ثم قال المؤلف ﵀: (كِتَابُ الجَنَائِزِ):
طالب: ().
الشيخ: تكلمنا عليه فيما سبق.
الجنائز: جمع جنازة، وهي بفتح الجيم وكسر الجيم بمعنًى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميت، وبالكسر اسم لما يُحمَل عليه الميت، فإذا قيل: جَنازة أي ميت، وإذا قيل: جِنازة أي نعش.
وهذا تفريق دقيق؛ لأن الفتح يناسب الأعلى، والميت فوق النعش، والكسر يناسب الأسفل، والنعش تحت الميت.
وينبغي للإنسان أن يتذكر حاله ونهايته في هذه الدنيا، وليست هذه النهاية نهاية، بل وراءها غاية أعظم منها، وهي الآخرة، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائمًا الموت، ولكن يتذكر الموت لا على أساس الفراق للأحباب والمألوف؛ لأن هذه نظرة قاصرة، ولكن على أساس فراق العمل والحرث للآخرة، فإنه إذا نظر هذه النظرة استعد وزاد في عمل الآخرة، وإذا نظر النظرة الأولى حزن وساءه الأمر، وصار على حد قول الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً
لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَوْتِ وَالْهَرَمِ
فيكون ذكره على هذا الوجه لا يزداد به إلا تحسرًا وتنغيصًا، أما إذا ذكره على الوجه الأول، وهو أن يتذكر الموت، ليستعد له ويعمل للآخرة، فهذا لا يزيده حزنًا، وإنما يزيده إقبالًا إلى الله ﷿، وإذا أقبل الإنسان على ربه فإنه يزداد صدره انشراحًا، وقلبه اطمئنانًا، فينبغي أن يستعد.
وفي هذا المجال يَحسُن البحث في أمور:
أولًا: هل المريض إذا مرض هل يعاد أو لا يعاد؟
[ ١ / ٢٦٤٢ ]
الجواب: بل يعاد، وعيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه، وفي العيادة من جلب المودة والألفة والمحبة شيء لا يعرفه إلا من أصيب ثم عيد، فإنك إذا عدت أخاك في مرضه يجد لهذا قيمة كبيرة عظيمة لا يزال يتذكرها، فالعيادة -أعني عيادة المريض- من السنن المؤكدة، وفيها ثواب عظيم.
وقال بعض أهل العلماء: بل هي فرض على الكفاية؛ كتجهيز الميت، وأنه يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم، فمن علم أن شخصًا ما مريض ولكنه لا يعاد وجب عليه أن يعوده، وهذا القول أصح، أي أن عيادة المرضى من فروض الكفاية، وأن الناس إذا علموا بمريض ولم يعيدوه أثموا، وإن قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأنه ليس من الإسلام والإيمان في شيء أن يكون أخونا المسلم تتلفه الأمراض وتتقاذفه ونحن لا نعوده، أين الأخوة الإيمانية!
فلا بد من عيادة المريض، ثم إذا عيد المريض هل الأولى أن نبسط الكلام معه وأن نذكر الماضي والحاضر، أو أن نقتصر على السلام والدعاء ثم ننصرف؟ في هذا خلاف بين العلماء، والصحيح أن الخلاف قريب من اللفظي وأن المسألة تعود إلى ما تقتضيه الحال، فقد يكون المريض يرغب أن هذا الشخص يبقى عنده ويحدثه وهو يفرح به ويأنس به، فهذا نقول: الأفضل في حقك الإطالة حتى يطرأ على صاحبك الملل، وهناك شخص آخر مفارقته عي ومقاربته نار، مثل هذا لا ينبغي أن يجلس عند المريض ولا لحظة، ولولا أننا نحب أن يكتسب الأجر لقلنا: لا تعد المريض، هو في غنى عنك، وهذا التفصيل هو الصحيح؛ أن الإنسان ينظر إلى ما تقتضيه الحال.
ثم إن المريض أيضًا أحيانًا يكون متسع الصدر منشرحًا يحب الأنس ويحب الكلام، فهنا نطيل معه، أحيانًا يكون ضيق الصدر يتململ من أمراضه ويظهر على وجهه أنه يحب الانفراد، أو يحب أن يكون عنده أهله أو ما أشبه ذلك، فهنا نقول: نقتصر على أقل شيء.
إذن القول الراجح في المكث عند المريض أنه يختلف باختلاف الأحوال حسب ما تقتضيه الحال.
[ ١ / ٢٦٤٣ ]
ثالثًا: إذا عدنا المريض فهل نذكره بالتوبة والوصية إن كان يريد الوصية والخروج من المظالم وما أشبه ذلك أو ماذا؟
نقول أيضًا: ينبغي للإنسان أن ينظر حال المريض إذا كان يعرف من حال المريض أنه متهاون بمظالم الناس، متهاون بما أوجب الله عليه، فينبغي أن يذكره، ولكن على وجه لا يزعجه؛ لأن المريض قد ضعفت نفسه، كل شيء يفكر فيه، فلو قال له: يا فلان أوص، ما تدري متى يأتيك الموت، ماذا يقول المريض؟ ينزعج جدًّا، وهذا كامرأة أذكرها عادت مريضًا فقالت: الله يعافيه والله والدي أصابه مثل هذا ولا قعد إلا يومين. أيش هذا اللي إي نعم هل هذا زين يمكن يموت قبل اليومين علشان هذا الكلام، فلا ينبغي للإنسان أن يزعج المريض بأي شيء، لكن إذا كان يعرف أن المريض عنده تفريط، عنده مظالم للخلق، فإنه يذكره بوجه لطيف يحصل به المقصود.
مثلًا إذا علمنا أنه مدين مطلوب للناس يحسن أن نقول: إن كتابة الديون والإشهاد عليها حسن، والأمور بيد الله، والآجال عند الله، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا يزعجه.
رابعًا: هل يسأل المريض كيف يصلي وكيف يتطهر، أو نقول: إن هذا من باب التدخل فيما لا يعنيه؟
الذي نرى أنه إن كان المريض من ذوي العلم الذين يعرفون، فلا حاجة أن تذكره؛ لأنه سيحمل تذكيرك إياه على إساءة الظن به، وأما إذا كان من العامة الجُهال فهنا يحسن أن يبين له.
وأذكر لكم قصة وقعت علي، أنا عدت مريضًا فسألته عن حاله فقال: الحمد لله على كل حال، أنا لي نصف الشهر أجمع وأقصر، هذا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنه يظن أن القصر مع الجمع، وأن من جمع قصر، مثل هذا إذا علمنا أنه رجل عامي لا بد نعلمه، نذكره.
ومن ذلك أيضًا أنه اشتهر عند العامة أن من لا يستطيع الإيماء في الركوع والسجود فإنه يومئ بأصبعه، هذا مشهور عند العامة، فينبغي أن نسأل حتى لا يقع في الخطأ.
البحث الخامس: التداوي: هل يؤمر المرضى بالتداوي، أو يؤمرون بعدم التداوي، أم في ذلك تفصيل؟
[ ١ / ٢٦٤٤ ]
من العلماء من قال: ترك التداوي أفضل، ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ لما مرض وَلَدُّوه أمر بأن يُلَدَّ جميع من كان حاضرًا إلا العباس بن عبد المطلب (١)، قالوا: وهذا دليل على أنه كره ما فعلوا. واللدود: ما يُلَدُّ به المريض وهو نوع من الدواء.
واستدلوا أيضًا بأن أبا بكر ﵁ لما مرض، وقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إن الطبيب قد رآني فقال: إني أفعل ما أريد (٢)، وأبو بكر هو خير الأمة بعد نبيها وهو قدوة وإمام.
ومن العلماء من قال: بل يُسنّ التداوي؛ لأمر النبي ﷺ بذلك، ولأنه من الأسباب النافعة، ولأن الإنسان ولا سيما المؤمن المغتنم للأوقات كل ساعة تمر عليه تنفعه. ولأن المريض يكون ضيق النفس، لا يقوم بما ينبغي أن يقوم به من الطاعات، وإذا عافاه الله انشرح صدره وانبسطت نفسه، وقام بما ينبغي أن يقوم به من العبادات، فيكون الدواء إذن مرادًا لغيره فيسنّ.
وفصل بعض العلماء فقال: إذا كان الدواء مما علم أو غلب على الظن نفعه بحسب التجارب فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل؛ لأنه إذا كان من باب المخاطرة فقد يحدث فيه رد فعل فيكون الإنسان هو الذي تسبب لنفسه بما يضره، ولا سيما الأدوية الحاضرة العقاقير التي قد تفعل فعلًا مباشرًا شديدًا على الإنسان بغلطة وصفة طبيب.
ومن العلماء من قال: إنه يجب التداوي إذا ظُن نفعه.
والصحيح: أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، بإذن الله إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان فإنه ينجو منه، لكن إذا ترك انتشر في البدن، وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يقطع ويزول، وقد خَرَّبَ الخَضِرُ السفينةَ بخرقها لإنجاء جميعها لتنجو، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك سائغًا بل واجبًا.
[ ١ / ٢٦٤٥ ]
وهذا القول أقرب الأقوال: أن ما عُلم نفعه أو غلب على الظن مع احتمال الهلاك بعدمه، فهو واجب.
وأما ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق في تركه فهو أفضل.
وما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل؛ لئلا يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر.
طالب: السلام عليكم يا شيخ، عدد مرات النداء، كم مرة ينادي؟
الشيخ: ينادي حسب ما يحصل به الإبلاغ، ولكن كما قلنا لكم: إن هذا الصحيح أنه ليس بسنة.
طالب: ().
الشيخ: ليس فيه حديث صحيح في هذه المسألة، لكن فيه آثار، مثل إذا رأى البرق قال: سبحان الله وبحمده؛ فإنه يروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من قال حين يرى البرق: سبحان الله وبحمده لم تصبه صاعقة (٣)، ومثل إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك (٤) فإنه يؤثر عن عبد الله بن الزبير ﵁.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا علم المريض أن زيارتي لهذا المريض تؤذيه.
الشيخ: ما هو بالمريض، إنك تقول: إذا علم المريض.
طالب: إذا علم العائد.
الشيخ: نعم العائد.
طالب: يعني أنا كنت أريد صديقي جارنا () وهذا المريض المعاد أنني إذا زرته ().
الشيخ: () المريض.
طالب: إي نعم ()
الشيخ: لا، إذا كنت تعلم أنه يتأذى لا تزره.
***