة ما بين السرة إلى ..
الشيخ: عورة من؟
الطالب: عورة الصبي ..
الشيخ: الذكر ..
الطالب: إي.
الشيخ: مِن؟
الطالب: من السبعة ..
الشيخ: إلى عشرة. طيب، الفرجان؟
الطالب: والباقي ().
الشيخ: أحسنت، يدخل في المتوسط مَن؟
طالب: الرجل.
الشيخ: الرجل من إلى؟
الطالب: من السرة إلى الركبة.
الشيخ: سِنه؟
الطالب: من العاشرة.
الشيخ: نعم، من العاشرة فما فوق، كذا؟ ومَن؟
طالب: من العشر أيضا العبد؟
الشيخ: كلمة رجل يشمل الحر والعبد.
الطالب: الأمة.
الشيخ: الأمة الأنثى الأمة كالرجل ما بين السرة والركبة. طيب، ومن؟
طالب: المراهقة.
الشيخ: يعني الصغيرة الحرة الصغيرة التي لم تبلغ، صح.
طالب: ().
الشيخ: لا.
الطالب: متوسطة.
الشيخ: إي متوسطة، الرجل والأمة والحرة غير البالغة.
طالب: المعتق بعضِها.
الشيخ: المعتق بعضُها.
الطالب: ().
[ ١ / ٨٣٢ ]
الشيخ: لا ما هي الحرمة.
طالب: أم ولد.
الشيخ: أم الولد، هل تعرف من هي أم الولد؟
الطالب: هي التي تنجب من سيدها، العبدة التي تنجب من سيدها.
الشيخ: الأمة التي تنجب من سيدها، أحسنت.
طيب، هل السرة والركبة داخلتان؟
طالب: على كلام المؤلف الركبة داخلة والسرة خارجة؛ على كلام المؤلف الركبة من العورة والسرة ليست من العورة.
الشيخ: كيف قال؟
الطالب: (من السرة إلى الركبة).
الشيخ: هو يقول كذا؟ (من السرة إلى الركبة). ويش اللي داخل؟
الطالب: الركبة داخلة والسرة خارجة.
الشيخ: بناءً على أيش؟ فهمت من كلام المؤلف هذا بناء على أيش؟
الطالب: قاعدة لغوية.
الشيخ: ما هي؟ ما القاعدة اللغوية؟
الطالب: من إلى: الابتداء غير داخل والغاية داخلة. العكس.
طالب آخر: بالعكس؟
الشيخ: على هذه القاعدة ما الذي يكون داخلًا في كلام المؤلف؟ السرة أم الركبة؟
طالب: السرة ابتداء الغاية داخلة، وأما النهاية فلا تدخل.
الشيخ: وهذا أحد الأقوال، والقول الثاني؟
طالب: الدرس هنا () ..
الشيخ: لا الدرس لأني قلت لكم: ما بين السرة () المؤلف من السرة.
فيه قول ثانٍ: أن السرة والركبة من العورة، وقول ثالث وهو المذهب: ليستا من العورة. طيب الخلاف في هذا بسيط.
طالب: ما هو العكس ().
الشيخ: العكس اللي حصل إن قلنا: الركبة داخلة، والسرة غير داخلة.
الطالب: إي نعم والآن؟
الشيخ: نقول: السرة داخلة والركبة غير داخلة.
طالب: وهذا الصواب؟
الشيخ: هذا على كلام المؤلف، نحن شرحنا على أن عبارة المؤلف ما بين السرة والركبة.
***
قال المؤلف ﵀: (وكل الحرة عورة إلا وجهها).
[ ١ / ٨٣٣ ]
كلُّ الحرة عورة، يعني في الصلاة إلا وجهها فليس بعورة، وليس هناك دليل واضح على هذه المسألة، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الحرة عورة إلا ما يبدو منها في بيتها، وهو الوجه والكفان والقدمان، وقال: إن النساء في عهد الرسول ﷺ كن في البيوت يلبسن القمص، وليس لكل امرأة ثوبان، ولهذا إذا أصاب دم الحيض ثوبًا غسلته وصلت فيه، فتكون القدمان والكفان غير داخلات في العورة في الصلاة، لا في النظر.
وبناءً على أنه ليس هناك دليل تطمئن إليه النفس في هذه المسألة، فأنا أقلد شيخ الإسلام في هذه المسألة، وأقول: إن هذا هو الظاهر إن لم نجزم به؛ لأن المرأة حتى لو كان لها ثوب يضرب على الأرض، فإنها إذا سجدت سوف يظهر باطن قدمها ولا بد، وعلى كلام المؤلف لا بد أن يكون الثوب ساترًا لباطن القدمين وظاهرهما، وكذلك الكفان، لا يبقى إلا الوجه، والوجه حدُّه كحد الوجه في الوضوء تمامًا، يعني من منحنى الجبهة من فوق إلى أسفل اللحية من أسفل، ومن الأذن إلى الأذن، وعلى هذا فيجب عليها أن تتحفظ بالنسبة لشعر الرأس ألا يخرج؛ بناءً على أنه ما دام متصلًا فله حكم المتصل.
وقد مر علينا في قواعد ابن رجب أظن في القاعدة الثانية: أن المذهب في هذا مختلف، فمنهم من يقول: إن الشعر في حكم المنفصل، ومنهم من يقول: في حكم المتصل.
على كل حال الآن نفهم المذهب تمامًا، فصار المذهب العورة ثلاثة أقسام:
الحرة والبالغة كلها عورة، حتى يداها وقدماها. وابن سبع إلى عشر الفرجان فقط، يعني الذكر من سبع سنين إلى عشر عورته الفرجان فقط. وما سوى ذلك ما بين السرة والركبة.
[ ١ / ٨٣٤ ]
وعن الإمام أحمد ﵀ رواية: أن عورة الرجل الفرجان فقط، أن عورة الرجل الفرجان. وظاهر النقل أنه لا فرق بين الصلاة والنظر، وأن الرواية هذه ثابتة حتى في الصلاة، وأنه يمكن للرجل أن يصلي وهو لم يستر إلا السوءتين فقط، ولكن شيخ الإسلام ﵀ أبى ذلك وقال: أما في الصلاة فلا ينبغي أن يكون خلاف في أن الواجب ستر الفخذين، أما في النظر فالنظر شيء آخر، وهذا الذي ذكره هو القول الراجح المتعين.
ولهذا كان الصحابة ﵃ إذا كانت عليهم أُزُر قصيرة يعقدونها على مناكبهم حتى لا تنزل، وهذا يدل على أنهم يرون أن الصلاة لا بد فيها من ستر ما بين السرة والركبة، حتى وإن قلنا: إن الفخذ ليس بعورة.
وقال شيخ الإسلام: لا ينبغي أن يكون في هذا خلاف؛ في مسألة الصلاة. وما قاله ﵀ فهو صحيح، ولهذا قال الرسول ﷺ: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (٦)، وقال: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٧).
فالصلاة ليست مبنية لا طردًا ولا عكسًا على مسألة النظر، ولذلك تجد أن الرجل لو خلا بامرأته جاز أن ينظر إلى جميع بدنها، وأن تنظر إلى جميع بدنه، أليس كذلك؟ لكن لو صلت بحضرته فقط يجب عليها الستر، وكذلك لو صلى هو أيضًا يجب عليه الستر. فالستر في الصلاة ليس مبنيًّا على العورة في النظر.
وبناءً على ذلك فنقول: الفخِذان في الصلاة لا بد من سترهما؛ لأن هذا أدنى ما يقال: إنه زينة، والله يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١].
[ ١ / ٨٣٥ ]
وأما في النظر، فالنظر ما كان محاذيًا للسوءتين، فله حكمهما، يعني أعلى الفخذ العالي مرة له حكمهما، وأما ما فوق ذلك ما فوق السوءتين، وما دون ما يحاذيهما من الفخذ، فإن الذي يظهر من النصوص أنها ليست بعورة من حيث النظر؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أنه كان قد حسر عن فخذه (٨)، وهو ﵊ أشد الناس حياءً، لكن بالنسبة للشباب أرى أنه لا بد أن يستر الشاب فخذه كله وما دون السرة، لماذا؟
خوفًا من الفتنة، ولا تقل: إنه لا فتنة لأن الإنسان لن يفتتن بذكر مثله، نقول: إن هذا القول ليس بصواب، خلاف الواقع، فإن من الناس من يَفتتن بالشاب، ولو كان ذكرًا، ومن الناس من لا يهتم به، وكأنما ينظر إلى أحد من أولاده، لا يمكن أن يتمتع بالنظر إليه ولا يهتم به إطلاقًا، ومن الناس من حكى الله عنهم أنهم يأتون الرجال شهوةً ويدَعون ما خلق الله لهم من أزواجهم، يترك امرأته ولو كانت من أجمل النساء ليذهب إلى محل القذر والأذى -والعياذ بالله- فيأتي الرجل منه.
على كل حال أنا أرى أنه يجب أن يُستر بالنسبة للشباب ما بين السرة والركبة ولا بد، وإن قلنا: إنه ليس بعورة، لكن لخوف الفتنة، حتى إن بعض العلماء وأظن منهم النووي وشيخ الإسلام شروط، يقول: يجب على الشاب أن يحتجب كما تحتجب المرأة، وهذا على كل حال فيه تشتيت، لكن شيخ الإسلام يقول: يحرم النظر إليه إذا تمتع الإنسان بالنظر إليه أو تلذذ، إذا تمتع أو تلذذ فإنه يحرم عليه النظر؛ لأن هذا شر، وكم نظرة كما قال الإمام أحمد، كم نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلابل. يعني الأمور اللي تبلبله وتبهدله، وهذا صحيح.
طيب إذن لنا نظران بالنسبة للعورة:
النظر الأول: عورة الصلاة إن صح أن نسميها عورة.
النظر الثاني: عورة النظر، ما هو المقصود منها؟
المقصود منها: سد ذرائع الفتنة، هذا المقصود، سد ذرائع الفتنة.
[ ١ / ٨٣٦ ]
ولهذا يجب أن يُستر ما لا يجب ستره في الصلاة؛ كالوجه مثلًا، على القول الراجح من أقوال أهل العلم، وممن اختار وجوب ستر الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك يرى وجوب ستر القدمين والكفين بالنسبة للنظر؛ بناءً على أن العلة الافتتان، وأنه إنما وجب الستر درءًا لهذه الفتنة.
أما بالنسبة للصلاة فالمقصود أخذ الزينة، وأن يكون على الإنسان ثياب، وهذا يختلف.
***
يقول المؤلف ﵀: (وتُستحب صلاتُه في ثوبينِ).
طالب: ().
الشيخ: ما يخالف، يجوز الوجهان؟ لأن صلاة مؤنث مجازي ولّا حقيقي؟
طالب: مجازي.
الشيخ: مجازي، وابن مالك يقول في التاء:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ
مُتَّصِل ٍأَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
أي: ذات فرج.
يعني: ما تلزم التاء إلا في الضمير، نعم، أو في المؤنث الحقيقي.
(تستحب صلاته في ثوبين)، يعني ينبغي للإنسان أن يصلي في ثوبين؛ لأنهما أستر، ومن الثوبين: الإزار والرداء.
والثوب الواحد إما أن يكون رداءً سابغًا يلتحف به، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه صلى في ثوب واحد ملتحفًا به (٩)، وإما أن يكون إزارًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى به، كما قال ذلك جابر بن عبد الله ﵄.
فعلى كل حال نقول: الثوب الواحد مجزئ، سواءً كان ثوبًا سابغًا يلتحف به جميع بدنه أو كان إزارًا، وقد مر علينا أن جابر بن عبد الله ﵄ صلى في إزار ورداؤه على المشجب، فذكّره رجل بذلك، فقال: فعلت هذا ليراه أحمقُ مِثْلُك. أحمق يعني: جاهل، ما هو بالأحمق سيئ التصرف؛ لأن الأحمق هو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، هذا الأحمق، والجاهل الذي يرتكبه عن جهل وعدم عمد. المهم مراد جابر ﵁ بالأحمق مُراده: الجاهل؛ لأنه ورد في لفظ آخر: ليراه الجاهلون.
على كل حال كان رداؤه على المشجب، وكان قادرًا على أن يصلي بالرداء مع الإزار، والمشجب ما هو؟
طالب: () يعلق عليه.
[ ١ / ٨٣٧ ]
الشيخ: المشجب: القنارة.
طلبة: ().
الشيخ: حتى القنارة ما تُعرف! ما هو هذا حد لفظي؟ ثلاثة أعواد تُقرَن رؤوسها، ويفتح ما بينها وتثبُت على الأرض.
طلبة: ().
الشيخ: يستعملون هادول اللي يقيسون الأرض أظن.
طلبة: () الميزان.
الشيخ: حق الميزان، إي نعم.
المهم على كل حال أنه قد ثبت جواز الاقتصار على ثوب واحد، لكن الأفضل في ثوبين؛ لأنه أقرب إلى الستر وأحوط.
طالب: الفرق يا شيخ بين نظرة التلذذ والشهوة؟
الشيخ: التمتع يعني، التلذذ والشهوة واحد، التمتع غير يعني ينظر إليه ما هو قصده شهوة النكاح، لكن يتمتع، يعجبه ويسره، يتمتع بالنظر إليه.
الطالب: ممكن ().
الشيخ: لا.
الطالب: الإنسان إذا نظر للوجه الجميل ما يبغى ينظر للوجه القبيح؟
الشيخ: لا والله مو هو على كل حال، الإنسان اللي ما يلتفت للأمور ما يهمه، لكن لاحظ اللي بيتمتع يكون كالذي يأكل التفاح () ينظر، نعم، فرق بين الإنسان يقول: والله أنا إذا شفت الوجه الجميل يعني ما أخشى منه، مثلًا ما أقشعر منه وما أشبه ذلك، لكن ما يتمتع بالنظر إليه، التمتع أنه يبقى ينظر إليه يتمتع بهذا الشيء، نقول: اصبر إلى أن تزوج إن كنت ما تزوجت وتمتع بالنظر إلى زوجتك.
طالب: المقصود الخشية يعني على النفس؟
الشيخ: إي الخشية على النفس، وأيضًا هذا ما يحل لك أنك تتمتع إليه، ما هو بمحل استمتاع لك، ما هو محل استمتاع، لكن بعض الصوفية يقول: أنا ما أنظر إليه علشانه، لكن أنظر إليه وأقول: سبحان الذي خلق هذا الوجه، ما ينظر للثاني القبيح ويقول: سبحان الذي خلق هذا الوجه.
طالب: شيخ ().
الشيخ: هذا بناء على المشهور من المذهب؛ لأن النساء الآن لا يُفْتَيْن إلا بالمشهور من المذهب، فلهذا لابد من ثوب يستر واسع كبير وينزل عشان عند السجود تتغطى قدماها.
طالب: الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ قال: إن السجود على شيء غير متصل بالبدن مكروه.
الشيخ: لا.
الطالب: المتصل بال () مكروه.
[ ١ / ٨٣٨ ]
الشيخ: إي نعم.
الطالب: بعض النساء يعني واضح أن شعر المرأة عورة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو () أحيانًا بعض النساء يعني يتحرزن والخمار ينزل لمنتصف الجبهة تسجد عليه.
الشيخ: والله على كل حال يسمح لها بالشيء الذي لا بد منه بس.
الطالب: يعني تطيل بقدر أن ..
الشيخ: بقدر ما أنه يحصل تمام الستر.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، مر علينا في المذهب أن العورة ثلاثة أقسام: مخففة، ومتوسطة، ومغلظة، ما أدري ما هو الدليل على هذا التقسيم، وهل هو مُسلّم؟
الشيخ: () إن هذه مسائل ما فيها دليل واضح، ما فيها دليل واضح أبدًا.
الطالب: ().
الشيخ: الشيء اللي ما عندنا فيه دليل يعني نقلدهم فيه، ما عندنا ويش نسوي مثل العامة إحنا في هذه المسالك.
طالب: شيخ، نفتي على حسب المذهب.
الشيخ: نفتي الأحوط ما دام الأمر في الإمكان، لكن لو جاءت تسألنا عنه بعد أن فعلته ما نقدر نقول: لا والله صلاتك بطلت لازم تعيدينها مثلًا أو الرجل نقول: صلاتك بطلت لازم تعيدها.
طالب: شيخ، ثبت في صحيح مسلم أن جابرًا ﵁ كان يصلي ومعه شيء مثل المشجب حتى كانت ضيقة قليلًا (١٠)، وكان يلبسها يعني ما كان تارك، إذن يعني ما نقول: إنه افترش اللي أيش اسمه هذا، صلى بدون شيء.
الشيخ: لا هذي قضية ثانية.
الطالب: نفسها يا شيخ () وهو على المشجب فقال في نفس الرواية: هل يراني أحمق.
الشيخ: هذه القضية الثانية.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ويكفي ستر عورته في نفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض، وصلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها، ومن انكشف بعض عورته وفحش، أو صلى في ثوب محرم عليه أو نجس، أعاد، لا من حُبس في محل نجس، ومن وجد كفاية عورته سترها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكفهما فالدبر.
[ ١ / ٨٣٩ ]
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا بيان العورات وأقسامها، وأنه يُستحب أن يصلي في ثوبين؛ كالإزار والرداء والقميص والسروال، وما أشبهها؛ كما قال المؤلف: (تستحب صلاته في ثوبين).
وعُلم من قول المؤلف: (تستحب صلاته في ثوبين) أنه يجزئ الثوب الواحد، وهو كذلك؛ لأنه ثبت عن الرسول ﵊ أنه قال في الثوب الواحد: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (١١). وثبت عنه ﷺ من فعله نفسه أنه «صلى في ثوب واحد ملتحفًا به» (٩)، ولكن الأفضل الثوبان؛ لأنهما أبلغ في الستر، ولأنه صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا. ثم ذكر صلى رجل في قميص ورداء، في قميص وإزار (١٢)، وذكر أشياء. فدل هذا على أنه إذا كان في الإنسان سعة فالثوبان أحوط.
ويؤيد ما ذهب إليه عمر ﵁؛ أن النبي ﷺ سُئل: أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» (١٣)، وهذا يدل على أن الثوب الواحد مجزئ، لكن إذا أوسع الله علينا فلنوسع؛ لأن قوله: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟» يدل على أنه ليس كل أحد من الناس له ثوبان، بل أكثر الناس في عهد الرسول ﷺ لهم على ثوب واحد.
وظاهر كلام المؤلف أن ستر الرأس ليس بسنة؛ لأنه قال: صل في ثوبين؛ إزار ورداء، قميص ورداء، وما أشبه ذلك، فظاهره أنه لا يُشرَع ستر الرأس. وقد سبق لنا من حديث ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: أتخرج إلى الناس حاسر الرأس؟ قال: لا. قال: فالله ﷿ أحق أن يُستحيا منه (١٤). أو كلمةً هذا معناها.
[ ١ / ٨٤٠ ]
وهو يدل على أن الأفضل ستر الرأس، ولكن إذا قسنا هذه المسألة، أو إذا طبقنا هذه المسألة على قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] تبين لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يُعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزينة، أما إذا كنا في قوم لا يعتبر ذلك من أخذ الزينة، فإنه لا يمكن أن نقول: إن ستره أفضل، ولا إن كشفه أفضل، لكن إذا كنا في قوم يفعلون ذلك فإن الأفضل ستر الرأس. وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يصلي في العمامة (١٥). والعمامة ساترة للرأس.
قال: (ويكفي ستر عورته في النفل)، يكفي ستر عورته أي: عورة الرجل في النفل، وهي ما بين السرة والركبة، إلا ابن سبع إلى عشر فهي أيش؟ الفرجان؛ القبل والدبر، فيكفي ستر العورة، وأما الزيادة فهو سنة.
قال: (في النفل)، يعني دون الفرض؛ لأن الفرض يحتاج إلى زيادة أخرى، يحتاج إلى زيادة في ستر العورة.
النفل كلُّ ما عدا الفرض، ثم إن الفرائض الصلوات الفريضة نوعان؛ صلاة مقيدة بوقت، وصلاة مقيدة بسبب. الصلاة المقيدة بوقت مثل الصلوات الخمس.
طالب: الرواتب.
الشيخ: الرواتب فريضة ولّا نافلة؟ الرواتب فريضة؟ نافلة، أنت تتكلم الآن عن الفريضة.
الصلوات الخمس والجمعة، كذا؟ ويمكن نقول: صلاة العيدين، على القول بأنها فرض.
وصلاة موقتة أو مقيدة بسبب: كصلاة الجنازة؛ فإن صلاة الجنازة ليس لها وقت، لكنها مقيدة بسبب، وهي فرض، لكنها فرض كفاية كما هو معروف.
المهم أن صلاة النافلة يكفي فيها ستر العورة، أما الفريضة فقال المؤلف: (ومع أحد عاتقيه في الفرض).
العاتق: هو موضع الرداء من الرقبة، الرداء تحطه هكذا يكون الرداء موضعه بين الكتف والعُنق، هذا العاتق، ففي الفريضة لا بد أن تضيف إلى ستر العورة ستر أحد العاتقين الأيمن أو الأيسر، هذا في الفريضة، طيب الدليل؟
[ ١ / ٨٤١ ]
الدليل قول النبي ﷺ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، وفي لفظ: «لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ» (٧) بالتثنية «مِنْهُ شَيْءٌ». والتثنية لا تعارض المفرد؛ لأن المفرد مضاف، والمضاف يعم. فظاهر الحديث أنه لا بد من ستر العاتقين جميعًا.
وهذا الدليل أعم من المدلول؛ لأن الدليل يقول: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ»، وهذا يشمل الفرض والنفل، فكوننا نستدل بالأعم على الأخص هذا نقص في العمل بالحديث أو بالنص. لماذا يكون نقصًا؟ لأنه إذا دل الحديث أو النص عمومًا على حُكم عام ثم قصرته على بعض أفراده؛ كان ذلك نقصًا في العمل به؛ إذ إن العام يجب -كما مر علينا في أصول الفقة- يجب أيش؟
طلبة: العمل بعمومه.
الشيخ: العمل بعمومه إلا بدليل. وهذه المسألة ليس فيها دليل، ولهذا نقول: إن الاستدلال بالحديث يجب أن يُعمَل به على سبيل العموم؛ لأن الحديث عام: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
في كلام المؤلف الآن فرق بين الفرض والنفل، وهذا من الفروق بين الفرض والنفل، وهي تزيد على عشرين فرقًا، يعني صلاة الفريضة وصلاة النافلة بينها من الفروق أكثر من عشرين فرقًا، ولعلكم تتبعونها إن شاء الله تعالى.
على كل حال هذا أحد المواضع، فصار الحكم على المذهب: يجزئ في النافلة ستر العورة، وفي الفريضة يضاف إلى ستر العورة ستر أحد العاتقين. والدليل: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ». وقلت لكم: إن هذا الدليل أعم من المدلول، فيكون العمل به إذا خصصناه ببعض أفراده يكون العمل به قاصرًا، كما أن الحديث «لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ»، والمؤلف يقول: (مع أحد عاتقيه)، ولو أخذنا بالدليل لقلنا بوجوب العاتقين جميعًا. وما ذهب إليه المؤلف هو المشهور من المذهب.
[ ١ / ٨٤٢ ]
والقول الثاني: أن ستر العاتقين سنة وليس بواجب؛ لحديث: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (٦). وهذا القول هو الراجح، ولكن كونه لا بد أن يكون على العاتقين شيء من الثوب هل هو من أجل أن العاتقين عورة، أو من أجل تمام اللباس وشد الإزار؟
طالب: الثاني.
الشيخ: لأنه إذا لم تشده على عاتقيك ربما ينسلخ ويسقط، فيكون ستر العاتقين هنا مرادًا لغيره، لا مرادًا لذاته.
المسألة محتملة، ولكن وجوب ستر العاتقين أو أحدهما على كلام المؤلف في النفس منه شيء، والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن ستر العاتقين أو أحدهما على سبيل الاستحباب.
ثم قال: (وصلاتها في درع وخمار ومِلحفة): (صلاتها) الضمير يعود على المرأة (في درع وخمار وملحفة) الدرع هو القميص السابغ اللي يصل إلى القدمين، هذا هو الدرع بالنسبة للمرأة. والخمار: ما يُلف على الرأس. والملحفة: ما يلف على الجسم كله؛ كالعباءة والجلباب وما أشبهها. فيسن للمرأة أن تصلي في هذه الثلاثة أثواب: درع، الثاني: خمار، ملحفة. ولم يذكروا السراويل، بل اقتصروا على هذا؛ لأن هذا هو الذي روي عن عمر وعائشة (١٦) ﵂ وأم سلمة (١٧) أن المرأة تصلي في الدرع والخمار، هكذا نقل عن عائشة وأم سلمة، وذكر صاحب المغني أن عمر أيضًا كذلك قال: تصلي في هذه الثلاثة: الدرع والخمار والملحفة (١٨). لكن لو اقتصرت على الدرع والخمار أجزأ، لو اقتصرت عليهما أجزأ، إلا أنه لا بد من ستر اليدين بالقفازين، ولا بد أيضًا من ستر القدمين إما بالجوارب، وإما بأن يُجعل الدرع سابغًا، بناءً على القول بأنه لا بد من ستر الكفين والقدمين.
أما على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وصاحب الإنصاف فإنه لا يجب ستر الكفين والقدمين، وبناءً على ذلك يكفي إذا كان الدرع إلى الكعبين، وكذلك كان أكمامه إلى أيش؟
طالب: الرسغ.
الشيخ: إلى الرسغ، نعم.
[ ١ / ٨٤٣ ]
قال: (صلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها) يعني: يجزئ ستر عورتها ولو بثوب واحد، فلو تلففت المرأة بثوب يستر رأسها وكفيها وقدميها وبقية بدنها، ولا يخرج منه إلا الوجه؛ أجزأ، ولو لفت نفسها بثوب يخرج منه الكفان والقدمان مع الوجه أجزأ على القول بأن الكفين والقدمين ليسا مما يجب سترهما.
وهنا لم يفرق المؤلف في المرأة بين الفرض والنفل، وفرَّق في الرجل بناءً على الحديث الذي استدل به.
ثم قال: (ومن انكشف بعض عورته وفحش، أو صلى في ثوب محرَّم عليه، أو نجس؛ أعاد، لا من حُبس في محل النجس).
قال: (من انكشف بعض عورته وفحش): (انكشف) يعني: زال عنه الستر، وبعض العورة يشمل العورة السوءة وما قلنا: إنه عورة وإن لم يكن من السوءة.
وقوله: (فحش)، أي: غلظ وعظم، ولم يقيده المؤلف ﵀ بشيء، يعني ما قال: قدر الدرهم، أو قدر الظفر، أو قدر جب الإبرة أو ما أشبه ذلك، ما قال هكذا، فإلى أي شيء نرجع؟ إلى العرف؛ لأن الشيء إذا لم يقيد بالشرع أحيل على العرف، وعليه قول الناظم:
وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ
بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
وعلى هذا فنقول: فحش عرفًا، إذا قال: والله هذا كبير نقول: هذا الذي يكون فاحشًا، إذا قالوا: هذا بسيط، يكون هذا بسيطًا لا يؤثر.
ثم إن الفحش يختلف باختلاف المنكشف، لو انكشف شيء من أسفل الفخذ مما يلي الركبة على قدر الظفر، وانكشف على السوءتين نفسيهما بقدر الظفر؛ لَعُدَّ الثاني فاحشًا، والأول غير فاحش.
فإذن يختلف باعتبار المكان الذي انكشف، واضح؟ وبناءً على ذلك يوجد بعض الناس يكون عليه بنطلون، ثم إذا سجد انكشف بعض الظهر من أعلى الظهر بعيدًا عن الدبر، فهل نقول: إن صلاته تبطل، أو نقول: هذا انكشاف يسير في العرف؟
[ ١ / ٨٤٤ ]
إذا كان يسيرًا في العرف يعني كخط الإصبع مثلًا، هذا يسير لا يضر، أما إذا كان السروال قصيرًا، ثم لما سجد وصل إلى حدّ يبين به ساق الدبر، فهذا فاحش ولّا لا؟ هذا فاحش.
إذن إذا انكشف وفحش فإنه تبطل الصلاة، ولكن ظاهر كلام الماتن: (ومن انكشف) أن هذا انكشاف بدون عمد، وأنه لو تعمد لم تصح الصلاة، سواء إن كان الانكشاف يسيرًا أو فاحشًا؛ لأن هناك فرقًا بين الانكشاف وبين الكشف. وعلى هذا فلو تعمد أن يكشف شيئًا من عورته ولو يسيرًا، ولو في زمن يسير، فإنه تبطل صلاته. فلو رفع سرواله ليحك ركبته، ورفع حتى بان آخر الفخذ، وقلنا بأن الفخذ كله عورة؛ بطلت صلاته؛ لأنه تعمد.
فإن فَحُش ولكن في زمن يسير، انكشف فاحشًا في زمن يسير ثم ستره؛ فظاهر كلام الماتن أن صلاته لا تصح، وهذا ليس بصحيح، بل نقول: إذا انكشف كثيرًا وستره بزمن يسير، فإن صلاته لا تبطل.
ويتصور ذلك فيما لو هبت ريح، هبت ريح وهو راكع وانكشف الثوب، ولكن في الحال أعاده، فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة تبطل، والصحيح أنها لا تبطل هنا، لماذا؟ لأنه ستره عن قرب، ولم يتعمد هو الكشف، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. فما دام هذا الشيء من غير فعله والزمن يسير ما هو كثير، من يوم كشفته الريح على طول غطاه المصلي، فهذا ليس عليه شيء، وصلاته صحيحة.
المهم نقول: هذه المسألة فيها المراتب الآتية:
أولًا: إذا كان عمدًا بطلت الصلاة، قليلًا كان أو كثيرًا، طال الزمن أم قصر.
ثانيًا: إذا كان غير عمد وكان يسيرًا، فالصلاة لا تبطل.
إذا كان غير عمد، وكان فاحشًا لكن الزمن قليل، ظاهر كلام المؤلف تبطل، والصحيح أنها لا تبطل.
انكشف عن غير عمد انكشافًا فاحشًا، وطال الزمن بأن لم يعلم إلا في آخر صلاته، أو بعد سلامه أيضًا، هذا لا تصح صلاته، ليش؟ لأنه فاحش وكثير، والزمن طويل.
[ ١ / ٨٤٥ ]
افرض أن إنسان بعد أن سلم من صلاته، وهو صلى في إزار أو في سروال، وجد أن هناك فتحة تحاذي السوءة، فتحة كبيرة لكن ما أحس بها إلا بعد أن سلم، ماذا نقول؟
نقول: صلاته غير صحيحة، يعيد؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، والغالب عليه أنه مفرط، أما لو فرض أنه انشق الثوب في أثناء الصلاة، وهذا يقع كثيرًا، لاسيما في الثياب الضيقة، لما سجد انشق، ثم على طول لايمه وأمسكه بيده، فالصلاة أيش؟ صحيحة، ليش؟ لأنه وإن كان فاحشًا لكن الزمن قصير، وهو لم يتعمد. هذا هو التفصيل في مسألة الانكشاف، فهمتوها الآن زين؟ إذا كان عمدًا؟
طلبة: بطلت الصلاة.
الشيخ: مطلقًا، إذا كان غير عمد وفحش مع طول الزمن؟
طلبة: تبطل مطلقًا.
الشيخ: تبطل مطلقًا، إذا كان غير عمد وكان يسيرًا؟
طلبة: تصح الصلاة.
الشيخ: لم تبطل. إذا كان غير عمد وكان فاحشًا لكن الزمن قصير، فلا تبطل أيضًا.
إذن تبطل في صورتين ولا تبطل في صورتين.
ثم قال المؤلف: (أو صلى في ثوب محرم عليه؛ لم تصح صلاته)؛ لأنه سبق لنا أن من شروط الساتر أن يكون مباحًا، فإذا صلى في ثوب محرَّم عليه إما لكسبه، وإما لعينه، فصلاته غير صحيحة.
إما لكسبه مثل أن يكون مغصوبًا، أو مسروقًا، أو ما أشبه ذلك. هذا كسب.
لعينه: مثل أن يكون حريرًا على رجل، أو مصورًا على رجل أو امرأة؛ لأن الثوب اللي فيه الصور حرام لبسه، أو كان جلد خنزير، أو ما أشبه ذلك، فإن الصلاة لا تصح، مع أن جلد الخنزير فيه شيء آخر، وهو النجاسة.
لو اشترى في دراهم سرقها، اشترى بها ثوبًا، تصح ولّا ما تصح؟
طلبة: تصح.
طلبة آخرون: ما تصح.
الشيخ: هذا محرم لكسبه؟ أخطأتم.
طالب: ().
الشيخ: هو سرق دراهم من شخص، وراح وشرى ثوب، شرى الثوب فهل بهذه الدراهم ..
طلبة: ().
الشيخ: خطأ أيضًا، إن قلتم: صحيح فهو خطأ، إن قلت: غير صحيح فهي خطأ.
طالب: ().
الشيخ: فصِّل، فيه تفاصيل لأن الثوب مفصل يمكن قصده!
[ ١ / ٨٤٦ ]
التفصيل: إن وقع العقد على عين الدراهم؛ لم تصح الصلاة فيه، وإن وقع العقد على غير عين الدراهم، يعني: في ذمة المشتري، فالصلاة فيه صحيحة. شفتوا دقة الفقهاء ﵏، يقول مثلًا: إذا جئت صاحب الثوب وقلت: بِع علي هذا الثوب بهذه الدراهم المسروقة، بهذه الدراهم، فإن الثوب لا تصح الصلاة فيه؛ لأنه العقد فاسد؛ لوقوعه على عين أيش؟ النقود المحرمة المسروقة، لكن لو قلت: بِع علي هذا الثوب بعشرة، وباعه عليك، ورحت، وراح المشتري وسرق دراهم وأوفى البايع: العقد صحيح مع أن ثمنه محرَّم.
طالب: الثوب محرم.
الشيخ: لا؛ لأن الثوب أنا ما عينت الدراهم؛ السبب أن إذا عينت صار غير صحيح؛ لأن وقوع العقد على عين الدراهم باطل ولّا لا؟ باطل، العقد على عين الدراهم باطل، إذن يكون العقد فاسدًا والثوب غير مملوك الآن، لكن إذا اشتريت الثوب في ذمتي ثبت الآن الثمن في ذمتي أنا، أليس كذلك؟ هذا الرجل المشتري اللي ثبت الثمن في ذمته ذهب وسرق دراهم وسلمها للبايع، نقول: العقد قد تم وانتهى ما فيه شيء، فعلى هذا نقول: إذا قال لك قائل: هل تصح الصلاة في ثوب ثمنه مسروق؟
طلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إن وقع العقد على عين الثمن.
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأن العقد فاسد، وإن وقع في الذمة ونُقِدَ من الثمن المسروق.
طلبة: صحيح.
الشيخ: فالعقد صحيح، والصلاة في الثوب صحيحة، كذا ولّا لا؟ طيب انتبهوا للفرق. على كل حال إذا صلى في ثوب محرم عليه فالمؤلف يقول: إن الصلاة لا تصح، لماذا؟
[ ١ / ٨٤٧ ]
يقول: لأن الستر شرط من شروط الصلاة، ولُبس هذا الثوب محرم، ولا يمكن أن يَرِد وجوب وتحريم على عين واحدة؛ هذا الثوب الآن مثلًا مُحرم يلبسه للصلاة على سبيل الوجوب، ويحرُم لبسه لأنه محرم؛ لكسبه أو لعينه، يقول: الآن تصادم الوجوب ويش بعد؟ والتحريم، إذا تصادم فإن وجود المحرم كعدمه، فلا يكون قائمًا بالواجب عليه، وحينئذ يكون هذا الستر كالعدم؛ لأنه في ثوب منهي عن لبسه، وجعل هذا المنهي بدلًا عن المأمور، فاصطدم الأمر والنهي، فبطل الأمر وصار كأنه لم يأت بما أُمر به. أعرفتم الآن؟
إذن يكون ستره بهذا الثوب المحرم كالعدم شرعًا ولّا حسًّا؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا، أما حسًّا فهو ساتر الآن، لكن شرعًا كالعدم؛ لأن هذا الثوب منهي عن لبسه، فكيف تستمر أنت فيه وتلبسه؟ ! أنت الآن مأمور بأن تخلعه، وأن تبعد عنه، فكيف تتقرب إلى الله بلُبسه وتكتفي به في شرط الصلاة. مفهوم ولّا لا؟
وهذا التعليل -كما عرفتم- تعليل قوي، ويؤيده الحديث الذي يروى عن الرسول ﵊ في ثوب المسبل أنه أمره بإعادة الصلاة (١٩)، وهذا يدل على أنه من شرط الثوب الذي تُستَر به العورة أن يكون مباحًا.
[ ١ / ٨٤٨ ]
وذهب بعض العلماء، بل كثير من أهل العلم إلى أن الصلاة في ثوب محرم عليه لا تبطل؛ لأن الستر حصل به، والجهة منفكة مختلفة؛ لأن تحريم لبس الثوب ليس من أجل الصلاة، ولكنه تحريم مطلق، لو قال الشارع مثلًا: لا تصل في هذا الثوب، قلنا: إن صليت في هذا الثوب بطلت صلاتك، ليش؟ لأنك إذا كان قال: لا تصل، ثم تصلي أنت بناء على قوله: صل في ثوب صار هناك تناقض وتعارض، أما والشارع لم ينهني عن الصلاة في هذا الثوب، وإنما نهاني عن لُبس الثوب مطلقًا في صلاة أو غيرها، فهذا لا يقتضي بطلان الصلاة؛ لأن الجهة منفكة؛ الأمر بلُبس الثوب في الصلاة ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] من أجل الصلاة، والنهي عن لبس الثوب المحرم، لا من أجل الصلاة، ولكن من أجل استعمال شيء لا يجوز لك استعماله.
ونحن نقول: هذا القول هو الراجح، إلا إذا ثبت الحديث، فإن ثبت الحديث تعيّن القول بموجبه، لكن الحديث كثير من أهل العلم ضعفه، وقال: لا تقوم به حجة، ولا يمكن أن نلزم الإنسان بإعادة صلاته بناءً على هذا الحديث.
طيب لو صلى في ثوب محرم عليه ومعه غيره؟
فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة لا تصح؛ لأنه قال: (صلى في ثوب محرم عليه)، ولم يقل: ستر بثوب محرم عليه. وعلى هذا؛ فلو كان عليه ثوب حرير وتحته ثوب قطن أو صوف، فصلاته غير صحيحة على كلام المؤلف.
وقيل: إن كان الثوب المحرم شعارًا، والمباح دثارًا، لم تصح، وإن كان العكس صحّت.
طالب: ().
الشيخ: القول الثاني يقول: إن كان الثوب شعارًا، المحرم شعارًا، لم تصح، وإن كان دثارًا صح.
الشِّعار: الذي يلي الجسد، والدثار: الفوقاني، تقول: إذا كان شعارًا صار الستر به، حصل الستر به، وإذا كان دثارًا فالستر بالذي تحته، فيفرق بين هذا وهذا، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق.
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح مثلما قلته، أنه حتى لو كان ما عليه إلا ثوب واحد محرم فالصلاة صحيحة.
[ ١ / ٨٤٩ ]
طالب: شيخ، طيب إذا اشترى بهذه الدراهم ما اشترى بهذه الدراهم ما وقع على عين الدراهم، ولكن الدراهم هي اللي سلمها ثمن، شو الحرام؟
الشيخ: الحرام تسليمه الثمن، لكن العقد صحيح.
الطالب: العقد كيف، صار مثل المغصوب؟
الشيخ: لا، ما هو مثل المغصوب، اشتريت منك مثلا ثوبًا بشرط () وانصرفت، ثم أخذته بغير حق وأعطيتك إياه، العقد صحيح ما فيه شيء.
الطالب: العقد صحيح لكن الدراهم هي اللي حرام.
الشيخ: الدراهم حرام ما فيه شك، لكن الثوب ما له دخل الآن، الثوب اشتري بعقد صحيح، ما فيه إشكال.
طالب: ذكرتم أن الراجح أنه لا يجب ()، واستدللنا بأن النبي ﷺ قال: «إن كان غير () لو قيل يا شيخ مثلًا قد يقول قائل: () فاتزر به، لعدم القدرة على () لو استدللنا بفعل النبي ﷺ بأنه صلّى في إزار من غير رداء، ما ().
الشيخ: الرسول صلى بإزار بلا رداء؟ ما أدري، ما أعرف عن هذا.
الطالب: ذكرت هذا.
الشيخ: لا، إنه صلى في ثوب بدون إزار.
الطالب: والعكس؟
الشيخ: لا، ما ذكرت.
الطالب: ()
الشيخ: لا أذكره () فليس بصحيح. عدِّل هذا ..
طالب: يعني ما حصل هذا من النبي ﷺ؟
الشيخ: لا أذكر. نعم الآن ذكرت حديث جابر.
الطالب: لو استدل به يا شيخ؟
الشيخ: نفس الشيء.
طالب: إن كان ضيقًا ().
الشيخ: إي نعم، ما قال: لا تصل به، ولم يقل: إن كان ضيقًا فاطلب ما () لأنه لو كان واجبًا كان يجب عليه أن يطلبه.
طالب: لكن استدلالنا بحديث جابر، ألا يكون ().
الشيخ: () قد يقول قائل: إنه الرسول ما عنده شيء.
طالب: الصحابي الذي كان يصلي وهو كان عمره ست سنوات.
الشيخ: إي عمرو بن سلمة.
الطالب: ().
الشيخ: لأنه ما عنده شيء، وصار قصير الإزار، إذا صار قصير الإزار ثم سجد الإنسان تظهر العورة.
طالب: إذا صلى الإنسان بثوب محرَّم لا يكون قد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله؟
الشيخ: بلى.
[ ١ / ٨٥٠ ]
الطالب: ما يكون رد؟
الشيخ: ويش اللي رد؟
الطالب: العمل؟
الشيخ: ويش هو العمل؟
الطالب: الصلاة يعني.
الشيخ: لا، الصلاة ما صليتها، ما نهانا الشارع عن الصلاة في الثوب، لو قال: لا تصل في الثوب الحرام صح؟
الطالب: لكن ويش المردود يعني اللبس نفسه؟
الشيخ: هذا اللي قلت، أنت الآن استدللت بالحديث أقول: وجه لي الاستدلال.
الطالب: () واضح أن الحديث من المردود العمل ..
الشيخ: المردود الذي ليس عليه أمر الله ورسوله، وهو الصلاة، أما اللبس ما له حكم، لو كان اللبس له حكم شرعي فيقال: لبس صحيح ولبس فاسد، قلنا: إذا لبسه على وجه المحرم صار فاسدًا ولا يصح.
ومَن انْكَشَفَ بعضُ عَورتِه وفَحُشَ، أو صَلَّى في ثوبٍ مُحَرَّمٍ عليه أو نَجِسٍ أعادَ لا مَن حُبِسَ في مَحَلٍّ نَجِسٍ.
ومَن وَجَدَ كِفايةَ عورَتِه سَتَرَها، وإلا فالفَرْجَيْنِ، فإن لم يَكْفِهِمَا فالدُّبُرِ، وإن أُعِيرَ سُتْرَةً لزِمَه قَبولُها، ويُصَلِّي العارِي قاعدًا بالإيماءِ استحبابًا فيهما، ويكونُ إمامُهم وَسَطَهُم، ويُصَلِّي كلُّ نوعٍ وَحْدَه، فإنْ شَقَّ صَلَّى الرجالُ واسْتَدْبَرَهُمْ النساءُ ثم عَكَسُوا، فإنْ وَجَدَ سُترةً قريبةً في أثناءِ الصلاةِ سَتَرَ وبَنَى وإلا ابْتَدَأَ.
ويُكْرَهُ في الصلاةِ السَّدْلُ، واشتمالُ الصَّمَّاءِ، وتَغطيةُ وَجْهِه، واللِّثامُ على فمِه وأَنْفِه،
طالب: وتُستحَب صلاته في ثوبين، ويكفي سَترُ عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض، وصلاتها في دِرْع وخِمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها.
ومن انكشف بعضُ عورته وفَحُشَ أو صلَّى في ثوبٍ مُحَرَّمٍ عليه أو نجس أعاد، لا مَنْ حُبِسَ في مَحلٍّ نَجِسٍ، ومن وَجَدَ كفايةَ عورتِه سَتَرَها وإلا فالفرجين فإن لم يكفهما فالدُّبُر، وَإِنْ أُعير سُتْرَةً لَزِمَهُ قَبولُها.
[ ١ / ٨٥١ ]
ويصلي العاري قاعدًا بالإيماء استحبابًا فيهما، ويكون إمامُهم وسطَهم، ويُصَلِّي كلُّ نوع وحده، فإن شَقَّ صلى الرجالُ واسْتَدْبَرَهُم النساء ثم عكسوا، فإنْ وَجَدَ سُتْرَةً قريبة في أثناء الصلاة سَتَر وبنى وإلا ابتدأ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن سَتْر العورة شرط لصحة الصلاة، وأن الأحسن من هذا التعبير أن نعبِّر ..
طالب: نقول: فلا نعبِّر بـ (ستر العورة)، بل نقول: اللباس في الصلاة.
الشيخ: نعم.
طالب: أَخْذ الزينة.
الشيخ: أخذ الزينة، تبعًا؟
الطالب: لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
الشيخ: أحسنت، ما هو الدليل على أنها شرط لصحة الصلاة؟
طالب: الدليل على أنها شرط لصحة الصلاة القاعدة الشرعية التي تقول: إن كل أمر في العبادة فهو شرط في صحتها.
الشيخ: الدليل؟ ما هو بالتعليل.
الطالب: أمرَ الله ﷾: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ ..
الشيخ: الكتاب؟
الطالب: إي الكتاب.
الشيخ: ويش بعد؟
الطالب: والسُّنَّة.
الشيخ: والسُّنَّة.
الطالب: وإجماع العلماء.
الشيخ: والإجماع؛ الكتاب؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، وقد فسرها سبب النزول.
الشيخ: نعم، من السُّنة؟
طالب: قوله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» (١).
الشيخ: هذا منها، ومنها؟
طالب: قوله ﷺ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَلَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٢).
الشيخ: دليل ثالث؟
طالب: قوله ﷺ: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا ..».
الشيخ: في حديث جابر: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ، وَإْنَ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» (٣).
طالب: الإجماع.
الشيخ: الإجماع؟
[ ١ / ٨٥٢ ]
طالب: إجماع العلماء.
الشيخ: مَنْ نَقله مِنْ أهل العلم؟ لأن () بالإجماع () أجمعوا () أنهم أجمعوا على ذلك ()؟
طالب: ابنُ عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: نعم، ابن عبد البر؛ لأنه سبق شيخ الإسلام.
المؤلف ﵀ بَيَّن العورات بناءً على التعبير (ستر العورة) وذكر أنها ثلاثة أقسام، على كلام الفقهاء العورة ثلاثةُ أقسام؟
طالب: مغلظة، ومخففة، ومتوسطة.
الشيخ: أحسنت، ما هي المغلظة؟
الطالب: المغلظة عورة الحرة البالغة.
الشيخ: الحرة البالغة، اذكرها؟
الطالب: وهي كلها.
الشيخ: عورة المرأة الحرة البالغة، وهي كلها.
الطالب: إلا وجهها في الصلاة.
الشيخ: إلا وجهها، أحسنت، إذن يجوز أن تصلي المرأة في المساجد وهي كاشفة الوجه؟
طالب: إذا أمنت الفتنة جاز لها ذلك؛ يعني: يوجد فاصل بين النساء والرجال؛ لا يطلع الرجال على النساء ولا النساء على الرجال.
الشيخ: إي نعم، وإلَّا وجب ستره من أجل الصلاة ولَّا من أجل النظر؟
الطالب: من أجل النظر.
الشيخ: من أجل النظر، صح.
ما هي المخففة؟
طالب: العورة المخففة هي للغلام الصغير.
الشيخ: الغلام الصغير من إلى؟
الطالب: من سبع إلى عشر.
الشيخ: من سبع إلى عشر، قالوا: إن عورته هي؟
الطالب: مخففة.
الشيخ: إي، ويش؟
الطالب: عورته الفرجان.
الشيخ: الفرجان القبل والدبر.
المتوسطة؟
طالب: المتوسطة هي عورة الرجل البالغ.
الشيخ: ما عدا ذلك؟
الطالب: ما عدا ذلك.
الشيخ: أحسنت، ما عدا ذلك، على كل حال هذا كلام الفقهاء ﵏، ونحن ذكرنا أن الصحيح أنه يجب أخذ الزينة كما قال الله ﷿، فما أعده الناس زينة وجب أخذه.
لو قال قائل: ما حكم الصلاة محسور الرأس؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟
طالب: أو حسب العرف.
الشيخ: محسور الرأس؟
الطالب: حسب العرف.
الشيخ: رجل صلى حاسرًا رأسه؟
الطالب: اختلاف الحكم باختلاف العرف.
[ ١ / ٨٥٣ ]
الشيخ: إي نعم، لكن هل هو شرط ستره؟ على كل الأعراف شرط ولَّا غير شرط؟
الطالب: على العرف الذي لا يراه من الزينة يعتبر شرطًا.
الشيخ: الذين لا يرونه من الزينة يعتبرونه شرطًا؟ !
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والذين يرونه من الزينة؟ لعلك تريد العكس.
طالب: ليس شرطًا مطلقًا.
الشيخ: ليس شرطًا مطلقًا، صح، إي نعم، ليس شرطًا مطلقًا؛ ولهذا كل المُحرِمين يكشفون رؤوسهم، ولو كان شرطًا لكان مقدَّمًا على كشفه -كشف الرأس في الإحرام- (من انكشف بعضُ عورته وفَحُشَ).
هذه (مَنْ) شرطية، فعل الشرط (انكشف)، وجواب الشرط قوله: (أعاد)، فالجملة الشرطية هذه تشتمل على عدة مسائل:
المسألة الأولى قوله: (ومَنِ انكشف بعضُ عورته وفَحُشَ) وتقدَّم الكلام عليها، وذكرنا أن الفُحْشَ يختلف بحسب المنكشَف، فما قَرُب من السوأتين -وإن قلَّ- أفحشُ مما بَعُد عنهما.
ثانيًا: المسألة الثانية قال: (أو صلَّى في ثوب مُحَرَّمٍ عليه)، إذا صلى في ثوب محرَّم عليه أعاد؛ مثل أن يصلي الرجل في ثوب حرير أو المرأة في ثوب رجل، الأول لا تَصِحُّ صلاتُه لأن الحرير محرَّم على الرجال؛ لحديث على بن أبي طالب: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٤)، فإذا صلَّى الرجل في ثوب حرير فصلاته باطلة، تجب عليه الإعادة.
صلاة المرأة في ثوب الرجل حرام؛ لأن النبي ﷺ لعن المتشبِّهات من النساء بالرجال (٥)، والتي تلبس ثوبَ رجل متشبهةً بالرجل، فهذا الثوب حرام.
الأول حرام لجنسه، والثاني حرام لوصفه؛ الأول وهو الحرير حرام لجنسه؛ لأن جنس الحرير حرام على الرجال، والثاني حرام لوصفه أي: لكونه تشبُّهًا بالرجال.
لو صلَّى رجلٌ أو امرأةٌ بثوب فيه صوَر أيضًا لم تصحَّ الصلاة؛ لأن لباس الثوب المصوَّر الذي فيه الصور حرام، فإن الصور لا يحل اقتناؤها.
[ ١ / ٨٥٤ ]
لو صلَّى رجل أو امرأة بثوب مغصوب فالصلاة أيضًا لا تصح، تجب عليه الإعادة؛ لأن الثوب المغصوب حرام لبسُه على الغاصب، سواء كان رجلًا أم امرأة.
لو صلَّى رجل أو امرأة في ثوب ثمنُه حرام فيه تفصيل؛ إن وقع العقد على عين الثمن فالصلاة فيه حرام وتبطل، وإن وقع العقد في الذمة ونقدَه من الثمن المحرَّم فالصلاة صحيحة؛ لأن لبس هذا الثوب غيرُ محرَّم، الفرق عندكم معلوم بين هذا وهذا؟
طلبة: ().
الشيخ: غير معلوم، إن شاء الله يُعْلَم، إذا وقع العقد على عين الثمن مثل أن أقول: اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدراهم، الآن العقد وقع على عين الدراهم؛ فهنا يكون لبس المشتري للثوب حرامًا، وإذا صلَّى فيه وجبت عليه الإعادة؛ لأن هذا الثوب حرام حيث كان عوضًا عن هذا الحرام.
مثال الثاني أن يشتري ثوبًا ثم ينقد ثمنه من مُحَرَّم؛ أن يشتري الثوب بعشرة ريالات ثم يذهب ويسرق عشرة ويعطيها البائع، الآن الثوب ثمنُه حرام؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المعيَّن غير حرام؛ لأن الثمن غير معيَّن الآن، اشتريت منك ثوبًا بعشرة، ثبتت العشرة في ذمتي أنقدها من مالي، أنقدها من مال مسروق، من مال مغصوب، من أي مال.
قال العلماء: فهذا الثوب لباسه غير محرَّم فتصح الصلاة فيه لأن ثمنه غير معين في العقد، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
فصار الثوب الذي ثمنه حرام إن عُيِّن الثمن في العقد حرُم استعمال الثوب؛ فإن استعمله وصلَّى فيه بطلت الصلاة، وإن لم يُعَيَّن بل اشتراه في ذمته ثم نقده من دراهم مُحَرَّمة فلبسُه حلال، والصلاة فيه صحيحة.
طالب: ما الضابط يا شيخنا؟
طالب آخر: في كلتا الحالتين الثمن المنقود من المشتري من مال حرام، فما الفرق إذن؟
[ ١ / ٨٥٥ ]
الشيخ: الفرق إذا وقع العقد على عين الدراهم صار الآن بدلًا ببدل؛ ولهذا إذا وقع العقد على عين الدراهم لا يمكن للمشتري أن يبدِّلها؛ يعني لو قلت مثلًا لك: اشتريت منك هذا الثوب بهذه العشرة، ثم بدا لي أن أعطيك عشرة ورقة واحدة، هذه عشرة أوراق بعشرة أريل كل ورقة ريال، معلوم هذا ولَّا لا؟
اشتريت منك هذا الثوب بهذه العشرة؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، عشرة، بهذه العشرة، ثم بدا لي؛ قلت: هات، لا، ما أعطيه عشرة، أعطيه عشرة ورقة واحدة من فئة عشرة؛ لأني أحتاج هادولي، () هل أملك التغيير الآن ولَّا لا؟ ما أملك التغيير؛ لأن البائع ملك العشرة الآن؛ حيث وقع العقد عليها بعينها.
لكن لو قلت: في جيبي الأيمن فئة عشرة وفي جيبي الأيسر فئة ريال، أنا بالخيار إن شئت أعطيتك من هذا وإن شئت أعطيتك من هذا، أفهمتم الفرق الآن؟ هذا هو الفرق.
يقولون: إن الثمن المعيَّن يكون العقد واقعًا عليه بعينه ويكون هذا المبيع عوضًا عن مُحَرَّمٍ، وعوض المحرم محرم، أما ما وقع في الذمة فهو في ذمة الإنسان، والذمة قابلة للتصرف؛ هكذا يُفَرِّق أهل العلم، وهو فرق دقيق في الواقع.
خلاصة الأمر، أو خلاصة القول أن مَن صلَّى في ثوب محرَّم عليه سواء كان لجنس الثوب أو لوصفه أو لكون ثمنه المعيَّن حرامًا فصلاته باطلة، ما الدليل؟
[ ١ / ٨٥٦ ]
أقول: هذا مبني على أمر سبق، وهو أنه يُشترَط في الساتر أن يكون مباحًا؛ قالوا: لأن السِّتر عبادة، والعبادة إذا وقعت على وجه منهيٍّ عنه فقد وقعت على غير أمر الله ورسوله فتكون مردودة بدليل «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٦)، فأنت الآن سُتِرْتَ بثوب لا يُؤْذَن لك فيه شرعًا، أنت مأمور أن تخلعه، فكيف تتقرب إلى الله بلبسه، إذن تعبدت لله بماذا؟ بما نهاك عنه، وهذا تناقض، عملت عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون باطلًا مردودًا فتبطل الصلاة؛ لأن المحرم شرعًا كالمعدوم حسًّا، فلا يمكن أن تنتفع بهذا الثوب، أعرفتم الآن؟
وهذه المسألة خلافية وأظنني ذكرتها لكم، وقلت: إن بعض العلماء يقول: إن صلاته صحيحة.
والسِّتْر وصف في العبادة وليس هو العبادة، وهو حاصل بالثوب المحرَّم وغير المحرم، حاصل بهما جميعًا بالثوب المحرَّم وغير المحرم، والصلاة نفسها لم تقع على وجه محرَّم، وهي -أي الصلاة- هي موضع الحُكْم؛ حيث نقول: تصح أو لا تصح، وهي الآن واقعة على وجه محرَّم؛ يعني: لم يقل الرسول ﷺ: لا تصلوا في ثوب مغصوب، لو قال: لا تصلوا في ثوب مغصوب، قلنا: مَنْ صلَّى في ثوب مغصوب بطلت صلاته؛ لأنه فَعَل العبادة على وجه منهي عنه محرم، لكن ما قال هكذا، بل أمر بستر العورة، وهذا رجل ستر عورته، لكنه آثم بالستر بمحرم، أما الصلاة ما لها دخل في الموضوع، الصلاة أُدِّيت على الوجه المطلوب، وعلى حسب ما أُمِرَ به، والستر حاصل، وأما كون الثوب مباحًا أو حرامًا فهذا يرجع إلى أمر آخر، والعبارة التي تقتضي أن تكون الصلاة باطلة لو كان الوارد في النصوص أيش؟ لا تصلوا في ثوب محرم، لو كان هكذا قلنا: نعم، إذا صلى في ثوب محرم بطلت صلاته؛ ولهذا من حيث الإفتاء نقول: إذا سألَنا سائل قد صَلَّى في ثوب محرم فلا يتوجه أمره بالإعادة.
[ ١ / ٨٥٧ ]
وأما إذا سألَنا قبل أن يصلي فنقول: يجب عليك أن تخلعه لا من أجل الصلاة فحسب ولكن لأنه ثوب محرَّم لا يجوز لك استعماله، هذا إذا أردنا أن نفتي بهذه الفتوى، فيكون هناك فرق بين أن نمكن الإنسان من أن يستعمل المحرَّم فلا نمكنه، وبين أن يأتي إلينا يسألنا عن أمر مضى وانقضى لا يمكن أن نقول بالإعادة.
لكن على كلام المؤلف تجب الإعادة، لكن يُشترَط للإعادة في الثوب المحرَّم أن يكون عالمًا ذاكرًا، فإن كان جاهلًا فلا إعادة عليه، وإن كان ناسيًا فلا إعادة عليه، وهل يشترط أن يكون واجدًا غيره؟
طلبة: ().
الشيخ: إنما يشترط؟ ننظر؛ نقول: إن حُرِّم لحق العباد اشترطنا ذلك؛ يعني بمعنى أنه إذا كان مُحرَّمًا لحق العباد فإنه لا يصلِّي فيه ولو كان لا يجد غيره، فإذا لم يكن عنده إلا ثوب مغصوب مثل رجل غصب ثوبًا وسافر وليس معه غيره، ثم هداه الله ﷿ وتاب وأراد أن يصلي، ماذا نقول له؟ نقول: اخلع الثوب، وصلِّ عُرْيَانًا، ولا يجوز أن تصلِّي بالثوب، لماذا؟ لأنه مُحَرَّم لحق الغير، إلا إذا كنت مضطرًا لدفع البرد فهنا صلِّ به؛ لأنه مباح، أما إذا كان ما في ضرورة () نقول: لا تُصَلِّ فيه، صَلِّ عُرْيانًا؛ لأن هذا محرم لحق من؟ لحق العباد، إن كان محرمًا لحق الله فيشترط أن يكون واجدا لغيره، فإن لم يجد غيره فلا حرج عليه أن يصلي به، كثوب الحرير للرجل، إذا لم يجد غيره فإنه يصلي فيه، لأن التحريم هنا لمن؟ لحقِّ الله ﷿، ويسقط التحريم لحق الله عند الضرورة، وحينئذ يصلي ولا إعادة عليه، وكذلك لو كان ثوب فيه صور يصلي فيه إذا لم يجد غيره، فصار اشتراط الوجود فيما إذا كان التحريم لحق الله.
فنقول: إذا كان التحريم لحق الله فيشترط لوجوب الإعادة أن يجد غيره، فإن لم يجد غيره فلا إعادة عليه.
[ ١ / ٨٥٨ ]
وقال بعض أهل العلم -في المسألة الأولى إذا كان محرَّمًا لحق الغير- إنه لا بأس أن يصلي فيه، قال: لأن هذا استعمال يسير جرت العادة والعرف بالتسامح فيه، ونحن يغلب على ظننا إن لم نعلم يقينا أن صاحب هذا الثوب إذا علم أنك استعملته لعدم وجود غيره فسوف أيش؟ سوف يسمح، هذا هو الغالب إن لم يكن المعلوم، وهذا القول ليس بعيدًا من الصواب، هذا القول ليس بعيدًا من الصواب ولا سيما إذا كنت تعرف أن الرجل الذي غصبته منه رجل كريم جيد، فهنا قد نقول: يتعين عليك أن تصلي فيه؛ لأن مثل هذا يُعلَم رضاه، هاتان المسألتان في فعل الشرط.
يقول المؤلف ﵀: (أو صلَّى في ثوب محرَّم عليه أو نَجس أعاد) إذا صلى في ثوب نجس أعاد، والمراد بالثوب النَّجس نجاسة لا يُعفى عنها، فإن كانت النجاسة يُعفى عنها فلا حرج عليه أن يصلي فيه، مثل الدم اليسير؛ فإن الدم اليسير النجس يُعفى عنه، إلا إذا كان خارجًا من السبيل على القول الراجح فلا يُعفى عنه كما سبق، المهم إذا صلَّى في ثوب نجس نجاسة لا يُعفى عنها فإنه يعيد، ما هو الدليل؟ الدليل نأخذه من اشتراط طهارة الثوب، وقد سبق لنا دليل اشتراط طهارة الثوب، أليس كذلك؟
طالب: من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
الشيخ: على أحد الأقوال، قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ على أحد الأقوال؟
طالب: أن النبي ﷺ صلَّى في نعاله، فأتى له جبريل وأخبره أن في نعاله نجاسة فخلعها (٧).
الشيخ: ثلاثة؟
طالب: عندما بال الغلام على ثوبه أمر بماء فأَتْبعه إياه (٨).
الشيخ: قد يقول: هذا لأجل إزالة الوسخ.
الطالب: بس إزالة نجاسة على الثوب.
الشيخ: إي، الوسخ، لو يصير مخاطًا أزاله الإنسان.
طالب: يصلي في المعلوم.
طالب آخر: حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أن النبي ﷺ قال في دم الحيض يصيب الثوب: «تَحُتُّهُ ثم تَقْرِضُه ثم تَنْضَحُه بالماء، ثم تصلي فيه» (٩).
[ ١ / ٨٥٩ ]
الشيخ: ثم تصلي فيه، صح، حديث ابن عباس: «أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ» (١٠) لأنه قد يشمل عدم استنزاهه في ثوبه.
ودليل أيضًا: الأعرابي لما بال في المسجد أمر النبي ﷺ بأن يراق على بوله ذنوبًا من ماء (١١)، فإذا طهرت، أو إذا وجب تطهير مكان الصلاة -وهو منفصل عن المصلي- فوجوب تطهير المتَّصِل به من باب أولى.
هذه عدة أدلة، لكن إذا صلى في ثوب نَجِس، يقول المؤلف: (أعاد) مطلقًا، ست تفاصيل، سواء كان ذاكرًا أو؟
طلبة: ناسيًا.
الشيخ: أو ناسيًا، عالمًا؟
طلبة: أو جاهلًا.
الشيخ: واجدًا؟
طلبة: أو عادمًا.
الشيخ: أو عادمًا، صلى في ثوب نجس يَعلَم النجاسة، هذا لا تصح صلاته، لأنه خالف أمر الله ورسوله، فوجب عليه إعادة الصلاة.
صلى في ثوب نجس لكن ما علم إلا حين صلى، لما انتهى من الصلاة وجد النجاسة، نقول: أعد صلاتك.
المؤلف يقول: (أعاد) ولا فَصَّل. أعد صلاتك؛ لأنك أخللت بشرط في الصلاة، والإخلال بالشرط لا يُغْتَفر، إذا كان الرسول ﵊ قال للرجل الذي لم يطمئن قال: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (١٢)، وقال: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» (١٣)، إذن عليك أن تعيد.
أصابته نجاسة وصلَّى وهو يذكر النجاسة، يعيد؟ أصابت ثوبه؛ يعني: يعيد ولَّا لا؟
طلبة: ().
الشيخ: يعيد، أصابته نجاسة فنسي أنها أصابته، أو نسي أن يغسلها، ثم صلى، يعيد؟
طلبة: ().
الشيخ: نعم يعيد، أصابت النجاسة ثوبه وليس عنده ما يغسلها به، وليس عنده غير هذا الثوب، وصلَّى به؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: يعيد على كلام المؤلف، عنده غيره أو عنده ماء، لكن قال: اليوم برد ما () اغسل ثوبي، متى عاد ينشف، ما أبغى أغسله، أبغي أصلي فيه، يعيد ولَّا ما يعيد؟
طلبة: ().
[ ١ / ٨٦٠ ]
الشيخ: يعيد، أو عنده ثوب آخر طاهر، لكن قال: ما أنا بخالع ثوبي بهذا البرد، إذا تبين جلدي أصابتني القشعريرة، () وأصلي، وصلى وهو واجد غيره؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: يعيد.
طالب: قولًا واحدًا؟
الشيخ: على كلام المؤلف؛ إحنا بنأخذ كلام المؤلف الآن، فصار الآن الصُّوَر: عالم، وجاهل، وذاكر، وناسٍ، وواجد، وعادم، كلها يعيد، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وتعليله كما أشرنا إليه من قبل.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان جاهلًا أو ناسيًا أو عادمًا فلا إعادة عليه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: قد فعلت، وهذه الآية عامة، وتعتبر من أكبر وأعظم قواعد الإسلام؛ لأن الذي علَّمنا هذا الدعاء مَن؟ الله ﷿، هو اللي علمنا هذا الدعاء، وأوجب على نفسه ﷿ أن يفعل، قال: قد فعلت، كما صحَّ ذلك فيما رواه مسلم (١٤)، إذن هذا الرجل الذي صلى في ثوب نجس وهو لا يدري بالنجاسة إلَّا بعد فراغه مخطئ ولَّا غير مخطئ؟
طلبة: مخطئ.
الشيخ: مخطئ، هو مخطئ لا خاطئ، يجب أن تعرفوا الفرق بين خاطئ ومخطئ، لو كان يعلم بالنجاسة قلنا: إنه؟
طلبة: خاطئ.
الشيخ: خاطئ، لكن هو الآن مخطئ، ما دري، نقول: هذا الرجل ليس عليه إعادة، بمقتضى هذه القاعدة العظيمة التي تعتبر أساسًا في الدين الإسلامي، كذا ولَّا لا؟
ونقول: هناك دليل خاص في الموضوع، وهو أن الرسول ﷺ لما أخبره جبريل بأن في نعليه أذىً خلعهما واستمر في صلاته (٧)، ولو كان الثوب النجس المجهول نجاسته تبطل به الصلاة لأعادها من أولها، فهذا دليل خاص.
النسيان قلنا: الراجح أنه إذا نسي -نسي أن يكون به نجاسة أو نسي أن يغسلها- فالصحيح أنه لا إعادة عليه، الدليل؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
[ ١ / ٨٦١ ]
ودليل آخر قياسي في الصحيحين (١٥) عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ»، والأكل والشرب في الصيام فعل محظور، والصلاة في ثوب نجس فعل محظور أيضًا، فلما سقط حكمه بالنسيان في باب الصوم نقيس عليه الحكم في النسيان في باب الصلاة، فإذن لا إعادة عليه.
فإن قال قائل: أوجِبوا عليه الإعادة لظهور الفرق بينه وبين الجاهل؛ لأن الجاهل لم يعلم أصلًا بالنجاسة فهو معذور، والناسي فرَّط فلم يُبادِر بالغسل فليس بمعذور، فألزِموه بالإعادة حتى بعد اليوم ينسى أن يغسله ولَّا لا؟ ما ينسى أن يغسله، فما هو الجواب إذا قال قائل هذا الكلام؟
قال: يجب عليكم أن تفرِّقوا في الحكم بين الجاهل والناسي؛ لأن الناسي عنده نوع من التفريط، وكان الذي ينبغي أن يبادر بالغسل؛ ولهذا كان من هدي الرسول ﵊ أن يُبادِر بإزالة النجاسة؛ الذي بال في المسجد قال: أيش؟ «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ» (١٦)، فأمر بالمبادرة، «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ»، والصبي الذي بال في حجره دعا بماء فأتبعه إياه (٨)، والإنسان معرَّض للنسيان لا سيما إن كان الإنسان كثير النسيان، أيش ()، فما هو الجواب عن هذه العلة التي قد تمنع إلحاق الناسي بالجاهل؟
طالب: قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] جمع النسيان والخطأ سويًّا، وأكثر ما يَرِد النسيان والخطأ يأتيان سواء.
الشيخ: إي نعم.
طالب: نقول: الذي يظهر من فعل النبي ﷺ أنه كان ناسيًا؛ بدليل أنه ﵊ أمر الصحابة إذا أراد أحدهم أن يصلي في نعليه أن ينظر هل فيهما قذر أو لا، ومعلوم أنه ﷺ لا يمر بشيء إلا إذا كان سيأتيه، قطعًا ﷺ أنه يأتيه، فإذا نظر زال الجهل، لم يبق إلا النسيان.
[ ١ / ٨٦٢ ]
الشيخ: لا، الذي يظهر من الحديث أنه كان جاهلًا ﵊ بأن فيها أذىً؛ لأنه قال: أَخْبَرني ولم يقل: ذَكَّرني.
طالب آخر: يا شيخ، نقول: هو لما كان ناسيًا ونسي هذه النجاسة ونسي أن يغسلها صار جهلًا بحالها، والفرق بينه وبين الجهل الأول أن هذا جهل بالحكم وهذا بالحال.
الشيخ: لا يا أخي، ما هو بجهل بالحال.
الطالب: نسي النجاسة.
الشيخ: الجهل بحاله أنه ما يدري عن النجاسة، هذا جهل بالحال، والجهل بالحكم أنه ما يدري أن النجاسة يجب إزالتها.
الطالب: لما نسي يغسلها صار جهل الحال.
الشيخ: ما يصير جهل الحال هذا، لو يدرون عنك الفلاسفة هؤلاء يضربونك على الرأس، فرق بين الجهل والنسيان كبير، النسيان ذهول القلب عن؟
طلبة: معلوم.
الشيخ: ذهول القلب عن معلوم، كيف تقول: جهل؟
طالب آخر: قد يقال: هذا قياس في مقابلة النص، نجيب ..
الشيخ: لا، ما هو بقياس هذا.
الطالب: أقول: هذا تعليل في مقابل نص.
الشيخ: هو يقول: لو كان النص على هذا بعينه ما قلت شيئًا.
الطالب: لكن ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾.
[ ١ / ٨٦٣ ]
الشيخ: العمومات هذه يمكن تخصيصها، أنا يظهر لي -والله أعلم- في الجواب على هذا أن يقال: إنَّ فِعل الرسول ﷺ هذا على سبيل الاستحباب، ما هو على سبيل الوجوب؛ لأن الله تعالى لم يوجب الوضوء -وهو أعظم من إزالة النجاسة- إلا عند القيام إلى الصلاة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فلو أحدث الإنسان قبل الصلاة بساعة لا يجب عليه الوضوء، مع أن فيه احتمال أن يقوم يصلي وينسى أنه أحدث، أو أنه توضأ من الحدث، فإذا كان كذلك زال الإشكال، فأقرب عندي في الدفع لهذا الإيراد القوي أن يقال: إن فعل الرسول ﷺ هذا على سبيل الاستحباب والندب للمبادرة لإزالة النجاسة، أما أنه على سبيل الوجوب فلا، ونقول: بدليل أن الله لم يوجب علينا الطهارة من الحدث -وهي أقوى وأوكد من طهارة النجاسة- إلا عند القيام إلى الصلاة.
(واجدًا) إذا كان عادمًا ليس عنده إلا هذا الثوب النجس فقد ذكرنا أن كلام المؤلف يدل على أنه؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: يصلي به ويعيد.
وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:
قول إنه يصلي به ويعيد.
والقول الثاني يصلي عريانًا.
والقول الثالث يصلِّي ولا إعادة.
أما الذين قالوا: إنه يصلي ويعيد؛ قالوا: يصلي ساترًا لعورته لوجوب الستر، ويعيد لأنه حامل للنجاسة بهذا الثوب، حامل للنجاسة الواقعة بهذا الثوب، فعليه أن يعيد وعليه الستر لأن هذا الثوب يستر العورة.
والذين قالوا: يصلي عريانًا ولا يعيد قالوا: لأن هذا الثوب لا يجوز لبسه في الصلاة، وكونه مضطرًا إلى ذلك لا يبرر له أن يحمله وهو نجس، فيجب عليه أن يخلعه ويصلي عريانًا.
[ ١ / ٨٦٤ ]
وأما الذين قالوا بأنه يصلي فيه بلا إعادة فقالوا: إن الستر واجب، وإن حَمْلَه للنجس حينئذ للضرورة؛ لأنه ليس عنده ما يزيل به هذه النجاسة، وليس عنده ما يكون بدلًا عن هذا الثوب، فيكون مضطرًا إلى لبسه ومضطرًا إلى ملابسة النجاسة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ومن المعلوم أنك لو نظرت في الرأي وقلت: هل نلزم هذا الرجل بأن يصلي في نجس ويتقرب إلى الله وثوبه ملطخ بالنجاسة، ثم نقول: هذه الصلاة غير مقبولة، لازم تعيدها؟
إذن، أوجبنا عليه صلاتين؛ صلاةً مردودة، وصلاةً مقبولة، ممكن تكون بعد عشر سنين، الله أعلم.
المهم أن هذا قول إذا تصوَّره الإنسان عرف أنه بعيد، أو نقول: مُرْه أن يخلع ثوبه ويصلي عريانًا، هذا أقبح، فإن صورة الرجل العريان بين يدي الله ﷿ أقبح من أن يكون حاملًا لثوبٍ نجس للضرورة، والله تعالى أحق أن يُسْتَحيا منه.
بقى عندنا الاحتمال الثالث؛ أن نقول: هذا الرجل ألزمناه بالثوب النجس من أجل ستر العورة، وأسقطنا عنه حكم الإعادة؛ لأن الله لا يوجب على عباده العبادة مرتين أبدًا، وهذا القول هو أرجح الأقوال، أنه إذا وجد ثوبًا نجسًا لا يجد غيره ولا يمكن غسله فإنه يصلي فيه، ولا إعادة عليه.
طالب: شيخ، مثلًا النجاسة على البقعة إذا فرش عليها فراشًا طاهرًا، هل يجوز أن يصلي؟
الشيخ: إي نعم، تجوز الصلاة.
الطالب: تبطل الصلاة.
الشيخ: لكن طاهر.
الطالب: ().
الشيخ: ما مس النجاسة.
الطالب: يعني: ما تضر إذا صار الفراش أسفله نجسًا؟ الماء مباشر النجاسة.
الشيخ: إي، ولكن يابسةٌ النجاسة، ما تمضي فيه، إي ما يضر.
الطالب: إذا علم النجاسة بثوبه في وقت الصلاة، وهو داخل الصلاة علم أن ثوبه فيه نجاسة، هل يخلع ثوبه؟ أو يبطل صلاته؟
الشيخ: إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة وجب عليه خلع الثوب النجس، إن كان عليه غيره مما يستره، إن كان ما عليه غيره فليستمر فيه.
[ ١ / ٨٦٥ ]
طالب: لكن كون النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه مختص به، القاعدة () على هذا.
الشيخ: نقول: ما عاد على الشرط يُنظر فيه في الواقع، إن كان هذا الشرط مما يصحح أو يفسد فهذا نعم؛ نقول: لا يصحُّ هذا الشرط فلا تصح العبادة، وإن كان مما لا يصحح ويفسد فليس كل شيء حرام يكون باطلًا، فهذا الظهار مثلًا محرم إذ ترتب عليه آثاره.
الطالب: لكن توضيح مثال ()، مثلًا مما لا يفسد هذا الشرط ..
الشيخ: يعني: مثلًا إذا كان هذا الشيء يقع على وجه صحيح أحيانًا وفاسد أحيانًا، هذا هو الذي يقال: إذا وقع على وجه مُحَرَّم صار فاسدًا؛ لأن له حالين، بخلاف الذي لا يقع على هذا الوجه، والستر لا يقع على هذا الوجه، الستر ستر بأي ثوب كان ().
***
طالب: ومن وجد كفاية عورته سَتَرها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكفهما فالدُّبُر، وإن أعير سُترةً لزمه قبولُها، ويصلي العاري قاعدًا بالإيماء استحبابًا فيهما، ويكون إمامهم وسطَهم، ويصلي كل نوع وحده، فإن شقَّ صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا، فإن وجد سترةً قريبةً في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ، ويكره في الصلاة السَّدْل، واشتمال الصماء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وجد ثوبًا محرمًا عليه، هل يصلي به أو لا يصلي؟
طالب: المذهب يصلي به ويعيد.
الشيخ: ثوبًا محرمًا عليه، وهو طاهر؟
الطالب: يصلي فيه ويعيد، وفي قول جمهور العلماء أنه ينظر هل الثوب هذا عندما اشتراه هل عقد عليه بثمن محرم، أم كان اشتراه في ذمته، ثم ..
طالب آخر: لا يصلي فيه.
الشيخ: لا يصلي فيه، خطأ.
طالب: فيه تفصيل، إما يكون محرمًّا لحق الله أو لحق العباد، فإن كان محرمًا لحق العباد فالمذهب أنه لا يصلي فيه، وإن كان لحق الله فيصلي فيه ويعيد.
[ ١ / ٨٦٦ ]
الشيخ: صح، نقول: إذا صلى في ثوب محرم عليه فإن كان لحق الله فلا إعادة عليه؛ لأنه في ضرورة كالحرير للرجل، والمُصوَّر للرجل والمرأة، وإن كان لحق الآدمي فالمذهب أنه لا يصلي فيه ويصلي عريانًا.
وفيه قول آخر أنه يصلي فيه؛ لأنه في حاجة إلى الصلاة في هذا الثوب فيصلي، وإذا سامحه صاحبه فذاك، وإن لم يسامحه أعطاه أجرة انتفاعه به في وقت الصلاة.
إذا صلى في ثوب نجس؟
طالب: إذا صلى في ثوب نجس وليس لديه غيره؛ حسب المذهب إن صلَّى فيه عليه إعادة، وإن لم يصلِّ فيصلي عاريًا.
الشيخ: يعني: يجوز أن يصلي عاريًا؟
الطالب: إي، يصلي عاريًا.
الشيخ: توافقونه؟
طالب: على المذهب -يا شيخ- يجب أن يصلي فيه ثم يعيد.
الشيخ: المذهب يجب أن يصلي فيه ثم يعيد، القول الثاني؟
طالب: أنه يصلي عريانًا، ما يصلي فيه.
الشيخ: القول الثالث؟
طالب: القول الثالث أنه يصلِّي فيه ولا يعيد.
الشيخ: أنه يصلي فيه ولا يعيد، وهذا أرجح الأقوال.
رجل اشترى ثوبًا وثمنه مغصوب؟
طالب: على تفصيل، إن اشتراه ونقده من عنده وكان بدلًا ببدل فهذا محرم؛ أي بعَيْنِه إن كان منصوصًا على عينه ..
الشيخ: إن عيَّن الثمن المغصوب.
الطالب: فهذا محرم لا يجوز الصلاة فيه.
الشيخ: فالصلاة فيه لا تجوز؛ لأنه محرم.
الطالب: وإن اشتراه في الذمة ثم نقده من عنده، الصلاة فيه ..
الشيخ: فلباسه حلال، والصلاة فيه صحيحة، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هناك قول في أصل المسألة؛ قول: إنه تصح الصلاة في ثوب مُحَرَّم، وأشرنا إليه، أليس كذلك؟
في قول: إن الصلاة في الثوب المحرم صحيحة؛ لأن الشارع لم يقل: لا تصلِّ في الثوب المحرم، وإنما قال: لا تلبس أو لا تستعمل الثوب المحرم، فالمنهي عنه اللباس، بخلاف ما لو قال: لا تصلِّ، ولهذا نقول: لو صلى في وقت النهي فصلاته باطلة؛ لأن الشارع قال له: لا تُصَلِّ، ولو صلى في بيت مغصوب فإنه على القول الراجح تصح صلاته مع الإثم.
[ ١ / ٨٦٧ ]
قال المؤلف: (لا مَنْ حُبِسَ في محلٍّ نَجس)، (لا): هذه معطوفة على قوله: (أعاد)، يعني: لا يعيد مَنْ حبس في محل نجس؛ يعني: ولم يتمكن من الخروج إلى مكان طاهر؛ فإنه إذا حبس لا إعادة عليه؛ لأنه مكره على المكث في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة كما قال النبي ﵊: «إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١٧) والفرق بينه وبين من صلى في ثوب نجس أن من صلى في ثوب نجس ليس مُكْرَهًا على الصلاة به، ولهذا لو أُكْرِه على الصلاة في الثوب النجس وقيل: صلِّ فيه وإلا فعلنا وفعلنا فإنه يصلي فيه ولا إعادة، بخلاف المكان الذي حُبِسَ فيه وهو نجس فإنه يصلي ولا إعادة عليه، والتعليل كما سمعتم، بل الدليل كما سمعتم؛ وهو المجاوزة عن المكره.
ولكن كيف يُصَلِّي في المحل النجس؟ إن كانت النجاسة يابسة صلَّى كالعادة، وإن كانت رطبة صلى بالإيماء، صلى قاعدًا على قدميه بالإيماء؛ لأنه إذا كانت رطبة يجب أن يتوقاها بقدر الإمكان، وأقل ما يمكن أن يباشر النجاسة أن يجلس على القدمين، ولا يركع، ولا يقعد أيضًا؛ لأنه لو قعد لتلوث ساقه وثوبه وركبته مثلًا، فيقلِّل النجاسة ما أمكنه، ويومئ بالركوع والسجود كذلك ما أمكنه.
قال: (لا مَنْ حُبِسَ في مَحل نجس، ومن وجد كفايةَ عورته سترها).
(ومَن وجد) (مَن): شرطية، فعل الشرط؟
طلبة: (وجد).
الشيخ: (وجد)، وجوابه؟
طالب: (سترها).
الشيخ: (سترها) يعني: وجوبًا، (من وجد كفاية) كفاية العورة وجب عليه سترها، والعورة -سبق أنها بالنسبة للمرأة الحرة البالغة- جميع البدن ما عدا الوجه، ولابن سبع إلى عشر أيش؟
طلبة: ().
الشيخ: الفرجان، السوأتان، ولمن سواهما؟
طلبة: السرة والركبة.
الشيخ: ما بين السرة والركبة على المشهور من المذهب، فإذا وجد كفاية العورة وجب عليه أن يسترها؛ لما سبق من كونها من شروط؟
طلبة: الصلاة.
[ ١ / ٨٦٨ ]
الشيخ: من شروط الصلاة.
(وإلا فالفرجين): (إلا) هذه مركبة من (إن) و(لا) النافية، لكنها أدغمت (إن) بـ (لا) لوجود شرط الإدغام، و(إن) شرطية، وفعل الشرط محذوف، التقدير؟ وإلا يجد.
(فالفرجين) أي: فليستر الفرجين، فإذا قُدِّرَ أن شخصًا تعرَّض له قطاع طريق وسلبوا رحله، وسلبوا وثيابه، ولم يبقوا معه إلا منديلًا فقط، المنديل لا يمكن أن يستر به عورته، نقول: استر الفرجين بهذا المنديل؛ يعني: القبل والدبر.
قال: (فإن لم يَكْفِهما فالدبُر) يستر الدبر؛ لأن القبل إذا انضم عليه ستره، والدبر إذا سجد انفرج وبان، فيكون ستر الدبر أولى من ستر القبل، والواجب أن يخفف الأمر بقدر الإمكان.
(فإن لم يكفهما فالدبر، وإن أُعير سترة لَزِمه قَبولُها) (إن) شرطية، وفعل الشرط (أُعِير)، و(لزم)؟
طلبة: جواب الشرط.
الشيخ: جواب الشرط، (إن أُعير) والعرية: إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه، هذه العرية، إباحة نفع عين تبقى بعد الاستيفاء.
وقوله: (إن أعير) لم يذكر المؤلف الفاعل فيشمل أي إنسان يعيره، سواء كان هذا المعير من أقاربه أو من الأباعد، من المسلمين أو من الكفار، المهم متى أُعير سترةً لَزِمه قَبولُها.
إذا قال قائل: ما هو الدليل أو التعليل لوجوب القبول؟ أفلا يكون عليه بذلك مِنَّة؟
فالجواب أن نقول: التعليل في هذا أن هذا الرجل قَدَر على سَتْرِ عورته بلا ضرر ولا مِنَّة؛ لأن المنة في مثل هذا الأمر منة يسيرة، كل أحد يتحملها، كل الناس يستعير بعضهم من بعض، وكل الناس يعير بعضهم بعضًا، فالمنة يسيرة.
لكن لو فرض أن هذه العارية أو هذه الإعارة يريد المعير أن تكون ذريعة لنيل مأرب له باطل، فماذا نقول؟
هنا لا يلزمه القبول؛ لأن يخشى إذا لم أقم بما يريد أن يجعل ذلك سُلَّمًا للمنِّة عليَّ وإيذائي أمام الناس، أنا فعلت فيك وفعلت فيك وأعرتك وما أشبه ذلك، لكنَّ الكلام على إعارةٍ سالمًا من المحذور، يلزمه القبول لما ذكرنا آنفا في التعليل.
[ ١ / ٨٦٩ ]
وظاهر كلام المؤلف أنه لو أعطيها هبة لم يلزم قَبولها؛ لأنه قال: (إن أعير)، وظاهر كلامه أيضًا أنه لا يلزمه الاستعارة، فهل هذا القول الذي يفهم من كلام المؤلف صحيح أو فيه نظر؟
ننظر؛ يقول: لا يلزمه أن يقبله هبة لأن في ذلك منة عظيمة؛ قد يكون الثوب يساوي مئة ريال مثلًا، فيكون بذلك منة لا يستطيع الإنسان أن يتحملها فلا يلزمه قَبول الهبة، هل يلزمه الاستعارة؟ ظاهر كلام المؤلف لا؟ ولا بلى؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأنه قال: (إن أُعِير)، ولم يقل: يلزمه الاستعارة؛ لماذا؟ قالوا: لأن في طلب العارية إذلالًا للشخص، وهذا عادم لما يكون به الواجب -وهو الستر- ولا واجب مع العجز، فلا يلزمه أن يستعير، مع أنهم ذكروا في باب التيمم أنه لو وُهِبَ لعادم الماء ماء لزمه قبوله، ولكنهم يفرقون بأن الماء لا تكون فيه مِنَّة كالمنة بالثياب، الماء المنة فيه قليلة بخلاف الثياب، ولكن يقال: قد يكون الماء في موضع العدم أغلى من الثياب فتكون المنة فيه كبيرة، ولكن نقول: حتى وإن كان في موضع العدم فإن الإنسان الذي يعطي الماء في موضع العدم يشعر بأنه هو الرابح لأنه أنقذ معصومًا، بخلاف الثياب.
على كل حال، القول الراجح في هذه المسألة -نحن الآن نحلل كلام المؤلف- لكن القول الراجح في هذه المسألة أنه يلزمه تحصيل السترة بكل وسيلة ليس عليه فيها ضرر ولا مِنَّة، كل وسيلة سواء ببيع أو باستعارة أو باستيهاب أو بقبول هبة أو ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا الإنسان مأمور بستر عورته فيجب عليه بقدر استطاعة أن يأتي بهذا الواجب.
والمسألة يختلف الناس فيها؛ قد يكون طلبك من شخص هبة لتستر عورتك قد يكون ذلك بمنزلة المنة عليه، لا منه، أليس هكذا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٨٧٠ ]
الشيخ: نعم، قد يفرح أن تأتي إليه، وتقول: أنا في حاجة إلى ستر عورتي في صلاتي أعطني، يفرح، هذا ليس في إعطائه مِنَّة، ولا في الاستيهاب منه منة.
وقد يقول بعض الناس: لو يعيرني لوجدت في ذلك غضاضة علي؛ لأني أعرف أنه من الناس المنَّانين، وحينئذ يكون في قبولي إياها عارية، فيه غضاضة علي.
فالصواب أن نأخذ قاعدة عامة؛ وهو أنه يجب عليه تحصيل السترة بكل طريق ليس فيها ضرر عليه ولا غضاضة، هذه القاعدة قد يخرج منها ما ذكره المؤلف، وقد يدخل فيها ما أخرجه المؤلف.
يقول ﵀: (ويصلي العاري قاعدًا بالإيماء استحبابًا فيهما).
(يصلي العاري قاعدًا) إذا كان هناك إنسان عارٍ، ما عنده ثوب، فإنه يصلي قاعدًا ولو كان قادرًا على القيام، لماذا؟ قال: لأنه أستر لعورته؛ لأن القاعد يمكن ينضم، ولأننا نأمره بأن يومي في الركوع والسجود وحينئذ لا تنكشف عورته، أليس كذلك؟
قال المؤلف: (استحبابًا فيهما)؛ يعني: أننا نستحب له ذلك استحبابًا، وهذا كالمصدر المؤكد للجملة التي قبله، ولهذا حذف عامله؛ يعني: يصلِّي على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب، وعلى هذا فلو صلى قائمًا وركع وسجد صحت صلاته.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم ثابت، سواء كان حوله أحد أم لم يكن حوله أحد لإطلاق كلامه، فإن كان حوله أحد فما قاله المؤلف وجيه؛ أنه يصلي قاعدًا بالإيماء لأن الإنسان -نسأل الله لنا ولكم السلامة- يستحي أن يقوم أمام الناس تبدو عورته، وإذا سجد انفرج دبره، لكن إذا لم يكن عنده أحد يستحي ولَّا لا؟ لا يستحي، لكن هذا كلام المؤلف، يقول: لا فرق.
فيه قول آخر يقول: لا يجوز أن يصلي قاعدًا بل يجب أن يصلي قائمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأوجب الله القيام، والستر هنا ساقط عنه في قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
[ ١ / ٨٧١ ]
فإذا كان الستر ساقطًا بالدليل الذي ذكرت والقيام واجبًا بالدليل الذي ذكرت، نقول: يقوم لوجود مقتضِي القيام، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويصلِّي عاريًا لسقوط مقتضي الستر وهو العكس.
وقال بعض أهل العلم: في هذا تفصيل؛ إن كان حوله أحد صلى قاعدًا، وإن لم يكن حوله أحد أو كان في ظلمة أو ليس حوله إلا شخص لا يبصر فليصلي قائمًا؛ لأنه لا عذر له.
وهذا القول المفصَّل أقرب الأقوال الثلاثة إلى الحق؛ لأنه يجمع بين حق الله وحق النفس؛ بين حق الله إذا كان ما حوله أحد يراه أن يقوم بالواجب -يصلي قائمًا- لأنه قادر، وبين حق النفس إذا كان حوله أحد يخجل ولا يستطيع أن يقوم وعورته بادية أمام الناس، فنقول: حينئذ اجلس وصل بالإيماء؛ لأن ذلك أستر لك.
على كلام المؤلف لو صلى قائمًا وركع وسجد فالصلاة صحيحة؛ لأن المسألة على سبيل الاستحباب.
قال المؤلف: (ويكون إمامهم وسطهم)، (يكون إمامهم) أي: إمام العراة (وسطهم) أي: بينهم؛ يعني: لا يتقدم، لماذا؟ لأنه أسترُ له من أن يتقدم.
وعلى هذا فإذا وُجِد عشرة كلهم عراة، تعرض لهم قطاع الطريق وأخذوا ثيابهم، وهذا موجود في الزمن الماضي، في بلادنا هذه كان الناس تؤخذ ثيابهم ما بين البلد وبين المرعى، فإذا أُخِذَت الثياب وحان وقت الصلاة، نقول: صلُّوا صفًّا واحدًا والإمام بينكم، إذا طال الصفُّ لو كانوا ألف نفر صلوا صفًّا واحدًا ويكون الإمام بينهم، ويصلون قعودًا؟
طلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: على المذهب يصلون قعودًا.
طلبة: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا؛ ويومئون بالركوع والسجود استحبابًا أيضًا.
[ ١ / ٨٧٢ ]
وقال بعض أهل العلم: بل يتقدم الإمام؛ لأن السُّنة أن يكون الإمام أمامهم، وتأخُّرُه لا يفيد شيئًا، غاية ما هنالك أنه هو نفسه يكون أستر، وأيضًا لو كان أستر بالنسبة له فإننا نقول: هو معذور، والإنسان إذا شاركه غيره في عيبه خف عليه، فهو إذا تقدم لا يرى في نفسه شيئًا من الغضاضة أو من الحياء أو من الخجل؛ لأن جميع مَنْ معه على هذا الوجه، ولا ينبغي أن نفوت موقف الإمام وانفراده في القبلة؛ لأن الإمام متبوع، فينبغي أن يتميز عن أتباعه الذين هم المأمومون، وهذا القول أقرب إلى الصواب.
ومع ذلك فيستثنى من كلام المؤلف ما إذا كانوا في ظلمة، أو كانوا لا يبصرون، فإن كانوا في ظلمة أو لا يبصرون فإن إمامهم يتقدم عليهم كالعادة؛ لأن المحذور زال.
يقول: (ويصلي كل نوع وحده)؛ يعني: لا يصلون جماعة، (يصلي كلُّ نوع وحده) نوع منين؟
طلبة: من الرجال والنساء.
الشيخ: ما الدليل؟ الدليل قوله فيما بعد: (فإن شَقَّ صلى الرجالُ واستدبرهم النساء)، نقول: إذا اجتمع رجال ونساء عراة فلا يصلون جميعًا، يصلي كل نوع وحده، لماذا؟ لأن النساء لا يمكن أن يقمن في صف الرجال، فلا بد لهن من صف مؤخر، وإذا صففن وراء الرجال صرن يرين عورات الرجال، لا نقول: تصلي النساء مع الرجال وتغمض، لا. نقول: لا تصلي، يصلي الرجال أولًا، ثم يصلي النساء، بمعنى أن نجعل النساء في مكان، والرجال في مكان، فيصلي الرجال وحدهم والنساء وحدهم، ولا يصلون جماعة، فإن شقَّ بحيث لا يمكن أن يصلي كل نوع وحده.
يقول: (صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا) نقول: إذا كان ما في مكان بحيث نقول للنساء صلوا يصلين هناك والرجال هنا يصلون في المكان هذا جميعًا، لكن يصلي الرجال وحدهم وتستدبرهم النساء، معنى تستدبرهم: تلقيهم ظهورهن، تكون ظهور النساء إلى أيش؟ إلى القبلة، لماذا؟ لئلا يَرَين الرجال، وهي إذا رأت الرجل ستنظر إلى عورته؛ لأن ما فوق الدبر إلى حذاء السرة كل هذا عورة، ستنظر إليه.
[ ١ / ٨٧٣ ]
فنقول إذن يصلي الرجال، وأنتم أيتها النساء استدْبِرْن الرجال، ثم بعد ذلك يصلي النساء جماعة ولَّا غير جماعة؟
طلبة: جماعة.
الشيخ: جماعة استحبابًا، ما هو واجب، الجماعة للنساء غير واجبة، يصلي النساء ويستدبرهم الرجال، تكون ظهور الرجال نحو؟
طلبة: القبلة.
الشيخ: القبلة.
طالب: النساء.
الشيخ: تكون ظهور الرجال في المسألة الثانية، إذا صلى النساء وحدهم يكون ظهور الرجال نحو القبلة، هذا الحكم في المسألة، هل مثل ذلك لو كان المكان ضيقًا والرجال كثيرين، هل نقول: يصلون جماعتين؟ نحن ذكرنا قبل قليل يصلون صفًّا واحدًا وإمامهم بينهم، لكن إذا كان المكان لا يسعهم صفًّا واحدًا، فهل يَصُفُّون صفًّا آخر وراءهم؟
طالب: لا يصفون.
الشيخ: أو نقول: يستدبرونهم، فإذا فرغوا صلى هؤلاء، واستدبرهم هؤلاء.
طلبة: الأول.
الشيخ: فيها قولان لأهل العلم؛ فبعضهم قال: يفعل الصف الزائد الذي لا يتحمله المكان كما يفعل النساء.
ومنهم من قال: بل يصلون جماعة واحدة، لكن في هذه الحال إذا قلنا: يصلون جماعة واحدة أفلا نقول: إنه يندب لكم أيها المتأخرون أن تغمضوا أعينكم؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: التغميض ().
الشيخ: نقول: يُنْظَر، إذا كان الإنسان يخشى على نفسه الانشغال برؤية هؤلاء فإنه يغمض، وإن كان لا يخشى وأنه لا يهتم إلا بصلاته، وسينظر إلى موضع سجوده، وإلى موضع إشارته في الجلوس فلا حاجة أن يغمض.
قال رحمه الله تعالى: (فإن وجد سُترة قريبة في أثناء الصلاة سَتَر وبنى وإلا ابتدأ)، إن وجد، مَن؟
طالب: العريان.
الشيخ: العريان الذي صلى عريانًا في أثناء الصلاة جاء الله له بسترة، إذا كانت قريبة يعني: لم يَطُل الفصل أخذها وستر وبنى على صلاته، وإن كانت بعيدة فإنه يقطع صلاته، ويبتدأ الصلاة من جديد، كيف بعيدة وقريبة؟
[ ١ / ٨٧٤ ]
قريبة؛ مثل رجل جاء إليه وقال: خذ استر نفسك، وهو يصلي، نقول هنا: يأخذها وينستر، بعيدة؛ رأى ورقة يطير بها الهواء تستره، ولنفرض أنها كرتون اسمنت، يمكن.
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، لكنها علقت بشجرة بعيدة عنه، وهو يصلي، تعلقت بشجرة بعيدة عنه، نقول له؟
طالب: اقطع صلاتك.
الشيخ: اقطع صلاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى انقطاع بعضها عن بعض، اقطع صلاتك واذهب وخذ هذه السترة، واستتر بها وابتدئ الصلاة.
قال بعض العلماء في هذه المسألة كما قالوا في الماء: امرأة بطلت صلاتُها بكلام إنسان، قالوا ما هي؟ قالوا: هذه أمة تصلي وهي ساترة كل بدنها إلا رأسها وساقيها مثلًا، فقال لها سيدها: أنت حُرَّة لوجه الله، ويش صارت الآن؟
طلبة: صارت حرة.
الشيخ: صارت حرة، ويش يجب عليها؟
طلبة: ().
الشيخ: أن تستر جميع بدنها إلا الوجه، دورت حول السترة ما عندها شيء؛ نقول: الآن تبتدئ الصلاة من جديد، فإن كان سيدها ذكيًّا وفقيها فجاء بالسترة معه، وقال: أنت حرة لوجه الله، ثم وضع على رأسها وعلى بقية المنكشف منها سترة.
طلبة: تبني.
الشيخ: تبني أو لا؟
طلبة: تبني.
الشيخ: تبني، لماذا؟
طلبة: لأنها قريبة.
الشيخ: لأنها سترت عن قرب.
والخلاصة الآن أن الإنسان العاري إذا وجد ما يستر عورته عن قرب وجب عليه أن يستر ويبني، كذا؟
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، هي قريبة.
أقول: إذا وجد المصلي العاري سترة قريبة وجب عليه أن يستر ويبني.
طلبة: ().
الشيخ: خطأ.
طالب: يستر صحيح، لكن يبني ().
الشيخ: إذا وجب الستر وجب البناء.
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: ().
الشيخ: خطأ.
طالب: لا، شيخ ().
الشيخ: إن كانت الصلاة فرضًا وجب عليه أن يستر ويبني، إن كانت نفلًا.
طلبة: ().
الشيخ: فله أن يقطعها.
طالب: () أحيانًا؛ نستفصل فتقول: لا داعي للتفصيل.
الشيخ: المهم على كل حال، هذا التفصيل.
طالب: ().
[ ١ / ٨٧٥ ]
الشيخ: على كل حال يقول: إذا وجدها قريبة وجب عليه الستر والبناء إن كانت الصلاة فرضًا، فإن كانت بعيدة لزمه استئناف الصلاة، ولم يجز أن يستمر سواء كانت فرضًا أم نفلًا.
طالب: شيخ، إذا كان معهم سترة واحدة وهم جماعة، مَنْ يأخذها؟
الشيخ: هي لمن؟ لمن هي؟
الطالب: () فوجدوا سترة تكفي لشخص واحد.
الشيخ: مَنْ وجدها؟ كلهم راحوا عليها؟
طالب: مرت قدامهم.
الشيخ: على كل حال، إذا كانت إذا كانت السترة لواحد منهم وجب عليه أن يصلي بها وحده، وهل يجوز أن يؤثر بها غيره؟
طلبة: لا ما يجوز.
الشيخ: سبق لنا في قاعدة الإيثار، أن الإيثار بالواجب؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن يستتر بها صاحبها، ثم بعد ذلك.
طلبة: ().
الشيخ: لا، يستتر بها صاحبها -سواء كان الإمام أو المأموم- ثم يعطيها، إذا لم يكن يصلون جميعًا، يعطيها من شاء، فإن أعطاها لهم جميعًا أقرع بينهم، فمن قرع أخذها.
طالب: مثل الأشجار هذه، يعني: يقدر يستتر بالأشجار، يجب عليه؟
الشيخ: العلماء يقولون: ما يجب عليه الأشجار التي تؤذيه وتضره، ما يجب عليه، إذا كانت تضره ما يجب عليه، لو مثلًا ما حوله إلا أشجار () لا ما يمكن يستتر، لكن إذا كانت ..
الطالب: ().
الشيخ: نعم، إذا كانت لا تضره كشجرة اليقطين، فإن الله قال عن آدم وحواء: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].
طالب: يا شيخ، هل نستحب للعراة أن يخففوا الصلاة وأن لا يتلاصقوا؟
الشيخ: لا، أن يخففوا الصلاة، لا، لكن أن لا يتلاصقوا قد نقول هذا؛ لأنه قد يكون في ذلك فتنة.
طالب: شيخ، هل الجماعة تلزم العاري؟ مثل أُذِّن وهو في البيت، هل يخرج للمسجد يصلي جماعة، وهو عارٍ؟
الشيخ: إي، ما يلزمه؛ لأن هذا من أعظم ما يكون من الخجل.
الطالب: أليس هو معذورًا؟
الشيخ: معذور، ما يلزمه.
طالب: شيخ، يعني () الإمام بالوسط يا شيخ، () استفصال.
الشيخ: أيش؟
[ ١ / ٨٧٦ ]
الطالب: يعني: فصلت يا شيخ القول () إذا كان يعني يصلي قاعدًا أو قائمًا إذا كان عريانًا، فقلت: إذا كان حوله أحد فإنه يصلي قاعدًا، وإذا كان لوحده فإنه يصلي قائمًا، هل هذا يعني على قولك استحبابًا ولَّا؟
الشيخ: وجوبًا، لا، وجوبًا.
الطالب: وجوبًا؟
الشيخ: نعم.
طالب: بالنسبة لتفصيل الفقهاء في العورة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: نعم.
الطالب: ينطبق قولهم حتى في الصلاة؟
الشيخ: هذا كلامهم في الصلاة.
الطالب: شيخ، لم لا نقول: إن الأصل الزينة عامة؟ يعني: الزينة التي تتعارف مثلًا لمن () العاشرة، والزينة التي تتعارف للعبيد وما إلى ذلك.
الشيخ: والله هذا ..
الطالب: ().
الشيخ: نعم أقول: هذا إذا قيل به فهو جيد، إذا قيل بأن أخذ الزينة كما قال الله ﷿.
الطالب: الزينة المتعارف عليها ..
الشيخ: إي، ما جرى به العرف، إلا إذا جرى العرف بأمر منكر ما يمكن أن آخذ به ().
***
قال المؤلف ﵀: (ويكره في الصلاة السَّدل) (يكره) الكراهة عند الفقهاء هي ما نُهِي عنه، أو هي النهي عن الشيء من غير الإلزام بالترك، والمكروه ما نُهِيَ عنه من غير إلزام بتركه، هذا عند الفقهاء.
أما في لغة القرآن والسنة وغالب كلام السلف فالمكروه هو المحرَّم؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة الإسراء قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، ومعلوم أن الله ذكر فيها الشرك، وذكر فيها أشياء كثيرة من الأمور المحرمة، وسماه الله تعالى ﴿مَكْرُوهًا﴾؛ لأنه مُبغَض عند الله ﷿؛ ولهذا قال أصحاب الإمام أحمد: إن الإمام أحمد إذا قال: (أكره كذا) يعني: أنه محرم.
[ ١ / ٨٧٧ ]
أما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فيقولون: إن المكروه ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، وحكمه أنه يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله، وأيضًا يجوز عند الحاجة، كلما احتاج الإنسان إلى المكروه زالت الكراهة وإن لم يضطر إليه، أما المحرم فلا يجوز إلا عند الضرورة.
قال: (يكره في الصلاة السَّدْل)، والسدل أن يطرح الرداء على كتفيه، ولا يرد طرفه على الآخر، هذا السدل، يضع الرداء -معروف لكم- على كتفيه هكذا ولا يرد طرفيه على كتفيه، هذا هو السدل.
وقال بعضهم: السدل أن يضع الرداء على رأسه ولا يجعل أطرافه على يمينه وشماله، يعني: مثل هكذا، بالغترة، خليها هكذا ما هي على يمينه ولا يساره، هذا السدل.
وقال بعضهم: إن السدل أن يرسل ثوبه حتى يكون تحت الكعبين، وعلى هذا فيكون بمعنى الإسبال، والمعروف عند فقهائنا أن السَّدْل أن هو يطرح الثوب على الكتفين، ولا يرد طرفه على كتفيه، هذا هو السدل.
ولكن إذا كان هذا الثوب مما يلبس عادة هكذا فلا بأس به، ولهذا قال شيخ الإسلام: إن طرح القباء على الكتفين من غير إدخال الكمين لا يدخل في السدل.
القباء يعني مثل الزبون والكوت وما أشبهه، قال: إن هذا لا يدخل في السدل، إذا احتاج الإنسان إلى ذلك جاز ولَّا لا؟ جاز؛ لأن المكروه تزيله الحاجة.
[ ١ / ٨٧٨ ]
كذلك يُكْرَه (اشتمال الصماء) هنا أضيف الشيء إلى نوعه؛ يعني: اشتمال اللبسة الصماء، يعني: أن يشتمل بالثوب على وجه يكون أصم، والأصم -في الأصل- هو الذي لا يسمع، فاشتمال الصماء أن يأتي بثوب ويلتحف بهذا الثوب كله ولا يجعل ليديه مخرجًا؛ قالوا: لأن هذا يمنعه من كمال الإتيان بمشروعات الصلاة، ولأنه لو قُدِّرَ أن شيئًا صال عليه فإنه لا يتمكن من المبادرة بردِّه، ولا سيما إذا كان هذا الثوب قميصًا، إذا كان هذا الثوب قميصًا، فهو أشد وأشد، يعني: بأن يلبس القميص، ما يدخل يديه في كميه، فهذا اشتمال أصم من الصماء؛ لأن الرداء يمكن مع الحركة القوية ينفتح، لكن هذا لا ينفتح.
وقال بعض العلماء: إن اشتمال الصماء أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، يعني يكون عليه ثوب واسع يكون إزارًا ورداءً ثم يضطبع فيه، والاضطباع أن الإنسان يخرج كتفه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر، ووجه الكراهة هنا أن فيه عُرْضة لأن يسقط فتنكشف العورة، هذان وجهان في تفسير الصماء.
الوجه الثالث أن يجعل الرداء على جانب واحد من جوانبه على أحد شقيه، ويبقى الشق الآخر مفتوحًا، وهذا إن لم يكن عليه إلا ثوب واحد فإنه ليس مكروهًا فقط بل هو محرم؛ لأن عورته منكشفة، وإن كان عليه إزار فهو مكروه؛ لأنه يشبه المشي بنعل واحدة، حيث جعل اللباس على شق واحد دون الآخر، فهذه ثلاث صفات لاشتمال الصماء، وكل هذه الصفات إذا رأيتها أو إذا تأملتها وجدت أنها تخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فإن الأخذ -أخذ الزينة- على هذا الوجه فيه شيء من التقصير، ما أخذتها كاملة؛ لأن أخذ الزينة كاملة أن يلبسها على ما يعتاد الناس لبسها عليه بحيث تكون ساترة، وتكون معهودة مألوفة، بخلاف الشيء الذي لا يكون معهودًا ولا مألوفًا.
[ ١ / ٨٧٩ ]
قال: ويُكْره أيضًا (تغطية وجهه)، يُكْره أن يغطي الإنسان وجهه وهو يصلي؛ لأن هذا قد يؤدي إلى الغم، ولأنه إذا سجد سوف يجعل حائلًا بينه وبين سجوده، فلذلك كره هذا الفعل، لكن لو أنه احتاج إليه لسبب من الأسباب، ومنه العطاس مثلًا، لو أراد أن يعطس وهو يصلي واحتاج إلى أن يضع ثوبه هكذا على وجهه فإن المكروه تبيحه الحاجة.
ويستثنى من ذلك المرأة إذا كان حولها رجال ليسوا من محارمها، فإن تغطية وجهها حينئذ واجب ولا يجوز لها كشفه.
قال المؤلف: (واللِّثامُ على فمه وأنفه)، (اللثام على فمه) يعني: أن يَتَلَثَّم هكذا على فمه؛ يعني: يضع العمامة أو الغترة أو الشماغ على فمه، وكذلك على أنفه.
واللِّثامُ على فمِه وأَنْفِه، وكَفُّ كُمِّه ولَفُّه، وشدُّ وَسَطِه كزُنَّارٍ، وتُحْرُمُ الْخُيَلَاءُ في ثوبٍ وغيرِه، والتصويرُ واستعمالُه.
ويَحْرُمُ استعمالُ مَنسوجٍ أو مُمَوَّهٍ بذَهَبٍ قبلَ استحالتِه، وثيابِ حَريرٍ، وما هو أكثَرُ ظُهورًا على الذكورِ، لا إذا اسْتَوَيَا، ولضَرورةٍ أو حِكَّةٍ أو مَرَضٍ أو حَرْبٍ
قال: ويكره أيضًا (تغطية وجهه)، يكره أن يغطي الإنسان وجهه وهو يصلي؛ لأن هذا قد يؤدي إلى الغم؛ ولأنه إذا سجد سوف يجعل حائلًا بينه وبين سجوده، فلذلك كره هذا الفعل، لكن لو أنه احتاج إليه لسبب من الأسباب، ومنه العطاس مثلًا، لو أراد أن يعطس وهو يصلي، واحتاج إلى أن يضع ثوبه هكذا على وجهه، فإن المكروه تبيحه الحاجة، ويستثنى من ذلك المرأة إذا كان حولها رجال ليسوا من محارمها، فإن تغطية وجهها حينئذ واجب، ولا يجوز لها كشفه.
قال المؤلف: (واللثام على فمه وأنفه) (اللثام على فمه) يعني: أن يتلثم هكذا على فمه؛ يعني يضع العمامة أو الغترة أو الشماغ على فمه، وكذلك على أنفه؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه (١)، (فاه) يعني: فمه، نهى.
[ ١ / ٨٨٠ ]
هذا أيضًا يستثنى منه ما إذا تثاءب وغطى فمه ليكظم التثاؤب فهذا لا بأس به، أما بدون سبب فإنه يكره.
فإن كان حوله رائحة كريهة تؤذيه في الصلاة، واحتاج إلى اللثام، فهذا جائز لا بأس به؛ لأنه للحاجة، وكذلك لو كان به زكام وصار معه حساسية إذا لم يتلثم، فهذا أيضًا حاجة تبيح له أن يتلثم أما بدون سبب فإنه مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه.
قال: ويكره (كف كُمّه ولفه) يكره أن يكف الإنسان كُمّه في الصلاة بأن يقول به هكذا، هذا الكف، وأما اللف فأن يقول به هكذا، يلفه، يصفطه، يفسره، يشرحه، المهم على كل حال كف الكم أن يجذبه حتى يرتفع، ولفه أن يطويه حتى يرتفع.
قال العلماء: ولا فرق بين أن يفعل ذلك عند الصلاة من أجل الصلاة أو أن يفعل ذلك لعمل قبل الصلاة، كما لو كان يشتغل، وقد كف كمه أو لفه ثم جاء يصلي، نقول له: أطلق الكم وفك اللفة، الدليل؟
الدليل قول الرسول ﷺ: «لَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» (٢).
قالوا: ونهيه أو قوله: «لَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» يشمل كفَّ الثوب كله، كما لو كفه من أسفل، أو كف بعضه كالأكمام، وليت المؤلف ذكر كف الثوب ليكون موافقًا للفظ الحديث.
إذن يكره كف الثوب بأن يرفع الثوب هكذا، ولف الثوب أيضًا بأن يطويه أو يَفْسره هكذا حتى يحزمه في بطنه، كل هذا مكروه، لماذا؟
لأنه ليس من تمام أخذ الزينة، فإن أخذ الزينة عند الناس أن يكون الثوب مرسلًا غير مكفوف، ثم إن الإنسان قد يفعله ترفعًا لئلا يتلوث ثوبه بالتراب، فيكون في هذا نوع من الكبرياء، ثم إنه ينبغي أيضًا أن الثوب ينتشر لا يكف؛ لأنه ربما يؤجر الإنسان على كل ما يتصل به مما يباشر الأرض، فلهذا نكره كف الثوب وهل من كف الثوب ما يفعله بعض الناس بأن يكف الغترة هكذا؟
طالب: قيل به.
[ ١ / ٨٨١ ]
الشيخ: لا، هذا ليس من كف الثوب؛ لأن هذا نوع من اللباس؛ يعني الغترة تلبس على هذا النوع، تلبس مثلًا على الرأس، تكف على الرأس، تجعل وراء، ولذلك جاز للإنسان أن يصلي في العمامة، والعمامة مكورة على الرأس غير مرسلة، فإذا كان من عادة الناس أن يستعملوا الغترة والشماغ على وجوه متنوعة فإنه يقول: هذا، أنا لبستها على العادة، ما كففت ولا فعلت شيئا، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن طرح القباية على كتفيه بدون إدخال الأكمام لا يُعد من السدل؛ لأنه يلبس على هذه الكيفية أحيانًا.
كذلك يقول المؤلف: (وشدّ وسطه كزُنَّار) يعني: يكره أيضًا للإنسان أن يشد وسطه، لكن لا مطلقًا، بل بما يشبه الزنار، شد الوسط أن يربط على بطنه حبلًا أو سيرًا أو ما أشبه ذلك، وهذا يفعل ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يفعل كثيرًا، فهو يكره إن كان على وجه يشبه شد الزنار، والزنار سير معروف عند النصارى يشدون به أوساطهم، وإنما كره ما يشبه شد الزنار؛ لأنه تشبه بغير المسلمين، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٣).
قال شيخ الإسلام ﵀: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم.
إذن فالاقتصار على الكراهة فيه نظر؛ لأن ما دمنا نقول: إن العلة في ذلك أنه يشابه زنار النصارى فإن هذا يقتضي أن نقول: إنه حرام؛ لقول الرسول ﵊: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
قول الرسول ﷺ: «فَهُوَ مِنْهُمْ» هل المعنى: فهو كافر؟
لا، لكن منهم في الزي والهيئة، ولهذا لا تكاد تفرق بين رجل متشبه بالنصارى بزيه ولباسه وبين النصراني، فيكون منهم في الظاهر.
[ ١ / ٨٨٢ ]
قالوا: وشيء آخر أن التشبه بهم في الظاهر يجر إلى التشبه بهم في الباطن، وهو كذلك، فإن الإنسان إذا تشبه بهم في الظاهر يشعر بأنه موافق لهم، وأنه غير كاره لهم، ويجره ذلك إلى أن يتشبه بهم في الباطن، فيكون خاسرًا لدينه ودنياه.
المهم أننا نقول: إن اقتصار المؤلف على الكراهة فيما يشبه شد الزنار فيه نظر.
والصواب: أنه حرام، فإن قال قائل: أنا لم أقصد التشبه.
قلنا: إن التشبه لا يفتقر إلى نية؛ لأن التشبه المشابهة في الشكل والصورة، فإذا حصلت فهو تشبه، سواء نويت أم لم تنوِ، لكن إن نويت صار أشد وأعظم؛ لأنك إذا نويت فإنما فعلت ذلك محبة لما هم عليه وتكريمًا وتعظيمًا لما هم عليه، فيكون أشد وأعظم.
فنحن ننهى أي إنسان وجدناه يتشبه بهم في الظاهر، ننهاه، وإذا قال: ما قصدت التشبه، نقول: هذا شبه، سواء قصدت أم لم تقصد، أنت قصدت هذا الفعل، وهذا الفعل شبه، فتكون متشبهًا، لكن إن نويت أن تتشبه بهم وأن تكون تابعًا صار ذلك أشد وأعظم، لما يكون في قلب الإنسان من تعظيم هؤلاء ومحبة ما هم عليه.
(وشد وسطه كزنار)، ثم قال: (وتحرم الخيلاء في ثوب وغيره)، (الخيلاء) مأخوذة في الأصل من الخيل؛ لأن الخيل تجلب على التباهي والترفع والتعالي، فالخيلاء أن الإنسان يجد في نفسه شيئًا من التعاظم على الغير، وتسمى بلغتنا العامية: الزَّبْعَة، يقال: فلان يزبع، هذه حرام.
(في ثوب وغيره) الثوب كالقميص والسراويل والإزار وغير الثوب؟
طالب: العمامة.
الشيخ: إي نعم، العمامة قد نقول: إنها ثوب في الأصل، لكن ما يخالف، فلنقل: العمامة، وما يفعله بعض الناس الآن في العقال، بعض الناس يفعل الخيلاء في العقال، ويش لون؟
طالب: على جنب.
الشيخ: إي نعم، أحد يميله على جنب مرة ..
طالب: ().
[ ١ / ٨٨٣ ]
الشيخ: إي نعم، وأحد يميله على الجبهة، يعرف الناس أن هذا خيلاء، كذلك في لباس الخاتم، بعض الناس يلبس الخاتم ويضع عليه فصًّا يمكن يزن كيلو، فصًّا كبيرًا جدًّا، وأحيانًا تشعر بأنه يتخايل في ذلك، على كل حال هذا خيلاء.
طالب: والساعة.
الشيخ: والساعة أيضًا، يمكن يتخذ لها أشياء معينة تدل على الخيلاء.
ولهذا المؤلف يقول: (في ثوب وغيره) فأطلق، فإذا قال قائل: النبي ﵊ يقول: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ» (٤)، قلنا: إن الحكم يدور مع علته، وذكر الثوب مقرونًا بالوصف الذي هو العلة يكون كضرب المثال، فكأن المُحَرّم في الأصل هو الخيلاء، وذكر النبي ﷺ مثالًا مما تكون فيه الخيلاء وهو الثوب.
ولهذا قال شيخ الإسلام، ﵀: إن الخيلاء ليست في جر الثوب فقط، في كل هيئة للثوب، حتى يقول: إن توسيع الأكمام من الخيلاء، وبعض البلاد تجد المشيخة منهم أو المشايخ منهم يضعون أكمامًا لثيابهم أوسع من القميص أحيانًا، تجد الثوب مَرَّة.
كذلك أيضًا بعضهم في العمائم، يكون عندهم خيلاء في العمامة، يطوي على رأسه عمامة تحاذي منكبيه من العرض، هذا أيضًا خيلاء، أو يجعل لها ذؤابة طويلة جدًّا، فهذا من الخيلاء.
والمهم أن الخيلاء إنما ذكرت في الحديث بالإزار أو بالثوب من باب ضرب المثال.
الخيلاء في الثوب، منها: ما ذكره الرسول ﷺ أن يجره خيلاء، يجره؛ يعني يخليه يضرب على الأرض خيلاء، عقوبة هذا -والعياذ بالله-: أن الله لا يكلمه يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.
[ ١ / ٨٨٤ ]
عوقب بأمرين: عذاب مؤلم، وإعراض من الله ﷿، ولهذا لما قال الرسول ﵊: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، كررها ثلاثًا، قال أبو ذر: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا، قال: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (٥).
فإذا جر ثوبه خيلاء فهذه عقوبته، والعياذ بالله، وإن لم يجره خيلاء فهل يستحق هذه العقوبة أو لا؟
لا يستحقها، لكن تأتيه عقوبة ثانية، وهي قوله ﷺ: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ» (٦)، فيقال له: إنك تعذب في النار بقدر ما نزل من ثوبك عن كعبيك، وأما ما بين الكعب إلى نصف الساق فهذا محل جواز، للإنسان أن يضع إلى الكعب أو أرفع، إلى نصف الساق أو أرفع قليلًا أيضًا.
يقول: (الخيلاء في ثوب وغيره)، ويحرم (التصوير) أيضًا التصوير مُحَرَّم.
والتصوير نوعان، بل أنواع ثلاثة:
تصوير ما يصنعه الآدمي، فهذا جائز؛ لأن الأصل جائز فالصورة من باب أولى، صور الإنسان سيارة بيده، خطها بيده، سيارة إذا رأيتها قلت: هذه طبق الأصل، نقول: هذا جائز، ليش؟
لأنه من صنع الآدمي، فإذا كان الأصل يجوز فالصورة من باب أولى.
القسم الثاني: أن يصور ما لا روح فيه مما لا يخلقه إلا الله، ولكن فيه حياة، إلا أنها ليست نفسًا كتصوير الأشجار والزروع وما أشبه ذلك، فجمهور أهل العلم على أن ذلك جائز ولا بأس به.
وقال مجاهد: إنه حرام، فلا يجوز للإنسان أن يصور شجرة أو زرعًا أو برسيمًا، أو غير ذلك من الأشياء التي فيها روح لا نفس.
القسم الثالث: أن يصور ما فيه نفس من الحيوان، مثل: الإنسان والبعير والبقرة والشاة والأرنب وغيرها، فهذه اختلف السلف فيها.
فمنهم من قال: إنها محرمة إن كانت ذات جسم، وجائزة إن كانت بالتلوين؛ ليست ذات جسم.
[ ١ / ٨٨٥ ]
ومنهم من قال -وهم الجمهور- وهو الصحيح: إنها محرمة، سواء كانت مجسمة أو ملونة، فالذي يخط بيده ويصنع صورة كالذي يعملها ويصنعها بيده، ولا فرق، كلها حرام، بل أعظم من الحرام، بل هي من كبائر الذنوب، حتى قال الرسول ﵊: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (٧) «الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» (٨).
ومع الأسف: أصبح هذا في عصرنا الحاضر فَنًّا يدرس أو يُقَرّ، ويُمْدَح عليه الإنسان، إذا صور الإنسان مثلًا بقرة أو بعيرًا أو إنسانًا، قالوا: ما أحذقه، ما أطيبه، ما أقدره، وما أشبه ذلك.
ولا شك أن هذا رضا بشيء منكر، بل رضا بشيء من كبائر الذنوب، والنبي ﵊ قال عن الله ﷾: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (٩).
أأحد أظلم ممن أراد أن يشارك الخالق في صنعه؟
لا، هذا ظلم واجتراء على الله ﷿ أن تريد أن تشبه نفسك وأنت مخلوق بالخالق، هذا من أعظم الظلم والعدوان على حق الله، ثم تحداهم الله، فقال: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» (٩)؛ ليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة، تحداهم الله بأمرين؛ بما فيه روح وهو من أصغر المخلوقات، وهو الذرة، وبما لا روح فيه وهو الشعيرة، هم لا يقدرون على هذا، لا يقدرون، لو اجتمعوا كلهم، كل الناس من آدم إلى يوم القيامة ما خلقوا ذرة ولا خلقوا شعيرة، ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: قال صبي من الصبيان: خلقوا حبة رزّ، رزّة؛ لأن فيه رز الآن صناعي يشبه الحقيقي، أيش نقول؟
طلبة: ().
الشيخ: نقول: ليس هذا الرز الحقيقي، هذا لو تلقيه في الأرض وتصب عليه الماء ليلًا ونهارًا ما نبت، لفسد، لكن ما الذي ينبت؟
[ ١ / ٨٨٦ ]
هو صنع الله ﷿ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]، فإذن ليس هذا كسرًا لهذا التحدي الذي تحدى به الله ﷾ الخلق: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» (٩).
إذن نقول: التصوير حرام سواء كان ذلك مجسَّمًا أو ملونًا، وهو من كبائر الذنوب، وفاعله ولو مرة واحدة يخرج به عن العدالة، ويكون فاسقًا إلا أن يتوب.
طالب: الزنار، شد الزنار، لأن بعض الناس يستعمل الحبل هذا على الوسط.
الشيخ: إيه هذا حبل.
الطالب: الإشباه، كيف يشبه الزنّار؟
الشيخ: يعني معناه إنه يجيب سير يشبه الزّنّار، سير معروف عند النصارى، أنا ما شوفت صورته لكن يمكن لو تشوفون المنجد يمكن يصوره، من جلد.
الطالب: الحبل ما ..
الشيخ: لا، الحبل ما هو منه، ليس منه.
طالب: () يشمل ..
الشيخ: سيأتي إن شاء الله الكلام عليه، إلى الآن ما كمّلْنا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرت أنه لا يدخل في إسبال الإزار ما إذا كان على الكعبين؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مع أنه صح عند النسائي (١٠)، والترمذي في الشمائل (١١) قول النبي ﷺ: «لَا حَقَّ عَلَى الْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ»، وذكر شراح الحديث أنه المقصود به: إذا كان على الكعبين.
الشيخ: إي، هو على كل حال الحديث هذا اللي ذكرت يحتمل أنه لا حق؛ يعني معناه إن الأفضل والأولى أن يكون أرفع ويحتمل أنه لا حق؛ يعني معناه ليس من اللازم إن الإنسان ينزل إلى الكعب، نقول هذا؛ لأجل يوافق «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ» (٦)، وهو أصح من الحديث هذا.
الطالب: يعني فيه تعارض بينهما يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما فيه تعارض، يحمل هذا على الندب وهذا على التحريم.
طالب: جزاكم الله خيرا، وجه كراهة السدل في الصلاة؟
الشيخ: كيف ما ذكرناه؟ ذكرناه.
طالب: بالنسبة إلى الصلاة في موضع -يا شيخ- نجس، قلنا: إنه ما يركع ولا يسجد.
الشيخ: إذا كانت رطبة.
[ ١ / ٨٨٧ ]
الطالب: إن كانت رطبة ما المانع من الركوع، مع إنه ما يصيب موضع النجاسة؟
الشيخ: لا، إحنا قلنا يومئ إيماء.
الطالب: ليش ما يركع يا شيخ؟
الشيخ: إي، صحيح، مسألة الركوع ما ترد علينا، الركوع الواقع أنه ينبغي أن لا يقال: إنه لا يركع، لكن هو يقول إن مثل هذا بيستدل مثلًا محبوس مجَلَّس، قد يكون الركوع صعبا عليه إذا صار جالسا.
طالب: شيخ نرى كثيرا من الناس يذهب إلى المتاحف، وينظر إلى المجسمات والصور ليتعجب منها، فهل يأثم هذا أو لا يأثم؟
الشيخ: إذا كانت من صنع الله فلا يأثم.
الطالب: لا من صنع الأوادم.
الشيخ: لا يا أخي ما يجوز هذا.
الطالب: كثير من الناس يذهب إلى المتاحف ويتعجب منها وينظر ..
الشيخ: لا أبدا، اللي يذهبون للمتاحف يتعجبون من الأشياء اللي ما هي من صنع الآدمي، بعض المتاحف فيها مثلًا صور منفوخة، صور حقيقية.
طالب: محنطة.
الشيخ: محنطة.
طالب: شيخ، ما فيه شيء التحنيط يا شيخ؟
طالب آخر: () بعض الناس يلبسون بنطلونًا ويحطون حزامًا في وسطهم، مع أن هذا أصله من صنع الكفار؛ يعني مثلًا تجد هؤلاء أصلهم يلبسون الثياب الوسيعة، ولكن يلبسون هذا الحزام يمسك سراويلهم.
الشيخ: إذا كان هذا الحزام من جنس الزنار فهو يدخل في كلام المؤلف، بل الصحيح أنه حرام.
الطالب: هذا السؤال يا شيخ، هل هو يدخل في ..
الشيخ: ما أظن هذا ما أظن؛ لأن الآن أصبح هذا ما هو بشعار للنصارى كل المسلمين يلبسونه.
طالب: الحزام لازم للبنطلون الحزام.
الشيخ: مثل تكة السروال.
طالب: () يستغنى عنه.
الشيخ: يمكن الإخوان اللي عايشين في بلاد النصارى يعرفونه ().
طالب: مثل الحزام يا شيخ حزام يكون قماشا يضعوه في الوسط غالبا يلبسوه رهبانهم.
الشيخ: يعني سواء احتاجوا له أم لم يحتاجوا له.
الطالب: هذا لباسهم يا شيخ، لباسهم.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٨٨٨ ]
طالب: أقول: الزنار كان عبارة عن حبل مدور كالإصبع كده، أسود مستدير، قماش أو فتل، وبعدين يعملوا عراوي كده -الرهبان- يعملوا عراوي في الهباب اللي بيلبسوه ده ويحطوه ..
الشيخ: في الثياب.
الطالب: ويضعوه ..
الشيخ: لو تقف عشان يشوفك الإخوان، قف.
الطالب: بحيث يخيطه في الثياب كده كعلاقة يعني، أكثر من واحدة، وبعدين يضع فيها الزنار هذا، عبارة عن فتلة ..
الشيخ: يعني كأنها عراوي؟
الطالب: عراوي ويضع فيها مثل الإصبع كده، حبل يدخل فيها.
الشيخ: إي، مبروم معين يعني.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم التصوير واستعماله، ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهب قبل استحالته، وثياب حرير وما هو أكثره ظهورا على الذكور، لا إذا استويا، ولضرورة أو حكة أو مرض أو حرب أو حشو).
الشيخ: هي فيها نسختين: جرب، وحرب، ونسخة لا هذا ولا هذا، ولكن الصحيح إما حرب، وإما لا شيء؛ لأن الحكة تغني عن الجرب.
الطالب: (أو كان علمًا أربع أصابع فما دونه، أو رقاعًا أو لبنة جيب وسجف فراء).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
رجل كان عليه رداء كبير وتلفف به في صلاته، بحيث لا يخرج يديه منه، فما حكم هذه اللبسة؟
طالب: مكروهة، يكره.
الشيخ: مكروهة، الدليل؟
الطالب: نهى رسول ﷺ ..
الشيخ: نهى عنها؟ ها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما اسم هذه اللبسة؟
الطالب: الصماء.
الشيخ: الصماء.
ما حكم اللثام؛ أعني لثام المصلي؟
طالب: مكروه.
الشيخ: مكروه، الدليل؟
الطالب: أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه (١).
الشيخ: أحسنت.
هل يُستثنى من هذا شيء؟
طالب: نعم، إذا كان فيه سعال أو شم رائحة كريهة، فهذا ..
الشيخ: يعني لحاجة، إذا كان لحاجة فلا بأس.
[ ١ / ٨٨٩ ]
الطالب: لحاجة، والحاجة تسقط المكروه.
الشيخ: رجل شد وسطه وهو يصلي، ما الحكم؟
طالب: التفصيل إن كان كالزنار فهو مكروه، والصحيح أنه مُحرم.
الشيخ: إن كان كشد الزنار فالمؤلف يقول: إنه مكروه، وإن كان على غير شد الزنار؟
الطالب: إن كان على غير شد الزنار فالصحيح الجواز.
الشيخ: فلا بأس به.
ما هو الدليل على كراهته إذا كان يشبه الزنار؟
الطالب: () بدليل () عدم ..
الشيخ: أقول ما هو الدليل؟
الطالب: نعم، هو النبي ﷺ نهى عن شد ..
الشيخ: أعطني لفظ الحديث.
الطالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٣).
الشيخ: قول النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
إذا استدللنا بهذا الحديث فهل الاقتصار على الكراهة وجيه؟
طالب: لا، أقل ما فيه التحريم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان ظاهره يفيد ..
الشيخ: يقتضي.
الطالب: يقتضي تكفيره.
الشيخ: كفر المتشبه بهم، نقول: الاقتصار على الكراهة فيه نظر مع هذا الحديث.
طالب: بسكون السين على القاعدة اللي أعطيتنا يا شيخ، وسْطه ولا وسَطه؟
الشيخ: نعم يصلح، وفيها قولان.
ما تقول في كف الإنسان ثوبه عند السجود؟
طالب: مكروه.
الشيخ: مكروه؟ ما الدليل؟
الطالب: () يسجد على سبعة أعظم.
الشيخ: ولا ..
طالب: حديث ابن عباس في الصحيح: أن النبي ﷺ أمر أن يسجد على سبعة أعضاء، وأمر أن لا يكف ثوبًا ولا شعرًا (١٢).
الشيخ: رجل عامل يحرث في حائطه، وحضرت الصلاة، وقد كف ثوبه، وبقي على كفه، هل نقول: إنه مكروه أو أن المكروه أن يتعمد كف الثوب عند الصلاة؛ يعني للصلاة؟
طالب: لا فرق أن يكون كف ثوبه في الصلاة أو قبل الصلاة، كله واحد، النهي عام.
الشيخ: عام؟ يعني ما يمكن أن يقول قائل: أمرت أن أسجد وألا أكف؛ يعني للصلاة؟
الطالب: بدون دليل، صرف النص عن ظاهره بدون دليل.
[ ١ / ٨٩٠ ]
الشيخ: يعني ظاهر الحديث أنه سواء كفه لعمل قبل صلاته أو من أجل صلاته، وإن كان بعض العلماء يقول: لا، المكروه إذا كفه للصلاة فقط.
المؤلف -﵀- يقول: إن (الخيلاء) حرام، يقول المؤلف: إن (الخيلاء في الثوب وغيره) حرام، ما هو الدليل؟
طالب: الدليل قول النبي ﵊: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُكَلَّمُهُمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، ذكر ثلاثة، وقال أحد الصحابة ..
الشيخ: أبو ذر.
الطالب: أبو ذر ﵁، قال: خابوا وخسروا يا رسول الله، من هم؟ فقال: «الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (٥).
الشيخ: أين الخيلاء؟
الطالب: حديث آخر: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ ..».
الشيخ: «لمَ ْيَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ» (٤).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، ما يمكن يستدل به؟
طالب: ().
الشيخ: إذن من الكتاب والسنة، هل المؤلف اقتصر على قوله: (يحرم)، وما هو الأولى أن نقول: إنه؟
طالب: كبيرة.
الشيخ: يعني كلمة (يحرم) قد يكون يحرم وهو من الصغائر؟
الطالب: من الكبائر.
الشيخ: من الكبائر؟ ما الدليل على أنه من الكبائر أو التعليل؟
الطالب: أن الله ﷾ لا ينظر إليه، فهذا؛ يعني عمل عظيم وذنب كبير.
الشيخ: يعني فيه وعيد، كل شيء فيه وعيد فهو من الكبائر.
طيب قال المؤلف: (في ثوب وغيره) في الثوب واضح، غير الثوب؟
طالب: السراويل.
الشيخ: العباءات، السراويل، العقال، الطاقية، كذا؟
الطالب: العقال ما ..
الشيخ: لا، فيه خيلاء، لا فيه، الإخوان قالوه أمس البارحة، إي نعم، قال: بعضهم يحطه على أذنه وبعضهم يحطه على جبهته خيلاء.
طالب: يزبع.
الشيخ: إي نعم، المهم على كل حال إنه في ثوب وغيره، وهو من كبائر الذنوب كما سمعتم، التصوير حكمه؟
[ ١ / ٨٩١ ]
طالب: حكم التصوير فيه تفصيل، فإن كان ..
الشيخ: كلام المؤلف قبل ييجي التفصيل.
الطالب: إي نعم، قول المؤلف محرم.
الشيخ: محرم، الدليل؟
الطالب: الدليل قول الرسول ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (٧).
الشيخ: أحسنت؛ يعني فيه أدلة متعددة، ومتنوعة العقوبة، فيه أيضًا وعيد آخر؟
طالب: وعيد على من؟
الشيخ: على المصورين.
الطالب: قول الرسول ﷺ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً جَعَلَ اللَّهُ لَهُ صُورَةً فِي النَّارِ يُعَذَّبُ بِهَا» (١٣).
الشيخ: هذه اثنان.
طالب: حديث: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» (١٤).
الشيخ: هذه ثلاثة.
طالب: قال الرسول ﷺ عن الله ﷿ أنه قال: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (٩)، و..
الشيخ: تمام «مَنْ أَظْلَمُ»، فجعل هؤلاء أظلم الخلق أو من أظلم الخلق، أربعة؟
طالب: وصية النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب، قال: «وَلَا صُورَة» (١٥) ..
الشيخ: لا.
طالب: () لهم صور ()، قال عنهم: () ذلك شر الناس يوم القيامة.
الشيخ: لا،؛ لأن هؤلاء صوروها لأجل التعظيم.
طالب: قال النبي ﷺ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَالْمُصَوِّرِينَ» (١٦)، فذكر ثالثًا لا يحضرني.
الشيخ: صحح الحديث ().
طالب: رواه أحمد في الصحيح.
طالب آخر: «لَعَنَ اللُّهُ الْمُصَوِّرِينَ» (١٧)، وحديث: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا الَّذِي يُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (١٨).
الشيخ: نعم، إذن لعن المصورين، وهذه النصوص كلها تدل على أن التصوير من كبائر الذنوب.
ذكرنا أن التصوير ينقسم إلى ثلاثة أقسام؟
[ ١ / ٨٩٢ ]
طالب: القسم الأول: تصوير ما صنع الإنسان، فهذا جائز لا خلاف فيه.
الثاني: تصوير ما فيه روح، ولكن ..
الشيخ: ليس فيه نفس.
الطالب: ليس فيه نفس، نعم، مثل الأشجار والأودية والجبال، فهذا جائز، وقد حرمه مجاهد ..
الشيخ: بس الأودية هذه ما هي معنا مثل الأشجار النامية؛ يعني الشيء النامي هو اللي فيه الروح.
الطالب: القسم الثالث: تصوير ذوات الأرواح من الإنسان والحيوان، فاختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إذا كان مجسمًا فهو محَرَّم، وإذا لم يكن مجسمًا فهو ليس محَرَّم.
والذي عليه جمهور أهل العلم أنه محرَّم سواء كان مجسمًا أو غير مجسم.
الشيخ: أحسنت، صح، هذا حكم التصوير، ودليله ما سمعتم من الأحاديث والوعيد التي فيه، والصحيح أن التصوير كما قلنا البارحة: إنه عام للمجسم والملون؛ بدليل: حديث علي بن أبي طالب أنه قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، أَلَّا تدع صورة إلا طمستها (١٥).
وظاهر ذلك أنها في الملون، وليست في المجسم؛ لأن المجسم -لو كان المراد المجسم- لقال: إلا مزقتها، أو كسرتها، أو ما أشبه ذلك.
فالصحيح التحريم مطلقًا، وهذا إذا كان باليد؛ لأن المصور باليد هو الذي يضاهي بخلق الله، ويريد أن يصنع كما صنع الله ﷿.
وأما الصور بالطرق الحديثة بالوسائل الحديثه فهو قسمان:
قسم: لا يكون له منظر، ولا مشهد، ولا مرأى، كما ذكر لي عن التصوير بأشرطة الفيديو، فهذا لا حكم له إطلاقا، ولا يدخل في التحريم قطعًا، ولهذا أجازه أهل العلم الذين يمنعون التصوير بالآلة الفوتوغرافية على الورق، وقالوا: إن هذا لا بأس به، حتى إنه حصل بحث هل يجوز أن تصور المحاضرات التي تلقى في المساجد؟
فكان الرأي ترك ذلك؛ لأنه ربما يشوش على المصلين، وربما يكون المنظر غير لائق، وما أشبه ذلك.
[ ١ / ٨٩٣ ]
أما القسم الثاني: فهو التصوير الثابت على الورق، وهذا إذا كان آلة فوتوغرافية فورية فلا يدخل في التصوير، ولا يستطيع الإنسان أن يقول: إن هذا الرجل ملعون؛ لأنه لم يصور في الورق، فإن التصوير مصدر: صَوَّر يصوِّر؛ أي: جعل الشيء على صورة معينة، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣].
فالمادة تقتضي أن يكون هناك فِعْل فُعِل في نفس الصورة؛ لأن (فَعل) في اللغة العربية هذا مقتضاها.
ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة ليس على هذا الوجه، وإذا كان ليس على هذا الوجه لا نستطيع أن ندخله في اللعنة، ونقول: إن هذا الرجل ملعون على لسان محمد ﷺ؛ لأنه كما يجب علينا التورع في إدخال ما ظاهر اللفظ دخوله فيه يجب علينا أيضًا التورع في منع مالم يتبين لنا دخوله في اللفظ؛ لأن هذا إيجاب وهذا سلب.
فكما نتورع في الإيجاب، نتورع أيضًا في السلب، وكما نتورع في السلب نتورع في الإيجاب؛ لأن المسألة ما هي مجرد إن هذا حرام ولّا ما هو حرام سيترتب عليها عقوبة.
فهل نشهد على أن هذا معاقب باللعن وشدة الظلم وعدم التكليم، وما أشبه ذلك؟
لا، وأن يكون ملعونًا أو ما أشبه ذلك؟
ما نستطيع أن نجزم إلا بشيء واضح، ولهذا يفرق بين رجل أخذ كتابي الذي خططته بيدي وألقاه في الآلة الفوتوغرافية وحرك الآلة وانسحبت الصورة، فيقال: إن هذا الذي خرج بهذا الورق رسم من؟
رسم الأول، ويقال: هذا خطه، ويشهد الناس عليه، وبين أن آتي بخطك وأقلده بيدي أرسم مثل حروفه وكلماته، فأنا الآن صحيح أنني حاولت أن أقلدك، وأن أكتب كما كتبت، وأصور كما صورت، أما المسألة الأولى فليس مني فعل إطلاقا، ولهذا ممكن أن أصور في الليل، وممكن أن يصور الإنسان وهو قد أغمض عينيه، وممكن أن يصور الرجل الأعمى، فكيف نقول هذا مصوِّر؟
[ ١ / ٨٩٤ ]
فالذي أرى أن هذا لا يدخل تحت اللعنة، ولا يدخل تحت التصوير، بناء على المادة التي اشتق منها: (صَوَّر يصوِّر).
ولكن يبقى النظر إذا أراد الإنسان أن يصوّر هذا التصوير المباح، فالمباح -كما مرّ علينا كثيرا- تجري فيه الأحكام الخمسة بحسب القصد، فإذا قُصِد به شيء محرّم كان حرامًا، وإن قُصِد به شيء مباح كان مباحًا، وإن قصد به شيء واجب كان واجبًا.
قد يجب التصوير أحيانًا خصوصًا الصور المتحركة، إذا رأينا مثلًا إنسانًا متلبسًا بجريمة من الجرائم التي هي من حق العباد، ولّا اللي من حق الله؟ قد نقول: الستر أولى، لكن إذا رأينا إنسانًا متلبسًا بجريمة تتعلق بحق العبد، مثل محاولة أن يقتله، وما أشبه ذلك، ولم نتوصل إلى إثباتها إلا بالتصوير، كان التصوير حينئذ واجبًا خصوصًا في المسائل التي تضبط القضية تمامًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
إذا أجرينا هذا التصوير لإثبات شخصية الإنسان؛ خوفًا من أن نتهم بالجريمة غيره مثلًا، هذا أيضًا لا بأس به، بل هو مطلوب.
إذا صورنا هذه الصورة من أجل التمتع بالنظر إليها هذا حرام بلا شك؛ إنسان رأى امرأة جميلة، وقال: متى أشوف هذا الوجه النَيِّر الطيب؟ يلَّا يا ولد هات الآلة، ثم يطقه ويجري يتفرج على صورته، هذا لا شك إنه حرام ولا يجوز.
طيب، صَوَّر هذه الصورة للذكرى، قال: أنا ودي أشوف عيالي وأتذكرهم وهم صغار، نعم، نقول: هذا لا يجوز، كذلك صورها للذكرى في سفر سافره هو وزملاؤه أو رحلة أو ما أشبه ذلك، كل هذا نقول: لا يجوز؛ لأننا لا نقول هذه غير صورة، هي صورة لا شك، فإذا اقتناها فقد جاء الوعيد فيمن كان عنده صورة «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» (١٩)، كما سيأتي في كلام المؤلف، إن شاء الله تعالى.
إذن صار التصوير ينقسم إلى أقسام:
أولًا: تصوير ما يصنعه الآدمي؛ وهذا جائز سواء كان مجسمًا، أو ملونًا.
[ ١ / ٨٩٥ ]
تصوير ما خلقه الله مما فيه روح لا نفس كالأشجار وشبهها، فأكثر العلماء على جوازه، سواء كان مجسمًا أو ملونًا.
وفيه الآن صور مجسمة لما فيه روح ولّا لا؟
فيه الشجرة هذه، فيه أشجار، و()، وقرطاس، وما أشبه ذلك.
طالب: فيها حياة.
الشيخ: إي، فيها حياة، لكن هي روح، حياة كل شيء بحسبه.
طالب: ().
الشيخ: إي، بخلاف النفس؛ ولهذا جاء في الحديث: «يُجْعَلُ لَهُ نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا» (١٣).
الثالث: ما فيه نفس، فهذا حرام ولا يحل، سواء كان مجسمًا أو ملونًا، وإن كان بعض السلف خصه بالمجسم فقط.
وتبعهم على ذلك أناس كثيرون من المعاصرين وغيرهم، لكن الصحيح العموم.
هذا حكم التصوير.
أما استعماله فقال المؤلف: (واستعماله)، هذه الجملة فيها شيء من التجوّز؛ لأننا لو أخذناها بظاهرها لكان المعنى واستعمال التصوير؛ لأن الضمير يعود على التصوير، وليس هذا بمراد قطعًا؛ لأن المعنى يفسد، لو قلنا: يحرم التصوير واستعمال التصوير، لكن كما قال الشارح: استعمال المُصَوَّر، التصوير: يعني المراد به المصَوَّر، فهذا الضمير عاد على مصدر يراد به اسم أيش؟
طلبة: المفعول.
الشيخ: المفعول؛ يعني استعمال المصَوَّر هذا حرام، استعمال المصوَّر حرام وظاهر إطلاق المؤلف العموم، أنه يحرم على أي وجه كان، ولكن ينبغي أن نعرف التفصيل في هذا، استعمال المصَوَّر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يستعمله على سبيل التعظيم؛ فهذا حرام سواء كان مجسمًا أو ملونًا، وسواء كان التعظيم تعظيمَ سلطان، أو تعظيم عبادة، أو تعظيم علم، أو تعظيم قرابة أو تعظيم صحبة، أيًّا كان نوع التعظيم؛ لأن الإنسان قد يستعمل الصورة لتعظيم الإنسان لسلطانه، وقد يكون يستعملها لتعظيمه في علمه، وقد يستعملها لتعظيمه في عبادته، يكون عابدًا، وقد يستعملها لتعظيمه في قرابته كالأب والأم، وقد يكون لصحبته، أو لغير ذلك.
المهم أن استعمال الصورة للتعظيم محرم على كل حال، وسواء كانت مجسمة أو ملونة.
[ ١ / ٨٩٦ ]
وفي الحقيقة أنه ليس فيها تعظيم، إذا كان الإنسان يريد أن يصور أباه فإن كان أبوه حيًّا فتعظيمه بإعطائه ما يلزم له من البرِّ؛ القولي، والفعلي، والمالي، والجاهي، وغير ذلك.
وإن كان ميتًا، فهل سينتفع بهذا التعظيم أبدًا؟ إذن ليس تعظيمًا له.
وهل أنت ستنتفع؟ أبدًا، ولكنك تجدد أحزانك، كلما رأيته ذكرته، وأنت وياهم بالقهوة، جو جميل، في المجلس تجلسون تتكلمون مستأنسين، تتذكره إذا رأيت هذه الصورة.
فإذن ليس فيها تعظيم، بل ما فيها إلا كسب الإثم، ولذلك يجب على من كان عنده صور من هذا النوع أن يمزقها، أو يحرقها، ولا يجوز له إبقاؤها؛ لأن هذا فيه خطورتان:
الخطورة الأولى: تجنب الملائكة لدخول البيت.
والخطورة الثانية: أن الشيطان قد يدخل على الإنسان من هذا التعظيم حتى يستولي تعظيمهم على قلبه ويسيطر عليه، لا سيما فيما يتعلق بالعلم والعبادة، فإن فتنة قوم نوح كانت من الصور، وهذا لا فرق فيه، قلنا بين أيش؟ الملون والمجسم، سواء كانت صورة على ورقة أو على خرقة أو كانت صورة مجسمة صورة إنسان تمثال.
الثاني: أن يتخذها على سبيل الإهانة، يستعمل الصورة على سبيل الإهانة، مثل أن يجعلها فراشًا، أو مخدة، أو وسادة، أو ما أشبه ذلك.
فهذه فيها خلاف بين أهل العلم، أكثر أهل العلم على الجواز، قالوا إنه لا بأس به؛ لأن النبي ﷺ اتخذ وسادة فيها صورة (٢٠)؛ ولأن هذا ضد السبب الذي من أجله حرم استعمال الصور؛ لأن هذا إهانة، واستعمال الصور على سبيل التعظيم هو المحرم.
وذهب بعض أهل العلم إلى التحريم، واستدل هؤلاء بأن النبي ﷺ جاء إلى بيته ذات يوم فرأى نمرقة فيها صورة -نمرقة: يعني مخدة فيها صور- فوقف ولم يدخل، قالت عائشة: فعرفت الكراهية في وجهه، فقلت: أتوب إلى الله ورسوله، ماذا صنعتُ؟ فقال: «إِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الصُّورِ يُعَذَّبُونَ، يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (١٨).
[ ١ / ٨٩٧ ]
قالوا: فنكرهها؛ لأن الرسول ﷺ كرهها.
وقال: «إِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الصُّورِ يُعَذَّبُونَ»، وقال: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» (١٩).
ويحمل ما ذكر عنه من أنه اتكأ على مخدة فيها صورة (٢٠)، بأن هذه الصورة قُطع رأسها، وإذا قطع رأس الصورة فهو جائز، ولا شك أن هذا أورع وأحوط أن لا تستعمل الصور، ولو على سبيل الامتهان كالفرش والمخاد، ولا شك أن السلامة أسلم.
وشيء كره الرسول ﵊ أن يدخل بيته من أجله لا ينبغي لك أن تدخله البيت وينشرح صدرك، من يستطيع أن ينشرح صدره في مكان كره النبي ﷺ دخوله.
لهذا القول بالمنع إن لم يكن هو الصواب فإنه هو الاحتياط، والبعد عنه أولى بلا شك.
القسم الثالث: أن لا يكون للتعظيم ولا للإهانة، فجمهور أهل العلم على التحريم، على تحريم استعمال الصور على هذا الوجه.
وذكر عن بعض السلف: أنه لا يكره ذلك إذا كان ملونًا، حتى كان عند بعضهم في بيوتهم الستائر يكون فيها الصور صور الحيوان، ولا ينكرون ذلك.
ولكن لا شك أن هؤلاء الذين فعلوه من السلف كالقاسم بن محمد -﵀- لا شك أنه يعتذر عنهم ولا يحتج بقولهم؛ لأن الحجة قول الله ورسوله، لكن يعتذر لهؤلاء بأنهم تأولوا، أو لم يبلغهم الخبر، أو ما أشبه ذلك من الأعذار.
فهذا أقسام استعمال الصور، بقي علينا مسألتان:
المسألة الأولى: ما عمت به البلوى الآن من وجود هذه الصور في كل شيء إلا ما ندر.
توجد الصور في أواني الأكل ولّا لا؟
توجد في أواني الأكل، توجد في الكراتين الحافظة للأطعمة، توجد في الكتب، توجد في الصحف، توجد في كل شيء، إلا ما شاء الله.
طلبة: ().
الشيخ: إي نعم، ماذا نقول؟ بعضهم أيضًا توجد صور مما يؤكل، بسكوت على صورة سمكة، وعلى صورة أرنب، قال بعض الناس -وقد بحثت هذه المسألة- قال: هذا طيب أنه يجيبه ويأكله ويبقى أتلفتها، البسكوت وشبهها يتلفها بأكلها، يربح.
[ ١ / ٨٩٨ ]
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، قال: هذا يشحع على أنه يعمل، يشجع ليعمل هذا الشيء، على كل حال هذه التي عمت بها البلوى، نقول: إن اقتناها الإنسان للصور لا شك أنها محرمة؛ يعني لو وجد صورة في هذه المجلة أو هذه الجريدة أعجبته وخلاها عنده هذا حرام، ما فيه شك، أو كان يشتري المجلات التي تنشر فيها الصور للصور فهذا حرام.
أما إذا كانت للعلم والفائدة والاطلاع على الأخبار فهذه أرجو أن لا يكون بها بأس نظرا للحرج والمشقة؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وهذه الصور ليست مقصودة للإنسان، لا حال الشراء ولا حال القراءة أبدًا، ولا تهمنا، نعم لو فرض أن الإنسان عنده أهل، ويخشى أن يكون في هذه الصور من هو وسيم وجميل تفتتن به النساء، فحينئذ لا يجوز أن تكون هذه المجلة وهذه الصحيفة في بيته، لكن هذا تحريم عارض.
كما أن مسألة الأواني، ومسألة الكراتين اللي فيها الأطعمة وشبه ذلك، قد يقال: إن فيها شيئا من الامتهان، فلا تكون من القسم المحرم.
أما المسألة الثانية: فهي الصور التي يلعب بها الأطفال.
الصور التي يلعب بها الأطفال تنقسم إلى قسمين:
قسم من الخِرَق والعهن وما أشبه ذلك، هذه لا بأس بها؛ لأن عائشة -﵂- كانت تلعب بالبنات على عهد النبي ﷺ ولم ينكر عليها (٢١).
قسم آخر: تكون من البلاستيك، وتكون على صورة الإنسان الطبيعي، إلا أنها صغيرة، وبعضهم يكون لها حركة، ويكون لها صوت.
طالب: تتكلم.
الشيخ: بعضهم يتكلم؟
عجيب والله، المهم أن هذه قد يقول القائل: إنها حرام؛ لأنها دقيقة في التصوير، وعلى صورة الإنسان تماما؛ يعني ليست صورة جمالية، صورة تفصيلية ولها أعين تتحرك بعد، ما أدري عندها أسنان ولّا لا؟
على كل حال إنها على صورة طبق الأصل، فقد نقول: إن هذه حرام، وقد نقول: إنها مباحة؛ لأن عائشة كانت تلعب بالبنات ولم ينكر عليها.
[ ١ / ٨٩٩ ]
ولكن إذا استدللنا بحديث عائشة فقد يقول لنا قائل: إن الصور التي عند عائشة ليست كهذه الصور الموجودة الآن، فبينهما فرق عظيم، فمن نظر إلى عموم الرخصة، وأنه قد يرخص للصغار ما لا يرخص للكبار؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في باب السبق لما ذكر بعض اللهو، قال: إنه يُرَخَّص للصغار فيه ما لا يُرخص للكبار؛ لأن طبيعة الصبي اللهو.
ولهذا تجد هذه الصور عند البنات الصغار كالبنات حقيقة كأنها ولدتها، إذا صار في أيام في الشتاء غطتها بالغطيان، وإذا صار في أيام الصيف حطتها عند المكيف تحت المروحة، صحيح، هذا مؤكد، فهذه كأنها تلهو بها لهوًا تامًا، وربما يكون وسيلة إلى تعلمها كيف تربي أولادها في المستقبل، وتسميهم أيضًا، هذه فلانة وهذه فلانة، نعم، فقد يقول قائل: إنه يرخص لهم فيها.
فأنا أتوقف في تحريمها في الواقع، لكن يمكن التخلص إذا أراد الإنسان أن يتحرز إنه يعفط وجهها؛ يعني يلينها عند النار، ويعفط الوجه حتى ..
طلبة: ().
الشيخ: لا، يمكن نقول: إنها تصيح الآن ولّا شيء.
طالب: نشجع المصورين يا شيخ، فرق بين الصورة تصنع باليد ..
الشيخ: على كل حال لا شك أن فيه تشجيع، لكن بلينا بها الآن، إحنا دائما إذا سئلنا عن هذه المسألة نقول: اشتروا لهم سيارات، رفاعات، أشياء ثانية، فيه أشياء كثيرة ملهية غير دي.
طالب: ().
الشيخ: صحيح، إنهم يقولون هذا اللي تقوله، يقوله الناس.
طالب: الكرتون ().
الشيخ: () لا بأس.
طالب: مثل الصور هذه اللي في الكراتين كون الإنسان يضحك عليها ().
الشيخ: والله فيها صعوبة.
طالب: اللي ما ().
الشيخ: جزاه الله خير، اللي ما يصعبها يمكن ما يدخله أبدا، كلام طيب.
طالب: حديث علي: إِلَّا طَمَسْتُهَا (٢٢).
الشيخ: بس ما أظن الصور عندهم بهذه المثابة الآن؛ يعني الصور عندنا ما هي، أنت الآن تعهد فيما سبق هل كانت عندنا هالصورة.
الطالب: لا.
الشيخ: ما هي موجودة.
[ ١ / ٩٠٠ ]
الطالب: لكن مثل إنسان يقول: كل ما جبت كرتون أو شيء ..
الشيخ: جزاه الله خيرًا، نقول: جزاه الله خيرًا، هذا طيب، ما نقول: هذا خطأ، أو بدعة، نقول: هذا طيب.
طالب: عندنا -الحمد لله- لا تجد إقتناء الصور كثيرة، لكن في كثير من البلدان تجد في كل المناسبات عمومًا المصورين موجودين، إما من أقاربك وإما من زملائك وإما من أي جهة من الجهات، يصورون عليك يمينًا ويسارًا، وأنت تكون قد تعرف بإنه حرام وكذا وكذا، لكن شيء عمومًا خاصة خارج ..
الشيخ: لا، وعندنا، حتى عندنا موجود في بعض أيام العرس يأتي المصورون غصب عليك الواحد، ما تقدر تمنعهم.
الطالب: كيف نتخلص من هذه المشكلة يا شيخ؟
الشيخ: نتخلص بأن لا نحضر هذه، إذا أمكننا فلا نحضر، ما هو بلازم.
طالب: أحسن الله إليك، من ناحية الصور، أحيانًا يصور الإنسان مثلًا صورًا يحتاجها لأي غرض، ويصور له المصور ست صور، سبع صور، فإما أن يتركها وإما أن يتلفها، ثم يحتاجها مرة أخرى تصور مرة أخرى، فهل الأولى أن يتلفها ثم يعيد التصوير أو أنه يبقيها للحاجة؟
الشيخ: ويش تقولون في هذه المسألة؟
طالب: يبقيها للحاجة، إن كان مظنة الحاجة ..
الشيخ: السؤال يقول: إن الإنسان إذا احتاج إلى صورة أظنه ما يصورون إلا أربع ولّا لا؟
طلبة: ست.
الشيخ: المصوّر، الكلام على المصور، هل يمكن يصورلك واحدة؟
طلبة: ستة على الأقل.
طالب آخر: أربعة أقل شيء.
الشيخ: أربعة أقل شيء، طيب، صورتها أربعة أقل شيء، هل نقول: إنه في هذه الحال احتفظ بما لا تحتاجه إذا كنت ستحتاجه، أو نقول: لا، مزقه أو أحرقه، وإذا احتجت فصور مرة ثانية؟
()
***
طالب: () على آله وأصحابه أجمعين قال المؤلف -رحمه الله تعالى:
[ ١ / ٩٠١ ]
(ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهب قبل استحالته، وثياب حرير، وما هو أكثره ظهورًا على الذكور، لا إذا استويا، أو لضرورة أو حكة أو مرض أو قمل أو جرب أو حشو، أو كان علمًا أربع أصابع فما دون، أو رقاعًا أو لبنة جيب وسجف فراء، ويكره المعصفر والمزعفر للرجال، ومنها اجتناب النجاسة).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يحرم التصوير، وأنه من كبائر الذنوب فنريد دليلًا على أنه من كبائر الذنوب؟
طالب: قول الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنَ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً وَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» (١٥).
الشيخ: نعم.
الطالب: وقول الرسول ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُصَوِّرِينَ» (١٧).
الشيخ: نعم، وسبق لنا أن استعمال الصور أو المصور ينقسم إلى أقسام؟
طالب: القسم الأول: أن يستعمله على سبيل التعظيم.
الشيخ: كم أقسام؟
الطالب: ثلاثة أقسام.
الشيخ: ثلاثة أقسام، نعم.
الطالب: القسم الأول: أن يستعملها على سبيل التعظيم، فهذا محرم مطلقًا سواء كان المعظم ملكًا أو عالمًا أو قريبًا أو صديقًا أو نحو ذلك، سواء كانت الصور مجسمة أو ملونة.
الشيخ: إذن إذا كان على سبيل التعظيم فهو حرام بكل حال، نعم، ثانٍ؟
طالب: ما كان على سبيل الإهانة والامتهان، مثل اللي يكون في السجاد والنمرقة وغيره، فاختلف العلماء فيه، منهم من أجاز، النبي ﷺ قد اتخذ نمرقة فيها تصاوير (٢٠)، ومنهم: من منع، النبي ﷺ عندما دخل البيت وجد -وكانت عائشة رأت له نمرقة فيها تصاوير- فالنبي ﷺ غضب ولم يدخل البيت (٢٣).
الشيخ: طيب الثاني: أن يتخذه على سبيل الامتهان كالفرش والمخاد والمساند، فجمهور العلماء على الجواز.
[ ١ / ٩٠٢ ]
وبعض العلماء يرى: أنه حرام، وما هو الرأي الذي اخترناه؟
طالب: القسم الثالث.
الشيخ: لا الرأي الذي اخترناه في هذه المسألة؟
الطالب: أنه حرام.
الشيخ: أنه حرام؟ لا.
طالب: القول بالمنع أولى.
الشيخ: إي، إن الأحوط اجتنابه والبعد عنه، طيب، القسم الثالث؟
طالب: الثالث: الذي لا يستخدم ليس للتعظيم وليس للإهانة.
وفيه خلاف بين العلماء، ومنهم من أجازه، وأنهم أيضًا كان لديهم في بيوتهم النمرقة فيها صور، كانت موجودة في بيوتهم ولا ينكرونها.
الشيخ: النمرقة ممتهنة؟
طالب: لا، غير ممتهنة ..
الشيخ: والصحيح في هذا؟
الطالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: أنه لا يجوز؛ لعموم قول الرسول ﷺ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» (١٩)، والرسول ﵊ قال ذلك للتحذير من هذا.
طيب حكم استعمال الثوب المنسوج بالذهب؟
طلبة: ما أخذناه.
الشيخ: إذن نبدأ، بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف -رحمه الله تعالى: (ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهب قبل استحالته وثياب حرير وما هو أكثره ظهورا على الذكور).
قوله: (على الذكور) متعلق بقوله: (يحرم)؛ يعني: يحرم على الذكر استعمال منسوج بذهب أو مموه، (استعمال منسوج بذهب) بأن يكون فيه خيوط من الذهب تنسج، سواء كانت هذه الخيوط على جميع الثوب أو في جانب منه كالطوق مثلًا، أو طرف الكم، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يكون منسوجًا بذهب في أي موضع كان من الثوب، فإنه حرام على الذكور؛ لعموم قول النبي ﷺ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٢٤).
[ ١ / ٩٠٣ ]
ولأن الرجل ليس بحاجة إلى أن يتحلى بالذهب، إذ أنه يُتَحَلّى له ولا يَتَحلى هو لأحد، كما قال الله تعالى في وصف الأنثى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]؛ يعني يُربى في الحلية، المرأة هي التي تحتاج إلى أن تتزين وأن تتحلى، أما الرجل فلا، ولا ينبغي للرجل أن يكسر رجولته حتى يتنزل إلى أن يكون على صفات الإناث في النعومة ولباس الذهب وما أشبه ذلك.
طيب لباس الخالص من الذهب بالنسبة للرجل من باب أولى، ولهذا يحرم عليه أن يلبس خاتمًا من الذهب أو قلادة أو سلسلة أو خرصًا أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا من اللبس.
كذلك المنسوج المموه بذهب؛ يعني المطلي بذهب، حرام على الرجل؛ لعموم الحديث إلا أن المؤلف استثنى إذا استحال هذا الذهب وتغير لونه، وصار لو عرض على النار لم يحصل منه شيء، فهذا لا بأس به؛ لأنه ذهب لونًا ومعنى، افرض أنه مع طول الزمن تآكل وذهب لونه، ولم يكن لونه كلون الذهب، وصار لو عُرِض على النار وصهر لم نحصل منه شيئا، فحينئذ نقول: هذا جائز؛ لأنه ذهب عنه لون الذهب ومعنى الذهب، راح كله ما بقي إلا أنه كان قد مُوِّه، ولهذا قال: (أو مموه بذهب قبل استحالته).
ويحرم أيضًا على الذكور (ثياب حرير) ثياب الحرير أيضًا حرام على الذكور، والمراد بالحرير هنا: الحرير الطبيعي دون الصناعي.
الحرير الطبيعي يخرج من دودة تسمى دودة القز، يخرج منها، وهو غالٍ وناعم، والمرأة إذا لبسته لزوجها أثارت شهوته، لهذا حَرُم على الرجل؛ لأنه يشبه من بعض الوجوه الذهب لكونه مما يُتَحلى به، وإن كان ملبوسًا على صفة الثياب، لكن لا شك أنه يحرك الشهوة بالنسبة للمرأة، فكذلك الرجل لا ينبغي له أن يلبس مثل هذا الثوب لهذه العلة.
أما الحديث، فقد سبق حديث علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٢٤).
[ ١ / ٩٠٤ ]
قال المؤلف: (وما هو أكثره ظهورًا)، و(ما) هنا نكرة موصوفة، أي: وثوب، (هو) الضمير يعود على الحرير، (أكثره) أي: أكثر هذا الثوب (ظهورًا) أي في ظاهره؛ يعني بروزًا للناس؛ يعني: يحرم ثوب يكون الحرير أكثره ظهورًا، حرام على مَن؟ على الذكور.
مثال ذلك: لوكان هناك ثوب مُعَلَّم؛ يعني فيه أعلام، ثلثاه من الحرير، وثلث من القطن، أو الصوف فهو حرام؛ لأن أكثره الحرير، وظاهر كلام المؤلف أنه لو كان الحرير أقل فليس بحرام؛ مثل أن يكون فيه أعلام، أعني: خطوطًا، وهذه الخطوط إذا نسبنا الحرير إلى ما معه من القطن والصوف، وجدنا أنه الثلث، فالثوب حينئذ حلال اعتبارًا بالأكثر.
فإن تساويا فسيأتي في كلام المؤلف أنه ليس بحرام، وفيه قول آخر: أنه حرام، وسنؤخر الكلام عليه حتى نصل، إن شاء الله.
قال: (وما هو أكثره ظهورًا على الذكور) دون النساء؛ لما عَلِمْنا من قبل من الدليل والتعليل.
وهل لبس الحرير من باب الصغائر أو من باب الكبائر؟
نقول: هو من باب الكبائر؛ لأن الرسول ﷺ قال: «مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» (٢٥)، وهذا وعيد، وقد اختلف العلماء -﵏- في معنى هذا الوعيد؛ هل المعنى أنه لا يدخل الجنة؟ لأن لباس أهل الجنة الحرير، ومن لازم حرمانه اللباس أن لا يدخل، وعلى هذا فيكون فيه تحذير شديد أن ينسلخ الإيمان من قلب هذا الرجل حتى يموت على الكفر.
أو أن المعنى أنه: وإن دخل الجنة فإنه لا يلبس الحرير، يحرم من ذلك، فإن قال قائل على هذا المعنى: يرد أن الله ﷾ قال: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١]، ومن المعلوم أن لباس الحرير لباس تشتهيه الأنفس، فكيف الجواب؟
نقول: الجواب -والعلم عند الله- إما أنه يُحْرَم من لباس هذا الحرير إلى مدة الله أعلم بها.
[ ١ / ٩٠٥ ]
وإما أن لا تشتهي نفسه هذا الحرير، ويكون هذا نقصًا في نعيمه، كما أن المريض قد لا يشتهي نوعًا من الطعام، ويكون هذا نقصًا في مأكله، فيكون هذا الذي دخل الجنة لا يكون في نفسه محبة الحرير، وهذا لا شك أنه مرض أو نوع من المرض في الدنيا، ولّا في الآخرة ما فيه مرض، لكنه يكون حرمانًا له من أن يتنعم كمال التنعم في الجنة.
قال المؤلف: (لا إذا استويا)؛ يعني: لا يحرم الحرير إذا استويا، (استويا) الضمير يعود على أيش؟
الحرير وما معه، ولهذا قال: (وما هو أكثره) يعني: الحرير وما معه إذا استويا فلا يحرم، لماذا؟
قالوا: لأن المحرم هو الحرير، ولو أخذنا بظاهر اللفظ الذي هو ظاهره، لقلنا: لا يحرم، ولا الذي أكثره الحرير، لكن الاعتبار بالأكثر ورد في عدة أحكام في الشريعة فأخذنا بالأكثر، فإذا استويا فقد اجتمع مبيح وحاظر، والأصل الإباحة، حتى نعلم أن هذا مما يدخله التحريم، انتبه لهذا التعليل.
يقول: (إذا استويا) فقد اجتمع مبيح وحاظر، والأصل في اللباس الحل والإباحة.
فنحن في شك في دخول هذا الذي استوى فيه الحرير وغيره، نحن في شك في دخوله في تحريم الحرير، والأصل الإباحة.
وقال بعض أصحابنا ﵏: بل إذا استويا يحرم، وعللوا بالقاعدة المشهورة: أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غُلّب جانب الحظر.
ولكل منهما وجهة كل من التعليلين، تعليل صحيح؛ لأن الذين يقولون: إنه إذا استويا لا يحرم، يقولون: إنما حرم الحرير وألحقنا الأكثر بالكل، أما أن نلحق المساوي بالكل فهذا بعيد من القواعد الشرعية.
والذين قالوا بالتحريم، قالوا: اجتمع مبيح وحاظر فغُلّب جانب الحظر، وهذه قاعدة شرعية معروفة.
في مثل هذه الأشياء التي تتعارض فيها الأدلة ما موقف الإنسان منها؟
طالب: الأحوط.
الشيخ: الاحتياط؟ وما هو الاحتياط، الترك أو الفعل؟
طلبة: الترك.
الشيخ: يقال في مقام الطلب: الاحتياط الفعل، وفي مقام النهي: الاحتياط الترك.
[ ١ / ٩٠٦ ]
قال: (لا إذا استويا)، يقول: (أو لضرورة)، قوله: (أو لضرورة) هذا عائد على الحرير؛ يعني: أو لبسه لضرورة، ومن الضرورة أن لا يكون عنده ثوب غيره، هذا ضرورة، ومن الضرورة أن يكون عليه ثوب لكنه احتاج إلى لبسه لدفع البرد، هذا أيضًا ضرورة، ومن الضرورة أن يكون عليه ثوب لا يستر عورته؛ لِتَمَزُّق فيه، فيجوز لبس الحرير.
المهم كل ما دعت الضرورة إليه جاز لبسه.
(أو حكة) يعني: أنه إذا كان فيه حكة يجوز له لبسه -أعني لبس الحرير- كيف؟ يعني ما الحكمة من ذلك؟
يقولون: إن الحرير لنعومته ولينه إنه يطفئ الالتهاب من الحكة، فلهذا أجازه الشافعي، فقد رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁ أن يلبس الحرير من حكة كانت به (٢٦).
فالحكة إذن تبيح لبس الحرير، فإذا قال قائل: لدينا قاعدة شرعية، وهو أن المحرم لا تبيحه إلا الضرورة، وهنا الحكة هل هي ضرورة؟
طلبة: ().
الشيخ: الظاهر قد تكون ضرورة، لا شك أنها قد تكون ضرورة، أحيانًا يبتلى الإنسان بحكة عظيمة ما تخليه يستقر، لكن إذا كان لحاجة فنقول: إن ما أبيح لحاجة الحكة؛ لأن تحريمه من باب تحريم الوسائل، وذلك لأن الحرير نفسه من اللباس الطيب والزينة، لكن لما كان مدعاة إلى تَنَعُّم الرجل كتَنَعّم المرأة، بحيث يكون سببًا للفتنة، صار ذلك حرامًا، فتحريمه إذن من باب تحريم الوسائل، وقد ذكر أهل العلم أن ما حُرِّم تحريم الوسائل أباحته الحاجة، كل ما حُرّم تحريم الوسائل فإن الحاجة تبيحه، وضربوا لذلك مثلًا بالعرايا، العرايا ما هي؟
العرايا: بيع الرطب بالتمر، بيع الرطب بالتمر حرام؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن بيع التمر بالرطب قال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟»، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (٢٧).
لأنه ربًا، إذ أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، لكن العرايا أبيحت للحاجة، كيف؟
[ ١ / ٩٠٧ ]
الحاجة هو أن الإنسان الفقير الذي ليس عنده نقود إذا كان عنده تمر، واحتاج إلى التفكه بالرطب كما يتفكه الناس أباح له الشارع أن يشتري بالتمر رطبا على رؤوس النخل، بشرط أن لا تزيد على خمسة أوسق، وأن يكون بالخرص؛ يعني: أننا نخرص الرطب لو كان تمرًا بحيث يساوي التمر الذي أبدلناه به، فهذا شيء من الربا، لكن أبيح للحاجة، لماذا؟
لأن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل، بخلاف ربا النسيئة، فإن تحريمه من باب تحريم المقاصد؛ ولهذا جاء في الحديث، حديث أسامة بن زيد: «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ»، أو: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (٢٨)، قال أهل العلم: والمراد بهذا الربا الكامل المقصود، أما ربا الفضل فإنه وسيلة.
على كل حال أقول: إنما أبيح الحرير للحاجة؛ لأن تحريمه من باب تحريم الوسائل.
(أو مرض) مرض؟ كيف المرض؟
نعم، ربما يكون هناك مرض، لا يشفى المريض إلا إذا لبس الحرير، يمكن هذا، يمكن، على كل حال المرجع في ذلك إلى الأطباء، فإذا قالوا: هذا الرجل إذا لبس الحرير شفي من المرض أو هان عليه المرض، فله أن يلبسه.
قال: (أو قمل) قمل؟ قرأتموها أنتم.
طالب: متن.
الشيخ: متن؟ طيب على كل حال، إن كان لقمل فهذا حاجة ولّا ضرورة؟
طالب: ضرورة.
طالب آخر: قد تكون ..
الشيخ: الواقع أنها قد تكون حاجة وقد تكون ضرورة، قد تكون ضرورة نفسية، ما هي جسدية، إذ أن الإنسان لا يطيق أن يخرج إلى الناس وعلى ثيابه رعايا من القمل، صح ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذن هذه ضرورة نفسية، ما يستطيع.
وقد تكون ضرورة جسدية؛ لأن هذا القمل يقرص الإنسان ويتعبه لكن -ولله الحمد- نحن في الأزمان الأخيرة قد كفانا الله تعالى شره، ولهذا لا يوجد يمكن لو أن أحدًا يشرحه للطلبة عجز أن يصوره لهم؛ لأنهم لا يعرفونه، على كل حال إذا وُجد هذا الشيء نقول: يجوز اللبس؛ لأن هذا إما حاجة، وإما ضرورة.
أما قوله: (أو حرب).
طالب: أيش لون يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٩٠٨ ]
الطالب: إيش يفيد يعني؟
الشيخ: إي، يفيد، الظاهر -والله أعلم- أنه لنظافته ولينه ونعومته يطرد هذا؛ لأن القمل أكثر ما يكون مع الوسخ، والناس في زمن مضى تبقى عليهم الثياب إلى شهر وشهرين، ما عندهم لا صابون إلا قليل، وأشنان منين يحصله أيضًا.
طالب: فيه دواء يا شيخ.
الشيخ: السؤال بعد يا جماعة.
يقول: (أو حرب)، في بعض النسخ: (أو جرب)، أما على نسخة (أو جرب) فعطفها على الحكة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الجرب حكة، لكنه نوع من الالتهابات.
وأما على قوله: (أو حرب) فإنه عطف مباين على مباين، وإذا تعارض عندنا أن يكون عطف مباين على مباين أو عطف خاص على عام، فأيهما أولى؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول أولى؛ لأن عطف الخاص على العام شبه تكرار لبعض أفراده، وقد استفيد هذا الفرد الذي عُطف منين؟
طالب: من العموم.
الشيخ: من صيغة العموم، نقول: (أو حرب)، نجعلها (أو حرب)، الحرب يجوز فيه لباس الحرير، لماذا؟
لما في ذلك من إغاظة الكفار، فإن الكفار إذا رأوا المسلمين بهذا اللباس اغتاظوا.
أو حَرْبٍ أو حَشْوًا أو كان عَلَمًا أَرْبَعَ أصابعَ فما دونَ، أو رِقاعًا أو لَبِنَةَ جَيْبٍ وسُجُفَ فِرَاءٍ.
ويُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ والمزَعْفَرُ للرجالِ، ومنها اجتنابُ النَّجاساتِ، فمَن حَمَلَ نجاسةً لا يُعْفَى عنها، أو لاقاها بثوبِه أو بَدَنِه لم تَصِحَّ صلاتُه، وإن طَيَّنَ أرضًا نَجِسَةً أو فَرَشَها طَاهِرًا كُرِهَ وَصَحَّتْ، وإن كانتْ بطَرَفِ مُصَلًّي مُتَّصِلٍ صَحَّتْ إن لم يَنْجَرَّ بِمَشْيِهِ، ومَن رَأَى عليه نجاسةً بعدَ صلاتِه وجَهِلَ كونَها فيها لم يُعِدْ، وإن عَلِمَ أنها كانتْ فيها لكن نَسِيَها أو جَهِلَها أَعادَ، ومَنْ جَبَرَ عَظْمَه بِنَجِسٍ لم يَجِبْ قَلْعُه مع الضرَرِ وما سَقَطَ منه من عُضْوٍ أو سِنٍّ فطاهِرٌ، ولا تَصِحُّ الصلاةُ في مَقبرَةٍ وحُشٍّ وحَمَّامٍ وأَعطانِ إِبِلٍ
[ ١ / ٩٠٩ ]
الحرب يجوز فيه لباس الحرير، لماذا؟ لما في ذلك من إغاظة الكفار، فإن الكفار إذا رأوا المسلمين بهذا اللباس اغتاظوا، وانكسرت معنوياتهم، وعرفوا أن المسلمين في نعمة، هذا من جهة، وعرفوا أن المسلمين أيضًا غير مبالين بالحرب؛ لأن الرجل الذي يتجمل بالحرير كأنه يقول بلسان الحال: أنا لا أهتم بالحرب، ولا يهمني، ولذلك ذهبت ألبس هذا الثوب الناعم. ولهذا كانوا في الحرب ربما يجعلون على عمائمهم ريش النعام؛ ريش النعام تعرفونه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجعلونه على العمامة، يصفونه عليها حتى يعرف الرجل أنه شجاع، وأنه غير مبال بهذا. ورأى النبي ﷺ ذات يوم رجلًا يختال في مِشيته بين الصفَّين -يعني يتبختر- فقال: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ» (١)، لأجل يظهر العلو والفخر على هؤلاء الكفار.
كل شيء يغيظ الكافر فإنه يرضي الله ﷿، وكل شيء فيه إكرام كافر فإنه يغضب الله ﷿؛ لأن إكرام الكافر معناه إظهار الإكرام لمن أهانه الله، وهذه مراغمة لله ﷿، ولهذا قال النبي ﵊ في اليهود والنصارى، وهم من أحسن الكفار: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُم إِلَى أَضْيَقِهِ» (٢)، إذا تقابل مسلمون وكفار في الطريق لا بد أن يتمايز بعضهم عن بعض، فهل نحن نتمايز حتى يدخلوا؟ لا، نبقى نحن صامدين ونخلي تضيق عليهم هم، هم الذي أيش؟ يتمايزون، هذا معنى الحديث، ليس معنى الحديث أن الإنسان إذا رأى الكافر يدزُّهُ حتى يكون على الجدار، لا، هذا ما كان معروفًا في عهد الرسول ﵊، ولا أراده النبي ﵊.
[ ١ / ٩١٠ ]
المهم أنا نقول: كل شيء يغيظ الكفار فإنه يرضي الله، وكل شيء فيه إكرام الكفار فإنه حرام، ولا يجوز، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقال في وصف النبي ﷺ وأصحابه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
قال المؤلف ﵀: (أو حشوًا) يعني المعنى: أن يلبس الإنسان ثوبًا محشوًّا بالحرير، تعرفون الحشو؟ أن يكون داخلًا في الثوب، يكون الثوب بطانة وظهارة، ثم يجعل تحت البطانة أيضًا ثوب آخر، هذا يجوز، لماذا؟ لأنه مختف غير ظاهر.
فإذا قدر أن رجلًا رأى ثوبًا يباع وفيه حشو حرير، واشتراه ليلبسه، فلا بأس بذلك، فإن اشتراه لينام عليه رأى فراشًا حشوه حرير واشتراه لينام عليه فلا بأس بذلك.
قال: (أو علمًا)، هذا معطوف على أيش؟
طالب: حشو.
طالب آخر: الثوب الحرير يا شيخ.
طالب آخر: ().
الشيخ: يا جماعة، ما هو معناه أنكم تقولون: معطوف على أي كلمة سبقت، شوفوا التقدير، من الذي يقول: لضرورة؟ إذا قلنا: لضرورة لزم أن يكون بالجر، ولا يستقيم المعنى أيضًا إذا قلنا: أو لضرورة أو لعلم، ما يستقيم.
طالب: على حشو.
الشيخ: ما يخالف حشوًا وأيش اللي معطوفة عليه؟
طالب: (كان) مقدرة.
طالب آخر: أو كان.
الشيخ: إي نقول: (أو حشوًا) حشوًا هذه خبر لـ (كان) المحذوفة المعطوفة على ما سبق، على قوله: (إلا إذا)؛ إلا إذا استويا أو إلا إذا كان حشوًا أو إلا إذا كان علمًا.
طالب: (أو كان علمًا).
الشيخ: عندكم: كان متن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، إذن ما فيه إشكال، لكن () متن.
[ ١ / ٩١١ ]
يقول: (أو علمًا) العلم معناه: الخط، خط يطرز به الثوب، تطريز الثوب قد يكون من الأسفل، وقد يكون في الجيب، وقد يكون في الأكمام، وقد يكون ثوبًا مفتوحًا فيكون التطريز من جوانبه.
المهم إذا كان في الثوب علم، يعني خطًّا من الحرير، فهو جائز، لكن بشرط، قال: (أو علمًا أربع أصابع فما دون)، يعني العلم يكون أربع أصابع فما دون، أربع أصابع. أصابع طفل، أو أصابع إنسان غليظ الأصابع؟
طلبة: متوسط.
الشيخ: متوسط، هذا يرجع فيه إلى الوسط، ولهذا قال الرسول ﷺ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» (٣)، حتى لا نأخذ الأعلى ولا نأخذ الأدنى أيضًا، نأخذ بالوسط.
أربع أصابع، إذا كان العلم أربع أصابع في مكان واحد فما دون فهذا لا بأس به؛ لحديث عمر ﵁: أنه لم يرخص في الحرير إلا إذا كان علمًا أربع أصابع فما دون (٤). ولا فرق بين أن يكون العلم مستطيلًا في الثوب أو في بقعة منه، المهم ألا يزيد على أربعة أصابع، ثلاثة؟
طلبة: جائز.
الشيخ: واثنان؟
طلبة: جائز.
الشيخ: وخمسة؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز. كيف نجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: (وما هو أكثره ظهورًا)؟ لأننا لو أخذنا بظاهر العبارة السابقة لقلنا: إذا كان علمًا عرضه خمسة أصابع وإلى جنبه علم من القطن عرضه خمسة أصابع أو ستة أصابع يجوز ولّا ما يجوز؟
إن نظرنا إلى ظاهر ما سبق قلنا: إنه جائز، ولكن ما سبق مقيد بما يلحق، فنقول: مراده فيما سبق إذا كان الثوب مشجرًا، أو إذا كان فيه أعلام أقل من أربعة أصابع، فهنا نعتبر الأكثر، أما إذا كان علمًا متَّصلًا فإن الجائز ما كان أربع أصابع فما دونها.
لو أخذنا بظاهر ما سبق (وما هو أكثره ظهورًا) لقلنا: إذا اجتمع عندنا ثوب معلم فيه أعلام، فيه علم حرير خمسة أصابع، وفي علم من القطن إلى جانبه ستة أصابع، هنا الأكثر ما هو؟
طلبة: القطن.
[ ١ / ٩١٢ ]
الشيخ: القطن، فظاهر كلامه فيما سبق أن هذا جائز، ولكن كلامه الأخير لما ذكر العلم لا بد أن يكون أربع أصابع فما دون يقتضي أن مثل الثوب الذي ذكرنا الآن لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون أربع أصابع فأقل، فهل نأخذ بالكلام الأول أو بالثاني؟
طالب: الثاني.
الشيخ: نقول: نأخذ بالثاني، فالكلام الثاني مقيد للكلام الأول.
إذا قال قائل: وأيش نحمل الكلام الأول عليه؟ نقول: نحمله على أن العلم من الحرير من أربع أصابع فأقل، أو أنه أعلام كثيرة لكن متفرقة فيما بينها، أو تكون مشجرة كالذي يسمى الديباج، مشجرة، أحيانًا يأتي الحرير كالأشجار على القطن المنسوج معه، فيجب أن نتنبه لهذا.
(أو رقاعًا أو لبنة جيب وسجف فراء)، الرقاع: جمع رقعة، يعني: لو رقع الثوب بحرير؟ إنسان مثلًا عنده ثوب من القطن أو من الصوف لكنه متمزق فرقعه بحرير؟
طالب: جائز.
الشيخ: يجوز، لكن يجب أن نلاحظ أنه بقيد أن يكون أربع أصابع فما دون، يعني بحيث لا تزيد الرقعة على أربعة أصابع.
كذلك لبنة الجيب، ما هي لبنة جيب؟ أولًا ما هو الجيب؟ الجيب هو هذا اللي يدخل معه الرأس، ولبنته هو ما يوضع من الحرير على هذا الطوق، وهو معروف في بعض الثياب الآن.
الفراء: جمع فروة، وسجفها: أطرافها، وأنتم تعلمون أن الفروة مفتوحة الأمام، فسجفها يعني أطرافها، هذا أيضًا لا بأس به، لكن بشرط أن يكون أربع أصابع فما دون.
يقول: (ويكره المعصفر والمزعفر للرجال). يكره كراهة تنزيه ولّا كراهة تحريم؟
طالب: كراهة تحريم.
الشيخ: يجب أن نعلم أن الفقهاء ﵏ إذا قالوا: يكره، وأعني بذلك المتأخرين فهي كراهة التنزيه، ولا يقصدون بذلك كراهة التحريم، فيقصدون أن المزعفر وهو المصبوغ بالزعفران، والمعصفر وهو المصبوغ بالعصفر، مكروه للرجال.
[ ١ / ٩١٣ ]
الدليل: أن النبي ﷺ رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين مُعَصْفَرين، فنهاه النبي ﷺ أن يلبسهما وقال: «لَا تَلْبَسْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ» (٥)، فنهاه وعلل؛ نهاه عن لبسهما وقال: «إِنَّهُ مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ».
وإذا استدللنا بهذا الحديث على هذا الحكم وجدنا أن الحكم بالكراهة التنزيهية فيه نظر؛ لأن هذا الحديث يقتضي أنه حرام، وهذا هو القول الصحيح: أن لبس المعصفر حرام على الرجل، والمزعفر مثله؛ لأن اللون واحد أو متقارب، فلا يجوز للرجل أن يلبس ثيابًا مزعفرة أو ثيابًا معصفرة؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّهَا مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ»، ولا يمكن أن نقول: إنها مكروهة كراهة تنزيه، والرسول ﵊ جعلها من لباس الكفار.
ولكن يرد على هذا: أن الرسول ﵊ كان يلبس الحلة الحمراء (٦)، والحمراء أغلظ حمرة من المعصفر، فكيف ينهى عن المعصفر ويقول: «إِنَّهَا لِبَاسُ الْكُفَّارِ»، ثم يلبس الأحمر؟
أجيب عن ذلك بأحد جوابين بل بثلاثة:
قال بعضهم: إن الأحمر الخالص ليس هو لباس الكفار، لباس الكفار هو المعصفر الأصفر، يعني يميل إلى الحمرة، لكن ليس خالصًا، والحلة الحمراء التي كان الرسول يلبسها حلة حمراء، هذا جواب، وهذا الجواب فيه نظر؛ لأن الأحمر الخالص أشد من؟
طلبة: الأصفر.
الشيخ: الأصفر. الثاني: أن هذا فعل، والفعل لا يعارض القول؛ لاحتمال الخصوصية، وهذه القاعدة مشى عليها الشوكاني ﵀ في شرح المنتقى، دائمًا يجعل فعل الرسول ﵊ من خصائصه، ولا يحاول أن يجمع، ولكن هذه الطريقة أيضًا طريقة ليست بصواب؛ لأن فعل الرسول سنة وقوله سنة، ومتى أمكن الجمع وجب؛ لئلا يكون التناقض.
[ ١ / ٩١٤ ]
القول الثالث في هذه المسألة أو الوجه الثالث يقول: إن الحلة الحمراء هي التي خطوطها حمر، وليست حمراء خالصة، وإلى هذا ذهب ابن القيم ﵀.
وقال وأنا أقول كما يقال: هذا الرجل شماغه أحمر، وذاك الرجل شماغه أسود، ولّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: هل المراد أن كله أحمر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولا كله أسود، فيقول ﵀: إن هذه الحلة الحمراء لا تعارض نهيه؛ لأنها حلة حمراء لكن ليست خالصة، وإذا كان مع الأحمر شيء يزيل عنه الحمرة الخالصة فإن هذا لا بأس به.
***
الطالب: ومنها: اجتناب النجاسة، فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها أو لاقاها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته، وإن طين أرضًا نجسة أو فرشها طاهرًا كره وصحت، وإن كانت بطرف مصلى متصل صحت إن لم ينجر بمشيه.
ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيها لم يعدها، وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يحرم على الرجل لباس منسوج أو مموَّه بذهب، ما هو الدليل؟
طالب: أنه يحرم على الرجل لباس منسوج أو مموه بذهب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: نعم، الدليل على ذلك قول الرسول ﷺ: «حُرِّمَ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِذُكُورِ أُمَّتِي».
الشيخ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٧)، أحسنت. الحرير هل فيه دليل آخر في تحريمه على الرجال؟
طالب: في تحريمه على الرجال نعم، قال النبي ﷺ «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» (٨).
الشيخ: نعم، «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» إذا كان الثوب منسوجًا من حرير وغيره؟
الطالب: لا يجوز الصلاة فيه.
الشيخ: ما هو الصلاة فيه، نحن نسأل عن لبسه إذا كان منسوجًا من حرير وغيره؟
[ ١ / ٩١٥ ]
طالب: فيه تفصيل إذا كان يعني أكثره حريرًا فهو ما يجوز.
الشيخ: إذا كان أكثره الحرير فإنه لا يجوز وإذا كان أقله؟
الطالب: أقله فهو يجوز.
الشيخ: فهو يجوز، وإن كانا متساويين؟
الطالب: على كلام المؤلف لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، وعلى كلامك؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن ما حاجة تقول: على كلام المؤلف.
الطالب: إي نعم، لا يحوز.
الشيخ: إذن إذا استويا لا يجوز.
ماذا تقول إذا تساويا ظهورًا الحرير وما نسج معه؟
طالب: على كلام المؤلف يجوز.
الشيخ: يجوز، وفيه قول آخر؟
الطالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: أنه لا يجوز، أحسنت. ما هو تعليل كلام المؤلف؟
الطالب: تعليل كلام المؤلف قال: إذا استوى الاثنان فيغلب () هو يرى أنه.
الشيخ: هو يرى أنه حلال إذا استويا الحرير وما معه فهو حلال.
الطالب: لأنه يرى إذا استوى الحكمان الحلال والحرام على الحل والتحريم وأساس اللباس الحل فيجوز.
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: يقول: لأنه الحرير على الحرام والذي اختلط معه حلال فاستويا الاثنان، فيرجع إلى أساس الثوب، فأساس لبس الثوب أنه حلال، فهذا حلال.
الشيخ: إذن فنحن نشك في التحريم، والأصل الحل، فنقول: إنه حلال، والذين قالوا: إنه حرام، ما تعليلهم؟
طالب: قالوا: إذا اجتمع مبيح وحاظر فنرجح جانب الحظر.
الشيخ: هذه هي القاعدة أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر.
الطالب: ولعموم الأدلة تحريم الحرير احتياطًا.
الشيخ: احتياطًا، وقلنا: إن الأولى الاحتياط تركه لكنه عند الحاجة لا بأس به. يجوز لبس الحرير في أحوال.
الطالب: إذا كان لحاجة.
الشيخ: إذا كان لحاجة؟
الطالب: حكة ومرض والحرب.
الشيخ: كيف يجوز لحاجة وهو حرام والقاعدة المعروفة الشرعية أنه لا يبيح الحرام إلا الضرورة.
الطالب: لأن هذا تحريم الحرير من باب تحريم الوسائل وتحريم الوسائل يجوز لحاجة محرم فإنه وسيلة يباح لحاجة.
الشيخ: أحسنت، هل لهذا أصل أن ما حرم للوسيلة جاز للحاجة؟
[ ١ / ٩١٦ ]
طالب: نعم، له أصل في مثل بيع العرايا، الرسول ﷺ نهى عن بيع التمر بالرطب (٩) ولكن رخص للفقير الذي.
الشيخ: رخص بالعرايا بس.
الطالب: للفقير الذي لا يجد.
الشيخ: هل العرايا ضرورة أو حاجة؟
الطالب: حاجة ليس ضرورة.
الشيخ: حاجة ليس ضرورة؛ لأنه بإمكانه أن يأكل التمر الذي عنده.
الطالب: ويكتفي به.
الشيخ: ويكتفي به، ما هو الدليل على جواز لبس الحرير للحكة؟
طالب: حديث عبد الرحمن بن عوف والحسين أنه كان عندهما حكة، فأذن النبي ﷺ لهم أن يلبسا قمصانًا من حرير (١٠).
طالب آخر: الزبير يا شيخ.
الشيخ: الزبير، ما الفائدة من هذه؟
طالب: لأنه ناعم، والجسم يكون فيه حكة فيساعد يعني ما يثير الحكة هذه.
الشيخ: من أجل اللين يخفف الحكة، في بعض النسخ يقول: أو حرب، لماذا؟
الطالب: إذا كان فيه حرب لأنه فيه إغاظة للمشركين وإظهار عدم خوف المسلمين من الحرب.
الشيخ: وإغاظة الكفار أمر؟
الطالب: مطلوب شرعًا.
الشيخ: مطلوب شرعًا كذا، فما فيه من مصلحة من إغاظة الكفار يربو ما فيه من المفسدة من لبسه، واضح؟
المؤلف ﵀ ذكر أنه يكره المعصفر للرجال.
الطالب: أن رسول الله ﷺ رأى على عبد الله بن عمرو ثوبين معصفرين فقال: «لَا تَلْبَسْهُمَا؛ فَإِنَّهُمَا مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ»، وفيه حديث أنس المتفق عليه: نهى رسول الله عن لبس المعصفر (١١) ().
الشيخ: مقتضى حديث عبد الله بن عمرو.
طالب: ابن عمرو ولا ابن عمر يا شيخ؟
الشيخ: ابن عمرو.
الطالب: ابن عمر يا شيخ.
الشيخ: لا، الصواب ابن عمرو.
طالب: ابن عمر.
الشيخ: اللي في المنتقى ابن عمرو يمكن هذا خطأ.
طالب: النهي عن لبس المعصفر.
الشيخ: أقول: مقتضى حديث ابن عمرو أنه للكراهة؟
طالب: للتحريم.
الشيخ: للتحريم وجه ذلك؟
الطالب: لأنه تشبه بالكفار.
الشيخ: قال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها، والتشبه بالكفار على القول الراجح؟
طالب: حرام.
[ ١ / ٩١٧ ]
الشيخ: حرام.
***
قال المؤلف ﵀: (ومنها)، يعني: من شروط الصلاة، أي من شروط صحتها، وقد مر علينا أن الشرط في الاصطلاح هو ما تتوقف الصحة عليه، هذا هو الشرط؛ لأن الذي لا يصح الشيء إلا به يُسمَّى شرطًا، ولهذا قيل: إن الشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود.
وإن قلت: ما تتوقف الصحة عليه فلا بأس فهذا شرط.
من شروط الصلاة اجتناب النجاسة، هذا من الشروط، ونبدأ أولًا في أي موضع أو ما هو المحل الذي يجب أن تجتنب فيه النجاسة؟ نقول: البدن والثوب والبقعة.
ونحتاج إلى دليل لكل هذه الثلاثة فنقول: أما البدن فالدليل على اشتراط الطهارة فيه ووجوب التنزه من النجاسة: أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان، وأحدهما كان لا يستنزه من البول (١٢)، وهذا دليل على أنه يجب التنزه من البول، وكذلك أحاديث الاستنجاء والاستجمار كلها تفيد أنه يجب التنزه من النجاسة في البدن.
وأما دليلها في الثوب فمن أدلتها: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، على أحد التفاسير، ﴿ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
ومنها -أي من أدلة ذلك أيضًا- أن النبي ﷺ أمر الحائض إذا أصابها دم الحيض أن تغسله ثم تصلي فيه (١٣).
ومن الأدلة أيضًا: خلع النبي ﷺ نعليه لما أخبره جبريل أن فيهما أذًى (١٤)، فهذا يدل على أنه لا يجوز استصحاب النجاسة في حال الصلاة.
وأما الدليل على طهارة المكان: فمنها قوله تعالى في: ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فقال ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
ومنها أيضًا: أن النبي ﷺ قال في المساجد: «إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْقَذَرِ» (١٥)، وأمر أن يصب على بول الأعرابي ذَنُوب من ماء ليطهره.
[ ١ / ٩١٨ ]
فهذه الثلاثة لا بد أن تكون خالية أو سالمة من النجاسة، والأدلة كما سمعتم، ولكن هل هذه الأدلة تدل على أن الصلاة بدونها -أي بدون اجتناب النجاسة- لا تصح، أو يدل على وجوب التنزه من النجاسة، وإن صلى بنجاسة فهو آثم وصلاته صحيحة؟
جمهور أهل العلم على الأول على أنها شرط للصحة، وأنه إذا لم يتنزه من ذلك فصلاته باطلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها ليست شرطًا للصحة، لكنها واجبة.
ولكن بلا شك أن القول الراجح قول الجمهور؛ لأن هذا الواجب خاص بالصلاة، وكل ما وجب في العبادة فإن فواته مبطل لها إذا كان عمدًا، وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح أن صلاته باطلة. ووجه ما ذكرته لكم أن التنزه من هذا واجب خاص بالعبادة، فكأنه قيل: لا تصل وأنت متلبس بهذه النجاسة، فإذا صلى وهو متلبس بها فقد صلى على وجه ما أراده الله ورسوله، ولا أمر الله به ورسوله، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٦). إذن فهذا وجه تقرير كون اجتناب النجاسة من شروط الصلاة.
قال: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها)، هذا تفريع، الفاء هنا للتفريع، قال: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها)، من هنا يجب أن نتنبه للنجاسة، وقد مر علينا في باب إزالة النجاسة الأعيان النجسة، فيجب أن تكون منا على ذكر.
قال: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها)، أفادنا ﵀ بقوله: (لا يعفى عنها) أن من النجاسات ما يعفى عنه، وهو كذلك، وقد سبق لنا أنه يعفى عن يسير؟
طالب: الدم.
[ ١ / ٩١٩ ]
الشيخ: الدم، إذا كان من حيوان طاهر كدم الآدمي مثلًا، ودم الشاة والبعير، وما أشبهها، يعفى عن يسيره، بل سبق لنا أن شيخ الإسلام -﵀- يرى العفو عن يسير جميع النجاسات، كل النجاسات يعفى عن يسيرها، لا سيما إذا شق التحرز منها، مثل أصحاب الحمير الذين يلابسونها كثيرًا، هذا لا يخلو من رشاش أحيانًا، بل غالبًا من بول حمارهم، فشيخ الإسلام يقول: العلة: المشقة، فكلما شق اجتناب النجاسة فإنه يعفى؟
طالب: عن يسيرها.
الشيخ: عن يسيرها، حتى أصحاب البويات، قال: إنه يعفى عن يسير ما يصيب أبدانهم مما يحول بينها وبين الماء؛ أصحاب البوية لا بد يأتيهم نقط تمنع وصول الماء، فشيخ الإسلام ﵀ يقول: إن هذا معفو عنه؛ لأن الدين يسر، ومثل هذه المسائل تكون غالبًا للإنسان، وهو لا يشعر بها أحيانًا أو يشعر بها، ولكن يشق عليه التحرز منها.
قال: (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها)، وين الجواب؟
طالب: (لم تصح).
الشيخ: متأخر الجواب كذا قال: (لم تصح صلاته).
مثال حمل النجاسة كيف يحمل نجاسة؟ إذا تلطخ ثوبه بنجاسة، فهو حامل لها في الواقع؛ لأنه يحمل ثوبًا نجسًا، إذا جعل نجاسة في قارورة في جيبه، فقد حمل؟
طلبة: نجاسة.
الشيخ: نجاسة لا يعفى عنها، وهذا يقع أحيانًا في عصرنا فيما إذا أراد الإنسان أن يحلل البراز أو البول وقال له الطبيب: ائتني بعد صلاة الفجر مباشرة، فتجد بعض الناس يأخذ هذا في القارورة ويضعه في جيبه ويروح يصلي، ماذا نقول له؟
طلبة: ما تصح صلاته.
الشيخ: نقول: هذا صلاته لا تصح؛ لأنه حمل نجاسة لا يعفى عنها.
فإن قال قائل: يرد عليكم على هذا التقرير ما ثبت عن النبي ﷺ أنه حمل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ وهو يصلي (١٧) والطفلة بطنها كله مملوء من النجاسات، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
[ ١ / ٩٢٠ ]
الشيخ: بل إن شاء أورد عليك قال: بطنك أنت مملوء بالنجاسة، المثانة تحمل البول، والأمعاء الغليظة وغير الغليظة تحمل أيضا؟
طالب: الغائط.
الشيخ: الغائط، فما جوابك على هذا؟ هذا معه جرة محكمة تمامًا، لو وضعتها عند أنفك ما شممت ريحها، ولا تتلوث بها ثيابه، ولا شيء أبدًا، ليش تقول: ما يصح وهذا يصح؟
أجاب العلماء على ذلك فقالوا: إن النجاسة في معدنها لا حكم لها، ما تنجس إلا بالانفصال، وهذا متصل، لا بالنسبة لأمامة بنت زينب، ولا بالنسبة لما في بطن الإنسان، لم ينفصل بعد، فلا حكم له.
وهذا الجواب لا شك أنه صحيح. ولهذا قال بعض العلماء: إن العلقة في الرحم إذا استحالت إلى مضغة، ثم إلى حيوان طاهر؛ لم يصح أن نقول: إن هذه طهرت بالاستحالة، وإن كان المعروف عند الفقهاء ﵏ أنهم يستثنون مما يطهر بالاستحالة العلقة تصير حيوانًا طاهرًا، لكن بعض العلماء رد هذا الاستثناء وقال: إن العلقة في معدنها في الرحم ليس لها حكم، فهي ليست بنجسة ولا طاهرة، ولا حكم لها، بناءً على هذه القاعدة، وهي أن الشيء في معدنه لا حكم له.
إذن من حمل نجاسة في صلاته الحكم: فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها.
(أو لاقاها) يعني لاقى النجاسة وإن لم يحملها، كيف لاقاها؟ استند مثلًا إلى جدار نجس، نقول: هذا لاقى النجاسة، أو كان جالسًا في التشهد أو بين السجدتين، وحوله شيء نجس قد وضع يده عليه، هكذا، يكون لاقاها ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن لاقاها، فإذا لاقاها وإن لم يكن حاملًا لها وإن لم يسجد عليها فصلاته باطلة؛ لأنه يجب التنزه من النجس.
قال: (لاقاها بثوبه أو بدنه) بثوبه؛ حتى الثوب إذا اتكأت على الجدار وهو نجس فقد لاقيت النجاسة بماذا؟
طلبة: بالثوب.
الشيخ: بالثوب، فلا تصح صلاتك.
[ ١ / ٩٢١ ]
فإن مس ثوبه شيئًا نجسًا؛ لكن بدون اعتماد عليه، قال أهل العلم: فإن ذلك لا يضر؛ لأن هذا ليس بثابت. فإذا قُدر أن إنسانًا يصلي ولما ركع، والعادة أن الإنسان إذا ركع ابتعد ثوبه من ورائه، والآن ما هو على الجدار، ليس مستندًا عليه، لكنه إذا ركع مس ثوبه الجدار، فإن هذا لا يؤثر، ليش لأي شيء؟ لأنه لم يعتمد عليه، فلا يعد ذلك ملاقاة.
عندي بالشرح: وإن مس ثوبه ثوبًا أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه، هذا رجل يصلي على بساط فيه بقعة نجسة، فإذا سجد صارت البقعة بين ركبتيه ويديه، ما تقولون؟ واحد يصلي على سجادة معه فيها بقعة نجسة، هذه البقعة إذا سجد تكون بين ركبتيه ويديه تصح صلاته ولّا لا؟
طلبة: إي نعم، تصح.
الشيخ: يقولون: تصح صلاته نعم؛ لأنه لم يحملها ولم يلاقها فصلاته إذن صحيحة.
وبالأولى أيضًا: لو كانت النجاسة على جانب من زواياها زوايا السجادة فإنها تصح صلاته؛ لأنه لم يلاقها ولم يمسها.
قال المؤلف: (وإن طين أرضًا نجسةً أو فرشها طاهرًا كره وصحت)، هذان حكمان: إذا طين أرضًا نجسة، أي: كساها بالطين، ما هو صب عليها ماء، إذا صب عليها ماء طهرت، لكن هذه أرض نجسة فأتى بطين وكساها به. وإن سمت.
طالب: ().
الشيخ: مثلها، إذا سمت أرضًا نجسة، وإن زفلت مثلها أيضًا، هذا طين أرضًا نجسة، أي: كساها بالطين وصلى على هذا الطين الذي كسيت به هذه الأرض، ذكر المؤلف حكمين:
الحكم الأول قال: كره.
والحكم الثاني قال: صحت.
فالصلاة إذن صحيحة، والفعل مكروه، والمكروه معناه: أنه لا يعاقب فاعله، ويثاب تاركه امتثالًا، هذا حكم المكروه، لا يعاقب فاعله ويثاب؟
طلبة: تاركه امتثالًا.
[ ١ / ٩٢٢ ]
الشيخ: ويثاب تاركه امتثالًا. الحكم الثاني: صحت الصلاة، لماذا صحت؟ نقول: لأن هذا الرجل لم يحمل النجاسة، ولم يلاق النجاسة، فأتى بالشرط، وإذا أتى بالشرط فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يلاقها ولم يحملها فتصح صلاته، بقينا بمكروه ما هو السبب؟ لماذا يكره؟ الكراهة، كما هو معروف لنا حكم شرعي، والحكم الشرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فما هو الدليل؟
قال: الدليل في الشرح تعليل؛ لأنه اعتمد على ما لا تصح الصلاة عليه، هكذا عللوا، ولكن هذا التعليل عليل في الواقع؛ لأننا نقول: هذا الذي لا تصح صلاته عليه حال بينه وبينه حائل صفيق، لا يمكن أن يمس من ورائه النجس أو يلاقي النجس، ولو أننا أخذنا بهذا لقلنا: لا تسلم صلاة أحد من الكراهة، لاسيما في البيوت التي يكثر فيها الصبيان والبول، وما أشبه ذلك، الآن البيوت التي يكثر فيها الصبيان والبول كلهم يفرشون مصلياتهم ويصلون عليها، فهل نقول: إن هؤلاء صلاتهم مكروهة، هذا فيه نظر ظاهر. والصواب: أنها تصح ولا تكره.
كذلك قال: (أو فرشها طاهرًا)، (فرشها) أي: فرش عليها، (طاهرًا) أي: شيئًا طاهرًا، مثل: ثوب سجادة، خصاف أيش؟
طالب: تراب.
الشيخ: التراب يمكن يصل إليها؛ لأن التراب إذا سجد عليه ربما أنه يتمايز.
المهم أنه فرش شيئًا طاهرًا، إذا فرشها شيئًا طاهرًا فإن الصلاة تصح؛ لعدم مباشرته النجاسة؛ فليس بحامل لها، ولا ملاق لها، ولكن لماذا تكره؟ يقول المؤلف: لاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه. ولكن الصحيح أنها لا تكره؛ لأنه صلى على شيء طاهر يحول بينه وبين النجاسة.
طالب: ().
الشيخ: شاهدته أنت؟
طالب: القمر نعم.
الشيخ: شاهدت القمر؟ شاهدته كاسفًا.
طالب: ().
الشيخ: يشوفه واحد منكم.
طالب: ما نعرف.
الشيخ: الطرف هذا متصل بالذي يصلي عليه، ولكنه هو لا يباشر النجاسة ولا يلاقيها، فنقول: إن صلاته صحيحة، وإن كان بعض العامة يرون أن السجادة إذا تنجست ولو كانت النجاسة بطرف منها بعيد فإنها لا تصح.
[ ١ / ٩٢٣ ]
() (أو فرشها طاهرًا كره وصحت) قال: (وإن كانت بطرف مصلى متصل به صحت) ثم قال: (إن لم ينجر بمشيه)، هذه العبارة فيها ركاكة عظيمة.
***
() بسم الله الرحمن الرحيم من شروط الصلاة اجتناب النجاسة.
المؤلف يقول ﵀: (إن كانت بطرف مصلى متصل صحت) وأتينا بمثال لها مثل لو كان على سجادة.
لكن قال: (إن لم ينجر بمشيه) انتبه لهذه العبارة، هذه العبارة ما تتفق مع الأول إلا على تقدير؛ لأن قوله: (إن كان بطرف مصلى) المصلى ما ينجر بالمشي، لو مشيت وين يروح المصلى؟ يبقى في مكانه، لكن يشير المؤلف إلى مسألة أخرى، إذا كانت النجاسة متصلة بشيء متعلقة بهذا الرجل، فإن كانت تنجر بمشيه لم تصح صلاته، وإن كانت لا تنجر صحت صلاته.
مثال ذلك: رجل معه حبل، وليكن زمام، أعني مقودًا على رأس حمار، وهو قد أمسك بالمقود أو ربط المقود على بطنه، فهنا صلاته لا تصح أو تصح؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح؛ لماذا؟ لأن الحمار لو استعصى عليه لم ينجر إذا مشى، معلوم ولّا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: حسب ().
الشيخ: ما يخالف.
يقول: إن لم ينجر بمشيه يعني إن لم يكن الشيء النجس أو المتنجس متعلقًا بالمصلي بحيث ينجر بمشيه.
كيف تتصور المسألة هذه؟
نقول: هذا إنسان ربط على بطنه حبلًا، وهذا الحبل ربطه برقبة حمار، الحمار الآن متعلق بالحبل كذا ولَّا لا؟ يعني: مربوط به، لو أن هذا الرجل مشى واستعصى الحمار عليه ما ينجر بمشيه، هذا الغالب، ممكن يجيب واحدًا قويًّا ربما يكون، لكن الغالب أنه لا ينجر، ولنقل: إنه بالنسبة لهذا المصلي لا ينجر بمشيه عرفتم؟ الصلاة هنا صحيحة؛ لأن الرجل غير حامل للنجاسة، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولا النجاسة تتبعه واضح؟
طالب: فين النجاسة يا شيخ؟
الشيخ: الحمار نجس.
الطالب: نجس الحمار؟
الشيخ: إي نعم، الحمار نجس وسبق الكلام عليه، لكن إحنا بنقدر على أن الحمار نجس بوله وغوطه لا شك في نجاسته.
[ ١ / ٩٢٤ ]
المهم نقول: هذا الرجل صلاته أيش؟ صحيحة؛ لأنه ليس مباشرًا لنجاسة ولا حاملًا لها ولا مستتبعًا لها، يعني ما تتبعه النجاسة، إذن فصلاته صحيحة. رجل آخر ربط حبلًا بيده أو ببطنه وربطه في رقبة جرو كلب صغير.
طلبة: ().
الشيخ: الكلب الصغير جرو صغير () الحبل هذا () الكلب فنقول: هذا الرجل صلاته لا تصح، ليش؟ لأنه لو مشى انجر الكلب بمشيه، واضح؟ لماذا لا تصح صلاته؟ قال: لأنه مستتبع للنجاسة، الآن النجاسة صحيح لا حملها ولا باشرها لكن لو مشى تبعته، إذن الصلاة لا تصح.
مثال ثالث: رجل ربط حبلًا بحجر كبير متلوث بالنجاسة، وربط به حبلًا، وربط الحبل بيده، أو على بطنه؛ ما تقولون في صلاته؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؛ لأن الحصاة الكبيرة لا تنجر بمشيه، هو اللي يمكن ينجر به. رجل آخر ربط حبلًا بحجر صغير متنجس.
طلبة: لا تصح.
الشيخ: ما تصح، لماذا؟ لأنه ينجر بمشيه، فهو مستتبع له، فيكون كالحامل للنجاسة، لما كانت النجاسة تتبعه صار كالحامل لها.
وهذا قد يلغز به، فيقال: رجل اتصل بنجاسة كبيرة عظيمة، وقلنا: صلاته صحيحة، ورجل اتصل بنجاسة صغيرة قليلة قلنا: صلاته؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، كذا ولّا لا؟ حقيقة يأخذ بها، لكن عند التأمل الفرق ظاهر؛ لأنها إذا كانت صغيرة تتبعه، فهو كالحامل لها لتبعيتها له، وإذا كانت كبيرة لا تتبعه فهي منفصلة عنه، فلا تؤثر، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
[ ١ / ٩٢٥ ]
والصحيح أنها لا تبطل الصلاة في كلتا الصورتين؛ الصحيح أن الصلاة صحيحة في كلتا الصورتين؛ لأن النجاسة هنا لم يباشرها، ولم يباشرها ثوبه الذي هو سترة صلاته، وليست بقعة صلاته، والحاجة تدعو إلى ذلك، لا سيما في الزمن السابق، الإنسان في البر معه حماره؛ يخشى إن أطلقه أن يهرب ولا يجيء، وليس حوله شجرة يربطه بها، فأمسكه بيده وصار يصلي، ما المانع؟ ما الذي يجعل الصلاة باطلة؟ وهذا لم يباشر النجاسة ولم يباشرها ثوبه ولا مصلاه، فالصحيح في هذه المسألة أن صلاته تصح للعلة التي ذكرناها.
وقولهم: لأنه مستتبع للنجاسة، نقول: لكنها منفصلة عنه في الواقع، وبينه وبينها فاصل، وهو هذا الحبل ما اتصل بها، فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
يقول المؤلف: (ومن رأى عليه نجاسةً بعد صلاته، وجهل كونها فيها لم يعد، وإن علم أنها كانت فيها، لكن جهلها أو نسيها أعاد)، هذه المسألة مهمة وكثيرة الوقوع، رجل رأى عليه نجاسة، ونقيد النجاسة هنا بأنها لا يعفى عنها، لماذا قيدناها بذلك؟ لأن التي يعفى عنها لا تضر، لكنها نجاسة لا يعفى عنها، رآها بعد صلاته وجهل كونها فيها، أي لا يدري أصابته وهو في الصلاة أو بعد أن صلى، نقول: لا إعادة عليه؛ لوجهين، نعلل ذلك بوجهين:
الوجه الأول: أن صلاته قد انقضت من غير تيقن مفسد، والأصل؟
طالب: عدمه.
الشيخ: عدمه، وصحة الصلاة، ولهذا لو شك الإنسان بعد صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، يضره ولّا لا؟ لا يضره؛ لأنه فرغ من الصلاة وانتهى منها فلا يضر.
الوجه الثاني: أن نقول: هو الآن لا يدري أحصلت تلك النجاسة قبل سلامه أو بعد سلامه، والأصل الحصول أو عدم الحصول؟
طلبة: عدم الحصول.
الشيخ: الأصل عدم الحصول، ولهذا نقول: لا إعادة عليك.
[ ١ / ٩٢٦ ]
إن غلب على ظنه أنها كانت قبل الصلاة فلا إعادة عليه؛ لأن غلبة الظن هنا كالشك، والشك كالعدم، ولهذا لما سئل الرسول ﷺ عن الرجل يشكل عليه -وهو في صلاته- أخرج منه شيء؟ قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا؛ أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (١٨)، ولأن القاعدة: أن اليقين لا يزول إلا بيقين، فلا يمكن أن يزول الشيء المتيقَّن بشيء مظنون أو المشكوك فيه.
إذن الصورة هذه فهمتوها الآن مفهومة؟ بعد أن صلى وبقي برهة من الزمن رأى في ثوبه نجاسة، ولكن يقول: أنا لا أدري هل أصابتني تلك النجاسة قبل أن أتمم صلاتي أو بعد؟ نقول له: صلاتك صحيحة ولا إعادة عليك.
الصورة الثانية: قال: وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد، علم أنها كانت فيها وتيقن أنها أصابته قبل الصلاة لكن ما علم، جهلها، قال المؤلف: إنه يعيد.
مثال ذلك: رجل كان قد حمل صبيًّا قبل أن يصلي، ثم حان وقت الصلاة، فذهب وصلى، ولما رجع من صلاته وجد على ثوبه أثر العذرة، وهو لم يحمل صبيًّا بعد صلاته، هنا علم أنها قبل الصلاة، وأنها كانت فيها، كانت النجاسة في الصلاة، لكنه أيش؟
طالب: نسيها.
الشيخ: جهلها، يعني لم يعلم أنها أصابته، يقول المؤلف: يجب عليه أن يعيد.
الصورة الثالثة: قال: (أو نسيها)، كيف نسيها؟ يعني هو علم أن النجاسة أصابته قبل أن يصلي لكن نسي النجاسة، ما كأنها على باله حتى فرغ من صلاته، يقول المؤلف: يعيد؛ لأنه تيقن أنه صلى في نجاسة، واجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، فتجب عليه الإعادة؛ كما لو نسي أن يتوضأ من حدث، وكما لو ترك الوضوء جهلًا بالحدث، فإن عليه أيش؟
طالب: الإعادة.
الشيخ: الإعادة؛ لأن كل واحد منهما شرط للصلاة.
فيه صورة رابعة: إذا جهل الحكم، يعني لم يعلم أن هذه من النجاسات وصلى، ثم تبين أنها من النجاسات، تجب عليه الإعادة ولّا لا؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٩٢٧ ]
الشيخ: نعم، تجب عليه الإعادة، يعني فلا فرق بين جهل النجاسة والجهل بحكم النجاسة أو بأنها نجاسة.
فيه أيضا صورة خامسة: لو علم النجاسة وهو على ذكر منها، لكن نسي أن يغسلها، فهو كما لو نسيها، يعني أن عليه الإعادة، فعلى هذا نقول: كل هذه الصور عليه الإعادة، إلا إذا جهل هل كانت قبل الصلاة أو بعد الصلاة، فلا إعادة عليه، والراجح في هذه المسائل كلها أنه لا إعادة عليه، سواء نسيها أو نسي أن يغسلها، أو جهلها، جهل أنها أصابته، أو جهل أنها من النجاسات، أو جهل حكمها، أو جهل أنها قبل الصلاة، أو بعد الصلاة، في كل الصور لا إعادة عليه.
الدليل: القاعدة العظيمة العامة التي وضعها الله لعباده وهي: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا الرجل الفاعل لهذا المحرم كان جاهلًا أو ناسيًا، وقد رفع الله المؤاخذة به، ولم يبق شيء يطالب به، ما دام المؤاخذة رفعت فإنه لم يبق شيء يطالب به، وعلى هذا فنقول: لو أن رجلًا أصابته نجاسة ونسي أن يغسلها كان في ذاك الساعة ليس عنده ماء وصلى ونسي، فصلاته صحيحة، ليس عليه إعادة.
لو أنه بعد أن صلى قال له واحد: يا فلان، شوف النجاسة في ثوبك، يدوب سلم قال: السلام عليكم ورحمة الله قاله واحد: شوف النجاسة في ثوبك، فليس عليه إعادة؛ لأنه جاهل، وكذلك لو جهل حكمها، يعني ما علم أنها نجاسة أو غير نجاسة فلا إعادة عليه؛ لعموم الآية التي ذكرناها.
وهناك دليل خاص في المسألة، وهو أن رسول الله ﷺ حين صلى في نعليه وفيهما أذى، وأعلمه بذلك جبريل، لم يستأنف الصلاة، وإذا لم يبطل هذا أول الصلاة فإنه لا يبطل بقية الصلاة، فالصواب أنه لا إعادة عليه؛ لعموم الآية ولهذا الدليل الخاص.
هذه المسألة إذا قال قائل: ما الذي منع قياسها على ما إذا صلى محدثًا وهو جاهل أو ناس؟
[ ١ / ٩٢٨ ]
نقول: اللي منع القياس أن ترك الوضوء من باب ترك المأمور، الوضوء شيء مأمور به؛ يطلب من الإنسان أن يتلبس به، والنجاسة شيء منهي عنه، يطلب من الإنسان أن يتخلى عنه، ففرق بين هذا وهذا، فلا يمكن أن يقاس فعل المحظور على ترك المأمور؛ ولهذا لو أن أحدًا أكل لحم إبل، وهو لم يعلم أنه لحم إبل، وقام وصلى بلا وضوء، ثم قيل له: إنه لحم إبل، فعليه الإعادة؛ لأن هذا من باب ترك المأمور، بخلاف النجاسة، فهي من باب فعل المحظور، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو رواية عن الإمام أحمد في هذه المسألة.
ثم قال: (ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر)، (من جبر عظمه بنجس) كيف يجبر بنجس؟ إي نعم، هذا رجل انكسر عظمه وسقط منه يعني أجزاء من العظم، فلم يجدوا هذه الأجزاء، ولا تمكنوا من جبر ما انكسر بها، فإذا عندهم كلب، فكسروا عظم الكلب وجبروا به عظم الرجل، جبر الآن بعظم نجس، إذا صلى سيكون حاملًا نجاسة، نقول له الآن: اقلع هذا العظم النجس؛ لأنه لا يجوز لك أن تصلي وأنت حامل النجاسة، قال الأطباء: إذا قلعه تضرر عاد الكسر وربما لا يجبر، نقول إذن: لا يجب قلعه؛ لأن الله ﷿ أباح ترك الوضوء عند خوف الضرر، فترك اجتناب النجاسة من باب أولى عند خوف الضرر، فلا يجب عليك قلعه، إذن يبقى مجبورًا عظمه بعظم كلب.
هل يتيمم لحمله هذه النجاسة؟ الصحيح لا يجب التيمم، ولا يشرع التيمم لهذه النجاسة، والمذهب يقولون: إن كان قد غطاه اللحم لم يجب التيمم؛ لأنه غير ظاهر، وإن كان لم يغطه وجب التيمم؛ لأن النجاسة ظاهرة، ولكن الصحيح كما مر علينا في باب التيمم أن النجاسات لا يتيمم عنها، وأن من كان على بدنه نجاسة وتعذر عليه غسلها فليصل بدون تيمم؛ لأن التيمم إنما ورد في طهارة الحدث، لا الطهارة من النجاسة.
يقول: (وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر)، ما سقط ممن؟
طلبة: من الإنسان.
[ ١ / ٩٢٩ ]
الشيخ: من الإنسان، من عضو أو سن فهو طاهر.
العضو: مثل أصبع، قطع أصبع، ذراع، قطع ذراع، ساق، قطع ساق، فهو طاهر؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (١٩)، لا حيًّا ولا ميتًا. ولقوله ﵊: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّة فَهُوَ مَيِّتٌ» (٢٠).
وأخذ العلماء من ذلك قاعدة: ما أُبين من حي فهو كميتته حلًّا وحرمة، وطهارة ونجاسة، وميتة الآدمي طاهرة، إذن فالعضو المنفصل منه طاهر، ولكن الغريب أن أهل العلم ﵏ عامتهم يقولون: ما انفصل من الإنسان فهو طاهر إلا شيئًا واحدًا، وهو الدم، فهو نجس؛ لأن الدم ليس بولًا ولا غائطًا؛ إذ إن البول والغائط هو فضلات الطعام والشراب التي ليس فيها فائدة للجسم، الله حكيم ﷿، الجسم هذا الأكل اللي يدخل عليك من طعام وشراب هذا يأخذ الجسم ما ينفع ويدع ما لا ينفع، الذي لا ينفع له مخارج معينة إذا خرج منها فهو نجس، واللي ينفع يذهب يغذي الجسم يدخل في أنسجة اللحم في العظام وغير ذلك قالوا: إن الدم لا هو من الفضلة التي ليس فيها فائدة، وليس من الجسم نفسه الذي يغذيه الدم، فهو بين بين، لا هذا ولا هذا، ولهذا أعطيناه الحكم بين بين، فقلنا: ليس كالعضو الذي ينفصل، وليس كالبول والغائط، فهو نجس يعفى عن يسيره.
ولكن ذهب كثير من أهل العلم، ولكنهم قلة بالنسبة للجمهور، إلى أن دم الآدمي طاهر، وقالوا: إذا كان العضو لا ينجس بالبينونة، فالدم من باب أولى، وليس هناك دليل على نجاسة الدم؛ إلا ما خرج من السبيلين كالحيض؛ فقد قام الدليل على نجاسته.
على كل حال المؤلف يقول ﵀: (ما سقط منه من عضو أو سن فطاهر) قد يقول قائل: ما مناسبة هذه المسألة لباب اجتناب النجاسة في الصلاة؟
الفائدة: أنه لو سقط منه عضو، ثم أعاده في الحال وخاطه يكون طاهرًا ولّا نجسًا؟
طلبة: طاهر.
[ ١ / ٩٣٠ ]
الشيخ: يكون طاهرًا، هذه الفائدة، فنقول: لا يلزمك أن تزيله إذا أردت الصلاة لأنه طاهر.
يقولون: إن الشيء إذا انفصل من الجسم وأعيد في حرارته فورًا فإنه بإذن الله يلحم؛ لأن المنافذ والأنسجة لم تتلاءم بعد، فيلحم مثل المغناطيس، ولهذا قالوا: لو قطع أذنه من هنا مثلًا ثم أعادها فورًا ومسك عليها لصقت وجبرت، وعلى هذا فنقول: إن مناسبة وضع هذه الجملة في هذا الباب هو أنه لو أعاد هذا العضو الذي انفصل أو السن أعاده في الحال وركب فهو أيش؟
طالب: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر لا يجب عليه إزالته.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تصح الصلاة في مقبرة)، (لا تصح) نفي الصحة يقتضي الفساد؛ لأن كل عبادة إما أن تكون صحيحة، وإما أن تكون فاسدة، ولا واسطة بينهما، فهما نقيضان شرعًا، فإذا انتفت الصحة ثبت الفساد.
وقوله: (الصلاة) يعم كل ما يسمى صلاة، سواء كان فريضةً أم نافلة، وسواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود أم لم تكن؛ لأنه قال: (الصلاة) وعليه فيشمل صلاة الجنازة، لا تصح في المقبرة، ولكن قد دلت الأدلة على استثناء صلاة الجنازة، كما سنذكره إن شاء الله، وعلى هذا فالمراد بالصلاة ما سوى صلاة الجنازة.
وهل يجوز السجود المجرد كسجود التلاوة مثلًا؛ مثل لو كان الإنسان يقرأ في المقبرة ومر بآية سجدة، فهل يسجد أو لا يسجد؟ ينبني هذا على اختلاف العلماء، أي في سجود التلاوة، فسجود التلاوة اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال: إنه صلاة، ومنهم من قال: إنه ليس بصلاة.
فالذين يقولون: إنه ليس بصلاة يقولون: إنه يجوز أن يسجد الإنسان سجود التلاوة في المقبرة، والذين يقولون: إنه صلاة يقولون: لا يجوز.
إذا قال قائل: لا تصح الصلاة في مقبرة هل المراد بالمقبرة هنا ما أعد للقبر، وإن لم يدفن فيه أحد، أو ما دفن فيه أحد بالفعل؟
[ ١ / ٩٣١ ]
الجواب: ما دفن فيه أحد، أما لو كانت هناك أرض اشتريت لأن تكون مقبرة، ولكن لم يدفن فيها أحد، فإن الصلاة فيها تصح، فإن دفن فيها أحد، فإن الصلاة لا تصح فيها؛ لأنها كلها اسم مقبرة.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الصلاة لا تصح في المقبرة؟ فهل يقابل ويقال: ما الدليل على أنها تصح؟ ما تقولون؟
طلبة: الأصل الصحة.
الشيخ: نقول: الأصل الصحة؛ لقول النبي ﵊: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٢١)، فالأصل أن كل الأراضي تصح فيها الصلاة، ولهذا لا بد أن يؤتى بدليل للأماكن التي لا تصح فيها الصلاة.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟
قلنا: الدليل:
أولًا: قول النبي ﷺ: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (٢٢)، هذا واحد، وهو واضح، استثناء من عموم: «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
ثانيًا: قول النبي ﷺ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (٢٣)، والمساجد هنا قد يكون أعم من البناء؛ يعني قد يراد به المسجد الذي يبنى، وقد يراد به المكان الذي يسجد فيه؛ لأن المساجد جمع مسجد، والمسجد مكان السجود، فيكون هذا أعم من البناء.
[ ١ / ٩٣٢ ]
وهناك تعليل؛ وهو أن الصلاة في المقبرة قد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، ولهذا لما كان الكفار يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها، نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوعها وغروبها؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى أن تعبد الشمس من دون الله، أو إلى أن يتشبه بالكفار. كذلك أيضًا الصلاة في المقبرة قد تكون ذريعة إلى عبادة القبور أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، فلذلك نهي عنها -عن الصلاة في المقبرة- فهنا إذن دليلان وتعليل، وأما من علل ذلك بأن يخشى أن تكون المقبرة نجسة، فهذا تعليل عليل، بل ميت لم تحل فيه الروح، كيف تكون نجسة؟ قالوا: نعم لأنها ربما تنبش، وفيها صديد من الأموات ينجس التراب، فيقال: سبحان الله:
أولًا: أن نبش المقبرة الأصل عدمه.
ثانيًا: من يقول: إنك ستصلي على تراب فيه صديد؟
ثالثًا: من يقول: إن الصديد نجس؟ كل هذه المقدمات تبطل هذا التعليل، والحديث عام اللي ذكرناه «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
فإن قال قائل: هل يضر القبر الواحد أو لا بد من مقبرة ثلاثة فأكثر؟
فالجواب: أن في ذلك خلافًا، فمنهم من قال: إن القبر الواحد والاثنين لا يضر، ومنهم من قال: بل يضر، والصحيح أنه يضر حتى القبر الواحد يضر؛ لأنها لما كان هذا مكانًا مهيئًا لأن يكون مقبرة وقبر فيه صار الآن مقبرة بالفعل، والناس ليسوا يموتون جملة واحدة حتى يملؤوا هذا المكان، الناس يموتون تباعًا واحدًا فواحدًا أو أكثر، لكن المهم أنه لا يمكن أن تطبق هذه الأرض بالأموات، والأحاديث عامة فنقول: حتى الواحد.
فإن قال قائل: إذا جعلتم الحكم منوطًا بالاسم، فقولوا: إذن إذا أعدت أرض لأن تكون مقبرة فلا يصلى فيها؟
فالجواب: أن هذه لم يتحقق فيها الاسم، فهي مقبرة باعتبار ما سيكون، لكن اللي دفن فيها بالفعل وجد فيها القبر بالفعل، هذا واحد.
[ ١ / ٩٣٣ ]
ذكرنا آنفًا أنه يستثنى من ذلك صلاة الجنازة، فنقول: أما إذا كانت الصلاة على القبر فلا شك في استثنائها؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أنه فَقَدَ المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد، فسأل عنها، فقالوا: إنها ماتت، وكانت قد ماتت في الليل، فالصحابة ﵃ كرهوا أن يخبروا النبي ﷺ في الليل فيخرج، فقال لهم: «هَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» يعني: أخبرتموني حتى أصلي عليها وأخرج معها، ثم قال ﵊: «دُلُّوني عَلَى قَبْرِهَا». فخرجوا له إلى البَقِيع ودلُّوه على القبر، فقام وصلَّى عليها، ﵊ (٢٤). فهذه صلاة جنازة في المقبرة لكنها على القبر، فهل نقول: مثل ذلك لو جيء بالميت وصلي عليه قبل أن يدفن في المقبرة، أو ليس مثله؟
نقول: لدينا الآن عموم: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ»، والصلاة على الميت صلاة بلا شك، ولهذا تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، ويشترط لها الطهارة والقراءة؛ فهي صلاة، فما الذي يخرجها من عموم قوله: «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ؟»، قالوا: ربما يسوغ لنا أن نقيسها على الصلاة على القبر، ونقول: ما دام أنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ صلى على القبر؛ فلا فرق بين أن نصلي على جنازة مدفونة، أو جنازة غير مدفونة لا فرق بينهما؛ لأن العلة واحدة، وهي أن هذا الميت الذي يصلى عليه كان في أيش؟ كان في المقبرة، وعمل الناس على هذا، على أنه يصلى على الميت، ولو قبل الدفن في المقبرة.
وأظن أن في المسألة خلافًا، لكنني لم أحرره بعد. فعندنا الآن الصلاة على الميت على القبر لا شك في استثنائها من هذا العموم، وهو: أن الصلاة لا تصح في المقبرة، والصلاة على الميت في المقبرة قبل الدفن هذا أيضًا نقول: إنه كالصلاة على القبر بالقياس كما ذكرنا، ويمكن لمعارض أن يعارض، وأظن في ذلك خلافًا لكني لم أتيقن، وسنحرره إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٩٣٤ ]
(ولا في حُشّ)، ما هو الحش؟ الحش: مكان الخلاء، يعني المكان الذي يتخلى فيه الإنسان من البول أو الغائط؛ وهو الكنيف، لا تصح الصلاة فيه، لماذا؟ لأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين، فالشياطين خبيثة، مأواها الخبائث، أحب مكان إلى الشياطين أنجس الأماكن ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦] وهذا من حكمة الله ﷿.
المساجد بيوت الله ومأوى الملائكة، أما الحشوش فهي مأوى الشياطين، ولهذا يشرع للإنسان أن يقول عند دخول الخلاء: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» (٢٥)، الحش لا تصح الصلاة فيه لنجاسته ولكونه مأوى الشياطين، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكانًا لعبادة الله ﷿، وكيف يستقيم هذا وأنت تقول في الصلاة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأنت في مكان الشياطين؟ لهذا نقول: إنها لا تصح في الحش.
كذلك (ولا في حمام) الحمام: كل ما يطلق عليه اسم الحمام فإنه داخل في ذلك، حتى المكان الذي ليس مبالًا فإنه لا تصح فيه الصلاة، للحديث الذي أخرجه الترمذي وذكرناه آنفًا وهو: «الْأَرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ». الحمام لماذا لا تصح؟ قالوا: لأن الحمام مكان كشف العورات؛ لأن الحمام المغتسل، ما هو بالمرحاض، نحن نقول عندنا في لغتنا: إن الحمام هو المرحاض.
طالب: الكنيف.
الشيخ: إي نعم، وليس كذلك، الحمام هو المغتسل، وكانوا يجعلون حمامات مغتسلات للناس يأتي الناس إليها ويغتسلون.
طالب: إلى الآن يا شيخ.
الشيخ: أنا فاهم، فيختلط فيه الرجال والنساء، وتنكشف العورات، ولهذا نهى الشرع عن الصلاة فيه، وظاهر الحديث: لا فرق بين أن يكون الحمام يستعمل يعني فيه ناس الآن يغتسلون، أو لم يكن فيه أحد، فما دام يسمى حمامًا فالصلاة لا تصح فيه.
كذلك (أعطان إبل) الأعطان: جمع عطن، ويقال: معاطن جمع معطن، أعطان الإبل فسرت بثلاثة تفاسير:
[ ١ / ٩٣٥ ]
قيل: مباركها مطلقًا، وقيل: ما تقيم فيه وتأوي إليه، وقيل: ما تبرك فيه بعد صدورها من الماء؛ فهذه ثلاثة أشياء، المبارك ما تقيم فيه وتأوي إليه، والثالث ما تبرك فيه عند صدورها من الماء أو انتظارها الماء.
والصحيح: أنه شامل للثلاثة، أي أن المعاطن ما تقيم فيه الإبل وتأوي إليه، كالمراح، مرح الإبل، سواء كانت مبنية بجدران أم محوطة بقوس أو بأشجار أو ما أشبه ذلك، تقيم فيه وتأوي إليه، منين تأوي؟
طلبة: من المرعى.
الشيخ: من المرعى، كذلك ما تعطن فيه بعد صدورها من الماء، هذه المعاطن وإلى الآن أظن يسمونها معاطن، هذا أيضًا لا تصح فيه الصلاة.
أو مباركها إذا اعتادت الإبل أنها تبرك في هذا المكان، وإن لم يكن مكانًا مستقرًّا لها، فإنه يعتبر معطنًا، أما مبرك البعير الذي بركت فيه لعارض وروثت فيه ومشت، فهذا لا يدخل في المعاطن؛ لأنه ما هو مبرك، هذا مبرك عارض، كما لو بعرت وهي تمشي، هذه معاطن الإبل.
الدليل قول الرسول ﷺ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» (٢٦)، والحديث صحيح، هذا الحديث إذا قال لنا قائل: ما وجه الدلالة من كون الصلاة لا تصح في معاطن الإبل؟
طلبة: النهي.
الشيخ: النهي، فإذا صليت فقد ضاددت أمر الرسول ﵊، الرسول يقول: لا تصل وأنت تصلي، مضادة للأمر، ومضادة الأمر معصية، ولا يمكن أن تنقلب المعصية طاعة، إذن لا تصح الصلاة.
إذا قال قائل: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» أمر، والأمر للوجوب، فهل هذا يقتضي أن أبحث عن مرابض غنم لأصلي فيه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أنتم أول من درس أن الأمر للوجوب، يعني في هذا المكان ما هو بأول الناس كلهم.
طالب: مصروف عن الوجوب.
الشيخ: مصروف ليش؟
الطالب: عن الوجوب.
الشيخ: ما الذي صرفه؟
طلبة: النهي.
[ ١ / ٩٣٦ ]
الشيخ: النهي، أحسنتم، النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، أو في أعطان الإبل، هو الذي صرفه عن الوجوب، ولهذا مر علينا أن الأمر بعد الحظر للإباحة، فهنا لما كان يوهم الإنسان أنه لما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل أنه ينهى كذلك عن الصلاة في مرابض الغنم، قال: «وَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ»، كأنه قال: لا تصلوا في أعطان الإبل، ولكم أن تصلوا في مرابض الغنم.
إذا قال قائل: عرفنا الدليل فما هو التعليل؟
قال بعض العلماء: التعليل نهي الرسول ﵊، وأمر الشرع ونهيه هو العلة الموجبة بالنسبة للمؤمن؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، إذن إذا قال: ما التعليل؟ نقول: لأن الله أمر به، ما التعليل لأن الرسول أمر به، ما التعليل لأن الله نهى عنه، ما التعليل لأن الرسول نهى عنه، المؤمن يكتفي بهذا ويقول: سمعنا وأطعنا، كذا؟
ومَغصوبٍ وأَسْطُحَتِها وتَصِحُّ إليها، ولا تَصِحُّ الفَريضةُ في الكعبةِ ولا فَوْقَها، وتَصِحُّ النافلةُ باستقبالِ شاخِصٍ منها.
ومنها استقبالُ القبلةِ، فلا تَصِحُّ بدونِه إلا لِعَاجِزٍ ومُتَنَفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ، ويَلْزَمُه افتتاحُ الصلاةِ إليها، وماشٍ ويَلْزَمُه الافتتاحُ والركوعُ والسجودُ إليها، وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ من القِبلةِ إصابةُ عَيْنِها،
عَرَفْنا الدليل، فما هو التعليل؟
قال بعض العلماء: التعليلُ نَهْيُ الرسول ﵊، وأَمْر الشرعِ ونَهْيه هو العِلَّةُ الموجِبةُ بالنسبة للمؤمن بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
[ ١ / ٩٣٧ ]
إذَنْ إذا قال: ما التعليل؟ نقول: لأن الله أَمَر به. ما التعليل؟ لأن الرسول أَمَر به. ما التعليل؟ لأن الله نَهَى عنه. ما التعليل؟ لأن الرسول نَهَى عنه. المؤمنُ يكتفي بهذا ويقول: سَمِعنا وأطعنا.
ويدلُّ لذلك أيضًا بالإضافة إلى دلالة القرآن أنَّ عائشة سُئِلتْ: ما بالُ الحائضِ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ؟ قالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤمرُ بقضاء الصومِ ولا نُؤمرُ بقضاء الصَّلاةِ (١)، يعني الحائض، فبيَّنتْ أن العِلَّة هي الأَمْر.
لكنْ مع ذلك الإنسان يتطلَّب ويتشوَّق إلى الحكمة المناسبة؛ لأنه يعلم أن أوامرَ الشرع ونواهيَ الشرع كلَّها لحِكْمةٍ، فما هذه الحِكْمة؟ وسؤال الإنسان عن الحِكْمة في المشروعات أو في الأحكام الشرعيَّةِ أو الجزائيَّةِ أمرٌ جائزٌ، بلْ قد يكون مطلوبًا إذا قصد به العلم، ولهذا لَمَّا قال الرسول ﷺ في النساء: «إِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ». قُلْنَ: بِمَ يا رسولَ الله؟ -سألْنَ: ويش الحكمة؟ - قال: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (٢). فالسؤال عن الحكمة أمرٌ جائزٌ، بلْ قد يكون مطلوبًا، لكنْ لا على وجْهِ أنه إنْ بانَتْ لك الحكمةُ امتثلْتَ وإلَّا فلا.
أقول: قال بعضُ العلماء: إننا لا نَعْلم الحكمة -هذا بعد أن نقرِّر أن الحكْمة هي أَمْرُ الله ورسوله، أو نَهْي الرسول ﷺ في هذه المسألة- قال بعض العلماء: إننا لا نَعْلم الحكمةَ. والحكْمُ الشرعيُّ الذي لا تُعلَم حِكْمتُه يُسمَّى عند أهل العلم تَعَبُّدِيًّا.
[ ١ / ٩٣٨ ]
إذَن الحكمةُ تحقيقُ العبادة بالتسليم لله سواءٌ علِمْنا أمْ لم نَعْلمْ، وهذه واللهِ حِكْمةٌ عظيمةٌ، هذه حِكْمةٌ من أعظمِ الحِكَم، وإِنْ شئتم ولو أطَلْنا قليلًا؛ رَمْيُ الحصى في محلِّ الجمراتِ في الحجِّ، لو قال قائلٌ: ما حِكْمتُه؟ حِكْمتُه التعبُّد لله؛ «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (٣). فالتعبُّد لا شكَّ أنه من أعظم الحِكَم، ولهذا قال بعضُ العلماء: إن النهي عن الصلاة في أعطانِ الإبل تعبُّديٌّ؛ يعني أننا لا نَعْلم عِلَّته، لكن نتعبَّد لله تعالى به.
سؤال: أيُّما أعظم انقيادًا واستسلامًا؛ أنْ يستسلم الإنسانُ للأمر إذا لم يعلمْ حِكْمتَه، أو يستسلم له إذا علم حِكْمته؟
الطلبة: الأوَّل.
الشيخ: الأوَّل أعظم.
وقال بعضُ العلماء: بل لأنها نجسةٌ؛ لأن أرواثها نجسةٌ وأبوالها نجسةٌ. وهذا مبنِيٌّ على أن الأبوالَ والأرواثَ نجسةٌ ولو من الحيوان الطاهر، والصحيح خِلافُه كما تقدم في باب النجاسة، ولكن هذه العِلَّة باطلةٌ؛ إذْ لو كانت هذه هي العِلَّة ما جازت الصلاةُ في مرابض الغَنَم؛ لأن مرابض الغَنَم نفْس الشيء، فالقائلون بنجاسة أبعار الإبل وأبوالها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.
وقيل: لأنَّ الإبلَ شديدةُ النُّفور، وربما تنفر وهو يصلِّي، فإذا نَفَرَتْ ربما تَدْعسه؛ تطؤُهُ بأقدامها، وينشغل قلْبُه، حتى وإنْ لم تطأْهُ ينشغل قلْبُه، لو كانت الإبل هذه تهيج، تراوغ، ينشغل قلبه، فيكون النهيُ عنها لئلَّا ينشغل قلْبُه. لكن هذه العلَّة أيضًا فيها نَظَرٌ؛ لأن مقتضاها ألَّا يكون النهيُ إلا والإبلُ موجودةٌ، ثم قد تُنقَضُ بمرابض الغَنَم؛ الغَنَم إذا قامتْ تهيج وأيش؟
طالب: ().
الشيخ: وتَيْعَر، ومعها تَيْس يريد ضرابها، تشغل، فهلْ نقول: إنها مثلها؟ لا، إذَنْ هذه العلَّة أيضًا عليلةٌ.
[ ١ / ٩٣٩ ]
وقال بعض أهل العلم: إنما نُهِيَ عن الصلاة في مَبارِكِ الإبل أو أعطانها لأنها خُلِقتْ من الشياطينِ، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد بإسنادٍ صحيحٍ (٤)، وإذا كانتْ مخلوقةً من الشياطينِ فلا يَبْعد أن تصحبها الشياطين وتكون هذه الأماكنُ مأوًى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحِكْمةُ في النَّهْي عن الصلاة فيها كالحِكْمة في النَّهْي عن الصلاة في الحمَّام، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أقربُ ما يُقال في الحِكْمة، ومع ذلك فالحِكْمةُ الحكيمةُ هي التعبُّد لله بذلك.
يقول: ولا في (مغصوبٍ) يعني: لا تصحُّ الصلاةُ في مغصوبٍ. المغصوب: كلُّ ما أُخِذ من مالكه قهرًا بغير حقٍّ، سواءٌ أُخِذ بصورة عَقدٍ أو بدون صورة عَقدٍ، كلُّ ما أُخِذ من صاحبه بغير حقٍّ فهو مغصوبٌ؛ فمثلًا: لو جاء إنسانٌ لآخَر وغَصَبَ منه أرضه وصلَّى بها فصلاتُه لا تصحُّ لأنها مغصوبةٌ، ولو جاء إنسانٌ إلى آخَر وقال: بِعْني أرضَك. قال: لا، ما أنا ببائعها. قال: بِعْها وإلا قتلتُك. فباعها اختيارًا ولَّا إكراهًا؟
الطلبة: إكراهًا.
الشيخ: إكراهًا، وصلَّى فيها، فهل تصحُّ أو لا؟
الطلبة: لا تصحُّ.
الشيخ: لا تصحُّ، وإن كانت مأخوذةً بصورة عَقدٍ.
إذَنْ لا تصحُّ الصلاة في مغصوبٍ، وهو ما أُخِذ قهرًا من مالكه بغير حقٍّ سواءٌ كان بعقدٍ أو بغير عقدٍ، المهم أنه أُخِذ بغير حقٍّ.
ما الدليل؟
نقول: ليس هناك دليلٌ، لكن هناك تعليلٌ، والعلل أوصافٌ مناسبةٌ مأخوذةٌ من قواعد الشريعة، كلُّ العلل التي يقولها العلماءُ هي هذه؛ أوصافٌ مناسبةٌ للحُكْم مأخوذةٌ من قواعد الشريعة.
[ ١ / ٩٤٠ ]
يقول هؤلاء الذين قالوا بأنها لا تصحُّ بالمغصوب: لأن الإنسانَ مَنْهِيٌّ عن الْمُقام في هذا المكان؛ لأنه مِلْك غيرِه، فإذا صلَّى فصلاتُه مَنْهيٌّ عنها، والصلاةُ المنهيُّ عنها لا تصحُّ لأنها مضادَّةٌ للتعبُّد، كيف تتعبَّد لله تعالى بمعصيته؟ ! إذَنْ فلا تصحُّ الصلاةُ في المكان المغصوب، كما قالوا في الثوب المغصوب: لا يصحُّ الستر به، وهذا هو التعليل الذي علَّلَ به مَن يقولون بأنها لا تصحُّ في المغصوب.
والقول الثاني في المسألة: أنها تصحُّ في المكان المغصوب مع الإثم؛ لأنهم يقولون: إن الصلاةَ لم يُنْهَ عنها في المكان المغصوب، بلْ نُهِيَ عن الغصْبِ، والغصبُ أَمْرٌ خارجٌ؛ فأنت إذا صلَّيتَ فقد صلَّيتَ كما أُمِرتَ، وإقامتُك في المغصوب هي المحرَّمة، لو جاء الشرع بقوله: لا تُصَلِّ في مكانٍ مغصوبٍ، لو جاء هكذا لقلنا: إن صلَّيتَ في مكانٍ مغصوبٍ فصلاتُك باطلةٌ، لكنه قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] هذا الذي قال، فالنهيُ هنا لا يعود إلى الصلاةِ، يعود إلى الغَصْب، فهو عائدٌ إلى أَمْرٍ خارجٍ، وهذا القول هو الصحيحُ: أنها تصحُّ في الأرض المغصوبة لكنْ مع الإثم، يأثم الإنسان.
كمْ هذه؟ كمْ ذَكَر المؤلف؟
طالب: أربعة.
الشيخ: (لا تصحُّ الصلاةُ في مَقْبرةٍ وحشٍّ وحَمَّامٍ وأعطانِ إبلٍ ومغصوبٍ) خمسة.
قال المؤلف (وأسطِحَتِها) يعني: لا تصحُّ في أسطِحَةِ هذه الأماكن، فيكون هذا الموضعَ السادسَ؛ أسطِحَة هذه المواضع نشوف:
أولًا: سطحُ المقبرة، لا تصحُّ الصلاةُ فيه؛ لو وَجَدْنا حُجرةً مبنيَّةً في المقبرة فهلْ يجوز أن نصلِّي على سطحها؟
يقول المؤلف: لا. لماذا؟ لأن الهواء تابعٌ للقَرار.
ويش الهواء هذا؟
الأرض اللِّي هي الأرض؛ القَرار، هذا معروف أنه مقبرةٌ، الهواءُ ما فوقَ هذا القرار، إلى وين؟
طالب: إلى السماء السابعة.
[ ١ / ٩٤١ ]
الشيخ: إلى السماء السابعة! لا؛ من السماء الدنيا ما له حد، ترجع إلى السماء السابعة! لا، إلى السماء الدنيا.
طالب: وينها السماء الدنيا!
الشيخ: ()، على كلِّ حالٍ يقول العلماءُ: إن الهواء تابعٌ للقَرار.
وهذا القولُ الذي قاله الفقهاءُ معمولٌ به دوليًّا؛ الآن إذا كان بين دولةٍ وأُخرى علاقةٌ سيئةٌ ما تسمح لطائراتها تعبر أراضيها.
طالب: ().
الشيخ: يقول: لأن الهواء تابعٌ للقرار. إي نعم.
على كلِّ حالٍ نقول: أسطِحَةُ هذه الأماكن لا تصحُّ؛ لأن الهواءَ تابعٌ للقرار، ويأتي -إن شاء الله- البحثُ فيها.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لَمَّا ذَكَر المؤلف اجتنابَ النجاسةِ وأنه شرطٌ لصِحَّة الصلاةِ ذَكَر استطرادًا المواضع التي لا تصحُّ الصلاةُ فيها، وذَكَر منها المقبرةَ، فما الدليل؟
طالب: الدليل قول النبيِّ ﷺ «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (٥).
الشيخ: نعم، طيب، وذَكَر أنها لا تصحُّ في حُشٍّ، الدليل؟
طالب: لأنه مكانٌ نجسٌ.
الشيخ: وإذا نُهِيَ عن الصلاةِ في الحمَّامِ فالحشُّ؟
الطالب: من باب أَوْلى.
الشيخ: من باب أَوْلى؛ لأنه تُقضَى فيه الحاجةُ: البولُ والغائطُ، فهو أقربُ إلى النجاسةِ من الحمَّام.
الحمَّام، الدليل؟
طالب: «إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
الشيخ: قوله ﷺ: «إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
أعطان الإبل، الدليل؟
طالب: قول النبي ﵊: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» (٦).
الشيخ: أحسنتَ، طيب، المغصوب؟
طالب: لأن هذا المغصوبَ ليس مِلْكًا للمصلِّي، لا تجوز الصلاةُ فيه لأنه ليس ملْكه.
الشيخ: طيب لو استأجرتُ بيتَك فالبيتُ ليس مِلْكي وتصحُّ الصلاة فيه.
[ ١ / ٩٤٢ ]
الطالب: لا، إذا غصبْته من صاحبه قهرًا.
الشيخ: إي، طيب، العلة؟
الطالب: لأنه ليس ملكك.
الشيخ: لا.
الطالب: العلَّة لأنه لا يجوز التعبُّد لله ﷿ في مكانٍ مَنْهيٍّ عنه.
الشيخ: في مكانٍ منهيٍّ عنه؛ يعني: لأن الْمُكْث في المكان المغصوب حرامٌ، فالْمُكث للصلاة فيه حرامٌ، ولا يُتعبَّد لله تعالى بشيءٍ حرامٍ؛ لأن المعصية تُنافي الطاعة.
التعليل؟
طالب: تعليل ثانٍ: هو قول بعض العلماء على أنَّ الذي يصلِّي في ذلك المكان المغصوب فصلاتُه صحيحة؛ لأنه صلَّى ..
الشيخ: لا، هذا قولٌ ثانٍ.
الطالب: قول ثانٍ أقول.
الشيخ: لا، فيه تعليل لعَدَم الصحَّة.
الطالب: لعَدَم صحَّةِ الصلاة في المغصوب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأن هذا يعتبر محرَّمًا () فهو قد يُعتبر مضادَّةً لله ورسوله؛ لأنه فعلٌ محرَّمٌ.
الشيخ: هذا الذي قال، ويمكن يُستدَلُّ عليه بقول الرسول ﵊ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٧).
القول الثاني في المسألة أن الصلاة في المغصوب تصحُّ؛ لأن النهي فيه ليس عن الصلاة؛ فالشارع لم يقُلْ: لا تصلُّوا في المغصوب، لكنْ قال: لا تغصبوا أموالَ الناسِ؛ «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (٨)، ولو كان النهيُ عن الصلاة بعينها لصحَّ التعليل؛ لأنه لا يُتقرَّب إلى الله تعالى بمعصيته، وهذا القول أقرب إلى الصحَّة؛ لأن تعليله قويٌّ.
قال المؤلف ﵀: ولا في (أسطِحَتِها) يعني: ولا تصح الصلاةُ في أسطِحَتِها؛ أي: أسطِحَة تلك الأماكن.
الأماكن اللِّي ذَكَر المؤلف كمْ؟ مقبرةٌ، حُشٌّ، حَمَّامٌ، أعطانُ إبلٍ، مغصوبٌ؛ خمسة، وظاهر كلام المؤلف أن الصلاة في غير هذا تصحُّ، ولكن سبق لنا أنها لا تصحُّ في الأرض النجسة؛ لأنه يُشترَطُ طهارةُ مكانِ المصلِّى، وعلى هذا فتكون ستَّة مواضع.
[ ١ / ٩٤٣ ]
قال: ولا في (أسطِحَتِها) يعني: أسطِحَة تلك المواضع، فلو بُنِيَ على المقبرة بناءٌ وصلَّى الإنسان فوقَ ذلك السطحِ فصلاتُه غير صحيحةٍ، لماذا؟ لأن الهواء تابعٌ للقرار، فكما لا تصحُّ الصلاةُ في قرارِ المقبرةِ لا تصحُّ في سطحها.
ولكن هُنا علَّةٌ أقوى من هذا بالنسبة للمقبرة، وهي أن علَّة النهي عن الصلاة في المقبرةِ خوف أن يكون ذريعةً لعبادةِ القبور، والصلاةُ على السطح قد تكون ذريعةً، ولا سيَّما أن البناء على المقابر أصلُه حرامٌ، فيكون يجتمع فيه أنه صلَّى على بناءٍ محرَّمٍ للعِلَّة التي نُهِيَ عن الصلاة في المقبرة من أجْلها، فالصلاة على سطحٍ بُنِي على المقبرة لا شكَّ أنها لا تصحُّ؛ لأن العِلَّة في النهي عن الصلاة في المقبرة موجودةٌ في الصلاة على سطحها، كما أن البناء على المقبرة أصله منهيٌّ عنه، فيكون هذا المكان مشبها للمكان المغصوب.
الْحُشُّ لا تصحُّ الصلاةُ في سطحه؛ لأن الهواء تابعٌ للقرار، ولكن هذا التعليل عليلٌ؛ الهواء تابعٌ للقرار في الملك، أمَّا في الْحُكْم فلا؛ فقد نُهِيَ عن الصلاة في الحشِّ من أجْل النجاسة، إذا لم يكنْ نجاسةٌ في سطحه فلا مانع، وهذا هو القول الصحيح الذي اختاره صاحب المغني؛ على أن الصلاة في السطح -سطحِ الحشِّ وغيرِه مما ذُكِر- صحيحةٌ على ما سنفصِّله إن شاء الله تعالى.
الصلاة إذَنْ على سطح الحشِّ الصحيحُ أنها صحيحةٌ، ولكنْ هلْ تُكرَه؟ سيتبيَّن فيما بعد.
[ ١ / ٩٤٤ ]
والدليل على أنها صحيحةٌ عمومُ قولِه ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٩)، وبناءً على ذلك فإن الصلاة على البيَّارة (البلَّاعة) لا بأس بها؛ لأنها أقلُّ من سطح الحشِّ؛ فإن سطح الحشِّ قد يقول قائل: إنه داخلٌ في اسم الحشِّ فلا تصحُّ الصلاةُ فيه، أمَّا سطح البيَّارة فليس تابعًا لها، بلْ هو مستقلٌّ، وهذا هو الذي عليه عملُ الناسِ؛ فإن البيَّارات أو أنابيب المجاري الوَسِخة تمرُّ من الأحواش ويصلِّي الناسُ فيها.
الحمَّامُ لا تصحُّ الصلاةُ على سطحه؛ العِلَّةُ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرار، والقول الثاني في المسألة أنَّ الصلاةَ على سطحه تصحُّ؛ لأن الحمَّام إنْ كانت العِلَّة فيه أنه مأوى الشياطينِ فإن الشياطينَ لا تأوي إلَّا إلى المكان الذي تُكشَف فيه العورات، وإنْ كانت العِلَّة فيه خوف التنجُّس فكذلك السطح بعيدٌ من هذه العِلَّة، وعلى هذا فتصحُّ الصلاةُ في سطح الحمَّام.
أعطانُ الإبلِ كذلك على المذهب لا تصحُّ، والعِلَّة أن الهواء تابعٌ للقرار، والصحيح: الصِّحَّة؛ فلو كان هناك حوشٌ للإبل تُقِيم فيه وتأوي إليه وجانبٌ منه مسقَّفٌ -كما يُفعَل كثيرًا في أحواش الإبل- فالسقفُ الذي فوق هذا الحوش على المذهب لا تصحُّ الصلاةُ فيه؛ لأن الهواء تابعٌ للقرار.
والصحيحُ صِحَّةُ الصلاةِ فيه؛ لأن هذا لا يدخل في قوله ﵊: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» (١٠)؛ فإنَّ الإبل لا تَبْركُ فوق السطح، إنما تَبْركُ في أسفل.
إذَن الصحيحُ الآنَ أنَّ أسطِحَة هذه المواضعِ تصحُّ الصلاةُ فيها ما عدا موضعًا واحدًا وهو المقبرة؛ لأن العِلَّة الموجودة في النهيِ عن الصلاة في المقبرةِ موجودةٌ في النهي عن الصلاة في سطحٍ على بناءٍ في المقبرة.
[ ١ / ٩٤٥ ]
طيب، المغصوب، الصلاةُ في سطحِ المغصوبِ كالصلاة في المغصوبِ إنْ كان السطحُ مغصوبًا، فإنْ لم يكنْ مغصوبًا فإنه لا شكَّ في صحَّةِ الصلاة فيه، وأظنُّ أن المذهب لا يقصدون ذلك؛ أي: لا يقصدون ما إذا كان السطحُ غيرَ مغصوبٍ.
فإذا قلت: كيف صورةُ كونِ الأسفلِ مغصوبًا والسطح غير مغصوبٍ؟
قلنا: هذا بسيطٌ؛ يأتي رجُلٌ غاصبٌ فيغصِبُ أسفلَ البيتِ ويَدَعُ أعلاه لصاحبه، فالسطح إذَنْ مغصوبٌ ولَّا غيرُ مغصوبٍ؟
الطلبة: غيرُ مغصوبٍ.
الشيخ: غيرُ مغصوبٍ، وهذا لا أظنُّ أن المذهبَ يقولون بعَدَم الصحَّةِ فيه؛ لأن السطح الآن ملكٌ لصاحبه، لكن نقول: إذا غَصَبَ الإنسانُ البيتَ كُلَّه فإنه يكون كُلُّه مغصوبًا، وإذا كان مغصوبًا فإنه لا تصحُّ الصلاةُ فيه على قاعدة المذهب.
والحاصلُ أنَّ سطحَ المغصوبِ في تصويره نَظَر؛ لماذا؟ لأننا نقول: إنْ كان سطحُ المغصوب داخلًا في الغَصْب فهو مغصوبٌ، وإنْ كان خارجًا عن الغَصْب فهو ملْكٌ لصاحبه، ولا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن الصلاة لا تصحُّ فيه، لا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إنه لو تسلَّطَ رجُلٌ على شخصٍ وغَصَبَ أسفلَ بيته فإنَّ صاحبَ البيتِ لا تصحُّ صلاتُه في أعلاه، لا أظنُّ أحدًا يقول بهذا، وعليه فيُستثنى الطرفانِ من هذه الخمسةِ: المقبرةُ والمغصوبُ؛ المقبرةُ لأن البناءَ على المقبرةِ كالمقبرةِ في كونه ذريعةً إلى عبادةِ القبور، ولهذا نُهِيَ عن البناء عليها، وأمَّا المغصوبُ فكما قلتُ: إنْ غَصَبَ الإنسانُ الكلَّ؛ الأسفلَ والأعلى، فالأعلى مغصوبٌ، وإنْ غَصَبَ الأسفلَ فقطْ فالأعلى مِلْكٌ لصاحبه وليس بمغصوبٍ وقد تمكَّن صاحبُه منه.
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: فيه بيَّارة في الحوش تصبُّ فيها القاذورات، مُسطَّحة هذه، تصحُّ الصلاةُ عليها.
الطالب: ملامسة.
الشيخ: ما هي ملامسة.
الطالب: للنجاسة.
[ ١ / ٩٤٦ ]
الشيخ: إنْ صلَّى في وسط البيَّارة فنَعَمْ فهو ملامِس، وإنْ صلَّى فوق الصَّبَّةِ فليس بملامَسة، الأنابيبُ التي تمشي من جنسها؛ لأنها أنابيب تشتمل على ما يشتمل عليه الحشُّ من الأوساخ والقاذورات، فهي بمعناه، هي مواسير تترسَّب فيها هذه القاذورات.
قال: (وتصحُّ إليها) يعني: تصحُّ الصلاة إلى هذه الأماكن، ومعنى (تصحُّ إليها) يعني تصحُّ الصلاةُ إذا كانت في قِبْلتك، فلو كان في قِبْلة الإنسان حَمَّامٌ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته حُشٌّ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته أعطانُ إبلٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته مغصوبٌ وهو في أرضٍ مُباحةٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته قبرٌ فصلاتُه صحيحةٌ؛ لأن المؤلف يقول: (تصحُّ إليها)، يصحُّ أن يتَّجه إلى المقبرة، كلُّ هذه المواطن الخمس تصحُّ الصلاةُ إليها، إلَّا أنهم قالوا: إنها تُكْره الصلاةُ إليها إذا لم يكنْ حائلٌ ولو كمؤْخِرةِ الرَّحْل، مؤْخِرةُ الرَّحْل يمكن نصف مترٍ في نصف مترٍ، يقولون: إنها تصحُّ الصلاةُ إلى هذه الأماكن وتُكْره إلَّا مع حائلٍ.
نحتاجُ الآن إلى دليلينِ: دليل الصحَّة، ودليل الكراهة.
أمَّا دليلُ الصحَّة فعمومُ قولِ الرسول ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وهذه من الأرض، وهي طَهورٌ، وليس فيها ما يمنع الصلاة، إذَنْ فتصحُّ بمقتضى هذا العموم.
وأمَّا الكراهةُ فقالوا: لأنها أماكنُ نهيٍ عن الصلاة فيها فكُرِهَ استقبالها. ولكنْ كما تَرَوْن هذا التعليل فيه نَظَر.
وربما يعلِّل معلِّلٌ بأن هذا موضعٌ اختلفَ العلماءُ في صحَّة الصلاة فيه؛ فكُرِهت الصلاة إليها خروجًا من الخلاف. أفهمتم الآن؟ إذَن الصحَّة لها دليلٌ ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لها دليلٌ وهو عمومُ قولِه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
[ ١ / ٩٤٧ ]
الكراهةُ لها تعليلٌ لكنه عليلٌ؛ التعليل أنه استقبلَ ما لا تصحُّ الصلاةُ فيه فكُرِهت الصلاة إليه، أو لأنه موضعٌ اختلفَ العلماء في صحَّة الصلاة فيه فكُرِهت الصلاة فيه خروجًا من الخلاف، وكِلَا التعليلينِ عليلٌ.
أمَّا الأول فنقول: هاتوا الدليل على أنه يُكْرَه الصلاةُ إلى هذه الأشياء، وأين الكراهة؟ ! وكيف تكون الكراهةُ من شخصٍ يصلِّي في أرضه وأمامَه مكانٌ مغصوبٌ؟ ! ويش عليه منه؟ !
ربما نقول: إنَّ الحشَّ والحمَّامَ تُكْره الصلاةُ إليهما لأن فيهما رائحةً كريهةً قد تؤثِّر على المصلِّي، والشيء الذي يؤثِّر على المصلِّي ويشوِّش عليه مكروه.
أمَّا أعطانُ الإبل فربما نقول: إذا كانت الإبلُ موجودةً باركةً فربما تُكره الصلاةُ إليه؛ لأنها ربما تتحرَّك ولَّا ترغي ولَّا ما أَشْبَهَ ذلك فيؤثر عليه في صلاته، فيكون في ذلك تشويشٌ عليه.
المغصوب قلنا: لا وجْهَ للكراهةِ، واضح.
الحشُّ والحمَّام قلنا: يمكن أن يكون هناك كراهةٌ، والعِلَّة ما هي؟
الطلبة: الرائحة.
الشيخ: الرائحةُ التي قد يتأذَّى بها المصلِّي فينشغل قلْبه.
أعطانُ الإبل قلنا: إن كانت الإبلُ غيرَ موجودةٍ فلا وجْهَ للكراهة، اللهم إلَّا أن يكون فيه رائحة، إذا كانت موجودةً فللكراهةِ وجْهٌ وهو أنه قد ينشغل بالرؤية إليها وهي قد ترغي وقد تضطرب، فيشوَّش عليه.
ويش بقينا؟
طالب: المقبرة.
[ ١ / ٩٤٨ ]
الشيخ: المقبرة، الصحيحُ تحريمُ الصلاة إليها، ما هو بالكراهة، ولو قيل بعَدَم الصِّحَّة لكان له وجهٌ -بالصلاة إلى المقبرة- وذلك لأن النبي ﷺ صحَّ عنه من حديث أبي مَرثدٍ الغَنَويِّ أنه قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (١١)، أو قال «لَا تَجْلِسُوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهَا»، فهذا يدلُّ على تحريم الصلاة إلى المقبرة، أو إلى القبور، أو إلى القبر الواحد؛ لأن العِلَّة مِن منْعِ الصلاة في المقبرة موجودةٌ في الصلاة إلى القبر، فما دام الإنسانُ يتَّجه إلى القبر أو إلى المقبرة اتجاهًا يُقال: إنه يصلي إليها؛ فإنه يدخل في النهي، وإذا كان داخلًا في النهي لم يصحَّ؛ لقوله: «لا تُصلُّوا»، فالنهي هُنا عن الصلاة، فإذا صلَّى إلى القبر فقد اجتمع في فِعْله هذا طاعةٌ ومعصيةٌ، وهذا لا يمكن أن يُتقرَّب إلى الله تعالى بمعصيته.
فإذا قال قائلٌ: ما هو الحدُّ الفاصل؟
قلنا: الجدارُ فاصلٌ، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ففي النفْس منه شيء، لكنْ إذا كان جدارًا يَحُول بينك وبين المقابر للمكان الذي أنت تصلِّي فيه فهذا لا شكَّ أنه لا نَهْيَ، كذلك لو كان بينك وبينها شارعٌ فهُنا لا نَهْيَ، أو كان بينك وبين المقبرة مسافةٌ لا تُعَدُّ مصلِّيًا إليها حدَّها بعضهم بمسافة السُّترة للمصلي، وعلى هذا فهي تكون مسافةً قريبةً، لكن لا شكَّ أن هذا يُوهِم، فإن أحدًا من الناس لو رآكَ تصلِّي وبينك وبين المقبرة ثلاثةُ أذرعٍ بدون جدارٍ لأوهم ذلك أنك تصلِّي إلى القبور، إذَنْ لا بدَّ من مسافةٍ يُعلم بها أنك لا تصلِّي إلى القبر.
المواضع التي ذكر المؤلف أنها لا تصح الصلاة إليها كمْ؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة، كذا؟
طالب: ().
الشيخ: الموضعُ النجسُ في غير هذا، في أول العبارة.
طيب، (المقبرةُ، الْحُشُّ، الحمَّامُ، أعطانُ الإبلِ، المغصوبُ، أسطِحَتُها) ستة، (الموضعُ النجسُ) سبعة.
[ ١ / ٩٤٩ ]
الموضعُ النجسُ وإنْ لم يكن حُشًّا أو حَمَّامًا، حتى لو مسجد يكون فيه نجاسةٌ، ما تصلِّي في النجاسة.
طيب، هذه سبعة، وظاهر كلام المؤلف أنَّ ما عدا هذه سبعة تصحُّ الصلاةُ فيه؛ مثل: قارعة الطريق، المجزرة؛ إلا إذا صلَّيتَ على المكان النجس فيدخل في كلامه، المزبلة تصح الصلاة فيها.
طالب: ().
الشيخ: إلَّا، كلام المؤلف، ما ذَكَر المزبلة، إذَنْ فالمزبلة تصحُّ الصلاةُ فيها إذا كان الزِّبْل طاهرًا، أما إذا كان نجسًا فقد دَخَلَ في كلام المؤلف في المنع.
قارعة الطريق؛ لو صلَّى الإنسانُ في الطريق فصلاتُه صحيحةٌ، لكنْ إذا كان الطريقُ مسلوكًا فالصلاةُ فيه حالَ سلوكِ الناس فيه تكون مكروهةً من أجْل الانشغال والتشويش، فإنْ كان مسلوكًا بالسيارات؟
طلبة: حَرُم.
الشيخ: حَرُم، ليش؟
طلبة: ().
الشيخ: نعم، فقد نقول بالتحريم؛ لأنه لا يتأتَّى أن يُقيم الصلاةَ والسياراتُ تمشي، أو يعطِّل الناس فيعتدي عليهم؛ لأن وقوفَ الناسِ في أماكن الطُّرُق يمنع الناس من التطرُّق عدوان عليهم، الحقُّ لهم.
***
الكعبة؛ قال المؤلف: (ولا تصِحُّ الفريضةُ في الكعبةِ ولا فوقَها).
نقفُ على هذا إذا كان فيه أسئلة.
طالب: مسجد في جدَّة بعيد عن جدَّة، يدخل إليه بعضُ الكفَّار فيتبوَّلون ويتغوَّطون في داخل المسجد، فهل هذا المسجد يصح الصلاة فيه؟ () في المحراب وفي ..
الشيخ: ليش يا أخي؟ ! كيف يمكّنون الكفَّار أو غير الكفَّار من البول فيه؟
طلبة: مهجور، بعيد، خارج ..
الشيخ: إذا كان مهجورًا يُهدَم يا أخي.
الطالب: موجود.
الشيخ: لا، هذه -جزاك الله خيرًا- إذا بلغت تمشي لجدة بلِّغنا، يُكتَب لرئيس البلدية ولَّا لغيره من الجهات المسؤولة.
الطالب: كَتَبْنا له، وأرسلنا لهم صُوَرًا ..
الشيخ: ما عليك أنت.
***
طالب: () وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ٩٥٠ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تصِحُّ الفريضةُ في الكعبة ولا فوقَها، وتصحُّ النافلةُ باستقبال شاخصٍ منها.
ومنها: استقبال القبلة؛ فلا تَصِحُّ بدونه إلا لعاجزٍ، ومتنفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ ويلزمه افتتاحُ الصلاة إليها، وماشٍ ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها.
وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِن القِبلة إصابةُ عينها، ومَنْ بعُدَ جهتها، فإنْ أخبره ثقةٌ بيقينٍ أو وَجَدَ محاريبَ إسلاميَّةً عَمِلَ بها، ويُستدَلُّ عليها في السفر بالقُطْبِ، ويُستدَلُّ عليها بالشمسِ والقمرِ ومنازلهما.
وإن اجتهدَ مجتهدانِ فاختلفا في جهةٍ لم يتبع ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هي المواضع التي ذَكَر المؤلف أن الصلاة لا تصحُّ فيها؟
طالب: ذَكَر المؤلفُ ستَّةَ مواضع: الأول المقبرة، كذلك الحشُّ، والحمَّامُ، وأعطانُ الإبلِ، والمغصوبُ، وكذلك أسطِحَة هذه الأماكن، والمكانُ النجسُ.
الشيخ: أحسنتَ، سبعة.
ما هو القولُ الراجحُ في الأسطحة؟
طالب: القولُ الراجحُ: جائزٌ، ما عدا المقبرة والمغصوب.
الشيخ: المغصوب كذا على الإطلاق؟
طالب: إذا كان السطحُ مغصوبًا.
الشيخ: إنْ كان مغصوبًا لا تصِحُّ الصلاةُ فيه، إنْ كان غير مغصوب؟
طالب: إذا كان غيرَ مغصوبٍ () السطح لا يجوز لأنه ().
الشيخ: كيف لا تجوز؟ ! إذا كان السطحُ غير مغصوبٍ وصلَّى به مالكه؟
طالب: مالكُه، يجوز.
الشيخ: إذَنْ سطحُ المغصوبِ فيه تفصيلٌ، إنْ كان مغصوبًا فله حُكْمُ الغصْبِ، وإنْ كان غيرَ مغصوبٍ صَحَّت الصلاةُ فيه.
سطحُ المقبرة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا تجوز الصلاةُ فيه؛ لأن العِلَّةَ التي منعت الصلاة في المقبرة موجودةٌ فيه.
بقيَّتها تصحُّ الصلاةُ على سطوحها. وهل تُكْره أو لا؟
طالب: على أسطِحَة المقبرة؟
[ ١ / ٩٥١ ]
الشيخ: لا، المقبرة ما تصِحُّ، انتهينا منها، والمغصوب فيه التفصيل، غيرها هلْ تُكْره الصلاة على سطوحها أو لا تُكره؟
الطالب: على كلام المؤلِّف تُكره، ولكن ..
الشيخ: لا، غلط.
طالب: ().
الشيخ: كيف ما فهمت؟
طالب: في أسطِحَة المواضعِ الباقية على كلامِ المؤلف أنها مثل المقبرة والغصب.
الشيخ: يعني؟
الطالب: يُنهَى عن الصلاة فيها.
الشيخ: يعني تصِحُّ ولَّا ما تصِحُّ؟
الطالب: لا تصِحُّ.
الشيخ: يُكرَه الصلاةُ فيها؟
الطالب: إي نعم لكن لا تصح، تَحرُم.
الشيخ: ويش تقولون؟
الطلبة: () صح.
الشيخ: صح؟
الطلبة: نعم، تحرم.
الشيخ: هل تصحُّ الصلاةُ إليها؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: مُطْلقًا؟
الطالب: بعضهم قالوا: إذا لم يكنْ فيها فاصلٌ ما ..
الشيخ: هو إذا كان فيها فاصلٌ ما كُرِهتْ.
الطالب: لكن () أنه يجوز.
الشيخ: ما ضَبَطْتَ.
الطالب: إلا إذا كان فيه أذيَّة بالريح.
طالب: الصلاةُ إلى المقبرةِ تَحرُم.
الشيخ: نعم، ولا تصحُّ.
الطالب: وغيرها إمَّا الكراهة أو الجواز.
الشيخ: طيب، إنْ أدَّى إلى انشغال المصلِّي كُرِه لإشغالِه وإلَّا؟
طالب: وإلَّا صحَّت الصلاة.
الشيخ: وإلَّا فلا كراهة، الصلاة تصحُّ.
كلام المؤلف يدلُّ على أن الصلاة إلى المقبرة صحيحةٌ ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: منين تأخذه؟
الطالب: من قوله: (وتصِحُّ إليها).
الشيخ: (وتصِحُّ إليها)، وقد ذَكَر أنها لا تصِحُّ في المقبرة، ثم قال: (وتصِحُّ إليها).
صحَّحْنا أنَّ القولَ بعدم صحَّة الصلاةِ إلى القبور هو الصحيح، فما هو الدليل؟
طالب: ما ..
الشيخ: ما رواه مسلمٌ عن أبي مَرثَدٍ الغَنَويِّ أن النبيَّ ﷺ قال:
الطالب: معناه أنه نَهَى عن الصلاة إلى المقابر.
الشيخ: أنه نَهَى عن الصلاة إلى القبور؛ قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (١١).
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تَصِحُّ الفريضةُ في الكعبة ولا فوقَها).
[ ١ / ٩٥٢ ]
الفريضة إذا أُطْلِقتْ فالمراد ما وَجَبَ بأصْلِ الشرعِ، والفرائضُ سِتٌّ: الفجر، والظُّهر، والعصر، والمغرب، والعِشاء، والجمعة. وإنْ شئنا قُلْنا: خمسٌ؛ لأن الجمعة تكون بدلًا عن الظُّهر.
على كلِّ حالٍ الفرائضُ الخمسُ -الجمعةُ والظُّهرُ على التبادل- لا تصِحُّ في الكعبة، لماذا؟ لقولِ الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، والمصلِّي في الكعبة لا يكون مستقبِلًا للبيتِ كُلِّه؛ لأن بعض البيتِ يكون خلْفَه وعنْ يمينه وعنْ شِماله، فلا تصحُّ.
(ولا فوقَها) يعني: ولا تصِحُّ الفريضةُ فوقَ الكعبةِ؛ يعني: على السطح؛ يعني: لا داخلَها ولا فوقَها على سطحِها؛ للعِلَّة التي ذَكَرْنا أنه لم يستقبِلْ جميعَ البيتِ وإنما استقبَلَ جانبًا منه، إلَّا إذا وقَفَ على منتهى الجدارِ بحيث تكون الكعبةُ كلُّها أمامَه فتصِحُّ؛ مثل لو وَقَفَ على آخِر العتبة من الباب فإنها تصِحُّ، أو وَقَفَ على آخِر الجدارِ من السطْحِ فإن الصلاةَ تصِحُّ؛ لأن الكعبة كلَّها الآن بين يديه، هكذا علَّلوا.
والقول الثاني في المسألة: أنَّ صلاةَ الفريضةِ في الكعبة تصِحُّ كالنافلة.
والمؤلِّف -﵀- لَمَّا خصَّصَ الفريضةَ بعَدَم الصحَّة عُلِمَ من كلامِهِ أن النافلةَ تصِحُّ، وهُنا يَحسُنُ أن نتكلَّم على كلام المؤلِّف أوَّلًا فنقول: يُفْهم من قول المؤلِّف: (لا تصِحُّ الفريضةُ) أنَّ النافلة تصِحُّ، كذا؟ مفهومُ مخالَفة ولَّا موافَقة؟
الطلبة: مخالَفة.
الشيخ: مفهومُ مخالَفة؛ لأن ضِدَّ الفريضةِ النافلةُ، وضِدَّ عَدَمِ الصحَّةِ الصحَّةُ، إذَنْ فالمفهوم هُنا مفهومُ مخالَفة؛ يعني: تصِحُّ النافلةُ في الكعبةِ وفوقَها. ما هو الدليل؟
[ ١ / ٩٥٣ ]
الدليل: ما ثَبَتَ في الصحيحينِ وغيرِهما منْ أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى في جَوفِ الكعبةِ نافلةً، صلَّى ركعتينِ نافلةً (١٢)، ومعلومٌ أن ما ثَبَتَ عن رسول الله ﷺ فإنه صحيحٌ فتكون النافلة صحيحةً.
المنذورةُ هلْ تصِحُّ في الكعبة؟ يعني: لو نَذَر أحدٌ أن يصلِّي ركعتينِ فهلْ يصِحُّ أن يصلِّيَ في الكعبة؟
ننظر، نقول: كلامُ المؤلِّف اشتمل على منطوقٍ ومفهومٍ عَرَفْنا حُكْمَهما؛ الفريضةُ عَرَفْنا حُكْمَها بالمنطوق وأنها لا تصِحُّ، والنافلةُ عَرَفْنا حُكْمها بالمفهوم أنها تصِحُّ.
بقينا بالمنذورة؛ المنذورة يمكن أن نقول: إن كلام المؤلِّف يقتضي أن يكون مسكوتًا عنها؛ لأنها لا تدخل في الفريضة ولا تدخل في النافلة، ولكنْ قد يقول قائلٌ: إننا نَنظُر أيُّها أقربُ إلى الفريضةِ أو إلى النافلةِ فنُلْحقها بالأقرب؛ إنْ نَظَرْنا إلى أنها لم تَجِبْ بأصل الشرع وإنما أوجبها المكلَّف على نفسه قلنا: إلْحاقُها بالنافلة أقربُ؛ لأن الشرع لم يُلْزِمه بها. وإن نَظَرْنا إلى أن الشرع ألزمه بها إذا وُجِد سببُها وهو النذر؛ لقولِ الرسول ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (١٣) قلنا: إنها أقربُ إلى الفريضةِ، ولذلك اختلفَ العلماءُ فيها:
فمنهم مَن قال: إن المنذورة تُلْحَق بالفريضة فلا تصِحُّ في الكعبة.
ومنهم مَن قال: لا، تُلْحَق بالنافلة؛ لأنها غيرُ واجبةٍ بأصل الشرع، فتُلْحق بالنافلة وتصِحُّ في الكعبة.
هذا الحكم في النذْر المطْلَق الذي قال فيه الناذر: لله علي نذْرٌ أن أصلِّي ركعتينِ.
[ ١ / ٩٥٤ ]
أمَّا النذْرُ المقيَّد في الكعبةِ فيصِحُّ فيها؛ مثل أن يقول: لله علي نذْرٌ أن أصلِّي ركعتينِ في الكعبة. فتصِحُّ الصلاةُ هذه في الكعبةِ قولًا واحدًا؛ لأنه نَذَرَها نذْرًا مقيَّدًا بماذا؟ في الكعبة، فيكون على حَسَب ما نَذَر؛ قال النبيُّ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ».
نرجعُ إلى القول الثاني في مسألة الفريضةِ؛ القول الثاني في المسألة: أن الفريضةَ تصِحُّ في الكعبة كما تصِحُّ النافلةُ، والحديثُ الذي استدَلَّ به من استدَلَّ؛ حديثُ ابنِ عُمَرَ أن رسول الله ﷺ نَهَى أن يُصلَّي في سبعة مواطن ذكر منها: فوقَ ظَهْر بيتِ الله (١٤)، هذا الحديث ضعيفٌ لا تقوم به حُجَّة. فقالوا: إن الفريضة تصِحُّ كالنافلة، واستدلُّوا لذلك بأنَّ الأصل تَساوِي الفرض والنفل في جميع الأحكام إلا بدليلٍ، هذا هو الأصل، فكلُّ ما ثَبَتَ في النفل ثَبَتَ في الفرض، وكلُّ ما انتفى في النفل انتفى في الفرض، إلا بدليلٍ.
واستدلُّوا على هذا الأصلِ -وهو أن الأصلَ تَساوِي الفرض والنفل- استدلُّوا لذلك بأن الصحابة لما ذَكَروا أنَّ الرسول ﷺ كان يُصلِّي على راحِلَته حيثما توجَّهتْ به، قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (١٥)، فاستثْنَوا؛ غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة، وهذا يدلُّ على أنهم لو لم يستثنوا لكانت المكتوبةُ كالنافلة تُصلَّى على الراحلة، فهذا دليلٌ على أن الأصل تَساوِي الأحكام بين الفرائض والنوافل، وما استُدِلَّ به من الحديث ضعيفٌ ومن التعليلِ أيضًا ضعيفٌ؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وشطْرُه بمعنى جهته، وهذا يشمل استقبالَ جميعِ الكعبةِ أو جزءٍ منها، كما فسَّرتْ ذلك السُّنَّةُ بصلاة الرسول ﷺ في الكعبة.
إذَنْ فالصحيحُ في هذه المسألةِ أن الصلاةَ في الكعبةِ صحيحةٌ فرضًا ونفلًا.
[ ١ / ٩٥٥ ]
فإن قال قائل: أَنَّى لنا أن نصلِّي في الكعبة؟
فالجوابُ من وجهينِ؛ أحدهما: أن ذلك غير ممتنعٍ عقلًا ولا حِسًّا؛ بإمكان الإنسانِ أن يُفتح له بابُ الكعبة ويُصلِّي في جوفها، وقد وقع هذا لمحدِّثكم سَنَةً من السنين، ثم إذا لم يمكن أن يُفتح له الباب فالحِجْر مفتوحٌ له، والحِجْر ستَّةُ أذرعٍ منه وشيءٌ؛ حوالي النصف، كلُّه من الكعبة، فمِن الممكن أن يُصلِّي الإنسانُ الفريضةَ في الحِجْر.
فإذا قال قائلٌ: الواقع قد يمنعُ من ذلك؛ لأنهم الآن يمنعون من صلاةِ الفريضةِ في الحِجْر، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذا أُقِيمت الصلاة طلَّعُوا الناسَ من الحِجْر.
الجواب: نعم، هذا صحيحٌ، لكنْ يُمْكن أن يُصلِّي الإنسانُ فائتةً في غير صلاةِ الجماعةِ يصلِّيها في نفْسِ الحِجْر، فإذا فَعَل ذلك فهلْ تصِحُّ أو لا؟
ينبني على الخلاف؛ إن قلنا بعَدَم الصحَّة -صِحَّةِ الفريضةِ في الكعبة- فالصلاةُ في الجزء الذي مِن الكعبة مِن الحِجْر لا تصِحُّ.
قال المؤلف: (وتصِحُّ النَّافلةُ) اشترط قال: (باستقبالِ شاخصٍ منها) لا بدَّ أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ؛ أي: شخصٌ متشخِّصٌ قائمٌ من الكعبة، حتى في النافلة لا بدَّ من شاخصٍ.
ما هو الشاخص؟
الشيءُ القائمُ المتَّصِل بالكعبة المبنِيُّ فيها، وعلى هذا فلو صلَّى إلى جهةِ الباب وهو مفتوحٌ -هو داخل الكعبةِ صلَّى إلى جهة الباب وهو مفتوح- هلْ تصحُّ صلاتُه؟
على كلام المؤلف لا تصحُّ؛ لأنه ليس بين يديه شاخصٌ منها، فإنْ وضع لَبِنَةً أو لَبِنَتَيْنِ بين يديه لا تصحُّ أيضًا؛ لأنها ليستْ منها، ليستْ متَّصلة.
وقال بعضُ أهل العلم: إنه لا يُشتَرطُ استقبالُ الشاخص، قاله بعضُ أصحابنا، تصحُّ النافلةُ في الكعبة وإنْ لم يكنْ بين يديه شيءٌ منها شاخصٌ، واستدلُّوا لذلك بأنَّ الواجبَ استقبالُ الهواء، والهواءُ تابعٌ للقرار.
[ ١ / ٩٥٦ ]
قالوا: ولذلك تصحُّ لو صلَّى على جَبَلٍ أعلى من الكعبة كما لو صلَّى على جَبَلِ أبي قُبَيْسٍ -الجبل الذي في أسفله الصفا- لو صلَّى فلا شكَّ أن الكعبة تحتَه ليس بين يديه شاخصٌ منها، ومع ذلك تصحُّ بالاتفاق، فكذلك إذا صلَّى في جوفِ الكعبةِ لا يُشترَطُ أن يكون بين يديه شاخصٌ منها.
ولكن هذا القياس فيه نَظَرٌ؛ لأن المصلِّي إلى الكعبة في مكانٍ أعلى يشاهِدُ شيئًا شاخصًا بين يديه وإن كان غير مُسامِتٍ له -يعني: غير محاذٍ له- فلا يصحُّ القياسُ، بخلافِ الإنسان الذي ليس بين يديه شيءٌ أبدًا، هو الآن في نفس الكعبة وليس بين يديه شيء، فهذا فرقٌ بين هذا وهذا.
ولا شكَّ أن الاحتياط أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ منها، لكنْ لو أنَّ الإنسان صلَّى وجاء يستفتي لا نستطيع أن نقول: إن صلاتَك غيرُ صحيحة. إنما نأمره قبلَ أن يُصلِّي ألا يُصلِّي إلا إلى شيءٍ شاخصٍ منها، ولهذا لَمَّا هُدِمَت الكعبةُ في عهد ابن الزبير بَنَى أخشابًا من أجْل أن يُصَلِّي الناسُ إليها، قال شيخ الإسلام: وهذا دليلٌ على أنه لا بدَّ أن يكون هناك شاخصٌ يصلَّى إليه.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (ومنها) أي: من شروط الصلاة (استقبالُ القِبلة).
من شروط الصلاة استقبالُ القِبلة، والمرادُ بالقِبلة: الكعبة، وسُمِّيَتْ قِبْلةً لأنَّ الناسَ يستقبلونها بوجوههم ويَؤُمُّونها ويقصدونها، وكانتْ من شروط الصلاة بدلالة الكتاب والسُّنة:
أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
وأما السُّنة فكثيرةٌ في هذا؛ منها قوله ﷺ للمُسيءِ في صلاته قال له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلةَ فَكَبِّرْ» (١٦).
[ ١ / ٩٥٧ ]
وأجمعَ المسلمون على وجوبِ استقبالِ القِبْلة في الصلاة، فدلَّ على وجوبها الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
والحكمة من ذلك هي أن يتَّجِهَ الإنسانُ ببَدَنِه إلى مُعَظَّمٍ بأمْرِ اللهِ وهو البيتُ، كما يتَّجِهُ بقلْبه إلى ربِّه في السماء، فهُنا اتجاهان: اتجاهٌ قلْبِيٌّ، واتجاهٌ بَدَنِيٌّ؛ الاتجاهُ القَلْبِيُّ إلى الله ﷿، والاتجاهُ البَدَنِيُّ إلى بيتِهِ الذي أَمَرَنا بالاتجاه إليه وتعظيمه.
ولا ريبَ أن في إيجاب استقبالِ القِبْلة من مظْهرِ اجتماعِ الأمَّةِ الإسلاميةِ ما لا يخفى على الناس، لولا هذا لكان الناسُ يصلُّون في مسجدٍ واحدٍ أحدهم يصلِّي إلى الجنوب، والثاني إلى الشَّمال، والثالث إلى الشرقِ، والرابع إلى الغرب، لكنْ إذا كانوا إلى اتجاهٍ واحدٍ صار ذلك من أكبر أسباب الائتلاف، أليس كذلك؟
ما ظنُّكم لو أن الناس يتَّجهون إلى ما شاؤوا، كم قِبلةً تكون لنا في هذا المسجد؟ أربعُ قِبَل، كلُّ واحدٍ له قِبْلة، وتتعذَّر الصفوف في الجماعة، لكنْ من الحِكْمة أن الله أوجب على المسلمين أن يتَّجهوا اتجاهًا واحدًا إلى الكعبة.
الاتجاه إلى الكعبة قلنا: إنه شرطٌ من شروط صحة الصلاة، والحكمة في وجوبه ظاهرةٌ، وكان الرسول ﵊ في مكَّةَ يصلِّي إلى بيت المقدس، لكن الكعبة بَيْنَه وبَيْنَ بيتِ المقدس، فأين يقع مكانُه من المسجد؟
طالب: من جهة جنوب الركن اليماني.
الشيخ: إي، بين الركن اليماني والْحَجَر الأسود؛ لتكون الكعبةُ بينه وبين بيت المقدس.
ولَمَّا هاجر إلى المدينةِ بَقِيَ بأمْر الله ﷿ يصلِّي إلى بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا وبعضَ السابع عَشَر، ثم بعد ذلك أُمِر بالتوجُّه إلى الكعبة.
يقول المؤلف: (فلا تَصِحُّ بدونه). (فلا تَصِحُّ) أي: الصلاةُ بدون استقبالِ القِبلة، ووجْهُ ذلك أنه شرطٌ، والقاعدة أنه إذا تخلَّفَ الشرطُ تخلَّفَ المشروطُ، فلا تصحُّ الصلاةُ بدونه لهذه العِلَّة.
[ ١ / ٩٥٨ ]
فإن قُلتَ: ما هو الدليلُ؟ أنت الآن علَّلْتَ، لكنْ ما هو الدليل؟
قلنا: الدليلُ هو ذلك الحديثُ الذي يُعتبر قاعدةً عظيمةً من قواعد الشرع؛ حديثُ عائشة ﵂: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٧)، فمَن استقبلَ غير القِبْلة فقد عَمِل عملًا ليس عليه أمْرُ اللهِ ورسولِه، فيكون عملُه مردودًا.
استثنى المؤلفُ قال: (إلا لعاجزٍ)، العاجزُ تصحُّ صلاتُه بدون استقبالِ القِبْلةِ؛ مِثْل أنْ يكون مريضًا لا يستطيعُ الحركةَ وليس عنده أحدٌ يوجِّهُهُ إلى القِبْلة، فهُنا يتَّجهُ حيث كان وَجْهُهُ لأنه عاجزٌ.
ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقولُ النبيِّ ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٧)، فالعاجز لا يَلْزمه استقبال القِبْلة لعجزه؛ لأنه غيرُ مكلَّفٍ بما يعجز عنه، فتصِحُّ الصلاةُ.
يُستثنى أيضًا في حال اشتداد الحربِ، يسقطُ استقبالُ القِبْلة، وقد يُقال: إنَّ هذا نوعٌ من العجز؛ يعني مِثْل لو كان الحربُ فيه كَرٌّ وفَرٌّ فإنه يسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة في هذه الحال.
الدليل؟
طالب: الأدلَّة السابقة.
الشيخ: الأدلَّة السابقة.
ومِثْل ذلك لو هَرَبَ الإنسانُ من عدوٍّ، أو هَرَبَ من سَيْلٍ، أو هَرَبَ من حريقٍ، أو هَرَبَ من زلازلَ أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة في هذه الحال، والأدلَّة ما سبق.
الثالث قال: (إلا لعاجز، ومتنفِّلٍ) هذه معطوفة على (عاجزٍ)، (ومتنفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ).
[ ١ / ٩٥٩ ]
(متنفِّلٍ) ضِدُّهُ: المفترِضُ، (راكبٍ) ضِدُّهُ: الماشي، وسيأتي بيانُ حُكْمه، (سائرٍ) ضِدُّهُ: المقيم الذي ليس يمشي، (في سَفَرٍ) ضدُّهُ: في حَضَرٍ.
إذَنْ نأخذ ثلاثة قيودٍ: (متنفِّل)، (سائر)، (في سَفَر).
طالب: (راكِب).
الشيخ: (راكِب) قلنا: مِثْل الماشي، لكنْ يزيدُ عليه قيودٌ، وإذَن ما حاجة نقول: راكب؛ لأنه قال: (وماشٍ)، إلا أنه يخالفه في بعض الأشياء.
في هذه الحال يسقط استقبال القبلة.
(متنفِّل) ضده؟
طلبة: مفترض.
الشيخ: (سائر) ضده النازل، (في سَفَر) ضده الحضر.
إذا قال قائلٌ: هذا استثناءٌ من عموم نصوص الكتاب؛ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فما هو الدليل؛ لأن هذا عمومٌ مِن أقوى العمومات؛ ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، وهذه جملةٌ شرطية، وهي من أقوى العمومات؛ ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ما الذي أخرج هذه الحال؟
طالب: فِعْل النبيِّ.
الشيخ: نقول: أخرجتْها السُّنةُ؛ فِعْل الرسول ﵊، فقد ثَبَتَ في الصحيحينِ وغيرهما أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي النافلة على راحِلَتِهِ حيثُما توجَّهتْ به، إلا أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (١٨)، فهذه السُّنَّةُ خصَّصَتْ عمومَ الآيات.
فإنْ قال قائلٌ: أفلا يمكن أن يكون هذا قَبْل وجوبِ استقبالِ القِبْلة؟
قلنا: لا يمكن؛ لأنهم استثنَوْا؛ الصحابةُ الذين رَوَوا الحديثَ استثنوا الفرائضَ، فدلَّ هذا على أنه بعدَ وجوبِ استقبالِ القِبْلة.
فإذا قال قائلٌ: ما نوع هذا التخصيص؟
[ ١ / ٩٦٠ ]
قلنا: هذا -الحقيقة- مِن غرائبِ التخصيصات؛ لأنه قرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، وقولٌ خُصَّ بفِعْلٍ؛ يعني لم يقُل الرسول ﵊: من تنفَّل في السفر فلا يستقبلْ، حتى نقول: إنه خُصَّ بقولٍ، بلْ نقولُ: هو قولٌ خُصَّ بفِعْلٍ، وقرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، ومعلومٌ أن تخصيص القول بالفعل أضعفُ من تخصيص القولِ بالقولِ، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟
طالب: لاحتمال خصوصيَّة.
الشيخ: لاحتمال خصوصيَّة، لاحتمال نسيان، لاحتمال عُذْر، بخلافِ القول.
وأيضًا: تخصيصُ قرآنٍ بسُنَّةٍ أضعفُ من تخصيص قرآنٍ بقرآنٍ.
ولكنْ نقول: إن السُّنَّةَ تقعُ من الرسول ﵊ بأمْرِ الله الصريحِ أو بأمْرِه الْحُكْميِّ الذي يُقِرُّ ﷾ نبيَّه على ما قال أو على ما فَعَل، ولهذا إذا فَعَل الرسولُ ﵊ شيئًا لا يُقِرُّه اللهُ عليه بيَّنه؛ قال الله تعالى له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فالله ﷿ لو أنَّ رسوله فَعَل فعلًا لا يريده شرعًا لَبَيَّنهُ ﷾.
فإذَنْ نقول: إنَّ فِعْل الرسولِ ﵊ في تَرْكِ استقبالِ القِبْلة في التنفُّل في السفر كان بأيش؟ بأمْر اللهِ الْحُكْميِّ أو القوليِّ؟ الْحُكْمي؛ لأنه أَقَرَّه، فيكون ما جاءتْ به السُّنَّةُ كالذي جاء به القرآنُ تمامًا في أنه حُجَّةٌ.
هلْ تجوز الفريضة للراكبِ السائرِ في السَّفَر؟
طالب: لا.
[ ١ / ٩٦١ ]
الشيخ: لا، ما تجوز إلا في الحال التي يُعذَر فيها بترْكِ استقبالِ القِبْلة.
إذا كان المسافر نازلًا في مكان يتغدَّى ويمشى، هل يجوز أن يتنفَّل إلى غير القِبْلة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا.
إذا كان الإنسان في البلد، لكن البلد متباعدةٌ أقطارُها؛ يعني البلد هذا يمكن ستين كيلو، فذَهَبَ من شَرْقه إلى غَرْبه نحو ستين كيلو أو ثمانين كيلو أو مئة كيلو، هلْ له أن يتنفَّل في هذه الحال إلى جهة سَيرِهِ؟
طلبة: لا، ليس مسافرًا.
الشيخ: ليس له ذلك؛ لأنه غير مسافرٍ، هو الآن في بلده.
لو قال قائلٌ: رجُلٌ في مكَّةَ في سيارته يتنفَّل، هل يجوز ذلك أو لا؟
طلبة: ().
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا، إنْ قلتم: يجوز؛ فهو خطأ، إن قلتم: لا يجوز ..
طالب: إذا كان مستقبِلَ القِبْلة.
الشيخ: لا، غير مستقبِل القِبْلة.
طلبة: يكون مسافرًا.
الشيخ: إنْ كان مِن أهل مكَّةَ فلا يجوز، وإنْ كان من غيرهم فيجوز.
إذَنْ لو ذهبْتُ إلى مكَّةَ في العُمْرة، وصِرْتُ أتنفَّلُ مِن خروجي مِن المسجدِ الحرامِ إلى بيتي على السيارةِ يجوز ولو كانت الكعبةُ خلفَ ظهري؛ لأنني مسافرٌ، هذا هو الظاهر من عمومات الأدلَّة، وفيه شيءٌ من البحث والنظر.
طالب: ولو أنزلْت المتاعَ.
الشيخ: إي، ولو أنزلْت المتاعَ.
(في سَفَرٍ) لو كان السفرُ قصيرًا فظاهرُ كلام المؤلِّف أنه يجوز ولو كان السفرُ قصيرًا، فإذا خرجْتَ من البلد ولو إلى بلدٍ قريبةٍ منه، ولو كان خروجُك هذا لا يُعَدُّ سَفَرًا طويلًا تُقصر فيه الصلاة؛ فإنه يجوز للعموم، ولكنَّ بعضَ الأصحابِ ﵏ قالوا: لا يجوز التنفُّل على الراحلةِ إلا في سَفَرٍ يُقْصَر فيه، فإنْ كان لا يُقْصَر فيه فإنه لا يجوز.
قال: (ويَلْزمه افتتاحُ الصَّلاةِ إليها)، يعني: (يَلْزمه) أي: الراكبَ المتنفِّلَ في السفر (افتتاحُ الصلاةِ إليها) أي: إلى القِبْلة.
[ ١ / ٩٦٢ ]
عموماتُ الأحاديثِ ليس فيها ذِكْر استقبالِ القِبْلة إلا في حديثٍ رواه أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ أنَّ الرسول ﵊ كان إذا أراد أن يصلِّي استقبلَ القِبْلة ثم أطْلَقَ راحِلَتَهُ حيثُما توجَّهَتْ (١٩).
فنقول: هذا الحديثُ إن صحَّ فإنه فِعْلٌ، ومجرَّد الفعل لا يدلُّ على الوجوب.
فنقول: الأكمَلُ أن تتَّجِهَ أوَّل ما تتَّجِهُ إلى القِبْلة، ولكنْ لو لم تفعلْ لكان هذا جائزًا ولا حَرَجَ؛ لأن أكثر الأحاديث جاءتْ عامَّةً أنه يصلِّي عليها النافلةَ حيثما توجَّهَتْ به.
().
***
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها اجتنابُ النجاسةِ؛ فمَنْ حَمَلَ النجاسةَ لا يُعْفَى عنها).
الشيخ: () محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنَّ من شروط الصلاة استقبال القِبْلة، فما هو الدليل؟
طالب: قال الله ﷿: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
الشيخ: شطرَ أيش؟
الطالب: شطرَ المسجد الحرام.
الشيخ: هات آيةً فيها نصٌّ على المسجد الحرام.
الطالب: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
الشيخ: ومن السُّنة.
الطالب: تعليم الرسول ﷺ الرجلَ المسيءَ في صلاته؛ قال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ».
الشيخ: أحسنت.
والإجماع؟
الطالب: والإجماع كذلك.
الشيخ: منعقد على وجوب استقبال ..
الطالب: استقبال القِبْلة.
الشيخ: أحسنت.
ما هي الحِكْمة في إيجاب استقبال القِبْلة؟
طالب: الحِكْمة من وجوب استقبال القِبْلة ..
الشيخ: في إيجابه.
الطالب: في إيجاب استقبال القِبْلة اجتماعُ المسلمين على قِبْلةٍ واحدةٍ.
الشيخ: هذه واحدة، على اتجاهٍ واحدٍ أو قِبْلةٍ واحدةٍ، هذه واحدة.
[ ١ / ٩٦٣ ]
الطالب: ولأن اتجاهَ المسلمين إلى قِبْلةٍ واحدةٍ سببٌ في اجتماع قلوبهم.
الشيخ: هذه نتيجة الأُولى.
الطالب: استقبال الإنسان يكون بالبَدَن وبالقلْب؛ فبالقلب يتَّجه إلى الله ﷿ في السماء، وبالبَدَن يتجه إلى البيت المعظَّم.
الشيخ: أحسنت، ثالثًا؟
الطالب: ثالثًا: أن الصفوف لا يمكن تسويتُها إلا باستقبال القِبْلة، فإن الناس لو كانوا في مسجدٍ ولم يكن استقبال القِبْلة واجبًا لَرأَيْنا الناسَ يصلُّون في أربع جهات أو أكثر، فلمَّا كان استقبال القِبْلة واجبًا انضبطت الصفوف.
الشيخ: زين، رابعًا؟
طالب: تعظيم شعائر الله.
الشيخ: صح، أن هذا من تعظيم بيت الله ﷿ الذي قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وأَمَر بتعظيمه.
طالب: ما ذَكَره الأخ يا شيخ؟
الشيخ: لا.
طيب، فيه شيء بعد، ذكرنا أربعًا.
طالب: وأنها استقبال الأنبياء جميعًا.
الشيخ: قِبْلة الأنبياء؟
الطالب: قِبْلة الأنبياء.
الشيخ: إي، بس هذه ما هي حكمة؛ لأنه يقال: ولماذا جُعِلتْ قِبْلة الأنبياء؟
طالب: تميُّز هذه الأُمَّة عن الأُمَمِ السابقة.
الشيخ: لا؛ لأن الأُمَمَ السابقة أيضًا أُمِرُوا بالتوجُّه للقِبْلة، على كلِّ حالٍ أربعُ فوائد تكفي.
استقبال القِبْلة شرطٌ، ويُستثنى من ذلك أشياء؟
طالب: إذا كان في شدة الحرب.
الشيخ: شدة الخوف.
الطالب: يعني بمعنى أنه لا يستطيع أن يصلِّي.
الشيخ: شدة الخوف.
الطالب: شدة الخوف.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الحرب؟
الشيخ: نعم، (شدة الخوف) أحسن من (الحرب) لأجْل قد يخاف الإنسانُ على نفْسه من دون حرب.
الطالب: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]
الشيخ: أين الدليل؟
[ ١ / ٩٦٤ ]
الطالب: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
الشيخ: نعم، ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، ومعلومٌ أن الراجل والراكب لا يتسنَّى له استقبالُ القِبْلة كما ينبغي غالبًا.
طيب، فيه آية عامَّة؟
طالب: فيه دليل ثانٍ.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الرسول ﷺ كان يتنفَّل على الراحلة.
الشيخ: لا.
طالب: قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
الشيخ: لا.
طالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، تمام، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
يُستثنى أيضًا؟
طالب: النافلة.
الشيخ: النافلة، شروط؟
الطالب: أن يكون راكبًا، سائرًا، في سَفَرٍ.
الشيخ: للراكب السائر في سَفَرٍ.
(راكب) هذا شرط ولَّا غير شرط؟
الطالب: نعم، شرطٌ على قول ().
الشيخ: لا، على كلام المؤلف.
الطالب: نعم، شرط.
الشيخ: شرط!
طالب: غير شرط.
الشيخ: غير شرط على رأي المؤلف؟
الطالب: ().
الشيخ: إذَنْ أن يكون سائرًا ..
طالب: سائرًا، وفي سَفَرٍ، ومتنفِّلًا.
الشيخ: النافلةُ في السفر للسائرِ لا للنازلِ.
دليل ذلك؟
طالب: حديثُ ابن عمر أنَّ النبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّي على راحِلَتِهِ حيثُما توجَّهَتْ به، إلَّا أنه لا يُصَلِّي بها الفريضة.
الشيخ: إلَّا أنه لا يُصَلِّي عليها المكتوبة -تمام- أو الفريضة (١٥).
وما هي الحِكْمة في إسقاط استقبال القِبْلة في هذه الصورة؟
طالب: إذا كان متنفِّلًا سائرًا، يعني فيه مشقة؛ قد يشقُّ عليه استقبالُ القِبْلة.
[ ١ / ٩٦٥ ]
الشيخ: تشجيعُ الناسِ على كثرة النوافل حتى يكون الأمرُ سهلًا عليهم؛ يُصلِّي وهو على السيارة، على البعير، على الفَرَس، على أيِّ شيءٍ، ولو كُلِّفَ أن ينزل في الأرض كما يُكلَّف في الفريضة لَثَقُلَ عليهم التطوُّع وفاتَهم خيرٌ كثيرٌ، هذه مسألة.
المسألة الثانية ما ذَكَرها المؤلف.
المسألة الثالثة؟
طالب: العاجز عن استقبال القِبْلة.
الشيخ: العجز عن استقبال القِبْلة، مثل؟
الطالب: أن يكون مريضًا.
الشيخ: مِثْل أن يكون مريضًا وليس عنده مَن يوجِّهُهُ إلى القِبْلة، وهو لا يستطيع أن يتوجه إلى القِبْلة، فهُنا يسقط عنه الاستقبال. الدليل؟
الطالب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، تمام.
طالب: الراكب ليس شرطًا على كلام المؤلف.
الشيخ: إي نعم، ليس بشرط.
***
قال المؤلف ﵀: (ويَلْزمُهُ افتتاحُ الصلاةِ إليها).
(يَلْزمُهُ) أي: الراكب (افتتاحُ الصلاةِ إليها)، ثم بعد ذلك يكون حيثُ كان وجَهُهُ، ودليلُ هذا حديثُ أَنَس بن مالكٍ ﵁ الذي أخرجه أصحابُ السُّنن كأبي داود وغيره أن الرسول ﷺ كان إذا أراد أن يتنفَّل استقبلَ القِبْلةَ وكبَّرَ، ثم اتَّجَهَ حيثُ كان وَجْهُهُ (٢٠). قالوا: فهذا دليلٌ على أنه يجب افتتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلة؛ لأنَّ تكلُّفَ النبيِّ ﷺ ومعاناتَه لإيقاف البعير واتجاهَهُ إلى القِبْلة وقطْعَ المسيرِ يدلُّ على أنه أمْرٌ واجبٌ.
وقال بعضُ أهل العلم: إنه ليس بواجب. وأجابوا عن هذا الحديث بأمْرينِ:
أوَّلًا: أنه ليس إلى ذاك في درجةِ الصحة، وغايةُ ما قِيلَ فيه: إنه حَسَن.
والثاني: أنه فِعْلٌ، ومجرَّد الفعل لا يدلُّ على الوجوب، وحديثُ ابن عمر وغيرُه من الأحاديثِ عامٌّ أنه كان يُصَلِّي حيث كان وجْهُهُ.
[ ١ / ٩٦٦ ]
وعليه فنقول: إن الصحيح في هذه المسألة أنَّ الأفضلَ أن يبتدئ الصلاةَ متَّجهًا إلى القبلة، ثم يتَّجه حيثُ كان وجْهُهُ، أمَّا أنْ يُجعَل ذلك واجبًا بمقتضى هذا الدليلِ المعارَضِ بعموم الأدلَّةِ التي هي أصحُّ منه ففي النفْس منه شيءٌ.
قال المؤلف: (وماشٍ) هذا معطوف على قوله: (راكبٍ)؛ يعني: ولمتنفِّلٍ ماشٍ؛ يعني: يمشي على قدميه، فيجوز للإنسان المسافر إذا كان يمشي على قدميه أن يكون اتِّجاهُهُ حيثُ كان وجْهُهُ، ويسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة، إلا أنه قال:
(ويَلْزمه الافتتاحُ والركوعُ والسجودُ إلَيْها)؛ يَلْزمه -أي: الماشي- الافتتاحُ إلى القِبْلة؛ لأنه إذا لَزِمَ الراكبَ مع معاناةِ صَرْفِ المركوبِ فلُزومُه في حقِّ الماشي من باب أَوْلى؛ لأن انصراف الماشي إلى القِبْلة أسهلُ من انصراف مَرْكوبه لو كان راكبًا.
كذلك يَلْزمه الركوعُ والسجودُ إليها أيضًا، أمَّا الراكبُ فلا يَلْزمه ركوعٌ ولا سجودٌ، وإنما يُومِئ إيماءً، أمَّا الماشي فيَلْزمه الركوعُ والسجودُ إليها؛ أي: إلى القِبْلة، فيختلفُ عن الراكب في أمْرينِ:
في أنه يَلْزمه الركوعُ والسجودُ، والراكبُ يكفيه الإيماءُ.
الثاني: أنه يجب أن يكون الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة بخلافِ الراكبِ، والعِلَّة في ذلك قالوا: لأن هذا سهلٌ على الماشي، أمَّا الراكبُ فلا يتحقَّق له الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة إلا إذا نَزَل، ونُزوله من مَرْكوبِهِ فيه صعوبةٌ ومشقَّةٌ.
[ ١ / ٩٦٧ ]
ولكن الصحيح أنَّنا إنْ جوَّزْنا للماشي فإنه لا يَلْزمه الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة؛ لأن في ذلك مشقَّةٌ أيضًا؛ لأنه يستلزمُ الوقوفَ للركوعِ والسجودِ والجلوسِ بين السجدتينِ، وهذا يُعِيقُهُ بلا شكٍّ، لكنْ لو قُلنا: تُومِئُ إيماءً؛ لَكانَ يُمْكِنه أن يُومِئَ وهو ماشٍ في ركوعِهِ وسجودِهِ، فالصحيحُ أنَّنا إذا قُلنا بجوازِ ذلك للماشي فإنه لا يَلْزمه الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة، بلْ حُكْمه حُكْم الراكبِ في أنه يَلْزمه الافتتاحُ فقط؛ لأن الافتتاحَ مُدَّته وجيزةٌ، والانحراف إلى القِبْلة فيه يسيرٌ فلا يضرُّ، وإلا فيمشي على ما هو عليه.
ولكنْ نحن قُلنا: إنْ قُلْنا بالجواز. وهذا يدلُّ على أن في المسألةِ خلافًا، وهو كذلك؛ فإن من العلماء مَن يقول: إنَّ المسافرَ الماشيَ لا يجوز أن يتنفَّل حال مَشْيه؛ لأن الماشي سوف يعمل أعمالًا كثيرةً بالمشي، والراكب ساكنٌ لا يعمل، فلا يُلْحق هذا بهذا، ولأن تنفُّل المسافرِ الراكبِ على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل فهو خارجٌ عن الأصل ولا يُقاس عليه.
ولكن الذي يظهر -والله أعلم- أن القول الراجح ما قاله المؤلِّف في إلحاقِ الماشي بالراكب؛ لأن العِلَّة في جواز التنفُّل على الراحلة بدون عُذْرٍ هي حَمْل الإنسانِ وتشجيعُهُ على كثرةِ النوافل، وهذا حاصلٌ للمسافر الماشي كما هو حاصلٌ للمسافر الراكب.
وقولهم: إن هذا خلافُ الأصل، وما كان خلافَ الأصل فلا يُقاس عليه. نقول في جوابه: ما خَرَجَ عن الأصل لعِلَّةٍ معقولةٍ فلا مانعَ مِن أن يُقاس عليه؛ لأن القاعدةَ الشرعيَّةَ في هذه الشريعةِ أنها لا تفرق بين متماثلَينِ، ولا تجمع بين متفرِّقَينِ.
[ ١ / ٩٦٨ ]
فإذا عَلِمْنا أن الشارعَ إنما رخَّص في الصلاة حيثُ كان وجْهُهُ على بعيرِهِ مِن أجْل أن يَحمِل الناس على كثرة النوافل ولا يَحْرِمَهم فنقول: هذا أيضًا في الماشي. وكثيرٌ من الناسِ المسافرين لا يجدون مركوبًا فتجدهم يمشون مع الرُّكْبانِ على أقدامهم مِن بلادهم إلى أنْ يرجعوا إلى بلادهم، وهذا شيءٌ معلومٌ يعرفه الناسُ مِن قَبْلُ لَمَّا كانوا يسافرون على الإبل.
قال: (ويَلْزمُه الركوعُ والسجودُ إليها). الماتنُ لم يُفصح بما يجب على المتنفِّلِ الراكبِ أو الماشي، بلْ ذَكَر أنه لا يَلْزمه استقبالُ القِبْلة، ولكن ماذا يستقبل؟ لم يبيِّنْ ذلك، ولكنْ قد بيَّنَت السُّنةُ هذا قبل المؤلِّف، وهو أنَّ قِبْلته جهة سَيْرِهِ، فلا بدَّ أن يكون متَّجهًا إمَّا إلى القِبْلة وإمَّا إلى جهةِ سَيْرِهِ، فلو فرضْنا أنه انحرفَ البعيرُ عن جهةِ سَيْرِهِ إلى جهةِ القِبْلة صحَّ ولَّا لا؟ صحَّ؛ لأنها هي الأصل.
ولو حَرَفَها عن جهةِ سَيْرِهِ لغير القِبْلة قال العلماء: لا يجوز؛ لأنه خَرَجَ عن استقبال القِبْلة وخَرَجَ عن استقبالِ سَيْرِهِ الذي أباحَ الشارعُ أن يكون قِبْلتَه مِن أجْل تسهيلِ سَيْرِه، فإذا عَدَلَ بها عن جهةِ سَيْرِهِ فإنها تَبْطُل، أمَّا إذا عَدَلَتْ به الدابةُ وعَصَفَتْ (٢١) به فقال بعضُ أهل العلم: إنْ طال الفَصْل بَطَلَتْ صلاتُه، وإنْ لم يطُلْ لم تَبْطُلْ صلاتُه.
والصحيح أنه إذا عَجَزَ عن ردِّها لا تَبْطُلُ مطْلَقًا؛ لأنه يدخلُ فيما سبق في العاجز عن استقبال القِبْلة؛ ماذا يصنع هذا الرجلُ الذي جَفَلَتْ (٢٢) به الدابةُ وصارتْ تمشي على غير هُدًى وهو عاجزٌ عن كَبْحِ جماحها؟ ! فالصحيحُ أنه إذا عَجَزَ لم تَبْطُل ولو طال الفَصْل.
***
ثم بيَّن المؤلفُ ﵀ كيف يكون استقبالُ القِبْلة، وذَكَر أنه على وجهينِ:
الوجه الأوَّل: أن يُلْزَم باستقبال عَيْنِ الكعبة.
والوجه الثاني: أن يُلْزَم باستقبال الجهة.
[ ١ / ٩٦٩ ]
فمتى يكون إلزامُه باستقبال عينِ الكعبةِ؟
قال المؤلف: (وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِن القِبْلَةِ إصابَةُ عينِها، ومَنْ بَعُدَ جِهَتها) أي: إصابةُ جِهَتِها أو استقبالُ جِهَتِها.
(فَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِن القِبْلَةِ) لم يحدِّد المؤلفُ القُرْبَ والبُعْدَ، فهَلْ يُرجَعُ في ذلك إلى العُرْف أم ماذا؟
الجواب أنَّنا نقول: يمكن أن يُقال: إنَّ المؤلف حدَّدَ معنى القُرْب بقوله: (إصابةُ عينِها)، ولا تُمْكن إصابةُ العينِ إلَّا لِمَنْ أمْكَنَهُ مشاهدةُ العينِ، وعلى هذا فيكون القريبُ مَنْ أمْكَنَهُ مشاهدةُ الكعبةِ، فمَنْ أمْكَنَهُ مشاهدةُ الكعبةِ ففَرْضُهُ استقبالُ عينِ الكعبة.
وهل المرادُ الإمكانُ الشرعيُّ أو الإمكانُ الحسِّيُّ؟
ظاهر كلامهم: أنَّ المراد الإمكانُ الحسِّيُّ، وأنَّه إذا أمْكَنَ المشاهدةُ حِسًّا وَجَبَ عليكَ إصابةُ العينِ وإنْ كان لا يُمْكنك شرعًا، وعلى هذا فمَنْ كان في صَحْنِ المسجدِ في صَحْنِ المطافِ فاستقبالُ عينِ الكعبةِ عليه؟
الطلبة: فَرْضٌ.
الشيخ: فَرْضٌ، وسَهْل ولَّا صَعْب؟
الطلبة: سَهْلٌ.
الشيخ: سَهْلٌ.
ومَنْ كان في المصباح في الرِّواقاتِ فهذا قد يكون سَهْلًا وقد يكون صعبًا، إذا كانت الصفوفُ قاطبةً وأمامَه عمودٌ من العُمُدِ الضِّخامِ فهُنا قد لا يستطيع رؤيتَها، ولا يستطيع أن يتحوَّل عن مكانه لأن الصفوف قاطبةً، التعذُّر هنا حِسِّيٌّ ولَّا شرعِيٌّ؟
طلبة: حسِّيٌّ.
[ ١ / ٩٧٠ ]
الشيخ: يا إخوان، شرعيٌّ. أمَّا حسِّيٌّ: أنه يَقْدر يروح ويتخطَّى حتى يَصِلَ إلى صَحْن المطافِ، لكنه شرعيٌّ، فظاهر كلامهم أنَّ هذا لا تصحُّ صلاتُه حتى يكون مصيبًا لعينها، وإذا أخذْنا بهذا الرأيِ فإنَّ كثيرًا من الذين يُصلُّون في المسجد الحرام لا تصِحُّ صلاتُهم، لماذا؟ لأنَّ كثيرًا منهم نشاهدهم بأعيننا لا يصيبون عينَ الكعبة، يتَّجهون إلى جِهَتها صح، لكنْ ما يصيبون عينَها، تجد الصفَّ مستطيلًا، وبعضُهم يتَّجِهُ عن يمينِ الكعبةِ، وبعضُهم عن يسارِ الكعبةِ، وبعضُهم يتَّجِهُ إلى الكعبةِ تمامًا.
وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ من القِبلةِ إصابةُ عَيْنِها، ومَن بَعُدَ جِهَتِها فإنْ أَخْبَرَه ثِقَةٌ بيقينٍ أو وَجَدَ مَحاريبَ إسلاميَّةً عَمِلَ بها، ويُسْتَدَلُّ عليها في السفَرِ بالقُطْبِ والشمسِ والقمَرِ ومَنَازِلِهما، وإن اجْتَهَدَ مُجتهدانِ فاخْتَلِفَا في جِهةٍ لم يَتْبَعْ أحدُهما الآخَرَ، ويَتْبَعُ الْمُقَلِّدُ أَوْثَقَهما عندَه، ومَن صَلَّى بغيرِ اجتهادٍ ولا تقليدٍ قَضَى إن وَجَدَ مَن يُقَلِّدُه، ويَجْتَهِدُ العارِفُ بأَدِلَّةِ القِبلةِ لكلِّ صلاةٍ، ويُصَلِّي بالثاني، ولا يَقْضِي ما صَلَّى بالأَوَّلِ، ومنها النِّيَّةُ
الإمكان الشرعي أو الإمكان الحسي؟
ظاهر كلامهم؛ أن المراد الإمكان الحسي، وأنه إذا أمكن المشاهدة حِسًّا وجب عليك إصابة العين، وإن كان لا يمكنك شرعًا، وعلى هذا؛ فمن كان في صحن المسجد، في صحن المطاف، فاستقبال عين الكعبة عليه فرض، وسهل ولَّا صعب؟
طلبة: سهل.
الشيخ: سهل، ومن كان في المصباح في الرواقات، فهذا قد يكون سهلًا، وقد يكون صعبًا، إذا كانت الصفوف قاطبة وأمامه عمود من العمد الضخام، فهنا قد لا يستطيع رؤيتها، ولا يستطيع أن يتحول عن مكانه؛ لأن الصفوف قاطبة، التعذر هنا حسي ولَّا شرعي؟
طلبة: حسي.
الشيخ: يا إخواني!
طلبة: شرعي.
[ ١ / ٩٧١ ]
الشيخ: شرعي، أما حسي يقدر يروح، ويتخطى حتى يصل إلى صحن المطاف، لكنه شرعي، فظاهر كلامهم أن هذا لا تصح صلاته حتى يكون مصيبًا للعين، مصيبًا لعينها، وإذا أخذنا بهذا الرأي فإن كثيرًا من الذين يُصلّون في المسجد الحرام لا تصح صلاتهم؛ لماذا؟
لأن كثيرًا منهم نشاهدهم بأعيننا لا يُصيبون عين الكعبة، يتجهون إلى جهتها، صح، لكن ما يصيبون عينها، تجد الصف مستطيلًا، وبعضهم يتجه عن يمين الكعبة، وبعضهم عن يسار الكعبة، وبعضهم يتجه إلى الكعبة تمامًا.
وكذلك الذين في السطح فوق سواء السطح المسقف أو سقف المسقف، إذا كانوا بعيدين عن الجدار المطل على صحن المطاف، فإن مشاهدتهم للكعبة متعذرة حسًّا ولَّا لا؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا إذا كانت الصفوف قاطبة، أما حِسًّا يمكنهم يروحون، ويقفون على حد الجدار.
وهذه المسألة مشكلة علينا، الحقيقة أنها مشكلة باعتبار أن الإنسان إذا كان في آخر الصفوف لا يتمكن من مشاهدة الكعبة قطعًا، ولا يقول: إنه أصاب عينها، ما يستطيع أنه يجزم بهذا إطلاقًا، وإنما يستقبل الجهة أحيانًا، يشوف الظلمة والسواد، ويقول: هذا عين الكعبة، ثُمَّ يصلي، وإذا سلَّم ولا الكعبة عن يمينه، ولا عن يساره، وهذا كثيرًا، وأنا أعدت الصلاة مرة من المرات بعدما صليت معهم صلاة العصر أظن، ويوم سلَّمنا ولا الكعبة على يمينّا، وإحنا فوق، لازم إني أعيد الصلاة، وهذه الحقيقة مشكلة.
ولكني ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بأن من كان داخل المسجد فإن فرضه استقبال الجهة إلا قولًا في سبل السلام شرح بلوغ المرام ما عزاه لأحد، لكنه قاله تفقُّهًا من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قبله فهو غير مُسلَّم؛ لأن المعروف من كلام أهل العلم قاطبة أن من كان يُمكنه مشاهدتها ففرضه إصابة العين.
طالب: أخذ السُّترة يا شيخ، سُترة من العمد الكبيرة، بعضهم يحرصون على السترة يا شيخ، يجعلون بينهم وبين الكعبة سترة كبيرة.
[ ١ / ٩٧٢ ]
الشيخ: إي، هو إذا كان الإنسان ما في الصف، يقدر واحد يتحرك من هنا ومن هنا حتى يضبط الاتجاه، لكن إذا صار صف يشكل؛ حتى بعض الأحيان إذا صار الصف ما استقام على عين الكعبة، إذا استقمت أنت على الكعبة () على كتف إنسان، ولا مشكلة؛ لأنهم يقولون: كذا، وأنت بتقول: كذا، المهم -على كل حال- يقدر يشوفه إذا ركع الناس أو إذا سجدوا ممكن.
طالب: إعادة الصلاة، يعني نفهم () وجوب الإعادة.
الشيخ: إي نعم، معلوم؛ إذا قلنا: إن فرض إصابة العين وأنا ما أصبت العين؛ معناه ما صحت صلاتي.
طالب: () ما تعم به البلوى كل الناس.
الشيخ: هذا اللي نقوله، أنا أقول: إذا لم يكن في المسألة إجماع، لو كان فيها خلاف من العلماء المعتبرين، إحنا نؤيد هذا؛ لأن المسألة ضرورية الآن، الناس ما يمكن وسط الأعمدة هذه وسط البعد، ولا يمكن مشاهدتها أبدًا. ()
***
أما في صحن المسجد صحن المطاف موجود نفس البلاط، كل بلاطة مشغولة كأنها مكان رجل.
طالب: ().
الشيخ: لا، يأتي، لا بد، يأتي.
طالب: من كلام الشيخ الآن أنه فرض أنه داخل المسجد، ولا يرى الكعبة.
الشيخ: ظاهر كلامه أنه ما يلزمه.
الطالب: الجِهة فقط ليس ().
الشيخ: ظاهر كلامه أنه ما يلزمه، لكن ما هو بيقول عن شيء: إنه ثابت؛ بحيث الإنسان يجزم بأن هذا اختيار شيخ الإسلام.
الطالب: أقول: ما هو بواضح؟
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن القيم في الجزء الرابع صفحة اثنين وخمسين.
الشيخ: من، من منين أي كتاب؟
الطالب: بدائع الفوائد، يتكلم عن مسألة التراب، ثم قال: إذا قلنا ..
الشيخ: يتكلم عن أيش؟
الطالب: عن مسألة التراب.
الشيخ: التراب؟ ! ! !
الطالب: وعن الصابون الأشنان ()، مسائل ابن الزاغوني وابن عقيل.
الشيخ: ()! !
الطالب: مسائل ابن الزاغوني وابن عقيل.
الشيخ: إي، منقول هذا؟
[ ١ / ٩٧٣ ]
الطالب: يقول: إذا قلنا: الواجب التوجُّه إلى عين القبلة، وكان الصف طويلًا يزيد على سمت الكعبة؟ اختلف كلام أحمد في ذلك على روايتين:
إحداهما: أن طول الصف مع البُعد الكثير لا يؤثر ذلك مِيلًا عن الكعبة إلا قدرًا يخفى أمره، ويعسر اعتباره لا سيما فيما هو مأخوذ بالاجتهاد، فعفِي عنه.
والرواية الثانية: أنه إذا طال الصف من جانبي الإمام انحرف الطرفان إلى ما يلي الإمام انحرافًا يسيرًا، يجمع به توجيه الجميع إلى العين، ولا يشبه هذا خلاف المجتهدين؛ لأن كل واحد من المجتهِدَيْن يعتقد خطأ صاحبِه في اجتهاده، وفي مسألتنا قد اتفقا في الاجتهاد.
قلت: الصواب أنه مع كثرة البُعد يكثر المحاذي للعين، فإن قيل: هذا إنما يكون مع التقوُّس كالدائرة حول نقطة. قلنا: نعم، ولكن الدائرة إذا عظمت واتسعت جدًّا فإن التقوُّس لا يظهر في جانب محيطها إلا خفيفًا فيكون الخط الطويل متقوّسًا نحو شعرة، وهذا لا يظهر للحس.
الشيخ: بس، ما استفدنا.
طالب: ().
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: أقرأ؟
الشيخ: اقرأ.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
قال الزبيدي في شرح الإحياء، المجلد السادس صفحة أربع مئة وثلاثة وأربعين، بعد قول الغزالي: وأشكل معناه على قوم إذ قالوا: إن قلنا: إن المطلوب العين، فمتى يتصور هذا مع بُعد الديار؟ وإن قلنا: المطلوب الجهة؛ فالواقف في المسجد إن استقبل جِهة الكعبة وهو خارج ببدنه عن موازاة الكعبة لا خلاف في أنه لا تصح صلاته.
ثم قال الزبيدي: اعلم أنه في اشتراط استقبال المصلَّى على الأرض له أحوال:
[ ١ / ٩٧٤ ]
ثم ذكر الرابع فقال: أن يصلي بمكة خارج المسجد، وإن عاين الكعبة، كمن يُصلِّي على أبي قُبيس، صلَّى إليها، ولو بنى محرابه على العيان صلَّى إليه أبدًا، ولا يحتاج في كل صلاة إلى المعاينة، وفي معنى المعايِن: من نَشأ بمكة وتيقَّن أن إصابة الكعبة وإن لم يشاهدها حال الصلاة، فإن لم يُعاين، ولا تيقَّن الإصابة فله اعتماد الأدلة والعمل بالاجتهاد إن حال بينه وبين الكعبة حائل أصلي كالجبل، وكذا إن كان الحائل طارئًا كالبناء على الأصحّ، للمشقة في تكليف المعاينة.
الشيخ: هذا واضح إذا كان خارج المسجد؛ يعني مثل البيوت المجاورة للمسجد، الاستقبال للعين قد يكون صعبًا، لا سيما إذا كانت العمارة هابطة أمامها عمارات رفيعة ما يقدر الواحد ..
الطالب: ثم قال السادس من الأحوال إذا كان بموضع لا يقين فيه، اعلم أن القادر على يقين القِبلة، لا يجوز له الاجتهاد، وفيمن استقبل حِجْر الكعبة مع تمكُّنه منها، وجهان:
الأصح بالمنع؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، بل هو مظنون.
ثم اليقين، قد يحصل بالمعاينة، وبغيرها، كالناشئ بمكة، العارف يقينًا بأمارات، وكما لا يجوز الاجتهاد مع القدرة على اليقين، لا يجوز اعتماد قول غيره.
وأما غير القادر على اليقين، فإن وجد من يخبره بالقبلة اعتمد، ولم يجتهد، ثم قد يكون الخبر صريحًا لفظه، وقد يكون دلالة كالمحراب المعتمد، وإذا لم يجد العاجز من يخبره فتارة يقدر على الاجتهاد وتارة لا يقدر، فإن قدر لزمه واستقبل ما ظنه القبلة.
ثم قال الغزالي: فإذا فهم معنى العين والجهة فأقول: الذى يصح عندنا في الفتوى أن المطلوب بالاجتهاد العين إن كانت الكعبة مما يمكن رؤيتها.
قال الزبيدي: وهو أظهر القولين، واتفق العراقيون على تصحيحه كما تقدم.
قال الغزالي: وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها بالأدلة لتعذُّر رؤيتها.
[ ١ / ٩٧٥ ]
ثم قال الزبيدي: بأن حالَ بينه وبينها حائل أصلي كالجبل أو طارئ كالبناء فيكفي استقبال الجهة، وأما طلب العين عند المشاهدة فمُجمع عليه.
قال الزبيدي: وبه قال أصحابنا الحنفية: ففي التجنيس للمرغيناني: من كان بمعاينة الكعبة فالشرط إصابة عينها، ومن لم يكن بمعاينتها فالشرط إصابة جهتها؛ وهو المختار.
والمراد باستقبال الجهة عندنا: أن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتًا للكعبة ولو لهوائها؛ لأن المقابلة إن وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بما تزول به من الانحراف لو كانت في مسافة قريبة، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت البُعد، وتبقى المسامتة مع انتقال مناسب لذلك البعد، فلو فُرِض خطّ من تلقاء وجه المستقبل للكعبة على التحقيق في بعض البلاد، وخط آخر يقطعه على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبِل أو شماله لا تزول تلك المقابلة والتوجُّه بالانتقال إلى الشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة.
ثم قال الغزالي: وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذُّر المعاينة، فيدل عليه الكتاب والسُّنة، وفِعل الصحابة ﵃، والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ..
طالب: الأبنية الحادثة ما تعتبر الأعمدة أيضًا كثيرة؟
الشيخ: العارضة هذه، البناء العارض؟ أقول: البناء العارض.
الطالب: الأعمدة ().
طالب آخر: هو بناء طارئ.
الشيخ: إي، هو بناء طارئ لا شك، لكن المهم اللي يشكل على الإنسان أنه في المسجد الحرام يقدر بدل ما يصلي بهذا يتقدم، ويصلي ويشاهِد الكعبة، ما هو مثل اللي يصلي في بيته.
طالب: () ما يقدر يا شيخ.
طالب آخر: في المواسِم يا شيخ، في الظروف العادية كل المصلين تُصلي في صحن المسجد بسهولة يعني، ولا يمكن يترك الصفوف منقطعة، ويصلي خلف الأعمدة.
طالب آخر: في الأيام العادية ممكن () زحمة.
الشيخ: ما يتمكن.
طالب: حتى لو حاول يا شيخ ما يمكن، كيف يتخطى الناس؟ ! يتخطاهم إلى أن تنتهي الصلاة ولا يصل للكعبة.
الشيخ: لا، ويؤذي أيضًا.
الطالب: ويؤذي.
[ ١ / ٩٧٦ ]
الشيخ: ويؤذي الناس.
طالب: شيخ، أقول أيضًا قياسًا على من كان خارج الحرم، وهو لا يشاهد الكعبة كمن في بيته فهذا مثله () في ذهنه وهو خارج الحرم.
طالب آخر: النووي يا شيخ في المجموع ذكر كلام بسط المسألة، قال فيه: ولو وقف الإمام بقرب الكعبة والمأمومون خلفه مستديرين بالكعبة جاز، ولو وقفوا في آخر المسجد، وامتد صف طويل جاز، وإن وقف بقربه، وامتد الصف فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة.
الشيخ: نعم، وعلى كل حال، اتفاق الآن، من أمكنه المشاهدة.
طلبة: تعيَّن عليه.
الشيخ: تعيَّن عليه بالاتفاق، ومن لم تمكنه وهو خارج المسجد لم تجب عليه بالاتفاق، كذا ولَّا لا؟ وهذا واضح، المشكلة الآن من كان في المسجد، ويمكنه أن ينتقل من مكانه ليُشاهِد الكعبة، هل يجب عليه؟ هذا محل الإشكال.
طالب: كلام النووي يا شيخ الأخير، ولو وقفوا في آخر المسجد ..
الشيخ: لا، كلام النووي الأخير معناه أنه ما هو بصف مستطيل وخارج عن مسامتة الكعبة، ما يريد هذا.
الطالب: يريد هذا يا شيخ.
الشيخ: ما يريد هكذا.
الطالب: وامتدّ صف طويل جاز، وإن وقف بقربه، وامتد الصف فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة ..
الشيخ: صحيح، الآن لو امتد الصف طرف المسجد امتد مثلًا، وليكن عشرين مترًا صحَّت صلاتهم؛ لأنهم كلهم يمكنهم اتجاههم للكعبة، لكن عشرين مترًا وهما قريبون ما يمكن.
طالب: طيب يا شيخ اللي عند الحجر يا شيخ ما يشوف.
الشيخ: طيب، نقرأ.
طالب: أليس العزم على من رأى الكعبة يا شيخ؟
الشيخ: إي، ما فيه شك إلى الآن أنا ما أجزم بشيء، أجزم بأن لم يمكنه وهو خارج المسجد واضح، ومن أمكنه ولو خارج المسجد وجب استقبال العين.
طالب: يعني يتخطى الرقاب يا شيخ؟
الشيخ: وبقينا في مسألة من كان داخل المسجد.
طالب: ويستطيع ..
الشيخ: ويستطيع، لكن استطاعة أيش؟ حسية.
طالب: ومن لم يستطع؟
الشيخ: اللي ما يستطيع مثلًا، لو كان إنسان ما يقدر يمشي؟
طالب: () الزحام يا شيخ ().
[ ١ / ٩٧٧ ]
الشيخ: على كل حال خلُّوا المسألة تكون مبنية عِلى علم.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفرض من قرُب من القبلة إصابة عينها).
أولًا: يقول: (من قرُب) ولم يحدّد القرب، وقد سبق لنا في الدرس الماضي أن المراد به مَنْ أمكنه معاينة الكعبة، هذا يجب أن يُصيب عين الكعبة بكل بدنه ولَّا ببعض بدنه؟
يقولون: بكل بدنه، فلو فُرِض أن جانب وجهه الأيمن مساويًا للكعبة؛ والجانب الأيسر خارج عن الكعبة؛ ما صح، لا بد أن يكون اتجاهه كله إلى عين الكعبة، وذلك لأنه أمكن الاتجاه عن يقين، فوجب عليه؛ ولأن الأصل وجوب الاستقبال إلى البيت الذي هو البناء، هذا هو الأصل، وليس إلى المسجد كله، وإلا لصح أن نقول: لو كان للمسجد كله لصح أن نقول: إن الذي يُصلي في الجانب الجنوبي منه مثلًا له أن يَستقبل الجانب الشمالي منه، ولو كانت الكعبة على يمينه أو على يساره، ولا أحد يقول بهذا، فالمقصود الأول هو عيْن الكعبة، فإذا أمكن وجب.
(وفرض من بعُد)؛ يعني من بعُد من الكعبة بحيث لا يمكنه المشاهدة، (إصابة الجِهة)، فما هي الجهة؟ الجهة حدَّدها النبي ﷺ فقال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (١). لما قال: «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». يريد بذلك ضد القبلة، وعلى هذا فيكون ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لأهل المدينة كله قبلة، واضح؟
طالب: ()؟
الشيخ: ما بين المشرق والمغرب كله قبلة.
طالب: أهل المدينة.
[ ١ / ٩٧٨ ]
الشيخ: أهل المدينة ما بين المشرق والمغرب، كله قبلة؛ فالجنوب كله قِبلة لهم، أعرفتم؟ ليس قبلتهم ما ساوى الكعبة فقط، لو كان ما ساوى الكعبة كم يجي؟ خلوه عشرين مترًا، لكن نحن نقول: ما بين المشرق والمغرب، الآن هذا المسجد؛ المشرق هنا، والمغرب هنا، والجنوب هنا، كل هذا، كذا، ولَّا كذا، ولَّا كذا، كله قِبلة؛ يعني سواء اتجهت إلى وسط الجنوب تمامًا أو إلى يمينه أو يساره، المهم ألا تخرج عن كونك مستقبلًا للجنوب، هذا هو استقبال الجهة، وبهذا نعرف أن الأمر واسع.
فلو رأينا شخصًا يُصلِّي منحرفًا يسيرًا عن مسامتة القبلة التي ندعي أنها هي القِبلة، فإن ذلك لا يضر؛ لأنه لم يزل متجهًا إلى القبلة، إلى الجهة؛ جهة القبلة لمن كانوا شمالًا عن الكعبة ما بين الشرق والغرب، جهة القبلة لمن كانوا شرقًا عن الكعبة ما بين الشمال والجنوب، وكذلك من كانوا غربًا ما بين الشمال والجنوب، ومن كانوا جنوبًا عن الكعبة ما بين الشرق والغرب.
فالجهات إذن أربع، هذا مقتضى الحديث، الجهات أربع، استقبل الجهة اللي فيها الكعبة، ولك كل الأفق؛ لأنه يخرج عنك ما كان اليمين والشمال، وإلا فكل الأفق لك، وهذا واسِع، والأمر فيه غير مُشكل، الْمُشكل هو من كان في نفس المسجد، ويمكنه إصابة العين، هذا هو الْمُشكل، ولَّا الباقي ما هو مشكل، فصار إصابة الجهة لمن كان بعيدًا.
طيب لو فرضنا أن واحدًا في جانب مكة، في شمال مكة، لكنه في جانب منها الجهة ولَّا لا؟
نعم، الجهة، لكن اعلموا أنه كلما قربت من الكعبة صغُرت الجهة، وهذا واضح، فإذا وصلت إلى أن تكون تحت جِدار الكعبة تكون الجهة بقَدْر بدنِك فقط؛ يعني لو تنحرف أقل انحراف صارت الكعبة إما عن يسارك أو عن يمينك، وكلما أبعدت اتسعت الجهة، وهذا أمر مُشاهَد؛ لأن النقطة الآن لو ضربتَ نُقطة وحطيت عليها دوائر تجد أنه كلما بعدت الدوائر عنها اتسعت.
[ ١ / ٩٧٩ ]
ثم قال: (فإن أخبره ثقة بيقين عمل بقوله) نقف على هذا؛ لأنه يحتاج إلى بحث.
طالب: مثال: ناس اجتهدوا في القِبلة، صلَّى بعضهم إلى جهة، ثم قيل: لو انحرفت شمالًا أو يمينًا ما ينحرف؟
الشيخ: ينحرف؛ لأن الأكمل أفضل ما فيه شك.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، التعبُّد بالنظر إلى الكعبة في الصلاة.
الشيخ: ما هو بصحيح، النظر إلى الكعبة ليس عبادة لا في الصلاة ولا خارج الصلاة.
طالب: () ينظرون؟
الشيخ: إي كغيرها، إلى موضع سجوده على قول أكثر العلماء، أو تلقاء وجهه كما هو اختيار الإمام مالك أن الإنسان ينظر تلقاء وجهه؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لأصحابه في صلاة الكسوف ().
***
طالب: قال في المحرر: وإصابة عين الكعبة فرض من قرب منها. ولم يُفرِّق بين أن يكون، ثم حائل أم لا، والذي قطع به غير واحد أنه إن كان، ثم حائل فإن كان أصليًّا كجبل، ففرضه الاجتهاد إلى عينها، وعنه إلى جهتها إن تعذَّر اليقين، وإن كان غير أصلي كالدور فلا بد من اليقين، فإن تعذَّر اجتهد.
ونقل ابن الزاغوني، وجماعة في رواية أن فرضه الاجتهاد، وهذا معنى قول بعضهم: إن كان غائبًا عن الكعبة بحيث يقدر على رؤيتها، لكنه مستتِر عنها بالمنازل والجدار، فهل فرضه يقين القبلة أو التوجُّه إليها بالاجتهاد؟ فيه روايتان؛ فإن قلنا: اليقين فأخطأ أعاد وإلَّا فلا.
قال الشيخ وجيه الدين: إن كان ممنوعًا بحائل من جبل أو أكَمة، فإنه يستخبر من على ذلك الحائل من المشاهدين، هذا إن كان الحائل من الأبنية المحدثة والجدران المستجدة؛ لأنه لو كُلِّف حكم المشاهدة لأدَّى إلى تكليفه بشيء يشق عليه.
ولأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: كمذهبنا، فلا فرق بين الحائل المحدث والأصلي، وهو ظاهر كلام الشافعي.
والثاني: تجب عليه المعاينة، وذلك اليقين في الحائل المحدث؛ لأن ذلك فرضه قبل حدوث الحائل، وحدوث الحائل لا يُغيِّر حكم الموضع، والخبر يكون عن مشاهدَة أو عن علم. انتهى كلامه.
[ ١ / ٩٨٠ ]
وقال القاضي في الجامع: أما من فرضه المعاينة كأن يكون في المسجد يُشاهِد الكعبة ويُعاينُها، وأما من فرضه الإحاطة واليقين وإن لم يُعاين، فهو كمن كان بمكة من أهلها، أو مِنْ غيرهم، لكن كثُر مقامه فيها، ولكنه من دون حائِل عن الكعبة لأمر أصلي الخلقة كالمنازل والتلول؛ لأنه يتمكن من التوجُّه إلى عينها قطعًا، وإن كان من غير حائل، وهكذا من كان بالمدينة ففرضُه الإحاطة واليقين؛ لأنه يتوجَّه إلى محراب النبي ﷺ فيُقطع على أنه متوجِّه إلى الكعبة.
وأما من فرضه الخبر فمن خفي عليه التوجه، وهناك من يُخبر عن الكعبة عن علم ويقين، وأما من فرضه التقليد، فمن خفِيت عليه الدلائل ولم يتوصل إلى القبلة بالدليل، وأما من فرضه الاجتهاد، فمن كان من مكة على مسافة لا يتوصل إلى المعاينة، ولا يتمكن من الإحاطة واليقين، ولا ممن يخبره عن إحاطة ويقين.
وأما من كان بمكة أو بالقرب منها من دون حائل عن الكعبة، فإن كان الحائل كالجبال والتلول ففرضه الاجتهاد أيضًا، وإن كان لا من أصل خلقة كالمنازل؛ ففرضه الإحاطة واليقين.
وكل من قلنا: فرضه الإحاطة أو اليقين أو الخبر عمل عليه، وكل من قلنا: فرضه الاجتهاد، فهل عليه الاجتهاد في طلب العين أو الجهة؟ على روايتين.
وذكر القاضي أن المشهور والصحيح عن الإمام أحمد أن عليه الاجتهاد في طلب الجهة، وأن علي بن سعيد قال: إنه مذهب الإمام أحمد، وكذا عند غيره من الأصحاب.
وذكر القاضي وغيره الفائدة التي ذكرها في المحرر على الروايتين، وأنه لو اختلف اجتهاد رجلين في الجهة الواحدة، لكن أحدهما يميل يمينًا، والآخر يميل شمالًا، فهل لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر؟ ينبني على ذلك.
قوله: أو من مسجد الرسول ..
الشيخ: أحسنت، فيه عمومات، ما هي بصريحة؛ إنه إذا صار حائل سواء أصلي ولَّا طارئ؛ فإن فرضه الاجتهاد، وأنه إذا اجتهد، وبان الخطأ فلا إعادة عليه، وهذا عام يشمل من كان في المسجد، ومن كان خارج المسجد.
[ ١ / ٩٨١ ]
ولكن ما ذكرتم البارحة إذا كان هناك زحام، ولا يتمكن فيجتهد ويتحرى، هذا هو الظاهر إنه يجتهد ويتحرى، وإذا أخطأ فلا إعادة عليه؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
طالب: إذا شاهدنا واحدًا في الصحن يُصلِّي إلى غير جهة الكعبة إلى غير العين، هل نقول: صلاتك باطلة وتعيد؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نوجب عليه إعادة.
الشيخ: إي، نوجب عليه إعادة؛ لأنه شاهدها.
طالب: بالنسبة () يا شيخ للآن ما ذكرنا الدليل على وجوب النظر إلى الكعبة.
الشيخ: ما فيه وجوب، النظر إلى الكعبة لا يجب بل ولا ().
***
طالب: .. المسجد الحرام.
الشيخ: حين صلَّى؟
الطالب: داخل المسجد الحرام.
أولًا: المذهب الحنفي:
تناقل فقهاء الشافعية -﵏- قولًا لأبي حنيفة بجواز التوجُّه إلى جهة الكعبة دون عينها لمن صلَّى داخل المسجد الحرام، قال الرافعي في فتح العزيز، المجلد الثالث صفحة ثنتين وعشرين بعد المئتين ما نصه:
الثانية: أن الإمام يقف خلف المقام، والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فلو استطال الصف خلفه، ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة؛ لأنهم لا يسمون مُستقبلين، وذكر صاحب التهذيب وغيره من أصحابنا أن أبا حنيفة يُصحِّح صلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة؛ لأن الجهة كافية عنده.
ثم قال: لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فصَّلوا، وقالوا: الفرض على المصلِّي استقبال القبلة وإصابة عينها إذا قدِر عليها، أو الجهة إذا لم يقدر على عينها، وهذا يدل على أنه إنما يكتفي بالجهة في حق البعيد الذي لا يقدر على إصابة العين لا مطلقًا. انتهى.
ولم أقف على رأي أبي حنيفة هذا مع البحث في كثير من كتب الحنفية، بل جاء في الفتاوى الهندية تبعًا لفتاوى قاضي خان: اتفقوا -أي الحنفية- على أن القبلة في حق من كان بمكة عينُ الكعبة فيلزمه التوجه إليها.
[ ١ / ٩٨٢ ]
وفي الدراية كما في البناية: من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأبنية، فالأصح أن حكمه حكم الغائب، ولو كان الحائل أصليًّا كالجبل، فله أن يجتهد، والأولى أن يصعد على الجبل حتى تكون صلاته إلى الكعبة يقينًا.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح الهداية كفتح القدير لابن الهمام، والعناية للبابرتي، والبناية للزيلعي، وفي بدائع الصنائع وأحكام القرآن للجصاص، وحاشية ابن عابدين وغيرها من كتبهم.
ثانيًا: مذهب المالكية:
قال القرطبي -﵀- في الجامع لأحكام القرآن، المجلد الثاني صفحة ستين بعد المئة: لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قِبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى. ذكره أبو عمر.
وقال القرافي: من قرب من الكعبة ففرضه استقبال السمت قولًا واحدًا، فإذا صَفَّ صَفٌّ مع حائط الكعبة فصلاة الخارج عنها ببدنه أو بعضه باطلة.
وقال في منح الجليل: استقبال عين الكعبة وما في حكمها مما يمكن فيه استقبال عينها يقينًا كالجبال المحيطة بها والأودية والطرق القريبة منها، فلا يكفيهم استقبال جهتها، ولا الاجتهاد في استقبال عينها.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح مختصر الخليل كمواهب الجليل، والتاج والإكليل، والشرح الكبير، والشرح الصغير، وكذا في شروح رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
ثالثًا: المذهب الشافعي:
قال الرافعي في فتح العزيز: أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه استقبال عين الكعبة؛ لأنه قادر عليه.
وفي تحفة الحبيب على شرح الخطيب: ولو امتد صَفٌّ طويل بقرب الكعبة -أي ولو بأخريات المسجد- وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته.
[ ١ / ٩٨٣ ]
وقال المحلي في شرح المنهاج: ومن أمكنه عِلم القبلة ولا حائل بينه وبينها كأن كان في المسجد أو على جبل أبي قبيس، أو سطح، وشك فيها لظلمة أو غيرها حرُم عليه التقليد؛ أي الأخذ بقول المجتهد بأن يعمل به فيها، (والاجتهاد)؛ أي العمل به فيها لسهولة علمها في ذلك، وكذلك ورد معنى ما تقدم في روضة الطالبين.
رابعًا: المذهب الحنبلي:
قال الموفق -رحمه الله تعالى- في المغني: قال بعض أصحابنا: الناس في استقبالها على أربعة أضرُب: منهم من يلزمه اليقين، وهو من كان معاينًا للكعبة، أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئًا بها من وراء حائل محدث كالحيطان، ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقينًا.
وقال المرداوي في الإنصاف والفرض في القبلة: إصابة العين لمن قرب منها بلا نِزاع.
ثم قال: المراد بقوله: لمن قرب منها: المشاهد لها، ومن كان يمكنه من أهلها، أو نشأ بها من وراء حائل محدث، كالجدران ونحوها، فلو تعذَّر إصابة العين لقريب، كمن هو خلف جبل ونحوه، فالصحيح من المذهب: أنه يجتهد إلى عينها، وعنه إلى جهتها.
وذكر جماعة من الأصحاب: إن تعذر إصابة العين للقريب فحُكمه حُكم البعيد، وقال في الواضح: إن قدر على الرؤية، إلا أنه مستتر بمنزل أو غيره، فهو كمشاهِد، وفي رواية: كبعيد.
وقال الشيخ عثمان بن قائد في دقائقه وحواشيه على المنتهى وبخطه على قوله: إلا إن تعذر. كالمصلِّي خلف أبي قبيس بخلاف من صلَّى داخل المسجد الحرام أو على سطحه أو خارجه، وأمكنه ذلك بنظره أو علمه، أو خبر عالم، إلى آخره.
وفي معنى ما تقدم ورد في شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وشرح المنتهى لابن النجار والفروع، وكشاف القناع وغيرها، والله أعلم.
الشيخ: خلاص، ما راجعت ابن حزم.
الطالب: ما تعرض لها.
[ ١ / ٩٨٤ ]
الشيخ: ما تعرَّض لها، وهذا كلهم اتفقوا على أنه إذا كان يمكنه مشاهدة الكعبة؛ فالواجب أن يتجه إلى عين الكعبة إلا ما نُقل عن الحنفية، والغريب أن ما نُقل عن الحنفية نُقل عن كتبهم خلاف ذلك.
طالب: في كتب الشافعية.
الشيخ: غريب، إي، أحسنت على كل حال.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن أخبره ثقة بيقين، أو وجد محاريب إسلامية عَمِل بها، ويُستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما، وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا في جهة لم يتبع أحدهما الآخر، ويتبع المقلد أوثقهما عنده، ومن صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن من شروط الصلاة استقبال القبلة، فما هو دليله؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ﴾.
الطالب: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: يُستثنى من ذلك مسائل؟
طالب: العاجز، والمتنفل الرَّاكب في سفر، الراكب ليس بشرط، لكن في سفر؛ سائر، ومنها أيضًا الماشي على قول.
الشيخ: ويش بعد؟
الطالب: ومنها: في شدة الخوف.
الشيخ: وشدة الخوف، كم هذه؟
طالب: أربع.
الشيخ: أربعة ولا ثلاثة؟
الطالب: أربعة باعتبار ..
الشيخ: أعِدْها.
الطالب: العاجز.
الشيخ: العاجز، والخائف، والمتنفِّل في سفر وهو سائر بشروطه، أو المتنفل في سفر بشروطه، ما هو الدليل على استنثناء العاجز؟
طالب: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: لا.
[ ١ / ٩٨٥ ]
طالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
الشيخ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]
طيب، الدليل على استثناء الخائف؟
طالب: قوله تعالى في صلاة الخوف.
الشيخ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾.
الطالب: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩].
الشيخ: طيب الدليل على استثناء المتنفِّل في السفر؟
طالب: فعل النبي ﷺ؛ فإنه كان يتنفَّل حيثما توجَّهت به راحلته (٢).
الشيخ: نعم، أحسنت. إذا كان الإنسان يمكنه أن يشاهد الكعبة، فما فرضه؟
طالب: إصابة عينها.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ طيب ﴿الْمَسْجِدِ﴾ غير الكعبة؟
طالب: يمكن يُقال: إجماع العلماء.
الشيخ: نعم.
طالب: النبي ﷺ لما خرج من الكعبة قال: «هَذِهِ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (٣).
الشيخ: قال عن الكعبة هي: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»، ثم قوله أيضًا يمكن أن نستنبط من قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أن المراد جهة المسجد، وهي الكعبة في المسجد، فمن ولَّى وجهه الكعبة فقد ولَّى وجهه ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال المؤلف: (فإن أخبره ثقة بيقين أو وجد محاريب إسلامية عمِل بها)؛ يعني بماذا يستدل على القبلة؟ يستدل على القبلة بمشاهدتها إذا شاهدها، وهذا واضح، ثانيًا: بخبر ثقة، لكن عن يقين (أخبره ثقة بيقين) بأن قال إنسان ثقة رجل أو امرأة: هذه هي القبلة.
[ ١ / ٩٨٦ ]
أفادنا المؤلف ﵀: أن إخبار الثقة لا بد فيه من أن يكون المخبِر ثقة، والثقة تستلزم العدالة والخبرة، فإن لم يكن عدلًا فليس بثقة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فأوجب الله ﷾ أن نتبين، وأن نتثبت في خبر الفاسق، ولم يُوجب رده مطلقًا ولا قبوله مطلقًا.
إذن إذا قال لنا إنسان فاسق: القبلة هنا، وإن كان ذا خبرة؛ فإننا لا نعمل بقوله؛ لأنه ليس بعدل، كذلك إذا قال لنا إنسان عدل -نعرفه أنه عدل ظاهرًا وباطنًا، صاحب عبادة وزهد وورع- قال: هذه هي القبلة، لكنه ليس ذا خبرة؛ فإنه ليس بثقة، إذن لا بد في الثقة من العدالة والخبرة، لا بد أن يكون عدلًا، وأن يكون ذا خبرة.
وأفادنا المؤلف أن (أخبره ثقة) أنه لا يشترط التعدد؛ يعني لا يُشترط أن يُخبره ثقتان، وهذا بخلاف الشهادة؛ لأن هذا خبر ديني فاكتُفِي فيه بقول الواحد، كما نعمل بقول المؤذن في دخول الوقت بدون أن يتعدد المؤذنون.
وأفادنا أيضًا قوله: (ثِقة) أنه لو كان المخبِر امرأة يُوثق بقولها لكونها عدلة وذات خبرة فإننا نأخذ بقولها، والعلة في ذلك أن هذا خبر ديني، فيُقبل فيه قول الواحد كالرواية كما أننا نقبل رواية المرأة إذا كانت عدلًا حافظة كذلك نقبل قولها هنا؛ لأن هذا من باب الأخبار الدينية التي يبعد فيها الكذب إذا كان المخبِر بها ثقة.
وقول المؤلف: (بيقين) يعني بأن أخبره عن مشاهدة، أفادنا أنه لو أخبره الثقة عن اجتهاد؛ فإنه لا يعمل بقوله مثل: لو كان جماعة في سفر، كلهم لا يعرفون القِبلة، ولا يستطيعون الاجتهاد إلى جِهتها، لكن فيه واحد منهم يعرف ذلك عن اجتهاد، فظاهر كلام المؤلف أننا لا نأخذ بقوله، ولكن هذا فيه نظر.
[ ١ / ٩٨٧ ]
والصواب: أنه إذا أخبره ثقة -سواء أخبره عن يقين أو عن اجتهاد- فإنه يعمل بقوله كما أننا نعمل بقول الثقة بالاجتهاد في مسائل الدين الحلال والحرام والواجب، فكيف لا نعمل به في إخباره بالقبلة؟
فالصواب أنه إذا أخبره الثقة -سواء كان إخباره صادرًا عن يقين أو صادرًا عن اجتهاد- فإنه يجب عليه العمل بقوله.
الثاني مما يُستدل به على القبلة قال: (أو وجد محاريب إسلامية) فإنه يعمل بها؛ يعني هو لا يعرف القبلة لا عن يقين، ولا عن اجتهاد، لكن وجد المحاريب الإسلامية في المساجد متجهة إلى جهة ما؛ فإنه يستدل بالمحاريب الإسلامية على جهة القبلة، وهذا أمر معلوم.
وقوله: (محاريب إسلامية) يُفهم منه أن المسلمين ما زالوا يستعملون المحاريب، وأن لهم محاريب خاصة تتميز عن محاريب النصارى وغيرهم وهو كذلك.
وقد اختلف العلماء -﵏- في اتخاذ المحراب؛ هل هو سُنَّة، أو مستحب، أو مُباح، والصحيح أنه مُستحب؛ يعني لم ترد به السنة، لكن النصوص الشرعية تدل على استحبابه لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها تعليم الجاهل بماذا؟ بالقبلة.
وأما ما رُوي عن النبي ﵊ من النهي عن مذابح كمذابح النصارى (٤)؛ يعني المحاريب، فهذا النهي واضح؛ أنه وارد على ما إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا اتخذت محاريب متميزة للمسلمين، فإن هذا لا نهي عنه.
[ ١ / ٩٨٨ ]
قال: (أو وجد محاريب إسلامية عمل بها) عُلِم من كلامه أنه لو وجد محاريب غير إسلامية لم يعمل بها، لماذا؟ لأنه لا يوثق ببنائهم كما لا يُوثق بقولهم في مسائل الدين، وإلا لكان يُمكن أن يُقال: إن المعروف عند غير المسلمين من أهل الكتاب أنهم يتجهون إلى بيت أيش؟ بيت المقدس، فإذا وجدنا محاريب لهم متجهة إلى بيت المقدس، ونحن مثلًا في جهة بين بيت المقدس وبين الكعبة عرفنا أن القبلة خلاف محاريبهم، لكننا لا نثق بمحاريبهم؛ لأننا نخشى أن يكونوا قد بدَّلوا أو غيَّروا؛ فلهذا قيد المؤلف هذا بقوله: (أو وجد محاريب إسلامية). قال الشارح: (لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها؛ حيث علمها للمسلمين).
الثالث: مما يُستدل به على القبلة، قال: (ويُستدل عليها بالقطب)، هذا دليل آفاقي؛ أي: دليل في الأفق.
القطب، فما هو القطب؟
القطب: هو الشيء الذي تدور عليه الأشياء، وهو أصل الشيء، والقطب هذا نَجْم خفي من جهة الشمال الشرقي بالنسبة لنا هنا في القصيم خفي جدًّا، قال العلماء: لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر، إذا كانت السماء صافية، لكن له جار بيِّن واضح يُستدل به عليه وهو (الْجَدْي)، فإن (الْجَدْي) قريب منه؛ ولهذا يظن بعض الناس أن (الجَدْي) ثابت لا يتغيّر، وليس كذلك، بل (الجَدْي) يتحرَّك يسيرًا، لكن لِقُربه من القطب لا تتبيَّن حركته، أما القطب نفسه فإنه لا يتحرك ولا يتغيَّر، كقطب الرَّحا، وأنتم تعلمون الآن الرحا إذا دارت ما كان حول قطبها؛ فإن دورانه يسير خفيًّا جدًّا، وكلما قرب كان أخفى، والبعيد تكون دورته واسعة بيِّنة، هكذا النجوم على القطب، ما كان قريبًا منه فدورته يسيرة جدًّا؛ حتى إن بعض الناس يظن أنه لا يدور، وما كان بعيدًا فإنه يدور دورانًا كبيرًا.
[ ١ / ٩٨٩ ]
وأضرب لكم مثلًا ببنات نعش الكبرى والصغرى، هي سبع نجوم كبيرة، وسبع نجوم صغيرة؛ بنات نعش الصغرى في أحد طرفيها (الجَدْي)، وفي الآخر (الفَرْقَدان) الذي قال فيهما الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفَرْقَدَا السَّمَاءِ لَنْ يَفْتَرِقَا
هذه سبعة نجوم، طرفها (الجدي)، وطرفها الثاني (الفرقدان)، هذه لا تغيب أبدًا، لا تغيب عنَّا، نشاهدها وهي تدور، أحيانًا تكون (الفرقدان) في الجنوب، و(الجَدْي) في الشمال، وأحيانًا يكون (الجَدْي) في الجنوب، و(الفرقدان) في الشمال لا تغيب، أما بنات نعْش الكبرى فإنها تغيب؛ لكن لا تكاد تمضي ساعة أو ساعة ونصف إلا وقد طلع أولها من الشرق بعد أن يغيب آخرها من الغرب؛ لأن المسافة ما هي بعيدة.
على كل حال يُستدل على القبلة بالقطب، سواء كنت في البر أو في البلد، ولكن يحتاج إلى معرفة القطب ما هو، أنا أخشى أن بعض الناس يظن أن القطب سهيل، وسهيل هو في؟
طالب: الجنوب.
الشيخ: في الجنوب، لكن القطب في الشمال؛ وهو نجم خفي -كما قال صاحب الإقناع وغيره- لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر في الليالي الصافية.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على الاستدلال على القبلة بالقطب؟
قيل: الدليل قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، فإن الله ﷾ أطلق الاهتداء بالنجم؛ فالنجم يُهتدى به على الجهات لكل غرض.
الشمس والقمر أيضًا يُستدل بهما على القِبلة؛ لأن الشمس والقمر كلاهما يخرج من المشرق ويغرب في المغرب، فإذا كنت عن الكعبة غربًا فالقبلة شرقًا، وإذا كنت عن الكعبة شرقًا، فالقبلة غربًا، وإذا كنت عن الكعبة شمالًا فالقبلة جنوبًا، وإذا كنت عن الكعبة جنوبًا فالقبلة شمالًا، «وَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» (٥)، كما قال النبي ﵊، وذلك لأهل المدينة ومن ضاهاهم.
[ ١ / ٩٩٠ ]
(بالشمس والقمر ومنازلهما) منازل الشمس والقمر هي منازل النجوم الصيفية والشتوية، وهي ثمان وعشرون منزلة ينزلها القمر، كل ليلة له منزلة منها، وليلتان أو ليلة واحدة يكون محاقًا أو مستترًا لا يُرى؛ ولهذا تُسمى ليلة التاسع والعشرين والثلاثين، أو الثماني والعشرين والتاسع والعشرين تسمى ليالي الاستسرار؛ يعني أن القمر يَستتر فيها ولا يُرى.
الثماني والعشرون منزلة، هذه تنزلها الشمس على مدى سنة كاملة، أما القمر فيطوف بها في خلال شهر، يطوف بها في السنة اثنتي عشرة مرة، أما الشمس فتطوف بها في السنة مرة واحدة.
كيف نستدل بمنازلهما؟
ننظر مثلًا إلى النجوم الشمالية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين، والنجوم الجنوبية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين؛ فالجنوبية من جهة الجنوب، والشمالية من جهة الشمال، لكن هذه لا يعرفها إلا من تمرَّس وصار في البر، وليس حوله أنوار من الكهرباء بحيث يعرف هذه النجوم، والذين يعرفونها يستطيعون أن يحكموا على الليل والنهار بالساعات، بل بأقل من الساعات، يقولون مثلًا: الآن راح من الليل نصفه، راح ربعه، راح ثمنه، راح عُشْره؛ يستدلون على ذلك بهذه المنازل.
قال: (بالشمس والقمر ومنازلهما)، فصار الذي يُستدل به على القِبلة: المشاهَدة، وخبر الثقة بيقين، والثالث: القطب، والمحاريب الإسلامية، والشمس والقمر ومنازلهما.
بعض العلماء قال: يُستدل أيضًا بالجبال الكبار، وبعضهم قال: يُستدل أيضًا بالأنهار الكبار ومصابها،
وبعضهم قال: يُستدل بالرياح.
لكن هذه الثلاثة دلالتها خفية، ولهذا أغفلها المؤلف -﵀- ولم يذكرها؛ فإن من الناس من يكون عنده قوة إحساس؛ بحيث يقول لك: الهواء جنوب، لو كان أعمى، الهواء شمال، الهواء شرق، الهواء غرب، ويستدل بالرياح على الجهات.
[ ١ / ٩٩١ ]
في زمننا هذا جاء الله ﷾ بالآلات الدقيقة التي يُستدل بها على جهة القبلة، بل إنني سمعت أنه يُوجد آلات يُستدل بها على عين القبلة؛ لأنهم يقولون: إن الكعبة هي مركز الكرة الأرضية، وأنهم الآن توصَّلوا إلى آلات دقيقة يكون اتجاهها دائمًا إلى مركز الأرض وهو وسطها، وهذا هو الكعبة، لكنني ما عثرت عليها حق اليقين، إنما هذا مشتهر.
قال: (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة).
قوله: (إن اجتهد مجتهدان)، أفادنا المؤلف بأن القبلة يكون فيها مجتهد، فمن المجتهد في جهة القبلة؟
المجتهد في جهة القبلة هو الذي يعرف أدلتها، كما أن المجتهد في أبواب العلم هو الذي يعرف أدلة العلم، الناس بالنسبة للقِبْلة؛ إما مجتهد، يعرف كيف يستدل بأدلتها، وإما مُقلِّد لا يعرف ولا يدري،
المقلّد ما فرضه؟
طالب: التقليد.
الشيخ: التقليد، لكن سبق أنه لا بد أن يكون المقلد يُخبر عن يقين على المذهب، والصحيح: أنه يُقلَّد؛ سواء كان يخبر عن يقين أو عن اجتهاد، المجتهد هو الذي يمكنه معرفة القبلة بأدلتها.
(اجتهد مجتهدان) مثال ذلك: رجلان في البر حان وقت الصلاة فاجتهدا، فقال أحدهما: القِبلة هنا من اليمين، وقال الثاني: القبلة هنا من اليسار، أيهما أصوب؟ كِلاهما مجتهد إذا اختلفا (جهة لم يتبع أحدهما الآخر).
إن اختلفا (جهة)؛ لأن اختلاف المجتهدين إما أن يكون في جهة واحدة، وإما أن يكون في جهتين؛ مثاله في الجهتين أن يقول أحدهما: القبلة هنا؛ ويشير إلى الشمال، والثاني قال: القِبلة هنا؛ ويشير إلى الجنوب، هذان اختلفا جهة، ولا يمكن أن يتبع أحدهما الآخر.
[ ١ / ٩٩٢ ]
إذا اختلفا في غير الجهة؛ بمعنى أن الجهة واحدة، فهنا لا بأس أن يتبع أحدهما الآخر، لماذا؟ لأن الانحراف في الجهة لا يضر، ولا يُخلّ بالصلاة، فصار المجتهِدان إذا اختلفا في الجهة؛ بمعنى أن كل واحد منهما قال: إن القِبلة في جهة غير جهة الآخر، فإن أحدهما لا يتبع الآخر؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، وإلا فقد اتفقا على أن القِبلة شرط ولا بد.
أما إذا اختلفا في غير الجهة بأن اختلفا في الانحراف في جهة واحدة، فهنا لا بأس أن يتبع أحدهما الآخر مثل أن يتجها إلى الجنوب، لكن أحدهما يميل إلى الغرب، والثاني يميل إلى الشرق؛ فالجهة هنا واحدة.
نقول: لا بأس للذي يميل إلى الغرب أن يتبع الذي يميل إلى الشرق، ويميل معه إلى الشرق، أو نقول للذي يميل إلى الشرق: مِلْ إلى الغرب، واتبع الذي يميل إلى الغرب؛ لأنك إذا فعلت ذلك لم تبطل صلاتك بخلاف ما إذا اختلفا جهة، أحدهما يقول: هنا يعني المشرق، والثاني يقول: هنا يعني المغرب، فهنا لا يتبع أحدهما الآخر.
يقول: (لم يتبع أحدهما الآخر)، ما المراد بالاتباع هنا؟ يعني في القِبلة، لا يجوز أن يتبع أحدهما الآخر؛ حتى لو كان أعلمَ منه وأعرفَ، ما دام قد نازَعه وخالفه، فإن كان الإنسان حين اجتهد واجتهد الآخر الذي هو أعلم منه صار عنده تردُّد في اجتهاده، وغلبة ظن في اجتهاد صاحبه. فعلى المذهب لا يتبعه؛ لماذا؟ لأنهم يقولون: لا بد أن يكون خبر ثقة عن يقين.
ولكن الصحيح: أنه يتبعه؛ لأنه لما تردد في اجتهاده بطل اجتهاده، ولما غلب على ظنه صحة اجتهاد صاحبه وجب عليه أن يتبع ما هو أحْرى، وقد قال النبي ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَيْهِ» (٦)، وهذا دليل على أن من كان عنده غلبة ظن في أمر من أمور العبادة فإنه يتبع غلبة الظن.
[ ١ / ٩٩٣ ]
وهذا أيضًا له أصل في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا استطاعته.
ثانيًا: (لم يتبع أحدهما الآخر) أي: في متابعة الائتمام، فلا يأتمّ به؛ لماذا؟ لأن كل واحد منهما يعتقد أن هذا أخطأ القِبلة، وللتضادّ، كيف التضاد؟ إذا كان الإمام يرى أن القبلة جنوب، والمأموم يرى أن القبلة شمال، أين يتجه الإمام؟
طلبة: إلى الجنوب.
الشيخ: إلى الجنوب، والمأموم؟
طلبة: إلى الشمال.
الشيخ: إلى الشمال، صار المأموم قد استدبر الإمام؛ هذا تضاد، إذا ركع الإمام إلى الجنوب ركع ذاك إلى الشمال، هذه مخالفة تضاد، والمقصود من الجماعة هي الائتلاف.
وقال بعض أهل العلم: بل يجوز أن يتبعه، وإذا كانت الصلاة صلاة جماعة واجبة وجب أن يتبعه، ويأتم به؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر بالنسبة لاجتهاده، وصوابه بالنسبة لاجتهاد نفسه، واضح؟
أنا أعتقد أن الإمام مخطئ لما اتجه إلى الجنوب باعتقادي أنا، لكن باجتهاده هو أعتقد أنه مُصيب، وأنه لو تابعني لبطلت صلاته.
قالوا: ونظير ذلك لو أن رجلين أكلَا من لحم إبل؛ أحدهما: يعتقد أن لحم الإبل ناقِض، والثاني: يعتقد أن لحم الإبل غير ناقض، فائتم أحدهما بالآخر، فهنا أحدهما يعتقد بُطلان صلاة الآخر، ومع ذلك يجوز أن يأتم أحدهما بالآخر، يجوز، قالوا: فهذا مثل هذا، واعتقاد الخطأ في الحكم كاعتقاد الخطأ في الحال، الذي خالفني في القِبلة قد اتفقت معه على الحكم؛ وأن استقبال القبلة شرط، لكن اختلفنا في أيش؟ في الحال، أنا أعتقد أن هذه هي القبلة، وهو يعتقد أن القبلة مخالفة لذلك، فلا فرق بين أن أعتقد أن هذا اللحم ناقِض الوضوء، وهو يعتقد أنه ليس بناقض.
وهذا القول أقرب، وهو جواز اتباع أحدهما الآخر مع اختلافهما في جهة الكعبة أو القبلة.
[ ١ / ٩٩٤ ]
بقي عندنا إذا كان هناك ثالث ليس بمجتهد؛ يعني لدينا رجلان اجتهدا في القبلة، فقال أحدهما: القِبلة هنا، وأشار إلى ناحية، وقال الثاني: القبلة هنا، وأشار إلى ناحية مخالفة، وعندهما رجل ثالث، فمن يتبع؟
قال المؤلف: (ويتبع المقلّد أوثقَهُما عنده) إذا قال: والله اختلف فلان وفلان، من أتبع؟ قلنا: مَن الأوثق عندك؟ قال: فلان. نقول: اتبعه، فإن اتبع غير الأوثق مع وجود الأوثق فصلاته باطلة؛ لأنه يعتقد بطلانها ويكون كالمتلاعِب في صلاته ().
***
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فمن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وَجَد من يُقَلِّده، ويجتهد العارف بأدلة القِبلة لكل صلاة، ويُصلِّي بالثاني، ولا يقضي ما صَلَّى بالأول.
ومنها: النية، فيجب أن ينوي عين صلاة معينة، ولا يُشترط في الفرض والأداء والقضاء والنَّفل والإعادة نيتهن، وينوي مع التحريمة وله ..).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بماذا يستدل على القِبلة؟
طالب: إن أخبره الثقة، والثاني: () المحاريب الإسلامية.
الشيخ: والمحاريب الإسلامية.
الطالب: وبالقطب.
الشيخ: القطب، ويش بعد؟
الطالب: وبالرياح.
الشيخ: لا؛ لأن الرياح والجبال ضعيفة، لكن غيره؟
طالب: الوسائل الجديدة.
الشيخ: لا، خلِّ هذه.
طالب: الشمس والقمر ومنازلهما.
الشيخ: الشمس والقمر ومنازلهما، فيه شيء؟
طالب: المشاهَدة.
الشيخ: لا، المشاهدة فرضها استقبال العين.
الطالب: ().
الشيخ: اختلف رَجلان في جهة القبلة؛ أحدهما يقول: يمينًا، والثاني يقول: شمالًا؟
طالب: لا يتبع أحدهما الثاني.
الشيخ: ولو كان أعلم منه؟
الطالب: ولو كان أعلم منه؛ لأنه يرى خطأ الآخر.
الشيخ: هل يقتدي أحدهما بالآخر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما يكون إمامًا له؟
الطالب: لا يقتدي واحد بالآخر؛ لأن كل واحد يظن بالآخر بالخطأ، فكيف يقتدي؟
[ ١ / ٩٩٥ ]
الشيخ: لكن لو قال: صلِّ أنت وأنا أصلي، أنت إمامي وأنا مأموم، يصلح؟
الطالب: يعني واحد بمقلد؟
الشيخ: لا.
الطالب: كلاهما مجتهدان.
الشيخ: كلاهما مجتهدان؛ أحدهما قال: القبلة هنا، والثاني قال: القبلة هناك؟
الطالب: لا يقتدِي بالآخر.
الشيخ: لا يكون إمامًا له؟
الطالب: لا.
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: ().
الشيخ: صحيح، نعم.
طالب: أنه إذا كان رجل قبلته الشمال، ورجل قبلته الجنوب ليس لأحدهما () خلف الآخر ().
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن إنما جعلت الإمامة للمتابعة في حركات الصلاة، فإذا اختلفا واحد واثنان، وتعارضت القبلتان اختلت الحكمة من الائتمام في الصلاة.
طالب: ().
الشيخ: ما فهمت؛ يعني يجوز أن يكون إمامًا له؛ أحدهما يتجه إلى الجنوب، والثاني للشمال؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٧)، وهذا الحديث عام ().
الشيخ: يعني؟
طالب: ().
الشيخ: طيب.
طالب: وأيضًا للتضاد.
الشيخ: إي، للتضاد في الواقع، كيف تتحقق المتابعة واحد يروح شمال، وواحد يروح جنوب؟ !
لو أن أحد رَجُلين مسَّ أحدُهما ذَكَره والآخر أكَل لحم إبل، وكان الذي مسَّ ذَكَره يرى أن لحم الإبل ناقض دون مس الذكر، وكان الذي أكل اللحم يرى أن مَسَّ الذَّكَر ناقض دون أكل اللحم، هل يقتدي أحدهما بالآخر يكون إمامًا له؟
طالب: نعم، يا شيخ؛ لأنه باعتقاده هو أنه مخطئ.
الشيخ: أليس كل واحد منهما يعتقد أن صلاة الآخر باطلة؟
الطالب: في اعتقاده هو أنه صلاته باطلة، لكن الأوْلى أنه يتبعه.
الشيخ: لكن باعتقاد صاحبه صلاته؟
الطالب: صلاته صحيحة.
[ ١ / ٩٩٦ ]
الشيخ: صحيحة، ولهذا ذهب الموفق إلى أنه في مسألة القبلة يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر قال: لأن كل واحد منهما يعتقد أن صلاة الآخر باطلة باعتقاده هو لا باعتقاد صاحبه، وما قاله الموفَّق جيد، لكنه يُشكل عليه مسألة التضاد، «وَإِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٧)، وهذا في الحقيقة مضاد له على الخط؛ الشكل والهيئة؛ الهيئة ربما يوافقه، لكن الشكل إذا قال هذا: الله أكبر، وانحنى نحو الشمال قال الثاني: الله أكبر، وانحنى نحو الجنوب، كأنما يبعد عنه، فالمذهب كأنه -والله أعلم- أقرب إلى الصواب في هذا.
إذا كان هناك مقلِّد من يتبع؟ اختلف اجتهاد الرجلين عنده، فمن يتبع؟
طالب: من يثق به؛ بأحدهما.
الشيخ: أيهما؟
الطالب: أقول: اللي يثق به ().
الشيخ: كلهم يثق بهم، نعم؟
طالب: ().
الشيخ: الأوثق، فإن كانا سواء عنده؟
الطالب: يرجّح.
الشيخ: ما عنده ترجيح.
طالب: يخير بينهما.
الشيخ: يخير بينهما، صح، كالعامي إذا أفتاه رجلان، ورأى أنهما في العِلم سواء، وفي الأمانة سواء فإنه يُخيَّر.
***
قال المؤلف ﵀: (ومن صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده).
(من صلَّى بغير اجتهاد) إن كان يحسنه، (ولا تقليد) إن كان لا يحسنه فإنه يقضي؛ لأنه لم يأتِ بما يجب عليه، فكان بذلك مُفرِّطًا؛ فوجب عليه القضاء؛ مثال ذلك: رجل يُحسن الاجتهاد، ويعرف دلائل القبلة بالقطب، أو الشمس، أو القمر، ولكنه متهاون، قام وصلَّى بغير اجتهاد؛ فإنه يجب عليه القضاء.
وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي ولو أصاب؛ وذلك لأنه لم يقُم بالواجب عليه من الاجتهاد، وإصابته وقعت على سبيل الصدفة لا على سبيل الركون إلى هذه الجهة؛ لأنه لم يجتهد، أعرفتم؟
ولهذا قال المؤلف: (قضى) كذلك لو كان الرجل ليس من أهل الاجتهاد، ففرضه التقليد، ولكنه لم يقلد، ما سأل أحدًا، لم يسأل أحدًا من الناس، وصلَّى هكذا، فإنه يقضي ولو أصاب، لماذا؟
[ ١ / ٩٩٧ ]
لأنه ترك ما يجب عليه؛ إذ الواجب عليه أن يعرف أن هذه هي القبلة، إما باجتهاد إن كان يحسنه أو بتقليد إذا كان لا يحسنه، أما أن يقوم ويصلِّي هكذا؛ فهذا لا يجزئه، وهذه الأخيرة تقع كثيرًا، يأتي رجل إلى شخص ضيفًا عنده، ثم يقوم يصلي، ولا يسأل صاحب البيت أين القبلة؟ فيصلي هكذا، ليس أمامه شيء يجتهد فيه، بل وليس هو من أهل الاجتهاد الذين يعرفون القبلة بالشمس والقمر، فقام وصلَّى هكذا، فنقول له: يجب عليك أن تعيد الصلاة ولو أصبت؛ لأنك لم تأتِ بالواجب؛ فأنت لم تجتهد؛ يعني ما خرجت من الحجرة لتنظر أين الشمس، أين القمر، أين القطب؟ ولم تسأل صاحب البيت، فلم تأتِ بما يجب عليك من الاجتهاد ولا من التقليد؛ فيجب عليه أن يقضي ولو أصاب.
إذن ما الواجب على هذا الضيف إذا أراد أن يصلي؟ أن يسأل صاحب البيت؛ لأن صاحب البيت عنده علم بالقبلة.
وقال بعض العلماء: إنه إذا أصاب أجزأ؛ لأنه مهما كان سواء كان عنده اجتهاد أو تقليد؛ فإنه لن يُصلِّي إلا إلى جهة تطمئن إليها نفسه، فإذا أصاب، فلماذا نُلزمه بالقضاء؟
وهذا القول أصح؛ لأنه حتى وإن كان لم يجتهد، ولم يَسأل لا يمكن أن يُصلي إلا إلى جهة تطمئن إليها نفسه، فيقول: والله أنا ظننت أن هذه القبلة، نقول: إن أخطأ وجَبَت عليه الإعادة؛ لأنه لم يأتِ بما يجب عليه من السؤال ولا من الاجتهاد، وإن أصاب فقد أصاب، وليس عليه إعادة، وهذا القول هو الأرجح، وهو المتعيّن، أما إذا أخطأ فالأمر ظاهر؟
هل الْحَضَر محل للاجتهاد أو لا؟
الجواب: أما المذهب فليس محلًّا للاجتهاد، وأظنه مر علينا في كلام المؤلف قال: (يُستدل عليها في السفر بالقطب)، فعند الأصحاب -﵏- أن الحضر ليس محلًّا للاجتهاد، ولا ريب أن هذا القول ضعيف.
[ ١ / ٩٩٨ ]
والصواب: أن الحضر والسفر كلاهما مَحَلّ للاجتهاد، فإن الإنسان في الحضر قد يصعد إلى السطح في الليل، وينظر إلى القطب، ويستدل به، وفي النهار ينظر إلى الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، والعلامات التي في السفر هي علامات في الحضر.
وأما قولهم: إنه لا اجتهاد في الحضر؛ لأنه يستدل على ذلك بخبر أهل البلد وبالمحاريب الإسلامية، فنقول: إذا كان من أهل الاجتهاد فلا مانع.
فالصواب أنه إذا اجتهد في الحضر؛ فإنه تصح صلاته، إن أصاب فالأمر ظاهر، وإن لم يُصِب فإنه اجتهد وأخطأ وله أجر.
الخلاصة: المذهب في هذه المسألة يُشدِّدون جدًّا يقول: (من صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى ولو أصاب)، والصحيح أنه إن أصاب لا يقضي؛ لأنه لا بد أن تركن نفسه إلى الجهة التي اتجه إليها، فإن أخطأ وجبت عليه الإعادة، أما إذا اجتهد وأخطأ فإنه لا إعادة عليه؛ يعني إذا اجتهد لا إعادة عليه مطلقًا؛ سواء أصاب أم لم يُصِب؛ لأن هذا الرجل فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فقد اتقى الله ما استطاع، ومن اتقى الله ما استطاع فليس عليه أن يُصلِّي مرتين؛ لأن الله لم يُوجِب على عباده أن يُصلوا مرتين، هذا صلَّى حسب ما أُمِر فصحَّت صلاته.
إذا كان من غير أهل الاجتهاد في الحضر، واستند إلى قول صاحب البيت، وتبيَّن أن قول صاحب البيت خطأ، فهل يعيد؟
طلبة: لا يعيد.
الشيخ: المذهب أنه يُعيد؛ لأنه سبق أنه لا بد أن يستند إلى قول: (ثِقة بيقين).
والصحيح: أنه لا يُعيد؛ لأن هذا الإنسان اعتمد على خبر ثقة، ففعل ما يجب عليه، وكما قلنا قبل قليل: من فعل ما يجب عليه فإنه لا إعادة عليه، ولا يمكن أن نلزمه بأن يفعل الصلاة مرتين.
وخلاصة البحث في هذا أن نقول:
أولًا: من صلَّى باجتهاد فصلاته صحيحة؛ سواء أخطأ أو أصاب، وسواء في الحضر أو في السفر، هذا القول الراجح، وإذا صلى بغير اجتهاد ولا تقليد، فإن أخطأ.
طلبة: أعاد.
الشيخ: أعاد، وإن أصاب لم يُعد.
[ ١ / ٩٩٩ ]
أما كونه يُعيد إذا أخطأ فالأمر ظاهر؛ لأنه لم يفعل ما أُمِر به من السؤال إن كان مُقلِّدًا والاجتهاد إن كان مجتهدًا.
وأما كونه لا يُعيد إذا أصاب؛ فلأنه لا يُمكن أن يتجه إلى جهة إلا وهو يميل إلى أنها القبلة، وهذا الميل يوجب غلبة ظن بهذا الاتجاه، والعبادات يُكتفى فيها بغلبة الظن؛ لقول الرسول ﷺ «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَيْهِ» (٨).
ثم قال المؤلف ﵀ قال: (إن وجد من يُقلِّده)، فإن لم يجد من يقلده وتحرى؛ فإنه لا يلزمه الإعادة.
يقول: (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة).
(العارف بأدلة القبلة) وهو الذي نسميه المجتهد؛ لأنه أهْل للاجتهاد؛ لمعرفته بأدلة القِبلة، يجب عليه أن يجتهد لكل صلاة، فإذا اجتهد مثلًا لصلاة الظهر؛ وتبين له أن القبلة هكذا أمَامَه؛ ووضع العلامة على القبلة؛ فصلَّى؛ فصلاته صحيحة، إذا جاء العصر، هل يَعتمد على الاجتهاد الأول أو لا؟
يقول المؤلف: يجتهد لكل صلاة، يجب أن يعيد الاجتهاد مرة ثانية، وينظر في الأدلة مرة ثانية، فلكل صلاة اجتهاد؛ ولكن هذا القول أيضًا ضعيف.
والصواب: أنه لا يلزمه أن يجتهد لكل صلاة، ما لم يكن هناك سبب، مثل أن يطرأ عليه شك في الاجتهاد الأول، فحينئذٍ يُعيد النظر، ونظير ذلك المجتهد في المسائل العلمية، إذا حقَّق مسألة من المسائل، واجتهد فيها، ورأى أن الحُكم فيها كذا وكذا؛ ثم حدثت مرة أخرى، فهل يلزمه أن يعيد البحث والمناقشة أو يكتفي بالأول؟ يكتفي بالأول، ما لم يتبيَّن له خطؤه، فيجب إعادة النظر.
وهكذا المجتهد بأدلة القِبلة؛ فالصحيح خلاف ما ذهب إليه المؤلف من وجوب تجديد الاجتهاد لكل صلاة.
[ ١ / ١٠٠٠ ]
نقول: اجتهادك الأول يكفي عما بعده إلا إذا وُجد سبب يقتضي إعادة النظر كالشك، فحينئذٍ يُعيد النظر، وسواء كان الشك بإثارة الغير أو بإثارةٍ من نفسه؛ يعني سواء كان الشك من عند نفسه تردد، أو جاءه إنسان قال: يا أخي، ما هذه القبلة، القبلة عن اليمين، عن الشمال، الخلف؛ فإنه يجب عليه إعادة النظر والاجتهاد.
قال: (ويصلي بالثاني، ولا يقضي ما صلى بالأول).
(يصلي) من؟ المجتهد (بالثاني)، أي: بالاجتهاد الثاني، (ولا يقضي ما صلَّى بالأول) إذا تبين له خطؤه؛ لأن الأول مَبنيّ على اجتهاد قد أتى الإنسان فيه بما يجب عليه، ومن أتى بما يجب لم يُلزَم بإعادة العبادة؛ لأننا لو قلنا بلزوم الإعادة لأوجبنا عليه العبادة مرتين، وحينئذٍ نقول: اجتهادك الثاني لا ينقض الاجتهاد الأول.
فإذا صلَّى الظُّهر إلى الشمال معتقِدًا بحسب اجتهاده أن هذه هي القبلة، وفي العصر تبيَّن له أن القبلة نحو الجنوب؟ يُعيد الظهر ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يعيدها؛ لأنه صلَّاها باجتهاد حسب ما أمر، والاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
ومثله: المسائل العلمية، لو كان الإنسان يرى رأيًا بناءً على أن هذا مُقتضى دلالة النصوص، ثم بعد هذا بعد البحث والمناقشة والاطلاع تبين له خلاف قوله الأول، فإنه لا يلزمه نقض الحكم إن كان حاكمًا به، ولا نقض الفتوى، ولا يلزمه أن يذهب إلى الذي أفتاه في الأول، ويقول: إني أفتيتك بكذا، وتبين لي أني أخطأت؛ لأن الأول صادِر عن اجتهاد، فلا يُنقض بالاجتهاد الثاني.
وإنما قلنا: لا يُنقض؛ لأنه كما كان الخطأ في ظنه في الأول يمكن أن يكون الخطأ أيضًا في الثاني، ما يُدرى، ربما أن الأول هو الصواب، وأنت ظننت أن الثاني هو الصواب؛ فلهذا قالوا: لا يُنقض الاجتهاد بالاجتهاد.
[ ١ / ١٠٠١ ]
ورُوي عن عمر ﵁ في مسألة (الحمارية) أنه قضى فيها بحرمان الإخوة الأشقاء، ثم حدثت مرة أخرى، وقضى فيها بالتشريك، فقيل له في ذلك، فقال: ذَاكَ على ما قَضَيْنا، وَهَذا عَلَى ما نَقْضِي (٩)، ولم ينقض الحكم الأول.
ثم قال: (ومنها) -يعني من شروط الصلاة- (النية)، وهذا هو الشرط التاسع وهو الأخير؛ من شروط الصلاة النيَّة، أظنه التاسع؟
طالب: ().
الشيخ: فيها الإسلام، والعقل، والتمييز، ودخول الوقت، وسَتْر العَوْرة، والطهارة من الحَدَث، واجتناب النجاسة، واستقبال القِبلة، هذه ثمانية.
طلبة: والنية.
الشيخ: والنِّية هي التاسعة.
طالب: المتن ().
الشيخ: المتن ما جاء به.
طالب: هذه الخامسة.
الشيخ: لا، هذه السادسة.
طالب: ().
الشيخ: ويش فصل؟ أول باب شروط الصلاة، أظن ويش يقول؟
طالب: (شروطها قبلها منها الوقت).
الشيخ: (شروطها قبلها منها الوقت) (منها)، (مِنْ) هذه للتبعيض؛ لأنه ما ذكر كل شيء؛ هو ذكر الوقت، وستر العورة، واجتناب النجاسة، واستقبال القِبلة والنية؛ خمسة، أسقط الطهارة من الحدث، والإسلام، والعقل، والتمييز.
طلبة: ذكر () ..
ومنها النِّيَّةُ فيَجِبُ أن يَنْوِيَ عَيْنَ صلاةٍ مُعَيَّنَةٍ، ولا يُشتَرَطُ في الفَرْضِ والأداءِ والقضاءِ والنفْلِ والإعادةِ نِيَّتُهُنَّ، ويَنْوِي مع التحريمةِ، وله تَقديمُها عليها بزَمَنٍ يَسيرٍ في الوَقتِ، فإن قَطَعَها في أثناءِ الصلاةِ أو تَرَدَّدَ بَطَلَتْ، وإذا شَكَّ فيها اسْتَأْنَفَها، وإن قَلَبَ مُنْفَرِدٌ فَرْضَه نَفْلًا في وقتِه الْمُتَّسِعِ جازَ، وإن انْتَقَلَ بنِيَّةٍ من فَرْضٍ إلى فَرْضٍ بَطَلَا، ويَجِبُ نِيَّةُ الإمامةِ والائتمامِ
[ ١ / ١٠٠٢ ]
(النية) بمعنى القصد، وأما في الشرع فهي نية العبادة، وتنقسم إلى قسمين: نية المعمول له، ونيَّة العمل؛ أما نية العمل فهي التي يتكلم عليها الفقهاء؛ لأنهم إنما يقصدون بالنيةِ النيةَ التي تتميز بها العبادة عن العادة، وتتميز بها العبادات بعضها عن بعض.
وأما نية المعمول له فالتي يتكلم عليها أرباب السلوك؛ يعني تذكر في قسم التوحيد، وهي أهم من الأول؛ نية المعمول له أهم من نية العمل؛ لأنها عليها مدار الصحة، قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي؛ تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» (١).
أما نية العمل فيقصد بها تمييز العبادات من غير العبادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، فينوي أن هذه عبادة، ثم ينوي أنها صلاة، وينوي أنها فريضة، نافلة، وهكذا.
نية المعمول له، قال فيها النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢).
ولا بد من ملاحظة الأمرين جميعًا؛ أولًا: نية المعمول له؛ بحيث تكون نيته لمن؟
طالب: لله.
الشيخ: لله ﷿؛ فإن خالط هذه النية نية غير الله بطلت، لو قارن النية -نية كون العبادة لله- نية كونها لغيره بطلت؛ فلو قام رجل يصلي؛ لأنه رأى الناس يلتفتون إليه، فقام يصلي ليراه الناس فالصلاة باطلة؛ لأنه لم يخلص النية للمعمول له، وهو الله ﷿.
نية تمييز العبادات عن غيرها، والعبادات بعضها عن بعض، ذكره المؤلف ﵀؛ لأن هذا هو وظيفة الفقهاء.
[ ١ / ١٠٠٣ ]
واعلم أن النية محلها القلب، ولهذا قال الرسول ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، فليست من أعمال الجوارح، ولهذا نقول: إن التلفّظ بها بدعة، فلا يسن للإنسان إذا أراد عبادة أن يقول: اللهم إني نويت كذا، أو أردت كذا، لا جهرًا ولا سرًّا؛ لأن هذا لم ينقل عن رسول الله ﷺ؛ ولأن الله تعالى يعلم ما في القلوب، فلا حاجة أن تنطق بلسانك، فهذا ليس بذكر حتى ينطق باللسان، وإنما هي نية محلها القلب، ولا فرق في هذا بين الحج وغيره؛ حتى الحج لا يُسنّ للإنسان أن يقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، لكن يلبي بما نوى، والتلبية غير الإخبار بالنية؛ لأن التلبية فيها إجابة لله؛ فهي بنفسها ذكر، ليست إخبارًا عما في القلب؛ ولهذا يقول القائل: لبيك عمرة، أو لبيك حجًّا.
نعم، لو احتاج إلى الاشتراط فله أن يتلفظ بلسانه، بل لا بد أن يتلفظ فيقول مثلًا: لبيك عمرة، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، لبيك حجًّا وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهكذا.
النية محلها القلب، فلا يشرع النطق بها لا سرًّا ولا جهرًا.
ومن الطرائف: أن بعض العامة سمع شخصًا يقول -يريد أن يصلي خلف الإمام-: اللهم إني أريد أن أصلي صلاة الظهر خلف الإمام فلان بن فلان، لما هم أن يكبر قال: اصبر، باقي عليك شوي؟ ما الذي بقي؟ قال: بقي عليك التاريخ، قل: صلاة الظهر في يوم كذا من الشهر الفلاني، من السنة الفلانية! ! يعني إذا كنت تريد أن تكتب وثيقة بينك وبين الله لازم تحرر الوثيقة، أما الصلاة وبس! فخجل الرجل؛ لأن هذا رد عليه، بقوله: باقي عليك التاريخ، وإحنا يمكن نضيف لك عليه أيضًا المكان.
طالب: عدد الركعات.
الشيخ: إي نعم، يعني على كل حال، الحمد لله لنا نية محلها القلب.
[ ١ / ١٠٠٤ ]
يقول المؤلف -﵀-: النية قلنا في تعريفها قلنا: إن النية إما نية العمل أو نية المعمول له فهي إذن: العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله، هذا ينتظم المعنيان جميعًا، العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله ﷾.
(فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) يجب على من أراد الصلاة أن ينوي عينها إذا كانت معينة؛ مثل: أراد أن يصلي الظهر يجب أن ينوي صلاة الظهر، أراد أن يصلي الفجر يجب أن ينوي صلاة الفجر، أراد يصلي الوتر يجب أن ينوي صلاة الوتر، فإن كانت غير معينة كنفل مطلق، اكتفى أن ينوي الصلاة، قام فينوي أنه يريد أن يصلي فقط بدون تعيين.
وأفادنا المؤلف: أنه لا بد أن ينوي عين المعينة؛ كالظهر، فلو نوى فرض هذا الوقت أو الصلاة مطلقًا، لكنه جاء إلى المسجد والناس يصلون، فدخل وغاب عن ذهنه أنها الظهر أو العصر، أو أنها فرض أو نفل، فعلى كلام المؤلف: صلاته غير صحيحة؛ لأنه ما نوى الصلاة المعينة، نوى صلاة وبس، لا بد أن ينوي الصلاة المعينة ()، فإن أطلق لم تصح، لكن لم تصح على أنها هذه المعينة، وتصح على أنها صلاة، على أنها صلاة يؤجر عليها.
وقيل: لا يشترط تعيين المعيّنة، فيكفي أن ينوي الصلاة؛ وتتعين الصلاة بتعيّن الوقت، فإذا توضأ لصلاة الظهر، ثم صلى، وغاب عن ذهنه أنها الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء فالصلاة صحيحة؛ لأنه لو سئل: ماذا تريد بهذه الصلاة؟ لقال: أريد الظهر، أريد هذه المعينة الحاضرة، فيحمل على ما كان فرض الوقت.
وهذا القول هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به؛ لأن كثيرًا من الناس يتوضأ ويأتي ويصلي ويريد هذه الصلاة، ويغيب عن ذهنه أنها ظهر أو عصر، لا سيما إذا جاء والإمام راكع؛ فإنه قد يندهش ويدخل في الصلاة، ولا يستحضر في تلك اللحظة أنها الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء.
[ ١ / ١٠٠٥ ]
لكن لو سئل: ماذا تريد لم يقل إلا: إني أردت هذه الصلاة الحاضرة، وينبني على هذا الخلاف: لو كان على إنسان صلاة رباعية؛ لكن لا يدري أهي الظهر أو العصر أو العشاء؟ فصلى أربعًا بنية الواجب عليه، فعلى القول بعدد بأنه لا يجب التعيين تصح، وتكون عن الصلاة المفروضة التي عليه، وعلى القول بوجوب التعيين لا تصح؛ لأنه لم يعينها ظهرًا ولا عصرًا ولا عشاءً.
ولكن الذي يترجح عندي: القول بأنه لا يشترط التعيين، وأن الوقت هو الذي يعيّن الصلاة، وأنه يصح أن يصلي أربعًا بنية ما يجب عليه، وإن لم يعيّنه، مثل لو قال: أنا عليّ صلاة رباعية، لكن ما أدري: أهي الظهر أو العصر أو العشاء؟
قلنا: صلّ أربعًا بنية ما عليك وتبرأ بذلك ذمتك.
وعليه، فلو قال: أنا عليّ صلاة من يوم ولا أدري؛ أهي الفجر، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء؟ فعلى القول بعدم اشتراط التعيين نقول: صلِّ أربعًا وثلاثًا واثنتين، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أربعًا تجزئ عن الظهر أو العصر أو العشاء، وثلاثًا المغرب، واثنتين الفجر.
وعلى القول الثاني: يصلي خمسًا؛ لأنه يحتمل أن هذه الصلاة؛ الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الفجر، فيجب عليه أن يحتاط ليبرئ ذمته بيقين ويصلي كم؟ خمسًا.
يقول: (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة)، وهل النية شاقة أو سهلة؟
النية سهلة، تركها هو الشاق؛ ولهذا لا يحتاج الإنسان إلى تعب؛ فإنه إذا توضأ وخرج من بيته يريد الصلاة، فإنه -بلا شك- قد نوى، ولا يحتاج أن يقول عند الصلاة مثلًا: والله ما أدري، هل أنا ناوٍ ولَّا لا؟ إحنا نقول: ما الذي جاء بك إلى المسجد وجعلك تقف في الصف وتكبّر إلا نية الصلاة.
حتى قال بعض العلماء: لو كلّفنا الله عملًا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق.
[ ١ / ١٠٠٦ ]
لو قيل: اعمل ولا تنوِ () تنوي، صلِّ، ولكن لا تنوِ الصلاة، توضّأ، ولكن لا تنوِ الوضوء؛ يقدر؟ ما يقدر، ما من عمل إلا بنية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: النية تتبع العلم؛ فمن علم ما أراد فعله فقد نواه؛ إذ لا يمكن فعل بلا نية. وصدق ﵀، ويدل لهذا قوله ﵊: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، يعني ما فيه عمل إلا بنية ولا بد.
يقول المؤلف: (ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء والنفل والإعادة نيتهن)، لا يشترط في الفرض نية الفرض اكتفاءً بماذا؟ بالتعيين؛ فمثلًا: إذا نوى أنها صلاة الظهر، هل يشترط أن ينوي أنها فرض؟
لا؛ لأن نية أن تكون الظهر يتضمن نية الفرض؛ ولهذا قال: لا يُشترط في الفرض نية الفرض، ولا يُشترط أيضًا في الأداء نية الأداء؛ لماذا؟ لأنه متى صلَّى في الوقت فهي أداء، فلا حاجة أن ينوي أنه يُصلّي الظهر أداء، وكذلك لا يشترط في القضاء نية القضاء.
القضاء: هو الذي فُعل بعد وقته المحدد له شرعًا؛ كصلاة الظهر حين نام عنها حتى دخل وقت العصر، فقام يُصلِّي الظهر، نقول: هذه قضاء ولَّا أداء؟
قضاء؛ لأنها فُعلت بعد الوقت، هل يشترط مع نية الظهر أن ينوي أنها قضاء؟
الجواب: لا؛ لأن التعيين يُغني عن نية القضاء، ما دمت نويت أنها صلاة الظهر وهي قد وقعت بعد خروج الوقت، فهي قضاء سواء نويت أم لم تنوِ.
(ولا يشترط في النفل)، يعني: في النفل المطلق أن ينويه نفلًا، ولا في النفل المعين أن ينويه نفلًا، لماذا؟
أما في النفل المعيَّن فالتعيين يغني؛ يعني إذا أراد أن يوتر لا يشترط أن ينوي أنه نفل، إذا أراد أن يأتي بالراتبة -راتبة الظهر مثلًا- لا يشترط أن ينويها نفلًا؛ لماذا؟
طلبة: ().
[ ١ / ١٠٠٧ ]
الشيخ: لأن تعيينها يكفي عن النفل، ما دمت قد نويت أنها راتبة الظهر؛ فإن راتبة الظهر نفل، ما دمت نويت أنها وتر؛ فإن الوتر نفل، كذلك النفل المطلق لا يشترط أن ينويه نفلًا، كرجل قام يصلي من الليل، أو قام يصلي في الضحى، ما حاجة أنه ينوي أنه نفل؛ لأنه من المعلوم أن ما عدا الصلوات الخمس فهو نفل، ولا يشترط في الإعادة نية الإعادة.
كيف ما هي الإعادة؟
الإعادة: ما فُعل في وقته مرة ثانية، هذه الإعادة، سواء كان لبطلان الأولى أم لغير بطلانها؛ فمثلًا: إذا صلَّى الظهر، ثم ذكر أنه مُحدِث، يجب عليه الإعادة ولَّا لا؟
طالب: يجب.
الشيخ: هل يجب أن ينوي أن هذه إعادة؟ لا.
إذا صلَّى الظهر في مسجد، ثم حضر إلى مسجد ثانٍ وأُقيمت الصلاة، هل يُعيد؟
نعم، السُّنة أن يعيد، هل يشترط أن ينوي أنها إعادة؟ لا؛ لأنه قد فعل الأولى، واعتقد أن هذه الثانية نفل، فلا يشترط أن ينويها معادة.
إذن لا يُشترط في الفرض أن ينويه فرضًا، ولا في الأداء أن ينويه أداءً، ولا في الإعادة أن ينويها إعادة، ولا في القضاء أن ينويه قضاء، ولا في النفل أن ينويه نفلًا، ما دام نوى الصلاة المعينة فإنه يغني عن وصفها بكونها أداء أو قضاء أو فريضة أو نافلة.
ثم قال المؤلف: (وينوي مع التحريمة، وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت)، ذكر المؤلف هنا محل النية متى يكون؟
الأَوْلى أن يكون مقارنًا للتحريمة أو قبلها بيسير؛ ولهذا قال: (ينوي مع التحريمة)، فإذا أراد أن يكبر كبَّر وهو ينوي في نفس التكبير أنها صلاة الظهر أو المغرب أو العشاء إلى آخره.
قال: (وله تقديمها بزمن يسير في الوقت) له أن يقدم النية قبل التحريمة لكن بزمن يسير، شرط آخر (في الوقت)؛ فلو نوى الصلاة قبل دخول وقتها، ولو بزمن يسير، ثم دخل الوقت وصلَّى بلا نية، فصلاته غير صحيحة؛ لأن النية سبقت الوقت، فإن نوى في الوقت، ثم تشاغل بشيء في زمن يسير، ثم كبَّر، فصلاته صحيحة؛ لأن الزمن يسير.
[ ١ / ١٠٠٨ ]
فإن طال الوقت، فظاهر كلام المؤلف أن النية لا تصح؛ لوجود الفصل بينها وبين المنوي، وقال بعض العلماء: بل تصح ما لم ينوِ فسخها؛ لأن نيته مستصحبة الحكم، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ما لم ينوِ الفسخ، فهذا الرجل من حين ما أذن قام وتوضأ ليصلي، ثم عزمت النية عن خاطره، واشتغل بأشياء أوجبت له أن ينسى النية، ثم لما أُقيمت الصلاة دخل في الصلاة بدون نية جديدة، فعلى كلام المؤلف لا تصح الصلاة؛ لأنها سبقت الفعل بزمن كثير، وعلى القول الراجح تصح الصلاة؛ لأنه لم يفسخ النية الأولى، فحكمها مستصحَب إلى الفعل، وهذا القول أصح؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، وهذا الرجل قد نوى أن يصلي، ولم يتجدد شيء يفسخ به النية.
قال: (وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت، فإن قطعها في أثناء الصلاة، أو تردد بطلت)، (إن قطعها) أي: النية (في أثناء الصلاة أو تردد بطلت)، إذا قطعها في أثناء الصلاة لا شك أنها تبطل، مثل: رجل قام يتنفَّل، ثم ذكر أن له شغلًا، فقطع النية؛ فإن الصلاة تبطل ولا شك؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وهذا قد نوى القطع فانقطعت.
(أو تردد)، تردد في القطع، كيف التردد؟ يعني مثلًا سمع قارعًا يقرع الباب فتردد؛ قال: أقطع الصلاة ولا () أستمر؟
يقول المؤلف: إن الصلاة تبطل، وإن لم يعزم على القطع، وكذلك لو سمع جرس التلفون فتردد؛ هل يقطع الصلاة ويُكلِّم أو يستمر؟
فالمؤلف يقول: إن صلاته تبطل؛ لأن استمرار العزم شرط عنده.
وقال بعض أهل العلم: إنها لا تبطل بالتردد؛ وذلك لأن الأصل بقاء النية، والتردد هذا لا يُبطلها، وهذا القول هو الصحيح، فما دام الرجل لم يعزم على القطع فهو في صلاة، ولا يمكن أن نقول: إن صلاتك بطلت للتردد، هل يقطع أو لا.
[ ١ / ١٠٠٩ ]
فإن عزم على مبطل ولم يفعله؟ يعني النية باقية، لكن عزم على مبطل ولم يفعله؛ يعني عزم أن يتكلم في صلاته ولم يتكلم، عزم أن يُحدِث ولم يحدث، فهل تبطل أو لا؟
طلبة: تبطل.
الشيخ: قال بعض العلماء: إنها تبطل؛ لأن العزم على المفسد عزم على قطع الصلاة مثلًا، والعزم على القطع معناه أنه جعل النية مؤقتة.
ولكن المذهب -وهو الصحيح- أنها لا تبطل بالعزم على فعل مبطل إلا إذا فعله؛ لأن البطلان يتعلق بماذا؟ بنية المبطل، ولَّا بفعل المبطل؟
طلبة: بفعله.
الشيخ: بفعل المبطل، ولم يوجد، فإذا عزم على أن يبطل الصلاة، ولكنه لم يفعل؛ يعني على فعل شيء يبطلها، ولكن لم يفعل فإن الصلاة لا تبطل.
وكذلك لو عزم الصائم على الأكل، ولم يأكل، لكنه لم يقطع الصوم، لم يقطع النية، فإن صومه لا يبطل.
هل جميع العبادات تبطل بالعزم على القطع؟
الجواب: نعم، إلا الحج والعمرة؛ فإن الحج والعمرة لا يبطلان بإبطالهما؛ حتى لو صرح بذلك وقال: يا أيها الناس، اشهدوا أني قد قطعت نسكي؛ فإنه لا ينقطع ولو كان نفلًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة؛ أنها لا تبطل بقطع النية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال: (فإن قطعها في أثنائها أو تردد بطلت).
لو علَّق القطع على شرط، فقال: إن كلمني زيد قطعت النية، أو أبطلت صلاتي؛ فإنها تبطل على كلام الفقهاء، والصحيح أنها لا تبطل؛ لأنه قد يعزم على أنه إن كلمه زيد تكلم؛ ولكن يرجع عن هذا العزم.
فعندنا الآن قطع مجزوم به، قطع مُعلَّق على شرط، قطع مُتردَّد فيه، عَزْم على فعل محظور، كم هذه؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ أما الأول: وهو العزم على القطع إذا قطعها جزمًا، فلا شك أن الصلاة تبطل، ولا أظن أحدًا يخالف في ذلك.
وأما الثاني: إذا علق القطع على شرط، أو علق النية على شرط؛ يعني قطع النية على شرط؛ فالمذهب: أنها تبطل.
[ ١ / ١٠١٠ ]
الثالث: إذا تردد هل يقطعها أو لا؟ فالمذهب أنها تبطل، والصحيح في المسألتين: أنها لا تبطل.
الرابع: إذا عزم على فعل المحظور ولم يفعله، فهنا لا تبطل قولًا واحدًا؛ لأن البطلان هنا بفعل المحظور، ولم يوجد فلا تبطل الصلاة به.
طالب: أقول: هل يحصل ()؟ فالإنسان يغفل أحيانًا، لكن لا يغفل بالكلية كان متوضئًا وأتى إلى المسجد () وصلى.
الشيخ: إي، لكن نوى الصلاة.
الطالب: بس يعني ما عين أنه الظهر أو ..؟
الشيخ: إي، هذا القول الثاني الذي لا يشترط التعيين، يقول: يكفي نية الصلاة.
الطالب: طيب على المذهب نوى مثلًا صار ().
الشيخ: يكفي، الصحيح أنه يكفي؛ أنه متى نوى الصلاة، فهو ما جاء إلا ليصلي الظهر مثلًا.
طالب: لو دخل إنسان في الصلاة وهو مسافر فنواها أربعًا، ثم تذكر أنه مسافر، فقصرها تصح صلاته؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، ما يحتاج إلى نية؛ لأنه هو الأصل.
طالب: بس نوى أربعًا؟
الشيخ: ولو نوى أربعًا، ما دام أنه نوى أربعًا ناسيًا، ثم ذكر يعود إلى الأصل.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كان الاجتهاد في طلب القبلة يُفوِّت الوقت، فأيهما يُقدِّم؟
الشيخ: لا، يُقدِّم الوقت، ما من شيء يُقدَّم على الوقت أبدًا، كل الشروط والأركان يُقدَّم عليها الوقت؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
طالب: الصائم يا شيخ إذا نوى الأكل ولا أكل.
الشيخ: ولا أكل.
الطالب: إي نعم، بس نقول: الأفضل له أنه يفطر على تمر، ثم الرطب، أما إذا لم يوجد تمر أو ماء ()؟
الشيخ: هل قطع النية ولا قال: أبغي آكل؟
الطالب: قال: أبغي ().
الشيخ: إذا قال: أبغى آكُل، إن أكل فسد صومه، وإن لم يأكل لمن يفسد.
الطالب: قطع النية.
الشيخ: أما لو قطع النية ويقول: خلاص، أنا أبطلت الصوم، سواء أكلت، ولَّا ما أكلت؛ يعني سواء وجدت ما آكله أم لا، فهذا قطع نيته، ويبطل صومه.
[ ١ / ١٠١١ ]
طالب: بالأمس قررنا أنه إذا اختلف المجتهدان جهة، فيصح أن يأتم أحدهما بالآخر قلنا: إن هذا هو الأقرب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وفي هذا الدرس قلنا: إن المذهب أقرب.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه تبين لي الحقيقة أن التضاد فيها واضح، وليس هذا ائتمام بالإمام، هذه مخالفة ظاهرة، فهي كما لو خالفه في الأفعال.
طالب: شيخ، قلنا: إن الحج والعمرة لا ينفسخان حتى بالنية، لكن يا شيخ إذا عزم عزمًا جازمًا قلنا: إنه لا يصح عزمه، فما يجب عليه ()؟
الشيخ: لا يجب عليه شيء؛ يعني لو رفض الإحرام قال: يا جماعة، أنا هوَّنت عن هذا النسك؛ فإنه لا يجب عليه شيء؛ لأن هذه النية لم تؤثر شيئًا.
طالب: الأعمى يا شيخ لو صلَّى باجتهاده ولم يسأل؟
الشيخ: كيف يجتهد؟
طالب: صلَّى باجتهاده.
الشيخ: ويش لون باجتهاده؟ ما يشوف أعمى.
الطالب: لمس فراشًا مثلًا أو لمس محرابًا؟
الشيخ: إي، لا بأس، إذن ما يعيد.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، إذا كان واحد مسافرًا، وأخَّر الظهر عسى يصليها العصر، ووصل البلد؛ صلَّى العصر، حتى إذا مشى حس أنه في نفس البلد فدخلت فيه نية العصر، ومن الأول نوى أنه يجمعهم، فلا بد يقدم نية الظهر، وصلى على أنها نية العصر.
الشيخ: يعني مع الإمام؟
الطالب: مع الإمام.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: تذكر أثناء الصلاة أنه نواها العصر وهو أداها الظهر، هل يقطع الصلاة؟
الشيخ: لا، يستمر، ويكملها على أنها العصر، ثم يأتي بالظهر بعد ذلك.
الطالب: والترتيب؟
الشيخ: يسقط بنسيانه.
طالب: إن نوى النفل المطلق ().
الشيخ: سيأتينا هذا إن شاء الله، إذا انتقل من صلاة إلى أخرى ففيه تفصيل.
طالب: قلنا -يا شيخ-: إن الإنسان إذا كان مثلًا ضيفًا، ولم يسأل؛ فإنه لن يصلي إلا إلى الجهة التي تطمئن إليها قلبه مع أن كثيرًا ما الإنسان يلاحظ من بعض العوام يصلي على أي جهة، يدخل ويقول: ما ندري، إحنا نصلي وبس، ما يطمئن؟
الشيخ: لا، ما يصلح هذا.
[ ١ / ١٠١٢ ]
الطالب: ويش يصير يعيد ولو أصاب؟
الشيخ: إي نعم، يعيد ولو أصاب؛ لأنه ما فيه ترجيح.
طالب: إذا قام المسافر على الصلاة واجتهد، وصلَّى إلى القبلة في ظنه؛ يعني اجتهد، وبعد جاء الثقة، وقال: يا أيها المصلي، أنت خطأ، وهل يدور في الصلاة ويُسلِّم على قوله؛ يعني الاجتهاد مقدَّم ولَّا قول الثقة مُقدم؟
الشيخ: نعم، فهمتم هذه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا تغير اجتهاد الإنسان في أثناء الصلاة، أو جاءه من يخبره بيقين في أثناء الصلاة؛ فإنه يستدير ولا يعيد الصلاة من جديد.
الطالب: يستدير.
الشيخ: يستدير.
الطالب: على قول؟
الشيخ: على قول الثقة؛ ولهذا أهل قباء لما جاءهم الرجل وقال: إن النبي ﷺ أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل القبلة فاستقبِلوها، انصرفوا إلى القبلة. (٣) وبقوا في صلاتهم، بنوا على صلاتهم.
ولهذا يُلغز بها فيُقال: رجل صلَّى إلى أربع جهات وصحَّت صلاته؟
طالب: الكعبة ..
الشيخ: اجتهد في الأول فقال: القبلة هكذا شمالًا، ثم لما قام إلى الركعة الثانية قال: لا، أخطأت، القبلة عن يساري، فانصرف يسارًا، فلما قام للثالثة قال: أخطات، القبلة عن يساري، فانصرف إلى اليسار، صارت أول ركعة الآن قبلتها خلف ظهره.
طالب: يدور.
الشيخ: إي نعم، فلما قام إلى الرابعة قال: أخطأت، القبلة عن يساري، فانصرف إلى اليسار، صلَّى الآن إلى كم؟
طلبة: أربع جهات.
الشيخ: إلى الجهات الأربع، وصحَّت صلاته، ولهذا يقولون: يُلغز بها، فيقال: رجل صلَّى في صلاة واحدة إلى أربع جهات؛ فصحَّت صلاته.
طالب: في جوف الكعبة.
الشيخ: لا، في جوف الكعبة كلها قبلة؛ لأن مهما كان من جهة؛ فهي قبلة، لكن هذه القبلة الثانية ما تكون القبلة الأولى.
طالب: شيخ، لو أن رجلًا أراد أن يصلي، ولا يعرف أين القبلة؛ يعني إذا وجد أناسًا لكن ما سألهم؛ لأنه عرف أنهم فساق، فصلَّى، وعندما انتهت صلاته جاء الفاسق وقال: الصلاة ليست من هنا، فماذا العمل؟
[ ١ / ١٠١٣ ]
الشيخ: ما دام فاسقًا لا يثق بخبره أولًا فلا يثق بخبره ثانيًا، لكن هل أن مثل هذه المسائل لا بد فيها من أن يكون الإنسان عدلًا ظاهرًا وباطنًا أو يُكتفى بالعدالة الظاهرة؟ الظاهر أنه خلافًا للمذهب يُكتفى بالعدالة الظاهرة.
طالب: شيخ، إذا صليا رجلان في جوف الكعبة يُشترط أن يصافا بينهما لو اختلفت الجهة ()، هل تصح الصلاة؟
الشيخ: إي نعم، بس المشكلة أنه يصير أحدهما صلَّى منفردًا خلف الصف.
الطالب: لا، اثنين.
الشيخ: اثنين؛ يعني مأمومين وإمام.
الطالب: نعم، واحد شمال، وواحد جنوب.
الشيخ: كيف؟ يعني الإمام صلَّى لجهة، وأحد المأمومين إلى جهة، والثاني إلى جهة، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يصح، لكن لازم من المصافَّة، لا بد من المصافة.
الطالب: لو صار الإمام مثلًا واحد شمال، والمأمومين جنوب، ما صار منفردًا، هما صاروا اثنين.
الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: تصح الصلاة؟
الشيخ: إي نعم، ويمكن المأمومين ها دولا أحدهما يصلي إلى الجدار الغربي، والثاني يُصلِّي إلى الجدار الشرقي.
طلبة: هذا تضاد.
الشيخ: ما يظهر؛ لأن هذا التضاد بين المأمومين؛ حتى على كلام الفقهاء أيضًا، هذه المسألة قالوا: يجوز أن يكون اتجاه الإمام إلى جهة والمأمومين إلى جهة إذا كان داخل الكعبة.
طالب: ويش الفرق يا شيخ بينه وبين مسألة المجتهدين؟
الشيخ: المجتهدين؛ لأن أحدهما خطأ على كل حال.
الطالب: بس هو في قرارة نفسه يعتقد أن صاحبه ..
الشيخ: لكن أحدهما خطأ قطعًا، أما هذا قطعًا كلهم صواب.
طالب: شيخ، قراءة القرآن بعد الفاتحة في الصلاة، هل ينوي الركن قبل التكبير أم لا؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: ما فهمنا.
الشيخ: يقول: هل يُشترط أن ينوي قراءة سورة بعد الفاتحة قبل أن يُكبِّر، أو يجوز أن يقرأ في السورة بعد الفاتحة وإن لم ينوها من قبل؟ كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي هذا؟
طالب: الثاني.
[ ١ / ١٠١٤ ]
الشيخ: الثاني، يمكن يدخل بنية أنه سيقتصر على الفاتحة، ثم يرى أن الوقت واسع فيصلي؛ يقرأ سورة ثانية ما فيه مانع.
طالب: إذا وقع الإنسان بين أمرين ().
الشيخ: لا، يفعل، ويحاول أن يمنع اللي ..
طالب: إذا تعذَّر أن ..
الشيخ: إذا تعذَّر لا يفعل.
***
طالب: () وإن شق وينوي مع التحريمة، وله تقديمها في زمن يسير في وقت، فإن قطعها في أثناء الصلاة، أو تردد بطلت، وإذا شك فيها استأنفها، وإن قلب منفرد فرضه نفلًا في وقته المتسع جاز، وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطل، ويجب نية الإمامة والائتمام، وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح كنية إمامته فرضًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في مسافر اجتهد في القِبلة لصلاة الظهر، ثم جاء وقت العصر، هل يلزمه أن يعيد الاجتهاد أو لا يلزمه؟
طالب: على كلام المؤلف يلزمه أن يعيد الاجتهاد.
الشيخ: يلزمه أن يجتهد لصلاة العصر.
الطالب: مرة ثانية.
الشيخ: مرة ثانية طيب. قلت: على كلام المؤلف، هل يعني ذلك أن هناك كلامًا آخر؟
الطالب: كلام المؤلف مرجوح، والقول الراجح أنه لا يلزمه.
الشيخ: كلام المؤلف مرجوح، والقول الراجح أنه لا يلزمه الاجتهاد.
الطالب: إلا إذا طرأ سبب.
الشيخ: إلا إذا طرأ سبب يقتضي الاجتهاد كالشك والتردد مثلًا؛ فيلزمه أن يجتهد مرة أخرى.
هل يلزم المجتهد في المسائل العلمية أن يجتهد لكل حادثة؟
طالب: المجتهد، ما سمعت.
الشيخ: رجل مجتهد أداه اجتهاده إلى أن القول الراجح كذا وكذا، ثم نزلت الحادثة مرة ثانية، هل يلزمه أن يجتهد لها مرة ثانية أو يكفي الاجتهاد الأول؟
الطالب: يكفي الاجتهاد الأول إلا إذا شك.
الشيخ: يكفي الاجتهاد الأول ما لم يوجد سبب. إذا تبين له أنه أخطأ في الاجتهاد الأول، هل تلزمه الإعادة؟
طالب: لا يلزم أن ().
[ ١ / ١٠١٥ ]
الشيخ: لا، الصلاة، تَبيَّن أنه مخطئ في الاجتهاد الأول، فهل تلزمه الإعادة؟
الطالب: لا يعيد الصلاة.
الشيخ: لا يعيد الصلاة.
الطالب: يغير الجهة.
الشيخ: إي نعم، يغير الجهة، ما هو الدليل؟
الطالب: أن الاجتهاد لا ينقض ..
الشيخ: هذا تعليل، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل أن عند نزول الآية ().
طالب آخر: الدليل؛ قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الشيخ: نعم، وهذا قد اتقى الله ما استطاع، فلا يؤمر بالصلاة مرة ثانية، وحديث: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (٤) وحديث أهل قباء حين أتاهم آتٍ فأخبرهم أن القبلة صُرفت (٥). المهم فيه عدة أدلة.
رجل اجتهد عنده مجتهدان فاختلفا، مَنْ يتبع؟
طالب: السؤال؟
الشيخ: رجل اجتهد عنده مجتهدان في القبلة فقال أحدهما: القبلة هنا، وقال الثاني: القبلة هنا يعني متضادين، فمن يتبع؟
طالب: إن كان أهلًا للاجتهاد اجتهد، وإلا ..
الشيخ: لا، ما هو بأهل الاجتهاد.
الطالب: يُقلِّد من يثق به أكثر.
الشيخ: يعني يقلد أوثقهما عنده، صح. طيب اختلف اجتهاد رجلين، فهل يتبع أحدهما الآخر؟
طالب: فيه تفصيل إن اختلفا في الجهة لم يتبع أحدهما الآخر، وإن لم يختلفا في الجهة فإنه يتبع أحدهما الآخر، كما ..
الشيخ: يعني إن اختلفا في الجهة تبع أحدهما الآخر.
الطالب: لا، لم يتبع أحدهما الآخر، هذا مثلًا يقول: الجهة، القبلة من جهة الشمال، وهذا يقول من جهة ..
الشيخ: إن اختلفا في الجهة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لم يتبع، وإن اختلفا في جهة؟
الطالب: وإن اختلفا في جهة تبع أحدهما الآخر.
الشيخ: إي، فهمتم؟
طلبة: لا.
الشيخ: إن اختلفا في الجهة لم يتبع أحدهما الآخر، وإن اختلفا في جهة تبع أحدهما الآخر، يحتاج إلى ترجمة لهذه العبارة، ما الفرق بين العبارتين؟
طالب: إن اختلفا في الجهة؛ أي يعني هذا اختلف في الجهة الشرقية، ودا الغربية.
[ ١ / ١٠١٦ ]
الشيخ: واحد يقول: القبلة غربًا، ودا يقول: شرقًا.
الطالب: نعم، اختلفا في جهة أي جهة واحدة؛ يعني مثلًا في جهة الغرب، قال: هذا إلى اليمين، وهذا قال: إلى اليسار، فهذه في جهة.
الشيخ: صح، إذن إذا اتفقا على أن القبلة غربًا، لكن أحدهما يميل يمينًا، والثاني يميل شمالًا، فهذا يتبع أحدهما الآخر؛ يعني يُصلِّي معه مأمومًا، ويتبعه أيضًا في جهته، لا بأس أنه يترك اجتهاده، ويتبع الآخر؛ لأن الانحراف في الجهة الواحدة.
طالب: لا بأس به.
الشيخ: لا بأس به. رجل صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد، () عليه ولما جاء الوقت قام وصلَّى بدون شيء.
طالب: هذا على المذهب أنه تبطل صلاته، ويجب عليه إعادة الصلاة سواء أصاب أو أخطأ.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما على القول الثاني، فإن أصاب لا يعيد صلاته، وإن أخطأ فإنه يعيد صلاته.
الشيخ: وجه هذا القول؟
الطالب: أيّ قول؟
الشيخ: أنه إذا أصاب لا يُعيد؟
الطالب: لأنه إذا أصاب؛ لأنه ما صلَّى إلا إلى جهة اطمأنت لها نفسه.
الشيخ: صح.
الطالب: أو ربما اجتهد ولَّا ..
الشيخ: وأما إذا أخطأ فهو هنا لا فعل ما أُمر به من اجتهاد ولا أصاب القبلة. طيب النية شرط لصحة الصلاة، الدليل؟
طالب: قوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». (٢)
الشيخ: نعم، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
الطالب: وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
الشيخ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ().
***
قال المؤلف ﵀: (وينوي مع التحريمة)، هنا شرع في بيان متى تكون النية؟
متى يكون محل النية؟
طالب: محل النية، إما قبل التكبير بقليل أو مع التكبير.
[ ١ / ١٠١٧ ]
الشيخ: نعم، مع التكبير واضح هو الأفضل، وله أن يقدمها؟
طالب: بقليل.
الشيخ: بقليل، وهنا نرجع في ذلك إلى العُرف، هل هناك قول آخر في مسألة التقديم؟
طالب: قالوا: المذهب () يسير فإنه يعني ()، يُكبِّر للصلاة، لكن إذا كان طويلًا، فإنه يبطل، ولكن الصحيح أنه سواء قصير أو طويل أنه يجوز لأن النية ..
الشيخ: فإنها تصح ما لم يفسخها، وهذا القول هو الراجح؛ على أنه يجوز أن يقدم النية بزمن طويل ما لم يفسخها، وهذا يتأتى فيما لو كان بيته بعيدًا عن المسجد، وتوضَّأ لصلاة الظهر بهذه النية، وخرج لكن مع طول المسافة غفل، ثم دخل المسجد وكبَّر، هو حين التكبير لم ينوِ أنها الظهر، ولكنه قد نواها سابقًا بنية مستمرة إلى أن كبَّر، ولم يفسخها؛ فالصحيح أن هذا مجزئ، وقد نص عليه الإمام أحمد، وقال: إنه ما دخل المسجد وكبَّر إلا وهو ناوٍ، وصدق ﵀؛ فإذن نقول: إن القول الراجح أنه يجوز تقديم النية على فعل العبادة بزمن كثير بشرط، ما هو؟
طلبة: ألا يفسخها.
الشيخ: ألا يفسخها. طيب إذا تردد في النية هل تبطل النية أو لا؟
طالب: على كلام المؤلف تبطل.
الشيخ: تبطل، والقول الثاني؟
الطالب: القول الثاني أنها لا تبطل؛ لأن الأصل بقاؤها على الأصل.
الشيخ: القول الثاني أنها لا تبطل، ما حجة المؤلف؟
طالب: استدامة النية شرط.
الشيخ: نعم.
الطالب: انتفاء الشرط انتفاء المشروط.
الشيخ: إي، حجته أن استدامة النية شرط، ومع التردد لا استدامة، وإذا فات الشرط فات المشروط.
والقول الثاني الذي يقول: إنه إذا تردد ولم يعزم على القطع؛ فإنها صحيحة.
طالب: لأن النية () حتى ولو تردد أو شك.
[ ١ / ١٠١٨ ]
الشيخ: إي؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما هو عليه حتى نتيقن الزوال؛ فالنية ثبتت بيقين، والتردد شك، والشك لا يُبطل اليقين، وهذا القول هو الصحيح، وكذلك لو علَّق النية على شرط مثلًا دخل في الصلاة قال: أنا على أساس أنني أصلي إلا إذا جاء فلان فأنا أقطع الصلاة، ولكنه استمر ولم يأتِ فلان؛ فإن الصلاة صحيحة، ويمكن أن يستدل على ذلك بقول الرسول ﵊ لضباعة بنت الزبير: «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٦)، فإن هذا دخل بنية مشروطة، فيكون له ما شرط.
يقول: (وإذا شك فيها استأنفها) إذا شك في النية، هل نوى أم لم ينوِ، أو شك هل نوى الصلاة المعينة أم لم ينوِها فإنه يستأنف؛ وذلك لأن الأصل العدم، فإذا شك هل نوى أو لا فالأصل عدم النية.
وهذا كما قال المؤلف ﵀: (إذا شك فيها استأنفها)، ولكن يبقى: هل هذه الصورة واردة؟ بمعنى: هل يمكن أن يأتي إنسان ويتوضأ، ويقدم إلى المسجد، ويكبّر ويقول: إني أشك هل نويت أم لا؟
الظاهر أن هذا لا يمكن، وأن المسألة فرضية، إلا أن يكون موسوسًا، والموسوس لا عبرة بشكه، ولهذا قال:
وَالشَّكُّ بَعْدَ الْفِعْلِ لَا يُؤَثِّرُ
وَهَكَذَا إِذَا الشُّكُوكُ تَكْثُرُ
فإذا كثرت الشكوك، فهذا وسواس لا يلتفت إليه، ولهذا تصوُّر هذه المسألة -أعني الشك في النية- تصورها صعب؛ لأنه من المستحيل أن يكون إنسان عاقل يدري ما يفعل؛ أن يأتي ويدخل في الصلاة، ويكبِّر ويقرأ؛ ثم يقول: والله أنا شكيت هو أنا ناوي ولَّا لا؟
هذا بعيد جدًّا، ولهذا قال بعض أهل العلم: لو كلّفنا الله عملًا بلا نِية لكان من تكليف ما لا يطاق؛ يعني لو قال الله لنا: اعملوا ولا تنووا، كيف نعمل ولا ننوي؟ هذا ما هو ممكن، لكن على تقدير أن هذا يوجد -ولو نظريًّا- فإننا نقول: إذا شك في النية وجب أن يستأنف العبادة، ونحن الآن في الصلاة وجب أن يستأنف الصلاة، لماذا؟
[ ١ / ١٠١٩ ]
لأن الأصل عدم الوجود، وهو قد شك في الوجود وعدمه، فوجب الرجوع إلى الأصل؛ وهو أن النية معدومة، وحينئذٍ فلا بد من الاستئناف.
ولكن على كلام المؤلف: يُقيَّد هذا بما إذا لم يكن كثير الشكوك، فإن كان كثير الشكوك بحيث لا يتوضأ إلا شك، ولا يصلي إلا شك، فإن هذا لا عبرة بشكه؛ لأن شكه حينئذٍ يكون أيش؟
طالب: وسواس.
الشيخ: يكون وسواسًا، ولا عِبرة به.
يقول ﵀: (وإذا شك فيها استأنفها، وإن قلب منفرد فرضه نفلًا في وقته المتسع جاز) المؤلف شرع في هذه العبارة في الانتقال من نية إلى نية، والانتقال من نية إلى نية له صور متعددة:
منها: ما ذكره المؤلف: (قلب منفرد فرضه نفلًا في وقته المتسع جاز)، مثال ذلك: دخل رجل في صلاة الظهر وهو منفرد، في أثناء الصلاة قَلَبه -أي: الفرض- إلى نفل.
نقول: هذا جائز بشرط أن يكون الوقت متسعًا للصلاة، فإن كان الوقت مُضيَّقًا؛ بحيث لم يبقَ منه إلا مقدار أربع ركعات فإن هذا الانتقال لا يصح؛ لماذا؟ لأن الوقت الباقي تعين للفريضة، وإذا تعين للفريضة لم يصح أن يشغله بغيرها.
أعود مرة ثانية ولَّا واضح؟
المثال: رجل دخل في صلاة الظهر وفي أثناء الصلاة قلب نية الفريضة إلى نفل نقول: هذا جائز بشرط أن يكون الوقت متسعًا؛ ولهذا قال: (في وقت متسع)، فإن كان الوقت مضيقًا بحيث لم يبقَ من وقت الظهر إلا مقدار أربع ركعات فإنه لا يصح أن يقلب الفرض إلى نفل، لماذا؟
لأن الوقت تعيَّن للفريضة حينئذٍ فلا يجوز أن يشغله بغير الفريضة، لكن لو فعل ماذا يكون النفل؟
لو فعل فإن النفل يكون باطلًا؛ لأنه صلى النفل في وقت منهي عنه، فهو كما لو صلَّى النفل المطلق في أوقات النهي لا يصح.
وقول المؤلف: (وإن قلب مُنفرِدٌ نفْلَه) خرج بذلك المأموم، وخرج بذلك الإمام؛ فإن ظاهر كلام المؤلف أن المأموم لا يصح أن يقلب فرضه نفلًا، وأن الإمام لا يصح أن يقلب فرضه نفلًا، لماذا؟
[ ١ / ١٠٢٠ ]
لأن المأموم لو قَلَبَ فرْضه نفلًا فاتته صلاة الجماعة في الفرض، وصلاة الجماعة في الفرض واجبة، وحينئذٍ يكون انتقاله من الفريضة إلى النفل سببًا لفوات هذا الواجب، فلا يحل له -أي: للمأموم- أن يقلب فرضه نفلًا؛ العلة لأنه يفوت بذلك صلاة الجماعة في الفريضة، وصلاة الجماعة في الفريضة واجبة.
الإمام لماذا لا يصح أن يقلِب فرضه نفلًا؟ لأنه إذا قلب فرضه نفلًا لزم من ذلك أن يأتم المأموم المفترض بالإمام المتنفل، وائتمام المفترض بالمتنفل غير صحيح، فيلزم الآن إذا قلب الإمام فرضه نفلًا أن تبطل بذلك صلاة المأموم، فيكون في هذا عدوان على غيره، ولهذا قيَّد المؤلف هذه المسألة بمن؟
بالمنفرد، فعُلِم منه أن الإمام لا يصح له أن يقلب فرضه نفلًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى فساد صلاة المأموم، وأن المأموم لا يصح أن يقلب فرضه نفلًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى ترك الجماعة في الفريضة، وترك الجماعة في الفريضة؟
طالب: واجب.
الشيخ: لا، ترك الجماعة في الفريضة لا يجوز، كيف واجب؟ ! هذه مسألة.
(وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا).
في المسألة الأولى نقول: إنه يجوز أن يقلب الفرض إلى نفل، ولكن هل هذا مستحب أو مكروه؟ أو مستوٍ الطرفين؟
نقول: إنه مستحب في بعض الصور؛ وذلك فيما إذا شرع في الفريضة منفردًا، ثم حضر جماعة؛ ففي هذه الحال هو بين أمرين، بل بين أمور ثلاثة:
[ ١ / ١٠٢١ ]
إما أن يستمر في صلاته ويؤديها فريضة وينصرف، ولا يُصلِّي مع الجماعة الذين حضروا، وإما أن يقطعها ويُصلِّي معهم؛ مع الجماعة، وإما أن يقلبها نفلًا فيكمل ركعتين، وإن كان قد صلى ركعتين، وهو في التشهد الأول مثلًا؛ فإنه يتمه ويسلم، ويحصل على نافلة، ثم يدخل مع الجماعة، فهنا الانتقال من الفرض إلى النفل مستحب من أجل أيش؟ من أجل تحصيل الجماعة، فإن خاف أن تفوته الجماعة وهو في الركعة الأولى مثلًا، ويقول: حتى لو قلبتها إلى نفل فإنه يبقى عليَّ ركعة؛ فإنا نقول: الأفضل أن يقطعها من أجل أن يدرك الجماعة.
قد يقول قائل: كيف يقطعها وقد دخل في فريضة، وقطع الفريضة حرام؟
نقول: هو حرام إذا قطعها ليتركها، أما إذا قطعها لينتقل إلى أفضل، فإنه لا يكون حرامًا، بل قد يكون مأمورًا به، ألم تروا أن النبيَّ ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهديَ أن يجعلوا حجَّهم عُمْرة من أجل أن يكونوا متمتِّعين (٧)؟ فأمرهم أن يقطعوا الفريضة نهائيًّا؛ لأجل أن يكونوا متمتعين؛ لأن التمتع أفضل من الإفراد.
فهذا لم يقطع الفرض رغبة عنه، ولكنه قطع الفرض رغبة فيما هو أكمل وأنفع.
المسألة الثانية: قال: (وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا)، مثال ذلك: شرع يُصلي العصر، ثم ذكر أنه صلَّى الظهر على غير وضوء؛ فنوى أنها الظهر مجرد نية. نقول: لا تصح صلاة العصر، ولا صلاة الظهر، كيف؟
السبب: لا تصح صلاة العصر؛ لأنه قطعها، والإنسان إذا قطع العبادة بالنية انقطعت إلا الحج والعمرة، ولا تصح صلاة الظهر؛ لأنه لم يبتدئها من أولها، ركعتان من هذه الصلاة مضتا على أنها عصر، فكيف أن يمكن أن تنقلب وتكون للظهر؟ ! لا يمكن.
إذا انتقل من فرض إلى فرض بطلا الفرضان، السبب؟ لأن الفرض الذي انتقل منه قد أبطله، والفرض الذي انتقل إليه لم يَنوِه من أوله، فلا يصح لا هذا ولا هذا.
[ ١ / ١٠٢٢ ]
وقول المؤلف: (بِنِيَّة) لو انتقل من فرض إلى فرض بتحريمة، والتحريمة قول، يعني ذكر -في المثال اللي ذكرنا- أنه يصلي العصر، وذكر أنه صلى الظهر على حدث، ثم كبر للظهر.
طالب: قطع الصلاة؟
الشيخ: إي معلوم، ما كبر للظهر إلا وقطع الصلاة. نقول: بطلت صلاة العصر، والظهر؟
طلبة: صحت.
الشيخ: صحت، ليش؟
طلبة: لأنه من أولها.
الشيخ: لأنه ابتدأها من أولها؛ ولهذا قيد المؤلف قوله (إن انتقل بِنِيَّة)، يعني: لا بتحريمة.
وهنا عبر المؤلف بقوله: (بطلا)، فلننظر هل هذه العبارة صحيحة أو فيها تسامح وتغليب؟ الظاهر أني لما قلت: هل هي صحيحة أو فيها تسامح قُلتم: فيها تسامح؛ لأنها لو كانت صحيحة ما أوردت هذا الإيراد.
طالب: أقول: لو قال بطلتا.
الشيخ: نعم.
طالب: يعني بنية صلاته.
الشيخ: لا؛ لأن الفرض مذكر، لا، الصواب معه هو.
طالب: شيخ، نقول: قوله: (بطلا) يعني أنها تمضي، ولكن الصحيح أنها صيغة نفي.
الشيخ: لا.
طالب: شيخ، الصواب أن يقول: فسدتا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأن الباطل هو الذي أجمعوا على فساده، والفاسد هو الذي اختلفوا في فساده.
الشيخ: هذا في النكاح!
طالب: لو قال: بطل، كان أولى، أما الثاني لم يدخل فيها ..
الشيخ: أي اللي بطل؟
الطالب: الأولى.
الشيخ: صح، الصواب أن يقول: بطلت الأولى، ولم تنعقد الثانية؛ لأن البطلان إنما يكون فيما انعقد، فالبطلان يرد على شيء صحيح فيبطله، فكان صواب العبارة أن يقول: بطلت الأولى التي قطعها ولم تنعقد الثانية، لكن هذا من باب التسامح والتغليب، مثل ما يقال: العمران، لمن؟
طلبة: لأبي بكر وعمر.
الشيخ: لأبي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر، هنا نقول: بطلا؛ أي: الفرضان، ولكن الثاني منهما لم ينعقد فأطلق على عدم الانعقاد البطلان من باب التغليب، والخلاف في هذا بسيط.
[ ١ / ١٠٢٣ ]
وعُلِمَ من قول المؤلف: (إن انتقل من فرْض إلى فرْض)، أنه لو انتقل من نفل إلى نفل لم يبطلا، ولكن هذا غير مراد؛ لأنه إذا انتقل من نفل إلى نفل معين؛ فالحكم كما لو انتقل من فرض إلى فرض، فلو انتقل مثلًا من راتبة العشاء إلى الوتر، الراتبة معينة، والوتر مُعيَّن، فبينما هو في أثناء الراتبة -راتبة العشاء- تذكَّر أن له شغلًا وقال: ما () أصلي الراتبة والوتر، فسأجعل الراتبة وترًا؟ نقول: يبطلان، كيف يبطلان؟
طالب: تبطل الأولى.
الشيخ: إي نعم، على التسامح اللي قاله المؤلف، بطل الأول، ولم ينعقد الثاني؛ لأن الانتقال من معين إلى معين سواء فريضة ولَّا نافلة، هذا حُكمه.
وإن انتقل من نَفْل مُعيَّن أو فرض معين إلى نفل مُطلق؟
طلبة: صح.
الشيخ: صح؟ انتبهوا، انتقل من نفل معين إلى نفل مطلق أو من فرض إلى نفل مطلق يصح؟
طلبة: لا، ما يصح.
طالب: صحيح.
الشيخ: المؤلف يقول: (إن انتقل من فرض إلى نفل، وإن قلب منفرد فرضه نفلًا في وقت متسع جاز).
هنا انتقل من فرض إلى نفل؛ إذن إذا انتقل من فرض أو من نفل معين إلى نفل مطلق كان جائزًا، لكن يُشترط في الفرض أن يكون الوقت متسعًا.
العلة أو التعليل لماذا؟
لأن المعين اشتمل على نيتين: نية مطلقة، ونية معينة، فإذا أبطل المعينة بقيت المطلقة، مثال ذلك: هذا الذي دخل يصلي الظهر، هو نوى صلاة وأنها الظهر، حذف نية الظهر، ويش بقي؟
طلبة: الصلاة.
الشيخ: نية الصلاة؛ ولهذا نقول: إذا انتقل من مُعيَّن إلى مطلق، أجب؟
طلبة: صح.
الشيخ: صح، من معين إلى معين؟
طلبة: بطلا.
الشيخ: بطلا جميعًا، من مطلق إلى معين، كذلك بطلا جميعًا.
فالصور إذن أربعة: من مطلق لمطلق؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، إن تصور هذا، من مطلق لمعين؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، من معين لمعين؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، من معين لمطلق؟
طالب: صح.
الشيخ: صحيح، كذا؟
طالب: من مطلق إلى مطلق يا شيخ.
الشيخ: أقول: هل يتصور هذا؟
[ ١ / ١٠٢٤ ]
الطالب: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثلًا قدم إلى البلد، وأراد أن يصلي صلاة دخول البلد، ثم قَلَبها لصلاة الظهر؟
الشيخ: لا، هذا مُعيَّن.
الطالب: لكن هو مطلق.
الشيخ: لا، مُعيَّن، كل شيء له سبب فهو مُعيَّن، كل شيء موقَّت فهو معين.
طالب: إذا دخل في النفل، ثم أراد أن يقلبها إلى فرض.
الشيخ: ما يمكن.
طالب: ليش؟
الشيخ: لأن هذا إما من مُعيَّن لمعين، أو من مُطلق لِمُعَيَّن.
الطالب: من معين لِمُطْلق.
الشيخ: كيف الفرض فيه مطلق؟
الطالب: ().
الشيخ: صار من مُعيَّن لمطلق.
طالب: ().
الشيخ: والله الظاهر أنه ما يتصور، لكن ربما مع التأمل نجد صورة، لكن إحنا نقول: الحكم صحيح، وإن صح التصوير فذاك، وإلا فلا مانع.
طالب: الإمام إذا قلب الفرض إلى نفل، هنا لا يصح؛ لأنه لا يجوز أن يأتم المفترض بـ ..
الشيخ: أن يصلي.
طالب: إي نعم.
الشيخ: أن يأتم مفترِض ().
الطالب: () صحيح هذا؟
الشيخ: لا، بناءً على المذهب، أما على القول الثاني فلا بأس.
الطالب: يعني يقلب؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: سبب ثاني حتى الإمام بتفوته الجماعة؟
الشيخ: إي نعم، ربما في هذه الصورة ربما نقول: إنه قد يكون معذورًا، ولا نعم إذا عللنا بهذا قلنا: ما يجوز مطلقًا.
الطالب: يعني صار الحكم ما يجوز الاقتداء بالإمام؟
الشيخ: إن كان هذا هو العِلَّة، فإن جاز له أن يقلبه إلى نفل صار ينبني على اختلاف نية الإمام والمأموم.
طالب: لو قلب فرضه المعين إلى نفل مطلق؟
الشيخ: في وقت متسع؟
الطالب: نعم.
الشيخ: جاز.
الطالب: حتى لو كان فيه فرض يعني ..
الشيخ: إي نعم، هذا كلام المؤلف.
طالب: قلنا في الدرس الماضي: إنه إذا أراد أن يشترط التلبية فيجوز له أن يتلفظ بالنية بلسانه.
الشيخ: لا، يتلفظ بالشرط.
الطالب: يتلفظ بالشرط، يقول: هذا ليس من باب اشتراط النية، ولكن من باب أن الشرط شبيه بالنذر، والنذر لا يعني ..
[ ١ / ١٠٢٥ ]
الشيخ: قلنا: لا بأس أن يشترط، لا بد أن يشترط؛ يعني لو نوى بدون اشتراط ما صح.
الطالب: يعني ما نقول هذا شبيه بالنذر؟
الشيخ: قال الرسول: «قُولِي: إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (٦) «قُولِي»، فلا بد من القول.
الطالب: () شبيه بالنذر.
الشيخ: لا.
الطالب: صورة النقل من مطلق إلى مطلق ما هو عام؛ يعني من نفل إلى نفل؟
الشيخ: إي مثل؟
الطالب: زي تحية المسجد إلى صلاة السنة التي قبل الظهر.
الشيخ: هذا من معين إلى معين.
الطالب: يعني نفل من نفل.
الشيخ: لا، ما هو بمطلق، هذا معين، لا بد أنك تنوي أنها راتبة، إذا لم تنوِ أنها راتبة ما يصح.
طالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾.
الطالب: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾.
الشيخ: ما الدليل على استثناء المسافر؟
الطالب: استثناء المسافر من إيه؟ من استقبال القبلة؟
الشيخ: إي نعم، على أن المسافر لا يشترط لصحة صلاته استقبال القبلة بالشروط التي ذكرها المؤلف.
طالب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: لا.
طالب: حديث أنس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يصلي على دابته في السفر حيث توجَّهت به.
الشيخ: غير أنه لا يصلي عليها؟
الطالب: المكتوبة (٨).
الشيخ: المكتوبة، ما هو الدليل على أن العاجز لا يجب عليه استقبال القبلة؟
طالب: قول الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
الشيخ: نعم، وقوله؟
الطالب: وقول النبي ﷺ كذلك.
الشيخ: ويش قال؟
الطالب: قول الله ﷿: ربنا ..
الشيخ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الطالب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
[ ١ / ١٠٢٦ ]
الشيخ: وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». (٩) فيه ثالث أيضًا: لا يجب عليه استقبال القبلة، ويش؟
طالب: الخائف.
الشيخ: الخائف، دليله؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: لا؛ لأن الخائف بوسعه أن يصلي، لكن يخاف.
طالب: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
الشيخ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ما هو فرض من يمكنه مشاهدة عين الكعبة؟
طالب: وجوب أن يصلي نحوها.
الشيخ: يُصيب عينها طيب، وفرض من بعُد؟
طالب: الجهة.
الشيخ: يصيب الجهة، ما هو الدليل على أن فرض من بعد الجهة؟
طالب: قال الرسول ﷺ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» (١٠).
الشيخ: نعم، قول النبي ﷺ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ».
رجل صلَّى في السفر بعد أن اجتهد، وقال له اجتهاده: إن القبلة نحو هذا فصلَّى، ثم تبين له بعد ذلك أن القبلة إلى غير ذلك؟
طالب: إن كان في الوقت أعاد، وإن كان بعد الوقت.
الشيخ: لا يعيد.
الطالب: () لا يعيد.
الشيخ: وهذا القول اللي ذكرت بالتفصيل من أين جاءك؟
طالب: صلاته صحيحة؛ لأنه أتى بما وجب عليه.
الشيخ: أحسنت، صلاته صحيحة؛ لأنه أتى بما يجب عليه، دليل ذلك؟
طالب: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فهذا بذل وسعه اجتهد فأدى الاجتهاد إلى، وهذا غاية ما في استطاعته.
الشيخ: إي، لكن ما فيه دليل أخص؟
طالب: دليله: أنه لما غمي القمر على الصحابة فاجتهد كل منهم إلى قبلة، فعندما تبين الصواب مع بعضهم لم يأمر ﷺ بالإعادة.
الشيخ: ما في القرآن شيء؟
الطالب: في القرآن؟
الشيخ: إي.
[ ١ / ١٠٢٧ ]
الطالب: نعم، مثل: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا﴾ [البقرة: ١١٥].
الشيخ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾.
رجل اجتهد في القبلة لصلاة الظهر، ثم حضرت صلاة العصر، فهل يلزمه الاجتهاد مرة أخرى؟
الطالب: على قول المؤلف يلزمه الاجتهاد، وعلى القول الثاني لا يلزمه.
الشيخ: ما لم؟
الطالب: ما لم يحدث له شك.
الشيخ: ما لم يحدث له شك، وإلا فيبني على الاجتهاد الأول. إذا تبين له أن اجتهاده الأول خطأ، فهل يعيد؟
طالب: لا يعيد الصلاة؛ لأنه أدى ما عليه في الصلاة، ولكنه ().
الشيخ: لكن بعد أن تبين له ما يتجه مرة ثانية، ليه؟
الطالب: ().
الشيخ: النية، ابتدأنا، أخذنا منها شيئًا؟
طلبة: كثيرًا.
الشيخ: النية شرط لصحة الصلاة، فما الدليل؟
الطالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢).
الشيخ: أحسنت، كيف النية؟ هل ينوي الصلاة مطلقًا أو لا؟
طالب: يُعيِّن، ينوي الصلاة ().
الشيخ: وإن كانت غير معينة؟
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، أما عندك غير الجواب؟
طالب: يعينها الوقت، تعين بالوقت.
الشيخ: لا.
طالب: إن كانت معينة يعينها، وإن كانت مطلقة يطلق.
الشيخ: أحسنت، إن كانت معينة فلا بد من تعيينها، وإن كانت مطلقة مثل النوافل المطلقة يكفي نية الصلاة، مثال المعيَّن؟
طالب: صلاة الراتبة الفريضة.
الشيخ: كصلاة الفريضة، والراتبة، والوتر، والضحى، وغيرها كثير يعني.
الطالب: الاستسقاء.
الشيخ: إي، لكن معينة، نتكلم على المعينة سواء مؤقتة ولَّا غير مؤقتة.
طالب: تحية المسجد.
الشيخ: لا، ما هي معينة تحية المسجد، لو نوى نفلًا مطلقًا صح.
طالب: إذا قال لنا قائل: إن كل مؤقت فهو معين؟
[ ١ / ١٠٢٨ ]
الشيخ: لا، هو أن ينوي معينة سواء مؤقتة، ولا غير مؤقتة، وصلاة الضحى مؤقتة. هل هناك قول آخر بأنه لا يشترط تعيين المعينة؟
طالب: نعم، يكفي أن ينوي أنها فرض الوقت.
الشيخ: أن ينوي فرض الوقت أو الصلاة اللي حضر لها، أحسنت. متى محل النية؟
الطالب: عند التكبير أو قبل التكبير.
الشيخ: تكون عند التكبير أو قبل بكثير ولَّا بيسير؟
الطالب: بيسير.
الشيخ: نعم، المذهب بيسير، فيه قول آخر؟
الطالب: قول آخر بكثير ().
الشيخ: فيه قول ثالث؟
الطالب: لكن سمعت ().
الشيخ: وهو هما؟
الطالب: () وقت طويل.
الشيخ: ولو قبل الفعل بوقت طويل إذا لم؟
الطالب: إذا لم يفسخها.
الشيخ: إذا لم يفسخها، يشترط أن تكون النية في الوقت، ما معنى قول المؤلف: (لا يُشترط في الأداء نيته)؟
طالب: يعني ما هو شرط في وقت الأداء يعني حتى يقرأ باللسان.
الشيخ: ما فهمت؟
الطالب: يعني ما يشترط يقرأ باللسان.
الشيخ: لا، هو ما يشترط يقرأ باللسان سواء في نية المعينة أو غيرها، ما هو بشرط يقول: نويت أن أصلي، لكن ما معنى قوله: (لا يُشترط في الأداء نيته)؟
الطالب: لأن الوضوء والإتيان إلى المسجد هذا نية.
الشيخ: إي صحيح، لكن ليس هذا المراد.
طالب: يعني لا يشترط أن ينوي في الصلاة المؤدّاة أنها أداء، بل يكفي نية الصلاة.
الشيخ: إي، أفهمت؟ يعني مثلًا صلى الظهر، الظهر في وقتها أداء، لا يُشترط أن ينوها أداءً، إذا نوى الظهر كفى؛ لأن التعيين يكفي عن نية الأداء، وكذلك القضاء. هل يجوز للمصلِّي أن يقلب فرضه إلى نفل؟
طالب: نعم، جائز.
الشيخ: مطلقًا ولَّا بشرط؟
الطالب: بشرط أن يكون الوقت واسعًا.
الشيخ: هذا واحد، الشرط الثاني؟
طالب: أن يكون منفردًا.
الشيخ: أن يكون منفردًا، ما هو؟
الطالب: أن يكون النفل الذي ينقلب إليه ليس معينًا.
الشيخ: لا، المطلق؟
الطالب: إي نعم، إذا كان معينًا ما يصح.
الشيخ: طيب ما يصح ذاك المعين، لكن يصح أن يقلب الفرض نفلًا، مثال ذلك؟
[ ١ / ١٠٢٩ ]
طالب: صلَّى الظهر في وقته مفردًا، ثم وجد جماعة.
الشيخ: ثم حضرت جماعة.
الطالب: ثم حضرت جماعة حوَّلها إلى نفل؟
الشيخ: إلى نفل، صح، لكن بشرط أن يكون الوقت متسعًا. إذا كان الوقت مضيقًا؛ يعني لم يبقَ من الوقت إلا مقدار فعل الفريضة؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: () وقت الفريضة لا يجوز أن يؤخِّرها.
الشيخ: لأن هذا الوقت تعين للفريضة، فلا يجوز شغله بغيرها، وإذا كان مأمومًا؟
طالب: لا يصح، إذا كان مأمومًا لا يصح.
الشيخ: ليش ما يصح؟
الطالب: لأنه إذا كان مأمومًا () عليه صلاة الجماعة.
الشيخ: تفوت عليه صلاة الجماعة، فلا يصح. إذا كان إمامًا؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: يصلي بالناس ().
الشيخ: يؤدي إلى أن يقتدي المفترض بالمتنفِّل، وهذا لا يصح تمام.
الطالب: على المذهب.
الشيخ: على المذهب إي.
الطالب: ().
الشيخ: ويُفوِّت على نفسه الجماعة مع أن تفويت الجماعة في مسألة المأموم ومسألة المنفرد؛ يعني ما هو لازم قد يقول: أدرك جماعة في مسجد آخر.
طالب: وإن كان أفضل في مسجد آخر.
الشيخ: نقول: ليش أصلًا تدخل تصلي ما دام تعرف أن هناك أفضل كيف تدخل؟ إذا انتقل من فرض إلى فرض؟
طالب: نعم، إذا انتقل من فرض إلى فرض بطل.
الشيخ: ويش اللي يبطل؟
الطالب: تبطل الصلاة.
الشيخ: أيها؟
الطالب: تبطل الأولى، ولا تصح الثانية.
الشيخ: ولا تنعقد؟
الطالب: ولا تنعقد الثانية.
الشيخ: إي نعم، مثاله؟
الطالب: مثاله: رجل دخل لصلاة الظهر مثلًا.
الشيخ: أو العصر.
الطالب: يعني كلها رباعية.
الشيخ: لا العصر أحسن.
الطالب: الظهر.
الشيخ: طيب خير إن شاء الله.
الطالب: () على أن يقلبها يعني ..
الشيخ: إلى العصر.
الطالب: لا، نفلًا.
الشيخ: لا، ما هو نفل، انتقل من فرض إلى فرض.
طالب: رجل صلَّى العصر، وذكر أنه مثلًا نسي أن يتوضأ في الظهر، وانتقل إلى الظهر.
الشيخ: نواها للظهر.
الطالب: نواها للظهر.
[ ١ / ١٠٣٠ ]
الشيخ: صح، فهمت؟ إذن التمثيل بالعصر أحسن لأجل يكون المسألة قريبة بعد أن شرع في صلاة العصر، ذكر أنه صلَّى الظهر بغير وضوء، فقال: إذن أجعلها لها.
مثال آخر: ويقع لكثير من العامة، يدخل مع الإمام بنية المغرب، ثم يتبين له أن الإمام يصلي العشاء فيُحوِّل نية المغرب إلى عشاء. نقول: الآن لا صح العشاء، وبطل المغرب؛ لأنه أبطله بِنيَّته، ولم يصح العشاء؛ لأنه لم يبتدئه.
فإن انتقل من فرض إلى فرض بالتحريمة؛ يعني كبَّر للإحرام في الثانية؟
طالب: يصح.
الشيخ: ويش اللي يصح الأول ولَّا الثاني؟
الطالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، والأول؟
طالب: يبطل.
الشيخ: يبطل لأنه؟
الطالب: أبطله.
الشيخ: لأنه أبطله تمام. وإذا انتقل من فرض إلى نفل معين؟
طالب: ().
الشيخ: كيف؟ أيها؟
الطالب: الآن كبر.
الشيخ: إي، لما ذكر أنه صلى الظهر بلا وضوء انتقل، فقال: الله أكبر لصلاة الظهر، وابتدأها.
الطالب: وأبطل الأول.
الشيخ: إي، أبطل الأول، معلوم.
طالب: لا يصح.
الشيخ: مثل؟
الطالب: كان يشرع في صلاة الظهر، ثم يقلبها ..
الشيخ: كيف الظهر؟ إي الظهر نعم.
طالب: يشرع في صلاة الفجر، ثم ينويها أنها للسنة الراتبة قبل الفجر.
الشيخ: نعم، صح، صحيح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح الفرض؛ لأنه قطعه.
الطالب: ولا تصح ..
الشيخ: ولا النافلة؛ لأنه لم ينوها من أول الصلاة بخلاف ما إذا حوله إلى نفل مطلق فيصح؛ لأن صلاة الفريضة تشتمل على نية الصلاة عمومًا، وعلى التعيين، فإذا أبطل التعيين بقي النية العامة. انتقل من نفل معين إلى نفل مُطلق؟
طالب: انتقل من نفل معين إلى نفل مطلق.
الشيخ: نعم، يصح ولَّا لا؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح.
طالب: يصح يا شيخ.
الشيخ: يصح، إي، علِّل؟
طالب: لأن الانتقال من المعين إلى المطلق يصح.
الشيخ: إي نعم، هذا هو الحكم يا شيخ، التعليل بالحكم ما يجوز؛ لأن النفل المعين اشتمل على نيتين صلاة.
الطالب: المطلق والمعيّن.
[ ١ / ١٠٣١ ]
الشيخ: المطلق والمعين، فإذا ألغى المعين؟
طالب: بقي المطلق.
الشيخ: بقي المطلق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجب نية الإمامة والائتمام) الجماعة وصف زائد على نية الصلاة، وهذا الوصف هو اجتماع الإمام والمأموم، فهل تُشترط هذه النية؛ نية الاجتماع أو تكفي الموافقة في الأفعال؟ هذا هو ما يريد المؤلف أن نبحث فيه.
الجماعة وصف زائد على أصل الصلاة، لماذا؟
لأنها اجتماع على هذه الصلاة؛ فهي وصف زائد عنها؛ ولهذا نقول: الجماعة تجب للصلاة لا في الصلاة، تجب لها، ولا تجب فيها؛ فهل يُشترط نية هذا الوصف؟ أو يكفي الموافقة في الأفعال؟
هذا ما سيبحثه المؤلف ..
ويَجِبُ نِيَّةُ الإمامةِ والائتمامِ، وإن نَوَى المنفَرِدُ الائتمامَ لم تَصِحَّ كَنِيَّةُ إمامتِه فَرْضًا، وإن انْفَرَدَ مُؤْتَمٌّ بلا عُذْرٍ بَطَلَتْ، وتَبْطُلُ صلاةُ مأمومٍ ببُطلانِ صلاةِ إمامِه بلا استخلافٍ،
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجب نيَّةُ الإمامةِ والائتمامِ) الجماعة وصف زائد على نيَّة الصلاة، وهذا الوصف هو اجتماع الإمام والمأموم، فهل تُشْتَرَطُ هذه النية -نِيَّة الاجتماع- أو تكفي الموافقة في الأفعال؟ هذا هو ما يريد المؤلف أن يَبْحَثَ فيه، أفهمتم الآن؟
الجماعة وصف زائد على أصل الصلاة، لماذا؟ لأنها اجتماع على هذه الصلاة، فهى وصف زائد عنها؛ ولهذا نقول: الجماعة تجب للصلاة لا في الصلاة، تجب لها ولا تجب فيها، فهل يشترط نية هذا الوصف أو يكفي الموافقة في الأفعال؟ هذا ما سيبحثه المؤلف فيقول: (تجب نيةُ الإمامة والائتمام)، يعني: تجب نية هذا الوصف؛ فتجب نية الإمامة على مَن؟ على الإمام، ونية الائتمام على المأموم؛ أي: يجب أن ينوي الإمام الإمامة، والمأموم الائتمام؛ وذلك لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١).
[ ١ / ١٠٣٢ ]
ولا شك أن هذا شرط لحصول الثواب -ثواب الجماعة- لا يمكن أن يُنَال ثوابُ الجماعة إلا بِنِيَّتِها، لكن هل هو شرط لصحة الصلاة؟
المؤلف يرى أنه شرط لصحة الصلاة، وأن الإمام إذا لم ينو الإمامة، والمأموم إذا لم ينو الائتمام فصلاتهما باطلة، وخلافُ نيةِ الإمام الإمامة، وللمأموم الائتمام، خلافها صُوَر:
الصورة الأولى: أن ينوي الإمام أنه مأموم، والمأموم أنه إمام، فهذا؟
طالب: باطل.
الشيخ: لا تصح؛ لا شك أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ للتضاد؛ لأنَّ عَمَلَ الإمام غيرُ عمل المأموم.
الثانية: أن ينوي كل واحد منهما أنه إمام الآخر، هذا أيضًا لا يصح للتضاد؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإمام في نفس الوقت مأمومًا.
الصورة الثالثة ألَّا ينوي ذلك.
قلنا: الصورة الأولى؟
طالب: أن ينوي الإمام أنه مأموم.
الشيخ: أن ينوي الإمام الائتمام، والمأموم الإمامة.
الصورة الثانية: أن ينوي كل منهما أنه إمام الآخر.
الصور الثالثة: أن ينوي كل واحد منهما أنه مأموم الآخر، فهذا أيضًا لا يصح؛ كيف يكون المأموم هو الإمام؟ وإذا نوى كل منهما أنه مأموم الآخر ظهرا بلا إمام، لم يكن لهما إمام، وإذا نوى كل واحد منهما أنه إمام الآخر لم يكن هناك مأموم.
الصورة الرابعة: أن ينوي المأموم الائتمام ولا ينوي الإمام الإمامة، مثل: أن يأتي شخص إلى إنسان يصلي فيقتدي به ينوي أنه إمامه، وهذا الذي يصلي لم يعلم به، أي: لم يعلم أن أحدًا يصلي وراءه على إنه إمام له، فما الحكم؟
يرى المؤلف: أن الصلاة لا تصح؛ لا صلاة الإمام لأنه ما نوى -قصدي ما تصح باعتبار الجماعة- الإمام لا تصح صلاته جماعة؛ لأنه لم ينو، والمأموم لا تصح صلاته أصلًا؛ لأنه نوى الائتمام بمَن لم يكن إمامًا له، فلا تصح صلاتهما، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف.
والقول الثاني في المسألة أن ذلك صحيح، أي أنه يصح أن يأتم الإنسان بشخص لم ينو الإمامة.
[ ١ / ١٠٣٣ ]
واستدل أصحاب هذا القول بأن النبي ﷺ قام يصلي في رمضان ذات ليلة فاجتمع إليه ناس فصلوا معه ولم يكن عَلِمَ بهم، ثم صلى في الثانية والثالثة وعلم بهم، ولكنه تأخَّر في الرابعة خوفًا من أن تُفْرَض عليهم (٢)، وهذا مذهب الإمام مالك وهو أصح؛ أنه يجوز أن يأتم الإنسان بمن لم ينو الإمامة؛ لهذا الحديث، ولأن المقصود هو المتابعة، وقد حصلت، وفي هذه الحال يكون للمأموم ثواب الجماعة، ولا يكون للإمام؛ لأن المأموم نوى فصار له ما نوى، والإمام لم ينو فلا يحصل له ما لم ينوه.
الصورة السادسة: أن ينوي الإمام الإمامة دون المأموم، كإنسان جاء إلى جنبه واحد وكبر، فظن الأول أنه يريد أن يكون مأمومًا به، فنوى الإمامة وذاك لم ينو الائتمام، فهنا لا يحصل ثواب الجماعة لا للإمام ولا للمأموم، لماذا؟ لأنه ليس هناك جماعة، المأموم ما ائتم بالإمام ولا اقتدى به ولا نواه إمامًا، والإمام نوى الإمامة لكن بِمَن؟ بغير أحد، فلا يحصل ثواب الجماعة من غير أن يكون هناك جماعة.
وهذه لو قال قائل بصحتها لم يكن بعيدًا بشرط أن المأموم يقتدي بالإمام؛ أما إذا لم يقتد فلا شك أن الجماعة لا تحصل.
المؤلف لا يرى من هذه الصور الست شيئًا صحيحًا، وإنما يرى أن الصورة الصحيحة هى أن ينوي الإمام الإمامة والمأموم الائتمام؛ ولهذا قال: (وتَجب نية الإمامة والائتمام).
الصور لو تعيدونها علينا؛ علشان يتبين أنها ست.
طالب: الصورة الأولى: أن يكون تضاد بين الإمام والمأموم أن ينوي المأموم أنه إمام، والعكس كذلك.
الشيخ: أن ينوي المأموم أنه إمام والإمام أنه مأموم.
الطالب: الصورة الثانية: أن يتفقا فيتفقا على أن كليهما مأموم.
الشيخ: أن ينوي كل واحد منهما أنه مأموم، الثالثة؟
الطالب: () أن كل واحد منهما إمام.
الشيخ: أن ينوي كل واحد منهما أنه إمام.
الطالب: الصورة الرابعة: لا ينوي الإمام شيئًا وينوي المأموم أنه مأموم.
[ ١ / ١٠٣٤ ]
الشيخ: أن ينوي المأموم الائتمام ولا ينوي الإمام الإمامة.
الطالب: الصورة الخامسة: أن ينوي الإمام الإمامة ولا ينوي المأموم الائتمام، خمسة.
الشيخ: هذه خمس.
طالب: الإمام هو إمام والمأموم يعني: هو المأموم.
الشيخ: لا، هذه صحيحة، نحن نريد خلاف الصحيح.
طالب: أن كليهما () مأمومًا.
الشيخ: ذكرناها.
طالب: لا ينوي شيئًا.
الشيخ: ألا ينوي شيئًا؛ يعني: بأن يتابعه بدون نية؛ يعني: تكون جازت له الصلاة ومتأكد، وصار يتابعه ولكن بدون نية، وهذا ممكن، أرأيتم لو أن شخصًا جاء يصلي، ورأى أن الإمام لا تصح صلاته، وخجل أن يخرج فصار يتابع الإمام بدون نية أنه مأموم، يمكن هذا ولَّا لا؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: ويوجد بعض الناس أيضًا يغلب عليه الحياء الذي يُعْتَبر جبنًا، يُحْدِث وهو يصلي وهو مأموم، ويخجل أن ينطلق ليتوضأ، وأيش يعمل؟
طالب: يصلي.
الشيخ: يتابع مع الناس، وهو ما نوى الصلاة؛ لأنه مُحْدِث، وهذه تقع مع أن هذا لا يجوز، والواجب أن ينصرف وأن يضع يده إذا خاف أن يخجل، يضع يده على أنفه، كذا، يطلع للناس وهو عامل كذا، علشان أيش؟ نقول: والله، هذا أرعف أنفه غصبًا عليه، ولا أحد يخجله في هذا الشيء، إي نعم، على كل حال صارت المخالفات كم؟
طلبة: ست.
الشيخ: ست صور.
الصورة السابعة الصحيحة: أن ينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم.
() كيف أيش؟
طالب: ()؟
الشيخ: سمعتم سؤال الأخ؟ يقول: جاء رجل إلى شخصين يصليان، فدفع المأموم يظن أنه الإمام، المأموم لما دُفِعَ على أنه الإمام مشَّاها، وجعل نفسه هو الإمام، ما تقولون في هذا؟
طالب: الإمام يكون على اليسار.
الشيخ: لكن هذا رجل عاميٌّ، ما يعرف اليسار من اليمين.
طالب: ما تصح.
الشيخ: هذا ما يصح، لأنه سيكون إمامًا، والإمام الأول؟
طالب: إمام؟
الشيخ: إمامًا.
طالب: يصير تضاد.
[ ١ / ١٠٣٥ ]
الشيخ: يصير تضاد، لكن لو أن الإمام الأول لما رأه تقدَّم قَلَبَ نية الإمامة إلى ائتمام، فيكون عندنا قلب، وقلب النية سيأتي إن شاء الله الكلام عليه وعلى صوره، إن استمر كل واحد منهما أنه إمام ما صحت.
طالب: لو دخل مسافر على رجل يصلي فريضة، وهو في التشهد الأخير فجلس معه عندما سلم.
الشيخ: يصلي رباعية، دخل مسافر مع إمام يصلي رباعية في التشهد الأخير.
الطالب: هل إذا سلَّم يُتِمُّ الرباعية أو ثنائية.
الشيخ: سمعتم السؤال؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يقول: هل يتم رُبَاعيَّة أو ثُنَائِيَّة؟ رجل دخل مع الإمام الذي يصلي أربعًا في التشهد الأخير، هل يلزمه أن يُتِمَّ أربعًا أو يصلي ركعتين؟
طلبة: يلزمه أربعًا.
الشيخ: يلزمه أربعًا؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٣)، بل لقوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٤).
طالب: مستحيل، يدرك الصلاة بركعة.
الشيخ: دعنا، ما قال الرسول: فإن أدركتم الصلاة فصلوا، لو قال: إن أدركتم الصلاة، صحَّ أن تَبْنِى على مسألة ما تُدْرَكُ به الجماعة؛ ولهذا بعض الناس ظنَّ أن هذه المسألة مَبْنِيَّةٌ على إدراك الجماعة، وقال: إن إدراك الجماعة على القول الراجح لا يكون إلا بركعة.
نحن نقول: هذه ليست مَبْنِيَّة على إدراك الجماعة؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: فإن أدركتم الجماعة فأتموا ما فاتكم.
طالب: شيخ.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، خلينا نحرر المسألة دي، المسألة هذه للجميع، وكثيرًا ما تقع، وكثيرًا ما تُشْكِل؛ لأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة قال: إن أدرك ركعة أتمَّ أربعًا، وإن أدرك أقلَّ فله أن يُقْصِر، لكن عندي أن هذا فيه نظر؛ لأن عموم الحديث «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٤) يتناول هذه الصورة، وهذا الرجل الآن فاته أربع ركعات، فيتم أربعًا.
طالب: ما فيه دليل خاص.
[ ١ / ١٠٣٦ ]
الشيخ: ما عندي دليل خاص.
طالب: ().
الشيخ: لا ما هو من هذا، هذا إذا كان الإمام مسافرًا الذي تقول، أما هذا الإمام مقيم يُتِمُّ.٠٠٠٠٨٠">#
طالب: ().
الشيخ: لا.
طالب: بالنسبة للذين لم ينويا شيئًا، هل تَصِحُّ صلاتُهم ولَّا لا؟
الشيخ: أيش هم؟
الطالب: اللي صلوا من غير ما ينوي الإمام الإمامة، ولا المأموم الائتمام؟
الشيخ: ما تصح صلاتهم.
الطالب: لا جماعة ولَا ..؟
الشيخ: لا جماعة ولا فرادى؛ لأن هذا الشيء فيه تلاعب.
الطالب: أحسن الله إليك، الذين يجعلون صلاة الجماعة شرط صحة في الصلاة، هل يُلْزِمون من صلى منفردًا وحضر الجماعة أن يخرج من الصلاة أم يبقى ..
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنهم لا يلزمونه؛ لأنه الآن شَرَع في الصلاة وتَلَبَّس بها.
طالب: وإن لم يتمها؟
الشيخ: إي، ولو لم يتمها، هو مطالب بصلاة الجماعة قبل أن يدخل في الصلاة، أما الآن لَمَّا دَخَل ولزمته.
طالب: إذا جاء مصلٍّ والإمام في سجود السهو ()؟
الشيخ: هذا سؤال غريب، يقول: إذا جاء مصلٍّ والإمام في سجود السهو، هل يدخل معه أو لا؟
طالب: ما يدري هو.
الشيخ: لا، ننظر إن كان السجود قبل السلام دخل معه، وإن كان السجود بعد السلام لم يدخل معه، أعرفت؟
طالب: لكن ما يدري.
الشيخ: هذه مشكلة، إذا قال: أنا لا أدري هل السجود قبل السلام أو بعده.
طالب: وقد يحضر آخر التشهد يعني: يراه.
الشيخ: أنا أقول: إذا كان لم يره ما يدري، هل نقول: لا يدخل لئلا يعرض صلاته للخطر، أو نقول: يدخل وإن تبين له بعد ذلك أن سجود السهو بعد السلام فإنه يعيد الصلاة؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الظاهر أن الأول أهون، أقول: لا يدخل.
طلبة: ().
الشيخ: لا يدخل؛ لأنه إذا لم يدخل يصلي وحده، لكن إذا دخل ثم تبين أن سجود السهو بعد السلام، وقلنا: إن صلاته لا تنعقد مشكلة، وهنا أيضًا مسألة ينبغي التَّنْبِيه عليها.
[ ١ / ١٠٣٧ ]
قال الفقهاء: إذا سلم الإمام التسليمة الأولى ثم دخل المأموم معه لم تنعقد صلاته، وهذا أيضًا.
طالب: أعد السؤال.
الشيخ: أنا ما بسأل، أنا أخبر، أعيد المسألة؟
طالب: عيد المسألة.
الشيخ: لو جاء إلى المسجد والإمام قد سَلَّم التسليمة الأولى، ثم كَبَّر للإحرام ودخل معه قبل أن يُسَلِّم الثانية، يقولون: إن صلاته لا تنعقد، صلاة المأموم ما تنعقد، ما تصح، لماذا؟
قال: لأن الإمام شَرَع في التحلُّل من الصلاة، وهنا دخل على إمام بدأت صلاته في التحلل فلا تنعقد الصلاة، وهذه أنا أحيانًا ألتفت أسلم على اليمين وإذا ببعض الناس يكبر بعد سلام الأولى، نقول لهذا الرجل: أعد صلاتك، لكن إذا كان جاهلًا، فالظاهر أننا لا نأمره بالإعادة، لا سيما على القول بأن التسليمة الثانية ركن، وأنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمة الثانية.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن نوى المنفردُ الائتمامَ لم تصِحَّ كنِيَّةِ إمامتِه فرضًا، وإن انفرد مُؤْتَمٌّ بلا عُذْرٍ بطلت، وتبطل صلاةُ مأموم ببطلان صلاة إمامه فلا استخلاف، وإن أحرم إمامُ الحيِّ بمن أَحْرَم بهم نائبُه، وعاد النائب مؤتَمًّا صحَّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ١ / ١٠٣٨ ]
سبق لنا أنه إذا انتقل من فرض إلى فرض فإنه لا تَصِحُّ، يَبْطُل الأول لإبطاله إياه بالنيَّة، ولا ينعقد الثاني؛ لأنه لم يَنْوِه بتكبيرة الإحرام، وسبق لنا أن هذه القاعدة مطَّردة في كل انتقال من مُعَيَّنٍ إلى معين، أو من مطلق إلى معين، وأنه إذا انتقل من مُعَيَّنٍ إلى مُطْلَق صحَّ، مثل: أن ينتقل من الفريضة يجعلها نافلة نفلًا مطلقًا فإنه يَصِحُّ، ووجه ذلك أن نية الفريضة تتضمن نيتين: نية الصلاة المطلقة، ونية التعيين؛ فإذا ألغى نيَّة التعيين بقيت نية الصلاة المطلقة.
قال المؤلف ﵀: (يجب نيةُ الإمامة والائتمام)، سبق لنا أيضًا: أنه يَجِب على الإمام أن ينوي الإمامة، وعلى المأموم أن ينوي الائتمام، وأن هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀.
وسبق أن نيَّة الإمام الإمامةَ فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمن العلماء مَنْ قال كما قال المؤلف: أنه لو صلَّى الإنسان وائتم به شخص وهو لم يعلم به وبقى الإمام ناويًا الانفراد فإن الصلاة لا تصح؛ صلاة المأموم، أما صلاته هو فصحيحة.
ولكن في المسألة قول آخر: أنه يجوز أن يصلِّى الإنسان خلف شخص لم يَنْوِ الإمامة به، وذكرنا أن هذا قول الإمام مالك ﵀، واستدل بأن النبي ﷺ صلَّى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته أناسٌ من غير أن يعلم بهم، فدلَّ ذلك على جواز الائتمام بشخص لم ينو أن يكون إمامًا لك، أما نية الائتمام فلا بد منها؛ يعني: لا يمكن لإنسان أن يصلي إلى جنبك ينوي أن يكون إمامًا بك وأنت لا تنوي أن تكون مؤتمًّا به، ثم نقول: يصح ائتمامك، لا نقول هكذا لأنك لم تنو، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥).
[ ١ / ١٠٣٩ ]
ثم قال المؤلف: (وإن نوى المنفردُ الائتمامَ لم تصحَّ)؛ يعني: شخص ابتدأ الصلاة منفردًا، ثم حضرت جماعة فصلوا جماعة، فانتقل من انفراده إلى الائتمام بالإمام الذي حضر، فإن صلاته على المذهب لا تصح، تبطل، ما الدليل؟
ليس هناك دليل، ولكن هناك تعليل؛ لأنه نوى الائتمام في أثناء الصلاة فَتَبَعَّضَتِ النِّية؛ حيث كان في أول الأمر منفردًا ثم كان مؤتمًّا، فلما تبعَّضَتِ النية بطلت الصلاة، كانتقاله من فرض إلى فرض، وهذا هو المذهب.
والقول الثاني: وهو رواية أيضًا عن أحمد: أنه يصح أن ينوي المنفرد الائتمام؛ والمثال كما سمعتم، رجل شرع يصلي وحده، ثم حضر جماعة فنوى الدخول معهم فالمذهب؟
طالب: تبطل صلاته.
الشيخ: تبطل صلاته من حين أن ينوي الدخول معهم، فإن استمرَّ استمرَّ بصلاةٍ باطلةٍ، والقول الثاني: أن ذلك صحيح؛ لأن الاختلاف هنا اختلاف في صفة الصلاة، كان بالأول منفردًا ثم صار مؤتمًّا، ليس تغييرًا لنفس الصلاة، بل هو تغيير لصفة من صفات الصلاة فيكون ذلك جائزًا.
قالوا: والدليل على هذا: أنه قد ثبت في السُّنَّة صحة انتقال الإنسان من انفراد إلى إمامة كما سيأتي إن شاء الله، فدل هذا على أن مثل هذا التغيُّر لا يُؤَثِّر، فكما يصح الانتقال من انفراد إلى إمامة يصح الانتقال من انفراد إلى ائتمام ولا فرق، غاية ما هنالك أنه في الصورة الأولى صار إمامًا، وفي الصورة الثانية صار مؤتمًّا.
فإذا قال قائل: على القول بالصحة -وهو الصحيح- إذا كان قد صلى بعض الصلاة، وَحَضَر هؤلاء الجماعة ولنفرض أن ذلك في صلاة الظهر، وكان قد صلى ركعتين قبل حضور الجماعة، فلما حضر الجماعة دخل معهم، وحينئذ سوف تَتِمُّ صلاته إذا صلى الجماعة ركعتين، فماذا يصنع؟
[ ١ / ١٠٤٠ ]
نقول: يجلس لا يتابع الإمام؛ لأنه لو تابع الإمام للزم أن يُصَلِّيَ سِتًّا، وهذا لا يجوز، فيجلس وينتظر الإمام ويسلِّمَ معه، وإن شاء نوى الانفراد وسلَّم، وانصرف، فهو بالخيار إن شاء انتظر، وإن شاء نوى الانفراد وسلم وانصرف، وإن كان دخل معهم في أول صلاته فماذا يصنع؟ يتابعهم ويسلِّم معهم ولا إشكال في المسألة، هذه واحدة.
(كَنِيَّةِ إمامتِه فَرْضًا) يعني: كما لا تَصِحُّ نيةُ إمامتِه في الفرض؛ أي: كما لا يصح أن ينتقل المنفرد إلى إمامة في صلاة الفرض.
هو اللي سبق الآن: انتقال المنفرد إلى ائتمام لا تصح، كما قال المؤلف، والصحيح الصحة.
إذا انتقل المنفرد من الانفراد إلى الإمامة بأن صلَّى منفردًا ثم حضر شخص أو أكثر فقالوا له: صلِّ بنا، فنوى أن يكون إمامًا لهم، فقد انتقل منين؟ من انفراد إلى إمامة، وهذا يقول المؤلف: إنه لا يصحُّ؛ فتبطل صلاته؛ لأنه انتقل من نيَّة إلى نية، فتبطل الصلاة كما لو انتقل من فرض إلى فرض.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (كَنِيَّة إمامتِه فرضًا) أنه لو انتقل إلى الإمامة في نفل، انتقل المنفرد من الانفراد إلى الإمامة في نفل فإن صلاته تصح.
الدليل: أن ابن عباس ﵄ بات عند النبي ﷺ ذات ليلة، فقام النبي ﷺ يُصَلِّي من الليل، فقام ابن عباس فوقف عن يساره، فأخذ النبي ﷺ برأسه من ورائه فجعله عن يمينه واستمرَّ في صلاته (٦)، فانتقل النبي ﷺ هنا من أي شيء؟
طلبة: من انفراد.
الشيخ: من انفراد إلى إمامة في فرض أو في نفل؟
طلبة: في نفل.
الشيخ: في نفل.
وعلى هذا؛ فيكون في انتقال المنفرد من انفراد إلى إمامة نَصٌّ عن رسول الله ﷺ.
إذن المؤلف ﵀ مشى على أن الإنسان إذا انتقل من انفراد إلى إمامة، فإن كان في نفل صحَّ، وإن كان في فرض لم يصح، ولهذا قال: (كَنِيَّةِ إمامتِه فرضًا).
[ ١ / ١٠٤١ ]
والقول الثاني في المسألة: أنه يَصِحُّ أن ينتقل من انفراد إلى إمامة في الفرض والنفل.
واستدل هؤلاء: بأن ما ثبت في النفل ثَبَتَ في الفرض إلا بدليل، وهذا ثابتٌ في النفل -أي انتقال المنفرد إلي إمامة- فيكون جائزًا في الفرض كما هو جائز في النفل.
والدليل على أن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل: أن الصحابة الذين رَوَوْا أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته في السفر حيثما توجَّهت به، قالوا: غير أنه لا يصلي عليها الفريضة، فدلَّ هذا على أنه من المعلوم عندهم أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، ولولا ذلك لم يكن لاستثناء الفريضة وجه.
على كل حال القول الثاني في هذه المسألة أيش؟
طلبة: الصحة.
الشيخ: أنه يصح أن ينتقل من انفراد إلى إمامة في الفريضة وفي النافلة.
القول الثالث في المسألة: أنه لا يصح أن ينتقل من انفراد إلى إمامة؛ لا في الفرض ولا في النفل، كما لا يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى ائتمام لا في الفرض ولا في النفل، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، فيكون المؤلف هنا خالف المذهب، مشى على خلاف المذهب، فالمذهب عند المتأخرين: أنه لا يصحُّ لا في الفرض ولا في النفل.
ولكن الصحيح: أنه يصحُّ في الفرض وفي النفل، أما النَّفل فقد ورد به النص، وأما الفرض فلأن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
إذا قال قائل: بماذا يجيب القائلون بأنه لا يَصِحُّ في الفرض ولا في النفل عن حديث ابن عباس؟
[ ١ / ١٠٤٢ ]
فالجواب: يجيبون عنه بأن النبي ﷺ صلَّى منفردًا، وهو يغلب على ظنِّه أن ابن عباس سيصلي معه، وبَنَوْا على ذلك أنه إذا انتقل المنفرد من انفراد إلى إمامة، وكان قد ظنَّ قبل أن يدخل في الصلاة أنه سيأتيه شخص يكون إمامًا له، فإن ذلك صحيح، قالوا: لأنه لما ظن أنه سيحضر معه شخص؛ فقد نوى الإمامة في ثاني الحال من أول الصلاة فلا يضر، ولكن نرد عليهم بأنه كيف يَظُنُّ النبي ﷺ أن ابنَّ عباسٍ سيصلي معه وابن عباس غلام صغير نائم، هذا من أبعد ما يكون.
ثم نقول: إن دعوى الظنِّ دعوى وجود شيء الأصل عدمه، فمن يقول: إن الرسول ﵊ قد ظنَّ ذلك، فصار قولهم هذا مردودًا من وجهين:
الوجه الأول: بعد ظَنِّ الرسول ﵊ أن ابنَ عباسٍ سيصلي معه وهو غلام صغير نائم.
والثاني: أنا نقول: حتى وإن لم يكن ذلك بعيدًا فمَنِ الذي يقول: إن الرسول ظنَّ ذلك؟ هذا يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل عدم ظَنِّه ذلك، واضح؟ وحينئذ فيكون هذا الردُّ على حديث ابن عباسٍ مردودًا، فيبقى حديث ابن عباس مُحْكَمًا سالمًا من المعارضة، ويُقاس على النَّفْل الفرضُ قياسًا لا شُبْهَة فيه، وحينئذ لنا انتقالان:
انتقال من انفراد إلى ائتمام، فالمذهب لا يَصِحُّ، لا في الفرض ولا في النفل، والصحيح صحته في الفرض والنفل.
ثانيًا: انتقال من انفراد إلى إمامة، وهذا المذهب لا يصح لا في الفرض ولا في النفل، والصحيح أنه يَصِحُّ في الفرض وفي النفل.
وهناك قول يُفَصِّل فيقول: يصحُّ في النفل، ولا يصح في الفرض، وهو الذي مشى عليه صاحب المختصر؛ الانتقال من إمامة إلى انفراد، ومن ائتمام إلى انفراد يعني: عكس ما ذكرنا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الأول: انتقال من انفراد إلى ائتمام، والثاني: من انفراد إلى إمامة، الثالث العكس: أن ينتقل من ائتمام إلى انفراد، فهل هذا جائز؟
[ ١ / ١٠٤٣ ]
استمع: (وإن انفرد مؤتّمٌّ بلا عذر بطلت)، وهذا نُعَبِّر عنه بالانتقال من ائتمام إلى انفراد، هل يجوز أو لا؟ يقول المؤلف في هذا تفصيل: إن كان هناك عذر جاز، وإن لم يكن عذر لم يجز.
مثال ذلك: دخل المأموم مع الإمام في الصلاة، ثم طَرَأَ عليه أن ينفرد، فانفرد وأتمَّ صلاته منفردًا وانصرف، نقول: إذا كان لعذر فصحيح، وإن كان لغير عذر فغير صحيح.
مثال العذر: من الأعذار تطويل الإمام تطويلًا زائدًا على السُّنَّة، فإنه يجوز للمأموم أن ينفرد، ودليل ذلك: قصة الرجل الذي صلَّى مع معاذٍ ﵁، وكان معاذ يُصَلِّي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، فدخل ذات ليلة في الصلاة فابتدأ سورة البقرة، فانفرد رجل وصلَّى وحده ومشى، فلما عَلِم به معاذ ﵁ قال: إنه قد نافق؛ حيث خرج عن جماعة المسلمين، ولكن الرجل شكا ذلك إلى النبي ﷺ فدعا معاذًا، فغضب عليه وقال له: «أَتُرِيدُ يَا مُعَاذُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا؟ إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ» (٧) ولم يُوَبِّخ الرجل، فدلَّ هذا على جواز انفراد المأموم؛ لتطويل الإمام، لكن بشرط أن يكون تطويلًا خارجًا عن السنة؛ لا خارجًا عن العادة.
لو جاء إنسانٌ وأَمَّ جماعة؛ كان إمامُهم الراتب يصلي بقراءة قصيرة وبركوع وسجود خفيف، فصلَّى بهم هذا على مقتضى السنة، فإنه لا يجوز لأحد أن ينفرد؛ لأن هذا ليس بعذر.
ومن الأعذار: أن يَطْرَأ على الإنسان ما يمنع كمال الصلاة، مثل: صلَّى مع الجماعة ففُتِحَ المكيِّف، والمكيِّف أمامه، ولا يسطيع أبدًا أن يُقابِل هذا المكيف، لو بقى مقابلًا له تفجَّر صدره، هذا عذر أن ينفرد، فيصلي ويخفِّف وينصرف.
من الأعذار أيضًا: أن يطرأ على الإنسان تَقَيُّؤٌ في أثناء الصلاة، ما يسطيع أن يبقى حتى يكمِّل الإمام، فعجَّل في الصلاة وانصرف.
[ ١ / ١٠٤٤ ]
من الأعذار أيضًا: أن يطرأ على الإنسان ريحٌ، غازات، يَشُقُّ عليه أن يبقى مع إمامه، فينفرد ويخفف وينصرف.
من الأعذار أيضًا: أن يطرأ عليه احتباسُ البول، يعني: يُحْصَر ببولٍ أو غائط، كما لو كان فيه إسهال مثلًا، ونزل الغائط بسرعة فانفرد ليخفِّف الصلاة وينصرف، كل هذه أعذار.
لكن إذا قُدِّر أنه لا يستفيد من مفارقة الإمام شيئًا؛ لأن الإمام يخفف، ولو خَفَّف أكثر من تخفيف الإمام لم تَحْصُل الطمأنينة، فهل يجوز أن ينفرد؟ لا، لماذا؟
لأنه لا يستفيد شيئًا بهذا الانفراد.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (إن انفرد مؤتَمٌّ بلا عذر بطلَت) أن صلاته تبطُل بلا عذر وتصحُّ مع العذر.
ومن العذر أيضًا: أن تكون صلاة المأموم أقلَّ من صلاة الإمام، مثل: أن يُصَلِّي المغرب خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي العشاء على القول بالجواز؛ فإنه في هذه الحال يَنْفَرِد ويقرأ التشهد وينصرف، أو يدخُل مع الإمام إذا كان يريد أن يجمع مع الإمام فيما بَقِيَ من صلاة العشاء، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو حَقٌّ، وأظنُّه منصوصَ الإمام أحمد، وأن الإمام أحمدَ نصَّ على جواز هذه الصورة.
إذن يجوز الانفراد في هذه الحال، ما نوع العذر؟
طالب: ().
الشيخ: لا، عُذْرٌ شرعي؛ لأنه لو قام مع الإمام في الرابعة بَطَلَت صلاته، فهنا الانفراد لعذر شرعيٍّ، وإن انفرد بلا عذر فصريح كلام المؤلف أنها تبطل.
والقول الثاني في المسألة: أنها لا تَبْطُل، لكن هذا إن قلنا به، فيجب أن يُقَيَّد بما إذا أدرك الجماعة بأن يكون قد صَلَّى مع الإمام ركعةً فأكثر، أما إذا لم يكن أدرك الجماعة فإنه لا يَحِلُّ له تركُ الجماعة؛ لكن لو صَلَّى ركعة، ثم أراد أن ينفرد على القول بأنه يجوز الانفراد بلا عذر، فإنه حينئذ يجوز أن يَنْفَرِد.
لكن القول بالانفراد بلا عذر في النَّفْس منه شيء، أما مع العذر الحسِّي أو الشرعي فلا شك في جوازه.
[ ١ / ١٠٤٥ ]
هل من العذر إذا كان المأموم مسافرًا والإمام مقيمًا، فهل يَنْفَرِد المأموم إذا صَلَّى ركعتين ويسلم؟
لا، لماذا؟ لأن المأموم المسافر إذا اقتدى بإمام يُتِمُّ وجب عليه الإتمامُ؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّما جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٣)، وقوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٤).
طالب: الصورة ما قيدناها ().
الشيخ: يعني: إذا قلنا بجواز الانفراد بلا عذر فيجب أن يُقَيَّد هذا بما إذا أدرك الجماعة؛ يعني: إذا صلى مع الإمام ركعةً فأكثر؛ مثال ذلك: دَخَلَ مع الإمام في أَوَّل الصلاة، ولمَّا ركع الإمام ورفع انفرد المأموم بلا عذر، ينبغي أن نقول: هذا لا يجوز، ليش؟ لأنه يستلزم تركَ الجماعة؛ حيث لم يُدْرِك ركعةً، وقد قال النبي عليه الصلام والسلام: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٨)، أما لو انفرد في الركعة الثانية فهذا لا مَحْذور فيه إذا قلنا بصحة الانفراد بلا عذر؛ لأنه أدرك الجماعة حيث أدرك ركعة، فهمتم الآن؟ بماذا تدرك الجماعة؟
الطلبة: بركعة.
الشيخ: بركعة، زين، رجل دخل مع الإمام، وفي أثناء الركعة الأولى انفرد بغير عذر، هل أدرك الجماعة؟
طلبة: لا، ما أدركها.
الشيخ: ما أدركها؟ لماذا؟
الطلبة: لأنه لم يصلِّ ركعة.
الشيخ: لم يصلِّ ركعة، إذن هنا نقول: هذا ممنوع، وإن قلنا بجواز الانفراد بلا عذر، لماذا يُمْنَع؟ لأنه لم يُدْرِك الجماعة، والجماعة واجبة على الإنسان، فلا يجوز أن ينفرد انفرادًا يُفْضِي إلى ترك الجماعة.
إذا انفرد في الركعة الثانية بعد أن أدرك الركعة الأولى فحينئذ يكون أدرك الجماعة وأتى بواجب الجماعة، فإذا قلنا بجواز الانفراد بلا عذر فله أن ينفرد.
[ ١ / ١٠٤٦ ]
ولكن القول الذي تَطْمَئِن إليه النفس أن الانفراد بلا عذر لا يجوز؛ لأن هذا يُفْضِي إلى التلاعب؛ التلاعب مثلًا: إمام صلَّى بالجماعة، صَلَّى بهم ركعة، إذا واحد منهم ينفرد بالركعة الأولى، وخمسة في الركعة الثانية، والباقين في الركعة الثالثة، () سلم ().
***
قال: (وإن انفرد مُؤْتَمٌّ بلا عذر بَطَلَت)، بقى عكس الصورة الثانية وهو الانتقال من انفراد إلى إمامة، عرفتم فيه الخلاف.
الانتقال من إمامة إلى انفراد هذا أيضًا جائز، وله صور؛ منها:
أن تبطُل صلاة المأموم؛ يكون الجماعة مكونةً من إمام ومأموم فتبطل صلاة المأموم، فهنا يَتَعَيَّن أن ينتقل من إمامة إلى انفراد؛ لأن مأمومه بطلت صلاته.
الصورة الثانية: أن ينفرد المأموم عن الإمام لِعُذْرٍ، فهنا ينتقل من إمامة إلى انفراد، ضرورة.
فإذن، نقول: إذا انفرد الإمام لم تبطل صلاته، وصورته: أن يكون للمأموم عذر شرعي أو حِسِّي، فينفرد عن الإمامة ويبقى الإمام وحده، فهنا يكون انتقل من إمامة إلى انفراد، ثم قال: أيش بعدها؟
طلبة: (وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه).
الشيخ: لعلنا ننتقل إلى المسألة الثانية حتى يتم الانتقالات.
[ ١ / ١٠٤٧ ]
قال: (وإن أَحْرَم إمام الحي بِمَنْ أحرمَ بهم نائبُه، وعاد النائبُ مُؤْتَمًّا صَحَّ) هذا أيضًا نوع من الانتقال، هذا انتقل من إمامة إلى ائتمام، إذا انتقل الإنسان من إمامة إلى ائتمام صَحَّت صلاته، ولها صُوَرٌ؛ منها ما ذكره المؤلف؛ أحرم شخص بقوم نائبًا عن إمام الحي، وإمام الحي مَنْ هو؟ هو الإمام الراتب؛ الإمام الراتب تَخَلَّف لعذر، وقال لفلان: صَلِّ بالناس، ثم إن عُذْرَ الإمام زال فحضر إلى المسجد، فَتَقَدَّم إلى الْمِحْراب لِيُكَمِّل بالناس صلاة الجماعة، نائبُه ماذا يصنع؟ يتأخَّر ويصلِّي إن وجد مكانًا في الصف، وإِلَّا بَقِي عن يمين الإمام كما فعل أبو بكر، فهنا ينتقل الإمام النائب من إمامة إلى ائتمام، وهذا جائز، ودليله: ما وقع لرسول الله ﷺ حين أمر أبا بكر أن يُصَلِّيَ بالناس، فوجد ﷺ خِفَّة، فخرج إلى الناس فصلى بهم، فجلس عن يسار أبي بكر، وأبو بكر عن يمينه، والنبي ﷺ يُكَبِّر، ولكن صَوْتَه خَفِيٌّ؛ فكان يكبِّر، وأبو بكر يكبِّر بتكبيره ليُسْمِعَ الناس (٩)، فهنا انتقل أبو بكر ﵁ مِن إمامةٍ إلى ائتمام، وهذا جائز.
المأمومون إلى أي شيء انتقلوا؟
طلبة: من ().
الشيخ: لا، انتقلوا مِنْ إِمامٍ إلى إمام آخر، لكنهم ما زالوا مُؤْتَمِّين، إنما انتقلوا من إمام إلى إمام آخر.
وقول المؤلف: (إِنْ أحرَمَ إمام الحي بِمَنْ أحرم بهم نائبُه) نقول: إنالقول الراجح أنه لا فرق بين إمام الحي وغَيْرِه، وأنه لو صلَّى إمامٌ بجماعة ثم حضر قارئ أقرأ منه، وكان يعلم أن الجماعة يُحِبُّون أن يكون هو الإمام، فلا حرج عليه أن يَتَقَدَّم ويكون إمامًا، ويعود الإمام الأول مأمومًا، ولا بأس به.
الانتقال من ائتمام إلى انفراد جائز؟
طالب: نعم، لعذر.
[ ١ / ١٠٤٨ ]
الشيخ: من ائتمام إلى انفراد لعذر جائز، هل من الانتقال من ائتمام إلى انفراد ما لو سَلَّم الإمام وأحد المأمومين مَسْبُوق؟ أو نقول: إن الإمام تمت صلاته، ولا يكون هذا انتقالًا؟
طلبة: مثال.
الشيخ: رجل دخل مع الإمام وقد فاته ركعة، فلما سلَّم الإمام قام يصلي الركعة انتقل الآن من ائتمام إلى انفراد، لكنَّ هذا الانفراد ضَرُورِيٌّ؛ لأن صلاة الإمام تَمَّت وانتهت، فلا بد أن ينتقل إليه ولا بأس به، هل يجوز أن ينتقل من ائتمام إلى إمامة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما أسرع ما تُجِيبون، ولعلكم تُخْطِئون، من ائتمام إلى إمامة، ما هو من إمامة شخص إلى إمامة شخص؛ يعني: كان مؤتمًّا ثم صار إمامًا.
طلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: لأنَّ قضية أبا بكر كان إمامًا ثم صار مُؤْتَمًّا، نحن نقول عكسه.
طلبة: عمر، () عمر مع عبد الرحمن بن عوف.
الشيخ: ما فهمتم مرادي، هل يجوز أن ينتقل من ائتمام إلى إمامة؟
نقول: يجوز أن ينتقل من ائتمام إلى إمامة؛ ولها صور: الصورة الأولى: أن يُنِيبَه الإمام؛ بأن يُحِسَّ الإمام أن صلاته ستبطل؛ لكونه أَحَسَّ بانتقال البول مثلًا، وعرف أنه سيخرج، فقدَّم شخصًا يُكْمِل بهم الصلاة، فقد عاد المؤتَمُّ إمامًا، هذه واحدة، وهذه المسألة ستأتي في كلام المؤلف، ونذكرها إن شاء الله.
الصورة الثانية: دخل اثنان مسبوقان؛ يعني: أن الإمام قد صلَّى بعضَ الصلاة، فقال أحدهما للآخر: إذا سلَّم الإمام فأنا إمامُك؛ فقال: لا بأس، فلمَّا سلَّم الإمامُ صار أحد الاثنين إمامًا للآخر، فقد انتقل هذا الإمام من ائتمام إلى إمامة، وانتقل الثاني من إمامة شخص إلى إمامة شخص آخر، فهل هذا جائز؟
[ ١ / ١٠٤٩ ]
المذهب أن هذا جائز؛ وأنه لا بأس أن يتفق اثنان دخلا وهما مسبوقان ببعض الصلاة، واتفقا على أن يكون أحدهما إمامًا للآخر، وقالوا: إن الانتقال من إمام إلى إمام آخر قد ثَبَتَتْ به السُّنَّة كما في قضية أبي بكر مع النبي ﵊، وليس في هذا إلا أن الإنسان ينتقل من ائتمام إلى إمامة، وهذا جائز.
وقال بعض الأصحاب -أصحاب الإمام أحمد-: إن هذا لا يجوز؛ لأن هذا تَضَمَّن انتقالًا من إمام إلى إمام، وانتقالًا من ائتمام إلى إمامة، ولا يمكن أن ننتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ فكونُ الإنسان إمامًا أعلى من كونه مأمومًا، ولا يمكن أن يُنْتَقَل من أدنى إلى أعلى، ولكن هذا التعليل عليل، قالوا: ولأن هذا لم يكن معروفًا في عهد السلف؛ يعني: ما كان الصحابة إذا فاتهم شيء من الصلاة يتفقون على أن يتقدم بهم أحدهم ليكون إمامًا لهم، ولو كان هذا من الخير لسبقونا إليه.
لكن القائلين بجوازه لا يقولون: إنه مطلوب من المسبوقَينِ أن يتفقا على أن يكون أحدهما إمامًا، يقولون: هذا إذا فُعَِل فهو جائز، وفرقٌ بين أن نقول: إنه جائز، وبين أن نقول: بأنه مستحب ومشروع، نحن لا نقول بمشروعيته، لا نندب الناس إذا دخلوا وقد فاتهم شيء من الصلاة أن يقول أحدهم: إني إمامكم، لكن لو فعلوا ذلك لا نقول: إن صلاتكم باطلة.
وهذا القول أصح، يعني: أن ذلك جائز، لكن لا ينبغي؛ لأن ذلك لم يكن معروفًا عند السلف، وما لم يكن معروفًا عند السلف فإن الأفضل تركُه؛ لأننا نعلم أنهم أسبق منا إلى الخير، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
فهذه عدة انتقالات، وأطالبكم أن تأتوا في الدرس المُقْبِل -إن شاء الله- بأنواع هذه الانتقالات، أنتم عرفتم الآن خمسة أو ستة منها.
طالب: هذا رجل يرى بوجوب القصر في الصلاة، وليرى أن الذي لا يقصر في الصلاة () يعني الذي يتم في الصلاة في السفر يعتبر صلاته باطلة، لو صلى مع إمام فأتم هذا الإمام ().
[ ١ / ١٠٥٠ ]
الشيخ: على هذا الرأي نقول: لا يتابع الإمام.
الطالب: لا يتابع الإمام؟
الشيخ: لا يتابع الإمام.
الطالب: يجلس؟
الشيخ: يجلس وينتظر.
طالب: يا شيخ -أحسن الله إليك- لو تقدم إمام النائب ثم جاء الإمام الراتب، هل الأفضل أن يصير مؤتَمًّا أو يحل مكان هذا النائب؟
الشيخ: أما السُّنَّة فقد علمتها، ولكن ليس كل أحد كرسول الله ﷺ، والذي يظهر أن يقال: إنْ حَدَث من ذلك تشويش على الناس أو لزم منه تَخَطِّى الرقاب، كما لو دخل الإمام من الباب الخلفي فإنه لا يفعل ولا يتقدم، وإن لم يكن شيء من ذلك فليتقدم كما فعل النبي ﷺ.
طالب: ذكرنا انتقال المُؤْتَمِّ والمنفرد إلى مؤتم ().
الشيخ: ذكرنا انتقال المنفرد إلى إمامة، أقول: انتقال المنفرد إلى إمامة دليل على أنه يجوز أن ينتقل المنفرد إلى ائتمام؛ لأن الإمامة والائتمام كليهما وَصْفٌ زائد على أصل النية.
***
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن انفردَ مؤتم بلا عذر بطلت، وتبطُل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه فلا استخلاف، وإن أحْرَمَ إمامُ الحيِّ بِمَنْ أحرمَ بهم نائبُه وعاد النائب مؤتمًّا صَحَّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
من جُمْلَة المباحث في النية مسألة الانتقالات من صفة إلى صفة، أما الانتقال من صلاة إلى أخرى فقد سبق.
الانتقال من صفة إلى صفة نورد فيه أسئلة ومناقشة؛ منفرد نوى أن يكون إمامًا؟
طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: مطلقًا.
الطالب: على قول المؤلف، على المذهب لا يصح لا في ().
الشيخ: أقول مطلقًا على المذهب لا يَصِحّ، حتى وإن كان يظنُّ أو يرجو حضور مأموم.
الطالب: هذا قول آخر غير قول المؤلف.
الشيخ: نعم.
الطالب: على قول المؤلف.
الشيخ: ما هو المؤلف، المذهب الآن.
الطالب: مطلقًا؟
الشيخ: مطلقًا.
[ ١ / ١٠٥١ ]
طالب: المذهب إذا جاء وغَلَبَ على ظَنِّه أنه سيصير مؤتَمًّا فلا تَفْسُد صلاته؛ لأنه نوى الإمامة في الابتداء.
الشيخ: أما قلنا لكم هذا؟ قلنا: إذا كان يظن أن مأمومًا سيحضر فإن إمامته تَصِحُّ قولًا واحدًا؛ لأنه دخل على أنَّه سيكون إمامًا في ثاني الحال، إذن هذه تكون مسألة منفردة، وتصِحُّ حتى على المذهب.
إذا نوى الإمامة في أثناء الصلاة بدون أن يكون مُؤَمِّلًا لحضور آخر؟
طالب: إذا نوى الإمامة؟
الشيخ: نعم، منفرد نوى الإمامة في أثناء الصلاة دون أن يكون عنده ظنٌّ أن أحدًا سيحضر.
الطالب: تَصِحُّ الصلاة على القول الراجح.
الشيخ: أولًا، بَيِّن لي المذهبَ، ثم ما مشى عليه الماتن، ثم الصحيح.
الطالب: المذهب يقول: أنها لا تصح.
الشيخ: لا تصح لا في الفرض ..
الطالب: ولا في النفل.
الشيخ: ولا في النفل.
الطالب: ما مشى عليه المؤلف أنها لا تصح في النفل، ولا تصح في الفرض.
الشيخ: نعم.
الطالب: القول الراجح أنها تَصِحُّ في الفرض والنفل؛ لأنها ().
الشيخ: اصبر، ما بعد وصلنا إلى الترجيح، سبب الترجيح ما وصلنا إليه، إذن الأقوال كم صارت؟ ثلاثة، قُلْها لنا.
الطالب: نقول ..
الشيخ: إذا نوى الإمامة ..
الطالب: إذا نوى الإمامة ..
الشيخ: وهو منفرد في الأول، ففي المسألة؟
الطالب: ثلاثة أقوال.
الشيخ: نعم.
الطالب: القول الأول: المذهب فصلاته باطلة في الفرض والنفل مطلقًا.
الشيخ: نعم، تمام.
الطالب: القول الثاني: أنها باطلة في الفرض دون النفل.
الشيخ: نعم.
الطالب: القول الثالث: أنها صحيحة مطلقًا.
الشيخ: في الفرض وفي النفل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أحسنت، تمام، القول الذي مشى عليه الماتن ما دليله؟
طالب: استدل بفعل النبي ﷺ لمَّا كان ().
الشيخ: جوزها في النفل، ما دليله؟
الطالب: لفعل النبي ﷺ ذات ليلة كان يصلي فصلَّى بصلاته أبو بكر.
الشيخ: لا.
الطالب: حديث ابن عباس ﵁، كان منفردًا ثم نوى.
[ ١ / ١٠٥٢ ]
الشيخ: أيش الحديث؟
الطالب: أنه ذات ليلة قام النبي ﷺ ليصلِّيَ فقام ابن عباس ﵁ فصلَّى بصلاته، فوقف عن يساره فأخذه إلى يمينه، كان نوى الانفراد () ﵊.
الشيخ: أنا أريد الحديث بس، لو تسوق لي الحديث.
الطالب: أن النبي ﷺ ذات ليلة قام فتوضأ من الليل ..
الشيخ: وقام يصلي من الليل.
الطالب: ثم قام ابن عباس فتوضأ، وقام عن يساره ﷺ، فأخذ النبي ﷺ بِغُرَّتِه أو () عن يساره ووقفه على يمينه.
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: وجه الدلالة إنه كان منفردًا ثم صار إمامًا ..
الشيخ: كان النبي منفردًا ثم صار إمامًا، وصلاة الليل نفل.
حجة القائلين بالجواز في الفرض والنفل؟
طالب: قالوا: أنَّ ما ثَبَتَ في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، وقد ثبت في النفل ().
الشيخ: ولا دليل يمنعه في الفرض.
هل لك أن تأتي بدليل يدل على هذه القاعدة التي أصَّلْتَ، وهى أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل؟
الطالب: أن الصحابة رضوان الله عنهم أخذوا صلاة النبي ﷺ في السفر.
الشيخ: على راحلته.
الطالب: كان يصلى على راحلته أَيْنَمَا توجَّهت به، قالوا: غير أنه لا يصلى عليها الفريضة، لو كانت الفريضة ().
الشيخ: صح، وفي بعض الأحاديث بعد، كان يُوتِر على راحلته حيثُما توجَّهت به غيرَ أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة.
دليل القائلين بالمنع بأنه لا يَصِحّ لا في الفرض ولا في النفل؟
الطالب: قال: لأن هذا دخل في الصلاة، ثم أبطلها فبطلت وانتقل ().
الشيخ: يعني غيَّر؟
الطالب: غيَّر النيَّة.
الشيخ: يعني: دخل في الصلاة بِنِيَّةِ الانفراد فغيَّر تلك النية.
الطالب: إلى نية ..
الشيخ: إلى نية أخرى، والإمامة لا تصحُّ إلا من أول الصلاة، ولكن القول الراجح؟
الطالب: أنها تصح.
[ ١ / ١٠٥٣ ]
الشيخ: أنها تصح؛ لأن هذا ليس تَغْيِير نِيَّة الصلاة، لم ينتقل من صلاة إلى صلاة، ولكن تغيير نية صفة في صلاة، منفرد، مؤتم، إمام.
إذا انتقل من انفراد إلى ائتمام؟
طالب: مِنِ انفراد إلى ائتمام؟
الشيخ: نعم، يعني: صَلَّى منفردًا، ثم حضرت جماعة فدخل معهم على أنه مأموم، فهل تصحُّ أو لا تصحُّ؟
الطالب: القول الراجح أنها تصح، أما على المذهب ..
الشيخ: تصح.
الطالب: نعم.
الشيخ: قياسًا على انتقال المنفرد؟
الطالب: إلى الإمامة.
الشيخ: إلى الإمامة، والقول الثاني؟
الطالب: القول الثاني: أنها لاتصح؛ لأنه غَيَّر النية.
الشيخ: غَيَّر النية، وهل المؤلف يوافق المذهب في هذا؟
طالب: يوافقه.
الشيخ: يوافقه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟ كلام المؤلف إيش يقول؟ (إِنْ نوى المنفردُ الائْتِمامَ لم تَصِحَّ)، صح.
انتقل من ائتمام إلى انفراد قبل تمام صلاة الإمام؟ أما بعد صلاة تمام الإمام فواضحة.
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، لعذر، ولغير عذر؟
طالب: بغير عذر.
الشيخ: عجيب، تَصِحُّ بغير عذر، ولعذر لا تصح؟ هذا حكم مقلوب، أنت فاهم الموضوع؟ فهمه زين؟ أنت مع الإمام، تصلي مع الإمام، ثم خليت الإمام وانفردت وكَمَّلْتَ الصلاة لوحدك، وأيش تقول؟ يجوز ولَّا تبطل الصلاة؟
الطالب: لعذر.
الشيخ: لعذر؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز، ولغير عذر؟
الطالب: لا تصح.
الشيخ: تَبْطُل صلاتُه.
الطالب: نعم.
الشيخ: صح يا جماعة؟
طلبة: صح.
الشيخ: لقول المؤلف: (وَإِنِ انْفَرَدَ مُؤْتَمٌّ بلا عذر بَطَلَت).
طالب: ().
الشيخ: لا، هذاك الإمامة اللي في الفرض.
الطالب: ().
الشيخ: يقول المؤلف هنا: (وَإن نوى المنفرد الائتمام لم تَصِحَّ).
الطالب: () غلط.
الشيخ: لا، ما هى بغلط.
الطالب: عندنا ().
الشيخ: غلط، اشطب عليها.
نريد صورًا لانفراد المأموم لعذر.
طالب: ().
الشيخ: يعني: في أثناء الصلاة أحسَّ بمرض لا يتمكن معه من متابعة الإمام فانفرد وأتمَّ وحده، كذا؟
[ ١ / ١٠٥٤ ]
طلبة: نعم.
الشيخ: هذه واحدة، الثاني؟
طالب: إطالة الإمام.
الشيخ: إطالة الإمام، صح، لكن هل المراد: إطالة تخرج عن المألوف عند هذا المؤتم؟
الطالب: لا، تخرج عن السُّنَّة.
الشيخ: تخرج عن السنة، أحسنت، عندك دليل في هذا؟
الطالب: أحفظ معناها، لكن يا شيخ ..
الشيخ: لك الرواية بالمعنى.
الطالب: أن رجلًا صلى مع أحد الصحابة، ثم أطال الصلاة فأحد المأمومين ترك الصلاة، ثم ذهب يشكو لرسول الله ﷺ، فالنبي ﷺ وبَّخ الصحابي على الإطالة، ولم ينكر على المأموم قطعه للصلاة.
الشيخ: أحسنت.
طلبة: ().
الشيخ: لا، قطع الصلاة.
صحيح، والإمام هو معاذ بن جبل ﵁، وهو من أفقه الصحابة.
الصورة الثالثة؟
الطالب: ().
الشيخ: أصابته ريح، غازات، بحيث لا يستطيع أن يكمل مع الإمام، فله أن ينفرد ويتمم وينصرف، كذا؟ ومن ذلك صلاة الخوف، فإن الطائفة الأولى تنفرد إذا صلى الإمام ركعة انفردت وأتمت لنفسها وذهبت تجاه العدو.
بعض العلماء استثنى فيما إذا انفرد لعذر مسألة، ما هى؟
طالب: إذا كان لا يستفيد من الانفراد.
الشيخ: صح، إذا كان لا يستفيد من الانفراد شيئًا فإنه لا ينفرد؛ بحيث يكون الإمام يسرع في صلاته إسراعًا على قدر ما يجب، فإننا لو فرضنا أن المأموم ينفرد لِيُسْرع أكثر صار إسراعه مخلًّا بالواجب، وهذا الاستثناء صحيح.
فيه أيضًا من الانتقالات:
انتقل من إمامة إلى ائتمام؟ يعنى: كان إمامًا ثم صار مأمومًا.
طالب: على القول الأرجح أنها صحيحة.
الشيخ: واللي ما هو بأرجح؟ الظاهر إنكم تمشون على قولين قولين، وأرجح ومرجوح.
الطالب: () الرسول ﷺ، عندما كان يصلي أبو بكر ﵁ دخل () في أثناء الصلاة، باعد عن الصفوف، ثم أحس أبو بكر ﵁ ().
[ ١ / ١٠٥٥ ]
الشيخ: المهم أن الرسول ﷺ دخل المسجد، وتقدَّم إلى الصف الأول، وجلس في مكان الإمام فصار أبو بكر بعد أن كان إمامًا صار مأمومًا، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيه أيضًا هل ينتقل من إمام إلى إمام آخر؟ هل يجوز أن ينتقل؟
طالب: نعم، ينتقل ولكن ().
الشيخ: لا، () هل يجوز أو لا؟
الطالب: نعم يجوز.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: أقول مثالًا فقط، ما عندي دليل.
الشيخ: سبحان الله، قاله زميلك قبل قليل.
الطالب: حديث أبي بكر؟
الشيخ: إي، حديث أبي بكر، كان الناس في الأول إمامهم أبو بكر، ثم في الثاني صار النبي ﷺ، إذن يجوز أن ينتقل من إمام إلى إمام آخر.
طالب: الانتقالات سبعة؟
الشيخ: سبعة أو أكثر، المهم كل الانتقالات هذه يجوز فيها الانتقال من صفة إلى صفة على القول الراجح، ولا يُسْتَثْنَى من هذا شيء إلا ما كان انفراد المأموم فيه لا يفيد شيئًا، فهذا استثناؤه واضح.
***
قال المؤلف: (وتَبْطُل صلاةُ مأمومٍ ببطلانِ صلاةِ إمامه فلا استخلاف).
صلاة المأموم لا شك أنها مرتبطة بصلاة الإمام؛ ولهذا يتحمل الإمام عن المأموم أشياء كثيرة منها: التشهد الأول إذا قام الإمام عنه ناسيًا فإن المأموم يلزمه أن يتابع إمامه؛ لحديث عبد الله بن بحينة ﵁ أن النبي ﷺ صلَّى بهم الظهر؛ فقام من الركعتين ولم يجلس، فقام الناس معه (١٠).
[ ١ / ١٠٥٦ ]
ومنها: الجلوس الذي يُسَمَّى جِلْسَة الاستراحة، فإن الإمام يتحملها عن المأموم، أي إذا كان الإمام لا يجلس فإن المشروع في حق المأموم ألَّا يجلس؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٣)، ولأن المأموم يَدَعُ الجلوس للتشهُّد الأول وهو واجب من أجل متابعة الإمام، ولأن المأموم يجلس في ثانية الإمام، وهي له أولى من أجل متابعة الإمام؛ يعني: لو دخلت في الركعة الثانية من الظهر أو العصر جلست في الركعة الأولى التي هي ثانية الإمام؛ ولأن المأموم يَدَعُ التشهد الأول في ثانيته التي هي للإمام ثالثة، كل ذلك من أجل متابعة الإمام؛ ولهذا نَصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أنه إذا كان الإمام لا يجلس للاستراحة فإن الأولى للمأموم ألا يجلس؛ لتحقيق المتابعة، كما أنه إذا كان الإمام يجلس للاستراحة فالأولى للمأموم أن يجلس، وإن كان هو لا يرى مشروعية الجلوس، من أجل متابعة الإمام؛ لأن الشارع يحرص على أن يتفق الإمام والمأموم.
أما الشيء الذي لا يقتضي تأخرًا عن الإمام ولا تقدمًا عليه، فهذا يتبع المأموم ما يراه؛ مثلًا: لو كان الإمام لا يرى رفع اليدين عند التكبير للركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول، والمأموم يرى أن ذلك مُسْتَحَبٌّ فإنه يفعل ذلك؛ لأنه لا يستلزم تأخُّرًا عن الإمام ولا تقدُّمًا عليه؛ ولهذا قال الرسول: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (٣)، والفاء تدل على الفوريَّة والتعقيب.
لكن مسألة رفع اليدين ما يكون فيها تَخَلُّف ولا سبق، وكذلك أيضًا: لو كان الإمام يَتَوَرَّك في كل تَشَهُّد حتى في الثنائية؛ يعني: في كل تشهد يعقبه سلام حتى في الثنائية، والمأموم لا يرى أنه يتورك إلا في التشهد الثاني فيما يُشْرَع فيه تَشَهُّدان، فإنه هنا له أَلَّا يتورك مع إمامه في الثنائية؛ لأن هذا لا يؤدي إلى تَخَلُّف ولا سبق.
[ ١ / ١٠٥٧ ]
ويتحمل عنه -أي الإمام- عن المأموم سجود السهو بشرط أن يدخل المأموم مع الإمام في أول الصلاة؛ يعني: لا يفوته شيء من الصلاة، فلو قُدِّرَ أن المأموم جلس للتشهد الأول، ونسي وظن أنه بين السجدتين، فصار يقول: رَبِّ اغْفِرْ لي وارحمني، ولما أطال الإمام بدأ يُكَرِّر: رب اغفر لي، حتى قام الإمام فعرف أنه في التشهد الأول فقام مع إمامه، فهنا يتحمل عنه الإمام سجود السهو، إن كان لم يفته شيء من الصلاة، وذلك لأنه لو سجد في هذه الحال لأدى إلى مخالفة الإمام، أما لو فاته شيء من الصلاة فإن الإمام لا يتحمل عنه.
ومن ذلك: أن الإمام يتحمل عن المأموم قراءة غير الفاتحة في الصلاة التي يُشْرَع فيها قراءة زائدة على الفاتحة في الجهرية، مثل: لو قرأ الإمام في الجهرية الفاتحة، وقرأت الفاتحة أنت، ثم قرأ آيات أخرى فإنه يتحمل ذلك عنك، ولا يشرع لك أن تقرأ شيئًا من الآيات سوى الفاتحة.
ومنها السترة؛ فإن سترة الإمام سترة للمأموم.
المهم أن بَيْن صلاة الإمام والمأموم ارتباطًا وثيقًا؛ فمن ثم قال المؤلف: (تَبْطُل صلاةُ المأموم ببطلان صلاة الإمام) يعني: إذا حدَث للإمام ما يُبْطِل صلاتَه بطلت صلاته وصلاة المأمومين، وإن لم يوجد منهم مبطل، ولا يُسْتَثْنى من ذلك شيء إلا إذا صلى الإمام محدثًا ونسي، أو جَهِل ولم يعلم بالحدث، أو لم يذكر الحدث إلا بعد السلام، فإنه في هذه الحال يلزم الإمام إعادة الصلاة، ولا يلزم المأموم إعادتها حتى على المذهب، يعنى: لو صلى بهم محدثًا أو على ثوبه نجاسة، أو على بدنه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة فإنه يلزمه الإعادة على المذهب ولا يلزم المأمومين.
وعلى هذا؛ يقول المؤلف: (وَتَبْطُل صلاةُ المأموم ببطلان صلاة الإمام فلا استخلاف)، أي: فلا يستخلف الإمام من يُتِم بهم الصلاة إذا بطلت صلاته، و(لا) نافية للجنس، و(استخلاف)؟
طالب: اسمها.
[ ١ / ١٠٥٨ ]
الشيخ: اسمها؛ يعنى: أن الإمام إذا بطلت صلاته فإنه لا يستخلف مَنْ يصلي بهم.
مثال ذلك: إمام في أثناء صلاته سَبَقَه الحدث، ومعنى سبقه الحدث: أنه أحدث ببول أو ريح أو غير ذلك من الأحداث، فإن صلاته تبطل، وتبطل صلاة المأموم فيلزمهم إعادة الصلاة، فإن أحس بالحدث وأمر من يتم بهم الصلاة قبل أن تبطل صلاته، فهذا جائز، لأنه استخلف بهم مَن يُتِمُّ الصلاة قبل أن تبطل صلاته، فلما استخلف بهم مَنْ يُتِمُّ بهم الصلاة قبل بطلان الصلاة صار مستخلفًا لهم وصلاته صحيحة، والإمام النائب شَرَع بهم وهم في صلاة صحيحة فيُتِمُّها بهم، فيكون قولُ المؤلف: (فلا استخلاف)، أي: بعد بطلان الصلاة (وَتَبْطُل صلاةُ المأمومِ ببطلان صلاةِ الإمام فلا استخلاف) بعد بطلان صلاة الإمام.
ومن ذلك: إذا شرع في الصلاة ثم ذكر في أثنائها أنه لَيْسَ على وضوء، فإن صلاتَه تَبَيَّن أنها غَيْرُ منعقدة؛ لأنه مُحْدِث، والمحدِث لا تنعقد صلاته، وماذا يصنع؟ لا يستخلف، بل يستأنف المأمومون صلاتهم؛ ويذهب هو ويتوضأ؛ لأنه تَبَيَّن في أثناء الصلاة أن صلاته باطلة، ولا يمكن أن يَبْنِي خليفته على صلاة باطلة، فلا استخلاف وهذا الذي ذهب إليه المؤلف، والمشهور من المذهب.
[ ١ / ١٠٥٩ ]
ولكن القول الثاني في المذهب الذي اختاره شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم: أنه يستخلف، وأن صلاة المأموم لا تبطل بصلاة الإمام، بل إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاته، وبقيت صلاة المأموم؛ ووجه ذلك: أن صلاة المأموم صحيحة، والأصل بقاء الصحة، ولا يمكن أن نُبْطِلَها إلا بدليل صحيح، الإمام بطلت صلاته بمقتضى الدليل الصحيح، أحدث مثلًا، تَبَيَّن أنه ليس على وضوء، لكن المأموم دخل بطاعة الله، وصلَّى بأمر الله، فلا يمكن أن نُفْسِد صلاتَه إلا بأمر الله، فأين الدليل من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع المسلمين على أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام؟ ليس هناك دليل، والارتباطات المذكورة لا تَسْتَلْزِم أن تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام.
وبناء على هذا القول فإنه إذا سَبَقَ الإمامُ الحدث، أو ذكر أنه ليس على وضوء فإنه يُقَدِّم أحد المأمومين لِيُتِمَّ بهم الصلاة، فيقول: يا فلان تَقَدَّم، أتم بهم الصلاة، ولا يحل له أن يقول لهم: استأنفوا الصلاة؛ لأنه إذا قال: استأنفوا الصلاة أخرجهم من فرض، والخروج من الفرض لا يجوز إلا بسبب شرعي، وليس هذا سببًا شرعيًّا، ولهذا قال العلماء: مَنْ دَخَل في فرض حَرُمَ عليه قطعُه إلا بعذر، وهذا ليس بعذر، فالأصل صحة صلاتهم وعدم جواز الخروج منها فيقول: يا فلان، أتم بهم الصلاة، فإن لم يقل ذلك؟ فلهم أن يُقَدِّموا أحدهم ليتم بهم الصلاة، فإن لم يفعلوا أَتَمَّوْهَا؟
طلبة: فرادى.
الشيخ: فرادى، ولكن الأحسن أن يقول لهم: يا فلان، تقدم أتم بهم الصلاة لئلا يَحْصُل عليهم تشويش؛ لأنهم قد ينبهرون ماذا يصنعون؟
[ ١ / ١٠٦٠ ]
فإذا قال: يا فلان تقدم، أتم بهم الصلاة، أنا أحدثت، أو أنا ذكرت أني لست على وضوء، أو أنا حصل عليَّ ماغص، أو أنا مثلًا راجت كبدي مثلًا، أو ما أشبه ذلك، المهم يذكر عذره أو لا يذكر، إنما يقول: يا فلان كَمِّل بهم، من أجل ألا يقع ارتباك وتشويش على المأمومين، ليس فيه هناك شيء تبطل به صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام إلا فيما يقوم الإمام فيه مقام المأموم، الذي يقوم فيه الإمام مقام المأموم، هذا هو الذي إذا اختلَّ اختلَّت صلاة المأموم؛ لأن ذلك الفعل من الإمام للإمام وللمأمومين، مثل: السترة؛ سترة الإمام سترة لمن خلفه، فإذا مرَّت امرأة بين الإمام وسترته بطلت صلاة الإمام وبطلت صلاة المأموم، لماذا؟ لأن هذه السترة مشتركة، ولهذا لا نأمر المأموم بأن يتخذ سترة، لا نأمره نقول: اتخذ سترة، بل لو اتخذ سترة لعُدَّ متنطعًا مبتدعًا، لكن فلمَّا كان هذا الفعل مشتركًا –أعني السترة- مشتركًا بين الإمام والمأموم صار انتهاكه في حق الإمام انتهاكًا في حق المأموم، فبطلت صلاة المأموم كما بطلت صلاة الإمام.
وهنا قاعدة مهمة وهى: أن مَنْ دخل في عبادة حسب ما أُمِرَ فإننا لا نبطلها إلا بدليل، وهنا المأمومون دخلوا في الصلاة مع الإمام حسب ما أُمِروا، فإذا تَبَيَّن للإمام في أثناء الصلاة أنه لم يتوضأ، فهل جرى من المأموم تفريط؟ أبدًا، المأموم تقدَّم؛ إمام مسلم الأصل صحة صلاته تقدم يصلي، فتقدم المأموم يُصَلِّي معه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فإذا ذَكَر الإمام أنه ليس على وضوء ما علينا منه، نحن لو علمنا أنه على غير وضوء صح، ما يجوز أن نصلي خلفه؛ لأن هذا تلاعب في دين الله، لكن لم نعلم، ما ذنبُنا نحن؟ ونحن قد قمنا بما يجب علينا من تقوى الله ﷿ والصلاة خلف إمام مسلم، ما يصلي بلا وضوء.
[ ١ / ١٠٦١ ]
لو أنَّ هذا مما يُبْطِل الصلاة لقال قائل: إذن إذا تقدم الإمام يقول له الناس: يا إمامنا، هل أنت محدث ولَّا على وضوء؟ أقول: ربما نخشى بعدين في أثناء الصلاة يذكر أنه على غير وضوء فتبطل صلاته، في التشهد الأخير ذكر أنه على غير وضوء، معناها أربع ركعات كلها راحت هدرًا، ويش ذنبنا، ما سوينا شيء ولا فرَّطنا، فنحن نخشى أنه في التشهد الأخير يلتفت علينا والله يا جماعة ()، ما أنا على وضوء، إذن نذكره إذا تقدم، نقول افتكر: هل أنت على وضوء ولَّا لا؟ ما أحد يقول بهذا، إنما نصلي خلفه بناء على أن الأصل؟
الطلبة: الطهارة.
الشيخ: الأصل صحة صلاته، سيأتنا إن شاء الله في الإمامة أن عثمان بن عفان صلَّى في الناس وهو جُنُبٌ ناسٍ، فأعاد ولم يعيدوا (١١)، لكن هم يقولون: عثمان لم يذكر إلا بعد سلامه، نقول: إذا قلتم بأن الصلاة جملةً صحيحة لعدم علم المأموم فصحة بعضها من باب أولى، أيُّ فرق بين أن يعلم المأموم قبل أن يُسَلِّم الإمام وبين ألا يعلم إلا بعد سلام الإمام.
وتَبْطُلُ صلاةُ مأمومٍ ببُطلانِ صلاةِ إمامِه بلا استخلافٍ،
إنما نصلي خلفه بناءً على أن الأصل.
طلبة: صلاته.
الشيخ: الأصل صحة صلاته؛ ولهذا الصحابة ﵃سيأتينا إن شاء الله في الإمامة- أن عثمان بن عفان صلى في الناس وهو جنب ناسيًا، فأعاد، ولم يعيدوا (١).
لكن هم يقولون: عثمان لم يذكر إلا بعد سلامه.
نقول: إذا قلتم بأن الصلاة جُملة صحيحة لعدم علم المأموم، فصِحَّة بعضها من باب أولى؛ أي فرق بين أن يعلم المأموم قبل أن يُسلِّم الإمام وبين ألَّا يعلم إلا بعد سلام الإمام؟
أما من علم أن إمامه منتقض وضوؤه فنعم، لا يجوز أصلًا أن يدخل مع الإمام؛ لأنه ائتم بمن لا تصح صلاته، وهذا تلاعب في دين الله.
خلاصة القول في هذه المسألة: هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام؟
نقول: للعلماء في ذلك قولان؛ قول: تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام.
[ ١ / ١٠٦٢ ]
وهذا هو المشهور من المذهب، وبناءً على ذلك فإن الإمام إذا بطلت صلاته لا يستخلف من يتم بهم الصلاة، بل عليهم أن يستأنفوا الصلاة من جديد.
وهذ القول ليس عليه دليل، بل الدليل على خلافه، ليس عليه دليل سوى تعليل عليل، وهو ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، ونحن نُقر بذلك، كما ربطها النبي ﷺ في قوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ». (٢) الحديث.
لكن هل يلزم من هذا الارتباط أن الإمام إذا بطلت صلاته تبطل صلاة المأموم؟
ليس بلازم؛ وذلك لأن المأموم دخل في صلاة حسب ما أُمر به، فلا يخرج إلا بدليل على أنه فسدت صلاته، والأصل الصحة.
يُسثنى من ذلك ما إذا بطلت صلاة الإمام لخلل في شيء مشتَرك بينه وبين المأموم، فهذا يُستثنى، مثل؟
طلبة: السترة.
الشيخ: السترة؛ فإنه إذا قطعت صلاة الإمام فبطلت بطلت صلاة المأموم؛ لأن سترة الإمام مشتركة بينه وبين المأموم.
وعلى هذا فنقول: على القول الراجح أنها لا تبطل، نقول: ولا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام فيستخلف من يتم بهم الصلاة.
وقد استدل بعض أهل العلم بحديث عمر بن الخطاب ﵁ حين طُعِن وهو في صلاة الفجر، فأمر عبد الرحمن بن عوف أن يُصلِّي بالناس (٣).
فإنه ليس بالحديث أن عبد الرحمن استأنف، ومعلوم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ سبقه الحدث، وتكلم وقال -أظن-: أكلني الكلب، وهذا كله مفسد للصلاة، ومع ذلك لم يُنقل أنه أمر عبد الرحمن أن يستأنف بهم الصلاة.
على كل حال، على فرض ألَّا يتم الاستدلال بهذا الأثر، فإن لدينا القاعدة الثابتة الراسخة، وهي أن من دخل في عبادة على الوجه المأمور به، فإنه لا يخرج منها إلا بدليل؛ لأن الأصل صحتها، لا سيما وأن الصلاة قد تكون فريضة، والفريضة لا يجوز الخروج منها إلا بدليل شرعي.
[ ١ / ١٠٦٣ ]
طالب: إذا انفرد المؤتم بعذر، ثم في حال انفراده زال عذره. هل يرجع ويدخل مع الإمام أو ()؟
الشيخ: سمعتم السؤال؟ انفرد لعذر، ثم زال العذر، فهل له أن يرجع مع الإمام أو يستمر على انفراده؟ قال الفقهاء: إنه يجوز أن يرجع مع الإمام.
فقيل لهم: إن هذا ينقض قاعدتكم في قولكم: إذا نوى المنفرد الائتمام لم تصح، فهذا رجل انفرد، ثم قلتم له أن يعود، فيكون مأمومًا.
قالوا: لأن هذا كان في الأول مأمومًا، فرجوعه إلى الائتمام ثانية ليس ابتداء ائتمام، وإنما هو عود إلى ائتمام.
شوف سبحان الله! تفريق لفظي، الصورة مختلفة صحيح، لكن المعنى واحد؛ رجع من انفراد إلى ائتمام، وأنتم تُجوِّزون ذلك.
المهم أنهم يقولون -﵏-: يجوز أن يرجع مع إمامه، ولكن إذا قدرنا أنه قد صلى ركعة، ثم عاد مع إمامه وهو لم يزل في ركعته.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: فإذا قام الإمام ليكمل صلاته؟
طلبة: يجلس.
الشيخ: يجلس وينتظره، أو ينفرد ويتم؟
لا، هذه ترد أحيانًا فيما إذا سَلَّم الإمام قبل تمام صلاته، ثم قام المأموم ليقضي ما فاته، ثم قيل للإمام: إنه باقٍ علينا ركعة، فقام الإمام ليكمل هذه الركعة، ترد هذه كثيرًا.
هل يرجع هذا المأموم الذي قام ليقضي ما فاته مع الإمام، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام؟ أو نقول: هذا انفرد ويستمر؟
نقول: هو مُخيَّر؛ هو انفرد الآن، انفرد بمقتضى الدليل الشرعي أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذن أنت معذور بهذا الانفراد، إذا عاد الإمام لقضاء باقي صلاته، أو إذا عاد لتكميل صلاته فأنت بالخيار: إن شئت استمر على صلاتك، وإن شئت فارجع مع الإمام.
طالب: يكمل اللي فاته مع الإمام.
الشيخ: كيف يكمل؟
الطالب: يعني الإمام نهض ليأتي باللي فاته، وهذا جاء ..
الشيخ: هذا قد نهض مثلًا، لنفرض أنه جاء بركعة، والناس يتداولون نقصت، ولا يقول ما نقصت حتى يتبين النقص.
الطالب: نقص ركعة.
[ ١ / ١٠٦٤ ]
الشيخ: فجاء بركعة، المأموم المسبوق جاء بركعة، ثم دخل مع الإمام في ركعته يُسلِّم معه.
الطالب: لا، ما ينبغي أن يكون مع الإمام ركعة.
الشيخ: كيف ما ينبغي؟ شو ما ينبغي؟
الطالب: يعني هو ذاك الجماعة ركعة. وهو يخالف الركعتين، لو قام يكمل الركعة، والجماعة يعني يتناقشون، كمل الركعتين.
الشيخ: كل الركعتين؟
الطالب: لا، كمّل ركعة، ودولا كملوا ركعة، وسلَّموا قبل.
الشيخ: ويش تقول؟
الطالب: هو عليه ركعتان يا شيخ، أصلًا عليه ركعتان.
الشيخ: الإمام عليه ركعة.
الطالب: المأموم.
الشيخ: الإمام عليه ركعة؟
الطالب: الإمام عليه ركعة.
الشيخ: والمأموم بيؤدي ركعتين، فقام هذا المأموم ليكمل.
الطالب: إي، ما كمّل ركعتين، وإلا ودولا مكملين الركعة.
الشيخ: هذا اللي إحنا نقول!
طلبة: أيش يسوي؟
الطالب: يصلي ركعتين، ويصلي واحدة.
الشيخ: لا، خلاص يُسلّم.
الطالب: أصلًا فاته أصلًا؛ لأن الإمام نَاسٍ.
الشيخ: فاته كم؟
الطالب: يعني فايته ثلاث على ..
الشيخ: كم صلَّى مع الإمام هو؟
الطالب: صلَّى ثنتين.
الشيخ: إذن فايته؟ ثنتين، لكن هو ظن أن الإمام سلم قبله ركعتين، وهم ما صلى قبله إلا ركعة.
طالب: شيخ، مثلًا تثقل الصلاة إذا كان ()، ولا يفعل ذلك.
الشيخ: هي لو كان أنها ثقيلة لقلنا: حرام تبطل الصلاة، لكن نظرًا إلى أنها خفيفة، قال شيخ الإسلام: إن الأولى ألَّا يجلس، ما قال يحرم، علشان في التشهد الأول، لو جلس للتشهد الأول صار حرامًا؛ لأن الجلسة طويلة، لكن هذه حيث إنها خفيفة ما يظهر فيها مخالفة بينة صار الأولى ألَّا يجلس، ولكن لو جلس لم يأثم.
على أن جلسة الاستراحة -في الحقيقة- لو أنك تعمَّقت في الحديث لوجدت أنها جلسة ما هي خفيفة كما يفعل بعض الناس الآن، هذه الجلسة الخفيفة في الحقيقة تعب ما هي جلسة استراحة، بل هي جلسة يستقر، ولهذا في حديث مالك بن الحويث: «حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَنْهَضَ عَلَى يَدَيْهِ» (٤).
[ ١ / ١٠٦٥ ]
يعني لو أنك تشاهد الرسول ﷺ، لوجدت أنها جلسة فيها شيء من الاطمئنان، ثم فيها شيء من العناء في القيام، ولهذا يقوم على يديه، وليس هذا القيام على اليدين -فيما يظهر، والله أعلم- إلا لأجل أن سهولة النهوض؛ ولهذا جاء في الحديث يعتمد على يديه ليسهل النهوض، بخلاف وضع اليدين على الركبتين مثلًا، أو على الصدر، فهذا عبادة بلا شك، لكن القيام على اليدين بعد هذا الجلوس، متردِّد بين أن يكون عبادة، وبين أن يكون للاستعانة على النهوض.
وكذلك الجلوس؛ فإن الإنسان يشك هل هو عبادة أو من أجل الاستراحة، فيقوى عنده أنه ليس عبادة، بأنه لو كان عبادة لكان مقصودًا، ولو كان مقصودًا لكان له ذِكر، كسائر الأفعال التي في الصلاة، فإنه ما من فعل مقصود فيها إلا وله ذِكر خاص، أما هذا فليس له ذكر، ولهذا رجح الموفق -﵀- في المغني، وابن القيم في زاد المعاد القول الوسط في هذه المسألة؛ أن من كان يشق عليه أن يقوم بسرعة فإنه يجلس؛ لأن الله تعالى يحب اليسر على العباد، ومن لم يكن كذلك فالأفضل النهوض؛ لأن هذا أنشط في القيام؛ ولهذا قال الرسول ﵊: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ» (٥) يعني يكون الإنسان معتدلًا؛ ما يضع ذراعيه على ركبتيه أو على الأرض، فإن هذا سجود إنسان فيه شيء من الكسل، فكلما كان الإنسان أقوى فهو أحسن. ()
طالب: الشروط جمع (شرط)، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
الشيخ: ما الفرق بينه وبين السبب؟
الطالب: أن السبب هو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم.
الشيخ: إذن الفرق؟
الطالب: أنه لو عُدم ..
الشيخ: الفرق، ما هو بالحكم؟
طالب: الفرق أن الشرط لا يلزم من وجوده الوجود، وأما السبب فيلزم من وجوده الوجود.
الشيخ: صح؛ الفرق أن الشرط لا يلزم من وجوده الوجود، وأما السبب فيلزم من وجوده الوجود. ما الفرق بين الشرط والمانع؟
طالب: الشرط؟
الشيخ: نعم، ما تعرف؟
[ ١ / ١٠٦٦ ]
الطالب: ما أعرف الشرط.
الشيخ: الأخ.
طالب: المانع ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه الوجود.
الشيخ: إذن الفرق؟
الطالب: بينه وبين ..
الشيخ: الشرط.
الطالب: أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، والمانع ما يلزم من ..
الشيخ: وجوده العدم.
الطالب: من وجوده العدم.
الشيخ: إذن هو عكس الشرط، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يقول المؤلف: إن شروط الصلاة قبلها، لماذا قال: شروطها قبلها؟
طالب: لأنها واجبة لها، لا فيها.
الشيخ: إي، لكن لماذا قال؟ ليبين الفرق بينها وبين.
الطالب: الأركان.
الشيخ: وبين الأركان؛ فإن الأركان منها، أما هذه فهي قبلها، ويجب أن تستمر فيها كلها، أما الأركان فهي منها وتتنقّل؛ قيام، ثم ركوع، ثم سجود، ثم قعود، أما هذه فهي مستمرة من أول العبادة إلى آخرها.
لماذا بدأ المؤلف بالوقت؟
طالب: بدأ بالوقت؛ لأنه أول شرط يلزم لفعل الصلاة.
الشيخ: ما فهمنا.
الطالب: بدأ بالوقت؛ لأنه أول شرط يبدأ به الصلاة.
طالب آخر: لأنه أهم شروط الصلاة.
الشيخ: لأنه أهم الشروط؛ ولهذا تجب مراعاته، وإن فاتت الشروط الأخرى؛ فلو قدر أن الإنسان ما عنده ماء يتوضأ به، ولا ما يتيمم به، وخاف فوات الوقت وجب أن يصلي بلا وضوء ولا تيمم، ولو لم يكن عنده ما يستر به عورته؛ وجب أن يصلي ولو كان عريانًا.
فبدأ به؛ لأنه أهم الشروط، ولهذا تجب مراعاته، وإن فاتت بعض الشروط أو عجز عن بعض الأركان.
الشيخ: ما هو الدليل على اشتراط الوقت من القرآن؟
طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
يعني مفروضًا بوقت معين. الصلوات كم الموقتة؟
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة، اذكرها.
الطالب: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
الشيخ: هل في القرآن ما يشير إلى هذه الأوقات الخمسة؟
[ ١ / ١٠٦٧ ]
الطالب: قوله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
الشيخ: لا، هذه تدل على مجرد الوقت، أنا أقول: الأوقات الخمسة.
طالب: قوله ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
الشيخ: أين الوقت؟
الطالب: إي نعم، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
الشيخ: صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: أنا أخبركم، الطالب إذا جاء بدليل خطأ يكون خطأً من وجهين؛ من جهة الدليل، ومن جهة الاستدلال، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: انتبهوا. ما هي بالمسألة جواب سؤال وبس، كيف؟
طالب: أقول: باللازم خطأ، الدليل يكون خطأ استدلال.
الشيخ: لا، قد يأتي بالدليل، ولا يفي الاستدلال. يلا الآن: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى﴾ [الإسراء: ٧٨].
الطالب: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾.
الشيخ: بس ذا؟
الطالب: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، هذه صلاة الفجر.
الشيخ: إذن ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي؟
الطالب: هذه صلاة.
الشيخ: أي؟
الطالب: أي الظهر والعصر.
الشيخ: لا، يا أخي، دلوك الشمس، ويش معناه؟
الطالب: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.
الشيخ: إي، ويش هو دلوك الشمس؟
الطالب: دلوك الشمس إلى وقت الغروب كده!
الشيخ: عبِّر عنها.
طالب: لزوال ..
الشيخ: ترى اللي فاهمه، لكن أنت عبرت عنه، دلوك الشمس يعني زوالها.
طيب ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؟
الطالب: ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ إلى ظلمة الليل.
الشيخ: شدة الظلمة؟
الطالب: شدة الظلمة.
الشيخ: هذا الوقت من دلوك الشمس إلى غسق الليل، ويش يدخل فيه؟
الطالب: من دلوك الشمس إلى غسق الليل، هذا يدخل فيه المغرب والعشاء.
الشيخ: () مع المغرب.
الطالب: دلوك الشمس هذا.
الشيخ: يعني أظن إذا صلينا الظهر ما هو بعد المغرب.
الطالب: لا، دلوك الشمس هذا شو اسمه؟ الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
[ ١ / ١٠٦٨ ]
الشيخ: والمغرب والعشاء صح، أربع صلوات؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وحدها، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا جمع الله هذه الأوقات الأربعة في وقت واحد؟ ﴿لدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؟
طالب: لأهمية صلاة الفجر.
الشيخ: سلامك!
طالب: لأنه لا يوجد فاصل بين أوقات هذه الصلوات الأربعة.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: بالنسبة للفجر فيوجد فاصل.
الشيخ: أوقاتهم متواصلة، واضح؟ من نصف النهار إلى نصف الليل، بعد نصف الليل ما فيه وقت لا للعشاء ولا لغيره، والفجر مستقلة بنفسها، لا يتصل بها صلاة قبلها ولا صلاة بعدها، أما السنة؛ فبينها الرسول ﵊ بيانًا واضحًا، فوقت الظهر من إلى؟
طالب: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء مثله.
الشيخ: إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، كذا؟
طالب: بعده هي الزوال.
الشيخ: بعده هي الزوال، اشرح لي الكلمة هذه.
الطالب: أشرح الكلمة؟
الشيخ: إي، اشرحها بالمثال إن شئت.
الطالب: إذا أتينا بشاخص.
الشيخ: نعم، شاخِص أي؟
الطالب: أي شيء مرتفع عن الأرض.
الشيخ: أي شيء مرتفع عن الأرض؛ كالعصا.
الطالب: كالعصا، ثم جاءت الشمس.
الشيخ: ركزناه في الأرض.
الطالب: في الأرض بشكل عمودي، ثم جاءت الشمس إلى كبد السماء.
الشيخ: لا، أول، خلينا نبدأ مع الشمس من أول ما تيجي.
الطالب: من الفجر.
الشيخ: لا، ما هو من الفجر، من طلوعها؛ لأنها قبل طلوعها ما ندري عنها.
الطالب: صعدت الشمس من المشرق.
الشيخ: كلما ارتفعت.
الطالب: كلما ارتفعت كان لهذا الشخص ظل معين، فكلما ارتفعت كلما تناقص هذا الظل.
الشيخ: كلما تناقص، خطأ في اللغة العربية.
الطالب: نقص هذا الظل.
الشيخ: إي، صح، كلما ارتفعت نقص الظل، تمام.
الطالب: حتى يصير لا ظل له.
الشيخ: لا.
الطالب: أو يزداد الظل من الجهة الأخرى قليلًا.
الشيخ: حتى يقف النقص.
الطالب: حتى يقف النقص.
الشيخ: فإذا بدأ بالزيادة، أدنى زيادة، فقد زالت؟
[ ١ / ١٠٦٩ ]
الطالب: زالت الشمس.
الشيخ: أحسنت؛ لأنه ما يصلح أن نقول: حتى لا يكون له ظل، هذا ما يمكن، لا بد أن يكون له ظل؛ لأننا نحن في المكان هذا، لا بد أن يكون له ظل، لكن في بعض الأمكنة ما يكون له ظل، لكن نحن الآن في جهة الشمال، في شمال الكرة الأرضية، فلا بد من ظل، في الشتاء الظل واضح جدًّا، في الصيف يقصر. إذن نقول: الصواب أن نقول: العبارة السليمة أن نقول: حتى ينتهي نقصه، فإذا أخذ في الزيادة -أدنى زيادة- فقد زالت الشمس. حط علامة على مبتدأ الزيادة، وبعدين، تزايد الظل حتى صار.
الطالب: مثل الشاخِص.
الشيخ: طول هذا الشاخِص من أين؟ من جذع الشاخص؟
الطالب: لا، من بداية الزيادة.
الشيخ: من بداية الزيادة، اللي حطينا عليها علامة، من بداية الزيادة إلى منتهى الظل إذا صار طول الشاخص، فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، أحسنت، تمام، وقت العصر؟
طالب: من أن يصير ظل الشيء مثله إلى أن يصير ظل الشيء مثليه.
الشيخ: على كلام المؤلف.
الطالب: اختيارًا ..
الشيخ: مثليه، كيف نعمل؟
الطالب: الشاخص الذي ذكر ().
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: الذي ذكرت وضعته فين؟ هذا الشاخِص إذا صار ظله مثله، أقصد.
الشيخ: يعني طوله مرتين.
الطالب: لا، واحدة مرة، هذا الوقت خلاص.
الشيخ: أحسنت، طوله مرة واحدة، دخل وقت العصر () طوله مرتان؟
طالب: إلى أن يصير مرتين خلاص، انتهى وقت العصر اختيارًا.
الشيخ: أحسنت، معنى قولك: اختيارًا؟
الطالب: يعني إذا كان للضرورة إلى أن تحمر الشمس أو تغرب.
الشيخ: لا، إلى أن تغرب الشمس؛ لأن المؤلف يقول: الضرورة إلى غروبها. تمام، وقت المغرب؟
الطالب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر.
الشيخ: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، تمام.
مغيب الشمس إذا غاب قرصها عن النظر.
الشفق الأحمر: يعني الحمرة التي في السماء عند مغيب الشمس، إذا زالت خرج وقت المغرب، وقت العشاء؟
طالب: من زوال هذه الحمرة في السماء إلى منتصف الليل.
[ ١ / ١٠٧٠ ]
الشيخ: إلى منتصف الليل، أحسنت. طيب منتصف الليل نقيسه بماذا؟
طالب: نقيسه من بعد غروب الشمس إلى الفجر، هذا منتصف الليل.
الشيخ: هذا منتصف الليل، فمثلًا إذا قدّرنا أنه من غروب الشمس إلى صلاة الفجر اثنتا عشرة ساعة.
الطالب: يعني ست ساعات.
الشيخ: يكون نصف الليل ست ساعات، وقت الفجر؟
الطالب: يدخل من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
الشيخ: إلى طلوع الشمس، تمام، أنت قلت طلوع الفجر الثاني، هل هناك فجر أول؟
طالب: نعم، فيه فجر كاذِب أول، يختلف عن الفجر الثاني بعدة أمور.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: إنه من الفجر ().
الشيخ: الفجر الأول.
الطالب: نعم، الفجر الأول؛ يعني ليس شديد البياض.
الشيخ: لا، حتى هذا أول ما يخرج ما هو بشديد البياض.
الطالب: الفجر الأول يخرج أول ما يخرج ليس معترضًا.
الشيخ: مستطيلًا في السماء.
الطالب: نعم، والثاني معتدل أفقي يعني.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: الثاني: أن الفجر الكاذب الأول يخرج، ثم يغيب.
الشيخ: هذا اثنين، وأما ذاك فيخرج، ثم يزداد. الفرق الثالث؟
الطالب: لأن نور الأول ليس كنور الثاني.
الشيخ: لا، هات الفرق.
الطالب: بين نورين يعني؟
طالب: أن الأول فيه حمرة.
الشيخ: لا، الأول بعيد عن الحمرة، والحمرة تكون من شعاع الشمس.
الطالب: الأول أبيض، والثاني أحمر يعني.
الشيخ: الله يهديك!
طالب: الأول يكون غير متصل بالأفق، بينما الثاني يكون متصلًا بالأفق.
الشيخ: أحسنت.
طالب: ذكرها.
الشيخ: لا، ما ذكرها.
طالب: بقي واحد.
الشيخ: ما في غير هذا.
طلبة: لا، فيه.
الشيخ: هذه ثلاثة.
طالب: بقي.
الشيخ: ويش؟ ما هي؟
الطالب: أن الفجر الصادق أصله من الشمال إلى الجنوب.
طلبة: ذكرها.
الشيخ: قالها، معترض يقول.
الطالب: معترض.
الشيخ: المهم هذه ثلاثة فروق بين الفجر الثاني والفجر الأول، والعبرة بالفجر الثاني كما جاء في الحديث.
ذكر الأخ أن وقت العصر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، فهل هناك قول آخر في المسألة؟
[ ١ / ١٠٧١ ]
طالب: القول الثاني هو في الاختيار إلى أن تصفر الشمس.
الشيخ: إلى أن تصفر الشمس، وهذا هو الصحيح لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
طالب: «وَقْت الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» (٦).
الشيخ: «وَقْت الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ»، بأن تكون صفراء.
إذا قال قائل: لماذا لم تحدد الأوقات بالساعات لأنها أضبط؟
طالب: إذا وُجدت الساعات يحدد بها، أما الساعات لم توجد على عهد النبي ﷺ.
الشيخ: أولًا: لأنها لم توجد في عهد الرسول ﵊، هذه واحدة.
الشيء الثاني: أنها تختلف، حتى في الساعات يختلف، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: قالوا لنا: إن التوقيت الزوالي مضبوط، وما هو مضبوط؛ يختلف اختلافًا عظيمًا مثلما يختلف الغروب، فلما كان يختلف لو قال الرسول ﷺ: وقت الظهر من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الثالثة. يختلف؛ لأنها أحيانًا تكون قبل الثانية عشرة، وأحيانًا يكون بعد الثانية عشرة.
طالب: لأنه ما على الزوال.
الشيخ: لا، حتى الزوال يختلف قطعًا.
طالب: لأنهم ما يحطون على الزوال.
الشيخ: يختلف الآن ليش؟ لأن الشمس ما هي تستدير؛ يعني الكرة الأرضية، ما هي مستديرة استدارة كاملة، بيضاوية، فزاوية الانحراف لا بد يكون فيها اختلاف. على كل حال لا ينضبط.
لكن لو قال قائل: لو قال الرسول ﵊: وقت الفجر ساعة ونصف من بعد طلوع الفجر.
أيضًا يختلف، ما يمكن ضبطه؛ لأنه أحيانًا يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ساعة ونصف أو أكثر بدقيقة أو دقيقتين، وأحيانًا يكون بينهما ساعة وربع؛ يعني ثلث ساعة يختلف، ثلث ساعة من ساعة ونصف طويل؛ لذلك كانت الحكمة هذا.
أيضًا التوقيت هذا، كل أحد يعرفه، حتى البدوي في البر يعرفه، لكن التوقيت بالساعات ما كل أحد يعرفه، فالمهم أن الله حكيم ﷿، جعل هذه الأوقات مقدرة بعلامات ظاهرة كل الناس يعرفونها.
[ ١ / ١٠٧٢ ]
يقول المؤلف -﵀-: (تدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام قبل ذلك).
هل الأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها أو تأخيرها؟
طالب: تقديمها.
طالب آخر: في أول الوقت أفضل.
الشيخ: هل يستثنى من ذلك شيء؟
طالب: إي وقت الظهر، إذا كانت الحرارة كثيرة.
الشيخ: في الصيف.
الطالب: ().
الشيخ: هذه واحدة، والثاني؟
طالب: إذا أمر الأب.
الشيخ: لا، هذه لها أسباب، الثاني؟
طالب: يعني التأخير؟
الشيخ: إي، يُسن التأخير لكل أحد، ما هو للولد إذا أمره أبوه.
طالب: تأخير العشاء.
الشيخ: تأخير العشاء في كل وقت تأخيرها أفضل، إلا إذا شق، كذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قد تجب الصلاة في أول الوقت، وقد تجب في آخر الوقت، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: متى تجب في أول الوقت؟
طالب: ().
الشيخ: يجب يفعلها في أول الوقت، هذا الـ .. يعني الظهر ما يجوز تأخرها، لازم تفعل بأول الوقت.
طالب: إذا علمت () المرأة بأنها.
الشيخ: أعطنا قاعدة.
الطالب: إذا علم أنه سيزول قبل يعني ..
الشيخ: ما هو مر علينا بأصول الفقه قبل أيام؟
طالب: بلى.
الشيخ: مر علينا قريب، في أصول الفقه، إذا ظن مانعًا يمنعه من فعلها في آخر الوقت، وجب عليه أن يفعلها في أول الوقت؛ كامرأة تظن أن يأتيها الحيض في آخر الوقت، جرت عادتها أنه يأتيها الحيض في أواخر الوقت يجب عليها أن تقدم، وقد يجب التأخير؟
طالب: إذا زال المانع، وكان آخر الوقت.
الشيخ: لا.
طالب: إذا كان يتعلم واجبًا في الصلاة كقراءة الفاتحة مثلًا، فإنه يجب عليه يؤخرها.
الشيخ: إذا كان يتوقف عليه إدراك واجب، هذا الضابط. إذا كان يترتب عليه إدراك واجب وجب التأخير، مثل: أن يتوقف عليه تعلُّم الفاتحة، يتوقف عليه شراء سُترة، يتوقف عليه صلاة جماعة للرجال، المهم هذا الضابط، كذا ولَّا لا؟
وإلا فالأصل أن الأفضل التقديم إلا في صلاة العشاء مطلقًا، وفي صلاة الظهر عند اشتداد الحر.
[ ١ / ١٠٧٣ ]
يقول المؤلف: (إن أدرك مكلف من قدرها قدر التحريمة وجب عليه القضاء)، مثاله.
طالب: يعني إذا يقرب الشمس يغيب، وأدرك الوقت وقت التحريم؛ يعني ويصح صلاته على المذهب، ويمكن أصح هو يدرك الركعة كاملًا، وبعد.
الشيخ: أحسنت، إذن يقول: مثل لو أدرك مُكلّف وقت التحريم؛ مثل امرأة طهرت قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام، يجب عليها أن تصلي العصر، ولكن يقول الصحيح: أنها لا تجب إلا إذا أدرك؟
طلبة: الركعة.
الشيخ: ركعة كاملة، ما دليلك على هذا التصحيح؟
الطالب: هو الحديث الصحيح، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ» (٧) كلها.
طالب: يعني الأحاديث الصحيحة كثيرة.
الشيخ: إي، بس عاد بنا إذا قيل لك: وأين الدليل، تكون حافظ على الأقل واحدًا منها.
«مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ». زين، بارك الله فيك.
إذا فاتت الإنسان صلوات، فكيف يقضيها ومتى الإعادة؟
طالب: يقضيها مُرتبة.
الشيخ: ما هو بأخذ نيابة عالية. والله ().
طالب: يجب قضاؤها مرتبة.
الشيخ: يجب قضاؤها مرتبة، علل.
الطالب: لأنها وجبت عليه مرتبة وجب قضاؤها مرتبة.
الشيخ: هل يمكن أن تستدل لذلك بقول النبي ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٨)؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن؟ لأنه مثلًا العصر إذا صليتها وجب أن تكون بين الظهر والمغرب، كذا؟ ومتى؟
طالب: إذا ().
الشيخ: أنا أقول: الفرائض عمومًا سواءً بالنسيان أو بغيره.
متى؟ هل يؤخِّر، ولا فورًا، ولا أيش؟
طالب: فورًا.
الشيخ: فورًا.
طالب: فور ما يذكر.
الشيخ: فورًا، من حين ما يزول العذر يجب عليه القضاء الدليل؟
طالب: قوله ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
[ ١ / ١٠٧٤ ]
الشيخ: فأمر بصلاتها إذا ذكرها، وهذا يدل على وجوب القضاء فورًا من حين أن يذكر.
فائدة التوقيت في العبادات، في الصلاة مثلًا، ما هي الفائدة من التوقيت؟
طالب: من عدة فوائد.
الفائدة الأولى: أن يكون جميع وقت الإنسان ذكر الله ﷾.
الشيء الثاني: ..
الشيخ: لا، هذا فائدة في توزيعها، فائدة توقيتها يعني الفائدة من كونها حُدِّدت بوقت، أنها لا تصح قبله؟
الطالب: ولا بعده.
الشيخ: ولا تصح بعده، أما قبله فلا تصح مطلقًا، أما بعده فتصح للعذر، ولغير عذر؟
الطالب: لا تصح.
الشيخ: لا تصح، وبناءً على ذلك لو تعمَّد الإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها، ثم صلَّاها فإنها لا تُقبل منه، ولو صلى مئة مرة، ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: وقد ذكرنا خلاف أهل العلم في هذه المسألة، وناقشنا الخلاف، وتبين لنا أن الراجح هو هذا؛ أن الإنسان إذا أخّر الصلاة عن وقتها بلا عُذر فلا صلاة له، كما أنه لو قدَّمها فلا صلاة له، أما لعذر؛ فقد جاء الحديث عن النبي ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». بماذا يسقط الترتيب؟
طالب: يسقط الترتيب بنسيانه.
الشيخ: بنسيانه.
طالب: أو خوف فوات وقت الحاضرة.
الشيخ: أو خوف فوات وقت الحاضر الاختياري ..