طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
فصل
تُسَنُّ زيارة القبور إلا للنساء، وأن يقول إذا زارها أو مَرَّ بها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدِمِين منكم والمستأخِرِين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم، وتُسَنُّ تعزية المصاب بالميت، ويجوز البكاء على الميت، ويحرُم الندب والنياحة وشق الثوب ولطم الخد ونحوه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل .. تُسَنُّ زيارة القبور)، تُسَنُّ، والسُّنَّة عند الفقهاء: ما أُثِيبَ فاعله ولم يعاقَب تاركه، فهي في مرتبة بين المباح والواجب، وسُنِّيَّتُهَا ثابتة بالسنة والإجماع كما نقله النووي ﵀.
أما السنة فمن قول النبي ﷺ وفعله؛ قال ﷺ: «كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (٩)، وأما فعله فقد ثبت عنه ﵌ أنه كان يخرج إلى البقيع فيُسَلِّم عليهم.
يقول: تُسَنُّ زيارة القبور، إلا للنساء فليست بسنة، فقيل: تُكْرَهُ، وقيل: تُبَاحُ، وقيل: تَحْرُمُ، وقيل: من الكبائر، أربعة أقوال؛ تُبَاح، تُكْرَه، تَحْرُم، كبيرة.
[ ١ / ٢٨٢٨ ]
والمشهور من المذهب عند الحنابلة أنها تُكْرَه، والكراهة عندهم للتنزيه، يعني فلو زارت المرأة القبور فإنه لا إثم عليها.
والصحيح أنها من كبائر الذنوب، ودليل ذلك أن النبي ﵌ لعن زائرات القبور، واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا وعيد شديد.
أما من جهة النظر فلأن المرأة ضعيفة التحمل، قوية العاطفة، سريعة الانفعال، لا تتحمل أن تزور القبر، وإذا زارته حصل لها من البكاء والعويل، وربما شق الجيوب، ولطم الخدود، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك، ثم إذا ذهبت وحدها إلى المقابر فالغالب أن المقابر تكون في مكان خالٍ في أطراف البلد، يُخْشَى عليها من الفتنة أو العدوان عليها، فكان القياس، وهو النظر الصحيح، موافقًا للأثر، وهو مَنْعُها من زيارة القبور ولَعْنُها.
استثنى الأصحاب -يعني الفقهاء؛ فقهاء الحنابلة- استثنوا قبر النبي ﵌، وقبري صاحبيه، وقالوا: إن زيارة النساء لهذه القبور الثلاثة لا بأس بها، وعَلَّلُوا ذلك بأن زيارتهن لهذه القبور الثلاثة لا يصدق عليها أنها زيارة؛ لأن بينها وبين هذه القبور ثلاثة جُدُر، كما قال ابن القيم:
فَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ
وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَانِ
فهن وإن وقفن على الحجرة لم يَصِلْنَ إلى القبر، فلا تكون زيارتهن زيارة حقيقية، وعلى هذا فيُسْتَثْنَى من قوله: (إلا للنساء) أيش؟ قبر النبي ﵌ وقَبْرَا صاحبيه.
[ ١ / ٢٨٢٩ ]
والذي يترجح عندي أنه لا استثناء؛ لأن وصولهن إلى محل القبور إما أن يكون زيارة أو لا يكون، فإن كان زيارة وقعن في الكبيرة، وإن لم تكن زيارة فلا فرق بين أن يحضرن إلى مكان القبر، أو أن يُسَلِّمْنَ على النبي ﵌ من بعيد، وحينئذ يكون مجيئهن إلى القبور لغوًا لا فائدة منه، بل في زمننا هذا قد يكون هناك مزاحمة للرجال، وأعمال لا تليق بالمرأة في مسجد النبي ﵌.
فإن قال قائل: ما تقولون في حديث عائشة ﵂ أنها زارت قبر أخيها (١٠)؟
قلنا: إن قول النبي ﷺ لا يعارَض بقول أحد كائنًا مَن كان، وها هي عائشة تقول: شَبَّهْتُمُونَا بالحمير والكلاب (١١)، يعني في قطع الصلاة إذا مَرَّت المرأة من بين يدي المصلي، مع أن النبي ﵌ صرَّح بأن هذه الثلاثة: الكلب الأسود، والحمار، والمرأة، تقطع الصلاة، فهي ﵂ غير معصومة، ولا يمكن أن يُسْتَدَلَّ بفعلها على قول النبي ﵌.
فإن قيل: ما تقولون في حديثها الثابت في صحيح مسلم حين فقدت النبي ﵌ ذات ليلة وطلبته، ثم أدركته في البقيع، خرج في البقيع يسلِّم عليهم، ثم رجع من البقيع، ورجعت هي قبله، حتى أدركها في البيت، ثم سألها: ما لها حَشْيَا رَابِيَة، يعني قد ثار نَفَسُهَا، فأخبرته وقالت: يا رسول الله، أرأيت -يعني إن خرجت- ماذا أقول؟ قال: قولي: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ». (١٢) إلى آخره؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: يُفَرَّقُ بين المرأة إذا خرجت لقصد الزيارة، وإذا مَرَّت بالمقبرة بدون قصد الزيارة، فإذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج أن تُسَلِّم على أهل القبور، وأن تدعو لهم بما قاله النبي ﵌ لعائشة، وأما إذا خرجت لقصد الزيارة فهذه زائرة للمقبرة، فيصدق عليها اللعن.
[ ١ / ٢٨٣٠ ]
فإن قيل: ما تقولون في اللفظ الوارد في الحديث: لَعَنَ زوَّاراتِ القبور والْمُتَّخِذِين عليها المساجد والسُّرُج (١٣)، (زوَّارَات) بصيغة المبالغة؟
فالجواب أن نقول: إن الحديث ورد بلفظين: (زَائِرَات) و(زَوَّارَات)، فإن كانت (زَوَّارَات) للنسبة، فلا إشكال، وإن كانت للمبالغة فإن لفظ (زائرات) فيه زيادة علم، فيؤخذ به؛ لأن (زائرات) يصدق بزيارة واحدة، و(زَوَّارَات) بالكثير للمبالغة.
ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلَّقًا بزيارة واحدة ومعلَّقًا بزيارات متعددة، فإن مع المعلّق بزيارة واحدة أيش؟ زيادة علم؛ لأنه يحق الوعيد على مَن زَارَ مرة واحدة على لفظ (زَائِرَات) دون لفظ (زَوَّارَات)، فيكون مع لفظ (زَائِرَات) زيادة علم، فيؤخذ به، لكن لو أخذنا بـ (زَوَّارَات) ألغينا دلالة (زَائِرَات).
وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ على هذه المسألة في الفتاوى مجموع ابن قاسم كلامًا جيدًا ينبغي لطالب العلم أن يراجعه، وبَيَّن أو وذَكَر أظن ثمانية أوجه في الرد على مَن قال: إن النساء يُسَنُّ لهن زيارة القبور، فراجِعُوه فإنه مفيد جدًّا.
قال: (تُسَنُّ زيارة القبور إلا للنساء، ويقول: إذا زارها)، نقول: يقولُ، أو ويقولَ؟ إن جعلنا الواو للاستئناف قلنا ..
طالب: بالرفع.
الشيخ: بالرفع؛ يقولُ، وإن جعلناها عطفا على (زيارة) قلنا: ويقولَ؛ لأن المضارع إذا عُطِفَ على اسم خالص نُصِبَ.
قال ابن مالك:
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ
تَنْصِبُهُ أَنْ ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ
(وإن على اسم خالص فِعْلٌ عُطِفْ)، يعني المضارع، (تنصبه أنْ ثابتًا)، يعني ثابتة، (أو منحذف) محذوفة.
واستشهدوا لذلك بقول الشاعر:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
قوله: (لُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ) بالنصب؛ لأنها معطوفة على أيش؟ على (لُبْس) على اسمٍ خالص مصدر، هنا: ويقولَ، عطف على؟
طالب: زيارة.
[ ١ / ٢٨٣١ ]
الشيخ: زيارة، فعليه يكون المعنى: ويُسَنُّ أن يقول، أما إذا جعلناها بالرفع فهي مستأنفة.
(ويقولَ إذا زارها أو مر بها)، (إذا زارها) يعني قصد زيارتها وخرج إليها، (أو مر بها) مرورًا قاصدًا غيرها.
(السلام عليكم دار قوم مؤمنين)، السلام اسم من أسماء الله، كما في آخر سورة الحشر: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، لكنه في التحية لا يُرَاد به اسم الله، وإنما يُرَاد به التسليم، فهو اسم مصدر كالكلام بمعنى أيش؟ التكليم، والمعنى: التسليم عليكم، أي: الدعاء بالسلامة عليكم، والسلامة بالنسبة لأهل القبور قد يَصْعُب على الإنسان تَصَوُّرُها، يسلمون من أيش؟ من المرض؟ لا، لكن من العذاب، قد يكون الإنسان في قبره مُعَذَّبًا ولو عذابًا خفيفًا، فإذا سألت الله له السلامة سَلِم، ثم أنت الآن تُسَلِّم على عموم القبور، السلام عليكم.
وقوله: (السلام عليكم) أتى بكاف الخطاب، فهل الكاف هذه تدل على أنهم يسمعون؟ لأنه لا يخاطَب إلا مَن يسمع، ما لم يقم دليل ظاهر على أن المخاطَب لا يسمع، وإنما قلت: ما لم يقم دليل ظاهر؛ لئلا يُورِدَ علينا مُورِد قولَ عمر ﵁ للحجر الأسود: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﵌ يُقَبِّلُك ما قَبَّلْتُك (١٤).
فهنا خاطبه وهو حَجَر، لكن أهل القبور هل هم يخاطَبون مخاطبة الحجر، أو مخاطبة السامع؟
الظاهر الثاني، وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح حديثًا عن النبي ﷺ يتضمن أن «مَنْ سَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا رَدَّ اللهُ عَلَى صَاحِبِ الْقَبْرِ رُوحَهُ فَرَدَّ ﵇» (١٥)، فلا يبعد أن يكون أهل المقبرة عمومًا إذا سلم عليهم يسمعون.
[ ١ / ٢٨٣٢ ]
ولا نقيسهم بالحجر الأسود؛ لأن الحجر الأسود عندنا دلالة حسية ملموسة، وهي أنه حجر، حتى ولو كان حجرًا فإنه يسمع، قال الله تعالى عن الأرض عمومًا: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٤، ٥] ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، أي: ما عُمِلَ عليها من خير أو شر، سواء كان قولًا مسموعًا أو فعلًا مرئيًّا تُحَدِّث به يوم القيامة، الجلود تنطق، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء.
فلا تستبعد هذه الأمور؛ لأن قدرة الله ﷿ لا يمكن أن يدركها العقل، فلا يبعد أنك إذا قلت لأهل المقبرة: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنهم يسمعون.
وقوله: (دار قوم مؤمنين)، (دار قوم) يعني: يا دار قوم، والمراد بالدار هنا أهلها، كما في قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والمراد أهلها.
(وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، لاحقون على أيش؟ بالموت، يعني: إذا قلنا: لاحقون بالموت، ورد علينا إشكال، وهو تعليق ذلك بمشيئة الله مع أنه مُحَقَّق، والمحقق لا يحتاج إلى تعليق بالمشيئة، التعليق بالمشيئة لأمر لا يُدْرَى عنه فيُوكَل إلى الله ﷿، أما هذا ما فيه شك، كيف تعلق بالمشيئة وأنت تعلم أنه حاصل ولا بد، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُم﴾ [الجمعة: ٨]، ليس لاحقًا لكم، شو الآية؟ ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُم﴾، ولم يقل: فإنه لاحقكم؛ لأن اللاحق قد يُدْرِك وقد لا يدرك، لكن اللاقي؟
طلبة: ().
الشيخ: مدرك لا محالة، نسأل الله أن يميتنا وإياكم على الحق.
المهم أنه يَرِد إشكال: تعليق الشيء المحقَّق بالمشيئة غير وارد ولا مشروع، فقيل في التخلص من هذا الإيراد: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون على الإيمان، فيكون لحوقًا معنويًّا لا حسيًّا، بدليل قوله: (دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) على الإيمان، أعرفتم؟
[ ١ / ٢٨٣٣ ]
وحينئذ إذا كان المقصود لاحقون على الإيمان فالمشيئة مشروعة، تعليق ذلك بالمشيئة مشروع، ولكن يمكن أن نقول: لاحقون على الإيمان وعلى الموت، مع أن الذي يتبادر لزائر القبور الذي يقول: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون؟
طلبة: الموت.
الشيخ: الموت، هذا المتبادر، فنقول: أمَّا إذا فَسَّرنا اللحاق باللحاق على الإيمان فلا إشكال، وإذا فسرنا اللحاق باللحاق على الموت، فالجواب عن ذلك أن نقول: إن التعليق هنا تعليل، وليس تعليقًا. تعليل، أي أن لحوقنا إياكم سيكون بمشيئة الله، أو يكون التعليق هنا ليس على أصل الموت، ولكن على وقت الموت.
طلبة: ().
الشيخ: فرق ولَّا ما فيه فرق؟
طلبة: فيه فرق.
الشيخ: ليس على أصل الموت؛ لأنه محقق، لكن على وقت الموت، كأنه قال: وإنا إذا شاء الله، يعني متى ما شاء الله لحقنا بكم، فيكون التعليق على أيش؟
طلبة: على الوقت.
الشيخ: على وقت الموت، يعني: سنلحق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، وتعليق هذا بالمشيئة واضح؛ أننا لن نموت إلا إذا شاء الله موتَنا في أي وقت، فهذه ثلاثة أجوبة:
الأول: أن المراد اللحاق على الإيمان.
الثاني: أن المراد باللحاق أصل الموت، لكن التعليق؟
طلبة: للتعليل.
الشيخ: للتعليل
الثالث: أن المراد بالتعليق؟ التعليق بالوقت، يعني وقت الموت، كأنه قال: وإنا متى شاء الله أن نلحق بكم لحقنا بكم، والمقصود من هذه الجملة توطين النفس على ما صار إليه هؤلاء من أجل تحقيق التَّذَكُّر.
ثم قال: (يرحم الله المستقدِمين منكم والمستأخِرِين)، جملة خبرية، لكنها خبرية لفظًا إنشائية معنًى، يعني: نسأل الله أن يرحم المستقدِمين منكم والمستأخِرِين.
(نسأل الله لنا ولكم العافية)، العافية من أيش؟ أما بالنسبة لنا فإن عافيتنا عافية حسية كعافية البدن، وعافية معنوية من الذنوب والمعاصي، أما العافية لأهل القبور فهي العافية من عذاب القبر.
(اللهم لا تحرمنا أجرهم) أي أجر؟ أَجْرُنا على الأموات متعدد:
[ ١ / ٢٨٣٤ ]
أولًا: الحزن على الأموات، فكم من ميت في هذه المقبرة قد حزنت عليه، إما لقرابة، أو صداقة، أو نفع، أو غير ذلك، ولا شك أن الإنسان إذا أُصِيبَ بِمُصاب وتحمَّل فله أيش؟ فله أجر، إذا أصيب بمصاب به وتحمل فله أجر.
ثانيًا: أجر الزيارة، (لا تحرمنا أجرهم) أي: أجر الزيارة لهم؛ لأن زيارتنا لهم سنة أمر بها النبي ﵌ وفعلها بنفسه، فنحن نفعلها امتثالًا واقتداء؛ امتثالًا لأمره، واقتداء بفعله ﵊.
(ولا تَفْتِنَّا بعدهم)، هذه جملة عظيمة، تسأل الله ألَّا يفتنك بعدهم؛ لأن الإنسان قد يُفْتَتَن بعد موت أقاربه وأصحابه وأصدقائه ومشائخه، وغير ذلك، قد يفارقون هذا الرجل مستقيمًا ثم يُفْتَن، وبالعكس.
فأنت تسأل الله ألَّا يفتنك بعدهم، يفتنك بشبهات تعرض لك، أو بإيرادات سيئة، وهي فتنة الشهوات تعرض لك، والإنسان ما دامت روحه في جسده فهو مُعَرَّض للفتنة، نعوذ بالله من الفتن.
يُذْكَر أن الإمام أحمد ﵀ في سياق الموت يُغْمَى عليه ويُسْمَع يقول: بعد، بعد، فلما أفاق قيل له: يا أبا عبد الله، ما بعد بعد؟ قال: رأيت الشيطان أمامي يَعَضُّ على يديه يقول: فُتَّنِي يا أحمد، يعني: عَجَزْتُ أن أدركك وأغويك، فأقول: بعد بعد، يعني: ما دامت الروح في الجسد فالإنسان على خطر.
ويدل لهذا قول النبي ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ» (١٦).
[ ١ / ٢٨٣٥ ]
ولهذا أوصي نفسي وإياكم أن تسألوا الله دائمًا الثبات على الإيمان، وأن تخافوا؛ لأن تحت أرجلكم مزالق وهوة إذا لم يُثَبِّتْكُمُ الله ﷿ وقعتم في الهلاك، واسمعوا قول الله ﷿ لرسوله أثبت الخلق وأقواهم إيمانًا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، تميل ميلًا قليلًا ﴿إِذًا﴾ يعني لو فعلت ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٥]، خطاب شديد للرسول ﵊.
فإذا كان هذا للرسول ﵌ فما بالنا نحن، نحن ضعفاء الإيمان واليقين، تعترينا الشبهات والشهوات، ونحن على خطر عظيم، لهذا أدعوكم مرة ثانية ونفسي أن تسألوا الله دائمًا الثبات على الحق، وألَّا يزيغ قلوبكم، وهذا هو دعاء أولي الألباب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: ٨].
قال: (ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفر لنا ولهم)، الغَفْر ستر الذنب مع التجاوز عنه، يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأنه مشتق من أيش؟
طلبة: من الْمِغْفَر.
الشيخ: من الْمِغْفَر، وهو ما يوضع على الرأس أيام القتال من أجل وقاية السهام، فهو ساتر واقٍ، فالمغفرة ستر الذنب مع العفو والتجاوز عنه، (واغفر لنا ولهم).
يقول: (وتُسَنُّ تعزية المصاب بالميت)، تُسَنُّ، عرفتم معنى السنة، وهي التي يُثَابُ فاعلها ولا يعاقَب تاركها، والتعزية هي التقوية، يعني تقوية المصاب على تحمل المصيبة، وذلك بأن نورد له من الأدعية والنصوص الواردة في فضيلة الصبر ما يجعله يتسلَّى وينسى المصيبة، هذا هو المقصود بالتعزية.
[ ١ / ٢٨٣٦ ]
لا المقصود بالتعزية أن نأتي إليه لنثير أحزانه، كما يفعل بعض الناس؛ يجيء يعزيه مثلًا بابنه ميت يقول: والله هذا الولد شاب صالح ()، الحقيقة إنه () على الموت، وما أشبه ذلك من الكلام، صحيح هذا موجود، وتلقى له أخ منحرف ربما يقول بعض الناس ()، صحيح، أنا أقول شيئًا أسمع عنه، هل هذه تعزية؟ ما هي تعزية، هذه تزيد الإنسان.
ولما خرجوا بعقيل بن علي بن عقيل أحد الفقهاء الحنابلة، وكان هذا الولد طالب علم جيدًا، خرجوا به، وخرج الناس يعني احتفاءً به وقضاءً لحقه ولحق أبيه، قام رجل بأعلى صوته يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِين﴾ [يوسف: ٧٨]، شوف كيف؟ فزجره ابن عقيل ﵀ وقال: يا هذا القرآن نزل لتسكين الأحزان لا لتهييج الأحزان، وكلامك هذا يهيج الأحزان، فنهاه.
فالتعزية ليست لأجل أن تهيِّج أحزانه وتُنَدِّمَه على ما حصل، التعزية أن تُقَوِّيَه على الصبر والتحمل، وما لفظها؟ أحسن لفظ للتعزية ما اختاره النبي ﵌، أرسلت إليه إحدى بناته تقول إن عندها طفلًا، يعني محتضَرًا، فجاء الرسول إلى النبي ﵌، وقال له يعني يحضر، فقال له: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى»، أو قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» (١٧)، شوف الكلام؟
[ ١ / ٢٨٣٧ ]
هذا اللي يجعل الإنسان يطمئن، إِنَّ لِلَّهِ ما أخذ وله ما أعطى، صح ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٢٠]، ولدك الذي أُصِبْتَ به ليس لك، بل هو لله، حبيبك الذي أُصِبْتَ به ليس لك، بل هو لله، أبوك الذي أُصِبْتَ به ليس لك، بل هو لله، وهكذا، إن لله ما أخذ وله ما أعطى.
ثم مع ذلك ليست المسألة فوضى، كل شيء عنده بأجل مسمى معين، إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، والمكتوب لا بد أن يقع، أبدًا لا يمكن أن يتغير عما كان عليه إطلاقًا، يعني لا تندم تقول: والله ليت ما تركته بلا معالجة، ليت عالجته، وما أشبه ذلك، لا تقل هذا؛ لأن هذا شيء مكتوب على ما وقع، فقال: «كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ» على هذه المصيبة.
وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ
لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
الصبر شديد لكن عواقبه حميدة، «وَلْتَحْتَسِبْ»، ما معنى تحتسب؟ يعني تحتسب الأجر على الله ﷿؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، هذا هو العزاء.
أما ما يفعله بعض الناس -نسأل الله السلامة- يجيء يعزي يقول: هذا الذي فيه، هذا اللي يجيب الخضار، هذا اللي يجيب الطعام، هذا اللي يجيب كذا، هذا اللي يجيب كذا، الله يخلف علينا مَن لنا غيره، وهكذا، هذا يخلي اللي ما يبكي يبكي، ويزداد حزنًا.
ولهذا يقول المؤلف: (تعزية المصاب) ثم إن المؤلف قال: (تعزية المصاب) ولم يقل: تعزية القريب، لماذا؟
من أجل الطرد والعكس، كل مصاب ولو بعيدًا فإنه؟
طالب: يُعَزَّى.
[ ١ / ٢٨٣٨ ]
الشيخ: يُعَزَّى، وكل مَن لم يُصَبْ ولو قريبًا فإنه لا يُعَزَّى، العبارة طرد وعكس، مَنْ أُصِيبَ فَعَزِّهِ، ومن لم يُصَب فلا تُعَزِّه، فإذا قَدَّرْنَا أن هناك ولدًا شريرًا قد آذى أباه وآذى أهله ثم مات وإذا وجه أبيه تبرق أساريره، يقول: الحمد لله الذي أراحنا منه، نجيء نعزيه ولَّا لا؟ الناس يُعَزُّونَه الآن؛ لأنه أبوه، فيجعلون العلة في التعزية هي القرابة، وهذا خطأ.
أو شخصًا آخر ابن عم بعيد مات ابن عمه الذي عنده ملايين من الدراهم وهو فقير، يأتي إليه كل يوم -لهذا الذي مات- يقول: أنا والله فقير، أنا ما عندي عشاء لعيالي، ولا عندي كذا ولا، يقول: روح وراك، أنا عارف اللي نعطيه، فإذا مات ابن عمه ماذا تكون حاله؟
طالب: سيفرح.
الشيخ: في ظني -والعلم عند الله- إنه سيفرح؛ لأنه أتعبه في حياته، والآن بيكون كل ماله، حتى ما له ولا صاحب فرض، ما له زوج، ولا له أم، ولا أب، ولا شيء مين بيرثه؟
طلبة: ابن العم.
الشيخ: ابن العم، فيفرح، هل نعزي هذا ولَّا نهنئه؟ إذن العلة ما هي؟
طلبة: المصاب.
الشيخ: المصيبة، ولهذا قال العلماء: إذا أُصِيبَ الإنسان ثم نسي مصيبته لطول الزمن مثلًا فإننا لا نعزيه؛ لأننا إذا عَزَّيْنَاه بعد طول الزمن فهذا يعني أننا جَدَّدْنَا له المصيبة والحزن.
طالب: شيخ، الدعاء في زيارة القبور، من الدعاء: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين
هل فيه فرق بين المسلمين و..؟
الشيخ: إي نعم، من المسلمين والمؤمنين، أما على القول بأن الإسلام والإيمان شيء واحد فعطفهما من باب عطف المترادف، كقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
وأما على القول الراجح أنهما إذا اجتمعا افترقا، فمن المعلوم أن الذين في المقابر منهم مؤمن ومنهم مسلم، يعني: لم يدخل الإيمان إلى قلبه، يعني لم يكن إيمانه قويًّا.
طالب: المنافق.
[ ١ / ٢٨٣٩ ]
الشيخ: لا، المنافق ما يدخل في هذا؛ لأن المنافق ما يجوز الدعاء له، ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
الطالب: ومات على هذا فهو مؤمن.
الشيخ: لا، ناقص الإيمان، يكون مسلمًا، وليس بمؤمن.
طالب: () وارد وقال: إن الحكم متعلق.
الشيخ: وارد؟
الطالب: لا، مُورِد.
الشيخ: مُورِد، نعم.
الطالب: الحكم متعلق بالعلة، فإن وُجِدَت العلة تجد الحكم، وإن لم توجد العلة لم تجد الحكم، فيقول مثلًا () مقابر المسلمين إذ إنها زالت العلة فيها البكاء على () المسلمين أو الدعاء لهم ()، هل نقول: هذا يجوز؟
الشيخ: إي بالنسبة للنساء؟
الطالب: بالنسبة للنساء.
الشيخ: زيارة النساء لقبر الرسول هو إذا عللنا بعلة إذا كانت مستنبطة فالعبرة بعموم الحكم، أما إذا كانت منصوصة فهي التي يتبعها الحكم، وهذه المسألة ينبغي لكم أن تعرفوها، وقد قلناها كم مرة، العلة المنصوصة يتبعها الحكم، والعلة المستنبطة لا يتبعها الحكم؛ لأنه يجوز أن تكون العلة غير الذي فهمناه، أليس كذلك؟
طالب: لو قال قائل يا شيخ: سماع أهل القبور أمر غيبي، والأمور الغيبية لا بد من أدلة صريحة، وجاء ما يخالف أيضًا سماع أهل القبور.
الشيخ: مثل ..
الطالب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ [فاطر: ٢٢].
الشيخ: أحسنت.
الطالب: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦].
الشيخ: هذه الأخيرة ما لها دخل، الأولى ..
الطالب: ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦].
الشيخ: نعم ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ صح.
الطالب: يستجيبون.
الشيخ: نعم.
الطالب: والذين لا يسمعون لا يستجيبون.
[ ١ / ٢٨٤٠ ]
الشيخ: معلوم، لكن ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، هل كان الرسول يخرج إلى المقابر يدعوهم حتى نقول: إنك لا تُسْمِعُهُم؟ لا، فالمراد بالموتى هنا موتى القلوب، يعني هؤلاء بمنزلة الموتى الذين لا يستجيبون.
الطالب: لكن لو قال قائل يا شيخ: إن هذا جاء خاصًّا بالرسول، مما يدل على أنه خاص.
الشيخ: كيف الرسول يقول: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْمَقَابِرَ فَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ». (١٢)
الطالب: لا، أقول: إنه ثبت أن النبي ﵊ إذا سُلِّمَ عليه يرد السلام.
الشيخ: لا، حتى اللي غيره الذي صححه ابن عبد البر، وأقرَّه ابن القيم عام، كل رجل يعرفه في الدنيا يسلِّم عليه.
ما حكم زيارة القبور، وما الحكمة منها؟
طالب: حكمها سنة.
الشيخ: سنة، وما الحكمة منها؟
الطالب: الحكمة منها قال ﷺ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ». (٩)
الشيخ: الحكمة منها أنه تُذَكِّرُ الآخرة، كما قال النبي ﵌.
ماذا يقول إذا زارها؟
طالب: يقول إذا زار القبور: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون ().
الشيخ: يرحم الله المستقدِمين منكم ..
الطالب: والمستأخِرين.
الشيخ: كَمِّل: اللهم ..
الطالب: اللهم لا تَفْتِنَّا بعدهم.
الشيخ: لا تحرمنا أجرهم.
الطالب: ().
الشيخ: نسأل الله لنا ولكم العافية.
زيارة القبور سنة لمن؟
طالب: سنة للرجال دون النساء.
الشيخ: دون النساء.
ما حكم زيارة النساء للقبور؟
الطالب: اختلف فيها أهل العلم على أربعة أقوال؛ قول: مباح، والقول الثاني: تُكْرَه، وهو المشهور من المذهب، والقول الثالث: أنها حرام، والقول الرابع أنها كبيرة من الكبائر، وهو الصحيح الأخير.
الشيخ: وفيه قول خامس أنها سنة للنساء، ما ذكرتُه لكم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، فيه من يقول: إن حكم النساء حكم الرجال في هذا.
ما حكم تعزية أقارب الميت؟
طالب: فرض كفاية.
[ ١ / ٢٨٤١ ]
الشيخ: تعزية أقارب الميت فرض كفاية؟
طالب: سنة.
الشيخ: سنة؟ تعزية أقارب الميت سنة؟ وأين أنت، ما أنت معنا؟
طالب: يُسَنُّ تعزية المصاب بالميت، وليس كل أقاربه، فقد يكون من أقاربه ..
الشيخ: الحكم معلَّق بالمصاب، كذا؟ إذن تعزية المصاب، سواء من الأقارب أو من غير الأقارب، لا مَن لم يُصَب ولو كان من الأقارب.
كيف يُعَزَّى المصاب؟
طالب: أحسن الله إليك، أحسن ما يُعَزَّى به ما عزى به النبي ﷺ حينما أرسل له إحدى بناته، وكان عندها ابن في النزع، فقال للرسول: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى».
الشيخ: تمام، أحسن صيغة للتعزية ما قاله النبي ﵌ قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» (١٨)، وهل يُجْتَمَع لها ويُتَلَقَّى الوفود من كل جانب؟
طالب: ما بحثناه.
الشيخ: نعم، ما بحثناه.
طالب: بحثناه.
الشيخ: يلّا، اللي يقول: بحثناه، يأتي بما بحثنا.
طالب: الصحابة يعدونها من النياحة، ومن البدع.
الشيخ: كانوا يعدون صُنْعَ الطعام والاجتماع عليه من النياحة، وصرح بعض العلماء بأنها بدعة، هذا إذا خلت مما يخالطها من فعل بعض الناس؛ اجتماع رجال ونساء، وصياح وعويل، وقارئ يقرأ، وما أشبه ذلك، حتى إنك تمر بالدار وكأنها دار عرس، فهذا لا شك أنه مُنْكَر، وأنه يجب على طلبة العلم أن يُنَبِّهُوا العامة عليه حتى يتركوه.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم الندب).
طالب: هل يجوز البكاء؟
[ ١ / ٢٨٤٢ ]
الشيخ: ويجوز البكاء على الميت؛ لأن النبي ﵌ بكى على ابنه إبراهيم، وقال: «الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا -أَوْ قَالَ: الرَّبَّ- وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (١٩)، وبكى عند قبر إحدى بناته وهي تُدْفَن.
ولكن هذا في البكاء الذي تمليه الطبيعة، ولا يتكلفه الإنسان، فأما الدعاء المتكلَّف فأخشى أن يكون من النياحة التي يُحْمَل عليها قول النبي ﵊: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (٢٠)، «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ» يعني في قبره، «بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فإن هذا الحديث صح عن النبي ﵌.
وقد اختلف العلماء في تخريج هذا الحديث، وقالوا: كيف يُعَذَّبُ الإنسان على عمل غيره، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولأن تعذيب الإنسان بعمل غيره ظلم له؛ فإنه عقوبة لغير الظالم بفعل الظالم، وهذا ينافي عدل الله وحكمة الله ﷿، فكيف يكون هذا الأمر؟
وأجيب بأجوبة، منها: أن هذا في حق مَن أوصى به، أي قال لأهله: إذا مِتُّ فابكوني.
وقيل: هذا في حق مَن كانت عادتهم، أي من كان في قوم عادتهم البكاء ولم ينهَ أهله عنه، فيكون كأنه أَقَرَّهُم على ما اعتاده الناس من هذا الأمر.
وقيل: إن هذا في الكافر يعذَّب ببكاء أهله عليه.
وقيل: إن التعذيب ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب ألم، تعذيب مَلَلٍ وشبهه، ولا يلزم من التعذيب الذي من هذا النوع أن يكون عقوبة، ويشهد لذلك قول النبي ﵌: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» (٢١)، مع أن المسافر لا يعاقَب، لكنه يهتم للشيء ويتألم به، فهكذا الميت يعلم ببكاء أهله عليه فيتألم ويتعذب رحمةً بهم، وكونهم يبكون عليه، وليس هذا من باب العقوبة.
[ ١ / ٢٨٤٣ ]
وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة؛ أن يقال: إن العذاب لا يلزم منه العقوبة، ولا يراد به العقوبة، ويؤتى بالشاهد أن السفر قطعة من العذاب، ولكن هذا في غير البكاء الذي تمليه الطبيعة، ويحصل للإنسان بدون اختيار، فإن مثل هذا لا يؤلم أحدًا؛ لأنه مما جرت به العادة، حتى الإنسان لا يتألم إذا رأى المصاب يبكي هذا البكاء المعتاد، وإنما يتألم إذا بكى بكاء متكلَّفًا أو زائدًا عن العادة، فإنه يتألم ويرحم هذا الباكي.
إذن البكاء على الميت حكمه الجواز إذا كان مما أملته الطبيعة لا متكلَّفًا، فإن كان متكلَّفًا فإني أخشى أن يكون من النياحة.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويحرم الندب).
بقينا قبل أن نتجاوز البكاء، هل يجوز للمصاب أن يُحِدَّ على الميت بأن يترك تجارته، أو يترك ثياب الزينة، أو يترك الخروج للنزهة، أو ما أشبه ذلك؟
والجواب: أن هذا جائز في حدود ثلاثة أيام فأقل، إلا على الزوجة، فإنه يجب عليها أن تُحِدَّ مدة العدة؛ أربعة أشهر وعشرة أيام، إن لم تكن حاملًا، وإلى وضع الحمل إن كانت حاملًا.
وإنما جاز هذا الإحداد لغير الزوجة لإعطاء النفوس بعض الشيء مما يُهَوِّن عليها المصيبة؛ لأن الإنسان إذا أصيب ثم كُبِتَ بأن قيل: اخرج وامشِ على ما أنت عليه، فإنه ربما تبقى المصيبة في قلبه.
ولهذا يقال: إن من جملة الأدب والتربية بالنسبة للصبيان أنه إذا أراد أن يصيح خَلُّوه يصيح أحسن، من أجل أن يرتاح؛ لأنه يُخْرِج ما في قلبه، وهو وإن صاح مدة قصيرة ثم سكت بنفسه فإنه يذهب ما في نفسه، لكن لو سَكَّتَّه أنت صار عنده كَبْتٌ وانكماش نفسي.
فكذلك رَخَّصَ الشرع للإنسان أن يُحِدَّ دون الثلاث، أما ما زاد على الثلاث فلا يجوز إلا لذات الزوج.
لكن هل يجوز أن يُحِدَّ في أمر يلحقه به ضرر، أو يلحق عائلته به ضرر، مثل أن يكون رجلًا مُتَّجِرًا، ولو عطَّل التجارة لتضررت كفايته؟ نقول: لا، هذا ليس مباحًا، فهو إما مكروه وإما مُحَرَّم.
[ ١ / ٢٨٤٤ ]
يقول: (ويحرُم الندب، والنياحة، وشق الثوب، ولطم الخد، ونحوه)، (يحرم الندب)، الندب هو تعداد محاسن الميت، لكن بحرف النُّدْبَة وهي: وا، فيقول: وا سيداه، وا مَن يأتي لنا بالطعام والشراب، وا مَن يخرج بنا للنزهة، وا من يفعل كذا وكذا، هذا الندب، وإنما سُمِّيَ ندبًا كأن هذا المصاب نَدَبَهُ ليحضر، بحرف موضوع للندبة، وهي وا، كما قال ابن مالك في الألفية:
وَوَا لِمَنْ نُدِبْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما النياحة فهي أن يبكي ويندب برنة تشبه نياحة الحمام؛ لأن هذا يُشْعِرُ بأن هذا الرجل أو هذا المصاب مُتَسَخِّط من قضاء الله وقدره، فلهذا ورد الوعيد الشديد على مَن فَعَلَ ذلك، حيث قال النبي ﵊: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (٢٢)، نسأل الله العافية.
وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالبًا في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت.
وكذلك يحرم شق الثوب، كما يجري من بعض المصابين يشقون ثيابهم، إما من أسفل، وإما من فوق، وكان من المعتاد عند بعض الناس أنه يشق جيبه هكذا، إشارة إلى أنه عجز عن تحمل الصبر على هذه المصيبة.
كذلك لطم الخد، كيف لطم الخد؟ يعني أن تلطم خد المصاب؟
طالب: خد نفسك.
الشيخ: لا، أن تلطم خد نفسك؛ لأن بعض المصابين من شدة إصابته يأخذ يلطم نفسه يضرب بخده الأيمن ثم الأيسر، ثم الأيمن ثم الأيسر، كأنما يصنع خُبْزَهُ، هذا حرام ولا يجوز، وكذلك أيضًا لو لطم غير الخد، بأن لطم الرأس، أو ضرب برأسه الجدار، وما أشبه ذلك، فكل هذا من المحرَّم.
ومن ذلك أيضًا يقول المؤلف: (ونحوه)، مثل نتف الشعر، يأخذ بشعر رأسه وينتفه؛ لأن هذا كله يدل على تَسَخُّطِهِ من هذا، وقد تَبَرَّأَ النبي ﷺ من أمثال هؤلاء.
[ ١ / ٢٨٤٥ ]
ويَحْرُمُ الندْبُ والنياحةُ وشَقُّ الثوبِ ولَطْمُ الْخَدِّ ونحوُه.
لكن هل يجوز أن يُحِدَّ في أمر يلحقه به ضرر، أو يلحق عائلته به ضرر، مثل أن يكون رجلًا مُتَّجِرًا، ولو عطَّل التجارة لتضررت كفايته؟ نقول: لا، هذا ليس مباحًا، فهو إما مكروه وإما مُحَرَّم.
يقول: (ويحرُم الندب، والنياحة، وشق الثوب، ولطم الخد، ونحوه)، (يحرم الندب)، الندب هو تعداد محاسن الميت، لكن بحرف النُّدْبَة وهي: وا، فيقول: وا سيداه، وا مَن يأتي لنا بالطعام والشراب، وا مَن يخرج بنا للنزهة، وا من يفعل كذا وكذا، هذا الندب، وإنما سُمِّيَ ندبًا كأن هذا المصاب نَدَبَهُ ليحضر، بحرف موضوع للندبة، وهي وا، كما قال ابن مالك في الألفية:
وَوَا لِمَنْ نُدِبْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما النياحة فهي أن يبكي ويندب برنة تشبه نياحة الحمام؛ لأن هذا يُشْعِرُ بأن هذا الرجل أو هذا المصاب مُتَسَخِّط من قضاء الله وقدره، فلهذا ورد الوعيد الشديد على مَن فَعَلَ ذلك، حيث قال النبي ﵊: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (١)، نسأل الله العافية.
وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالبًا في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت.
وكذلك يحرم شق الثوب، كما يجري من بعض المصابين يشقون ثيابهم، إما من أسفل، وإما من فوق، وكان من المعتاد عند بعض الناس أنه يشق جيبه هكذا، إشارة إلى أنه عجز عن تحمل الصبر على هذه المصيبة.
كذلك لطم الخد، كيف لطم الخد؟ يعني أن تلطم خد المصاب؟
طالب: خد نفسك.
[ ١ / ٢٨٤٦ ]
الشيخ: لا، أن تلطم خد نفسك؛ لأن بعض المصابين من شدة إصابته يأخذ يلطم نفسه يضرب بخده الأيمن ثم الأيسر، ثم الأيمن ثم الأيسر، كأنما يصنع خُبْزَهُ، هذا حرام ولا يجوز، وكذلك أيضًا لو لطم غير الخد، بأن لطم الرأس، أو ضرب برأسه الجدار، وما أشبه ذلك، فكل هذا من المحرَّم.
ومن ذلك أيضًا يقول المؤلف: (ونحوه)، مثل نتف الشعر، يأخذ بشعر رأسه وينتفه؛ لأن هذا كله يدل على تَسَخُّطِهِ من هذا، وقد تَبَرَّأَ النبي ﷺ من أمثال هؤلاء، فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (٢)، مثل أن يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه! ! وما أشبهه؛ لأنه ينبئ عن التسخط، وليعلم أن الناس إزاء المصيبة على درجات: الشاكر، والراضي، والصابر، والجازع، أربع درجات، الشاكر؟
طلبة: والراضي.
الشيخ: والراضي، والصابر، والجازع.
أما الجازع فقد فعل محرَّمًا، وتسَخَّط من قضاء رب العالمين الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وله الملك يفعل ما يشاء.
وأما الصابر فقد قام بالواجب، والصابر هو الذي يتحمل المصيبة، يعني يرى أنها مُرَّة وشاقة وصعبة، ويكره وقوعها، ولكنه يتحمل ويحبس نَفْسَه عن الشيء المحرَّم، وهذا واجب، الصبر واجب.
وأما الراضي فهو الذي لا يهتم بهذه المصيبة، يرى أنها من عند الله فيرضى رضا تامًّا، ولا يكون في قلبه تحسُّر أو ندم عليها؛ لأنه راضٍ رضًا تامًّا، وحاله أعلى من حال الصابر، ولهذا كان الرضا مستحبًّا وليس بواجب. الرابعة؟
طلبة: الشاكر.
الشيخ: مقام الشكر أن يشكر الله على هذه المصيبة، ولكن كيف يشكر الله على هذه المصيبة، وهي مصيبة، يشكر الله على هذه المصيبة من وجهين:
[ ١ / ٢٨٤٧ ]
الوجه الأول: أن ينظر إلى مَن أصيب بما هو أعظم، فيشكر الله أن لم يُصَبْ بمثله، وعلى هذا جاء الحديث: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، وَانْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (٣).
فلو أن قومًا في سيارة أصيبوا بحادث فمات واحد منهم، وتكسَّر آخر، وانجرح ثالث، وسلِم الرابع، الثالث يشكر الله أن لم يتكسَّر، والمتكسِّر يشكر الله أن لم يَمُت، فيُقَدِّر المصيبة بما هو أعظم منها، وحينئذ يشكر الله عليها، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن ينظر ما الذي حصل له بهذه المصيبة من تكفير السيئات، ورفعة الدرجات إذا صبر، فيقول: ما في الآخرة خير مما في الدنيا، فيشكر الله ويقول: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، الأمثل فالأمثل، فيقول: هذا أرجو أن أكون به صالحًا، أشكر الله ﷾ على هذه النعمة.
ويُذْكَر أن رابعة العدوية أُصِيبَت في أصبعها ولم تُحَرِّك شيئًا، لم تحرِّك ساكنًا، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرِها أَنْسَتْنِي مرارة صبرها.
شوف التقدير، المقابَلة، فمقام الناس عند المصائب على هذه الوجوه الأربعة، ثم؟
طالب: ().
الشيخ: حكم أيش؟
الطالب: الشكر.
الشيخ: الشكر على المصيبة مستحب؛ لأنه فوق الرضا؛ لأن الشاكر راضٍ وزيادة.
***
انتهى الكلام على الصلاة، ونبدأ الآن في كتاب الزكاة، والعلماء ﵏ يُتَرْجِمُون بكتاب في الأجناس، وبالباب في الأنواع، وبالفصول في المسائل.
ومعلوم أن الزكاة جنس غير الصلاة، في الصلاة يقول: باب الاستسقاء، باب الكسوف، باب التطوع، وهكذا، هذه أنواع، في الفصول يذكر مثلًا: باب صلاة التطوع، يذكر الوتر، وإذا انتهى منه قال: فصل: وتُسَنُّ الرواتب، وهكذا، فالفصول للمسائل، والأبواب؟ للأنواع، والكتب للأجناس، هذا هو الأصل، وقد يختلف الحال.
[ ١ / ٢٨٤٨ ]