يَنْقُضُ ما خَرَجَ من سَبيلٍ، وخارِجٌ من بَقِيَّةِ البَدَنِ إن كان بولًا أو غائطًا أو كثيرًا نَجِسًا غيرَهما، وزَوالُ العَقْلِ إلَّا يَسيرَ نومٍ من قاعدٍ وقائمٍ، ومَسُّ ذَكَرٍ مُتَّصِلٍ أو قُبُلٍ بظَهْرِ كفَّهِ أو بطنِه، ولَمَسُهُما من خُنْثَى مُشْكِلٍ، ولَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه أو أُنْثُى قُبُلَها لشهوةٍ فيهما،
كخف واحد، فإذا خلع الأعلى جاز؟
طالب: أن يمسح على الأسفل.
الشيخ: أن يمسح على الأسفل، وهذا القول أيسر للناس؛ لأن كثيرًا من الناس يلبس كنادر على الشراب ويمسح الكنادر، وإذا بغى ينام خلعها، على المذهب: ما عاد يمسح على الشراب من الغد، السبب: لأنه إذا خلع الممسوح انتهى زمن المسح، ما عاد يعيده.
وعلى القول الثاني اللي أشرنا إليه يجوز يمسح على الشراب ولَّا لا؟ يجوز أن يمسح على الشراب، فإذا مسح على الشراب ولبس الكنادر يجوز يمسح عليه المرة الثانية أيضًا؛ لأنه لبسهما على طهارة.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وهذا أيسر للناس، فمن سلكه -ولا سيما إذا سُئل واستفتي بعد وقوع المسألة- فهو حسن؛ لأن اشتراط ما ذكره الأصحاب ﵏ في النفس منه شيء؛ يعني: كونه إذا خلع الخف الأعلى وقد مسحه بطل المسح ولم يتمكن من إعادة المسح ثانيًا على الأسفل، هذا محل نظر؛ لأن الرِجل الآن لما سترت بالخفين صار فرضها المسح، سواء على الأعلى ولَّا على الأسفل.
أما إذا كان الإنسان في سعة، فالأحسن أنه إذا خلع الممسوح الأعلى يخلع الأسفل إذا أراد أن يتوضأ، لكن أحيانًا يجيء واحد يسأل يقول: أنا أمسح على كنادر، لكن لما بغيت أنام خلعتهم، ولما قمت أصلى الفجر مسحت على الشراب ولبست، فكوننا نلزمه بأن يقضي ما فات صعب؛ يعني: ممكن أن نفتيه بهذا القول؛ لأنه أيسر، وليس هناك دليل بيِّن للمذهب في هذه المسألة.
طالب: () إذا لبس خفًّا على خف، والخف الثاني مخرقة والثاني سليم () الخف الفوقاني، ونعتبر أنه لا يصح المسح؟
الشيخ: لا، هم يرون أنه يصح، حتى لو كان الأعلى مخرقًا يجوز المسح عليه.
الطالب: كيف نحن نقول ..
الشيخ: هذا مما يؤيد القول الثاني؛ أن هذين الخفين بمنزلة خفٍّ واحد، وأنهما كالظِّهارة مع البطانة.
طالب: الظِّهارة والبطانة كلاهما يستران إذا كان الخف ..
الشيخ: لا يا أخي، ما هو كلاهما يستران، أنت تعرف الزربول؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو يستر كله؟
الطالب: لا.
الشيخ: إي نعم، الظِّهارة فيه بس على ظهر القدم.
طالب: اسمها أيش يا شيخ؟
الشيخ: اسمها الزُّربول.
طالب: أيش الزُّربول هذا يا شيخ؟
الشيخ: هذا موجود حتى في لغة الفقهاء، الفقهاء يقولون: الزُّربول.
طالب: ويش هو؟
الشيخ: الزُربول غير الزنبور.
طالب: ما هي الكنادر يا شيخ؟
الشيخ: لا، الزرابيل عبارة عن صوف منسوج على قدر الرِّجْل، وهذا الصوف يُلبَّس جلد من فوق طبقة واحدة، ومن أسفل طبقات مثل طبقات النعال ويخرز.
طالب: () جلود الكنادر؟
[ ١ / ٣٠٣ ]
الشيخ: لا، هذا شيء آخر، هذا يسمونه عندنا جرابات؛ جراب، أما الزُّربول فهذا ما وصفته لكم، ولهذا لو كان عندنا.
الطالب: موجود ().
الشيخ: () من الصوف ويتحط عليه جلد من فوق، ومن أسفل جلد طبقات مثل طبقات النعال.
طالب: إذا لبس، ثم مسح، ثم لبس، فما الحكم؟
الشيخ: الحكم على المذهب: للتحتاني، المذهب: إذا مسحت شيئًا تعلق الحكم به، سواء أعلى ولَّا أسفل، وعلى القول الثاني: يقولون: ما دام لبسه على طهارة فلا حرج أن يمسح على الأعلى.
طالب: سترة الصلاة () هل يخلعه عند الصلاة؟
الشيخ: ما يلزم يخلعه؛ إن شاء خلعه، وإن شاء لم يخلعه.
الطالب: يعني جائز خلعه.
الشيخ: إي نعم، لكن إذا عاده لازم يعيده على طهارة؛ يعني: إن كان باقيًا على طهارة ما يخالف يخلعه، ثم إذا انتهى، إلا على المذهب، فهو إذا خلعه ما عاد يصح المسح عليه.
طالب: اختيار شيخ الإسلام ().
الشيخ: واللهِ ورد فيه عن بعض الصحابة ﵃، وحمل عليه حديث: أمسح يومًا؟ قال: «نَعَمْ»، قال: يومين؟ قال: «نَعَمْ»، قال: ثلاثة؟ قال: «نَعَمْ»، وما شئت (١).
() قبل الحدث فالحكم للفوقاني، وبعده الحكم للتحتاني؛ للأسفل، هذا هو المذهب، ذكرنا رأيًا آخر؛ مخرق لكنهما خَرْقُ أحدهما يقابل سليم الآخر؛ يعني: قد ستر، فالمذهب؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز المسح عليهما أبدًا، لا على الأعلى ولا على الأسفل؛ لأن كل واحد منهما لا يصلح للمسح بانفراده، فلا يمسح عليهما عند الاجتماع.
إذا كان الأعلى سليمًا والأسفل مخرقًا جاز المسح على الأعلى فقط، ولا يمكن يمسح على الأسفل، ولَّا لا؟ لأن الأسفل لا يصح المسح عليه، والثاني الأعلى يصح، وإن كان بالعكس؛ الأسفل سليمًا والأعلى مخرقًا جاز المسح عليهما جميعًا، يخير؛ إما على الأعلى، وإما على الأسفل، فصار يُخيَّر فيهما إذا كانا سليمين، أيش بعد؟ وإذا كان الأسفل السليم، يخير فيهما.
[ ١ / ٣٠٤ ]
يمتنع مسح الأسفل إذا كان معيبًا والأعلى سليمًا، يمتنع مسحهما جميعًا إذا كان معيبين، هذا المذهب، والصحيح أنهما إذا سترا -ولو كانا معيبين- فإنه يجوز المسح عليهما.
طالب: جعلناها في الحصة الماضية ثلاث حالات فقط؛ أن يكون أحدهما معيبًا والثاني سليمًا.
الشيخ: إي، أحدهما، بس ما فصلنا.
طالب: ما فصلنا؟
الشيخ: إي.
طالب: يا شيخ ().
***
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ويمسحُ أكثرَ العِمَامة) أراد المؤلف ﵀ أن يبين موضع المسح وكيفيته، فقال: (ويمسحُ أكثرَ العِمَامة) وجوبًا؟ إي، وجوبًا، لا بد أن يكون المسح شاملًا لأكثر العِمَامة، لو مسح جزءًا منها ما صح، وإن مسح الكل فلا حرج؛ لو أدار مثلًا يده كذا على عمامته فلا حرج، لكن لو مسح أكثرها ولا مسح اللي فوق كفى، ويستحب إذا كانت الناصيةُ بادية أن يمسح الناصية مع العِمَامة.
قال: (وظاهرَ) ولَّا (وظاهرِ)؟
طلبة: وظاهرَ.
طالب آخر: وظاهرِ بالكسر.
الشيخ: بالكسر، اختلفتم، (وظاهرِ) بالكسر؛ يعني: وأكثرَ ظاهرِ، لا يمسح الظاهر كله، وإنما يمسحُ أكثر ظاهر القدم؛ يعني: أعلاه دون أسفله وعقبه.
الدليل أن المسح مختصٌّ بالظاهر: حديث المغيرة بن شعبة: مسح خفيه (٢)، فإِن ظاهره أن المسحَ بالأعلى، وحديث علي بن أبي طالب -وإن كان فيه نظر، ولكنه حسنه بعضهم- قال: لو كان الدِّين بالرأي، لكان أسفلُ الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي ﷺ يمسح أعلى الخُفِّ (٣)، فلما قال هكذا عَلِمْنا أن الأعلى هو محل المسح.
وأما قوله: لو كان الدِّين بالرَّأي، فهذا فيه إشكال عظيم؛ وهو أن يقال: المراد بالرأي هنا العقل، وهل الدِّين مخالفٌ للعقل؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٣٠٥ ]
الشيخ: لا، والجواب على هذا الإشكال أن يقال: مراد علي بن أبي طالب -إن صحَّ الحديث عنه– مراده بالرأي ظاهر الرأي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] يعني: في ظاهر الأمر.
في ظاهر الأمر قد يقول قائل: أسفل الخف أولى؛ لأنه هو الذي يباشر التراب والوساخة، فكان أولى بالمسح من أعلاه، أعلاه أنظف كيف يمسح؟ ! ولكننا نقول: عند التأمل تجد أن العقل يدل على أن مسح أعلاه هو الأولى؛ لأن المسح لا يُراد به التنظيف والتنقية، يُراد به التعبُّد، ولو أننا مسحنا أسفلَ الخُفِّ لكان في ذلك تلويثٌ له؛ زيادة، لو فرض أن فيه أذي صار ذلك تلويثًا أكثر، فصار الرأي الصحيح هو مسح أعلاه.
وكيف يمسح أعلاه؟ يقول: (من أصابعه إِلى ساقه) من أصابع الرجل إلى ساقه، وقد وردت آثارٌ عن النبي ﵊ وعن الصحابة، وقال بها أهل العلم: إنه يمسح بأصابعه هكذا مفرَّقة، حتى يُرى فوق ظهره خطوط الأصابع؛ يعني: ما هو ابتدأ بالراحة بالأصابع، هكذا، بالأصبع هكذا، من أصابع الرجل إلى ساقه.
(دون أسفله وعقبه) فلا يُمْسَحوا؛ لأن الأسفل والعقب ليسا أعلى القدم، والمسح إنما ورد في الأعلى، كما في حديث المغيرة في ظاهره، وفيه روايات -في حديث المغيرة- تدل على ما دلَّ عليه حديثُ علي بن أبي طالب.
قوله: (من أصابعه إِلى ساقه) إذا فرضنا أن الخُف أكبر من الرِّجْل، فهل الواجب أن يمسح ما يحاذي رؤوس الأصابع أو يمسح من طرف الخُفِّ؟ أنتم فاهمين هذه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هو في بعض الأحيان تكون الكندر كبيرة أكبر من القدم، هل يمسح من طرفها، ولَّا نقول: لا، الواجب أن تمسح مما يحاذي رؤوس الأصابع؟
طلبة: ما يوازي الأصابع.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الشيخ: إي، فيه عندنا ظاهر، وعندنا باطن، فظاهر أنه مسح على خُفيه أنه يمسح الخُف من طرف الخف إلى ساقه، بقطع النظر عن كون الرِّجْل صغيرة فيه أو كبيرة، وإذا نظرنا إلى المعنى -وهو الباطن- قلنا: إن هذا الخُف زائدٌ عن الحاجة، فالزائدُ لا حُكم له، ويكونُ الحكم مما يُحاذي الأصابع، فأيهما أحوط؟
طالب: الأول.
الشيخ: الأول أحوط، فنأخذ به.
وقال: (دون أسفله وعقبه) قال ﵀: (ويمسح على جميع الجبيرة) عندي أنا (ويمسح وعلى جميع الجبيرة) (يمسح) من الشرح الظاهر، (وعلى جميع الجبيرة) الجبيرة يمسح عليها جميعًا؛ لأن ظاهرَ حديث صاحب الشجَّة: «وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا» (٤) أنه يمسح على كل الجبيرة، وقد سبق أنه يشترط في الجبيرة ألَّا تتجاوز؟
طلبة: موضع العادة.
الشيخ: موضع العادة، فيمسح على كل الجبيرة من كل جانب، الجبيرة يعني مثل اللزقة على الجرح، أو الجبس على الكسر، أو ما أشبه ذلك.
طالب: اللزقة.
الشيخ: وكذلك اللزقة يمسح على جميع الجبيرة.
وقول المؤلف: (يمسح) في المسائل الثلاث، هذا هو المفروض، ولكن لو غسل بدل المسح هل يجزئ أو لا يجزئ؟ قال بعض أهل العلم: إنه لا يجزئ؛ لأن هذا خلاف ما جاء به الشَّرع، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٥)، فلا بد أن تمسح، ما كان الرسول يغسل خفيه، لكن مسح العمامة ما يرد؛ لأنه حتى الرأس يمسح، كذلك الجبيرة قالوا: ويمسح عليها، ثم إننا إذا غسلنا الرجل انقلبت الرخصة أيش؟
طالب: عنتًا ومشقة.
الشيخ: عنتًا ومشقة، كيف ()؟ وقال بعض أهل العلم -توسط- قال: يجزئ الغسل إن أمرَّ يده عليها؛ لأن إمرار اليد معناه؟
طالب: يشمل المسح.
[ ١ / ٣٠٧ ]
الشيخ: معناه: المسح، وهذا أحوط؛ أنك إذا صار عليك لزقة مثلًا على الظهر أو في أحد الأعضاء، وأردت أن تتطهر خلِّ الماء يمشي عليه، لا مانع، لكن الأحوط أن تمسح، ثم إن بعض اللزقات يكون فيها دهنية، إذا لم تمسحها يمكن ينزل الماء عنها.
طالب: بعيدة شوية.
الشيخ: ويش البعيد؟
طلبة: ().
الشيخ: ومن الأمثال المشهورة عندهم: ما يحك ظهرَك إلا ظفرُك.
طالب: جلدك.
الشيخ: أنا سمعتها (ظهرك).
طلبة: ().
الشيخ: الجلد ما هو بصحيح، الجلد كل شيء يحكه.
على كل حال، الظاهر أنه ما هنا شيء في البدن ما يطوله الإنسان، وأنتم -إن شاء الله تعالى- تجربون، لكن في غير هذا الموضع!
فهمنا كيفية المسح، صار الآن المؤلف يرى أن المسح بالنسبة للعمامة على أكثرها، بالنسبة للخف على أكثرِ ظاهرِه، ما هو على أكثره، بالنسبة للجبيرة على جميعها، فصار عندنا: أكثر، وأكثر ظاهر، وجميع.
والبحث الثاني ذكرنا فيه هذا هل يجزئ الغسل أم لا؟ وفيه للعلماء ثلاثة آراء، والأرجح أنه إذا احتاج إلى الغسل يمسح عليه، حتى لا يخرج عن صفة ما جاءت به السنة.
قال: (ومتى ظهر بعضُ محلِّ الفرض بعد الحدث) ويش معنى (محل الفرض)؟ الرِّجْل الفَرْضُ أن تُغسَلَ كلها إلى الكعبين، فإِذا ظهر من القدم بعضُ محلِّ الفرض، مثل طلع رجله حتى طلع الكعب، الآن ما عاد يمكن يلبس، لازم يستأنف الطهارة، ويغسل رجليه كلها، كذلك في الرأس، لو أنها العمامة زلت شوي، وارتفعت عما جرت به العادة فإنه لا يمسحها، بل يستأنفَ الطَّهارة، وهذا بناء على أنه يشترط للبس العمامة أن تكون على طهارة، أما على القول الثاني فلا تجد هذه المسألة بالنسبة للعمامة، أيهم؟
طالب: المسألة الأولى.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الشيخ: المسألة الأولى، إذا ظهر بعض محل الفرض فإنه يستأنفَ الطَّهارة، قلت: لو أراد يطلع الجورب أو الخف وظهر الكعب، هذا بعض محل الفرض، أما لو ظهرت الرجل كلها واضح، لكن إذا ظهر بعض محل الفرض كما لو خرج الكعب فإنه تنتقض طهارته ويستأنفها ويغسل قدميه، نقول: لأنه زال أثر المسح، الآن خلينا نفهم الحكم وبعدين التعليل.
كذلك لو فرض أن الشرابة، الشرابة ويش نسميها؟
طلبة: جورب.
الشيخ: جورب، أن الجورب ينشق وطلع طرفُ الإبهام، أو ينشق من عند العقب وطلع بعض العَقِب، فإنه ينتقض وضوؤه ويستأنف الطَّهارة من جديد، وهذا مبني على أي شيء؟ على أن ما ظهر فرضه الغسل، وإذا كان فرضه الغسل فإن الغسلَ لا يُجامِعُ؟
طالب: المسح.
الشيخ: المسح، فلا بد إذن من أن يعيد الطَّهارة، ثم يغسل قدميه، ثم يلبس.
القول الثاني في هذه المسألة: أنه ما دام على وضوئه فإنه لا ينتقض وضوؤه، وترى هذا مراد المؤلف ﵀ (ومتى ظهر بعضُ محلِّ الفرض بعد الحدث) مراده بعد الحدث، أما لو ظهر بعضُ محلِّ الفرض أو كلُّ الفرض قبل الحدث الأوَّل فإنه لا يضر؛ يلبس ويمشي.
طالب: الحدث الأول؟
الشيخ: قبل الحدث الأول، مثل لبس خُفَّيه لصلاة الصُّبح، وبقي على طهارته إلى قُرب الظُّهر، في الضُّحى رأى أنه حر فخلع الخُف، وهو في أثناء طهارته باقٍ على طهارته لبسه ثانية، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه على الطهارة الأولى، لكن كلامه (بعد الحدث) فيقول: إنه يبطل مسحه، ولا بد أن يستأنف الطهارة من جديد.
القول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يجب عليه استئناف الطهارة، ولو أخرج كل الرِّجل، خلع الخف مرة وهو على طهارة فطهارته باقية، وعلَّلوا ذلك بأنه لا دليل على النقض، فهذا الرجل لما مسح على الخف تمت طهارته؟ أجيبوا.
الطلبة: نعم.
[ ١ / ٣٠٩ ]
الشيخ: لما مسح على الخف تمت طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، فنقول لمن قال: إن الإنسان إذا خلع الخف بطلت طهارته ووجب عليه استئناف الطهارة، نقول له: أين الدليل؟ هات دليلًا، سوف يبحث في كل أدلة الدنيا ما يجد دليلًا على ما قال.
ثم نقول: ما تقول في رجل مسح على رأسه، وعليه شعر كثير ما يصل إلى باطن رأسه ولا بَلَل، كل الرأس مملوء من الشعر، مسح على رأسه، ثم بعد أن تم وضوؤه حلق رأسه، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟
طلبة: لا ينتقض.
الشيخ: ما ينتقض؟
طلبة: لا.
الشيخ: ويش الفرق؟
طالب: لا فرق.
الشيخ: لا فرق في الحقيقة، قالوا: هناك فرق، لكن أنتم أغبياء ما تعرفوه، هناك فرق، ما هو الفرق؟
قال: لأن المسح في الرأس أصلي، والمسح في الخف فرعي، كيف تسوون بين الفرع والأصل؟ وهذه تحير، ويش نقول له؟
نقول: ما دمنا اتفقنا على أن المسح تعلَّق بشيء زال، فكونه أصلي أو فرعي هذا غير مؤثِّر في الحكم، المهم أن الذي تعلقت به الطهارة -وهو الشعر في الرأس والخف في القدم- زال وراح من الإنسان فلا فرق، لكن لو قاسه رجل على من قطعت يده بعد وضوئه، يصح القياس ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: هذا نعم، ما يصح القياس؛ لأن محل الفرض زال بالكلية، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، والله أعلم.
طالب: على الجبيرة.
الشيخ: () (بعد الحدث أو تمَّت مدَّتُه استأنف الطَّهارة) أو زالت الجبيرة أو بَرِأ ما تحتها فإنه يستأنف الطهارة.
أولًا: إذا ظهر بعض محل الفرض، وهذا يدخل فيه الخف والعمامة، فإذا ظهر بعض محل الفرض، وظاهر كلام المؤلف: ولو يسيرًا، فإنه يجب عليه استئناف الطهارة، وإذا خلع نهائيًّا فهو من باب أولى أن يستأنفَ الطَّهارة.
قالوا في تعليل ذلك: لأنه لما زال الممسوح بطلت الطهارة في موضعه، والطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت في عضو من الأعضاء بطلت في الجميع، عرفتم التعليل؟ ما هو التعليل؟
[ ١ / ٣١٠ ]
طلبة: الطهارة ().
الشيخ: لأن الطهارة زالت بزوال الممسوح، فزالت الطهارة عن العضو، وإذا انتقضت في بعض أعضائها انتقضت في سائرها، لماذا؟ لأن الطهارة لا تتبعض، هذا هو التعليل، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم:
أحدهما: ما ذهب إليه المؤلف؛ بأنه إذا ظهر بعض محل الفرض؛ ظهرت بعض الرِّجل أو كل الرِّجل بطلت الطهارة، ووجب عليه الاستئناف، حتى ولو كان ظهورها بعد الوضوء بيسير قبل أن تجف الأعضاء فإنه يجب عليه الاستئناف؛ يعني: مثلًا توضأ ومسح الخفين، ثم خلعهما في الحال وهو لم ييبس، فإن طهارته تبطل؛ لأن العلة وجدت وهي: زوال الطهارة في الممسوح، فتزول في جميع الأعضاء.
وقال بعض العلماء: إنه في هذه الصورة يجزئه أن يغسل قدميه؛ لأنه لما بطلت الطهارة في القدمين والأعضاء لم تنشف بعد فإن المولاة لم تفت، وحينئذٍ يبني على الوضوء الأول، فيغسل قدميه.
القول الثالث في المسألة: أنه إذا خلعهما وجب عليه أن يغسل قدميه وكَفَاهُ، بناء على أن المولاة ليست شرطًا في الوضوء، فينبني غسل الرجلين الآن على ما سبق من غسل الأعضاء.
لكن كلا القولين الأخيرين لا ينبنيان على المذهب؛ لأن علة بطلان الطهارة في خلع الخف ليس من أجل المولاة، ولكن من أجل أن الطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت طهارة القدم بزوال الممسوح بطلت في الجميع، فالأقوال إذنْ كم؟
طالب: ثلاثة أقوال.
الشيخ: ثلاثة أقوال.
القول الرابع اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الطهارة لا تنتقض، سواء فاتت المولاة أم لم تفت، وحجته أقوى من حجتهم؛ لأننا نقول: إن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، فإن الرجل إذا توضأ ومسح على خفيه تمت طهارته، أليس كذلك؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٣١١ ]
الشيخ: بمقتضى الدليل شرعي، وما ثبت بدليل شرعي فإنه لا يرفع إلا بدليل شرعي، وإلا فالأصل بقاء الطهارة، وعلى هذا فلا ينتقض وضوؤه إذا خلع الخفين، بل يبقى على طهارته إلى أن يوجد ناقض من النواقض المعروفة المعلومة، وهذا القول هو الصحيح.
ويؤيده من القياس: أن الرجل لو مسح رأسه وعليه شعر لا يصل إلى أصوله شيء من الماء، ثم حلقه بعد ذلك فإنه لا ينتقض وضوؤه، ولا عبرة بالفرق بين كون مسح الرأس أصلًا ومسح الخفين فرعًا؛ لأننا نقول: كلا المسحين رافع للحدث، فلا فرق بين الأصلي والفرعي.
قال المؤلف ﵀: (أو تمَّت مدَّتُه استأنف الطهارة) إذا تمَّت مدَّته ولو كان على طهارة فإنه يجب عليه إذا أراد أن يُصلِّي أن يستأنف الطهارة.
مثال ذلك: كان مسح بالأمس في الساعة الثانية عشرة، إذا صارت الساعة الثانية عشرة اليوم تمت مدته، فلو كانت الساعة الثانية عشرة اليوم وهو على طهارة، وأراد أن يصلي الظهر قلنا: لا تصلِّ الظهر حتى تستأنف الطهارة وتغسل قدميك، لماذا؟ قال: لأنها انتهت مدة المسح، التعليل صحيح ولّا غير صحيح؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: لأنها انتهت مدة المسح.
طلبة: لا، ما انتهت.
الشيخ: صحيح، لكن هل هذا مؤثر ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: الكلام على التأثير، ولَّا لا شك أن المدَّة انتهت، ولكن نقول: ما الذي يدل على أن انتهاء المدة يكون ناقضًا، هاتوا الدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ أو من إجماع أهل العلم، وعلى العين والرأس.
ونحن نقول: إن الرسول ﷺ وقَّت مدة المسح ليُعرَفَ بذلك انتهاء المسح، لا انتهاء الطَّهارة، فليس الموقت هو الطهارة حتى نقول: إذا تمَّ يوم وليلة انتقضت، الموقت ما هو؟
طلبة: المسح.
[ ١ / ٣١٢ ]
الشيخ: المسح، فنحن نقول: إذا تمت المدة لا تمسح، معروف، لكن قبل تمام المدة إذا مسحت وبقيت على طهارتك، فإن طهارتك هذه قد تمت بمقتضى دليل شرعي، وما تم بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يرفع إلا بدليل شرعي، ولا دليل على ذلك، والأصل بقاء الطهارة وعدم النقض.
فإن قال قائل: أفلا توجبون عليه الوضوء احتياطًا؟
قلنا: لا شك أن الاحتياط بابٌ واسعٌ، ولكن ما هو الاحتياط؟ هل هو بلزوم الأشدِّ، أو بلزوم الأيسر، أو بلزوم ما اقتضته الشَّريعة؟ الأخير.
فإذا شككنا هل اقتضته الشَّريعة أم لا؟ فقد اختلف العلماء هل تسلك الأيسر أو الأشد؟
فقال بعض أهل العلم: تسلك الأيسر؛ لأن الأصل براءة الذِّمَّة؛ ولأنَّ الدينَ مبنيٌّ على اليُسر والسهولة.
وقال بعض العلماء: تسلك الأشد؛ لأنه أحوط وأبعد عن الشُّبهة.
ولكن عندنا في مسألة النقض أصل أصَّله لنا النبيُّ ﷺ في الرَّجُل يُخيَّل إِليه أنَّه يجدُ الشَّيء في الصَّلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦)، فلم يوجب النبي ﷺ الوضوء إلا على من تيقَّن سبب وجوبه، أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، ولا فرق بين كون سبب الوجوب مشكوكًا فيه من حيث الواقع، كما في الحديث، أو من حيث الحكم الشَّرعي، فإن كُلًّا فيه جهالة؛ هذا جاهل بالواقع هل حصل ولَّا ما حصل؟ وهذا جاهل بالشرع هل يوجب هذا أو لا يوجب؟
فإذا كان الرسول ﷺ قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» علم أننا لا ننقض الوضوء إلا بماذا؟
طلبة: باليقين.
الشيخ: بيقين، وهنا لا يقين، بل الرَّاجح الذي يغلب على الظن أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ أصح؛ وهو أنها لا تنتقض الطَّهارة بانتهاء المدَّة؛ لعدم الدَّليل.
[ ١ / ٣١٣ ]
ونحن نقول: أيُّ إنسان يأتي بدليل فإن فرضًا علينا أن نتَّبع الدَّليل، لكن إذا لم يكن دليلٌ فليس يسوغ لنا أن نُلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به؛ لأنا مسؤولون، أهل العلم مؤتمنون على الشَّريعة، لا يمكن أن يلزموا عباد الله بما لا يلزمهم، ولا أن يحللوا لعباد الله ما حرِّم عليهم، هم أمناء كالوكلاء؛ ولهذا جاء في الحديث: أنهم ورثة الأنبياء (٧).
كذلك أيضًا لو برئ ما تحت الجبيرة وجب عليه أن يستأنف الطَّهارة؛ إذا كانت في أعضاء الوضوء استأنف الوضوء، إِذا كانت في أعضاء الغسل، كما لو اغتسل من جنابة ومسح فإنه يستأنف غسل ما تحتها، ولا يستأنف الغسل كاملًا؛ لأن الغسل -على المذهب- لا تُشترط فيه الموالاة، فيغسل ما تحتها وينتهي، وكذلك لو انحلَّت الجبيرة فإنه يستأنف الطَّهارة.
الصَّحيح أنه لا تبطل طهارته لبرء ما تحت الجبيرة، ولا بانتقاضها، ويعيد شدها في الحال، أو متى شاء. والصَّحيح كما قررنا الآن: أنه لا تبطل طهارته لبرء ما تحتها ولا بانتقاضها، ويعيد شدها في الحال، أو متى شاء؛ لأن الجبيرة -على القول الرَّاجح، كما مر- لا يُشترط لوضعها الطهارة.
هذا خلاصة باب المسح على الخفين، وبه نعرف أن الممسوحات ثلاثة أشياء: خف، وعمامة، وجبيرة، والعمامة منها الخمار للمرأة، فتكون بالبسط أربعة، وبالاختصار ثلاثة: ملبوس على الرجل، وعلى الرأس، وعلى سائر الجسم، أي جسم، لكن الأخير إنما هو في الضرورة.
هل يجوز المسح على الذراعين إذا كانت الأكمام ضيقة والناس في الشتاء؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: كيف ما يجوز؟
طالب: لأنه ورد عن الرسول ﷺ أنه كانت أكمامه ضيقة، فأخرج يديه وأظهرها مع الجيب (٨).
الشيخ: أظهرها من الأسفل، ما هو مع الجيب، هذا دليل صحيح؛ دليل إيجابي، لكن لو فرض أن هذا الدليل لم يرد؟
طالب: لم يَجُزْ.
الشيخ: لم يَجُزْ؟
طالب: لا يجوز.
[ ١ / ٣١٤ ]
الشيخ: نعم؛ لأن الأصل في العبادة الحظر، حتى يقوم دليل على المشروعية، فإذا قام دليل على المشروعية فعلى العين والرأس، وإلا فلا، على أن قصة الجبة التي أشار إليها واضحة.
هل يجوز المسح على المناكير؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنها تشبه الأكمام.
هل يجوز المسح على الهامة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الهامة تعرفونها؟ الهامة: حلي من الذهب يربط على الرأس؛ يشد على الرأس.
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، وأصل ذلك شيئان:
الشيء الأول: أنه يمكن أن تلحق بالخمار؛ لأن المشقة في نزعها أكثر من المشقة في نزع الخمار؛ لأنها تربط ببعض الشعر؛ يدخل الشعر في عرى فيها ويشد عليها، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه قد ثبت عن النبي ﵊ أنه لبَّد رأسه بالصمغ ونحوه وهو محرم (٩)، تلبيد الرأس، وهذا معناه بيكون فيه حائل يمنع وصول الماء، لكن لما كان الأصل في تطهير الرأس التخفيف صار يجوز المسح على ما ستره بمثل هذه الأمور المعتادة.
***
[باب نواقض الوضوء]
() اسم فاعل لغير العاقل، وجمعُ اسمِ الفَاعل لغير العاقل يكون على (فَوَاعِل)، وكذلك لو كان لمؤنث، كـ (حوامل) جمع (حامل).
والحدث تقدم لنا: أنه وصف يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها، وأما الوضوء فهو: الطَّهارة التي يرتفع بها الحَدَث، الوُضوء بالضم، وأما الوَضوء بالفتح فهو: الماء الذي يُتَوَضَّأ به، كما نقول: طَهُور؛ للماء الذي يُتَطَهَّر به، وطُهور؛ لنفس الفعل، ونقول: سَحور؛ لما يُتَسَحَّر به، وسُحور بالضم؛ لنفس الفعل الذي هو الأكل.
نواقض الوُضُوء هي مفسداتُه؛ يعني: هي التي إذا طرأت عليه أفسدته، وهي نوعان: نوع مجمع عليه، ونوع فيه خلاف؛ أما المجمع عليه فإنه مستند إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولا جدال فيه، وأما المختلف فيه فإنه مبني على اجتهادات لأهل العلم، وعند النزاع يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولننظر.
[ ١ / ٣١٥ ]
قال المؤلف: (ينقضُ ما خَرَجَ من سَبيلٍ) (ما) اسم موصول بمعنى (الذي)، واسم الموصول للعموم، كلُّ أسماء الموصول للعموم، سواء كانت خاصَّة أم مشتركة، فالخاصة هي التي تدلُّ على المفرد والمثنى والجمع، مثل: (الذي)، و(الذين)، و(اللذان)، والمشتركة هي الصَّالحة للمفرد وغيره، مثل: (مَنْ)، و(ما)، و(ذا)، وما أشبهها، و(أل).
فهنا يقول: (ما خرج من سبيل) قلت: إن (ما) للعموم يشمل كلَّ خارج، و(من سبيل) مطلق يتناول القُبُل والدُّبر، وسُمِّي سبيلًا؛ لأنه طريق يخرج منه الخارج، والسبيل هو: القُبُل والدُّبر.
وقوله: (ما خرج) إذا قلنا بأنه عام يشمل المعتاد وغير المعتاد، المعتاد مثل أيش؟ كالبول والغائط والرِّيح من الدُّبر، هذه الثلاثة معتادة، قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، وفي حديث صفوان بن عَسَّال: «وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ وَنَوْمٍ» (١٠)، وفي حديث أبي هريرة (١١) وعبد الله بن زيد رضي الله: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦).
ويشمل أيضًا ما كان طاهرًا أو نجسًا؛ فالطاهر كالمني، والنجس ما عداه من بول ومذي وودي ودم؛ لأن الذي يمكن خروجه من القُبُل مثلًا خمسة أشياء: البول والودي والمذي والمني والدم، دم، إي نعم قد يخرج، وهذا شيء واقع، ما هو شيء مفترض، المهم أنه شامل لهذا كله، كله ينقض الوضوء.
الريح من الدبر معتادة، ومن القُبُل غير معتادة؛ ولهذا اختلف فيها الفقهاء؛ فمنهم من قال: إنها تنقض الوضوء، ومنهم من يقول: إنها لا تنقض الوضوء.
وهذه الرِّيح تخرج أحيانًا من فُروج النساء، ما أظنُّها تخرج من الذكر، وربما تخرج، لكن يمكن أنها من أندر النادر، إنما الذي يخرج كثيرًا الريح من قُبُل المرأة، فهي تنقض الوضوء، على ما صرح به فقهاؤنا ﵏، ومن العلماء من يقول: إنها لا تنقض؛ لأنها غير معتادة.
[ ١ / ٣١٦ ]
هل تنقضُ الحصاة إذا خرجت من القُبُل أو الدُّبُر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تنقض، إي نعم، وهذا كثير أيضًا؛ لأنه أحيانًا يُصابُ الإنسان بحصى في الكلى، ثم تنزل حتى تخرج من ذكره بدون بول، فهي أيضًا ناقضة.
ولو ابتلع الإنسان خرزة، فخرجت من دبره، تنقض الوضوء ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تنقض الوضوء؛ لعموم قوله: (ينقض ما خرج من سبيل). هذا الأول، وهذا ثابت بالنص والإجماع، إلا ما لم يكن معتادًا ففيه الخلاف.
ثانيًا: (وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا) (خارج) هذه معطوفة على (ما)؛ يعني: وينقضُ خارجٌ من بقيَّة البَدن، إن كان بولًا أو غائطًا، () وهل يمكن هذا؟ نعم يمكن، لا سيما في العصور المتأخِّرة يُجرى للإنسان عملية حتى يبدأ بوله أو غائطه يخرج من جهة أخرى، فإذا خرج بول أو غائط من أيِّ مكان فهو ناقض للوضوء، سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
ويستثنى من ذلك ومن الذي قبله أيضًا: مَنْ حَدَثُه دائم فإنه لا ينتقض وضوؤه بخروجه، مثل أن يكون فيه سلسُ بول أو سلس غائط أو سلس ريح فإنه لا ينتقض الوضوء بذلك، ولكن له حال معينة في التطهر تأتي إن شاء الله تعالى.
قال المؤلف: (وخارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا) ظاهر كلامه: أنه لو خرجت الرِّيح من هذا المكان الذي فُتِحَ بدلًا عن المخرج، ينقض ولَّا ما ينقض؟
طلبة: لا ينقض.
الشيخ: نشوف، نحن قلنا قبل قليل: (ينقض ما خرج من سبيل) إنه يشمل الريح خارج من بقية البدن إن كان بولًا أو غائطًا؛ لأنه قيده بقوله: (إن كان بولًا أو غائطًا)، وعلى هذا فلو خرجت الريح من هذا المكان الذي فتح عوضًا عن المخرج فإنها لا تنقض ولو كانت ذات رائحة كريهة، وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أنها تنقض الوضوء؛ الريح إذا انسد المخرج وانفتح هذا المكان صار له حكمُ الفَرج فيما خرج منه، لا في مسِّه؛ لأن مسه لا ينقض الوضوء، كما سيأتي.
[ ١ / ٣١٧ ]
قال المؤلف: (أو كثيرًا نجسًا غيرَهُما) يعني: أو كان كثيرًا نجسًا غير البول والغائط، فقيَّد المؤلف غير البول والغائط بقيدين؛ أن يكون كثيرًا، وأن يكون نجسًا.
لماذا لم يقيِّد البولَ والغائط بالكثير النَّجس؟ أما النجس فلا حاجة للتقييد؛ لأنه نجس؛ البول والغائط، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ولأن قليله وكثيره سواء؛ كلاهما ينقض الوُضُوء.
فقول المؤلف: (أو كثيرًا) أولًا: يجب أن نعرف ما هو الكثير؟ أطلق المؤلف (كثيرًا)، والقاعدة المعروفة: أن ما أتى ولم يُحدَّدْ بالشَّرع فمرجعه؟
طلبة: إلى العرف.
الشيخ: إلى العُرف.
وَكُلُّ مَا أَتَى وَلَمْ يُحَدَّدِ
بِالشَّرْعِ كَالحِْرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
كل شيء جاء مطلقًا ولم يقيده الشارع فارجع فيه إلى العرف، فنقول: الكثير هنا بحسب العرف، عرف من؟ عُرف النَّاس، إذا قالوا: هذا كثيرٌ صار كثيرًا، وإن قالوا: هذا يسير وبسيط صار بسيطًا.
وقيل: إن المعتبر عند كلِّ أحد بحسبه؛ كلُّ إنسان إذا رأى أن هذا كثيرٌ فإنه يكون كثيرًا، وإن رأى أنه قليلٌ فإنه يكون قليلًا.
لكن هذا القول فيه شيء من النظر، ما الذي فيه؟ أن من الناس من يكون عنده وسواس؛ النقطة الواحدة القليلة تكون عنده كثيرة، ومن الناس من عنده تهاون؛ لو يخرج منه لتر من الدم قال: هذا يسير بسيط؛ لأن دم البعير إذا ذبحت أكثر منه، فلا يرى شيئًا قليلًا أبدًا.
ولكن القول الصحيح: الثاني؛ أن المعتبر العرف، وهو ما عده أوساط النَّاس الذين ليسوا متطرفين لا من هنا ولا من هنا، ما عدوه كثيرًا فهو كثير، وما عدوه قليلًا فهو قليل.
ثانيًا: قوله: (نجسًا غيرَهُما) نجس احترازًا من الطَّاهر، إذا خرج من بقية البدن شيء طاهر ولو كَثُرَ فإنه لا ينقض الوضوء، مثل أيش؟
طالب: مثل العرق.
الشيخ: كالعَرَق.
طالب: واللُّعاب.
[ ١ / ٣١٨ ]
الشيخ: اللعاب، وكدمع العين إذا صار يبكي وعيونه كثيرة الماء، ولا عاد الغالب () كثير الدمع، لكن يمكن بعض الناس يكون عنده دموع كثيرة () يصيح، ويحصل هذا.
طالب: ().
الشيخ: المهم، كثير، وأكثر ما يمكن التمثيل به وأوضحه هو العرق؛ لأن بعض الناس شاهدناهم يعرقون عرقًا كثيرًا جدًّا في أيام الصيف؛ يعني: إذا قام من النوم كأنه أكثر من سابح، هذا لا ينتقض وضوؤه، لماذا؟
طالب: لأنه طاهر.
الشيخ: لأنه طاهر، والمؤلف قيده بقوله: (نجسًا).
(غيرَهُما) أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا: الدَّمُ والقيءُ ودَمُ الجروح وماءُ الجروحِ، وكلُّ ما يمكن أن يخرج وهو ليس بطاهر.
ولكن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فالمشهور من المذهب هو ما سمعتم؛ أنه إذا كان كثيرًا إما عُرفًا أو كل إنسان بحسب نفسه نقض الوُضُوء، وإن كان قليلًا لم ينقض.
ما هي الحجة في ذلك؟ الحجة في ذلك قالوا: إن النبي ﷺ قَاءَ فتوضَّأ (١٢)، وقد قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فلما توضَّأ بعد قيئه، فإن الأُسوة الحسنة أن نفعل كما فعل الرسول ﷺ.
وقالوا أيضًا: لأنه فضلات خرجت من البدن، فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذ حكمه من كلِّ وجهٍ؛ لاختلاف المخرج، فتُعطى حكمه من وجه دون وجه، البول والغائطُ قليلهُ وكثيرُه ينقض الوضوء؛ لأنه خرج مع المخرج، وغير البول والغائط ما ينقض إلا إذا كان كثيرًا، قالوا: فهو أشبه البول والغائط من وجه؛ لكونه فضلة خرجت من البدن، فأشبهته من بعض الوجوه، فتعطى حكمه.
وقال بعض أهل العلم، وهو مذهب الشافعي والفقهاء السبعة -فقهاء التابعين السبعة المشهورون- وقد جُمِعُوا في بيتين أنشدتكم إياهما سابقًا.
طالب:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
رِوَايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْعِلْمِ خَارِجَهْ
[ ١ / ٣١٩ ]
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ
سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
الشيخ: سمعتم
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
رِوَايَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْعِلْمِ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ
سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
وقد ذكرهم العراقي في ألفيته في المصطلح.
الفقهاء السبعة، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد: يرون أن الخارج من البدن لا ينقض الوُضُوء قلَّ أو كثُر، إلا البول والغائط.
وحجتهم في ذلك: أن الأصل عدم النَّقض، وإذا كان الأصل عدم النَّقض، فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدَّليل.
قالوا: وقد ثبتت طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، فإذا جئتم بدليل شرعي مقاوم للدليل الذي ثبتت به الطهارة فعلى العين والرأس، ونحن لا نخرج عما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ لأننا متعبَّدون بشرع الله، لا بأهوائنا، لا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارةٍ لم تجبْ، ولا أن نرفع عنهم طهارةً واجبة، أرونا الدليل، وعلى العين والرأس.
فإذا كانت الطهارة قد ثبتت بمقتضى دليل شرعي فلا يمكن أن ترتفع إلا بدليل شرعي، والدليل الذي استدللتم به قد ضعَّفه كثيرٌ من أهل العلم؛ قاء فتوضأ (١٢).
ثم نقول: إن هذا مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب؛ لأنه خالٍ من الأمر، فمجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وعلى هذا فلا يجب.
ثم إنه مقابل بحديث -وإن كان أيضًا مضعفًّا- أنَّ النبيَّ ﷺ احتجم، وصلى ولم يتوضَّأ (١٣)، وهذا يدلُّ على أنه ليس للوجوب، وهذا القول هو القول الرَّاجح؛ أنه لا ينقض الخارج من بقية البدن وإن كثر، سواء كان قيئًا أو رعافًا أو جرحًا أو ماء جروح، أو أي شيء آخر.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فخذ الآن هذا الثاني من نواقض الوضوء صار فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح عدم النقض به.
قال: (وزوالُ العقلِ) زوال العقل على نوعين: زوال بالكُلِّيَّة، وهو رفع العقل، وذلك بالجنون، نسأل الله العافية.
والثاني: تغطية العقل بسبب يوجب أن يرتفع العقل لمدَّة معيَّنة لسبب معلوم، مثل: النَّوم والإغماء والسكر، وما أشبهها.
هذا زوال العقل، لكنه ليس ارتفاعًا بالكلية، فزوال العقل ناقض للوضوء، ولكن هل هو ناقض أو مظنة النقض؟ فيه خلاف، العجيب مذاهب العلماء في النوم كثيرة، ثمانية مذاهب فيه، هل ينقض ولَّا ما ينقض؟ واللي يفصل فيه، واللي ما يفصل! ولكن لننظر.
الإنسان إذا زال عقله بالكلية، فإن زوال العقل هذا مظنة قوية أن يُحدِث ولا يشعر، والعلة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها، فإنه يثبت مقتضاها بأدنى شبهة أو بأدنى سبب، فحينئذٍ نقول: ما دام العلة في كون النوم ناقضًا أنه مظنة الحدث، فليرتب عليه الحكم بمجرد زوال العقل بنوم أو غيره.
وقال بعض العلماء: إن النوم ليس هو نفسه ناقضًا للوضوء، لكنه مظنة، وعلى هذا فإذا ترجح عندك أنك لا تزال على طهرك فأنت؟
طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر، وإلا فلا، زوال العقل بالجنون وبالإِغماء وبالسكر هو في الحقيقة فَقْدٌ نهائي، وعلى هذا فيسيرُها وكثيرُها ناقضٌ، فلو صُرِعَ الرجل -والعياذ بالله- ثم استيقظَ من الصرع وجب عليه؟
طلبة: الوضوء.
الشيخ: أن يتوضأ، وكذلك لو سَكِرَ، وكذلك لو أُغمي عليه؛ سقط من شيء وأغمي عليه وجب عليه أن يتوضأ، بخلاف النوم فإنه ليس كهذا؛ ولهذا يفترق عن هذه الأشياء بأن يسيره لا ينقض الوضوء.
() انسد المخرج وانفتح غيره.
طالب: يأخذ غيره حكمه إلا اللمس.
[ ١ / ٣٢١ ]
الشيخ: لا، ما له حكمه، لم يثبت له أحكام المعتاد، إلا إذا خرج بول أو غائط لا بأس، هذا شيء واضح، لم يثبت له أحكام المعتاد، هذه ذكرناها، فلو لمس لم ينتقض الوضوء، ولو خرج منه ريح لم ينتقض الوضوء، ولو أن أحدًا جامعه لم يجب الغسل.
المهم أنه إذا انسد المخرج وانفتح غيره لم يثبت له أحكام المعتاد، فلا نقض بريح منه ولا بمسه، لكن البول والغائط؛ لأنهما بول وغائط من أي مكان خرجا نقضا الوضوء.
وقال بعض العلماء: إن كان هذا المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل من أصحابنا.
شوفوا الفقه في هذا القول، هو جيد ولَّا لا؟ يقول: إن فتحوا مثلًا، الأطباء فتحوا فتحة بحيث يخرج الطعام من المعدة نفسها، فهذا ليس كالبول والغائط، وإن كان من أسفل؛ يعني: من الأمعاء، فهو في حكم البول والغائط، ويش رأيكم في هذا؟
طالب: جيد.
الشيخ: جيد في الواقع، هذا جيد وفقه واضح، بدليل أنه إذا تقيأ الإنسان من المعدة فإنه لا ينقض الوضوء، على القول الراجح، أو ينقضه إن كان كثيرًا، على المشهور من المذهب، وأما المذهب فيقولون: إذا فتح فهو ينقض قليله وكثيره.
زوال العقل () «الْعَيْنُ وِكَاءُ السِّهْ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» (١٤)، ففيه إذنْ دليل وتعليل.
هل يستثنى من ذلك شيء؛ من زوال العقل يستثنى منه شيء؟
طالب: المجنون.
الشيخ: المجنون.
بسم الله الرحمن الرحيم، زوال العقل ناقض للوضوء كما سمعتم من الدليل والتعليل، وليس هو موضع اتفاق بين أهل العلم، بل هو موضع خلاف بين أهل العلم، ولكن القول الراجح: أنه ناقض للوضوء؛ لحديث صفوان بن عسال؛ ولأن التعليل الذي أشرنا إليه تعليل قوي، لكن هل النوم ناقض أو مظنة النقض؟
اختلف فيه العلماء فيه ثمانية أقوال لأهل العلم:
[ ١ / ٣٢٢ ]
منهم من يرى أن النَّوم ناقضٌ مطلقًا يسيرُه وقليله، وعلى أيِّ صفة كان النائم؛ يقول: لأن هذا حَدَث، النوم حدث وليس مظنة الحدث، والحدث لا يُفرَّقُ بين قليله وكثيره، كالبول.
ومنهم من يقول: إن النَّوم مظنة الحدث، وأنه لا يعفى عن شيء منه إلا ما استبعد فيه الحدث.
ومنهم من قال: إن النوم مظنَّة الحَدَث، ولا ينقض منه إلا ما كان مظنة الحدث، فالمذهب أن النوم ليس بحدث، ولكنه مظنَّة الحدث، ولا يُعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيدًا فيه الحدث؛ ولهذا قال: (إلا يسير نومٍ من قائم وقاعد).
فاستثنى المؤلف ﵀ اليسير، واستثنى حالًا معينة من أحوال النائم، خرج باليسيرِ الكثيرُ، وخرج بقوله: (من قائم وقاعد) ما عداهما، فإن النوم ينقضه مطلقًا في حقهم؛ في حق ما عدا هاتين الحالين.
ما هو اليسير؟ اليسير يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا قالوا: هذا يسير، فهو يسير، فتارة يكون يسيرًا في زمنه، لكن يغفل غفلة كاملة، يمكن يحلم لكن يسير، بحيث ما خرج منه شيء، أو لو خرج لشمه؛ لأنه استيقظ على طول، وتارة يكون يسيرًا في ذاته وماهيته؛ بمعنى أنه لا يغفل كثيرًا في نومه، مثل مثلًا يسمع اللي يتكلمون، ولو مثلًا يكلمه أحد انتبه بأدنى سرعة، ولو حصل منه حدث لأحس به، هذا اليسير.
فالمهم أن اليسير إذا كان من قائم وقاعد فإنه لا يضر، ولكن الصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فقد انتقض وضوؤه، وإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه لأحس به، فإن وضوءه باقٍ ولا ينتقض.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وبهذا القول تجتمع الأدلة؛ فإن حديث صفوان بن عسَّال -كما سمعتم- فيه تصريح بأن النوم ناقض، وقد ثبت من حديث أنس أن الصحابة ﵃ كانوا ينتظرون العِشاء على عهد النبي ﵊ حتى تخفِقَ رؤوسهم، ثم يُصلُّون ولا يتوضؤون (١٥)، تخفق يعني: تنزل هكذا، في بعض الألفاظ: يضطجعون (١٦) في رواية لأبي داود، فيحمل ما ورد عن الصحابة، على ما إذا كان الإنسان لو أحدث لأحس، ويحمل حديث صفوان على ما إذا كان الإنسان إذا أحدث لم يحس.
ويؤيد هذا الجمعِ الحديثُ الضعيف الذي أشرنا إليه: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السِّهْ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ»، فإذا كان الإنسان لم يحكم وكاءه؛ بحيث لو أحدث ما أحس بنفسه فإنه يكون نومه ناقضًا، وإلا فلا.
لو أن أحدًا يصلي وهو ساجدٌ، غفى؛ يعني: أحس بنوم خفيف يسير، هل ينتقضُ وضوؤُه ولَّا لا؟
المذهب: ينتقض وضوؤه؛ لأنه ليس قائمًا ولا قاعدًا.
والقول الثاني: لا ينتقض، إلا إذا كان في حال لو أحدث لم يحسَّ بنفسه، فينتقض.
المؤلف ﵀ ظاهر كلامه: (من قائم وقاعد) الإطلاق، ولكنهم استثنوا ما إذا كان محتبيًا أو متكئًا، فإنه في هذه الحال ينتقض وضوؤه من نائم وقائم، غير محتبٍ ولا متكئٍ؛ لأنه إذا كان محتبيًا أو متكئًا فإنه غالبًا يستغرق في نومه، وإذا استغرق فإنه قد يُحدِث ولا يحس بنفسه، ولكن الذي رجحناه نسلم من هذه القيود كلها، ونقول: متى كان الإنسان في نوم لو أحدث لم يحس بنفسه فهو ناقض، وإلا فلا، على أي حال كان.
طالب: إذا لم يشم منه رائحة جارُه وهو جالس بجانبه، وهو تقام الصلاة ولا يشعر بعض الناس؟
الشيخ: إي نعم، ماذا تقولون في هذا؟
طالب: إلا بنفسه.
الشيخ: الظاهر أننا نكلفه بنفسه، مشكلة بيقول جاره: هل حسيت أني أحدثت؟
طالب: إذا كان جاره () ويعلم أنه ..
الشيخ: ربما أيضًا () الشم، مثل غيره من الحواس، إذا ما حط الإنسان باله يمكن ما يحس.
[ ١ / ٣٢٤ ]
طالب: ممكن يكون () إذا أقيمت الصلاة ولم يشعر يا شيخ، كثير من الناس تقام الصلاة ولا يشعر، ولا واحد ().
الشيخ: الظاهر أنه يرجع للحدث نفسه، ما دام الإنسان يعرف نفسه أنه لو أحدث لأحس؛ لأن الصحيح أن النوم ما هو بنفسه حدث ..
طالب: إذا تكلم عن الجار وقال: أحدثت () قال له: شممت منك رائحة؟
الشيخ: وإن كان الرائحة من غيره ().
طالب: ().
الشيخ: يعني هو الأحسن نعتبره ().
***
يقول: (ومسُّ ذكر متَّصل أو قُبُل بظهر كفه أو بطنه) إلى آخره.
أولًا: قال المؤلف: (مسُّ ذكر) والمسُّ لا بد أن يكون بدون حائلٍ؛ لأنه مع الحائل لا يُعَدُّ مسًّا، وهذا أظنه هو الناقض الثالث.
طلبة: الرابع.
الشيخ: الرابع، نعم، اشترط أيضًا أن يكون متصلًا، احترازًا من؟
طلبة: المنفصل.
الشيخ: المنفصل؛ يعني: لو قُطِع ذكرُ إنسان مثلًا، وأخذه شخص ليدفنه مثلًا، سواء قطع بجناية أو قطع بعلاج، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الذكر غير متصل، فإن مسَّه لا ينقض الوضوء.
ولا بد أن يكون أصليًّا، احترازًا من؟
طالب: المصنوع.
الشيخ: المصنوع، يقول: أصليًّا احترازًا من المصنوع، المصنوع ما يسمى ذكرًا، يسمى صورة ذكر، لكن احترازًا من الخُنثى؛ الخُنثى ذكره غيرُ أصليٍّ، لأيش؟ لأنه إن تبيَّن أنه أنثى فواضح أنه زائد، وإن أشكل فإنه لا ينتقض الوضوء مع الإشكال.
استمع الآن: ذكر، متصل، أصلي، الرابع: أن يكون المس باليد؛ ولهذا قال: (بظهر كفِّه أو بطنه).
طالب: (أو قُبُل).
الشيخ: عندكم، إي صح (أو قُبُلٍ) يعني: أو مس قُبُل للمرأة، مس القُبُل نفسه ما حوله.
طالب: مذكور (أصْلِي) في الكتاب.
الشيخ: لا، ما ذكر (أصْلِي)، مذكور عندكم بالأصل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هو الظاهر أنه بالشرح.
طلبة: أصلي.
الشيخ: موجود؟
طلبة: (ذكر متصل أصلي).
الشيخ: يمكن في بعض النسخ، المهم لا بد أن يكون أصليًّا، (ذكر متصل أصلي).
[ ١ / ٣٢٥ ]
(أو قُبُل) يعني: قُبُل امرأة، ونشترط أن يكون أصليًّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نشترط؛ ليخرج بذلك قُبُل الخُنثى.
وأيضًا يقول: (بظهر كفِّه أو بطنه) لا بد أن يكون المس بالكفِّ، سواء بظهره أو كفه أو حرفه أيضًا، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: بظهره هذا، وأيش نقول؟
طالب: بظاهر الكف.
الشيخ: بظاهر الكف، أو بطنه؛ الراحة وبطون الأصابع، أو حرفه.
طالب: أطرافه.
الشيخ: أطرافه، فإن المس بهذه الأشياء ينقض الوضوء، وإنما نصَّ المؤلف على ظهر الكفِّ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن المسَّ بظهر الكفِّ لا ينقض الوضوء؛ لأن المس عادة والإمساك إنَّما يكون بباطن الكَفِّ.
يقول المؤلف: (أو بطنه ولمسهما من خنثى مشكل) (لمسهما) الضمير يعود على الذَّكَر والقُبُل، (من خنثى مشكل) الخنثى هو الذي لا يُعْلَم أذكر هو أم أنثى؟ مع أن فيه آلتي الذكر والأنثى؛ يعني: له ذَكَر وله فرج، ولكنه مُشْكِل، أمره مُشْكِل، كيف مُشْكِل؟ ما ندري يبول منهما جميعًا، وهو إلى الآن لم يتبين هل هو ذكر أو أنثى، لا بلحية ولا بغيرها، فهذا يسمى خنثى مُشْكِل؛ لأنه مُشْكِل علينا أرجل هو أم أنثى؟ لكن الخنثى المشكل لا بد من مسهما جميعًا، لأيش؟ لأنه إن مس واحدًا فهو غير أصلي، ما يدرى هل هو ذكر ولَّا زائد؟ وكذلك الفرج لا يدري هل هو قبل أو زائد؟
الآن انتبه للشروط، كم صارت الشروط؟ ذَكَر، أو قُبُل، متصل، أصلي، بظاهر الكف أو بطنه أو حرفه.
طالب: ().
الشيخ: لا، أربعة شروط، لو مسه بغير الكف ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟
طلبة: لا ينتقض.
[ ١ / ٣٢٦ ]
الشيخ: ما ينتقض الوضوء؛ لأن الأحاديث الواردة بالمسِّ إنما تكون باليد، وفي بعض الألفاظ: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهَا سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ» (١٧)، بيده، وهذا واضح في أنه بالكف، واليد عند الإِطلاق لا يُراد بها إلا الكف، وأيش الدليل؟ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ما هو الدليل على انتقاض الوضوء بمس الذَّكَر أو القُبُل؟ الدليل فيه الأحاديث منها:
حديث بُسْرَة بنت صفوان: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فَلْيَتَوَضَّأْ» (١٨).
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهَا سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ»، وفي رواية: «إِلَى فَرْجِهِ» (١٩).
والتعليل هو: أن الإنسان قد يحصُل منه تحرُّكُ شهوةٍ عند مسِّ الذَّكر أو القُبُل، فيحصل منه خارج وهو لا يشعر، فما كان مظَّنة الحدث عُلِّق الحكم به، كالنَّوم.
هذا الدليل، وهذا التعليل، وهذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀، بناء على هذه الأحاديث.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن مسَّ الذَّكَرِ لا ينقض الوضوء، واستدلوا بحديث طَلْقِ بن علي أنه سأل النبي ﷺ عن الرَّجُل يمسُّ ذَكَرَه في الصَّلاة قال: أعليه الوضوء؟ فقال النبي ﷺ: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» (٢٠).
وقالوا: إن الأصل بقاء الوضوء وعدم النقض، فلا يمكن أن نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل متيقن، أما ما كان فيه احتمال فالأصل أن يبقى الوضوء، «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦)، فإذا كان هذا في سبب الحدث فكذلك في السبب الموجب شرعًا؛ لأن الرسول يتكلم هنا عن السبب الموجب حسًّا، كذلك السبب الموجب شرعًا ما يمكن نلتفت إليه حتى يكون يقينًا معلومًا.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ولهذا من العلماء من رجح حديث طلق بن على وقال: إن مس الذكر أو مس الفرج مطلقًا لا ينقض الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وأعلوا هذا الحديث -حديث بسرة- بأنه ضعيف، وأن حديث طلق بن على أحسن منه.
ومن العلماء من قال: إنه لا ينبغي أن نرجح بين الحديثين؛ لأنه يمكن الجمع، وإذا أمكن الجمع بين الدليلين وجب المصير إليه قبل الترجيح والنسخ، وهذا صحيح ولَّا لا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: لأننا إذا جمعنا بين الدَّليلين فقد عملنا بهما جميعًا، لكن إذا رجحنا فقد ألغينا أحدهما، والعمل بهما مع إمكانه أوجب، كيف نجمع؟
قالوا: نجمع؛ إما بأن نحمل حديث بسرة وما شابهه على ما إذا كان لشهوة، وحديث طلق بن علي على ما إذا كان لغير شهوة.
قالوا: والتعليل «إِنمَّا هو بَضْعَة منك» يدل على هذا الحمل، فإنك إذا مسَسْتَ ذَكَرَكَ كما تمس سائر أعضائك بدون أي تحرُّكِ، صار كأنما مسست ساقك أو رجلك أو رأسك، أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ؟
طالب: لا ينتقض.
الشيخ: فلا ينتقض الوضوء، أما إذا مَسَسْتَه لشهوةٍ فإِنَّه ينتقض؛ لأن العِلَّة -وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك- موجودة، فيقول: إذا مسَّه لشهوةٍ وجب الوُضُوء، وإِذا مسَّه لغير شهوة لم يجب.
قالوا وهم يحاجُّون الحنابلة: ولنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إن مس المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنَّة الحدث.
أو يجمع بينهما بوجه آخر فيقال: إن حديث بُسْرة الأمر فيه للاستحباب، وحديث طَلْق الأمر فيه للوجوب، هو سأل عن الواجب؛ أعليه الوضوء؟ كلمة (على) ظاهرة في الوجوب، فبيَّن الرسول ﷺ أنه لا وضوء عليه، وعلَّل بأنه بضعة، وعلى هذا، فإذا كان مسه إياه لغير شهوة فإن الوضوء مستحب، أخذًا بعموم حديث من؟ بسرة، وإذا كان لشهوة فإنه يجب الوضوء، أخذًا بالتعليل؛ «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ».
[ ١ / ٣٢٨ ]
والمسألة فيها احتمال؛ يعني: احتمال أن يكون هذا القول هو الصواب قوي، وشيخ الإسلام ﵀ يرى أن الوُضُوء من مسِّ الذَّكَر مستحبٌ مطلقًا، ولو بشهوةٍ.
وإذا قلنا: إنه مستحب فمعناه أنه مشروع وفيه أجرٌ، وفيه أيضًا احتياط.
وأما دعوى من ادعى أنَّ حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ ..
طالب: أقول: ظاهر الكف، والقبل ما هو الدليل ()؟
الشيخ: إي نعم، أما دليلهم في ظاهر الكف فقالوا: عموم «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ» (١٧)، هذا عام، فاليد تشمل داخل الكف وظاهره، وأما القُبُل فقالوا: إن إحدى روايات حديث أبي هريرة: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ» (١٩)، والقُبُل من الفرج.
طالب: إذا قلنا: إنها للشهوة ()؟
الشيخ: هم يرون النقض مطلقًا، لشهوة ولغير شهوة.
أقول: ادعى قوم أن حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ، ووجهوا دعواهم بأن طلق بن علي قَدِمَ على الرسول ﵊ وهو يبني مسجده أول الهجرة، ولم يَعُدْ إليه بعدُ، وهذه الدعوى غير صحيحة؛ وذلك لأنه لا يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذَّر الجمع، وهذا مسلَّم متفق عليه، والجمع هنا ممكن.
الوجه الثاني مما يبطل دعوى النسخ: أن في حديث طَلْق عِلَّة لا يمكن أن تزول، وإذا رُبِط الحُكم بعلَّة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته، ما هي العلَّة؟ «إِنَمَّا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»، هل يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكر الإنسان ليس بَضْعَة منه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما يمكن، إذنْ لا يمكن النسخ.
وكأن واحدًا يهمس يقول: يمكن؛ يعني: إذا قُطِعَ، وإذا قُطِع فإذا مسه لا يضر، على كل حال، هذان وجهان من أوجه الرد أو إبطال هذه الدعوى.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ثالثًا: أن أهل العلم يقولون: إن التاريخ لا يُعلم بتقدُّم إسلام الرَّاوي أو تقدم أخذه؛ لجواز أن يكون الرَّاوي حَدَّث به عن غيره؛ بمعنى: إذا روى صحابيَّان حديثين ظاهرهما التَّعارض، وكان أحدُهما متأخِّرًا عن الآخر، فهل نقول: إنَّ الذي تأخَّر إسلامُه يكون حديثه ناسخًا لمن تقدَّم إسلامُه؟
طالب: لا.
الشيخ: الجواب: لا؛ لأنه يجوز أن يكون الذي تأخر إسلامه رواه عن غيره من الصَّحابة، أو حدثه النبي ﷺ به بعد ذلك، فلا نسخ بتأخر إسلام الراوي، كما هو معروف عند أهل العلم.
وعلى هذا فنعود إلى الجمع، وهو بأحد الوجهين اللذيْن سمعتموهما؛ إما أن يحمل حديث بسرة على الاستحباب وحديث طلق على الوجوب؛ يعني: هل عليه الوضوء؟ قال: لا، ما عليه، لكن لا يمنع أن يكون مستحبًّا، وإما أن يقال: إن حديث طلق بن علي فيمن مسه مس شهوة، لا فيمن مسه مس أي عضو آخر.
طالب: حديث بسرة؟
الشيخ: لا، حديث طلق فيمن مسه لشهوة، لا فيمن مسه كأي عضو آخر؛ لأن التعليل «إِنَمَّا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» يدل على أنك إن مسسته مس أي عضو آخر فهو عضو، وإن مسسته لشهوة انفرد بالحكم.
الخلاصة الآن نريد أن نعرف المسألة عمليًّا؛ عمليًّا نرى أنه إذا مس الإنسان ذكره استُحِبَّ له الوضوء مطلقًا، لشهوة أو لغير شهوة، وأنه إذا مسَّه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جدًّا، ولكن ليس بظاهر؛ بمعنى أني لا أجزم به، لكن أرى أنه قوي، وأن الاحتياط أن يتوضَّأ.
قال المؤلف: (ولَمْسُهُمَا من خُنْثَى مُشْكِلٍ) فالخنثى المشكل مشكل حاله وأمره وحكمه، نسأل الله ألا يقدِّره على بني آدم، الخنثى المشكل يُعطَى أحكام الذكر والأنثى، ويراعى فيه الاحتياط، فإذا مس الإنسان ذَكَرَ خنثى مُشْكل لم ينتقض وضوؤه؛ لأنه؟
طالب: لا يُعرَف.
الشيخ: لا يُعرَف، قد لا يكون ذكرًا، هذا قد يكون عضو زائدًا، وإذا مس فرجه لا ينتقض أيضًا؛ لأنه قد يكون أصليًّا؛ الذَّكَر، والفرج زائد.
[ ١ / ٣٣٠ ]
إذا مسهما جميعًا ينقض؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأن أحدهما أصلي قطعًا، حتى لازم يكبس عليهما جميعًا، ولَّا لو مس واحدًا ثم الثاني.
الطلبة: كله استوى.
الشيخ: كله استوى.
قال: (ولمسهما من خنثى مُشْكِل، وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه، أَوْ أُنْثَى قُبُلَه، لِشَهوةٍ فيهما)
(وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه) الهاء في (ذكره) يعود على الخنثى، و(أُنْثَى قُبُلَه) (قبله) الضمير يعود على الخنثى، لكن هذا المس قال: (لشهوة فيهما) معناه: إذا مس أحد فرجي الخنثى لشهوة -كما قلنا فيما سبق- إذا مس أحدهما لا ينتقض، وإن مسهما جميعًا انتقض، إذا مس أحدهما لشهوة؛ إن كان الذكر مس الذكر انتقض، وإن مس الفرج لم ينتقض، الأنثى إن كانت مست الفرج انتقض وضوؤها، وإن مست ذكره لشهوة لم ينتقض، قد تقول: إن العكس هو الأولى.
ولَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه أو أُنْثُى قُبُلَها لشهوةٍ فيهما، ومَسُّهُ امرأةً بشهوةٍ أو تَمَسُّه بها، ومَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ لا مَسُّ شَعَرٍ وظُفُرٍ وأَمْرَدَ ولا مع حائلٍ ولا ملوسِ بدَنِه ولو وَجَدَ منه شَهوةً، ويَنْقُضُ غُسْلُ مَيِّتٍ، وأَكْلُ اللحمِ خاصَّةً من الْجَزورِ،
مس الإنسان ذكر الخنثى أو قُبُلَه لشهوة، قلنا: لغير شهوة ما فيه نقض؛ إذا مس هذا أو هذا، لغير الشهوة لا نقض، لكن إذا كان لشهوة إن مس الذكرُ ذكرَ الخنثى انتقض، وإن مس فرجَه لم ينتقض، وإن مست الأنثى ذكرَه لم ينتقض، وإن مست فرجَه انتقض، استمع لكلام المؤلف: (ولَمْسُ ذكرٍ ذكرَه).
طالب: فرجه ولا فرجها؟
الشيخ: لا، فرج الخنثى.
الطالب: يعني: شخصين ولَّا شخص واحد؟
الشيخ: لا، شخصين؛ امرأة عندها خنثى، ولنفرض أنه ابنها خنثى، وعلى كل حال ما ودي نفرض أنه ابنها؛ لأنه ما ودنا بالشهوة تكون بين المرأة وابنها، لكن عندها مثلًا ابن عمها خنثى، ومست ذكرَه أو قُبُله لشهوة، نقول: إن مست الذكر لم ينتقض وضوؤها، وإن مست الفرج انتقض وضوؤها، هذا كلام المؤلف، نشوف كلام المؤلف.
[ ١ / ٣٣١ ]
قال: (ولَمْسُ ذكرٍ ذكرَه) الهاء مين يعود عليه؟
طلبة: الخنثى.
الشيخ: طيب، (أو أنثى قُبُلَه) أي: الخنثى، وقوله: (لشهوة فيهما) أي: في المسألتين؛ في مسألة لمس الذكر ذكره، أو الأنثى قُبُله.
طالب: (ذكرَه) عندنا بالفتح.
الشيخ: ويش اللي بالفتح؟
طالب: (ذكرَه).
الشيخ: صح، (ذكرَه).
(أو أنثى قبلَه؛ لشهوة فيهما) في المسألتين.
نشوف، الآن كلام المؤلف قد يبدو أن الأمر بالعكس، لكن نقول: لا، الأمر كما قال المؤلف: إذا مس الذكرُ ذكرَه لشهوة، فإن قُدِّر أن الخنثى أنثى فقد مسها لشهوة، صح ولَّا لا؟ وإن قُدِّر أن الأنثى ذكر فقد مس الذكرُ ذكرَه.
طالب: ذكرَ غيره؟
الشيخ: يا إخواني، عندنا رجلان؛ هذا واحد خنثى على اليسار، وواحد رجل ذكر صحيح على اليمين، هذا الذكر الصحيح مس ذكر الخنثى لشهوة، نقول: ينتقض وضوؤه؛ وضوء اللامسِ الرجلِ الصحيحِ.
طالب: إذا كان الخنثى رجلًا؟
الشيخ: هو مشكلة لا ما يدري عنه، انتبهوا يا إخواني، العلة نقول: لأنك لما مسست هذا الجزء من بدنه لشهوة؛ إن كان أنثى فقد مسستها لشهوة ولَّا لا؟ ومس المرأة لشهوة ينقض الوضوء، كما سيأتي، وإن كان ذكرًا فقد مسست ذكره، ومس الذكر ينقض الوضوء، فالآن انتقض وضوؤك على كل تقدير؛ لأننا إن قدرنا أن الخنثى ذكرًا فقد مسست ذكره، وإن قدرنا أن الخنثى أنثى فقد مسستها لشهوة، واضح يا إخواني؟
طلبة: واضح.
طالب: منفصل يا شيخ عنه؟
الشيخ: ما هو منفصل يا أخي، ذكر متصل.
الطالب: اللامس بعيدًا عنه؟
الشيخ: بعيد.
الطالب: كيف ينتقض وضوؤها؟
الشيخ: () لمسه، كأنه يلمس الذكر هذا، سبحان الله!
طالب: () ذكره الخاص.
الشيخ: أنت تظن أن الرجل يلمس ذكره هو؟
طالب: هذا هو الأصل أنه هكذا.
الشيخ: لا، (لَمْسُ ذكرٍ ذكرَه) أي: ذكر الخنثى، رجل، أنا مثلت لكم يا جماعة، أوجدوا لي خنثى حتى نحطه قدامنا.
طالب: لا، مشكل عليهم يا شيخنا أن الذكر هذا يظنون مس ذكرَه هو لا ذكرَ غيرِه.
[ ١ / ٣٣٢ ]
الشيخ: لا، ما أظنه، هذا ظنكم؟
طالب: نعم، إذا لمس نفسه.
الشيخ: شوف كلام المؤلف: (ومس ذكر متصل) كلام المؤلف في الأول (ومس ذكر متصل) سواء ذكر الإنسان نفسه أو ذكر غيره، واضح؟
طالب: أو ذكر غيره؟
الشيخ: أو ذكر غيره، أنا ظنيت أنكم فاهمين هذا.
طالب: لا؛ لأن ذكر غيره يكون منفصلًا عنه؛ عن اللامس ..
الشيخ: إي، ولو كان أو ذكر غيره، أنتم فهمتم المسألة هذه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا مس الرجل ذكر الخنثى، أنا قايلكم: الخنثى هذا مشكل أمره.
طالب: زيد وعمرو.
الشيخ: زيد وعمرو زينب؛ لأن الخنثى ما ندري هو ذكر ولا أنثى نسميه عمرًا وزينب، استمع الآن، هذا زيدٌ مس هذا الخنثى؛ مس ذكره لشهوة، نقول: الآن انتقض وضوؤك، على كل تقدير؛ لأننا إن قدرنا أنه ذكر فقد مس ذكرَه، إن قدرنا أنه أنثى فقد مسها لشهوة، ومس الرجل المرأة لشهوة ينقض الوضوء.
مس أنثى قُبُله لشهوة ينقض الوضوء، هذه امرأة صحيحة، ما هي خنثى، عندها خنثى فمست قُبُل الخنثى لشهوة ينتقض وضوؤها، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ نقول: هذا الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمستيه لشهوة، ومس المرأةِ الرجلَ لشهوة ينقض الوضوء، وإن كان الخنثى أنثى فقد مسستِ فرجها، ومس الفرج المرأة ينقض الوضوء، اتضح المقام ولَّا لا؟
جئنا للرجل المرة ثانية، هذا الرجل مس فرج الخنثى لشهوة ما ينتقض وضوؤه؟
طالب: نعم.
الشيخ: يا جماعة، رجل يمس فرج الخنثى لشهوة ما ينتقض وضوؤه، لماذا؟ إن كان الخنثى ذكرًا فقد مسه لشهوة، ومس الذكر الذكر لشهوة لا ينقض الوضوء، وإن كان أنثى فقد مس فرجها وانتقض وضوؤه، لكن ما عندنا علم الآن، فيه الشك، فيبقى الوضوء على أصله ولا ينتقض الوضوء.
نعيدها مرة ثانية، هذا رجل صحيح وخنثى مشكل، الرجل الصحيح مس بيده فرج الخنثى لشهوة؟
طالب: ما ينتقض.
[ ١ / ٣٣٣ ]
الشيخ: نقول: ما ينتقض وضوؤه، لماذا؟ لأن هذا الخنثى يحتمل أنه ذكر ويحتمل أنه أنثى؛ إن كان أنثى ويش حكم وضوء اللامس؟ ينتقض؛ لأنه فرج، إن كان ذكرًا لا ينتقض، طيب هو مسه لشهوة؟ نقول: نعم، ولو مسه لشهوة؛ لأن مس الرجلِ الرجلَ لشهوة لا ينقض الوضوء، فالاحتمال الآن موجود، ولا نقرب الاحتمال.
نرجع مرة ثانية إلى المرأة مع الخنثى؛ هذه امرأة مست ذكرَ الخنثى لشهوة، ما ينتقض الوضوء؟
طلبة: لا ينتقض.
الشيخ: يا ناس، مست آلة الجماع لشهوة ما ينتقض وضوؤها، لماذا؟ لأن هذا الخنثى يحتمل أن يكون أنثى ويحتمل أن يكون ذكرًا؛ إن كان ذكرًا فقد مست ذكره وانتقض وضوؤها، وإن كان أنثى فقد مستها لشهوة، ومس المرأةِ المرأةَ لشهوة لا ينقض الوضوء، إذن فلا نقض.
فصارت الصور عندنا أربعًا، وإن شئتم نزيد الخامسة: بدون شهوة؛ حتى تتم الصور.
أولًا: مسُّ أحدي فرجي الخنثى بدون شهوة، أجيبوا؟
طلبة: لا ينتقض.
الشيخ: لا نقض مطلقًا، سواء كان اللامس ذكرًا أم أنثى.
مس أحد فرجي الخنثى المشكل لشهوة له أربع صور؛ صورتان ينتقض، وصورتان لا ينتقض، الصورتان التي ينتقض:
١ - إذا مس الذكر ذكره.
٢ - إذا مست الأنثى فرجه.
الصورتان التي لا ينتقض: إذا مس الذكر فرجه، وإذا مست الأنثى ذكره، هذه الصورة.
أما التعليل فقد علمتموه، التعليل فهمناه.
يقول المؤلف ﵀: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها) هذا أي الناقض؟
طالب: الخامس.
الشيخ: (ما خرج من السبيل، وخارج من بقية البدن، وزوال العقل، ومس الذكر المتصل) الخامس.
(مسُّه) الضمير يعود على الإنسان أو الذكر، (مسُّه) أي: الذكر ما هي الخنثى؛ يعني: ومس الرجل أو مس الذكر امرأة بشهوة.
(أو تمسه بها) المس هنا ما قيده المؤلف بكونه باليد أو بالكف، فيكون عامًّا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يكون عامًّا؛ إذا مسها بيده، أو بمرفقه، أو بذراعه، أو بساقه، أو بفمه بشهوة انتقض وضوؤه، كذا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الشيخ: والباء في قوله: (بشهوة) للمصاحبة؛ يعني: مسًّا مصحوبًا بالشهوة، وبعضهم يعبِّر فيقول: مسه امرأةً لشهوة، باللام، ونجعل اللام في هذا التعبير للتعليل؛ يعني: مسًّا يحمل عليه الشهوة.
على كل حال، بشهوة أو لشهوة المعنى واحد، ولكن المؤلف اشترط أن يكون المس بشهوة، ما هو الدليل؟
أولًا: كلمة (امرأة) ليست ككلمة (أنثى)، بل المرأة: البالغة، ولكن البلوغ ليس بشرط، والمراد: المرأة التي تتعلق بها الشهوة.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، قالوا: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ وفي قراءة سبعية: ﴿لَمَسْتُمُ﴾، واللمس والمس معناهما واحد، وعلى هذا فيكون ناقضًا للوضوء.
إذا استدللنا بالآية فليس في الآية قيد الشهوة أو لا؟ لامستم النساء بشهوة ولَّا ما فيه؟ ما فيه، فمن أين جاءت؟ قالوا: لأن الشهوة هي مظنة الحدث، فوجب حمل الآية عليه.
ولأن النبي ﷺ كان يصلي من الليل، وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تمد رجليها بين يديه، فإذا أراد السجود غمزها، فكفت رجليها (١)، ولو كان مجرد اللمس ناقضًا لانتقض وضوء الرسول ﷺ واستأنف الصلاة، فلما لم يكن ذلك علم أن مجرد المس لا ينقض الوضوء، بمجرد المس فيه مشقة عظيمة؛ إذ قلَّ أن يسلم منه أحد، لا سيما فيما لو كان الإنسان عنده أم كبيرة أو ابنة عمياء أو ما أشبه ذلك، يمسك بيدها؛ ليدلها، وما كان فيه حرج ومشقة فإنه منفي شرعًا، وهذا هو المذهب؛ أنه ينقض مس المرأة إذا كان بشهوة.
[ ١ / ٣٣٥ ]
فيه رأي آخر يقول: إن مس المرأة ينقض مطلقًا، ولو بغير شهوة، ولو بغير قصد، واستدلوا بعموم الآية، وأجابوا عن حديث عائشة ﵂ بأنه يحتمل أن الرسول ﷺ يمسها بظفره، والظفر في حكم المنفصل، أو أن هناك حائلًا فليس بصريح، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال، فلا يكون دليلًا على ذلك، فنحن نأخذ بظاهر الآية.
ولهذا تجد هؤلاء الذين يأخذون بهذا المذهب في المطاف تجد بعضهم يلبس قفازين وهو رجل، لأيش؟ يقول: أخشى مع الزحام أن تمسني يد امرأة، فإذا مست يدي يد امرأة انتقض الوضوء، وإذا انتقض الوضوء بطل الطواف.
ولكن آخرين من أهل العلم قابلوا هؤلاء قالوا: لا نقض مطلقًا، لا ينقض مس المرأة مطلقًا، ولو الفرج بالفرج لا ينقض، ولو بشهوة، كيف؟ ويش حجة هؤلاء؟ قالوا: حجتنا في هذا ما صح عن النبي ﷺ أنه قبَّل امرأة من نسائه، وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، حدثت به عائشةُ ابنَ أختها عروة بن الزبير، فقال: ما أظن المرأة إلا أنتِ، فضحكت (٢)، وهذا الحديث صحيح، وله شواهد متعددة.
وقالوا أيضًا: إن الأصل عدم النقض، حتى يقوم دليل على النقض دليل صحيح صريح؛ لأن الرجل -وقد ذكرتها من قبل- إذا أتم طهارته بمقتضى الدليل الشرعي فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة إلا بدليل شرعي، وعلى هذا فعندنا الآن دليل إيجابي ودليل؟
طالب: شرعي.
الشيخ: لا، سلبي، الدليل الإيجابي: أن الرسول ﷺ كان يقبِّل ولا يتوضأ، والدليل السلبي: عدم الدليل؛ أنه ليس هناك دليل، ومن ادعى النقض فليتفضل.
فإن قالوا: نحن ندمغكم بكلام الله ﷿: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي قراءة سبعية: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فالجواب: أن المراد بالملامسة: الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس ﵄ (٣) ().
***
[ ١ / ٣٣٦ ]
امرأة لشهوة فيهما (ومسه امرأة بشهوة، أو تمسه بها) (مسُّه) الضمير يعود على الرجل، (مسه) أي: مس الرجل، (امرأة بشهوة) الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: مسًّا مصحوبًا بشهوة.
وقوله: (مسه) أي: الرجل، ظاهر كلامه العموم، وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحر والعبد.
وقوله: (امرأة) كلمة (امرأة) تطلق في الغالب على المرأة البالغة، ولكن المراد بها هنا الأنثى مطلقًا، فظاهره أنه يشمل الأنثى، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حرة أو عبدة، من محارمه أو من غير محارمه، ما دام لشهوة فإنه ينتقض.
ولكن الفقهاء ﵏ قيدوا ذلك بمن بلغ سبعًا، سواء من اللامس أو من الملموس، لا بد أن يبلغ سبعًا؛ يعني: يشترط للرجل إذا مس المرأة بشهوة أن يكون قد بلغ سبع سنين، وللمرأة الملموسة أن تكون قد بلغت سبع سنين.
وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن الغالب أن من له سبع سنوات أنه لا يدري عن هذه الأمور شيئًا؛ ولهذا قيده بعض العلماء بمن يَطأ مثلُه، ويُوطأ مثلُها؛ يعني: بمن تشتهى، والذي يطأ مثله -كما مر علينا- من تم له عشر سنوات، والمرأة من تم لها تسع سنوات.
وعلى هذا فيكون الحكم معلقًا بمن هو محل للشهوة، وهذا أصح؛ وذلك لأن الحكم إذا علق على وصف فلا بد أن يوجد محل يكون قابلًا لذلك الوصف، أما إذا لم يوجد محل قابل لذلك الوصف، فإن هذا الوصف يكون لاغيًا؛ لأنه لا محل له، وعلى هذا فلا بد من أن يكون اللامس والملموس محلًا للشهوة؛ بحيث يُوطأ مثلها إن كان ملموسًا، ويَطأ مثله إن كان لامسًا.
وقول المؤلف: (مسُّه) كلمة (مس) لا تصدق إلا على ما إذا لم يكن حائل، أما مع الحائل فلا مس، وعلى هذا فلو ضمَّ الإنسان امرأته بشهوة لكن ما خرج شيء، فإنه لا ينتقض وضوؤه، لماذا؟ لعدم اللمس، والمؤلف ﵀ يقول: (مسه امرأة) ولم يقيد باليد كما قيد في مس الفرج.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وعليه، فإذا مس المرأة بيده أو رجله أو ذراعه أو أي مكان من البدن، منه أو منها، فإن الوضوء ينتقض إذا كان بشهوة.
بعد هذا نقول: ما هو الدليل على أن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء؟
الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، وفي قراءة سبعية: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللمس: هو الجس باليد أو بغيرها؛ أدني ملامسة؛ ولأن مسها لشهوة مظنة الحدث بخروج شيء قد لا يعلم به، وما كان مظنة فإنه يُلحق بالْمَئِنَّة؛ بالعلم، بدليل النوم؛ لما كان مظنة الحدث كان موجبًا للوضوء، فعندنا الآن دليل وتعليل.
وبناءً على ذلك نكون قد قيدنا الآية الكريمة؛ لأننا لو أخذنا بظاهرها ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ﴾ لكانت شاملة للمس بشهوة أو بغير شهوة، لكنا قيدناها بالذي لشهوة؛ لأنه مظنة الحدث، وهذا فيه خلاف بين الأصوليين؛ هل يُخَص العموم بالعلة أو لا يخص؟ وليس هذا موضع البحث، وهذا ما استدل به من قال: إن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء.
والمسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، هذا أحدها، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني: أن مس المرأة ينقض مطلقًا لشهوة أو لغير شهوة؛ أي امرأة يمسها رجل لشهوة أو لغير شهوة من محارمه أو من غير محارمه فإن وضوءه ينتقض، حتى لو تصافح امرأة انتقض وضوؤك؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ما في الآية قيد، فيجب أن نأخذ بعمومها.
القول الثالث: أنه لا ينتقض الوضوء مطلقًا، عكس القول الثاني، واستدلوا لذلك وعللوا أيضًا.
أما استدلالهم فقالوا: إن عائشة ﵂ أخبرت أن النبي صلى عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ (٢)، ولو كان اللمس ناقضًا لتوضأ الرسول ﷺ قبل أن يصلي، فقولها: خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، يدل على أنه لم ينتقض وضوؤه.
فإن قيل: أفلا يمكن أن يكون هذا التقبيل لغير شهوة؟
طالب: يمكن.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الشيخ: يمكن، لكن بعيد، رجل يقبِّل امرأته يكون تقبيله بغير شهوة! هذا بعيد جدًّا، ثم إن عائشة ﵂ يظهر أنها استدلت بذلك على أن القبلة لا تنقض الوضوء.
واستدلوا أيضًا بأن عائشة كانت تنام بين يدي الرسول ﷺ وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد غمزها (١)، قالوا: وهذا دليل على أن المس لا ينقض الوضوء.
لكن هذا ليس دليلًا، ولا يصح أن يكون دليلًا، لماذا؟ لأن الشهوة هنا بعيدة جدًّا، نعم هو دليل على من يقولون: إن المس ناقض مطلقًا، هذا صحيح؛ إذا كان الرسول يمس بشرتها عند غمزه إياها بدون حائل.
وأما التعليل -وهو تعليل قوي- فقالوا: إن الوضوء حين تمَّ صحَّ بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي ما يجوز أن يرفع إلا بدليل شرعي، وهذا كلام سليم ولَّا غير سليم؟ هذا كلام سليم، لا شك فيه، والأصل عدم النقض.
لكن إذا قال قائل: عندنا دليل شرعي؛ الآية الكريمة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هذا دليل شرعي، وعندنا تعليل؛ وهو أن مس المرأة لشهوة مظنة الحدث، فوجب أن ينتقض الوضوء به.
إذن لا بد أن نجيب على هذا الدليل، وإلا صار الحق مع من يقول: إن المس ينقض الوضوء؛ إما مطلقًا، أو لشهوة.
أجابوا عن هذا قالوا: إن الآية الكريمة يراد بالملامسة فيها: الجماع، ويش الدليل؟ ترى الدليل تفسير ابن عباس ﵄ الذي دعا له النبي ﵊ أن يعلمه الله التأويل (٤)، وقد فسرها بالجماع، وهو أولى من يؤخذ قوله في التفسير، إلا أن يعارضه من هو أرجح منه.
ثم إن هناك دليلًا من تقسيم الآية الكريمة، الآية الكريمة فيها تقسيم؛ تقسيم للطهارة: أصلية وبدل، وتقسيم للطهارة: كبرى وصغرى، وتقسيم لأسباب الطهارة: الصغرى والكبرى، فهنا ثلاث جهات، الآية فيها مقسمة ولَّا لا؟ طهارة أصلية وبدل، والثانية: صغرى وكبرى، والثالث: سبب أصغر وسبب أكبر.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ولننظر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] هذا طهارة بالماء أصلية صغرى.
ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ هذه كبرى أصلية ولَّا بدل؟ أصلية، ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿تَيَمَّمُوا﴾ هذا البدل.
﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هذا بيان سبب الصغرى، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد لكانت الآية الكريمة ذكرَ اللهُ فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، مع أنه ذكر طهارتها، وهذا خلاف البلاغة القرآنية.
وعليه، فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أي: جامعتم النساء؛ ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة؛ السبب الأكبر والسبب الأصغر، السبب الأصغر في أي كلمة؟
طلبة: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
الشيخ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والأكبر ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
في الطهارتين؛ الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، البدل في عضوين فقط، البدل اللي هو طهارة التيمم في عضوين فقط؛ لأنه يتساوى فيه الطهارة الكبرى والطهارة الصغرى.
وعلى هذا فالقول الراجح أن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء، وإلا فلا نقض؛ لما علمت من الحديث الذي روته عائشة ﵂ من أن الأصل بقاء الطهارة وعدم النقض، وعلمت الجواب عما استدل به القائلون بالوجوب.
[ ١ / ٣٤٠ ]
يقول: (ومس حلقة دبر) أيضًا من النواقض، ولا يحتاج أن يُخَص ويذكر؛ لأنه داخل في عموم مس الفرج، غير الذكَرِ؛ يعني: لو قال المؤلف: مس الفرج لاكتفى، لكن لما ذكر مس الذكر احتاج أن يقول: (ومس حلقة دبر).
حلقة الدبر إذا مسها الإنسان انتقض وضوؤه؛ لأنه مسُّ فرجٍ، وقد روى الإمام أحمد (٥) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، والدبر فرج بلا شك؛ لأنه منفرج على الجوف، ويخرج منه ما يخرج، وعلى هذا فينتقض الوضوء بمس حلقة الدبر، وهذا فرع مما سبق من قولنا: إن مس الذكر ينقض؟
طلبة: الوضوء.
الشيخ: وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح أنه لا ينقض الوضوء، ولكن يستحب فقط.
وقوله: (مس حلقة) لكن لو مس ما هو قريب من الحلقة من الصفحتين -وهما جانبا الدبر- هل ينتقض وضوؤه أم لا؟ لا، ولو مس العجيزة لم ينقض، ولو مس الفخذ لم ينقض، ولو مس الأنثيين لا ينتقض.
قال: (لا مس شعر وظفر وأمرد، ولا مع حائل، ولا ملموس بدنه، ولو وجد منه شهوة) انتبه للخمس هذه، (لا مس شعر) يعني: لا ينقض مس الشعر ممن ينقض مسه، مس المرأة تقدم أنه ينقض إذا كان لشهوة، هذا رجل ما مس المرأة، ما مس الجلد، لكن مس شعر امرأته () فيه بشهوة شديدة، لكن ما خرج شيء، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟ ما ينتقض ولو كان بشهوة، لماذا؟ قالوا: لأن الشعر في حكم المنفصل، فكما أنه لو مس خمارها لشهوة لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس الشعر؛ لأن الشعر في حكم المنفصل؛ ولذلك ليس فيه حياة، لو أن أحدًا قصه تقول: أح ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تقول: أح، إذن هو منفصل لم تحله الحياة.
كذلك لو مس الإنسان ظفر امرأته لشهوة فإن وضوءه لا ينتقض، سواء كان هذا الظفر مما طال أو مما قصر.
[ ١ / ٣٤١ ]
وبمناسبة الظفر أحدثكم حديثًا عجيبًا؛ وهو أن موضة خرجت من نساء الآن يرون أن من الجمال والتجميل أن يكون الظفر طويلًا، وهذا قلب للحقيقة وقلب للفطرة، الرسول ﷺ وقت للأمة كم؟ أربعين يومًا، وهؤلاء المساكين الجهال من نساء وأشباههن يقول: طوِّل الظفر؛ لأن هذا جمال، وبعضهن يطول ظفر الخنصر فقط ويقول: هذا جمال، وهذا من وساوس الشيطان؛ أن تكون الفطرة التي يطلبها كل ذي عقل سليم تقبيحًا، وضدها يكون تجميلًا.
فيجب علينا نحن معشر طلبة العلم إذا سمعنا بمثل هذه الأمور التي قد تنقل المجتمع كله إلى مثل هذه العادات السيئة أن نبين في المجالس لو ما سئلنا، حتى لو أنك جالس مثلًا تتحدث تقول: هذا من الغرائب.
وأظن ذلك سببه -والله أعلم- هذه المناكير التي بلغت في المنكر صيغة منتهى الجموع، أظن هذا هو السبب؛ لأنه إذا كان الظفر طويلًا كان قبوله للمناكير أكثر وأشد، فمن أجل ذلك صاروا يخالفون الفطرة من أجل الحصول على هذه المناكير!
طالب: تغريب يا شيخ، هو جاي لنا من الغرب، نفس الشيء ما ينفعون به ..
الشيخ: إي نعم، من الشيطان، طيب هذا الظفر لا ينتقض الوضوء بمسه ولو لشهوة؟
طلبة: ولو لشهوة.
الشيخ: فإن ضغط على ظفرها على الأنملة العليا على الظفر وما يقابله من أسفل؟
طالب: ينتقض.
الشيخ: لشهوة؟
طالب: ما ينتقض.
طالب آخر: ينتقض.
الشيخ: ينتقض، من الجانب الآخر مسها فيكون منتقضًا وضوؤه، بناءً على أن اللمس ينقض الوضوء.
طالب: شيخ في كلمة: (وتمسه بها)؟
الشيخ: إي نعم، صح، خلينا نكمل ها الخمس اللي بأيدينا الآن، قال: (وأمرد).
[ ١ / ٣٤٢ ]
بقي علينا مما هو في حكم المنفصل شيء ثالث: السِّن؛ لو مس سنها لشهوة لم ينتقض وضوؤه، لأيش؟ قال: لأن السن في حكم المنفصل؛ لأنه ما يحس، ما فيه حياة، قال ابن عقيل ﵀: وإذا قلتم: إن هذه الثلاث ليس فيها حياة فقولوا: إن المس بالعضو الأشل لا ينقض الوضوء أيضًا، وأنتم تقولون بنقضه، العضو الأشل إنسان يده شلاء ما تحس، لو تلمسه بالنار ما حست.
طالب: فيها حياة.
الشيخ: بس حياة ما تشعر بشيء؛ يعني: هو يمس الحصى، ويمس الحار والبارد، واللين والقاسي، وهو عنده سواء، فيقول: هذا أبلغ، مع أن السن هو ما يحس.
طالب: ليس على الإطلاق.
الشيخ: ليس على الإطلاق، هو أشد إحساسًا من الشعر؛ لأن الشعر لو تغمسه في ماء يغلي، تحس بيه ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ولكن السن لو تشرب حار تحس ولَّا لا؟ فهو أقرب إلى الإحساس من الشعر، ومع ذلك قالوا: إنه في حكم المنفصل؛ لأنه ليس فيه إحساس.
(وأمرد) من الأمرد؟ الأمرد: هو الشاب الذي طرَّ شاربه؛ يعني: اخضر، ولم تنبت لحيته، هذا هو الأمرد.
يقول المؤلف: إن مس الأمرد ولو لشهوة لا ينقض الوضوء، لماذا؟ قال: لأنه ليس محلًّا لذلك؛ ولهذا قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦].
فالذكر ما خلق للذكر، فليس محلًا للشهوة، فهو كما لو مس بنت ثلاثة أشهر، واحد فيه بنية صغيرة ذات ثلاثة أشهر في المهد قام يلمسها وقال: إنه مسها لشهوة، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟
طلبة: لا.
[ ١ / ٣٤٣ ]
الشيخ: ليش؟ ليست محلًّا للشهوة، قال: إذن مس الأمرد ليس محلًّا للشهوة؛ لأن الأمرد نفسه ما خلق لهذا، فمسه ولو لشهوة شديدة لا ينقض الوضوء، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا إذا قلنا بنقض الوضوء بالمس لشهوة؛ لأن من الناس من قَلَب الله فطرته -والعياذ بالله- وحسه وصار يشتهي الذكور كما يشتهي النساء، بل أشد، قوم لوط لما جاؤوا إلى لوط ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١]، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، ويش يريدون؟ يريدون ها الشبان اللي جاءت الملائكة بصورة الشبان.
فكون العقل السليم والفطرة تأبى أن تتعلق بذكَرٍ هذا صحيح، لكن يوجد من قَلَب الله فطرته وصار يتعلق بالذكور أكثر مما يتعلق بالإناث، نسأل الله العافية والحماية.
فالصواب بلا شك: أن مس الأمرد كمس المرأة سواء، حتى إن بعض أهل العلم قال: إن النظر إلى الأمرد حرام، كالنظر إلى المرأة مطلقًا، وقالوا: إنه يجب عليك غض البصر، وقال شيخ الإسلام: لا تجوز الخلوة بالأمرد ولو لقصد التعليم؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
وكم من أناس كانوا قتلى بهذا الأمر، فأصبحوا -والعياذ بالله- فريسة للشيطان والأهواء، وهذه مسألة يجب الحذر منها؛ ولهذا كان القول الراجح الصواب المقطوع به: أن عقوبة اللوطي فاعلًا أو مفعولًا به راضيًا القتل بكل حال إذا كانوا بالغين عاقلين، حتى وإن كانوا غير محصنين، الزنا ما فيه رجم إلا في الإحصان، وأما اللواط -والعياذ بالله- ففيه القتل بكل حال.
قال شيخ الإسلام ﵀: إن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، لكن اختلفوا كيف يقتل؟
[ ١ / ٣٤٤ ]
فأبو بكر ﵁ حرَّقهم بالنار، وعبد الله بن الزبير حرقهم بالنار؛ اللوطية، وكذلك عبد الملك حرَّقهم بالنار (٦)؛ لأن فعلتهم هذه فعلة من أقبح المنكرات؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿فَاحِشَةً﴾ يعني: من الفواحش، نكرة، لكن في اللواط قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] الفاحشة، كأنها بلغت في الفحش غايته وأعلاه، والعياذ بالله.
فالصواب بلا شك: أن اللواط موجب للقتل، ويقتله الإمام بما يرى أنه أردع عن هذه الفعلة الخبيثة؛ لأن هذه الفعلة مشكل ما يمكن التحرز منها إطلاقًا، لكن الزنا قد يتحرز منه؛ فإن الرجل إذا وجد معه امرأة قلت: ما هذه المرأة؟ لكن رجل معه رجل، ماذا نقول؟
وهذا كما قالوا أيضًا: إن قتل الغيلة موجب للقتل بكل حال ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن قتل الغيلة لا يمكن التحرز منه، وهذه الفاحشة كذلك.
فالحاصل: أن مس الأمرد إذا قلنا بأن مس المرأة بشهوة موجب للوضوء فمس الأمرد كذلك.
قال: (ولا مع حائل) يعني: ولا المس مع حائل، لماذا؟ لأن المس حقيقته الملامسة بدون حائل.
قال: (ولا ملموسٍ بدنُه) هذا رجل يمس امرأته لشهوة، لكن هي امرأة عجوز كبيرة باردة الشهوة ما تشتهي إطلاقًا، ويمس بشرتها لشهوة ينتقض وضوؤه وهي لا ينتقض وضوؤها؛ لأن ما عندها الشهوة.
لكن الغريب قال المؤلف: (ولو وُجِد منه شهوة) لو وُجِد منه شهوة فإنه لا ينتقض ليش؟ قال: لأن هذا لامس وهذا ملموس، فإذن لا ينتقض الوضوء.
امرأة مع زوجها وهي شابة وهو شاب ويقبلها لشهوة، وهي كذلك تشتهي متلذذة معه، نقول: هو يتوضأ وهي لا تتوضأ، مع أن العلة واحدة!
ولهذا القول الصحيح في هذه المسألة: أن الملموس إذا وجد منه شهوة انتقض وضوؤه، على القول بأن اللامس ينتقض وضوؤه، وهو القياس.
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال الموفق ﵀: كل بشرتين حصل الحدث بمس إحداهما فإن الطهارة تجب على اللامس والملموس، قال: فهذا التقاء الختانين فيه مُجامِع ومُجامَعة؛ الرجل مجامِع، والمرأة مجامَعة، إذا التقى الختانان بدون إنزال منهما يجب الغسل على من؟ عليهما جميعًا؛ المجامِع والمجامَع، إذن اللامس والملموس لشهوة يجب عليهما الوضوء؛ لأن البشرتين التمستا لشهوة، كما لو التقى الختانان.
وهذا القول الذي ذهب إليه الموفَّق قول صواب، لكنه أيضًا مبني على القول بأن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء، هذه خمسة ولَّا ستة؟
طالب: ستة مع السن.
الشيخ: مع السن ستة؛ مس الشعر، والظفر، والسن، والأمرد، والمس مع حائل، والملموس بدنه، وقد علمتم القول الصواب في بعضها.
أما قول المؤلف: (أو تمسه بها) (تمسُّه) أي: المرأة، فاعل ولَّا مفعول؟
طلبة: فاعل.
الشيخ: والهاء في قوله: (تمسه) يعود على الرجل؛ يعني: أو تمس المرأةُ الرجلَ لشهوة فينتقض وضوؤها، كيف؟ ويش الدليل، الله ما قال: أو لامستنَّ الرجال، قال ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؟
قالوا: الدليل القياس؛ لأن الطبائع واحدة، فإذا كان المس لشهوة من الرجل ناقضًا فالمس من المرأة للرجل لشهوة يكون كذلك ناقضًا، هذا مقتضى الطبيعة البشرية، فيكون مس المرأة للرجل لشهوة ناقضًا للوضوء، قياسًا على مس الرجل للمرأة لشهوة، والقياس أظنه واضحًا، القياس هذا واضح جلي.
ولكن المؤلف يقول: (تمسه بها) فلو أن امرأة مست امرأة لشهوة، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ يمكن، ينتقض وضوؤها ولَّا لا؟ ما ينتقض وضوؤها؛ لأن المؤلف يقول: (أو تمسه) أي: الرجل (بها)، أما لو مست امرأة فلا ينتقض.
ما نقول: هذه كمسألة الأمرد؛ لأن المرأة ليست محلًّا لشهوة المرأة الأخرى، كما قالوا في أن الرجل ليس محلًّا لشهوة الرجل، أفلا يجوز أن نقول: إن المرأة إذا مست شابة لشهوة وجب عليها الوضوء؟
[ ١ / ٣٤٦ ]
نقول: نعم، القياس هكذا؛ القياس يقتضي أن المرأة إذا مست امرأةً شابةً لشهوة انتقض وضوؤها؛ لأن العلة واحدة، وكم من بعض النساء -ما أقول: كم كثير- يوجد بعض النساء تتعلق رغبتها بالشابات، مثلما أن بعض الرجال تتعلق رغبتهم بالشباب، وما دامت العلة معقولة، فإن ما شارك الأصل في العلة وجب أن يعطى حُكْمُهُ أو حُكْمَهُ؟
طلبة: حُكْمُه.
الشيخ: حُكْمُه؟ حُكْمَهُ مفعول، وجب أن يعطى حُكْمَهُ، صح، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا﴾ نفْسُكَ؟
طلبة: ﴿إِلَّا نَفْسَكَ﴾.
الشيخ: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني: لا تكلف أنت إلا نفسك.
طالب: يا شيخ، في مسألة مس المرأة ذكرنا ثلاثة أقوال، لم ترجح؟
الشيخ: لا، رجحنا عدم النقض.
الطالب: حتى ولو بشهوة؟
الشيخ: ولو بشهوة، ولو مع انتشار.
طالب: () في المحاضرة () المس مظنة الحدث () حائل () مظنة؟
الشيخ: نعم، فيه مظنة.
الطالب: ().
الشيخ: هذا ينتقض عليهم، وأيضًا ينتقض عليهم بحديث أبي هريرة: الرجل يجد الشيء في الصلاة يخيل إليه أنه خرج منه شيء، وهذه الرياح في البطن مظنة الخروج أو لا؟ ومع ذلك قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٧).
طالب: كنا رجحنا أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، وفي مرور المرأة بين يدي المصلي تبطل صلاته، ربما تحرك شهوة الرجل لو قبَّلها؟
الشيخ: هو هناك ما هو من جهة ..، يعني أولًا: التعليل الذي ذكرنا في مرور المرأة بين الرجل وبين سترته تعليل غير مسلَّم به عند بعض أهل العلم؛ لأن بعض العلماء يقول: هذا تعبدي، لكن على القول بذلك؛ لأن العلة في أنها تذهب الخشوع، وهذا مما يستدل به على وجوب الخشوع في الصلاة، هذا السبب ما هو لأجل الحدث، لكن تعلقه بها؛ بدأ يفكر فيها.
[ ١ / ٣٤٧ ]
طالب: شيخ، تقول: إن المرأة ليست محلًّا للشهوة؛ لذلك إذا اشتهت المرأة مع المرأة فلا ينتقض الوضوء إذا مستها، فكيف يحصل إذن المساحقة وهي شهوة؟
الشيخ: لا، أقول: هذا تعليل ..، الأصل عدم ذلك؛ يعني: هذا خروج عن الفطرة.
الطالب: ()؟
الشيخ: لا، هذا تعليل المذهب، ولكني قلت لكم: إن مس الرجل للأمرد ينقض الوضوء، فكذلك مس المرأة للمرأة الأخرى لشهوة ينقض الوضوء، لكن أصل المسألة عندي: أن المس لشهوة إذا لم يخرج شيء لا ينقض الوضوء مطلقًا.
طالب: حديث طلق بن علي (٨) وحديث بسرة (٩)؛ حديث طلق يكون في الصلاة مس الذكر، وحديث بسرة عام، وجه الخلاف بين العلماء؛ لأن من المعقول أن الرجل يقف في الصلاة؛ يعني: لابس، وبينه وبين ذكره حائل، ويمتنع أنه يمسه لشهوة؛ لأن العلتين منفيتان في الصلاة، كيف ذلك الخلاف اللي دار بين العلماء؟
الشيخ: هم ما قالوا هكذا؛ لأن قول الرجل: مسست ذكري، معروف في اللغة العربية أن المس لا بد من مباشرة.
الطالب: بس هذا سأله في قضية معينة، قال له: في الصلاة؟
الشيخ: كله واحد، مثلًا يخيل إليه أنه يجد شيئًا في الصلاة، نفس الشيء لو كنت في غير الصلاة وحصل معك رياح في بطنك وشككت ما يجب عليك الوضوء.
الطالب: بس هذا سأله لقضية معينة، وبسرة سمعت الحديث من قضية ثانية؟
الشيخ: نعم، هذا وجه الجمع، نقول: الجمع بينهما أنه على سبيل الاستحباب فقط، نجمع بينهما بهذا.
طالب: أليس مدار الحكم على الشهوة التي تكون مظنة للحدث، المس، هذه العلة ألا تقوي القول بأن المس بشهوة ينقض مطلقًا؟
الشيخ: إي، بس من يقول هذا، يعني ينقض مطلقًا؟
الطالب: لا، المس بشهوة.
الشيخ: هذا السبب أنهم عللوا قالوا: لأنه إذا كان لشهوة ربما يخرج شيء وهو لا يشعر.
الطالب: كيف نجيب على هذا؟
[ ١ / ٣٤٨ ]
الشيخ: نجيب بأنه لا نقض إلا إذا خرج الشيء؛ لأن كل الأحكام علقت على الوجود؛ ولهذا في المرأة التي تحتلم قال لها الرسول ﵊: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (١٠)، فلا بد أن يبرز الحدث.
طالب: قد يقول قائل: استدلالكم بحديث عائشة، الحديث أعله بعض أهل العلم بالانقطاع، وأن تفسير ابن عباس في الآية أنه وجد من خالفه من الصحابة () ابن مسعود، وكذلك تؤيده القراءة ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فكيف نرد على هذا؟
الشيخ: نرد على هذا بأن حديث عائشة صححه بعض أهل العلم، ومن صحح فهو حجة على من ضعف، إلا إذا بُيِّن الجرح، كما هو معروف، هذا بالنسبة للحديث، ثم حديث تفسير ابن عباس وابن مسعود نقول: ظاهر الآية -كما ذكرنا لكم- من جهة التقسيم يدل على أن تفسير ابن عباس أولى بها.
الطالب: القراءة؟
الشيخ: أما القراءة فاللمس يطلق على هذا، المس واللمس كله يطلق على الجماع؛ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وما أشبه ذلك، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهذا يكني الله عن الجماع بمثل هذا؛ لأنها جرت العادة بأن ما يستحيى من ذكره صريحًا يكنى عنه.
طالب: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ إن قلنا: إنهم قطعًا كفار فكيف يزوجهم بناته، إن قلنا: بالتزويج، وإن قلنا: إنه يعرض عليهم بناته، فمشكلة أيضًا -حاشا للوط أن يفعله- كيف الجواب؟
الشيخ: لا، ما فيه شك أنه يريد أن يزوجهم بناته بمقتضى الشريعة، لكن ما نعرف عادة الشريعة عندهم هل هي توافق شريعتنا في تحريم نكاح الكافر أم لا؟ لأنك تعرف أن تحريم نكاح الكافر ما نزل إلا متأخرًا بعد بدر.
الطالب: ظاهرهم هم مجموعة كيف يزوجهم، يزوجهم لاثنين فقط؟
الشيخ: يزوج اللي يمكن تزويجه، وبعض العلماء يقول: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ أنه يشير إلى نساء قومه.
***
[ ١ / ٣٤٩ ]
(وينقض غَسْل ميت) (غَسْل) بالفتح بمعنى (تَغْسيل)، وأما (غُسل) بالضم فهو المعنى الحاصل بالتغسيل، إذن (ينقض غسل الميت) أي: تغسيل الميت؛ يعني: لو أن أحدًا غسل ميتًا فإن وضوءه ينتقض، وسواء غسَّل كله أو غسَّل بعضه.
وقول المؤلف: (غسل الميت) يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، فلو أن رجلًا غسَّل طفلًا صغيرًا انتقض وضوؤه، ولو أنه غسَّل رجلًا بالغًا انتقض وضوؤه ولو كان ابنه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو كان ابنه.
ولو أن امرأة غسَّلت امرأة كبيرة أو صغيرة انتقض وضوؤها، حتى من وراء حائل؟ نعم، حتى من وراء حائل؛ لأن المؤلف يقول: (غسل الميت) ولم يقل: (مس)؛ يعني: لو وضع على يده خرقة وصار يغسل فإنه ينتقض وضوؤه مطلقًا.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف من مفردات مذهب الإمام أحمد؛ يعني: أن الأئمة الثلاثة على خلافه، وحينئذٍ تكون المسألة من مسائل النزاع بين أهل العلم، ولدينا قاعدة أصَّلها الله ﷿ لنا وهي: أن مسائل النزاع ترد إلى الله ورسوله؛ فما وافق الكتاب والسنة قُبِلَ، وما لا فلا.
فلننظر، ما دامت هذه المسألة من مفردات مذهب الإمام أحمد فمقتضاه: أن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك؛ أي: على أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء.
ما حجة هذا القول؛ أعني: القول بوجوب الوضوء؟ حجتهم: ما روي عن ابن عمر (١١) وأبي هريرة (١٢) وابن عباس (١٣)، ثلاثتهم أنهم أمروا غاسل الميت بالوضوء، هؤلاء ثلاثة من الصحابة، كم بقي من الصحابة؟ بقي كثير، ثم إن أمرهم غاسل الميت بالوضوء يحتمل أنه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، هذا الدليل.
الدليل إذن ما روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس وأبي هريرة بأمر غاسل الميت بالوضوء.
التعليل قالوا: لأن غاسل الميت غالبًا قد يمس فرجه، ومس الفرج ناقض للوضوء، وحينئذٍ أوجبنا على من غسَّل ميتًا أن يتوضأ.
[ ١ / ٣٥٠ ]
أما الذين قالوا بعدم النقض فقالوا: إن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، فنحن وإياكم متفقون على أن هذا الرجل على طهارة، أليس كذلك؟ إذا غسَّل الميت، فنحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو الإجماع على أن تغسيله ينقض الوضوء؛ التمسنا في القرآن ما وجدنا شيئًا، في السنة ما وجدنا شيئًا، في الإجماع ما وجدنا شيئًا.
المخالفون أكثر من الموافقين، فيكون على هذا عدم النقض أسعد بالدليل من النقض، ونجيب عن أمر هؤلاء الصحابة الثلاثة بأن الأمر يحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب، وفرض شيء على عباد الله من غير دليل تطمئن إليه النفس أمر صعب؛ لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام، ولأننا إذا فرضنا عليهم الوضوء أبطلنا صلاتهم إذا صلوا بدون وضوء، وإبطال الصلاة يحتاج إلى دليل، كيف نجترئ على أن نقول لهذا الرجل الذي غسَّل الميت وصلى بدون وضوء، كيف نجترئ عليه ونقول: عبادتك فاسدة، يجب عليك أن تعيدها بعد الوضوء؟ صعب، يحتاج إلى دليل بيِّن.
ولهذا يجب علينا أن نتحرى في مسألة نواقض الوضوء، فلا نجترئ على قولٍ بأن هذا ناقض، إلا إذا وجدنا شيئًا واضحًا يكون حجة لنا عند الله ﷾ أن نوجب على عباد الله ما لم يوجبه أو نفسد عبادات عباد الله بدون دليل.
وأما التعليل الذي قالوا: إنه ربما يلمس فرج الميت فينتقض وضوؤه بمس الفرج، فنقول: إن هذا القياس غير صحيح.
أولًا: أننا لا نسلم أن مس الفرج ناقض للوضوء، هذه واحدة.
ثانيًا: سلمنا أنه ناقض للوضوء، فاحتمال أن يكون مس فرجه لا يوجب الوضوء، أليس كذلك؟ كما لو شك هل خرج منه شيء أم لا؟ فقد قال النبي ﵊: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (١٤).
ونقول لهم أيضًا: ما تقولون فيما لو غسل حيًّا؛ إنسان مريض يحتاج إلى تغسيل فغسله، هل ينتقض وضوؤه؟ يقولون: لا.
[ ١ / ٣٥١ ]
احتمال أن يكون مس فرجه وارد بتغسيل الحي؟ وارد، فالعلة التي ذكرتم إذن انتقضت بتغسيل الحي؛ ولهذا كان الصواب الذي اختاره الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم: أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، ما هو الدليل؟
طلبة: عدم الدليل.
الشيخ: عدم الدليل، ويش الكلام هذا؟ الدليل عدم الدليل! أنا أقول لك: قدم دليلك تقول: الدليل عدم الدليل، كيف هذا؟ ! نعم، نقول: عدم الدليل على النقض، وعدم وجود المفسد فيما كان قائم الإصلاح دليل، والله أعلم ().
***
(أكل اللحم خاصة من الجزور) كلمة (خاصة) تعود إلى اللحم لا إلى الجزور؛ لأن (الجزور) تغني عن كلمة (خاصة).
(أكل اللحم من الجزور) ناقض للوضوء، وهذا أيضًا من مفردات الإمام أحمد، والأئمة الثلاثة على خلاف ذلك.
فما هو شرح المؤلف؟ قال: (أكل اللحم) كلمة (أكل اللحم) يعم الني والمطبوخ ولَّا لا؟ لأن كله يسمى أكلًا، ويخرج به عدم الأكل، كما لو مضغه ولم يبلعه، فإنه لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا يقال لمن مضغ الشيء ثم لَفَظَه: أكله.
وقوله: (أكل اللحم خاصة) خرج بكلمة (خاصة) ما عدا اللحم، ويش اللي عدا اللحم؟ الشحم والكرش والكبد والكلية والأمعاء، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا لا يسمى لحمًا، بدليل أنك لو قلت لشخص: خذ هذا الدرهم اشترِ به لحمًا لي، ثم جاء لك بكرش لقلت: أنا ما وصيتك على كرش، وصيتك على لحم، فالكرش وشبهها لا يدخل في اسم اللحم؛ لهذا الدليل، وعليه فيكون النقض خاصًّا باللحم الذي هو الهبر، هذا تسمونه أنتم: الهبر عندكم؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٣٥٢ ]
الشيخ: اتفقت لغات الجزيرة، اللحم يعني: الهبر، وما عدا ذلك فإنه لا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يدخل في اسم اللحم، وأيضًا الأصل بقاء الطهارة، ودخول غير الهبر دخول احتمالي، واليقين لا يزول بالاحتمال، فإذا أكل كرشًا أو أمعاء أو كلية أو كبدًا فإن هذا يحتمل أن يكون داخلًا في الحديث، ويحتمل أن يكون غير داخل، والأصل بقاء الطهارة حتى نتيقن وجود الناقض، وعلى هذا فلا ينقض.
وأيضًا فإن النقض بلحم الإبل أمر تعبدي غير معقول المعنى؛ يعني: نحن لا نعقل العلة، وإن كنا نعلم أنه ما من شيء حكم الله به حكمًا كونيًّا أو قدريًّا إلا وله حكمة، لكن لقلة علمنا يفوتنا كثير من الحكم، وما فاتنا حكمته من الأحكام فإننا نسميه اصطلاحًا: تعبديًّا؛ بمعنى أنه علينا أن نتعبد لله به وإن لم نعلم حكمته، وإذا كان أمرًا تعبديًّا فإنه لا يمكن الإلحاق والقياس؛ لأن من شرط القياس أن يكون الأصل معللًا؛ إذ إن القياس: إلحاق فرعٍ بأصل في حكم لعلة جامعة، وإذا كان لا بد من العلة فالأمور التعبدية غير معقولة المعنى، وحينئذٍ لا نلحق غير الهبر بالهبر، هذا هو حجة القائلين بأن لحم الإبل هو الهبر خاصة.
وقوله: (من الجزور) كلمة (من الجزور) تعني: الناقة، خرج به اللحم من غير الجزور حتى وإن شارك الجزور في الحكم، كالبقر مثلًا، البقرة تسمى: بدنة، ومع ذلك فإن لحمها لا ينقض الوضوء.
اللحم المحرَّم ينقض الوضوء ولَّا لا؟ يعني: لو اضطر الإنسان إلى أكل الميتة أو إلى أكل الحمار فله أن يأكل ولا ينتقض وضوؤه، فما عدا لحم الإبل لا ينقض الوضوء، سواء كان حلالًا، أو حرامًا أبيح للضرورة، أو حرامًا تجرأ الإنسان عليه من غير ضرورة فإنه لا ينقض الوضوء، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الطهارة حتى يوجد دليل على النقض.
[ ١ / ٣٥٣ ]
يبقى عندنا ما هو الدليل على أن لحم الإبل ينقض الوضوء؟ الدليل قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبي ﷺ حديث البراء وحديث جابر بن سمرة؛ حديث جابر بن سمرة: سئل النبي ﷺ: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نَعَمْ»، قال: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ» (١٥).
وجه الدلالة على الوجوب من هذا الحديث: أن تعليقه الوضوء بالمشيئة في لحم الغنم دليل على أن لحم الإبل لا مشيئة به ولا خيار فيه، وأن الوضوء منه واجب.
وأما حديث البراء ففيه: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» (١٦) بلفظ الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، فعلى هذا يكون عندنا في ذلك حديثان صحيحان، كما صححهما الإمام أحمد، وكلاهما في مسلم، وإذا ثبت عن النبي ﷺ ذلك فإنه يجب علينا التمشي بمقتضاه.
إذن هل العلماء الذين خالفوا الإمام أحمد في هذا قد عصوا الله؛ لأنهم تركوا الواجب؟
طلبة: هم مجتهدون.
الشيخ: هم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهد مصيبًا؛ قد يجتهد الإنسان ويخطئ، وإذا كان قد بذل وسعه في طلب الحق ولكنه لم يوفق للصواب، فإن له أجرًا على اجتهاده، وعذرًا في خطئه؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلى وسعها.
الذين قالوا بعدم النقض يقولون: إنه قد روى أهل السنن من حديث جابر ﵁ قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار (١٧).
وكلمة: (مما مست) عام يشمل الإبل وغير الإبل، وهو قد صرح كان آخر الأمرين ترك الوضوء، وإذا كان آخر الأمرين فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخًا للأول، وهذا معلوم.
فيه دليل آخر: عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ لَا مِمَّا دَخَلَ» (١٨)، وزاد بعض العلماء أو نسبوه أيضًا أثرًا: «وَالْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ لَا مِمَّا خَرَجَ» (١٩)، شوف تقابل.
[ ١ / ٣٥٤ ]
القاعدة الثانية: لأجل يخرجون الحجامة؛ لأن الحجامة خارجة ما هي داخلة، فيكون: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل؛ لأجل يخرجون لحم الإبل ما ينقض الوضوء، ولكن حديث ابن عباس ضعيف لا يصح مرفوعًا إلى الرسول ﵊، وإن صح موقوفًا عليه فقد خولف.
وأما حديث جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فإنه لا يعارض حديث نقض الوضوء بلحم الإبل، فضلًا عن كونه ناسخًا له، كيف لا يعارضه؟ لأن حديث جابر عام، وحديث الإبل خاص، والقاعدة المتفق عليها بين أهل العلم: أن العام يحمل على الخاص، وأنه يخرج منه الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، تخرج من العام، وحينئذٍ هل هناك تعارض حتى نقول بالنسخ؟ لا، ولا يجوز لنا أن ننسخ أو أن نحكم بالنسخ مع إمكان الجمع؛ لأن النسخ مع إمكان الجمع معناه: إبطال أحد الدليلين مع أنه ليس بباطل.
إذن ما الغرض من حديث جابر؟ لا بد أن يكون له حكمة؛ يعني: سياقه هو أن الرسول ﷺ كان قد أمر بالوضوء مما مست النار، وصح عنه الأمر بذلك أمر بالوضوء مما مست النار، فقال جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء.
وعلى هذا فإذا كان الرسول قد أمر وترك؛ فمن أهل العلم من أصَّل أصلًا -لكنه ليس بأصيل- وقال: إن الرسول ﵊ إذا أمر بشيء وفعله صار الفعل خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله؛ يعني: للوجوب، انتبه لهذه القاعدة، ولكن هذا الأصل غير أصيل؛ لأن سنة الرسول ﷺ قوله وفعله.
فإذا عارض قوله فعله؛ فإن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولًا وفعلًا، ولا يجوز أن نحمله على الخصوصية مع إمكان الجمع؛ لأن معنى ذلك إهدار شطر من السنة -وهو السنة الفعلية- بدون حاجة إلى ذلك.
[ ١ / ٣٥٥ ]
والصواب: أنه إذا أمر بشيء وفعل خلافه أنه يدل على أن الأمر ليس للوجوب، هذا هو الصواب بلا شك، فيبقى الأمر كما هو، ولكن فعل الرسول ﵊ يدل على أنه ليس بواجب.
وهذا هو القول الراجح، والذي عليه جمهور أهل العلم -وإن كان الشوكاني ﵀ يميل إلى الأول- إلى أن فعل الرسول ﵊ الذي يخالف قوله يكون خاصًّا به حتى مع إمكان الجمع.
إذن نقول: حديث جابر ويش المراد منه؟
طالب: ().
الشيخ: لا، ويش المراد منه؛ سياقه يعني لأي شيء؟ ليبين أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب؛ لفعل الرسول ﵊ له في آخر الأمر، مثلما مر علينا في القيام للجنازة: قام، ثم قعد (٢٠).
وعلى هذا فيكون ما استدل به هؤلاء على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء يكون دليلًا ضعيفًا، ويبقى حديث الأمر بالوضوء من لحم الإبل سالمًا من المعارض المقاوم، وإذا كان سالمًا من المعارض المقاوم وجب الأخذ بمقتضاه وبمدلوله.
بقي أن يقال: ما هي الحكمة في أنه يجب الوضوء من لحوم الإبل؟
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن نقول: إن الحكمة أمر الرسول ﵊، هذه الحكمة، فكل ما أتى به الرسول ﵊ من الأحكام فهو حكمة، والدليل على أن هذه حكمة مقنعة مسكتة: أن عائشة ﵂ سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر أن بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢١)، وهذا حكمة وأي حكمة، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] هذه حكمة؛ لأننا نؤمن -والحمد لله- إيمانًا بكل قلوبنا أن الله لا يأمر بشيء إلا والحكمة تقتضي فعله، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركه، وعلى هذا فهذه حكمة.
[ ١ / ٣٥٦ ]
حكمة أخرى التمسها بعض العلماء وقال: إن لحم الإبل شديد التأثير على الأعصاب مهيج لها؛ ولهذا الآن الطب الحديث ينهى الإنسان العصبي أن يكثر من أكل لحم الإبل قالوا: والوضوء يهدئ الأعصاب ويبردها، كما أمر النبي ﵊ بالوضوء عند الغضب (٢٢)؛ لأجل تسكينه وتهدئته.
وسواء كان هذه الحكمة أو لا، إنما الحكمة هي أمر الرسول ﵊، وكما أنه لا يمكن أن يجترئ أحد أن يطالب بالحكمة في عدد الصلوات، فهذه مثلها؛ إن علمنا حكمتها فهو من الله، وهذا زيادة علم، وإن لم نعلم فعلينا التسليم والانقياد.
إذا ثبت الآن أن لحم الإبل ينقض الوضوء فلا فرق بين الني والمطبوخ والقليل والكثير، ولكن عرفنا أن المشهور من المذهب الفرق بين الهبر وبين بقية الأجزاء، والصحيح أنه لا فرق بين الهبر وبقية الأجزاء؛ لأنه لا دليل على ذلك.
واللحم شرعًا يطلق على كل الأجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾ [المائدة: ٣] لحم الخنزير أي لحم؟
طلبة: كله.
الشيخ: لا، الأمعاء حلال! الكرش كله حرام، يشمل كل ما في جلد الخنزير وحتى جلده يشمله التحريم أيضًا فهو حرام، وإذا كنا نجعل التحريم -وهو منع- شاملًا لجميع الأجزاء فإننا نجعل الوضوء هو أمرًا شاملًا لجميع الأجزاء؛ بمعنى أنك إذا أكلت أي جزء منها فإنه يجب عليك الوضوء، والدليل على ذلك:
أولًا: أن اللحم في لغة الشرع يشمل جميع الأجزاء، بدليل الآية.
ثانيًا: نقول: إن الرسول ﵊ يعلم أن في الإبل أجزاء كثيرة قد نقول: إنها تقارب الهبر، أجزاء كثيرة كلها سوى الهبر، ولو كان هذا غير داخل لكان الرسول يبينه ﷺ؛ لأن الناس يأكلونه بلا شك، فلو كان غير داخل في الحكم لأخرجه النبي ﵊؛ لأنه يعلم أنهم يأكلون هذا وهذا.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ثالثًا: أننا نقول: لا يوجد في شريعة محمد ﷺ حيوان تتبعض أجزاؤه حلًّا وحرمة، وطهارة ونجاسة، وإيجابًا وسلبًا، أبدًا؛ يعني: ما فيه حيوان يكون بعضه حلالًا وبعضه حرامًا، بعضه طاهر وبعضه نجس، بعضه موجب وبعضه غير موجب، ما فيه، وإذا شئتم أعطوني، إلا على شريعة العوام؛ صدر الفرس حرام، مؤخره حلال، هذه درسناها لما كنا صغارًا يقولون: إن صدر الفرس حرام، ومؤخره حلال، لماذا؟ قالوا: لأن صدره يقابل الأعداء، فصار حرامًا لحرمته، كالصيد في حرم مكة حرام، عندهم قياس! حرام لحرمته، لكن هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا غير صحيح لا شك؛ لأن مقدم الفرس وإن كان هو اللي يقابل الأعداء، لكن إذا ذبح الفرس أو نحر ويش الفائدة؟ صدره انتهى الآن، انتهى دوره، فلا حرمة له.
إذن لا يوجد في الشريعة الإسلامية بحسب الحكم الشرعي، دون حكم العوام ما لنا به دخل، حيوان تتبعض أحكامه باختلاف أجزائه أبدًا، فإذا كان كذلك كان فلتكن أجزاؤه كلها واحدة، هذه ثلاثة.
رابعًا: أن نقول: هذه الأجزاء كلها تتغذى بدم واحد وبطعام واحد، وعلى فرض أنه لا يتناولها النص لفظًا فإنه يتناولها معنًى؛ يعني: عموم معنوي فيها على فرض أن اللحم يراد به الهبر، فيقال: إن الهبر لا فرق بينه وبين هذه الأجزاء، أبدًا؛ لأن الكل يتغذى بدم واحد، ومن طعام واحد، ومن شراب واحد، هذه أربع.
خامسًا: أننا إذا قلنا بالوجوب وتوضأنا وصلينا فالصلاة صحيحة قولًا واحدًا، وإذا قلنا بعدم الوجوب وأكلنا من هذه الأجزاء ولم نتوضأ وصلينا، فالصلاة فيها خلاف؛ من العلماء من يقول: تصح، ومنهم من يقول: لا تصح، ففيها شبهة، وقد قال النبي ﷺ: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (٢٣)، وهو أحوط، «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٢٤).
[ ١ / ٣٥٨ ]
سادسًا: أنه قد روى الإمام أحمد (٢٥) بإسناد حسن من حديث أسيد بن حضير: أن النبي ﷺ قال: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ»، وإذا كانت السنة دلت على الوضوء من ألبان الإبل فإن الأجزاء التي لا تنفصل عن الحيوان من باب أولى، فهذه ستة أوجه ترجح القول بالوجوب في جميع أجزاء الإبل، وهذا هو الصحيح.
وعلى هذا فنقول: أكل اللحم مطلقًا -ما نقول: خاصة- على القول الراجح نقول: أكل اللحم مطلقًا من الجزور.
الجزور لو كانت حاجة صغيرة؟
طالب: يشملها اللفظ.
الشيخ: يشملها اللفظ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولو لم يجزئ في الأضحية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وإن لم يجزئ في الأضحية؛ لأن الحديث عام: «مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»، وهو عام، لا يقال: إن لحم الصغير ترف كلحم الضأن فلا يوجب، نقول: لأن هذه علة مظنونة، والعموم أقوى منها، فنأخذ به.
ثم قال المؤلف (وكل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا) (كل) عندي مكتوبة واحدة (كل) عندكم أيضًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش الصواب؟
طالب: الصواب هكذا.
الشيخ: الصواب هكذا (كل ما)، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُم﴾ [البقرة: ٨٧].
طالب: ليست شرطية.
الشيخ: ما هي شرطية؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، صح؛ لأن (كل) اسم مستقل، و(ما) اسم موصول؛ يعني: كل الذي أوجب غسلًا أوجب وضوءًا، هذه ضابط.
إذن لا بد أن نذهب الآن إلى أي باب؟ إلى باب الغسل نشوف ويش اللي يوجب الغسل؟ علشان نعرف أن هذا الذي يوجب الغسل يوجب الوضوء يكون هذا إحالة على باب سيأتي إن شاء الله.
لكن مع ذلك ننظر لماذا؟ هل هناك دليل على أن كل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا؟
يقولون: إن الحدث الأكبر يدخل فيه الأصغر.
فمثلًا خروج المني موجب للغسل وهو خارج من السبيلين، فيكون ناقضًا للوضوء بقاعدة: أن ما خرج من السبيلين ناقض، الحيض كذلك خارج من السبيلين، فيكون على قاعدة: كل ما خرج من السبيلين، الجماع بدون إنزال؟
[ ١ / ٣٥٩ ]
طالب: ().
الشيخ: () فيها نظر هذه.
طالب: مظنة.
طالب آخر: ().
الشيخ: إذا كان يقين ما خرج شيء؟
طالب: () مس المرأة لشهوة.
الشيخ: إي، من هذا الباب، يدخل فيه مس المرأة لشهوة، إي نعم؛ لأن الغالب من محل جامع إلا لشهوة، فيكون من باب مس المرأة لشهوة.
ويش بقي؟ إسلام الكافر موجب للغسل، هو فيه الخلاف، لكن على القول بوجوبه ويش فيه من نواقض الوضوء؟
طالب: أصله غير متوضئ الآن وغير طاهر.
الشيخ: ما يخالف هو يقول: أنا بغتسل فقط ولا نبغي رفع الحدث الأصغر.
الطالب: يرتفع.
الشيخ: لا، على المذهب ما يرتفع إذا لم ينوِ الحدث الأصغر إذا لم ينوِ الاثنين ما ارتفع حدثه.
هذه القاعدة في الحقيقة في نفسي منها شيء؛ لأن الله ﷿ يقول ..
وكلُّ ما أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْجَب وُضوءًا إلا الموتَ، ومَن تَيَقَّنَ الطهارةَ وشَكَّ في الحدَثِ أو بالعكْسِ بَنَى على اليقينِ، فإنْ تَيَقَّنَهُما وجَهِلَ السابقَ فهو بِضِدِّ حالِه قَبْلَهما، ويَحْرُمُ على الْمُحْدِثِ مَسُّ المصحَفِ، والصلاةُ، والطوافُ.
قال بعده: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ولم يأمر بغسل الأعضاء، فأوجب الله في الجنابة أيش؟ الغُسْل فقط، ولهذا القولُ الراجح كما سبق أن الجنب إذا نوى رفع الحدث الأكبر كفى، ما حاجة لينوي رفع الحدثين؛ لأن الله لم يوجِب إلَّا أيش؟ إلا أن نطَّهَّر فقط، ما أوجب علينا أن نغسل الأعضاء الأربعة.
وهذا دليل على أن موجَب الجنابة هو أيش؟ الاغتسال فقط، فما أوجب غُسْلًا لم يوجِب إلا الغسل، إلا إن دلَّ إجماع على خلاف ذلك فالإجماع مُتَّبَع، وإلَّا فإنا نقول: لا، ما أوجب غُسْلًا أوجب غُسْلًا فقط، إلا بدليل، لكن على كلام المؤلف هو هذا.
[ ١ / ٣٦٠ ]
(وكل ما أوجب غُسْلًا) (إلا الموت)، شوف الموت استثنوه، الموت إذا مات الإنسان وجب غسله فالموت عندهم مُوجِب للغسل، لكن لا يُوجِب الوضوء، بمعنى أنه لا يجب على الغاسل أن يُوَضِّئ الميتَ أولًا، فيغسل وجهه إلى آخره، وهذا من غرائب العلم، كيف ينفون وجوب الوضوء في تغسيل الميت، مع أن الرسول ﷺ قال: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا»، ويش بعد؟ «وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا»، هذا من الغرائب.
لكن على كل حال على قاعدتهم يقولون: إن الموت موجِب للغسل، وليس مُوجِبًا للوضوء، بمعنى أنه لو جاء رجل ونوى وغَمَس الميت في نهر أو في بركة ناويًا تغسيله ثم رفعه، فإن ذلك يجزئ، ليش؟ لأن الموت يوجِب الغسل، ولا يوجب الوضوء، فيقال: نحن نوافق على أن الموت يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء؛ لأنه ما فيه دليل على إيجاب الوضوء، وإن كنا قد نقول: إن فيه دليلًا وهو قوله: «وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».
لكننا نقول: ليتنا نسحب هذه القاعدة في الموت على بقية موجِبات الغسل، ونقول: موجبات الغسل لا توجب إلا الغسل؛ لأنه لا دليل على إيجابها للوضوء.
طيب الموت ويش وجه استثنائه؟ قال: لأن الشارع إنما أمر بتغسيل الميت، فيقال: الشارع أمر بتغسيل الميت والبداءة بمواضع وضوئها، إن قالوا: لأن الموت حدث لا يرتفع. قلنا: لكن تغسيله بمعنى ارتفاع الحدث، ما مر علينا في كتاب الطهارة؟ الطهارة ما هي؟
طلبة: ().
الشيخ: وما في معناه وزوال الخبث، فهذه في معنى ارتفاع الحدث؛ لأننا غسلناه وحكمنا بطهارته، مع أن الحدث الموجِب للطهارة لا زال باقيًا، فيكون هذا بمعنى ارتفاع الحدث.
طالب: من العلماء إذا سئل عن حديث غمس الذُّبَّان في الإناء ().
[ ١ / ٣٦١ ]
الشيخ: إي، هذا نقص، ما أقول إن شاء الله: نقص إيمان، لعله يحاول أن يقنع من هو ضعيف الإيمان، لكنه يعتبر نقص شخصية، أو فقد شخصية، يعني أنا أرى يجب على المسلم أن يعتز بإسلامه، وأن يقول: هذا ما يقتضيه الإسلام، علة؟ ما علة، العلة قول الله ورسوله.
ثم بعد ذلك إذا ظهر علة محسوسة علشان إقناع ضعيف الإيمان؛ لأن ضعيف الإيمان يحتاج إلى شيء يسنده، قوي الإيمان يقول: سمعنا وأطعنا، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، الله يجعلنا وإياكم منهم، لكن ضعيف الإيمان يحتاج إلى شيء يسنده حتى يطمئن أكثر.
فنحن نقول: هذا ما يقتضيه الإسلام، وَثِقْ بأنك إذا قلت بعزم: هذا ما يقتضيه الإسلام، ثق إن الفِطَر كلها ستوافقك ويقتنعون، ثم بعد ذلك تقول: وقد شهد الطب مثلًا لهذه الحكمة، إي نعم.
طالب: شيخ، ما تقولون: إن الوضوء () وصف تغليبي.
الشيخ: نعم، كالطرد يعني؟
الطالب: وصف تغليبي، يعني الغالب أن يؤخذ هذا () لا بقية أعضائه، هذا الغالب.
الشيخ: ربما يقال هذا أيضًا، وإن القيد الغالبي، لكن بس مثل هذه العلماء يقولون: الشيء اللي ما فيه معنى مشتَق يقولون: هذا وصف طردي في الغالب، مثل لحم أسود، أبيض، وما أشبه ذلك، يرونه وصفًا طرديًّا، لكن على كل حال نحن نقبلها منك؛ لأنك ترجِّح ما ذكرناه.
طالب: شيخ، لعاب الكلب ما هو بأغلظ نجاسة من بقيته؟
الشيخ: لا.
الطالب: أين سقط في الإناء من لعاب، هل نغسله سبعًا مثلًا بالتراب؟
الشيخ: إذا سقط في الإناء ينبني على الخلاف في شعره؛ لأن الشعر في حكم المنفَصِل، فإن قلنا: إن الشعر طاهر فلا خلاف، وإذا قلنا: إنه ليس بطاهر فالأمر واضح.
[ ١ / ٣٦٢ ]
ثم إن لعاب الكلب في الحقيقة حسب ما قرره بعض الناس، يقول: إن في لعابه جراثيم ما توجد في بوله ورَوْثه، مع أن الصحيح أن نجاسته كلها لا بد فيها من السبع، وأن الرسول إذا كان أَمَرَنَا بأن نغسل ما وَلَغَ فيه مع كثرة هذا، ومشقة التحرز منه غالبًا، فغيره من باب أولى.
طالب: ما يقال يا شيخ في ترجيح نقض الوضوء من حديث ابن عمر: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ»، يقال: إن عمل المسلمين -كما قال شيخ الإسلام- عمل المسلمين في الصلاة يوجب عملهم بهذا الحديث في الوضوء؛ لأنه أجمع المسلمون على عدم الصلاة في معاطن الإبل؟
الشيخ: لا، هذا يدل على النقض بها في الجملة، ولا شك في هذا.
طالب: وضوؤه من ألبان الإبل مُسْتَحَبٌّ أو واجب؟
الشيخ: الوضوء من ألبان الإبل الصحيح أنه مُسْتَحَبٌّ، وإحنا ما تعرضنا له، وينبغي أن نتعرض، الصحيح أن الوضوء من ألبان الإبل ليس بواجب.
أولًا: أن الأحاديث الكثيرة الصحيحة في الوضوء من لحومها، والوضوء من ألبانها إسناده حسن، وبعضهم ضعَّفَه، ثم إن حديث أبي هريرة في قصة العُرَنِيِّين الذين أمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ما أمرهم بأن يتوَضَّؤُوا من الألبان، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك، فدَلَّ هذا على أن الوضوء منها ليس بواجب، فهو مستحب.
بقينا في شيء آخر بعد، الحديث يجر بعضه بعضًا، وترى هذا جوابًا للسؤال، لأجل ما تحاسبونا عليه، الوضوء من مَرَق الإبل ينقض الوضوء ولَّا لا؟
طلبة: لا ينقض.
الشيخ: المذهب يقولون: لا ينقض الوضوء؛ لأن المذهب أكل اللحم، وعلى هذا فلو شرب الإنسان مَرَق لحم قد ظهر فيه طعم اللحم فإنه لا يجب عليه الوضوء.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وفيه وجه آخر لأصحابنا الحنابلة أنه يجب الوضوء من مرق اللحم، قال: لأن الطعم -طعم اللحم- كان في المرَق، كما لو طَبَخْنَا لحم خنزير فإن مَرَقه حرام، فكذلك مَرَق اللحم، وهذا تعليل قوي في الحقيقة.
أما إذا كان اللحم في الطعام لكن ما ظهر أثره ولا تَبَيَّن فهذا ما يضر، لكن الكلام على مرق اللحم الخاص، في بعض الناس يطبخون اللحم وحده، ويكون مرقُه خاصًّا، فالأحوط أن يتوضأ.
طالب: الصلاة خلف مَن أكل لحم الإبل ولم يتوضأ؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ يقول: هل يجوز أن أصلي خلف من أكل لحم إبل ولم يتوضأ وأنا أرى وجوب الوضوء؟
طلبة: ما يجوز.
طالب: إذا رأى الوجوب لا يُصَلِّي.
الشيخ: إي، أنا أرى الوجوب، لكن إمامي ما يرى الوجوب.
طالب: ما دام الدليل صريحًا لا تصلي، بالنسبة لمسألة اجتهاد إي نعم، فلا إنكار في مواضع الاجتهاد.
الشيخ: هذا هو الظاهر، لكن ولو، العلماء يقولون: يجوز، يجوز أن تصلي خلف من يخالفك في الفروع، إلا إذا كانت مخالفته تقتضي الإخلال بصلاتك، كما لو كان لا يرى الطمأنينة () في الصلاة خَلَّاك ما تطمئن لا في ركوع ولا في سجود، هذا معلوم، ما يجوز تقتدي به؛ لأن هذا يخل بصلاتك، أما شيء ما يؤثر على الصلاة سابق فهذا لا بأس به، تصلي خلفه، مثل ما لو أن أحدًا يرى نقض الوضوء بمس المرأة ولو بدون شهوة، وآخر لا يرى نقض الوضوء بمس المرأة، يصلي الأول خلف الثاني؟
طالب: نعم.
الشيخ: نفس الشيء، هي هذه، لكن لا شك أنه كلما قَوِيَ الدليل ضعف جواز الاقتداء به، لكن ما رأيكم لو أن رجلين سمعَا صوت ريح من أحدهما، ما في المكان غيرهما، وسمعَا صوت ريح، ولكن ما يُدرَى أيهما؟
طالب: متوضئين.
الشيخ: لا ما هما متوضئين.
الطالب: فرضية.
الشيخ: لا ما هي فرضية، هذه واقعية، يكون إمامًا له؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز.
طالب: أحدهما قطعًا.
[ ١ / ٣٦٤ ]
الشيخ: ليش؟ لأن أحدهما قطعًا صلاته باطلة، فإن كان هو الإمام فقد اقتديت بإنسان صلاته غير صحيحة، وإن كان المأموم فقد نوى الإمامة بمأموم لا تصحُّ صلاته، عرفتم؟ ولهذه المسألة دي استثناها العلماء؛ لأن هذه ما تعود إلى اجتهاد.
لو اختلفنا في القبلة، نحن في البر الآن ولا معنا مثلًا بوصلة دليل القبلة، أنا رَدِّيت قلت: القبلة هنا على اليمين، وأنت قلت: على الشمال، نصلي جماعة؟
طالب: لا ما يجوز، كل واحد يصلي باجتهاده ().
الشيخ: عرفتم ليه؟ هذه بعض العلماء يقول: لا تصلح الإمامة، ما هو لأجل أني أعتقد، أنا أعتقد أن صلاتك صحيحة، أعتقد لو توافقه فصلاتك باطلة، أعتقد الآن أن صلاتك صحيحة فهمت، لكن يقولون لهذه: ما تصح للتضاد، ويش لون () مني، وين الائتلاف، بخلاف الاستدارة حول الكعبة، فالاستدارة حول الكعبة صحيح أن وجوهنا ما هي بواحدة، لكن كل واحد وجهه للثاني.
طالب: شيخ، قلنا: إن الوضوء من ألبان الإبل مستحب، وقلنا: إن الحديث حسن وفيه ضعف، فإذا اعتقدنا قبوله وأنه حسن لا بد نلحقه بلحوم الإبل؛ لأن الدلالة واحدة والقبول واحد، أما الحكم بأنه ضعيف فنقول بأنه لا يجوز.
الشيخ: نقول: إن الذي منع الوجوب هي قصة العُرَنِيِّين، ولَّا كان نقول: يجب الوضوء، فهذه القصة لو كان هذا شيء واجب كان الرسول يُنَبِّهُهم عليه.
الطالب: السكوت يدل على أن الأصل على ..
الشيخ: أبدًا، دولا ناس وفود توُّهُم جيين.
الطالب: ().
الشيخ: ما هو على كل حال، ثم الحديث ما هو بمخرج واحد، لو قُرِنَ مع الإبل كان نعم، ما لنا حق نقول: هذا يجب وهذا يُسْتَحَب، لكن الحديث مستقل: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ».
طالب: لحم البعير إذا طُبِخ () مثلًا.
الشيخ: إي نعم، ينقض الوضوء.
الطالب: () بالطعام.
الشيخ: يسمونه الخَلع يعني.
الطالب: لا، الدهن () ثم وضعناه في الطعام، هل ينقض؟
[ ١ / ٣٦٥ ]
الشيخ: هذا ينبني على القول بنقض المرَق، هل ينقض أم لا؟ وفيه وجه في المذهب؛ المذهب أنه لا ينقض، والوجه الثاني أنه ينقض، لكن بشرط أن يظهر طعم اللحم، أما إذا لم يظهر وتلاشى في الطعام فهذا لا ينقض قولًا واحدًا
طالب: والشحم لو ظهر طعمه، طبعًا يظهر طعمه.
الشيخ: هو عاد حسب الكثرة، إذا وُضِع فيه الكثير ظهر طعمه، ولكن الطعم لا يضر؛ لأنه من جنس اللبن، ومن جنس المرَق، ما يجب فيه الوضوء.
طالب: ما يقال: فيها تحايل مثل ما فعل بنو إسرائيل؟
الشيخ: لا، ما فيه تحايل؛ لأن هذا أصلًا ما فيه وضوء، الوضوء من اللحم فقط.
***
قال: (ومن تيقَّن الطَّهارة وشَكَّ في الحدث أو بالعكسِ بَنَى على اليقينِ)، (مَن) هذه شرطية، وفعل الشرط (تَيَقَّن)، وجواب الشرط (بنى على اليقين).
(تيقَّن الطَّهارة) يعني تيقَّن أنه طاهر، وشك في الحدث، فإنه يبني على اليقين، ونحن الآن في نواقض الوضوء، ولكن العبارة عامة، سواء شك في موجِب الغسل، أو في موجِب الوضوء، فإنه يبني على اليقين.
مثال ذلك: رجل توضَّأ لصلاة المغرب، فلما أذَّن العشاء وقام ليُصلِّي شكَّ هل انتقض وضوؤه أم لا؟ فما هو الأصل؟ عدم النَّقض، يبني على اليقين؛ وهو أنه متوضِّئ، ويصلي.
ثانيًا: استيقظ رجل من النوم فوجد عليه بللًا، وشك هل هو موجِب للغسل، يعني هل هو مَنِيٌّ أو لا؟ يجب عليه الوضوء ولَّا لا؟
طلبة: يجب.
الشيخ: ما يجب.
طلبة: الأصل الوضوء.
الشيخ: نفس الشيء، الوضوء ولَّا الغسل؟
طلبة: الوضوء.
الشيخ: الوضوء يجب من النوم ما فيه شك، إنما هل يجب عليه الغسل أو لا يجب؟
طالب: ما يجب عليه.
الشيخ: لا يجب للشك، هو ما رأى احتلامًا ولا شيئًا.
رأى عليه أثر مَنِيِّ، وشكَّ هل هو من الليلة القريبة أو من الليلة البعيدة، يكون؟
طلبة: من القريبة.
الشيخ: من القريبة، اليقين القريبة، وما قبلها مشكوك فيه، إذن يقضي الصلوات من الليلة القريبة لا مما سبق؛ لأن الأصل عدم وجوده.
[ ١ / ٣٦٦ ]
فهذه القاعدة قاعدة مهمة، ولها فروع كثيرة جدًّا، ومبناها على حديث أبي هريرة وعبد الله بن زيد في الرَّجُل يجد الشيءَ في بطنه، ويُشْكِلُ عليه هل خرج منه شيء أم لا؟ قال النبيُّ ﷺ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
وفي حديث أبي هريرة: «لَا يَخْرُجْ»، يعني: من المسجد، «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، مع أن القرينة -قرينة الحَدَثِ- موجودةٌ، ما هي؟ ما في بَطنِهِ من القرقرة والانتفاخ مثلًا موجودة، ومع ذلك قال الرسول ﷺ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
وهذا الحديث على أنه ورد في مسألة جزئية من الدين ينبني عليه أشياء كثيرة؛ في الطلاق، وفي العقود، وفي أشياء كثيرة، يعني يتفرع عليه فروع كثيرة جدًّا، وهذا من بركة كلام النبي ﷺ وحُكْمِه، أنه تنحل به إشكالات كثيرة.
وهذا في الحقيقة مِن يُسْر الإسلام، ومن كون الإسلام يريد من أمة الإسلام ألَّا يكونوا في قلق وحيرة، وأن تكون أمورهم واضحة جلية؛ لأن الإنسان لو استسلم لمثل هذه الشكوك لتنغَّصت عليه حياته؛ إذ إن الشيطان لن يُفْلِتَه حتى يقتصر الأمر على مسألة الطهارة، سوف يأتيه في الصلاة، سوف يأتيه في الصوم، سوف يأتيه في كل أحواله، في كل تصرفاته، حتى فيما بينه وبين زوجته.
فالشارع والحمد لله قطع هذه الوساوس، اترك، ما دُمْت لم تتيقن فهذه الوساوس يجب أن تدفنها وتقبُرها، ولا تجعل لها أثرًا على نفسك، ومعلوم أن الإنسان إذا اتخذ هذه القاعدة استراح من إشكالات كثيرة، واطمأنت نفسه، وزالت عنه الظلمة التي تحصل له بالوساوس والشكوك، عرفتم؟
[ ١ / ٣٦٧ ]
فإذن هذا الحديث مع ما فيه من المنهج البَيِّن في الأحكام، فيه أيضًا استنارة للقلب، واطمئنان للقلب، وعدم قلق؛ لأن الشرع ما يريد منا أن نقلق، ولا يريد منا أن نحزن، حتى إذا وردت علينا هذه الأمور؛ الحزن والهم والغم، أعطانا لها أدوية، كحديث ابن مسعود في دعاء الهم والغم، وغيره، لأجل أن تبقى نفوسنا منشرحة دائمًا ومسرورة، حتى قال: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
هذا المؤمن اللي يرضى بما يقضي به الله عليه من الأقدار تجده دائمًا في سرور، يتمشى مع القدر، يعني هو مُنَفِّذٌ للشرع لكن مُتَمَشٍّ مع القدر، تجده مستريحًا مطمئنًّا راضيًا، لكن الإنسان اللي يدخَّل على نفسه الهموم والغموم هذا يتعب، ولهذا قال الرسول ﷺ بعد أن أمرنا بالحرص على ما ينفع، والاستعانة بالله ﷿، قال: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
فيجب أن نغلق الباب نهائيًّا حتى نبقى في راحة، وفي انشراح، وفي سرور، فهذه -والحمد لله- من نعمة الله علينا، أننا ما دمنا على يقين من شيء فالأصل بقاء ذلك الشيء، وأن الشكوك الواردة عليه حتى وإن ترجَّحت بقرائن فإنه أيش؟ لا عبرة بها، ولا نلتفت لها.
إذن من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو؟
طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر، (أو بالعكس)، يعني: أو كانت حاله بالعكس؛ بأن تَيَقَّنَ الحدثَ وشكَّ في الطَّهارة، فالأصل الحدث، اليقين الحدث، يعني معناه: يجب عليه أن يتطهر، اليقين الحدث، وهذا أيضًا فيه مصلحة؛ لأنه مثلًا إذا كنت مُحْدِثًا، ثم حضرت الصلاة قلت: والله ما أدري هو أنا توضأت ولَّا ما توضأت.
[ ١ / ٣٦٨ ]
هذا الترديد في الفكر يؤثِّر على النفس، لكن على طول إذا قلت: خلاص ما توضأت، لازم أتوضأ، انقطع هذا الترديد، وهذه البلبلة الفكرية، وصارت المسألة أمامك واضحة، على طول روح توضأ، لا تقول: أخاف إني متوضِّئ، ثم تدخل في صلاتك وأنت متردد، ثم ينفتح عليك باب الوسواس، وهذا شيء خطير عليك.
إذن على طول إذا شكيت أنا مُحْدِث وشكيت هل توضأت، ماذا أصنع؟ أتوضأ وأطرد هذا الوارد، وهذا الشك أطرده نهائيًّا، بأن أقوم وأتوضأ.
(بَنَى على اليقينِ) المسألة الأولى استدللنا لها بالحديث، هذه المسألة نستدل بالحديث عليها من باب قياس العكس.
وقياس العكس ثابت في الشريعة، قال النبي ﵊: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدُنا شهوَتَه ويكون فيها أجْرٌ؟ قال: «نَعَمْ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟»، قالوا: نعم، قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»، نقول: الآن ما دام الشارع حكم بأننا إذا شككنا في الحدَث ونحن على طهارة بقينا على طهارة، نقول: عكسه أيضًا مثله، إذا شككنا في الطهارة ونحن على حَدَث فنحن أيش؟
طلبة: على حدَث.
الشيخ: على حدَث، يجب علينا أن نتطهر، ومثله لو أن الإنسان صار عليه جنابة وشك هل اغتسل أم لا؟
طلبة: يغتسل.
الشيخ: يغتسل ولا يتردد، لا يقعد يتفطن يقول: ها بشوف بتفطن، يحكي حياته وفكره منذ استيقظ من النوم إلى صلاة الظهر، ويش سويت وين رحت؟ علشان يشوف هو اغتسل، ما حاجة لهذا، على طول اذهب واغتسل، وكما يقول العامة: اقطع الشك باليقين، فهذا مثله.
رجل اغتسل وشَكَّ في النية، يقول ما قضى قال: والله ما أدري هو أنا نويت الغسل من الجنابة، ولَّا نويت التَّبَرُّد وتراني في الشتاء؟ ويش نقول له؟ نقول: معقول تنوي التبرد بالشتاء؟ هذا ما هو معقول، فيه ناس يعني يلحقهم الوسواس إلى هذا.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ذُكِرَ أن رجلًا جاء لابن عقيل ﵀وهو من علماء الحنابلة- فقال له: يا سيدي، أنا تصيبني جنابة، فأذهب إلى دجلة في العراق، وأنغمس في النهر، وأخرج وأنا ما ارتفع حدثي.
فقال له ابن عقيل -﵀-: ليس عليك صلاة، ما عليك صلاة أنت، قال: لأن رجلًا يروح يغتسل في دجلة ثم يخرج وهو يقول: ما ارتفع حدثي؟ هذا مجنون، وقد قال النبي ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَالصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ».
فمن الناس من يكون هذه حاله، اللهم لك الحمد، الله يعافيهم ولا يبلانا، لكن الحمد لله الشارع قطع عنا هذا الشيء، ابنِ على اليقين عندك ولا تلتفت، حتى لو قال لك الشيطان: ما نويت، أو ما أشبه ذلك، لا يهمك.
وهذا كما يدخل في الوضوء يدخل أيضًا في الغسل، ويدخل في الصلاة بعد، أحيانًا يجيء الإنسان ما يُكَبِّر، والعجيب -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشيطان- بعض الناس يشكو، يقول: أنا في صلاة الفريضة ما أستطيع أُكَبِّر، أعجز أُكَبِّر، وفي صلاة النافلة ما يهمني، أُكَبِّر عادي، شوف -نسأل الله العافية- ليش؟ لأن الإخلال بصلاة الفريضة أعظم من الإخلال بصلاة النافلة، والشيطان يريد أن يفسد عليه دينه، الظاهر -والله أعلم- إنه يعلم أن الله يحب الفرائض أكثر مما يحب النوافل، فيريد أن يفسدها على الخلق، ولَّا يقول: أَتَسَنَّن طبيعي ما فيه شيء أبدًا، لكن في الفريضة أعجز أُكَبِّر، بَكَبِّر وأعجز -نسأل الله العافية- لأن الشيطان يلعب به، فدواء هذه الوساوس أن تبني على اليقين.
(وإِن تَيَقّنَهُمَا، وَجَهلَ السابقَ منهما فهو بضد حاله قبلهما)، انتبهوا لهذه، هذه تبغي معركة فكرية.
طلبة: عندنا ().
الشيخ: ما يخالف، ما هو بقرآن.
[ ١ / ٣٧٠ ]
(فإِن تَيَقَّنَهُمَا وجهل السَّابق منهما فهو بضد حاله قبلهما)، يعني: تيقَّن أنه مرَّ عليه طهارةٌ وحَدَثٌ، تَيَقَّنَهُمَا جميعًا، لكن ما يدري أيها الأول، نقول له: ما حالُكَ قَبْلَ هذا الوقت الذي تبيَّن لك أنَّكَ أحدثت فيه وتَطَهَّرْتَ، ما حالك قبل هذا الوقت؟ قال: حالي قبل هذا الوقت مُحْدِث، نقول: الآن أنت متطهِّر، ما حالك قبل؟ قال: حالي أنا متطهِّر، نقول: أنت الآن مُحْدِث، فهمتم؟
مثال ذلك: رجل متيقِّنٌ أنَّه على وُضُوء من صلاة الفجر إلى طلوع الشَّمس، طلعت الشمس ومضى ساعة من النهار أو ساعتان، وجاي بيصلِّي صلاة الضُّحَى، قال: والله ما أدري، أنا متيقِّن إني من طلوع الشَّمس إلى الآن حصل علي حَدَث ووضوء، ولا أدري، ويش نقول؟ مُحْدِث؟
طلبة: لا، طاهر.
الشيخ: هو قبل طلوع الشمس وهو على طهارة، مُحْدِث الآن، كذا؟
فإن قال: أنا متيقِّن إني بعد أن صلَّيت الفجر نَقَضْتُ الوضوء، ومتيقِّن أني بعد أن طلعت الشمس حَصَل مِنِّي حَدَثٌ ووضوء، فهو طاهر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فهو طاهر، هذا الحكم الآن، واضح الحكم ولَّا غير واضح؟
طلبة: نعم واضح.
الشيخ: دعوني من التعليل أو التدليل، هذا شيء آخر، الحكم الآن واضح، إذا تيقَّنْتَ أنه مَرَّ عليك في ساعة ما طهارة وحدَث، ولكن ما تدري أيهما الأول، فأنت ارجع لحالك قبلهما، وأنت على الحال التي هي ضدها، يعني على ضد الحال التي كنت عليها قبل هذه الحال، فإن كنت مُحْدِثًا فأنت الآن متوضئ، وإن كنت متوضئًا فأنت الآن مُحْدِث، واضح؟ لماذا؟
يقولون: لأنه قد تيقَّن زوال تلك الحال إلى ضِدِّها، وشَكَّ في بقائه؛ وهو الأصل، الأصل بقاؤه، واضح ولَّا اللغة إنجليزية؟
طلبة: واضح.
[ ١ / ٣٧١ ]
الشيخ: الآن قلنا: إلى طلوع الشمس متيقِّن أنه متوضئ، ولَّا لا؟ بعد طلوع الشمس إلى الحال التي حصل فيها الشك تيقَّن أن الحال اللي هو عليها أولًا قد زالت وارتفعت إلى شيء ما، فنقول: الآن تيقنت زوال تلك الحال إلى ضدها، فإذا كنت متطهِّرًا فما ضدها؟
طالب: الحدَث.
الشيخ: الحدَث، شككتَ في زواله، والأصل؟
طلبة: بقاؤه.
الشيخ: بقاؤه، الأصل أنه لم يَزُل، هذا هو تعليلهم، طيب يجينا رجل رابع -واحد تيقَّن الطَّهارة وشكَّ في الحَدَث، وواحد تيقَّن الحَدَث وشكَّ في الطَّهارة، وثالث تيقَّنهما وجهل السابق، أما إن علم السابق فالأمر واضح- يجيء رابع يقول أنا تيقنتهما وجهلت السابق، ولا أدري عن حالي قبلهما أيضًا، يعني جهل حاله قبلهما، هذا قالوا: يتوضأ وجوبًا؛ لأنه ما عندنا حالة نُحِيل الحكم عليها، فيجب عليه أن يتوضأ.
وبذكر هذه الأحوال الأربع للإنسان في الطهارة يتبين لنا دقة ملاحظة أهل العلم، وأنه لا تكاد مسألة تطرأ على البال إلَّا وذكروا لها حُكْمًا، وهذا من حفظ الله تعالى للشريعة، لأنه لولا هؤلاء العلماء الأَجلَّاء الذين فَرَّعوا على كتاب الله، وعلى سُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه سلَّم ما فهمنا هذه الأحكام الكثيرة، فهذه أحوال الشك واليقين، كم؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ تيقَّن الطَّهارة وشكَّ بالحدَث، تيقَّن الحدَث وشكَّ بالطَّهارة، تيقنهما وجهل السَّابق وهو يعلم حاله قبلهما، تيقنهما وجهل السابق وهو لا يعلم حاله قبلهما، وقد بَيَّن المؤلِّف حكم ثلاث حالات، والحالة الرابعة ذكرها في الشرح.
ثم قال: (ويحرُم على الْمُحدِث) نعم ..
طالب: جاء السؤال؟
الشيخ: جاء السؤال إن كانت ساعتي مضبوطة.
الطالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] لو قال: إن الآية ذكرت حكم الجنب ألَّا ().
الشيخ: تيقَّن الطهارة والحدَث وشك أيهما أسبق، فهو على ضد حاله قبلهما، ().
[ ١ / ٣٧٢ ]
والتعليل لأنه قد تيقَّن زوال تلك الحال إلى ضدِّها وشَكَّ في بقاء ضدها، والأصل بقاؤه.
فيه رأي آخر يقول: يجب الوضوء مطلقًا، تعليله يقول: لأنه تيقَّن أنه حصل له حالان، وهذان الحالان متضادان، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا كانا متضادين فإنهما يتساقطان؛ لأنه ما يدري أيهما الأسبق، لا يدري أيهما الوارد على الآخر، فيتساقطان، وهو قد تيقن زوال تلك الحال الأولى، وهو كان متطهِّرًا، فيجب عليه الوضوء احتياطًا، كما لو جهل، أما إذا جهل فهو قول واحد: إنه يجب عليه أن يتوضأ؛ لأجل أن يؤدي الصلاة بيقين، أما إذا علم فالمذهب كما علمتم يعلِّلون.
ولا شك عندي أن القول بوجوب الوضوء أحوط؛ لأن حقيقة الأمر إنه مثلًا إلى طلوع الشمس وهو متوضئ، هو متيقن أنه أحدث وتوضأ، ولا يدري أيهما أسبق، أليس كذلك؟
نقول: فيه احتمال أن الرجل توضأ تجديدًا، ولَّا ما فيه احتمال؟ فيه احتمال توضأ تجديدًا ثم أحدث، فصار يجب عليه الآن أن يتوضأ.
طالب: بالعكس هو اللي يدري.
الشيخ: الآن مثلًا هذا الرجل قال: أنا إلى طلوع الشمس وأنا متوضئ، ما عندي إشكال في هذا، وبعد طلوع الشمس إلى الظهر حصل عندي وضوء وحدَث، ولا أدري أيهما الأول؟
إن كان الحدث هو الأول فهو الآن متوضئ، وإن كان الوضوء هو الأول، فهو الآن مُحْدِث، وهو لا يدري الآن.
نقول: فيه احتمال أن يكون وضوؤك الأول اللي أنت متيقن ما هو عن حدَث حتى نقول: إنك تبقى متوضئًا، قد يكون عن تجديد، وتكون الآن أنت مُحْدِثًا، فإذا كان هذا الاحتمال واردًا فإنه لا يخرج الإنسان من اليقين إلا بالوضوء، هذا الوضوء إذا توضأ؛ إن كان هو الواجب عليه فقد قام به، وإن لم يكن الواجب عليه فهو سنة، حتى الفقهاء -﵏- قالوا: إنه إذا قوي الشك فإنه يُسَنُّ الوضوء لأجل أن يؤدي الطهارة بيقين.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، الفقهاء يوافقون في هذه المسألة بضد حاله؛ إذا كان متطهرًا جعلناه الآن مُحْدِثًا، وبالعكس ..
[ ١ / ٣٧٣ ]
الشيخ: وكذلك بالعكس، لو كان قبل طلوع الشمس مُحْدِثًا، وتيقن الأمرين، نقول: الآن أنت متطهِّر، فيه نظر هذا؛ لأننا نقول: ربما أن الرجل هذا أحدث ثم توضأ، فهو الآن على وضوئه، وربما أن الرجل جدَّد وضوءه ثم ..
طالب: أحدَث بعد حدَث.
الشيخ: جدد وضوءه الأول اللي صلى به الفجر.
الطالب: إذا كان مُحْدِثًا.
الشيخ: بارك الله فيكم، نعم إذا كان مُحْدِثًا إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى الظهر تيقَّنَ أنه حصل له وضوء وحدَث، ولا يدري أيهما الأول، فهو الآن على المذهب متطهِّر، نقول: فيه احتمال أن الرجل تطهَّر أولًا ثم أحدَث، وهذا هو الأقرب؛ لأنه كان بالأول غير طاهر مُحْدِثًا، وكان الظاهر أنه توضأ ثم أحدَث، فلهذا القول بالوجوب قول قوي؛ أنه إذا تيقنهما وجهل السابق وجب عليه الوضوء مطلقًا، سواء جهل حاله قبلهما أم لا.
طالب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ لو قال: إن الآية ذكرت حكم الجنب الذي يرفع جنابته بالطهارة، ويبقى مطالَبًا بالوضوء بأول الآية؟
الشيخ: هذا كده أحدَث حدثًا أصغر، أما في الجنابة ما ذكر إلا الطهارة، ومعلوم أن للطهارة الشامل للبدن كله يدخل فيها أعضاء الوضوء.
طالب: () مع الوضوء ثم ذكر () حاله إذا كان جنبًا، ثم يرجع للحال الأولى ..
الشيخ: لا، ما يرجع؛ لأن هذه جملة شرطية مستقلة، هي لو جاءت بالفاء، مثل قوله في المواريث: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] لقلنا: هذه مُفَرَّعة على ما سبق، لكن جاءت بالواو.
طالب: بالنسبة لألبان الإبل ذكرت أن الوضوء منها مستحب، بالنسبة لحديث جابر: هل نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، الرسول ﷺ، فقلنا: إن اللحوم يدخل فيها جميع أجزاء البعير، سواء اللحم أو غيره، ويدخل في هذا اللبن.
الشيخ: ما قلنا: يدخل في هذا اللبن.
طالب: ما هو يعتبر من الأجزاء.
الشيخ: لا، بس هو منفصل يا أخي.
[ ١ / ٣٧٤ ]
الطالب: إذا قلت: إنه منفصل، يرده حديث العُرَنِيِّين لعمر أن الرسول ﷺ.
الشيخ: قلنا: ظاهر حديث العُرَنِيِّين عدم الوجوب.
طالب: حديث جابر أليس () حديث العرنيين محتمِل أن الرسول ﷺ أخبرهم، أو أنهم يعلمون.
الشيخ: حديث جابر في اللحم، بس اللبن ما يُسَمَّى لحمًا.
الطالب: لكن قلنا: إنه يشمل جميع البعير.
الشيخ: إي، بس اللبن منفصل، ما هو من أجزائه.
الطالب: ألسنا قلنا: إنه كالخنزير فيما قبل، أنه قال: حرم عليكم لحم الخنزير.
الشيخ: بلى.
الطالب: فيكون كل الخنزير.
الشيخ: إحنا ما قصدنا أن نقول: إن القياس مماثل، إن القياس أن اللحم يشمل الجميع، هذا قصدنا، ما هو قصدنا معناه بنقيس، ولَّا كان نقول: المرقة أيضًا، المرقة يجب فيه الوضوء كما قلنا في مرق الخنزير مثلًا، وكان نقول أيضًا: بولها نجس كبول الخنزير، وروثها نجس كروث الخنزير.
الطالب: يا شيخ الحديث الآخر الذي قال فيه الرسول ﷺ: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ»، هذا ليس يدل على الوجوب؟
الشيخ: هذا صحيح ظاهره الوجوب، ولهذا فيه رواية عن الإمام أحمد بوجوب الوضوء من ألبان الإبل، لكن نحن نقول: إن هذه كلمة (ألبان) لا شك أنها ما هي من اللحوم، ليست من اللحوم قطعًا، ولا أحد يقوله، لا لغة ولا عرفًا، وإذا لم تكن من اللحوم، وحديث العرنيين مع أن المقام يقتضي أن يُبَيِّن لهم لو كان واجبًا، ما بَيَّنَ لهم، فيدل هذا على أن المراد بالأمر الاستحباب.
طالب: أليس عدم النقل ليس نقلًا للعدم؟ أقول: جاءنا دليل صريح: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ»، فلا حاجة لنا إلى أن نتوقع أو ..
الشيخ: صح، لكن ما تدعو الحاجة إليه ولم يُذْكَر يدل على أنه غير واجب ولا نعم نقول: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، لو قال: ولم نأمرهم، صار واضحًا، لكن نقول: ما دام الحاجة مقتضية لذكره ولم يُذْكَر، كان ذلك دليلًا على أنه ليس بواجب.
[ ١ / ٣٧٥ ]
الطالب: () ذكرتم أنتم.
الشيخ: نعم، هو الحديث ضعيف، لكن شيخ الإسلام ﵀ يرى أنه حسن، ويستدل به.
طالب: شيخ، الوضوء من ألبان الخنازير، ما هو الدليل عليها؟
الشيخ: حرام ألبان الخنازير يا شيخ.
الطالب: ما من دليل؟
الشيخ: دليله الإجماع.
طالب: الشاك في الطهارة والحدَث، متى يرجِّح؟
الشيخ: ما فيه إلا اليقين.
الطالب: ما فيه ترجيح بينهما؟
الشيخ: أبدًا، حتى لو غلب على ظنه الحدَث فهو لا يلتفت إليه.
طالب: إذا أصاب فرج رجل مرضٌ، فهنا النجاسة المني يخرج باستمرار، فيعني يمكن أن يتوضأ هذا الشخص وينزل المني، فالاحتمال ينزل هذا المني في الصلاة، فماذا يفعل؟
الشيخ: هذا حكمه حكم سلس البول إذا كان مستمرًّا معه، هذا ما يوجِب الغسل؛ لأن المني الموجِب للغسل -كما سيأتينا إن شاء الله- هو المني الذي يخرج بدفق ولذَّة.
طالب: يعني الصلاة لا يعيدها؟
الشيخ: لا، ما يعيدها، لو صار سلس بول يتوضأ ويتحفظ ويصلي.
طالب: شيخ، حديث الرسول ﷺ شرب اللبن وتمضمض فقال: «إِنَّ لَهُ دَسَمًا»، هذا ما يدل على عدم وجوب التوضأ من اللبن ..
الشيخ: إي، بس أي لبن؟
الطالب: عام، عادة من لبن الإبل.
الشيخ: الغنم والشاة كثيرة في المدينة.
طالب: بس كان جيران الرسول ﷺ كانوا عندهم إبل، السيدة عائشة قالت: ماذا كنتم تعيشون؟
الشيخ: ما نستطيع نعيِّن إنه إبل، المهم على كل حال أنا الذي أستند إليه حديث العرنيين أنهم ما أُمِرُوا بذلك.
طالب: إذا استيقظ شخص من منامه، ووجد بللًا في ثوبه، ولا يذكر أي حلم، ولا يذكر أي شيء أبدًا، هل عليه الغسل؟
الشيخ: ما عليه غسل، إلا إذا تيقن أنه مَنِيّ، أما إذا كان فيه احتلام ووجد الماء فيُحَال على أنه مَنِي؛ لأن الرسول لما سُئِل: هل على المرأة من غسل إذا هي احتَلَمَتْ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ».
[ ١ / ٣٧٦ ]
طالب: يعني إذا نام مثلًا النائم ثم استيقظ ورأى بللًا، ولم يذكر احتلامًا، فكيف نقول؟ يعني ما يكون عليه غسل؛ لأنه من أين سيأتي هذا البلل؟
الشيخ: هل تيقنت أنه مَنِيّ؟
الطالب: ما تيقن، لكن رأى ما قد يراه الإنسان إذا احتلم وهو نائم.
الشيخ: ما يخالف، فرق بين الْمَنِيّ وغيره، أنت الآن ما تيقنت، ربما الإنسان في () المنام يكون حصران مثلًا، ويرى في المنام أنه يبول وربما يبول.
طالب: أو يكون مذي.
الشيخ: لا، ما فيه شك، أو يكون مذي، أو بعد إن كان في أيام الصيف عرق، ما دام إنه ما عندنا يقين ما نوجِبه.
طالب: أبوال الإبل إذا واحد شربها بقصد الدواء ينقض وضوءه؟
الشيخ: ما ينقض الوضوء، مثل اللبن، ما ينقض الوضوء.
طالب: شيخ، قلنا: المشهور من المذهب أن باقي أجزاء لحم الإبل لا ينقض الوضوء، ومن بين ما استدلوا به أنهم قالوا: لا يصح قياس غير الْهَبْر على الْهَبْر؛ لأنه من شروط القياس وجود العلة نفسها () العلة؛ لأنه أمر تعبدي، وكان إحنا ما قبلنا هذا الجواب منهم، لماذا ما قبلناه؟
الشيخ: أولًا لأن اللحم يشمل هذا، إطلاق اللحم يشمله ويدخل فيه، يعني نحن نمنع أن اللحم خاص بالْهَبْر، ففرق بين أن نقول: هذا دخل بالقياس أو دخل في العموم، نحن نقول: لحم يشمل كل الأجزاء، إي نعم، هذا الجواب، وأيضًا العلة حتى ولو قلنا: إنه تعبدي، فالعلة واحدة في الحقيقة؛ لأن الغذاء واحد، واللبن واحد، وكل شيء.
طالب: يعني قولهم: إنه أمر تعبدي، مردود عليهم.
الشيخ: لا، حتى لو قلنا: تعبدي، ما امتنع القياس في هذه الحالة؛ لأن إحنا ما نريد الإلحاق لعلة، الإلحاق لأنه يتغذى بطعام واحد، وبدم واحد، ولأنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية حيوان يتبعض أحكامه.
طالب: ().
[ ١ / ٣٧٧ ]
الشيخ: «.. صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، وهذا مُحْدِث ولم يتوضأ، هذا نص في الموضوع، أما الحديث: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» فنعم، نقيسه عليه بقياس العكس، وأما التعليل فظاهر.
***
(ويَحْرُمُ على المحدِثِ مسُّ المُصْحَفِ، والصلاة والطواف).
(يحرُم على المحدِث) أي: حدثًا أصغر، والدليل على أن هذا هو المراد مع أن (أل) في (المحدِث) اسم موصول يشمل الجميع، لكن الذي يدل على أنه يريد الحدث الأصغر أنه ذكره في نواقض الوضوء، فيتعين أن يكون المراد بالمحدِث حدَثًا أصغر، وقد سبق لنا تعريف الحدَث في كتاب الطهارة، وهو أنه وصف قائم بالبَدَن يمنع مِن فِعْلِ الصلاة ونحوها مما تُشترَط له الطَّهارة، فهو وصف.
فالمحدِث وهو الذي أتى بناقض من نواقض الوضوء حتى يلحقه ذلك الوصف يحرم عليه ثلاثة أشياء:
أولًا: مس المصحف، المصحف: هو ما كُتِبَ فيه القرآن، سواء كان القرآن كاملًا، أو غير كامل، حتى ولو كانت آية واحدة، إذا لم يكن معها غيرها، فلو أن أحدًا كتب آية في ورقة فحكمها حكم المصحف.
أما اللَّوح فحكمه حكم المصحف أيضًا، إلَّا أن الفقهاء استثنوا بعض الحالات.
يحرُم عليه مس المصحف، الدليل؛ أولًا: من كتاب الله، وثانيًا: من سنة رسول الله ﷺ، وثالثًا: من النظر الصحيح.
أما كتاب الله ﷿ فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٠].
[ ١ / ٣٧٨ ]
قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾، ويش يعني به؟ هذا القرآن اللي بأيدينا، ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ﴾ أي: القرآن؛ لأن الآيات سِيقت للتحدث عن هذا القرآن، بدليل أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والْمُنَزَّل هو هذا القرآن، فعلى هذا يكون في الآية دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يمس المصحف إلا إذا كان مطَهَّرًا، والْمُطَهَّر هو الذي أتى بالوضوء والغسل من الجنابة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فجَعَلَنَا ﷾ بفعل الوضوء والغسل مطهَّرِين، فهذا يطابق ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾، وحينئذ يكون القرآن قد دل على ذلك.
فإن قيل: يَرِدُ على هذا الاستدلال أنَّه قال: ﴿لاَ يَمَسُّهُ﴾، ولم يقل: (لا يمسَّه)، فـ (لا) هنا نافية، وليست بناهية؟
قلنا: إِنه قد يأتي الخبر بمعنى النهي، بل إِن الخبر المراد به النهي أقوى من النهي المجرَّد؛ لأنه يُصوِّر الشيءَ كأنه أمر مفروغ منه، وقد كان معلومًا أنه ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾، وليس بعيدًا عنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وليس بعيدًا عن من يقرؤون الحديث قول النبي ﷺ: «لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»، (لا يبيع) بلفظ الخبر، والمراد به النَّهي.
[ ١ / ٣٧٩ ]
أما من السنة فإن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبيُّ ﷺ إلى أهل اليمن: «أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، والطَّاهر هو المُتطهِّرُ، طاهر طهارة حسِّيَّة؛ لأن المؤمن طهارته معنوية كاملة، والمصحف لا يقرؤه غالبًا إلا المؤمنون، فلما قال: «إِلَّا طَاهِرٌ» عُلِم أنها طهارة غير الطَّهارة المعنوية، وهي الطهارة من الحدَث، ودليل ذلك قوله تعالى في آية الوضوء والغسل: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
فجعل الله ﷿ القيام بالوضوء والقيام بالغسل تطهيرًا لنا، وطهارة لنا، وعلى هذا فالطاهر هو الذي توضَّأ من حدَث أصغر واغتسل من جنابة.
وأما النَّظر الصحيح فقالوا: إنَّه ليس في الوجود كلام أشرف من كلام رب العالمين، وإذا أَوْجَبَ الله تعالى الطهارة للطواف ببيته، فالطهارة لتلاوة كتابه الذي تكلم به ﷾ من باب أولى؛ لأنا نحن الآن نتصل به، بمعنى أننا ننطق بكلام الله ﷿ خارجًا من أفواهنا، فَمُمَاسَّتنا لهذا الكلام الذي هو أشرف من البناء يقتضي أن نكون طاهرين، كما أن طوافنا حول الكعبة يقتضي أن نكون طاهرين، فتعظيمًا لكلام الله ﷿ واحترامًا له يجب أن نكون على طهارة.
هذا هو تقرير الأدلة لمن قال بوجوب الطهارة لِمَسّ المصحف، وأنه يحرم على المحدِث أن يمس المصحف، وهي أدلة كما ترون، وهذا قول جمهور أهل العلم، ومنهم المذاهب الأربعة.
وهناك قول آخر اختاره بعض العلماء مثل داود الظاهري، وجماعة آخرين، قالوا: إنه لا يحرُم على الْمُحْدِث مس المصحف. ما دليلهم؟ قالوا: لأن تلاوة القرآن بلا شك من ذكر الله، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
[ ١ / ٣٨٠ ]
الشيخ: من أعظم الذِّكْر، والحرف فيها بعشر حسنات، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ كَانَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ، وأيضا الأصل براءة الذِّمَّة، وعدم الوجوب، فلا نُؤَثِّم عباد الله تعالى بفعل شيء لم يَثْبُتْ به النَّص، ثم لما أيَّدُوا مذهبهم يطالَبون بالجواب عن أدلة الآخرين، أليس كذلك؟ لأن طريق الترجيح أن تأتي بما يُثْبِت قولك، وتدفع ما يُثْبِت قول خصمك، قالوا: أهلًا وسهلًا.
أما الآية الكريمة فليس فيها دليل لما ذكرتم؛ لأن الضمير في قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُ﴾ يعود إلى ﴿كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾، والكتاب المكنون يحتمل أن يكون هو اللوح المحفوظ، ويحتمل أن يكون هو الكتب التي بأيدي الملائكة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، وقالوا: هذه الآية تفسر الآية هذه.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ مثل ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾، ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ مثل ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾، والقرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا، فالآية لا تدل على ما ذكرتم، ولو كان المراد ما ذكرتم لقال: (لا يمسَّه إلا المطَّهِّرون)، يعني: المتطَهِّرِين، وفرق بين (المطهَّر) اسم مفعول، وبين (المتطهِّر) اسم فاعل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقولكم: إن الخبر يأتي بمعنى الطَّلب، هذا صحيح ولا نمانع منه، لكن لا يُحْمَلُ الخبر على الطلب إلا بقرينة، وهنا لا قرينة، فيجب أن يبقى الكلام على ظاهره، وأن تكون الجملة هنا خَبَريَّة ﴿لاَ يَمَسُّهُ﴾، وأن يراد بـ ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، وتؤيد قولَنا الآياتُ التي في سورة (عبس).
[ ١ / ٣٨١ ]
وأما قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو عائدٌ على ﴿قُرْآنٌ﴾؛ لأن الكلام فيه، ولا مانع من أن تتداخل الضَّمائر، ويعود بعضها إلى غير المتحدَّث عنه ما دامت القرينة موجودة.
ثم على احتمال تساوِي الأمرين فالقاعدة عند أهل العلم أنه إِذا وُجِدَ الاحتمال سقط الاستدلال. فيسقط الاستدلال بهذه الآية، ثم نرجع إلى براءة الذِّمة.
أتوا إلى حديث عمرو بن حزم، وهو الدليل الثاني للجمهور، قالوا: حديث عمرو بن حزم أولًا غير متَّصِل، منقطع، فهو حديث ضعيف، وأنتم تُقِرُّون بضعفه سندًا؛ لأنه مرسَل، والمرسَل من أقسام الضعيف، والضعيف لا يُحْتَجُّ به في إثبات الأحكام، فضلًا عن ثبوت حكم يُلْحِق بالمسلمين المشقة العظيمة في تكليفهم ألَّا يقرؤوا كتاب الله من المصحف إلا بوضوء.
ولا سيما في الأيام الشاتية، ولا سيما إن كانوا في الجمهوريات السوفياتية التي بلغت درجة الحرارة فيها هذه الأيام إلى الستين تحت الصفر، يعني في برودة عظيمة ولَّا لا؟ أكثر من التجمد، يقول هذا: إذا ألزمنا عباد الله بهذا الشيء قلنا: لا تقرؤوا القرآن إلا بوضوء، هذا مشقة شديدة، فلا يمكن أن نلزم عباد الله تعالى بهذا الأمر الشاق بمثل هذا الحديث الضعيف.
وأما قولكم: النظر الصحيح، فإننا لا نقر بالقياس أصلًا؛ لأن الظاهرية لا يقولون بالقياس، وإن كانوا يتناقلوه في بعض الأحيان، لكن هذه قاعدتهم؛ أن القياس غير صحيح، وأن القياس لا يفيد إلا الظن، والظن في دين الله باطل، وقد ذم الله تعالى الذين يتبعون الظن: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وما أشبه ذلك من أدلتهم التي أبطلها أهل العلم وردوها عليهم في نحورهم؛ لأن القياس لا شك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وليس هذا موضع ذكر، لكن قد مضى.
[ ١ / ٣٨٢ ]
المهم أن هذا جوابهم عن هذه الأدلة التي استدل بها جمهور أهل العلم، وعندي أن ردهم للاستدلال بالآية واضح، يعني أنا أوافقهم على ردهم الاستدلال بالآية الكريمة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩].
وأما حديث عمرو بن حزم فالسند كما قالوا ضعيف، ضعيف السند، لكن من حيث قبول الناس له، واستنادهم عليه، فيما جاء فيه من أحكام الزَّكاة والدِّيَات وغيرها، وتلقِّيهم له بالقبول سلفًا وخَلَفًا يَدلُّ على أنَّ لهذا الحديث أصلًا، وهو ظاهر، وكثيرًا ما يكون قبول الناس للحديث، سواء كان عمليًّا أو علميًّا يكون قائمًا مقام السَّند أو أكثر وأعظم.
الأمة تستدل به من زمن التابعين إلى يومنا هذا، ثم نقول: هذا ليس له أصل، وهو مردود؟ هذا بعيد جدًّا.
قالوا: وإذا فرضنا أنكم قلتم بصحته بناءً على شهرته، فإن كلمة (طاهر) تحتمل أن يكون طاهر القلب من الشرك، طاهر البدن من النجاسة، طاهرًا من الحدَث الأكبر، طاهرًا من الحدث الأصغر. هذه احتمالات أربع، والدليل إذا احتمل احتمالين بطل الاستدلال، فكيف إذا احتمل أربعة؟
قالوا: إن الطاهر يُطْلَق على المؤمن؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، هذا فيه إثبات النجاسة للمشرك، وقول النبي ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، هذا فيه نفي النجاسة عن المؤمن، ونفي النقيض يستلزم ثبوت نقيضه؛ لأنه ما فيه إلا طهارة أو نجاسة، ما فيه حالة متوسطة.
إذن فيكون المراد بالطاهر مَن؟ المؤمن، ويكون في الحديث دليل على تحريم مَسِّ الكافر للمصحف، لا المؤمن، ويُرَاد بالطاهر الطاهر من الحدث الأصغر، ويراد به الطاهر من الحدث الأكبر، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] هذا الحدث الأكبر، وقال النبي ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»، وهذا الحدث الأصغر.
[ ١ / ٣٨٣ ]
فالطهر يُطْلَق على هذا وهذا، فأيهما تريدون، حدَثًا أصغر ولَّا أكبر؟ هم يريدون أن يُبْطِلوا استدلالنا به.
أنا كنت أميل إلى قول الظاهرية في هذه المسألة، ولكن لَمَّا تأملت: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، وإذا الطاهر يُطْلَق على الطاهر من الحدث الأصغر والأكبر؛ لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولم يكن من عادة الرسول ﵊ أن يعبِّر عن المؤمن بالطاهر، بل يعبِّر عن المؤمن بوصفه بالإيمان؛ لأنه أكمل وأَبْيَن وأظهر، تَبَيَّن لي رجحان قول الجمهور، وأنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر.
وأما الاستدلال بالقياس فالقياس فيه ضعف، ليس واضحًا وجهه، فالذي أنا أركز عليه في هذه المسألة هو حديث عمرو بن حزم.
قد يقول قائل: إن حديث عمرو بن حزم مكتوب إلى أهل اليمن، وهم حين ذاك ليسوا بمسلمين، فتكون قرينة توجيهه إلى غير المسلمين دالَّة على أن المراد بالطاهر هو المؤمن، وهذه لا شك، هذه واردة، لكن عندنا أن الكثير في تعبير الرسول ﵊ أنه يعلِّق الشيء بالإيمان، وما الذي يمنعه من أن يقول: لا يمس القرآن إلا مؤمن، ما الذي يمنعه؟ مع أن هذا أبين وأوضح.
فالذي تقرر عندي أخيرًا أنه لا يجوز مس المصحف إلا بوضوء، ولكن يبقى عندنا أسئلة، السؤال الأول: هل المُحَرَّم مسُّ القرآن أو مس المصحف الذي فيه القرآن؟
حديث عمرو بن حزم: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ».
طالب: ما الفرق؟
[ ١ / ٣٨٤ ]
الشيخ: الفرق المصحف له هوامش بيضاء وحواشٍ بيضاء، فهل يجوز مس الحواشي البيضاء والهوامش البيضاء، أو ما بين الأسطر؟ ويقول: أنا ما مسست القرآن، الرسول يقول: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، والحروف الآن ما مسستها، وأنتم أيها الفقهاء -فقهاء الحنابلة خاصة- تقولون: يجوز للصغير أن يمس لوحًا فيه القرآن بشرط ألا تقع يده على الحروف، يمس الهوامش أو ما بين الأسطر، هذا فيه احتمال.
وفيه وجه للشافعية على أن المحرَّم هو مس نفس الحروف فقط دون الهوامش؛ لأن الهوامش ورق، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، والظرف غير المظروف، والحديث: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، ولكن الأحوط ألا يُمَسَّ القرآن كله، كل ما كُتِبَ فيه القرآن يَثْبُت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
السؤال الثاني: هل يشمل هذا الحكم مَن دون البلوغ من الصغار أو لا؟
قال بعض أهل العلم: لا يشمل الصغار، الصغار لا يشملهم؛ أولًا: لأنهم غير مكلَّفين، ولَّا لا؟ وإذا كانوا غير مكلَّفين كيف نُلْزِمُهم بشيء لا يتعلق به كفر ولا ما دون الكفر، إلَّا أنه معصية للكبير، وهؤلاء ليسوا من أهل المعاصي؛ لأن القلم مرفوع عنهم.
ولكن هل يلزم وليَّه أن يُلْزِمه بذلك؟ يعني الآن قد نكون سلَّمنا أنه لا يلزم هذا الصبي أن يتوضأ، بمعنى أننا لا نُؤَثِّمُه لو مسَّ الصحف بدون وضوء؛ لأنه غير مكلَّف، لكن هل يلزم وليَّه أن يُلْزِمه بذلك؟
فيه خلاف بين العلماء؛ فالصحيح عند الشافعية أنه لا يلزمه الوضوء، ولا يلزم وليَّه أن يُلْزِمَه به؛ لأنه غير مكلَّف، ولأن إلزام وليِّه به مشقة، وهو غير واجب عليه ذلك، وإذا كان فيه مشقة في أمر لا يجب على الصغير فإنه لا يُلْزِمُه به وليُّه.
[ ١ / ٣٨٥ ]
أما المشهور عند الحنابلة فإنه لا يجوز حتى للصغير أن يمسه بدون وضوء، وقالوا: إن على وليِّه أن يُلْزِمَه بالوضوء كما يلزمه بالوضوء للصلاة؛ لأن هذا فعلٌ تُشْتَرَط لحِلِّه الطهارة، فلا بد من إلزام وليه به، إلا أنهم استثنوا مس الصغير اللوح إذا لم تقع يده على الحروف، تعرفون اللوح؟ كان بالأول استعمال الألواح للصغار، ألواح من الخشب يكتبون فيها قرآنًا ويقرأه، وإذا انتهى مسحه.
لكن بعض العلماء يقول: اللوح غير وارد إطلاقًا؛ لأن الكتابة في اللوح غير ثابتة، ستُمْحَى، فهي بمنزلة ما كُتِبَ للتمرين على القراءة، كما لو كتبت في السبورة مثلًا، واحد يكتب في السبورة قرآنًا لأبنائه يُمَرِّنهم على القراءة.
على ظاهر كلام الفقهاء ﵏ إنه ما يجوز أن أَمَسَّ السبورة بغير وضوء، لكن يجوز أكتب القرآن بغير وضوء؟ إي نعم، إذا لم أَمَسَّها يجوز، لكن السبورة ما دام كتبت عليها آية من القرآن ما أمسها بغير وضوء، إلا أن أقول: إنهم استثنوا اللوح، بشرط ألا تقع يده على الحروف، منهم من قال: للمشقة.
ومنهم من قال: لأن هذه الكتابة غير المصحف؛ المصحف تُكْتَب الكتابة، ويش هو له؟ للثبوت والاستمرار، أما هذه فلا، ولو كتب قرآنًا معكوسًا وحطيته أمام المرآة ويش يصور؟ قرآن غير معكوس، هل يحرم علَيَّ مس المرآة؟ ما يحرم عليَّ؛ لأنه ما كُتِبَ فيها ().
ذكرنا أظن كتب التفسير أنه يجوز مسُّها؟
طلبة: لا، ما ذكرنا.
الشيخ: إي نعم، الآن نذكر كتب التفسير يجوز مسها؛ لأنها تعتبر تفسيرًا، والآيات التي فيها أقل من التفسير الذي فيه، ويُسْتَدَلُّ لذلك بكتابة النبي ﵊ إلى ملوك الكفرة الكتب، وفيها آيات من القرآن، فدلَّ هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر.
يبقى النظر إذا تساوى التفسير والقرآن هل يحرُم؟
نقول: القاعدة المعروفة عند أهل العلم أنه إذا اجتمع مُبِيحٌ وحاظرٌ، ولم يتميَّز أحدُهما بِرُجْحَانٍ، فإِنه يُغلَّب جانب الحظر.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وعلى هذا فإذا كان التفسير والقرآن مستويين أُعْطِيَ حكمَ القرآن، فإن كان التفسير أكثر من القرآن ولو بقليل أُعْطِي حكم التفسير، وعلى هذا فتفسير الجلالين هل يحرم مسه إذا لم يكن القرآن في جوفه؟
طالب: نعم يحرم.
طلبة: ما يحرم.
الشيخ: ما يحرم؛ لأن التفسير أكثر من القرآن.
طلبة: القرآن أكثر من التفسير.
الشيخ: لا، إذا لم يكن في جوفه القرآن، إن كان القرآن في جوفه وهو على الهامش فمعلوم أن القرآن أكثر، لكن إذا لم يكن، فيه نسخ الآن ما فيها إلا التفسير فقط، فالتفسير أكثر من القرآن، وعلى هذا فيجوز مسه بغير طهارة.
طالب: ().
الشيخ: والله، ما أذكر أنا المسألة هذه اللي قلت.
طالب: يا شيخ، هل يجوز ().
الشيخ: (مس المصحف والصلاة)، الصلاة أيضا تحرُم على المحدِث بالنَّصِّ والإجماع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ثم علَّلَ ذلك بأن المقصود التطهير لهذه الصلاة.
وعلى هذا فالطهارة في الصلاة شرط لصحَّتها وجوازها، ولا يَحِلُّ لأحد أن يصلِّي وهو مُحْدِثٌ، لا حدثًا أصغر ولا حدثًا أكبر.
فإِن فعل وصلَّى وهو مُحْدِثٌ، فإِنْ كان مستهزئًا فهو كافر؛ لاستهزائه -والعياذ بالله-، وإنْ كان متهاونًا فقد اختلف العلماء في تكفيره؛ فمذهب أبي حنيفة ﵀ أنه يَكْفُر، ومَذْهَبُ الأئمة الثَّلاثة أنَّه لا يَكْفُر.
أبو حنيفة يقول: إنه يكفر؛ لأن مَن صلَّى مُحْدِثًا مع علمه بإيجاب الله له فهذا كالمستهزئ، والاستهزاء معلوم أنه كُفْرٌ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
وأما الآخرون فقالوا: إنَّ هذه معصية، ولا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ أنْ يكونَ مُسْتَهزئًا.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ولهذا قلنا: إِنْ تَرَكَه مستهزئًا فهو كافر، لماذا؟ لاستهزائه، وإلَّا فلا، وهذا أقرب؛ لأنَّ الأصل بقاء الإسلام، ولا يمكن أن نخرجه من الإسلام إلا بدليل.
فهذا دليل من القرآن على وجوب الطهارة للصلاة، ويلزم منه تحريمها في حال عدم الطهارة.
أما من السُّنَّة:
فقال النبي ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ»، «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ»، و«لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، والأحاديث في ذلك مشهورة في معناها وإن اختلفت ألفاظها.
وأجمع المسلمون على ذلك، أي: على أنه يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يُصَلِّيَ.
فإذن الأدلة ثلاثة: الكتاب والسنة والاجماع، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
ولكن نرجع مرة أخرى لنعرف ما هي الصلاة؟ الصلاة هي التي بَيَّنها رسول الله ﷺ، «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، هذه الصلاة كما بَيَّنَها الرسول ﵊.
فصلاة الفرائض الخمس صلاة، والجمعة صلاة، صلاة العيدين صلاة، وصلاة الاستسقاء صلاة، وصلاة الكسوف صلاة، وصلاة الجنازة صلاة؛ لأنها مُفْتَتَحة بالتكبير، مُخْتَتَمة بالتَّسليم، ينطبق عليها التعريف الشرعي، فتكون داخلة في ذلك.
وذهب بعض أهل العلم أن الصلاة هي التي يكون فيها ركوع وسجود.
وذهب آخرون إلى أن الصَّلاة هي التي تكون رَكْعَتَيْن فأكثر، إلَّا الوتر، فهو يصح ولو ركعة فهو صلاة.
ولكن القول الأول أصح؛ أن الصلاة هي كل ما يُشْرَع افتتاحه بالتكبير واختتامه بالتسليم، سواء كانت ذات ركوع وسجود أم لا.
وبناءً على هذا التعريف ننظر في سجود التلاوة وسجود الشكر، هل يكونان صلاة؟
[ ١ / ٣٨٨ ]
إن قلنا بأنه يُشْرَع لهما التكبير والتسليم فهما صلاة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة؛ أنهما أي: سجدتا الشكر والتلاوة صلاة، تُفْتَتَح بالتكبير، وتُخْتَتَم بالتسليم، ولهذا يُشْرَع عندهم أن يُكَبِّر إذا سجد، وإذا رفع، ويُسَلِّم، وبِناءً على هذا يحرُم على المحدِث أن يسجد سجدة التلاوة وهو غير طاهر، وأن يسجد سجدة الشكر وهو غير طاهر، عرفتم؟
إذن الخلاف في سجدتَي التلاوة والشكر مَبْنِيٌّ على أيش؟ على أنهما هل هما صلاة أو لا؟ فإن قلنا: إنهما صلاة، وجب لهما الطهارة، وإن قلنا: إنهما غير صلاة لم تجب لهما الطهارة.
والمتأمِّل للسنة يدرك أنهما ليسَا بصلاة؛ لأن الرسول ﵊ كان يسجد للتلاوة، ولم يُنْقَل عنه أنه كان يُكبِّر إذا سجد ولا إذا رفع، ولا يسلِّم، إلا في حديث رواه أبو داود في التكبير للسجود دون الرفع منه، ودون التسليم.
ولأن الرسول ﵊ سجد في سورة النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والمشرك لا يصح منه صلاة، وأقرَّهم النبي ﷺ على ذلك.
وهذا الأخير قد يعارِض فيه معارِض فيقول: إن سجود المشركين في ذلك الوقت قد يكون قبل فرض الوضوء؛ لأن فرض الوضوء لم يكن إلا مع فرض الصلاة، والصلاة ما فُرِضَت إلا متأخِّرة، قبل الهجرة إما بسنة أو بثلاث سنوات، فهي متأخِّرة، وما دام الاحتمال قائمًا فالاستدلال به فيه نظر.
لكن اللِّي يتأمل سجود الرسول ﵊ للشكر، سجوده عند التلاوة، يظهر أنه لا يُكَبِّر، وعليه فلا تكون سجدة التلاوة وسجدة الشكر من الصلاة، وحينئذ لا يحرُم على مَن كان محدِثًا أن يسجد للتلاوة أو للشكر على غير طهارة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وصح ذلك عن عبد الله بن عمر أنه كان يسجد للتلاوة بدون وضوء، ولكن لا ريب أن الأفضل أن يتوضأ، لا سيما وأن القارئ سوف يتلو القرآن، وتلاوة القرآن يُشْرَع لها الوضوء؛ لأنها من ذكر الله، وكل ذكر الله يُشْرَع له الوضوء.
أما سجود الشكر فإن اشتراط الطهارة له ضعيف؛ لأن سجود الشكر سببه تجدد النعم، أو اندفاع النقم، يعني أو تجدد اندفاع النقم، وهذا قد يأتي الإنسانَ وهو محدِث.
فإذا قلنا: لا تسجد حتى توضأ، فربما يطول الفصل، والحكم المعلَّق بسبب إذا تأخَّر عن سببه سقط، وحينئذ إما أن نقول: اسجد على غير وضوء، أو لا تسجد؛ لأنه يندر أن يجد الإنسان ماءً يتوضأ منه تَوَضُّؤًا سريعًا ثم يسجد.
وأما سجدة التلاوة فالذي ينبغي ألَّا يسجد الإنسان إلا وهو على طهارة، كما أنه ينبغي له أن يقرأ على طهارة.
الأمر الثالث مما يحرُم على المحدِث: الطواف بالبيت، فالطواف بالبيت سواء كان طواف نُسُك؛ كالطواف في الحج والعمرة، أو طواف تطوُّع مطلَق، كما لو قام الإنسان في سائر الأيام فيطوف، فإنه يحرُم عليه أن يطوف إلا بوضوء.
الدليل عدة أمور؛ الأمر الأول: أنه ثَبَت عن النبي ﷺ أنه حين أراد الطواف تَوَضَّأَ ثم طاف.
والثاني: أن الرسول ﷺ لما قيل له: إن صفية قد حاضت، وظن أنها لم تَطُف طواف الإفاضة قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، والحائض طاهر ولَّا غير طاهر؟
طلبة: غير طاهر.
الشيخ: غير طاهر.
الثالث: أن النبي ﷺ قال: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ، فَلَا تَتَكَلَّمُوا فِيهِ إِلَّا بِخَيْرِ».
وربما استدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
وجه الاستدلال: أنه إذا وجب تطهير مكان الطائف، فتطهيرُ بدنه من باب أولى.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فهذه أدلة أربعة استدلوا بها على وجوب الطهارة للطواف، وهو قول أكثر أهل العلم؛ على أنه لا يصح الطواف إلا بطهارة، وأنه لو طاف وهو محدِث حدثًا أصغر أو أكبر فإن طوافه لا يصح، مع أنه حرام عليه أيضًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطواف لا تُشْتَرَط له الطهارة، ولا يحرُم على المحدِث، وإنما الطهارة فيه أكمل.
قالوا في دليلهم على ذلك: إن الأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على تحريم هذا الفعل إلا بهذا الشرط. وهنا لا دليل؛ لأنهم سيناقشونهم في أدلتهم، فلم يقل النبي ﵊ يومًا من الدهر: لا يقبل الله طوافًا بغير طهور، ولم يقل: لا تطوفوا حتى تَطَهَّرُوا، وإذا كان كذلك فإننا لا نُلْزِم الناس بأمر لم يكن لنا فيه دليل بَيِّن على إلزامهم به، لا سيما في الأحوال الحرجة، كما لو انتقض وضوء الطائف في الزحمة الشديدة في أيام الموسِم، ففي هذه الحال إذا قلنا بالوجوب بطل وضوؤه، ولزمه أن يذهب ويتوضأ من جديد، ويعيد الطواف من جديد.
وأجاب هؤلاء القائلون بأنه لا تشترط الطهارة للطواف وأنه ليس بحرام، أجابوا عن أدلة القائلين بتحريم الطواف بغير وضوء، قالوا: أما فعل الرسول ﵊ فإنه مجرد فعل، والفعل المجرَّد لا يدل على الوجوب، ونحن معكم في أن الأفضل ألَّا يطوف إلا على طهارة، لكن من قال: إن من طاف لا يصح طوافه؟ نحن نوافقكم على هذا، وأن الأفضل ألَّا تطوف إلا على وضوء.
[ ١ / ٣٩١ ]
وأما قول الرسول ﵊ في صفية: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فإننا معكم في هذا، وهو أنه يحرُم على الحائض الطواف؛ لأن لكم دليلين صريحين واضحين؛ حديث صفية هذا، وحديث عائشة، قال: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، فنحن معكم في أن الحائض يحرُم عليها الطواف، ولكن الحيض ليس حدَثًا أصغر، بل هو حدَث أكبر، ثم إن الحيض سبب موجِب لمنع الحائض من الْمُكْث في المسجد، والطواف لا شك أنه مُكْث؛ لأن الإنسان سيطوف على الكعبة، فنحن معكم في أن الحائض لا تطوف.
لكن من أين نستدل بهذا على أنه لا يجوز للطائف أن يطوف وهو محدِث حدَثًا أصغر؟ وأنتم توافقوننا على أن المحدِث حدَثًا أصغر يجوز له أن يبقى في المسجد بغير وضوء، ولا يجوز للحائض أن تبقى في المسجد بغير وضوء، فهذا هو مناط حكم المنع عندنا؛ أنه المكث في المسجد.
وأما الحديث الذي يستدلون به: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ»، فإن هذا لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، كما قاله أهل المعرفة بالحديث، وإنما هو موقوف على ابن عباس ﵄، فهو مما فيه مجال للاجتهاد، وما فيه مجال للاجتهاد فإنه يُرْجَع فيه إلى الكتاب والسنة.
ثم إن هذا الحديث منتقِض؛ لأننا إذا أخذنا بلفظه: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»، فإنه على مقتضى القواعد الأصولية يقتضي أن جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلَّا ..؟
طلبة: الكلام.
الشيخ: إلا الكلام، تحريم الكلام في الصلاة ثابت، وهنا ليس بثابت، والدليل على أن جميع أحكام الصلاة تثبت له إلا الكلام أن من القواعد المقرَّرة في علم الأصول: أن الاستثناء معيار العموم، يعني: إذا جاء شيء عام ثم استُثْنِيَ منه، معناه أنه كل الأفراد يتضمنها هذا العموم، فالاستثناء معيار العموم.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ولننظر، إذا نظرنا إلى الطواف وجدنا أنه يخالف الصلاة في غالب الأحكام، في أحكام كثيرة غير مسألة الكلام، فهو أولًا يجوز فيه الأكل، ولَّا لا؟، يجوز يأكل وهو يطوف؟ لو واحد معه التمر وهو يطوف وأذَّن المغرب وهو صائم يُفْطِر ويأكل التمر ولَّا لا؟ نعم، يفطر ما فيه شيء، لكن لو كان يصلي؟