الشيخ: انتهى الكلام على الصلاة، ونبدأ الآن بكتاب الزكاة.
طالب: يقول فيه: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ» (١).
الشيخ: نعم، والعلماء -﵏- يترجمون بـ (بكتاب) في الأجناس، وبـ (الباب) في الأنواع، وبـ (الفصول) في المسائل.
ومعلوم أن الزكاة جنس غير الصلاة، في الصلاة يقول: باب الاستسقاء، باب الكسوف، باب التطوع، وهكذا، هذه أنواع.
في الفصول يذكر مثلًا باب صلاة التطوع، يذكر الوتر، وإذا انتهى منه، قال: فصلٌ: وتسن الرواتب، وهكذا، فالفصول للمسائل، والأبواب للأنواع، والكتب؟
الطلبة: للأجناس.
الشيخ: للأجناس، هذا هو الأصل، وقد يختلف الحال.
ثم قال المؤلف: (كتاب الزكاة) كتاب الزكاة عبر عنه، أو ترجم له بـ (كتاب)؛ لأنه جنس مستقل، والزكاة -كما لا يخفى علينا جميعًا- أهم أركان الإسلام بعد الصلاة، والله ﷾ يقرنها كثيرًا بالصلاة في كتابه، وقد ثبت عن الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايات عنه أن تاركها بخلًا يكفر كتارك الصلاة.
[ ١ / ٢٨٤٩ ]
ولكن الصحيح أن تاركها لا يكفر، والذين كفَّروا تاركها، أو كفَّروا مانعها بخلًا، قالوا: إن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فرتب ثبوت الأخوة على هذه الأوصاف الثلاثة: إن تابوا من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ولا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا إذا خرج الإنسان من الدين، أما إذا فعل الكبائر فهو أخ لنا، وإن فعل الكبيرة، فها هو القاتل عمدًا قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ مَنْ أخوه؟
الطلبة: ().
الشيخ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أخوه المقتول، والضمير يعود على القاتل، فجعل الله المقتول أخًا للقاتل.
[ ١ / ٢٨٥٠ ]
وقال الله تعالى في المقتتلين من المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] مع أن قتل المؤمن وقتاله من كبائر الذنوب، فلا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا بكفر، فقال هؤلاء العلماء: إن الله تعالى رتَّب الأخوة في الدين على هذه الأوصاف الثلاثة، إن تابوا؛ يعني من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ولا شك أن هذا القول له وجه جيد في الاستدلال بهذه الآية، لكن هذه الآية دل حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم على أن الزكاة ليس حكمها حكم الصلاة؛ حيث ذكر النبي ﵊ مانع زكاة الذهب والفضة، وذكر عقوبته، ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ؛ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (٢) فقال: «يَرَى سَبِيلَهُ؛ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، ولو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة.
فإن قال قائل: إذا قلتم هكذا وأدخلتم التخصيص على الآية -آية التوبة- فلماذا لا تقولون ذلك في تارك الصلاة؟ لأن الحكم واحد ﴿إِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]؟
[ ١ / ٢٨٥١ ]
فالجواب عن ذلك أن تارك الصلاة وردت فيه نصوص تدل على كفره؛ فمن أجل ذلك حكمنا بالكفر؛ لأن هذه النصوص الواردة في كفر تارك الصلاة نصوص قائمة، وليس لها معارض مقاوم، كل ما قيل في المعارضات فإنها لا تقاومها لا صحة لا دلالة، يعني لا ثبوتًا ولا دلالة، وغاية ما يعارِضون به النصوص الدالة على كُفر تارك الصلاة؛ إما إجمال أو عموم أو شيء مقيد بحالة مخصوصة، أما أن يوجد دليل يقول: من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو من ترك الصلاة فله الجنة، أو من لم يصلِّ فهو مؤمن، أو من لم يُصلِّ فهو في الجنة فهذا لا يوجد أبدًا، فإذا كان كذلك، فلماذا نحمل النصوص الدالة على كُفْر تارك الصلاة على الكفر الأصغر مع أنه لا دليل على هذا الحمل؟ أما لو جاءت الأدلة تقول: من لم يُصلِّ فهو مؤمن، أو من لم يصلِّ فهو في الجنة لقلنا: يجب أن نحمل النصوص المطلقة للكفر على تارك الصلاة على أيش؟
الطلبة: ().
الشيخ: على الكفر الأصغر، لكن ما فيه دليل أبدًا، الأدلة قسمناها إلى خمسة أقسام؛ إما أنه لا دليل فيها أصلًا، مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ لأننا نقول: إن ترك الصلاة شرك، كما في حديث جابر في مسلم: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (٣).
وإما أنها عامة، ومعلوم أن العام يخصص بالخاص، هذه طريقة أهل العلم، مثل: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٤)، هذا عام يُخصَّص بتارك الصلاة، ويُخصَّص أيضًا بجاحد بعض الأشياء، الجاحد لو جحد آية من القرآن كفر وهو يقول: لا إله إلا الله.
[ ١ / ٢٨٥٢ ]
أو أنها مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة مثل حديث عتبان: «يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» (٥)، وهل من المعقول أن رجلًا يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله أن يحافظ على ترك الصلاة؟ أبدًا، لو كان صادقًا في ابتغاء وجه الله ما حافظ على ترك الصلاة، يقول: لا إله إلا الله، أبتغي بذلك وجه الله، ولا أصلي، هذا ما هو معقول؟ !
أو يكون مقيدًا بحال يُعذر فيها كحديث حذيفة في قوم اندرس الإسلام فيهم، ولم يعرفوا عن الإسلام شيئًا إلا قول: لا إله إلا الله، فهؤلاء لا شك أنهم ما داموا ينتمون للإسلام، ولكن لم يعرفوا من الإسلام إلا هذه الكلمة العظيمة فهم معذورون ومستحقون لدخول الجنة؛ لأن هذا غاية ما يمكنهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وأما حديث الشفاعة في «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ» (٦)، فإن من العجب أن يستدل به هؤلاء على أن تارك الصلاة لا يكفر، وهم لا يستدلون به على أن تارك كلمة التوحيد لا يكفر، أعظم الخير، وأخير الخير قول: لا إله إلا الله، وهم لا يقولون بأن من ترك (لا إله إلا الله) يخرج من النار.
فنقول: إذا أخذتم بعموم هذا الحديث فخذوا به في حق أنفسكم وفي حق غيركم، قولوا: لم يعمل خيرًا قط، ومن الخير قول: لا إله إلا الله، أخرِجوا من لم يقل لا إله إلا الله من النار على كلامكم، فإذا كان عندنا دليل يدل على كفر تارك الصلاة، فنقول: هذا كافر أصلًا، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين، سواء عمل خيرًا أم لم يعمل خيرًا.
[ ١ / ٢٨٥٣ ]
والمسألة واضحة جدًّا، ولكن كما قلت وأكرر -وأسأل الله أن يعينني أيضًا على تنفيذ ما أقول- أن الإنسان يستدل قبل أن يغتر، يعني بعض العلماء تعاظم أن نقول لرجل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن الله رب العالمين، وهو الواحد، ولا أشرك به شيئًا، وبيده ملكوت السماوات والأرض، ولكن لا أصلي، تعاظم أن نقول لهذا: إنه كافر، وما لنا لا نقول: كافر، وقد كفره الرسول ﵊؟ ! أرحم الخلق بالخلق رسول الله، وقال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (٧)، وقال: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٨)، ثم كلام رب العالمين: ﴿إِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
نحن لا نحكم على أحد لا بإيمان ولا بكفر، ولا بفجور، ولا ببر، ولا على عمل أنه حلال أو حرام أو واجب إلا بكتاب الله وسنة رسوله، ليس الحكم إلينا، الحكم إلى الله ورسوله، فإذا حكم الله على شخص بالكفر، فإنا لا نتهيب أن نقول: هو كافر، لا نتهيب.
فالمسألة عند التأمل واضحة، لكن الإنسان يستكبرها ويستعظمها، ثم يحاول أن يؤول النصوص، أو يستدل بنصوص لا دلالة فيها.
بقي عندنا القسم الخامس من الأدلة التي عارضوا بها الأدلة القائمة: أحاديث ضعيفة، ومعلوم أن الضعيف لا يقاوِم الصحيح، هذا أمر مُتَّفق عليه، فإذا كان لدينا أحاديث ضعيفة وأحاديث صحيحة فالواجب علينا أن نأخذ بالأحاديث الصحيحة.
طالب: لماذا لا نأخذ بالحديث الذي في صحيح مسلم على أن تارك الزكاة تركها تهاونًا وتكاسلًا، ونجعل الآية نحملها على أن تاركها بخلًا كما قال الإمام نبقي الآية على عمومها؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: آية التوبة.
الشيخ: تارك الصلاة بخلًا؟
الطالب: نتكلم عن الزكاة.
الشيخ: إي.
[ ١ / ٢٨٥٤ ]
الطالب: إجمالًا لا نجعل الآية على من تركها بخلًا الزكاة، فنبقي الآية على عمومها، ونحمل الحديث الذي في صحيح مسلم على تاركها بخلًا أو تهاونًا وكسلًا.
الشيخ: أما الحديث في مسلم يقول: «لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ».
الطالب: الثاني.
الشيخ: يقول: لماذا لا نحمل الآية على من تركها بخلًا؛ حديث مسلم: «عَلَى مَنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا»، يعني لأن التارك بخلًا ليس عنده نية أن يزكي، والتارك تهاونًا عنده نية، لكن يقول: غدًا أو بكرة، أو بعد غد، أو ما أشبه ذلك، فالحديث يقول: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا» (٢) ولم يقيده.
طالب: يا شيخ -حفظكم الله- () الحادة على زوجها، وكانت حاملًا، ونقصت عدتها إذا كانت الحمل أربعة أشهر وعشرًا، هل تكمل مباشرة بعد الحمل؟
الشيخ: المرأة إذا مات عنها زوجها وهي حامل، ووضعت قبل أن يغسلوه انقضت عِدَّتها.
الطالب: قضت الحمل.
الشيخ: انقضت عدتها خلاص، لها أن تتزوج قبل أن يُصلى على زوجها.
طالب: روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قال: أدركت الناس لا يعزون في أنثى إلا أن تكون أمًّا.
الشيخ: إي.
الطالب: فما هو القول؟
الشيخ: والله هذا قول ضعيف إذا صح عنه، النصوص عامة في المصاب.
طالب: شيخنا، الرسول ﷺ إذا قال قائل: قولكم الآن ما هي الخلافة؟
الشيخ: أظن أنت تسأل عن «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ» (١)؟
الطالب: لا.
الشيخ: راح؟
الطالب: دا سؤال ثانٍ، «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه» يكون ظاهر هذا النص يدل على أنه يُعذَّب، ويشهد لهذا ما جاء أيضًا من طريق آخر عند مسلم: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٩). فلو قال قائل: إن هذا العذاب حقيقي وليس المقصود به الألم والحلم؟
[ ١ / ٢٨٥٥ ]
الشيخ: والله على كل حال، هذا الظاهر الذي قلت يعارض قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فإما أن يُحمل على ما قال العلماء من أوصى به، أو من رضي به، أو ما أشبه ذلك، أو على أنه عذاب الألم.
الطالب: كيف يوجه يوم القيامة؟
الشيخ: والله ما أدري عن صحة اللفظة، لازم تحققها لنا.
الطالب: موجود قطعًا.
الشيخ: ما يخالف، جِبها لنا إن شاء الله ونشوف.
() يا شيخ والصابر الآن، أليس يدخل فيها الراضي والشاكر؟
الشيخ: لا، الصابر -كما قلت لكم- الفرق أن الصابر متألم، لكن لا يفعل ما يسخط الرب
طالب: الرسول قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ» (١).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: صبر أو ما صبر.
الشيخ: نعم، هذا الواجب.
طالب: يا شيخ، الحداد يا شيخ، ما ورد فيه من السنة ()؟
الشيخ: الحداد أيش؟
الطالب: الحداد.
الشيخ: الحداد على الزوج ولَّا على غير ذلك؟
الطالب: على غير ذلك.
الشيخ: إي نعم ورد فيه: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (١٠).
الطالب: على غير الزوج؟
الشيخ: إي، غير الزوج فوق ثلاث، حرام فوق ثلاث ومن الثلاث فأقل جائز.
***