يقول المؤلف ﵀: (الحج والعمرة واجبان) (الحج) مبتدأ، و(العمرة) معطوف عليه، و(واجبان) خبر المبتدأ.
الحج واجب فرض بإجماع المسلمين، بالكتاب والسنة، ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإسلام.
[ ١ / ٣٦٠٣ ]
وهو في اللغة: القصد. وفي الشرع: التعبد لله تعالى بأداء المناسك، على ما جاء في سنة رسول الله ﵌.
وقول بعض الفقهاء في تعريفه: قصد مكة لعمل مخصوص، هذا لا شك أنه قاصر؛ لأن الحج أخص مما قالوا؛ لأننا لو أخذنا بظاهر التعريف: قصد مكة لعمل مخصوص، لكان يشمل من قصد مكة للتجارة، ولكن الأولى أن نذكر في كل تعريف للعبادة أن نذكر التعبد؛ فالصلاة لا نقول: إنها أقوال وأفعال معلومة، بل نقول: هي التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، وكذلك الزكاة، وكذلك الصيام، لا بد من ذكر التعبد ما دمنا نريد أن نعرِّف عبادة، فليكن التعبد أول ما يذكر في التعريف.
فالحج: هو التعبد لله تعالى بأداء المناسك على حسب ما جاء في سنة الرسول ﵌. هذا هو الحج.
العمرة في اللغة: الزيارة. وفي الشرع: التعبد لله بالطواف والسعي والحلق أو التقصير.
ومعلوم أن الطواف لا يكون إلا في البيت، والسعي بين الصفا والمروة، فعلى هذا يكون التعريف الحاصر المانع فهو جامع مانع. العمرة لغة أيش؟
طلبة: الزيارة.
الشيخ: الزيارة.
وشرعًا: التعبد لله بالطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، والحلق أو التقصير.
يقول المؤلف: (واجبان) أي: كل منهما واجب، ولكن ليس وجوب العمرة كوجوب الحج؛ لا في الآكدية، ولا في العموم والشمول.
أما في الآكدية فإن الحج ركن من أركان الإسلام، وفرض بإجماع المسلمين، وأما العمرة فليست ركنًا من أركان الإسلام، ولا فرضًا بإجماع المسلمين.
كذلك أيضًا ليست العمرة كالحج في الشمول؛ فإن كثيرًا من أهل العلم يقول: إن العمرة لا تجب على أهل مكة، وهذا نص الإمام أحمد ﵀.
[ ١ / ٣٦٠٤ ]
كما أن العلماء أيضًا مختلفون في وجوبها في الأصل هل هي واجبة أو سنة؟ والذي يظهر أنها واجبة؛ لأن أصح حديث يحكم في النزاع في هذه المسألة، حديث عائشة ﵂ حين قالت للنبي ﷺ: هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (١).
فقوله: «عَلَيْهِنَّ» ظاهرة في الوجوب؛ لأن (على) من صيغ الوجوب، كما ذكر ذلك أهل أصول الفقه، وعلى هذا فالعمرة واجبة.
ولكن هل هي واجبة على المكي؟
في هذا خلاف في مذهب الإمام أحمد؛ فالإمام أحمد نصَّ على أنها غير واجبة على المكي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بل إن شيخ الإسلام يرى أن أهل مكة لا تشرع لهم العمرة مطلقًا، وأن خروج الإنسان من مكة ليعتمر ليس مشروعًا أصلًا، ولكن في القلب من هذا شيء؛ لأن الأصل أن دلالات الكتاب والسنة عامة، والعامة تشمل جميع الناس إلا بدليل يدل على خروج بعض الأفراد من الحكم العام.
وهذا الخلاف الذي ذكرناه إنما هو في العمرة، أما في الحج فقد أجمع المسلمون على وجوبه على جميع المسلمين في أي مكان.
إذن يختلف الوجوب في العمرة عن الحج من وجهين؛ الوجه الأول؟
طلبة: الآكدية.
الشيخ: الآكدية، والوجه الثاني؟
طلبة: الشمول.
الشيخ: الشمول، فالحج واجب على جميع المسلمين بخلاف العمرة ففيها الخلاف الذي أشرنا إلى شيء منه.
استدل بعض العلماء على وجوب العمرة؛ بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهل يمكن أن يُسَلَّم لهذا الاستدلال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؟
[ ١ / ٣٦٠٥ ]
الجواب: لا يمكن أن يُسَلَّم لهذا الاستدلال؛ لأن هناك فرقًا بين الإتمام وبين الابتداء، فالآية تدل على وجوب الإتمام لمن شرع فيهما؛ ولهذا نزلت هذه الآية في الحديبية قبل أن يفرض الحج؛ إذ الحج لم يفرض إلا في السنة التاسعة، والحديبية كانت في السنة السادسة، وهناك فرق بين الأمر بالإتمام وبين الأمر بالابتداء؛ ولهذا لو شرع الإنسان في الحج أو العمرة في كل سنة يحج ويعتمر، قلنا: يجب عليك إذا شرعت في الحج أن تتم، لكن ابتداءً لا يلزمه الحج إلا مرةً واحدة، لكن في الإتمام يلزمه كلما شرع، ولو حج كل سنة فإنه يلزمه كلما شرع في الحج أن يتمه، وكلما شرع في العمرة أن يتمها. وعلى هذا فلا يتم الاستدلال بهذه الآية على وجوب العمرة.
ثم قال المؤلف: (واجبان على المسلم الحر المكلف القادر) (على المسلم) وهذا كثيرًا ما نسمعه؛ أن العبادات لا تجب إلا على المسلم؛ لأن كل عبادة لا تصح من كافر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
فالإسلام شرط لكل عبادة، فكل عبادة لا تصح من غير المسلم، وإذا قلنا: إنها غير واجبة على الكافر فلا يعني ذلك أنه لا يعاقب عليها، ولكنه لا يؤمر بها حال كفره، ولا بقضائها بعد إسلامه، انتبهوا، لأن هناك ثلاثة أشياء: الأمر بأدائها، والأمر بالقضاء، والإثم.
فالأمر بالأداء لا نوجهه إلى الكافر، والأمر بالقضاء إذا أسلم كذلك لا نوجهه إليه، والإثم ثابت يعاقب عليها، وعلى سائر فروع الإسلام.
يقول: (على المسلم الحر) وضده العبد الكامل الرِّق والمبعَّض فلا يجب عليهما الحج، لماذا؟ لأنهما لا مال لهما.
[ ١ / ٣٦٠٦ ]
بالنسبة للعبد الكامل الرِّق؛ لأن ماله لسيده؛ لقول النبي ﵌: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ» أو قال: «لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (٢). فإذا لم يكن له مال فهو غير مستطيع.
المبعض له مال؛ يملك من المال بقدر ما فيه من الحرية، فإذا ملك عشرة ريالات ونصفه حر، صار له منها خمسة، لكنه لا يستطيع أن يحج من أجل مالك نصفه إذا كان مبعضًا بالنصف؛ لأنه مملوك بهذا الجزء فلا يلزمه الحج.
الشرط الثالث: (المكلف) وهو البالغ العاقل، فالصغير لا يلزمه الحج، ولكن لو حج فحجُّه صحيح؛ لقول النبي ﷺ حين سألته المرأة التي رفعت إليه صبيًا فقالت: ألهذا الحج؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (٣).
وقد عرفتم أن الصغير مَنْ دون البلوغ، وأن البلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة في الذكور، وواحد من أمور أربعة في الإناث.
أما المجنون فكذلك لا يلزمه الحج، ولو كان له أكثر من عشرين سنة؛ لأنه غير مكلف، والحج عمل بدني بخلاف الزكاة، الزكاة تجب عليه؛ لأنها تجب في المال، لكن الحج عمل بدني، فلا يلزم المجنون، بل لا يصح منه.
يقول: (القادر) ولم يفسِّر المؤلف القدرة، لكن كلامه الآتي يبين ما هي القدرة؛ القادر في ماله، القادر في بدنه، هذا الذي يلزمه الحج أداءً بنفسه؛ من كان قادرًا بماله قادرًا ببدنه.
فإن كان عاجزًا بماله قادرًا ببدنه لزمه أيضًا أداءً؛ مثل أن يكون من أهل مكة، ليس عنده مال، لكن يقدر أن يخرج مع الناس على قدميه ويحج، فهذا يلزمه الحج؛ لأنه قادر.
وإن كان قادرًا بماله عاجزًا ببدنه لزمه الحج بالإنابة؛ أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه، إلا إذا كان العجز مما يرجى زواله فينتظر حتى يزول.
[ ١ / ٣٦٠٧ ]
مثال ذلك: إنسان كان فقيرًا وكبر وتقدمت به السن، وأصبح لا يمكنه أن يصل إلى مكة، فأغناه الله في هذه الحال، نقول: لا يلزمه الحج ببدنه؛ لأنه عاجز، وهذا العجز يرجى زواله أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يرجى زواله، لكن يلزمه الحج بالإنابة؛ أي: يلزمه أن ينيب من يحج عنه.
فإن قال قائل: كيف تلزمونه أن ينيب في عمل بدني، والقاعدة الشرعية التي دلت عليها النصوص أنه لا واجب مع عجز؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا لا يستطيع أن يحج، فكيف نلزمه أن ينيب من يحج عنه؟ أفلا يجب أن نقول: إن هذا يسقط عنه الوجوب لعجزه عنه؟
الجواب أن يقال: إن النبي ﵌ أقرَّ المرأة حين قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ (٤)، فأقرها على وصف الحج على أبيها بأنه فريضة، ولو لم يجب عليه ما أقرها الرسول ﵊؛ لأنه لا يمكن أن يقر على خطأ، فدل هذا على أن العاجز ببدنه القادر بماله يجب عليه أن ينيب، يجب عليه الحج بالإنابة، فصارت كلمة (القادر) ضدها أيش؟
طلبة: العاجز.
الشيخ: العاجز، والعجز نوعان؛ أولًا .. لا، أحسن نفسر القدرة، القدرة تكون بالمال والبدن، وتكون بالبدن دون المال، وتكون بالمال دون البدن.
القدرة بالمال والبدن؛ مثل أن يكون غنيًّا قويًّا في بدنه، فهذا يلزمه الحج بنفسه.
القادر ببدنه دون ماله، يلزمه أو لا يلزمه؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: يلزمه.
قادر ببدنه؛ يقدر يحج ببدنه، لكن ما عنده مال، نقول: يلزمه. إذا كان في مكة واضح ما عليه مشقة.
إذا كان بعيدًا عن مكة، ويقول: أنا أستطيع أن أمشي إلى مكة، وأستطيع أن أخدم الناس وآكل معهم، كما يوجد فيما سبق من الزمن فهذا قادر، يلزمه.
إذا كان قادرًا بماله عاجزًا ببدنه؟
طلبة: وجب عليه.
الشيخ: وجب عليه الحج بالإنابة، إذا كان عاجزًا بماله وبدنه؟
[ ١ / ٣٦٠٨ ]
طلبة: سقط عنه.
الشيخ: سقط عنه الحج.
فهذه الأقسام الآن؛ قادر بماله وبدنه، ببدنه دون ماله، بماله دون بدنه، عاجز بالمال والبدن.
يقول: (في عمره مرة) ولَّا (مرة في عمره) أيش عندكم؟
طلبة: عندنا (في عمره مرة).
الشيخ: إي، حقيقة لو قدم (مرة) كان أحسن.
(مرة) يعني: واجبان مرة في العمر؛ لقول النبي ﵊ حين سئل عن الحج: أفي كل عام؟ قال: «الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» (٥).
ولأن الله أطلق، فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولم يقل: كل سنة، فدل ذلك على أن الحج واجب مرة واحدة إلا لسبب كالنذر، فمن نذر أن يحج وجب عليه أن يحج؛ لقول الرسول ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (٦).
وقوله: (مرة) دليله ما ذكرناه؛ يستفاد منه فائدة عظيمة؛ وهو أن من مرَّ بالميقات، وقد أدى الفريضة -المرة- فإنه لا يلزمه الإحرام، وإن بعُد مجيئه لمكة؛ يعني مثلًا: له أربع سنين، خمس سنين، ما ذهب إلى مكة، ثم ذهب إلى مكة لحاجة تجارة أو زيارة أو ما أشبه ذلك، ومرَّ بالميقات فإنه لا يلزمه أن يحرم؛ لماذا؟ لأن الحج والعمرة إنما يجبان مرة واحدة، ولو ألزمناه بالإحرام لألزمناه بزائد عن المرة، وهذا خلاف النص.
قال: (على الفور) يعني: يجب على الفور، ما هو الدليل؟ أن الأصل في الأمر أن يكون على الفور، هذا الأصل؛ ولهذا غضب النبي ﵊ في غزوة الحديبية حين أمرهم بالإحلال وتباطؤوا (٧)، غضب عليهم.
ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له؛ قد يكون الآن قادرًا على أن يقوم بأمر الله، وفي المستقبل عاجزًا.
ولأن الله أمر بالاستباق إلى الخيرات؛ قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، والتأخير خلاف ما أمر الله به، فالأدلة على أنه على الفور متعددة، وهذا هو الصواب؛ أنه واجب على الفور.
[ ١ / ٣٦٠٩ ]
وقيل: بل واجب على التراخي، فهو كالصلاة في الوقت؛ إن شئت صلها في أول الوقت، وإن شئت صلها في آخر الوقت، والعمر هو زمن الحج، فإن شئت فحجَّ في أول العمر، وإن شئت ففي آخره.
واستدلوا أيضًا بأن الله فرض الحج والعمرة في السنة السادسة، ولم يحج النبي ﵊ إلا في السنة العاشرة.
ولكن الصحيح أنه واجب على الفور لما علمت من الأدلة الثلاثة.
وأما القول بأن عمر الإنسان كله وقت للحج فهذا صحيح، لكن من يضمن أن يبقى إلى السنة الثانية مثلًا؟ لا يضمن أحد، أما الصلاة فوقتها قصير؛ فلذلك وسِّع فيها.
ثم نقول أيضًا: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] غير صحيح؛ لأن هذا ليس أمرًا بهما ابتداءً، ولكنه أمر بهما، بأيش؟
طلبة: بالإتمام.
الشيخ: بالإتمام، أمر بإتمامهما، وفرق بين الابتداء والإتمام.
أما فرض الحج فالصواب أنه فرض في السنة التاسعة، ولم يفرضه الله تعالى قبل ذلك؛ لأن فرضه قبل ذلك ينافي الحكمة، كيف هذا؟ إذا كانت قريش منعت الرسول ﵊ من العمرة فمن الممكن ومن المتوقع أن تمنعه من الحج، ومكة قبل الفتح بلاد كفر، لكن لما تحررت من الكفر بعد الفتح صار إيجاب الحج على الناس موافقًا للحكمة، ففرض في السنة التاسعة من الهجرة.
فإن قيل: لماذا لم يحج النبي ﵌ في التاسعة وأنتم تقولون: على الفور؟
نقول: لأسباب:
السبب الأول: كثرة الوفود على رسول الله ﷺ في تلك السنة؛ السنة التاسعة؛ ولهذا تسمى السنة التاسعة عام الوفود.
ولا شك أن استقبال المسلمين الذين جاؤوا إلى الرسول ﵊؛ ليتفقهوا في دينهم لا شك أنه أمر مهم، بل قد نقول: إنه واجب على الرسول ﵊؛ ليبلغ الناس. هذه واحدة.
[ ١ / ٣٦١٠ ]
ثانيًا: تأخر النبي ﷺ في السنة التاسعة؛ لأن السنة التاسعة من المتوقع أن يحج المشركون -كما حصل، كما وقع- حج المشركون في السنة التاسعة، فأراد النبي ﵊ أن يؤخر من أجل أن يتمحض حجه للمسلمين فقط، وهذا هو الذي وقع، فإنه أذَّن في السنة التاسعة: ألَّا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (٨).
وكان الناس في الأول يطوفون عراة في البيت إلا من وجد ثوبًا من الحُمس من قريش، فإنه يستعيره ويطوف به، أما لغير قريش فإنهم لا يمكن أن يطوفوا بثيابهم؛ يطوفون عراة، وكانت المرأة منهم تطوف عارية، وتضع يدها على فرجها وتقول:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ
وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
أيش هذا؟ تطلعي بيه للناس ولا تحليه للناس! الناس بيشوفون، لهم أعين، لكن هذا الجهل!
على كل حال، الرسول ﵊ تأخر من أجل الوفود، وهذا هو المتيقن، وتأخر -والله أعلم- لكن علل به بعض العلماء من أجل أن يتمحض حجه مع المسلمين خاصة لا مع المشركين، وعلى هذا فنقول: الصحيح أن الحج فرض في السنة التاسعة من الهجرة؛ لأنه جاء في آل عمران في أولها، وأول آل عمران كله في محاجة الوافدين الذين يقدمون على الرسول ﵊.
إذن الصواب أنه واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان الذي تمت بحقه شروط الوجوب أن يتأخر، هذا هو الصحيح.
يقول: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضًا).
أولًا: قال: (فإن زال الرق)، أفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (فإن زال الرق) أن الرقيق يصح منه الحج، أليس كذلك؟ أجيبوا.
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن الحرية شرط للصحة أو شرط للوجوب؟
طلبة: شرط للوجوب.
الشيخ: شرط للوجوب، فلو حج الرقيق فإن حجه صحيح.
ولكن هل يجزئ عن الفرض أو لا يجزئ؟
[ ١ / ٣٦١١ ]
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه لا يجزئ؛ لأن الرقيق ليس أهلًا للوجوب، فهو كالصغير، لو حج الصغير قبل البلوغ لم يجزئه عن حجة الإسلام، فكذلك الرقيق ليس أهلًا للوجوب فلا يجزئ منه الحج، لكنه يصح.
وذهب بعض العلماء إلى أن الرقيق يصح منه الحج بإذن سيده؛ لأن إسقاط الحج عن الرقيق من أجل أنه لا يجد مالًا، ومن أجل حق السيد، فإذا أعطاه سيده المال وأذن له، فإنه مكلف بالغ عاقل فيلزمه الحج، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء، لكن المشهور عند الجمهور أنه لا يجزئ منه، ولكنه يصح.
المؤلف لما قال: (فإن زال الرق) علمنا أن الرقيق يصح منه الحج؛ يعني: أحرم بالحج وهو رقيق؟
طالب: ().
الشيخ: كيف؟
الطالب: ().
الشيخ: إي، دعونا نذكر الخلاف المطلق، وأنتم -إن شاء الله- إليكم الترجيح.
طالب: ()؟
الشيخ: واللهِ، الحقيقة أنا ما عندي ترجيح في الموضوع؛ لأن التعليل بأنه ليس أهلًا للحج قوي، والتعليل بأنه إنما منع من أجل حق السيد قوي أيضًا؛ لأن الأصل أنه من أهل العبادة.
فيه حديث في ذلك: أن من حج، ثم عتق فعليه حجة أخرى، وكذلك من حج وهو صغير فعليه حجة أخرى (٩)، لكنه أيضًا مختلف في صحته والاحتجاج به، ولَّا لو صح الحديث مرفوعًا إلى الرسول ﵊ لكان هو الفيصل، فأنا متوقف في هذا، ولكن بحول الله إذا وجد الأرقة الذين يحرمون في حال الرق، ثم يحررون في حال الوقوف بعرفة، فسيجعل الله لهم فرجًا ومخرجًا إن شاء الله.
طالب: قضاء الصيام، لماذا لا نقول: إنه على الفور؟
الشيخ: قضاء الصيام على الفور، لا نقول: على الفور؛ لأن الرسول يقر عائشة حتى شعبان (١٠).
طالب: أليست حجة للذين قالوا ()؟
الشيخ: لا، فرق بين القضاء وبين الأداء.
طالب: شيخ، رجل عليه خمسة آلاف ريال دين، وأخذ من الزكاة خمسة آلاف، فسدد ثلاثة، وحج بألفين؟
[ ١ / ٣٦١٢ ]
الشيخ: السؤال يا جماعة يقول: رجل عليه خمسة آلاف دين، وأخذ من الزكاة خمسة آلاف لقضاء الدين، فقضى ثلاثة، وحج بألفين، ما تقولون؟
لا يجوز هذا، قال أهل العلم: من أخذ من الزكاة لقضاء الدين فإنه لا يصرفه في غيره، فإذا صرفه في غيره صار كمن حج بمال حرام، ومن حج بمال حرام فإنه لا يصح حجه عند كثير من العلماء.
الطالب: يرجع ويطالب الزكاة ..
الشيخ: من اللي يرجع؟
الطالب: هذا الرجل.
الشيخ: الذي أعطاه الزكاة؟
الطالب: الباقي عليه ألفان.
الشيخ: الذي أعطاه الزكاة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وأيش يدريه اللي أعطاه الزكاة؟
الطالب: يرجع يقول: أخذت منكم خمسة آلاف، وأريد ألفين مكان الألفين اللي صرفتها؟
الشيخ: من اللي يقوله؟
الطالب: المفروض هذا الرجل الذي حج؟
الشيخ: الفقير؟
الطالب: الفقير.
الشيخ: يقول لمن؟
الطالب: يقول لمن يعطيه الزكاة.
الشيخ: إذا وافق، لكن الذي أعطاه الزكاة، هذا الفقير اللي حج بألفين يجب عليه أن يرد عليه ألفين.
طالب: () كيف ()؟
الشيخ: بينا هذا، قلنا: إن (على) ظاهرة في الوجوب.
طالب: الجهاد نفسه هل هو واجب؟
الشيخ: لا، الجهاد واجب على الرجال.
طالب: على كل الرجال واجب؟
الشيخ: إي نعم، الأصل أنه فرض كفاية.
الطالب: كيف يكون واجبًا؟
الشيخ: في حق من؟
الطالب: في حق النساء.
الشيخ: الرسول قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (١)، ففسَّر هذا الجهاد الذي أوجبه عليهن بأنه الحج والعمرة.
طالب: العبد -يا شيخ- أليس من الناس؟
الشيخ: إلا من الناس.
الطالب: وليس من أهل الاستطاعة؟
الشيخ: من أهل الاستطاعة، إذا أُذن له وأعطي.
طالب: يملك الزاد والراحلة ().
الشيخ: لا، عندنا طائرة الآن، أعطيناه تذكرة كاملة، أو أرسلناه مع قافلة.
طالب: في حدود مكة الآن الاستطاعة فيها خلاف؟
الشيخ: نعم.
[ ١ / ٣٦١٣ ]
الطالب: ومن الناس، يقول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
الشيخ: إي نعم، أنا قلت لكم: إن المسألة فيها خلاف، وبيَّنا وجه كل قول، فمن ظهر له القول بالوجوب منكم فهو في حلٍّ أن يقول: يجب على العبد.
طالب: () في قولك يا شيخ؟
الشيخ: أنا متوقف واللهِ، لكن أنا قلت لكم: إذا وقعت الواقعة سيجعل الله لها فرجًا.
طالب: ()؟
الشيخ: ما يخالف، فماله؟
الطالب: ().
الشيخ: إي، أنا أقول: هذه البعير لها رحل، هذه البعير لها حوش، هذه البعير لها زمام، فلما أردت أن أبيع الزمام قامت البعير ترغي، تقول: هذا زمامي، زمامي، تطاع ولَّا لا؟ (اللام) في قوله: «لَهُ مَالٌ» للاختصاص؛ كقولهم: السرج للدابة، يعني: أن السيد ربما يأخذ شيئًا من ماله ويعطيه للعبد ويقول: اتَّجر به.
«فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» (٢)، تقضي على الملك في قوله: «لَهُ مَالٌ» تدل على أنه للاختصاص.
طالب: الأصوليون يقولون: الحكم يدور مع علته، وهنا في هذه () العلة ما يدور معها.
الشيخ: اللي هي العبد؟
الطالب: () سيده أعطاه.
الشيخ: العبد، واللهِ لا شك أنه تعليل قوي، لكن اللي فيه عامة الفقهاء استدلوا بحديث ابن عباس الذي أشرت إليه: أن من حج فعتق فعليه أن يحج حجة أخرى (٩). لكن كثير من المحدثين قال: إن هذا موقوف على ابن عباس وليس مرفوعًا.
طالب: () بأي شيء استدل القائلون بعدم وجوب العمرة ()؟
الشيخ: نعم، فيه أدلة، يقول: لأن الأصل في العمرة هي الزيارة، وأهل مكة لا يصدق عليهم أنهم زوار للبيت، فهم أخذوها من اللفظ، ولهم أدلة في هذا ذكرها في المغني، والمغني اختار أنها ليست بواجبة على أهل مكة، كما اختار شيخ الإسلام ابن تيمية، حتى إن بعضهم -ولا أتأكد- حكى الإجماع على عدم الوجوب، لكن ..
طالب: القول بعدم المشروعية ضعيف؟
[ ١ / ٣٦١٤ ]
الشيخ: المراد إذا خرجوا من مكة لأداء العمرة، وهذا ضعيف، لكن إذا جاؤوا من بلد آخر؛ مثل لو سافروا إلى بلد آخر، ثم عادوا إلى مكة، فهم كغيرهم إذا أحبوا العمرة.
هذا يسأل يقول: امرأة فاتها رمضان كله، ورمضان تسعة وعشرون، هل تقضي شهرًا ثلاثين أو تسعة وعشرين؟
طالب: تسعة وعشرين.
الشيخ: تسعة وعشرين؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: القضاء () الأداء.
الشيخ: لا، الدليل، ما هو التعليل؟
الطالب: ().
الشيخ: لا، قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] عدة؛ حتى ما ذكرها الشهر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، إن كان تسعًا وعشرين فتسعًا وعشرين، وإن كان ثلاثين فثلاثين، وإن كان واحدًا وثلاثين؟
طلبة: ما يأتي.
الشيخ: لا، يصير إذا سافر إلى بلد آخر، وتأخر إفطارهم يصوم معهم؟
طالب: ().
الشيخ: يصوم معهم؟
طالب: التي عليها القضاء لا تصوم.
الشيخ: لا، تصوم إلا تسعًا وعشرين.
***
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ورحمة الله المسداة للعالمين؛ سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك: فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضًا، وفعلُهما من الصبي والعبد نفلًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
شروط وجوب الحج؟
طالب: شروط الوجوب الإسلام.
الشيخ: الإسلام.
الطالب: والعقل.
الشيخ: والعقل.
الطالب: والبلوغ.
الشيخ: والبلوغ.
الطالب: والحرية.
الشيخ: والحرية.
الطالب: والقدرة المالية والبدنية.
الشيخ: إي نعم.
هل الحج واجب على الفور أو على التراخي؟
طالب: القول الصحيح أن الحج واجب على الفور.
الشيخ: نعم، ما هو الدليل؟
[ ١ / ٣٦١٥ ]
الطالب: قلنا: إن الإنسان ما يدري ما يعرض له، وكذلك لأن أمر الله والرسول ﷺ على الفور.
الشيخ: ما الدليل أنه على الفور؟
الطالب: «تَعَجَّلُوا الْحَجَّ» (١١) ..
الشيخ: لا، ما الدليل على أن الأوامر على الفور؟
طالب: أن النبي ﷺ عندما أمر الصحابة بالإحلال فتباطؤوا.
الشيخ: في غزوة الحديبية.
الطالب: نعم، فغضب لما تباطأ الصحابة.
الشيخ: فغضب لذلك (٧)، فدل ذلك على أن الأمر على الفور، أحسنت.
وله أدلة أخرى أيضًا.
منها: الأمر باستباق الخيرات والمسارعة إليها.
ومنها: أن الإنسان إذا قلنا: إنه على التراخي، فإلى متى؟ لا بد أن يحدد؛ لأننا إذا قلنا: إنه على التراخي لازم من ذلك أن يدعه إلى آخر لحظة من حياته، وهذا يؤدي إلى سقوطه في الواقع.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة) إلى آخره.
إن زال الرق في الحج بعرفة صح فرضًا، ومعنى زوال الرق أن يعتق العبد، فإذا أعتقه سيده في الحج بعرفة صح حجه فرضًا، مع أنه حال إحرامه بالحج كان الحج في حقه نفلًا؛ لأن الحج لا يجب على الرقيق، على ما سبق من الخلاف فيه.
وقول المؤلف: (صح فرضًا) إذا أخذنا بظاهر كلامه أنه يكون فرضًا من أول الإحرام، وعلى هذا فيُلْغَزُ بها، فيقال لنا: عبادة أولها نفل انقلب إلى فرض بدون أن ينوي الفرض في أولها، وهي هذه.
[ ١ / ٣٦١٦ ]
وقيل: إنه لا يكون فرضًا إلا من حين العتق، وعلى هذا فتكون هذه العبادة أولها نفل، وآخرها فرض، وهذا ليس بغريب في الحج؛ لأن الحج يخالف غيره في مسألة النية في أمور متعددة، كما سيأتي أن الإنسان إذا قدم إلى مكة وهو مفرد أو قارن فطاف وسعى، فإنه سيطوف للقدوم، وطواف القدوم سنة، وسيسعى للحج، فله بعد ذلك أن يقلب هذه النية إلى عمرة ليصير متمتعًا، فتجدون الآن الطواف الذي كان سنة بالأول صار الآن واجبًا، بل ركنًا، والذي كان قُدُومًا صار الآن للعمرة، والسعي الذي كان للحج صار الآن للعمرة، فالحج له أشياء يخالف غيره.
إذا زال الرق بعرفة صار حجه فرضًا، إذا زال الجنون بعرفة صار حجه فرضًا.
فإذا قال قائل: كيف يتصور أن يزول الجنون بعرفة؟ وهل المجنون يصح منه عقد الإحرام؟
فالجواب على هذا أن نقول: من أهل العلم من قال: إن المجنون يجوز أن يحرم عنه وليه، كما يحرم عن الصغير، فالصغير ليس له تمييز، والمجنون ليس له عقل، فإذا جاز أن يحرم عن صبيه الذي ليس له تمييز، فيجوز أن يحرم عن المجنون، وبناءً على هذا القول لا إشكال؛ لماذا؟ لأنه سيحرم عنه وليُّه وهو مجنون، ويبقى محرمًا، فإذا عقل في عرفة صحَّ أن نقول: إنه زال جنونه بعرفة، وهو محرم.
أو نقول: إذا قلنا: إن المجنون لا يصح إحرامه بنفسه ولا بوليِّه، فإنه يحمل كلام المؤلف على ما إذا طرأ عليه الجنون بعد الإحرام؛ يعني: يكون أحرم عاقلًا، ثم جُن، ثم زال جنونه في عرفة.
ويشكل على هذا إشكال آخر، وهو أنه أَلَا يبطل الإحرام بالجنون؟
نقول: لا يبطل الإحرام بالجنون، بل يبقى على إحرامه، ثم إن زال جنونه في عرفة أتمه، وإن زال بعد عرفة فإنه يكون قد فاته الحج ويتمه عمرة، وإن بقي على جنونه فإنه يكون كالمُحصر؛ أي: أنه يتحلَّل، ويذبح هديًا إن تيسر.
و(زال الصبا بالحج بعرفة) الصبا؛ يعني: الصغر، وذلك بأن يبلغ في عرفة، وهل يمكن أن يبلغ في عرفة؟
طالب: نعم.
[ ١ / ٣٦١٧ ]
الشيخ: يمكن، بماذا؟ إما بالسن، أو بالاحتلام.
إما بالسن بأن يكون هذا الرجل قد ولد في منتصف يوم عرفة، وفي منتصف يوم عرفة تم له خمس عشرة سنة، فحينئذٍ يكون قد بلغ في عرفة.
وإما أن ينام في يوم عرفة ويحتلم، فيكون قد بلغ في عرفة، فإذا بلغ الصبي في عرفة صار حجه فرضًا، وأجزأه عن حجة الإسلام.
يقول: (وفي العمرة قبل طوافها صح فرضًا) كذلك أيضًا لو اعتمر الصبي وفي أثناء العمرة قبل أن يشرع في الطواف بَلَغَ، فإن عمرته هذه تكون فرضًا، كذلك المجنون لو جن بعد إحرامه بالعمرة، أو قلنا: بصحة إحرام وليه عنه، ثم عقل قبل طواف العمرة فإنه يصح فرضًا.
وكذلك أيضًا العبد لو أحرم بالعمرة وهو رقيق، ثم أعتقه سيده قبل أن يطوف فإنه تكون عمرته فرضًا.
وعلم من كلامه أنه لو زال الرق والجنون والصبا بعد عرفة فإنه لا يكون فرضًا، إلا أنه إن زال بعد عرفة مع بقاء وقت الوقوف، ثم عاد فوقف فإنه يصح.
مثل أن يكون الصبي -مثلًا- أو الرقيق قد دفع من عرفة بعد غروب الشمس ليلة العيد، وفي تلك الليلة بلغ أو عتق، فإننا نقول له: إن رجعت الآن إلى عرفة ووقفت بها فإن حجك يكون فرضًا؛ لأن النبي ﷺ يقول: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (١٢)، وقد وقفت بعرفة قبل فوات وقته، وحينئذٍ نقول: إذا رجع إلى عرفة ووقف بعرفة يجب أن يرجع إلى مزدلفة من أجل أن يبيت بها.
فإن قال قائل: هل يلزمه إذا بلغ بعد الدفع من عرفة مع بقاء وقت الوقوف أن يرجع إلى عرفة ليقف، أو له أن يستمر؟
نقول: إن قلنا بأن الحج واجب على الفور وجب أن يرجع ليقف بعرفة، حتى يؤديه من حين وجب عليه، وإن قلنا بأنه على التراخي لم يلزمه أن يرجع إلى عرفة، ويستمر في إتمام هذا الحج، ويكون هذا الحج نفلًا لا فرضًا.
[ ١ / ٣٦١٨ ]
إذن قول المؤلف ﵀: (في الحج بعرفة) يَرِدُ عليه سؤال؛ وهو: لو زال الصبا والرق والجنون بعد الدفع من عرفة، ثم رجع فوقف قبل فوات وقت الوقوف فإنه يصح فرضًا، ويتفرع على هذا سؤال: هل يلزمه أن يرجع إذا بلغ قبل فوات وقت الوقوف؟ هذا ينبني على القول بأداء الحج هل يجب على الفور أو لا؟
إن قلنا: يجب على الفور وجب عليه أن يرجع؛ لأنه أمكنه أن يسقط الفريضة، وإن قلنا: على التراخي لم يلزمه، وحينئذٍ إذا استمر يقع الحج منه نفلًا، وصح فرضًا.
قال: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلًا) يعني: يصح فعل الحج والعمرة من الصبي، ولكن يكون نفلًا؛ لأن من شرط الإجزاء البلوغ؛ لا يجزئ عن الفرد حتى يبلغ، فإذا حج وهو صغير فالحج في حقه نفل وليس بفرض.
ولم يبين المؤلف ﵀ كيف يحج الصبي، لم يبين ذلك على وجه التفصيل، فنقول: الصبي إن كان مميزًا فإن وليه يأمره بنية الإحرام، يقول: يا بني أحرم؛ لأنه يميز، وإن كان غير مميز فإن وليه ينوي الإحرام له.
والولي يكون محرمًا إذا نوى الإحرام له، أو يكون الصبي محرمًا؟
يكون الصبي محرمًا، ينعقد الإحرام بنية وليه له، ثم يستمر عند الطواف إذا كان مميزًا يأمره بنية الطواف، يقول: يا بني، الآن نطوف، ثم إن كان قادرًا على المشي مشى، وإن لم يكن قادرًا حمله وليه أو غيره بإذن وليه، ويقال في السعي كما يقال في الطواف، أما الحلق أو التقصير فأمره ظاهر؛ لأنه يمكن أن يحلق رأسه أو يقصر وهو في المهد.
ثم نسأل: هل الأولى أن نحرم بالصغار بالحج والعمرة أو الأولى عدم ذلك؟
نقول: في هذا تفصيل، إن كان في وقت لا يشق فإن الإحرام بهم خير؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال للمرأة التي رفعت له الصبي، وسألته هل له حج؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (٣).
أما إذا كان في ذلك مشقة؛ كأوقات الزحام في الحج أو في العمرة في رمضان فالأولى أن لا يفعل؛ لأنه يترتب على ذلك مشقة شديدة على الصبي وعلى؟
طالب: الولي.
[ ١ / ٣٦١٩ ]
الشيخ: أهل الصبي، وربما ينشغل بهذا الصبي عن نسكه الذي هو مطالب بأدائه على الوجه الأكمل، كما هو الواقع، فصار الإحرام بهم مفصَّلًا على هذا الوجه.
أما إذا كان في وقت السعة؛ كما لو جاء في عمرة في أيام لا يكثر فيها الناس فالإحرام به خير.
وسؤال آخر: هل إذا أحرم الصبي يلزمه إتمام الإحرام، أو نقول: هو غير مكلف فله أن يفسخ ذلك؟
المشهور من المذهب أنه يلزمه الإتمام؛ لأن الحج والعمرة يجب إتمام نفلهما، والعمرة والحج بالنسبة للصبي نفل، فيلزمه الإتمام.
والقول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة: أنه لا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مكلف، فقد رُفع عنه القلم؛ فإن شاء مضى، وإن شاء ترك، وهذا القول أقرب إلى الصواب، وهو ظاهر ما يميل إليه صاحب الفروع ﵀ أنه له أن يتحلل ولا شيء عليه، وهو الأرفق بالناس بالنسبة لوقتنا الحاضر؛ لأنه ربما يظن الولي أن الإحرام بالصبي سهل، ثم تكون الأمور على خلاف ما يتوقع، فتبقى المسألة مشكلة، فإذا قلنا بهذا القول، وهو أنه غير مكلف، ولا ملزم بالواجبات، قلنا: إذن له أن يتحلل ولا شيء عليه، وهذا يقع كثيرًا من الناس بالوقت الحاضر مع الزحام؛ يلبس الصبي ثياب الإحرام؛ الإزار والرداء، ثم إذا احترَّ أو تعب منها ()، ما يمكن الأمر، ففسخ الإزار والرداء، وقال: إما أن تعطوني القميص أستتر به، وإلا ..، مثل هذا إذا أخذنا بهذا القول الذي هو أقرب إلى الصواب لعلته العلة الصحيحة زالت عنا هذه المشكلة.
صار الصبي إن كان يعقل النية؟ أجيبوا.
طالب: يأمره ..
الشيخ: يأمره وليه بما ينوي؛ من إحرام أو طواف أو سعي، وإن كان لا يعقل نوى ذلك عنه وليه.
البحث الثاني: إذا كان يعقل النية، ولكنه لا يستطيع الطواف بنفسه، فماذا نصنع به؟
طالب: يحمله وليه.
[ ١ / ٣٦٢٠ ]
الشيخ: يحمله وليه، أو غيره بإذن وليه في الطواف وفي السعي؛ لأن الركوب أو الحمل في الطواف والسعي عند العجز جائز، فقد قالت أم سلمة للنبي ﷺ حين أمر بالطواف للوداع، قالت: يا رسول الله، إني مريضة، قال: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (١٣)، فدلَّ هذا على أنه يجوز الركوب أو الحمل عند العجز.
فيه بحث مهم أيضًا في هذه المسألة، إذا قلنا بأنه يحمله فهل يصح أن يطوف به عن نفسه وعن هذا الصبي؟
المذهب لا يصح، وإذا نوى عن نفسه وعن المحمول فإنه يقع عن المحمول ولا يقع عن نفسه.
والقول الثاني: أنه لا يصح، وإذا نوى عن نفسه وعن المحمول وقع عن نفسه دون المحمول؛ لأنه أصل والمحمول فرع.
والذي نرى في هذه المسألة أنه إذا كان الصبي يعقل النية فنوى وحمله وليه، فإن الطواف يقع عنه وعن الصبي؛ لأنه لما نوى الصبي صار الطواف كأنه طاف بنفسه، والولي لم يعمل شيئًا، فينوي عن نفسه، وينوي عن الولي.
أما إذا كان لا يعقل النية فإنه لا يصح أن يقع طواف بنيتين، فيقال لوليه: إما أن تطوف أولًا، ثم تطوف بالصبي، وإما أن تكل أمره إلى شخص يحمله، () في الطواف والسعي.
يقول: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلًا) العبد ولو كان بالغًا عاقلًا لا يصح منه الفرض، بل لا يقع منه الحج والعمرة إلا نفلًا؛ لأنه ليس من أهل الفرض، وسبق الخلاف في هذا؛ وهو أنه هل من شرط الوجوب الحرية على كل حال، أو نقول: من شرطه الحرية ما لم يأذن له، فإن أذن له وجب عليه؟ على الخلاف السابق.
ولكن حتى لو أذن له وليه بالحج فإنه على المذهب لا يقع إلا نفلًا، ولا يقع عن الفرض، حتى لو نوى أنه فريضة فإنه لا يصح، ولكن في هذا نظر، والصواب أنه إذا حج بإذن سيده ونواه عن الفريضة فإنه يجزئه؛ لأننا نقول: لا يجب عليه الحج؛ لأنه كان فقيرًا، والفقير لو حج حال فقره وتكلف المشقة فإنه يسقط به الفرض، فكذلك هذا العبد إذا حج بإذن وليه فإنه يسقط عنه الفرض.
[ ١ / ٣٦٢١ ]
يقول: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلًا) وعلى هذا يتبين أن الشروط الخمسة التي ذكرناها في الدرس السابق -شروط الوجوب- تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
منها: ما هو شرط للوجوب والإجزاء والصحة.
ومنها: ما هو شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة.
ومنها: ما هو شرط للصحة.
فالإسلام شرط للوجوب والإجزاء والصحة.
وكذلك العقل شرط للوجوب والإجزاء والصحة، إلا على رأي من يرى أن المجنون كالصبي يصح أن ينوي عنه وليه.
والحرية شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة.
والبلوغ شرط للوجوب والإجزاء دون الصحة.
والاستطاعة شرط للوجوب فقط، فلو حج وهو غير مستطيع أجزأه وصح منه. فتنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.
يقول ﵀: (والقادر) (القادر) في قوله: (على المسلم الحر المكلف القادر) من هذا القادر؟
يقول: (إن القادر مَنْ أمكنه الركوب ووجد زادًا وراحلة صالحين لمثله) هذا هو القادر من أمكنه الركوب، فمن لا يمكنه الركوب فليس بقادر، وكيف لا يمكنه الركوب؟
نقول: أما في عصر الإبل فتعذر الركوب كثير؛ يوجد بعض الناس لا يستطيع الركوب على الراحلة؛ لكونه نضو الخلقة، ضعيفًا هزيلًا لا يستطيع الركوب.
فإن قال قائل: يمكن أن نربطه على الرحل؟
قلنا: في هذا مشقة لا تأتي به الشريعة.
أما في وقتنا -وقت السيارات والطائرات- فالذي لا يمكنه الركوب في الغالب يكون نادرًا، لكن رأينا بعض الناس لا يمكنه الركوب في السيارة؛ لأنه إذا ركب تعب تعبًا عظيمًا؛ داخ، وزال وعيه، أو ربما يصاب بغثيان وقيء، يتعب معه تعبًا عظيمًا.
نقول: هذا لا يجب عليه الحج وإن كان صحيح البدن قويًّا، لكن ما دام يتكلف إلى هذه الكلفة فإنه لا يجب عليه الحج.
الثاني يقول: (وجد زادًا وراحلة)، الزاد: ما يتزود به المسافر من طعام وشراب ورحل، وغير ذلك من حوائج السفر.
والراحلة معروفة: ما يرتحله من المركوبات من إبل أو حُمُر أو سيارات أو طائرات.
[ ١ / ٣٦٢٢ ]
إذا وجد راحلة، ولكن المؤلف اشترط قال: (صالحين لمثله) يعني: لا بد أن يكون الزاد صالحًا لمثله، وكذلك الراحلة.
فلو كان يجد راحلة، لكن لا تصلح لمثله؛ لكونه من ذوي الجاه والغني والشرف والسيادة، ولم يجد إلا راحلة لا تصلح لمثله، مثلًا قدرنا أنه ذو شرف وسيادة ولم يجد راحلة إلا حمارًا فقط، هل يلزمه؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: ليس صالحًا ..
الشيخ: ليس صالحًا لمثله، يلحقه في ذلك غضاضة وشماتة من الأعداء فلا يلزمه.
كذلك الزاد؛ لو فرضنا أنه غني، لكن المسافرين لا يكون لهم من الزاد ما يكون لمثله، ليس عندهم إلا كسرة خبز وإدام بسيط؛ يعني: لا يأتدم به مثل هذا الرجل، فإنه لا يلزمه الحج؛ لأن في ذلك غضاضة عليه.
وهذه المسألة قد يقول قائل: إن عموم قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] يشمل من أمكنه الركوب على راحلة لا تصلح لمثله، وبزاد لا يصلح لمثله، والناس إذا سافر للحج على مثل هذه الراحلة أو بمثل هذا الزاد فإنهم لا يشمتون به، ولا يلومونه، صحيح أنه يتأثر نفسيًّا، ويفقد ما كان عليه من الزاد من طعام وشراب، وكذلك يرى أن هذه الراحلة لا تليق بمثله، لكن لا يقال: إنه عاجز، والله ﷿ يقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى القول بأنه من وجد زادًا وراحلة يصل بهما إلى المشاعر ويرجع، ولم يقيدوا ذلك بكونهما صالحين لمثله، وهذا أقرب إلى الصواب؛ أن نقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بأي حال من الأحوال إذا لم يكن عليه ضرر، أما كونه يفقد المألوف من مركوب أو مطعوم أو مشروب فإن هذا لا يعد عجزًا.
طالب: ()؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: المجنون إذا ارتكب محظورات الإحرام أو الصبي إذا ارتكب محظورات الإحرام، هل عليه شيء؟
[ ١ / ٣٦٢٣ ]
نقول: ليس عليه شيء، فلو أن الصغير تطيَّب أو لبس قميصًا أو ما أشبه ذلك فليس عليه شيء، لكن على المشهور من المذهب يلزم وليه أن يزيل عنه هذا المحظور.
طالب: () الصبي في الصلاة ()؟
الشيخ: يقول: هل إذا بلغ في أثناء الصلاة هل تجزئه عن الفريضة أو لا بد أن يستأنف؟
المذهب لا بد أن يستأنف؛ لأنه لا يمكن أن يكون أول الصلاة نفلًا وآخرها فرضًا.
والقول الثاني: لا يلزمه الاستئناف، وهذا أصح، كما أنه لو صلى هذه الفريضة ثم بلغ بعد صلاتها فإنه لا يلزمه إعادتها.
طالب: () الصبي المذهب أنه إذا حج قبل بلوغه فهو نفل () الراجح، هل إذا حج قبل بلوغه يعتبر نفلًا أم أنه يسقط عنه ()؟
الشيخ: إذا حج الصبي قبل بلوغه فإنه نفل ولا يسقط عنه الفرض.
طالب: شيخ، ما الدليل على ذلك، () الحج بهذا الحكم، مع أن كثيرًا من العبادات إذا فعلها الصبي قبل بلوغه أجزأته، مثل الشهادة -مثلًا- قبل أن يبلغ إذا تلفظ بالشهادتين فهي ()؟
الشيخ: لأن الشهادة هي الأصل، والصبي يكون تبعًا لوالديه، إذا كان والداه مسلمين فهو مسلم، حتى وإن لم ينطق بالشهادة، لكن لو امتنع من النطق بالشهادة بعد التمييز فإنه لا يتبع والديه.
طالب: حديث المرأة التي أتت بالصبي، قالت: أعليه حج ..
الشيخ: لا، قالت: ألهذا حج، قال: «نَعَمْ، لَهُ حَجٌّ» (٣)، لا، ما يدل على الإجزاء؛ لأنه أصلًا إذا حج قبل أن يبلغ لم يخاطب به إلى الآن، فإذا كان لم يخاطب به فهو كما لو صلى الصلاة قبل دخول وقتها.
طالب: الصبي -يا شيخ- عند حمله عند الطواف كتفه اليسار لا بد أن يكون جهة الكعبة بعضهم يخلوا صدره جهة الصدر؟
الشيخ: إي، والله هذه مشكلة، ما تقولون؟
المحمول في الطواف، هل يجب أن تكون الكعبة عن يساره؟ مع أن الغالب أن الكعبة تكون؟
طلبة: عن يمينه.
[ ١ / ٣٦٢٤ ]
الشيخ: عن يمينه، هذا هو الغالب، المذهب لا بد أن تكون على يساره، وعلى هذا فلا يمكن الحمل إلا وضعه على الكتف أو وضعه على الكتفين، وجعل يتمسك برأسه، أو فعل ما تفعله النساء () النساء () الآن تحمل ابنها وتكون الكعبة عن يساره، إي نعم.
والذي يظهر لي أنه ليس بشرط؛ لأن ظاهر قول الرسول: «لَهُ حَجٌّ» (٣) يقتضي أنه له حج، ويحمل على ما يحمل عليه.
طالب: عادة.
طالب آخر: فيه مشقة.
الشيخ: وفيه مشقة ..
الطالب: هو حديث ().
الشيخ: إي نعم، لكن لو حطه على كتف واحد ..
طالب: على كتف تصير الكعبة وراه يا شيخ.
الشيخ: () ما يمكن يتحط على الكتف.
الطالب: الكعبة وراه تصير.
الشيخ: من؟
الطالب: إذا حطه على الكتف الأيسر مثلًا.
الشيخ: لا.
الطالب: يستدبر الكعبة.
الشيخ: ما يصير، إذا حطه على الكتف ورجلاه تتدلى على صدر أبيه مثلًا.
الطالب: تعب هذا -يا شيخ- ومشقة.
الشيخ: واللهِ على كل حال فيه تعب.
طالب: يا شيخ، بالنسبة للذي الآن في وقتنا الحاضر ما يستطيع يركب السيارة، مثلًا للغثاء الذي يحصل له، هذا ربما يكون مستمرًّا، هل يجب عليه الإنابة؟
الشيخ: إي نعم، تجب عليه الإنابة، إذا كان مستمرًّا يكون مثل الكبير والمريض مرضًا لا يرجى برؤه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إن الصبي إذا لم يميز ونوى عنه وليه فإنه لا يحمله، وإلا يكون الطواف في الصبي إذا حمله.
الشيخ: إذا نوى.
الطالب: إذا نوى عنه، لكن الملاحظ أن كثيرًا من الناس يفعلون هذا الشيء؛ ينوون عنه وعن أنفسهم، ويحملون صبيانهم.
الشيخ: إي نعم، نرى أنه ما يصح الطواف عن الصبي، يصح الطواف للأب؛ للحامل دون المحمول.
طالب: يعني: لا بد أن يحمل من جهة أخرى؟
الشيخ: إي، من جهة أخرى، إذا خلص من طوافه حمله أو جعل إنسانًا ثانيًا يمشي معه.
طالب: ديه مسألة مهمة يحتاج ..
الشيخ: مهمة، إي نعم، والمشكلة أنه على المذهب يصح عن المحمول دون الحامل.
الطالب: هذه هي المشكلة.
[ ١ / ٣٦٢٥ ]
الشيخ: هذه هي المشكلة.
طالب: هذه أشد.
الشيخ: هذه أشد.
طالب: شيخ، وإن نوى الحامل؟
الشيخ: لا، إذا نوى إحنا قلنا: إذا كان مميزًا يقول له: انو، ويحمله ().
طالب: والسعي كذلك؟
الشيخ: إي نعم، والسعي كذلك؟
طالب: وإن نوى الحامل يا شيخ؟
طالب آخر: () حمل الصبي رجل، ثم طاف به شوطًا، ثم نام أثناء الطواف، هل يجزئه؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: الصبيان حالتهم ..
الشيخ: هذا واقع، لا، واقع ..
الطالب: يصيحون وينامون.
الشيخ: فيه أولًا أنه يصيح، لكن مسألة الصياح معفو عنها؛ لأن الله أباح فيه الكلام، لكن إذا نام؛ فيه ناس يحملون في الطواف، وفي السعي أيضًا، في العربيات ينامون، نقول: إذا نوى من أول الأمر -من أول شوط- فلا بأس، حتى لو نام كل السعي، إي نعم؛ لأنه يُسْعَى به.
طالب: يا شيخ، ما فيه قول: إن الطواف ()؟
الشيخ: كيف؟ فيه قول قوي.
الطالب: ().
الشيخ: لا، بل هو الصحيح، الصحيح أنه لا تسن له الطهارة.
طالب: حديث ضعيف إذن.
الشيخ: لأن الحديث الذي يروى: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ (١٤) لا يصح مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلام، إنما هو عن ابن عباس من قوله، والدليل على أنه لا يصح عن رسول الله تناقض؛ لأنه يباح في الطواف أشياء غير الكلام.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، يباح غير الكلام، كلام الرسول مضبوط، لو كان من الرسول ما أبيح، فهو مثلًا يباح فيه ()، ما يقرأ فيه الفاتحة، ولا يستقبل فيه القبلة، ولا يشترط فيه التوالي على رأي كثير من العلماء، ويجوز فيه الأكل والشرب.
طالب: ()؟
الشيخ: ().
طالب: أحسن الله إليكم، شرط الصحة فقط أي شيء؟
الشيخ: هو كل شرط للصحة شرط للوجوب، الخمسة هذه الشروط كلها شرط للوجوب لا بد فيها.
الطالب: لكن ما فيه شرط للصحة مستقل؟
الشيخ: لا، ما فيه شرط، فيه الشرط للإجزاء فقط، وشرط للوجوب فقط، كما ذكرناه.
[ ١ / ٣٦٢٦ ]
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، كيف نجيب على من استدل بحديث ابن عمر في عدم وجوب العمرة، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، واستدل بهذا على عدم وجوب العمرة، حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (١٥)، وذكر منها الحج دون العمرة في أركان الإسلام، وهو أصح من الحديث الآخر حديث عائشة؟
الشيخ: نعم، لكن السكوت عنها هل ينفي وجوبها؟ والرسول ﵊ قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» (١٦)، وقال: «الْعُمْرَةُ حَجٌّ أَصْغَرُ» (١٧)، فهي نوع من الحج.
طالب: الحديث الآخر حديث الأعرابي: «وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ».
الشيخ: نعم، قال: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» (١٨)، لكنه ضعيف، حديث عائشة أصح منه، فيه حديث جابر: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» (١٩)، لكنه ضعيف.
طالب: القول -يا شيخ- في مسألة إتمام الصبي بالعمرة والحج، الصحيح أنه لا يُلزم بإتمامه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن شيخ، هل يلزم بواجبات الحج والبعد عن المحظورات إذ إنه أتم؟
الشيخ: إي، هذا ينبني على هذا؛ يعني: عند أبي حنيفة ﵀ لا يلتزم بشيء إطلاقًا، يؤخذ منه ما عفا ..
طالب: ().
الشيخ: نعم، يؤخذ منه ما فعل، وما لم يفعل لا يلزمه.
طالب: يا شيخ، هذا الذي لا يستطيع أن يركب السيارات الآن، ما نقول: إنه يلزمه أن يركب راحلة مثل البعير أو البغل أو الحمار، يستطيع الراحلة؟
الشيخ: إذا استطاع لا بأس.
الطالب: نعم، ما نقول: إنه يلزمه؟
الشيخ: يلزم، إذا أمكن يلزمه.
الطالب: يركب البعير ونحطه في السيارة.
الشيخ: لا.
طالب: () يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما أظنه يصلح.
طالب: مسافر إذا صلى صلاة نافلة لا يلزم في السيارة () لا يجوز؟
الشيخ: الفريضة لا تجوز في السيارة إلا إذا قام الإنسان بجميع الشروط.
الطالب: () إذا صلى لغير القبلة؟
[ ١ / ٣٦٢٧ ]
الشيخ: النفل يعني؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
الطالب: فالآن الصبي إذا تطوع، فلا ().
الشيخ: لا، ما هو هذا، الحكمة من أن المسافر يسقط عنه استقبال القبلة من أجل أن استقبال القبلة يعيقه عن السير، والنافلة ليست كالفريضة محدّدة خمس صلوات فقط، كلما أكثر منها الإنسان فهو خير، فمن أجل ألَّا يُحَال بينه وبين الإكثار منها رخص له الشرع في ترك استقبال القبلة؛ ولهذا لا بد أن يتجه إلى جهة سيره، لو اتجه إلى غير جهة السير بطلت صلاته، إلا إذا اتجه للقبلة؛ ولهذا -مثلًا- لو فرضنا أن إنسانًا اتجاه سيره إلى الشمال والقبلة عن اليسار، فانحرف عن اتجاه السير إلى الشرق، بطلت صلاته؛ لأنه ترك استقبال القبلة؛ تبطل صلاته، ولو اتجه إلى القبلة قالوا: إنها لا تبطل؛ لأن القبلة هي الأصل.
طالب: النافلة يا شيخ؟
الشيخ: النافلة، أيوه، الفريضة ما تصح أبدًا على الراحلة إلا للضرورة.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف ﵀: والقادر: مَنْ أمكنه الركوب، ووجد زادًا وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية، وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يُقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجده، ويجزئ عنه، وإن عوفي بعد الإحرام، ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها؛ وهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، وإن مات من لزماه أخرجا من تركته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما قولك في صغير بلغ في الحج بعد الوقوف بعرفة؟
طالب: إن كان يمكنه بعد الوقوف إن كان يمكنه الرجوع إلى عرفة ليقف، فعلى قول صح فرضًا من أول.
الشيخ: يعني: يرجع ويقف؟
[ ١ / ٣٦٢٨ ]
الطالب: يرجع ويقف، مالم تطلع شمس يوم العيد يخرج فجر يوم العيد، وإلا فإنه لا يصح () فرض، إذا طلع فجر يوم العيد؛ لأنه لا يمكنه الوقوف بعرفة.
الشيخ: يقول في الجواب: إذا أمكن أن يرجع فيقف بعرفة بحيث يكون وقت الوقوف باقيًا فإنه يرجع ويقف بعرفة، ويصح فرضًا، وإن لم يمكنه أن يرجع إلى عرفة قبل طلوع الفجر فإنه يبقى حجه نفلًا، صح.
ما تقول بصبي أحرم بالعمرة ثم بلغ قبل الشروع في الطواف؟
طالب: إذا بلغ قبل الشروع في الطواف فإنها تصح أن تقع فرضًا.
الشيخ: فإنها تنقلب فرضًا، ولَّا لا بد أن ينوي؟
الطالب: لا بد أن ينوي.
طالب آخر: تنقلب فرضًا دون إن ينوي يا شيخ.
الشيخ: تنقلب فرضًا وإن لم ينو. عندنا قولان في المسألة.
طالب: صح، وما هو القول الثاني؟
الشيخ: صح، وما هو القول الثاني؟
طالب: ().
الشيخ: صح، ينقلب فرضًا.
من هو القادر الذي قلنا بوجوب الحج عليه؟
طالب: () الزاد والراحلة.
الشيخ: وأيش؟ فيه شيء آخر.
الطالب: الزاد والراحلة بعد ..
الشيخ: خلِّ (بعد)، ما بعد وصلناها.
طالب: ().
الشيخ: لا، من أمكنه الركوب ووجد الزاد والراحلة.
هل يشترط في الزاد والراحلة أن يكونا على وصف معين أو مطلق الزاد والراحلة؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: قال العلماء () يجب أن يكونا صالحين لمثله.
الشيخ: يشترط أن يكونا صالحين لمثله.
الطالب: والصحيح أن يكونا ().
الشيخ: والصحيح أنه يشترط فيهما أن يمكنه الوصول إلى مكة والرجوع منها ولو بزاد لا يصلح لمثله؛ لأن زاد المسافر ليس كزاد المقيم.
ثم اشترط المؤلف في وجود الزاد والراحلة قال: (بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية) هذه ثلاثة أمور، لا يكون مستطيعًا قادرًا إلا بعد توافر هذه الأمور الثلاثة.
[ ١ / ٣٦٢٩ ]
أولًا: (قضاء الواجبات) الواجبات: كل ما يجب على الإنسان بذله؛ كالديون لله أو للآدمي، والنفقات الواجبة للزوجة أو للأقارب، والكفارات، والنذور، فلا بد أن يقضي هذا الشيء؛ فمن كان عنده مال إن قضى به الدين لم يتمكن من الحج، وإن حج لم يقض به الدين، فهل نقول: هذا قادر؟ لا، لا يكون قادرًا إلا بعد قضاء الديون والكفارات، وغيرها.
فإذا قال قائل: لو أن صاحب الدين أذن له أن يحج فهل يكون قادرًا؟
فالجواب: لا؛ لأن المسألة ليست مسألة إذن أو عدم إذن، المسألة شغل الذمة أو عدم شغلها، ومن المعلوم أن صاحب الدين إذا أذن للمدين أن يحج فإن ذمته لا تبرأ من الدين، يبقى الدين في ذمته.
إذن فنقول: الحج الآن ليس واجبًا عليه، اقض الدين أولًا، ثم حج، وأنت لو لاقيت ربك قبل أن تحج ولم يمنعك من ذلك إلا قضاء الدين فإنك تلاقي ربك كامل الإيمان؛ لأن الحج في هذه الحال لم يجب عليك، فكما أن الفقير لا تجب عليه الزكاة، ولو لقي ربه للقي ربه على إسلام تام، فكذلك هذا المدين الذي لم يتوفر لديه مال يقضي به الدين ويحج به يلقى ربه وهو تام الإسلام.
وما يفعله أو ما يظنه بعض المدينين الآن من أن العلة هي عدم إذن الدائن فإنه لا حقيقة له ولا أصل له، ليست العلة أن الدائن أذن أو لا يأذن، العلة أن الذمة تبقى مشغولة أو تبرأ، هذه العلة، ومعلوم أنه لو أذن له أن يحج فهل يبرأ من شيء من الدين؟ أبدًا.
فإذا قال قائل: لو أنه أمكنه أن يحج ..
والنفقاتِ الشرعيَّةِ والحوائجِ الأَصليَّةِ، وإن أَعْجَزَه كِبَرٌ أو مَرَضٌ لا يُرْجَى بُرْؤُه لَزِمَه أن يُقيمَ مَن يَحُجُّ ويَعتمِرُ عنه من حيث وَجَبَا ويُجزئُ عنه، وإن عُوفِيَ بعدَ الإحرامِ، ويُشترَطُ لوُجوبِه على المرأةِ وُجودُ مَحْرَمِها وهو زوجُها أو مَن تَحْرُمُ عليه على التأبيدِ بنَسَبٍ أو سببٍ مُباحٍ، وإن ماتَ مَن لَزِمَاه أُخْرِجَا من تَرِكَتِه.