الشيخ: باب المياه، باب الآنية، باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب الحيض، باب إزالة النجاسة.
هذه هي القاعدة عندهم؛ أن الكتاب للجنس، والباب للنوع، والفصل لمفردات المسائل، إذا طال الباب جعلوه فصولًا.
كتاب الصيام هذا جنس؛ لأن ما سبق في الصلاة والزكاة، وهذا هو الصيام، ورتَّب العلماء ﵏ الفقه في باب العبادات على حسب حديث جبريل، وعلى حسب حديث عبد الله بن عمر ﵄ في بعض ألفاظه؛ فقدموا الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج، والطهارة قبل الصلاة لأنها شرط، وهي مفتاح الصلاة فقدَّموها على الصلاة، وإلَّا لكان من المتوقع أن يجعلوها ضمن شروط الصلاة؛ يعني: في أثناء كتاب الصلاة، لكن لما رأوا أنها مفتاح وأن الكلام عليها كثير قدَّموها على كتاب الصلاة.
[ ١ / ٣٢٨٥ ]
الصيام في اللغة: مصدر صام يصوم، ومعناه أمسك، فالإمساك في اللغة والصيام بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] صومًا: يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يعني: إذا لم تري أحدًا ﴿فَقُولِي إِنِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: إمساكًا عن الكلام ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، ومنه قولهم: صامت عليه الأرض إذا أمسكته وأخفته.
أما في الشرع: فهو التعبد لله ﷾ بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ويجب التفطن لإلحاق كلمة التعبد في التعريف؛ لأن كثيرًا من الفقهاء لا يذكرونها، بل يقول: هو الإمساك عن المُفَطِّرات من كذا إلى كذا، في الصلاة يقولون: الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة، ولكن ينبغي أن نزيد كلمة التعبد حتى لا تكون مجرد حركات، أو مجرد إمساك، بل تكون عبادة.
التعبد لله ﷿ بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وحكمه الوجوب بالنص والإجماع، ومرتبته في الدين الإسلامي أنه أحد أركانه، فهو ذو أهمية عظيمة في مرتبته في الدين الإسلامي.
ثم اعلم أن من حكمة الله ﷿ أنَّ الله نَوَّع العبادات في التكليف؛ ليختبر المكلَّف كيف يكون امتثاله لهذه الأنواع، هل يَمْتَثِل ويَقْبَل ما يوافق هواه وطبعه، أم يمتثل ما به رضا الله ﷿؟
فإذا تأملنا العبادات الخمس؛ الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وجدنا أن بعضها بَدنيٌّ محض، وبعضها مالي محض، وبعضها مركب، حتى يُبْتَلَى الشحيح من الجواد، ربما يهون على بعض الناس أن يُصَلِّيَ ألف ركعة، ولا يبذل درهمًا واحدًا، أليس كذلك؟
[ ١ / ٣٢٨٦ ]
نعم، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم ولا يصلي ركعة واحدة، هكذا، فجاءت الشريعة بالتقسيم والتنويع حتى يُعرَف مَنْ يمتثل تعبدًا لله، ومن يمتثل تبعًا لهواه.
فالصلاة مثلًا عبادة بدنية محضة، وما يجب لها مما يحتاج إلى المال كماء الوضوء الذي يشتريه الإنسان وثياب ستر العورة فهو تابع، وليس داخلًا في صلب العبادة.
والزكاة مالية محضة، وما تحتاج إليه من عمل بدني كإحصاء المال وحسابه، ونقل الزكاة إلى الفقير والمستحِق فهذا يعتبر تابعًا ليس داخلًا في صلب العبادة.
والحج مركب من مال وبدن إلَّا في أهل مكة فقد لا يحتاجون إلى المال، لكنَّ هذا شيء نادر بالنسبة أو قليل بالنسبة لغير أهل مكة.
الجهاد في سبيل الله مركب من مال وبدن، وربما يستقل بالمال، وربما يستقل بالبدن؛ فالجهاد من حيث التركيب أعم العبادات؛ لأنه قد يكون بالمال فقط، وقد يكون بالبدن فقط، وقد يكون بهما جميعًا.
ثم إن التكليف أو العبادات المكلَّف بها تتنوع من وجه آخر إلى كَفٍّ عن المحبوبات، وإلى بذل للمحبوبات، وهذا نوع تكليف أيضًا؛ كَفٍّ عن المحبوبات مثل الصوم.
بذل للمحبوبات كالزكاة؛ فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يبذل المال المحبوب إلى النفس إلا لشيء أحب إليه منه، وكذلك الكفُّ عن المحبوبات هو أيضًا تكليف، وربما يهون على المرء أن يُنفق ألف درهم ولا يصوم يومًا واحدًا أو بالعكس؛ ومن ثَمَّ استحسن بعض العلماء استحسانًا مبنيًّا على اجتهاد لكنه سيء، حيث أفتى بعضَ الأمراء أن يصوم شهرين متتابعين بدلًا عن عتق الرقبة في الجماع في نهار رمضان، وقال: إن ردع هذا الأمير بصيام شهرين متتابعين أبلغ من ردعه بإعتاق رقبة؛ لأنه ربما يعتق ألف رقبة ولا يهون عليه أن يصوم يومًا واحدًا.
[ ١ / ٣٢٨٧ ]
لكنَّ هذا اجتهاد فاسد؛ لأنه مقابل للنص، ولأن المقصود بالكفَّارة ليس هو تعذيب الإنسان، بل تطهير الإنسان، وتطهيره بالإعتاق الذي أخبر النبي ﵊: «أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَإِنَّ اللَّه يُعْتِقُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ» (١) فهو فَكاك من النار، فيكون أفضل وأعظم، والمقصود بالكفارات هو التهذيب، وإن كان فيها شيء من التأديب لكن أهم شيء هو التهذيب وتطهير المرء، فالحاصل أنك إذا تأملت الشريعة الإسلامية والتكاليف الإلهية وجدتها في غاية الحكمة والمطابَقة والامتحان والاختبار.