[ ١ / ١٣٣٤ ]
ثم قال: (فصلٌ: ويُكْرَه في الصلاة التفاتُه). (التفات) نائب فاعل؛ يعني: يُكرَه للمصلي أن يلتفت؛ لأن النبي ﷺ سُئِل عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» (١١) اختلاس يعني: سرقة ونهب، يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وقال: «إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ» (١٢)؛ ولأن الالتفات حركة لا مبرِّر لها، والأصل كراهة الحركات في الصلاة؛ ولأن في الالتفات إعراضًا عن الله ﷿؛ فإن الله ﷾ إذا قام الإنسان يصلي فالله تعالى قِبَلَ وَجْهِهِ؛ ولهذا حَرُم على المصلي أن يَتَنَخَّعَ قِبَل وَجْهِهِ؛ لأنه من سوء الأدب مع الله، ولكن إذا كان لحاجة فلا بأس، فمن الحاجة ما جرى للنبي ﷺ حيثُ أرسلَ عينًا تترقب العدو، فكان النبي ﷺ يُصَلِّي ويلتفت نحو الشِّعب الذي يأتي منه هذا العين، والعين يعني: الجاسوس؛ ولأن النبي ﷺ أمر الإنسان إذا أصابه الوَسواس في صلاته أن يَتْفُل عن يساره ثلاثَ مرَّات ويستعيذَ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا التفاتٌ لحاجة، ومن ذلك لو كانت المرأة عندها صبي وتخشى عليه فصارت تلتفت إليه فإن هذا من الحاجة، فهذا لا بأس به لأنه عمل يسير يحتاج إليه الإنسان.
ثم اعلم أن الالتفات نوعان؛ التفات حسيٌّ بالبدن، والتفات معنويٌّ بالقلب؛ الالتفات في البدن معروف، وما أكثر الذين يُمكنهم أن يسيطروا على هذا الالتفات، أليس كذلك؟ لأنه يسير، عمل بدني يسير.
[ ١ / ١٣٣٥ ]
أما الالتفات المعنوي القلبي فهذا هو العلة التي لا يخلو أحد منها، وما أصعب معالجتها، وما أقل السالم منها، وليته التفاتٌ جزئي، التفات يَمْسُكُك من أول الصلاة إلى آخرها، وينطبق عليه تمامًا أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، بدليل أن الرسول ﷺ لما شكا إليه الرجل هذه الحال، قال له: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبٌ» سمَّاه الرسول ﵊ «فَإِذَا أَحْسَسْتَ بِهِ فَاتْفُل عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، إذن صار هذا الاختلاس الواضح.
وأيضًا هذا الالتفات خَفِيٌّ مثل المختلِس، تعرفون المختلس كيف يعمل؛ المختلس يجي عندك في الدكان، ويوهمك أنه بيشري منك بضائع كثيرة، يقول: شوف لي هذا كم يِسْوَى؟ تروح تجيبه، يجي () أبغي ذاك، الرجل ياخده ويحطه، ويأمن من الرجل، يأمن من هذا الزبون اللي واقف على الدكان، مرتين ثلاث، ثم يقول: والله شوف لي () إيش الدكان، راح يجيب الغداء () قش اللي حول الباب ومشي، هذا اختلاس، ليش؟ لأنه أتى بخُفْيَة، حتى حصَّل مقصوده.
الشيطان إذا أتى القلب بِخُفْيَة، هذا اختلاس في الحقيقة، وكل منهما اختلاس، لا الالتفات البدني ولا القلبي.
طالب: الإنسان في صلاة النافلة قد يُقَصِّر بعض الشيء () هل يستغفر بعد الصلاة؟
الشيخ: هذا ورد بعد المكتوبة لأنها أعظم وأهم.
الطالب: لا يقال في النافلة شيء؟
الشيخ: والله القياسُ فيه نظر.
طالب: المرأة تُسِرُّ مطلقًا () يعني: تقرأ سرًّا.
الشيخ: لا، إذا كان حولها رجال، أما إذا كان ما حولها رجال ففي الجهرية لا بأس أن تجهر.
طالب: التفل، هل يتفل على يساره أو () على جسمه.
الشيخ: لا يتفل؟ ما يتفل على () ما راح تمسه.
الطالب: ما يتفل على نفسه؟
الشيخ: لا، يعني من باب الورد يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا.
[ ١ / ١٣٣٦ ]
طالب: الرسول ﵊ هل كان يقوم قبل الاستغفار أو بعده؟
الشيخ: لا كان الرسول ﷺ إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، وكان لا ينصرف إلا بعد أن يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».
طالب: شيخ، بالنسبة أن المرأة ليست كالرجل، ذكروا في ذلك حديثًا وهو () عن زيد بن أبي عبيد أو كذا أن النبي ﵊ مر على امرأتين تصليان فقال لهما: «ضُمَّا اللَّحْمَ إِلَى بَعْضِه، فَإِنَّكُمَا فِي هَذَا لَسْتُنَّ كَالرِّجَالِ» (١٣)، وكذلك عن عَلِيٍّ يا شيخ، مدى صحة هذا؟
الشيخ: حرِّره لنا، جِبه لنا إن شاء الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما عرفت أنا كيفية السدل؟
الشيخ: السدل تطلع ().
طالب: يعني: نفس التورُّك؟
الشيخ: لا، ما هو، يعني: بعده شوي، قليلًا ()؟
طالب: جزاك الله خيرًا، يا شيخ، بالنسبة للمرأة تضم نفسها في هذه الحالة إذا كان () صلاة يصلون، نرى بعض النساء تصلي، هل تضم نفسها؟
الشيخ: أي، المذهب مطلقًا، سواء عندها رجال، أو ما عندها رجال.
طالب: ما هو القول الراجح؟
الشيخ: القول الراجح: لا؛ أنها مثل الرجل مطلقًا.
الطالب: حتى لو كان الرجال يشوفونها؟
الشيخ: إذا خيفت الفتنة معلوم، حتى لو شيء مشروع، إذا خيفت الفتنة يُتْرَك.
طالب: قول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» في الأذكار، هل يُكَرَّر في المغرب والفجر؟
الشيخ: المغرب والفجر ورد أنه يقول عشر مرات، ويزيد أيضًا: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» (١٤)، في غير الفجر ثلاث مرات بدون زيادة: «يُحْيِي وَيُمِيتُ».
الطالب: يا شيخ، وإن كان مسافرًا؟
الشيخ: كله واحد، نعم.
طالب: في السلام نرى بعض الناس يُسَلِّم بعد الفريضة وبعد النافلة، يصافح في هذا البلد؛ يعني: يسلِّم عند إقامة الصلاة، وقد استدل بعضهم بحديث المسيء صلاته؛ لأنه () السلام ثلاث مرات؟
الشيخ: يقول ابن القيم:
[ ١ / ١٣٣٧ ]
وَسَلِ الْعِياذَ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْهَوَى
فَهُمَا لُكِلِّ الشَّرِّ جَامِعَتَانِ
الإنسان الذي له هوى يستدل بما ليس فيه دليل، المسيء في صلاته سلَّم؛ لأنه راح انصرف وجاء رجع فسلَّم؛ لأن المشروع من الإنسان إذا لاقى أخاه بعد أن انصرف عنه أن يُسَلِّم، ما سلَّم؛ لأنه أدَّى صلاته.
وأما مسألة السلام بعد الصلاة فهذه على نوعين:
النوع الأول: أن يتخذها الإنسان على أنها سُنَّة بعد الصلاة، وعلامة ذلك أنه يأتي هو وصاحبه إلى المسجد فيدخلان جميعًا ويصليان جميعًا، وإذا سلما من الصلاة سلَّم عليه وصافحه، هذه يعني: كأنه فَهِمَ أن هذا السلام من سنن الصلاة، هذا لا شك أنه يُنهى عنه، ويُبدَّع صاحبه.
القسم الثاني: ألا يكون كذلك، وإنما يسلم عليه على العادة ويصافحه تحبُّبًا وتألُّفًا فهذا لا بأس به، وعلامة ذلك أنه يفعل هذا لأنه لم يصادفه قبل الصلاة، فهذا لا بأس به وليس فيه شيء.
***
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: ويكره في الصلاة التفاتُه ورفعُ بصره إلى السماء وتغميضُ عينيه، وإقعاءٌ وافتراشُ ذراعيه ساجدًا، وعبثُه وتخصُّرُه وتروُّحُه وفرقعةُ أصابعِه وتشبيكُها، وأن يكون حاقنًا أو بحضرةِ طعامٍ يشتهيه، وتَكرارُ الفاتحة لا جمع سُوَرٍ في فرض كنفل، وله ردُّ المارِّ بين يديه وعدُّ الآي والفتحُ على إمامه ولبس الثوب ولفُّ العمامة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه بعد السلام يستغفر الله تعالى ثلاثًا، فما هي الحكمة في الاستغفار؟
طالب: الحكمة من الاستغفار هو أن () نفس الذي يحصل من المصلي في صلاته ().
الشيخ: هو أن الإنسان لا يخلو؟
الطالب: من تقصير في صلاته.
الشيخ: من تقصير ونقص في صلاته. هل لهذا نظير أن يُطلَب من الإنسان الاستغفار في آخر العبادة؟
[ ١ / ١٣٣٨ ]
طالب: نعم، يطلب من الإنسان الاستغفار في آخر العبادة، كذلك آخر حياته.
الشيخ: هات آخر عبادة؟
الطالب: بعد التسليم.
الشيخ: خَلِّ الصلاة، نريد مثالًا لها، يعني: مثالًا آخر يَعْضُد هذه القاعدة؟
طالب: إذا انتهى الإنسان من الحج يذكر الله، قال الله ﷾: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
الشيخ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وسبق لنا أنواع من الذكر تقال بعد السلام، منها؟
طالب: يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً، وَيَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً، وَيُكَبِّرُ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً (٧).
الشيخ: أو يقول: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، ثَلاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً» ويختم؟
الطالب: بـ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٧).
الشيخ: بـ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» إلى آخره، وفيه أيضًا نوع آخر.
طالب: أن يسبِّح الله عشر مرات.
الشيخ: أن يسبح الله عشرًا، ويَحْمَدَ عشرًا، ويُكَبِّرَ عشرًا (٨). النوع الثالث؟
طالب: يسبح الله؛ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسًا وعشرين مرة (٩).
الشيخ: خمس وعشرين مرة، تكون مئة.
لما أنهى المؤلف ﵀ صفة الصلاة ذَكَر ما يُكْرَه في الصلاة، ويجب أن نعرف الفرق بين الصلاة المكروهة وبين الصلاة التي فُعِل فيها شيء مكروه، الصلاة المكروهة فيها ثواب ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، فيها ثواب وهي مكروهة.
طالب: () ليس فيها ثواب.
الشيخ: ليس فيها ثواب.
الطالب: ().
الشيخ: لا، هذه حرام، لكن حتى لو فرض، الصلاة في أوقات النهي، على رأي من يرى أنه قبل أن تصفرَّ الشمس مكروه وبعده حرام، فهذه ليس فيها ثواب.
[ ١ / ١٣٣٩ ]
الصلاة التي فيها مكروه، هل فيها ثواب؟
طالب: ().
الشيخ: فيها ثواب، كذا؟ مثل؟
طالب: كالالتفات.
الشيخ: كالالتفات، فإنه يُثاب على أصل الصلاة، ولكن يُكْرَه الالتفات.
المؤلف ذكر أنه يُكرَه الالتفات، فما المراد بالالتفات هنا؟
طالب: الالتفات نوعان، () الالتفات بالوجه.
الشيخ: بالوجه، لا بجميع؟
الطالب: لا بجميع البدن.
الشيخ: ما حكم الالتفات بجميع البدن عن القبلة؟
الطالب: يبطل الصلاة.
الشيخ: يبطل الصلاة؛ لأن من شرطها استقبال؟
الطالب: القبلة.
الشيخ: القبلة. ما الذي يستثنى من المكروه؟
طالب: ().
طالب آخر: إذا كان لحاجة.
الشيخ: نعم، إذا كان لحاجة، يستثنى من ذلك إذا كان لحاجة، مثاله؟
طالب: ().
الشيخ: المهم صاحت طفلة والتفتَّ تنظر ماذا حصل لها؟ هذه حاجة ولَّا لا؟
الطالب: حاجة.
الشيخ: حاجة، صح؟ فيه حاجة شرعية؟ الحاجة الشرعية للالتفات؟
طالب: ().
الشيخ: هذه حاجة شرعية؛ ذكرنا أن هناك نوعًا من الالتفات؟
طالب: ().
الشيخ: نوع من الالتفات مكروه، إن لم يكن حرامًا؟
الطالب: التفات معنوي.
الشيخ: المعنوي أيش؟
الطالب: التفات القلب.
الشيخ: التفات القلب، هذا مكروه ولَّا غير مكروه؟
الطالب: () يبطل الصلاة.
الشيخ: إي إنه مكروه، وقد يُبْطِل الصلاة على رأي بعض العلماء، والصحيح أنه لا يبطل.
***
كلمة (يُكرَه) أظنها معروفة لديكم، ما حاجة إلى تفسيرها الآن، المكروه عند أهل العلم هو ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، وحكمه أنه يُثاب تاركه امتثالًا ولا يُعاقَب فاعله، فهو في منزلة بين المباح والمحرم.
[ ١ / ١٣٤٠ ]
يقول المؤلف ﵀: (يُكرَه رَفْعُ بصرِه إلى السماء)؛ يعني: يكره رفع بصره إلى السماء وهو يصلي، سواء في حال القراءة، أو في حال الدعاء أو في حال الرفع من الركوع، أو في أي حال من الأحوال، يُكْرَه أن يرفع بصره إلى السماء، بدليل وتعليل؛ يعني: له دليل وله تعليل؛ أما الدليل فلأن النبي ﷺ قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم» (١٥) يعني: إما أن ينتهوا وإما أن يُعاقبوا بهذه العقوبة؛ أن تُخْطَف أبصارُهم فلا ترجع إليهم، واشتدَّ قوله ﷺ في ذلك، هذا الدليل، والحقيقة أن الدليل أقوى من المدلول؛ لأن الدليل يقتضي أن يكون رفعُ البصر إلى السماء محرَّمًا؛ فإن الرسول ﷺ حذَّر منه واشتد قوله فيه، ثم ذكر عقوبة محتملة، وهي أن تُخْطَف أبصارُهم ولا ترجع إليهم.
ومن المعلوم أن التحذير عن الشيء بذكر العقوبة يدلُّ على أنه حرام، كما قلنا في قول الرسول ﵊: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمارٍ» قلنا: إن هذا دليل على تحريم مسابقة الإمام.
وكذلك أيضًا قلنا في قوله ﵊: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفُنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (١٦) قلنا: إن فيه دليلًا على القول الراجح على وجوب تسوية الصف، وهذا الحديث الذي معنا في رفع البصر إلى السماء لا يقصر دلالة عن دلالة قوله ﷺ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».
[ ١ / ١٣٤١ ]
بل إنما قد يكون أشد وأبلغ أن يرجع بصر الإنسان إلى عمى قبل أن يرتد إليه؛ ولهذا كان القول الراجح في رفع البصر إلى السماء في الصلاة أنه حرام، وليس بمكروه فقط.
ولكن إذا قلنا بأنه حرام ثم رفع بصره إلى السماء، فهل تبطل الصلاة؟
اختلف في ذلك أهل العلم؛ فقال بعضهم: إنها تبطل الصلاة، وعلَّلوا ذلك بتعليلين؛ التعليل الأول أنه فعل منهيٌّ عنه في العبادة، والإنسان إذا فعل فعلًا منهيًّا عنه في العبادة أبطلها؛ لأنه ينافيها.
والثاني أن فيه انحرافًا عن القبلة؛ لأنه إذا رفع رأسه هكذا صار مستقبلًا القبلة بحلقه لا بوجهه.
ولكن الذي يظهر لي أن المسألة لا تصل إلى حد البطلان؛ أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة حرام، لكن الوصول إلى حد البطلان في النفس منه شيء؛ أما التعليل بأنه انحراف عن القبلة فإنه منقوض بالالتفات، فإن الملتفِتَ إلى اليمين أو اليسار قد انحرف عن القبلة، ومع ذلك لا تَبْطُل صلاته، وأما أنه فعلٌ محرَّم في العبادة فيقتضي أن يبطلها كما أبطل الكلامُ الصلاةَ، وأبطل الأكل والشرب الصوم، فهذا مثله، فهو -لا شك والله- تعليل قوي، لكن النفس لا تطمئن إلى أمر المصلي بالإعادة إذا رفع رأسه.
إنما نقول: إن صلاتك على خطر، وأما الإثم فإنك آثم؛ بناء على ذلك ينبغي لطالب العلم إذا رأى الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أن يُنْكِر عليهم، ويجب أن يعلِّمهم بأن هذا حرام، وأنا أرى كثيرًا من الناس إذا رفع رأسه من الركوع خاصَّة رفع وجهه إلى السماء حتى تكاد تقول: إنه ارتفع عن الأرض من شدة رفع وجهِه إلى السماء، فيُحذَّر من ذلك.
يقول -وعندي بالشرح-: (ويُكرَه أيضًا تغميضُ عينيه؛ لأنه فعلُ اليهود) تغميض العينين أيضًا مكروه ..
طالب: التعليل ().
[ ١ / ١٣٤٢ ]
الشيخ: إي نعم، التعليل في مسألة رفع البصر إلى السماء أن فيه سوءَ أدبٍ مع الله؛ لأنك بين يديه، فينبغي أن تتأدب وألا ترفع رأسك، بل يكون رأسك خاضعًا؛ ولهذا قال عمرو بن العاص ﵁: إنه كان قبل أن يُسْلِمَ يَكْرَه النبيَّ ﷺ كراهةً شديدةً حتى يقول: حتى تمنيت أن أتمكن منه فأقتله، يقول: فلما أسلم كان لا يرفع بصره إلى رسول الله ﷺ (١٧) يعني: احترامًا له وتعظيمًا له.
فالربُّ ﷿، أنت الآن واقف بين يديه وهو قِبَل وجهك فكونك تقول: هكذا، فيه شيء من سوء الأدب؛ فلهذا جاء الحديث بالتحذير منه.
أما تغميض عينيه فيقول المؤلف: إنه مكروه، وعلَّل ذلك بأنه فعلُ اليهود في صلاتهم، ونحن منهيُّون عن التشبه بالكفار من اليهود وغيرهم، لا سيما في الشعائر الدينية؛ لأن دياناتهم ديانات منسوخة، أبطلها الله تعالى بشرع محمد ﷺ، فلا يجوز أن نتشبَّه بهم في العبادات ولا غيرها، ولكن يَذْكُر كثيرٌ من الناس أنه إذا أغمض عينيه كان أخشعَ له، ولكن هذا من الشيطانِ يُخَشِّعُه إذا أغمض عينيه من أجل أن يفعل هذا المكروه، ولو عالج نفسه وأبقى عينه مفتوحة، وحاول الخشوع لكان أحسن.
لو فُرِضَ أنه كان بين يديك شيء لا تستطيع أن تفتح عينيك أمامه؛ لأنه يشغلك فحينئذ لا حرج عليك أن تُغَمِّض بقدر الحاجة، وأما بدون حاجة فإنه مكروه كما قال المؤلف، ولا تغترَّ بما يُلْقِيه الشيطان في قلبك من أنك إذا غمضت صار أخشع.
يقول: (ويُكْرَه أيضًا إقعاؤه في الجلوس) يُكْرَه للمصلي أن يُقْعِيَ في الجلوس؛ لأن النبي ﷺ نهى عن إقعاءٍ كإقعاء الكلب؛ ولأن الإنسان لا يستقر في حال الإقعاء؛ لأنه يتعب، ولكن كيف الإقعاء؟
الإقعاء عند أصحابنا له صور؛ منها أن يفرش قدميه، أي: يجعل ظهورهما نحو الأرض، ثم يجلس على عقبيه؛ يعني: بينهما في الواقع، تصوَّرتموه؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ١٣٤٣ ]
الشيخ: يفرش قدميه، يعني: يجعل ظهورهما إلى الأرض هكذا، ثم يجلس على العقبين؛ يعني: العقبين على أطراف الفخذين، هذا مكروه؛ أولًا: لأنه يُشْبِه من بعض الوجوه إقعاء الكلب، والثاني: أنه متعب، لا يستقر الإنسان في حال جلوسه على هذا الوجه.
الوجه الثاني: أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه، وهذا لا شك أنه إقعاء كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس ﵁، ولكن بعض أهل العلم قال: إن هذه الصورة من الإقعاء من السُّنَّة؛ لأن ابن عباس ﵄ قال: إنها سُنَّة أبي القاسم ﷺ، أو سُنَّة نبيك (١٨)، ولكن أكثر أهل العلم على خلاف ذلك، وأن هذا ليس من السنة، ويشبه والله أعلم أن يكون قول ابن عباس ﵄ تحدُّثًا عن سنِّةٍ سابقة نُسِخت بالأحاديث الكثيرة المستفيضة بأن النبي ﷺ كان يَفْرِش رجله اليسرى وينصب اليمنى، أو يتورك.
الصفة الثالثة، وهي أقربها مطابقةً لإقعاء الكلب أن يَنْصِبَ فخذيه وساقيه ويجلس على عَقِبَيْه، لا سيما إن اعتمد بيديه على الأرض، تصورتموها الآن؟ هكذا؛ يعني: الساقان والفخذان منصوبات، والأَلْية على الأرض، لا سيما إن انضم إلى ذلك اعتماد هكذا، صار كأنه الكلب تمامًا، وهذا هو المعروف من الإقعاء في اللغة العربية.
بقيت صفات أخرى للجلوس لا تُكْرَه، لكنها خلاف السنة كالتربُّع مثلًا، التربع مثل جلستي هذه، هذه تربع، هذه ليست مشروعة، ولا مكروهة، لكنها مشروعة في حال القيام، إذا صلى الإنسان جالسًا فإنه في موضع القيام يتربَّع وفي موضع الركوع يتربَّع، وفي موضع السجود يفترش يثني رجليه.
[ ١ / ١٣٤٤ ]
(وإقعاؤه وافتراشُ ذِراعَيْه ساجدًا) يعني: يُكْرَه أن يفترش ذراعيه حال السجود، وإنما قال: ساجدًا؛ لأن هذا هو الواقع، ولكن مع ذلك لو افترشهما جالسًا فهو أشد كراهة، مثل لو جلس وقال هكذا، يصير هذا أشد كراهة؛ لكن في حال السجود يُكْرَه أن يفترش ذراعيه؛ لأن النبي ﷺ قال: «اعْتَدِلُوا فِي السَّجُودِ، وَلَا يَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (١٩)؛ لأن الكلب إذا جلس مدّد يديه على الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن الإنسان لا ينبغي أن يتشبَّه بالحيوان.
فإن الله لم يذكر تشبيه الإنسان بالحيوان إلا في مقام الذمِّ؛ استمعوا إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
وقال النبي ﷺ في الذي يتكلم والإمام يخطب: «كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» (٢٠).
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] هذا مقام ذمٍّ، وقال النبي ﷺ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ» (٢١).
إذن، فأنتم ترون الآن أن الإنسان لا يُشَبَّه بالحيوان إلا في حال الذم، وبناء على ذلك نقول: إذا كان التشبُّه بالحيوان في غير الصلاة مذمومًا ففي الصلاة من باب أولى؛ ولهذا قال الرسول ﵊: «لَا يَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (١٩). كما نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب.
ماذا يصنع في الذراعين؟
طالب: يجافي.
[ ١ / ١٣٤٥ ]
الشيخ: يُجافي ويرفعهما عن الأرض، إلا أن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا طال السجود فله أن يعتمد بِمِرفقيه على ركبتيه على الأرض، على ركبتيه، إذا طال السجود وشقَّ عليه فإنه يعتمد بمرفقيه على ركبتيه؛ لأن هذا مما فيه التيسير على المكلف، والشارع يريد منا اليسر، ومن ثم شُرِعَت جلسة الاستراحة لمن يتثاقل أي: ينهض بدون جلوس.
طالب: ().
الشيخ: أيهم؟ الأولى والثانية؟ الأولى أنه يفرش رجليه هكذا على الأرض، ظهورها إلى الأرض، وبطونها إلى مقعدته، ويجلس على العقبين.
الطالب: ().
الشيخ: ما ينصب قدميه.
ثانيًا: ينصب قدميه ويجلس على عقبيه ()، ويجلس على عقبيه؟
طلبة: ().
الشيخ: هذه الثانية، الأولى يصفِّطها ويخلي ظهورها على الأرض.
طالب: فرش القدمين؟
الشيخ: فرش القدمين؛ يخلي ظهورها على الأرض، يحتاج إني أوريكم أنا ()؟
الطالب: هذه الثانية ().
الشيخ: هذه اللي على عقبيه، إي نعم، لا، بس () شوية.
الطالب: ().
الشيخ: فيه صعوبة، هذه الثانية، الثالثة () يسمونها عندنا (البوبزة).
طالب: نصب القدمين والجلوس بينهما على الأليتين.
الشيخ: إي، هذا أظنه أيضًا مما كرهه العلماء، لكن ما ذكروه في الإقعاء.
طالب: الجلسة () الانتصاب، يجعل رجليه ().
الشيخ: متخالفات؟
الطالب: لا، بس نفس الجلسة اللي جلسها السابقة، لكن هذه ().
الشيخ: متخالفات يعني.
الطالب: ().
الشيخ: هي الظاهر أن الإقعاء الأول إنه متقاربات؛ لأنهم يقولون: يجلس على عقبيه.
الطالب: ينصب واحدة.
الشيخ: ويجلس على واحدة.
على كل حال الإقعاء معروف، مثل البوبز، الإقعاء عند العرب هو اللي يسمونه الآن (البوبز)، هذا ما فيه إشكال.
طالب: المؤلف يقول: (يُكْرَه)، والحديث الذي استدل به للنهي عن الإقعاء، والإقعاء يقتضي التحريم؛ هل الصواب ()؟
الشيخ: إي نعم، هذه نتكلم عليها إن شاء الله.
[ ١ / ١٣٤٦ ]
الطالب: الرد على من قالوا ببطلان الصلاة في الحقيقة، الحديث ربما يَعْضُد الذين لا يقولون بالبطلان، لمن ينظر إلى السماء؛ لأن الرسول ما أمرهم بالإعادة، فقط نهاهم ..
الشيخ: لا، هو بارك الله فيك، ما حدث إنسانًا واحدًا، ما كلَّم واحدًا حتى يقول: أعد صلاتك.
الطالب: حتى ولو كان يا شيخ ..
الشيخ: طيب، لما قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (٢٢). ما قال: ومن تكلم فليُعِد، هو لو خاطب واحدًا، ولو قال له: أعد، صح الاستدلال.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- نقول: النهي ليس منصبًّا على ذات المنهي عنه، والقاعدة التي مرت بنا أنه إذا انصبَّ النهي عليه فإنه يفيد البطلان، أقول: هنا انصبَّ النهي، ومع ذلك تبطل الصلاة، قلنا: في النفس من هذا شيء، والقاعدة البطلان.
الشيخ: والله ما رأيت أنا أحدًا يقول: إنها تبطل غير ابن حزم، ولا أَثَرَه عن أحد، المشكلة الواحد يعني: يتحرى، أما التحريم ما عندي فيه شك أنه حرام، والاقتصار على الكراهة فيه نظر.
طالب: لو سمحت، التسبيح إحدى عشر مرة، والتكبير إحدى عشر مرة.
الشيخ: لا، ما هو بصحيح هذا، هذا وَهْمٌ من الراوي ثلاثًا وثلاثين.
طالب: () القاعدة أن ابن حزم ﵀ أنها تَبْطُل صلاته، ألا يمكن نقول له: إذن يَبْطُل الذي يفترش يديه كافتراش الكلب؛ لأن كل هذه من الأفعال المحرَّمة في الصلاة؟
الشيخ: لا ما هي مثل هذه؛ لأن الرسول اشتد قوله في هذا، اشتد وتوعَّد، لا هذه، ما اتفقنا على أنها حرام.
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء يقولون: إن الإقعاء عند العرب كما شاهدنا، والنبي تكلم بما هو معروف عند العرب فلا يكون إلا هذه الصورة، وما عداها فيكون مستحبًّا، واستدلوا أيضًا بفعل العبادلة (٢٣)، فما رأيكم يعني؟
الشيخ: المهم أن الإنسان ما يُقعِي.
طالب: يكون الإقعاء الوارد عن العرب كما ..
[ ١ / ١٣٤٧ ]
الشيخ: والله، هذا جيد، لكن مسألة الاستدلال بحديث ابن عباس (١٨) كما قلت: فيه نظر، أما المنهي عنه هو الإقعاء كإقعاء الكلب؛ يعني: ينبغي أن يُخَصَّ هذا بما كان كإقعاء الكلب؛ لأن الرسول ﷺ ما نَهى عن الإقعاء مطلقًا، قال: «كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ».
الطالب: والصور الباقية التي ذكرنا الآن هل تكون من إقعاء الكلب؟
الشيخ: لا أبدًا، هذه شرعية ما هي لغوية، عند من قال بها شرعية.
طالب: شيخ -رحمك الله- رفع البصر للكعبة هل حاجة ()؟
الشيخ: الكعبة؟ ! هي تحتاج إلى رفع بصر؟ !
الطالب: النظر إليها.
الشيخ: النظر إليها، هذه مر علينا، ما مر علينا؟ مر علينا وقلنا: هذا ليس بصحيح.
طالب: النظر مثلي أنا الآن ().
الشيخ: لا لا، هكذا في السقف.
الطالب: النظر كده عادي؟
الشيخ: لا، هذا يسمى تلقاء وجهه.
طالب: جزاكم الله خيرًا، تغميض العينين قلنا: إنه يُكْرَه للتشبه باليهود، التشبه باليهود هل هي للكراهة ولّا للتحريم؟
الشيخ: المشهور من المذهب قاعدتهم يقولون: إن التشبُّه بالكفار مكروه، انتبهوا لهذا، المذهب عندنا عند الحنابلة، عند الأصحاب أصحاب المذهب أن التشبُّهَ بالكفار مكروه وليس حرامًا، عرفت؟ لكن الصحيح أنه حرام.
الطالب: يعني: يصير تحريمًا ()؟
الشيخ: يعني: التحريم صعب.
وعَبَثُه وتَخَصُّرُه وتَرَوُّحُه وفَرقَعَةُ أصابِعِه وتَشبيكُها، وأن يكونَ حاقِنًا أو بِحَضْرَةِ طَعامٍ يَشتهيهِ، وتَكرارُ الفاتحةِ لا جَمْعُ سُوَرٍ في فرْضٍ كنَفْلٍ، وله رَدُّ المارِّ بينَ يَدَيْهِ وعَدُّ الآيِ والْفَتْحُ على إمامِه، ولُبْسُ الثوبِ ولَفُّ الْعِمامةِ وقَتْلُ حَيَّةٍ وعَقْرَبٍ وقُمَّلٍ،
[ ١ / ١٣٤٨ ]
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقال رحمه الله تعالى: وعبثُه وتخصره وتروحه وفرقعة أصابعه وتشبيكها، وأن يكون حاقنًا أو بحضرة طعام يشتهيه، وتَكرار الفاتحة، لا جمع سور في فرض كنفل. وله رد المار بين يديه.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما يُكره من الصلاة، قال: ويُكرَه عبثه، عبثه أي عبث المصلي؛ وذلك لأن العبث فيه مفسدتان: المفسدة الأولى: انشغال القلب، فإن حركة البدن تكون بحركة القلب، ولا يمكن أن تكون حركة البدن بغير حركة القلب، فإذا تحرك البدن لزم من ذلك أن يكون القلب متحركًا، وفي هذا إشغال عن الصلاة، وقد قال النبي ﵊ حينما نظر إلى الخميصة نظرة واحدة، قال: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» (١). فيؤخذ من هذا الحديث تجنب كل ما يلهي عن الصلاة.
المفسدة الثانية في العبث: أن العبث عبث ولغو، وهو ينافي الجدية المطلوبة من الإنسان في حال الصلاة.
[ ١ / ١٣٤٩ ]
وفيه أيضًا مفسدة ثالثة، وهي الحركة بالجوارح، وهذه الحركة دخيلة على الصلاة؛ لأن الصلاة لها حركات معينة من قيام وقعود وركوع وسجود، فصار في تعليل العبث في الصلاة ثلاث علل، وأما ما ذكره المؤلف الشارح ﵀ لأنه ﷺ رأى رجلًا يعبث في صلاته فقال: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (٢) فهذا الحديث ضعيف ولا يُحتج به، وقد روي عن عمر ﵁، وروي عن سعيد بن المسيب، ولكن العلل التي ذكرناها واضحة: الأولى: انشغال القلب بذلك، وكل ما يشغل القلب فإن الإنسان مأمور باجتنابه في صلاته، ودليله حديث الخميصة، والثاني: أنه عبث ينافي الجدية التي في الصلاة، والثالث: أنه حركة دخيلة على الصلاة؛ لأن البدن الآن مشغول بحركات الصلاة، فإذا تحرك بغير هذه الحركات فقد أدخل في الصلاة حركات ليست منها.
قال: (وتخصره) تخصره أي: وضع يده على خاصرته، والخاصرة هي المستدق من البطن الذي فوق الورك، يعني وسط الإنسان، ما استدق من بطنه فوق وركه هذا، يعني هذا، فإنه يكره؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل متخصرًا، يعني واضعًا يديه على خاصرته، وقد جاء تعليل ذلك في حديث عائشة بأنه فعل اليهود (٣)، فكان اليهود يفعلون هذا في صلاتهم، ولأنه في الغالب يأتي في حال انقباض الإنسان، إذا قال هكذا كأنه يهوجس مثلا ولّا يفكر في شيء، وهذا فيه شيء من منافاته للصلاة.
[ ١ / ١٣٥٠ ]
قال: (وتخصره وتروحه): (تروحه) يراد بها أن يروح على نفسه بالمروحة، مأخوذ من الريح، يعني الهواء، والمروحة معروفة، كانت تستعمل في الأول من خوص النخل، تخصف ويوضع لها يد عود، ثم يتروح بها الإنسان، هذا مكروه؛ لأنه نوع من العبث والحركة، ومشغل للإنسان عن صلاته، لكن إن دعت الحاجة إلى ذلك بأن كان كثير اللحم، وأصابه غم وحر شديد، وروح عن نفسه بالمروحة من أجل أن تخف عليه وطأة الصلاة، أو وطأة انحباسه في الصلاة، فإن ذلك لا بأس به؛ لأن القاعدة عند الفقهاء أن المكروه يزول بالحاجة، وأما التروح الذي هو المراوحة بين القدمين بحيث يعتمد على رجل أحيانًا، وعلى رجل أخرى أحيانًا، فهذا لا بأس به، لا سيما إذا طال الوقوف، إذا طال وقوف الإنسان فإنه ينبغي أن يريّح نفسه، بحيث يعتمد قليلًا على رجل، وقليلًا على الرجل الأخرى، لكن بدون أن يقدم إحدى الرجلين على الثانية، بل تكون الرجلان متساويتين، لكن يعتمد على إحداهما مرة وعلى الأخرى مرة أخرى بدون كثرة.
[ ١ / ١٣٥١ ]
ويكره أيضًا (فرقعة أصابعه) أن يغمزها حتى تفرقع، ويكون لها صوت؛ لأن ذلك من العبث، وفيه أيضًا تشويش على من كان حوله إذا كان يصلي في جماعة، كذلك يكره التشبيك بين الأصابع، وهو إدخال بعضها في بعض في حال صلاته، لحديث ورد فيمن قصد المسجد ألا يشبّكن بين أصابعه (٤)، فإذا كان قاصد المسجد للصلاة منهيًّا عن التشبيك بين الأصابع، فمن كان في نفس الصلاة فهو أولى بالنهي، ويذكر أن النبي ﷺ رأى رجلا قد شبك بين أصابعه، ففرج النبي ﷺ بينها (٥)، وأما بعد الصلاة فلا يكره شيء من ذلك، لا الفرقعة ولا التشبيك؛ لأن التشبيك ثبت عن النبي ﷺ أنه فعله، وذلك في حديث ذي اليدين حين صلى النبي ﷺ بأصحابه إحدى صلاتي العشي، فسلم من ركعتين، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها وشبك بين أصابعه (٦)، فإذا انتهت الصلاة فلا بأس بالتشبيك والفرقعة، لكن الفرقعة إن خشي أن تشوش على من حوله إذا كان في المسجد فلا يفعل.
[ ١ / ١٣٥٢ ]
قال المؤلف ﵀: (وأن يكون حاقنًا) يعني يكره أن يصلي وهو حاقن، والحاقن المحتاج إلى البول، يعني الذي حصره البول؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في حضرة طعام، أو وهو يدافعه الأخبثان (٧)، والحكمة من ذلك أن في هذا ضررًا بدنيًّا عليه، فإن حبس البول المستعد للخروج ضرر على المثانة وعلى العصب التي تمسك بالبول؛ لأنه ربما مع تضخم المثانة فيما انحقن فيها من الماء، ربما تسترخي هذه الأعصاب لأنها أعصاب دقيقة، فيحصل في هذا ضرر على المرء، وربما تنكمش انكماشًا زائدًا، أو ينكمش بعضها على بعض، ويعجز الإنسان عن إخراج البول كما يجري ذلك أحيانًا، فلهذا نهى النبي ﷺ عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، ففيها ضرر بدني وفيها أيضًا ضرر يتعلق بالصلاة؛ لأن الإنسان الذي يدافع البول لا يمكن أن يحضر قلبه لما هو فيه من الصلاة؛ لأنه مشتغل بمدافعة هذا الخبث، فكيف يحضر قلبه في الصلاة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن ذلك، طيب وإذا كان حاقبًا –بالباء- فهو مثله، الحاقب –بالباء- هو الذي حبس الغائط، فيكره أن يصلي وهو حابس للغائط يدافعه، ونقول في العلة فيه ما قلنا في علة أيش؟ الحاقن البول.
وكذلك إذا كان محتبس الريح، يعني فيه ريح منحبسة، فإنه يكره أن يصلي وهو يدافعها، فإذا قال قائل: رجل على وضوء وهو يدافع البول أو الغائط أو الريح، لكن لو قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضأ به، فهل نقول: اقضِ حاجتك وتيمم للصلاة أو نقول: صل وأنت مدافع الأخبثين؟
نقول بالأول، نقول: اقض حاجتك وتيمم، ولا تصل وأنت دافع الأخبثين؛ وذلك لأن الصلاة بالتيمم لا تكره بالإجماع، والصلاة مع مدافعة الأخبثين منهي عنها، مكروهة، ومن العلماء من حرمها، وقال: إن الصلاة لا تصح مع مدافعة الأخبثين؛ لقول الرسول ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (٧).
[ ١ / ١٣٥٣ ]
طيب ولو قال قائل: إنه حاقن، ويخشى إن قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يصلي حاقنًا ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
طالب: الثاني.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: لا، الثاني يعني يقضي حاجته ويتوضأ ولو فاتته الجماعة؛ لأن هذا عذر، وإذا طرأ عليه في أثناء الصلاة فله أن يفارق الإمام.
وإذا قال قائل: إن الوقت قد ضاق وهو الآن يدافع أحد الأخبثين، فإن قضى حاجته وتوضأ خرج الوقت، وإن صلى قبل خروج الوقت صلى وهو يدافع الأخبثين، فهل يصلي وهو يدافع الأخبثين أو يقضي حاجته ويصلي ولو بعد الوقت؟
طلبة: الأول
طلبة آخرون: الثاني.
الشيخ: طيب نقول: أولًا إن كانت الصلاة تجمع لما بعدها فليقض حاجته وينوي الجمع؛ لأن الجمع في هذه الحال جائز، وإن لم تكن تجمع لما بعدها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر أو في صلاة العصر أو في صلاة العشاء، فللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول أنه يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين حفاظًا على الوقت، والقول الثاني: يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت، وهذا القول الثاني أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأن هذا بلا شك من اليسر، والإنسان إذا كان يدافع الأخبثين يخشى على نفسه، ولكن جمهور أهل العلم على الأول، يقولون: إنه يصلي ولو مع المدافعة، وهذه في المدافعة القريبة، أما المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطع من شدة الحصر، فهذا لا شك أنه يقضي حاجته ثم يصلي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف.
قال المؤلف ﵀: (أو بحضرة طعام يشتهيه) يشتهيه أي تتوق نفسه إليه، فاشترط المؤلف شرطين؛ أن يكون الطعام حاضرًا، وأن تكون نفسه تتوق إليه، وينبغي أن يزاد شرط ثالث: مع قدرته على تناوله حسًّا وشرعًا. طيب هذه ثلاثة قيود: حضور الطعام، توقان النفس إليه، القدرة على تناوله حسًّا وشرعًا، فإن لم يحضر الطعام ولكنه جائع، لكن ليس عنده طعام، فهل يؤخر الصلاة؟
طلبة: لا يؤخر.
[ ١ / ١٣٥٤ ]
الشيخ: لا يؤخر؛ لأننا لو قلنا بهذا لزم ألا يصلي الفقير أبدًا؛ لأن الفقير قد يكون دائمًا في جوع ونفسه تتوق إلى الطعام. ولو كان الطعام حاضرًا ولكنه شبعان ما يهتم به نعم فليصل، يصلي ولا كراهة في حقه، وكذلك لو حضر الطعام لكنه ممنوع منه شرعًا أو حسًّا، الشرعي الصائم، أُحْضِر الفطور عند صلاة العصر والرجل جائع جدًّا ويقول: والله أنا من () لما حضرت التمر من () نقول: لا تصل العصر حتى تأكله بعد غروب الشمس؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ لأنه ممنوع من تناوله شرعًا، فلا فائدة في الانتظار، طيب وكذلك لو قدم إليه طعام حار لا يستطيع أن يتناوله، فهل يصلي أو يصبر حتى يبرد ثم يأكل ثم يصلي؟
طلبة: يصلي.
الشيخ: يصلي؛ لأن انتظاره لا فائدة منه، يعني أنه لو صلى في هذه الحال لم تكره صلاته؛ لأن انتظاره لا فائدة منه، وكذلك لو أحضر إليه طعام الغير ونفسه تتوق إليه فإنه لا يكره أن يصلي حينئذ؛ لأنه ممنوع منه، ممنوع منه شرعًا ولّا حسًّا؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: طيب وكذلك لو أُحْضِر إليه طعام هو ملكه، لكن عنده ظالم مانعه من أكله، فهنا لا يكره أن يصلي، لماذا؟ لأنه لا يستفيد من عدم الصلاة لمنعه من طعامه حسًّا، فصارت المسألة تحتاج إلى ثلاثة قيود: حضرة الطعام، توقان النفس إليه، القدرة على تناوله شرعًا وحسًّا، طيب دليل ذلك قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (٨). وكلام المؤلف يدل على أن الصلاة في هذه الحال مكروهة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ». وهل هذا النفي نفي كمال أو نفي صحة؟
[ ١ / ١٣٥٥ ]
جمهور أهل العلم على أنه نفي كمال، وأنه يكره أن يصلي في هذه الحال، ولو صلى صلاته صحيحة، وقال بعض العلماء: بل النفي نفي للصحة، فلو صلى وهو يدافع الأخبثين بحيث لا يدري ما يقول فصلاته غير صحيحة؛ لأن الأصل في نفي الشرع أن يكون لنفي الصحة، وعلى هذا القول تكون صلاته في هذه الحال محرمة؛ لأن كل من تلبس بعبادة باطلة فتلبسه حرام؛ لأنه يشبه أن يكون مستهزئًا ساخرًا، حيث تلبس بعبادة يعلم أنها محرمة فيقدم عليها.
(أو بحضرة طعام يشتهيه). قال ..
طالب: ().
الشيخ: ما عندي تصنيف في هذا؛ لأن كل من القولين قوي جدًّا.
قال: ويكره أيضًا (تكرار الفاتحة)، يكره تكرار الفاتحة بأن الإنسان يقرأ الفاتحة مرتين أو أكثر، وتعليل ذلك أنه لم ينقل عن النبي ﷺ، والمكرِّر للفاتحة على وجه التعبد بالتكرار لا شك أنه قد أتى مكروهًا؛ لأنه لو كان هذا من الخير لفعله النبي ﷺ، لكن إذا كرر الفاتحة لا على سبيل التعبد، بل لفوات وصف مستحب، فهل هذا جائز؟ الظاهر الجواز، مثل أن يكررها لأنه نسي فقرأها سرًّا في حالٍ يُشرع فيها الجهر، كما يقع لبعض الأئمة ينسى فيقرأ الفاتحة سرًّا، فهنا نقول: لا بأس أن يعيدها من الأول استدراكًا لما فات من مشروعية الجهر، كذلك لو قرأها الإنسان من غير استحضار قلب وأراد أن يكررها ليحضر قلبه في القراءة التالية، فإن هذا تكرار لشيء مقصود شرعًا، وهو حضور القلب في الصلاة، لكن في هذه المسألة الأخيرة إن خشي على نفسه أن ينفتح عليه باب الوسواس فلا يفعل؛ لأن بعض الناس إذا ما انفتح له هذا الباب انفتح له باب الوسواس الكثير، وصار إذا قرأها وقد غفل في آية واحدة منها ردها، وإذا ردها وغفل ردها ثانية وثالثة ورابعة، حتى ربما إذا شدد على نفسه شدد الله عليه، ربما يكون غفل في أول مرة عن آية ثم في الثانية يغفل عن آيتين أو ثلاث.
[ ١ / ١٣٥٦ ]
فالحاصل أن تكرار الفاتحة إن كان على وجه التعبد به فلا شك في أن الأمر كما قال المؤلف مكروه؛ لأن ذلك من البدع، وإن كان لاستدراك أمر مشروع فاته فهذا لا بأس به، وضربنا لكم مثلًا بمن نسي الجهر بها في صلاة الليل، أو بمن لم يستحضر حال قراءته إياها، لكننا استدركنا على الأخير ما لم يخش الوسواس، فإن خشيه فلا يعيده.
قال: (لا جمع سور في فرض كنفل). يعني لا يكره جمع السور في الفرض، يعني أن يقرأ سورتين فأكثر، وهذا باعتبار السورة مع الفاتحة لا إشكال فيه، فإن الإنسان إذا قرأ الفاتحة يسن أن يقرأ معها سورة كما سبق، لكن مراد المؤلف بجمع السور ما عدا الفاتحة؛ لأن مسألة الفاتحة أمرها معلوم، فهذه المسألة يقول: لا يُكره جمع السور في الفرض كما لا يُكره في النفل، ودليل ذلك حديث حذيفةَ بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقرأ النبي ﷺ سورةَ البقرة والنساء وآل عمران (٩)، وهذا جمع بين السور في النفل، وما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل، هذه القاعدة، وما وجب في الفرض وجب في النفل إلا بدليل.
والدليل على أن هذه هي القاعدة، أي أن ما جاز في النفل جاز في الفرض، أن الصحابة لما حكوا صلاة النبي ﷺ على راحلته في السفر، وأنه يوتر عليها، قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة؛ لأنهم لولا أن الفرض يحذى به حذو النفل ما كان للاستثناء فائدة، فلما قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، علمنا أنهم فهموا بأن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، وإلا ما احتيج إلى استثناء.
وعلى هذا فنقول: إنه لا بأس أن يجمع الإنسان في الفرض بين سورتين فأكثر، ودليله حديث حذيفة. ووجه الدلالة منه أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، طيب العكس؛ يعني تفريق السورة في الركعتين هل يجوز أو لا؟
طالب: يجوز.
[ ١ / ١٣٥٧ ]
الشيخ: يجوز، إلا إذا كان لما بقي تعلق فيما مضى، فهنا ينبغي ألا يفعل، مثل لو قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ١ - ٣] فهنا ما ينبغي أن يقف على هذا الموقف لانقطاع الكلام بعضه عن بعض، أما إذا لم يكن محظور في الوقف فلا بأس، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ قرأ في سورة المغرب بالأعراف فرقها في الركعتين (١٠)، وهذا يدل على جواز تفريق السورة في الركعتين، لكن ينبغي ملاحظة ما يشرع من التطويل والتوسط والتقصير كما هو معروف في أول صفة الصلاة.
هاتان مسألتان. المسألة الثالثة: هل يقرأ من أثناء السورة أو لا؟ يعني بأن يقرأ آية أو آيتين من أثناء السورة؟ نقول: نعم يجوز هذا، وإن كان الأفضل عدمه، حتى إن ابن القيم ذكر في الزاد زاد المعاد أنه لم يحفظ عن النبي ﷺ أنه قرأ من أثناء السورة، ولكن يقال: إنه قد ثبت عنه أنه كان يقرأ في سنة الفجر في الركعة الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (١١) [آل عمران: ٦٤].
والأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، فالصحيح أنه يجوز أن يقرأ الإنسان الآية أو الآيتين من أثناء السورة، ولا بأس بذلك.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا في التخصر أنه جاء النهي عن النبي ﷺ عنه بعينه، مع أنك تقول: إنه مكروه، والقاعدة أنه ()، على القاعدة أنه () ولو قلنا بالكراهة، أحسن الله إليك، كذلك في التشبيك، قلنا بالكراهة، مع أنه جاء فيه دليل الخاص. أقول: لماذا لا يقال بالتحريم؟
[ ١ / ١٣٥٨ ]
الشيخ: ما كل شيء ورد به النهي يكون للتحريم، فالمسألة أولًا خلافية، لكن القول الراجح أنه للتحريم إلا بدليل، الدليل هذا أن عامة العلماء إن لم يكن إجماعًا على هذا الشيء، فإن وجد مثلًا قول بعض العلماء أنه حرام فهو وجيه.
طالب: شيخ، قول بعض العلماء في مسألة التشبيك بالأصابع: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يشبك بالأصابع (١٢)، قالوا: إذا كان ينتظر الصلاة قبل الصلاة وينتظر الصلاة فلا يشبك كذلك في أثناء الصلاة، أما إذا كان بعد الصلاة ولا ينتظر صلاة بعدها فيشبك.
الشيخ: فلا بأس به.
الطالب: وحديث ذي اليدين (١٣) يا شيخ، ما يقال: إن النبي ﷺ في قصة الصلاة به؛ لأنه رجع وكمل الصلاة.
الشيخ: إي، لكن ما علم حين شبك، هو لا يدري أنه في الصلاة.
طالب: يقاس يا شيخ على مدافعة الأخبثين وحضور الطعام بإجماع؟
الشيخ: إي نعم، كل ما يشغل، شدة الحر، الحر الشديد الذي يحتاج إلى تبرد، وكذلك البرد الشديد الذي يحتاج إلى تدفئة، كل ما يشغل عن حضور القلب فهو من جنس مدافعة الأخبثين.
طالب: بالنسبة لجواز الجمع بين السور في الفرض، قد استدلوا بحديث الرجل الأنصاري الذي كان يصلي بالسورة ويقرأ بعدها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فأخبر النبي ﷺ فقال: إنه يحبها (١٤).
الشيخ: إي نعم، هذا إذا كان يقرأ سورة كاملة -الرجل- إذا كان يقرأ مع الإخلاص سورة كاملة، وهذا هو الظاهر من يقرأ سورة كاملة.
طالب: يقتصر على الفاتحة؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، هل يعيد صلاته؟ يعني مثلًا جاءه دفع الأخبثين، يعني جاءه الحصر وهو وسط الصلاة في الركعة الثانية أو في الركعة الثالثة؟
الشيخ: يكملها خفيفة.
الطالب: يعيد صلاته؟
الشيخ: لا، يكمل خفيفة.
طالب: لو اقتصر الإمام على الفاتحة يعني ما يقرأ بعدها سورة؟
[ ١ / ١٣٥٩ ]
الشيخ: كرهها العلماء، قالوا: يكره أن الإنسان يقتصر على الفاتحة؛ لأن ذلك خلاف السنة، ويفتح باب التهاون للعامة، حتى لو كان الإنسان في صلاته وحده فهو يكره له ذلك؛ لأنه خلاف السنة.
طالب: يعني مثلًا تكرار التشهد أو التكبير يعني يقاس على الفاتحة مثلًا، تكره.
الشيخ: التكبير ما يمكن تكراره.
الطالب: يمكن ينسى يقول: الله أكبر.
الشيخ: إذا نسي ما يقال ..
الطالب: يعني يكرر؟
الشيخ: أقول: هذا نسيان ما له حكم النسيان.
الطالب: طيب التشهد؟
الشيخ: التشهد ما ذكروا أنه يكره، لكن ينبغي أن يقال مثل هذا، إن فعله تعبدًا فهو مكروه، وإن فعله استدراكًا لما فاته من الكمال فلا بأس به.
***
الطالب: () والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: وله رد المار بين يديه، وعد الآي، والفتح على إمامه، ولبس الثوب، ولف العمامة، وقتل حية وعقرب وقمل، فإن طال الفعل عرفًا من غير ضرورة ولا تفريق بطلت، ولو سهوًا، ويباح قراءة أواخر السور.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فقد سبق لنا عدة أشياء مكروهة في الصلاة، منها العبث، فما وجه الكراهة؟
طالب: يكره العبث أولًا من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بأن فيه عدم حضور القلب، الوجه الثاني: لأنه على اسمه، الوجه الثالث ..
الشيخ: وأيش معنى على اسمه؟
الطالب: لأن العبث علم معناه يعني ..
الشيخ: يعني: عمل لا فائدة منه.
الطالب: الوجه الثالث أنه يقتضي الحركة، وهذه الحركة تكون دخيلة على الصلاة.
الشيخ: أنه تحرك بحركة خارجة عن أفعال الصلاة، فيكون دخيلًا فيها.
التروح؟
طالب: هي المروحة التي يتروح بها عن نفسه في الصلاة.
الشيخ: المقصود بها استعمال المروحة.
[ ١ / ١٣٦٠ ]
الطالب: وإن كان المقصود بها التروح بين القدمين في الصلاة فله أن يتروح بين القدم الأولى والثانية، ولكن لا يقدم الأولى على الأخرى.
الشيخ: إي، ولا يكثر.
الطالب: ولا يكثر.
الشيخ: ومراد المؤلف الأول، تروحه يعني معناه استعمال المروحة.
طيب التخصر، حكمه؟
طالب: مكروه.
الشيخ: وما معناه؟
الطالب: معناه أن يضع الإنسان يده على ما ضاق من بطنه.
الشيخ: على خاصرته. الدليل؟
طالب: أنه كما جاء في الحديث عن عائشة أنه من فعل اليهود (٨)، تشبه باليهود.
الشيخ: لكن الدليل؟ هذه العلة والحكمة.
الطالب: الدليل أنه نهى عن التخصر في الصلاة.
الشيخ: يكره فرقعة الأصابع، ما معنى فرقعة الأصابع، ويش معنى فرقعة الأصابع؟
الطالب: غمزها حتى يخرج منها صوت.
الشيخ: غمزها حتى يحصل منها صوت، لماذا كره؟
الطالب: لأن فيه الانشغال، ولأن فيه حركة خارجة عن الصلاة، دخيلة على الصلاة حركة مكروهة.
الشيخ: وربما يكون فيه تشويش على من حوله إن كان يصلي مع الجماعة.
حكم التشبيك في الصلاة، تشبيك الأصابع؟
طالب: يكره كذلك، من العبث.
الشيخ: لأنه من العبث الموجب لعدم حضور القلب، ولأنه نهي أن يشبك الإنسان بين يديه إذا كان قاصدًا للصلاة، فكيف بالصلاة نفسها.
حكم الصلاة وهو حاقن؟
طالب: حكم الصلاة وهو حاقن مكروهة.
الشيخ: ما معنى حاقن؟
الطالب: يعني يكون حابسًا للبول.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (٧).
الشيخ: هل مجرد الإحساس بذلك يوجب الكراهة؟
طالب: يعني مجرد الإحساس لا، يعني إذا كان هو شغال ويدافع ..
الشيخ: أي هذا الذي يكره، أما مجرد الإحساس بذلك لأنه لا يشغل القلب.
هل تكره الصلاة بحضرة الطعام؟
طالب: الحديث السابق: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ».
الشيخ: طيب اشترطوا ثلاثة شروط؟
الطالب: بأن يكون حاضر الطعام، ويكون قادرًا عليه حسًّا وشرعًا.
الشيخ: الثالث؟
الطالب: بحضرة الطعام.
[ ١ / ١٣٦١ ]
الشيخ: هذا الحضور، وأن يكون قادرًا على أكله حسًّا وشرعًا، نقول: ثلاثة شروط.
الطالب: تتشوق إليه نفسه.
الشيخ: تتوق إليه نفسه، تمام. طيب من أين أخذنا هذه الشروط؟
طالب: من الحديث.
الشيخ: من الحديث أو من الحكمة؟
الطالب: من الحديث الواضح.
الشيخ: الحديث لو أخذنا بظاهر «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ».
الطالب: هذا الشرط الأول أن يكون
الشيخ: الثاني والثالث؟
الطالب: هذا أخذناه من التعليل ومن الحكمة؛ لأن الإنسان ..
الشيخ: إذا لم تتق نفسه إليه لا يهمه حضر أو لم يحضر، وإذا كان ممنوعًا منه شرعًا لم يستفد من تأخير الصلاة.
طيب يقول: (تكرار الفاتحة)؟
طالب: يكره في الصلاة تكرار الفاتحة؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ تكرارها.
الشيخ: ما فيه التفصيل، أليس الحكم هذا فيه تفصيل أو على إطلاقه؟
الطالب: ما فيه تفصيل؟
طالب آخر: نعم فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: مثلًا لو كانت الصلاة جهرية وقرأ سرية ناسيًا أن له أن يعيدها.
الشيخ: هذا مثلًا لكن أعطنا ضابطًا، نريد ضابطًا يدخل فيه هذا المثال.
الطالب: هذا لأنه لم يفعله ﷺ إذا كان مشروعًا لفعله () الرسول ﷺ.
طالب آخر: إذا كان على سبيل التعبد فإنه يكره، أما إذا كان لا على سبيل التعبد فإنه جائز.
الشيخ: أيش يكون على غير سبيل التعبد، ويش يكون؟
الطالب: ليس على سبيل ..
الشيخ: على سبيل التعبد واضح أنه مكروه؛ لأنه لم يرد كما قال الأخ، لكن على غير سبيل التعبد مثل أيش؟
الطالب: مثل أن يقرأها ونسي، مثل أن يقرأها ولكن ليس بحضور قلب، فأراد أن يقرأها ليحضر قلبه.
الشيخ: يعني إذا كان لاستدراك أمر مطلوب فيها، كأن ينسى أن يجهر في صلاة جهرية، أو يكون غير متدبر يريد أن يقرأها بتدبر فهذا لا يكره لأن له سببًا.
قال المؤلف ﵀: (لا يكره جمع سور في فرض كنفل). ما معنى العبارة؟
[ ١ / ١٣٦٢ ]
طالب: يعني أن يجمع السور، يقرأ عدة سور في صلاة الفرض، إن هذا غير مكروه، كما أنه غير مكروه في صلاة النافلة.
الشيخ: يعني لا يكره أن يجمع بين سورتين فأكثر في صلاة الفرض، يعني في ركعة واحدة، كما لا يكره في النفل.
طيب لماذا عبر المؤلف بهذا التبيين (لا يكره في فرض كنفل). ولم يقل: ولا يكره في فرض ونفل؟
طالب: لأنه ثبت أن النبي ﷺ جمع بين السور في النفل.
الشيخ: لأنه ثبت في النفل، ولكن لم يرد عن النبي ﷺ في الفرض. طيب هل هناك قاعدة في هذا الباب.
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: ما ثبت في الفرض ثبت في النفل، وما ثبت في النفل ثبت بالفرض إلا بدليل ..
الشيخ: هل هناك دليل من كلام الصحابة على هذه القاعدة؟
طالب: قول الصحابة: إن النبي ﷺ كان يصلي ..
الشيخ: يوتر على راحلته.
الطالب: يوتر على راحلته أينما توجه، أو إلى غير القبلة إلا الفريضة.
الشيخ: حيث كان وجهه، غير أنه كان لا يصلي عليها الفريضة. طيب فهذا يدل على أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، وإلا لم يكن للاستثناء فائدة، تمام. طيب ما هو الدليل على ثبوت هذا في النفل؟
طالب: حديث حذيفة بن اليمان أنه صلى مع الرسول ﷺ () فقرأ الرسول ﷺ في الركعة الأولى سورة البقرة وآل عمران والنساء (٨).
الشيخ: أحسنت، حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقرأ البقرة والنساء وآل عمران، بارك الله فيك، طيب.
***
[ ١ / ١٣٦٣ ]
ثم قال المؤلف ﵀: (وله رد المار بين يديه). (له) الضمير يعود على المصلي، واللام هنا للإباحة كما هي القاعدة في أصول الفقه، أن العلماء إذا أتوا باللام، عبروا باللام؛ فهي للإباحة، كما أنهم إذا عبروا بـ (على) فهي للوجوب، إذا قالوا: عليه أن يفعل يعني: واجب. له أن يفعل يعني: جائز، فالمؤلف يقول: (له رد المار بين يديه) فظاهر كلام المؤلف الإباحة، أن هذا مباح.
وقوله: (رد المار) يشمل الآدمي وغير الآدمي، ومن تبطل الصلاة بمروره ومن لا تبطل الصلاة بمروره.
إذن كلامنا هنا فيه أمران: أولًا أن كلام المؤلف يدل على أن رد المار من الأمور المباحة، والثاني أنه يدل على أنه لا فرق في المار بين أن يكون آدميًّا أو غير آدمي، أو مما يبطل الصلاة مروره، أو لا يبطل الصلاة مروره، واضح؟ وهذا هو ظاهر كلام المؤلف.
وعلى هذا فإذا أراد أحد أن يمر بين يدي المصلي قلنا للمصلي: أنت بالخيار، إن شئت فرده وإن شئت فلا ترده، وإن رددته فليس لك أجر، وإن لم ترده فليس لك أجر؛ لأن هذا شأن مباح، حتى لو أرادت امرأة أن تمر بين يديك على كلام المؤلف فأنت بالخيار؛ إن شئت فاردد وإن شئت فلا تردد، ولكن ما يفيده ظاهر كلامه ﵀ خلاف المذهب، المذهب أن الرد سنة، يعني يسن للمصلي ويطلب منه شرعًا أن يرد المار بين يديه، ودليل ذلك أمر النبي ﷺ بهذا، فقال: «إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ» (١٥). فأمر بدفعه، وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
[ ١ / ١٣٦٤ ]
وعن الإمام أحمد ﵀ رواية ثالثة: أن رد المار واجب، يجب على الإنسان أن يرد المار بين يديه، فإن لم يفعل فهو آثم، ولا فرق بين ما يقطع الصلاة مروره أو لا يقطع، يجب وجوبًا، ودليل هذا الأمر «فَلْيَدْفَعْهُ». والأصل في الأمر الوجوب. ويرشح الوجوب -أي: يقويه- أن النبي ﷺ قال: «فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ» (٨) وأصل مقاتلة المسلم حرام؛ لقول النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (١٦). لكن من المعلوم أن المراد بالحديث المقاتلة الدفع بشدة، لا أن تقتله بسلاح معك، يعني ليس قتلًا، ولكن مقاتلة، ومقاتلة كل شيء بحسبه، وحتى المقاتلة التي لا تؤدي إلى القتل حرام بالنسبة للمسلم مع أخيه، إلا إذا وجد ما يسوغها. قالوا: ولا يؤمر بالحرام إلا في مقابلة حرام، فلا يؤمر بالقتال إلا إذا كان الدفع واجبًا؛ لأنه لا يبيح المحرم إلا الشيء؟
طالب: المحرم.
الشيخ: الواجب.
كيف لا يبيح المحرم إلا الشيء المحرم؟ ! لا، لا يبيح المحرم إلا الشيء الواجب.
قالوا أيضًا: في هذا فائدة، وهي تعزير المعتدي؛ لأن المار بين يديك معتد عليك، ولهذا قال الرسول ﵊: «فَإِنَّ مَعَهُ شَيْطَانًا» (١٧). وفي لفظ: «فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» (١٨). يعني الشيطان الذي يأمره، وردع المعتدين أمر واجب.
[ ١ / ١٣٦٥ ]
قالوا: وهناك شيء ثالث؛ أن فيه إحياء لقلوب الغافلين؛ لأن كثيرًا من الناس يمشي في المسجد وعينه في السماء، ليتها في الأرض! في السماء ولا يبالي بين يديه مصلون أو غير مصلين، فإذا رددته نبهته، فيكون في ذلك تنبيه للغافلين، وهذه الرواية عن أحمد كما ترى دليلها الأثري قوي، والنظري كذلك قوي، ويمكن أن يقال، يعني يحتمل أن يقال: يفرق بين المار الذي يقطع الصلاة مروره، والمار الذي لا يقطع الصلاة مروره، فالذي يقطع الصلاة مروره يجب رده، والذي لا يقطع الصلاة مروره لا يجب رده؛ لأن غاية ما يحصل منه أن تنقص الصلاة ولا تبطل، بخلاف الذي يقطع الصلاة مروره، فإنه سوف يبطل صلاتك ويفسدها عليك، ولا سيما إذا كانت فرضًا، فإن تمكينك من شخص يقطع صلاة الفرض عليك يعني أنك قطعت فرضك، والأصل في قطع الفرض أيش؟ التحريم.
وهذا قول يعني يكون وسطًا بين قول من يقول بالوجوب مطلقًا ومن يقول بالاستحباب مطلقًا، وله وجهة قوية، بأن نقول: إذا مرت امرأة يجب عليك أن تردها، كلب أسود يجب أن ترده، حمار يجب أن ترده، بخلاف ما إذا مر إنسان ذكر، أو بهيمة غير حمار، أو كلب غير أسود، فإنه لا يجب عليك ولكن سنة.
ففهمنا الآن أن المسألة فيها أربعة أقوال، لكن القول الرابع لا يخرج عن الثلاثة في الواقع؛ لأنه في الحال التي يكون فيها المنع سنة يوافق القول بالسنية، وبالحال التي يكون الرد فيها واجبًا يوافق القول بالوجوب. ولهذا كثيرًا ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ﵀ مثل هذا، ويقول: وهو بعض من يقول بالوجوب، أو ما أشبه ذلك، مثل قوله في الوتر: إن الوتر واجب على من كان له ورد من الليل. قال: وهو بعض قول من يوجبه مطلقًا؛ لأنكم تعرفون الوتر فيه ثلاثة أقوال للعلماء: سنة مطلقًا، وهو الصحيح، واجب مطلقًا، تفصيل، وهو اختيار شيخ الإسلام، لكن الشاهد أنه يقول: وهو أيش؟ بعض قول من يوجبه مطلقًا.
[ ١ / ١٣٦٦ ]
فهنا إذا قلنا: يجب منع المار إذا كان ممن يقطع الصلاة مروره، صار بعضَ قول من يوجبه مطلقًا.
فإن قال قائل: كيف نعتذر عن كلام المؤلف، حيث إن ظاهره الإباحة مع ورود السنة بالأمر به؟
فالجواب: أنه يمكن أن يحمل على أن الإباحة هنا في مقابلة المنع، أو في مقابلة الكراهة؛ لأن رد المار عمل وحركة من غير جنس الصلاة، والأصل فيها إما الكراهة وإما المنع، فتكون الإباحة هنا يراد بها نفي الكراهة، أو نفي المنع، فلا ينافي أن يكون الحكم مستحبًّا، يعني يمكن أن يقال هكذا، لكن يمنعه أن هذه المسألة فيها قول مستقل معروف بالإباحة.
قال: (وله رد المار بين يديه) بين اليدين بماذا يقدر؟ قيل: إنه بمقدار ثلاثة أذرع، وقيل: بمقدار رمية حجر، رمية حجر بعيدة أظن، ثم الرامي يختلف، لكن ممكن أن نقول: رمي حجر متوسط، لا هو بالقوي جدًّا، ولا هو بالضعيف، لكن مع ذلك أيضًا بعيدة هذه، وقيل: ما للمصلي أن يتقدم إليه بدون بطلان صلاته، وهذا يشبه القول الرابع، وهو أن مرجع ذلك إلى العرف، فما كان يعد بين يديك فهو بين يديك، وما كان لا يعد عرفًا فليس بين يديك، وقيل: ما بين يديه: ما بين رجليه وموضع سجوده، هذا الذي بين يديه، فالأقوال إذن أربعة، كم؟
أنا قلت لكم: الثالث والرابع الظاهر أنهما شيء واحد، ثلاث أذرع، رمية حجر، العرف ما بين رجليه وموضع سجوده، وهذا أقرب الأقوال؛ وذلك لأن المصلي لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه، وهو لم يضع سترة، وهو لا يحتاج أكثر من موضع سجوده، أما إذا كان له سترة، فلا يجوز المرور بينه وبين سترته، لا يجوز، واضح؟ لأنه حماه، ولكن مع ذلك نقول: إذا وضعت سترة فلا تبعد عنها، كن قريبًا منها بحيث يكون سجودك إلى جنبها.
[ ١ / ١٣٦٧ ]
يقول: (له رد المار بين يديه). وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون المار محتاجًا إلى المرور أو غير محتاج، فالمحتاج للمرور مثل أن يكون باب المسجد على يمين المصلي أو على يساره، وهو يريد أن يعبر إلى باب المسجد، هذا محتاج للمرور؛ وذلك لعموم الأمر، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، ولم يفصل النبي ﷺ، والغالب أن الإنسان لا يمر بين يد المصلي إلا وهو محتاج إلى المرور، فكيف نخرج ما كان هو الغالب من دلالة الحديث إلى ما ليس بغالب، وهذا هو الصحيح، أنه لا فرق بين أن يكون محتاجًا أو غير محتاج، فليس له الحق أن يمر، والنبي ﵊ قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ» (١٩). أيش أربعين؟ «خَرِيفًا» كما في رواية البزار (٢٠)، يعني أربعين سنة «خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»، ونحن نقول للمار: لا تقف أربعين سنة، حتى المصلي ما هو بجاثم أربعين سنة، كم يكفينا من؟ أربعون دقيقة.
طلبة: ().
الشيخ: على كل حال خليها أربعين دقيقة، أدنى شيء، قف أربعين دقيقة حتى ينتهي من صلاته.
[ ١ / ١٣٦٨ ]
على كل حال الصحيح العموم، وظاهر كلام المؤلف أيضًا أنه لا فرق بين مكة وغيرها، وهذا هو الصحيح، ولا حجة لمن استثنى مكة بما يروى عن النبي ﵊ أنه كان يصلي والناس يمرون بين يديه الطائفون، ولا يرى في ذلك شيئًا (٢١)؛ لأن هذا الحديث فيه راو مجهول، وجهالة الراوي طعن في الحديث، ولأنه على تقدير صحته محمول على أن الرسول ﷺ كان يصلي في المطاف، والمطاف أحق الناس به الطائفون؛ لأنه لا مكان لهم إلا هذا، المصلي يستطيع أن يصلي في أي مكان من الأرض، لكن الطائف ليس له مكان إلا ما حول الكعبة، فهو أحق به، هذا إن صح الحديث، والله أعلم بصحته، ولهذا بوب البخاري ﵀ في صحيحه بقوله: باب السترة في مكة وغيرها. يعني أن مكة وغيرها سواء.
فإن قال قائل: إذا غلبه المار ومر فما الحكم؟
نقول: الإثم على المار، أما أنت إذا كنت قد قمت بما أمرك به النبي ﵊، ولم تتمكن من دفع هذا المار فإن صلاتك لا تنقص، ولكن هل تبطل بمرور المرأة، إذا كان المار امرأة؟
الظاهر أنها تبطل، وأنه يلزمه استئنافها، وفي النفس من هذا شيء؛ لأن المصلي إذا فعل ما أمر به وجاء الأمر بغير اختياره، ولم يحصل ذلك عن تفريط منه أو تهاون، فكيف نبطل عبادته بفعل غيره؛ لأن الآثم هنا المار، ففي نفسي من هذا شيء، أما إذا كان بتهاون منه وعدم مبالاة كما يفعل بعض الناس ما يهمه، يمر أي واحد، فهذا لا شك أن صلاته تبطل.
قال المؤلف ﵀: (وله الفتح على إمامه وعد الآي). يعني وله عد الآي، أي المصلي، الآي جمع؟
طلبة: آية.
[ ١ / ١٣٦٩ ]
الشيخ: وعد الآي قد يكون له حاجة وقد يكون لا حاجة له، فمن الحاجة لعد الآي إذا كان الإنسان لا يعرف الفاتحة وأراد أن يقرأ بعدد آياتها من القرآن، فهو حينئذ يحتاج إلى العد، وإلا فالغالب أنه لا يحتاج إلى عد الآي، لكن إذا احتاج فله ذلك، ولكن كيف يعده؟ يقول: هذه واحدة، إذا قرأ الثانية قال: هذه ثانية، إذا قرأ الثالثة؛ يقول: هذه ثالثة؟
لا، ما يعده باللفظ، لو عده باللفظ لكان كلامًا، والكلام مبطِل للصلاة، لكن يعده بأصابعه، أو يعده بقلبه، يعده بالأصابع أو بالقلب، ولا تبطل الصلاة بعمل القلب، ولا تبطل الصلاة بعمل الجوارح، إلا إذا كثر وتوالى لغير ضرورة.
إذن له عد الآي، له عد التسبيح؟ له عد التسبيح، وهذه قد يحتاج إليها الإنسان، خصوصًا الإمام؛ لأن الإمام حدد الفقهاء ﵏ التسبيح له بعشر تسبيحات، قالوا: أكثر التسبيح للإمام عشرة، وأدنى الكمال ثلاثة، فقد يحتاج الإنسان لعد التسبيح.
طيب عد الركعات؟ له ذلك؟ نعم له ذلك، وهذه قد تكون أحوج مما سبق، أحوج من عد الآي، وأحوج من عد التسبيح؛ لأن كثيرًا من الناس ينسى، لكن كيف يعد الركعات؟ بالأصابع، مشكل، إذا ركع لا بد يضع يديه مفرقتي الأصابع على ركبتيه، وإذا سجد لا بد تكون مبسوطة على الأرض، بأحجار، بنوى، يجعل مثلًا في مخبأته أربع نواة، تعرفون النوى، ما هو النوى؟
طالب: هي التمرة.
الشيخ: لا ما هي التمرة.
طالب: بذر التمر.
الشيخ: إي نعم بذر النخل الذي في التمر، يجعل في مخبأته أربع نوى، وإذا صلى الركعة الأولى ألقى واحدة، رمى بواحدة، وهكذا حتى تخلص، هذا لا بأس به؛ لأن هذا حاجة، ويحتاجها الإنسان كثير النسيان، يحتاج إليها، فلا بأس بها.
[ ١ / ١٣٧٠ ]
قال: (وله الفتح على إمامه): (له) نقول في (له الفتح على إمامه) ما قلنا في قوله: (وله رد المار)، يعني أن الفتح على الإمام مباح، ونقول في الحرف الدال على الإباحة، وهي اللام، ما قلنا فيها في قوله: (وله رد المار)، أي أنه يمكن أن يريد المؤلف ﵀ أن الرد على الإمام ليس ممنوعًا، ولا منهيًّا عنه، والمؤلف ﵀ يقول: (له الفتح على إمامه). يعني لا على غيره، لا تفتح على إنسان يقرأ حولك، لا، افتح على الإمام، والإباحة التي هي ظاهر كلام المؤلف فيها نظر، يعني في الاقتصار على الإباحة نظر، وذلك أن الفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين: فتح واجب وفتح مستحب، فأما الفتح الواجب فهو الفتح عليه فيما يبطل الصلاة تعمده، انتبه، لو زاد ركعة كان الفتح عليه واجبًا؛ لأن تعمد زيادة الركعة مبطل للصلاة، لو لحن لحنًا يحيل المعنى في الفاتحة الحكم؟ وجب الفتح عليه؛ لأن اللحن المحيل للمعنى في الفاتحة مبطل للصلاة، مثل لو قال الإمام: (أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتُ عليهم) يجب أن يفتح عليه فيقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، ولو قال: (إياك نعبد وإياك نستعين، صراط الذين أنعمت عليهم) وجب الفتح، ليش؟ أسقط آية، وإذا أسقط آية من الفاتحة بطلت صلاته، فصار الفتح على الإمام إن كان فيما يبطل الصلاة تعمده فهو واجب، وإلا فهو سنة، يعني إن كان مما يفوت كمالًا فهو سنة.
لو نسي أن يقرأ سورة مع الفاتحة، بأن رأى إمامه يتأهب للركوع بعد أن قرأ الفاتحة؟ تنبيه السنة.
[ ١ / ١٣٧١ ]
ودليل هذا الحكم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (٢٢). فأمر بتذكيره، وقوله حين قرأ ذات يوم فلبست عليه القراءة، قال لأُبَيِّ بن كعب: «مَا مَنَعَكَ» (٢٣). يعني: ما منعك أن تفتح عليّ؟ ! وهذا يدل على أن الفتح على الإمام أمر مطلوب لكنه ينقسم -كما قلنا- إلى قسمين: واجب فيما يبطل الصلاة تعمده، وسنة فيما عدا ذلك.
وقول المؤلف: (على إمامه) علم منه أنه لا يفتح على غير إمامه ولو أخطأ، فإذا سمعت إنسانًا يقرأ وهو غير إمام لك وأخطأ فلا ترد عليه، ووجه ذلك أنه لا ارتباط بينك وبينه، بخلاف الإمام، هذا واحد. ثانيًا: أن هذا يوجب انشغال الإنسان بالاستماع إلى غير من يسن الاستماع إليه، يعني يوجب أنك تتابعه، وأنت غير مأمور بهذا، بل منهي عنه. والله أعلم.
***
الطالب: () وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: وله رد المار بين يديه وعد الآي والفتح على إمامه، ولبس الثوب ولف العمامة وقتل حية وعقرب وقمل، فإن طال الفعل عرفًا من غير ضرورة ولا تفريق بطلت ولو سهوًا، ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها، وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى، ويبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه. وتسن صلاته إلى سترة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف ﵀: (وله رد المار بين يديه). وعلقنا على هذه العبارة.
طالب: قوله: (له رد المار) ظاهرها الإباحة؛ لأن اللام تفيد الإباحة.
الشيخ: اللام عند الفقهاء للإباحة.
الطالب: قلنا: إن المشهور من المذهب أنه يسن له رد المار.
الشيخ: طيب الدليل؟
طالب: الدليل قول الرسول ﷺ: إذا مر ..
الشيخ: لا، نريد الدليل على أنه يسن له الرد.
[ ١ / ١٣٧٢ ]
طالب: لا يمر أحد بين يديك فليدفعه (٨)، قال رسول الله ﷺ.
الشيخ: وقال أيضًا: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَدَعَنَّ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (٢٤). طيب هل هذا الكلام على إطلاقه، يعني أنه يسن رد المار، أو على القول الراجح في هذا؟
طالب: نعم، قلنا: إنه سنة وليس على كلام المؤلف، كلام المؤلف قال: ظاهره الإباحة، وقلنا: إن المذهب أنه سنة.
الشيخ: لكن ما هو القول الراجح في هذا؟
طالب: أنه يجب رد المار.
الشيخ: يجب على كل حال؟
طالب: فصلنا فيمن يقطع الصلاة مروره، ومن لا يقطع الصلاة، وقلنا: إن الذي يقطع الصلاة مروره فيجب رده.
الشيخ: على كل حال؟
طالب: على كل حال، سواء كان مزحومًا مثلًا وفي أي مكان.
طالب آخر: بأنه إذا كان المار ممن يبطل الصلاة يجب رده كالنساء أو (). ومن لا يبطل الصلاة () فسنة أن يرد.
الشيخ: لا إله إلا الله، ما عندكم إلا هذا! فرقنا بين الفرض والنفل، قلنا: إن كان في فرض يجب أن يرده.
الطلبة: ما فرقنا يا شيخ.
الشيخ: أنا أذكر، والأشرطة عندكم.
الطلبة: ما فرقنا يا شيخ.
الشيخ: ارجعوا إليها، على كل حال الآن نقول: إذا كانت الصلاة فريضة فيجب أن يرده، وقلنا لكم: إن الفريضة إذا شرع فيها يحرم قطعها، فإذا مكن شخصًا يمر بين يديه وهو يقطعها فهذا إذن بقطعها، فقلنا الآن: القول الراجح إذا كانت الصلاة فريضة ومر من يقطعها وجب رده إذا كانت نافلة لم يجب رده؛ لأن له -أي للمصلي- أن يقطعها هو بنفسه، واضح؟ طيب، إذا كان المار لا يقطع الصلاة لم يجب الرد، ولكن يسن.
ثم قلنا أمس أيضًا: ويحتمل أن يقال بوجوب الرد مطلقًا من باب التعزير، ومنع هذا العدوان؛ لأن مرور الإنسان بين يدي المصلي عدوان عليه، فينبغي أن يقال بوجوب الرد مطلقًا، لكني قلت لكم أمس: أتوقف في هذا، بخلاف ما إذا كانت الصلاة فريضة ومر من يقطعها فيجب رده.
هل يستوي في ذلك مكة وغيرها أو لا، أو يفرق بين مكة وغيرها؟
[ ١ / ١٣٧٣ ]
طالب: أبدًا، كله؛ مكة وغيرها.
الشيخ: لا يفرق، يعني مكة وغيرها سواء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: لأن الرسول ﷺ ما فصل.
الشيخ: لأن الرسول ﷺ لم يفصل، والنصوص إذا وردت عامة فلا يجوز أن تخصص.
الطالب: إلا بدليل.
الشيخ: قال: (بين يديه). ما المراد بما (بين يديه)؟
طالب: فيه أقوال أربعة، بعضهم يقولون: ثلاثة أذرع، وبعضهم يقولون: رمية حجر، وبعضهم يقول: بين يدي المبتدئ وموضع السجود.
الشيخ: نعم هذه ثلاثة.
الطالب: وبعضهم يقول ..
طالب آخر: حسب العرف.
الشيخ: بعضهم يقول: العرف. طيب، إذا أخذت ثلاثة أرباع، معناها أخذت خمسة وسبعين بالمئة، والراجح قلنا؟
طالب: ما بين رجليه إلى موضع سجوده.
الشيخ: صح هذا هو الراجح.
طيب يقول المؤلف ﵀: (له عد الآي) بلسانه أو بجوارحه؟
طالب: بجوارحه؛ لأن بلسانه تبطل الصلاة.
الشيخ: يعني له يقول: واحد اثنان ثلاثة أربعة؟
الطالب: بجوارحه بأصابعه.
الشيخ: أو بقلبه؛ لأن عمل القلب لا يبطل الصلاة.
طيب، يقول المؤلف: (له الفتح على إمامه) اللام هنا ليش؟
الطالب: للإباحة.
الشيخ: وهل كلام المؤلف على ظاهره؟
الطالب: ليس على ظاهره، تفصيل، قد يكون واجبًا من المصلي على الإمام، وقد يكون مستحبًّا.
الشيخ: متى يكون واجبًا؟
الطالب: إذا ترك الإمام واجبًا يكون واجبًا.
الشيخ: إذا ترك ما يخل بالصلاة كان الرد عليه؟
الطالب: واجبًا.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: الأمر؛ أمر النبي ﷺ قال: إنما أنا رسول فإذا نسيت فذكروني.
الشيخ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (٢٢). وكذلك أيضًا صلى ذات يوم فلبس عليه القراءة، وكان معه أُبَيّ، فقال له النبي ﷺ: «مَا مَنَعَكَ» (٢٣) يعني أي شيء منعك أن ترد عليّ.
هل له أن يفتح على غير الإمام؟ على غير إمامه؟
طالب: لا، ليس له ذلك.
[ ١ / ١٣٧٤ ]
الشيخ: مثلًا الإنسان يقرأ جنبك وأنت تصلي، وغلط؟
طالب: لا، ليس له ذلك.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لسببين؛ الأول: أن هذا استماع إلى غير من يسن الاستماع إليه، الثاني: أنه لا ارتباط بينه وبين هذا القارئ حتى ينتبه له ويرد عليه، أما الإمام فبينه وبينه ارتباط.
الشيخ: نقول: لا ترد على غير إمامك؛ أولًا لأنه لا ارتباط بينك وبينه، بخلاف الإمام فإن تمام صلاته تمام لصلاتك، والثاني أن هذا؟
طالب: انشغال عن الصلاة.
الشيخ: إشغال للمصلي على وجه لم يؤمر به؛ لأنه لم يؤمر بالاستماع إلى قراءة غير إمامه.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وله لبس الثوب ولف العمامة، وقتل حية وعقرب، وقمل ) إلى آخره.
قال: (وله لبس الثوب) يعني المصلي مثلًا له أن يلبس الثوب، وكلام المؤلف هنا يحتاج إلى تفصيل، لبس الثوب إن كان يترتب على لبسه صحة الصلاة فلبسه حينئذ واجب، لبسه واجب، مثل أن يكون عريانًا ليس معه ثياب ويصلي، والعريان تعرفون أنه يصلي على حسب حاله، في أثناء الصلاة جيء إليه بثوب فلبس الثوب هنا واجب، ولا نقول: أبطل صلاتك والبس الثوب من جديد؛ لأن ما سبق من الصلاة مأذون فيه شرعًا، والمأذون فيه شرعًا لا يمكن إبطاله، بل يبنى عليه، ولهذا لما أخبر جبريل النبي ﷺ بأن في نعليه أذى ماذا صنع؟ خلعهما واستمر، فكذلك هنا نقول: لبس هذا الثوب واجب لأنه لا يتم الواجب إلا به، وهو ستر العورة، أما إذا لم يكن كذلك، يعني لا يتوقف على لبسه صحة الصلاة، فالمؤلف يقول: إن له ذلك، ولكن هل يفعل هذا، أو نقول: لا تفعله إلا لحاجة؟
[ ١ / ١٣٧٥ ]
الجواب: الثاني، لا تفعل إلا لحاجة، ومن الحاجة أن يبرد الإنسان في صلاته؛ شرع في صلاته ثم أصابه البرد، والثوب حوله معلق في الجدار، فله أن يأخذه ويلبسه؛ لأن هذه حاجة، بل قد يكون مشروعًا له أن يفعل، إذا كان هذا يؤدي -أي لبس الثوب للتدفئة- يؤدي إلى اطمئنانه في صلاته؛ لأن الإنسان إذا كان بردان يشق عليه الصلاة، فنقول في هذه الحال: لك أن تلبس الثوب، كذلك له لف العمامة، أيش العمامة؟ العمامة التي تدار على الرأس، لو أنها انحلت فله أن يلفها ولا حرج عليه، ولكن هل هذا على سبيل الإباحة؟ نعم، الجواب إن كان انحلالها يشغله فلفها حينئذ مشروع؛ لأن في ذلك إزالة لما يشغله، وإن كان لا يشغله فالأمر مباح وليس بمشروط.
ودليل ذلك حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ صلى فرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، ثم التحف بثوبه، يعني جعله لحافًا، لفه عليه، ووضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ورفعهما ثم ركع (٢٥)، وهذا الحديث في مسلم.
وفيه دليل على أنه لا بأس للمصلي إذا كان عليه مشلح مثلًا وأراد أن يكف بعضه على بعض، فإن هذا لا بأس به، ولا يدخل في قوله: «لَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» (٢٦)؛ لأن كل شيء بحسبه، ومن هنا يتبين أن وضع الغترة في حال الصلاة هكذا لا بأس به، لماذا؟ لأنه من اللبس المعتاد، ما كففتها كفًّا أخرجها عما يعتاده الناس فيها، وكذلك لو جعله هكذا، فإنه لا بأس به أيضًا؛ لأن هذا من اللباس المعتاد، وكذلك لو قال هكذا فإنه لا بأس به؛ لأن كل هذه من الألبسة المعتادة فلا تعد كفًّا خارجًا عن العادة. ولهذا التحف النبي ﷺ بردائه بثوبه، والالتحاف كف بعضه على بعض.
[ ١ / ١٣٧٦ ]
وله لف العمامة أيضًا، وله قتل حية وعقرب وقمل. له قتل حية: اللام هنا للإباحة، ولكن الإباحة هنا لبيان رفع الحرج، فلا ينافي أن يكون ذلك أيش؟ مستحبًّا ومشروعًا، فللمصلي أن يقتل الحية، بل يسن له ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر به، قال: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؛ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ» (٢٧).
وصح في صحيح مسلم أن النبي ﷺ أمر بقتل خمس دواب في الصلاة، وعلى هذا فيسن أن يقتل الحية، فإن هاجمته وجب أن يقتلها دفاعًا عن نفسه، وله أيضًا قتل عقرب، العقرب أيضًا من اللواسع، وهي أسرع لسعًا من لدغ الحية، الحية أحيانًا ما تلدغ، أحيانًا تمر على الإنسان بل قد تمشي على قدمه ولا تلدغه، لكن العقرب من حين ما تحس بالجلد البشري وهي على طول () ذيله، () شوكته، فله أن يقتل العقرب، ولكن كما قلنا استحبابًا.
وقتل قمل: القمل معروف حشرة صغيرة تخرج من داخل الثياب في الجلد وتمتص الدم وتؤلم، يعني تشغل الإنسان، فله أن يقتلها، لكن واحد يسأل يقول: إذا قتلها تلوثت يده بالدم، يكون نجسًا؟
لا هذا غير نجس؛ لأنه دم من ذي نفس غير سائلة؛ كالدم الذي يكون في الذباب فلا يضر ولا ينجسه.
طيب إذا قال قائل: هل له أن يتحكك إذا أصابته الحكة؟
نعم له ذلك؛ لأنه إذا لم يفعل انشغل انشغالًا عظيمًا، انشغل، بعض الأحيان يتعب الواحد، فله أن يحك، لكن أحيانًا يقول: إذا حكيت أذني فبردت حكتني أذني الثانية، وإن حككتها حكت الرقبة، وهكذا تتنقل، نقول: الحمد لله متى تنقلت تنقل معها، وإذا أمكنك الصبر فاصبر، لكن تبقى متصبرًا منشغل القلب خوفًا من أن تتحرك بيدك هذا ليس بمشروع، بل أذهب عنك ما يزيل الخشوع، ومن المعلوم أن الحكة إذا حكها الإنسان بردت وسكنت عليه.
طالب: قلنا: إن الحية إذا احتاجت لانصراف ().
الشيخ: إن دافعتك فلا بأس ولو انصرفت.
الطالب: ().
[ ١ / ١٣٧٧ ]
الشيخ: () إي نعم، إذا هاجمتك بشرط، لكن إذا لم تهاجم اتركها.
الطالب: ونوى مقاتلة ().
الشيخ: تبطل صلاتك؛ لأن هذه ما هو ضرورة.
طالب: شيخ، لو قلت في الصلاة عن كذا يعني إيه؟ أو كذا لا؟
الشيخ: لا بأس حركة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا بأس.
الطالب: أو قالوا: نعم للشيخ، إذا قرأت آية قرآن قالوا: نعم.
الشيخ: مين يقول ().
الطالب: مثلًا تأتي الآية اللي في القرآن قالوا: نعم، آية في القرآن قالوا: نعم، فأنت تقصد يعني نعم للي يكلمك أو ..
الشيخ: إذا لم تقصد القراءة بطلت صلاتك، يعني لو واحد يكلمك وأنت على حد قوله تعالى: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] لما وصلت إلى ﴿قَالُوا﴾. قال لك واحد: هو فلان موجود؟ قلت: نعم تريد إجابته.
الطالب: أو غير هذه القراءة يا شيخ
أنا أقرأ مثلا بـ (الصافات)، هب أن انتقلت إلى هذه السورة عندما أريد ..
الشيخ: المهم على كل حال ما دام أردت الخطاب فهذا يبطل الصلاة، لكن لو خاطبت تريد التلاوة، فهذه لا تبطل الصلاة.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، فرقنا بين النافلة والفريضة في مرور المصلي، أقول أحسن الله إليك: التفريق هذا ما يعكر عليه حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري حينما مر رجل فدفعه مدافعة شديدة حتى اختصم إلى عبد الملك بن مروان (٢٨)، وظاهر فعل أبي سعيد أنه كان يصلي لوحده، وليس مع جماعة، أنها نافلة، ومع ذلك رده، وهو صحابي، ويقال: والصحابي معروف أنه أقرب إلى فهم نص النبي ﷺ من غيره.
الشيخ: يعني هذا على رأي من يرى الوجوب مطلقًا، من يرى الوجوب مطلقًا يستدل بأمر الرسول ﷺ، وبفعل أبي سعيد.
الطالب: لكن هو مش موقفنا بالتحرير؟
الشيخ: موقفنا أن هو ما ذكرنا، أن الإنسان يخرج من صلاته بدون شيء.
[ ١ / ١٣٧٨ ]
فإن أطالَ الفعْلَ عُرْفًا من غيرِ ضرورةٍ ولا تَفريقٍ بَطَلَتْ ولو سَهْوًا ويُبَاحُ قراءةُ أواخِرِ السُّوَرِ وأَوساطُها، وإذا نابَه شيءٌ سَبَّحَ رَجُلٌ وصَفَّقَت امرأَةٌ ببَطْنِ كَفِّها على ظَهْرِ الأُخْرَى، ويَبْصُقُ في الصلاةِ عن يَسارِه وفي المسجِدِ في ثَوْبِه، وتُسَنُّ صلاتُه إلى سُترةٍ قائمةٍ كمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، فإن لم يَجِدْ شَاخِصًا فإلى خَطٍّ، وتَبْطُلُ بمرورِ كلبٍ أسودَ بَهيمٍ فقطْ،
الطالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: فإن طال الفعل عُرفًا من غير ضرورة ولا تفريق بطلت ولو سهوًا، ويُباح قراءة أواخر السور وأوساطها، وإذا نابه شيء سبَّح رجل، وصفقت امرأة ببطن كَفِّها على ظهر أخرى، ويَبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه، وتُسنُّ صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرَّحْل، فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط.
الشيخ: قال المؤلف: (فإن أطال الفعل عُرفًا من غير ضرورة بلا تفريق؛ بطلت)، (إن أطال الفعل) المراد بالفعل هنا هذا النوع من الحركة، إن أطاله عرفًا.
(عُرْفًا): هذه منصوبة بنزع الخافض؛ أي: إطالةً في العرف، والعُرف بمعنى: العادة، وهو ما اعتاده الناس وألفوه.
(من غير ضرورة) أي: من غير أن يكون مضطرًا إلى الإطالة، مثل أن يهاجمه سبُع، فإن لم يعالجه ويدافعه أكله، أو حيَّة إن لم يدافعها لدغته، أو عقرب كذلك، هذا ضرورة، هذا الفعل ضرورة.
قال: (بلا تفريق)، والمراد بقوله: (بلا تفريق) يعني: أنه يكون متواليًا في ركعة واحدة مثلًا، بخلاف ما لو تحرك بحركة في الأولى، وحركة في الثانية، وحركة في الثالثة، وحركة في الرابعة، مجموعها كثير، وكل واحدة على انفرادها قليل، فهنا لا يُبطل الصلاة، لكن إذا كان متواليًا وكثر فإنه يبطل الصلاة.
فشروط بطلان الصلاة بالفعل:
أولًا: الإطالة.
والثاني: ألَّا يكون لضرورة.
والثالث: أن يكون متواليًا؛ أي: بغير تفريق.
[ ١ / ١٣٧٩ ]
فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في الفعل صار مُبطِلًا للصلاة، لماذا؟ لأنها حركة من غير جنس الصلاة، وهي منافية لها، فتكون مُبطِلة لها كالكلام؛ لأن الذي يُنافي الصلاة يبطلها.
عُلِم من قول المؤلف أنه لو كانت الحركة قصيرة، فإن الصلاة لا تبطل، ولكن ما الميزان لكونها قصيرة أو طويلة؟
قال المؤلف: إن الميزان العُرف، والحقيقة أن العُرف فيه شيء من الغموض، كل شيء يقدره العلماء بالعرف ففيه شيء من الغموض، لا يكاد ينضبط؛ لأن الأعراف تختلف باختلاف البلدان، وتختلف باختلاف الأفهام، قد يرى بعض الناس هذا كثيرًا، وقد يراه الآخرون قليلًا، ولكن أقرب شيء يقال أننا إذا كنا حين نرى هذا الشخص يتحرك يغلب على ظننا أنه ليس في صلاة؛ يعني ينبغي أن يكون هذا هو الميزان، أن تكون الحركة بحيث من رأى فاعلها يظن أنه ليس في صلاة، لماذا؟ لأنه إذا كان الفعل الواقع من الشخص يظن أن فاعله ليس في صلاة؛ فهذا هو المنافي للصلاة.
أما الشيء الذي لا ينافيها، إنما هي حركات يسيرة، فإنها لا تضر؛ يعني بمعنى لا تبطل الصلاة، قدرها بعض العلماء بثلاث حركات، ولكن هذا التقدير ليس بصحيح؛ لأن الرسول -ﷺ- فتح الباب لعائشة، وكان الباب في القِبلة، فتقدم ورجع، وفي صلاة الكسوف تقدم ورجع وتأخَّر، وحين صُنع له المنبر؛ صار يصلي عليه، فيصعد عند القيام والركوع، وينزل في الأرض عند السجود.
ومع أمامة بنت ابنته كان يحملها إذا قام ويضعها إذا سجد، وكل هذه أفعال أكثر من ثلاث مرات، ومع ذلك لم تبطل الصلاة، حتى وإن كانت متوالية، ثلاث حركات متوالية لا تبطل الصلاة؛ لأنها لا تنافيها.
[ ١ / ١٣٨٠ ]
وقوله: (من غير ضرورة) عُلم من ذلك أنه إذا كثرت الأفعال للضرورة لم تبطل الصلاة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩] (رِجالًا) يعني: راجِلين، يعني: صلوا وأنتم تمشون. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: على الرواحل، ومعلوم أن الماشي يتحرك ولَّا لا؟
طلبة: يتحرك.
الشيخ: كم؟
طلبة: كثير.
الشيخ: كثير، يتحرك كثيرًا، فلو فُرض أن سبعًا لحقه وهو يصلي، لما شرع في صلاته أحس بأن سبعًا وراءه يريده، وليس معه ما يدافع به، فهرب وهو يُصلِّي، تصح صلاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأنه في ضرورة، ولا حرج عليه إذا انصرف إلى غير القبلة؛ لأنه أيضًا في ضرورة.
فقول المؤلف: (من غير ضرورة) مراده، يعني يفهم منه أنه إذا كان لضرورة فلا بأس به.
قال: (بلا تفريق) يعني معناه: يُشترط في الفعل الكثير أن يكون متواليًا عرفًا أيضًا، فإن فرَّق لم تبطل الصلاة، لو تحرك ثلاث مرات في الركعة الأولى، وثلاثًا في الثانية، وثلاثًا في الثالثة، وثلاثًا في الرابعة، المجموع كم؟
طلبة: اثنتا عشرة.
الشيخ: اثنتا عشرة، لو جُمِعت لكانت كثيرة، ولما تفرَّقت كانت قصيرة باعتبار كل ركعة وحدها، نقول: هذا لا يُبطل الصلاة أيضًا؛ لأنه مُفرَّق.
قال المؤلف: (بطلت ولو سهوًا)؛ يعني: ولو كان الفعل سهوًا، لو فرضنا أن شخصًا نسي، وقام يتحرك، ونسي أن يكون في صلاة؛ صار يتحرك، يكتب، ويعد الدراهم، ويتسوك، ويفعل أفعالًا كثيرة، فإن الصلاة تبطل؛ لأن هذه أفعال مُغيِّرة لهيئة الصلاة، فاستوى فيها حال الذكر وحال السهو، بخلاف الكلام؛ الكلام لا يُغيِّر هيئة الصلاة، لكن هذا يغير الهيئة، ولهذا قالوا: تبطل ولو سهوًا.
[ ١ / ١٣٨١ ]
و(لو) هنا إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إذا وقع هذا من الإنسان سهوًا فإن صلاته لا تبطل، بناءً على القاعدة المعروفة العامة، وهي: (أن فِعْل المحظور على وجه السهو لا يلحق فيه إثم ولا إفساد)، لكن الذين قالوا: إنه يؤثر قالوا: لأن هذا يغير هيئة الصلاة، يخرجها عن كونها صلاة، ليس مجرد فعل لا يُؤثر، وهذا مما أَسْتخير الله فيه؛ أيهما أرجح؟
وقوله: (تُباح قراءة)، ينبغي ونحن في هذا المكان أن نقول: إن الحركة في الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام، والمراد بالحركة هنا -التي نتكلم على تقسيمها- هي الحركة التي ليست من جنس الصلاة، أما الحركة التي من جنس الصلاة، فسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- في باب سجود السهو، لكن الحركة من غير جنس الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومباحة، ومكروهة، وحرام، والذي يبطل الصلاة منها هو الحرام.
واجبة: تكون الحركة واجبة إذا توقفت عليها صحة الصلاة، هذه القاعدة، وصورها لا تُحصى، هذا ضابط والصور كثيرة؛ لو أن رجلًا ابتدأ الصلاة إلى غير القِبلة، ثم جاءه شخص وقال: القبلة على يمينك، فهنا الحركة واجبة، يجب أن يتحرك إلى جهة اليمين، ولهذا لما جاء رجل إلى أهل قباء، وهم يصلون متجهين إلى بيت المقدس، وأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت، تحولوا في نفس الصلاة، وبنوا على صلاتهم (١).
لو ذَكَر أن في غُترته نجاسة وهو يصلي، الحركة واجبة لإزالة النجاسة.
لو ذكر أنه على غير وضوء، هذا نقول: تبيَّن أن الصلاة لم تنعقد، ما نقول: اذهب وتوضأ، وارجع؛ لأن الصلاة الآن غير منعقدة، فيجب أن يذهب ويتوضأ ويستأنفها من جديد.
لو أنه صلَّى إلى يسار الإمام -وهو واحد مأموم واحد- فانتقاله إلى اليمين واجب على قول من يرى أن الصلاة لا تصح عن يسار الإمام مع خُلو يمينه، والمسألة خلافية، وتأتينا إن شاء الله.
[ ١ / ١٣٨٢ ]
المستحب: الحركة المستحبة هي التي يتوقف عليها كمال الصلاة، هذا الضابط، ولها صور عديدة كثيرة؛ منها: لو أنه لم يستر أحد عاتقيه؛ ذكر أنه لم يستر أحد عاتقيه، فهنا نقول: الحركة لستر أحد العاتقين سُنّة؛ لأن الصحيح أنه ليس بواجب، ومنها: لو تبين له أنه متقدم على جيرانه في الصف، فالحركة؟
طالب: سنة.
الشيخ: سُنَّة، يتأخر. لو تقلص الصف حتى صار بينه وبين جاره فرجة، فالحركة سُنَّة.
لو صف إلى جنبيه رَجُلان، فالحركة سُنّة؛ لأن السنة أن يتقدم إمام الثلاثة.
على كل حال الضابط ما هو؟ الحركة التي يتوقف عليها كمال الصلاة، هذه سُنَّة.
المباحة: هي اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة، هذه مباحة؛ يسيرة للحاجة أو كثيرة للضرورة، مثال اليسيرة للحاجة: رجل يصلي في الظلال في أيام الشتاء، في الظل، فأحس ببرودة فتقدم، أو تأخر، أو تيامن، أو تياسر من أجل الشمس، هذه؟
طلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة، وقد نقول: إنها سُنَّة، إن كان الحامل عليها إصلاح الصلاة فإنها سُنَّة، كيف يصلح الصلاة هنا؟ يقول: إني إذا كنت في الشمس تم خشوعي، وإذا كنت في الظلال تعبت من البرد؛ نقول هنا: تدخل في السنية، لكن إذا كان لمجرد الدفء فقط فهي من المباح.
تكون مكروهة إذا كانت يسيرة لغير حاجة، ولا تتوقف عليها كمال الصلاة ولا شيء، كما يوجد في كثير من الناس الآن عندهم عبث؛ أحد ينظر للساعة، وأحد ينظر للقلم، وأحد يزر الزرار، وثالث يمسح المرآة، إلى آخره كثير، هذا نقول: إنه مكروه.
والمحرم: هو الكثيرة لغير ضرورة، ما هو بغير حاجة؛ لغير ضرورة، هذه الكثيرة المتوالية لغير ضرورة هذه محرمة، فصار أقسام الحركات في الصلاة خمسة: واجب، مندوب، مباح، مكروه، حرام، والْمُبْطِل منها ما كان حرامًا.
طالب: أو كثير للضرورة؟
الشيخ: مباح.
الطالب: مثال؟
الشيخ: إي نعم، مثل: لو أن إنسانًا هاجمته حية، أو سبع، أو ما أشبه ذلك، هذا كثير للضرورة.
[ ١ / ١٣٨٣ ]
قال المؤلف ﵀: (وتباح قراءة أواخر السور وأوساطها)، (تُباح) يعني: أنه ليس بممنوع، وقد يكون سُنَّة، أما في النفل، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر السنة في الركعة الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٦] التي في سورة البقرة، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وهي في (آل عمران)، يقرأ بها أحيانًا (٢)، ويقرأ أحيانًا بـ (قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد) (٣).
أما في الفريضة، فلم ينقل عن النبي ﷺ أنه قرأ من أوساط السور، لكن قرأ من أوائلها وأواخرها، كما فرَّق سورة الأعراف في ركعتين، وكما فرق سورة المؤمنين؛ سورة (المؤمنون) على الحكاية، في ركعتين لما أصابته السعلة.
وأما أن يقرأ من وسط السورة؛ فهذا لم يرد عن النبي ﷺ، ولهذا كرهه بعض أهل العلم بالنسبة للفرائض، ولكن الصحيح أنه مباح، والدليل لذلك: أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر من أوساط السُّور، والقاعدة الشرعية: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، هذه القاعدة.
وعلى هذا فنقول: يجوز أن يقرأ أواخر السور وأواسطها وأوائلها، ما الدليل؟
أولًا: عموم قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقول النبي ﷺ: «اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٤).
[ ١ / ١٣٨٤ ]
ثانيًا: أن النبي ﷺ قرأ في النفل من أواسط السور، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، ولكن هذا -يعني على القول بالإباحة- لا يساوي أن يقرأ الإنسان سورة كاملة في كل ركعة؛ فإن قراءة سورة كاملة في كل ركعة هو الأصل؛ ولهذا قال الرسول ﵊ لمعاذ: «هَلَّا قَرَأْتَ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» (٥)، ونحو ذلك مما يدل على أن الأكمل والأفضل أن يُقرأ بسورة كاملة، والأفضل شيء والمباح شيء آخر.
طالب: سد الخلل في الصفوف، واجب ولَّا ()؟
الشيخ: لا، سُنّة، إلا على القول بأن فتح الفرج حرام، فيكون واجبًا.
الطالب: يعني هو أمر الرسول وقوله: «إِنَّ الشَّيْطَانَ ()».
الشيخ: إي نعم، والله على كل حال القول بوجوب التسوية ووجوب التراص قول قوي، لكن في نفسي منه شيء.
طالب: إذا كانت الحركة يعني () من حركة الجوارح ()، لكن يعني مثلًا بالمسجد مسكن نساء، فمثلًا مرَّت امرأة ()، فما أدري ()؟
الشيخ: كل واحد حتى حركة العين، يجب أن يُغمض إذا رأى ما يفتنه.
الطالب: تكون هذه ()؟
الشيخ: إي نعم، العين ما هي ()؟
طالب: () قلتم: يجب عليه قتل الحية إذا داهمته أو هاجمته؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ويستحب له إذا كان هو مأمومًا وأمامه الإمام والحية أتت من خلف الإمام، هل يجب عليه قتلها؟
الشيخ: لا، الحية أحيانًا ما تعرض لأحد؛ الحية إذا لم تتعرض لها ما تتعرض لأحد، وأنا رأيتها بعيني تمشي على رجل إنسان، على قدمه وماشية وراحت.
طالب: ().
الشيخ: نعم، ما قُطعت ولا شيء، ما هي () يقطعها.
طالب: لو رأى الحية () الإمام وهاجمته.
الشيخ: تهاجم من؟
الطالب: الإمام وهو لا يعلم يجوز له ()؟
الشيخ: لا، يدافع هو، ما فيه مانع.
الطالب: يعني هو يدافع؟
الشيخ: هو يدافع، نعم.
طالب: شيخ، ()، وله رد المار بين يديه () في الحرم () يسبب إشكالًا.
الشيخ: كيف؟
[ ١ / ١٣٨٥ ]
الطالب: ما أكثر من الناس ().
الشيخ: الحمد لله.
الطالب: يمرون بالحرم.
الشيخ: والله، يا أخي ..
الطالب: فيردهم؟
الشيخ: إحنا فعلنا ورددنا، وما رأينا شيئًا الحمد لله.
الطالب: خصوصًا، تقدم ().
الشيخ: لا، تقدم ما دامت سُنَّة ما هي فريضة، وإلا كان بعض الأحيان إذا ردِّينا أحدًا يزعل، يقول: أنت بالحرم.
الطالب: كلمة شائعة دي بالحرم ما فيه رد.
الشيخ: إي، أنت بالحرم إي نعم، لكن يرد.
طالب: شيخ، الحركة هل هناك فرق بين النافلة والفرض؟
الشيخ: لا فرق بينهما في الحركة، يُفرَّق بينهما في بعض الأشياء، وأظن عند سامي فروق بين الفرض والنفل، من أرادها فليأخذها منه.
طالب: يا شيخ، قلنا: إنه إذا كان الإنسان عريانًا فأتى إليه ثوب فإنه يصلي الصلاة ولا يستأنف من جديد، وإذا كان ..
الشيخ: يستتر بالثوب.
طالب: نعم، ويصلي. كيف يا شيخ في التيمم نقول: يقطع الصلاة إذا أتاه ماء ولا يصلي؛ يعني يستأنف؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يقولون: إنه إذا وُجد الماء بطل التيمم.
الطالب: هذا مثله يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هو مثله، هذه وجد البدل وكان عاريًا بالأول؛ لأن العري ما هو بدل عن السترة، العري عدم.
طالب: أقول -أحسن الله إليك-: إذا كان يعني فعله من كمال الصلاة، الحركة التي يكون الداعي لها إكمال الصلاة، يُفرَّق فيها بين اليسير والقليل يعني سد ..
الشيخ: بين اليسير والقليل؟
الطالب: إي نعم، بين اليسير والكثير؛ يعني أحيانًا () مقاربة لصف آخر كما هو الحرم؛ يعني يحتاج إلى حركة كثيرة، فهل يعني يكون مستحب مع ..؟
الشيخ: ويش لونه؟
طالب: أحيانًا يتقدم أمامك؛ أو يعني تحتاج إلى؟
الشيخ: يعني يبعد عنك الصف؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يحتاج إلى حركة كثيرة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه لا تواليها، لا تجعلها متوالية.
الطالب: يكون مستحبًّا.
الشيخ: تحرك حركتين، ثم قف، عشان ما تكون متوالية.
الطالب: يبقى على الاستحباب؟
الشيخ: أيش؟
[ ١ / ١٣٨٦ ]
الطالب: يعني يكون مستحب الإعادة؟
الشيخ: إي نعم، ما لم تكن منفردًا، إن أدى الأمر إلى أن تكون منفردًا بأن يبعد عنك الصفوف، هذا يجب.
طالب: أحسن الله إليك، أقول: إذا كانت الحية مما يحرج، هل يحرجها في الصلاة.
الشيخ: سمعتم سؤاله؟
طلبة: لا، ما سمعنا؟
الشيخ: يقول: إذا كانت الحية مما يحرج، هل تُحرّجها في الصلاة؟
طالب: كيف تُحرّج؟
الشيخ: لأن حيات البيوت ما تُقتل، إذا رأيت حية في البيت لا تقتُلها، حرِّجها؛ يعني قُل: أنتِ مني في حرج إن رأيتك بعد، إذا جاءت الثانية حرِّجها، إذا جاءت الثالثة حرِّجها، إن جاءت الرابعة فاقتلها.
لأنها إن كانت جِنًّا فإنها بالتحريج الثلاث تنصرف ما تأتي، وإن لم تكن جنية فهي ما تفهم، اقتلها، وسبب ذلك أن الرسول ﷺ .. أن رجلًا قدم ذات يوم إلى أهله وهو حديث عهد بعرس، فوجد المرأة عند الباب، فسألها: ما الذي أخرجكِ؟ فقالت: انظُر، فذهب إلى الفراش وإذا حية فيه ملتوية متطوية، فأخذ الحربة فقتلها، فما يُدرى أيهما أسرع موتًا الرجل أو الحية (٦) مات معها، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين (٧)؛ الأبتر: اللي ذنبه قصير، وذو الطفيتين: نوع من الحيات على ظهره خطان أزرقان؛ هذان يقتلان، لأنهما يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء. ()
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: وإذا نابه شيء سبح رجل، وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر أخرى، ويبصق في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه، وتُسنُّ صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرحل، فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط، وتبطل بمرور كلب أسود بهيم ..
الشيخ: أسود؟ !
الطالب: بمرور، لا أسود.
الشيخ: حرِّك.
الطالب: أسود، ممنوع من الصرف.
الشيخ: نعم.
[ ١ / ١٣٨٧ ]
الطالب: وتبطل بمرور كلب أسودَ بهيم فقط، وله التعوُّذ عند آية وعيد.
الشيخ: بسم الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا نابه شيء) الضمير في قوله: (نابه) يعود على المصلي؛ لقرينة السياق. ومعنى (نابه) أي: عَرَضَ له.
وقوله: (شيء): نكرة في سياق الشرط (إذا) فتعم أي شيء يكون، سواء كان هذا الشيء مما يتعلق بالصلاة، أو مما يتعلق بأمر خارج، كما لو استُؤْذن عليه، أو ما أشبه ذلك.
الذي يتعلق بالصلاة، مثل: لو أخطأ إمامه، فقام إلى خامسة في الرباعية، أو رابعة في الثلاثية، أو ثالثة في الثنائية، فهنا نابَه شيء متعلق بالصلاة، ومثال المتعلق بغير الصلاة: لو استأذن عليه شخص، قَرَع عليه الباب وهو يصلي، فإنه يسبح الرجل وتُصفِّق المرأة.
قال: (سبَّح رَجُلٌ)، سبّح أي: قال: سبحان الله، فإن انتبه الْمُنبَّه بمرة لم يُعدْه مرة أخرى؛ لأنه ذكر مشروع لسبب، فيزول بزوال السبب، وإن لم ينتبه بأول مرة كرر؛ فيسبح ثانية وثالثة حتى ينتبه الْمُنبَّه.
وقوله: (سبَّح رجل)، المراد بالرجل هنا الذكر، ولا يشترط البلوغ حتى وإن كان مراهقًا، فإنه يسبح.
قال: (وصفَّقت امرأة) يعني: بيديها، والفرق ظاهر؛ يعني التفريق في الحكم بين الرجال والنساء ظاهر؛ لأن المرأة لا ينبغي لها أن تظهر صوتها عند الرجال؛ لا سيما وهم في صلاة؛ لأن هذا قد يؤدي إلى الفتنة؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فلو سبَّحت المرأة فربما يقع في قلب الإنسان فتنة؛ ولا سيما إذا كان صوت المرأة جميلًا، وقد أخبر النبي ﵊: «أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» (٨)، وأنه: «مَا تَرَكَ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (٩).
[ ١ / ١٣٨٨ ]
وقول المؤلف: (صفَّقَت امرأة) ظاهر كلامه العموم، سواء كانت امرأة مع نساء لا رجال معهن، أو مع رجال، تُصفِّق حتى وإن كان ذلك مع نساء لا رجل معهن فإنها لا تُسبِّح، وإنما تُصفِّق.
وقال بعض العلماء: إذا لم يكن معها رجال فإنها تُسبِّح كالرجل؛ وذلك لأن التسبيح ذِكْر مشروع في الصلاة، بخلاف التصفيق؛ فإنه فعل غير مشروع جنسه في الصلاة، ولجأت إليه المرأة فيما إذا كانت مع الرجال؛ لأن ذلك أصون لها وأبعد عن الفتنة، فإذا لم يكن معها إلا نساء فلتُسبِّح.
ولننظر الآن دليل هذه المسألة قول النبي ﷺ: «إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ»، وفي لفظ: «وَلْتُصَفِّحِ النِّسَاءُ». (١٠)
وإذا رأينا إلى عموم الحديث قلنا: إن ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون مع المرأة رجال أو لا، وإذا تأملنا قلنا: بل ظاهر الحديث أن هذا فيما إذا كانت المرأة مع الرجال؛ لأنه قال: «فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ»، وظاهر الحديث أن المسألة مسألة اجتماع؛ أن فيه رجالًا ونساء، فوظيفة الرجال التسبيح، ووظيفة النساء التصفيق، والمسألة محتملة، والكلام الآن فيما إذا كانت امرأة مع نساء لا رجل معهن، هل تُسبِّح أو تصفق؟ فمن نظر إلى ظاهر العموم قال: تُصفِّق، ومن نظر إلى ظاهر السياق، يعني «فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ»، قال: هذا فيما إذا كان معها رجال؛ لا سيما إذا أخذ بالتعليل الذي ذكرنا، وهو أن التسبيح ذِكْر مشروع جنسه في الصلاة بخلاف التصفيق.
قال المؤلف ﵀: (ببطن كفها على ظهر الأخرى) يعني: تضرب ببطن الكف على ظهر الأخرى، كيف؟ كذا يعني هكذا ببطن الكف على ظهر الأخرى، وقال بعض العلماء: بالعكس بظهر كفها على بطن الأخرى، كيف؟ كذا، وقال بعض العلماء: ببطن كفها على بطن الأخرى، كما هو المعروف عند النساء الآن؛ يعني هكذا.
[ ١ / ١٣٨٩ ]
على كل حال المسألة ما هي مشكلة؛ يعني التصفيق سواء بالظهر على البطن، أو بالبطن على الظهر، أو بالبطن على البطن، الأمر في هذا واسع، المهم ألا تسبح بحضرة الرجال، كما أشرنا إلى أن هذا سبب للفتنة.
قال: (وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر أخرى) ولكن لو فُرض أن المأموم سبَّح، ولكن الإمام لم ينتبه، وسبَّح ثانية، ولم ينتبه، وربما سبح به فقام؛ وسبح به فجلس؛ فماذا يصنع؟
قال بعض العلماء: يخبره بالخلل الذي في صلاته بالنطق، فيقول: اركع، اسجد، اجلس، قم، ثم اختلف القائلون بأنه يتكلم، هل تبطل الصلاة بذلك أو لا؟
فقال بعضهم: لا تبطل؛ لأن هذا كلام لمصلحة الصلاة، وليس كلام آدميين، يعني ما قصد به التخاطب مع الآدميين؛ قصد به إصلاح الصلاة؛ واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: بلى، قد نسيتَ قال: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟» (١١)، أهو حق ما قال ذو اليدين؟ وهذا كلام، كلام واضح يُخاطب به الآدميين؛ لكنه لمصلحة الصلاة، فقالوا: إذا سبَّح ولم يحصل انتباه من الإمام فله أن يتكلم ولا تبطل الصلاة.
والقول الثاني أن الصلاة تبطل إذا تكلم؛ لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (١٢)، ولأن النبي ﷺ أمر بالتسبيح، ولو كان الخطاب لمصلحة الصلاة لا يضر لكان يأمر به؛ لأنه أقرب إلى الفهم، من أين؟
طلبة: من التسبيح.
الشيخ: من التسبيح، لقال: فلْيُنبِّه، وهو أقرب إلى الفهم من التسبيح، فلما عدل عنه عُلم أن ذلك ليس بجائز؛ لأن المصلحة تقتضيه لولا أنه ممتنع، ولا شك أن هذا الدليل قوي؛ أن الصلاة تبطل إذا نبهه بالكلام، ولكن نحتاج إلى الجواب عما استدل به القائلون بأن الصلاة لا تبطل؛ لأن الكلام لمصلحة الصلاة.
[ ١ / ١٣٩٠ ]
والجواب عن ذلك سهل: لأن النبي ﷺ حين تكلم لم يكن يعلم أنه في صلاة، بل كان يظن أن الصلاة تمت؛ ولهذا قال: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»، ولما قالوا: صدق ذو اليدين (١١)، أو قالوا: نعم، لم يتكلم بعد، تقدم فصلَّى ما ترك.
وفرق بين شخص يعلم أنه في صلاة، ولكن يتكلم لمصلحة الصلاة، وشخص لم يتيقن أنه في صلاة، بل كان ظنه أنه ليس في صلاة، قد تمت صلاته، وحينئذٍ فلا يتم الاستدلال بهذا الحديث.
ولكن يبقى النظر؛ لو قال قائل: إذا لم نقل بأنه يُنبِّهه بالكلام فسيكون ألعوبة، يقول: سبحان الله! فيجلس، سبحان الله! فيقوم، سبحان الله! فيجلس، سبحان الله! فيقوم، ويش نعمل؟ لا بد من كلام.
ربما نقول في هذه الحال: إذا دعت الضرورة ربما نقول: يتكلم ويستأنف الصلاة، من يستأنف؟ المتكلم، نقول: تكلم الآن لمصلحة الصلاة؛ لأنك إذا تكلمت الآن أصلحت صلاة الجماعة كلها، أليس كذلك؟ وفسدت صلاتك وأنت تستأنف، ويكون هذا الكلام من أجل مصلحة الجميع، ومصلحة الجميع مقدمة على مصلحة الفرد، حتى لو بقيت أنت مع الإمام سوف تبطل صلاتك، أو يؤدي الأمر إلى أن تفارق إمامك.
قال: (وإذا نابَه شيء سبَّح رجل)، هل يمكن أن ينبه بغير ذلك؟ نعم، يجوز أن يُنبِّه بالنحنحة؛ لأن علي بن أبي طالب كان له مدخلان من رسول الله ﷺ؛ يعني: زمانان للدخول؛ أحدهما في الليل والثاني في النهار، فإذا دخل عليه وهو يصلي تنحنح له، فإذن هذا طريق آخر للتنبيه، أن ينبه المستأذِن، بماذا؟
طلبة: بالنحنحة.
الشيخ: بالنحنحة، وهل هناك طريق ثالث؟ يمكن؛ وذلك بالجهر بالقراءة، والجهر بالقراءة جائز، فإذا استأذن عليك أو ناداك وأنت تصلي؛ ورفعت صوتك بما تقول فهذا فيه تنبيه، فهذا فيه تنبيه، لكن أفضل شيء هو التسبيح؛ لأن النبي ﷺ أمر به.
[ ١ / ١٣٩١ ]
هل للمصلي أن ينبه غير إمامه إذا أخطأ في شيء؟ يعني مثلًا لو كان اللي جنبك يُكثر الحركة يشغلك، هل لك أن تنبهه؟
الجواب: نعم؛ له أن ينبهه؛ لأن هذا من إصلاح صلاتهم، بل حتى لو فُرض أنه لإصلاح صلاة أخيه فلا بأس.
والدليل على هذا: سبب الحديث؛ وهو قوله ﵊: «إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ»، فإن سببه أنَّ معاويةَ بن الحكم -﵁- دخل والنبيُّ ﷺ يُصلِّي فصَلَّى، فعطس رَجلٌ مِن القوم فقال: الحمد لله. فقال له معاوية: يرحمك الله، فرمَاهُ النَّاسُ بأبصارهم -يعني: جعلوا ينظرون إليه منكرين قوله- فقال: واثكلَ أُمِّياه، فجعلوا يضربون على أفخاذهم؛ يسكتونه، فسكتَ، فلما سَلَّم النبيُّ ﵊ دعاه، وقال له: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (١٢) أو كما قال ﷺ. وقال للصحابة: «إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ».
وهذه المسألة تتعلق بصلاة غيرهم، ولكنها في الواقع تتعلق بصلاتهم من وجه آخر، وهو أنه قد يكون في ذلك تشويش عليهم؛ فلهذا لم ينههم النبي ﵊ عن إنكارهم لما صنع معاوية.
قال: (ويبصق في الصلاة عن يساره). (يبصق) وتجوز بالزاي، وتجوز بالسين: (يبزق، ويبسق، ويبصق)؛ لأنه هذه الأحرف الثلاثة تتناوب في كثير من الكلمات، وذلك لتقارب مخارجها، السين والثاني؟
طلبة: الزاي.
الشيخ: الزاي والصاد.
[ ١ / ١٣٩٢ ]
يقول: (في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه) يبصق في الصلاة عن يساره؛ يعني إذا احتاج إلى البصاق فإنه يبصق عن يساره، ولا يبصق عن يمينه، ولا أمام وجهه، أما كونه لا يبصق قبل وجهه؛ فلأن الله ﷾ قِبَل وجهه، ما من إنسان يستقبل بيت الله ليصلي إلا استقبله الله بوجهه؛ أي مصلي يكون في أي مكان؛ لأن الله تعالى بكل شيء محيط، ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، وليس من الأدب أن تبصق بين يديك، والله تعالى قِبَل وجهك، لو أنك فعلت ذلك أمام عامة الناس لعُدَّ هذا سوء أدب، فكيف بين يدي ملك الملوك ﷿، جبار السماوات والأرض؟ !
ولهذا رأى النبيُّ ﷺ نخامة في قِبلة المسجد (١٣) فعزل الإمام الذي فعلها؛ لأن هذا لا يليق أن تبصق وأنت تصلي بين يديك، أما عن اليمين فقد علَّل النبي ﷺ ذلك بأن عن يمينه مَلكًا، فلا تبصق عن اليمين؛ لأن عن يمينك ملكًا (١٤)، ولا أمام وجهك؛ لأن الله قِبل وجهك ﷿. إذن ما بقي إلا اليسار، فتبصق عن اليسار؛ لأمر النبي ﷺ بذلك.
فإن قال قائل: في هذا الحديث إشكالان؛ الإشكال الأول: كون الله قبل وجه المصلي، كيف يكون ذلك، ونحن نؤمن ونعلم بأن الله تعالى فوق عرشه، فكيف يكون هذا؟
والجواب على ذلك من ثلاثة أوجه:
[ ١ / ١٣٩٣ ]
الوجه الأول أنه يجب على الإنسان في هذه الأمور التسليم، وعدم الإتيان بـ (لم) أو (كيف)، لا تأتي بـ (لم)، أو (كيف) في باب صفات الله أبدًا، اجعلها في جيبك، قل: آمنت وصدقت، آمنت بأن الله على عرشه فوق سماواته، وبأنه قِبل وجه المصلي، وليس عندي سوى ذلك، هكذا جاءنا عن رسول الله ﷺ، هذه واحدة، وهذه الطريق تكف عنك إشكالات كثيرة، وتسلم من تقديرات يقدرها الشيطان في ذهنك، أو يُقدِّرها جنود الشيطان في ذهنك، تقول: الحمد الله، أنا أؤمن بهذا وهذا، ولا أقول: كيف ولا لِم، هذه واحدة.
ثانيًا: أن النصوص جمعت بينهما، وهذه ربما تتفرع عن التي قبلها، والنصوص لا تجمع بين متناقضين؛ لأن الجمع بين المتناقضين محال، ومدلول النصوص ليس بمحال، واضح؟
ثالثًا: أن الله ﷿ لا يُقاس بخلقه، فهب أن هذا الأمر ممتنع بالنسبة للمخلوق -أي: ممتنع أن يكون المخلوق على المنارة، وهو قِبل وجهك- قد يكون هذا ممتنعًا بالنسبة للمخلوق، لكن ليس ممتنعًا بالنسبة للخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء حتى يُقاس بخلقه، ويقال: ما امتنع في حق الخلق امتنع في حق الخالق.
الرابع .. أنا قلت ثلاثة أوجه وصارت أربعة، لكن الوجه الثاني قد يكون داخل في الوجه الأول.
الرابع: أنه لا منافاة بين العلوّ وقِبل الوجه، حتى في المخلوق، ألم تروا إلى الشمس عند غروبها أو شروقها تكون قِبل وَجْه مستقبلها وهي في السماء فوق وتشوفها بين يديك على الأرض عند الغروب أو عند الشروق، فإذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق، فما بالك في حق الخالق؟
هذا هو الجواب عن الإشكال الأول في الحديث، وأهم هذه الأجوبة عندي وأعظمها وأشدها قدرًا الجواب الأول؛ أن نقف في باب الصفات موقف الْمُسَلِّم لا المعترض، فنؤمن بأن الله فوق كل شيء، وبأنه قِبل وجه المصلي، ولا نقول: كيف؟ ولا لم؟
[ ١ / ١٣٩٤ ]
وهذه -كما قلت لكم- تريحكم في كل ما يورده الشيطان على القلب من الإشكالات وما يريده جنود الشياطين؛ لأن هناك جنودًا للشياطين في هذه المسائل، يقول لك: هذا كيف يمكن؟ إذن لازم، إما أن تقول بالحلول: إن الله في الأرض، ولَّا أيش؟ ثم يورد عليك ها الشبه هذه، فتقول: أنا أؤمن بأن الله فوق كل شيء، وأنه قِبل وجه المصلي كما جاءت به النصوص، ولا أتعدى هذا.
الإشكال الثاني في الحديث: البصاق عن اليمين: علَّله النبي ﷺ: بأنَّ على يمينه مَلَكًا. وهذا التعليل يشكل عليه؛ أن على يساره ملكًا أيضًا، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] فهذا ملك وهذا ملك، فما الجواب عن هذا؟
الجواب عن هذا أن نقول: هناك طريقة ثانية أرشد إليها الرسول ﵊، قال النبي ﵊: «أَوْ يَقُولُ هَكَذَا»، وبسط ثوبه، ثم تفل، ثم قال: «هَكَذَا» (١٥). هذه طريقة ثانية للبصاق.
وفي هذه الحال لا يكون بصق عن يمينه، ولا عن شماله، ولا قِبل وجهه، ولكن إذا سلَّمنا الصفة الأولى أنه يتفل عن يساره قلنا: هذا أمر لا بد منه؛ لأنه إما أن يتفل عن يساره، أو عن يمينه، أو قِبل وجهه، أو من ورائه، ولا يمكن من ورائه إلا إذا انحرف عن القبلة.
وهذا شيء لا يمكن، إذن لا بد من أن يكون عن اليسار، ثم نقول: إن الملك الذي عن اليمين مرتبته أعلى من الملك الذي عن اليسار؛ حتى إنه جاء في بعض الآثار: أن الله أعطاه سلطة على الملَك الذي عن اليسار؛ بحيث لا يكتب ملك اليسار ما عمله العبد من السيئات إلا بعد إذن الملك اللي عن اليمين، فيقول الملك: انتظر، لعله يتوب، فلا تكتب عليه (١٦).
فإن صح هذا الأثر فهو واضح، وإن لم يصح فلا شك أن من كان عن اليمين أعلى مرتبةً ممن كان على اليسار، وكلهم ملائكة كرام، كما قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١].
[ ١ / ١٣٩٥ ]
قال المؤلف: (ويبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه) تتعين الصفة الثانية إذا كان الإنسان في المسجد، ما هي الصفة الثانية؟ أن يبصق في ثوبه، فلا يبصق في المسجد، لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال: «البُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ» (١٧). ولا يجوز للإنسان أن يتعمد فعل الخطيئة، لكن هذه الخطيئة إذا فعلها كفارتها دفنها، كفارتها دفنها، وعلى هذا فنقول: لا تبصق في المسجد عن يسارك، ابصُق في ثوبك.
ولا يبصق تحت قدمه في المسجد؟ وهي الصفة الثالثة؛ الصفة الثالثة أن يبصق تحت قدمه، لكن في المسجد لا يبصق تحت قدمه؛ لأن ذلك يُلوِّث المسجد؛ ولأنه للحديث الذي ذكرنا؛ لأن «البُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ»؛ ولأنه يلوث المسجد.
وفي الحديث دليل على استعمال المروءة والأدب؛ حيث وصف النبي ﷺ البصاق في الثوب بأنه «يَحُكَّ بَعْضهُ بِبَعْضٍ» (١٨)، لماذا؟ من أجل إذهاب صورة البصاق؛ لأن وجود صورة البصاق في الثوب توجب تقزُّز النفس من هذا المرأى، والاشمئزاز، ويؤدي ذلك إلى كراهة الرجل؛ أنت لو رأيت شخصًا -مثلًا- تجد المخاط في ثوبه والأذى والقذر في ثوبه، تكره الثوب، ولَّا تكره الرجل؟
طلبة: الرجل.
الشيخ: طبعًا الثوب أنت ما بلابسه، ما يهمك، لكن تكره الرجل؛ فلهذا ينبغي للإنسان أن يزيل عن ثيابه الأذى والوسخ، ومن ثَمَّ كان الرسول ﷺ يأمر عائشة فتتَّزر فيباشرها وهي حائض (١٩)، لماذا يأمرها بالاتزار؟ لئلا يرى المحل المتلوث بالدم، فإذا رآه تقززت نفسه، واشمأزَّت، وربما يؤدي ذلك إلى كراهتها، وهذه نقطة ينبغي للإنسان أن يستعملها، ومن ثم لو اطلعنا على الموضوع شوي، من ثم قال العلماء: ينبغي للإنسان أن ينظر في المرآة، ولا أدري هل نحن ننظر في المرآة ولَّا لا؟
[ ١ / ١٣٩٦ ]
من الناس من يفرط في النظر في المرآة، ويبالغ ويغلو، كلما أراد أن يطلع النظر في المرآة، فإذا وجد شعرة في ذقنه، فالمنقاش، هذا يُسرف، لماذا؟ لئلا تبقى شعرة في وجهه، لكن هذا ليس بطيب؛ لأنه معصية للرسول ﵊.
ومن الناس من يُفرِّط فتمضي السنة والسنتان، ما رأى، ما نظر في المرآة أبدًا، والاعتدال خير، لا تُفرط ولا تُفرِّط لا سيما إذا وجد السبب؛ يُخشى أن يكون شيء قد تلوث منك، إما الثوب، أو طرف الوجه، أو ما أشبه ذلك، مثل لو أُصيب الإنسان برعاف قد تكون قطرات من الدم تقطر على أعلى ثوبك مثلًا ما تشاهدها أنت، تحتاج إلى النظر في المرآة، فينبغي عند وجود السبب أن تنظر في المرآة، أما إذا لم يوجد السبب فالأمر في هذا هيِّن.
قال (ويبصق في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه).
طالب: إذا تكلم لمصلحة الصلاة، هل نقول: إنه تبطل صلاته، الرسول ما قال لمعاوية بن الحكم: إن صلاتك بطلت.
الشيخ: نعم، يقول: إذا تكلم لمصلحة الصلاة، هل نقول: تبطل صلاته والرسول ﷺ لم يقل لمعاوية: إنها بطلت صلاتك؟
الجواب: فرق عظيم بينهما، معاوية كان جاهلًا بالحكم، لكن هذا يعلم أن الكلام يُبطل الصلاة، أما لو ظن أنه إذا تكلم لمصلحة الصلاة لا تبطل صلاته.
الطالب: تبطل صلاته كل الجميع؟
الشيخ: إي نعم، لكن هذا تعمَّد المفسد، أرأيت لو أن إنسانًا أفطر في رمضان لإنقاذ شخص يبطل صومه ولَّا ما يبطل؟
طلبة: يبطل.
الشيخ: ولو أكل وشرب جاهلًا، هذه؟
طالب: ما يبطل.
طالب آخر: شيخ، هل الأولى تنبيه الإمام إذا نابه شيء في الصلاة تنبيهه بالقراءة ولَّا بالفعل إذا كان قريبًا؛ مثلًا الإمام قدامه ويقدر يقول له: اجلس، () بيده؟
الشيخ: يعني إذا لم يمكن تنبيهه بالتسبيح؟
الطالب: بالتسبيح نعم.
[ ١ / ١٣٩٧ ]
الشيخ: بالقراءة أحسن؛ لأن القراءة -كما قلنا- ذِكْر مشروع في الصلاة، لكن الحركة غير مشروعة، إنما لو فُرض أنه لم يستحضر آية تُناسب المقام، عرفت؟ فله أن يتقدم إذا كان وراء الإمام، يتقدم وإذا كان النسيان لسجدة حصر ظهره؛ يعني اسجد.
طالب: إذا كبَّر نبهه بالكلام، لكن ظن أن اللي بجانبه سينبِّهه، ثم اللي بجانبه سينبهه، ثم إن تركوا () كلهم ولَّا يتكلم هو، ولَّا يسكت، يسكت لينتظر هذا؟
الشيخ: ما فهمت!
الطالب: قلت: إذا جاز لشخص أن يتكلم إذا تكلم يعني ..
الشيخ: نحن سبَّحنا للإمام: سبحان الله! ما فهم، سبحان الله! سبحان الله! ما فهِم.
الطالب: إذا تكلم الشخص، إذا كان تكلموا كثيرًا.
الشيخ: تكلموا كلامًا؟
الطالب: كلام كثير، مجموعهم، هل ينتظرون أن واحدًا منهم يتكلم أو ..؟
الشيخ: لا يتكلمون، إن تكلموا واضح أن ما لهم حق في هذا.
طالب: يا شيخ، بالنسبة للمسألة هذه، أليست المفارقة تكون أوْلى من إبطال الصلاة؟
الشيخ: لا؛ لأن هنا سوف يحفظ كل الصلاة؛ صلاة الجماعة كلهم.
طالب: لأنه ممكن يا شيخ يذكره بالقرآن مثلًا، إذا كان يذكره بالسجود يقول له: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ مثلًا.
الشيخ: إي، لكن قد لا يستحضر الآية، أو يكون الغلط في شيء ما في مناسبة القرآن.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لو يعني كانت الصلاة رباعية، وجلس الإمام في الثنائية، فسبَّح له جماعته ما فهم، ثم بعد ذلك سلَّم، هل يسلمون معه أم ينوون المفارقة ويُتم هو؟
الشيخ: لا، ينبهونه.
الطالب: بس ما فهم يعني يا شيخ؟
الشيخ: لا، يقولون: (قوموا لله قانتين) مثلًا حتى يفهم.
الطالب: يعني لو فرضنا مثلًا؟
الشيخ: لا، لازم ينبهونه.
طالب: يا شيخ، إذا دق التليفون أثناء الصلاة، هل يشرع رفع السماعة والتسبيح؟
الشيخ: إي نعم، هذا سؤال وجيه، ويش تقولون؟
طلبة: ذكرنا القراءة يا شيخ، هذا حصل، سأل عنها.
[ ١ / ١٣٩٨ ]
الشيخ: سأل عنها، ما فيها شيء، يأخذه ويقول: سبحان الله! ولكنه ما يضع التلفون وضعًا طبيعيًّا يضعه على الأرض علشان يبقى مشغولًا ما حد يذهب.
الطالب: يا شيخ -أحسن الله إليك- ذو اليدين تكلم وهو يعلم أنه كان في الصلاة.
الشيخ: ما يعلم، قال: أنسيت؟
الطالب: أم قصرت.
الشيخ: إذا قصرت ما صار فيه صلاة.
الطالب: عندما سأل النبي ﷺ الصحابة «أَصَحِيحٌ مَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، ولكن لم يصرح أن الرسول ﷺ قد نسي، ما صرح بالنسيان في ().
الشيخ: لا، أبدًا ما يدري؛ يعني قوله: نسيت أم قصرت صحيح، احتمال القصر.
طالب: يا شيخ، إذا صلَّى الإمام جماعة، وكان مع الجماعة نساء، غلط الإمام، هل يجوز للمرأة أن ترد عليه؟
الشيخ: يعني في القرآن، الظاهر ألَّا ..، تصفق.
طالب: شيخ -الله يجزيك خيرًا- هل يجزئ عن البصاق أن يبصق خفيفًا من الرذاذ بدل البصاق على الحائط؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الرذاذ ما يكون يعني البصاق؟
الشيخ: ما هو بصاق هذا، الرذاذ ما هو بصاق.
الطالب: لا بد أن يبصق البصاق؟
الشيخ: البصاق معروف.
طالب: بالنسبة الصحابة علموا أنهم في صلاة، لكن ذو اليدين ما كان يعلم مثلًا، الصحابة علموا بأن الرسول ﷺ قال: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ»، علموا أنهم ما زالوا في الصلاة فأجابوا النبي ﷺ.
الشيخ: إي نعم؛ لأن إجابة النبي واجبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] واجبة على كل حال.
طالب: () يا شيخ، بعدما عرضوا؟
الشيخ: كل هذا من باب التأكيد.
طالب: يا شيخ، إذا قال قائل بأصل جواز التصفيق للنساء ()؟
الشيخ: كيف؟
طالب: إذا قال رجل بأصل مشروعية العمل بالتصفيق في الصلاة أن المصلي لما بيقف يضع يده اليمنى على ظهر اليسرى ()؟
[ ١ / ١٣٩٩ ]
الشيخ: والله ما أدري، شوفوا يا جماعة إن صلَّى جنبكم وصفق بيده عند وضع اليد اليمنى على اليسرى اكسروا إيده، عرفتم ولَّا لا؟ ! ! أيش تقول؟
طالب: أقول: يا شيخ، الواجب من ناحية تسبيح المرأة يكون عندها نساء أو التصفيق، أيهما أرجح ذكرت المسألة، بس الترجيح؟
الشيخ: والله الأمر في هذا واسع، ما دام ما فيه رجال؛ فالأمر واسع، أنتم فهمتم؟
طلبة: فهمنا.
طلبة آخرون: ما فهمنا.
الشيخ: إي، أيش السؤال؟
طالب: إذا قال قائل -يا شيخ- بمشروعية أصل التصفيق للمرأة؛ لأن المصلي لما يكبر يضع اليمنى على اليسرى ()؟
الشيخ: إي؛ يعني يصفق؟
الطالب: ما يصفق، لكن هكذا ().
الشيخ: لا، خلاص كلامي الأول مضبوط. ()
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: ويبصُق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه، وتُسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرحل، فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط، وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط، وله التعوذ عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀: (وتُسنُّ صلاته إلى سترة) تُسن صلاته؛ أي: صلاة المصلي لا الإمام فقط إلى سترة، إلا أن المأموم تكون سترة إمامه سترة له، وبعض العلماء يقول: إن الإمام سترة للمأموم، الإمام نفسه سترة للمأموم، على كل حال المأموم لا يُسنّ أن يتخذ سترة، السترة للإمام، ومن؟ والمنفرد.
[ ١ / ١٤٠٠ ]
وقول المؤلف: (تُسنّ) إذا عبر الفقهاء -﵏- بكلمة (تسن)، فالمعنى: أن من فعلها فله أجر، ومن تركها فليس عليه إثم، هذا حكم السنة عند الفقهاء، ودليل هذه السنية: أمر النبي ﷺ وفعله، أما أمره فإن النبي ﷺ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» (٢٠). وأما فعله فقد كان -﵊- تركز له العنزة في أسفاره فيصلي إليها، أما الحكمة من السترة؛ فالحكمة أولًا: أنها تحجب نقصان صلاة المرء، أو بطلانها إذا مر أحد من ورائها.
ثانيًا: أنها تحجب نظر المصلي، لا سيما إذا كانت شاخصة، يعني: لها جُرم شاخص؛ فإنها تعين المصلي على حضور قلبه، وحجْب بصره.
ثالثًا: أن فيها امتثالًا لأمر النبي ﷺ واتباعًا لهديه، وكل ما كان امتثالًا لأمر الله ورسوله، أو اتباعًا لهدي الرسول ﵊ فإنه خير. ولهذا نقول: هي سنة ثبتت بالقول وبالفعل، وحكمتها ثلاثة، ما هي؟
طلبة: امتثال أمر الرسول.
الشيخ: نعم، امتثال أمر الرسول ﵊، والاهتداء بهديه.
ثانيًا: منع نقص الصلاة أو بطلانها.
والثالث: أنها تحجب النظر في الغالب، فيكون القلب حاضرًا؛ أما الأجر فظاهر في كل سُنَّة، كل سنة ففيها أجر.
وقول المؤلف: (تُسنُّ صلاته إلى سترة) ظاهره أنه سواء في بَرّ أو في حضر، سواء في سفر أو في حضر، وسواء خشي مارًّا أم لم يخشَ مارًّا؛ لعموم الأدلة في ذلك، وإن كان بعض أهل العلم قال: إنه إذا لم يخشَ مارًّا فلا تُسن السترة، ولكن الصحيح أن سُنِّيتها عامة، سواء خشي المارّ أم لا.
[ ١ / ١٤٠١ ]
وعُلِم من كلامه أنها ليست بواجبة، وأن الإنسان لو صلَّى إلى غير سترة فإنه لا يأثم، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم؛ أن السترة ليست بواجبة؛ لأنها من مُكمِّلات الصلاة، ولا يتوقف عليها صحة الصلاة، وليست داخل الصلاة حتى نقول: إن فقدها مفسد؛ لأنها ليست من ماهية الصلاة، ولكنها شيء يراد به كمال الصلاة، فلم تكن واجبة، وهذه هي القرينة التي أخرجت الأمر بها من الوجوب إلى الندب.
قالوا: وظاهر حديث أبي سعيد الخدري: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ؛ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَلْيَدْفَعْهُ» (٢١)، فإن قوله: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ»، يدل على أن المصلي قد يصلي إلى شيء يستره، وقد لا يصلي؛ لأن مثل هذه الصيغة ما تدل على أن كل الناس يصلون، بل تدل على أن بعضًا يصلي وبعضًا لا يصلي.
واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس: أنَّه أتى في مِنى والنبيُّ ﷺ يصلِّي فيها بأصحابه إلى غير جدار، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس في السنن: رأيت النبيّ ﷺ يصلي في فضاء ليس بين يديه شيء (٢٢)، وكلمة (شيء) هذه عامة تشمل كل شيء، وهذا الحديث فيه مقال قريب، لكن يؤيده حديث أبي سعيد، وحديث ابن عباس يصلي إلى غير جدار (٢٣).
ولكن الذين قالوا بالوجوب أجابوا عن حديث ابن عباس: يُصلِّي في فضاء إلى غير شيء؛ بأنه ضعيف. وعن حديثه: إلى غير جدار؛ بأن نفي الجدار لا يستلزم نفي غيره، وحديث أبي سعيد يدل على أن الإنسان قد يُصلي إلى سترة وإلى غير سترة، لكن دلت الأدلة على أنه لا بد أن يصلي إلى سترة، ولكن أدلة القائلين بأن السترة سنة -وهم الجمهور- أقوى، ولو لم يكن منها إلا أن الأصل براءة الذمة، فلا تُشغل الذمة بواجب، ولا يُحكم بالعقاب إلا بدليل واضح.
[ ١ / ١٤٠٢ ]
وأجابوا عن جواب هؤلاء في حديث ابن عباس: إلى غير جدار، قالوا: إن ابن عباس أراد أن يستدل به على أن الحمار لا يقطع الصلاة، وهذا يقتضي أنه قال: إلى غير جدار؛ أي: إلى غير شيء يستره.
وعلى كل حال فالأدلة فيها متقاربة، لكن الأرجح أنها سُنَّة، وأنها ليست بواجبة، أما المأموم فلا يسن له اتخاذ السترة؛ لأن الصحابة -﵃- كانوا يصلون مع النبي ﷺ، ولم يتخذ أحد منهم سترة، ولكن هل يجوز المرور بين أيديهم، أو لا يجوز؟
فيه قولان لأهل العلم؛ القول الأول أنه لا يجوز أن يمر بين يدي المصلين، واستدلوا بعموم الأدلة: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (٢٤). قالوا: وهذا عام، لو يعلم المار بين يدي من؟ المصلي.
وتعللوا أيضًا بتعليل، قالوا: إن الإشغال الذي يكون للإمام والمنفرد حاصِل بالمرور بين يدي المأموم، يشغلون المأموم، وربما يكثر المارَّة فيشعر الإنسان بأنه منفصِل عن إمامه؛ لأن الناس يمرون منه حتى يكونوا كالجدار بين يديه، لا سيما في المساجد الكبيرة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي، وعلى هذا فلا يجوز لأحد المرور بين أيدي المصلين.
والقول الثاني في المسألة أن المأموم كما أن سترة الإمام له سترة فلا بأس بالمرور بين يديه، واستدلوا بفعل ابن عباس ﵄، حينما جاء إلى النبي ﵊ وهو يصلي في الناس بمنى، وهو راكب على حمار أتان، أتان يعني (أنثى)، فدخل في الصف، وأرسل الأتان ترتع ترعى وقد مرت بين أيدي الصف، قال: ولم ينكر ذلك عليَّ أحد، لا النبي ﷺ، ولا أحد من الصحابة، وهذا الإقرار يخصص عموم: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ».
[ ١ / ١٤٠٣ ]
فالصحيح أن الإنسان لا يأثم، ولكن كلما وجد مندوحة عن المرور بين يدي المأمومين فهو أفضل؛ لأن الإشغال -بلا شك- حاصل، وتوقِّي إشغال المصلين أمر مطلوب؛ لأن ذلك من كمال صلاتهم، وكما تحب أنت ألا يشغلك أحد عن صلاتك، فينبغي أن تحب ألا تشغل أحدًا عن صلاته؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٢٥).
قال المؤلف ﵀: (إلى سترة قائمة كمُؤخرة الرحل)، (قائمة) يعني منصوبة. (كمؤخرة الرحل) تشبيه لها، بما جاء في الحديث عن النبي ﵊.
و(مؤخرة الرحل) هي خشبة تُوضع فوق الرحل، إذا ركب الراكب اتكأ عليها، تعرفون الرَّحل؛ رحل البعير؟ يسمى عندنا الشداد، يكون اللي خلف الراكب يُوضع فيه خشبة تُسمَّر أو تُربَّط من أجل أن يتكئ عليها الراكب، يتكئ عليها بظهره، وهي حوالي ثلثي ذراع؛ يعني ليست رفيعة شاهقة، بل حوالي ثلثي ذراع، أو ذراع إلا ربع، أو ما أشبهها.
يقول المؤلف ﵀: (فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط)، (إن لم يجد شاخصًا) يعني: شيئًا قائمًا يكون له شخص. (فإلى خط) الخط له أثر في الأرض؛ لأن الأرض -فيما سبق- مفروشة بالرمل أو بالحصباء، وإذا خط الإنسان صار له أثر بَيِّن، لكن نحن الآن ليس عندنا أرض يكون فيها خط بَيِّن، فهل نقول: إن الخط الذي هو خط التلوين يُجزئ عن الخط الذي له أثر؟
قال بعض أهل العلم: يُجزئ كل ما اعتقدته سترة فهو مجزئ حتى الخط الملوَّن، لكن في النفس من هذا شيء؛ فالظاهر أن هذه الخطوط الملونة لا تكفي، نعم لو فُرض أن فيه خياط بارز في طرف الحصير، أو في طرف الفراش؛ لصح أن يكون سترة؛ لأنه بارز.
[ ١ / ١٤٠٤ ]
هل هناك دليل على أن الخط يكفي؟ الجواب: نعم، فيه دليل؛ أن النبي ﷺ قال: «فمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا» (٢٦). وهذا الحديث قال عنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: ولم يُصب من زعم أنه مضطرب؛ لأن ابن الصلاح -﵀- قال: إنه مضطرب، والمضطرب -كما تعرفون- من أقسام الحديث الضعيف، لكن ابن حجر رد ذلك وقال: لم يُصِبْ من زعم أنه مضطرب بل هو حسن، والحسن حُجَّة؛ لأنه يُوجِب غلبة الظن حسب التعريف المعروف، وهو أن الحسن: ما رواه عدل خفيف الضبط بسند متصل، وسلم من الشذوذ والعلة القادحة.
وعلى هذا؛ فيكون الحديث حجة، فإذا لم تجد شاخصًا فخُط خطًّا، ولكن كيف أخُط؟ أخط خطًّا مقوسًا كالهلال أو ممتدًّا كالعصا؟
طلبة: أي خط.
الشيخ: إي، أي خط، ولهذا قال المؤلف: (فإلى خط)، وكذلك في الحديث: «فَلْيَخُطَّ خَطًّا»، وهذا الخط يكون علامةً على المصلي ومفيدًا له.
قال (فإن لم يجد شاخصًا فإلى خط، وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط)، (تبطل) الضمير يعود على الصلاة، والبطلان أحيانًا يطلق على ما لم ينعقد، وأحيانًا يُطلق على ما انعقد، ثم فسد، والثاني هو الأكثر؛ يعني: أن العلماء يُطلقون البطلان على ما انعقد ثم فسد، وربما يطلقونه على ما لم ينعقد، كما لو قال: لو ترك تكبيرة الإحرام بطلت صلاته.
طلبة: ().
الشيخ: هذا بطلان ما لم ينعقد، وكما لو قال: يبطل البيع إذا كان الثمن مجهولًا؟ هذا بطلان ما لم يتم؛ يعني بطلان ما لم ينعقد، فالبطلان عند أهل العلم يطلق على معنيين:
أحدهما: أن يراد به ما لم ينعقد.
والثاني: أن يراد به ما انعقد، ثم فسد.
فقول المؤلف هنا: (تبطل بمرور) من الأول ولَّا من الثاني؟
طلبة: من الثاني.
الشيخ: يعني من بطلان ما انعقد. تبطل الصلاة (بمرور كلب) الضمير في تبطل يعود على الصلاة؛ النافلة أو الفريضة؟
الطلبة: كلاهما.
[ ١ / ١٤٠٥ ]
الشيخ: نعم، يشمل النافلة والفريضة، تبطل الصلاة النافلة والفريضة (بمرور كلب)، انتبه للمرور، عبور الكلب من يمين المصلي إلى يساره، أو من يساره إلى يمينه، وأما بقعود الكلب بين يديه فلا تبطل، ولو فرضنا أن كلبًا أمامك فإن صلاتك لا تبطل، لكن لو مر بطلت، يقول: (بمرور كلب)، لا حمار، ولا بعير، ولا فرس، ولا شاة، كلب، طيب وخنزير؟
طلبة: ولا خنزير.
الشيخ: ولا خنزير، وهنا لم يقيسوا الخنزير على الكلب، وفي باب النجاسة قاسوه، ولكن سبق لنا في باب النجاسة أن نجاسة الخنزير كالنجاسات الأخرى لا يلزم فيها التسبيع ولا التراب.
(أسود) يعني: دون الأحمر، والأبيض، والأزرق كذا، والأورق؟
طالب: أي لون غير الأسود.
الشيخ: أي لون غير الأسود. (بهيم) أي: خالص، البهيم: الخالص الذي لا يخالطه شيء، ومنه ما جاء في الحديث: «تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا» (٢٧)؛ يعني: ليس معكم شيء، فهذا بهيم يعني لم يخالط سواده شيء؛ إلا أن بعض أهل العلم قال: إذا كان فوق عينيه نقطتان بيضاوان لم يخرج عن كونه بهيمًا.
قال المؤلف: (فقط) يعني لا غير، ولكن كيف الكلمة هذه أعجمية أو عربية؟
عربية خالصة، (الفاء) يقولون: إنها زائدة لتحسين اللفظ، و(قطّ) اسم بمعنى حسْب، وهي مبنية على السكون، وبُنيت لأنها أشبهت الحرف في الوضع، أيش الكلام هذا؟ لأنها على حرفين، فتشبه الحرف في الوضع.
قال ابن مالك:
كَالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ فِي اسْمَيْ (جِئْتَنَا)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذن قوله: (فقط)، لماذا فَقَّطَ المسألة؟ فَقَّطَها؛ أولًا: أنها لا تبطل بالكلب الأحمر والأبيض وما أشبهه، وقد سئل النبي ﷺ كما في حديث أبي ذر: ما بالُ الكلبِ الأسود دون الأحمر والأصفر والأبيض؟ قال: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» (٢٨). شيطان جنّ ولَّا شيطان كِلاب؟
[ ١ / ١٤٠٦ ]
الصحيح أنه شيطان كِلاب، ما هو شيطان جن، والشيطان ليس خاصًّا بالجن؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] فالشيطان كما يكون في الجن يكون في الإنس، ويكون في الحيوان، فمعنى شيطان أي: شيطان الكلاب؛ لأنه أخبثها؛ ولذلك يقتل على كل حال، ولا يحل صيده بخلاف غيره.
وجه آخر في التفقيط؛ يعني لا امرأة وحمار، انتبه إذن التفقيط لأي سبب؟ لأمرين لما سوى الأسود من الكلاب، ولْيُخرج المرأة والحمار بالذات، وهذا هو المشهور من المذهب؛ يقولون: إن الصلاة لا تبطل إلا بمرور الكلب الأسود فقط، وانتبهوا إن المسألة بطلانها بالكلاب بأربعة شروط المرور، وأنه كلب، وأسود، وبهيم بعد. إذا اختل شرط واحد فلا بطلان.
المرأة والحمار؛ لا تُبطل الصلاة، ونحن الآن نتكلم أولًا على الدليل على أن الكلب الأسود يبطل الصلاة، الدليل على ذلك ثلاثة أحاديث: حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن مغفل، وحديث أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: «يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» (٢٩). وفي بعض هذه الأحاديث الإطلاق: «صَلَاةَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» مطلقًا ..
وله التَّعَوُّذُ عندَ آيةِ وَعيدٍ، والسؤالُ عندَ آيةِ رَحمةٍ ولو في فَرْضٍ.
(فصلٌ)
أركانُها: القِيامُ والتحريمةُ والفاتحةُ والركوعُ والاعتدالُ عنه والسجودُ على الأعضاءِ السبعةِ والاعتدالُ عنه،
إذن التفقيط لأي سبب؟
طلبة: لسببين.
الشيخ: لأمرين، لما سوى الأسود من الكلاب، كذا؟
وليخرج المرأة والحمار بالذات، وهذا هو المشهور من المذهب؛ يقولون: إن الصلاة لا تبطل إلا بمرور الكلب الأسود فقط، وانتبهوا أن المسألة بطلانها بالكلاب بثلاثة شروط: المرور، وأنه كلب، وأسود.
طالب: وبهيم.
الشيخ: وبهيم بعد، إذن أربعة، إذ اختل شرط واحد فلا بطلان.
[ ١ / ١٤٠٧ ]
المرأة والحمار؛ لا تبطل الصلاة، ونحن الآن نتكلم أولًا على الدليل على أن الكلب الأسود يبطل الصلاة، الدليل على ذلك ثلاثة أحاديث:
حديث أبي هريرة (١)، وحديث عبد الله بن مغفل (٢)، وحديث أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: «يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» وفي بعض هذه الأحاديث الإطلاق: «صَلَاة الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» مطلقًا «الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ»، وهذا ثابت في صحيح مسلم (٣)، وفي مسند الإمام أحمد (٤).
وقوله: «يَقْطَعُ» واضح أنه يبطل؛ لأن قطع الشيء فصْل بعضه عن بعض، تقول: قَطَعْتُ السلك: فصَلْت بعضه عن بعض، فإذا مرَّ أحد قطع الصلاة، ما عاد يمكن أن ينبني آخرها على أولها، فهذا هو الدليل، وهذا الدليل -كما سمعتم- يقتضي أن الذي يقطع الصلاة كم؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، ليس الكلب الأسود البهيم فقط، لكنهم قالوا: إن هذا مخصص بأدلة تخرج الحمار، وتُخرِج المرأة، أما الحمار فخصصوه بحديث ابن عباس حين جاء والنبي ﷺ يصلي في الناس بمنى، فمر بين يدي بعض الصف وهو راكب على حمار أتان، وأرسل الحمار ترتع، ولم ينكر عليه أحد. (٥)
قالوا: فهذا ناسخ لحديث أبي ذر، وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة؛ لأنه في آخر حياة النبي ﷺ، انتبهوا يا جماعة، وهل شروط التخصيص هنا تامة؟
يعني هنجيب عن هذا الحديث، نقول: شروط النسخ هنا غير تامة، بل ولا شروط التخصيص، أما النسخ فإن الرسول -﵊- لم يكن هذا الفعل في آخر لحظة من حياته؛ إذ من الجائز أن يكون حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، وأبي ذر بعد حجَّة الوداع، ومن شروط النسخ أن نعلم تأخُّر الناسخ.
[ ١ / ١٤٠٨ ]
ثانيًا: أن نقول: إن ابن عباس -﵄- لم يقل: إنه مر بين يدي الرسول ﷺ، بين يدي بعض الصف، ونحن نقول بموجب ذلك؛ أي أن المأموم لا يقطع صلاته شيء حتى الحمار؛ واضح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المرأة، قالوا: عندنا دليلان يدلان على أن المرأة لا تقطع الصلاة، ما هما؟
حديث عائشة التي غضبت ﵂ يوم قيل لها: إن المرأة تقطعُ الصَّلاةَ قالت: شَبَّهْتُمُونا بالحمير والكلاب؟ ! لقد كنت أنام بين يدي النبيِّ ﷺ معترضة وهو يُصلِّي في الليل (٦).
تقول: أنام معترضة بين يديه وهو يصلي بالليل، وهى امرأة ولَّا غير امرأة؟
طلبة: امرأة.
الشيخ: ولا تقطع صلاته، لو كان تقطع صلاته ما استمر في صلاته، واستدلوا بهذا، صاروا مع أم المؤمنين ﵂، ولكننا نقول: هذا الحديث ليس فيه دليل لكم؛ لماذا؟
لأن هذا ليس بمرور، والنبي ﵊ يقول: «إِذَا مَرَّ»، وفرق بين المرور والاضطجاع، ونحن نوافقكم على أن المرأة لو اضطجعت بين يدي المصلي لم تقطع صلاته.
قالوا: إن أبيتم هذا فعندنا دليل، وهو: أن النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي في بيت أُمِّ سَلَمة، فجاء عبدُ الله بن أبي سلمة -أو عُمرُ بن أبي سلمة- يريد أن يتجاوز بين يدي الرسول ﵊ فَمَنَعَهُ، فجاءت زينب طفلة صغيرة، فَمَنَعَها ولم تمتنع عَبَرَت، فلما سَلَّمَ النبيُّ ﷺ قال: «هُنَّ أَغْلَبُ» (٧)، ولم يستأنف؟
طلبة: الصلاة.
الشيخ: الصلاة، قالوا: فهذا دليل على أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة، نحن نجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذا الحديث ضعيف، ضعَّفه كثير من علماء الحديث، والضعيف لا تقوم به حجة.
الجواب الثاني: أن البنت صغيرة، والرسول ﷺ قال: المرأة، والمرأة إنما تكون؟
طلبة: بالغة.
[ ١ / ١٤٠٩ ]
الشيخ: كبيرة بالغة، ونحن نوافقكم على أن الصغيرة لا تقطع الصلاة، واضح؟ إذن ليس فيه دليل.
وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة: أن الصلاة تبطل بمرور المرأة والحمار والكلب الأسود، ولا مقاوم لهذا الحديث، ليس له مقاوم يُعارضه حتى نقول: إنه منسوخ أو مُخصَّص، بل تبطل ويجب عليه استئنافها، ولا نقول: تبطل ويستمر؟
طلبة: يستأنف.
الشيخ: يجب أن يستأنف، ولا يجوز أن يستمر حتى لو هي نفل؛ حتى لو كانت نفلًا، ومر واحد من هذه الثلاثة فإنه لا يجوز له الاستمرار؛ لأنه لو استمر لاستمر في عبادة فاسدة، والاستمرار في العبادات الفاسدات مُحرَّم، نوع من الاستهزاء بالله ﷿، كيف تتقرب إلى الله بما لا يرضاه الله؟ لأن الفاسد لا يرضاه الله، وإذا لم يرضه الله فإنه لا يجوز لك أن تتقرب إليه به.
ولهذا من قواعد أهل العلم: كل عقد فاسد، كل شرط فاسد، كل عبادة فاسدة، فإنه يحرم المضي فيها، لاحظ دي كل شرط فاسد، أو عقد فاسد، أو عبادة فاسدة، فإنه يحرم المضي فيها.
ولهذا لما شَرَطَ أهلُ بريرة الولاء لهم قام النبيُّ ﷺ فخطب الناس وقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ -أنكر عليهم- يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ» (٨).
وعلى هذا فنقول: إذا مر بين يديك أحد هؤلاء الثلاثة وجب عليك استئناف الصلاة، وحرم عليك أن تستمر فيها، وعرفتم الآن أدلة المعارضين والجواب عنها.
***
طالب: () والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وله التعوذ عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة، ولو في فرض.