[ ١ / ٢٠٠٥ ]
(فصل في موقف الإمام والمأمومين) (الإمام)؛ يعني معناه أين يقف الإمام؟ وأين يقف المأموم؟ هذا المراد بهذا الفصل، والإمام على اسمه إمام، فالأنسب أن يكون أمامًا؛ يعني أمام المصلين، فالإمام أمام حتى يتميز ويكون قدوة ومتبوعًا إلا إذا كان يلزم من تقدمه ألا يكون خلفه جماعة، فحينئذٍ يتأخر ولا يتقدم، فموقف الإمام يكون أمام المأمومين؛ لأنه إمامهم، وهكذا جاءت السنة؛ أن الإمام يقف أمام المأمومين، ويقف المأمومون خلفه؛ ولهذا قال: (يقف المأمومون خلف الإمام) قوله: (المأمومون) جمع، وأقل الجمع في باب الجماعة أقله؟
طالب: اثنان.
الشيخ: اثنان، وكان في أول الإسلام أن المأمومين لا يقفون وراء الإمام إلا إذا كانوا ثلاثة فأكثر، وأما إذا كانا اثنين فإنهما يقفان عن يمينه وشماله، هذا في أول الإسلام، ولكن هذا نُسِخ، وصار أقل الجمع في باب الجماعة؟ اثنين.
يقول: (يقف المأمومون) إذن المراد بالجمع هنا أيش؟ المراد به اثنان فأكثر خلف الإمام، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكونوا رجالًا أو نساءً حتى لو كان الرجل معه امرأتان فأكثر فإنهن يقفن خلفه. سبق لنا أن إمام العُراة يصلي؟
الطلبة: وسطهم.
الشيخ: وسطهم، وأن إمامة النساء تصلي وسطهن، وستأتي أيضًا إمامة النساء في كلام المؤلف هنا.
قال: (ويصح معه) الضمير في (يصح) يعود على الوقوف؛ يعني ويصح أن يقفوا معه -أي مع الإمام- عن يمينه (أو عن جانبيه)، عن يمينه كلهم، عن يمينه؛ يعني أن يكون المأمومان فأكثر عن يمينه أو عن جانبيه، وهذا هو الأفضل أن يكونوا عن جانبيه؛ لأن عبد الله بن مسعود ﵁ وقف بين علقمة والأسود وقال: هكذا رأيت النبي ﷺ فعل (١).
فالأفضل أن يكونوا عن اليمين وعن الشمال، فإذا كانوا ثلاثة مع الإمام، كيف يقفون؟
الطلبة: خلفه.
الشيخ: خلفه، لكن يجوز عن يمينه وشماله؟ نعم، يجوز؛ ولهذا قال: يصح معه عن يمينه أو عن جانبيه.
[ ١ / ٢٠٠٦ ]
إذا وقفوا معه وهم ثلاثة؟
الطلبة: اثنان عن اليمين، وواحد على الشمال.
الشيخ: اثنان عن اليمين.
الطلبة: وواحد على الشمال.
الشيخ: وواحد على اليسار، إذا كانوا أربعة؟
الطلبة: اثنين واثنين.
الشيخ: اثنان عن اليمين واثنان؟
الطلبة: عن اليسار.
الشيخ: عن اليسار.
قال: (ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه) قال: (لا قدامه)؛ يعني لا يصح أن يقف المأمومون قدام الإمام، فإن وقفوا قدامه فصلاتهم باطلة؛ لأنه قال: لا يصح قدامه؛ قدام الإمام.
ودليل ذلك أن النبي ﷺ كان يقف أمام الناس وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢). وهذا يعم الصلاة بأفعالها وعددها وهيئتها، وجميع أحوالها، ومنها الوقوف، والنبي ﵊ كان يقف -كما قلت لكم- أمام المصلين، فيكون الوقوف قدامه خلاف السنة، وحينئذٍ تبطل الصلاة.
وقال بعض أهل العلم: إن الصلاة لا تبطل؛ لأنه لم يَرِد عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة أمام الإمام، وغاية ما فيه أن هذا فعله، وقد وقف معه جابر وجبَّار، أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره، فأخذهما وردهما إلى خلفه، قالوا: فلما لم يكن فيه إلا الفعل كان مستحبًّا وليس بواجب، وإلى هذا ذهب الإمام مالك ﵀ وقال: إنَّ تقدم الإمام على المأمومين سُنَّة وليس بواجب، وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إنه إذا دعت الضرورة إلى ذلك صحت الصلاة قدام الإمام، صحت صلاة المأموم قدام الإمام وإلا فلا. والضرورة تدعو إلى ذلك متى؟
في أيام الْجُمع أو في أيام الحج في المساجد العادية فإن الأسواق تمتلئ، ويصلي الناس أمام الإمام، وشاهدناهم في المسجد النبوي يُصلُّون أمام الإمام، لكن للضرورة ما فيه أمكنة، هذا القول وسط بين القولين، وغالبًا ما يكون القول الوسط هو الوسط صح؟
الطلبة: صح.
الشيخ: كيف الكلام هذا؟ تحصيل حاصل الوسط هو الوسط؟
الطلبة: اثنان .. الأولى غير الثانية.
[ ١ / ٢٠٠٧ ]
الشيخ: نعم، الأولى غير الثانية، الوسط بين القولين هو الوسط؛ يعني هو الخيار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ليس معناه أنها بين الأمم، لا، نحن آخر الأمم، لكن وسطًا؛ أي عدلًا خيارًا، المهم أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذه المسألة هو الصحيح؛ أن الصلاة قدام الإمام صحيحة إذا دعت الضرورة إليها وإلا فلا.
إذا قال قائل: إن الدليل هنا فعلي، والقاعدة أن الدليل الفعلي لا يقتضي الوجوب؟
قلنا: هذا صحيح، لكن ظاهر فعل الرسول ﵊ حيث لم يُمكِّن جابرًا وجبَّارًا من الوقوف عن يمينه وشماله بل أخَّرهما، قد يقال: إن هذا يدل على وجوب تقدم الإمام إذا كان المأمومون اثنين فأكثر، لكن مع ذلك في النفس منها شيء، إنما القول الوسط هو الوسط؛ أنه عند الضرورة لا بأس به، وإذا لم يكن هناك ضرورة فلا.
طالب: شيخ، () مخالفة الإمام () من يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء يلزم () عن الإمام إلا في الثانية فقط ().
الشيخ: إي، والله في النفس من هذا شيء؛ لأن مخالفة الناس، وكونك تبقى واقفًا، أو لا تدخل المسجد إلا بعد أن يقوم للثانية.
الطالب: بسيطة ركعة ().
الشيخ: إي ولو، المخالفة ما هي طيبة، ولا نعم هذه يتخلَّص بها من مخالفة الإمام.
طالب: صلاة الرجلين بين الإمام، وأحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، لماذا نجيزها؟
الشيخ: لأن هذا هو السنة.
الطالب: () ما ورد ()؟
الشيخ: كيف؟ هذا هو السنة!
الطالب: عن النبي ﵊؟
الشيخ: عن النبي ﷺ، هذا حديث ابن مسعود، لكن ..
الطالب: أحدهما عن يمينه و..
الشيخ: إي نعم، كان في الأول المشروع أن الثلاثة يكون واحدًا عن اليمين، وواحد عن الشمال.
الطالب: هذا قبل أن يُنسخ.
[ ١ / ٢٠٠٨ ]
الشيخ: إي، نُسِخ مساواة الإمام لهما؛ يعني نُسِخ أن يكون الإمام واقف في موقفهم، لكن إذا دعت الحاجة إلى أن يقف في موقفهم أو أنهم اختاروا خلاف الأفضل نقول: الأفضل أن يكون واحد عن اليمين وواحد عن الشمال.
الطالب: أليس الإجماع انعقد على عدم الأخذ به؟
الشيخ: لا، أبدًا ولا فيه إجماع، ما فيه ولا تصريح بأنهم إذا كانوا اثنين فأكثر فالأفضل أن يكون عن اليمين أو الواجب أن يكون عن اليمين، ما فيه.
طالب: ثم أيضًا رفعه للنبي ﷺ لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: رفع هذا الحديث عن النبي ﷺ؟
الشيخ: ليش؟ في مسلم يا أخي!
الطالب: في مسلم؟
الشيخ: في مسلم يا أخي في مسلم (٣) من ثلاثة طرق أحدها صريح بالرفع، وابن مسعود يقول في الذي رواه أحمد يقول: هكذا فعل النبي ﵊، هكذا رأيت النبي الله عليه وسلم يفعل (٤). مرفوع صريح ما فيه إشكال.
طالب: شيخ، بالنسبة لهذا إذن الأفضل أن () الأفضل يعني عبرت قبل قليل هم اللي يجلسوا عن يمينه أو عن جانبيه، والأخير هو الأصل.
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: الأفضل من خلفه.
الشيخ: لا، هو الأفضل بين اليمين، وأن يكون بينهما، ولَّا الخلف ما فيه شك أن هو الأصل. ()
***
الطالب: آله وأصحابه أجمعين.
ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة، وإمامة النساء تقف في صفهن ويليه الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء كجنائزهم، ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة، أو من علم حدثَه أحدهما أو صبي في فرض ففذ، ومن وجد فرجة دخلها وإلا عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه، فإن صلى فذًّا ركعة لم تصح، وإن ركع فذًّا، ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أين يقف المأموم من الإمام؟
طالب: عن يمينه أو عن يساره، وهذا جائز و..
[ ١ / ٢٠٠٩ ]
الشيخ: عن يمينه أو عن يساره.
الطالب: عن يمينه، وعن جانبيه، وعن خلفه، هذا كله جائز.
الشيخ: السؤال: أين يقف المأموم من الإمام؟
الطالب: خلف الإمام.
الشيخ: خلف الإمام، ولو كان واحدًا؟
الطالب: ولو كان واحدًا عن يمينه.
الشيخ: إذن فصِّل!
الطالب: يعني: مأمومون هو الجمع، يمكن جمع اللغوي، ما هو الجمع الاصطلاحي الذي يطلق على ..
الشيخ: دعنا من التفصيل؛ يعني: إذا كان المأموم اثنين فأكثر، أين يقفون؟
الطالب: يقفون وراء الإمام.
الشيخ: أحسنت، إذا كان واحدًا؟
الطالب: يقف على يمينه.
الشيخ: على يمينه، تمام، هذا هو السنة، أيش؟
الطلبة: ().
الشيخ: نعم، هل يصح أن يقف الرجلان عن يمينه ويساره؟
طالب: نعم، يصح.
الشيخ: يصح، وعن يمينه فقط؟
الطالب: يصح.
الشيخ: وخلفه؟
الطالب: رجل واحد ولا اثنين؟
الشيخ: رجلان.
الطالب: يصح هذا الأفضل.
الشيخ: إذن كم موقفًا يكون؟
الطالب: ثلاثة مواقف.
الشيخ: ثلاثة مواقف.
الطالب: عن جانبيه، وعن يمينه، وخلفه.
الشيخ: وأيهما السنة؟
الطالب: السنة خلفه.
الشيخ: خلفه، تمام، ما تقول؟ هل يصح أن يقف المأموم قدام الإمام؟
طالب: المذهب لا يصح.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: الدليل فعل النبي ﷺ لما صف جابر وجبار عن جانبيه أخَّرهما بيده (٥) وأيضًا ..
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: وأيضًا الإمام ما سُمِّي إمامًا إلا لأنه أمام المأمومين فيتقدم عليهم.
الشيخ: هذا تعليل.
ما فيه دليل آخر غير قضية جابر وجبار؟
طالب: فعله ﷺ وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢).
الشيخ: نعم، فعله المتواتر، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
هل يصح قدامه للعذر؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: جزمًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: بلا خلاف؟
الطالب: بلا خلاف.
طالب آخر: فيه خلاف ضعيف.
الشيخ: ما يصح، يقولون: لا عبرة بإجماع ابن المنذر، إحنا نقول: لا عبرة بنقل الخلاف من؟
[ ١ / ٢٠١٠ ]
طالب: فيه خلاف واضح قول ابن مالك: تبطل.
الشيخ: تبطل؟
الطالب: لا تبطل مطلقًا، وقيل: تبطل، وقال ابن تيمية: تجوز للضرورة. فيه ثلاثة أقوال.
الشيخ: وين ما زينا شيئًا القول الأول؟
الطالب: القول الأول: يجوز للضرورة.
الشيخ: يجوز للضرورة.
الطالب: هذا قول ابن تيمية.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: القول الثاني: تبطل، والقول الثالث؟
الشيخ: يعني تبطل ولو للضرورة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ولو للضرورة.
الطالب: القول الثالث لا تبطل.
الشيخ: لا تبطل ولو لغير ضرورة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: صح، ما هو أرجح الأقوال؟
طالب: قول شيخ الإسلام ابن تيمية أنه عند الضرورة يجوز للمأمومين أن يتقدموا الإمام، وإن كان لغير ضرورة فلا تصح الصلاة.
الشيخ: فلا تصح يعني؛ لأن غاية ما فيه أن يكون تقدمه واجبًا، والواجب يسقط عند؟
الطالب: الضرورة.
الشيخ: عند الضرورة.
هل يجوز أن يكون قدام الإمام إذا كان في داخل الكعبة؟
الطالب: كيف؟
الشيخ: إي نعم، رجلان في داخل الكعبة، دخلا الكعبة فصليا فصار المأموم قدام الإمام.
الطالب: ما أدري.
الشيخ: ما تدري، تمام.
طالب: إذا كان من غير ضرورة.
الشيخ: من غير ضرورة.
الطالب: إذن يكون لا يجوز أن يصليا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: في داخل الكعبة؟
الشيخ: في داخل الكعبة نعم، فتحا الباب ودخلا، فصلى أحدهما بالآخر، فتقدم المأموم على الإمام؛ أي صار الإمام وراء المأموم.
الطالب: يجوز لأن جميعها قبلة.
الشيخ: جميعها قبلة.
الطالب: من أي جهة.
الشيخ: إي.
طالب: يجوز إذا كان المأموم ليس بظهر الإمام.
الشيخ: هذا السؤال: المأموم قدام الإمام؛ بمعنى أن الإمام وراء ظهره، سؤال واضح؟
طالب: الظاهر على كلا القولين لا يصح؛ لأن هنا ليست ضرورة حتى المذهب أصلًا لا يصح سواء ..
الشيخ: هو ما فيه ضرورة إطلاقًا أبدًا، ما فيه ضرورة.
الطالب: فلا يصح.
الشيخ: لا يصح.
طالب: لكن قالوا -يا شيخ-: يصح إذا جعل وجهه إلى وجه الإمام.
[ ١ / ٢٠١١ ]
الشيخ: لا بأس، لكن سؤالي الآن سؤال محدد؛ ظهره إلى وجه الإمام؟
الطالب: ظاهر المذهب أنه لا تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأنه أمامه؟
الطالب: لأنه أمامه.
الشيخ: فإن كان المأموم في جهة أخرى أقرب من الإمام؟
الطالب: تصح صلاته.
الشيخ: تصح؟
الطالب: إي نعم، ليس أقرب؛ لأنه ليس في جهة الإمام وليس ..
الشيخ: ليس في جهته، صحيح. قال المؤلف: (ولا عن يساره).
طالب: ما تكلمنا عليه.
الشيخ: تكلمنا عليه.
الطلبة: ما تكلمنا.
الشيخ: لا إله إلا الله!
الطلبة: ما تكلمنا.
الشيخ: إذا كانوا في جوف الكعبة فإنها تصح إلا إذا كان المأموم بين يدي الإمام؛ لأنه حينئذٍ يصير أمامه، لكن إن صار عن جانبيه أو وراءه أو مقابله؛ يعني وجهه إلى وجه الإمام؛ فإنها تصح لأنه ليس قدامه، ولا يصح أن يكون وجه إلى وجه الإمام، ليش؟ لأن الكعبة كلها قبلة، لكن لاحظوا أن المشهور من المذهب أن الكعبة لا تصح فيها الفريضة، ولكن الصحيح جواز ذلك كما سبق.
قال المؤلف ﵀: (ولا عن يساره)؛ يعني ولا تصح صلاة المأموم إن وقف عن يسار الإمام، لكن شرط مع خلو يمينه؛ والدليل على أن هذا شرط من كلام المؤلف أنه قال فيما سبق: (ويصح عن جانبيه)، إذن فمراد المؤلف أن الصلاة لا تصح عن يساره فقط؛ يعني لو صلى عن يسار الإمام، وليس عن يمين الإمام أحد فإن صلاة المأموم لا تصح.
صلاة الإمام هل تصح أو لا؟ نقول: إن بقي الإمام على نية الإمامة فإن صلاته لا تصح؛ لأنه نوى الإمامة وهو منفرد، أما إذا كان قد نوى الانفراد الإمام فإن صلاته صحيحة، وحينئذٍ نقول: صلاة المأموم عن يساره لا تصح، صلاة الإمام فيها تفصيل، ما هو التفصيل إن بقي على نية الإمامة؟
الطلبة: بطلت.
الشيخ: بطلت صلاته؛ لأنه نوى الإمامة وليس معه مأموم، وهذا خلاف الواقع، وإن نوى الانفراد فصلاته صحيحة. فإذا قيل: ما الدليل على أنها لا تصح عن يساره مع خلو يمينه؟
[ ١ / ٢٠١٢ ]
قلنا: دليل ذلك أن النبي ﷺ قام يصلي ذات ليلة من الليل، وكان ابن عباس ﵄ قد نام عنده، فلما قام يصلي دخل معه ابن عباس، ووقف عن يساره، فأخذ برأسه من ورائه فجعله عن يمينه (٦).
وهذا دليل على أن الصلاة عن يسار الإمام لا تصح؛ لأنها لو صحت لأقره النبي ﷺ على ذلك.
فإن قال قائل: هذا في النفل؟
فالجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول أن القاعدة أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، ويدل لهذه القاعدة تصرف الصحابة ﵃ حين ذكروا أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته في السفر، قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (٧)، فدل هذا على أن الأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض؛ ولهذا احتاجوا إلى استثناء الفريضة، وهذا الحديث يستفاد منه أيضًا أن الصلاة عند الإطلاق تشمل الفريضة والنافلة، هذا الدليل.
فإذا قال قائل: هذا في النفل؟
نقول: الجواب من وجهين:
الأول: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
الثاني: أن الغالب أن النفل يُتسامح فيه أكثر من التسامح في الفرض، فإذا لم يُتسامح في النفل عن يسار الإمام فعدم التسامح في الفرض من باب أولى.
هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، ولكن أكثر أهل العلم يقولون بصحة الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه، وأن كون المأموم الواحد عن يمين الإمام إنما هو على سبيل الأفضلية لا على سبيل الوجوب، واختار هذا القول شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، وقال: إن كونه عن يسار الإمام ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الاستحباب، ولو صلَّى عن يساره مع خلو يمينه فصلاته صحيحة.
[ ١ / ٢٠١٣ ]
ودفعوا الدليل، بل دفعوا الاستدلال بأن هذا فعل مجرد، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، هذه القاعدة الأصولية أن فعل النبي ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب؛ لأنه لو كان للوجوب لقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس: لا تعد لمثل هذا كما قال ذلك لأبي بكرة حين ركع قبل أن يدخل في الصف.
وهذا القول -كما ترون- قول جيد جدًّا؛ لأن القول بتأثيم الإنسان أو ببطلان صلاته بدون دليل تطمئن إليه النفس فيه نظر، فإن إبطال العبادة بدون نص كتصحيحها بدون نص، فهذا الرجل دخل في الجماعة وصلى، لكنه في مكان مفضول، فكيف نقول: إن صلاته تبطل، وأنه قد أتى إثمًا إلا بدليل واضح من الشرع، فهذا القول أرجح من القول ببطلان صلاته عن يساره مع خلو يمينه.
(ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة) يعني ولا تصح صلاة الفذ خلفه؛ يعني خلف الإمام، وهذا معلوم أنه ليس مع الإمام إلا مأموم واحد؛ يعني إذا كان إمام ومأموم فصلى المأموم خلف الإمام فإن صلاة المأموم لا تصح.
والإمام؟
الطلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إن بقي على نية الإمامة؟
الطلبة: لم تصح صلاته.
الشيخ: لم تصح صلاته؛ لأنه نوى الإمامة وليس معه أحد، وإن انفرد فصلاته صحيحة، أما المأموم فلا تصح صلاته، إذن أين يقف؟
الطلبة: عن اليمين.
الشيخ: عن يمينه إما وجوبًا، وإما استحبابًا، على الخلاف الذي سمعتم، كذلك الفذ خلف الصف لا تصح؛ لأنه منفرد، وقد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (٨)، وقال: وَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة (٩)، ولولا أنها فاسدة ما أمره بالإعادة؛ لأن الإعادة إلزام وتكليف في أمر قد فُعِل وانتُهي منه، فلولا أن الأمر الذي فُعل وانتُهي منه فاسد ما كُلِّف الإنسان بإعادته؛ لأن هذا يستلزم أن تجب عليه العبادة، كم؟
الطلبة: مرتين.
[ ١ / ٢٠١٤ ]
الشيخ: مرتين، وهذا لا نظير له. إذن نقول: صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح، ودليل ذلك قول وفعل من الرسول ﵊، بل هو قول محض:
القول الأول: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
الثاني: أنه رأى رجلًا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة.
وذهب أكثر أهل العلم إلى صحة الصلاة منفردًا خلف الصف بدون عذر، وقال بعض العلماء: في ذلك تفصيل؛ فإن كان لعُذر صحت الصلاة، وإن لم يكن له عذر لم تصح الصلاة.
فالأقوال إذن ثلاثة: الصحة بكل حال، وهو قول أكثر أهل العلم، والفساد بكل حال، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد ﵀، والثالث: التفصيل بأنه إن كان لعذر صحت وإلا فلا. تعيد علينا الأقوال.
الطالب: إذا كان في قول أن يكون بطلت صلاته إذا كان لغير عذر.
الشيخ: ولعذر؟
الطالب: ولعذر باطل.
الشيخ: يعني لعذر ولغير عذر تبطل.
الطالب: تبطل نعم.
الشيخ: وقول؟
الطالب: يقال: إذا كان لعذر صحت، وإن كان لغير عذر لم تصح.
الشيخ: ثالثًا؟
طالب: تصح مطلقًا.
الشيخ: تصح بكل حال لعذر أو لغير عذر، نضرب المثل؛ لو أتيت والصف فيه سعة، وصليت خلف الصف، فصلاتك على هذا القول؟
الطلبة: باطلة.
الشيخ: على القول الأخير؟
الطلبة: صحيحة.
الشيخ: فصلاتك صحيحة، لكن هذا خلاف الأفضل، وهذا القول مذهب مالك ﵀، والشافعي ﵀، وأبي حنيفة ﵀، وهو نصف مذهب الإمام أحمد، نصف مذهبه كيف هذا؟
الطلبة: رواية.
الشيخ: رواية ثانية عن أحمد، إذن ثلاثة مذاهب ونصف على أن صلاته صحيحة ولو بلا عذر حتى لو كان في الصف سعة.
ولكن قالوا: لأن هذا الرجل صلى مع الجماعة، وفعل ما أُمر به، إنما جُعل الإمام ليؤتم به، وقد ائتم بإمامه فكبَّر حين كبر، وركع حين ركع، ورفع حين رفع، ولم يشذ عن إمامه بشيء فحصل المقصود قالوا: ولأن ابن عباس لما أداره الرسول ﵊ إلى يمينه انفرد، كيف الانفراد؟ جزء يسير.
[ ١ / ٢٠١٥ ]
قالوا: والمفسد للصلاة يستوي فيه الكبير والقليل كالحدَث، فلو أن الانفراد مبطل لبطلت صلاة عبد الله بن عباس، أُورد عليهم: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (١٠)، فقالوا: هذا النفي نفي للكمال كقوله: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (١١)، ومعلوم أن الإنسان لو صلى بحضرة الطعام فصلاته صحيحة، ولو صلى وهو يدافعه الأخبثان -يعني البول والغائط- فصلاته صحيحة، إذن فالنفي هنا نفي للكمال لا للصحة، ونحن نقول بأن الأكمل والأفضل أن يدخل في الصف.
أورد عليهم أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة (٩) فقالوا: هذا الحديث في صحته نظر، وإذا صح فلعل هناك شيئًا أوجب أن يأمره النبي ﵊ بإعادة الصلاة وهذه قضية عين لا نجزم بأن السبب هو كونه يصلي خلف الصف، ولكن هذه الأدلة التي استدلوا بها فيها نظر.
أما قولهم: إنه فَعَل ما أُمِر به من المتابعة، فهذا صحيح، لكن هناك واجبات أخرى غير المتابعة وهي المصافة؛ فإن المصافة واجبة، فإذا ترك واجب المصافة بطلت صلاته، وأما قوله: إن قوله: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» نفي للكمال، فهذا مردود؛ لأن النفي إذا وقع فله ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن يكون نفيًا للوجود الحسي، فإن لم يمكن فللوجود الشرعي، وهو نفي الصحة، فإن لم يمكن بأن قام الدليل على صحة المنفي فهو لنفي الكمال، الحديث الذي معنا لا يمكن أن يكون نفيًا للوجود؛ لأنه من الممكن أن يصلي الإنسان خلف الصف منفردًا.
إذن ليس نفيًا للوجود قطعًا، نفي للصحة؟ نعم، نقول: هذا هو الأصل أنه نفي للصحة؛ والصحة هي الوجود الشرعي، يعني إذن نقول: هذا الحديث نفي للصحة؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على أنه نفي للكمال.-
[ ١ / ٢٠١٦ ]
المرتبة الثالثة: إذا لم يكن نفيًا للصحة فهو نفي للكمال، مثل قوله ﵊: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (١٢) هذا النفي لأيش؟
الطلبة: للكمال.
الشيخ: للكمال؛ لأن من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه لا يكون كافرًا، لكن ينتفي عنه كمال الإيمان فقط، فالحديث الذي معنا نقول: إنه نفي للوجود الشرعي وهو الصحة.
وتنظيرهم بقوله ﵊: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» (١١) فيه نظر؛ لأن العلة بنفي الصلاة بحضرة طعام هي تشويش الذهن وعدم ارتياح المصلي وقد دلت السنة على جواز الصلاة مع تشويش الذهن ومع التفكير؛ فإن الرسول ﵊ كان إذا سمع بكاء الصبي أسرع في الصلاة (١٣)، أوجز لئلا تفتتن أمه، وأمه سوف تبقى في صلاتها، لكن يُشوِّش عليها صياح ولدها، وأيضًا أخبر النبي ﵊ «أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي إِلَى الْمُصَلِّي فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا» (١٤)، لما لم يذكره، وهذا لا شك أنه يوجب غفلة القلب، فيدل هذا الحديث والذي قبله على أن مجرد التشويش لا يبطل الصلاة، فيكون قوله: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» ليس موجبًا لبطلان الصلاة، فبطل التنظير، دليلهم الثالث ما هو؟
طالب: ابن عباس.
الشيخ: أنه أن ابن عباس انفرد حين أقامه النبي ﵊ عن يمينه، أخذ برأسه من ورائه فأقامه عن يمينه (٦) نقول: هذا الانفراد انفراد جزئي، ونحن لا نقول ببطلان الصلاة إذا انفرد الإنسان بمثل هذه الصورة؛ يعني لو أن شخصًا جاء وكبَّر وهو يعرف أن خلفه رجل أو رجلان سيأتيان معه، فلا بأس ما دامت الركعة لم تفته فإنه لا بأس أن تُصبح صلاته صحيحة، وهذه اللحظة التي جرت لا يقال: إن هذا الرجل صلى منفردًا خلف الصف أو خلف الإمام، فهذا أيضًا ضعيف، الاستدلال بحديث ابن عباس ضعيف.
[ ١ / ٢٠١٧ ]
إذن فالقول الراجح أن الصلاة خلف الصف منفردًا غير صحيحة، بل هي باطلة يجب عليه إعادتها، ولكن إذا قال قائل: أفلا يكون القول الوسط هو الوسط، وأنه إذا كان لعُذر صحت الصلاة؟
الجواب: بلى، القول الوسط هو الوسط، وأنه إذا كان لعُذر صحت الصلاة؛ لأن نفي الصحة -أي صحة صلاة المنفرد خلف الصف- يدل على وجوب الدخول في الصف؛ لأن نفي الصحة لا يكون إلا بفعل مُحرَّم فهو دال على وجوب المصافة، والقاعدة المقررة الشرعية أنه لا واجب مع العجز؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فإذا جاء هذا الرجل ووجد الصف قد تم فإنه لا مكان له في الصف، وحينئذٍ يكون انفراده لعُذر فتصح صلاته، وهذا القول وسط، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشيخنا عبد الرحمن بن السعدي، وهو الصواب أنه إذا كان الصف تامًّا فالصلاة خلفه صحيحة؛ لأنه إنما ترك وجوب المصافة لعذر، ومن تَرَكَ الشيء لعذر فإنه لا يكون واجبًا في حقه إن كان واجبًا ولا حرامًا في حقه إن كان محرمًا، ولهذا نقول للرجل إذا جاء وخاف على نفسه الموت أو الضرر، نقول: كل من الميتة، والأكل من الميتة حينئذٍ حلال، الواجب كذلك إذا عجز عنه الإنسان لم يكن واجبًا في حقه، وحينئذٍ يصلي ولا حرج عليه.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون بأن يجذب أحد الناس من الصف؟
فالجواب أننا لا نقول بذلك؛ لأن هذا يستلزم محاذير:
المحذور الأول: التشويش على الرجل المجذوب.
والثاني: فتح فرجة في الصف، وهذا قطع للصف، ويُخشى أن يكون هذا من باب قطع الصف الذي قال فيه الرسول ﵊: «مَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» (١٥).
الثالث: أن فيه جناية على المجذوب؛ مِنْ نقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول.
[ ١ / ٢٠١٨ ]
الرابع: أن فيه جناية على كل الصف؛ لأن جميع الصف سوف يتحرك لانفتاح الفرجة من أجل سدها، فكل هذه المحاذير تحصل.
فإن قال قائل: أفلا نأمره أن يصلي إلى جنب الإمام؟
قلنا: لا نأمره أن يصلي إلى جنب الإمام، لماذا؟ لأن في ذلك محذورين مؤكدين في الغالب المحذور الأول. ()
فإذا قدرنا أن المسجد فيه عشرة صفوف، جاء الإنسان في آخر صف ما وجد مكانًا، وقلنا: اذهب إلى جنب الإمام، كم يتخطى؟
الطلبة: عشرة صفوف.
الشيخ: عشرة صفوف، مشكلة هذه! أيضًا إذا وقف إلى جانب الإمام خالف السنة في انفراد الإمام بمكانه؛ لأن الإمام موضعه التقدم على المأموم، فإذا شاركه أحد في هذا الموضع زالت الخصوصية.
ثالثًا: أننا إذا قلنا: تقدم إلى جنب الإمام، ثم جاء آخر قلنا له: تقدم إلى جنب الإمام، ثم ثانٍ وثالث حتى يكون عند الإمام صف كامل، لكن لو وقف هذا خلف الصف لكان الداخل الثاني يصف إلى جنبه فيكونان صفًّا بلا محذور.
فإن قال قائل: لماذا لا تأمرونه أن يبقى فإن جاء معه أحد وإلَّا صلى وحده منفردًا ليس مع الإمام؟
قلنا: في هذا محذور، بل محذوران:
المحذور الأول: أنه ربما ينتظر فتفوته الركعة، وربما تكون هذه الركعة هي الأخيرة فتفوته الجماعة.
المحذور الثاني: أنه إذا بقي وفاتته الجماعة فإنه حُرم الجماعة في المكان وفي العمل، وإذا دخل مع الإمام وصلى وحده منفردًا فإننا نقول: على أقل تقدير حُرم المكان فقط، أما العمل فقد أدرك الجماعة، فأيما خير أن نحرمه الجماعة في العمل والمكان أو في المكان فقط؟
في المكان فقط، هذا لو قلنا بأنه في هذه الحال يكون مرتكبًا لمحذور، مع أن القول الذي لا شك فيه عندي أنه إذا تعذَّر الوقوف في الصف فإنه إذا صف وحده لم يرتكب محذورًا، هذا هو تقرير هذه المسألة، ولكن بماذا يكون الانفراد؟
[ ١ / ٢٠١٩ ]
يكون الانفراد إذا رفع الإمام رأسه من الركوع، ولم يدخل معه أحد، فإن دخل معه أحد قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع أو انفتح شيء في الصف، ودخل في الصف فإنه في هذه الحال يزول عنه الفردية.
قال المؤلف ﵀: (ولا الفذ خلفه، أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة) إلا أن يكون مَنْ؟ الضمير يعود على مَن؟
الطلبة: المأموم.
طالب: الإمام.
طالب: المنفرد.
الشيخ: (ولو فذ خلفه إلا أن يكون امرأة).
الطلبة: على الفذ.
الشيخ: يعود على الفذ، يعني إلا أن يكون الفذ امرأة خلف رجل، أو خلف الصف أيضًا، فإن صلاتها تصح، ودليل ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ هو ويتيم خلف النبي ﷺ، وصلَّت المرأة خلفهم (١٦)، فدل هذا على أن المرأة يصح أن تصلي منفردة خلف الصف.
وهذا ينبغي أن يضاف إلى دليل الجمهور الذين قالوا: إن صلاة الفذ خلف الصف صحيحة فإنهم استدلوا أيضًا بهذا، قالوا: صلاة المرأة خلف الصف صحيحة، والأصل تساوي الأحكام بين الرجال والنساء، لكن هذا يسهل الرد عليه؛ بأن نقول: المرأة ليس لها محل في مصاف الرجال أبدًا، الشريعة تحارب اجتماع المرأة مع الرجل حتى في أماكن العبادة، ولهذا قال النبي ﵊: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا» (١٧)؛ لأنها أبعد عن الرجال.
إذن قالوا: نقول: إلا المرأة فإنها تكون خلف الصف، ودليله حديث أنس بن مالك ﵁.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون المرأة تصلي مع جماعة رجال أو مع جماعة نساء، ولكن هذا الظاهر ليس بمراد، بل نقول: إن المرأة مع جماعة النساء كالرجل مع جماعة الرجال؛ يعني أنه لا يصح أن تقف خلف إمامتها، ولا خلف صف نسائها، بل إذا كن نساءً، فإن المرأة يجب أن تكون في الصف، ولا يصح صلاتها خلف الصف، ولا خلف الإمام إذا لم يكن معها أحد، خلف الإمام من النساء إذا لم يكن معها أحد.
[ ١ / ٢٠٢٠ ]
طالب: ما رأيكم يا شيخ () على جواز تكوين صف كامل بجانب يمين الإمام مع وجود فضاء في آخر الصف في آخر؟
الشيخ: لا، هذا غلط، استدلاله غلط.
الطالب: شيخ ()؟
الشيخ: لأن ما فيه رجل آخر.
الطالب: لكن فيه فراغ في المسجد أولى.
الشيخ: إي، لكن ما فيه رجل آخر، أصله ابن عباس، ما هو في المسجد في البيت، ولا في إلا رجل واحد، يعني لو جاء رجل آخر مع ابن عباس وصف عن يمين ابن عباس تم الاستدلال.
الطالب: لو جه صلى على يسار الإمام؟
الشيخ: () اللي صار.
الطالب: لو صف عن اليمين، ولو رجل أو رجلان على يسار الإمام، وفي فضاء في آخر المسجد؟
الشيخ: هو الأفضل إذا صاروا اثنين فأكثر أن يكون الإمام متقدمًا هذا الأفضل.
طالب: إذا دخل رجل المسجد كان آخر الصف نساء يصلي خلفهم ولا ..؟
الشيخ: كيف ويش لون؟
الطالب: دخل رجل المسجد، فوجد النساء آخر الصف ..
الشيخ: نساء! وجد أيش؟
الطالب: الصف الأخير، هل يصلي خلفهم ولا يترك؟
الشيخ: وحده ولا معه أحد؟
الطالب: وحده.
الشيخ: ما تصح صلاته خلف الصف؛ لأنه تقدم غالبًا أن النساء ما يتصلن بالرجال.
الطلبة: في الحرم يا شيخ؟
الشيخ: نعم، إذا كان في الحرم، وتأكدت أن ما فيه أمامهن صف للرجال صلى وراءهن ما فيه مانع.
الطالب: الفعل المجرد يا شيخ دائمًا لا يدل على الوجوب؟
الشيخ: إي نعم، هذا هو الأصل، يدل على المشروعية فقط.
الطالب: إذا كان الصف طويلًا يا شيخ وآخر ركعة، والرجل هذا دخل فكونه ينتقل أو يذهب إلى آخر الصف تفوته الصلاة، هل له أن يقف وحده؟
الشيخ: لا، ليس له أن يقف.
الطالب: ولو كانت تفوته الصلاة كلها.
الشيخ: ولو كانت حتى لو هي الجمعة، لو كانت الجمعة.
طالب: شيخ، العذر هل يكون بغير تمام الصف؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: العذر يكون بغير تمام الصف؛ يعني أثناء الصف، يعني كمن يكون معه طفل لا يستطيع إدخاله النجاسة ونحوها فيصلي قرب الباب.
الشيخ: خارج المسجد يعني؟
[ ١ / ٢٠٢١ ]
الطالب: لا، داخل المسجد بس قريب من الخارج في آخر المسجد.
الشيخ: هو على الظاهر أن هذا ليس بعذر؛ لأن هذا ليس يتعلق بصلاة الجماعة.
الطالب: يُعذر بترك الجماعة؟
الشيخ: إي، يُعذر بترك الجماعة.
طالب: جزاكم الله خيرًا، استدل الجمهور بما قال جماعة أن هذا الحديث ضعيف: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (٨) ما ردينا على () الحديث ضعيف.
الشيخ: الحديث أن رأى رجلًا يصلي خلف الصف ..
الطالب: إي: قلنا: إنه ضعيف.
الشيخ: قلنا: فيه نظر، لكن مجموعًا لا شك أنه دليل؛ يعني بمجموع الحديثين لا شك أنه دليل، نعم ما فيه شك.
طالب: وجوب () يقف في الصف.
الشيخ: المشهور من المذهب أنه يلزمه أن يرجع، يتبع الذي جذبه، لكن فيه نظر؛ لأن الجذب أصله منهي عنه.
طالب: شيخ، أوقات يكون () صغير، ويعني لا بد أن يصب عن يمين الإمام وعن يساره ()، هل يتقدم الإمام ولا يكون مساويًا عند ()؟
الشيخ: إي، يعني يقول: إذا وقف المأموم الواحد أو الاثنين إلى جنب الإمام، هل يتقدم الإمام أو لا؟ نقول: لا يتقدم؛ لأن المأموم إذا وقف مع الإمام صار صفًّا، والسنة في الصف أيش؟
طالب: التساوي.
الشيخ: التسوية إي نعم، ولهذا ما يوجد في بعض الكتب المقررات في المدارس، خلينا الإمام مع المأموم بينهما ()، هذا خطأ.
الطالب: شيخ، ما يتميز الإمام؟
الشيخ: يتميز بأن ..
الطالب: أنا رأيت مساجد كان يعني ناس مأمومين كثير، وما فيه مكان يعني المسجد ()، فلازم الإمام يصف عن اليمين، وعن الشمال لازم يتقدم عشان يعرف أن هذا الإمام، إذا ركع يركع بعده، وإذا قام ..
الشيخ: سؤال: هل هذا صف أو لا؟
الطالب: إي، صف.
الشيخ: ما المشروع في الصف؟
الطالب: التسوية.
الشيخ: انتهى.
الطالب: يتميز.
الشيخ: لا، يتميز بأنه يتقدم في التكبير والسجود والركوع، هذا التميز.
[ ١ / ٢٠٢٢ ]
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في بعض المساجد يجعلون حد الصف على البساط، فإذا انتهى البساط ينتقلون إلى الصف الثاني، فهل هذا يُعذر إذا ..؟
الشيخ: لا، هذا ليس بعذر، ما دامت الأرض طاهرة، فإنه ليس بعذر؛ أحيانًا يكون البساط ما يستوعب المكان، بعض الناس إذا انتهى البساط راح يصف في الصف الثاني، هذا ما هو صحيح.
الطالب: في الطريق يا شيخ.
الشيخ: نعم، له طريق؛ لأن إذا كان فيه سعة؛ يعني معك أحد بيصف لا بأس، ما يخالف، لو معك أتممت الصف الأول، لكن هذا لا يعتبر ضرورة.
طالب: () يا شيخ.
الشيخ: نعم، الحد
الجدار.
طالب: أحسن الله إليك، لو مثلًا دخل المسجد ووجد الصف كاملًا، ولكن وجد صغيرًا في الصف، هل يجوز سحبه؟
الشيخ: هذا يجوز على قاعدة العامة: (من قوي عظيم اكسره).
أما شرعًا فلا، مَن سبق إلى شيء فهو أحق به ().
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: وإمامة النساء تقف في صفهن، ويليه الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء كجنائزهم، ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو من عَلِم حدثه أحدهما أو صبي في فرض ففذ، ومن وجد فرجة دخلها وإلا عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه فله أن يُنبِّه من يقوم معه، فإن صلى فذًّا ركعة لم تصح، وإن ركع فذًّا، ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن المأموم الواحد له أربعة مواقف؟
طالب: الموقف الأول: يقف تجاه الإمام على يمين الإمام.
الشيخ: يمين الإمام، والثاني؟
الطالب: والثاني: خلف الإمام.
الشيخ: طبعًا أنت تذكر المواقف الممنوعة والجائزة؟
الطالب: نعم، أن يقف عن يمينه.
الشيخ: هذا واحد، أن يقف عن يمينه، والثاني؟
الطالب: عن يساره.
الشيخ: أن يقف عن يساره، والثالث؟
[ ١ / ٢٠٢٣ ]
الطالب: خلفه وأمامه.
الشيخ: والثالث أن يقف خلفه، والرابع أن يقف أمامه، ما الذي يصح من هذه المواقف؟
الطالب: الأول، الذي يصح عن يمينه إذا كان منفردًا مع الإمام.
الشيخ: إحنا قلنا: واحد، كلامنا الآن السؤال عن المأموم الواحد؟
الطالب: المأموم الواحد.
الشيخ: إذن الذي يصح من هذه المواقف أن يقف عن يمينه. طيب إن وقف عن يساره؟
الطالب: تصح.
الشيخ: تصح، على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: لا، يشترط المؤلف عدم خلو اليمين.
الشيخ: ما فيه إلا واحد يا أخي.
الطالب: إذن لا تصح على قول المؤلف.
الشيخ: على كلام المؤلف لا تصح، الدليل؟
الطالب: نعم، يستدل بحديث عبد الله بن عباس أنه صلى مع النبي ﷺ عن يساره، فأخذه النبي من خلفه وأداره حتى وقف عن يمينه (٦).
الشيخ: حتى جعله عن يمينه. فيه قول ثان؟
الطالب: في هذه المسألة؟
الشيخ: إي نعم، إذا وقف عن يساره؟
الطالب: فيه قول ثان.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: هو أنه جائز، بس هو ترك الأفضل ..
الشيخ: يعني أن الصلاة صحيحة.
الطالب: الصلاة صحيحة.
الشيخ: لكن ترك الأفضل. كيف يجيبون عن حديث ابن عباس؟
الطالب: يجيبون عن حديث ابن عباس أنه لأي شيء، فهذا في النافلة، يجيبون عن حديث ابن عباس أي شيء الرسول ﵊ حوله إلى المكان الأفضل، وهذا ما يقتضيه () هذا عمل عين على شخص معين.
الشيخ: ما ضبطت.
طالب: يقال: إنه مجرد الفعل، والثاني.
الشيخ: نعم، والفعل المجرد عند الأصوليين يدل على الاستحباب فقط.
الطالب: وقال العلماء: إنه جزء من الصواب، والخلاف الذي وقع بينه وبينهما بالركعة.
الشيخ: لا، ما هو هذا، هذا مثال ثانٍ، الجواب أنه مجرد فعل، والفعل عند الأصوليين لا يدل على الوجوب.
طيب إذا وقف خلفه؟
طالب: إذا وقع خلفه ما يصح صلاته.
الشيخ: لا تصح الصلاة. إذا وقف أمامه؟
الطالب: لا يصح الصلاة.
الشيخ: لا تصح الصلاة، هذا ما فيه إشكال. موقف الاثنين فأكثر، كم موقفًا لهما؟
[ ١ / ٢٠٢٤ ]
الطالب: موقفان.
الشيخ: نريد الممنوع والجائز؟
الطالب: عن جانبيه، ومن خلفه.
الشيخ: اضبط عن جانبيه، هذا واحد.
الطالب: ومن خلفه.
الشيخ: ومن خلفه، اثنين.
الطالب: موقف الاثنين أو الجماعة؟
الشيخ: الاثنين، هو الاثنين جماعة في باب الجماعة.
الطالب: عن يمينه.
الشيخ: وعن يمينه.
الطالب: وعلى القول الراجح عن يساره.
الشيخ: دعني من القول الراجح، أعطني المواقف الآن، وبعدين نشوف الأحكام.
الطالب: نعم، وعن يساره.
الشيخ: وعن يساره.
الطالب: بس.
الشيخ: بس! تأمل يا أخي، فكِّر بعقلك، لا تقعد، لا تفكر أو تذكَّر ما سبق، فكِّر بعقلك، عن يمينه، وعن يساره، وعن جانبيه، هذه ثلاثة؟
الطالب: وقدامه.
الشيخ: وقدامه، أربعة.
الطالب: وخلفه.
الشيخ: وخلفه، كم؟
الطالب: خمسة.
الشيخ: خمسة، إي، ما الذي زاد عن المفرد عن الرجل الواحد؟
الطالب: عن جانبيك.
الشيخ: عن جانبيك؛ لأن الواحد ما يمكن أن يكون عن جانبيك، ولَّا يمكن؟
الطالب: لا يمكن.
الشيخ: الواحد ما يمكن عن جانبيه؟
الطالب: إذا التصقوا!
الشيخ: طيب، ما الذي يصح من هذه المواقف الخمسة؟
الطالب: عن جانبيه.
الشيخ: نعم.
الطالب: () أن يكونوا خلفه، وعن جانبيه، وعن يمينه، وعلى القول الراجح عن يساره.
الشيخ: لا، المهم، المتفق عليها ثلاث. عن اليسار؟
طالب: لا يصح على المذهب.
الشيخ: القول الثاني: يصح مع فوات الفضيلة. وقدامه؟
الطالب: لا، ما يصح.
الشيخ: وخلفه؟
الطالب: خلفه يصح.
الشيخ: يصح، وهو الأفضل. تمام، وقد ذكرنا الأدلة في هذا.
[ ١ / ٢٠٢٥ ]
قال المؤلف ﵀: (وإمامة النساء تقف في صفهن) يعني إذا صلى النساء جماعة فإن إمامتهن تقف في الصف في صفهن؛ لأن ذلك أستر، والمرأة مطلوب منها أن تتستر بقدر المستطاع، ومن المعلوم أن وقوفها بين النساء أستر من كونها تتقدم بين أيديهن، هذا ما ذهب إليه المؤلف محتجًّا بما رُوي عن عائشة وأم سلمة ﵃ أنهن إذا أممن النساء وقفن في الصف؛ في صفهن، وهذا فعل صحابي، والعلماء -﵏- مختلفون في فعل الصحابي.
وقوله: إذا لم يثبت له حكم الرفع، هل يكون حجة أو لا؟ والأصح أنه حجة ما لم يخالفه نص، فإن خالفه النص فالْحُجَّة في النص، أو يخالفه صحابي آخر، فإن خالفه صحابي آخر طُلب المرجِّح، هذا هو القول الصحيح فيما يقوله الصحابي، ويُفرَّق بين الصحابي الفقيه من غير الفقيه؛ لأن الفقيه لا شك أن قوله أقرب إلى الصواب من غير الفقيه.
وأفادنا المؤلف -﵀- في قوله: (وإمامة النساء) أن الجماعة تنعقد بالنساء وحدهن؛ لأن كونها يُثْبَت لها حكم وهو وقوف الإمامة بينهن يدل على أنها مشروعة؛ لأن غير المشروع باطل، وما تعلق من أحكام فهو باطل، وهو كذلك أي أن النساء يُسَنُّ لهن صلاة الجماعة منفردات عن الرجال، وسبق لنا في أول كتاب صلاة الجماعة الخلاف في هذه المسألة، وأن بعض أهل العلم قال: يسن، وبعضهم قال: يباح، وبعضهم قال: يُكره.
[ ١ / ٢٠٢٦ ]
وقوله: (إمامة النساء تقف في صفهن) لم يتكلم عن وقوف المرأة مع المرأة الواحدة، ووقوف المرأة مع المرأة الواحدة كوقوف الرجل مع الرجل الواحد، إن وقفت عن يسارها أو أمامها أو خلفها فإنها لا تصح صلاتها، كما أن الرجل لو وقف عن يسار الرجل أو أمامه أو خلفه لم تصح صلاته، وإن وقفت عن يمينها صحت صلاتها كالرجل تمامًا، وسبق لنا في باب ستر العورة أن إمام العُراة يقف بينهم وجوبًا ما لم يكونوا عميًا أو في ظلمة، فإن كانوا عميًا أو في ظلمة وقف أمامهم، وإنما أوجبنا أن يقف إمام العراة بينهم؛ لأن ذلك أستر، ولكن هل يتصور أن يكون عراة جماعة؟
طالب: يتصور.
الشيخ: يتصور؟
الطالب: ()، لكن كلهم ما لهم ثياب ..
الشيخ: ما لهم ثياب؟ نعلم أن هذه العراة، هذا ما نسأل عنه، لكن كيف يتصور؟ إيه صورتها؟
الطالب: صورتها يا شيخ؟
الشيخ: صورة عراة جماعة، جماعة عراة.
الطالب: ().
الشيخ: كيف يتصور، الآن تتصور ناس يجوا للمسجد عراة؟ !
طالب: إذا كان للضرورة.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل اللي يدخل () ثيابهم جميعًا ().
الشيخ: ما يستعيرون من جيرانهم؟
الطالب: ()! !
طالب: افرض ما عندهم ملابس؟ !
طالب آخر: هذا لو () يا شيخ.
الشيخ: لا، هو يمكن -بارك الله فيكم- في قطاع الطريق يقفون للناس، وشيء واقع نُحدَّث عنه، نسأل الله العافية، يعني يقفون للناس يأخذون ثيابهم حتى إنهم دخلوا إلى البلد هذه عراة، لما وصلوا إلى البلد وهم عراة انتظروا حتى أظلم الليل فدخلوا إلى بيوتهم، فهذا ممكن، يمكن يكون قطاع طريق يعترضون المسافرين، ويأخذون ما معهم حتى الثياب، فإذا حصل مثل هذا فإنهم يُصلون جماعة، ويكون الإمام بينهم؛ لأن ذلك أستر.
إذن يُستثنى من تقدم الإمام مسألتان، ما هما؟ إمامة النساء والعراة؛ أما إمامة النساء فعلى سبيل الاستحباب، وأما إمامة العراة فعلى سبيل الوجوب إلا إذا كانوا عُمْيًا أو في ظلمة فإنه يتقدم.
[ ١ / ٢٠٢٧ ]
قال المؤلف: (ويليه الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء) (يليه) ضمير المفعول به يعود على الإمام. (الرجال) وهم البالغون؛ لأن الرجل إنما يكون للبالغ، فإذا أراد أن يصف الناس، إذا أرادوا أن يصفوا قدمنا الرجال البالغين (ثم الصبيان، ثم النساء) في الخلف.
الدليل قول النبي ﷺ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (١٨). وهذا أمر، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، وعليه فنقول: إذا أراد جماعة أن يصلوا ومعهم رجال وصبية ونساء يُقدم الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء؛ ولأن المعنى يقتضي ذلك؛ أي يقتضي أن يتقدم الرجال؛ لأن الرجال أضبط فيما لو حصل على الإمام سهو، أو خطأ في آية، أو ما أشبه ذلك، أو احتاج إلى أن يُخلِّف، مثل: طرأ عليه عذر وخرج من الصلاة، فكون الرجال هم الذين يلونه أوْلى نظرًا، كما أنه أولى أثرًا؛ فالأثر والنظر يدل على أنه الذي يلي الإمام مَن؟
الطلبة: الرجال.
الشيخ: الرجال، ثم بعد ذلك الصبيان؛ لأن الصبيان ذكور، وقد فضَّل الله الذكور على الإناث، فهم أقدم من النساء، ثم بعد ذلك النساء؛ لأن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا» (١٧)، وهذا يدل على أنه ينبغي تأخر النساء عن الرجال.
[ ١ / ٢٠٢٨ ]
وأما حديث: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» (١٩) فهو ضعيف، لا يُحتجُّ به، لكن يحتج بهذا الحديث الذي ذكرت لكم: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا». ويلزم من ذلك أن تتأخر صفوف النساء عن صفوف الرجال، وهذا الترتيب الذي ذكرناه واستدللنا عليه بالأثر والنظر ما لم يمنع منه مانع، فإن منع منه مانع بحيث لو جمعنا الصبيان بعضهم إلى بعض لحصل في ذلك لعب وتشويش، فحينئذٍ لا نجمع الصبيان بعضهم إلى بعض، وذلك لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكانها، وهذه قاعدة فقهية، ولهذا قال العلماء: الرَّمَل في طواف القدوم أوْلى من الدنو من البيت، لماذا؟
لأن الرمل يتعلق بذات العبادة، والدنو من البيت يتعلق بمكانها، فهنا نقول: لا شك أن مكان الصبيان خلف الرجال أوْلى، لكن إذا كان يحصل به تشويش وإفساد الصلاة على البالغين وعليهم هم فإن مراعاة ذلك أوْلى من مراعاة فضل المكان، إذن كيف نعمل؟ نعمل كما قال بعض العلماء أن تجعل بين كل صبيين بالغًا من الرجال؛ يعني: رجل بالغ يليه صبي، ثم رجل، ثم صبي، ثم رجل، ثم صبي؛ لأن ذلك أضبط وأبعد عن التشويش.
وهذا وإن كان يستلزم أن يتأخر بعض الرجال إلى الصف الثاني أو الثالث حسب كثرة الصفوف فإنه يحصل به فائدة؛ وهي الخشوع في الصلاة وعدم اللعب الذي يحصل به التشويش.
وهذا الذي ذكرنا أنه يُقدَّم الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء إنما هم في ابتداء الأمر عندما نكون جماعة أقيمت الصلاة فأردنا أن نصف، نقول للبالغين: تعالوا هنا والصبيان وراء إلا إذا خُشي -كما قلت لكم- محذور.
[ ١ / ٢٠٢٩ ]
أما إذا سبق المفضول إلى المكان الفاضل بأن تقدم الصبي جاء مبكرًا وتقدَّم، وصار في الصف الأول؛ فإن القول الراجح الذي اختاره بعض أهل العلم، ومنهم جد شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مجد الدين عبد السلام بن تيمية فإنه لا يُقام المفضول من مكانه؛ وذلك لقول النبي ﷺ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٢٠)، وهذا العموم يشمل كل شيء، اجتمع استحقاق الناس فيه، فإن من سبق إليه فهو أحق به؛ ولأن النبي ﷺ نهى أن يقيم الرجلُ الرجلَ من مكانه، ثم يجلس فيه (٢١)؛ لأن هذا عدوان عليه.
فإن قال قائل: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» عام، وقوله: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (١٨) خاص، والقاعدة أنه إذا اجتمع خاص وعام فإن الخاص يُخصِّص العام؟
ونقول: يُستثنى من ذلك هذه المسألة، فالجواب عنه أن نقول: إن النبي ﷺ لم يقُل: ليقم أولو الأحلام منكم والنهى من كانوا دونهم، وإنما قال: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى»، وهذا حث لهؤلاء الكبار على أن يتقدموا ليلوا رسول الله ﷺ، هذا هو وجه الحديث.
وليس المعنى أن نزيد؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: فمن سبق وهو صغير فليَقُم، أو فأقيموه، أو ما أشبه ذلك؛ ولأن فيه من المفسدة تنفير هؤلاء الصبيان لا سيما إذا كانوا مراهقين؛ يعني مثل إذا كان الواحد ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة أو هو في الخامسة عشرة، ثم نطرده نقيمه من مكانه؛ صبي حافظ لكتاب الله، سابق إلى الصف الأول، يتلو كتاب الله، نقول له: قم يا ولد، صير بالصف السادس، وإن جاء رجال فكن في السابع، وإن جاء رجال؟
الطلبة: في العاشر.
الشيخ: في العاشر، وإن امتلأ المسجد؟
الطلبة: فاخرج.
الشيخ: فاخرج؟ ! هذه مشكلة.
[ ١ / ٢٠٣٠ ]
كذلك أيضًا من مفاسده أن هذا الصبي إذا أخرجه شخص بعينه فإنه لا يزال يذكر هذا الشخص في فكره بسوء، كلما ذكره يثور ما في نفسه عليه، ويبقى حاقدًا عليه؛ لأن الصغير عادة لا يَنسى ما فُعِل به، بل ربما كلما رآه احمرت عينه عليه؛ لأنه أخرجه من مكان فاضل سابق إليه جالس يقرأ كتاب الله نقول: قم، (ليس هذا بعشك فادرُجي)، ما هو صحيح.
إذن نقول: هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف متى يكون؟
الطلبة: ابتداءً.
الشيخ: ابتداءً، أما إذا سبق مفضول إلى مكان فاضل فهو أحق به.
ثم قال المؤلف ﵀: (كجنائزهم) يعني كما يُرتَّبون في جنائزهم، إذا اجتمعت جنائز من هؤلاء الأجناس؛ الرجال، والصبيان، والنساء؛ فإنهم يُقدَّمون على هذا الترتيب، الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء، ولكن هل يكون تقدمهم بالأسبق، أو بالتقدم إلى القبلة، أو بالتقدم إلى خلف القبلة؟
الطلبة: ().
الشيخ: نقول: ننظر تقدم المصلين بالنسبة إلى الإمام بولاء، أو بالقرب من الإمام، إذن فتقدُّم الجنائز يكون بالقرب من الإمام، وفي الجنائز من كان أقرب إلى الإمام فهو أبعد من ناحية القبلة، تصورتوا هذا ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن نقول: يُرتبون بالنسبة للقرب من الإمام على هذا الترتيب، فإذا وُجِد ميِّت رجل، وميت طفل، وميت أنثى نضع الميت الرجل جنب الإمام، ثم الطفل، ثم الأنثى، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولكن كيف نضعهم؟ هل نضعهم متساويين أو لا؟ لا، نضع رأس الرجل بحذاء وسط الأنثى، لماذا؟ لأن السنة في صلاة الجنازة أن يقف الإمام عند رأس الرجل وعند وسط الأنثى، فنجعل رأس الرجل حذاء وسط الأنثى.
فإن عُكس وجعل النساء مما يلي الإمام والرجال من خلف؟
الطلبة: يصح.
الشيخ نعم، يصح؛ لأن هذا الترتيب على سبيل الأفضلية.
ما تقولون في امرأة نفساء ماتت هي وطفلها، وجئنا بها نصلي عليها، فمن الذي يلي الإمام؟
الطلبة: إذا كان ذكرًا فهو ..
[ ١ / ٢٠٣١ ]
الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان الطفل ذكرًا فهو الذي يلي الإمام، وإن كان أنثى فأمه هي التي تلي الإمام؛ لأن أمه أكبر منه، والكِبَر له فضيلة، قال النبي ﵊: «كَبِّرْ كَبِّرْ» (٢٢).
يقول: (كجنائزهم ومن لم يقف معه إلا كافر) أنا عندي منصوبة، ما أدري عندكم منصوبة ولَّا لا؟
الطلبة: لا، مرفوعة.
الشيخ: إلا كافرٌ؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يتعين الرفع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أين الآجروميون؟
طالب: هو فاعل لـ (يقف).
الشيخ: إي نعم، لكن لماذا يتعين الرفع؟
الطالب: لأنه بعد إلا، ووجه (إلا) استثنائي.
الشيخ: إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب النصب؟ !
الطالب: هو المستثنى منقطع ..
الشيخ: لا.
طالب: ناقص.
الشيخ: ناقص، الكلام ناقص مُفرَّغ، والكلام الناقص ما هو؟ هو الذي لم يُذكر فيه المستثنى منه، فإذا لم يُذكر المستثنى منه صار ما بعد إلا على حسب العوامل.
طالب: إذا كان ما قبله فيه رائحة نتنة؟
الشيخ: فيه رائحة؟ ! والله أنا ما أشم! !
الطالب: (فاتبعوه مثلًا إلا قليل منهم) على قراءة الرفع.
الشيخ: على كل حال ما كان بمعنى النفي فله حكمه.
يقول: (من لم يقف معه إلا كافر) فإنه فذ، شوف (من) بنعربها عشان تبين (من) اسم شرط و(ففذ) جواب الشرط، فهو فَذٌّ.
(من لم يقف معه إلا كافر) يعني مثلًا لو أن رجلًا صف خلف الصف ومعه كافر، وهل يمكن أن يصلي الكافر؟ يمكن إذا كان كفره بغير ترك الصلاة، أما إذا كان كفره بترك الصلاة فإنه إذا صلى فهو مسلم.
لكن إذا كان كفره بجحد الله ﷿ مثلًا أو بتكذيب رسول من الرسل، المهم أسباب الكفر كثيرة، فهذا الرجل لم يقف معه إلا كافر، نقول: إنك فذ، وهذا مع العلم بأن الواقف معه كافر ظاهر، ولكن إذا كان يجهل أن الواقف معه كافر فظاهر كلام المؤلف أن صلاته لا تصح، وفي هذا نظر، بل المتعيِّن أنه إذا وقف معه كافر لا يعلم بكفره فإن صلاته صحيحة، أما إذا علم بكفره فالمذهب أن صلاته لا تصح، لماذا؟
[ ١ / ٢٠٣٢ ]
طالب: لأنه فذ.
الشيخ: لأنه فذ، وعلى القول الذي رجحنا أنه إذا كان الصف تامًّا فصلاته صحيحة؛ لأن صلاة الفذ خلف الصف مع تمامه صحيحة.
(أو امرأة) يعني: لم يقف معه إلا امرأة فهو فذ؛ لأن المرأة ليست من أهل المصافة للرجال، فإن وقفت امرأة مع رجلين، فهل تصح صلاتهما؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، لا، هي وقفت معهما.
الطلبة: معهم صف ().
الشيخ: صف صفًّا؟
الطلبة: صحيحة.
الشيخ: فالصلاة صحيحة، ولا سيما مع الضرورة، كما يحدث ذلك في أيام مواسم الحج، إي نعم، يحصل، المرأة تكون جنبك، ولكن في هذه الحال إذا أحسست بشيء وجب عليك الانفصال؛ لأن بعض الناس لا يطيق أن تقف إلى جنبه امرأة ليست من محارمه لا سيما إذا كانت مثلًا شابة أو فيها رائحة مثيرة، فقد لا يتمكن من الصلاة، ففي هذه الحال له الحق في أن ينصرف، ويطلب مكانًا آخر.
إذا كانت المرأة أمام الرجل، يعني مثلًا نحن صافون وأمامنا نساء صافات أيضًا، تصح الصلاة؟
الطلبة: تصح.
الشيخ: نعم، تصح الصلاة؛ ولهذا عند الفقهاء عبارة: صف تام من نساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من الرجال.
طالب: شيخ!
الشيخ: ما بقي إلا مسألة واحدة.
طالب: يا شيخ، نكمِّل المسألة دي.
الشيخ: طيب.
طالب: بماذا أعرف أن صحبة هذا الصحابي فاضل وصحبة هذا مفضول؟
الشيخ: هذا يُعرف -بارك الله فيك- بكثرة صحبته للرسول ﵊، والفقهاء من الصحابة معروفون، فمثلًا إذا جاء أعرابي وسأل النبي ﵊ عن أركان الإسلام وانصرف، ليس مثل الصحابي الذي لازم النبي ﷺ وأخذ منه.
طالب: شيخ، بالنسبة لصف النساء مثل صف الرجال؛ يعني: أول ما يمين الجاريات، ثم النساء، ثم كذا.
الشيخ: البالغات.
الطالب: إي نعم، يعني: أول الجاريات، ثم البالغات، ثم كذا.
الشيخ: الجاريات؟ !
الطالب: يعني الجارية.
الشيخ: أيش الجاريات؟
الطالب: الصبيات الصغار.
[ ١ / ٢٠٣٣ ]
ومَن لَمْ يَقِفْ معه إلا كافرٌ أو امرأةٌ أو مَن عَلِمَ حَدَثَه أحدُهما أو صَبِيٌّ في فرْضٍ ففَذٌّ. ومَن وَجَدَ فُرجةً دَخَلَها وإلا عن يمينِ الإمامِ، فإن لم يُمْكِنْهُ فله أن يُنَبِّهَ مَن يَقومُ معه. فإن صَلَّى فذا رَكعةٌ لم تَصِحَّ، وإن رَكَعَ فَذًّا ثم دَخَلَ في الصفِّ أو وَقَفَ معه آخَرُ قبلَ سجودِ الإمامِ صَحَّتْ.
(فصلٌ في أحكام الاقتداء) يَصِحُ اقتداءُ المأمومِ بالإمامِ في المسجِدِ وإن لم يَرَهُ ولا مَن وراءَه إذا سَمِعَ التكبيرَ، وكذا خارِجَه إن رأى الإمامَ أو المأمومينَ، وتَصِحُّ خَلْفَ إمامٍ عالٍ عنهم ويُكْرَهُ إذا كان العُلُوُّ ذِرَاعًا فأَكْثَرَ، كإمامتِه في الطَّاقِ
يقول: (من لم يقف معه إلا كافر فإنه فَذّ)، شوف (مَن) نعربها عشان تبين؛ (مَن) اسم شرط، و(ففذ) جواب الشرط: فهو فَذٌّ.
(من لم يقف معه إلا كافر) يعني مثلًا لو أن رجلًا صَفَّ خلف الصف، وقف خلف الصف ومعه كافر، وهل يمكن أن يصلي الكافر؟ يمكن إذا كان كفره بغير ترك الصلاة، أما إذا كان كفره بترك الصلاة فإنه إذا صلى فهو مسلم، لكن إذا كان كفره بجحد الله ﷿ مثلًا، أو بتكذيب رسول من الرسل، المهم أسباب الكفر كثيرة.
فهذا الرجل لم يقف معه إلا كافر نقول: إنك فذ، وهذا مع العلم بأن الواقف معه كافرٌ ظاهر، ولكن إذا كان يجهل أن الواقف معه كافر فظاهر كلام المؤلف أن صلاته لا تصح، وفي هذا نظر، بل المتعين أنه إذا وقف معه كافر لا يعلم بكفره فإن صلاته صحيحة، أما إذا علم بكفره فالمذهب أن صلاته لا تصح، لماذا؟
الطلبة: لأنه فذ.
الشيخ: لأنه فذ، وعلى القول الذي رجحنا أنه إذا كان الصف تامًّا فصلاته صحيحة؛ لأنَّ صلاة الفذ خلف الصف مع تمامه صحيحة.
(أو امرأة) يعني: لم يقف معه إلا امرأة فهو فذ؛ لأنَّ المرأة ليست من أهل المصافَّة للرجال، فإن وقفت امرأة مع رجلين فهل تصح صلاتهما؟
الطلبة: نعم ().
[ ١ / ٢٠٣٤ ]
الشيخ: إي نعم، لا هي ما ()، وقفت معهما.
طالب: معهم صف ولا لّا؟
الشيخ: صف، فالصلاة؟
الطالب: صحيحة.
الشيخ: صحيحة، فالصلاة صحيحة ولا سيما مع الضرورة كما يحدث ذلك في أيام مواسم الحج، إي نعم يحصل المرأة تكون جنبك، ولكن في هذه الحال إذا أحسست بشيء وجب عليك الانفصال؛ لأنَّ بعض الناس لا يطيق أن تقف إلى جنبه امرأة ليست من محارمه لا سيما إذا كانت مثلًا شابة أو فيها رائحة مثيرة فقد لا يتمكن من الصلاة، ففي هذه الحال له الحق في أن ينصرف ويطلب مكانًا آخر.
إذا كانت المرأة أمام الرجل يعني مثلًا نحن صافون وأمامنا نساء صافات أيضًا تصح الصلاة؟
الطلبة: تصح.
الشيخ: نعم تصح الصلاة، ولهذا عند الفقهاء عبارة: صفٌّ تامٌّ من نساء لا يمنع اقتداء مَن خلفَهن مِن الرجال.
طالب: بماذا أعرف أن صحبة الصحابي ().
الشيخ: نعم، هذا يعرف -بارك الله فيك- بكثرة صحبته للرسول ﵊، والفقهاء من الصحابة معرفون، فمثلًا إذا جاء أعرابي وسأل النبي ﵊ عن أركان الإسلام وانصرف، ليس مثل الصحابي الذي لازم النبي ﷺ وأخذ منه.
***
طالب: الحمد رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلْقِهِ محمدٍ وآلِه وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب صلاة الجماعة:
ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو مَن علم حدثه أحدهما أو صبي في فرض فَفَذٌّ، ومن وجد فرجة دخلها وإلَّا عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه فله أن ينبه مَن يقوم معه، فإن صلى فذًّا ركعةً لم تصح، وإن ركع فذًّا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحَّتْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀ في باب (موقف المأمومين مع الإمام) وقد سبق لنا أن السنة أن يكون الإمام؟
طالب: أمام المأمومين.
الشيخ: مطلقًا؟ حتى لو كانت الجماعة اثنين؟
[ ١ / ٢٠٣٥ ]
الطالب: إذا كانت أكثر من اثنين فيكون أمامهم.
الشيخ: إذا كانوا جماعة أكثر من اثنين فالسنة أن يكون الإمام أمامهم، ويستثنى من ذلك؟
الطالب: إمامة النساء.
الشيخ: هذا واحد، وغير.
الطالب: والعراة.
الشيخ: إمامة العراة.
طالب: العراة ().
الشيخ: نعم، أحسنت، هل يصح الواقف عن يسار الإمام؟ أما أخذناها؟
طالب: () يمينه فيصح () إذا وقف يسار الإمام يصح ().
الشيخ: يعني إذن نقول: يصح أن يقف عن يسار الإمام مطلقًا.
الطالب: أما على كلام المؤلف قال: () يمينه ما يصح.
الشيخ: إذن فيه التفصيل، الجواب إن كان عن يمينه أحد صحت، وإن لم يكن عن يمينه أحد لم تصح على ما مشى عليه المؤلف، وقيل: إنها تصح.
() جماعة في الصفوف.
طالب: ترتيب الجنائز: الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء.
الشيخ: إي نعم، إذ ما نحتاج يقول: ترتيب الجنائز، فقول المؤلف: (كترتيب) يعني وكذلك ترتيبهم في الجنائز، هذا المراد ما هو بيشبه هذه بهذه؛ لأن ترتيبه في الجنائز مبني على ترتيبهم في الجماعة، إذن يقدم؟
الطالب: الرجال.
الشيخ: ثم؟
الطالب: الصبيان.
الشيخ: ثم؟
الطالب: ثم النساء.
الشيخ: ثم النساء، وهل يجوز أن نقيم الصبي من الصف الأول إلى الصف الثاني أو لا؟
الطالب: لا يجوز ().
الشيخ: كلام المؤلف، الآن نقرأ في كتاب.
الطالب: ().
الشيخ: يعني يرى جماعة من العلماء أنه يجوز أن تؤخر الصبيان إلى مكانهم إذا تقدموا إلى مكان إلى الصف الأول، ما هو دليل هؤلاء الذين يقولون: يجوز أن نؤخر الصبي إلى المكان الذي يستحقه؟
طالب: () ﷺ ().
الشيخ: نعم، القول الثاني؟
طالب: () الصبي () الصف الأول () الصف الثاني ().
الشيخ: القول الثاني: أنه لا يجوز تأخير الصبي للصف الثاني، ما دليله؟
الطالب: الدليل قول النبي ﷺ: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَكَانٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
[ ١ / ٢٠٣٦ ]
الشيخ: «إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (١) كذا؟
لو قال إنسان: هذا عام يخصص بحديث: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ» (٢)؟
طالب: () معارضة () «لِيَلِنِي مِنْكُمْ» ().
الشيخ: يعني الحديث فيه أمر لأهل العقول الكبار أن يتقدموا، وليس فيه النهي عن تقدم الصغار، لم يقل: لا يَلِنِي إلا هؤلاء. قال: لِيَلِنِي هؤلاء. فهو يحثهم على أن يتقدموا، إذن لا معارضة أصلًا. وقد ذكرنا أيضًا التعليلات على تأخير الصبيان عن الصف الأول.
طالب: لأن الصبيان إذا كان في الصف الثاني ويجمعون صبيان يشوشون الناس لأنهم.
الشيخ: لأنهم إذا جُمِعوا في صف واحد صار أكثر للعبهم والتشويش على الناس هذه واحدة.
الطالب: () الصلاة و() يعني الصلاة؛ تصحيح الصلاة أحسن من أفضلية المكان، يعني أفضلية المكان والصف الثاني وهناك.
الشيخ: يعني على فرض أن يكون هو الأفضل نقول: إذا صار يترتب عليه أن يشوش على الصلاة الجماعة يفسد صلاتهم فإنه لا يراعى المكان من أجل إفساد العبادة.
طالب: وفيه أيضًا يكون في هذا الطفل في نفسيته شيء يصير في نفسه يؤثر عليه.
الشيخ: بقاء عقدة نفسية في هذا الطفل على مَن أخَّره بل ربما على كل الإسلام.
طالب: أيضًا نفور الصبيان عن صلاة الجماعة.
الشيخ: نعم، نفور الصبيان عن المساجد وصلاة الجماعة صح.
يقول المؤلف ﵀: (ومن لم يقف معه إلا كافرٌ أو امرأة أو مَن علم حدثَه أحدُهما أو صبي في فرضٍ ففذ) المسائل الثلاثة الأولى أظن أننا تكلمنا فيها؟
طالب: نعم.
الشيخ: الكافر، المرأة، من علم حدثه أحدهما، وقلنا: إن الصحيح في هذا أن من وقف معه كافر وهو لا يعلم فصلاته صحيحة، وكذلك من وقف معه محدث ولو كان الواقف عالمًا فإن صلاة الثاني صحيحة؛ لأنه جاهل لا يعلم أن صاحبه لا تصح صلاته، أما لو كان يعلم أن هذا الرجل محدث فإن وقوفه معه وهو عالم بذلك يعتبر فذًّا.
[ ١ / ٢٠٣٧ ]
يقول: (أو صبي في فرض) يعني (من لم يقف)، هذا مبتدأ الدرس؟
الطالب: (من علم) مبتدأ الدرس.
الشيخ: لا، ما هو (من علم) تكلمنا على (من علم) أليس كذلك يا جماعة؟
طالب: (المرأة) يا شيخ.
طالب آخر: (ومن لم يقف معه إلا كافر).
الشيخ: بس؟
الطالب: ما تكلمنا عليها.
طالب آخر: (أو من علم حدثه أحدهما).
الشيخ: (أو من علم حدثه أحدهما) يعني: من لم يقف معه إلا شخص علم حدثه أحدهما أي الواقف والموقوف معه، مثاله: دخل رجلان المسجد فوجدا الصف الأول تامًّا فقاما خلفه، وأحدهما محدث يعلم حدث نفسه، والآخر على طهارة ولا يعلم أن صاحبه محدث، فالصلاة على كلام المؤلف غير صحيحة لماذا؟ لأن هذا الواقف يعلم أنه محدث وأن صلاته باطلة، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الثاني الموقوف معه صلاته صحيحة لأنه معذور بالجهل، فإنه لا يدري أن صاحبه محدث، صحيح أنه لو علم أن صاحبه محدث فهو فذ لأنه يعتقد أنه صلى مع شخص لا تصح صلاته واضح؟ فإن جهل هو وصاحبه حتى انقضت الصلاة فصلاة الواقف مع المحدث صحيحة لأنه لم يعلم بالحدث واحد منهما.
فإن قال قائل: كيف لا يعلم؟ فالجواب على ذلك أن نقول: يمكن أن يكون قد أكل أحدهما لحم إبل ولا يعلم أنه لحم إبل فيصلي، فإذا انتهت الصلاة أُخْبِر بأنه لحم إبل، إذن هو صلى محدثا وهو لا يعلم بحدث نفسه فصلاته هو غير صحيحة، وصلاة الواقف معه صحيحة، فإن جهلا جميعًا فهل صلاتهما صحيحة؟
طلبة: صلاة المحدث غير صحيحة.
الشيخ: صلاة المحدث غير صحيحة، وصلاة الآخر؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة إي نعم، المسألة فيها صورة على هذا الحال، إذا علما الحدث جميعًا فصلاتهما أيش؟
الطلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، أما من كان محدثًا فالأمر ظاهر، وأما من لم يكن محدثًا فلأنه وقف مع شخص يعلم أن صلاته باطلة أليس كذلك؟ إذن هو فذ ولا مصافّ؟
طلبة: فذ.
الشيخ: فذ.
إذا جهلا حدث أحدهما جميعًا فصلاة غير المحدث صحيحة، وصلاة المحدث باطلة.
[ ١ / ٢٠٣٨ ]
إذا علم الطاهر بحدث صاحبه وصاحبه لم يعلم؟
طلبة: صلاتهما باطلة.
الشيخ: كلاهما صلاته باطلة؛ أما المحدث فظاهر، وأما الطاهر فلأنه صف مع شخص يعتقد أن صلاته باطلة فهو فذ، كذا؟ ويُتصور هذا أو لا يُتصور؟ يُتصور مثل أن يكون هذا الطاهر قد سمع الرجل أحدث، سمع صوتًا منه والآخر ما أحس بنفسه فقام فصلى، فإن هذا الذي صلى طاهرًا صلى مع شخص يعلم أنه محدث وأن صلاته باطلة، فتكون مصافته فذًّا.
كذلك لو علم -الصورة الرابعة- إذا علم المحدث بحدثه، ولكن الذي صف معه لم يعلم؟
طلبة: صلاتهما ().
الشيخ: فعلى كلام المؤلف صلاتهما جميعًا باطلة، والقول الصحيح أن صلاة المتطهر غير باطلة، لماذا؟
طلبة: لأنه جاهل.
الشيخ: لأن معذور، جاهل لا يعلم أن صاحبه محدث، فهذه أربع صور: علِماه جميعًا، جهلاه جميعًا، علم المتطهر، علم المحدث.
يقول: (أو صبي في فرض ففذ) المراد بالصبي هنا: من لم يبلغ، وعلامات البلوغ واضحة للجميع لا حاجة إلى التكرار فيها.
وقوله: (في فرض) خرج به ما لو وقف معه الصبي في نفل مثل قيام رمضان، فإذا وقف معه صبي خلف الصف فإن كانت الصلاة فريضة فهو فذ، وإن كانت الصلاة نافلة فالمصافة صحيحة، الدليل؟ ليس هناك دليل، هناك تعليل، يقولون: لأن الفريضة في حق الصبي نفل، ولهذا إذا وقف معه في النفل فصلاته صحيحة لكن في الفرض لا، فإن صلاة الفرض في حق الصبي نفل فيكون هذا الرجل المصاف أعلى مِن مَن صف معه فلا تصح مصافته معه، كما لو صلى الصبي إمامًا في بالغ فإن صلاة البالغ لا تصح، ولكن هذا التعليل عليل، وأيش معنى عليل؟
طلبة: مريض.
الشيخ: يعني مريض لماذا؟ أولًا: لأن المصافة ليست كالإمامة، الإمام قد اعتمد عليه المأموم ووثق به وقلده صلاته بخلاف الذي صف إلى جنبه فيكون قياسًا غير صحيح؛ لأنَّ من شرط صحة القياس تساوي الأصل والفرع في العلة، والعلة هنا مختلفة هذه واحدة.
[ ١ / ٢٠٣٩ ]
ثانيًا: أن هذا التعليل في مقابلة النص، فإنه قد ثبت أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ ﵁ صَفَّ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَمعهُ يتيمٌ (٣). واليتيم هو الذي لم يبلغ، وهذا في نفل. والقاعدة: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، وليس هناك دليل يفرق بين الفرض وبين النفل.
ثالثًا: أن الأصل المقيس عليه قد وردت السنة بخلافه، وهو أنه لا تصح إمامة الصبي بالبالغ، فنقول: هذا الأصل غير صحيح؛ لأن السنة وردت بخلافه، وذلك في قصة عمرو بن سلمة الجرمي فإنه أَمَّ قومه وله ست أو سبع سنين كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (٤)، وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة: أن من وقف معه صبي فليس بفذ لا في الفريضة ولا في النافلة وأن صلاته صحيحة.
قال: (أو صبي في فرض ففذ).
قال: (ومن وجد فرجة دخلها)، (ومن وجد فرجة) الفرجة: هي الخلل في الصف؛ يعني مكانًا ليس فيه أحد، إذا وجد فرجة في الصف فإنه يدخلها وجوبًا أو استحبابًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: كلام المؤلف لا يعطي هذا ولا هذا، ولكن المشهور عند جمهور العلماء أن ذلك على سبيل الاستحباب؛ لأن المراصة ليست واجبة عند أكثر أهل العلم، وعلى هذا فيكون دخوله في الفرجة على سبيل الاستحباب، فإذا وجد الفرجة دخلها.
إذا وجد فرجة قد تهيَّأ لها شخص ليدخلها؟ فظاهر كلام المؤلف أنه يدخلها وهذا يقع كثيرًا، تأتي مثلًا فتجد في الصف الأول فرجة لكنَّ خلفها شخصًا يتطوع يتنفل خلف الفرجة، فهذا الذي يتنفل خلفها يقتضي تنفله خلفها أنه متهيِّئ أيش؟ لدخولها، فهل لك أن تتجاوز وتدخل هذه الفرجة أو لا؟
[ ١ / ٢٠٤٠ ]
كلام المؤلف يدل على أنك تدخلها ويكون التفريط منه هو، مِنْ هذا الذي تخلف عنها؛ لأننا نقول له: لماذا لم تتقدم وتصلي فيها؟ فأنت الذي فرط في هذا المكان، وهذا الذي هو ظاهر كلام المؤلف، هذا حق لا شك فيه، وأنك تدخل في الفرجة ولو رأيت من يصلي خلفها ليدخل فيها؛ لأنه هو الذي فوت المكان الفاضل على نفسه.
والنبي ﷺ يقول: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (٥) ولكن نقول: إذا خشيت من فتنة وعداوة وبغضاء فإن أصل الجماعة إنما شرعت لمصالح عظيمة؛ منها: الائتلاف، والتوادّ، والتحاب بين المسلمين، فإذا رأيت أن قدومك إلى هذه الفرجة يؤدي إلى العداوةِ والبغضاءِ وكلامِ هذا الرجل في عرضك، فإن الأَوْلى ترْكُها.
وإذا علم الله من نيتك أنه لولا خوف هذه المفسدة لتقدمت إلى هذا المكان الفاضل فإنه قد يثيبك ﷾ لحسن نيتك، واضح؟
يقول: (من وجد فرجة دخلها وإلَّا فعن يمين الإمام)، (وإلَّا فعن يمين الإمام) ما هو الدليل على أنه يدخلها؟ نسينا ذكر الدليل؟ الدليل هو: أمْرُ الرسول ﵊ بالتراصِّ، فإنَّ أمْرَه بالتراص يستلزم سد الفُرَج، على أنه روي عن النبي ﵊ أن: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ» (٦)، «وَأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» (٧).
قال: (وإلَّا عن يمين الإمام) هكذا عندكم نسخة ولا (فعن)؟
الطلبة: عن.
الشيخ: (وإلَّا عن)، والصواب: (وإلَّا فعن) لأن قوله: (وإلَّا) هذه (إن) الشرطية مُدْغمة في (لا)؛ يعني: وإن لا يجدْ فرجة فعن يمين الإمام. فتأتي الفاء الرابطة في جواب الشرط؛ لأن المعنى: وإلا فليقف عن يمين الإمام.
[ ١ / ٢٠٤١ ]
ويجوز أن نقدر جواب الشرط فعلًا ماضيًا فنقول: إن التقدير: وإلا وقف عن يمين الإمام. وحينئذ لا نحتاج إلى الفاء الرابطة، يعني: إذا لم يجد فرجة فإنه يقف عن يمين الإمام، ما هو الدليل؟ الدليل: لأن يمين الإمام موقف المأموم الواحد.
وما الدليل على أن موقف المأموم الواحد هو يمين الإمام؟ حديث: ابنِ عباسٍ ﵄ حينَ صلَّى معَ النبيِّ ﷺ في صلاةِ الليلِ فَوَقَفَ عنْ يسارِ النبيِّ ﷺ، فأخذَ النبيُّ ﷺ بِرأسهِ مِنْ ورائِهِ فجعلَهُ عنْ يمينِهِ (٨).
فلما كان يمين الإمام موقف المأموم الواحد قلنا لهذا الرجل الذي لم يجد مكانًا في الصف: تقدم وكن على يمين الإمام، هكذا قرره المؤلف، ولكن هذا التعليل فيه نظر؛ لأن يمين الإمام موقف للمأموم الواحد، أما في هذه المسألة فالمأموم جماعة كثيرة، ولا يصح قياس هذا على هذا.
ولم يرد عن النبي ﷺ أن أحدًا صلى إلى جنبه مع وجود صف أبدًا إلا مسألة واحدة، وهي حينما أَنابَ أبا بكر ﵁ في مرضِ مَوْتِهِ فَوَجَدَ خِفَّةً فَخَرَجَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ (٩). لكن هذه المسألة ضرورة؛ لأن أبا بكر ليس له مكان في الصف، ولا يمكن أن يتأخر هو في الصلاة؛ ولأن أبا بكر نائب الرسول ﵊، فلا بد أن يكون إلى جنبه من أجل أن يُبَلِّغ مَنْ خلفَه من المأمومين تكبيرَ النبيِّ ﵊.
[ ١ / ٢٠٤٢ ]
فهذه ثلاثة أمور لا تتفق أو لا توجد في هذه الصورة التي ذكرها المؤلف؛ ولهذا نرى أن وقوف أحدٍ إلى جانب الإمام في مثل هذه الصورة من البدع التي لم ترد عن النبي ﵊؛ لأنَّ الإمام ينبغي أن يكون لفظًا متضمنًّا لمعناه؛ أن يكون إمامًا حقيقة، يكون هو القدوة، هو المتبوع، فلا يشاركه في مكانه أحدٌ كما لا يشاركه أيضًا في أفعاله أحدٌ، هو سابقٌ على المأموم، «إذا كبَّر فكبِّروا» (١٠).
فهو سابق على المأموم مكانًا وعملًا، فكيف نقول لشخص: تقدم وكن مع الإمام؟ ثم في هذا محذور أو محاذير، إذا كانت الصفوف أكثر من واحد فكم صفًّا سيتخطى رقابهم؟ في عدد الصفوف، إذا كان عشرة صفوف يتخطى عشرة صفوف، والنبي ﷺ لما رأى رجلًا يتَخَطَّى الرقابَ قالَ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (١١).
ثالثًا: إذا تقدم وصلى إلى جنب الإمام وجاء آخر ولم يجد مكانًا صلى إلى جنب الإمام، تقدم وصلى فاجتمعا شخصان، وإذا جاء ثالث كذلك ثلاثة وأربعة وخمسة حتى يكون الإمام صفًّا كاملًا، ولا ريب أن هذا غير مشروع، نعم إذا كان لا يوجد مكان في المسجد؛ يعني المسجد ليس فيه إلا مقدار صفين فقط الصف الأول فيه الإمام والصف الثاني فيه المأمومون ودخل رجل ولم يجد مكانًا إلا إلى يمين الإمام فهنا نقول: هذا محض ضرورة ولا بأس.
إذا قلنا: بأنه لا يقف عن يمين الإمام فماذا يعمل؟ الصحيح أنه يصلي خلف الصف وحده وأن صلاته صحيحة، ويمكن المؤلف سيذكرها.
[ ١ / ٢٠٤٣ ]
يقول: (وإلَّا عن يمين الإمام، فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه) إذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الإمام ويصلي إلى جنبه، مثل: أن يكون الإمام في مكان ضيق في طاق القبلة، والطاق يعني: المحراب لا يمكن أن يصف فيه أكثر من واحد، فهنا لا يتمكن أن يقف عن يمين الإمام، يقول: إذا (لم يمكنه) نقول: لضيق مكان أيش؟ لضيق مكان الإمام، (فله أن ينبه من يقوم معه)، (له) أي: لهذا الرجل (أن ينبه من يقوم معه) فيقول: يا فلان تأخر جزاك الله خيرًا لتصلي معي، ولكن يكره أن يجذبه بدون أن ينبهه، يكره بِجَذبه. وهل يلزم المنبَّهَ أن يتأخر مع هذا الرجل؟
طالب: لا.
الشيخ: يقولون: إنه يلزمه أن يتأخر من أجل أن يصحح صلاة صاحبه، فهاهنا مسألتان: الأولى تتعلق بالداخل، والثانية تتعلق بالمصلين في الصف، أما الداخل فنقول: نَبِّه من يصلي معك، ويتأخر. وأما المصلون فنقول لمن نُبِّهَ: يجب عليك أن تتأخر تكميلًا لصلاة صاحبك.
وفي المسألتين نظر، أما المسألة الأولى وهو أن ينبه من يقوم معه فإن الصحيح أنه ليس له ذلك؛ لأنه إذا نبهه أحرجه، ولأنه قد يكون من السؤال المذموم، فإن هذا الذي نبهته سوف يكون له عليك منة، ولأنه إذا فتح هذا الباب فقد يتأذى الناس كل من جاء وجد ليس معه أحد قلنا: اجذب أو نبه من يكون معك، ولأن هذا ليس من فعل الصحابة ﵃ أو التابعين.
وأما بالنسبة للثاني فإن الصحيح أنه لا يلزمه أن يرجع معه؛ لأننا لو قلنا بلزوم الرجوع لقلنا: إنه إذا لم يرجع فعليه إثم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وكما أنه لا يلزمني أن أشتري لمن لم يجد الماء في الوضوء لا يلزمني أن أشتري له ماءً يتوضأ به، ولا أن أحصل له الماء فكذلك هذا، وتكميل العبادات ليس على غير العابد، تكميل العبادات على العابد نفسه، أما غيره فهو في حل منه، فماذا يعمل إذا كان ليس له أن ينبه من يقوم معه فماذا يصنع؟
[ ١ / ٢٠٤٤ ]
المذهب يقف حتى ييسر الله له من يقوم معه أو يصلي وحده، والقول الصحيح الذي لا شك فيه أنه يصلي خلف الصف منفردًا متابعًا للإمام، ودليل ذلك أمور:
الأمر الأول: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا الرجل الذي لم يجد مكانًا في الصف لم يستطع أكثر من ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
ثانيًا: أنه إذا قلنا: لا تصف، لزم من هذا أحد أمور: فإما أن يدع الصلاة مع الجماعة ويصلي وحده فتفوته صلاة الجماعة، وإما أن يتقدم إلى الإمام وقد ذكرنا أن هذا ليس من السنة، أو يجذب أحدًا معه، وقلنا: إن هذا أيضًا لا يجوز.
فما بقي عليه إلا أن يكون مع الإمام متابعًا له ولو كان منفردًا في الصف؛ لأن انفراده في المكان فقط أولى من انفراده في المكان والمتابعة؛ لأنا إذا قلنا: اذهب وصلِّ وحدك، انفرد عن الجماعة بماذا؟ في المكان والمتابعة، ولم تحصل له فضيلة الجماعة.
لكن إذا قلنا: صلِّ معهم منفردًا، انفرد بالمكان دون المتابعة، وقد ذكرنا فيما سبق أن أكثر أهل العلم صححوا صلاة المنفرد خلف الصف لعذر ولغير عذر، فيكون القول بتصحيح صلاة المنفرد خلف الصف للعذر قولًا وسطًا بين قولين متطرفين؛ يعني أحدهما يقول: لا بأس مطلقًا، والثاني يقول: لا تصح الصلاة ولو لعذر.
والغالب في أقوال العلماء إذا تدبرتها أن القول الوسط يكون هو الصواب؛ لأنَّ القول الوسط تجده أنه أخذ بأدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، فجمع بين الأدلة.
[ ١ / ٢٠٤٥ ]
وانظروا مثلًا إلى العقائد، العقائد انقسم الناس في صفات الله إلى طرفين ووسط، غالٍ في الإثبات أثبتها مع التمثيل، وغالٍ في التنزيه نفاها، هذان طرفان، ووسط أثبتها مع نفي المماثلة، فصار وسطًا؛ لأنهم أخذوا لنصوص نفي التمثيل ونصوص إثبات الصفات فأثبتوا مع نفي التمثيل.
في القَدَر انقسم الناس طرفين ووسطًا، طرف غالوا في إثبات القدر وقالوا: إن الإنسان مجبر على فعله وليس له اختيار. وطرف آخر غالَوْا في إثبات إرادة العبد وقدرته وقالوا: إن العبد مستقل بعمله ولا تعلق لِقَدَرِ الله فيه. والقسم الثالث وسطٌ قالوا: إن الإنسان له إرادة واختيار في فعله، ولكنه مكتوب عند الله وبتقدير الله، فتوسطوا فصاروا على الصواب.
في باب الوعيد انقسم الناس أيضًا إلى طرفين ووسط، قسم أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء، وقسم آخر أخذوا بنصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد، وقسم توسطوا.
فالقسم الأول أخذوا بنصوص الوعيد وأهدروا نصوص الرجاء وقالوا: من فعل كبيرة من كبائر الذنوب فإنه مخلدٌ في النار ولا تنفع فيه الشفاعة.
والقسم الثاني الذي يتطرف من جهة أخرى أخذوا بنصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد وقالوا: فاعل الكبيرة لا يدخل النار، والنصوص الواردة في الوعيد إنما تنصب على الكفار لا على المؤمنين.
والثالث وسط قالوا: نصوص الوعيد نصوص ثابتة ورادة على مَن () به، ولكن هذا الذي استحق هذا الوعيد تحت المشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
في آل الرسول ﷺ انقسم الناس إلى طرفين ووسط -آل الرسول قرابته- قسم غالوا في أهل الرسول غُلُوًّا كبيرًا حتى قالوا: إن أبا طالب نبي من الأنبياء، أبو طالب الذي شهِدَ لهُ الرسولُ ﵊ بأنه في ضَحْضَاحٍ من نار يَغْلِي منهَا دماغُهُ (١٢)، قالوا: إنه نبي.
[ ١ / ٢٠٤٦ ]
وأنا قرأت كتابًا مؤلفًا في هذا، نعم ونزَّلُوهم فوق منزلتهم. وقسم بالعكس أبغضوهم وسبُّوهم وقدحوا فيهم. الأول يتزعمه الروافض، والثاني يتزعمه النواصب ومنهم الخوارج، يعني الخوارج قاتلوا علي بن أبي طالب وخرجوا عليه واستباحوا قتاله.
والقسم الثالث وسط قالوا: إن آل البيت لهم حق علينا لا شك، المؤمن منهم له حقان: حق الإيمان، وحق القرابة من رسول الله ﷺ، ولكننا لا نغلو فيهم كما غلت الرافضة ولَّا أيش؟ ولا نسبهم ونبغضهم كما فعل النواصب، بل نحن وسط.
في أسماء الإيمان والدين اختلف الناس أيضًا على طرفين ووسط؛ طرف قالوا: إذا فعل المؤمن كبيرة سميناه كافرًا، وهؤلاء هم الخوارج.
على العكس من ذلك الطرف المقابل قالوا: إذا فعل المؤمن كبيرة فهو مؤمن كامل الإيمان، وإيمانه كإيمان جبريل وكإيمان أبي بكر، لا فرق. وهؤلاء مَن؟
طلبة: المرجئة.
الشيخ: المرجئة.
قسم ثالث قالوا: لا، هو مؤمن فاسق، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان. نُقَيِّده، فلا نقول: مؤمنٌ. ونُطْلِق.
فأنت ترى دائمًا القول الوسط هو الذي يكون صحيحًا، ووجه ذلك واضح؛ لأن القول الوسط يأخذ من أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء، والقول الطرف يأخذ بأحد الأدلة ويَدَعُ الأدلة الأخرى.
فالقول الراجح في مسألتنا الفقهية -ونحن انتقلنا إلى مسألة عقدية- القول الراجح في مسألتنا هذه الفقهية أنَّ مَن صلى خلف الصف لتمام الصف فصلاته صحيحة، هذا هو القول الوسط.
طالب: هل يشرع أن يُقَرّب الجماعة إلى بعض مع أنه يعني قد يطول في الركعة والركعتين؟
الشيخ: إذا كان لا يؤذيهم فلا بأس، أما إذا كان يؤذيهم بحيث يخليهم يرصهم مرة فلا.
طالب: شيخ هل يا شيخ نُجْرِي هذا الحكم في معظم العبادات ودون العبادات قضية الوسط؟
الشيخ: إي نعم.
[ ١ / ٢٠٤٧ ]
طالب: إذا كان هناك عندنا مثلًا () كلاهما تكلم فيهما، فيأتي واحد ويقول: أنا أريد أن آخذ بالوسط، هذا تكلم وهذا تكلم فيه، فأنا آخذ في الوسط. وهل كل إنسان يعرف الوسط؟
الشيخ: إي، ما هو كل إنسان، () على أهل العلم الذين هم أهل العلم، يعني مثلًا تيجي نقول: الغالب أن الوسط الغالب ما هو الدائم، الغالب أن الوسط هو الصواب () طرفين هو الصحيح هو الصواب، لكن هذا هو الغالب.
فمثلًا فيه أحاديث تدل على وجوب الوتر، وأحاديث تدل على عدم وجوبه، توَسَّط أناسٌ وقالوا: مَن له ورد من الليل وجب عليه، ومن ليس له ورد من الليل لم يجب عليه. فهذه ننظر، قد يقول قائل: إن الراجح هنا أن الوتر ليس بواجب مطلقًا؛ لأن قولَ الرسولِ ﵊ للأعرابيِّ لما قال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» (١٣) في مقام البلاغ، والأعرابي متى يأتي إلى المدينة مرة ثانية؟ يدل على عدم وجوب الوتر.
طالب: شيخ كيف نُلْزِم مَن صلى وهو مثلًا قد أكل لحم جزور وهو جائع، كيف نُلزمه بأن يُعيد الصلاة؟
الشيخ: إي معلوم؛ لأنه صلى بغير وضوء.
الطالب: لكن عنده معْفُو عنه لجهله.
الشيخ: نعم لو صلى وهو يعلم لربما نقول: كافر. كما قال أبو حنيفة: من صلى وهو محدث عالمًا بحدثه فهو كافر. لو صلى وهو عالم فهو آثِمٌ بالاتفاق، أما الآن نقول: ليس بآثم، وهذا هو اللي رفعنا عنه بسبب جهله، ولكن وجوب الإعادة يجب عليه.
الطالب: لماذا ()؟
الشيخ: أليس الرسولُ ﵊ أمَر الذي يقولُ: واللهِ لَا أُحْسِنُ غيرَ هذا، فعلِّمْنِي، أمَرَه أَنْ يُعِيدَ (١٤)؟
الطالب: نعم.
الشيخ: مع أنه جاهل، فهناك فرْقٌ، وأنا كرَّرْتُ هذا كثيرًا، فرْقٌ بين المأمور الذي يجب تلافيه بالجهل والنسيان، وبين المحظور الذي لا يمكن تلافيه لأنه انتهى وراح.
[ ١ / ٢٠٤٨ ]
فالمحظور إذا فعلته ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليك، وكأنك لم تفعله؛ لأنه ليس له بدل، لكن المأمور لا بد أن تفعله، لما صلى الرسول الركعتين سلم من الركعتين ناسيًا، ما قيل: يُعْفَى عنك، تكفي الركعتان، كمِّل.
طالب: شيخ فتح الله عليك، إذا كان في الصف فرجةٌ لكن في الفرجة سارية () فإذا صلى كأنه قد يخرج عن الصف اللي وراءه هل يصلي ()؟
الشيخ: هذا سؤال جيد، يقول: لو كان في الصف فرجة من أجل سارية، السارية يعني العمود، فهل أدخلها مع أني عند السجود سوف أتأخر كذا؟ نقول: في هذه الحال إذا كان هناك ضرورة بحيث لم تجد مَن يقف معك فلا بأس، وإلا فلا تدخل.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب صلاة الجماعة: (فإن صلى فذًّا ركعة لم تصح، وإن ركع فذًّا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحَّتْ)
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما تقول فيمَن جاء إلى المسجد فوجد فرجة؟
طالب: يدخل فيها.
الشيخ: يدخل فيها، فإن وجد الصف تامًّا؟
الطالب: صلى وراء الصف منفردًا، بس تابع للإمام.
الشيخ: هذا القولُ الراجحُ، على كلام المؤلف؟
طالب: عن يمين الإمام، على كلام المؤلف أن يقف عن يمين الإمام.
الشيخ: يتقدم إلى يمين الإمام، أو يجذب؟
الطالب: أو يجذب أحدًا إلى الخلف.
الشيخ: إذا لم يمكن. ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أن يقف في الصف إذا ما وجد فرجة.
الشيخ: إذا لم يجد مكانًا في الصف أن يقف خلف الصف وحده. إذا قال قائل: كيف نجيب عن قول الرسول ﵊: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (١٥)؟
[ ١ / ٢٠٤٩ ]
طالب: نجيب على ذلك: أنه إذا استطاع؛ يعني إذا لم يجد فرجة في الصف فإنه من الضرورات يقف خلف الصف، أما إذا وجد فرجة فإنه يدخل.
الشيخ: لكن الحديث ما هو عام: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» أو «لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
الطالب: صحيح بس من () «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» إذا لم يجد فرجة في الصف؛ يعني صلى بدون عذر.
الشيخ: إيه، يعني قد يوحي هذا الحديث بأن المعنى أنه وجد مكانًا لكن صلى خلف الصف، هذا جواب، جواب آخر؟
طالب: أنه عام مخصوص بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فجميع الواجبات تسقط بالعجز.
الشيخ: نعم، هذه اثنين.
طالب: قلنا: صحة الحديث ().
الشيخ: أن العلماء مختلفون في صحته، لكن على القول بأنه صحيح؟
الطالب: أن ذلك مخصص بقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الشيخ: هذه قالها رشيد.
طالب: ممكن أن يقاس على المرأة، صلاة المرأة خلف الصف ().
الشيخ: لا.
طالب: نقول ممكن يكون لنفي الكمال ().
الشيخ: نعم وهذا قاله الأئمة الثلاثة، الأئمة الثلاثة قالوا: إن النفي هنا لنفي الكمال، كقوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (١٦). والنفي هنا نفي للكمال، وهذا القول ذهب إليه الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد. لكننا نرجح خلاف هذا القول؛ لأنَّ الأصل في النفي نفي الوجود قبل كل شيء، فإن لم يمكن بأن كان الشيء موجودًا لا محالة فهو نفي للصحة؛ لأنَّ نفي الصحة نفي للوجود الشرعي، فالشيء إذا وُجد وهو فاسد فهو شرعًا أيش؟
طلبة: غير موجود.
[ ١ / ٢٠٥٠ ]
الشيخ: غير موجود، فإن لم يمكن حمله على نفي الصحة فحينئذٍ يُحمل على نفي الكمال، فالرجوع إلى نفي الكمال يكون في المرتبة الثالثة، ولكننا نقول: هذا الحديث عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال المؤلف: (فإن صلى ركعة فذًّا لم تصح).
قوله: (فإن صلى ركعة فذًّا لم تصح) لا شك أن هذا مكرر مع ما سبق في قوله: (ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة) فإن قوله: (ولا الفذ خلف الصف) هو معنى قوله هنا: (فإن صلى ركعة فذًّا لم تصح) لكن المؤلف ذكر هذا تمهيدًا لقوله: (وإن ركع فذًّا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت).
هاتان مسألتان الأولى قال: (إن ركع فذًّا) يعني وحده (ثم دخل في الصف) قبل سجود الإمام (صحت) صلاته؛ لزوال الفردية قبل تمام الركعة؛ لأنَّ هذا الرجل زالت فَرْدِيَّتُهُ قبل تمام ركعته، فصحت صلاته.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون ذلك لعذر أو لغير عذر، فجعل المؤلف -﵀- الغاية سجود الإمام، إذا زالت الفردية قبل سجود الإمام فصلاته صحيحة، وإن زالت بعد سجود الإمام أو لم تزل أبدًا فصلاته غير صحيحة.
مثال ذلك: رجل وقف خلف الصف وكبَّر وركع ورفع بدون عذر -الصف لم يتم- ثم جاء آخر فدخل معه قبل أن يسجد الإمام، فظاهر كلام المؤلف أن صلاته صحيحة؛ لأنه دخل معه مَن أزال فَذِّيَتَهُ قبل سجود الإمام.
كذلك أيضًا لو دخل في الصف قبل سجود الإمام؛ يعني ركع فذًّا ثم تقدم فدخل في الصف قبل سجود الإمام، يعني ولو بعد الركوع فصلاته صحيحة، هذا كلام المؤلف؛ لأن فذيته زالت قبل أن يسجد إِمامُه.
[ ١ / ٢٠٥١ ]
ولكن المذهب في هذه المسألة خلافُ ما مشى عليه المؤلف، وهو أنه إن كان لغير عذرٍ فرفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة؛ يعني يجعلون الغاية هي رفع الإمام من الركوع، فإذا رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة، وإن زالت فذيته قبل أن يرفع الإمام من الركوع فصلاته صحيحة، هذا إذا كان لغير عذر، أما إذا كان لعذر فهو كما قال المؤلف العبرة بأيش؟
طلبة: بسجود الإمام.
الشيخ: بسجود الإمام، العبرة بسجود الإمام، فما هو العذر الذي يمكن أن يكون هنا؟ قالوا: إن العذر هو خوف فوت الركعة، فإذا كان هذا الرجل يخشى إذا تقدم حتى ينتهي إلى الصف أن تفوته الركعة فله أن يكبر ويركع فذًّا ثم يدخل في الصف قبل أن يسجد الإمام، فإن سجد الإمام قبل أن تزول فذيته ولو لعذر فصلاته غير صحيحة، هذا هو المشهور من المذهب، أي أنهم يفرقون بين الذي بين الذي انفرد لعذر والذي انفرد لغير عذر، فإذا كان لغير عذر فالعبرة بأيش؟
طلبة: برفع الإمام من الركوع.
الشيخ: برفع الإمام من الركوع، وإن كان لعذر فالعبرة بسجود الإمام، والصحيح في هذه المسألة أنه إذا كان لعذرٍ فصلاته صحيحة مطلقة، والعذر تمام الصف، فإذا كان الصف تامًّا فصلاته صحيحة بكل حال، حتى وإن بقي منفردًا إلى آخر الصلاة فصلاته صحيحة، أما إذا كان لغير عذر فإن الغاية رفع الإمام من الركوع، إذا رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة، وإن زالت فذيته قبل رفع الإمام من الركوع فصلاته صحيحة، دليل ذلك:
أما المسألة الأولى: إذا كان لعذر فقد عرفتم دليلها فيما سبق، وأما الثانية: فدليلها قول النبي ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١٧). وهذا الرجل أدرك الركوع مع الإمام، أي إنه لم يرفع الإمام من الركوع حتى زالت فذيته وصار غير منفرد، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
[ ١ / ٢٠٥٢ ]
فصار القول الصحيح التفصيل فيه، إذا كان لعذر -والعذر تمام الصف- فصلاته صحيحة مطلقًا، إذا كان لغير عذر فإنه يعتبر برفع الإمام من الركوع، إن زالت فذيته قبل رفع الإمام من الركوع فصلاته صحيحة؛ لأنه أدرك الركوع وهو قد زالت فذيته، وإن رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فذيته فصلاته غير صحيحة.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه إذا أدرك الركوع مع الإمام وزالت فذيته فصلاته صحيحة؟
نقول: الدليل على ذلك: حديثُ أبي بكرة ﵁ أنهُ أدركَ النبيَّ ﷺ رَاكِعًا، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، فَلَمَّا سَلَّم قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» (١٨).
فدعا له ونهاه أن يعود؛ لأنَّ المشروع ألَّا تدخل في الصلاة حتى تصل إلى الصف، ولم يأمره بالإعادة ولا بإعادة الركعة، فدل هذا على أن ركعته صحيحة، وهو كذلك.
ثم قال المؤلف ﵀:
(فصل في أحكام الاقتداء)
يعني معناه اقتداء المأموم بالإمام، وقد سبق أنه يجب على المأموم متابعة الإمام، وأن المأموم بهذا الاعتبار ينقسم إلى كم؟
طالب: أربعة أقسام.
الشيخ: إلى أربعة أقسام، وهي: متابعة، ومسابقة، وموافقة، وتخلف.
لكن ليس المراد بهذا الفصل هذه المسألة، المراد في أي مكان يصح اقتداء المأموم بإمامه، هل يشترط لصحة الاقتداء أن يكون في مكان واحد، أو يجوز أن يقتدي به ولو كانا في مكانين متباينين؟ هذا هو المقصود في هذا الفصل.
يقول المؤلف: (يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد).
(في المسجد) يعني: في المسجد الواحد، فإذا كان الإمام والمأموم في مسجد واحد صح اقتداء المأموم بالإمام ولو كان بينهما مسافات، ولاحِظوا أنه لا بد أن يكون مع المأموم مَن يزيل أيش؟
طلبة: فرديته.
[ ١ / ٢٠٥٣ ]
الشيخ: فرديته، لا بد من هذا، لكن لا يشترط أن يلي الإمام، فلو أن أحدًا ائتَمَّ بالإمام وهو في مؤخر المسجد والإمام في مقدمه وبينهما مثلًا خمسون مترًا فالصلاة صحيحة؛ لأن المكان واحد والاقتداء ممكن.
وسواء رأى الإمام أم لم يره أو رأى المأمومين أم لم يرهم؛ ولهذا قال: (وإن لم يره) أي: يرى الإمام (ولا مَن وراءَه إذا سمع التكبير) معلوم أنه لا بد من سماع التكبير لماذا؟ لأنه لا يمكن الاقتداء به إلَّا بسماع التكبير، إما منه أو ممن يبلغ عنه، فصار الشرط -صحة اقتداء المأموم بإمامه في المسجد- شرطًا واحدًا فقط، وهو سماع التكبير؛ لأنه بذلك يمكنه الاقتداء والمكان واحد.
فإن كان خارجه يقول المؤلف: (وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين)، فاشترط المؤلف -﵀- فيما إذا كان المأموم خارج المسجد أن يرى الإمام أو المأمومين؛ ولهذا قال: (إن رأى الإمام أو المأمومين).
وظاهر كلامه -﵀- أنه لا يشترط اتصال الصفوف، فلو فرض أن شخصًا جارًا للمسجد ويرى المأمومين أو الإمام مِن شُبَّاكِه وصلى في بيته ومعه أحدٌ يُزيل فذيته فإنه يصح اقتداؤُه بهذا الإمام؛ لأنه يسمع التكبير ويرى الإمام أو المأمومين.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يرى الإمام أو المأمومين في جميع الصلاة؛ لئلا يفوته الاقتداء، ولكن المذهب لا يشترط أن يراهم في جميع الصلاة، يكفي إذا رأى ولو في بعض الصلاة، إذن إذا كان خارج المسجد يشترط لذلك شرطان، الشرط الأول؟
طلبة: السماع.
الشيخ: سماع التكبير، الشرط الثاني: رؤية الإمام أو المأمومين إما في كل الصلاة على ظاهر كلام المؤلف، أو في بعض الصلاة.
وظاهر كلامه أنه لا يشترط اتصال الصفوف، ولكن القول الثاني في المسألة وهو الذي مشى عليه صاحب المقنع أصل هذا الكتاب؛ أنه لا بد من اتصال الصفوف، وأنه لا يصح اقتداء من كان خارج المسجد إلا إذا كانت الصفوف متصلة.
[ ١ / ٢٠٥٤ ]
وذلك لأن الواجب في الجماعة أن تكون مجتمعة في الأفعال وهو المتابعة -متابعة المأموم للإمام- والثاني المكان، وإلا لقلنا: إنه يصح أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحدٌ في المسجد، ورجلانِ في حجرة بينهما وبين المسجد مسافة، ورجلان اثنان بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة، ولا شك أن هذا توزيع للجماعة لا سيما على قول من يقول: إنه يجب أن تُصلَّى الجماعة في المساجد.
فالصواب في هذه المسألة أنه لا بد من اتصال الصفوف، فإن لم تكن متصلة فإن الصلاة لا تصح.
ولنطبق هذه المسألة على الواقع، يوجد حول الحرم عمارات فيها شقق يصلي فيها الناس وهم يرون الإمام أو المأمومين إما في الصلاة كلها أو في بعضها.
فعلى كلام المؤلف تكون الصلاة صحيحة ونقول لهم: إذا سمعتم الإقامة فابقَوْا في مكانكم وصلُّوا مع الإمام ولا تذهبوا إلى المسجد الحرام.
وعلى القول الثاني: لا تصح الصلاة؛ لأن الصفوف غير متصلة، وهذا القول هو الصحيح، وبه يندفع ما أفتى به بعض المعاصرين من أنه يجوز الاقتداء بالإمام خلف المذياع، وكتب في ذلك رسالة سماها: الإقناع بصحة صلاة المأموم خلف المذياع.
وعلى هذا نقول: لا نصلي الجمعة في المسجد هنا؛ لأن اقتداءنا بإمام المسجد الحرام أفضل، كم جماعة في المسجد الحرام؟
طالب: ملايين.
الشيخ: ألوف، بينما المسجد هذا يمكن سبع مئة نفرٍ مثلًا.
طالب: ().
الشيخ: نعم، إذن ما حاجة، نبقى في بيوتنا ونصلي الجمعة مع الحرم خلف المذياع، أيضًا والذي يقول: خلف المذياع، لا يشترط الرؤية؛ لأن المذياع لا يُرى فيه المأمومُ ولا الإمامُ، فإذا جاء التلفزيون يكون من باب أولى، وعلى هذا نقول: اجعل التلفزيون أمامك وصلِّ خلف إمام الحرم، واحمد الله على هذه النعمة يشاركك في هذه الصلاة آلاف الناس، وفي صلاتك في مسجدك ما تبلغون الألف.
[ ١ / ٢٠٥٥ ]
ولكن هذا القول لا شك أنه قول باطل ولا أحد يقول به؛ لأنه يؤدي إلى ترك الجُمَع، وأنا رأيت شخصًا يصلي بجماعة لكنهم جماعة لا يرون الصلاة إلا خلف الإمام المعصوم جالسًا على جدار قصير ومعه مكبر صوت والقبلة خلفه والجماعة أمامه، فيقول: الله أكبر، فيكبرون للإحرام، هو ما بيصلي هو، أمامهم جالس على الجدار، ثم يقول: الله أكبر فيركعون، ثم يقول: سمع الله لمن حمده فينهضون، ثم يقول: الله أكبر فيسجدون وهكذا.
هذا الذي يصلي خلف المذياع يصلي خلف إمام ليس بين يديه وبينهما مسافات كثيرة، وهو فتْحُ بابٍ للشر؛ لأن المتهاون بصلاة الجمعة يستطيع أن يقول: ما دامت الصلاة تصح خلف المذياع والتلفزيون فأنا أريد أن أصلي في بيتي ومعي ابني أو أخي أو ما أشبه ذلك نكون صفًّا.
لكن القول الراجح إذا أخذنا به قطعنا على هذا خط الرجعة كما يقولون؛ لأننا نقول له: لا يصح الاقتداء بإمامة المسجد الحرام إلا إذا اتصلت الصفوف من مكة إلى لاهور.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، وهذا غير ممكن إلا () في الحشر ما ندري الله أعلم، على كل حال القول الراجح أنه لا بد من شروط ثلاثة؛ الأول: سماع التكبير، والثاني؟
الطلبة: الرؤية.
الشيخ: الرؤية وفيها نظر حتى الرؤية فيها نظر ما دام يسمع التكبير فالرؤية ما هي ضرورية، لكن لا بد من؟
طالب: اتصال الصفوف.
الشيخ: اتصال الصفوف، وعلى هذا فنقول في المسجد الحرام: إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف وصلى الناس في الأسواق وصلًّوْا أيضًا على عتب الدكاكين فإن هذا لا بأس به.
يقول: (إن رأى الإمامَ أو المأمومين، وتصح خلف إمام عالٍ عنهم).
(تصح) الضمير يعود على صلاة المأمومين، (خلف إمام عالٍ عنهم) يعني: فوقهم مثل أن يكون هو في الطابق الأعلى وهم في الطابق الأسفل، وهذا يقع كثيرًا في الدكة اللي يسمونها الدكة، أو اللي هي الدكة أو الْخَلوة، خَلوة في الأسفل، بعضهم يسميها البدروم أظن.
طالب: الكبو.
الشيخ: والكبو.
[ ١ / ٢٠٥٦ ]
طالب: والمخبأ.
الشيخ: والمخبأ.
طالب: ().
الشيخ: على كل أنتم عارفينه الآن، الإمام فوق هؤلاء تصح الصلاة ولا حرج فيها، ودليل صحة الصلاة خلف الإمام إذا كان عاليًا أن النبي ﷺ: لما صُنِعَ المنبرُ صارَ يصلي عليهِ، يَصْعَدُ ويقرأُ ويركعُ، فإذا أرادَ أن يسجدَ نزلَ منَ المنبرِ فسجدَ فِي الأرضِ، وقالَ: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (١٩).
لكن المؤلف يقول: (ويُكره إذا كان العلوُّ ذراعًا فأكثرَ).
(يُكره) أي شيء؟
الطلبة: ().
الشيخ: يُكره علوُّ الإمام إذا كان ذراعًا فأكثر، ولكن ليس لهذا دليلٌ بيِّنٌ؛ لأن الحديث الذي استدلوا به: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» (٢٠) لا تقوم به الحجة، ولو صح لأمكن الجمع بينه وبين حديث الصحيحين الثابت في أنَّ الرسولَ ﵊ صلَّى بهمْ على المنبر ِ (٢١).
فعلى ما ذهب إليه الأصحاب -﵏- من الأخذ بهذا الحديث يقولون: إن الجمع هو أن المنبر لا يتجاوز الذراع غالبًا، فيُحمَل هذا الحديث على ما إذا كان العلوُّ كثيرًا، ولكن يبقى النظر أن يقال: مَن الذي قدَّره بالذراع؟ يقول: لأن الغالب أن درجات المنبر لا تزيد على الذراع، الدرجة السفلى منه لا تزيد عن الذراع.
والخلاصة: أن المؤلف -﵀- يرى أنه لا بأس أن يكون الإمام أعلى من المأموم إلا أنه يكره إذا كان العلو ذراعًا فأكثر.
والقول الثاني: أنه لا يكره مطلقًا بناء على أن الحديث الذي استدل به الأصحاب -﵏- ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة.
واستثنى بعض العلماء من هذه المسألة قال: إذا كان الإمام منفردًا بمكانه، أما إذا كان معه أحد فإنه لا يكره ولو زاد على الذراع؛ لأنَّ الحقيقة أن الإمام لم ينفرد بمكانه، خدو بالكم، هذا ذهب إليه بعض العلماء وقال: إنما يكره حيث أيش؟
الطلبة: انفرد الإمام.
[ ١ / ٢٠٥٧ ]
الشيخ: حيث انفرد الإمام بالمكان، أما إذا لم ينفرد فلا بأس، وهذا لا شك أنه قول وجيه؛ لأنه إذا انفرد الإمام بمكان والمأمومون بمكان آخر، فأين صلاة الجماعة؟ أين الاجتماع؟ ما فيه اجتماع، لو كان المأموم هو الأعلى فهل يكره؟ لا يكره، فإذا كان الإمام هو الذي في الأسفل في الْخَلوة مثلًا وفيه أناس يصلون فوق فلا حرج ولا بأس.
يقول ﵀: (ويكره إذا كان العلو ذراعًا فأكثر)
الذراع هل المعتبر ذراع الحديد أم ذراع اليد؟ المعتبر ذراع اليد؛ لأن هذا هو المعروف في عهد الرسول ﷺ.
والمراد باليد: اليد المتوسطة؛ لأن بعض الناس يكون ذراعه طويلًا، وبعض الناس يكون ذراعه قصيرًا، فالعبرة بالذراع المتوسط.
قال ﵀: (ويُكره إذا كان العلو ذراعًا فأكثر كإمامته في الطاق)
(إمامته في الطاق) ما معنى إمامته في الطاق؟ معنى إمامته في الطاق يعني كدخول الإمام في الطاق، والمراد بالطاق: طاق القبلة الذي يسمى المحراب، وأنتم تعرفون أن طاق القبلة يكون مقوسًا مفتوحًا في عرض الجدار، فيكون أحيانًا واسعًا بحيث يقف الإمام فيه ويصلي ويسجد في نفس المحراب.
يقول المؤلف: إن هذا مكروه؛ أن يكون الإمام في طاق القبلة؛ لآثار وردت عن الصحابة -﵃- ولأنه إذا دخل في الطاق استتر عن بعض المأمومين فلا يرونه، لو أخطأ في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود؛ فلهذا يكره.
ولكن إذا كان لحاجة مثل أن تكون الجماعة كثيرة واحتاج الإمام أن يتقدم حتى يكون في الطاق فإن هذا لا بأس به، ويمكن أن نأخذ من كلام المؤلف أن هذا الطاق الذي هو المحراب ليس بمكروه، وهو كذلك.
فاتخاذ المحراب ليس بمكروه، وإن كان بعض العلماء استحبه، وقال: إنه مستحب لما فيه من الدلالة على القبلة وعلى مكان الإمام.
[ ١ / ٢٠٥٨ ]
وبعضهم كره وقال: إنه غير معروف في عهد الرسول ﵊، وإن الرسول ﵊ نَهَى عنِ اتِّخَاذِ المساجِدِ مذابحَ كَمذابحِ النصارى (٢٢) يجعلون لهم الطاق، فهذا يقتضي كراهته، ولكن الصحيح أنه مباح؛ لا نأمر به ولا ننهى عنه.
والقول بأنه مستحب أقربُ إلى الصواب من القول بأنه مكروه؛ لأن الذي ورد فيه النهي مذابح كمذابح النصارى؛ يعني: أن نتخذ محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا كانت تختلف عنهم فلا كراهة؛ لأن العلة في المحاريب المشابهة لمحاريب النصارى هي التشبه بهم، فإذا لم يكن تشبهٌّ فلا كراهة.
نعم قد يقول قائل: إذا كان الرسول ﵊ لم يفعلها فما بالنا نفعلها؟ نقول: نعم إن النبي ﵊ لم يفعلها إما لعدم حاجته إليها، أو لأن الأمور في ذلك الوقت قد تكلف في البناء أو لغير ذلك من الأسباب.
المهم ما دامت ليست مأخوذة على وجه التعبد؛ يعني لم يتخذها الإنسان على وجه التعبد وفيها مصلحة تبين للناس محل القبلة فكيف نكرهها؟ ولو تصورت الآن أن المسجد ليس فيه محراب ثم دخل رجل غريب فسوف تشتبه عليه القبلة؛ ولهذا مر علينا في باب استقبال القبلة أنه يستدل عليها بالمحاريب الإسلامية، ففيها فائدة.
وأنا أذكر مرة في الرياض أول ما ظهرت الفُرش في المساجد وكان لها شيء يشبه المحراب، والفَرَّاشُ فرشها بالعكس، جعل وجوهها إلى عكس القبلة، فدخل رجل ونحن جالسون فاستقبل أوجه هذه الفُرش وجعل القبلة خلف ظهره؛ لأنه لم يتقدم إلى مقدم المسجد ينظر المحراب.
على كل حال أنا قصدي بهذا أن هذه المحاريب فيه فائدة، وهي الاستدلال بها على القبلة.
يقول: (كإمامته في الطاق):
أما إذا كان الإمام تجاه الطاق ولكن لم يدخل فيه ولم يتغيب عن الناس ولكنه محل سجوده يكون في الطاق فإن هذا لا بأس به.
[ ١ / ٢٠٥٩ ]
طالب: شيخ -فتح الله عليك- إذا هناك فيه صف في الصلاة ولكن لم يكتمل، ثم دخل رجلان وصليا خلف الصف اللي ما اكتمل في أثناء الصلاة أحدث أحدهما وخرج، فهل هذا الفذ يقطع صلاته () صلى؟
الشيخ: يقول: رجلان صفَّا والصف لم يتم، ثم إن أحدهما تبين له أنه على غير وضوء أو أحدث في أثناء الصلاة وانفصل، فهل يبقى هذا فذًّا؟ نقول: لا، إذا أمكنه أن يدخل في الصف فيدخل، أما إذا لم يمكن فيكون معذورًا ويكمل فذًّا.
طالب: () صلى فذًّا ركعة، وجاء بعد ركعة رجلٌ وقف إلى جنبه، وبعد يعيد ركعة واحدة ولا بطلت؟
الشيخ: لا. تبطل صلاته.
الطالب: جميعًا.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه لما صلى ركعة بلا عذر بطلت أصلًا، وإذا بطلت الركعة بطل ما يُبنى عليها.
طالب: توجيه يا شيخ حديث أمْر النبي ﷺ الَّذي صلَّى وراءَه صلَّى لوحدهِ: صلِّ خلْف الإمامِ (٢٣). توجيه الأئمة الثلاثة لهذا الفعل، أمَرَه أن يعيد الصلاة.
الشيخ: نعم، يقول هذا على سبيل الاستحباب.
الطالب: أمره أن يعيد الصلاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الاستحباب؟
الشيخ: إي نعم، أمره على سبيل الاستحباب لأجل أن تكون أكمل.
الطالب: وأنتم كيف توجهونه على قولكم؟
الشيخ: أُوَجِّهُ بأن هذا قضية عين، فيحتمل أن الصف ما تمَّ؛ لأن قوله: رأى رجلًا يصلي وحده خلف الصف، ما يدري هل الصف تام ولا غير تام؟
طالب: يا شيخ جزاك الله خيرًا، المسجد الحرام إذا أقيمت الصلاة واصطفينا في الصف يكون الصف المتقدم عنا فراغًا، فإذا () صار اللي قدام أيضًا فراغ، فإذا () كذلك أوتي الركعة ().
[ ١ / ٢٠٦٠ ]
الشيخ: والله اللي أرى أنا في المسجد الحرام أنك تحرص على الصف المقدم، لكن إذا انفتحت فرجة لا تتقدم لأنه مشكل، إذا انفتحت فرجة وتقدمت فتحْتَ فرجة بالصف الذي أنت فيه، وربما أيضًا يكون الصف اللي أمامك لم يتم أيضًا وصفك أنت تام، وهذا يقع كثيرًا، يكون الصف اللي بين إيديك تجد ما فيه إلا أربعة خمسة، والصف اللي أنت فيه كله مملوء دائر المسجد، فهذا الذي أنت فيه أحسن من ذاك.
طالب: شيخ () في المسجد، ويكون مصلى النساء داخل سُور المسجد، ومنفصلة هذه الغرفة، هم يسمعون في السمَّاعات، هذه لا بد أن يكون داخل المسجد أم؟
الشيخ: ما دامت الغرفة داخل السور فلا بأس، تعتبر من المسجد هذه.
طالب: شيخ () إذا توفرت الدواعي في زمن النبي ﷺ ولم يفعله، ما يكون فعله بعده بدعة؟
الشيخ: هذا إذا قُصِد به العبادة صار بدعة لا شك.
الطالب: وما الوسائل إليها يا شيخ؟
الشيخ: الوسائل نرى أنها لها حكم المقاصد، فمثلًا الآن عندنا هذه الخطوط التي للصفوف نقول: إنها ليست ببدعة؛ لأنها ليست مقصودة بذاتها، وإنما هي وسيلة.
الطالب: ما نقول لها حكم المقاصد يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والمقصد عبادة.
الشيخ: لا؛ لأنَّ العبادة لا تتم إلا بهذا، يكون هذا له حكم العبادة، ما هي ليست العبادة هي التابعة، هذا تابع للعبادة.
الطالب: ().
الشيخ: نعم نقول: هذا لما كان وسيلة للعبادة صار تابعًا لها، وليست العبادة هي التابعة له حتى نقول: إنها مبنية على بدعة، فتكون بدعة، نقول: هو تابع للعبادة، فما دامت العبادة تكمل بهذا الشيء فإنه يكون تابعًا لها.
فنحن نقول: لا نقول للناس: افعلوه على أنه مستحب -أعني المحراب- لكن افعلوه على أنه مباح، صار الناس لا يعرفون القبلة إلا به، ويعرفون صدر المسجد والصف الأول وما أشبه ذلك.
طالب: يا شيخ في بعض الأمصار بعضهم يرسم رسمًا يرسم الطاق رسمًا ()؟
[ ١ / ٢٠٦١ ]
الشيخ: هذا أيضًا طيب، إذا رُسِمَ لا بأس يحصل به المقصود.
طالب: شيخ القاعدة المعروفة عند أهل العلم: أن العموم في مقام نزل العموم في الأحوال.
الشيخ: العموم؟
الطالب: في الأقوال ينزل بمنزلة العموم في الأحوال.
الشيخ: هو أصل القول هو دال على العموم، القول العام يكون دالًّا على العموم.
طالب: أمر النبي ﷺ الذي صلى خلف الصف ولم يستفسر ().
الشيخ: لا ما هي ذلك ما () هذه، هذه نقول: لأنه لما كان فيه احتمال أن الصف لم يتم فإذا وُجِد الاحتمال سقط الاستدلال.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هو الذي يُشترط لصحة الاقتداء؛ اقتداء المأموم بالإمام إذا كان في المسجد؟
طالب: يشترط سماع التكبير.
الشيخ: سماع التكبير فقط؟
الطالب: واتصال الصفوف إذا كان خارج المسجد.
الشيخ: أنا أقولك في داخل المسجد.
الطالب: () اتصال الصفوف، سماع التكبير فقط.
الشيخ: فقط؟ ما يشترط شيء؟
الطالب: عمومًا إن فيها نظرًا إذا دعت الضرورة، على ما ذكر المؤلف مَن يرى الإمام أو المأمومين.
الشيخ: أنا أقول: إذا كان في المسجد؟
طالب: مع سماع التكبير.
الشيخ: سماع التكبير فقط؟ ما يشترط غيره؟
الطالب: أبدًا.
الشيخ: أبدًا علم ولا ظن؟
الطالب: علم إن شاء الله.
الشيخ: صحيح، إذا كان في المسجد لا يشترط إلا سماع التكبير حتى لو تباعد ما بينهما بأن كان المأموم في مؤخرة المسجد والإمام في مقدمه، لكن لا شك أن تقارب الصفوف بعضها من بعض هو السنة والأفضل. إذا كان خارج المسجد؟
طالب: يُشترَط ثلاثة شروط أو شرطان؛ الشرط الأول: سماع التكبير، واتصال الصفوف، وقلنا: رؤية المأمومين ().
الشيخ: كلام المؤلف ما الذي اشترط؟
الطالب: شرطين.
الشيخ: وهما؟
الطالب: سماع التكبير، واتصال الصفوف.
الشيخ: هذا كلام المؤلف؟
الطالب: سماع التكبير، ورؤية المأمومين.
[ ١ / ٢٠٦٢ ]
الشيخ: دون رؤية الإمام؟
الطالب: دون رؤية الإمام.
الشيخ: دون رؤية الإمام.
طالب: رؤية الإمام أو المأموم.
الشيخ: العلم يا أحمد العلم إذا لم تعطه كلك فاتك.
الطالب: رؤية الإمام أو المأموم.
الشيخ: يعني يشترط شرطان: سماع التكبير، ورؤية الإمام أو المأمومين صح، هذا على كلام المؤلف.
هل يُشترَط شرطٌ ثالثٌ على قوله ولَّا لا؟
طالب: إذا كان خارج المسجد () يسمع التكبير ().
الشيخ: هو اشترط () كلام المؤلف سماع التكبير ورؤية الإمام أو المأمومين.
طالب: اتصال الصفوف على الصحيح.
الشيخ: اتصال الصفوف على القول الراجح الذي اختاره الموفق وجماعة من العلماء، فصار الآن الذي في المسجد لا يُشترط إلا سماع التكبير فقط، عرفتم؟ سواء كان من الإمام أو مِن مُبَلِّغٍ عنه، أما من الإمام فظاهر، أما من الْمُبَلِّغ عنه ذكرنا لكم قصة مَن؟
طالب: أبو بكر.
الشيخ: أبي بكر ﵁.
أما خارجه فلا بد من شرطين؛ الأول: سماع التكبير، والثاني: اتصال الصفوف على الصحيح، والثالث على رأي المؤلف: أن يرى الإمام أو المأمومين، وهذا قلنا لكم: إن فيه نظرًا؛ لأنه لا يتوقف متابعة الإمام على الرؤية، لا تتوقف على الرؤية؛ ولهذا يصح اقتداء الأعمى بالإمام.
وتَطَوُّعِه مَوْضِعَ الْمَكتوبةِ إلا مِن حاجةٍ، وإطالةُ قُعودِه بعدَ الصلاةِ مُستَقْبِلَ القِبلةِ، فإن كان ثَمَّ نِساءٌ لَبِثَ قليلًا ليَنْصَرِفْنَ، ويُكْرَهُ وُقوفُهم بينَ السواري إذا قَطَعْنَ الصفوفَ.
(فصلٌ)
ويُعْذَرُ بتَرْكِ جُمُعَةٍ وجماعةٍ مريضٌ ومدافِعٌ أحدَ الأَخْبَثَيْنِ، ومَن بِحَضْرَةِ طعامٍ مُحتاجٌ إليه، وخائِفٌ من ضَياعِ مالِه أو فَواتِه أو ضَرَرٍ فيه، أو موتِ قَريبِه أو على نفسِه من ضَررٍ أو سُلطانٍ أو مُلازَمَةِ غَريمٍ ولا شيءَ معه، أو من فواتِ رُفْقَةٍ، أو غَلَبَةِ نُعاسٍ، أو أَذًى بِمَطَرٍ أو وَحْلٍ، وبِريحٍ باردةٍ شديدةٍ في ليلةٍ مُظلِمَةٍ.
[ ١ / ٢٠٦٣ ]
على كلام المؤلف، هل يشترط شرط ثالث على قول؟
طالب: إي، إذا كان خارج مسجد، إلا أنه يسمع التكبير أيضًا.
الشيخ: هو اشتراط لازم، حتى كلام المؤلف، سماع التكبير، ورؤية الإمام والمأمومين.
طالب: اتصال الصفوف على الصحيح.
الشيخ: اتصال الصفوف على القول الراجح الذي اختاره الموفق وجماعة من العلماء.
فصار الآن الذي في المسجد لا يشترط إلا سماع التكبير فقط، سواء كان من الإمام، أو من مبلغ عنه؛ أما من الإمام فظاهر، أما المبلغ عنه ذكرنا لكم قصة من؟
طالب: أبو بكر.
الشيخ: أبي بكر ﵁، أما خارجه فلا بد من شرطين:
الأول: سماع التكبير.
والثاني: اتصال الصفوف على الصحيح.
والثالث -على رأي المؤلف-: أن يرى الإمام أو المأمومين. وهذا قلنا لكم: إن فيه نظرًا؛ لأنه لا يتوقف متابعة الإمام على الرؤية؛ ولهذا يصح اقتداء الأعمى بالإمام، واقتداء المأمومين إذا كانوا في ظلمة، أهم شيء هو سماع التكبير. هل يجوز أن يكون الإمام أعلى من المأموم؟
طالب: نعم، يجوز، ولكن ضيق الحال.
الشيخ: سواء كان العلو يسيرًا أو كثيرًا؟
طالب: لا، إن كان ذراعًا فأقل فلا يكره، وإن كان أكثر من ذراع فيكره.
الشيخ: فيكره، ما هو دليلك على هذا التفصيل؟
الطالب: لحديث روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَانٍ أَعْلَى مِنْهُمْ» (١).
الشيخ: هذا نهي عام!
الطالب: قالوا: حمل النهي على الكراهة.
الشيخ: لا، أقول: عام! ليس فيه أنه إذا كان يسيرًا أو كثيرًا.
الطالب: إي نعم، لكن ورد حديث آخر، وهو أن النبي ﷺ صلى على منبره (٢). وقالوا: جمعًا بين الأخبار أن غالبًا ما يكون المنبر -درج السلم- أقل من ذراع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فيكون هذا مخصصًا.
الشيخ: مخصصًا لعموم هذا الحديث. القول الثاني في المسألة؟
طالب: القول الثاني في المسألة: أنه لا يكره هذا.
[ ١ / ٢٠٦٤ ]
الشيخ: لا يكره، ولو زاد علوه عن ذراع ما دام يمكن الاقتداء. طيب، بماذا نجيب عن الحديث؟
طالب: نجيب عن الحديث أنه لم يثبت عن النبي ﷺ.
الشيخ: أن الحديث ضعيف. نعم، نجيب عن هذا بأنه حديث ضعيف، فلا تقوم به حجة.
طالب: فيه قول ثالث.
الشيخ: ما هو؟
طالب: أنها لا تكره مطلقًا إلا للحاجة.
الشيخ: هذا هو، اللي قاله.
طالب: الحاجة لعلو الإمام.
الشيخ: لا، هذا هو الأول.
طالب: يمكن يقال: لا يجوز، ويؤخذ بالحديث، ويوجه الحديث يا شيخ، حديث سهل: صلاته على المنبر، لأنه قال: «فَعَلْتُ لِتَأَتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (٢).
الشيخ: نعم.
الطالب: وممكن نقول بالتحريم.
الشيخ: لا، ما نقول بالتحريم، إحنا نقول: ها الحديث ضعيف، حديث النهي ضعيف، ويبقى -لا شك- أن الأولى أن يكون الإمام مساويًا للمأموم، لا فيه علو للإمام، ولا فيه علو للمأموم. علو المأموم؟
طالب: كذلك عكس الإمام.
الشيخ: يعني لا بأس به؟
طالب: لا بأس به.
الشيخ: لا بأس به. لماذا قلنا: إنه لا بأس به؟ علل كما تحب؛ يعني مثلًا يكون الإمام هنا والمأموم فوق.
طالب: يقولون: إن الإمامة في الصلاة تفيد ارتفاع المنزلة، فلما ارتفع عنهم صار كأن قصده التكبر، أما المأموم فليس في هذه المنزلة؛ منزلة الإمام.
الشيخ: هذه تقتضي العكس، كيف أن الإمامة تقتضي أن يكون الإمام أرفع، ثم يصير في الأسفل؟
طالب: ذكره صاحب الحاشية يا شيخ.
طالب آخر: شيخ، ما ورد النهي.
الشيخ: صح، هذا هو؛ لأنه لم يرد في هذا نهي، والجماعة حاصلة بالعلو والمساواة؛ يعني: الجماعة تحصل بعلو المأموم عن الإمام، أو مساواته له، وإذا لم يرد نهي فالأصل الصحة والحل، وهذا هو الذي جعلنا نقول: إن علو الإمام ولو زاد على الذراع جائز بناء على أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة.
[ ١ / ٢٠٦٥ ]
ذكرنا أن الموفق ﵀ قال: إن هذا الحكم فيما إذا لم يكن مع الإمام أحد، فإن كان معه أحد فلا كراهة؛ يعني مثلًا لو كان الإمام يصلي فوق ومعه جماعة، وفيه ناس يصلون تحت، فإن هذا ليس فيه كراهة، ما دام مع الإمام واحد فأكثر؛ لأن صورة الجماعة حصلت باجتماع شخص إلى الإمام.
بخلاف ما لو كان وحده فوق في السطح، والناس تحته، من يعرف أن هؤلاء جماعة، وأن هذا إمامهم؟ المؤلف يقول: (إنه تكره الإمامة في الطاق)، أيش معنى ها الكلام هذا؟
طالب: المنبر.
الشيخ: المنبر، لا، المنبر ما هو طاق.
الطالب: المحراب.
الشيخ: ويش معنى إمامته في الطاق، يعني في المحراب، ويش معناها؟
الطالب: يعني يدخل في داخل المحراب.
الشيخ: أن يقف الإمام داخل المحراب، لماذا؟
طالب: لأنه لم يرد عن النبي ﷺ.
الشيخ: أصل المحراب ما هو موجود في عهد الرسول، من الأصل.
طالب: قالوا: لأنه يحتجب عن رؤية المأمومين له.
الشيخ: أولًا: ذكروها عن ابن مسعود ﵁.
والثاني: أنه يحتجب عن رؤية المأمومين له. في القول الثاني في المسألة، أظن ذكرناه لكم؟
طالب: أنه يجوز مع الإمام، يعني يصلي في المحراب.
الشيخ: أنه لا يكره؛ لأن الكراهة تحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، كما أنه لو كان خارج الطاق، وكان يسجد في الطاق، فإنه ليس فيه كراهة.
لو كان الإمام واقفًا خارج الطاق، ويسجد في الطاق، فإنه لا كراهة. إذا احتيج إلى ذلك؟
طالب: إذا احتيج إلى ذلك فلا كراهة.
الشيخ: فلا كراهة، كيف الحاجة إلى ذلك؟
طالب: كأن مثلًا يكون في المسجد زحام كثير أو ..
الشيخ: فيحتاج الإمام أن يتقدم حتى يدخل في المحراب، فهذا لا بأس به.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتطوعه موضع المكتوبة) (تطوعه) الضمير يعود على الإمام، لا على المأموم.
(تطوعه) أي الإمام.
(موضع المكتوبة) أي: في المكان الذي صلى فيه المكتوبة؛ ووجه ذلك:
[ ١ / ٢٠٦٦ ]
أولًا: أن فيه حديثًا عن النبي ﵊ في النهي عنه، ولكنه ضعيف، لكن هم استدلوا به.
وثانيًا: أنه ربما إذا تطوع في موضع المكتوبة يظن من شاهده أنه تذكر نقصًا في صلاته الفريضة فيرتبك الناس؛ فلهذا نقول له: لا تتطوع في موضع المكتوبة، ولا سيما إذا باشر الفريضة، بمعنى أنه إذا قام يصلي تطوعًا فورًا فإنه -بلا شك- سوف يشوش على المأمومين؛ فلهذا يكره أن يتطوع.
أما المأموم فإنه لا يكره له أن يتطوع في موضع المكتوبة، لكن ذكروا أن الأفضل أنه يتخلى عن المكان؛ ليكون فاصلًا بين الفرض وسنته.
قال المؤلف ﵀: (إلا من حاجة) الحاجة دون الضرورة؛ لأن الضرورة هي التي إذا لم يقم بها الإنسان أصابه الضرر، والحاجة هي التي تكون من مكملات مراده، وليس في ضرورة إليها، مثل أن يريد الإمام أن يتطوع، ولكن وجد أن الصفوف التي أمامه كلها تامة، ليس فيها مكان، فحينئذٍ يكون محتاجًا إلى أن يتطوع في موضع المكتوبة.
ولكن الذي نرى أن هذه ليست بحاجة؛ لأن أمام الإمام ما هو أفضل من ذلك، وهو أن يتطوع في بيته، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (٣)؛ ولهذا كان النبي ﷺ لا يتنفل في المسجد، إنما كان يتنفل في بيته، الراتبة التي قبل الصلاة والتي بعدها، كما في حديث ابن عمر ﵄ (٤).
فإذن قول المؤلف: (إلا من حاجة) نقول: الحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حاجة، اللهم إلا في أمر نادر جدًّا كما لو كان الشخص ليس له بيت، وإنما مكانه المسجد، أو يكون الشخص عنده عائلة كثيرة، لو ذهب يصلي في بيته حصل له تشويش من العائلة، أو ما أشبه ذلك، وإلا فلا شك أن الأفضل أن يصلي في بيته.
وصلاة المرء في بيته فيها فائدة عظيمة للعائلة؛ لأن العائلة تتعود التطوع بالصلاة، لا صغارهم ولا كبارهم، ويكون في هذا عون لهم على التطوع.
[ ١ / ٢٠٦٧ ]
قال المؤلف: (وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة) (إطالة قعوده) أيضًا (قعوده) الضمير يعود على الإمام.
يعني يكره أن يطيل قعوده بعد السلام مستقبل القبلة، بل يخفف، ويجلس بقدر ما يقول: أستغفر الله، ثلاث مرات، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (٥)، ثم ينصرف، هذه هي السنة، فإطالة قعوده بعد السلام مستقبل القبلة خلاف السنة.
ثم فيه أيضًا محظور آخر: وهو أنه إذا أطال الجلوس مستقبل القبلة حبس الناس؛ لأن المأمومين منهيون أن ينصرفوا قبل انصراف الإمام (٦)، فإذا بقي مستقبل القبلة كثيرًا حبس الناس.
وفيه أيضًا محظور آخر: وهو أنه إذا بقي مستقبل القبلة فقد يظن من خلفه أنه يتذكر شيئًا نسيه في صلاته؛ فيرتبك المأموم في هذا؛ لذلك نقول: إنه يكره أن يطيل القعود بعد السلام مستقبل القبلة. إذن ينصرف إلى أين؟ ينصرف إلى جهة قصده، أي أنه يستقبل المأمومين، ولكن ابتداء الانحراف من اليسار أو من اليمين؟
نقول: كل ذلك ورد عن النبي ﷺ، ورد أنه ينصرف عن يمينه، ثم يستقبل الناس، وأنه ينصرف عن يساره ويستقبل الناس، فأنت إن شئت انصرف عن اليمين، وإن شئت انصرف عن اليسار، كل هذا سنة.
يقول: (فإن كان ثم نساء لبث قليلًا لينصرفن) (فإن كان ثم) أي هناك، يعني في المسجد. (نساء لبث قليلًا) أي لبث مستقبل القبلة قليلًا.
(لينصرفن) أي: النساء قبل الرجال، كما ثبت ذلك عن النبي ﵊، أنه كان يتأخر إذا كان فيه نساء من أجل أن ينصرفن (٧)؛ وذلك لأن الرجال لو انصرفوا قبل انصراف النساء لزم من هذا الاختلاط اختلاط الرجال بالنساء، والشرع يكره أن يختلط الرجال بالنساء، ويحذر منه، حتى إن الرسول ﵊ قال: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (٨)، لماذا؟ لأن أولها أقرب إلى الرجال من آخرها، فهو أقرب إلى الاختلاط.
[ ١ / ٢٠٦٨ ]
وفي هذا دليل واضح جدًّا على أن الإسلام يكره تقارب النساء من الرجال، وأن المبدأ الإسلامي هو عزل الرجال عن النساء، خلاف المبدأ الكافر الغربي الذي يريد أن يختلط النساء بالرجال، والذي انخدع فيه -مع الأسف- كثيرٌ من المسلمين اليوم، وصاروا لا يبالون باختلاط المرأة مع الرجل، بل يرون أن هذه هي الديمقراطية، وهي التقدم، وفي الحقيقة أنها هي الاستئثار والتأخر؛ لأن اختلاط المرأة بالرجال هو إشباع لرغبة الرجل على حساب المرأة، فأين الديمقراطية؟ !
الديمقراطية أن تبقى المرأة مصونة محروسة، لا يعبث بها الرجال، لا بالنظر، ولا بالكلام، ولا باللمس، ولا بأي شيء يوجب الفتنة، هذه الديمقراطية، أما أن آتي بها كأنها صورة يتمتع بها الرجل سكرتيرة له، أو ما أشبه ذلك، يتلذذ بخطابها، وبمسها، فهذا لا شك أنه على حساب المرأة، وأنه ظلم لها، فأين الديمقراطية؟ !
لكن لضعف الإيمان والبعد عن تعاليم الإسلام صار هؤلاء المخدوعون منخدعين بما عليه الأمم الكافرة، ونحن نعلم بما تواتر عندنا أن الأمم الكافرة الآن تئن أنين المريض المدنف؛ لتتخلص من هذا الاختلاط، ولكنه لا يمكنها الآن، اتسع الخرق على الراقع.
لكن الذي يؤسف له أيضًا: الطبقة الثالثة، وهي الطبقة المحافظة التي يريد شرارها اليوم أن تلحق بركب هؤلاء الذين ينادون بما يسمونه الحرية، وهي في الحقيقة حرية هوًى لا حرية هدًى، كما قال ابن القيم ﵀:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ
فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
ما هو الرق الذي خُلقوا له؟
الرق لله ﷿ أن تكون عبدًا لله، هؤلاء هربوا منه، وبلوا برق النفس والشيطان؛ فصاروا الآن ينعقون ويخططون من أجل أن تكون المرأة والرجل على حد سواء؛ في المكتب، في المتجر، في كل شيء.
[ ١ / ٢٠٦٩ ]
ولا شك أن هؤلاء -أشهد بالله- أنهم غاشون لدينهم، وغاشون لإخوانهم من المسلمين، وأن هؤلاء يعتبرون غششة خونة؛ لأن الواجب أن الشعب المسلم يتلقى تعليمه من أي شيء؟ من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.
ونحن إذا رأينا تصرف الشارع الحكيم محمد ﷺ وجدنا أنه يسعى بكل ما يستطيع إلى إبعاد المرأة عن الرجل.
لماذا يبقى الرسول ﵊ في مصلاه إذا سلم حتى ينصرف النساء؟ لماذا؟
لا شك من أجل عدم الاختلاط، هذا مع أن الناس في ذلك الوقت أطهر بكثير من الناس في أوقاتنا هذه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: هذا لا يشك فيه أحد: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٩).
فنسأل الله ﷾ أن يحمي بلادنا وبلاد المسلمين عامة من كيد الكفار، ومن يتبعونهم يلهثون وراءهم؛ ليأخذوا من قيئهم، هم يتقيؤون المفاسد، وأولئك يتلقفونها، يتحسون قيء الكفار -والعياذ بالله- في هذه الأمور وغيرها.
إذن، نقول -على قول المؤلف-: (فإن كان ثم نساء لبث قليلًا لينصرفن) لماذا؟
عندنا دليل وتعليل:
الدليل: فعل الرسول ﵊ وأصحابه، أنه إذا كان في المسجد نساء لبث الإمام قليلًا مستقبل القبلة من أجل أن ينصرف النساء؛ لأن الناس لن ينصرفوا حتى ينصرف الإمام، المأموم لا ينصرف من مكانه حتى ينصرف الإمام، فإذا لم ينصرف الإمام سيبقى المأموم حتى تخرج النساء.
ثانيًا: التعليل: لأجل ألا تختلط النساء بالرجال؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة.
وقوله: (فإن كان ثَمَّ) قلنا: إن (ثَمَّ) بمعنى هناك، وهي مفتوحة الثاء، وليست مضمومة، وما أكثر الذين يغلطون فيها، فيقولون: (ثم)، ولكنهم جاهلون في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠].
[ ١ / ٢٠٧٠ ]
يقول: (لبث قليلًا لينصرفن). ثم قال المؤلف: (ويكره وقوفهم بين السواري إذا قطعن الصفوف).
(يكره وقوفهم) أي: وقوف المأمومين.
(بين السواري) وهي الأعمدة.
(إذا قطعن الصفوف) فاشترط المؤلف أن تقطع الصفوف.
وما مقدار القطع؟ قيده بعضهم بثلاثة أذرع، قال: إذا كانت السارية ثلاثة أذرع فإنها تقطع الصف، وما دونها لا يقطع الصف.
وقال بعض العلماء: التي تقطع الصف هي التي تكون بمقدار قيام ثلاثة رجال، ومقدار قيام ثلاثة رجال أقل من ثلاثة أذرع، أما السواري اللي مثل سوارينا هذه، فهي صغيرة، لا تقطع الصفوف، لا سيما إذا تباعد ما بينها، وعلى هذا فلا يكره الوقوف بينها.
وعلى القول بأنه يكره؛ بمعنى ومتى صارت السواري على حد يكره الوقوف بينها، فإن ذلك مشروط بعدم الحاجة، فإن احتيج إلى ذلك بأن كانت الجماعة كثيرة، وكان المسجد ضيقًا، ولا بد من الوقوف بين السواري؛ فإن ذلك لا بأس به من أجل الحاجة؛ لأن وقوفهم بين السواري في المسجد خير من وقوفهم خارج المسجد، فنقول: هذه حاجة، ولا بأس بها.
وما زال الناس يعملون به في المسجدين: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، عند الحاجة، فلا يضر، وإنما كره ذلك لأن الصحابة كانوا يتوقون هذا، حتى إنهم () على ذلك؛ ولأن المطلوب في المصافة التراص، من أجل أن يكون الناس صفًّا واحدًا، فإذا كان هناك سَوارٍ تقطع الصفوف فات هذا المقصود للشارع.
طالب: شيخ، قوله: (لبث قليلًا)، هل هذا إذا كان في مسجد واحد ()؟
الشيخ: يعني إذا كان هناك نساء، لكن لهن باب خاص ومكان خاص، الظاهر أنه لا بأس به؛ يعني الظاهر أنه لا يلبث؛ لأن المحظور ينتفي هنا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الناس يعلل () موضع المكتوبة؛ لأن الأرض تشهد له ().
الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك لقلنا: كل إنسان يصلي ركعتين تطوعًا ينبغي له أن ينتقل، وكان معناه أن الناس في قيام رمضان كل واحد يبادل الثاني مكانه، هذا غير صحيح.
[ ١ / ٢٠٧١ ]
طالب: شيخ -عفا الله عنك- بعض المساجد السواري تقطع صفين؛ يعني يقف الصف الثاني بحيث يكون صفين بينها وبين الصف الأول؛ يعني يقفون بين السواري، الأولى يعني لتقارب الصفوف أو ().
الشيخ: إي نعم، إذا كان المسجد واسعًا فالأولى ألا يقفوا بين السواري، حتى لو تباعد ما بين الصفين، إذا كان واسعًا.
طالب: أحسن الله إليك، بعض المستدلين بجواز الانتقال () في النافلة بأن الأرض تحدث أخبارها يوم القيامة عن ما عمل عليها الإنسان؟
الشيخ: ما هو بصحيح هذا، الرسول كان يصلي صلاة الليل كلها في مكان واحد.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أقول: السواري على عهد النبي ﷺ يبعد أن تكون ثلاثة أذرع أو بمقدار ثلاثة.
الشيخ: هو صحيح، لكن قد يكون أن السواري في عهد الرسول ﷺ هي من النخل، لكن لعلهم يجعلون النخلتين جنب بعضهم؛ ليكون أقوى وأشد، والنخلتان تسع محل ثلاثة رجال.
طالب: نعم، لكن أقول: الحديث () مطلق، فلو قلنا: نقدر فيما أطلق عليه السارية عادة لكان يعني أقرب من التقدير هكذا، ما يكون محتاجًا إلى دليل؟
الشيخ: هذا دليله، هو السواري التي تقطع الصفوف، أما اللي ما تقطع ما يضر، يعني لو فرضنا أن السارية خفيفة جدًّا ما تقطع الصف.
طالب: لكن الدليل يعني على هذا التقدير يعني ().
الشيخ: معروف السواري عندهم في عهد الرسول أنها سواري بهذا القدر.
طالب: شيخ، قلنا: إن الأفضل أن يصلي الشخص الراتبة في بيته، لكن إذا فاتت الشخص يعني صلاة الجماعة، فهل الأفضل أن يصلي في المسجد أو في بيته لواحد منفردًا؟
الشيخ: قول الرسول: «إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (٤) يشمل من فاتته.
طالب: يعني يصلي في المسجد يا شيخ؟
الشيخ: يصلي في المسجد.
طالب: ولو كان يستطيع أن يصلي جماعة مع أهله في البيت؟
الشيخ: الظاهر يصلي في المسجد؛ لأنه ربما إذا صلى أيضًا يأتي من يصلي معه.
طالب: طيب، الحديث يا شيخ.
[ ١ / ٢٠٧٢ ]
الشيخ: ربما يصلي من يأتي، ويصلي معه.
طالب: حديث أنس يا شيخ الذي فيه أن النبي ﷺ جاء يومًا وقد فاتته صلاة، فصلى في بيته مع أهله (١٠)، صلى جمعًا، ما يدل؟
الشيخ: نعم، هذا فعل صحابي، ما يحكم على السنة، فعل الصحابي ما يحكم على السنة، يكون فيه اعتبارات، () عام.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الحديث المروي وإن كان فيه ما فيه: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» (١١) ألا يدل -أحسن الله إليك- هذا على أن خروج الشخص الواحد من الصف يكون قاطعًا للصف؛ لأن الخطاب هذا خطاب واحد «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ»، ولم يكن وصله؟
الشيخ: ويش ..؟
طالب: يعني على أن الذي يقطع مكان الشخص الواحد، وهو ما يعادل سارية من سوارينا هذه.
الشيخ: لها سلامًا؛ لأن السارية ثابتة، ما () صحتها، لكن الإنسان اللي بيخرج باختياره يقطع الصف.
طالب: إي، لكن النبي ﵊ جعل هذا قطعًا.
الشيخ: إي، معلوم؛ لأنك أنت الآن لو يكون الصف بين السواري تقول: صف متصل؛ لأن السارية أمر ضروري، لكن لو يصير صف وفيه مكان رجل فاضٍ، قلت: هذا الصف مقطوع.
هل تصح الصلاة خلف الإمام إذا كان عاليًا على المأموم؟
طالب: نعم، تصح.
الشيخ: تصح، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل فعل الرسول ﷺ () أنه صلى على المنبر، صار يصلي عليه، ويقرأ، ثم يركع، ثم ينزل ويسجد، ويقول: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (٢).
الشيخ: أحسنت. يقول المؤلف: (كإمامته في الطاق) أيش معناها؟
طالب: أي: يكره أن يؤم الإمام داخل الطاق.
الشيخ: ما هو الطاق؟
الطالب: هو المحراب.
الشيخ: المحراب، نعم. فإن قام خارجه، ثم سجد فيه؟
طالب: لا بأس به.
الشيخ: لم يكره. إطالة قعود الإمام بعد السلام مستقبل القبلة، ما حكمه؟
طالب: حكمه الكراهة.
الشيخ: الكراهة، إلا؟
الطالب: إلا أن النساء يخرجن.
[ ١ / ٢٠٧٣ ]
الشيخ: إذا كان فيه نساء فإنه ينتظر حتى؟
طالب: حتى يخرج النساء.
الشيخ: حتى يخرجن. حكم الوقوف بين السواري؟
طالب: على قول المؤلف: الصحيح أنه يكره.
الشيخ: طيب، يكره مُطلقًا؟
الطالب: إلا لحاجة، إذا كان المسجد فيه ضيق.
الشيخ: لكن ما فيه شرط للكراهة؟
طالب: إذا كان السواري بمقدار.
الشيخ: إذا كانت تقطع الصفوف، أما الدقيقة فلا يكره.
لو فرضنا أن الصف لا يتجاوز ملء ما بين الساريتين، فهل يكره أو لا؟
بمعنى أنهم ثلاثة رجال فقط، وإذا وقفوا بين السواري يعني ما يحتاجون أكثر من هذا.
طالب: لا كراهة فيه.
الشيخ: من أين تأخذه من كلام المؤلف؟
الطالب: (إذا قطعن).
الشيخ: من قوله: (إذا قطعن الصفوف) طيب، بماذا يحصل قطع الصفوف؟
طالب: هي ثلاثة رجال، يا ثلاثة أذرع.
الشيخ: إي نعم، صح، وبعض العلماء يقول: إنه يرجع في هذا إلى العرف.
***
يقول المؤلف: (فصلٌ: ويعذر بترك جمعة وجماعة مريضٌ)
هذا الفصل عقده المؤلف لبيان الأعذار التي تسقط الجمعة والجماعة، ولا شك أن الجمعة أوكد بكثير من الجماعة؛ لإجماع المسلمين على أنها فرض عين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
أما الجماعة فإنه سبق الخلاف فيها، وأن القول الراجح أنها فرض عين، لكن آكديتها ليست كآكدية صلاة الجمعة، ومع ذلك تسقط هاتان الصلاتان للعذر، والأعذار أنواع:
قال المؤلف: (يعذر بترك جمعة وجماعة مريض) هذا نوعٌ من الأعذار، مريض، ولكن ما هو المرض المسقط لوجوب الجمعة والجماعة؟
[ ١ / ٢٠٧٤ ]
المرض المسقِط لوجوب الجمعة والجماعة هو الذي يلحق المريض مشقة لو ذهب يصلي، ودليل هذا؛ أي أنه تسقط الجمعة والجماعة بالمرض الذي يلحقه به مشقة، قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقول النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٢)، وقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]؛ ولأن النبي ﷺ لما مرض تخلف عن الجماعة (١٣)، مع أن بيته كان إلى جنب المسجد. ولقول ابن مسعود ﵁: لقد رَأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق أو مريضٌ (١٤). فكل هذه الأدلة تدل على أن المريض يسقط عنه وجوب الجمعة والجماعة، وكذلك أيضًا من أنواع المرض المسقِط: إذا كان المريض لا يلحقه مشقة بحضور الجماعة، لكنه يخشى مما يعرف عند العامة بالرائحة.
يعني مثلًا مريض فيه جرح، بعض الجروح إذا كان فيه رائحة شديدة فإنه يزداد ألمه، ويحصل فيه التهاب قوي، ويسمونه العامة: الشمم، فإذا كان المريض يخشى من ذلك وليس لديه ما يقاومه به فإنه بهذا يكون معذورًا. والعلة في ذلك: الضرر أو المشقة، هذا واحد.
يُعذر أيضًا بترك الجمعة والجماعة (مدافع أحد الأخبثين) (مُدافع) تدل على أن هناك أخذًا وردًّا، وأن الإنسان يتكلف دفع أحد الأخبثين، والأخبثان هما: البول والغائط، ويُلحق بهما الريح، فإن بعض الناس يكون عنده غازات تنفخ بطنه وتشق عليه جدًّا، حتى إنه أحيانًا يكون أشق عليه من احتباس البول والغائط، فإذا كان يدافع البول والغائط والريح، فإنه يُعذر بترك الجمعة والجماعة.
[ ١ / ٢٠٧٥ ]
وفيه دليل وتعليل؛ أما الدليل: فهو قول النبي ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (١٥)، والنفي هنا بمعنى النهي؛ يعني لا تصلوا بحضرة الطعام، ولا حال مدافعة الأخبثين.
أما التعليل: فلأن المدافعة تقتضي انشغال القلب بهذه المدافعة عن الصلاة، وهذا خلل في نفس العبادة، وترك الجماعة خللٌ في أمر خارج عن العبادة؛ لأن الجماعة واجبةٌ للصلاة أو في الصلاة؟
الطلبة: للصلاة.
الشيخ: واجبة للصلاة، والمحافظة على ما يتعلق بذات العبادة أوْلَى من المحافظة على ما يتعلق بأمر خارج عنها؛ فلهذا نقول: المحافظة على أداء الصلاة بطمأنينة وحضور قلب أولى من حضور الجماعة أو الجمعة.
تعليل آخر: أن احتباس هذين الأخبثين مع المدافعة يضر البدن ضررًا بينًا؛ لأن الله -﷾- جعل هذين الخبثين راحةً للإنسان، فإذا حبسهما صار في هذا مخالفة للطبيعة التي خلق الله الإنسان عليها وجبله عليها، فيكون في ذلك ضرر.
وهذه قاعدة طبية: أن كل ما خالف الطبيعة فإنه ينعكس بالضرر على البدن، ومن ثم تبينت أضرار الحبوب التي تستعملها النساء من أجل حبس الحيض، فإن ضررها ظاهرٌ جدًّا، وقد شهد به الأطباء.
قال: (ومن بحضرة طعام محتاج إليه) يعني ويعذر بترك جمعة وجماعة من كان بحضرة طعام؛ يعني من حضر عنده طعامٌ وهو محتاجٌ إليه، لكن بشرط أن يكون متمكنًا من تناوله، مثاله: رجلٌ جائعٌ حضر عنده الطعام وهو يسمع الإقامة، فقال: أنا بين أمرين: إن ذهبت إلى المسجد انشغل قلبي بالطعام؛ لأني جائع وقد حضر، وإن بقيت وآكل أكلت ثم ذهبت إلى الصلاة مستريحًا.
نقول: كُلْ ولا حرج، وقد قال النبي ﵊: «إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْعِشَاءَ» (١٦)، فأمر النبي أن نبدأ به.
[ ١ / ٢٠٧٦ ]
وكان ابنُ عُمرَ ﵁ يَسمعُ قراءةَ الإِمام وهو يتعشَّى (١٧)، مع أن ابن عمر ﵁ من أشد الناس تمسكًا بالسنة.
إذن، إذا حضر العشاء فتعشَّ ولو أقيمت الصلاة؟ نعم، ولو أقيمت الصلاة. وهل نقول: كُلْ بمقدار ما تنكسر نهمتك، أو لك أن تشبع؟
نقول: لك أن تشبع؛ لأن الرخصة عامة، قال في الحديث: «فَابْدَؤُوا به قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْعِشَاءَ». إذن؛ له أن يأكل حتى يشبع، وذكرنا قيدًا لا بد منه، وهو أن يتمكن من؟
الطلبة: تناوله.
الشيخ: من تناوله، فإن لم يتمكن بأن كان صائمًا وحضر الفطور، وأذن لصلاة العصر، وقال: أنا مشتهٍ الأكل، فهل يؤخر صلاة العصر حتى يفطر ويأكل؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: ممنوع شرعًا.
الشيخ: لأن هذا ممنوع شرعًا، حتى لو اشتهى شهوةً قويةً للطعام فإنه لا يمكن أن يأكل ما دام صائمًا. إذن نقول: لا بد من هذا القيد؛ أن يتمكن من تناوله، ولا بد من قيد آخر، وهو ألا يجعل ذلك عادةً، بحيث لا يقدم العِشاء إلا إذا قاربت إقامة الصلاة؛ لأنه إذا اتخذ هذا عادةً صار قد تعمد أن يدع الصلاة، لكن هذا إنما يكون فيما لو جرى الأمر بغير اطراد عادي، فنقول: ابدأ بالعَشاء، ابدأ بالطعام الذي حضر، سواء عشاء أم غداء، أو (بحضرة طعام محتاج إليه).
قال: (وخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه)
(خائف من ضياع ماله) يعني عنده مال يخشى إذا ذهب أن يُسرق، أو معه دابة يخشى لو ذهب يصلي انفلتت الدابة وضاعت، فنقول في هذه الحال: إنك معذور في ترك الجماعة؛ لأنك لو ذهبت وصليت مع الجماعة فإن قلبك سيكون منشغلًا بهذا المال الذي تخاف ضياعه.
كذلك إذا كان يخشى من فواته، بأن يكون شخصٌ قد أضاع دابته، وقيل له: إن دابتك في المكان الفلاني، وحضرت الصلاة، وقال: أخشى إن ذهبت أن أصلي أن تذهب الدابة عن المكان الذي قيل لي: إنها فيه، فهذا خائف من فواته، نقول: لك أن تترك الصلاة، وتذهب إلى مالك لتدركه.
[ ١ / ٢٠٧٧ ]
ومن ذلك أيضًا: لو أن الإنسان وضع الخبز في التنور، فأقيمت الصلاة، وقال: إن ذهبتُ للصلاة احترق الخبز؛ فماذا نقول؟
نقول: لك الحق أن تدع الصلاة مع الجماعة من أجل ألا يفوت مالك بالاحتراق، والعلة -كما عرفتم- انشغال القلب.
(أو ضرر فيه) ضرر في المال، مثل: أن يخشى إذا ذهب يصلي من صبيان حول السيارة، الصبيان هؤلاء معروفون بأنهم أشرار، يكسرون السيارة، فقال: إن دخلت المسجد كسروا السيارة، وهذا ضرر في ماله، نقول: أنت الآن معذور في ترك الجماعة، لك أن تبقى تحرس السيارة؛ لأنك معذور. إذن؛ اللي يخاف من ضياع المال أو فواته أو الضرر فيه فإنه معذور.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين المال الخطير والمال الصغير الذي لا يعتبر شيئًا؛ لأنه أطلق فقال: (من ضياع ماله).
وقد يقال: إنه فرق بين المال الخطير الذي له خطر وشأن، وبين المال القليل في صلاة الجمعة خاصة؛ لأن صلاة الجمعة إذا فاتت فيها الجماعة لا تعاد، لكن صلاة غير الجمعة إذا فاتت الجماعة أيش؟ يصليها كما هي.
قال: (أو موت قريبه) يعني أن قريبه يخشى أن يموت وهو غير حاضر، أي أنه في سياق الموت، فيخشى أن يموت وهو غير حاضر، والصورة الثانية في موت قريبه أن يخشى أنه لو اشتغل بصلاة الجماعة هلك قريبه؛ لأنه ساقط في ماء، ربما يغرق فيه، لكن هذه الصورة لا تختص بالقريب، بل إذا خاف أن يغرق أي إنسان معصوم فإن له أن يدع الجماعة ويشتغل بإنقاذ هذا المعصوم.
أما الصورة الأولى، وهي إذا كان قريبه في سياق الموت، قال: أخشى أن يموت وأنا غير حاضر، فأحب أن أبقى عنده لألقنه الشهادة وما أشبه ذلك، فهذا عذر.
(أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان) خاف على نفسه من ضرر، كيف ضرر؟ عند بيته كلب عقور، وخاف إن خرج أن يعقره الكلب، فقال: أنا أخشى من ضرره، نقول: إذن أنت معذور، صَلِّ في بيتك ولا حرج عليك.
[ ١ / ٢٠٧٨ ]
وكذلك لو فُرض أن في طريقه إلى المسجد ما يضره، مثل أن يكون الرجل ليس عنده حذاء، والطريق كله شوك، أو كله قِطع زجاج، فهذا يضره، فنقول له: أنت الآن معذور بترك الجماعة.
(أو سلطان) كيف سلطان؟ السلطان يعني مثل الأمير، الأمير يطلبه ويبحث عنه، فقال: إن خرجت أمسكني السلطان، وهو ظالم له، أما لو كان بعدل فلا يحل له أن يتأخر، لكن إذا كان السلطان ظالمًا جائرًا، وخاف إن خرج أن يمسكه ويحبسه، أو يغرمه مالًا، أو يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، ففي هذه الحال يُعذر بترك الجمعة والجماعة؛ لأن في ذلك ضررًا عليه.
أما إذا كان السلطان يأخذه بحق فليس له أن يتخلف عن الجماعة؛ لأنه إذا تخلف عن الجماعة أسقط حقين: حق الله في الجماعة، والحق الذي يطلبه به مَنْ؟
الطلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان.
كذلك: (من ملازمة غريم ولا شيء معه)
له غريم يطالبه يقول: أعطني حقي، كل ما خرج من بيته، وإذا الغريم على عتبة الباب، يلازمه، ويتكلم عليه: يا فلان، يا مماطل، يا كذاب، يا مخلف الوعد، أعطِني حقي، وهو ما عنده فلوس، فهذا عذرٌ، لماذا؟ لما يلحقه من الأذية بملازمة الغريم له؛ لأن هذا الغريم بلازم، يمشي معه من الباب إلى المسجد، ومن المسجد إلى الباب.
نعم، فنقول: أنت الآن في عذر؛ لأن هذا يؤذيك بغير حق، فإن كان معه شيء يستطيع أن يوفي به فليس له الحق في ترك الجماعة؛ لأنه إذا ترك الجمع في هذا الحال أسقط حقين: حق الله في الجماعة، وحق الآدمي في الوفاء.
إذا كان عليه دَيْنٌ غير حال، مؤجلٌ، لكن غريمه ليس ذاك الرجل العاقل، قد خبر أن له دينًا عند هذا الرجل ولا يعرف مؤجل ولا حال، وكان يلازمه؛ لأنه يوجد ناس هكذا، يوجد ناس من الغرماء الذين يطلبون الناس ما عندهم تمييز بين المعجَّل والمؤجَّل، كان في ذهنه أن عند فلان له دراهم، فكان يلازمه، مع أن الحق مؤجل، فهل له أن يتخلف؟
الطلبة: لا، ليس له.
الشيخ: ليس له أن يتخلف، لماذا؟ الأذية حاصلة.
طالب: لم يحل الأجل.
[ ١ / ٢٠٧٩ ]
الشيخ: إي، لكن هذا ما يعرف، حل ما حل.
الطلبة: يرده، () ما حل لك.
الشيخ: طيب، إذا قال ما حل لك، قال: حال.
الطلبة: يمنعه () يردعه.
الشيخ: لا، هذا يُنظر؛ إذا كانت السلطة قوية بحيث لو اشتكاه على السلطة لمنعته منه، فنعم، هذا لا شك أننا نقول: أنت المخطئ، اشكُ على السلطة ويكفونك إياه.
أما إذا كانت السلطة ليست قويةً، أو أن هذا الرجل مثلًا تحابيه السلطة، ما تأخذ الحق منه؛ فهذا عذرٌ لا شك؛ لأن بعض الناس بلوى، لا يفقه ولا يعرف.
طالب: شيخ، بالنسبة للسلطان، يعني ()، ما يستنون إلا يؤخِّره، يقف وراء السلطان.
الشيخ: كيف؟ أيش؟
طالب آخر: حراس الأمير يقصد.
الطالب: يحرسون الأمير، والأمير يسلم، وهم الواقفون أمامه.
الشيخ: إي، إذا كان هناك خوف لا بأس؛ لأنه إذا كان الإنسان إذا خاف على ماله يُعذر بترك الجماعة، كيف عاد إذا خاف على ولي الأمر؟
طالب: الحارسين في الأبواب ().
الشيخ: ما يكفي الحرس في الباب، يمكن يجي أحد، حتى وإن دخل.
طالب: يُوسِّع يا شيخ في مثل هذه الأعذار، ممكن مثلًا يعطى المنافقين كذا، قد يحتجون مثلًا في فصل الشتاء أنهم.
الشيخ: ما بعد جاء، بيجينا -إن شاء الله- فصل الشتاء، اصبر شوي.
طالب: يتضررون ().
الشيخ: على كل حال، هذا شيء بينه وبين الله.
الطالب: تطالبه في العدد وتطالبه في الحضور ().
الشيخ: أقول: هذا شيء بينه وبين الله. بيجينا -إن شاء الله- مسألة العذر بالريح الباردة في آخر الفصل.
طالب: يجعل قاعدة عامة أي أمر يشغل القلب ().
[ ١ / ٢٠٨٠ ]
الشيخ: إي نعم، بيجينا -إن شاء الله- حتى غلبة النعاس، لو فرضنا واحدًا أخذه النعاس وقال: أنا إن جلست إلى صلاة العشاء ما استطعت أني أصلي، نقول: صلِّ الآن منفردًا ونم؛ لأنه -كما قلت لكم-: المحافظة على نفس العبادة -شيء يتعلق بنفس العبادة- أولى بالمحافظة على أمر خارج، فمثلًا: إذا كان مكالمة خطيرة، وينتظرها، ولا في أحد ينوب منابه بحيث إنه لو كُلِّم يجي يخبره، فلا حرج.
طالب: شيخ، من يأكل بصلًا في الليل ولا يروح لصلاة الفجر، بنقول: هذا معذور يعني؟
الشيخ: إي نعم، لا، ما نقول: معذور، نقول: هذا محروم؛ لأن هذا ليس بعذر، هذا إنما منعه النبي ﵊ من المسجد لكف أذاه، ما هو لأنه معذور، لكن أكل البصل يُنظر؛ إن كان أكل البصل من أجل ألا يصلي فهو حرام، وإن أكله رغبة فيه فلا بأس، كما أن الرجل الآن إذا سافر في رمضان يفطر أو لا؟ يفطر، لكن نقول: إذا سافرت من أجل أن تفطر حرم عليك الفطر.
طالب: شيخ، لو كان في نفس صلاة الجماعة -إذا كان مع الجماعة- ورأى رجلًا سوف يسقط في حفرة مثلًا، فهل له أن يقطع الصلاة ولَّا لا؟
الشيخ: إي نعم، له أن يقطع الصلاة، نعم، إذا كان لا يمكنه أن ينبهه بالنحنحة فله أن يقطع الصلاة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما يفرق بين الإمام والمأموم في هذه الأعذار، يعني: الإمام لو تأخر عن الجماعة، فهم ينتظرون.
الشيخ: لا، بس الإمام ينبغي له أن ينبه الجماعة على أني إذا تأخرت مثلًا لمدة عشر دقائق، خمس دقائق، اللي هو يرى يصلون، إنما المأموم والإمام واحد يا ..
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، استدللنا بقول الله ﷿: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ على ترك الجمعة والجماعة، لكن إذا كان مثلًا مصاب بأنفلونزا، وكان يستطيع أن يخرج معه الجماعة، لكنه على المشقة، فكيف؟
الشيخ: إي، يصلي في بيته.
طالب: لكن هذا يستطيع الحضور، والله ﷿ قال ..
الشيخ: لكن تقول: مع مشقة؟
[ ١ / ٢٠٨١ ]
طالب: إي، وهذا يستطيع.
الشيخ: هذه المشقة ما هي باستطاعة؛ لأنه ما فيه أحد مريض إنه نقول: ما يقدر أبدًا، ينزل يجيب ناس مثل ما فعل الصحابة، كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف، ثم إن الإنسان قد يكون إذا وصل إلى المسجد، وإذا تعبان، يكون فيه قلق في أداء الصلاة، يكون معه خفقان في القلب، ولا دوخة في الرأس، لكن لو صلى في بيته يكون مستريحًا.
طالب: شيخ، لو خاف خروج الوقت ويدافعه الأخبثان، ()؟
الشيخ: هذه الأعذار إنما هي في ترك الجمعة والجماعة، لا في الوقت، الوقت لا بد أن يصلي على كل حال.
طالب: () قال: إن في طريقه سباع وهوام، ()؟
الشيخ: إي، بس ما تضره، هو قال: إن المدينة كثيرة السباع والهوام (١٨)، لكن ما قال أنها تضرني، لو قال: تنهشني، كان يكون فيه حُجَّة على رد كلام الفقهاء.
طالب: بالنسبة لو أمام بابه كلب عقور؛ يعني يخشى على نفسه منه، نقول له: ائتِ لك بعصا؟
الشيخ: إذن معناه ما صار عذر، ما يخاف، إذا كان هذا الكلب يمكنه أن يندفع بالعصا، نعم، ما خاف الضرر.
طالب: شيخ، قلنا: لو كان خاف على دابته عبرنا بترك الجماعة، ولا يترك الصلاة، يمكن سامع الشريط يقوم تارك الصلاة.
الشيخ: ليترك الصلاة مع الجماعة، نتكلم عن العذر في الجماعة.
طالب: إي نعم، بس أنت قلت: ترك الصلاة.
الشيخ: لا، ترك الصلاة في الجماعة، كل الكلام هذا في عذر الجماعة.
طالب: شيخ، حديث ابن عباس لما سمع النداء () هذا عام يا شيخ، يخصصه ().
الشيخ: هذا عذر؛ لأن كلمة عذر هذه كلمة عامة.
طالب: شيخ، إذا كان يخشى أن يموت مثلًا قريبه، بس موجود معه من يُلقِّنه الشهادة.
الشيخ: هذا الظاهر ما هو بعذر؛ لأنه حتى الرجل في مثل هذه الحال لو ذهب لم ينشغل قلبه.
***
[ ١ / ٢٠٨٢ ]
طالب: نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المصنف -رحمه الله تعالى- فيمن يُعذر بترك الجمعة والجماعة: أو من فوات رفقة، أو غلبة نعاس، أو أذًى بمطر، أو وحل وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ذكر المؤلف ﵀ أنواعًا من الأعذار المسقطة للجماعة والجمعة، فمنها: المرض، فما دليله؟ دليل أن المرض مُسقط للجمعة والجماعة.
طالب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وحديث.
الشيخ: وهذا دليل عام.
طالب: دليل عام.
الشيخ: طيب، الخاص؟
طالب: الدليل الخاص أن النبي ﷺ لما مرض خلف أبا بكر يصلي بالناس.
الشيخ: طيب.
طالب آخر: دليل آخر من الكتاب: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وكذلك قول ابن مسعود: لا يتخلف عنها إلا منافق أو مريض.
الشيخ: رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض (١٩).
طيب، مدافع أحد الأخبثين: الدليل؟
طالب: الدليل قوله ﷺ.
طالب آخر: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (٢٠).
الشيخ: نعم، من حضره طعامٌ يشتهيه.
طالب: حاله معذور.
الشيخ: معذور، الدليل؟
الطالب: ومن يشق ..
الشيخ: الدليل، ما هو التعليل.
الطالب: هذا هو.
الشيخ: لا، الدليل من الكتاب والسنة، والتعليل من العقل.
الطالب: نعم، قال رسول الله ﷺ: «إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ فَابْدَؤُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ» (٢١). وابن عمر ﵁ هو حريص على السنة كثيرًا منا، وهو في ذات يوم حضر العشاء وأكل وترك الصلاة (٢٢).
الشيخ: وهو يسمع قراءة الإمام. طيب، هل نحن قيدنا كلام المؤلف بقيد؟
طالب: نعم يا شيخ، قيد.
الشيخ: وهو؟
طالب: الشرط الأول: ألا يكون هذا عادة.
[ ١ / ٢٠٨٣ ]
الشيخ: نعم.
الطالب: والثاني: إذا يتمكن تناوله عليه.
الشيخ: أحسنت، فإن لم يمكن تناوله فلا فائدة من ترك الجماعة، تمام.
طالب: وهو السائل مثلًا ().
الشيخ: تمام. إذا خاف من ضياع ماله هل يُعذر؟
طالب: نعم، يعذر في ترك الجمعة والجماعة.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل قول الرسول ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢٣).
الشيخ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». صح، فيه دليل قياسي؟
طالب: إي نعم، أنه من شغل القلب، والأمر الذي يختص بنفس الصلاة أهم من الأمر الذي يختص بـ ..
الشيخ: يعني إذا كان الشارع نهى عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين أو حضور الطعام فالعلة انشغال القلب، نظير هذا لما نهى الرسول ﵊ عن القضاء في حال الغضب (٢٤) قاس العلماء عليه كل ما يُشغل القلب.
يقول المؤلف: إن الخوف من ملازمة الغريم عذر في ترك الجماعة، ويش صورة المسألة؟
طالب: صورة المسألة يعني إن كان هناك غريم، وكان عنده ما ..
الشيخ: غريم يعني مطلوب ولَّا طالب؟
الطالب: طالب، وليس عنده مال، يعني معسر هو، لم يستطع دفع الدين، وكان هذا الغريم إذا خرج من منزله يلازمه كل يوم، فإنه يُعذر في ترك الجماعة.
الشيخ: العلة؟
الطالب: العلة: أذاه، يؤذيه.
الشيخ: التأذي به وإشغاله. إذا كان عنده ما يُوفي به، فهل يُعذر بذلك؟
طالب: لا يعذر.
الشيخ: لا يعذر؛ لأنه؟
الطالب: لأنه مستطيع.
الشيخ: يتخلص منه بوفائه، وينتهي الأمر. إذا كان الإنسان يخشى أن تفوته الرحلة في الطائرة، هل يعذر؟
طالب: نعم، يعذر.
الشيخ: من أين أخذته من كلام المؤلف؟
الطالب: أو فوات رفقة.
الشيخ: (أو فوات رفقته). ألا نقول له: إذا فاتتك هذه الرحلة فالرحلة التي بعدها.
طالب: إذا كان يحتاج له ضرورة؛ يعني نقول له بالعذر، وإذا كان الأمر فيه واسع نقول له: أجلها.
الشيخ: أجِّلها.
الطالب: إلا إذا كان يعني يوجد طائرة بعد ساعتين أو ثلاث، أو ينوي أن يصلي.
[ ١ / ٢٠٨٤ ]
الشيخ: قد يحصل له الركوب وقد لا يحصل.
طالب: شيخ، ما يلزمه أن يؤجل الرحلة.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأنه قد يفوت مقصوده، وقد لا تأتي الرحلة المقبلة.
***
بسم الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو كان يخاف من فوات رفقته) إذا كان يخشى من فوات الرفقة فهذا عذرٌ لوجهين:
الوجه الأول: أنه يفوت مقصوده بذلك.
والثاني: أنه يُشغل قلبه؛ لأن الإنسان سوف ينشغل، وقِسْ نفسك فيما لو كنت تسمع تشغيل السيارة وأنت تصلي، فإنك تجد نفسك في حال قلق، تخشى أن تفوتك السيارة، وكذلك الطائرة، فإذا خفت فوات الرفقة فإنك معذورٌ بترك الجمعة وترك الجماعة.
ولا فرق بين أن يكون السفر سفر طاعة أو سفرًا مباحًا؛ فسفر الطاعة كالسفر لعمرة أو حج أو طلب عِلم، والمباح كالسفر لتجارة ونحوها.
قال المؤلف: (أو غلبة نعاس) إذا غلبه النعاس فإنه يُعذر بترك الجمعة والجماعة.
كرجل منهك بعمل أو سفر، فأخذه النوم والنعاس حتى كان يتكلم مع الناس وهو نائم، فيقول: أنا الآن بين أمرين: إما أن أذهب وأصلي مع الجماعة وأنا في غلبة النعاس لا أدري ما أقول، وإما أن أنام حتى آخذ ما يزول به عني النعاس، ثم أصلي براحة. نقول: افعل الثاني.
فإن خاف فوت الوقت: قال: أنا أخشى إن نمت أن يفوت الوقت، نقول: صلِّ الآن على كل حال؛ لأن فوات الوقت ليس كفوات الجماعة، كذلك مما يُعذر به: الأذى بمطر ووحل، إذا كان يتأذى بالمطر؛ يعني أن السماء تمطر، وإذا خرج تأذى بالمطر، فهو معذور، وما هو الأذية بالمطر؟
الأذية بالمطر: إما أن يتأذى ببل ثيابه، أو ببرودة الجو، أو ما أشبه ذلك، فنقول: إنك الآن معذور، وكذلك لو خاف التأذي بوحل، وكان الناس في الأول يعانون من الوحل؛ لأن الأسواق طين تربص مع المطر؛ ويحصل فيها الوحل والزلق، فيتعب الإنسان في الحضور إلى المسجد، فإذا حصل هذا فهو معذور.
[ ١ / ٢٠٨٥ ]
أما في وقتنا الحاضر فإن الوحل لا يحصل به تأذٍّ؛ لأن الأسواق مسفلتة، وليس فيها طين، وغاية ما هنالك أن تجد في بعض المواضع المنخفِضة مطرًا متجمعًا، لكن هذا لا يضر، لا يتأذى به الإنسان لا في ثيابه، ولا في قدميه، فالعذر في الوقت الحاضر فيما يتعلق بالسيل إنما يكون بماذا؟
الطلبة: بالمطر.
الشيخ: بنزول المطر، فإذا كانت السماء صاحية وانقشع الغيم فلا عذر في الوحل، لكن في بعض القرى التي لم تكن سُفلتت العذر موجود، ولهذا كان الرسول ﵊ ينادي مناديه في الليلة الباردة والمطيرة: «أَنْ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» (٢٥).
وفُهم من قوله: (أو أذًى بمطر) أنه لو لم يتأذَّ به بأن كان مطرًا خفيفًا؛ فإنه لا عُذر له، بل يجب عليه الحضور، وما أصابه من نوع من المشقة فإنه يُثاب عليه ويؤجر عليه.
قال: (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة) قال: (بريح) انتبه للشروط (ريح باردة) هذا وصف، (شديدة) وصفان، (في ليلة مظلمة).
أما الأول: وهو كون الريح باردةً، فلا بد منه؛ لأن الريح الساخنة ليس فيها أذًى ولا مشقة، والرياح الباردة بالنسبة لنا في هذه المنطقة من الكرة الأرضية، الرياح الباردة هي التي تأتي من الشمال؛ لأننا نحن الآن إلى القطب الشمالي أقرب منا إلى القطب الجنوبي، وفي الجهة الجنوبية من الأرض تكون الرياح الباردة هي التي تأتي من الجنوب، بالعكس، عكس المنطقة الشمالية من الكرة الأرضية، فإذا كانت الرياح شمالية وشديدة فهي عذر بلا شك؛ لأنها تؤلم أشد من ألم المطر، لكن القيد الثالث قال: (في ليلة مظلمة)، هذا القيد ليس عليه دليل؛ لأن الحديث الذي استدلوا به حديث ابن عمر: فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ (٢٦)، وليس فيه اشتراط أن تكون الليلة مظلمة؛ ولأنه لا أثر للظلمة أو النور في هذا الأمر، هل الظلمة تزيد من برودة الجو؟
[ ١ / ٢٠٨٦ ]
لا تزيد، والصحو لا يزيد من سخونة الجو في الليل، إذن فالصحيح أنه إذا وُجدت ريحٌ باردةٌ شديدةٌ تشق على الناس فإنه يجوز لهم الجمع، وهو أوْلى من الجمع للتأذي بالمطر، ويعرِف ذلك من قاساه.
أما في أعوامنا الأخيرة هذه فلم يأتِ برد يُوجب أو يُسوِّغ الجمع، لكن يأتي فيما مضى ليالٍ يشق على الناس الحضور إلى المساجد أكثر مما يشق الحضور إلى المساجد في ليالي المطر.
ومع هذا فإن المشقة بالبرد يلحقها مشقة أخرى، وهي أن الغالب أنه في البرد يكثر نزول البول؛ فيتعب الإنسان منه، فإذا توضأ شق عليه الوضوء مع البرودة، لا سيما وأنه في الزمن السابق ليس هناك سخانات تُسخِّن الماء، أحيانًا يكون الماء شديد البرودة جدًّا؛ فلهذا نقول: إنه ما دامت العلة هي المشقة، فإن المشقة تحصل بالريح الباردة الشديدة، أما الريح الخفيفة العادية فليس فيها مشقة.
هل يُعذر الإنسان بتطويل الإمام؟
الجواب: نعم، يُعذر بتطويل الإمام إذا كان طولًا زائدًا على السنة؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ لم يوبخ الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذٌ في سورة البقرة، بل وبخ معاذًا (٢٧).
فإذا كان هذا الإمام يطول تطويلًا زائدًا على ما جاءت به السنة فالإنسان معذور في ترك الصلاة خلفه، وإذا لم يوجد مسجد آخر سقط عنه وجوب الجماعة.
طيب سرعة الإمام سرعة تمنعه من فعل ما يجب هل يكون عذرًا في ترك الجماعة؟
الجواب: نعم، يكون عذرًا، بل هذا من باب أوْلى أن يكون معذورًا.
فنقول: إذا كان إمام المسجد يُسرع إسراعًا لا يتمكن به الإنسان من فِعل الواجب، فإنه معذور بترك الجماعة في هذا المسجد، لكن إن وجد مسجد آخر تقام فيه الجماعة وجبت عليه الجماعة في المسجد الثاني.
إذا كان الإمام فاسقًا بحلق لحية، أو شرب دخان، أو إسبال ثوب، فهل هو عذر في ترك الجماعة؟
طلبة: نعم.
[ ١ / ٢٠٨٧ ]
الشيخ: لا، إن قلنا بأن الصلاة خلفه لا تصح -كما هو المذهب- فهو عذرٌ لا شك، أذهب فأصلي مع شخص لا تصح صلاتي خلفه، إذن ما الفائدة؟ فهو عذر.
وأما إذا قلنا بصحة الصلاة خلفه -وهو الصحيح- فإن ذلك ليس بعذر؛ لأن الصلاة خلفه تصح، وأنت مأمور بحضور الجماعة. إذا كان الإنسان مجرمًا، وخاف إن خرج أن تمسكه الشرطة، فهل هو عذرٌ؟
طلبة: لا، ليس عذر.
الشيخ: ليس بعذر، إي، لماذا؟
طلبة: يجب عليه ().
الشيخ: لأنه حق عليه، أما إذا كان مظلومًا فإنه عذرٌ، لو كان الإنسان مظلومًا يعرف أنه ليس منه جناية، ولكن تتحراه رجال الشرطة ظلمًا فهو معذور في ترك الجماعة، يصلي في بيته؛ لأنه مظلوم. إذا كان في طريقه إلى المسجد منكراتٌ؛ كتبرج النساء، وشرب الخمر، وشرب الدخان، وما أشبه ذلك، فهل هذا عذر؟
الطلبة: لا، مع تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
طالب: إن كان يقدر على تغيير هذا المنكر.
الشيخ: لا، ما يقدر.
الطلبة: ليس بعذر.
الشيخ: ليس بعذر، إي نعم.
طالب: إن كان إذا رأى هذا المنكر لا يستطيع أن يصبر عليه فيكون له عذر، بعض الناس يرى المنكر ما يستطيع يصبر، إما أن ينكره أو.
الشيخ: أو أيش؟
الطلبة: ().
الشيخ: إما أن ينكره أو أيش؟
طالب: فيه ناس ما يستطيع يصبر، لازم يفعل شيئًا.
الشيخ: ويش لازم؟
طالب: لازم يفعل شيئًا، قد يودي نفسه بهلكة.
الشيخ: يعني بغير اختياره؟
طالب: إي نعم، يعني إذا رأى المنكر ما يستطيع يصبر.
الطلبة: إما يضرب.
[ ١ / ٢٠٨٨ ]
الشيخ: والله على كل حال، إذا كان أن الرجل يعرف من نفسه أنه إذا رأى المنكر انفجر، وضرب وشتم وصرخ وزعق، فهذا قد يقال: إن هذا عذر؛ لأنه في هذه الحال ربما يضر نفسه، أما إذا كان الرجل عنده غيرة، وعنده اتزان وحكمة يملك نفسه؛ فليس بعذر، نقول: اخرج وانهَ عن المنكر ما استطعت، فإن انتهى الناس فلك ولهم، وإن لم ينتهوا فلك وعليهم. إذا طرأت هذه الأعذار في أثناء الصلاة، فهل له أن ينفرد؟ يعني مثلًا في أثناء الصلاة أصابه مدافعة الأخبثين، هل له أن ينفرد؟
نعم، له أن ينفرد، إلا إذا كان لا يستفيد بانفراده شيئًا؛ بمعنى أن الإمام يُخفِّف تخفيفًا بقدر الواجب، ففي هذه الحال لو انفرد هل يستفيد شيئًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لأنه لو خفَّف فالإمام مثله، لا يستفيد شيئًا بانفراده، هل له أن يقطع الصلاة؟
نعم، له أن يقطع الصلاة، له أن يقطعها، إذا حصل هذا العُذر فله أن يقطع الصلاة؛ لأنه لا يمكنه أن يكملها على الوجه المطلوب منه، إلا إذا كان لا يستفيد من قطعها شيئًا؛ فإنه لا يقطعها، لو فرضنا أنه يخشى من ملازمة الغريم، وخرج من بيته إلى المسجد ولم يجد الغريم، لكن في أثناء الصلاة سمع الغريم يقول: جابك الله، في هذه الحال هل ينصرف أو لا ينصرف؟
الطلبة: لا ينصرف.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ().
الشيخ: إذا انصرف يمسكه أحسن، ففي هذه الحال لا ينصرف.
لا، فإذا كان لا يستفيد من التخلص من الصلاة فإنه لا يقطعها، أما إذا كان يستفيد فهو عذر. هل هذه الأعذار عذرٌ في إخراج الصلاة عن وقتها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ليست عُذرًا، على الإنسان أن يصليها في الوقت على أي حال كان، إلا أن بعض أهل العلم قال: إن مدافعة الأخبثين عذرٌ في إخراج الصلاة عن وقتها؛ وذلك لأن حبس الأخبثين يكون به ضررٌ على الإنسان، ليس مجرد أنه محتاج إلى التخلي، ولكنه يصيبه الضرر.
[ ١ / ٢٠٨٩ ]
وبعض الناس أيضًا يحس إذا حبس الأخبثين، ولا سيما البول، يحس بخفقان شديد في القلب، فيخشى على نفسه منه، فيقول بعض العلماء: إن مدافعة الأخبثين عذر حتى في إخراج الصلاة عن الوقت، ولكننا نقول: إذا كانت هذه الأعذار في الصلاة الأولى التي تُجمع لما بعدها، فإن هذه الأعذار تُبيح الجمع، وهذه فائدة مهمة، هذه الأعذار التي تبيح ترك الجمعة والجماعة تبيح الجَمْع.
وحينئذٍ إذا حصلت لك في وقت الصلاة الأولى ممكن أن تنوي الجمع، وتؤخر الصلاة إلى وقت الثانية؛ لأن ما عُذر فيه بترك الجماعة جاز فيه الجمع؛ لعموم حديث عبد الله بن عباس ﵄: جَمَعَ النبي ﷺ في المدينةِ بين الظُّهرِ والعصرِ، وبين المغربِ والعشاءِ مِن غير خوفٍ ولا مطرٍ، قالوا: ماذا أرادَ بذلك؟ قال: أرادَ ألا يُحرِّجَ أُمَّتَهُ (٢٨) يعني ألا يلحقها الحرج في ترك الجمع.
الآكل للبصل؛ هل يعذر بترك الجمعة والجماعة؟
الطلبة: إي نعم، فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
طالب: إذا كان مثلًا وقت الصلاة قريبًا، فما ينبغي أن يأكل بصلًا بحيث يمتنع عن الخروج لصلاة الجماعة.
الشيخ: المهم أنه أكل، أكل لا لقصد أن يدع الجماعة؛ لأننا نقول: هذا التفصيل الذي أشار إليه هذا بالنسبة لأكل البصل، هل يجوز أو لا؟
نقول: إن قصد بأكله البصل ألا يصلي مع الجماعة فهذا حرامٌ، أما إذا قصد بأكله البصل التمتع به، وأنه يشتهيه، فليس بحرام، كالمسافر في رمضان إذا قصد بالسفر الفطر حرُم عليه، وإن قصد السفر لغرض غير ذلك فله الفطر.
فنقول: هذا الذي أشار إليه بالنسبة لأيش؟
الطلبة: ().
الشيخ: للأكل وعدمه، أما بالنسبة لعدم حضوره المسجد فإننا نقول: لا يحضر، لكن لا لأنه معذور، لكن لا يحضر دفعًا لأذيته.
[ ١ / ٢٠٩٠ ]
الأعذار التي ذكرها المؤلف هذه أعذار تُسوِّغ للإنسان أن يدع الجماعة؛ لأنه متصف بما يعذر به أمام الله، أما من أكل بصلًا أو ثومًا فلا نقول: إنه معذورٌ بترك الجمعة والجماعة، ولكن نقول: لا يحضر دفعًا لأذيته.
وهناك فرق بين هذا وهذا؛ لأن هذا المعذور يُكتب له أجر الجماعة إذا كان من عادته أن يصلي مع الجماعة، يُكتب له الأجر كاملًا؛ لقول النبي ﵊: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (٢٩).
أما آكل البصل والثوم فلا يُكتب له أجر الجماعة، لماذا؟ لأننا إنما قلنا له: لا تحضر دفعًا للأذية؛ كما قال النبي ﵊: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسَانُ» (٣٠).
عندي أشياء بعد ذكرها غير مسألة البصل، يقول ﵀: (إذا كان الإنسان فيه بخرٌ) (بخر) تعرفون البخر؟ رائحة منتنة في الفم، أو في الأنف تؤذي، هل نقول: إنه لا يصلي مع الجماعة، أو يحضر ولو آذى الناس؟
نقول: لا يحضر دفعًا لأذيته، لكن هذا ليس كآكل البصل؛ لأن آكل البصل فعل ما يتأذى به الناس باختياره، أما هذا فليس باختياره، وقد نقول: إن هذا الرجل يُكتب له أجر الجماعة؛ لأن هذا بغير اختياره، معذور.
وقد نقول: إنه لا يُكتب له أجر الجماعة؛ لكنه لا يأثم، كما أن الحائض تترك الصلاة بأمر الله، ومع ذلك لا يكتب لها أجر الصلاة، فإن النبي ﵊ جعل تركها للصلاة نقصًا في دينها.
من شرب دخانًا، وكان فيه رائحة مزعجة تؤذي الناس؛ لأن الدخان ينقسم: بعضه رائحته ليست كريهة، وبعضه رائحته كريهة، الرخيصة منه رائحته كريهة، والغالي ليست رائحته كريهة.
طالب: نسبية.
الشيخ: نسبية، على كل حال، كل شيء نسبي. رِيحُ الْوَرْدِ مُؤْذٍ فِي الْجُعَل، وريح العذِرَة يُكيَّف عليه، فالأمر نسبي.
[ ١ / ٢٠٩١ ]
على كل حال، عامة الناس تؤذيهم رائحة الدخان في أكثر الأحيان، فإذا علم هذا الرجل أن فيه رائحة تؤذي المصلين فإنه لا يحل له أن يؤذيهم، ويأتي إليهم.
وهذا لعله يكون فيه فائدة، وهو أن هذا الرجل الذي يشرب الدخان لما رأى نفسه محرومًا من صلاة الجماعة ربما يكون هذا سببًا في توبته منه، وهذه مصلحة قد تكون ملاحظة بالنسبة لشارب الدخان.
من فيه جروح منتنة، وأنا أخبركم بأنه فيما مضى يكون في الإنسان جروح منتنة؛ لأن المطهرات ما هي موجودة، والمستشفيات غير موجودة، حتى إن بعضهم من حين ما يقبل عليك وفيه هذا الجرح تتقذذ، تكره رائحته، هل يُعذر أو لا؟
الطلبة: يعذر.
الشيخ: نعم، هذا يُعذر؛ لكنا لا نقول: عذر كعذر المريض وشبهه، إلا إذا كان يتأخر عن صلاة الجماعة خوفًا من ازدياد ألم الجرح؛ لأن الروائح أحيانًا تؤثر على الجروح، تزيدها، فهذا يكون معذورًا، ويدخل في قسم المرضى.
المهم، خلاصة الباب هذا أو الفصل أن هذه الأعذار تُسقط وجوب الجماعة، ومن كان من عادته أن يصلي مع الجماعة، ولكن طرأت له هذه الأعذار فإنه يُكتب له الأجر كاملًا؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (٢٩).
وأما من تأذى الناس به فإنه لا يعذر كما يُعذر المريض، فلا ينال الأجر، لكنه يمنع دفعًا لأذاه.
طالب: صحيح هذا الاصطلاح: الكرة على الأرض.
الشيخ: إي.
طالب: معناه؟
الشيخ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، التكوير.
الطالب: كرة.
الشيخ: إي نعم، بس ما هي كرة يلعب بها الناس، لكنها شكلها شكل كرة إلا أنها يقولون: من جهة الشمال ومن جهة الجنوب منبعجة بعض الشيء؛ يعني بيضاوية، ما هي كروية مئة في المئة، بيضاوية.
الطالب: يعني نسلم لهم بهذا؟
[ ١ / ٢٠٩٢ ]
الشيخ: كيف ما نسلم، هذا لو ينكره أحد ضحك الناس عليه، الآن لو تقول: إن جدة متجهة للغرب على خط مستقيم رجعت إلى جدة، ما تجد شيئًا يردك، لكن لو تروح من الجنوب إلى الشمال تجد شيئًا يردك وهو المناطق القطبية الجليدية التي لا يصل إليها أحد.
طالب: شيخ.
طالب: ().
الشيخ: من؟ أنا أود، بس أنا عارف، عندي إلمام بكل العلوم حصل؟ لكن ما حصل.
طالب: () حضر الطعام إلا إن كان معتادًا هذا الأمر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن مثلًا في رمضان، يعني عند الفطور يعني كثيرًا يدعي أنه محتاج للطعام.
الشيخ: إي نعم، يقول: بعض الناس في رمضان إذا أفطر أو في الصيام مطلقًا إذا أفطر فإنه يتعشى عند الفطور، فهل يُعذر؟
إذا كانت نفسه تتوق إلى ذلك، وينشغل قلبه يُعذر؛ لأنه لا يتمكن من تقديم العشاء، ولكني أنا أرى أنه من الناحية الطبية الأفضل ألا يتعشى؛ لأن كون المعدة خالية، ثم يأتيه الطعام على وجه الشبع في آنٍ واحد ليس من المستحسن طبًّا. إذن يأخذ ما تيسر من التمرات، ومن الماء، ومن القهوة، ثم يطلع لصلاة المغرب.
طالب: شيخ، إذا كان هناك صبيان في المسجد يا شيخ يلعبون إذا أقيمت الصلاة، فهل نقول لأحد الجماعة إنه يقطع الصلاة () قياسًا على مدافع الأخبثين؟
الشيخ: إذا قطع الصلاة وقال: يا صبيان، لا تلعبوا.
الطالب: ينتظر يا شيخ، ما يصلي.
الشيخ: يعني يترك الصلاة مرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، والله هذا قد يكون بالنسبة لمن له ولاية ورعاية مثلما يوجد في بعض المدارس الآن، يقف بعض المدرسين حتى تنتهي الصلاة؛ من أجل الرعاية للطلبة، فهذا له وجه، لكن بالنسبة للمسجد أنت كغيرك من الناس، إلا أن يوكل إليك الأمر.
طالب: ().
الشيخ: إي نعم، طيب هل فيه أحد يمكن أن يصلي معه؟ ولماذا لا نمنع الصغار من الأصل ما ندخلهم؟
الطالب: ما نستطيع، ما يدخلون إلا إذا أقيمت الصلاة.
الشيخ: إي، والله ما أدري تحتاج إلى تأمل.
[ ١ / ٢٠٩٣ ]
طالب: لو كان هناك مرضى معذورون في مستشفى، هل يلزمهم في الفروض أن يصلوا جماعة ()؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: إذا كان هناك مرضى في مكان واحد، وقلنا: لا يلزمكم حضور الجماعة، فهل يلزمهم أن يقيموا الجماعة في مكانهم، أو لا يلزمهم؟
الظاهر أنه يلزمهم؛ لأن النبي ﵊ قال لمالك بن حويرث ومن معه: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَصَلِّيَا» (٣١)، وهم ليسوا في المسجد، هم في البر، فالظاهر أنه تلزمهم الجماعة، ويكون الذي يسقط عنهم هو الحضور إلى المسجد.
طالب: أعمى إذا ما عنده واحد، يقوده يودي إلى المسجد، والبلد سيارات كثيرة مثلًا، يعني ..
الشيخ: يخاف على نفسه، يعذر إذا كان يخاف على نفسه، أما إذا كان البلد أهلها متزنون يعني ما فيهم مثلًا تهور في السياقة -سياقة السيارة- فهو ما عليه.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا كان يستطيع أن يزيل الرائحة من فمه، ثم يتدخل، أو يضع مثلًا روائح طيبة، هل نقول: يجب عليه ذلك؟
الشيخ: إي نعم، يجب عليه؛ لأن إزالة المانع واجب.
الطالب: إذن يلزمه الجماعة.
الشيخ: يلزمه الجماعة؛ لأنه هو دفع لأذاه، فإذا كان حصل ما يزيل الأذى وجبت عليه الجماعة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا هجر الجماعة أو إمام المسلمين رجل، هل تسقط الجماعة؟
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: إذا هجره الناس بأمر إمام المسلمين ..