الشيخ: سم الله.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل
غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه فرض كفاية، وأولى الناس بغسله: وصيه، ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذوو أرحامه، وأنثى: وصيتها، ثم القربى فالقربى من نسائها، ولكل من الزوجين غسل صاحبه، وكذا سيد مع سريته، ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه يُمِّمَتْ، كخنثى مشكل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
يقول المؤلف ﵀: (غسل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه فرض كفاية) هذه أربع مسائل.
ودليل ذلك في الغسل والتكفين قول النبي ﷺ في الذي وقصته ناقته يوم عرفة: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (١٨)، اغسلوه، والأمر في الأصل للوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت، إنما يوجه الخطاب لعموم المسلمين، فإذا قام به بعضهم كفى.
[ ١ / ٢٦٨٩ ]
ودليل آخر هو قول النبي ﵊ للنساء اللاتي يغسلن ابنته قال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (١٩)، قال: «اغْسِلْنَهَا»، والأصل في الأمر الوجوب.
وهذان دليلان أثريان.
أما الدليل النظري فلأن هذا من حقوق المسلم على أخيه، بل هو من أعظم الحقوق أن يقدم الإنسان أخاه إلى ربه على أكمل ما يكون من الطهارة.
وأما التكفين فهو أيضًا فرض كفاية، ودليله قوله ﷺ: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (١٨). كفنوه، فهنا أمر قال: «كَفِّنُوهُ»، والأصل في الأمر الوجوب، ومن المعلوم أنه واجب كفاية؛ لأنه لا يمكن أن يؤمر كل واحد من الناس أن يكفن الميت، وإنما المقصود أن يحصل الكفن. وهذا هو الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، فرض العين مطلوب من كل واحد، وفرض الكفاية المطلوب فيه وجود الفعل، هذا هو الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، أن فرض العين مطلوب من كل واحد، وأن فرض الكفاية المطلوب فيه أيش؟ الفعل، إذا حصل فهذا هو المطلوب.
وقوله: (والصلاة عليه)، الصلاة عليه أيضًا فرض كفاية؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي على الأموات باستمرار، وكان يقول: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (١٤). وأمر أن يصلى على المرأة التي رجمت (٢٠). وقال الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دل على أن الصلاة على المؤمنين شريعة قائمة، وهو كذلك.
[ ١ / ٢٦٩٠ ]
(ودفنه فرض كفاية)، دفن الميت أيضًا فرض كفاية؛ لأن الله تعالى امتن به على العباد، امتن بالدفن على العباد فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]، فكما أن علينا إيواء المضطر في البيوت، وستره فيها عند الضرورة، فكذلك علينا ستر الميت في قبره ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾.
وكذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١]، فإن هذا سيق على سبيل المنة؛ لأن الله أكرمه بدفنه، ولم يجعله كسائر الجيف تلقى في المزابل وفي الأسواق وفي الأفنية، بل أكرمه يدفن ويستر.
إذن هذه الأربع كلها فرض كفاية، وسيأتي إن شاء الله بالتفصيل كيف التغسيل، وكيف التكفين، وكيف الصلاة، وكيف الدفن.
كل فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فإن لم يوجد إلا هو صار في حقه فرض عين.
وقول المؤلف: (دفنه فرض كفاية)، ما يتوقف عليه الدفن فرض كفاية أيضًا، مثل حمله، وكذلك ما تتوقف الصلاة عليه فرض كفاية، فحمله من بيته إلى المصلى أيش؟
طلبة: فرض كفاية.
الشيخ: فرض كفاية، وحمله من المصلى إلى المقبرة فرض كفاية؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإذا قال قائل: إذا كانت هذه الأشياء تحتاج إلى مال، فمن أين يؤخذ المال، الغسل يحتاج إلى مال، والكفن يحتاج إلى مال، والدفن يحتاج إلى مال، والحمل قد يحتاج إلى مال، فعلى من يكون؟
يكون أولًا في تركة الميت، ثم على من تلزمه نفقته، فإن لم يمكن فعلى عموم المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.
قال المؤلف: (وأولى الناس بغسله وصيه) يعني: لو تنازع الناس من يغسل هذا الميت، قلنا: أولى الناس بغسله وصيه، يعني الذي أوصى أن يغسله.
[ ١ / ٢٦٩١ ]
واستفدنا من قول المؤلف: (وصيه) أنه يجوز للميت أن يوصي بألا يغسله إلا فلان، والميت قد يوصي بذلك لسبب، مثل: أن يكون هذا الوصي تقيًّا يستر ما يراه من مكروه، أو أن يكون عالمًا بأحكام الغسل، أو أن يكون رفيقًا؛ لأن بعض الذين يغسلون الأموات يعاملونهم بشدة عند نزع ثيابه، تجده يعامله بعنف وكأنما يسلخ جلد شاة مذبوحة، نسأل الله العافية، فيوصي إلى شخص معين، فإذا كان الميت قد أوصى إلى شخص معين بأن يغسله فلان فهو أولى الناس بتغسيله، فإن لم يوصِ فسيذكره المؤلف.
ما هو الدليل على استفادة أولوية التغسيل بالوصية؟ لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله امرأته (٢١)، وأوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين (٢٢).
ثانيا قال: (ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته)، هنا قدموا ولاية الأصول على ولاية الفروع، وفي باب الميراث تقدم الفروع على الأصول، وفي ولاية النكاح الأصول على الفروع؛ فهنا لو كان للشخص الميت أبٌ وابنٌ ولم يوص من يغسله منهما، فالأولى الأب:
أولًا: لأن الأب أشد شفقة وحنوًّا على ابنه من الابن على أبيه.
ثانيًا: لأن الأب في الغالب يكون أعلم بهذه الأمور من الابن لصغره، في الغالب مع أنه قد يكون العكس، قد يكون ابن الميت طالب علم وأبوه جاهلًا.
يقول: (ثم جده)، أي الجدين؛ من قبل الأب أو من قبل الأم؟ من قبل الأب، الجد من قبل الأب.
(ثم الأقرب فالأقرب من عصباته)، من الأقرب بعد الأب والجد؟ الأبناء، وإن نزلوا، ثم الإخوة وإن نزلوا، ثم الأعمام وإن نزلوا، ثم الولاء على هذا الترتيب، ومن المعلوم أن مثل هذا الترتيب إنما نحتاج إليه عند المشاحة، فأما عند عدم المشاحة كما هو الواقع في عصرنا اليوم، فإنه يتولى غسله من يتولى غسل عامة الناس، وهذا هو المعمول به الآن، تجد الميت يموت وفيه أناس مستعدون للتغسيل، يذهب إليه فيغسلونه.
[ ١ / ٢٦٩٢ ]
يقول: (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) والأولى (ثم ذوو أرحامه) ذوو الأرحام أي: أصحاب الرحم: كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، فأبو الأم مثلًا من ذوي الأرحام، وأم الأب من ذوي الأرحام؟
طلبة: ().
الشيخ: ليست من ذوي الأرحام، ولكن هل تغسل الرجل؟
طالب: لا.
الشيخ: إذن لا ترد علينا، وإن كانت من ذوي الفروض لكنها لا تغسل الرجل.
(ثم ذوو أرحامه) (وبأنثى) يعني والأولى بغسل الأنثى وصيتها، كما قلنا فيما سبق بالنسبة للرجل.
(ثم القربى فالقربى من نسائها)، ولم يقل: ثم الأقرب فالأقرب من العصبات؛ لأن النساء ليس فيهن عصبة إلا بالغير أو مع الغير، ولهذا قال: (القربى فالقربى من نسائها) وعلى هذا فنقول: الأولى بتغسيل المرأة إذا ماتت من؟ وصيتها، ثم أمها وإن علت، ثم ابنتها وإن نزلت، ثم أختها من أب أو أم، أو الشقيقة، ثم عماتها، وخالاتها، إلى آخره، القربى فالقربى من نسائها.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه) أي: تغسيله، فالزوج له أن يغسل زوجته إذا ماتت، والزوجة لها أن تغسل زوجها إذا مات.
ودليل هذا ما سبق من حديث أبي بكر ﵁: أنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس (٢١).
وكذلك بالعكس؛ لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: «لَوْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ» (٢٣).
وعلى هذا فنقول: الزوج يجوز أن يغسل امرأته، والزوجة يجوز أن تغسل زوجها.
(وكذا سيد مع سُرِّيَته) والمراد: مع أمته، ولو لم تكن سُرِّية، فلو قدر أنها مملوكة، لكن لم يتسرها، يعني: لم يجامعها، ثم مات، فلها أن تغسله، وله أن يغسلها.
ثم قال: (ولرجل وامرأة غسل من دون سبع سنين فقط) من ذكر أو أنثى.
[ ١ / ٢٦٩٣ ]
ودليل هذا: أن إبراهيم ابن النبي ﷺ غسلته النساء (٢٤)؛ لأنه مات في الرضاعة، أي قبل أن يفطم، ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها، فإذا ماتت طفلة لها أقل من سبع سنوات فلأبيها أن يغسلها، وإذا مات طفل له أقل من سبع سنوات فلأمه أن تغسله، فإن ماتت طفلة لها سبع سنوات فأكثر فهل لأبيها أن يغسلها؟ لا؛ لأنه لا يغسل الرجل المرأة، ولا المرأة الرجل، إلا في الزوجين، والمالك وأمته، ولهذا قال: (ولرجل وامرأة غسل من دون سبع سنين فقط).
(وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه) يعني أو حصل عكسه بأن ماتت امرأة بين رجال فإنه يقول: يمم، كذا عندكم؟
طلبة: (يممت).
الشيخ: (يممت؛ كخنثى مشكل).
إن مات رجل بين نسوة، كم عمر الرجل؟ سبع سنين فأكثر، إذا مات بين نسوة فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة له أو أمة، فإن كان معهن زوجة أو أمة فإنها تغسله كما سبق، أما إذا لم يكن معهن زوجة ولا أمة فإنه لا يغسل.
لو كان معه بنت؟
طلبة: ().
الشيخ: لا تغسِّل، أُمُّ؟ لا تغسِّله أيضًا.
وكذلك لو ماتت امرأة بين رجال، فإنها لا تغسل إلا أن يكون أحد الرجال زوجًا أو سيدًا.
وقوله: (يُمِّمت كخنثى مشكل) أفادنا المؤلف بقوله: (يممت) أنه متى تعذر غسل الميت فإنه ييمم، وتعذره يكون له صور، منها هاتان الصورتان: أن تموت امرأة بين رجال أو رجل بين نساء، ليس فيهن من يصح أن يغسله.
ثانيًا: لو عدم الماء، مات ميت في البر، وليس عندنا ماء فإنه ييمم.
ثالثًا: لو تعذر تغسيله لكونه محترقًا فإنه ييمم، هكذا قال المؤلف ﵀، بناء على أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء.
[ ١ / ٢٦٩٤ ]
وقال بعض العلماء: إن من تعذر غسله لا ييمم؛ وذلك لأن المقصود بالتيمم التعبد لله تعالى بتعفير الوجه واليدين بالتراب، وهذا لا يحتاجه الميت؛ إذ إن المقصود من تغسيل الميت التنظيف؛ بدليل قوله ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢٥)، وقوله ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (٢٦)، وذلك بحسب ما يكون من نظافة جسد الميت أو عدم نظافته، فإذا كان نظيفًا فإنه لا يكرر إلا ثلاثًا، وإن كان غير نظيف فإنه يكرر بحسب ما يحتاج إليه.
لكن المؤلف ﵀ يقول: إنه ييمم، كيف نيممه؟ يأتي رجل أو امرأة ويضرب التراب بيديه ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه، هذه صفة التيمم.
ثم قال المؤلف: (ويحرم أن يغسل مسلم كافرًا، أو يدفنه، بل يواريه لعدم من يواريه)، قال (يحرم أن يغسل مسلم كافرًا) ووجه التحريم: أن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فإذا نهي عن الصلاة على الكافر، وهي أعظم ما يفعل بالميت وأنفع ما يكون للميت، فما دونها من باب أولى، ولأن الكافر نجس، وتطهيره لا يرفع نجاسته؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ولمفهوم قول النبي ﷺ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» (٢٧)، فيحرم أن يغسله.
وكذلك يحرم أن يكفنه، والعلة ما سبق أنه إذا نهي عن الصلاة، وهي أعظم وأنفع ما يفعل في الميت فما دونها من باب أولى.
[ ١ / ٢٦٩٥ ]
قال في الشرح: (أو يتبع جَنَازته) أو يتبع جَنَازته أو جِنازته، يجوز الوجهان حسب ما سبق، يعني: لا يجوز للمسلم أن يتبع جنازة الكافر؛ لأن تشييع الجنازة من إكرام الميت، والكافر ليس أهلًا للإكرام، بل يهان الكافر، قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، فدل هذا على أن غيظ الكفار مراد لله ﷿، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وتشييع الكافر إكرام له، وإكرام لذويه؛ ولهذا يحرم أن يتبع جنازته.
(أو يدفنه) نعم يحرم أن يدفنه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، والمراد: يحرم أن يدفنه كدفن المسلم، ولهذا قال: (بل يوارى لعدم من يواريه)، ومعنى يوارَى: يغطَّى بالتراب، سواء حفرنا له حفرة ورمسناه بها رمسًا، أو ألقيناه على ظهر الأرض وردمنا عليه ترابًا، لكن الأول أحسن، أي أننا نحفر له حفرة ونرمسه فيها؛ لأننا لو وضعناه على ظهر الأرض وردمناه بالتراب فلربما تحمله الرياح، تحمل هذا التراب، ثم تتبين جثته.
وقوله: (بل يوارى لعدم) يشمل ما إذا وُوري بالتراب، أو إذا وُوري بقعر بئر، أو نحوها؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتلى بدر من المشركين أن يلقوا في بئر من آبار بدر (٢٨) كما هو مشهور في السيرة.
[ ١ / ٢٦٩٦ ]
قال: بل يواريه لعدم، ما معنى (لعدم)؟ أي: لعدم من يواريه، فإن وجد من يقوم بهذا من أقاربه فإنه لا يحل للمسلم أن يساعدهم في هذا، بل يكل الأمر إليهم.
ثم قال: (وإذا أخذ في غسله ستر عورته)، من هنا ابتدأ المؤلف في كيفية تغسيل الميت.
فقال: (وإذا أخذ في غسله) لا يرضى النحويون بهذا التعبير من الفقهاء؛ أي بقولهم (وإذا أخذ في غسله) لأن (أخذ) هنا من أفعال الشروع، وأفعال الشروع لا بد أن يكون خبرها جملة فعلها مضارع، وعلى هذا تكون العبارة على قاعدة النحويين: وإذا أخذ يغسله، ولكن العبارة من الفقهاء ليس فيها خلل؛ لأن كل واحد يعرف أن معنى قوله: (وإذا أخذ في غسله) أي: إذا شرع في غسله.
وقوله: (في غسله) أي: في تغسيله.
(ستر عورته) وجوبًا، وهي بالنسبة للرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك بالنسبة للمرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، وعلى هذا فيجرد الميت من كل شيء إلا مما بين السرة والركبة، إن كان رجلًا فهو بالنسبة للرجال، وإن كانت امرأة فبالنسبة للنساء.
فقول المؤلف هنا: (عورته) يريد بها ما بين السرة والركبة.
قال: (وجرَّده) ومعنى جرَّده أي من ثيابه، فيستر عورته أولًا، يعني يلف عليها لفافة أولًا، ثم يجرده من ثيابه.
ودليل ذلك أثر ونظر؛ أما الأثر فقول الصحابة حين أرادوا تغسيل النبي ﷺ: هل نجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا (٨).
وأما النظر فلأن تجريده أبلغ في تطهيره، والمقام يقتضي التطهير، وكلما كان أكمل فيه فهو أفضل.
[ ١ / ٢٦٩٧ ]
(وستره عن العيون) يعني: ينبغي أن يستره عن العيون، وهذا غير ستر العورة؛ لأن ستر العورة واجب، وهذا مستحب، يعني: ينبغي أن يغسله في مكان لا يراه الناس، إما في حجرة، وإما في خيمة إن كان في البر وما أشبه ذلك؛ وذلك لأن ستر الميت عن العيون أولى من كشفه، فإن الميت قد يكون على حال مكروهة فيكون ظهوره للناس نوعًا من الشماتة به، وأيضًا ربما يكون مفزعًا لمن يشاهده مروعًا له، لا سيما عند بعض الناس؛ فإن بعض الناس يرتاع جدًّا إذا شاهد الميت، فستره عن العيون أولى وأحفظ، ولهذا قال: (وستره عن العيون).
قوله: (ويكره لغير معين في غسله حضوره)، (حضوره) هذه نائب الفاعل، يعني: يكره أن يحضره شخص إلا من احتيج إليه لمعونته؛ وذلك لأنه ربما يكون في الميت شيء لا يحب أن يطلع عليه الناس، ولنفرض أن في الميت جروحًا لا يحب أن يطلع عليه الناس، أو نفرض أن فيه عيبًا من برص أو نحوه لا يحب أن يطلع عليه الناس فنقول لغير المعين في غسله: لا تحضر، ما دمت لا يحتاج إليك فلا تحضر.
وظاهر كلام المؤلف حتى وإن كان من أقاربه، مثل أن يكون أباه أو ابنه، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يحضر؛ لأنه لا حاجة إليه.
الآن ما الذي عملنا إذا أخذنا في الغسل، ماذا نعمل أول ما نعمل؟
طالب: نستر عورته.
الشيخ: أن نستر عورته، ثم بعد ذلك نجرده من ثيابه، ثم نستره عن العيون.
رابعا: ألا يحضر أحد تغسيله إلا من احتيج إليه.
وقد سبق في الباب الذي قبل أنه من حين أن يموت يوضع على سرير تغسيله، فلا يقال: هل نغسله على الأرض أو نغسله على السرير؟ نقول: لأن هذا مفهوم مما سبق.
[ ١ / ٢٦٩٨ ]
ثم قال ﵀: (ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه، ويعصر بطنه برفق، ويكثر صب الماء حينئذٍ) يعني: بعد أن نجرده ونحن قد سترنا عورته () إلى قرب الجلوس يعني: رفعًا بيّنًا، ويعصر بطنه برفق؛ لأجل أن يخرج منه ما كان متهيئًا للخروج؛ لأن الميت يسترخي، تسترخي كل أعصابه، فإذا رفع رأسه إلى هذا النحو وعصر بطنه لكن برفق فإنه ربما يكون في بطنه شيء من القذر مُتهيئًا للخروج وبعصره يخرج، وربما لو تركنا هذا مع رجّ الميت عند حمله وتقليبه في غسله وتكفينه ربما يخرج هذا الشيء المتهيئ للخروج، فلهذا قال الفقهاء ﵏: إنه ينبغي أن يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ثم يعصر بطنه لكن وليكن برفق، كما قال المؤلف.
(ويكثر صب الماء حينئذ) متى؟ (حينئذ) أي حينئذ يعصر البطن؛ لأجل يندرج أو يدرج ما يخرج من بطنه حينئذ.
(ثم يلف على يده خرقة فينجيه بها)، يعني أنه إذا فعل ما ذكر رفع رأسه وعصر بطنه، وخرج ما كان مستعدًّا للخروج، يلف على يده خرقة، من الذي يلف؟ الغاسل، وإذا كان هناك قفازان كما هو الآن متوفر ولله الحمد فإنه يلبس القفازين.
ثم ينجّيه، أي: ينجّي الميت، يعني يغسل فرجه مما خرج منه، ومما كان قد خرج قبل وفاته، ولكنه لم يستنج منه، فينجيه بها.
(ولا يحل مس عورة من له سبع سنين) يعني أنه يجب أن يضع هذه الخرقة إذا كان الميت له سبع سنين فأكثر، فأما إذا كان دون ذلك فله أن ينجيه بيده مباشرة؛ لأن ما دون سبع السنين على كلام الفقهاء ليس لعورته حكم، بل عورته مثل يده، ولهذا يجوز النظر إليها، ولا يحرم مسها، فإذا كان دون السبع فلا حرج أن ينجيه بيده مباشرة، أما إذا كان تم له السبع فإنه لا ينجيه إلا بخرقة.
[ ١ / ٢٦٩٩ ]
قال: (ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة) هذا غير الخرقة الأولى، الخرقة الأولى واجبة أو لا؟ واجبة لئلا يمس عورته، واجبة إذا كان له سبع سنين فأكثر لئلا يمس عورته، هذه الخرقة خرقة ثانية جديدة غير الأولى يضعها على يده؛ لأجل أن يكون ذلك أنقى للميت؛ لأنه إذا دلكه بالخرقة فهو أنقى له مما لو دلكه بيده، فيستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، مع أن الميت الآن بالنسبة للانكشاف كل بدنه مكشوف إلا العورة.
(يستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، ثم يوضئه) وجوبًا أو ندبًا؟ ندبًا.
ثم يُوَضِّئهِ نَدْبًا ولا يُدْخِلُ الماءَ في فِيهِ ولا في أَنْفِه، ويُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بالماءِ بينَ شَفَتَيْه فيَمْسَحُ أسنانَه وفي مَنْخِرَيهِ فيُنَظِّفُهما ولا يُدْخِلُهما الماءَ ثم يَنْوِي غُسْلَه ويُسَمِّي ويَغْسِلُ برَغْوَةِ السِّدْرِ رأسَه ولِحْيَتَه فقط ثم يَغْسِلُ شِقَّه الأيمنَ ثم الأَيْسَرَ ثم كلَّه ثلاثًا يُمِرُّ في كلِّ مَرَّةٍ يَدَه على بَطْنِه فإن لم يَنْقَ بثلاثٍ زِيدَ حتى يَنْقَى، ولو جَاوَزَ السبْعَ ويَجْعَلُ في الغَسلةِ الأخيرةِ كافورًا، والماءَ الحارَّ والأشنانَ، والخِلالُ يُسْتَعْمَلُ إذا احْتِيجَ إليه، ويَقُصُّ شاربَه ويُقَلِّمُ أظافِرَه ولا يُسَرَّحُ شَعَرُه ثم يُنَشَّفُ بثوبٍ.
[ ١ / ٢٧٠٠ ]
ويُضَفَّرُ شَعَرُها ثلاثةَ قرونٍ ويُسْدَلُ وَراءَها. وإن خَرَجَ منه شيءٌ بعدَ سبعٍ حُشِيَ بقُطْنٍ فإن لم يَسْتَمْسِكْ فبِطِينٍ حُرٍّ، ثم يَغْسِلُ المحلَّ ويُوَضَّأُ، وإن خَرَجَ بعدَ تَكفينِه لم يُعِد الغُسْلَ، ومُحْرِمٌ مَيِّتٌ كَحَيٍّ يُغَسَّلُ بماءٍ وسِدْرٍ ولا يُقَرَّبُ طِيبًا ولا يُلْبَسُ ذَكَرٌ مَخيطًا ولا يُغَطَّى رأسُه ولا وَجْهُ أُنْثَى، ولا يُغَسَّلُ شَهيدٌ ومَقتولٌ ظُلْمًا إلا أن يكونَ جُنُبًا ويُدْفَنُ في ثِيابِه بعدَ نَزْعِ السلاحِ والْجُلودِ عنه، وإن سُلِبَها كُفِّنَ بغَيْرِها ولا يُصَلَّى عليه، وإن سَقَطَ عن دَابَّتِه أو وُجِدَ مَيِّتًا ولا أَثَرَ به
أنقى له مما لو دلكه بيده، فيستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة، مع أن الميت الآن بالنسبة للانكشاف كل بدنه مكشوف إلا العورة.
(يستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة ثم يوضئه) وجوبًا أو ندبًا؟ ندبًا، ودليل ذلك قول النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (١).
وليس على سبيل الوجوب، بدليل أمر النبي ﷺ أن يغسل الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات، فقال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢)، ولم يقل: وضئوه، فدل على أن الوضوء ليس على سبيل الوجوب، بل هو على سبيل الاستحباب.
(ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه) لا يدخل الماء في فيه بدلًا عن المضمضة، ولا في أنفه بدلًا عن الاستنشاق، لا يفعل هذا؛ لأن الحي إذا أدخل الماء في فمه تمضمض به ومجّه وخرج، والميت لو أننا صببنا الماء في فمه لانحدر إلى بطنه وربما يحرك ساكنًا، وكذلك نقول في مسألة الاستنشاق: الميت لا يستنشق الماء، ولا يستطيع أن يستنثره، وحينئذٍ نقول: لا تدخل الماء في فمه ولا أنفه.
[ ١ / ٢٧٠١ ]
ولكن ماذا يصنع؟ يقول: (ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظّفهما) وهذا يقوم مقام المضمضة والاستنشاق.
وقوله: (يدخل إصبعيه) يعني ملفوفًا عليهما خرقة، وهي الخرقة التي كان يمس بشرته بها فيدخل إصبعيه في فمه ويمسح أسنانه، ويكون ذلك برفق، وكذلك يدخلها في منخريه فينظّفهما ويكون هذا أيضًا برفق.
(ولا يدخلهما الماء) لماذا؟ لأنه لو أدخل فمه الماء نزل إلى بطنه، ولو أدخله في منخريه كذلك نزل إلى بطنه فيحرك ما كان ساكنًا. ويغني عن ذلك ما ذكره المؤلف أن يجعل خرقة مبلولة ينظّف بها أنفه وأسنانه وبقية فمه.
***
طالب: أحسن الله إليك، استدلالهم بالآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] هذه نجاسة معنوية وليست نجاسة حسية، وإنما ثبت عن النبي ﷺ أنه ربط في المسجد أحد المشركين (٣) دل ذلك أن هذه ليس نجاسة الكافر؛ لأن النجاسة المعنوية ليست () فكيف يستدل بهذه الآية؟
الشيخ: يقول: إن الاستدلال بأن الكافر لا يغسل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ فيه نظر؛ لأن النجاسة المذكورة في الآية نجاسة معنوية؟
فنقول: من لم يطهر باطنه من النجاسة المعنوية لا يصح أن يطهر ظاهره من النجاسة الحسية؛ ولهذا قال العلماء: من شرط صحة الغسل الإسلام.
طالب: شيخ أحسن الله إليك ().
الشيخ: لا، ما () ليست نجسة لكنهم ليسوا أهلًا للتطهير.
طالب: شيخ () وضعت الولد () هل تغسله؟
الشيخ: إي، هذا سؤال جيد، يقول: لو أن الرجل توفي عن امرأة حامل، عن زوجته حاملًا، ثم وضعت الحمل قبل أن يغسل، فهل تغسله؟
الجواب: لا، لا تغسل، لماذا؟ لأنها بانت منه، انقضت عدتها قبل أن يدفن زوجها، فصارت أجنبية ().
***
[ ١ / ٢٧٠٢ ]
ضد الحمى أو غير الحمى ليس ينافي التوكل، بل هو من التوكل؛ لأن فعل الأسباب الواقية من الشر هذا من الأمور التي جاءت بها الشريعة، ولو حل هذا لكان أقرب إلى المنع مما لو لم يحل؛ لأنه إذا حل يشبه الفرار من الطاعون بعد وقوعه في المكان، لكن الذي نرى أنه لا بأس به؛ لا قبل حلول الوباء ولا بعده ().
يمر بنا دائمًا كلمة فرض كفاية، فما معناها؟
طالب: فرض كفاية أي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
الشيخ: نعم، ما الفرق بين فرض الكفاية وبين فرض العين؟
الطالب: فرض العين هو أن يكون المطلوب من كل شخص بعينه وفرض الكفاية هو أن يكون المطلوب من () إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
الشيخ: نعم، وفرض الكفاية يقصد به وجود الفعل بقطع النظر عن الفاعل، تمام طيب.
يقول المؤلف: إن غسل الميت فرض كفاية، فما هو الدليل؟
طالب: قول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢).
الشيخ: قول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ».
ودليل آخر؟
الطالب: قول النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته فاطمة ..
الشيخ: فاطمة! فاطمة ماتت بعده، ابنته بس يمكن زينب.
الطالب: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا» (١).
الشيخ: «أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ».
ما هو الدليل على أن التكفين فرض كفاية؟
طالب: قول النبي ﷺ: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» (٢).
الشيخ: قول الرسول: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ».
الدليل على أن الصلاة فرض كفاية؟
طالب: كان النبي ﷺ لا يصلي على () وقد قال لأصحابه يومًا: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» (٤).
الشيخ: نعم، أمر النبي ﷺ بالصلاة على الميت «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» وما أشبه ذلك. هل حمل الميت فرض؟
طالب: نعم، فرض كفاية.
[ ١ / ٢٧٠٣ ]
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأنه تابع لتغسيله، ودفنه فرض أيضًا، لا يكون دفنه إلا بعد حمله.
الشيخ: لا يتم دفنه إلا بحمله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. تمام.
متى يجوز تغسيل الميت من الرجال والنساء؟
طالب: تغسيل الميت من الرجال والنساء ().
الشيخ: لا، متى يجوز تغسيله من الرجال والنساء؟
الطالب: الميت من الرجال يغسله وصيه.
الشيخ: لا إله إلا الله!
طالب: شيخ، إذا كان أقل من سبع.
الشيخ: إذا كان دون سبع سنين، فإنه يغسله الرجال والنساء؛ لأنه لا حكم لعورته. ومن هو الرجل البالغ الذي يمكن أن يغسل امرأة بالغة؟
طالب: الرجل البالغ () فقط هو الذي لا يجوز ..
الشيخ: إي، لكن من هو الرجل الذي يتجاوز سبع سنين، يجوز أن يغسله امرأة أو بالعكس.
طالب: إذا كان زوجًا.
الشيخ: إذا كان زوجًا أو؟
طالب: أو زوجة.
الشيخ: أو سيدًا، الزوج مع زوجته، والسيد مع أمته، تمام.
هل هناك دليل على أن الرجل يغسل المرأة أو بالعكس، الزوج يعني يغسل زوجته أو بالعكس؟
طالب: أبو بكر الصديق أوصى أن تغسله أسماء (٥).
الشيخ: صحيح، والعكس.
الطالب: والعكس ..
طالب آخر: ().
الشيخ: إي، بس نريد دليلًا.
الطالب: قول النبي ﷺ لعائشة.
الشيخ: «لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ» (٦) تمام.
من هو الميت الذي لا يغسل، يعني لا يمكن لأحد أن يغسله؟
طالب: الكافر لا يغسل المسلم.
الشيخ: لا، قصدي أنه غير قابل للتغسيل، ما هو معناه أنه ..
الطالب: إذا كان محروقًا أو غريقًا أو ..
الشيخ: لا.
طالب: إذا مات رجلًا بين النسوة.
الشيخ: إذا مات رجل بين النسوة فإنه؟
الطالب: لا يغسل.
الشيخ: يمم، ولا يغسل.
والخنثى المشكل ألا تغسله المرأة؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟
الطالب: لأنه مشكل.
الشيخ: لأنه يحتمل أن يكون رجلًا لا تغسله المرأة لاحتمال أن يكون رجلًا، ولا يغسله الرجل لاحتمال أن يكون .. طيب لو كان زوجًا؟
طالب: لو كان زوجًا ما صار مشكلة.
[ ١ / ٢٧٠٤ ]
طالب آخر: ().
الشيخ: نقول: لا يمكن أن يكون زوجًا ما دام مشكلًا؛ لأنه لا يمكن أن يتزوج إلا إذا اتضح أنه ذكر أو أنثى، إن اتضح أنه ذكر زوجناه أنثى، وإن اتضح أنه أنثى زوجناه ذكرًا.
طالب: ما فيه تغليب ظني؟
الشيخ: لا ما فيه، فيه علامات إذا وجدت تبين.
حكم تغسيل الكافر؟
طالب: حرام يا شيخ.
الشيخ: حرام الدليل؟
الطالب: قول المؤلف ..
الشيخ: لا، قول المؤلف ما هو بدليل، قول المؤلف يحتج له ولا يحتج به.
الطالب: المؤلف يعلل أنه لا يجوز.
الشيخ: لا، حكم ما هو تعليل، حتى المؤلف ما علل، حكم.
طالب: قال الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
الشيخ: نعم، والتكفين مقدمة للصلاة، إي نعم. ماذا يصنع الغاسل أول ما يصنع في التغسيل؟
طالب: يستر عورة الميت.
الشيخ: نعم، يستر عورة الميت.
الطالب: ثم ينزع ثيابه.
الشيخ: يجرده من الثياب.
طالب: ثم يرفعه حتى يجعله كهيئة الجالس.
الشيخ: يرفع رأسه طيب، ورفع رأسه حتى.
الطالب: ويعصر على بطنه ثم يصب الماء صبًّا كثيرًا حتى يخرج إذا كان أذى.
الشيخ: طيب إذن ما هي العلة أنه يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويعصر بطنه برفق.
الطالب: يعني حتى يخرج ما كان يتهيأ للخروج.
الشيخ: إي نعم أحسنت. في حال غسل فرجه هل يباشر غسل فرجه أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ماذا يصنع؟
الطالب: يضع خرقة.
الشيخ: يضع على يديه خرقة فينجيه. العورة تكون مكشوفة ولا مستورة في هذه الحال؟
الطالب: مستورة.
الشيخ: مستورة، العورة لا تزال مستورة؛ لأنه لا حاجة إلى كشفها؛ إذ بإمكانه أن يدخل تحت السترة وينجيه. بعد هذا؟
طالب: ثم يوضئه.
الشيخ: يوضئه، كيف يوضئه في الاستنشاق والمضمضة؟
الطالب: ().
الشيخ: يبل خرقة ويمسح بها أسنانه وينظف منخريه، وهذا عوض عن المضمضة والاستنشاق.
هل توضئته واجبة؟
[ ١ / ٢٧٠٥ ]
طالب: توضئته ليست بواجب.
الشيخ: ليست بواجبة! أليس قد قال النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (١).
الطالب: نعم قال ذلك، ما يحمل على الوجوب.
الشيخ: ما هو الذي يصرفه عن الوجوب؟
الطالب: النصوص العامة يعني في الأمر بالغسل.
الشيخ: مثل؟
الطالب: «اغْسِلُوهُ».
الشيخ: قول الرسول لـ ..
الطالب: ().
الشيخ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢) ولم يذكر الوضوء، ثم إن البداءة باليمين «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» (١) ليست واجبة بالاتفاق، فكذلك مواضع الوضوء.
***
يقول المؤلف ﵀: (ثم ينوي غسله)، (ثم) للترتيب، والنية بمعنى القصد.
وظاهر كلام المؤلف أن النية تكون بعد عمل ما سبق من الاستنجاء والتوضئة، ولكن هذا فيه نظر، بل النية تتقدم الفعل؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٧)، ولعل هذه نية أخرى ينوي بها عموم الغسل؛ لأن ما سبق لا بد أن يكون بنية.
(ويسمي) يقول: باسم الله، وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن التسمية تكون بعد الاستنجاء قبل أن يوضئه، كما هو الحال في طهارة الحي.
(ويغسل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط) أفادنا المؤلف -﵀- أنه لا بد أن يعد الغاسل سدرًا يدقه ويضعه في إناء فيه ماء، ثم يضربه بيديه حتى يكون له رغوة، هذه الرغوة يغسل بها رأسه ولحيته، وأما الثفل الباقي فإنه يغسل به سائر الجسد.
وإنما خُصّ الرأس واللحية بالرغوة؛ لأننا لو غسلناهما بالثفل لبقي الثفل متفرقًا في الشعور وصعب إخراجه منها، أما الرغوة فليس فيها ثفل.
وقوله: ويغسل رأسه ولحيته، إذا قال قائل: ما هو الدليل على استحباب السدر في تغسيل الميت؟
فالجواب أن الدليل قوله ﷺ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢) مع أنه محرِم.
[ ١ / ٢٧٠٦ ]
(ثم يغسل شقه الأيمن، ثم الأيسر) لقول النبي ﷺ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» (١)، فيغسل الشق الأيمن، ثم الأيسر.
(ثم كلّه) يعني: بقية بدنه، (ثلاثًا) لقول النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا».
(يُمر في كل مرة يده على بطنه) من أجل أن يخرج ما كان متهيئًا للخروج، وعلى هذا فإنه يعصر بطنه كم مرة؟ أربع مرات، المرة الأولى التي قبل الاستنجاء عندما يرفع رأسه إلى قرب الجلوس، وثلاث مرات عند غسله.
(فإن لم ينق بثلاث زيد حتى ينقى)، (إن لم ينق) الفاعل: الميت (بثلاث) فإنه يزيد حتى ينقى؛ لأن المقصود بذلك تطهيره، وعدم النقاء يكون في الغالب إذا كان الرجل صاحب حرفة بالطين والجبس، وما أشبه ذلك، أو كان مريضًا مرضًا طويلًا فإن الأوساخ تتراكم عليه، فإذا غسلوه ثلاث مرات ولم ينق فإنه يزاد حتى ينقى.
ودليل ذلك: قوله ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، وهذا يرجع إلى رأي الغاسل، ولكن ليس مجرد رأي، إنما هو الرأي الذي تقتضيه المصلحة.
قال المؤلف: (حتى ينقى، ولو جاوز السبع) لو جاوز أي: زاد عليها، أنا عندي: (ولو جاز السبع)، يمكن عندكم نسخة مثلي.
(ولو جاوز السبع) أي: ولو تعداها؛ لقول النبي ﷺ: «أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ»، ولأن المقصود من تغسيل الميت التطهير، وقد لا ينقى بسبع مرات، فيزاد حتى ينقى.
قال: (ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا)؛ لقول النبي ﵊: «اجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» (٨)، والكافور: طِيب معروف أبيض يشبه الشب، فيدق ويجعل في الإناء الذي يغسل به آخر غسلة.
[ ١ / ٢٧٠٧ ]
قال العلماء: وإنما اختير الكافور من بين سائر الأطياب؛ لأنه بارد ولأن من خصائصه أنه يطرد الهوام عن الميت؛ لأن الميت في القبر تأتيه الهوام، فهذا الكافور له رائحة تطرد الهوام عنه، ففيه فائدتان: التبريد، والثاني: طرد الهوام، ولهذا قال النبي ﵊: «اجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا».
ثم قال: (والماء الحار والأشنان والخلال يستعمل إذا احتيج إليه) إذن الأفضل أن نغسل الميت بماء بارد، لكن إذا احتجنا إلى الحار، مثل أن تكون عليه أوساخ كثيرة متراكمة فإننا نستعمله، ولكنه ليس الحار الشديد الحرارة الذي يؤثر على الجلد برخاوة بالغة، ولكنه حار يكون أنقى من البارد.
وبماذا يسخن الماء؟ يسخن بأي وقود، سواء بالكهرباء، أو بالغاز، أو بالحطب، أو بغير ذلك.
وإنما سألت هذا السؤال لأنه عند عوامنا يقولون: إنه لا يسخن الماء الذي يغسل به الميت إلا بسعف النخل فقط، وغير ذلك لا يسخن به، لكن هذا لا أصل له، يسخن بما تحصل به السخونة، بأي وقود كان.
وقوله: (والأشنان) الأشنان معروف.
طالب: غير معروف.
الشيخ: غير معروف، لعل الله يسهل نشوف إن كان هناك بقية من الأولين نأتي بها يومًا من الأيام لنريكم إياها، إلا إن كان أحد عنده جزاه الله خيرًا يكفينا الطلب.
طالب: أجيبه من على الطريق، أجيب يا شيخ.
الشيخ: إي جيب إن شاء الله.
الطالب: رطب ولا يابس.
الشيخ: لا، يابس مسحوق.
الأشنان معروف شجر ينبت في البر، يؤخذ وييبس ثم يدق، ويكون من جنس الرمل حبيبات، تغسل به الثياب، ويغتسل به الإنسان أيضًا في جلده، وينظِّف.
هل يجري فيه الربا أو لا يجري؟
فيه قول، الذي يجعل علة الربا هي الكيل يقول: إن الربا يجري في الأشنان، وسيأتي به إن شاء الله صاحبكم.
الأشنان يستعمل عند الحاجة، الحاجة لأي شيء؟ للتنظيف؛ لأنه قد يكون على الجلد أوساخ أو دهون لا يزيلها الماء وحده، فيزيلها الأشنان، فإن لم يحتج إليه فلا يستعمله.
[ ١ / ٢٧٠٨ ]
وهل مثل ذلك الصابون؟
نعم، الصابون مثل الأشنان، بل هو أقوى منه تنظيفًا، فإذا استعمل الصابون من أجل إزالة الوسخ فلا حرج فيه.
وهل يستعمل مع الصابون ليفة؟
الجواب: لا؛ لأن الليفة تشطب الجلد، ربما يأتي هذا الذي يغسله من شدة الحرص على التنظيف يكرفه بشدة فيتأثر الجلد، يكفي أن يمسح باليد.
(الخلال يستعمل إذا احتيج إليه) الخلال: خلال الأسنان، إذا احتيج إليه بأن كان في أسنانه طعام فإنه يستعمل؛ لأن في ذلك تنظيفًا لأسنانه.
ثم قال: (ويقص شاربه، ويقلّم أظفاره، ولا يسرح شعره) إلى آخره.
خصال الفطرة كم؟ خمسة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.
هل تستعمل هذه الخصال مع الميت؟
الجواب: في ذلك تفصيل: أما الختان فلا يستعمل مع الميت، بل هو حرام؛ لأن الختان أخذ الجلدة، والجلدة جزء حي من الميت، فأخذها تمثيل بالميت ولا حاجة إليه؛ لأن الختان من حكمه أنه أطهر للإنسان، ولهذا يسمى عندنا في العامية الطهار، لكن إذا مات الإنسان فلا حاجة له؛ ولهذا قال العلماء: إنه يحرم ختان الميت.
الشارب والأظافر تؤخذ، لكن متى؟ إذا طالت، أما إذا كانت عادية، أو كان الميت قد أخذها عن قرب فإنها لا تؤخذ، يبقى على ما هو عليه.
الإبط كذلك، إن كثر فإنه يؤخذ، وإلا فيبقى على ما كان عليه. ويش بقي؟
طلبة: العانة.
الشيخ: العانة أيضًا إذا طالت وكثرت فإنها تؤخذ.
وقال بعض العلماء: إنها لا تؤخذ؛ لما في ذلك من كشف العورة، بخلاف الإبط والأظافر، ولكن الأولى أن تؤخذ إذا كانت كثيرة، وكشف العورة هنا للحاجة.
قال: (ولا يسرح شعره)، يعني أن الغاسل لا يسرح شعر الميت؛ لأن هذا يؤدي إلى أن تتقطع الشعر بالتسريح والمشط، ولكن المرأة يجعل رأسها ضفائر ثلاثة وتلقى خلفها (١) كما أمر بذلك النبي ﷺ.
(ثم ينشف بثوب) يعني: بعد أن يغسل يستحب أن ينشف؛ لأنه إذا بقي رطبًا عند التكفين أثر ذلك في الكفن، فالأفضل أن ينشف بثوب.
[ ١ / ٢٧٠٩ ]
وهذه الطهارة تخالف طهارة الحي، فإن طهارة الحي .. أو ندعها لكم -إن شاء الله- تبحثونها، طهارة الميت تخالف طهارة الحي من عدة وجوه:
منها: أن طهارة الحي لا تزيد على ثلاث، وهذه تزيد إلى سبع أو أكثر.
ومنها: أن الأفضل في طهارة الميت التنشيف، وأما طهارة الحي فقيل: الأفضل عدم التنشيف، وقيل: إن التنشيف وعدمه سواء، وإنه مباح؛ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
ثم قال: (ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها)، يضفر شعرها، أي: شعر المرأة، يعني يجعل ضفائر ثلاثًا، ويسدل من ورائها. ودليل ذلك أن النبي ﷺ أمر النساء اللاتي يغسلن ابنته بذلك: أن يضفرن شعرها ثلاثة قرون، ويسدلنه من ورائها.
طالب: ().
الشيخ: لا يحلق حلقًا أو يقص، وقصه قد يكون أسهل.
طالب: ولا يسرح شعر () في حديث ().
الشيخ: في أيش؟
الطالب: تسريح الرجل شعر المرأة.
الشيخ: الرسول ﵊ ما أمر بأن يسرح شعر المرأة.
الطالب: ().
الشيخ: وهي حية؟ ما نعرفه، الذي نعرف أن الرسول أمر بأن يضفر ثلاثة قرون ويسدل من ورائها.
الطالب: وإن صح الحديث.
الشيخ: إذا صح فهو يكون كالظفر، يكون خاصًّا بالمرأة.
طالب: ما الدليل على أن ().
الشيخ: ما هي كلها.
الطالب: ().
الشيخ: الدليل أن هذا من باب النظافة، وقصد النظافة في تغسيل الميت ظاهر من قول الرسول ﵊: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (١)، وهذا لا شك أنه أنظف
الطالب: ().
الشيخ: لا أدري، لكن المعنى صحيح.
طالب: ().
الشيخ: وحلق العانة للحي جائز، يعني لو إنسانًا واحدًا ما يحسن حلق عانته وليس عنده زوجه فإنه يحلق عانته رجل.
الطالب: ().
الشيخ: المهم ذكروا أن هذا لا بأس به، العلماء قالوا: له أن يحلق عانة من لا يحسن حلق عانته.
الطالب: ().
[ ١ / ٢٧١٠ ]
الشيخ: أنا عندي أنه ما أحد يعجز عن حلق العانة، خصوصًا وقتنا -الحمد لله- الآن فيه وسائل تسهل للإنسان هذا الشيء يمكن فيما سبق أن الموسى يصعب على الإنسان يحلق عانته به لكن فيه المكائن معروفة الآن، فيه مكائن حلاقة سهلة.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، لا بأس، قوله: «لَا تُحَنِّطُوهُ» (٢) يدل على أن -كما سيأتي في التكفين- يدل على أنه يجعل حنوطًا في الكفن، ما هو في التغسيل.
طالب: بالنسبة () الحامل ().
الشيخ: لا يعصر؛ لأن هذا خطر على الجنين، ربما ينزلق، فالأولى ألا يعصر.
طالب: الزوائد () مع الميت ().
الشيخ: هذا مهم، سؤال مهم، يقول: الزوائد المركبة في الميت، مثل الأسنان والأنف، هل تدفن معه أو لا؟
نقول: أما ما لا قيمة له فلا بأس أن يدفن معه؛ كالأسنان من غير الذهب والفضة، والأنف من غير الذهب، وأما ما كان له قيمة فإنه يؤخذ، إلا إذا كان يخشى منه المثلة، كما لو كان السن لو أخذناه لصار فيه مثلة فإنه يبقى معه، ثم إن شاء الورثة بعد أن يفنى الميت أن يحفروا القبر ويأخذوا الذهب فلهم ذلك، وإن شاؤوا أن يبقى فلهم ذلك.
طالب: ().
الشيخ: لا، هذه تبقى معه.
طالب: أحسن الله إليك ().
الشيخ: لا، ما يجوز هذا، لا بد أن يكون مسلمًا ().
***
إلى يوم الدين. مبتدأ النقاش، ما حكم تغسيل الأب الكافر؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ما الدليل؟
الطالب: الدليل قوله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
الشيخ: نعم، وجه الدلالة؟
طالب: () الميت، فمن باب أولى ما وراءها.
الشيخ: فما دونها مما يتعلق بإكرامه من باب أولى، أحسنت. لماذا يوارى؟
طالب: ().
الشيخ: إي، لماذا يوارى؟ لماذا لا نرميه في الزبالة ونتركه؟ لأن المؤلف يقول: يجب أن يوارى، يعني: يدفن ويستر.
الطالب: () لسببين، إذا مات.
الشيخ: لئلا يتأذى الناس برائحته، هذا واحد، وغير؟
[ ١ / ٢٧١١ ]
طالب: ().
الشيخ: لا، هو لازم يدفن، لكن لماذا يوارى؟ أولًا: لئلا يتأذى الناس برائحته. والثاني؟
طالب: لئلا يكسر ذلك أهله.
الشيخ: نعم، لئلا يتأذى أهله بذلك.
طالب: لئلا () أهل البدع ().
الشيخ: الأخ يقول: ولئلا يتخذ وثنًا.
طالب: ().
الشيخ: ما أدري هو سوف يتعفن.
طالب: هي نفس العلة في بروز القبر أن القبر.
الشيخ: لا، هذا معناه أنه يلقى في الزبالة كما تلقى الشاة إذا ماتت، نقول هذا لأنه يتأذى الناس برائحته، ويتأذى أهله بمشاهدته، هاتان علتان واضحتان.
طالب: كذلك يا شيخ لئلا تأكله السباع () ابن آدم.
الشيخ: هذه ربما تأكله السباع فتأخذ على بني آدم، ولكنني أخبرك بأن السباع تأكل الحي أحسن من الميت، وهي متعودة على أكل السباع.
على كل حال قد يوجد علل غير ما ذكرنا، لكن اللي واضح لي الآن هما العلتان الأوليان.
ما حكم ستر عورة الميت عند غسله؟
طالب: واجبة.
الشيخ: مطلقًا.
الطالب: إلا إذا كان دون سبع سنين.
الشيخ: إلا إذا كان دون سبع سنين، أحسنت.
المؤلف يقول: (إذا أخذ في غسله ستر عورته وجرده) هل يدل ذلك على أن ستر العورة قبل التجريد؟
طالب: نعم، تستر عورته قبل التجريد.
الشيخ: نعم تستر عورته، تلف عليها خرقة قبل أن يجرد؛ لأننا لو جردناه قبل ستر عورته لانكشفت العورة.
حكم توضئة الميت عند التغسيل؟
طالب: أمر مندوب.
الشيخ: أمر مندوب، ما الدليل على أنه للندب؟ وقد أمر به النبي ﷺ النساء اللاتي يغسلن ابنته، قال: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ» (١).
الطالب: لأن المطلوب في تغسيل الميت هو نظافة الميت وليس المقصود منه الوضوء للعبادة الشرعية، وأما غسل الميت هو للتنظيف.
الشيخ: للتنظيف، إذن لو أن الميت اغتسل قبل موته بخمس دقائق وتنظف بالصابون والشامبو وكل شيء ثم مات فلا يغسل.
طالب: ولكن يغسل من باب ..
الشيخ: من أنظف ما يكون.
[ ١ / ٢٧١٢ ]
طالب: قول الرسول ﵊: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢) لم يبين يتوضأ.
الشيخ: في الذي مات، وقصته راحلته، قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ولم يأمرهم بتوضئته، وهذا في آخر أيام الرسول ﷺ في حجة الوداع بعد قصة ابنته التي ماتت.
الطالب: ().
الشيخ: ما هي؟
الطالب: ().
الشيخ: هذا من باب دلالة الاقتران.
هل يمضمضه وينشقه؟
طالب: لا، ما يمضمضه ولا ينشقه.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه قد المضمضة في الميت هذا الماء المضمضة.
الشيخ: فيحرك ما كان ساكنًا في بطنه.
الطالب: لا ولكن.
الشيخ: إي نعم، لو دخل الماء إلى أنف الميت ما يتأذى، كله واحد، لكن لو دخل إلى معدته ربما يتحرك شيء، أما الاستنشاق فمتعذر؛ لأن الميت لن يستنشق.
كيف نغسل الميت بالسدر إذا قلنا: إنه يغسل بالسدر؟
طالب: السدر مع الماء.
الشيخ: يؤتى بالسدر، فأيش يعمل فيه؟
الطالب: فيوضع مع الماء.
الشيخ: إذا وضع في الماء يترك هكذا ولا يعمل فيه شيء آخر؟
الطالب: يقلب حتى تطلع رغوته.
الشيخ: حتى تطلع رغوته، ثم؟
الطالب: ثم يغسل برغوته رأس الميت ولحيته، وأما الثفل فيغسل به باقي الجسد.
الشيخ: تمام، لماذا اختير السدر؟
طالب: لأنه هو المنظف على عهد الرسول ﷺ.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: لأنه يبعد الحشرات برائحته.
الشيخ: لا.
طالب: لفائدتين: الأولى: أنه يبرد ويبعد الهوام.
الشيخ: يبعد الهوام، لا.
طالب: شيخ، لأنه أحسن شيء.
الشيخ: للتنظيف؛ لأنه أكمل في التنظيف من غيره، ولأنه بارد، يبرد البدن، هكذا قالوا.
بعد أن يعمل فيما يعمل من البداءة بميامن الميت وغسل رأسه ولحيته برغوة السدر، كيف يغسل بقية بدنه؟
طالب: ().
الشيخ: لكن يغسل الظهر قبل البطن ولا البطن قبل الظهر.
الطالب: يبدأ بالأيمن والأيسر.
الشيخ: يبدأ بالأيمن ثم الأيسر، ما الدليل أنه يبدأ بالأيمن؟
[ ١ / ٢٧١٣ ]
الطالب: حديث الرسول ﷺ قال: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ» (١).
الشيخ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا». إذا لم ينق بثلاث؟
طالب: يزيد رابعة وخامسة ..
الشيخ: يزيد رابعة ويقتصر عليها لو نقى بالرابعة؟
الطالب: يقتصر عليها.
الشيخ: يقتصر عليها؟
طالب: يزيد واحدة.
الشيخ: يزيد واحدة، لماذا؟
طالب: ().
الشيخ: طيب الآن أنقى بأربع يزيد الخامسة لماذا؟
الطالب: لأنه هذا الذي ..
الشيخ: هذا الذي أمر به، ولأنه يقطعه على وتر.
إذا لم ينق بثلاث، فما منتهى الزيادة؟
طالب: يطيب بكافور.
الشيخ: لا، إذا لم ينق بثلاثة هل يزيد خمسة سبعة تسعة؟
الطالب: يزيد خمسة.
الشيخ: خمسة ما أنقى؟
الطالب: سبعة.
الشيخ: سبعة لم ينق؟
الطالب: فأكثر.
الشيخ: تسعة، ويش تقولون؟ صحيح؛ لأنه قال: (ولو جاوز السبع)، وفي الحديث: «أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (١).
التعليق بالرؤية هنا تعليق اختيار أو مصلحة؟
طالب: مصلحة.
الشيخ: تعليق مصلحة، هل هناك ضابط لما فيه التخيير بين أن يكون اختيارًا أو مصلحة؟
الطالب: إذا كان التخيير يرجع إلى الفاعل يكون التخيير تشهيًا، وإذا كان لغير الفاعل يكون تخيير مصلحة.
الشيخ: صح، الضابط هذا إذا كان المقصود التيسير على الفاعل وهو يعود لنفسه، لا يعود لغيره، فهو تخيير تشه، يعني: مخير اللي يشتهيه، وإذا كان يعود إلى الغير فهو تخيير مصلحة، هذا الضابط؛ لأن الإنسان في نفسه هو حر، مثل: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا تخيير تشه؛ لأن المقصود به التيسير على المكلف، وهو يتعلق بنفسه، ما يتعلق بغيره، وأما إذا قيل: بع مال اليتيم أو أقرضه أو ضارب به فهذا تخيير مصلحة؛ لأنه يتعلق بالغير.
الكافور يجعل في الغسلة الأولى؟
[ ١ / ٢٧١٤ ]
طالب: يجعل في الغسلة الأخيرة.
الشيخ: الأخيرة، الدليل؟
الطالب: قول الرسول ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «وَاجْعَلْنَ فِي آخِرِ غَسْلَةٍ».
الشيخ: «فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ» ..
الطالب: «كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ».
الشيخ: ما هي الفائدة من ورق الكافور؟
طالب: أنه يطرد الهوام وأنه بارد.
الشيخ: وغير؟
الطالب: يطرد الهوام.
الشيخ: وغير؟
طالب: أنه يحنط المغتسل، يصلب المغتسل.
الشيخ: نعم يصلبه أيضًا، هو له رائحة طيبة رائحة زكية، يعني قريبًا أن يكون نوعًا من الطيب.
هل يقص شارب الميت عند تغسيله؟
طالب: نعم يا شيخ، إذا () شاربه طويل فإنه يقص.
الشيخ: إن طال يقص وإلا فلا، طيب، ويقاس عليه الأظفار؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والإبط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والعانة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والختان؟
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، الختان لا يجوز، يحرم، وأما الأظفار والإبط والشارب والعانة فتزال إن طالت.
كلام المؤلف ظاهره أنه لا يأتي الإبط ولا العانة ولا الختان؛ لأنه اقتصر على الشارب والظفر فقط، وهذا أحد القولين في المسألة.
ظاهر كلام المؤلف أنه لا يأتي سوى الشارب والأظافر.
ولكن المشهور من المذهب أنه يأخذ الإبط، ولا يأخذ العانة.
والصحيح أنه يأخذ العانة إذا طالت؛ لأن أخذ العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار، قص الشارب، كله من النظافة، والمشروع أن يخرج الميت نظيفًا.
يبقى عندنا مسألة العانة: كيف يحلقها؟ نقول: لنا في هذا مخرجان: إما أن يقال: إن هذه حاجة والنظر إلى العورة عند الحاجة جائز، وإما أن يقال: يمكن ألا يحلقها حلقًا، بل يقصها قصًّا، والقص ليس بضرورة أن يشاهدها.
يقول المؤلف: إن الميتة (يضفر شعرها ثلاثة قرون)، ما معناها؟
طالب: ().
الشيخ: نعم، ما الدليل؟
طالب: حديث أم عطية عندما قالت: إننا غسلنا ابنة النبي ﷺ، قالت: فضفرناها ثلاثة قرون (١).
الشيخ: ضفرنا شعرها.
[ ١ / ٢٧١٥ ]
الطالب: ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها.
الشيخ: تمام أحسنت، ألقيناه خلفها.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (وإن خرج منه شيء بعد السبع حشي بقطن).
(خرج منه) أي: من الميت، (شيء) أي من بول، أو غائط، أو دم، أو ما أشبه ذلك، (حشي بقطن) يعني: سد بالقطن من أجل أن يتوقف.
(فإن لم يستمسك) بالقطن (فبطين حر) الطين الحر: الذي ليس مخلوطًا بالرمل، يعني طينًا قويًّا؛ لأن الطين القوي يسد الخارج، واختاروا الطين لأنه أقرب إلى طبيعة الإنسان؛ حيث إن الإنسان خلق منه، وسيعاد إليه، فلهذا اختاروا الطين.
(ثم يغسل المحل ويوضأ) يغسل المحل، يعني الذي أصابه ما خرج، يغسل للتنظيف وإزالة النجاسة إن كان نجسًا، ثم يوضأ.
(وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل) إن خرج شيء بعد التكفين لم يعد الغسل؛ لأن في ذلك مشقة؛ إذ إننا لو أزلنا الكفن ثم نظفناه، ثم كفّناه مرة أخرى، فربما يخرج شيء، وحينئذٍ يكون فيه المشقة، فإذا خرج بعد التكفين تركناه.
قال الفقهاء ﵏، وهو من عندهم: إذا خرج قبل السبع وجب غسله وإعادة الغسل، وإن خرج بعد السبع وجب غسله والوضوء، وإن خرج بعد التكفين لم يجب غسله ولا إعادة الوضوء. فله أحوال ثلاثة، ولهذا قال: (إن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل) ويترك.
ثم قال: (ومحرم ميت كحي) أي: في أحكامه، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٢)، فهذا يدل على أنه باق على إحرامه، وإذا كان كالحي قد يغسل بماءٍ وسدر؛ لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، ولأن استعمال السدر للمحرم ليس بحرام، بل هو جائز.
(ولا يقرّب طيبًا) لقول النبي ﷺ: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ»، ولأن المحرم ممنوع من الطيب.
[ ١ / ٢٧١٦ ]
(ولا يلبس ذكرٌ مَخيطًا) يعني: لا يلبس الذكر قميصًا أو سراويل أو عمامة أو غيرها مما يحرم على الحي، ودليل ذلك قوله ﷺ: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
قال: (ولا يغطى رأسه) لا يغطى رأسه، بل يبقى مكشوفًا؛ لقول النبي ﷺ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ»، ولكن لا بأس أن يظلل بشمسية أو شبهها، كما يفعل بالمحرم الحي، وأما التغطية باللف عليه، فهذا لا يجوز.
(ولا وجه أُنثى) يعني: لو ماتت أُنثى محرمة فإن وجهها لا يغطى، وهذا إن لم يُمر بها حول رجال أجانب، فإن مُر بها حول رجال أجانب فإن وجهها يستر، كما لو كانت حية.
وظاهر كلام المؤلف اجتناب هذه الأشياء حتى بعد التحلل الأول، ولعله غير مراد؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يحرم عليه إلا النساء فقط، وعلى هذا فيصنع به كما يصنع بالمتحلل تحللًا أول.
وفي قول النبي ﵊: «يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» دليل على أنه لا يُقضى عنه ما بقي من نسكه، ولو كان الحج فريضةً، خلافًا لما ذهب إليه بعض أهل العلم، وقالوا: إنه يقضى عنه ما بقي من النسك إذا كان الحج فريضة.
فإننا نقول في رد هذا القول: إن النبي ﷺ لم يقل لهم: اقضوا عنه بقية نسكه، ولو كان قضاء بقية النسك واجبًا لبيّنه النبي ﷺ، ولأننا لو قضينا عنه بقية نسكه لفوتنا عليه فائدة كبيرة جدًّا، وهي أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا؛ لأننا لو قضينا عنه بقية النسك لتحلل وانتهى من النسك، فيكون في قضاء بقية النسك عنه إساءة إلى الميت. بل نجعله يبقى ونقول: هذا الرجل شرع في أداء النسك ومات قبل إكماله، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، أما بالنسبة لنا فلا نتعرض له.
[ ١ / ٢٧١٧ ]
ثم قال: (ولا يغسل شهيد ومقتول ظلمًا إلا أن يكون جنبًا): (ولا يغسل شهيد) (لا) نافية، والنفي يحتمل الكراهة ويحتمل التحريم. ولهذا اختلف أصحابنا -﵏- هل تغسيل الشهيد حرام أو مكروه؛ فقال بعضهم: إنه مكروه. وقال بعضهم: إنه حرام.
والصحيح أنه حرام؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن يدفنوا في دمائهم وألا يغسلوا (٩)، ولأن التغسيل واجب، ولا يترك الواجب من أجل فعل المكروه، لا يترك إلا لمحرم، وعلى هذا فالقول الصحيح في المسألة أنه لا يغسل تحريمًا أو كراهة؟ تحريمًا.
وقوله: (شهيد) المراد بالشهيد هنا شهيد المعركة، لا من في حكم الشهيد، المراد شهيد المعركة الذي يقتل وهو مقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
أما من قاتل لوطنية أو قومية أو عصبية فليس بشهيد، ولو قتل، لكن من قاتل حماية لوطنه الإسلامي من أجل أنه وطن إسلامي فقد قاتل لحماية الدين، فيكون من هذا الوجه في سبيل الله.
ولهذا يجب أن نبيّن لإخواننا في الجيش أنهم إنما يتأهبون للقتال لا دفاعًا عن وطنهم من أجل أنه وطنهم، ولكن من أجل أنه وطن إسلامي، يقاتلون لحماية الإسلام حتى يكونوا عند الموت شهداء؛ لأن النبي ﷺ سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (١٠).
فاسأل من قاتل حمية، فالذي قاتل حمية نقول: لماذا تقاتل حمية؟ هل هو حدب على قومك، أو رغبة في بقاء الإسلام في بلادك؟
إن قال بالأول فليس بشهيد، وإن قال بالثاني فهو شهيد، قال: أنا أقاتل حدبًا على قومي، ليبقى الإسلام في بلادي. قلنا: إذن أنت في سبيل الله.
[ ١ / ٢٧١٨ ]
وقوله: (ومقتول ظلمًا) يعني أن المقتول ظلمًا لا يغسل أيضًا؛ لأن المقتول ظلمًا شهيد، قال النبي ﵊: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (١١).
هكذا قال المؤلف، والصحيح أن المقتول ظلمًا يغسل كغيره من الناس، ولا يمكن أن يساوى بشهيد المعركة، وإن كان يطلق عليه اسم شهيد، فالمطعون أيضًا شهيد، والمبطون شهيد، والغريق شهيد، والحريق شهيد، وليس كل ما أطلق عليه اسم الشهيد يكون حكمه كشهيد المعركة؛ لأن شهيد المعركة يا إخوانا مدَّ رقبته إلى عدوه ليقطعها في سبيل الله، والمقتول ظلما أُكره على المقاتلة حتى قتل، فبينهما فرق عظيم.
ولهذا يجب ألا نظن أن الشهداء في مرتبة واحدة، وإن كانوا شهداء، كل في مرتبته: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
فالصحيح أن جميع الموتى من المسلمين يغسلون ويكفّنون ويصلّى عليهم إلا شهداء المعركة فقط، فهؤلاء لا يغسلون، ولا يكفّنون، ولا يصلّى عليهم.
لكن لماذا؟ لأن المقصود بالصلاة عليهم: الشفاعة لهم، وكفى ببارقة السيوف على رؤوسهم شفاعة، كفى بذلك، فهم يشفع لهم هذا البذل الذي بذلوه، بذلوا أغلى ما عندهم، وهي النفوس، لإعلاء كلمة الله.
طالب: () ما يتعارض.
الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأن هذاك في التغسيل وهذا في إزالة النجاسة.
الطالب: ().
الشيخ: لا، ما هو على كل حال ().
طالب: شيخ، كل عبد يبعث على ما مات عليه، والحاج يبعث ملبيًا، هل يتعدى الحكم هذا إلى غيره مثل من مات مصليًا أو مات مثلًا ..
الشيخ: والله يرجى له ذلك، لكن ما نجزم بهذا الشيء.
الطالب: بموجب هذا الحديث.
[ ١ / ٢٧١٩ ]
الشيخ: أقول: لأن القياس في العبادات أو في الثواب فيه نظر، وحديث: «يُبْعَثُ الْعَبْدُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» (١٢) يعني: من التوحيد والإخلاص، ولا يلزم منه أنه إذا مات مصليًا فإنه يبعث مصليًا، وإذا مات طالب علم فإنه يبعث طالب علم، لكن يرجى ذلك إن شاء الله.
الطالب: لكن فعل أبي سعيد لما جاءه الموت لبث ثوبًا جديدًا وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ بِالثَّوْبِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ» (١٣).
الشيخ: هذه مخالفٌ فيها ﵁، أقول: فإن كثيرًا من العلماء يقول: المراد بالثياب هنا ثياب التقوى، ما هو ثياب اللباس الحسية ().
(ولا يغسل شهيد ولا مقتول ظلمًا) إلى آخره.
إذا خرج من الميت شيء بعد غسله فقد ذكرنا، إذا خرج منه شيء فقد ذكرنا أنه على ثلاثة أقسام؟
طالب: إذا كان قبل الغسل () أما إذا كان قبل ().
الشيخ: لا، إذا كان قبل السبع.
الطالب: إذا كان قبل السبع قلنا: يجب غسله.
الشيخ: يجب إعادة الغسل، غسله كله. طيب.
الطالب: إذا كان قبل التكفين فإنه ().
الشيخ: اللي قبل التكفين حتى () قبل التكفين إذا كان بعد السبع وقبل التكفين.
الطالب: إذا كان بعد السبع وقبل التكفين هنا يجب وضوؤه وغسله.
الشيخ: كيف الغسل؟ إذن لا فرق بين هذه والأولى.
الطالب: غسله.
طالب: إذا كان قبل السبع يعيد.
الشيخ: إذا كان قبل السبع وجب إعادة تغسيله.
الطالب: وإذا كان بعد السبع ().
الشيخ: وإذا كان بعد التكفين؟
الطالب: إذا كان بعد التكفين لا ..
الشيخ: لا يجب لا غسله ولا وضوؤه. طيب.
طالب: () غير واضحة.
الشيخ: أصل كل ما وجب الغسل وجب الوضوء، إذا كان قبل السبع يجب التغسيل إذا كان بعده، وقبل التكفين يجب وضوؤه، والثالث: إذا كان بعد التكفين لم يجب شيء لا وضوء ولا غسل.
طالب: بعد السبع يقتصر على الوضوء.
الشيخ: يقتصر على الوضوء.
الطالب: ما يجب الغسل؟
[ ١ / ٢٧٢٠ ]
الشيخ: لا، ما يجب الغسل، لكن إذا لم ينق بالسبع كما قال المؤلف يزاد حتى ولو جاوز السبع.
طالب: لم يذكر شيئًا.
الشيخ: كيف ما يذكر هذه؟
الطالب: غسله والوضوء.
الشيخ: أصله يمكن غسله ().
الطالب: ().
طالب: غسل من الخارج.
الشيخ: إي غسل الخارج ما هو بتغسيل الميت. طيب، إذا مات محرم كيف نغسله ونكفنه؟
طالب: نغسله ().
الشيخ: نغسله بأيش؟ بماء وسدر، وهل نجعل معه كافورًا أو لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا نعجل؛ لأن الكافور نوع من الطيب. وبماذا نكفنه؟
طالب: نكفنه بما عليه من ثياب.
الشيخ: في ثوبيه. طيب، وهل نغطي جميع جسده؟
طالب: لا نغطي جميع جسده، بل لا نغطي رأسه.
الشيخ: لا نغطي جميع جسده، بل نغطي، لا نغطي رأسه أيش؟
الطالب: لا يغطى المحرم ..
الشيخ: سؤال: هل إذا مات المحرم يغطى جميع بدنه؟
الطالب: يغطى جميع بدنه ما عدا رأسه.
الشيخ: أحسنت، ما عدا رأسه ووجهه؟
الطالب: الوجه من الرأس.
الشيخ: ما قال أحد من أهل العلم: إن الوجه من الرأس.
الطالب: لا بد إذا غطي الرأس غطي الوجه.
الشيخ: أبدًا، ما هو بصحيح، هذا الرأس مغطى الآن والوجه واضح. لا يغطى لا الرأس ولا وجهه؟
الطالب: لا يغطى الرأس.
الشيخ: والوجه؟
الطالب: لا يغطى.
الشيخ: كيف؟
طالب: ما يغطى، الرأس لا يغطى.
الشيخ: إذن لا يغطى لا رأسه ولا وجهه، لماذا؟
الطالب: لأن النبي ﷺ عندما مات الذي وقصته راحلته قال: «وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ» (٢).
الشيخ: «وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ» وهل قال: ولا وجهه؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن، طيب أسألك الآن لو كنت محرمًا هل يجوز أن تغطي وجهك أو لا؟
طالب: لا، ما يجوز .. يجوز أغطيه نعم.
الشيخ: واحد محرم قال هكذا بوجهه يجوز ولاَّ ما يجوز؟ يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يجوز، طيب إذا مات ما الذي يحرم تغطية وجهه بعد موته، هل طرأ شيء يوجب ..؟
الطالب: ما طرأ شيء، ولكن الوجه داخل في عموم الرأس؛ لأن الرأس داخل يعني ..
[ ١ / ٢٧٢١ ]
الشيخ: يا أخي، اجزم، قل: لا يحرم وبس، ماذا تقولون؟
طلبة: لا يحرم.
الشيخ: صحيح، لا يحرم؛ لأن المحرَّم على المحرِم تغطية الرأس فقط، فيه رواية: «وَلَا وَجْهَهُ» (١٤) لكن الرواية هذه شاذة، الرواية اعتبرها العلماء شاذة.
طيب، هل يجوز أن يلبس قميصًا؟
طالب: لا يجوز أن يلبس قميصًا ذكر من المخيط ما يجوز.
الشيخ: لأنه لا يجوز لبسه في حال الحياة.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب هل هناك دليل على أن جميع المحظورات يُجَنَّبُها الميت؟
الطالب: نعم؛ لقوله: كمحرم حي.
الشيخ: لا، شوف كلام المؤلف ما نستدل به.
الطالب: جميع المحظورات ..
الشيخ: إي نعم، هل فيه دليل على أن جميع محظورات الإحرام تجنب المحرم إذا مات؟
الطالب: من ضمنها الطيب، وكشف الوجه للأنثى.
طالب: ().
الشيخ: لا، أنا أريد جميع المحظورات، الطيب، تخمير الرأس.
طالب: قوله ﷺ: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٢).
الشيخ: نعم صحيح، «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، فهذا التعليل يقتضي أن يجنب جميع محظورات الإحرام، تمام، صح.
ذكرنا أنه لو مات بعد التحلل الأول فما الحكم؟
طالب: يغطى رأسه، يعني () الحج؛ لأنه لا يحرم عن الحاج بعد التحلل الأول إلا () فيجوز له أن يفعل كل ما ..
الشيخ: هو يمكن يؤخذ من قوله: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» لأنه إذا حل التحلل الأول انقطعت التلبية، التلبية تنقطع متى؟ عند رمي جمرة العقبة.
امرأة ماتت وهي محرمة، هل يجوز أن نغطي رأسها؟
طالب: يجوز تغطية رأسها ولكن ().
الشيخ: يجوز أن يغطى رأسها وهي محرمة.
الطالب: لأنها وهي حية يغطى الرأس وهي ميتة من باب أولى.
الشيخ: وجهها؟
طالب: وجهها أيضًا؛ لأن بإحرامها لا يغطى وجهها.
الشيخ: طيب، هي سيمر بها من عند الرجال؟
الطالب: يمر بها من عند الرجال نغطي وجهها حينئذٍ.
الشيخ: إذا زال الموجب للتغطية كشفناه أحسنت، تمام.
[ ١ / ٢٧٢٢ ]
من الذي يموت من المسلمين ولا يغسل؟
طالب: الشهيد.
الشيخ: الشهيد، ما هو الدليل؟
الطالب: النبي ﷺ دفن قتلى أحد ولم يغسلهم (٩).
الشيخ: نعم، أن الرسول لم يغسل شهداء أحد ولم يصل عليهم. طيب.
هل يلحق بالشهيد -شهيد المعركة- كل شهيد؟
طالب: فيه قولان؛ على قول المؤلف يلحق به.
الشيخ: يلحق به كل شهيد، إي، يعني: حتى المبطون والمطعون.
الطالب: حتى لو ().
الشيخ: نعم.
طالب: على كلام المؤلف أنه ما يلحق.
الشيخ: وعلى رأيك أنه يلحق به كل شهيد؟
الطالب: ما يلحق () الشهداء ما ..
الشيخ: المهم المؤلف ماذا يرى، هل يرى أن يلحق بشهيد المعركة كل شهيد؟
الطالب: يرى أنه لا يلحق به كل شهيد، إلا المقتول ظلمًا.
الشيخ: يعني لا، تقول: لا.
الطالب: ما يرى هذا.
الشيخ: لا يرى هذا.
طالب: () لا يغسل شهيد.
الشيخ: سبحان الله، هو عمم، هذا يدل على أنك ما () الكتاب ما حفظته، المؤلف يقول: ولا يغسل شهيد معركة، ما هي عندك معركة؟
طالب: لا، في الشرح.
الشيخ: شرح.
طالب: شهيد المعركة.
الشيخ: لا، هي المراد شهيد المعركة.
طالب: () شهيد المعركة.
الشيخ: إي يمكن في بعض النسخ، طيب على كل حال المؤلف يرى أنه يلحق بشهيد المعركة المقتول ظلمًا.
طيب، ما هو القول الصحيح في هذا؟
طالب: ما يلحق بشهيد المعركة.
الشيخ: يعني لا يلحق بشهيد المعركة إلا شهيد المعركة.
الطالب: لا.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟
الطالب: القول الراجح شهيد المعركة فقط هو الذي لا يغسل.
الشيخ: وغيره؟
الطالب: وغيره لا.
الشيخ: طيب، ما الذي جعلنا نرجح هذا القول؟
طالب: () شهيد المعركة.
طالب آخر: شهيد المعركة قدم رقبته للأعداء ليضربوها، غيره لم يفعل ذلك.
الشيخ: هذه يمكن أن نقولها إذا رددنا القياس، لكن ما هو الدليل على وجوب تغسيل المقتول ظلمًا؟
طالب: لأن شهيد المعركة شفع له ..
[ ١ / ٢٧٢٣ ]
الشيخ: خل ما جينا هذا التعليل لما لم يغسل، لكن لماذا قلنا: إن الراجح وجوب تغسيل من قتل ظلمًا؟
طالب: لأنه ().
الشيخ: سبحان الله.
طالب: لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ وأصحابه ().
الشيخ: يعني عمومات الأدلة الدالة على وجوب تغسيل المسلم، كل مسلم الأصل أن تغسيله وتكفينه والصلاة عليه فرض كفاية، كل مسلم، هذا الأصل، «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٢) «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (١)، فالأصل في كل مسلم يموت التغسيل، هذا العموم لا يمكن أن نخرج منه شيئًا إلا ما دل عليه الدليل.
شهيد المعركة دل عليه الدليل، ألحق الفقهاء به المقتول ظلمًا، قالوا: لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (١١).
نقول: هذا الإلحاق لا يصح؛ للفرق العظيم بين شهادة هذا وهذا، وإلا فقولوا أيضًا: إن المطعون لا يغسل لأنه شهيد، فالصحيح أنه يغسل المقتول ظلمًا.
طالب: ().
الشيخ: هذا هو الصحيح.
الطالب: ().
الشيخ: ما صلى، صلى في آخر حياته، خرج فصلى عليهم، يعني دعا لهم دعاء عاديًّا.
الطالب: ().
الشيخ: صُلي عليهم.
الطالب: ().
الشيخ: هذا يجعل ضعف هذا القول.
***
قال المؤلف ﵀: (إلا أن يكون جنبًا)، (إلا أن يكون) الضمير يعود على الشهيد.
طالب: ().
الشيخ: اللي عندي يا إخواني ترى في المتن: (ولا يغسل شهيد).
طالب: ().
الشيخ: (ومقتول ظلمًا،) ما هي بمتن عندكم، متن؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: عندكم متن، طيب ما يخالف شيء.
[ ١ / ٢٧٢٤ ]
(إلا شهيد المعركة) لكن قوله: (إلا أن يكون جنبًا) إذا كان المتن: (ولا يغسل شهيد ومقتول ظلمًا) أو (شهيد معركة ومقتول ظلمًا) فإن مقتضى القاعدة النحوية أن يقال: إلا أن يكونا جنبًا؛ لأن العطف بالواو يجعلهما شيئين، فيجب أن يكون الضمير عائدًا على شيئين بصيغة المثنى، ولكن الشرح اللي عندي جعل المقتول ظلمًا شرحًا، وهذا هو الذي يناسب للعبارة (إلا أن يكون جنبًا)، يعني: إلا أن يكون الشهيد جنبًا، فإن كان الشهيد جنبًا فإنه يغسل، وكذلك لو كانت امرأة استشهدت قتلت ظلمًا على المذهب، أو قتلت في الجهاد وكانت حائضًا ولم تغتسل من الحيض، فإنها كذلك تغسل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن ظاهر الأخبار يدل على أنه لا فرق بين الجنب وغيره؛ فإن الرسول ﵊ لم يغسل الذين قتلوا في أحد (٩).
أما ما يذكر من أن عبد الله بن حنظلة، أو حنظلة غسلته الملائكة (١٥)، فهذا إن صح في الحديث ليس فيه دليل على أنه يغسله البشر؛ لأن تغسيل الملائكة له ليس شيئًا محسوسًا بماءٍ يطهر، بل هو إن صح من باب الكرامة، وليس من باب التكليف، وتغسيل الملائكة للرجل ليس قيامًا بواجب، بل هو من باب الكرامة، هذا إن صح الحديث.
فالصحيح أنه لا يغسل، سواء أكان جنبًا أم غير جنب؛ لعموم الأدلة، ولأن الشهادة تكفر كل شيء.
ولو قلنا بوجوب تغسيله إذا كان جنبًا، لقلنا أيضًا بوجوب وضوئه إذا كان محدثًا حدثًا أصغر؛ ليكون على طهارة، ولم يقولوا به، فالصواب أنه لا استثناء.
وقوله: (ويدفن بدمه في ثيابه).
طالب: ().
الشيخ: ما عندكم (بدمه) عندي حطها متن.
(ويدفن في ثيابه) يدفن يعني الشهيد في ثيابه التي قتل فيها؛ لأنه يبعث يوم القيامة على ما مات عليه من القتل، ولهذا يبعث وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فيدفن في ثيابه.
[ ١ / ٢٧٢٥ ]
ولكن يقول: (بعد نزع السلاح والجلود عنه)، يعني: إذا كان معه جلود مثل سير ربط به إزاره أو رداءه، أو ما أشبه ذلك، أو معه سلاح قد حمله فإنه ينزع منه؛ لأن هذا لا يدخل في الثياب، ولأنه ورد في الحديث أن النبي ﵊ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم (٩).
(وإن سُلبها) الضمير الذي هو نائب الفاعل يعود على (الثياب) ومعنى سلبه إياها أنها تؤخذ منه، مثل أن يأخذها العدو ويدعه عاريًا، قالوا: كفن بغيرها وجوبًا؛ لأنه لا بد من التكفين للميت؛ لقوله ﷺ: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (٢).
(ولا يصلى عليه) لا يصلي عليه أحد من الناس؛ لا الإمام ولا غير الإمام؛ لأن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد (٩)، ولأن الحكمة من الصلاة الشفاعة؛ لقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (١٦)، فدل هذا على أن الحكمة من الصلاة هي الشفاعة.
والشهيد يكفر عنه كل شيء إلا الدَّين؛ فإن الدين لا يسقط بالشهادة، يبقى في ذمة الميت في تركته، إن خلف تركة، وإلا فإنه إذا كان أخذه يريد أداءه أدى الله عنه.
(ولا يصلى عليه) إذن نقول: لا يصلى عليه دليل وتعليل، ما هو الدليل؟ أن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد (٩)، والتعليل: أن المقصود من الصلاة الشفاعة، والشهيد قد كفر عنه كل شيء.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد خرج في آخر حياته إلى أحد وصلى عليهم (١٧)؟
[ ١ / ٢٧٢٦ ]
فالجواب أن هذه ليست صلاة الميت؛ لأن صلاة الميت يجب أن تكون قبل الدفن، ولكن هذه إما صلاة بمعنى الدعاء، وإما صلاة مودع كما مال إليه ابن القيم -﵀- أنه خرج إليهم يدعو لهم كالمودع لهم، وأما أنها الصلاة التي تصلى على الميت فلا يمكن أن يبقى الرسول ﵊ من السنة الثانية إلى السنة العاشرة أو الحادية عشرة لم يصلِّ عليهم.
ثم قال: (وإن سقط عن دابته)، (إن سقط) الفاعل من؟ الشهيد، إن سقط أي الشهيد عن دابته، لكن بشرط أن يكون بغير فعل العدو، فإن سقط عن دابته بفعل العدو فالعدو قتله إن مات، ويكون شهيدًا لا يغسل كما سبق.
(أو وجد ميتًا ولا أثر به) يعني ليس به أثر جراحة، ولا خنق، ولا ضرب، ووجد ميتًا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا له دليل نظري؛ وذلك أن هذا الميت وجب بموته أن يغسل ويكفن ويصلى عليه.
وكون موته من فعل العدو مشكوك فيه؛ لأنه ليس فيه أثر، ولا يمكن أن ندع اليقين للشك، بل يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه.
وقول المؤلف: (ولا أثر به) يخرج به ما لو وجد به أثر، مثل جرح، خنق، ضرب، ضربات مميتة، فإنه يحكم بالظاهر هنا، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا فيكون شهيدًا لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
وهنا غلبنا الظاهر على الأصل؛ كيف غلبنا الظاهر على الأصل؟ لأن الأصل وجوب التغسيل ..
أو حُمِلَ فأُكِلَ أو طالَ بقاؤُه عُرْفًا غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، والسَّقْطُ إذا بَلَغَ أربعةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، ومَن تَعَذَّرَ غُسْلُه يُمِّمَ، وعلى الغاسِلِ سَتْرُ ما رآه إن لم يكنْ حَسَنًا.
(فصلٌ في الكفن)
[ ١ / ٢٧٢٧ ]
يَجِبُ تَكفينُه في مالِه مُقَدَّمًا على دَيْنٍ وغيرِه، فإن لم يكنْ له مالٌ فَعَلَى مَن تَلْزَمُه نَفقتُه إلا الزوجَ لا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امرَأَتِه، ويُسْتَحَبُّ تَكفينُ رَجُلٍ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ تُجَمَّرُ ثم تُبْسَطُ بعضُها فوقَ بعضٍ ويُجْعَلُ الْحَنوطُ فيما بينَها ثم يُوضَعُ عليها مُسْتَلْقِيًا ويُجْعَلُ منه في قُطْنٍ بينَ ألْيَتَيْهِ ويُشَدُّ فوقَها خِرقةٌ مَشقوقةُ الطرْفِ كالتُّبَّانِ تَجْمَعُ ألْيَتَيْةِ ومَثَانَتَه، ويُجْعَلُ الباقي على مَنافِذِ وَجهِهِ ومَواضِعِ سُجودِه، وإن طُيِّبَ كلُّه فحَسَنٌ، ثم يُرَدُّ طَرْفُ اللِّفافةِ العُليا على شِقِّهِ الأيمنِ ويُرَدُّ طَرْفُها الآخَرُ من فوقِه ثم الثانيةُ والثالثةُ كذلك، ويُجْعَلُ أكثرُ الفاضلِ علىِ رأسِه ثم يَعْقِدُها وتُحَلُّ في القبرِ وإن كُفِّنَ في قميصٍ ومِئْزَرٍ ولِفافةٍ جازَ.
وتُكَفَّنُ المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ: إزارٍ وخِمارٍ وقَميصٍ ولِفافَتَيْنِ، والواجبُ ثوبٌ يَسْتُرُ جميعَه.
(فصلٌ)
السُّنَّةُ أن يقومَ الإمامُ عندَ صَدْرِه وعندَ وَسَطِها، ويُكَبِّرُ أربعًا يَقرأُ في الأُولى بعدَ التَّعَوُّذِ الفاتحةَ، ويُصَلِّي على النبيِّ ﷺ في الثانيةِ كالتَّشَهُّدِ، ويَدعُو في الثالثةِ فيقولُ: " اللهمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا ومَيِّتِنَا وشاهِدِنا وغائِبِنا وصَغيرنِا وكَبيرنِا وذَكَرِنا وأُنْثَانَا، إنك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا ومَثوانَا وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ،
يخرج به ما لو وُجِدَ به أثر؛ مثل: جرح، خنق، ضرب؛ ضربات مميتة، فإنه يحكم بالظاهر هنا، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا فيكون شهيدًا لا يُغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
وهنا غلَّبنا الظاهر على الأصل، كيف غلَّبنا الظاهر على الأصل؟ لأن الأصل وجوب التغسيل، وهنا أسقطنا هذا الواجب بهذا الظاهر الذي هو الأثر.
[ ١ / ٢٧٢٨ ]
استثنى بعضهم من الأثر الدمَ من الفم، أو الأنف، أو القُبُل، أو الدُّبُر، قال: لأن هذا قد يقع ممن مات موتًا طبيعيًا، فلا يدل على أن الذي فعل به هذا العدو، ولكن كلام المؤلف يدل على العموم أنه متى وجد به أثر يحتمل أنه من فعل العدو فهو شهيد.
قال: (أو حُمل فأكل) (حمل) من أين؟ من أرض المعركة، (فأكل) ثم مات، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولو علمنا أنه مات متأثرًا بجراحه؛ لأن كونه يأكل يدل على أن فيه حياة مستقرة؛ إذ إن الذي في حكم الميت لا يأكل، فأكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أكل ولو لم يطل الفصل؛ يعني: إذا أكل ولو مات بدون طول الفصل فإنه يغسل.
وقال بعض الفقهاء: لا يغسل إذا لم يطل الفصل؛ لأنه قد يأكل بغير شعور وهو في النزع، ولكن هذا في الحقيقة بعيد؛ أي: أن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.
وقول المؤلف: (أو حُمل فأكل) ظاهره أنه لو لم يحمل فأكل، ثم مات فإنه شهيد لا يغسل، وعبارة بعض الفقهاء: أو جُرِحَ فأكل، وهذه العبارة الثانية الأخيرة أعم مما إذا حمل أم لم يحمل.
وهذا هو الأقرب، الأقرب أنه إذا أكل -سواء حمل أم لم يحمل- فإن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة، فيغسَّل ويكفن.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الشهيد إذا جرحه العدو جرحًا مميتًا وبقي حيًّا حياة مستقرة أنه يغسل ويكفن؟
قلنا: الدليل قصة سعد بن معاذ ﵁؛ فإنه جُرح في أكحله عام الأحزاب، ولكنه سأل الله ألَّا يميته حتى يقر عينه ببني قريظة، فاستجاب الله دعاءه (١)، وبقي الجرح ملتئمًا حتى حكم فيهم هو نفسه، حكم في بني قريظة لماذا؟ لأنه هو حليفهم.
[ ١ / ٢٧٢٩ ]
انظر الفرق بين سعد بن معاذ وبين عبد الله بن أُبي؛ عبد الله بن أُبي قام يجادل عن حلفائه من اليهود؛ لأنه كافر، أما هذا فسأل الله ألَّا يميته حتى يقر عينه بهم، فأقر الله عينه، وصار هو الحكم فيهم، وحكم فيهم بالحكم الذي شهد له النبي ﵊ بأنه حكم الله من فوق سبع سماوات (٢)، ولما حكم فيهم -سبحان الله- انبعث الدم ومات ﵁، ولكنه أخبر النبي ﵊: أن عرش الرب ﷿ اهتز لموته (٣) فرحًا بروحه؛ لأن روحه صعدت إلى الله ﷿.
وفي ذلك يقول حسان بن ثابت ﵁:
وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ هَالِكٍ
سَمِعْنَا بِهِ إِلَّا لِسَعْدٍ أَبِي عَمْرِو
﵁.
الحاصل أن هذا يكون دليلًا على أن الشهيد إذا طال بقاؤه فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وألحق العلماء به ذلك ما إذا وجد منه دليل الحياة المستقرة؛ مثل الأكل.
(أو طال بقاؤه عُرفًا) يعني: ليس مقدرًا على الشرع، بل إذا طال بقاؤه وعرف أنه ليس في سياق الموت فإنه يغسل ويكفن ويُصَلَّى عليه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لو شرب فإن ذلك لا يسقط وجوب الغسل، وهذا هو اختيار المجد، من المجد؟ مجد الدين ابن تيمية، وهو عبد السلام جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، يقول: إن الشرب لا يسقط حكم الشهادة؛ لأن الإنسان قد يشرب وهو في سياق الموت، بخلاف الأكل، فكلام الماتن تابع لكلام المجد ﵀.
طالب: أحسن الله إليك، إن قال قائل: إن النبي ﷺ أمر قيس بن عاصم حينما أسلم أن يغتسل (٤)، استدل العلماء على هذا بالوجوب، وبعض العلماء قالوا: على الاستحباب؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر الصحابة بالاغتسال، قد يقول قائل: إن في غسل الشهيد، إن هذا لحنظلة ﵁ أن الملائكة غسلوه، فيكون شرعًا معلومًا من بعده، فقيس بن عاصم ..
[ ١ / ٢٧٣٠ ]
الشيخ: لا، ما يستقيم هذا؛ لأن الشهادة تكفر كل شيء، أصل الموت حدث أكبر يوجب الغسل، فلما سقط عن الشهيد، نقول: كذلك أيضًا ما أوجب الغسل من غير الموت.
طالب: يا شيخ، في قوله: (إذا خرج منه شيء بعد السابعة يوضأ) لماذا؟ ولأن الوضوء ليس واجبًا؟
الشيخ: لا، يكون هذا نقضًا للوضوء، وإذا كان ناقضًا للوضوء فإنه يجب أن تكون الصلاة على الميت وهو على طهارة كاملة.
الطالب: الخارج منه هل لا بد أن يكون ()؛ يعني: لو كان دم هل يُوَضَّأ؟
الشيخ: ظاهر كلامهم أنه يُوَضَّأ.
الطالب: من كل خارج؟
الشيخ: من كل خارج.
الطالب: وما هو ضابط الخارج؟
الشيخ: الخارج الدم، قيح، بول، غائط.
الطالب: كل شيء؟
الشيخ: كل شيء.
طالب: ().
الشيخ: أيهم؟
الطالب: ().
الشيخ: الذي يترجح عندي أنه إذا بقي متأثرًا كتأثر المحتضر أنه لا يغسل، أما إذا بقي متألمًا لكنه معه عقله وفكره فإنه يغسل.
الطالب: إذا قلنا يا شيخ () حمية () يغسل () غنيمة فقط؟
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: لو كان المقتول في المعركة قد صرح بأنه يقاتل حمية وعصبية فهل له حكم الشهيد؟ لا، هذا يغسل كغيره.
طالب: أحسن الله إليك، () ما يكون شهيد؟
الشيخ: وُجِدَ مقتولًا، وليس فيه آثار قتل.
الطالب: لا، ميتًا.
الشيخ: ميتًا، هذا الصواب هذا المؤلف يقول: (إذا وجد ميتًا ولا أثر به فإنه يجب أن يغسل).
الطالب: شيخ، ما يكون له أجر الشهداء؟
الشيخ: دعنا من الأجر، أجر الآخرة عند الله، لكن نحن الآن لم نعلم ما يسقط تغسيله، فلا يزال يقين الوجوب بالشك.
الطالب: هل شهيد المقتول في سبيل الله؟
الشيخ: المقتول في سبيل الله شهيد ما فيه شك.
الطالب: يعني: يقال لرجل ميت: إنه شهيد؟
الشيخ: ما ندري إن كان من فعل العدو فهو شهيد، وإن كان بفعل الله؛ الله يميت الإنسان هكذا سكتة.
طالب: الغازات تحتاج الكشف عليها ولا ظاهرة ()؟
الشيخ: نعم، إذا علم أن العدو استعمل الغاز، وأن هذا الميت مات منه.
[ ١ / ٢٧٣١ ]
الطالب: ().
الشيخ: إي، فهذا قد يقال: إن هذا ظاهر أنه مات من الغازات، لكن في عهد العلماء ما يعرفون الغازات ().
***
(والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه) السِّقط بكسر السين، ويجوز الفتح، ويجوز الضم؛ فتقول: السِّقط والسَّقط والسُّقط، ومعناه: الساقط، والمراد به: الحمل إذا سقط من بطن أمه.
فهل حكمه كحكم من مات بعد خروجه أم ماذا؟
قال: (إذا بلغ أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه) يعني: إذا تم له أربعة أشهر، ليس المعنى إذا دخل الرابع، بل إذا أتمه.
(إذا بلغ أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه) من ابتداء الحمل، والمراد بالأشهر هنا الأشهر الهلالية؛ لأن الأشهر الهلالية هي التي جعلها الله ﷿ مواقيت للناس؛ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وهي التي وضعها الله تعالى للناس جميعًا منذ خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وهي هذه الأشهر الهلالية المعروفة.
وأما الأشهر الاصطلاحية التي هي أشهر النصارى ومن تابعهم، فهذه لا أصل لها شرعًا ولا أصل لها قدرًا؛ أما الأصل القدري فلأن الله تعالى جعل هذه الأهلة هي المواقيت؛ ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، وأما شرعًا فإنه لم يرتب عليها لا صيام، ولا حج، ولا أشهر حرم، كل الأحكام -أحكام الأشهر- منفية عن هذه الأشهر الاصطلاحية التي جاءت من النصارى.
إذن المعتبر بقوله: (أربعة أشهر) الأشهر الهلالية التي جعلها الله لعباده شرعًا وقدرًا.
يقول: (إذا بلغ أربعة أشهر غُسِّل وصُلِّي عليه) (غُسِّل) يعني: وكُفِّن، الكفن لا بد منه، (وصُلِّي عليه) يعني: ودُفِن، فالمؤلف طوى ذكر الكفن والدفن؛ لأنه معلوم.
[ ١ / ٢٧٣٢ ]
وإنما قيده ببلوغ أربعة أشهر؛ لأنه قبل ذلك ليس بإنسان؛ إذ لا يكون إنسانًا حتى يمضي عليه أربعة أشهر، ودليل ذلك حديث عبد الله بن مسعود حيث بيَّن النبي ﷺ: أنه يكون -يعني الجنين- في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، فهذه كم؟ أربعة أشهر، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات (٥)، إلى آخره.
وعلى هذا فهو قبل هذه المدة يكون جمادًا؛ قطعة لحم يدفن في أي مكان بدون تغسيل، وبدون تكفين، وبدون صلاة، لكن بعد أربعة أشهر يكون إنسانًا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فيعامل معاملة من مات بعد خروجه.
قال العلماء: ويسمى؛ يسمى بالاسم؛ لأن هذا السقط يبعث يوم القيامة، فلا بد أن يسمى؛ لأن الناس يدعون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيسمى حتى يدعى باسمه يوم القيامة.
قال العلماء: فإن شُك فيه هل هو ذكر أو أنثى -وهو بعيد، لكن ربما يقع- فإنه يسمى باسم صالح للذكر والأنثى؛ مثل هبة الله، عطية الله، نحلة الله، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا صالح للذكر والأنثى. أما إذا كان ذكرًا فيسمى باسم الذكور؛ كعبد لله، إن كان أنثى يسمى بأسماء الإناث؛ كزينب، وفاطمة.
(ومن تعذر غسله يُمِّمَ) يعني: من امتنع غسله؛ أي: تغسيله، فإنه ييمم. وكيفية التيمم أن يضرب الحيُّ يديه على الأرض، ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه.
ولكن بماذا يكون التعذر؟ يكون التعذر؛ إما بعدم الماء، وإما بتعذر استعماله في هذا الميت؛ بأن يكون الميت قد تمزق، أو يكون محترقًا لا يمكن مسه إلا بتمزيق جلده، فهنا ييمم.
[ ١ / ٢٧٣٣ ]
لماذا ييمم؟ قالوا: لأن تغسيل الميت طهارة مأمور بها، فإذا تعذر تطهيره بالماء عدلنا إلى بدله وهو التراب. وأظن فيه قولًا بأنه لا ييمم إذا تعذر غسله؛ لأن هذه ليست طهارة حدث، إنما هي طهارة تنظيف؛ ولهذا قال النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكَثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (٦)، وطهارة الحدث لا تزيد على ثلاث، فإذا كان المقصود تنظيف الميت، وتعذر الماء، فإن استعمال التراب لا يزيده إلا تلويثًا، فتجنبه أولى.
فإذا كان هذا قد قيل فهو أقرب إلى الصواب من القول بتيميمه، وإن كانت المسألة إجماعًا؛ يعني: ييمم من تعذر غسله، فالإجماع لا تجوز مخالفته؛ لأن هذه الأمة لا تجمع على ضلالة.
ثم قال: (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسنًا) (على الغاسل) غاسل من؟ غاسل الميت. (ستر ما رآه) من الميت، (إن لم يكن حسنًا) الميت ربما يُرَى منه ما ليس بحسن؛ إما ليس بحسن من الناحية الجسدية، وإما ليس بحسن من الناحية المعنوية، قد يُرَى -والعياذ بالله- وجهه مظلمًا متغيرًا كثيرًا عن حياته، فلا يجوز للإنسان أن يتحدث إلى الناس، ويقول: إني رأيت وجهه مظلمًا؛ لأنه إذا قال ذلك ظنَّ الناس به سوءًا. وقد يكون وجهه مسفرًا، حتى إن بعضهم يُرى بعد موته متبسمًا، هذا أيضًا يستر أو لا؟ هذا لا يستره.
أما السيء من الناحية الحسية؛ فإن الميت قد يكون في جلده أشياء من التي تسوؤه إذا اطَّلع الناس عليها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]، فإنه قد يكون فيه برص يكره أن الناس تطلع عليه، فلا يجوز للإنسان أن يقول: رأيت فيه برصًا، وقد يتغير لون الجلد ببقع سوداء، والظاهر -والله أعلم- أنها دموية تكون، أيضًا لا يبرزها للناس يجب أن يسترها.
[ ١ / ٢٧٣٤ ]
قال العلماء: إلا إذا كان صاحب بدعة وداعية لبدعته ورآه على وجهٍ مكروه، فإنه ينبغي أن يبين ذلك، ليش؟ حتى يحذر الناس من دعوته إلى البدعة؛ لأن الناس إذا علموا أن خاتمته على هذه الحال، فإنهم ينفرون من منهجه وطريقه، وهذا القول لا شك قول جيد وحسن؛ لما فيه من درء المفسدة التي تحصل في اتباع هذا المبتدع الداعية.
عندي في الشرح كلام حسن يقول: فيلزمه ستر الشر، لا إظهار الخير؛ يعني: ستر الشر واجب، وإظهار الخير ليس بواجب، ولكنه حسن ومطلوب؛ لما فيه من إحسان الظن بالميت والترحم له، ولا سيما إذا كان صاحب خير.
يقول: (ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء) يعني: بالنسبة للأموات أن نرجو للمحسن رحمة الله، ونخاف على المسيء، خوفنا على المسيء يستلزم أن ندعو الله له، إذا لم تكن إساءته مخرجة إلى الكفر، فإذا مات الإنسان وهو معروف بالمعاصي التي لا توصل إلى الكفر، فإننا نخاف عليه، ولكننا نسأل الله له المغفرة والعفو؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
(ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي ﷺ) (لا نشهد) يعني: بالجنة أو بالنار، إلا لمن شهد له النبي ﷺ.
والشهادة بالجنة أو بالنار على نوعين؛ النوع الأول: شهادة للجنس، والنوع الثاني: شهادة للعين؛ يعني: أن تشهد لشخص بعينه.
فأما الأول فنشهد بالجنة لكل مؤمن؛ لأن الله هكذا قال، ونشهد بالجنة لكل متق؛ لأن الله قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وهذا لا يخص شخصًا بعينه، لكن يعم الجنس، وكذلك نشهد لكل كافر أنه في النار، قال الله تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وأما الشهادة لمعين فلا نشهد إلا إذا شهد له النبي ﷺ، مثل العشرة المبشرين بالجنة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وستة مجموعون في بيت:
سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ
وَعَامِرُ فِهْرٍ وَالزُّبَيْرُ الْمُمَدَّحُ
[ ١ / ٢٧٣٥ ]
ستة وغيرهم أيضًا ممن شهد له الرسول شهد النبي ﷺ بالجنة لغير هؤلاء؛ مثل: سعد بن معاذ، ثابت بن قيس بن شماس، عبد الله بن سلَام، وبلال، وغيرهم من الصحابة نشهد لهم بالجنة؛ لأن النبي ﷺ شهد لهم.
وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من اتفقت الأمة أو جُلُّ الأمة على الثناء عليه؛ مثل الأئمة الأربعة؛ لأن النبي ﷺ لمَّا مرَّت جنازة أثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: «وَجَبَتْ» يعني: وجبت له الجنة، ومرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وَجَبَتْ»، ثم قال لهم: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» (٧).
وعلى هذا فنشهد لهؤلاء الأئمة الذين أجمعت الأمة أو جُلها على الثناء عليهم بالجنة، لكن ليست شهادتنا لهم بالجنة كشهادتنا لمن شهد له الرسول ﷺ.
قال: (ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة) انتبه، يحرم سوء الظن بمسلم، أما الكافر فلا يحرم سوء الظن فيه؛ لأنه أهلٌ لذلك.
(ظاهره العدالة) يعني: وأما من عُرف بالفسوق والفجور فلا حرج أن نسيء الظن به؛ لأنه أهلٌ لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يتتبع عورات الناس ويبحث عنها؛ لأنه قد يكون متجسسًا بهذا العمل.
قال: (ويُسْتَحَب ظنُّ الخيرِ بالمسلم) يعني: يستحب للإنسان أن يظن بالمسلمين خيرًا، وإذا وردت كلمةٌ من إنسانٍ تحتمل الخير والشر فاحملها على الخير ما وجدت لها محملًا، وإذا حصل فعلٌ من إنسانٍ يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير ما وجدت له محملًا؛ لأن ذلك يزيل ما في قلبك من الحقد والعداوة والبغضاء ويريحك.
فإذا كان الله ﷿ لم يكلفك أن تبحث وتنقب، فاحمد الله على العافية، وأحسن الظن بإخوانك المسلمين حتى لو قالوا فيك كلمة أنت، وجاءك الشيطان يقول: ترى إن هذا الرجل يريد كذا وكذا، فالواجب أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأن تحملها على أحسن المحامل.
[ ١ / ٢٧٣٦ ]
وإلا لو اتبعنا الشيطان في هذه الأمور لكنا نؤول كلمات كثيرة من الناس على أنها قدح، ولكننا يجب أن نبعد الشيطان عنا في هذا الأمر، وما دامت كلمة أخينا المسلم تحتمل الخير -ولو من وجه بعيد- فليحملها على الخير.
وأما ما يذكر عن النبي ﵊: «احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ» (٨)، فهذا كذب لا يصح عن النبي ﷺ، بل روى أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يُحَدِّثْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ، وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» (٩)، ﵊. وهذا هو اللائق بالمسلم.
أما -والعياذ بالله- بعض الناس من فُتن وصار يتتبع عورات الناس ويبحث عنها، وإذا رأى شيئًا يحتمل الشر ولو من وجه بعيد طار به فرحًا ونشره، فليبشرْ بأن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جحر ().
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمه الله تعالى:
فصل
يجب تكفينه في ماله مقدمًا على دينٍ وغيره، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته.
ويُسْتَحب تكفينُ رجلٍ في ثلاث لفائف بيض، تجمر، ثم تبسط بعضها فوق بعض، ويجعل الحنوط فيما بينها، ثم يوضع عليها مستلقيًا، ويجعل منه في قطن بين أليتيه، ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان، تجمع أليتيه ومثانته، ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده، وإن طيب كله فحسن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: في الكفن).
قبل أن نبدأ بالدرس اليوم نبين ما ذكرناه الآن من أن من تعذر غسله فإنه لا ييمم على القول الراجح، وننظر في السقط هل يغسل ويكفن ويصلى عليه أم لا؟
طالب: يغسل ويكفن ويصلى عليه.
الشيخ: السقط يغسل؟
الطالب: إذا بلغ أربعة أشهر.
[ ١ / ٢٧٣٧ ]
الشيخ: إذا بلغ أربعة أشهر يغسل ويكفن ويصلى عليه.
لماذا قيدناه بأربعة أشهر؟
طالب: لأنه عندما يبلغ عمره أربعة أشهر ينفخ فيه الروح ويتم خلقه، حديث ابن مسعود: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يَمْكُثُ -فِي معنى الحديث- أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» (٥)، وقبل الأربعة أشهر يكون كقطعة اللحم لا يتبين فيه خلق الإنسان.
الشيخ: يعني: لا يتبين فيه خلق الإنسان إلا بعد أربعة أشهر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: إذا كان له أربعة أشهر فإنه يكون حكمه حكم إنسان يغسل ويُصَلَّى عليه، أما قبل ذلك ..
الشيخ: إي، لماذا؟ نسأل عن التعليل.
الطالب: لأنه يكون إنسانًا وتم إنسان ..، لم يخلق؛ لم ينفخ فيه الروح.
الشيخ: يعني: إذا أتم أربعة أشهر نفخ فيه الروح، فكان إنسانًا يوصف بالحياة والموت.
قبل أربعة أشهر هل يخلق أو لا؟
طالب: لا يُخَلَّق.
الشيخ: قبل أربعة أشهر لا يُخَلَّق؟
الطالب: ().
الشيخ: أنا أسأل هل يُخَلَّق أو لا؟
الطالب: يُخَلَّق.
الشيخ: يُخَلَّق. الدليل؟
طالب: () أربعين يوم علقة، ثم يكون مضغة مثل ذلك.
الشيخ: مثل ذلك، والمضغة قال الله فيها: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥].
يقول المؤلف: (يجب على الغاسل أن يستر ما رآه إن لم يكن حسنًا) هل هذا على إطلاقه؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يجب؟
الطالب: يجب على المغسِّل أن يبين ما فيه إذا كان صاحب بدعة.
الشيخ: إذن ليس على إطلاقه.
الطالب: إي نعم، إذا كان صاحب بدعة يبينه؛ ليعتبر به الناس.
الشيخ: إي نعم، وكذلك أيضًا لو كان صاحب مبدأ هدَّام؛ كالبعثيين مثلًا والحداثيين وما أشبههم، فقول العلماء: صاحب بدعة يشمل هذا؛ لأن هذه المبادئ كلها مبتدعة في الدين، وإن انتسبت إلى الدين فإنها بدعة.
[ ١ / ٢٧٣٨ ]
المهم أن كل صاحب عقيدة أو طريقة مخالفة للشرع وداعية لذلك والناس يعتقدون به فإن الواجب أن نبين ما نراه بعد موته من مظهر السوء؛ حتى ينفر الناس من طريقته ومنهجه.
***
ثم قال المؤلف: (فصل: في الكفن) (الكفن) ما يكفَّن به الميت من ثياب أو غيرها.
وحكمه -أي: حكم تكفين الميت- الوجوب؛ لقول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (١٠)، «كَفِّنُوهُ»، والأصل في الأمر الوجوب. ولأن النبي ﷺ أعطى النساء اللاتي يغسلن ابنته الكفن وقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (٦)، أعطاهن حِقْوَه ﵊يعني: إزاره- وقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» أي: اجعلنه شعارًا، وهو الذي يلي بدنها.
وقوله: (يجب تكفينه) ما نوع الوجوب هذا؟ كفائي.
وقد تقدم لنا الفرق بين الكفائي والعيني؛ أن الكفائي يقصد حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل، وأما العيني فيطلب الفعل من الفاعل؛ يعني: يراعى فيه الفعل والفاعل.
وتقدم أيضًا أن القول الراجح أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ لأنه أوكد، بدليل أن الله تعالى أمر به جميع الخلق.
(يجب تكفينه في ماله) أي: في مال الميت، ودليل كونه واجبًا في ماله قوله: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (١١)، فأضاف الثوبين إلى الميت.
ولكن لو فرض أن هناك جهة مسؤولة ملتزمة بذلك، فلا حرج أن نكفنه منها، إلا إذا أوصى الميت بعدم ذلك؛ بأن قال: كفنوني من مالي، فإنه لا يجوز أن نكفنه من الأكفان العامة، سواء كانت من جهة حكومية أو من جهة فاعل خير.
(مقدمًا على دَين وغيره) (مقدمًا) هذه حال من (تكفينه) يعني: حال كون التكفين مقدمًا على دَين وغيره.
الدَّين معروف وهو: كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع، أو أجرة بيت، أو دكان، أو قرض، أو صداق، أو عوض خلع، المهم أن الدين كل ما ثبت في الذمة، وإن كان العامة لا يطلقون الدين إلا على ثمن المبيع لأجلٍ، فهذا عرف ليس موافقًا لإطلاقه الشرعي.
[ ١ / ٢٧٣٩ ]
وقوله: (وغيره) يعني: الوصية والإرث، فالتكفين مقدم على كل شيء.
وعموم قول المؤلف: (مقدمًا على دَين) يشمل ما إذا كان الدين فيه رهن أو لا، وعلى هذا فلو خلَّف الرجل شاة ليس له غيرها مرهونة هذه الشاة بدَين عليه، ولم نجد كفنًا إلا إذا بعنا هذه الشاة واشترينا بقيمتها كفنًا، فهل نقدم حق المرتهن ونقول: لا نبيع الشاة، أو نقدم الكفن؟ نقول: نقدم الكفن؛ لأن الكفن مما تتعلق به حاجة الشخص الخاصة، فيقدم على كل شيء.
إذن نأخذ من إطلاق المؤلف أو عموم كلامه: (مقدمًا على دَين) أنه يُقَدَّم التكفين على الدين، ولو كان الدَين برهنٍ فيباع الرهن ويُكَفَّن منه.
وقوله: (وغيره) ماذا ذكرنا في الغير؟ الوصية والإرث، فلو أوصى الميت بشاة للفقراء، ولما مات لم نجد ما نكفنه به إلا قيمة هذه الشاة فماذا نصنع؟ تباع الشاة ويكفن من قيمتها.
(فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته) يعني: إن لم نجد له مالًا فعلى من تلزمه نفقته.
إذا وجدنا ثوبًا قد لبسه الميت وغترة، فهل نكفنه به أو نقول: لا بد أن نكفنه باللفائف؟
نقول: إذا كان يقوم بالواجب فإننا لا نلزم الناس أن يكفنوه ما دام في ماله، ولو ثيابه التي عليه تكفي فإننا لا نلزم غيره بتكفينه.
(فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته) ومن الذي تلزمه النفقة؟ نحن نذكر هنا ما يسمى عند الناس بالخطوط العريضة؛ الأصول والفروع تجب نفقته بكل حال، فيجب عليك أن تنفق على والديك بكل حال، وعلى أولادك بكل حال، سواء كنت وارثًا أم لم تكن، وعلى هذا فتجب نفقة الجد على ابن ابنه، وإن لم يكن وارثًا لوجود الابن؛ يعني: وإن كان محجوبًا بالابن.
يعني: لو فرضنا أنا وجدنا جدًّا فقيرًا وأبًا فقيرًا وابنَ ابنٍ غنيًّا، يجب على ابن الابن أن ينفق على أبيه وعلى جده، مع أنه لا يرث جده؛ لكونه محجوبًا بأبيه، كذلك في الأصول يجب الإنفاق على الأصول، سواء ورثهم المنفق أم لم يرثهم.
[ ١ / ٢٧٤٠ ]
الضابط إذن في الأصول والفروع ..، ما هو الضابط؟
طالب: أن كل أصل وفرع تجب نفقته.
الشيخ: بكل حال، سواء كان وارثًا أم لم يكن، أما غير الأصول والفروع فلا تجب النفقة، إلا على من كان وارثًا بفرض أو تعصيب.
الأخ هل يجب أن ينفق على أخيه؟
طالب: إن كان وارثًا.
الشيخ: إن كان لأخيه أولاد فإنه لا يلزمه أن ينفق عليه، لماذا؟ لأنه محجوب بهم، وإن لم يكن له أولاد وجب أن ينفق عليه؛ لأنه وارثه. هذه هي القاعدة العريضة في المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمقام لا يقتضي البسط هنا ولا الترجيح، لكن هذه القاعدة.
إذن من الذي تلزمه نفقته؟ الأصول والفروع، وفي الحواشي من كان المنفق وارثًا له لزمته النفقة، وإلا فلا.
وعلى هذا لو مات ابن بنت شخص ولم نجد له كفنًا، هل يلزم جده من قبل أمه أن يكفنه؟ نعم، يلزم، لماذا؟ لأنه من الأصول، والأصول يجب عليهم الإنفاق على فروعهم مطلقًا، سواء كانوا وارثين أم لا، وكذلك الفروع يجب عليهم الإنفاق على أصولهم مطلقًا، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين.
(إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته) يعني: لو ماتت امرأة ولم نجد وراءها شيئًا تكفن به، وزوجها عنده ملايين، فإنه لا يلزمه أن يكفن امرأته، لماذا؟ لأن الإنفاق على الزوجة إنفاق معاوضة؛ مقابل الاستمتاع، وهي إذا ماتت انتهى الاستمتاع بها، مع أنها إذا ماتت فإن بعض علائق الزوجية تبقى؛ بدليل أن الزوج يغسل امرأته بعد موتها.
وقد اختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة؛ فالمشهور عندنا في مذهب الحنابلة أنه لا يلزم الزوج أن يكفِّن امرأته، والعلة ما ذكرنا؛ أن الإنفاق عليها إنفاق معاوضة وقد انقطع بموتها.
والقول الثاني أنه يلزمه أن يكفِّن امرأته؛ لأن هذا من العِشْرَة بالمعروف، ومن المكافأة بالجميل، ولأن علائق الزوجية لم تنقطع. وهذا القول أرجح؛ أنه يلزمه كفن امرأته إذا كان موسرًا.
[ ١ / ٢٧٤١ ]
فإن لم يوجد من تلزمه النفقة أو وُجِدَ وكان فقيرًا ففي بيت المال، فإن لم يوجد بيت مال منتظم فعلى من علم بحاله من المسلمين؛ لأنه فرض كفاية.
إذن فالمراتب أربعة؛ أولًا: في ماله، ثانيًا: من تلزمه نفقته، ثالثًا: بيت المال، رابعًا: عموم المسلمين.
وإنما قُدِّم بيت المال على عموم المسلمين؛ لأنه لا منَّة فيه على الميت، بخلاف ما إذا كان من المسلمين، فإن هذا الذي سيعطيه سيكون في قلبه منَّة عليه.
قال المؤلف ﵀: (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض) الاستحباب هنا ليس منصبًّا على أصل التكفين؛ لأن أصل التكفين فرض كفاية، لكنه منصبٌّ على كون الكفن ثلاث لفائف، وكونها بيضًا، فالمستحب في تكفين الرجل أن يكفن في ثلاث لفائف بيض؛ وذلك لأن هذا هو كفن النبي ﷺ؛ فإنه كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّة، ليس فيها قميص ولا عمامة (١٢)، وكذلك أمر النبي ﵊ بأن نلبس البياض ونكفن فيها موتانا، وقال: «إِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ» (١٣)، ولا شك أن البياض يبهج النفس أكثر من غيره من الألوان؛ ولهذا كان النهار أبيض، وتجد السرور إذا طلع الفجر، بخلاف ما إذا جاء الليل.
إذن نقول: الأفضل أن تكون بيضًا، وأن تكون ثلاث لفائف، فإن كُفِّن بغير الأبيض جاز، وإن كُفِّن بلفافة واحدة جاز أيضًا.
وكيف يكفن؟ قال: (تُجمَّر) يعني: تبخر، وسمي التبخير تجميرًا؛ لأنه يوضع في الجمر، ولكن ترش أولًا بماء، ترش رشًا ثم تبخر؛ من أجل أن يعلق الدخان فيها.
(تُجمَّر، ثم تبسط بعضها فوق بعض) تمد الأولى على الأرض، ثم الثانية، ثم الثالثة.
قال المؤلف: (ويُجْعَل الحنوطُ فيما بينها) الحنوط: أخلاط من الطيب تصنع للأموات، ويدل لهذا قول الرسول ﵊ في الذي وقصته راحلته: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ» (١١)؛ فإن هذا يدل على أن من عادتهم تحنيط الأموات.
[ ١ / ٢٧٤٢ ]
(ثم يوضع الميت عليها) أي: على اللفائف، (مستلقيًا) لأن وضعه مستلقيًا أثبت، وأسهل لإدراجه فيها؛ إذ لو وضع على جنبه لانقلب، وصار في إدراجه هذه اللفائف شيء من الصعوبة، فيوضع مستلقيًا.
(ويجعل منه) أي: من الحنوط (في قطن بين أَليتيه) الحنوط ذكرنا أنه أخلاط من الطيب يصنع للأموات، فنأتي بهذا الطيب نجعل منه فيما بين الأكفان الثلاثة، ونضعه أيضًا في قطنة نجعلها بين أليتيه.
قالوا في تعليل ذلك: لئلا يخرج شيء من دبره، والغالب إذا خرج شيء من دبره أن تكون رائحته كريهة، وهذا الحنوط يضيع الرائحة الكريهة.
ثم قال: (ثم يُشَد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتُّبان) (يُشَد فوقها) أي: فوق الحنوط الذي وُضِعَ في القطن، (خرقة مشقوقة الطرف كالتُّبان) والتبان هو: السروال القصير الذي ليس له أكمام. يقول عندي في الشرح: هو السراويل بلا أكمام.
(تجمع) أي: الخرقة المشقوقة (أليتيه ومثانته)، واضحة؟
طلبة: لا.
الشيخ: إي، ما هي بواضحة، يؤتى بخرقة مشقوقة الطرف من أجل أن يمكن إدارتها على الفخذين جميعًا، ثم تشد، ومعنى تشد؛ يعني: تربط لتجمع بين أليتيه ومثانته.
إذن تكون على العورة على السوأتين؛ لأنه لا يمكن أن تجمع المثانة مع الأليتين إلا إذا كانت ساترة لهما، وهذا من تمام الستر؛ ولهذا يقول: (تجمع أليتيه ومثانته) يعني: هذه الخرقة.
(ويُجْعَل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده) الباقي منين؟ من الحنوط الذي وضع في القطن، يجعل على منافذ وجهه؛ ومنافذ الوجه هي: العينان، والمنخران، والشفتان.
وعندي أيضًا زيادة: (الأذنين) مع أن الأذنين من الرأس، لكنها لقربها من الوجه تلحق به.
(تجعل على المنافذ) من أجل أن تمنع الهوام دخول هذه المنافذ. وتجعل على مواضع السجود؛ وهي: الجبهة، والأنف، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين، عللوا لذلك بأن هذا من باب التشريف لها أن تخص بشيء من الحنوط.
[ ١ / ٢٧٤٣ ]
وكل هذا على سبيل الاستحباب من العلماء؛ يعني: وضع الحنوط في هذه الأماكن، أما الحنوط من حيث هو فقد جاءت به السنة كما سمعتم.
(وإن طُيِّب كله فحسن) إن طُيِّب الميت كله فحسن؛ لأنه يكون أطيب، لكن ينبغي أن يُطَيب بطيب ليس حارًّا؛ لأن الحار ربما يمزق البدن، لكن بل يكون باردًا، وهذا ليس من الأمور التي عُرِفَت في عهد الرسول ﵊، لكن فعلها بعض الصحابة.
يقول: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه) يعني: من فوق الطرف الأيمن، ثم يفعل الثانية، والثالثة كذلك، يرد طرف اللفافة العليا؛ وهي التي تلي الميت.
(على شقه الأيمن) الآن تصوروا أن الميت مستلقٍ على هذه اللفائف الثلاث، نرد طرف اللفافة العليا؛ وهي التي تلي الميت، على شقه الأيمن، ثم نرد طرفها من الجانب الأيسر على اللفافة التي جاءت من قبل اليمين، نفعل بالأولى هكذا، ثم نفعل بالثانية كذلك، ثم بالثالثة كذلك.
وإنما قال المؤلف هذا؛ لئلا يظن الظان أننا نرد طرف اللفائف الثلاث ردة واحدة؛ بمعنى أن نجمع الثلاث نردها على الجانب الأيمن، ثم نرد الثلاث أيضًا على الجانب الأيسر، المؤلف يقول: لا، أكملْ ردِّ اللفافة الأولى، كيف إكمالها؟ ترد الطرف الذي يلي يمين الميت، ثم الطرف الذي يلي يساره، انتهت العملية بالنسبة للفافة الأولى، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كذلك.
قال: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر من فوقه، ثم يفعل بالثانية، والثالثة كذلك، ويجعل أكثر الفاضل على رأسه) (أكثر الفاضل) منين؟ من الكفن؛ يعني: إذا كان الكفن طويلًا، فليجعل الفاضل من جهة رأسه؛ يعني: يرده على الرأس، وإذا كان يتحمل الرأس والرجلين فلا حرج، ويكون هذا أيضًا أثبت للكفن.
[ ١ / ٢٧٤٤ ]
يقول: (ثم يعقدها) يعقد اللفائف، والحكمة من عقدها لئلا تنتشر وتتفرق، (وتحل في القبر) استدل عندي بأثر عن ابن مسعود قال: إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد (١٤)، إي نعم، يعقدها، ثم تحل في القبر، حتى لو فرض أنه نُسي أن تحل، ثم ذكروا عن قرب، فإن الميت ينبش من أجل أن تحل هذه العقد.
عندي في الشرح يقول: وكره تخريق اللفائف؛ لأنه إفساد لها؛ يعني: يكره أنك تخرق اللفائف.
فإذا قال قائل: كيف أخرقها إذا خرقتها لم تستر؟
نقول: لا، تستره خرِّق -مثلًا- العليا، ثم خرق التي تحتها من جهة أخرى لا تقابل الخرق العليا، ثم الثالثة كذلك.
وإنما ذكر المؤلف هذا؛ لأن بعض أهل العلم قال: إذا خيف من النَّباش فإنها تخرق اللفائف. أيش النَّباش؟ فيه ناس سُرَّاق يأتون إلى المقابر ينبشونها ويأخذون الأكفان، فقال: إذا خفت من هؤلاء فخرق اللفائف؛ لتفسدها عليهم، كما خرق الخضر السفينة؛ لئلا يأخذها الملك الظالم، لكن الفقهاء المتأخرون يقولون: لا تخرقها.
طالب: ()؟
الشيخ: إي، «لَا تُحَنِّطُوهُ» (١١)؛ لأنه محرم؛ لأن الرسول يخاطبهم في المحرم الذي وقصته راحلته، فنهيه عن التحنيط يدل على أن هذا من عادتهم.
طالب: شيخ، لو وضع ()؟
الشيخ: الظاهر أنه لا بأس، بس الفاظة يخشى منها أنها متينة.
الطالب: فيه نوع خفيف.
الشيخ: إذا كان فيه نوع خفيف طيب.
طالب: شيخ، الراجح أنه يقدم الكفن على الدَّين؟
الشيخ: إي نعم، الراجح أنه يقدم الكفن على الدَّين.
الطالب: من يقوم بسداد دينه إذا ()؟
الشيخ: يقوم بسداد دينه رب العالمين، من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله، أجل نذهب بالميت كأنه فرخ لا ريش له إلى المقبرة.
الطالب: () بيت المال؟
الشيخ: هذا فيه مِنَّة.
طالب: شيخ، إذا صلى على الميت من يقوم به؟
الشيخ: من تقوم به الكفاية.
الطالب: إذا ناس صلوا صلاة أخرى هل يكونون صلوا سنة أو واجبًا كفائيًّا؟
[ ١ / ٢٧٤٥ ]
الشيخ: الصلاة الثانية سنة، وصلاة الفريضة هي الأولى.
الطالب: طيب يا شيخ، بالنسبة للفرض الآن اللي قام بفرض الكفاية قام بالفرض عن الجميع () إسقاط الواجب عن الجميع؟
الشيخ: أسقطوا الواجب عن أنفسهم فقط، لكنه سقط عن الجميع؛ لأن المقصود الفعل وقد حصل.
الطالب: ().
الشيخ: إي نعم، معلوم؛ لأنه لا بد أن يوجد هذا الفعل من المسلمين، فإذا فعله واحد وحصل به الكفاية فقد أسقط الفرض عن نفسه، والآخرون بعد أن قام هذا بالكفاية لا يجب عليهم شيء.
طالب: شيخ، لماذا تحل العقد في القبر؟
الشيخ: تحل العقد في القبر، عرفتم الأثر عن ابن مسعود، هذه واحدة، الحكمة الثانية: الحكمة من ذلك هو أن الميت يتورم في القبر، فإذا كان مشدودًا بهذه العقد تمزق.
طالب: شيخ، () في هامش الحاشية () الإمام أحمد وقال هو وغيره: إنهم يتزاورون فيها.
الشيخ: الله أعلم، هذا ما نعلم.
طالب: بالنسبة -يا شيخ- لو توفي وليس عنده مال ولكن زوجته عندها مال هل تلزمها؟
الشيخ: لا تلزمها، إلا على رأي ابن حزم يقول: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والزوجة وارثة، فيلزمها إذا كان زوجها فقيرًا أن تنفق عليه، حتى في الحياة يقول: إذا كان الزوج فقيرًا وجب على الزوجة أن تنفق عليه.
طالب: شيخ ()؟
الشيخ: هو لا يضر، إذا كان عن قرب ما يضر، لم يحصل شيء، نعم لو مضى وقت وخيف أن يكون الميت قد تغير فهنا لا ينبش من أجلها.
طالب: أحسن الله إليك، ذكر أهل العلم () أن تغسيل الميت () سنة، ما دليل هؤلاء؟
الشيخ: ليس عندهم دليل، لا أعلم لهم دليلًا، يقول بعض العلماء: إنه سنة؛ غسل الميت وتكفينه، أقول: لا أعلم لهم دليلًا.
طالب: جزاك الله خيرًا، بالنسبة () ما هو دليلهم على أن () فعل الصحابة فقط؟
الشيخ: فعل الصحابة ﵃، نعم.
الطالب: ()؟
[ ١ / ٢٧٤٦ ]
الشيخ: لا، من جملة الصحابة أبو بكر وعمر، وقد أمرنا باتباع سنتهم، ثم إن بعض العلماء علل بعلة جيدة قال: لم يكن الله يختار لنبيه إلا أفضل الأكفان على أيدي الصحابة ﵃.
الطالب: أربع أو خمس؟
الشيخ: لا، هذا إسراف ينهى عنه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلت في الدرس الماضي: إن السقط يسمى، وإن الناس يوم يبعثون بأسماء ..
الشيخ: يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم.
الطالب: ()؟
الشيخ: هذا ثبت في صحيح البخاري: أن الناس يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم (١٥).
طالب: إذا دفن الميت وفيه أشياء ثمينة، السِّنة ذهب وغيره هل يجوز ()؟
الشيخ: إحنا ما ذكرنا هذا يا جماعة؟
طلبة: ذكرناها.
الشيخ: ذكرناها ولكن ().
الطالب: لا، ولكن شيء غامض؛ يعني: إذا شوف؟
الشيخ: نحن قلنا: إذا مات وفيه سن ذهب؛ فإن تيسر أخذه أخذ، وإن لم يمكن إلا بالتشويه فإنه يبقى، فإذا ظن أنه قد بلي نبش وأخذ، إلا إذا تنازل الورثة عنه فإنه يبقى.
الطالب: يعني يؤخذ بعد الدفن؟
الشيخ: إي، يؤخذ بعد الدفن، لكن ما هو بعد الدفن مباشرة؛ يعني: بعد الدفن مباشرة إذا أخذناه سيتشوه، لكن بعد أن نعلم أن الميت هذا قد يبس وصار لو أخذناه ما يتأذى.
طالب: ()؟
الشيخ: إي نعم، هذا إشكال جيد، يقول: لو وجدنا بعض ميت فهل نغسله ونكفنه أم ماذا؟
نقول: إن كان الموجود جملة الميت؛ يعني: وجدنا رجلًا بلا أعضاء فإننا نغسله ونكفنه ونصلي عليه، وإن كان الموجود عضو من الأعضاء؛ فإن كان قد صُلِّي على جملة الميت فهذا لا يصلى عليه، وإن كان لم يصلَّ عليه فإننا نصلي على هذا الجزء الموجود.
طالب: شيخ، بالنسبة لعدد العقد؟
الشيخ: ما يحتاج إليه، أما بعض العامة يقولون: سبع عقد، فلا أعلم لها أصلًا، لكن ما يحتاج إليه، ومعلوم أننا نحتاج إلى عقدتين؛ واحدة عند الذي يرد عند الرأس، والثاني عند الذي يرد عند الرجل، ثم إن كانت اللفائف ما هي عريضة نحتاج أيضًا إلى اثنتين أو ثلاث في الوسط.
[ ١ / ٢٧٤٧ ]
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة إلى غسل الرَّجُل الميت وكان معه معاون، هل لهما أن يتحدثا بما رآه من الميت؟
الشيخ: ويش قلنا يا جماعة؟ هل للغاسل ومن معه أن يتحدثا بما رأى من الميت؟
الطالب: () أن يتحدثا () فقط.
الشيخ: إذن لا ينبغي؛ لأنه قد يتحدثا بذلك على وجه الشماتة.
الطالب: أو للعظة يا شيخ.
الشيخ: أما إذا كان للعظة أو للدعاء له فلا بأس.
طالب: شيخ، () أيهما أفضل ()؟
الشيخ: لا، إذا كان غير البياض يعتبر جمالًا؛ فإنه ثبت عن النبي ﵊ أنه يلبس العمامة السوداء (١٦) والحلة الحمراء (١٧)، وإذا كان على حد سواء فالبياض أفضل ().
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن كُفِّن في قميص ومئزرٍ ولفافة جاز) بعد أن ذكر المؤلف ﵀ المشروع في تكفين الرجل أنه يكفن في ثلاث لفائف بيض، كما كُفِّن النبي ﷺ، وذكرنا وجه الدلالة في ذلك أن الصحابة ﵃ اختاروا هذا، وقد اختار الله لنبيه ما اختاره أصحابه، والله ﷿ هداهم لما فيه الخير لرسول الله ﷺ.
لكن مع هذا (إن كُفِّن في قميص ومئزر ولفافة جاز) القميص هو: هذا الذي نلبسه؛ يعني الدرع ذا أكمام. هذا القميص، والمئزر: ما يؤتزر به، ويكون في أسفل البدن، واللفافة عامة؛ يعني: إذا كُفِّن بهذا فلا بأس، ولكن غالب ما يكفن به الناس اليوم هو اللفائف الثلاث؛ لأن القميص يحتاج إلى خياطة وإلى مدة، أو إلى تجهيز أقمصة تكون مهيئة عند الذين يغسلون الموتى ويكفِّنونهم.
ثم قال المؤلف: (وتكفن المرأة في خمسة أثواب) المرأة تكفن في خمسة أثواب، فبينها: (إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين).
قوله: (في خمسة أثواب؛ إزار) هذه يسمونها من حيث الإعراب بدل بعضٍ من كل؛ لأن (خمسة أثواب) هذه عامة، ثم فصَّلها، الإِزار معروف، والخمار: ما يغطى به الرأس، والقميص: هو الدرع ذو الأكمام، واللفافتين: يعمان جميع الجسد.
[ ١ / ٢٧٤٨ ]
وقد جاء في هذا حديث مرفوع (١٨)، إلا أن هذا الحديث في إسناده نظر؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن المرأة تكفن بما يكفن به الرجل؛ أي: في ثلاثة أثواب يلف بعضها على بعض.
وهذا القول إذا لم يصح الحديث هو الأصح؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية، إلا ما دلَّ الدليل عليه، فما دلَّ الدليل على اختصاص أحدهما بالحكم فعلى ما دلَّ عليه الدليل، وإلا فالأصل أنهما سواء.
وعلى هذا فنقول: إن ثبت الحديث بتكفين المرأة في هذه الأثواب الخمسة فعلى العين والرأس، وإن لم يثبت فالأصل تساوي الرجال والنساء في جميع الأحكام، إلا ما دلَّ عليه الدليل.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والواجب ثوب يستر جميع الميت) الواجب في الكفن ثوب يستر جميع الميت ثوب واحد، وقول المؤلف: (يستر جميع الميت) يدل على أنه لا بد أن يكون هذا الثوب صفيقًا بحيث لا ترى من ورائه البشرة، فإن رئيت من ورائه البشرة فإنه لا يكفي.
والدليل على أن هذا واجبٌ أن الصحابة الذين قصرت بهم ثيابهم عن الكفن أمر النبي ﵊ أن يجعل الكفن من نحو الرأس، ويجعل على الرجلين شيء من الإذخر (١٩)، الإذخر نبات معروف.
فإذا لم يوجد شيء؛ مثل أن يكون الرجل قد احترق بثيابه ولم يوجد ثياب يكفن بها فإنه يكفن بحشيش أو نحوه يوضع على بدنه ويلف عليه حزائم، فإن لم يوجد شيء فإنه يدفن على ما هو عليه، كل هذا مأخوذ من عموم قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
***